التقرير الأسبوعي 12-01-2017

المقدمة       

       أثناء إعداد هذا التقرير شهدت واشنطن تحولات سياسية سريعة وهامة من شأنها، إن استمرت وتيرتها، تضييق الخناق على شخص الرئيس دونالد ترامب؛ وذلك بعد مثول مستشاره السابق للأمن القومي مايكل فلين أمام القضاء واعترافه بذنب الادلاء بشهادات كاذبة لمكتب التحقيق الفيدرالي. أما تداعياتها فستنعكس على المشهد الأميركي الداخلي حصراً.

        سيستعرض قسم التحليل الجدل الدائر حول طبيعة وتوقيت الرد الأميركي على إطلاق كوريا الشمالية صاروخاً باليستياً تهيئة لحمله رؤوساً نووية، كما يعتقد. اللجوء للخيار العسكري هو المفضل أميركيا، لا سيما في أوساط المحافظين الجدد ومؤيديهم، بيد أن قيوداً وتعقيدات دولية تحول دون تنفيذ تهديدات “الغضب واللهب،” والإطلالة على قنوات وساطة خلفية بين بيونغ يانغ وواشنطن بموافقة ضمنية من الرئيس ترامب.

 
      

ملخص دراسات واصدارات مراكز الابحاث

السياسة الأميركية في المنطقة

        اعتبر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية سياسة الرئيس ترامب نحو دول الخليج بأنها “لا تختلف كثيراً” عن سياسة سلفه الرئيس اوباما؛ موضحاً أن استراتيجية الاستدارة نحو آسيا استدعت “فك اشتباك الولايات المتحدة من العلاقات الحميمية التي يعتبرها (ترامب) تجاوزت فوائدها.” وأضاف أنه بصرف النظر عن الترحاب الكبير الذي حظي به ترامب لدى تلك الدول إلا أن سياسات “إدارة ترامب تشكل استمراراً لجهد متنامي لإبعاد الانخراط الأميركي عن الخليج وليس العكس.” واستعاد المعهد قول أميركي مأثور حول تفاقم الأزمة العرقية في عقد السبعينيات من القرن الماضي، التجاهل غير المتعمد، للتدليل على مطابقتها السياسة الأميركية الراهنة. وأردف بالقول أن عدد لا بأس به من الأميركيين يعتبرون “تقليص العلاقات الأميركية لدول الشرق الأوسط ما هي إلا جزء من استراتيجية (أميركا أولا) التي طال انتظارها.”

https://www.csis.org/analysis/benign-neglect

 
 

        تفاقم الملاحقات القضائية لأعوان الرئيس ترامب، على خلفية التواصل مع روسيا لترجيح كفة الانتخابات الرئاسية المزعومة، إعتبرها معهد أبحاث السياسة الخارجية بأنها بمثابة هدية للإدارة وربما “ستسفر عن إنشاء واقع جيو- سياسي جديد في منطقة الشرق الأوسط.” وأعرب عن ارتياحه للتوقيت الزمني لتلك التحقيقات والتي “ربما قد ألقت ظلالاً من الشك على قمة سوتشي التي استضافها الرئيس الروسي” بحضور الرئيسين الايراني والتركي، وما أسفرت عنه من إعلان القمة “عقد مؤتمرلحوار وطني سوري في سوتشي في وقت قريب.” وسخر المعهد من اعلان القمة عن التزام الزعماء الثلاثة “بجهود إعادة إعمار سوريا .. وهم المشكوك بمصداقيتهم فيما يتعلق بممارسة الديموقراطية” داخل بلدانهم.

https://www.fpri.org/article/2017/11/new-geopolitics-middle-east/

 

