التحليل 01-12-2018

:التحليل

تطورات عسكرية وتقنية لافتة 
في المسرحين اليمني والسوري 

 

في مطلع العام الجديد تزاحمت أنباء استخدام تقنيات عسكرية جديدة في سوريا واليمن تحديداً مع التطورات المتسارعة في واشنطن وما تعده من تدابير ضد شبه الجزيرة الكورية، وتنبؤات العديد من المسؤولين بحرب نووية وشيكة، كما هدد الرئيس الاميركي بها بيونغ يانغ.

        سنلقي نظرة مركزة على تحول “الشرق الأوسط” الى ساحة تجارب لتقنية الأسلحة العسكرية المختلفة، نستعرض فيها تقنية طائرات الدرونز التي استخدمها المسلحون في سوريا ضد قاعدتي روسيا في سوريا، البحرية في طرطوس والجوية  في حيميم. وكذلك تسليط الضوء على دخول سلاح مضاد الطائرات في اليمن لأول مرة بفعالية ضد مقاتلات دول التحالف الذي تقوده السعودية، واستهداف اليمن للرياض بتقنية دقيقة للصواريخ الباليستية.

التقنية اليمنية

        افادت مصادر عسكرية مقربة من اليمن أن سلاح الجو وبطاريات الدفاع الجوي استطاعت إنتاج نظام صاروخي محلي التصنيع دخل الخدمة لحماية العاصمة صنعاء والمحافظات الشمالية الغربية من الغارا الجوية السعودية.

        كما أفادت الأنباء يوم 8 كانون الثاني / يناير الجاري اسقاط اليمن لطائرة سعودية مقاتلة من طراز إف-15 كانت تغير على صنعاء. وسبق ذلك النبأ بساعات قليلة إعلان سلاح الجو اليمني عن اسقاطه مقاتلة حربية أخرى متعددة المهام القتالية من طراز تورنيدو.

        وتثبّت العالم أجمع من صدقية سلاح الجو اليمني بنشره شريط فيديو للحظات اسقاطه طائرة الأف-15، مستخدماً تقنية أميركية “التطلع للأمام بالأشعة تحت الحمراء – فلير” المخصصة للطائرات المروحية.

        التقنية، كما تدل البيانات العسكرية، مزودة بجهاز استشعار ينتج صورة الجسم المستهدف بتتبعه الموجات الحرارية تحت الأشعة الحمراء المنبعثة، ويعتقد أن اليمن استطاع إدخال تعديلات عليها ونصبها على منصة إطلاق أرضية.

        الإجابة على التساؤول من أين حصل المقاتلون اليمنيون على تقنية (فلير) كانت محور تكهنات مستمرة، ألقت نشرة ذي درايف الأميركية المختصة بعض الضوء بالقول أن اليمن حصل على شحنة معدات عسكرية أميركية، تموز/يوليو 2009، وفق برنامج “المبيعات العسكرية الخارجية” الذي تشرف عليه البنتاغون. وأضافت أن تلك الصفقة شملت ثلاث منصات (فلير ألترا 8500) كجزء من حزمة معدات أخرى قيمتها  3.7 مليون دولار لتحديث اسراب الطائرات المروحية القديمة من طراز “هيوي 2.”

        بيد ان بعض الخبراء العسكريين ألقوا ظلالاً من الشك على ذلك التكهن بالقول أن نظم (فلير) المنصوبة على الطائرات المروحية هي أكبر حجماَ بكثير من تطويع استخدامها في ظروف سلاح أرض – جو؛ فضلاً عن ما يرافق التعديل من تحديات تقنية أخرى كربط جهاز التصوير الحراري بنظام كمبيوتر يستطيع تتبع مسار الجسم الطائر والتنبؤ بحركة طيرانه بسرعة عالية، وامتلاك قدرة المناورة لاطلاق صاروخ ضد الهدف.

        من ميزات نظام (فلير) قدرته على الرؤيا عبر سحب الدخان والضباب مما يتيح لأطقم الاخصائيين استخدامه لمهام الاستشعار والإنذار وارسال البيانات لنظم الدفاع الجوي للمديات القصيرة.

        يرجح الأخصائيون استخدام الجيش واللجان الشعبية اليمنية نظم دفاع جوي محمولة (مانباد)، كما جرى التثبت منه باسقاطهم طائرة درونز من طراز MQ-9 في شهر تشرين الثاني /اكتوبر الماضي. ومن غير المستبعد تمكن القوات اليمنية إدخال تعديلات على صواريخ جو – جو الموجهة بالأشعة تحت الحمراء، والتي كانت في حوزة الجيش اليمني؛ بيد أنها غير ملائمة لظروف ملاحقة اجسام طائرة تحلق على ارتفاعات عالية.

        ترسانة اليمن بها أسلحة ومعدات سوفيتية (روسية) الصنع، منها نظام (سام-2) لإطلاق صواريخ أرض – جو يتحكم بها جهاز رادار من طراز “فان سونغ فاير.” ترددت أنباء حديثاً عن استطاعة الجيش واللجان الشعبية إعادة تفعيل نظام واحد على الأقل من هذا الطراز واستخدام أسلحة موجهة بأشعة الراديو لاسقاط طائرة درونز أميركية مطلع عام 2016. بيد أنن لم يتم التثبت من صحة الأنباء.

        ما يعزز فرضية استخدام اليمن لبطاريات سام-2 هو قدرتها على الإفلات من الصواريخ والبالونات التمويهية التي تطلقها الطائرات الحربية للخداع، وكذلك استخدام قائد الطائرة المستهدفة للدفع النفاث الإضافي مما نتج عنه تموجات أوسع للأشعة تحت الحمراء من السابق كي يلحق بها صاروخ حراري.

        وربما أصاب طاقم المقاتلة الحربية حالة ارتباك وعدم القدرة على التمييز بما يتتبع مساره سواء أشعة رادار أو صاروخ موجه بالأشعة تحت الحمراء.

        حافظ اليمن على سرديته منذ بدء العدوان السعودي عليه بأن لديه مخزون من صواريخ سكود بنماذج متعددة، وما يرافقها من نظم توجيه متطورة تعزز دقة التصويب. الأمر الذي أتاح الفرصة للجيش واللجان الشعبية اطلاق صواريخ باليستية بنجاح على الرياض، والتي تبعد نحو 800 كلم عن الحدود اليمنية.

        يرجح الخبراء العسكريون نصب معدات بصرية متطورة على صواريح سكود اليمنية وظيفتها إجراء مقارنة بين الهدف المرئي خلال التحليق فوق تضاريس مختلفة مع الخريطة المعدة مسبقا في ذاكرة الكمبيوتر على متنها. الأجهزة البصرية تلك هي من إنتاج مؤسسة روسية “سرية” تعرف بـ معهد الأبحاث والعلوم المركزية.

مؤسسات التصنيع العسكري الروسية المختلفة تنشط في بلدان “الشرق الأوسط” لبيع منتوجاتها لدول متعددة من بينها سوريا وإيران؛ ابرزها عرض موسكو لمعدات توجيه بصرية تنصب على صواريخ سكود والتي باستطاعتها اختراق الجدار الإلكتروني الواقي الحامي لنظم الدفاعات الجوية الأميركية و”الاسرائيلية،” الباتريوت نموذجاً.

المدير العام لمعهد الأبحاث الروسي المذكور، فيكتور سوليونين، يشير إلى أن المؤسسة تنتج صواريخ سكود منذ عام 1968، ويؤكد أن معدات توجيه بصرية متطورة منصوبة على صواريخ سكود صممت على الانفصال في محطة التحليق الطرفية لمسار الصاروخ مما يوفر لها فرصة للإفلات من الصواريخ الدفاعية القادمة.

يشار إلى أن رحلة إعادة دخول الصاروخ على الهدف تبدأ على ارتفاع 100 كلم وفيها تنفصل المركبة الحاملة لرأس الصاروخ وتتجه نحو الهدف بمعدل سرعة عالية تصل إلى  4 كلم / ثانية.

وأضاف المدير العام أن نماذج سكود المطورة تتمتع بدقة إصابة أعلى من سابقاتها “بدائرة خطأ لا تتجاوز 10-20 متراً، بصرف النظر عن المدى النهائي للإطلاق؛” وهي مزودة بنظم توجيه بصرية باستطاعتها إجراء مسح ضوئي للتضاريس التي تقطعها ومقارنتها مع بيانات الهدف المخزنة خلال المرحلة النهائية، فضلاً عن قدرتها على تعديل مسار التحليق لتفادي الشباك الالكترونية. ويشير آخرون إلى أن تلك المعدات المتطورة لديها مناعة ضد التشويش الإلكتروني وتدابير أخرى مضادة.

سوريا

في تصريح نادر، أعلنت وزارة الدفاع الروسية عن إحباطها لهجوم ضخم شاركت فيه 13 طائرة مسيّرة – درونز “محملة بالمتفجرات” وُجهتها قاعدتي طرطوس البحرية وحميميم الجوية، 6 كانون2 / يناير الجاري؛ أقلعت من قرية (موزرة) في ريف إدلب الجنوبي الغربي. وأضافت أنه تزامن مع توقيت الهجوم رصد “تحليق طائرة إستطلاع أميركية من طراز بوينغ P-8 (بوسايدون) فوق البحر المتوسط لأكثر من أربع ساعات على إرتفاع 7000 متر بين قاعدتي طرطوس وحميميم.”

وسائل الدفاع الجوية الروسية أسقطت 7 طائرات مهاجمة ونجحت في التحكم الإلكتروني بالطائرات الست الأخرى وقادتها للهبوط في منطقة سيطرة القوات الروسية دون أضرار.

التزمت روسيا لغة الحذر من توجيه إتهامات محددة، واكتفت بالقول أن تقنية برمجة وحدات التحكم في طائرات الدرونز والقاء حمولتها من المتفجرات عبر نظام تحديد المواقع، GPS، يتطلب الحصول على شهادة هندسة من إحدى الدول المتقدمة تقنياً، ولا يمكن للعامة الحصول على الإحداثيات الدقيقة من بيانات الإستطلاع المتوفرة للأقمار الإصطناعية؛ كرد على نفي وزارة الدفاع الأميركية أي دور لها وبأن تلك المعدات “يمكن الحصول عليها من السوق،” وفق تصريح المتحدث باسم البنتاغون آدريان رانكين – غالاوي.

وشدد إعلان وزارة الدفاع الروسية على أن الحادث هو “الأول الذي يستخدم فيه الإرهابيون طائرات مقاتلة مسيّرة أقلعت من مسافة أبعد من 50 كلم، وحلقت بالإعتماد على بيانات الملاحة الجوية في الأقمار الإصطناعية .. وحمولتها من المتفجرات تحمل فتيل تفجير من صناعة أجنبية؛ مما يدل على تلقي الإرهابيين دعماً تقنياً متطوراً للقيام بالهجوم.”

الأخصائي الأميركي في الشؤون السورية، آرون لاند، من خلال موقعه في مؤسسة القرن الأميركية أعرب عن شكوكه في سيل التحركات النشطة بين صفوف المسلحين في تلك المنطقة بالقول “هناك عدد كبير من التحركات المشبوهة الجارية في إدلب – عملاء يتحركون بحرّية، ومجموعات تتعاون مع أخرى لا تتشاطر معها في الأهداف والوسائل.” وربما، أضاف موضحاٌ، جرى تمويه طائرات الدرونز بمظهر صناعة محلية أما حمولتها فكانت من أفضل ما أنتجته التقنية الحديثة؛ ومداها يقرب من 100 كلم.

وأضاف أن نوعية المتفجرات المستخدمة، RDX، لا يمكن لمقاتلين هواة تسلمها واستخدامها، وهي من صنع مؤسسات عسكرية محدودة في العالم، إحداها مصنع في اوكرانيا.”

وشاطره الرأي خبراء أميركيون في علم الطيران بالقول أن من بين المعدات المتطورة على متن الدرونز كانت أجهزة استشعار للضغط الجوي تساعد الطائرة على المضي إلى هدفها المحدد مسبقاً، وأجهزة جيروسكوب أو البوصلة الدوارة مما يضيف إلى الخطورة النوعية التي حملتها طائرات الدرونز، خاصة لميزة تحصينها ضد أجهزة التشويش الإلكتروني – أمر غير متوفر في “السوق المفتوحة.”

الناطق باسم البنتاغون رانكين – غالاوي صرح لوكالة “سبوتنيك” الروسية للأنباء أن تقنية مشابهة لطائرات الدرونز المعنية استخدمها تنظيم الدولة الإسلامية في سلسلة مهام قتالية. ما لم يوضحه الناطق هو كيف له أن يستنتج بيقين عن طبيعة المعدات والتقنية المحمولة في الهجوم على المنشآت الروسية! ربما هو تأكيد غير مباشر على دور طائرة الإستطلاع الأميركية، بوسايدون، في توفير الدعم والملاحة الجوية للسرب المهاجم.

ومن المرجح أيضاً أن الولايات المتحدة تمضي في “اختبار” الدفاعات الجوية الروسية لإختراقها والتغلب عليها، إن استطاعت، والإعداد لدعم هجوم أوسع لاحقاً.

التحليل 12-15-2017

التحليل:

      

نظرة أولية على 

استراتيجية ترامب للأمن القومي

        بعد غياب ملحوظ عن الأضواء برز مستشار الأمن القومي هيربرت ماكماستر على منابر عدد من مراكز الأبحاث والقنوات الإعلامية، منذ مطلع الشهر الجاري، للترويج لـ “استراتيجية جديدة للأمن القومي،” من أبرز عناصرها “.. ضرورة مواجهة أميركا لروسيا والصين وإيران وكوريا الشمالية؛” والتي سيعلن عنها الرئيس ترامب رسمياً يوم الإثنين، 18 كانون الأول / ديسمبر الجاري.

        وينتظر أن تحدد الإستراتيجية أبرز التهديدات العالمية التي تواجه الولايات المتحدة بـ “..الصين وروسيا وكوريا الشمالية وإيران والإرهاب الجهادي.”

        يشار إلى أن إدارة الرئيس ترامب أعلنت مطلع العام الجاري عن انكبابها الإعداد لعناصر استراتيجية جديدة، عقيدة ترامب، بالتزامن مع بدء عمل مستشاره الجديد لشؤون الأمن القومي، ماكماستر، آذار / مارس الماضي؛ محورها التصدي لمصادر تهديد الأمن القومي الأميركي.

        اللافت هذه المرة هو تضمين ترامب وفريقه تنظيم الإخوان المسلمين إلى جانب منظمات “الإسلام المتطرف – الراديكالي،” أوضحها ماكماستر في لقاءاته بأنها “الجناح القطبي” في تنظيم الإخوان، وضرورة عدم تهيئة الظروف للعودة إلى “نموذج (الرئيس) مرسي.” 

        حري بالذكر أن الإعلان الرسمي عن “وثائق” ومذكرات يرافقها حملات إعلامية محورها هو “للاستهلاك العام،” كما أثبتت التجارب المعاصرة، وأبعد ما تكون عن محطات حقيقية لسياسة خارجية تنتظر التطبيق. وما حملات التهيئة للإعلان إلا للتكامل مع قرار استصدره الكونغرس عام 1986، وصادق عليه الرئيس الأسبق رونالد ريغان، لوضع النخب السياسية والفكرية في مناخات تفكير الإدارات الجديدة ونواياها لرسم معالم سياساتها الخارجية. بل من “النادر” إعلان إدارة جديدة عن عناصر تلك الوثيقة في السنة الأولى من ولايتها الرئاسية.

        أولى محطات ماكماستر كان “منتدى ريغان للدفاع الوطني،” بالقرب من مدينة لوس انجيليس، 3 الشهر الجاري؛ مروراً بلقاء مع نظيره البريطاني مارك سيدويل، 12 ديسمبر؛ وأحدثها يوم الأربعاء، 13 الشهر الجاري، مكرراً عناصر “الإستراتيجية” مراراً بالقول أنها ستركز على حماية الأراضي الأميركية وتعزيز الرخاء والحفاظ على السلام من خلال القوة.

وأوضح أنها تتمحور حول “.. نقاط أربع: حماية المواطنين والأراضي الأميركية؛ العمل على إزدهار البلاد عبر تنمية التبادل التجاري والتوسع في الإنتاج؛ المحافظة على السلام العالمي بما يستدعي استخدام القوة لمواجهة الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية؛ ومكافحة الإرهاب في الشرق الأوسط (وفق يومية وول ستريت جورنال 4 ديسمبر 2017).

        قبل الدخول في متاهات وثيقة سربت قبل الإعلان الرسمي عنها، من قبل طاقم مجلس الأمن القومي عينه، نشير الى الشكوك التي رافقتها كواجهة لإنقاذ ترامب وإدارته من هفوات ومطبات من صنع يديها.