ايران وكوريا الشمالية

        أعرب معهد واشنطن عن عظيم قلق الحكومة الأميركية من “اللقاءات رفيعة المستوى بين مسؤولين ايرانيين وكوريين شماليين” في الآونة الأخيرة لما ينطوي عليها من “تعزيز علاقاتهما العسكرية المشتركة .. والتي تتجه وفق المؤشرات المتوفرة بأن بيونغ يانغ وطهران قد وقعتا وثيقة ثبتا فيها التزامهما بتطوير مشترك لنظم الصواريخ الباليستية ..” وزعم المعهد أن “المؤسسات الاستخباراتية الأميركية رصدت تواجد مسؤولين عسكريين إيرانيين في بيونغ يانغ .. وينبغي التوصل لادراك شامل لحقيقة التعاون بينهما، والذي سيحتل مرتبة الأولوية لدينا.”

http://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/high-level-contacts-between-north-korea-and-iran-hint-at-deeper-military-co

 

        نقلت مؤسسة هاريتاج عن مسؤول أميركي لدى “وكالة الاستخبارات الدفاعية” قوله أن “بيونغ يانغ باستطاعتها الآن تطوير رأس نووي مصغر،” الشهر الماضي. واستعرضت المؤسسة جملة خطابات منسوبة لرئيس كوريا الشمالية كيم جونع أون يهدد فيها مدناً أميركية بهجوم نووي منها “اوستن بولاية تكساس؛ لوس أنجيليس؛ وواشنطن العاصمة.” وأشادت المؤسسة بطلب “إدارة الرئيس ترامب تخصيص مبلغاً إضافياً قيمته 4 مليار دولار” من الكونغرس “لتعزيز نظم الدفاع الجوي” في اميركا؛ لا سيما وأن “النظم الراهنة مكدسة في الشطر الغربي من البلاد، بينما مدن الساحل الشرقي لا تتمتع بنظم حماية مماثلة،” وفق المؤسسة.

http://www.heritage.org/missile-defense/commentary/keeping-north-koreas-and-irans-bad-ballistic-missiles

 

        علق معهد المشروع الأميركي على إطلاق الصاروخ الباليستي الأخير استناداً إلى “رواية هيئة الأركان المشتركة” في كوريا الجنوبية؛ بينما “فروع القوات المسلحة الأخرى لا تزال منكبّة للتيقّن من طبيعة الصاروخ.” وشددت المؤسسة على أن إطلاق الصاروخ شكل نهاية لتكهنات سادت في واشنطن كانت تعوّل على “التزام بيونغ يانغ بالتهدئة لـ ستين (60) يوما .. مما كان سيفسر في أروقة وزارة الخارجية الأميركية بأن كوريا الشمالية لديها نية مفتوحة للتفاوض.” وزعم المعهد أن الرئيس الأميركي ترامب “طلب من القيادة الصينية إرسال مبعوث رفيع المستوى للقاء القيادة الكورية الشمالية،” لاستيضاح الأمر والنوايا المستقبلية، بيد أن الآمال المعقودة سرعان ما تبخرت لعدم تجاوب بيونغ يانغ، حسب سردية المعهد. وحث المعهد الرئيس الأميركي على “قصف موقع إطلاق الصاروخ في كوريا الشمالية.”

http://www.aei.org/publication/trump-should-take-out-the-site-where-north-korea-just-launched-a-missile/

 

        زعم معهد أبحاث السياسة الخارجية أن “الاتحاد السوفياتي كان له الفضل في تأسيس جمهورية كوريا الديموقراطية الشعبية .. والآن روسيا تحتفظ بعلاقات سياسية متينة معها ويشكل دليلاً لتفسير التقارب الذي يجمع البلدين.” وأشار المعهد الى حجم النفوذ الذي يمكن لروسيا القيام به في سياق تطبيق نظام العقوبات الدولية وعلى رأسها “.. صادرات الطاقة الروسية؛ استيراد موسكو للعمالة من كوريا الشمالية؛ واستخدام موسكو لمرفأ راجين في كوريا .. وشبكات المواصلات والاتصالات.” وأضاف بأن روسيا “تتمتع بأفضل العلاقات راهناً مع كوريا الشمالية وتدني علاقات الاخيرة مع حليفتها الصين في السنوات الماضية .. فضلاً عن قدرتها للتدخل العسكري إن تطلب الأمر.”

https://www.fpri.org/article/2017/11/nuclear-weapons-russian-north-korean-relations/

 

 

التحليل

صاروخ كوري يفرض معادلة جديدة

هل يهرب ترامب “للأمام” بافتعال مواجهة؟

        أثناء كتابة هذا التقرير، انتشر بين المراقبين “خيار” لجوء الرئيس ترامب لتوتير الأوضاع وافتعال مواجهة قد تفضي الى اندلاع حرب عسكرية مع كوريا الشمالية، اتساقاً مع سعيه للهروب من استحقاقات المرحلة بصرفه الأنظار عن تفاقم الأزمات التي تقترب من شخصه خلال ملاحقة كبار مساعديه قضائياً. في هذا السياق ليس مستبعداً لجوئه لتوتير الاوضاع العالمية، مع عدم ترجيح توجيه ضربة عسكرية “استباقية” لبيونغ يانغ، أو تصعيد نهج التخريب في منشآتها كما حدث للبرنامج النووي الايراني.

        حافظت الولايات المتحدة على سرديتها المشهورة منذ 75 عاماً بأن سلاحها وترسانتها النووية “ضرورية للحفاظ على أمنها ومصالحها.” وعلى الرغم من محاولات متعددة لعقد تفاهمات بين بيونغ يانغ وواشنطن تفضي للقضاء على لغة التهديد بين البلدين، إلا أن الأخيرة التزمت فقط بانتهاك تعهدات قطعتها كلما لاحت لها الفرصة: الاتفاقيات الطويلة مع السكان الأصليين؛ التعهدات مع الزعيم الليبي معمر القذافي ..الخ.

        مضت فترة “هدوء نسبي” شارفت على نحو 60 يوماً بين التجربة الأخيرة لكوريا الشمالية وسابقتها، مما أنعش آمالاً بنجاح الجهود الديبلوماسية بين البلدين. بيد أنها سرعان ما تبخرت وأطلقت كوريا الشمالية تجربة على صاروخ باليستي متطور.

في الحسابات العسكرية الأميركية، حلق الصاروخ الكوري الباليستي “هواسونغ-15، على إرتفاع شاهق لنحو 4,475 كلم، بما يعادل عشرة أضعاف مدار محطة الفضاء الدولية؛ قاطعاً مسافة 950 كلم طولية؛ وتم حسب مسافة مساره بنحو 13,000 كلم (8،100 ميل)، تكفي لاستهداف العاصمة واشنطن، ومنها الى باقي المدن الأميركية الرئيسة. ووفق بيانات “اتحاد العلماء المعنيين” الأميركي الرصين فإن المدى الجديد للتقنية الكورية يغطي معظم الكرة الأرضية وهي محملة برؤوس نووية “باستثناء أميركا الجنوبية والقطب المتجمد الجنوبي.”

        وزير الدفاع الأميركي، جيمس ماتيس، وافق على سردية بيونغ يانغ لناحية قوة ومدى الصاروخ قائلاً “بصراحة كان (مداه) أعلى من الصواريخ التي سبقته .. كوريا الشمالية تمثل تهديداً عالمياً.”

        عنصر المفاجأة لم يغب عن المؤسسة العسكرية والسياسية الأميركية لناحية فشل عدد من التجارب الكورية السابقة، جلها متوسطة المدى – بضع مئات من الكيلومترات، أسفرت عن تشكل شبه إجماع بأن الولايات المتحدة “نجحت في تخريب تلك التجارب،” بوسائل متعددة ابرزها تشويش الكتروني وتزويد البرنامج بمعدات مستوردة أقل جودة وفاعلية من المطلوب.