        علقت يومية واشنطن بوست، 12 أيلول 2017، على ما رشح منها لحينئذ بالقول أن ما يتيسر يضع الإدارة أمام “خيارات ثلاث لصياغة وثيقتها: استراتيجية تقليدية؛ أو استراتيجية خاصة بترامب – أميركا أولاً؛ أو كاستراتيجية صادقة.” واستدركت بالقول أن كافة تلك الخيارات “ستأتي مخيبة للآمال .. وربما إهتدينا الى منطقة مظلمة بين (الرئيس) ترامب وماكماستر أكبر مما كنا نعتقده.”

        وحثت الصحيفة، وما تمثله من امتدادات داخل المؤسسة السياسية والعسكرية، إدارة الرئيس ترامب توخي الصدق والنزاهة  “والإقرار بأنه لا يتوفر لديها استراتيجية متماسكة للأمن القومي؛” عللت نصيحتها بما أسمته “انقسامات متعددة داخل فريق السياسة الخارجية .. فمدى إنصات الرئيس لا يتعدى مقاس ذبابة وينظر لمجمل القضايا من زاوية عقد الصفقات.”

        وفي ذات السياق المتشكك من نوايا البيت الأبيض، خلصت دراسة أجراها معهد كارنيغي، 13 ايلول 2017، الى القول أن “الإستراتيجية” المزمعة غير مجدية ولن تترك أثراً يحتذى به، إذ أن المسألة الجوهرية تكمن في قدرة الإدارة على “التوفيق بين فريقين متباينين لسياستها الخارجية – التقليديين بزعامة ماكماستر، وفريق متشدد القومية يضم كبير مستشاري الرئيس وكاتب خطاباته ستيفين ميللر.”

مضامين الوثيقة

        بالنظر الى جهود الرئيس اوباما فقد أصدر “عقيدته” في نسختها الثانية بتاريخ 6 شباط /فبراير 2015 معلناً أن الهدف هو “لرسم معالم المباديء والأولويات التي ترشد استخدام القوة الأميركية ونفوذها في العالم؛” مذكراً بالدور القيادي لبلاده “94 مرة.” ما ميّز وثيقة اوباما هو الإقرار بالتحول في “دور الولايات المتحدة من المساعد والمحفز على العمل في المؤسسات الدولية الى دور يعكس الحضور القيادي داخل تلك المؤسسات وكذلك مع الدول الأخرى ..”

        ما يستدل من “عقيدة ترامب” المقبلة هو ميل الفريق المكلف بإعدادها الى القوة العسكرية، أبرزهم مستشاره للأمن القومي هيربرت ماكماستر ونائبته (دينا سكادلو) المعروفة في أوساط شؤون الأمن القومي بترجيحها استخدام “القوة العسكرية لبسط السيطرة السياسية .. العنصر الأساسي للحرب وتحقيق الإنتصار،” كما جاء في كتابها الحرب وفن الحكم، آذار 2017. ما يعزز تلك النزعة العسكرية إدراج بند يتعلق بعسكرة الفضاء الخارجي، واستطراداً الحرب الإلكترونية، ويعيد إلى الأذهان مشروع الرئيس ريغان الخيالي “حرب النجوم.”

        وفي التفاصيل أوضح “مسؤول رفيع في البيت الأبيض” عن تلك التطلعات بالقول “ما نحن بصدده هو الإشارة إلى قدراتنا المتجددة، ليس في البعد النووي أو في الفضاء الخارجي أو حتى في البعد الإستخباراتي فحسب، بل فيما يتعلق بالقدرات المعلوماتية” بشكل أشمل “وهذا يستوجب تحديث قواتنا النووية، التي يعتبرها الرئيس على رأس مهام أولوياته إلى جانب مضاعفة الإنفاق على الدفاعات الصاروخية.”

        وأضاف لنشرة فري بيكون الإلكترونية، 15 ديسمبر، أن “عدداً من عناصر الإستراتيجية تم تبنيها من خطابات الرئيس ترامب في حملته الإنتخابية .. البنود الأربعة تعكس تصريحات الرئيس ترامب العلنية لأولوية أميركا وإزدهارها وكذلك كأكبر قوة للخير في العالم.”

        بالمقارنة، تمحورت “عقيدة” الرئيس جورج بوش الإبن، 2006، حول “نشر الديموقراطي حول العالم،” مما يستدعي سياسة إنفتاحية؛ بينما تضمنت “عقيدة أوباما” نصوصاً صريحة حول مخاطر التغير المناخي؛ أما ما يُستدل من “عقيدة ترامب” فهو الإقلاع التام عن تلك الأهداف والدفع باتجاه التحرك المنفرد للولايات المتحدة غير عابئة بالعزلة الدولية التي ترافقها، كما دلت عليه البنود الأساسية الآربعة سالفة الذكر.

        ترويج مستشار الأمن القومي للوثيقة لم يلق استحساناً من بعض ركائز النخب الفكرية والسياسية. ووصفت اسبوعية ذي أتلانتيك قوة الدفع للإدارة الأميركية  بأنها على تضاد مع القيم السابقة للرئيسين جورج بوش الإبن وباراك اوباما. عقيدة ترامب، وفق النشرة، تعتبر توفير الإزدهار للشعب الأميركي ظاهرة “ينبغي حمايتها وليس توسيع نطاقها؛ السوق الإقتصادية الدولية هي منافس وليس شريك” محتمل لتحقيق الأهداف المنصوص عليها (12 ديسمبر).

        الأستاذ الجامعي المرموق ستيفن وولت إعتبر الوثيقة تمريناً ذهنياً للنخب الفكرية ولا يعوّل كثيراً عليها “نحن معشر الأكاديميين نرحب بتلك الوثائق كونها توفر لنا الفرصة لتصويب مهاراتنا الفكرية ضد هدف ثابت.” وأوضح أن صياغة الوثيقة عادة ما توكل لفريق من النخب أو الكتبة المتعاقدين، بينما دور الرئيس في صياغتها قليل إلى معدوم. بيد أن ذلك لا ينفي القيمة المتضمنة لآلية التفكير وصنع القرار السياسي والأهداف العليا.

        بالعودة إلى “المسؤول الرفيع في البيت الأبيض” علق على دور الرئيس بأنه “منخرط بشدة لإقرار الإستراتيجية، وهو أمر غير معتاد لوضعها حيز التنفيذ في السنة الأولى للولاية الرئاسية.”

المستشار البريطاني سيدويل أكد في كلمته بصحبة ماكماستر، 12 ديسمبر، على الدور الريادي للولايات المتحدة التي “.. ستبقى زعيمة العالم الذي لا غنى عنه؛ وستستمر تلك المعادلة، إنني واثق، على امتداد القرن الحادي والعشرين.”

        العلاقة التي تربط الرئيس بمستشاره لشؤون الأمن القومي قضية بالغة الأهمية، إذ يجد المرء اعتماداً مفرطاً لبعض الرؤساء على مجلس الأمن القومي، كالرئيس ريتشارد نيكسون، بينما وضعه آخرون على الرف كالرئيس هاري ترومان. أما في حال الرئيس دونالد ترامب، فاختياره لماكماستر لم يكن برغبة ذاتية بل جاء على خلفية “استقالة” مستشاره السابق مايكل فلين. ترامب يولي أهمية أكبر لوزارة الدفاع ويصغي لوجهة نظرها فيما يتعلق بالخيارات الإستراتيجية، واستطرادا فإن ماكماستر الآتي من صفوف القيادات العسكرية المتمرسة يحظى برعاية وتأييد الرئيس.

        الإستراتيجية المسرّبة حملت عناوين عريضة لإرضاء الكونغرس بمجلسيه، بشكل أولي، ورقعة إمتداد نفوذه على النخب الفكرية والإعلامية على السواء.

        العداء لروسيا والصين كان من أبرز العناوين واللتين اعتبرهما ماكماستر “تقوضان الأوضاع العالمية السياسية والاقتصادية والأمنية، لما بعد الحرب العالمية الثانية، على حساب مصالح الولايات المتحدة وحلفائها.” 

أما روسيا، بشكل خاص، فاعتبرها “تشكل تهديداً للولايات المتحدة بتطويرها جيل جديد” من الأسلحة ؛ الأمر الذي أعتبر بأنه إشارة للمزاعم بالتدخل الروسي في الانتخابات الأميركية.

واستدرك لاحقا لطلب مساعدة كلا من الصين وروسيا “.. لقطع الطريق على إيران وتأييد الجهزد العالمية للحد من انتشار الأسلحة النووية.”

        إيران وكوريا الشمالية، وفق تعريف مستشار الأمن القومي، تمضيان قدماً في “انتهاك سيادة جيرانهما، والسعي الدؤوب لامتلاك أسلحة الدمار الشامل وتصديرها لدول أخرى.”

        كما أتى ماكماستر على تجديد التعهد الأميركي “بمحاربة الإرهاب،” مستثنيا السعودية التي “دعمت بعض المجموعات المتطرفة في السابق (لكنها) التزمت بمحاربتها كما شهدنا في تأسيسها لمركز مكافحة الإرهاب في الرياض، وافتتاحه بحضور الرئيس ترامب.”

        أما “الارهاب” فيمثله “الفكر المتطرف .. ويسعى لمد جسور بين منطلقاته المتشددة والإسلام السياسي.” 

        وربما هي المرة الأولى في الخطاب السياسي الأميركي الذي يذكر “تنظيم الإخوان المسلمين” بالإسم مناشدا بعدم “العودة (لدعم) نموذج مرسي.” وفي التفصيل خص ماكماستر “الجناح القطبي،” نسبة إلى سيد قطب، الذي أضحى “يهدد شركاء اساسيين لنا مثل مصر والأردن، وينشط بحرية في سوريا.”

        هل يستدل المرء على “انعطافة” في الموقف الأميركي من “الإسلام السياسي؟” ربما، لكن الثابت أن واشنطن “استفادت من دروس الماضي القريب” بعد مراهنات جدية على تسيّد وتوكيل تنظيم الإخوان في الإقليم، وما رافقه من انتكاسات وخسائر في الساحة السورية الأبرز، ودخول القوات الأميركية مباشرة أرض المعركة عوضاً عن وكلائها في التنظيمات والمجموعات المسلحة.

        إشارة ماكماستر “للمجموعات الجهادية” تدل على تبديل واشنطن لبعض أساليبها دون التخلي عن الوظيفة المرسومة أو لرعايتها التنظيمات التقليدية، كما هو الأمر مع ما صدر من تصريحات أميركية متضاربة حول دور قطر في المعادلة الجهادية؛ وتحديث مسميات جديدة لقوى تستطيع أن تخلف التشكيلات المتعددة من “داعش” ومشتقاتها، وتشغيلها في صراع  يتضمن الأراضي الروسية والصينية، حينما تنضج الظروف لذلك.

        كذلك لا يجوز إغفال حقيقة أن ميزانية الدفاع الجديدة تبلغ نحو 700 مليار دولار تستمر برصد مبالغ مماثلة لسابقاتها للعمليات الخارجية، وتقدر بنحو 66 مليار دولار، وتشمل تخصيص 500 مليون دولار لتدريب وتجهيز ما تصفه بالمعارضة السورية “المعتدلة” والحليفة لواشنطن.

التحليل 12-01-2017

التحليل:

صاروخ كوري يفرض معادلة جديدة

هل يهرب ترامب “للأمام” بافتعال مواجهة؟

        أثناء كتابة هذا التقرير، انتشر بين المراقبين “خيار” لجوء الرئيس ترامب لتوتير الأوضاع وافتعال مواجهة قد تفضي الى اندلاع حرب عسكرية مع كوريا الشمالية، اتساقاً مع سعيه للهروب من استحقاقات المرحلة بصرفه الأنظار عن تفاقم الأزمات التي تقترب من شخصه خلال ملاحقة كبار مساعديه قضائياً. في هذا السياق ليس مستبعداً لجوئه لتوتير الاوضاع العالمية، مع عدم ترجيح توجيه ضربة عسكرية “استباقية” لبيونغ يانغ، أو تصعيد نهج التخريب في منشآتها كما حدث للبرنامج النووي الايراني.

        حافظت الولايات المتحدة على سرديتها المشهورة منذ 75 عاماً بأن سلاحها وترسانتها النووية “ضرورية للحفاظ على أمنها ومصالحها.” وعلى الرغم من محاولات متعددة لعقد تفاهمات بين بيونغ يانغ وواشنطن تفضي للقضاء على لغة التهديد بين البلدين، إلا أن الأخيرة التزمت فقط بانتهاك تعهدات قطعتها كلما لاحت لها الفرصة: الاتفاقيات الطويلة مع السكان الأصليين؛ التعهدات مع الزعيم الليبي معمر القذافي ..الخ.

        مضت فترة “هدوء نسبي” شارفت على نحو 60 يوماً بين التجربة الأخيرة لكوريا الشمالية وسابقتها، مما أنعش آمالاً بنجاح الجهود الديبلوماسية بين البلدين. بيد أنها سرعان ما تبخرت وأطلقت كوريا الشمالية تجربة على صاروخ باليستي متطور.

في الحسابات العسكرية الأميركية، حلق الصاروخ الكوري الباليستي “هواسونغ-15، على إرتفاع شاهق لنحو 4,475 كلم، بما يعادل عشرة أضعاف مدار محطة الفضاء الدولية؛ قاطعاً مسافة 950 كلم طولية؛ وتم حسب مسافة مساره بنحو 13,000 كلم (8،100 ميل)، تكفي لاستهداف العاصمة واشنطن، ومنها الى باقي المدن الأميركية الرئيسة. ووفق بيانات “اتحاد العلماء المعنيين” الأميركي الرصين فإن المدى الجديد للتقنية الكورية يغطي معظم الكرة الأرضية وهي محملة برؤوس نووية “باستثناء أميركا الجنوبية والقطب المتجمد الجنوبي.”

        وزير الدفاع الأميركي، جيمس ماتيس، وافق على سردية بيونغ يانغ لناحية قوة ومدى الصاروخ قائلاً “بصراحة كان (مداه) أعلى من الصواريخ التي سبقته .. كوريا الشمالية تمثل تهديداً عالمياً.”

        عنصر المفاجأة لم يغب عن المؤسسة العسكرية والسياسية الأميركية لناحية فشل عدد من التجارب الكورية السابقة، جلها متوسطة المدى – بضع مئات من الكيلومترات، أسفرت عن تشكل شبه إجماع بأن الولايات المتحدة “نجحت في تخريب تلك التجارب،” بوسائل متعددة ابرزها تشويش الكتروني وتزويد البرنامج بمعدات مستوردة أقل جودة وفاعلية من المطلوب.

        ردود أفعال الولايات المتحدة وحلفائها في منطقة بحر اليابان سلطت على إظهار القوة العسكرية الصرفة، بالقرب من سواحل كوريا الشمالية؛ مناورات عسكرية عاجلة أجرتها كوريا الجنوبية. بيد أن الإقرار بنجاح إطلاق الصاروخ وتحليقه لأكثر من 50 دقيقة له دلالاته أيضاً، منها أن النموذج الجديد “هواسونغ – تيمناً بكوكب المريخ” كان متطوراً عن أسلافه  وبوسعه “حمل رؤوس حربية ثقيلة.” بل وصفته يومية ديفينس وان ، Defense One، بأنه “مذهل وجدير بالإعجاب” من الناحية التقنية الصرفة.

        الجناح الواقعي في المؤسسة الأميركية الحاكمة ممثلاً بوزارة الخارجية شدد على “بقاء القنوات الديبلوماسية مفتوحة، حتى الآن؛” جسدها توجه واشنطن للأمم المتحدة لإستصدار قرارات أممية بالمقاطعة التدريجية والشاملة للمؤسسات والهيئات التي تتعامل مع بيونغ يانغ. بالمقابل شهد العالم تصريحات عنترية هددت بأن “كافة الخيارات مطروحة، بما فيها السبل العسكرية؛” ترجمة لنوايا واشنطن المعلنة بضرورة تخلي كوريا الشمالية عن برنامجها الصاروخي والنووي طوعياً.

هل تخطت كوريا عتبة النووي

        الخبراء والأخصائيين في الجانبين، الاميركي والكوري الشمالي، يمضون في مسارات متوازية لحسم الجدل حول القدرة على تحميل الصاروخ الباليستي رؤوساً نووية ونموذجها المتطور بالنووي الحراري.