        ردود أفعال الولايات المتحدة وحلفائها في منطقة بحر اليابان سلطت على إظهار القوة العسكرية الصرفة، بالقرب من سواحل كوريا الشمالية؛ مناورات عسكرية عاجلة أجرتها كوريا الجنوبية. بيد أن الإقرار بنجاح إطلاق الصاروخ وتحليقه لأكثر من 50 دقيقة له دلالاته أيضاً، منها أن النموذج الجديد “هواسونغ – تيمناً بكوكب المريخ” كان متطوراً عن أسلافه  وبوسعه “حمل رؤوس حربية ثقيلة.” بل وصفته يومية ديفينس وان ، Defense One، بأنه “مذهل وجدير بالإعجاب” من الناحية التقنية الصرفة.

        الجناح الواقعي في المؤسسة الأميركية الحاكمة ممثلاً بوزارة الخارجية شدد على “بقاء القنوات الديبلوماسية مفتوحة، حتى الآن؛” جسدها توجه واشنطن للأمم المتحدة لإستصدار قرارات أممية بالمقاطعة التدريجية والشاملة للمؤسسات والهيئات التي تتعامل مع بيونغ يانغ. بالمقابل شهد العالم تصريحات عنترية هددت بأن “كافة الخيارات مطروحة، بما فيها السبل العسكرية؛” ترجمة لنوايا واشنطن المعلنة بضرورة تخلي كوريا الشمالية عن برنامجها الصاروخي والنووي طوعياً.

هل تخطت كوريا عتبة النووي

        الخبراء والأخصائيين في الجانبين، الاميركي والكوري الشمالي، يمضون في مسارات متوازية لحسم الجدل حول القدرة على تحميل الصاروخ الباليستي رؤوساً نووية ونموذجها المتطور بالنووي الحراري.

        الاخصائيون الأميركيون لفتوا النظر الى إطلاق بيونغ يانغ صاروخها الجديد في ساعات متأخرة من الليل “لمحاكاة الظروف العملياتية التي سوف تستخدمها كوريا الشمالية فعليا في سيناريوهات حربية .. وربما استخدمت منصة إطلاق متحركة ليصبح استهدافها شبه مستحيل من قبل الولايات المتحدة أو التهديد بقصف موقع الإطلاق.” وأضافوا أن بيونغ يانغ أثبتت قدرتها على “إجراء تجارب مفاجئة ومستقلة عن الظروف الجوية.”

        التحدي الآخر امام جهود التثبت الأميركية هو الوقود السائل الذي شغّل محركات الصاروخ، والأقل فاعلية، مما يعني بلغة العِلْم أن الوقود تم تحريكه من مخزونه الى منصة الإطلاق وتزويد المحرقات بالطاقة اللازمة. استخدام الوقود السائل، نظرياً، يوفر للولايات المتحدة فرصة زمنية قصيرة لاستشعار الإطلاق واستهداف المنصة على الفور – كلٌّ وفق السردية الأميركية.

        المصادر العسكرية الأميركية أكدت تحليق “طائرات أميركية” للتجسس في الأجواء القريبة خلال إطلاق الصاروخ الكوري، من طراز RC-135S Cobra Ball، والتزمت الحذر قبل الإفراج عن معلومات مفيدة، كما جاء في نشرة مختصة بشؤون الطيران ذي آفياشينست The Aviationist، 28 نوفمبر.

        واكتفت البنتاغون بالقول “رصدنا إطلاق محتمل لصاروخ من كوريا الشمالية. نحن منخرطون في تقييم الوضع وسنقدم مزيد من التفاصيل حين توفرها.”

في الجانب المعتم من المعلومات التقنية الموثقة، بالنسبة لواشنطن، عدم التيقن الصارم من المدى الذي بلغته كوريا الشمالية عقب تجربتها الناجحة في تفجير قنبلة هيدروجينية إن أضحى بمتناولها تطويع التقنية ونصبها على الصاروخ الباليستي، هواسونغ-15. فضلاً عن شح البيانات المتداولة للتأكد من نجاح كوريا في التغلب على المعوقات الفيزيائية ودرجات الحرارة العالية التي ترافق جسم الصاروخ في طريق عودته الى الغلاف الجوي للكرة الأرضية.

وعلى ذات المستوى من الأهمية امتلاك التقنية المتطورة لأجهزة توجيه باستطاعتها التحكم الدقيق بالرأس الحربي وايصاله الى هدفة على مسافات بعيدة تصل لبضع آلاف الأكيلومترات. قرار كوريا الشمالية إسقاط الصاروخ الباليستي في مياه المحيط الهاديء يعقد جهود الجانب الأميركي وحلفائه للتعرف على مكوناته وقياس مدى دقته، ومن ثم البناء على ذلك من استنتاجات ثابتة بقدرة الصاروخ “المقبل على استهداف المدن الأميركية.”

        الرسالة الكورية الحقيقية لم تغب عن بال المؤسسة الحاكمة الأميركية، بأنها ستنقل الحرب الى الاراضي الأميركية في حال شعورها بحتمية التهديد الأميركي. صناع القرار السياسي الأميركي تملكهم الحرص الشديد على خوض المعارك والحروب في مناطق بعيدة عن السواحل الأميركية. والآن هي أمام مواجهة حقيقة جديدة في المعادلات الدولية: اصبحت كوريا الشمالية دولة نووية بصرف النظر عن التهديدات والرغبات الأميركية.

        الزعيم الكوري علق مبتهجاً لما توصلت إليه بلاده بالقول “.. أخيرا حققنا حلمنا التاريخي بامتلاك القدرة النووية،” لردع الولايات المتحدة والحيلولة دون إقدامها على الإطاحة وتغيير النظام. وعليه، امتلكت بلاده سلاحاً متطوراً لن يكون بوسع واشنطن تجاهله بعد الآن، كما يعتقد التيار الواقعي في السياسة الأميركية. واضافت ديفينس وان  أن نجاح التجربة الأخيرة سيحفز بيونغ يانغ على الاستمرار في تطوير برنامجها الصاروخي والنووي “لبلوغ مرحلة متقدمة تستطيع تهديد الولايات المتحدة،” مستطردة أن ذلك “لا يعود لرغبة كوريا الشمالية افتعال حرب نووية، بل لحرصها على امتلاك قدرة ردع الولايات المتحدة.”

الخيارات المتوفرة

        منذ الأيام الأولى لتولي الرئيس ترامب مهام منصبه وهو يكثر من خطاب التهديد بأنه سيقضي على “برامج كوريا الشمالية وينزع سلاحها بالكامل.” وتداول مستشاروه السبل المتاحة لتحقيق ذلك بالتشديد على “عدم تمكين كوريا الشمالية من اقتناء سلاح نووي تهدد به الولايات المتحدة.” بعض أركان الإدارة كان على قناعة ثابتة بأن بيونغ يانغ ستلجأ لنزع سلاحها طواعية، يقابله إفراط بنية استخدام القوة العسكرية بما فيها السلاح النووي لتحقيق ذلك.

        نعيد الى الأذهان التهديد الشهير للرئيس ترامب، 20 آب الماضي، بأنه مقدم على قصف كوريا الشمالية “كرد على مجرد الشعور بتهديدها” بلاده، ومحوها عن الخريطة بعد احراقها “بالغضب واللهب.”

        على جانب كوريا الشمالية، يشار الى أن منصاتها ومنشآتها النووية وبنيتها التحتية منتشرة على رقعة واسعة من أراضيها، مما يتيح لها الرد بالمثل إن تعرضت للعدوان حتى ولو خرج بعض مواقعها من الخدمة بفعل القصف.

        الخيار الأميركي المتداول أيضا هو باستهداف هرم القيادة الكورية وعلى رأسها شخص الرئيس كيم جونغ إيل. من المعروف ان الأخير دائم الحركة للحد من فعالية محاولات اغتياله.