        الاخصائيون الأميركيون لفتوا النظر الى إطلاق بيونغ يانغ صاروخها الجديد في ساعات متأخرة من الليل “لمحاكاة الظروف العملياتية التي سوف تستخدمها كوريا الشمالية فعليا في سيناريوهات حربية .. وربما استخدمت منصة إطلاق متحركة ليصبح استهدافها شبه مستحيل من قبل الولايات المتحدة أو التهديد بقصف موقع الإطلاق.” وأضافوا أن بيونغ يانغ أثبتت قدرتها على “إجراء تجارب مفاجئة ومستقلة عن الظروف الجوية.”

        التحدي الآخر امام جهود التثبت الأميركية هو الوقود السائل الذي شغّل محركات الصاروخ، والأقل فاعلية، مما يعني بلغة العِلْم أن الوقود تم تحريكه من مخزونه الى منصة الإطلاق وتزويد المحرقات بالطاقة اللازمة. استخدام الوقود السائل، نظرياً، يوفر للولايات المتحدة فرصة زمنية قصيرة لاستشعار الإطلاق واستهداف المنصة على الفور – كلٌّ وفق السردية الأميركية.

        المصادر العسكرية الأميركية أكدت تحليق “طائرات أميركية” للتجسس في الأجواء القريبة خلال إطلاق الصاروخ الكوري، من طراز RC-135S Cobra Ball، والتزمت الحذر قبل الإفراج عن معلومات مفيدة، كما جاء في نشرة مختصة بشؤون الطيران ذي آفياشينست The Aviationist، 28 نوفمبر.

        واكتفت البنتاغون بالقول “رصدنا إطلاق محتمل لصاروخ من كوريا الشمالية. نحن منخرطون في تقييم الوضع وسنقدم مزيد من التفاصيل حين توفرها.”

في الجانب المعتم من المعلومات التقنية الموثقة، بالنسبة لواشنطن، عدم التيقن الصارم من المدى الذي بلغته كوريا الشمالية عقب تجربتها الناجحة في تفجير قنبلة هيدروجينية إن أضحى بمتناولها تطويع التقنية ونصبها على الصاروخ الباليستي، هواسونغ-15. فضلاً عن شح البيانات المتداولة للتأكد من نجاح كوريا في التغلب على المعوقات الفيزيائية ودرجات الحرارة العالية التي ترافق جسم الصاروخ في طريق عودته الى الغلاف الجوي للكرة الأرضية.

وعلى ذات المستوى من الأهمية امتلاك التقنية المتطورة لأجهزة توجيه باستطاعتها التحكم الدقيق بالرأس الحربي وايصاله الى هدفة على مسافات بعيدة تصل لبضع آلاف الأكيلومترات. قرار كوريا الشمالية إسقاط الصاروخ الباليستي في مياه المحيط الهاديء يعقد جهود الجانب الأميركي وحلفائه للتعرف على مكوناته وقياس مدى دقته، ومن ثم البناء على ذلك من استنتاجات ثابتة بقدرة الصاروخ “المقبل على استهداف المدن الأميركية.”

        الرسالة الكورية الحقيقية لم تغب عن بال المؤسسة الحاكمة الأميركية، بأنها ستنقل الحرب الى الاراضي الأميركية في حال شعورها بحتمية التهديد الأميركي. صناع القرار السياسي الأميركي تملكهم الحرص الشديد على خوض المعارك والحروب في مناطق بعيدة عن السواحل الأميركية. والآن هي أمام مواجهة حقيقة جديدة في المعادلات الدولية: اصبحت كوريا الشمالية دولة نووية بصرف النظر عن التهديدات والرغبات الأميركية.

        الزعيم الكوري علق مبتهجاً لما توصلت إليه بلاده بالقول “.. أخيرا حققنا حلمنا التاريخي بامتلاك القدرة النووية،” لردع الولايات المتحدة والحيلولة دون إقدامها على الإطاحة وتغيير النظام. وعليه، امتلكت بلاده سلاحاً متطوراً لن يكون بوسع واشنطن تجاهله بعد الآن، كما يعتقد التيار الواقعي في السياسة الأميركية. واضافت ديفينس وان  أن نجاح التجربة الأخيرة سيحفز بيونغ يانغ على الاستمرار في تطوير برنامجها الصاروخي والنووي “لبلوغ مرحلة متقدمة تستطيع تهديد الولايات المتحدة،” مستطردة أن ذلك “لا يعود لرغبة كوريا الشمالية افتعال حرب نووية، بل لحرصها على امتلاك قدرة ردع الولايات المتحدة.”

الخيارات المتوفرة

        منذ الأيام الأولى لتولي الرئيس ترامب مهام منصبه وهو يكثر من خطاب التهديد بأنه سيقضي على “برامج كوريا الشمالية وينزع سلاحها بالكامل.” وتداول مستشاروه السبل المتاحة لتحقيق ذلك بالتشديد على “عدم تمكين كوريا الشمالية من اقتناء سلاح نووي تهدد به الولايات المتحدة.” بعض أركان الإدارة كان على قناعة ثابتة بأن بيونغ يانغ ستلجأ لنزع سلاحها طواعية، يقابله إفراط بنية استخدام القوة العسكرية بما فيها السلاح النووي لتحقيق ذلك.

        نعيد الى الأذهان التهديد الشهير للرئيس ترامب، 20 آب الماضي، بأنه مقدم على قصف كوريا الشمالية “كرد على مجرد الشعور بتهديدها” بلاده، ومحوها عن الخريطة بعد احراقها “بالغضب واللهب.”

        على جانب كوريا الشمالية، يشار الى أن منصاتها ومنشآتها النووية وبنيتها التحتية منتشرة على رقعة واسعة من أراضيها، مما يتيح لها الرد بالمثل إن تعرضت للعدوان حتى ولو خرج بعض مواقعها من الخدمة بفعل القصف.

        الخيار الأميركي المتداول أيضا هو باستهداف هرم القيادة الكورية وعلى رأسها شخص الرئيس كيم جونغ إيل. من المعروف ان الأخير دائم الحركة للحد من فعالية محاولات اغتياله.

        قد تلجأ واشنطن للمراهنة على شق صفوف القوات العسكرية ودفعها لتنفيذ انقلاب على السلطة المركزية. بيد أن الأمر لا يغب عن بال الزعيم الكوري الذي لجأ “لاعتقال وإعدام بعض الجنرالات المتورطين،” تربطه ببعضهم قرابة عائلية.

        نعيد إلى الأذهان بعضاً مما جاء في شهادة المرشح لتولي منصب مدير وكالة الاستخبارات المركزية، مايك بومبيو، أمام الكونغرس في تموز الماضي، إذ قال في سياق تغيير النظام “.. شعب كوريا الشمالية، أنا على يقين أنه يتطلع بشوق لرؤية غيابه أيضا.” وأضاف “.. فيما يخص مستقبل النظام، يحدوني الأمل بأننا سنجد طريقة للفصل بين الحكم والنظام.”

        اما الخيار “الاستباقي” باستهداف واسقاط صاروخ كوري شمالي خلال مرحلة التحليق فقد أدركته القيادة الكورية مبكراً وحرصت على إطلاقه من ساحلها الغربي للحفاظ على مسار تحليقه فوق الاراضي والمياه الكورية، تفادياً لمحاولة اعتراض واسقاط أميركية فوق الأجواء الإقليمية والذي سيعتبر استفزازاً متعمداً من قبل واشنطن ومن أعمال الحروب العدوانية، ويستدعي الرد.

        في الجانب العملياتي الصرف، تتوارد تصريحات خبراء وأخصائيين أميركيين في المجال الصاروخي والنووي محذرة من الإفراط في تهديد الساسة بقدرة التقنية المتوفرة على التصدي واسقاط تقنية باليستية، مشددين على أن التجارب الميدانية لم تأتِ بنتائج مطمأنة في هذا المجال؛ واستمرار المراهنة عليها ينطوي على قدر كبير من التبسيط والفشل وما سينجم عنه من تهديد الهيبة الأميركية على المدى الطويل.

        أمام هذا المشهد بالغ الحساسية يعتقد المراقبون الأميركيون أن التهديد الأميركي الثابت بشن حرب على كوريا الشمالية يرمي إلى “تعزيز الفرص لإقدام الزعيم الكوري على إرتكاب خطأً في الحسابات والبدء بالحرب ..” وأضاف أولئك لنشرة ديفينس وان أن المراهنة الأميركية على منع كوريا من امتلاك التقنية النووية بكافة مراحلها “قد عفى عنها الزمن منذ سنوات بعيدة.”

        التيار السياسي الواقعي في الداخل الأميركي، مرة أخرى، يرى مخاطر وأهوال حرب قادمة، ليس في البعد الانساني وضحاياه فحسب، بل لتداعياته على الاقتصاد الأميركي ومن ثم ما قد يتعرض لها حلفاء واشنطن من تدمير في البنية الصناعية الهائلة في كل من اليابان وكوريا الجنوبية.

        أما الحل الأمثل، بنظر هؤلاء، فيتمثل بتنبي “الرئيس ترامب استراتيجية خاصة بكوريا الشمالية تعترف فيها بقدرة الأخيرة على تهديد الأراضي الأميركية، والبناء عليها لاحتوائها وردع تجلياتها المدمرة.” واستطرد هؤلاء أن من شأن سياسة بهذا الاتجاه “إعادة الطمأنينة لحلفاء أميركا في الاقليم، والحد من انتشار التسلح، طمعاً في الوصول لمرحلة تسيّد العامل الديبلوماسي للحد من برامج كوريا الشمالية.

        مراهنة الولايات المتحدة على دق إسفين بين الصين وروسيا من ناحية، وبينهما وبين كوريا الشمالية، في سياق تجسيد “سياسة فرِّق تسد،” أنعشت آمالا غير حقيقية في واشنطن لمفاضلة الصين وإيلاء بعض المهام الديبلوماسية لها.

        أما الصين فلها رأي مغاير أفصحت عنه عبر يوميتها باللغة الانكليزية غلوبال تايمز، 30 نوفمبر، بالقول “ينبغي الإقرار بأن السياسة الخارجية الأميركية نحو كوريا الشمالية لم يسفر عنها سوى فشل ذريع.”

التحليل 11-17-2017

التحليل:

انجازات شحيحة لترامب في سنته الأولى 

وزيارته الآسيوية

الرئيس الأكثر خلافية

         شرعت وسائل الإعلام الأميركية المختلفة بشن حملة مكثفة في الذكرى الأولى لإنتخاب دونالد ترامب رئيساً، بما لها وما عليها، تطرح سيناريوهات متعددة، حقيقية ومصطنعة، تترجم ميل بعضها لإقصاء ترامب وعزله ولو في الفضاء الإفتراضي.

لن يجد المرء صعوبة في رصد المسار السياسي والتداعيات الموضوعية التي طرأت على “النفوذ الأميركي،” في الداخل والخارج بعد تسلم ترامب رأس السلطة؛ خاصة وأن التغيرات الدولية تبشّر باللاقطبية أو تعددها وتلاشي التفرد الأميركي بقضايا العالم.

         بعيداً عن مسلسل الفضائح أو التحقيقات القانونية التي لا زالت تلاحق أركان الإدارة الأميركية، إنفرد ترامب بالخطابات النارية والقرارات المفاجأة واستنهاض النزعات العنصرية، وأضحى “الرئيس الأكثر جدلا ً وخلافياً في تاريخ المؤسسة الرئاسية الأميركية .. ورعى حالة الإنقسام الحادة بين الأميركيين بسلوكياته المزاجية الغاضبة ومشاكساته اللامتناهية.” وفق توصيف اسبوعية يو أس نيوز آند وورلد ريبورت، 7 تشرين2 الجاري.

         أوجز أحد أهم أركان الحزب الجمهوري، فرانك دوناتيللي، في الذكرى الأولى، التطورات الاجتماعية بعد اعتلاء ترامب منصب الرئاسة قائلاً “ما يلمسه المرء مدى الغضب الذي يتملك الشعب، وتقلص مساحة القضايا والهموم المشتركة.”

لم يعد سراً حالة الانقسام التي رافقت فريق الرئيس ترامب الاستشاري والذي وصفته واشنطن بأنه “انشطر الى قبائل متنافسة” منذ دخوله البيت الأبيض: فريق “القوميين يدفع الرئيس لتشديد المراقبة وإغلاق الحدود الأميركية، وتمزيق الإتفاقيات التجارية لأسلافه؛ بينما فريق العولمة يشد سياسات الرئيس للتماثل مع حكومة يسيطر عليها الحزب الجمهوري ..”

بعد مضي زمن قصير، تشظى الفريقين والسياسات المنشودة وغلبت “التحالفات الآنية” بين الفريقين لإقصاء المناوئين، ومن أبرز الضحايا كان مستشار ترامب الاستراتيجي الخاص ستيف بانون، ومدير مكتب الاتصالات أنثوني سكاراموتشي وآخرين قبلهما.

ترامب، القاسم المشترك بين الفرقاء، يتطور ويَعبُر مرحلة “ترامب رجل الأعمال ونجم التلفزيون الى ترامب رجل السياسة،” يعزز الانفاقات العسكرية ويطلق تصريحات متطرفة أرفقها بشن غارة جوية على سوريا لإستعراض قوة الرئاسة “وعربوناً لحلفائه من دول الخليج والمنطقة.”

         استشراء مديات “الغضب والإحباط” الشعبي لها ما يبررها، خاصة في تردي الأوضاع الإقتصادية للطبقات المتوسطة والمتدنية إذ بلغ معدل ما تنفقه على المأوى “ضعف ساعات العمل التي كانت سائدة في أميركا في عقد الخمسينيات” من القرن الماضي، وفق دراسات أكاديمية متعددة.

من المتوقع استمرار “تفاقم الأوضاع الإقتصادية والتي أسهمت في ترجيح كفة ترشيح” ترامب العام الماضي، وفق تقديرات يومية نيويورك تايمز، 7 نوفمبر. كما يلحظ المرء بشكل ملموس “تباين المصالح بين الشرائح الدنيا للطبقة الوسطى مقارنة مع مؤيدي ترامب من الشرائح الوسطى والشرائح العليا من الجمهوريين وأرباب العمل.” استمرار اتساع الهوة بين الفرقاء والشرائح المتعددة ربما يشكل أحد التفسيرات لتعثر جهود ترامب وفريقه في تحقيق أي انجازات ملموسة.

كما أخفق الرئيس ترامب في ترجمة أبرز وعوده الانتخابية، لا سيما الغاء واستبدال برنامج الرعاية الصحية الشامل – اوباما كير؛ بناء جدار الفصل على الحدود المشتركة مع المكسيك؛ وفشله في فرض رؤيته على كل من إيران وكوريا الشمالية والفوز بتنازل ملموس منهما.

         أما التجاذبات شبه اليومية بين المؤسستين الرئاسية والتشريعية (الكونغرس) فلم تسعف أي من الفريقين خاصة وأنهما ينتميان للحزب الجمهوري عينه؛ وترامب، بحكم موقعه الرئاسي المتقدم، يعتبر رئيساً لحزبه أيضاً. لعلها المرة الأولى في تاريخ الكيان السياسي الأميركي يمارس الكونغرس دور المعارض لترشيحات الرئيس لمناصب رسمية رفيعة شاغرة.

         في خانة الإنجازات الصرفة، فاز ترامب بمصادقة الكونغرس على مرشحه للمحكمة العليا، نيل غورساتش، ضامنا بذلك توجهاتها المحافظة في كافة القضايا المطروحة لعقود مقبلة. كما أن دعمه القوي والثابت للمؤسسات الأمنية أثمر انخفاضاً في معدلات العبور غير المرخص عبر الحدود الأميركية (وفق بيانات وزارة الأمن الداخلي).

أزمة النظم الغربية

         في البعد الإستراتيجي، لا تبدو الأزمة التي تعصف بالمجتمع الأميركي خصوصاً، والغربي بشكل عام، عائدة لصعود ترامب وما يمثله من امتدادات ومصالح فحسب، خاصة وأن نهجه وسياساته الملموسة تطابق توجهات “رئيس جمهوري محافظ.” بكلمة أخرى، استطاع ترامب إبطال مفعول بعض الإجراءات والقيود التي فرضها أسلافه، وهي الميزة الملازمة لرئيس يمثل الحزب الجمهوري في العرف السياسي الأميركي.

         الصحافي المرموق إدوارد لوس، مدير مكتب صحيفة فاينانشال تايمز في واشنطن، يرى أن الأزمة بنيوية وهيكلية في النظام “الليبرالي الغربي .. الذي يواجه أخطر تحدياته منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ،” في كتابه الأخير تراجع الليبرالية الغربية، استنادا إلى ما اعتبره تضاؤل “النمو الإقتصادي الذي يعتبر الصمغ اللاصق الأقوى للديموقراطيات الغربية.”

         وحمّل (لوس) الرئيس ترامب مسؤولية “عدم إكتراثه لتحقيق وكسب تأييد الأغلبية؛ بل يحافظ على الزهو بشخصيته الاستفزازية وعدم رغبته التقيد بالنص .. واستغل سلطاته التنفيذية لتصفية إنجازات أسلافه من الرؤساء.” بل “أضحت التقاليد الليبرالية الأميركية عرضة للهجوم من رئيس البلاد عينه.”

التوجه نحو آسيا

         عوّل الرئيس ترامب كثيراً على جولته الآسيوية ورفع سقف التوقعات للأعلى فيما ينوي تحقيقه مع الرئيس الصيني بشكل خاص، في ملفي كوريا الشمالية والتوترات الإقليمية في بحر الصين الجنوبي، فضلاً عن الفوز بعقود تجارية ضخمة “تبرر” سياساته بتوسيع التبادل التجاري بين الولايات المتحدة والدول الآسيوية لصالح الأولى.

         عزز جولته باستعراض القوة العسكرية وقيام سلاح البحرية نشر ثلاث مجموعات من حاملات الطائرات بالقرب من مياه كوريا الشمالية، بيد أن “الرياح جاءت بما لا تشتهيه السفن” الأميركية وأخفق ترامب في تحقيق تنازلات ملموسة من نظرائه الآسيويين بإستثناء إعلانه عن أرقام عالية لصفقات تجارية، كما حرص بعض مضيفيه على إشباع غروره وشغفه بالمظاهر الإحتفالية: فتلقى ترحيبا حاراً من “صديقه الأقرب رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي؛ والقى كلمة أمام الجمعية الوطنية (البرلمان) في سيئوول؛ وأغدق عليه ما بدى متعمداً باستقبالاً رسمياً حاراً الرئيس الصيني (شي جين بينغ) تخلله عرض للأوبرا داخل أسوار المدينة المحرمة ومأدبة عشاء فاخر؛ وحظي بإطراء خاص تخلله الغناء له من قبل الرئيس الفليبيني رودريغو دوتيرتي.”

         سردية ترامب كانت زاخرة في التفاؤل والمبالغة في مدح الذات إذ قال في محطته بالعاصمة مانيلا “لقد كان استقبالاً فرشت فيه السجادة الحمراء، ربما لم يحظى بها أي زعيم من قبل .. وذلك علامة احترام حقيقية، ربما لي شخصياً بعض الشيء، لكن المقصود بلادنا.”

         يشار الى أن ترامب في خطاب القسم، مطلع العام الجاري، شدد على اتباع سياسة حمائية “تضبط  حدودنا من الخراب الذي لحقنا من تصنيع منتجاتنا في الخارج، سرقة شركاتنا، وتدمير فرص العمل لدينا ..”

         أثناء تحليق طائرته الرئاسية في رحلة عودتها أجمع “أخصائيو الشؤون الآسيوية” في تعليقاتهم على أن الجانب الرابح الأكبر كانت “الصين .. أما الرئيس فقد عاد لواشنطن صفر اليدين الى حد كبير؛” ولم يحرز أي تقدم في أي من القضايا التي تهم الشعب الأميركي.

         وذهب فريق المستشارين المرافقين لترامب أبعد من ذلك بالإشارة الى أن كلاً من “الصين وروسيا جددتا التزامهما بممارسة ضغوط على كوريا الشمالية، ولم تلجأ أي منهما لاستغلال فرصة وجود ترامب للتعبير عن التزامات جديدة، ومواكبة تأييد عَرْضٍ قطعه ترامب خلال خطابه في سيؤول لبدء مفاوضات مباشرة مع (رئيس) كوريا الشمالية كيم جونغ أون.”

         في المحصلة النهائية، وحفظاً لماء الوجه، صدر بيان مشترك بين ترامب وجين بينغ يشير الى “توافق البلدين على تفعيل تام لعقوبات الأمم المتحدة الخاصة بكوريا الشمالية .. والتزامهما السعي لتحقيق هدف خلو شبه الجزيرة الكورية من الأسلحة النووية ..” (نشرة بوليتيكو 14 نوفمبر الجاري).

         عند التوقف والتمحيص في البيان المشترك يتبين أن الإجراءات المتفق عليها جاءت متطابقة مع مواقف الصين السابقة والمعلنة. أما الصفقات التجارية التي بلغت “مئات المليارات” بين الصين وأميركا اعتبرها المراقبون في العاصمة الأميركية بأنها “غير ملزمة.” كما أن وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون “أبلغ الفريق الصحفي المرافق له في جولته بأن الولايات المتحدة حققت تقدماً طفيفاً مع الصين في المجال التجاري.”

         الصحافي المؤلف إدوارد لوس كان أشد قتامة ووضوحا في توقعاته بالقول إن “استقرار الكرة الأرضية .. سوف يكون بيد شي جين بينغ وقادة آخرين من أقوياء العالم.”

“تويتر” البنتاغون وإقالة ترامب

         في ضوء موجة الفضائح الجنسية الطابع لمسؤولين ومرشحين أو مشاهير في الولايات المتحدة تناولت الاعتداءات الجنسية أو التحرش بالفتيات القاصرات أو النساء، برز بشكل مفاجيء على موقع البنتاغون صباح يوم الخميس، 16 نوفمبر الجاري، تغريدة “لناشط” جاء فيها “.. على دونالد ترامب الإستقالة من الرئاسة؛” كونه مذنب عملياً في سلسلة إعتداءات وتحرشات أيضاً. وسارعت إدارة الموقع لإستدراك الأمر وحذفت المنشور بعد قليل أتبعته باعتذار المتحدثة بإسم وزارة الدفاع، دانا وايت، عبر تويتر أيضاً، قائلة إن “الأمر حدث بالخطأ، والوزارة لا تؤيد محتويات التغريدة” السابقة.

التحليل 11-03-2017

التحليل:

تخاذل الكونغرس عن إعادة النظر بقرار 

“التفويض بالحرب” لاستمرار الحروب الأميركية

        عند كل منعطف يهز هيبة أميركا ونفوذها الكوني تتجدد الدعوات الداخلية لإعادة الروح لاستصدار قرار جديد من الكونغرس، أو تعديل القانون الراهن، يضفي شرعية على صلاحيات السلطة التنفيذية بشن حروب خارج حدود الولايات المتحدة، أينما ومتى شاءت، دون الحاجة للتوجه إلى الكونغرس أو طلب مخصصات مالية إضافية لتنفيذ المهام المطلوبة؛ فتلك متضمنة في القرار الراهن الصادر عام 2001.

        بعد فترة وجيزة من تنفيذ هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001، قامت المؤسسة الأميركية الحاكمة، ممثلة بالأذرع العسكرية والأمنية والاستخباراتية والإعلامية، بإرسال طواقم عسكرية “صغيرة ومحدودة” لمناطق متعددة من العالم للعمل سوياً مع القوى المحلية، لا سيما في عدة دول إفريقية. عماد القوات الأميركية كانت القوات الخاصة وصفوتها “القبعات الخضراء،” أنيطت بها مهام روجتها الوسائل الإعلامية بأنها ضرورية “لمكافحة الإرهاب،”

ستة عشر عاماً والحروب مستمرة دون أفق زمني، والرؤساء الأميركيون المتعاقبون يستغلون “سلطاتهم الواسعة” والمكتسبة لنشر قوات ومعدات عسكرية  في ساحات اشتباك متجددة وفق رؤى متطابقة “لملاحقة القاعدة وتنظيمات وجماعات مرتبطة بها.”

        صادق الرئيس دونالد ترامب، أيلول / سبتمبر المنصرم، على وثيقة “تفويض سرية” يمنح بموجبها “وكالة الاستخبارات المركزية وقيادات القوات العسكرية تنفيذ مهام وهجمات واسعة لمكافحة الإرهاب،” دون وضع قيود ميدانية أو الرجوع للمراتب الأعلى لاتخاذ القرار المناسب تشمل استخدام طائرات الدرونز وشن غارات ونصب كمائن وتنفيذ عمليات سرية حول العالم.

        أقدم ترامب على فعلته مستنداً الى التفويض سالف الذكر، 2001، والذي سرى مفعوله على سلفيه، الرئيس جورج بوش الإبن والرئيس باراك أوباما، وجرى تطبيقه على مختلف الساحات العالمية معظمها في الوطن العربي ومحيطه.

        مطلع شهر تشرين/ اكتوبر الماضي أفاق المجتمع الأميركي على “صدمة مقتل عدد من جنود وحدات القبعات الخضراء على أراضي النيجر؛” مما دفع وسائل الإعلام وأعضاء الكونغرس على التساؤل لناحية طبيعة مهام القوات الأميركية وتواجدها هناك.

        مع تضارب السرديات الرسمية الأميركية لحقيقة ما جرى في النيجر واتهامات قيادات ميدانية بالتقصير والفوضى برز الكونغرس والرئيس ترامب في صدارة الجدل وتبادل المطالبة الحذرة بحصر صلاحيات السلطة “التشريعية” إعلان الحرب، كما ينص الدستور، وسعي الأخير للإبقاء على “الوضع الراهن،” كصيغة حظيت باجماع فريقي الحزبين.

        محور تحفظات الفريقين، الكونغرس والرئيس، هو “تلكؤ” الكونغرس في اعلان الحرب بصورة رسمية واكتفى بمنح السلطة الرئاسية صلاحيات غير مقيدة “لإرسال قوات ومعدات عسكرية” اينما تراه ضروري دون الحاجة للمرور على الكونغرس.

        عدد محدود من قيادات الحزبين اعرب مراراً عن تحفظه على مضمون الصلاحيات الرئاسية غير المقيدة، مؤكدين أن المسألة تكمن في تحقيق توافق سياسي بين التيارات المختلفة من أقرانهم.

        المرشح لمنصب نائب الرئيس السابق عن الحزب الديموقراطي، تيم كين، صرح بعد حضوره استعراضاً “سرياً” لعدد محدود من أعضاء الكونغرس أوضح أن “ما يحدث في النيجر وإفريقيا على نطاق واسع يشير إلى حاجتنا الماسة إلى (استصدار) تفويض جديد.”

        السيناتور الجمهوري راند بول سعى مبكراً لتبني مبادرة تفضي لتعديل التفويض الرئاسي الراهن، في شهر أيلول / سبتمبر الماضي، بيد أن مراكز القوى المتنفذة في الحزبين أسقطته في التصويت بنسبة 61 صوتاً مقابل 36 مؤيداً.

        رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، جون ماكين، أشار إلى نيته لبحث “إصدار مذكرة إستدعاء للبيت الأبيض لأنه لم يلتزم الصراحة فيما يخص هجوم النيجر.”

        بيد أن ما يخشاه قادة الحزب الجمهوري تحديداً صدور تفويض جديد يفرض قيود على حركة البنتاغون وينبغي أن “يترك الأمر للقادة العسكريين الذين عليهم تحديد أفضل السبل لمحاربة أعداء البلاد.”

        رئيس لجنة العلاقات الخارجية، بوب كوركر، أعرب عن نيته استحضار مشروع قرار سابق قدمه السيناتور تيم كين، المرشح السابق لنائب الرئيس، والذي يقضي بتجديد الكونغرس التفويض الرئاسي مرة كل خمس سنوات، ومطالبة الإدارة إخطار الكونغرس حين تنوي إرسال قوات أميركية “لبلدان لم تذكر نصاً في التفويض السابق.”

        اما رد فعل الرئيس ترامب على ما جرى في النيجر فجاء مطابقاً لمسلكياته السابقة بالتنصل من المسؤولية. وقال “حسناً، تدركون أن الجنرالات هم من اتخذ القرار بنشر القوات هناك.” ولم يعلق أحد بأن الرئيس، دستورياً، هو القائد الأعلى للقوات بصرف النظر عن تفاصيل اي حدث.

        وزيري الخارجية والدفاع، ريكس تيلرسون وجون كيلي، تباعا، حضرا أمام لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس، منتصف الأسبوع الجاري على ضوء حادثة النيجر، لشرح وجهة نظر الإدارة المتمثل برفض الثنائي أي قيود قد ينظر في فرضها الكونغرس على القانون الجاري.

أوضح تيلرسون أن أي قانون جديد “لا ينبغي أن يتضمن قيودا على جغرافيا الحركة .. والإدارة تحتفظ بحقها في الصلاحيات المنصوص عليها” في التفويض الحالي. أما وزير الدفاع فشدد على الإلتزام بالنصوص السارية “في التفويض لعامي 2001 و 2002 لاستخدام القوات العسكرية الأميركية ضد تهديد متبدّل .. ليس بوسعنا تحديد فترة زمنية لمسار أزمة ضد عدو باستطاعته التكيف مع المتغيرات.”

يشار في هذا الصدد أن التفويض الرئاسي يخلو من ذكر سوريا أو ليبيا اللتين شنت عليهما الولايات المتحدة سلسلة غارات جوية ونشرت قواتها البرية على أراضيهما. وبرزت المسألة مراراً بمطالبة الادارة توضيح مبرر تدخلها قانونياً.

في الشأن السوري، أوضح البيت الأبيض مراراً انه استند الى المادة الثانية من التفويض، بيد أن الكونغرس لم يسن أي قانون يخول السلطة التنفيذية استخدام القوة العسكرية ضد سوريا. بيد أن مساعي الرئيس السابق باراك اوباما للفوز بتفويض من الكونغرس، عام 2013، لاستخدام القوة العسكرية ضد سوريا باء بالفشل.

خبراء القانون الدولي يؤكدون على أن الرئيس ترامب “لا يحظى بتفويض صريح لاستخدام القوة العسكرية” ضد سوريا. كما أن ميثاق الأمم المتحدة، الذي لا تكترث له واشنطن، لا يجيز لها استخدام قوتها العسكرية ضد سوريا إلا في حال استصدار قرار صريح من مجلس الأمن الدولي بذلك أو “استخدام مبرر حق الدفاع عن النفس.”

بل تنكرت الولايات المتحدة لالتزاماتها الدولية بإعلان المندوبة الأميركية الدائمة لدى الأمم المتحدة، نكي هايلي، نيسان / ابريل 2017، حين أشارت الى نية بلادها استخدام الخيار العسكري في سوريا “دون تفويض من الهيئة الدولية ..”

غيبت المندوبة الأميركية والمسؤولين الكبار حقيقة أوضاع قواتها الخاصة التي أضحت متمددة في أكثر من ساحة مما اضطر عناصرها للبقاء تحت الخدمة الفعلية فترة أطول “من المعتاد،” وتعاني من إرهاق مزمن. كما أن استبدال القوات بأخرى ليس من بين الخيارات المتاحة: كلفة إعداد عنصر القوات الخاصة تعادل نحو 2 مليون دولار للفرد، وتستغرق فترة التدريب القاسي نحو سنتين.

دروس الماضي القريب

بعد إعلان الولايات المتحدة قرارها بالانخراط الفعلي في الحرب العالمية الاولى لجأت الحكومة المركزية إلى “تأميم خطوط السكك الحديدية وقطاع الاتصالات من برق وبريد وهاتف، ومصادر الطاقة الخام” فضلا عن قيود فرضتها على مرافق أخرى متعددة، كما أوضح الخبير الإقتصادي الأميركي، روبرت هيغز.

اما تداعيات قرار دخول الحرب على الأوضاع الاقتصادية الداخلية فكان كارثياً، إذ ارتفعت النسب الضريبية بشكل ملحوظ، وقفز العجز في الميزان التجاري “إلى 25.5 مليار دولار عام 1919، مقارنة بما كان عليه قبل سنتين، 1.2 مليار.”

دأبت الادارات الأميركية المتعاقبة منذ عام 2001 على زيادة المخصصات المالية للأجهزة الأمنية والبنتاغون “لتعزيز الأمن الداخلي،” فاقمها الإنفاق الهائل على حروبها في العراق وأفغانستان، والآن سوريا ودول الساحل الإفريقي دون استثناء الاراضي العربية الأخرى في الصومال وليبيا واليمن.

بناء على ما سبق، لم يغب عن ذهن القوى المتنفذة في الكونغرس ما ستؤدي إليه الأوضاع الداخلية في حال إقدامها على إعلان الحرب بشكل رسمي. بل تبدو على معظم أعضائه علامات الرضى والراحة للسير بالنصوص الراهنة في التدخل العسكري دون الأعلان الرسمي، لكن إلى متى.

البعض يستدرك بالقول أن واشنطن قد تمضي في شن الحروب لعقد آخر من الزمن، وبذلك ستقترب من “حرب الثلاثين عاماً .. الحرب الأطول في التاريخ البشري.”