        قد تلجأ واشنطن للمراهنة على شق صفوف القوات العسكرية ودفعها لتنفيذ انقلاب على السلطة المركزية. بيد أن الأمر لا يغب عن بال الزعيم الكوري الذي لجأ “لاعتقال وإعدام بعض الجنرالات المتورطين،” تربطه ببعضهم قرابة عائلية.

        نعيد إلى الأذهان بعضاً مما جاء في شهادة المرشح لتولي منصب مدير وكالة الاستخبارات المركزية، مايك بومبيو، أمام الكونغرس في تموز الماضي، إذ قال في سياق تغيير النظام “.. شعب كوريا الشمالية، أنا على يقين أنه يتطلع بشوق لرؤية غيابه أيضا.” وأضاف “.. فيما يخص مستقبل النظام، يحدوني الأمل بأننا سنجد طريقة للفصل بين الحكم والنظام.”

        اما الخيار “الاستباقي” باستهداف واسقاط صاروخ كوري شمالي خلال مرحلة التحليق فقد أدركته القيادة الكورية مبكراً وحرصت على إطلاقه من ساحلها الغربي للحفاظ على مسار تحليقه فوق الاراضي والمياه الكورية، تفادياً لمحاولة اعتراض واسقاط أميركية فوق الأجواء الإقليمية والذي سيعتبر استفزازاً متعمداً من قبل واشنطن ومن أعمال الحروب العدوانية، ويستدعي الرد.

        في الجانب العملياتي الصرف، تتوارد تصريحات خبراء وأخصائيين أميركيين في المجال الصاروخي والنووي محذرة من الإفراط في تهديد الساسة بقدرة التقنية المتوفرة على التصدي واسقاط تقنية باليستية، مشددين على أن التجارب الميدانية لم تأتِ بنتائج مطمأنة في هذا المجال؛ واستمرار المراهنة عليها ينطوي على قدر كبير من التبسيط والفشل وما سينجم عنه من تهديد الهيبة الأميركية على المدى الطويل.

        أمام هذا المشهد بالغ الحساسية يعتقد المراقبون الأميركيون أن التهديد الأميركي الثابت بشن حرب على كوريا الشمالية يرمي إلى “تعزيز الفرص لإقدام الزعيم الكوري على إرتكاب خطأً في الحسابات والبدء بالحرب ..” وأضاف أولئك لنشرة ديفينس وان أن المراهنة الأميركية على منع كوريا من امتلاك التقنية النووية بكافة مراحلها “قد عفى عنها الزمن منذ سنوات بعيدة.”

        التيار السياسي الواقعي في الداخل الأميركي، مرة أخرى، يرى مخاطر وأهوال حرب قادمة، ليس في البعد الانساني وضحاياه فحسب، بل لتداعياته على الاقتصاد الأميركي ومن ثم ما قد يتعرض لها حلفاء واشنطن من تدمير في البنية الصناعية الهائلة في كل من اليابان وكوريا الجنوبية.

        أما الحل الأمثل، بنظر هؤلاء، فيتمثل بتنبي “الرئيس ترامب استراتيجية خاصة بكوريا الشمالية تعترف فيها بقدرة الأخيرة على تهديد الأراضي الأميركية، والبناء عليها لاحتوائها وردع تجلياتها المدمرة.” واستطرد هؤلاء أن من شأن سياسة بهذا الاتجاه “إعادة الطمأنينة لحلفاء أميركا في الاقليم، والحد من انتشار التسلح، طمعاً في الوصول لمرحلة تسيّد العامل الديبلوماسي للحد من برامج كوريا الشمالية.

        مراهنة الولايات المتحدة على دق إسفين بين الصين وروسيا من ناحية، وبينهما وبين كوريا الشمالية، في سياق تجسيد “سياسة فرِّق تسد،” أنعشت آمالا غير حقيقية في واشنطن لمفاضلة الصين وإيلاء بعض المهام الديبلوماسية لها.