التحليل 10-20-2017

التحليل: 

بعد هزيمة داعش بالرقة المدمرة
أميركا وإلى حين باقية بمهام إضافية

تجدد الجدل الداخلي حول مصير القوات الأميركية في سوريا بعد ما يربو على عامين ونصف من تدخل واشنطن المباشر وتحقيق هدفها المعلن بإزاحة ” داعش عن مدينة الرقة،” واكبها إعلان البنتاغون أن المدينة أضحت محررة من التنظيم الإرهابي – بصرف النظر عن تدميرها بالكامل.

قبل الإجابة الوافية على السؤال المحوري ينبغي الإضاءة على أبعاد “الانتشار العسكري الأميركي في سوريا” وتدرج تصعيده في أعقاب تكليف الرئيس ترامب للبنتاغون بلورة استراتيجية جديدة “تستند على نشر قوات أميركية برّية إضافية ومحدودة للمشاركة الفعلية في المعركة؛” والمرور على “بعض” التسليح لدى القوات الخاصة الأميركية. أفادت يومية واشنطن بوست، 9 آذار الماضي، بأن واشنطن نشرت “وحدة مدفعية من سلاح المارينز، الوحدة 11، مزودة ببطاريات مدفعية هاوتزر لإطلاق قذائف عيار 155 ملم، ووحدة للتدخل السريع ومجموعة مظليين،” تجاوز تعدادها الإجمالي 1000 عسكري، مع العلم أن الحجم الرسمي المصرح به لا يزيد عن 500 عنصر.

هذا بالإضافة إلى انشاء قاعدة جوية أميركية في منطقة الرميلان بمحافظة الحسكة، أقصى شمال شرق البلاد، وتسليح عناصرها بأسلحة نوعية “لا يمكن لواشنطن تقديمها للقوات الحليفة،” وخاصة مضادات الطائرات وأجهزة التشويش.

تتالت التقارير الميدانية والصحافية منذ ذاك التاريخ لترصد حجم الدمار الذي لحق بمدينة الرقة، لا سيما بعد تغيير الإدارة الأميركية “قواعد الإشتباك” بمنح قياداتها الميدانية “مرونة واستقلالية أكبر” في عملياتها مما أدى “الى إرتفاع كبير في أعداد الضحايا من المدنيين نتيجة قصف قوات التحالف.”

استعادة الرقة “من غير المرجح أن يشكل نهاية للتدخل الأميركي في سوريا،” كما جاء على لسان عدد لا بأس به من العسكريين والمسؤولين السابقين، أحدثها كان في طيات تقرير لنشرة فورين بوليسي، في نسختها الالكترونية، 18 أكتوبر الجاري، نظراً لخشية واشنطن من تمدد قوات الجيش العربي السوري وحلفائه قبل أن “تصبح المنطقة الجغرافية بين مدينة الرقة والحدود العراقية منطقة محرمة.”

في الوقت عينه أعلنت “قوات سوريا الديموقراطية” عن عزمها ضم مدينة الرقة الى منطقة حكمها الذاتي، المعلن من جانب واحد، تجسيداً للوعود الآميركية بأن مستقبل سوريا ينبغي أن يكون بصيغة حلٍ “فيدرالي لا يستند الى نظام حكم مركزي.” بعبارة أخرى، واشنطن لا زالت تعلق آمالاً على تقسيم سوريا الى كيانات متعددة.

مستشار الأمن القومي الأسبق لنائب الرئيس ديك تشيني، جون هانا، كان بالغ الوضوح في رؤية ونوايا المؤسسة الحاكمة لما بعد الرقة قائلاً أن “تواجد قوات محلية مدعومة أميركيا تسيطر على أجزاء واسعة من سوريا يشكل ثقلاً ديبلوماسياً محتملاً لواشنطن في تشكيل مستقبل سوريا ما بعد انتهاء الحرب ضد تنظيم داعش،” 18 أكتوبر لقناة فرانس24.

نظرة ميدانية سريعة على طبيعة الجغرافيا تؤكد صحة النتائج التي انتهى إليها (هانا) وآخرين أيضا. إذ شجعت واشنطن “قوات سوريا الديموقراطية – قسد” في الآونة الأخيرة تصدر القتال “شرقاً” في مناطق بعيدة عن تواجدها وهي “غير قادرة على تنفيذ المهام المطلوبة منها بمفردها،” خاصة بعد رصد الأقمار الإصطناعية الروسية “تسليم داعش مواقعه في مدينة الرقة لـ (قسد) دون قتال،” وتيقن التقنية الروسية من تدمير المدينة بالكامل من قبل الطيران الأميركي.

المتحدث باسم قوات التحالف لمحاربة داعش، رايان ديلون، أكد في مؤتمر صحفي عقده من بغداد، 17 أكتوبر، أن “الإئتلاف الدولي يجري محادثات مع قوات سوريا الديموقراطية لمواصلة الحملة (ضد داعش) على طول نهر الفرات ..،” أي مباشرة الى دير الزور وما سينطوي عليها من “احتكاك” وربما اشتباك مباشر مع قوات الجيش العربي السوري وحلفائه.

اتساع رقعة القتال الى وادي نهر الفرات أضحت حقيقة ومطلباً أميركيا، ليس لقطع طريق التواصل الجغرافي بين دمشق وطهران وتأكيد وزير الدفاع جيمس ماتيس أن القيادة الأميركية “تواكب تحركات ايران .. ” فحسب بل لاحتواء باطن الأرض على مخزون  “أهم حقول النفط” في سوريا.

بعد توجيه ضربات قاسية مميتة لتنظيم داعش برزت تكهنات حول مصير التحالف الدولي، المكون من 73 دولة وهيئة، والذي يعتقد أنه سيتعرض لبعض التصدع جراء الانسحابات المتتالية، وربما انفراط عقده وما سيخلفه هو صيغة تحالفات جديدة تعكس حقيقة موازين القوى على الأرض.

واشنطن وحلفاؤها في لندن وباريس تحديداً تعرب عن خشية تعرض بلدانها لحملة “متجددة” من الاعمال الارهابية، لا سيما وأن عدد لا بأس به من “المتطوعين في صفوف داعش” وجد طريق عودته لتلك البلاد وعلى أهبة الاستعداد لشن هجمات نوعية بعد الخبرة الميدانية المكتسبة.

على الطرف المقابل، ناحية سوريا وحلفائها، تتجدد أيضا المطالبة بسحب القوات الأميركية من سوريا دون قيد أو شرط، لعدم تنسيق تواجدها مع الحكومة السورية بشكل قانوني أو أي غطاء قانوني دولي لها، ولسوريا بالطبع كل الحق بتثبيت سيادتها على أراضيها.

تجدر الاشارة أيضاً الى أن استراتيجية ترامب “الجديدة” تستند الى تسخير القوات الخاصة للقيام بالأعمال القتالية، مع إدراك البيت الأبيض والبنتاغون الحدود القصوى لعدد القوات التي يمكن الاعتماد عليها، مما يرجح كفة التراجع الاضطراري عن إبقاء قوات أميركية لفترة طويلة والتي ستواجه مقاومة معتبرة. كما أن الطرفين يدركان طول المدة الزمنية التي يستغرقها إعداد عنصر القوات الخاصة، التي تقرب من السنتين، وصعوبة استبدال النقص بسرعة كما يرغب صاحب القرار السياسي.

واشنطن في عصر ترامب مسكونة بالتصدي لإيران وفرض إعادة التفاوض بشأن برنامجها النووي، على الرغم من عدم تأييد حلفاء واشنطن من الموقعين على الاتفاق. بيد أن التصعيد باتجاه إيران له أبعاد داخلية بالدرجة الأولى لا سيما وأن الخطاب الإنتخابي للمرشح ترامب استند الى حشد التأييد ضد الاتفاق النووي ووعده “بتمزيقه.”

الترتيبات الميدانية الأميركية مع الجانب الروسي في سوريا فيما اتفق على تسميته “بمناطق خفض التصعيد” سيتم صرفها سياسياً حين انعقاد مؤتمر جنيف الدولي، أو ربما خلال جولة أخرى في آستانا. أي أن لها سقف زمني محدد قد لا يستمر أكثر من بضعة أشهر.

أميركا تسخر “ورقة إعادة إعمار سوريا” لمصلحة استدامة بقائها هناك، لكن هزيمة المسلحين والمتطرفين، وان لم تكن نهائية حتى اللحظة، حرمتها من المراهنة على جسم عسكري متماسك باستثناء القيام بأعمال تخريبية؛ وتلوح بربط موافقتها لإعادة الإعمار على “تعاون” الحكومة السورية وابتزازها.

في هذا السياق يرى البعض حقيقة مغزى قيام المبعوث الرئاسي الأميركي لمحاربة داعش، بريت ماكغورك، بزيارة بلدة عين عيسى بالقرب من مدينة الرقة، 16 اكتوبر، بصحبة السفير السعودي السابق لدى بغداد ثامر السبهان، والذي أعادته الرياض بعد سلسلة شكاوى تلقتها نظراً لتدخلاته في الشأن الداخلي العراقي. وعقد الثنائي المذكور سلسلة لقاءات مع أعضاء المجلس المحلي لمدينة الرقة، أتبعها بلقاء مع “لجنة إعادة الإعمار.”

مع تجريد واشنطن من فعالية “ورقتها السياسية بتشغيل المتطرفين،” تتراجع أهمية مراهنتها على التأثير بمستقبل سوريا، خاصة عند الأخذ بعين الإعتبار أن الطرف المنتصر هو الذي يفرض الوقائع السياسية، لا العكس.

التحليل 10-07-2017

التحليل:

أميركا لا تصنف القتل الجماعي “إرهابا” 

عن عمد

لم يشأ الرئيس ترامب التوسع بوصف المجزرة البشرية في لاس فيغاس مكتفياً بوصفها “شريرة” و “قتل أعمى.” الأجهزة الأمنية المحلية، من جانبها، سارعت بالإعلان ان الفاعل قام بها بمفرده. اما المؤسسات الإعلامية المختلفة، المقروءة والمرئية، فقد اقتدت بضوابط المعلن عنه من قبل المؤسسات الأمنية.

إشكالية تصنيف “المجزرة” عادت الى صدارة التداول الإعلامي، ظاهرها الميل “لتشديد قوانين حمل السلاح،” بالتلطي خلف صون مادة التعديل الدستوري الثانية التي تجيز اقتنائه؛ وجذرها الأصول والنزعات العنفية المنتشرة في المجتمع، عنوانها عقلية “الكاوبوي” التي تأبى قبول الآخر وتنزع لإستخدام السلاح كخيار أول.

“إشكالية” عززها رد فعل قمة الهرم السياسي بعد ظهوره الإعلامي وتناقض الرئيس ترامب في مفاضلة التعامل مع بعض “الفاعلين” لبشرتهم البيضاء؛ إذ لوحظ “هدوءه النسبي” وعدم تعرضه للفاعل بأوصاف سلبية ومهينة لم يتورع عن استخدامها ضد لاعبين كرة قدم من الأفارقة الأميركيين وتوجيه شتيمة “أولاد آوى،” لممارسة حقهم بالاحتجاج الفردي والجمعي “المكفول دستورياً.”

ملفت للنظر أيضاً كان “حرص” الجميع على عدم إطلاق وصف ما جرى بـ “الارهاب” وما سيترتب عليه من تعامل وإجراءات محددة، تعيد إلى الصدارة مطالبة الكثيرين بضرورة استصدار تشريعات “تقنن حمل السلاح” وفرض قيود مشددة عليه، والتي يعارضها الحزب الجمهوري بشدة، وكذلك بعض ممثلي الحزب الديموقراطي في الكونغرس.

تفادي توصيف القتل الجماعي “بالارهاب” لم يقتصر على ترهات الرئيس ترامب، بل انضم اليه مستشار كبير سابق للرئيس جورج بوش الإبن، برادلي بليكمان، بالزعم أن القتل الجماعي “ليس ظاهرة أميركية متأصلة بل حادث منعزل .. يحدث في كافة أنحاء العالم.”

من نافل القول أن “القتل بدافع الإرهاب أو العنف المسلح” مدان بشدة، بينما تطلق واشنطن جزافاً تهم “الارهاب” على كل طرف أو مجموعة لا تحتكم لأجندتها الكونية وتحجم في الوقت نفسه عن استصدار قانون محدد “لتعرفة الإرهاب” والحد من انتشار ظاهرة القتل الجماعي؛ بصرف النظر عن أي دوافع أو مبررات قد يتحصن خلفها السياسيون من كافة أطياف الانتماءات والاصطفافات.

كما لا يجوز إغفال “القتل الجماعي” الذي تنفذه “طائرات بدون طيار،” معظمها أميركية الهوية وبعضها “اسرائيلية،” في مناطق متعددة من العالم، لا سيما في سوريا والعراق واليمن وليبيا وفلسطين المحتلة، ودول إفريقية “مجهولة” بالنسبة للمواطن الأميركي العادي؛ ناهيك عن السجون السرية التي تشرف عليها وتديرها عبر العالم قضى فيها عدد كبير من النزلاء الأبرياء.

استثنائية حتى في العنف

القول بأن الولايات المتحدة لديها نزعة “استثنائية” ليس تهكماً بل توصيف دقيق للتراكمات التربوية والنفسية التي ينشأ عليها الفرد الأميركي، تعزز النزعات العنصرية لديه والتمايز عن باقي البشر والحضارات الإنسانية.

تنفرد الولايات المتحدة بمرتبة “استثنائية” حقيقية فيما يتعلق الأمر باقتناء السلاح “تحت حماية نص دستوري،” من خارج سياقه الظرفي والموضوعي، واستغلال نص مبهم للتسلح بأسلحة آلية / اوتوماتيكية لم تكن معروفة في ذلك الزمان “البعيد؛” فضلاً عن أن مسرح الجريمة، ولاية نيفادا، تسمح لأي مواطن شراء بنادق رشاشة دون قيود.

العنف المسلح في أميركا، وفق توصيف خبراء في علم الاجتماع، يشكل “وباءاً أميركياً فريدا؛” بنت عليه اسبوعية نيوزويك، 29 آب 2017، لتحديد تعريف علمي الطابع للقتل الجماعي بأنه “.. حادث ينجم عنه استهداف أو قتل أربعة أفراد أو أكثر،” بلغت ذروة ضحاياه للعام الجاري “ما ينوف عن 10,000 قتيل.”

احصائيات الجرائم المتعددة ووتيرة تزايدها بشكل مرعب دفع شبكة فوكس للتلفزة للإقرار بأن “الولايات المتحدة تحتل المرتبة الأولى في العالم على صعيد أعمال العنف والقتل بالأسلحة الشخصية،” والتي يبلغ معدل ضحاياه أزيد من 30,000 سنوياً؛ وقفزت اعداد القتلى لمعدل 11,572  منذ مطلع العام الجاري، اما الجرحى فقفزت أعدادهم لما ينوف عن 23,000 إصابة. بيد أن الشبكة اليمينية ومثيلاتها “الليبرالية” ابتعدت عن التطرق لحقيقة دوافع اقتناء ومراكمة الأسلحة الفردية في المجتمع.

في البعد التجاري الصرف، رافق كل مجزرة انتعاش في سوق بيع السلاح “وارتفاع عائدات أسهم صناعة الأسلحة الفردية؛” وصعود مخيف لظواهر عنصرية وأجواء تحريضية؛ يقابلها احجام السلطات السياسية، الرئاسية والتشريعية، عن التصدي الفاعل للحد من انتشار السلاح.

الخوض في دوافع العنف الأميركي بشكل خاص تطرق اليه عدد من الفلاسفة والعلماء الاجتماعيين الاميركيين على مدى العصور، مرجحين انتعاش الظاهرة للتوسع الهائل لبيروقراطية الدولة.

من أبرز اولئك اسهامات الأخصائية بعلم الفلسفة، حنة آرندت، ومعالجتها المستمرة لظاهرة “الاستبداد والشمولية” في النظام السياسي الأميركي، معربة عن اعتقادها بأن “المجتمع (الاميركي) الحديث سيشهد طفرة في ارتفاع الاحتجاجات المدنية والاضطرابات الاجتماعية؛” ظاهرة نشهد وتيرتها المتصاعدة منذ انتخاب الرئيس ترامب بشكل ملحوظ.

وفسرت آرندت لجوء المواطنين للاحتجاج بأنه نتيجة “شعور بالاقصاء والحرمان من المشاركة في النظام” السياسي والاقتصادي؛ نظراً لاتساع رقعة أجهزة بيروقراطية الدولة التي “تشكل عاملاً ضاراً وحاجباً للمشاركة يؤدي الى بروز استبداد ليس له هوية محددة .. أي غياب المساءلة على العموم.”

على أرض الواقع نجد تجسد تفسيرات آرندت في سلسلة احتجاجات شهدتها أميركا في السنوات الأخيرة: احتجاجات فيرغسون (بولاية ميزوري)؛ انتشار التظاهرات ضد جهوزية أجهزة الشرطة والأمن المختلفة لقتل الاميركيين من أصول إفريقية – أرواح السود ليست رخيصة؛ والصدام مع الأجهزة الأمنية من قبل المزارع بندي، الخ.

العامل المشترك بين تلك الظواهر، بصرف النظر عن تباين اهدافها وتناقضاتها والقوى المنخرطة فيها، هو ارتقاء حالة الغضب من أجهزة الدولة المختلفة الى حيز العلن وتطبيقها القانون العام اختيارياً، وانعكاسات سلوكيات هيئاتها الأمنية والحاقها الضرر بحياة المواطنين اليومية.

ومن بين من رصد ظاهرة ودوافع العنف أستاذ تاريخ جامعي، كريستوفر لاش،  استعان به الرئيس الاسبق جيمي كارتر في تموز 1979 بعد نشره كتابه الموسوعي ثقافة النرجسية حول ترابط الثقافة والقيم المجتمعية بالسلوكيات العنفية، وتفسيره “للمناخات المشبعة بمفردات ليست صحيحة أو خاطئة بل مجرد بعض الصدقية في مضمونها” واسقاط الفرد النرجسي رؤيته ومفاهيمه على محيطه وعلى العالم.

وأوضح أن “.. كارثة خليج الخنازير (في كوبا) دفعت بالرئيس (جون) كنيدي التصرف بصلافة علانية للتغلب على وصمه بالضعف” أمام الزعيم السوفياتي نيكيتا خروتشيف.

كما أن “نرجسية الناخب” الأميركي، وفق لاش، تنسحب على نرجسية موازية لنزعة السياسيين “وأوهام السلطة التي تدفعه للوقوف الى جانب الفريق الرابح .. الذي بدوره يثير مكنون الغضب لديه أمام فشل ترجمة التوقعات بحقائق ملموسة.”

ارهاب ليس بالارهاب

لجأت معظم المؤسسات الإعلامية الرئيسة للتساؤل حول دوافع المؤسسة الأمنية، بكافة تشعباتها الوطنية والمحلية، الابتعاد عن وصف المجزرة بعمل إرهابي، وإخفاق الإعلام في نفس الوقت بمواكبة الجدل وتوصيف الظاهرة كما هي.

يشار في هذا الصدد الى التصريح الفوري لرئيس أجهزة الشرطة في مدينة لاس فيغاس، جوزيف لومباردو، لتوصيف ما جرى بأن وصمه بالارهاب “لا يوجد ما يبرره اللحظة. نعتقد أن الفاعل محلي قام به بمفرده ..؛” قبل إجراء التحريات المطلوبة او التوصل لنتائجها.

الصحف الأميركية المتعددة أيضاً أحجمت عن توصيف المجزرة سوى بأنها “عمل فردي،” (يومية يو أس إيه توداي، 2 اكتوبر الجاري). الإقلاع عن توصيف الحادثة “بإرهاب داخلي” يستدعي، بالمقابل، عدم تقديم المتهم، أو المتهمين، للعدالة لانتفاء الأرضية القانونية.

ولاية نيفادا، مسرح الجريمة، تخلو قوانينها السارية من “ضرورة توفر دافع (سياسي أو آخر) لوصف عمل بالارهاب،” حسبما أوضح اخصائيو القانون.

علاوة على ذلك، نجد ان تحديد مفهوم “عمل إرهابي” لا يرسو على صيغة محددة وملزمة. كشف الأخصائيون بالشأن القانوني ان هناك تعريفات متعددة لدى الأجهزة المختلفة: تعريف خاص لوزارة الأمن الداخلي؛ تعريف محدد بعمل مكتب التحقيقات الفيدرالي؛ تعريفات متعددة تتعامل بها وزارة الخارجية الأميركية تتباين مع تعدد رقعة انتشارها في اقطار العالم.

القانون الأميركي النافذ يعرف “الارهابي” بمن له ارتباطات بهيئة او دولة أجنبية. حينئذ المجموعات المتطرفة والعنصرية المحلية، الميليشيات المتعددة ومنها منظمة كو كلاكس كلان، لا تنطبق عليها شروط الإرهاب “حتى لو اقترفت وطبقت أساليب مشابهة للعنف والترهيب.”

التعريف الأميركي “الرسمي” المعتمد للإرهاب ينص على “..الاستخدام غير المشروع للقوة والعنف ضد أفراد أو ممتلكات لترهيب او ابتزاز دولة أو مجموعة مدنية، أو أي من مشتقاتها، لتحقيق أهداف سياسية أو اجتماعية.”

أحد أبرز المرافعين عن المتهم “بالقتل الجماعي” تيموثي ماكفاي، في حادثة تفجير مبنى دوائر حكومية في ولاية اوكلاهوما، اشار الى تفادي الأجهزة الرسمية عن توصيف تلك الحادثة، واضحة المعالم والاهداف، بـ “الارهاب الداخلي.”

وأوضح (راندال لو) في مخطوطه الإرهابتأريخ ان هناك بعد عنصري لتفادي المؤسسة الرسمية سن قوانين لتحديد عقوبة الارهاب الداخلي، بدعم من الأجهزة الأمنية المتعددة. وأضاف أن تعدد العريفات لدى الدوائر الرسمية الممختلفة “يؤشر على حقيقة بديهية بأنه لا يتوفر إجماع حقيقي لتعريف مفهوم الإرهاب” وما يترتب على ذلك من سن عقوبات مناسبة.

بناء على ما تقدم من معطيات، ينتظر الساسة الأميركيون هدوء عاصفة المجزرة، وتغييب الدلائل الحسية عبر تقنين الوصول للمعلومات المطلوبة، والانتقال لمرحلة أخرى من “الجدل الداخلي” نرى مؤشراته في الاخفاقات التشريعية للرئيس ترامب وحزبه الجمهوري في الكونغرس، واعادة “تصويب” البوصلة لما يراها الثنائي النافذ أجندة جديرة بالاهتمام.

التحليل 09-22-2017

:التحليل

ترامب يهدد بالإنسحاب من الاتفاق النووي
وايران تعرض صاروخاً باليستياً جديداً

ارتباك في صميم صنع القرار السياسي الأميركي كان ماثلاً أمام قادة العالم هي خلاصة الانطباعات وردود الأفعال بعد خطاب الرئيس ترامب أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة، وحيرة ارتسمت على وجوه الكثيرين من حلفاء واشنطن وتوابعها في الأقليم.
أغلبية المراقبين في واشنطن تعتقد أن خطاب ترامب تمت صياغته من أقرب مستشاريه المتطرفين، ممن لم يطالهم مقص الإقالة، ستيفن ميللر؛ طغت عليه مفردات الشطط والتشدد والمواجهة المقرون بخطاب اليمين الأميركي، وقطبه البارز من المحافظين الجدد.
لغة التصعيد والتهديد نالت كل من إيران وكوريا الشمالية وفنزويلا، بالدرجة الاولى، كمحطات تعزز ملامح “عقيدة ترامب؛” وكال الإتهامات التقليدية لسوريا وحركات المقاومة في لبنان وفلسطين، ولم يأتِ بجديد في مواقف وتوجهات واشنطن نحوها. حقيقة الأمر ان مجمل تلك المواقف شكلت “عودة واعية،” وربما اضطرارية، لقوائم الخطاب السياسي للحزب الجمهوري للسياسة الخارجية وتشعباتها.
ارتسمت على محيا الوفود الأجنبية الزائرة علامات الحيرة، كما نقلتها كاميرات شبكات التلفزة المتعددة، لمواقف ومفردات غاضبة وقاسية أعتقدوا أنها ذهبت أدراج الرياح مع غياب الرئيس الأسبق جورج بوش الإبن، ليس فيما يتعلق بالسياسة الخارجية لأمريكا فحسب، بل لإصرار واشنطن على ادراج بند “اصلاح هيكل الأمم المتحدة” وفق وصفتها الطبية، الذي لا يحظى بإجماع، كمنصة إنطلاق لتطويع القرار الأممي لمصلحتها.
الخطاب الأول لترامب في الأمم المتحدة استمر لنحو 41 دقيقة، كان يرمي استنهاض جمهوره الأميركي بمفردات صيغت بعناية كبيرة: الإسراف في الحديث حول “منافع السيادة ومشاعر القومية والوطنية؛” وتدشين “عقيدة ترامب” الجديدة وعمادها تسديد أميركا ضربات وقائية لخصومها متى شاءت وتقديم تعهدات “لحرمان الدول المعادية والمارقة من اقتناء أسلحة دمار شامل.”
كما مر ترامب على محطات بارزة لتبرير ما كان يصبو إليه من حشد دعم دولي بقيادته. في البداية أعاد التذكير بأهمية قيادة واشنطن للنظام العالمي الراهن وصونها “للسلام والأمن العالميين” استناداَ إلى قوتها العسكرية. فضلاً عن “ترداد” السردية الرسمية بأن “الدول والنظم الاستبدادية تشكل تهديدا للقيم الأميركية؛” زاعماً بقوة أن بلاده “لم تطلب او تسعى للتوسع” على حساب أراضي الغير عقب الحرب العالمية الثانية.
أما ملامسة ترامب للقانون الدولي بـ “احترام سيادة الدول،” بصرف النظر عن دحض إدعائه بسهولة، فقد لقي ترحيباً كبيراً وحاراً بين أوساط المحافظين و”الليبراليين الجدد” على السواء، لما ينطوي عليه من تبرئة غير مباشرة لخطط الغزو والعدوان لأسلافه. وما لبث ترامب أن انقلب على الفكرة عينها محبذاً “التدخل في إيران وكوريا الشمالية.”
وسرعان ما لجأ ترامب لإرضاء غروره ومؤيديه بإعلانه توصله لقرار حول مصير الإتفاق النووي، لكنه يرجيء الإفصاح عنه لدواعي داخلية صرفة. وفي ذات السياق شن أشرس هجوم على رئيس كوريا الشمالية، كيم جونغ أون، وتهديده “بتدمير بلاده بالكامل.”
البعض فسّر تصرف ترامب عند هذه المحطة بأنه كان يفي بوعوده الانتخابية للحفاظ على تماسك قاعدة مؤيديه؛ بل “تجسيد لتوجهات الثنائي (العقلانية نسبيا) نيكي هايلي وهيربرت ماكماستر السياسية،” المندوبة الدائمة في الأمم المتحدة ومستشار الأمن القومي، على التوالي.
يشار الى أن المندوبة هايلي أوضحت لجمهور معهد المشروع الأميركي، 5 أيلول الجاري، ان الإدارة الأميركية ستتخذ موقفاً حيادياً فيما يخص إحالة مصير الإتفاق الى الكونغرس – الذي سيتعين عليه اتخاذ إجراءات بمقاطعة مؤسسات تجارية “غير أميركية” لتعاملها مع إيران وما ينطوي على ذلك من معارضة شديدة من دول الإتحاد الاوروبي.
عند مرور ترامب على الملف النووي سلطت بعض المحطات المرئية كاميراتها على “رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو” لتنقل ردة فعله مغتبطاً ومصفقاً بحماس، استرعت انتباه المراقبين والسياسيين على السواء كدليل على “تنسيق” وثيق بين الطرفين حول هذه المسألة بالذات.
ما لم تلتفت إليه الكاميرات في سباقها الإعلامي هو ردة فعل مستشارة ترامب، كيلي آن كونوي، وهي جالسة ضمن الوفد الأميركي، لذكره مصطلح “سنضع حداً للتطرف الإسلامي الراديكالي،” إذ لجأت سريعاً الى “تويتر” قائلة “ها قد نطق بها،” لطمأنة فريق المشككين باتهام ترامب أنه “يتحاشى” ربط الإسلام بالتطرف.

فريق الغاء الإتفاق
قبل توجه ترامب لمقر الأمم المتحدة إنبرى ما يربو على “70 مسؤولاً اوروبياً” بتقديم مذكرة يناشدون فيها الكونغرس والرئيس ترامب معاً “المصادقة على التزام إيران ببنود الإتفاق،” وفق ما رصدته يومية لوس أنجليس تايمز، 18 أيلول الجاري؛ وحثهما على “قبول أسرع طريق” مضمون لمنع انتشار الأسلحة النووية. وحذرت المذكرة الجانب الأميركي بأن “خيار عدم المصادقة سيضر بمصداقية الولايات المتحدة مع أوروبا.”
من هي القوى والشخصيات المتضررة من الاتفاق النووي، سؤال بدأ يلمس جواباً حقيقياً قياساً مع المحرمات الأميركية السائدة بعدم التطرق “للعامل الاسرائيلي” ونفوذه في صياغة السياسة الخارجية الأميركية.
انفردت يومية بوسطن غلوب من بين المؤسسات الإعلامية التقليدية بتوجيه سهام انتقاداتها الى “كلٍ من إسرائيل والسعودية” لتسخيرهما نفوذهما القوي لدى ترامب وترجيح كفة إلغاء الإتفاق من جانب واحد. وقالت إن “سلوكهما المتهور سيسفر عن إغرائنا بشن حرب على إيران استناداً لمصالحهما الضيقة.” (20 أيلول).
تزامن تقرير الصحيفة أعلاه مع اتهام ضابط وكالة الإستخبارات المركزية السابق، فيليب جيرالدي، بنشره مقال لا تخطئه العين، 19 أيلول، حمل عنوان يهود أميركا يدفعونها للحرب، وتسميته لشخصيات لعبت أدواراً بارزة في “تحريض” إدارة الرئيس بوش على غزو واحتلال العراق، منها: ديفيد فروم، كندي المولد وكاتب خطابات الرئيس بوش الإبن؛ ماكس بوت، روسي المولد ويشغل منصباً رفيعاً في مجلس العلاقات الخارجية المرموق؛ ويليام كريستول، مؤسس ومحرر أسبوعية ويكلي ستاندرد المحافظة؛ بريت ستيفنز المعلق السابق في يومية وول ستريت جورنال وعضو صفحة الرأي في يومية نيويورك تايمز.
الفريق الرباعي المتشدد أعلاه أخفق في كافة المحاور التي تسلمها في عهد بوش الأبن، بل “كل فرد من أفراده يضمر كراهية شديدة للإتفاق النووي مع إيران، فضلاً عن سعيهم الحثيث للتحريض بشن هجوم عسكري على إيران.”
جيرالدي، ضابط الإستخبارات السابق، لم يشأ حصر طاقم غلاة المتشددين بالاسماء الأربعة أعلاه، مضيفاً إليها عينة من أبرز أقطاب المحافظين الجدد، غالبيتهم من “اليهود،” والمؤسسات الفكرية والبحثية المرتبطة بذاك التيار؛ وخص بالذكر ديفيد ويرمسر، سويسري المولد، لخطورة نفوذه داخل المؤسسة الأميركية، إذ خدم كضابط استخبارات في سلاح البحرية الأميركية، وبعد خروجه عمل مستشاراً لشؤون الشرق الأوسط لدى نائب الرئيس الأسبق، ديك تشيني.
واستطرد جيرالدي بالقول أنه على قناعة صارمة بأن حملات التحريض والتشدد ضد إيران مصدرها “اسرائيل ويهود أميركا .. بل إن معظم مشاعر الغضب في الكونغرس من إيران تأتي من تحريض المصدر عينه.”
المذكرة الأوروبية سالفة الذكر حذرت الولايات المتحدة بشدة من أن “القيام بعمل أحادي الجانب من شأنه تعريض الإتفاق للخطر وسيكون خطأً جسيماً.” بالمقابل، حثت الأطراف الدولية الأخرى الموقعة على الإتفاق بذل ما تستطيع من جهود “لحماية الإتفاق في حال قررت الولايات المتحدة التراجع عنه ومناشدتها بالسبل العلنية والخاصة بأنها تغامر في الإضرار بمكانتها بين الدول إن لجأت لإعادة فرض عقوبات على إيران.”

مغامرة أم تلاعب ترامب
معارضة ترامب للإتفاق النووي، من حيث المبدأ، قلّص مساحة المناورة لديه بوضعه نفسه أمام خيارين: تجديد الموافقة بالاتفاق وما ينطوي عليه من تعزيز لدور مؤسسة الرئاسة في إدارة الشؤون الخارجية؛ او السير بعكس الركب مما يتطلب منه التنازل عن صلاحيات الرئاسة بإحالة المسألة وقراراتها الى الكونغرس، لاتخاذ قراره في مدة زمنية أقصاها 60 يوماً.
مهدت يومية واشنطن بوست لخيار المصادقة بالقول إن الإتفاق النووي مع ايران، المبرم عام 2015، شديد الشبه بالإتفاق الذي تم التفاوض عليه مع كوريا الشمالية عام 1994 فيما يخص “ولادته وتكوينه، ومبادئه والمعارضة السياسية التي واجهها” آنذاك.
وذكّرت الرئيس ترامب “بالأخطاء التي ارتكبتها إدارة الرئيس جورج بوش الإبن .. ووقوفها متفرجة أمام تجربة بيونغ يانغ النووية التي أجرتها عام 2006؛” وحثته على عدم تكرار التجربة التي ستفضي إلى عودة إيران بقوة ونشاط لإنتاج سلاح نووي دون قيود؛ بينما وافق البلدان على دخول المفتشين الدوليين لمنشآتهما النووية.
واستطردت بأن برنامجي البلدين مختلفين في العناصر والمكونات، إذ أن البرنامج الكوري الشمالي “يستند الى عنصر البلوتونيوم، بينما محور البرنامج الإيراني هو في تخصيب اليورانيوم باستخدام أجهزة الطرد المركزي.”
يتعين على الرئيس ترامب الإدراك أن بؤرة المسألة الشائكة في الملف النووي ليست التحقق من التزام الطرف الآخر، كما يشاع، بل وقوف قادة حزبه الجمهوري في الكونغرس “بقوة ضد تنفيذ الولايات المتحدة التزاماتها المنصوص عليها مع كوريا الشمالية” وإفشال الإتفاق المبرم معها عام 1994 “طمعاً في نزعة الثأر بالابقاء على عزلة بيونغ يانغ دولياً،” وفق تفسير الصحيفة.
عودة سريعة الى سجل إدارة الرئيس بوش الإبن تعيد للأذهان إعترافها الصريح والواضح في سعيها لإفشال الإتفاق، عن سبق إصرار وترصد. نائب وزير الخارجية آنذاك، جون بولتون، ممثلاً للفريق المعارض للإتفاق أوضح في مذكراته المنشورة بأنه وأقرانه كانوا يتطلعون لاستغلال الفرصة المناسبة للإطاحة به “وتمزيق إطار الإتفاق إرباً.”
تجدر الإشارة الى أن الرئيس ترامب “صادق مرتين” على التزام إيران بنصوص الإتفاق، وها هو يتحين الفرصة للإنقضاض عليه، مكرراً “خطيئة” بولتون السابقة، بخلاف تقارير الوكالة الدولية للطاقة النووية التي لا تنسجم مع ادعاءات الإدارة ومؤيديها.
القائد الأعلى الأسبق لحلف الناتو، ويسلي كلارك، وما يمثله من امتدادات ونفوذ كبير داخل المؤسسة العسكرية والاستخباراتية حذر الرئيس ترامب بشدة من قرع طبول الحرب مع إيران أو كوريا الشمالية، أو كلتيهما معاً، في مقابلة متلفزة لشبكة أم أس إن بي سي، 22 أيلول الجاري. وذكّره بأن سلفه جورج بوش الإبن سار على ذات المنهج التدميري الراهن، في حالة العراق، وبدء “بإطلاقه الأوصاف الرديئة، للحط من قدر وإذلال الخصم .. (كما أن) الزخم الإعلامي الراهن يؤسس لشن حرب غير ضرورية. إن أحداً ما يتشوق لإشعال فتيل الحرب.”
على الرغم من سلسلة تحذيرات تُنذر الإدارة بعدم الوقوع في الهاوية، فإنها تقف عاجزة عن تحقيق إجماع داخلي بشأن اتخاذ قرار شن الحرب على أي من البلدين، خاصة لما نشر قبل أيام معدودة من “خطأ المراهنة” على ما تحتويه ترسانتها من نظم دفاعية ضد الصواريخ إذ باتت “عاجزة عن التصدي وإسقاط الصواريخ الباليستية،” كما أقر بذلك أحد كبار الخبراء في الأسلحة النووية.
أما فيما يخص إيران فالمسألة تتخذ أبعاداً شديدة التعقيد للولايات المتحدة لخشيتها من تعرض ربيبتها “إسرائيل” لوابل من الصواريخ التي ليس بوسع بطاريات الباتريوت الأميركية ومشتقاتها التصدي لها، ناهيك عن فعالية إسقاطها قبل بلوغها أهدافها. أما التداعيات الجيوسياسية في الإقليم فهي مرشحة لتعريض الوجود الأميركي برمته للخطر؛ وتبقى مغامرة غير محسوبة العواقب رغم حماسة “المحافظين الجدد .. بلادنا ليست بحاجة لشن حرب على إيران لأن إسرائيل ترغب بذلك والفرح الغامر ليهود أميركا الأقوياء تلبية ذلك،” كما خلص الضابط السابق جيرالدي.

التحليل 09-08-2017

:التحليل 

“لهب وغضب” ترامب يتهاوى 
أمام التحدي النووي لـ “كيم جونغ اون”

كوريا الشمالية تمضي بثبات للإحتفال بمناسبة حلول الذكرى التاسعة والستين (69) لإنشاء “جمهورية كوريا الديموقراطية الشعبية” ونجاح تجربتها النووية السادسة، غير عابئة بأجواء القلق والترقب في واشنطن وتنفيذ تهديدات الرئيس الأميركي، بأنها ستواجه “لهباً وغضباً،” واكبتها “تسريبات” لوزارة الدفاع عن عزمها تسديد ضربة إستباقية ضد المنشآت النووية والصاروخية؛ وإقرارها أيضاً بأنها دأبت منذ زمن إجراء تدريبات عسكرية تحاكي فرضية شن عدوان على كوريا الشمالية، شملت استخدام السلاح النووي.
التخمينات الأميركية الراهنة تفيد بأن “بيونغ يانغ” في صدد إجراء تجربة جديدة بصواريخ باليستية “كما هي العادة،” لا سيما بعد تعهد مسؤوليها بإرسال “صناديق هدايا للإمبرياليين الأميركيين.” بالمقابل، سدنة القرار السياسي الأميركي ماضون لوضع اللمسات الأخيرة على اعتماد “حزمة من العقوبات الديبلوماسية والعسكرية” تم إعدادها في غضون أيام معدودة تتضمن “شن هجمات إلكترونية ضد المنشآت الكورية وتصعيد جهود المراقبة والعمليات الإستخباراتية ..” حسبما أفاد مسؤول رفيع في البيت الأبيض.

التصنيف والرد
بخلاف التوقعات والتحليلات العسكرية، أحجمت واشنطن عن إعلان تقييمها للتجربة الكورية عما إذا كانت لقنبلة هيدروجينية ذات مرحلتين من الانفجار، كما يعتقد، وهي أشد فتكاً ودماراً من السلاح النووي التقليدي، أم لنمط تفجير أقل وطأة، وما يستدعيه ذلك من رد انتقامي؛ واكتفت بالإشارة أن المعطيات المتوفرة تدل على حدوث “تجربة نووية متطورة .. إنشطار معزز للذرة.” بل سمحت البنتاغون لوكالة اسوشييتدبرس الاميركية للأنباء، 7 أيلول، القول بأن “الولايات المتحدة لا تجادل كوريا الشمالية في زعمها بإجرائها تجربة على قنبلة هيدروجينية.”
الحليف الياباني الوفي للولايات المتحدة أيضاً أطلق تصريحاً متزامناً مشابهاً جاء على لسان وزير الدفاع (ايتسونوري اونوديرا) بقوله “لا نستطيع إستبعاد فرضية أن التجربة كانت لقنبلة هيدروجينية؛” مطمئناً مواطنيه بالتزامات بلاده المنضوية “تحت المظلة النووية الأميركية.”
“الإنشطار المعزز ..” في التقنية النووية يستخدم نظائر الهيدروجين المخصب، تريتيوم ودوتيريوم، في عملية التفاعل الإنشطاري لتتحد مع ذرات الهيليوم واطلاق النيوترونات التي تعزز عملية التفاعل في المرحلة الأولى، ينتج عنها طاقة نشطة من الانشطار. الخيار الآخر، كما يقول علماء الذرة، هو اعتماد كوريا الشمالية النموذج الروسي الماثل في طبقات مركبة متبادلة من مواد انشطارية (مادة الكعكة الصفراء) وأخرى انصهارية للحصول على طاقة نشطة.
ناتج الطاقة في المرحلة الأخيرة مكون من نبض كهرومغناطيسي “عالي المردود،” يطلق أشعة غاما في الغلاف الجوي، باستطاعته تحييد وتعطيل شبكات توليد الطاقة الكهربائية والاجهزة الالكترونية، بل إلحاق الضرر بالاسلاك الناقلة للطاقة الكهربائية.
أما الخطط والإعدادات العسكرية الأميركية فهي ماضية على قدم وساق “منذ عدة سنوات .. جرى فيها اختبار الفرضيات المعدة لظروف مختلفة وصقل الخطط الحربية،” على ضوء الدروس المستفادة، وفق تصريح أحد كبار العسكريين في مقر إقامته بكوريا الجنوبية لأسبوعية فورين بوليسي، 7 أيلول الجاري. مضيفا أن الآلة العسكرية الأميركية الهائلة كفيلة بشل حركة قوات الخصم، بيد أن أحد مباعث القلق الأميركي هو “شبكات الأنفاق (الكورية) التي تتفوق كثيراً عما شهدناه في أفغانستان أو فييتنام ..”
المسألة المحورية في الأزمة المتبلورة الراهنة تستدعي المقاربة الهادئة والتحلي بالدقة لسبر أغوار مطبخ القرار السياسي الأميركي، وفصل “الحنطة عن الزوان.” الادارة الراهنة، أسوة بمن سبقها، تتميز بأغلبية من الصقور والداعين للحرب في مطبخ القرار، يقابلها عدد محدود يتضاءل مع مرور الزمن متوخياً إعتماد السبل الديبلوماسية. أما الغلبة لأي من الفريقين فتميل الى ترجيح منطق الصقور، وليس بالضرورة المضي بتنفيذ تهديداته على الفور، استناداً الى معايير واعتبارات حساسة تؤثر مباشرة على الاستراتيجية الكونية الأميركية، من أبرز عناوينها عملاقي الصين وروسيا وفي حديقتهما الخلفية.

ضربة استباقية وليس وقائية
فرضية الصقور ومواليهم على امتداد المؤسسة الأميركية تخاطب الهاجس الأمني للعامة، والذي أضحى أشد تأييداً لسياساتها دون مساءلة منذ اطلاقها “الحرب العالمية على الإرهاب.” أقطاب المؤسسة البارزين لا يتوانون عن التحريض وعدم المراهنة على “الفرضية السائدة بأن كوريا الشمالية لا تستطيع تهديد الاراضي الأميركية، اذ أن التسليم بذلك سيكون خطأً استراتيجياً ذو أبعاد تاريخية.”
يفضل المسؤولون الأميركيون “اطلاق التصريحات دون الكشف عن هويتهم،” سواء في المؤسسات الاستخباراتية أو العسكرية. البعض منهم أوضح لشبكة أن بي سي للتلفزة، 8 أيلول الجاري، أن “استخدام الولايات المتحدة أسلحتها النووية (ضد كوريا الشمالية) احتمال وارد لكنه بعيد .. لا سيما أنه لا يحظى بتأييد محلي أو لدى الحلفاء الدوليين.” أما إن طرأ أي تغيير “دراماتيكي” او القيام بخطوات استفزازية نحو كوريا الشمالية، فسيحضر ذلك الخيار بقوة تشفي غليل المؤسسة الإستخباراتية والأمنية.
نائب مدير وكالة الإستخبارات المركزية السابق، مايكل موريل، لم يخفِ نواياه بشن عدوان عسكري في المدى القريب. واوضح في مقال نشرته يومية واشنطن بوست، 6 أيلول الجاري، مجاهراً بمخالفته “الرأي السائد،” بأن بيونغ يانغ ليس باستطاعتها استهداف الأراضي الأميركية. وأكد على يقينه بأن “كوريا الشمالية قد تمتلك القدرة (التقنية) في الوقت الراهن لإجراء تجربة على هجوم نووي ناجح ضد الولايات المتحدة .. أما مجرد كوريا الشمالية لم تثبت حتى الآن مدى قدرتها لا يعني أنها تفتقدها.” ومضى بتأكيده استنادا إالى المعلومات الإستخباراتية المحظورة أن كوريا الشمالية “أثبتت في تجربتيها الأخيرتين على صواريخها العابرة للقارات بأن مداها يصل الى مدينة شيكاغو.”
المدير السابق لجهاز الإستخبارات الوطني، جيمس كلابر، يشاطر موريل في “يقينه” حول قدرة بيونغ يانغ الوصول للأراضي الأميركية وفق رواية الأخير.
أما ما يبغي موريل وأقرانه الوصول إليه فهو إرساء مبررات واقعية لدى الشعب الأميركي والتمهيد لتقبله شن “حرب عسكرية إستباقية” ضد كوريا الشمالية “دون المخاطرة بقيام بيونغ يانغ تسديد غارة نووية،” جازماً أنه “بالإمكان تنفيذ هذا المخطط دون تعريض الولايات المتحدة للخطر.”

مراهنة واشنطن
تصعيد الأزمة مع كوريا الشمالية، منذ بدء ولاية الرئيس ترامب، وفّر مناخاً مناسباً لواشنطن لتخطي تحفظات حلفائها في سيؤول وطوكيو بنشر بطاريات صواريخ اعتراضية من طراز (ثاد) التي تعارضها بشدة كل من بيجينغ وموسكو. ونجحت في استدراج كوريا الجنوبية بموافقتها على نشر “أربعة منصات إطلاق إضافية” لصواريخ (ثاد)، ليصبح عددها الإجمالي ستة منصات داخل الخدمة.
واقع الحال أن تلك النظم من البطاريات المضادة للصواريخ “لا يمكن الإعتماد عليها،” وفق تقييم خبراء المؤسسة العسكرية الأميركية عينها. وتتمثل الخشية من ميل أعضاء الكونغرس بمجلسيه للموافقة على صرف ميزانيات إضافية للتزود بالسلاح المضاد للصواريخ.
الموازنة السنوية لشؤون الدفاع لعام 2018 تتضمن بنداً ينص على تخصيص موارد مالية تكفي لشراء “28 بطارية” ثاد لنشرها في أراضي ولاية ألآسكا، إضافة لحث الكونغرس للبنتاغون الإعداد لشراء 100 بطارية أخرى لنشرها في مناطق متعددة من الولايات المتحدة.
الكلفة الإجمالية، مرة أخرى، للبطاريات المنتشرة في أراضي ولايتي ألاسكا وكاليفورنيا تجاوزت 40 مليار دولار، وعددها 36 منصة، وفق بيانات وزارة الدفاع.
باستطاعتنا القول، إستناداً إلى المعطيات العسكرية في وزارة الدفاع الأميركية، أن الترسانتة الأميركية لا يتوفر لديها سلاحاً فعالاً لإعتراض الصواريخ بنسبة نجاح عالية؛ ولا تملك إلا استمرار المراهنة على نشر بطاريات ومنصات إطلاق باهظة الكلفة وذات مردود ضئيل، في أفضل الأحوال.
يشار في هذا الصدد إلى إصرار إدارة الرئيس الأسبق جورج بوش الإبن إعتماد نظم (ثاد) قبل التيقن ميدانياً من فعاليته المطلوبة؛ إذ بلغت نسبة الفشل 50% في سلسلة تجارب “خضعت لتصاميم واختبارات مضمونة النتائج.”
دوائر صنع القرار تدرك مثالب ومواطن الضعف في تركيبة نظم السلاح، خاصة وأن شهادة هيئة التجارب الصاروخية التابعة للبنتاغون اوضحت في تقييمها عام 2016 أن ذلك “البرنامج ينطوي على قدرات محدودة للدفاع عن الأراضي الأميركية؛” فضلاً عن التقارير العملياتية المحايدة التي وصفت منصات (ثاد) بأن أداءها “غير كافٍ للبرهنة على قدرة عملياتية مفيدة للدفاع.”

خيارات الطرفين
إذا نحّينا جانباً دور الصين وروسيا في التأثير على مسار الأزمة النهائي، يتبين كم هي محدودة الخيارات المتاحة للطرفين، ومقلقة لأبعد الحدود على الصعيد الكوني برمته.
فيما يخص كوريا الشمالية، من منظار أميركي صرف، باستطاعتها شن حرب تطال التواجد الأميركي براً وبحراً بالقرب من أراضي شبه الجزيرة الكورية، ودخول أراضي خصمها الجنوبي عبر “سلسلة متقنة من الأنفاق السرية” وإلحاق أضرار كبيرة في البنى الإقتصادية والعمرانية؛ يعززها سلاح مدفعيتها “المدمر.” إضافة لسلاحها النووي فإن القلق الأميركي له ما يبرره وفق تقديراته لقدرات كوريا الشمالية التي “استثمرت في أسلحة بيولوجية وكيميائية وإلكترونية منذ انتهاء الحرب الكورية،” مطلع خمسينيات القرن الماضي.
التقارير الأميركية الرسمية تفيد بأن لدى بيونغ يانغ مخزون من الأسلحة الكيميائية يتراوح حجمه من 2,500 الى 5,000 طن يتضمن غاز الأعصاب – سارين و VX – ومادة الجمرة الخبيثة (أنثراكس).
اما الخيارات الأميركية، فترسانتها العسكرية متضخمة بأحدث ما تنتجها الصناعات العسكرية المختلفة: برًا وجواً وبحراً وإلكترونياً، فضلاً عن الترسانة النووية والقنابل الخارقة للتحصينات. تجدر الإشارة الى ان كراس “خطة الحرب” الأميركية سالف الذكر تفادى النظر باستخدام السلاح النووي من الجانب الأميركي، دون استبعاده.
سلاح بحريتها في المنطقة يضم “ما بين 70 الى 80 سفن مدمرة وطوافات وغواصات تتبع الاسطول السابع.” بيد ان القطع البحرية المختلفة تعاني من إعياء طواقمها وتراجع أدائها كما أوضحه تقرير صدر حديثا عن هيئة محايدة، مكتب المحاسبة الحكومي، حزيران 2017، جاء فيه ان “8 من مجمل 11 مدمرة وفرقاطة مرابطة في مياه اليابان انتهت مدة صلاحيتها العملياتية للتنقل والملاحة البحرية، والقيام بمهام حرب جوية وفي أعماق البحار.”
أميركا قد تلجأ لإستفزاز كوريا الشمالية، كما يُتداول في واشنطن، بغية إيجاد المبرر لاستخدام سلاحها النووي على نطاق محدود، في ساحة مليئة بالأسلحة النووية، مدركة أن قواتها العسكرية في كوريا الجنوبية ستكون ضحية سريعة للحرب “في يومها الأول،” واستغلال ذلك ذريعة لإطالة أمد الحرب التدميرية بحجة الثأر لضحاياها.
الولايات المتحدة لا تخفِ قلقها من الموقف الصيني “الغامض.” الصين ارسلت إشارة عابرة لطمأنة واشنطن في صحيفة غلوبال تايمز، المقربة من اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، بأنها “لن تهب لنجدة كوريا الشمالية إن كانت هي البادئة في إطلاق صواريخ باليستية تهدد الولايات المتحدة.” واشنطن اعتبرت ذلك مؤشراً على تفضيل بيجنغ للمسار الديبلوماسي لتفادي أهوال حرب نووية.
خيارات واشنطن “العملية” تتمحور حول الحلول الديبلوماسية، وفق ما يتسرب عن المقربين من الرئيس ترامب، مدللين على ذلك بنقطة التحول في خطابه اثناء استقباله لضيفه أمير الكويت الزائر بالقول أن الخيار العسكري ليس الخيار الأول بالنسبة له “لا أفضل السير باتجاه السبل العسكرية ..”
الخيار الدائم الحضور في جعبة واشنطن هو المقاطعة وإنزال العقوبات الاقتصادية، الذي لم يؤتِ أكله أمام كوريا الشمالية، باعتراف السياسيين الأميركيين أنفسهم. اللافت في التوجهات “الديبلوماسية” الأخيرة ما صدر عن وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس قائلاً “لا تخلو جعبتنا من الحلول الديبلوماسية مطلقاً.” التصريح له دلالاته البعيدة لا سيما وأن المصدر هو أحد أضلع مثلث عسكري يتحكم بالقرار السياسي.
السياسة الأميركية المعلنة، منذ ثلاثة عقود، تدعو في مناسبات متباعدة لإخلاء شبه الجزيرة الكورية من الأسلحة النووية. بالمقابل يطالب بعض الساسة والعسكريين ارسال معدات “نووية تكتيكية” لكوريا الجنوبية رغم تناقض ذلك مع تعهدات واشنطن المعلنة.
كما باستطاعة واشنطن تسخير هيئة الأمم المتحدة لخدمة مخططاتها في الحالة الكورية، واستصدار قرار أممي يتيح تفتيش السفن التجارية المتجة والمغادرة من موانيء كوريا الشمالية؛ إضافة لما يجري تداوله من اتخاذ إجراءات مماثلة ضد المصارف الصينية التي تتعامل مع كوريا الشمالية “وما ينطوي عليها من مخاطر ديبلوماسية” مع بيجنغ.

التحليل 08-25-2017

:التحليل

وصفة ترامب لأفغانستان: 
حرب مستمرة والعين على الصين وروسيا

بعد طول انتظار وترقب، صادق الرئيس ترامب على “توصية” المؤسسة العسكرية بزيادة عديد القوات العسكرية الأميركية وطواقم الدعم والإسناد لإبقاء نيران ساحات المعارك مشتعلة في أفغانستان، والترويج لها بنسخة جديد خاصة بالادارة الراهنة.
مهّد ترامب لقراره بالإشارة إلى تناقضه مع قناعاته الذاتية إذ أن “الحدس يدفعني للإنسحاب” من أفغانستان، فضلاً عن وعود متكررة بذلك؛ وقرار إتخذه بعد التشاور والإستعراض مع “فريق الأمن القومي” في منتجع كامب ديفيد “بتعزيز التواجد الأميركي لمنع حركة طالبان من الإطاحة بالحكومة التي تدعمها” أميركا.
قرار ترامب جاء تجسيداً لوعوده ما بعد المرحلة الانتخابية بأنه سيترك الأمر الفصل بيد “الجنرالات” لتقديم سلسلة خيارات لإدارته فيما يخص أفغانستان. النتيجة أن العسكريين لم يقدموا أي خيارات محددة باستثناء المعتمد الراهن، والذي تعود أصوله الى عهد الرئيس السابق باراك اوباما: البقاء والنزيف.
مؤسسة راند البحثية النافذة علقت على خطاب الرئيس ترامب بأنه طبعه “بنكهته الخاصة ..” واقترنت من الآن حرب أفغانستان بإسمه. وأضافت أنه لا ينطوي على جديد ملموس إذ “كان باستطاعة (المرشحة) هيلاري كلينتون اصدار” قرار مماثل لو تسنى لها تسلم المنصب الرئاسي.
تمحور حديث ترامب في “خطابه للأمة” حول “خطة للنصر” عمادها وثبة جديدة ترفد بموجبها نحو 4،000 عسكري وطواقم إسناد اخرى لا يجري تداول أعدادها ، كما أوضح قائد القوات الأميركية في أفغانستان جون نيكولسون. النسبة المعتمدة، وفق البنتاغون، هي واحد الى ثلاثة: لكل جندي هناك ثلاثة أفراد توفر الدعم والخدمات.
وسائل الإعلام الأميركية الرئيسة “تعتقد” أن مجموع القوات الأميركية الحالي في أفغانستان يتراوح بين “11،000 الى 12،000” فرد، بين جنود تحت الخدمة وطواقم “المتعاقدين؛” شبكة إن بي سي للتلفزة، 23 آب الجاري. بينما إحصائيات وزارة الدفاع لشهر تموز/يوليو الماضي أشارت الى ما يربو عن 35،000 من الجنود والمتعاقدين الأميركيين حصراً في افغانستان.
تقرير البنتاغون فصّل التوزيع كما يلي: 9،400 عسكري أميركي؛ 24،000 متعاقد؛ 9،000 عسكري من جنسيات أخرى؛ و 5،200 موظف محلي. “المتعاقدون” هم بغالبيتهم جنود وضباط سابقين خرجوا من الخدمة العسكرية ليمارسوا مهام عسكرية موازية بملابس مدنية ورواتب مجزية.

تسويق الهزيمة
أضحى من المسلمات في واشنطن إدراك منظومة المؤسسة العسكرية والاستخباراتية أن المعركة في أفغانستان باتت دون أفق “أو هدف محدد،” منذ زمن بعيد، واتكأت على مؤسسة الرئاسة والكونغرس لضمان تدفق الموارد المالية، كما يعتقد ضباط سابقين في الاستخبارات.
المؤسسة العسكرية بمجموعها “تتفادى” التسليم بالمكشوف وإعلان خسارتها حرب أخرى، مما يتيح لها هامش مناورة سياسي كبير في الداخل الاميركي، وذريعة إضافية لمصانع السلاح باستمرار تدفق الأموال؛ يعمل الجانبين بتوافق كبير في عسكرة وتسليح وإشعال ساحات وميادين وبسط الهيمنة على امتداد العالم.
ميزانية البنتاغون المعلنة تمثل 5% من الناتج القومي الإجمالي، وهي الأعلى بين دول العالم. يضاف الى الميزانية المعلنة بند إنفاق “اختياري” يفوّض الكونغرس بموجبه صرف أموالٍ دون قيود من خارج بنود الميزانية الرسمية لظروف تحددها “المصالح الأميركية.”
إعلان ترامب “لخطة الانتصار” تفادى تعريف ما يعتبر نصراً بمفردات بسيطة، وحدد مفهوم إدارته له بأنه رديف “لعدم الفشل؛” وحصره بحرمان حركة طالبان من تحقيق النصر.
وزير الدفاع الأميركي، جيمس ماتيس، أوضح “مفهومه” لتحقيق الانتصار في أفغانستان أمام لجنة من لجان الكونغرس، 13 حزيران / يونيو 2017، بأن خصائصه تتميز “باشتباكات متكررة” متدنية الشدة، تتيح للحكومة الأفغانية إدارة المعارك بدعم “القوات الأميركية والحلفاء،” بسلاح الطيران والقوات الخاصة.
أما حقيقة التواجد الأميركي، في ظل هذه الوصفة المتجددة، فقد أوضحها قائد القوات الأميركية في أفغانستان، جون نيكولسون، بأن خطاب ترامب “يؤشر على التزام (أميركي) طويل الأمد .. الإستراتيجية الجديدة تعني أن طالبان لن تنتصر عسكريا؛” داعياً أو متوسلاً مقاتلي حركة طالبان “الموافقة للإنخراط في محادثات سلام .. وحان الأوان لنبذ العنف والتصالح.”
تغيير ترامب لموقفه من الانسحاب الفوري من افغانستان له أبعاد مركبة، منها الذاتي ومنها الموضوعي. أبرزها في البعد الذاتي، قبول ترامب لإرشادات المؤسسة العسكرية والاستخباراتية بعد نجاحها في “محاصرته” سياسيا رغبة منه في التشبث بالسلطة.
ووفق الاخصائيين العسكريين، فإن استدامة فشل الحكومة الأفغانية ميدانيا، حتى بوجود القوات الأميركية والدولية الأخرى، وصل مديات لا تطاق، فضلاً عن عجزها الاستمرار في دفع رواتب المجندين وقوات الشرطة، وما ينجم عنه من هروب وتقاعس، ناهيك عن عدم استتاب الأوضاع بما يمكّنها من استغلال ثروات البلاد الطبيعية. أما بقاؤها فهو رهن للعطايا والمنح الأميركية، وما يرافقها من مظاهر الفساد وسوء توزيع الدخل.
كما أن تصاعد الاشتباكات والمعارك مع خصومها، حركة طالبان، قد حرمها من استغلال أحد أهم مواردها المالية: الإتجار بالمخدرات التي تخضع زراعتها وتسويقها لسيطرة مناوئيها في إقليم هِلمَند. تقدر عوائد الاستثمارات الأميركية من الأفيون الأفغاني بمئات المليارات من الدولارات سنوياً، تذهب نسبة 20% لصالح المصارف الأميركية ثمناً لإدارتها والباقي حصة الوكالة المركزية – وفق مسلمات ضباط سابقين في الوكالة.
في السياق عينه، أوضح ضباط الإستخبارات الأميركيين ذوي اضطلاع وثيق ببرامج الوكالة هناك بالقول أن الحكومة الأميركية لم تكن جادة بالفعل في تقليص أو القضاء على زراعة الأفيون في أفغانستان، لا سيما وأن وكالة الاستخبارات المركزية لها باع طويل في الاتجار بالمخدرات “لتمويل عملياتها السوداء” عبر العالم، أي من خارج الميزانيات الرسمية المخصصة. إذ ارتفعت رقعة المساحة المخصصة لزراعته من 7،600 هكتار عام 2001، عام الغزو، الى 224،000 هكتار عام 2016.
ويضيف اولئك أن الكونغرس إعتمد سلسلة ميزانيات أُنفقت للسيطرة على أفغانستان منذ العام 2002، بلغت ما يربو على 113 مليار دولار لنهاية العام الماضي؛ بلغ حصيلة عدد القتلى الاميركيين نحو 2،400 وجرح أكثر من 20،000 آخرين. ونُزيد أن تلك الميزانيات وغيرها للدول الغربية الحليفة لأميركا لها دوافع وأطماع سياسية واقتصادية بالدرجة الاولى: السيطرة على الثروة المعدنية الهائلة غير المستغلة، وإنشاء وجود أميركي دائم يهدد خصمها الثلاثي – روسيا والصين وايران؛ الأمر الذي يقودنا الى البعد الموضوعي والاستراتيجي في الأهداف الأميركية.
كان ملفتاً هجوم الرئيس ترامب على باكستان وتهديدها بتشغيل خصمها اللدود، الهند “كشريك عظيم الفائدة،” في المسألة الأفغانية، إن تخلفت عن الإنصياع لمشيئة واشنطن. وذكّرها بأن بلاده “لا تزال تدفع لباكستان مليارات الدولارات، وفي الوقت نفسه توفر مأوىً للمتشددين الذين نقاتلهم .. (وبأنها) ستفقد الكثير” إن مضت في سياستها المزدوجة؛ مع إقرار الأجهزة الأمنية الأميركية بأن الجزء الأعظم من العمليات الإرهابية في الخارج في السنوات القليلة الماضية لم يكن لأفغانستان ضلع في التخطيط والتنفيذ لها.
تجدر الإشارة إلى أن تهديد أميركا لباكستان بقطع المعونات العسكرية والمالية عنها تم تطبيقه في السابق، دون مردود مقنع؛ تتلقى باكستان “مساعدات” أميركية تبلغ قيمتها مليار دولار سنوياً. وردت عليه إسلام أباد آنذاك بإغلاقها الطريق البري الذي تستخدمه القوات الأميركية في إمداد وتموين قواتها في أفغانستان كونها تشكل المنفذ البحري الوحيد والمجدي؛ واضطرت واشنطن لشق طريق إمداد بديل عبر الأراضي الروسية والذي أُغلق أيضا مع تصاعد التوترات بين واشنطن وموسكو.
نستدرك لننقل ما يعتقده “ضباط الإستخبارات الأميركيين” ذوي الخبرة في الشأن الأفغاني بأن جنين المجموعات القتالية التي تبلورت لاحقاً الى “تنظيم داعش،” كمجموعة قتالية مناهضة لحركة طالبان، تم انشاؤه من قبل “جهاز الأمن الوطني الأفغاني” الذي تسيطر عليه وكالة الاستخبارات المركزية بالكامل.
النخب الفكرية والبحثية الأميركية تعتبر جهاز “الاستخبارات العسكرية” الباكستاني “اليد الخفية للمؤسسة العسكرية التي توفر الدعم والمأوى للإرهابيين الناشطين في أفغانستان والمناهضين للهند،” استناداً الى معلومات استخباراتية أميركية دون تحديد مصدرها.
تدرك البنتاغون حقيقة تمدد طالبان والمجموعات الموالية لها على امتداد الأراضي الأفغانية وسيطرتها على أكثر من نصف مساحة البلاد، وتحقق تقدما مضطرداً في هذا الاتجاه. بموازاة ذلك، تدرك أيضا أن أي مسعى لإحقاق السلم والاستقرار في أفغانستان “يستدعي انخراط حركة طالبان وباكستان والصين وروسيا وايران.”
طالبان، بإيعاز باكستان كما يعتقد، ردت على إعلان الرئيس ترامب على الفور بأنها ستمضي في القتال “طالما بقيت القوات الأميركية في أفغانستان.”
بقاء القوات الأميركية في أفغانستان هو من صلب “الاستراتيجية” الاميركية وهدف “الليبراليين الجدد” لمحاصرة الصين وروسيا، تحديداً، ودق إسفين لحرمانهما من تحقيق الاندماج الإقتصادي البديل عن السوق الغربية.
إعلان الرئيس ترامب تبنى استراتيجية “مؤسسة الأمن القومي” بالكامل لضمان حيويتها في المسرح الأفغاني، من ناحية، وقطع الطريق على ما تعتقده الغاء العامل الأميركي في أي تقارب بين الحكومة الأفغانية وحركة طالبان في المستقبل.