        أما الصين فلها رأي مغاير أفصحت عنه عبر يوميتها باللغة الانكليزية غلوبال تايمز، 30 نوفمبر، بالقول “ينبغي الإقرار بأن السياسة الخارجية الأميركية نحو كوريا الشمالية لم يسفر عنها سوى فشل ذريع.”

 

التقرير الأسبوعي 11-24-2017

أميركا وعيد الشكر: سردية عن الحصاد
وإبادة السكان الأصليين

         احتفلت الحضارات البشرية المتعددة بمواسم الحصاد السنوية وتشابهت طقوسها عبر التاريخ إيذاناً بتجدد دورة الحياة. احتفالات مشابهة في القارة الشمالية من أميركا تجري وفق أجندة سياسية ترتبط بسردية متشابهة ومتباعدة زمنيا، بين أميركا وكندا، تخص ظروف الاستيلاء على أرض الغير وإبادة الأصل وفرض هوية الغزاة الجدد، فالتاريخ يكتبه الطرف المنتصر.

         تحتل الولائم الدسمة على الديك الرومي (الحبش)  مكان الصدارة في ما يعرف بعيد الشكر، مناسبة تحولت تقليداً سنوياً ولمرة واحدة لجمع الشمل العائلي المتشظي للأميركيين، وتكرست طقوساً للاحتفال “بعيد الشكر؛” كما يعرف في شطري أميركا الشمالية.

بيد أن النموذج الأميركي جنوباً تطور بسرعة مذهلة ليخدم العملية الرأسمالية بمراكمة الثروات عبر تعزيز الاستهلاك، كما يشهد عليه قرار الرئيس فرانكلين روزفلت (1938) بتعديل موعد الاحتفال عن موعده الأصلي، آخر يوم خميس من شهر نوفمبر، “لإطالة فترة التسوق والشراء” في مسعاه للتغلب على تداعيات الكساد العظيم عام 1929.

         ومن ثم “أقر الكونغرس الأميركي بمجلسيه” رابع يوم خميس من شهر تشرين2/نوفمبر يوماً للاحتفال بعيد الشكر، ويعتبر عطلة وطنية “علمانية” لا ترتبط بمناسبة دينية محددة ولكن يتم تجييرها لتأخذ أبعاداً دينية – فمن سيتجرأ على نكران الشكر للباري عزّ وجلّ على نعمه. ودرجت العادة منذئذ على اعتباره بداية موسم إجازات يتزامن مع عيدي “الميلاد المجيد” ورأس السنة الجديدة؛ تستغله كبرى المصالح الإقتصادية في وفرة المعروض من البضائع والسلع والترويج “لتخفيضات كبيرة” عليها.

         دشن الجنرال / الرئيس جورج واشنطن احتفالات موسم الحصاد امتداداً للاحتفال الأول الذي أقامه المستعمرون الجدد في منطقة “نيو إنجلاند،” عند وطأتهم القارة الجديدة، تشرين2 / نوفمبر 1621؛ وأصدر مرسوماً عام 1789 لتقنين الإحتفال بالمناسبة “للإقرار بالقدرة الإلهية والانصياع لإرادتها، والتعبير عن إمتنان البشر لتلك النعم ..” كما ورد في خطابه الموجه للأمة الوليدة آنذاك.

في خضم الحرب الأهلية الأميركية، لجأ الرئيس أبراهام لينكولن لاستحضار العامل الديني كحافز يحشد خلفه تأييد المترددين. وأصدر مرسوماً رئاسياً في 3 تشرين1/ اكتوبر 1863 يعلن فيه تحديد “آخر يوم خميس في شهر نوفمبر” عيداً وطنياً  “كيوم لتقديم الشكر والحمد للخالق ملكوت السماء،” بعد أن أمنّ على قواته بالنصر في معركة غتيزبيرغ.

حرصت السردية الأميركية الرسمية على طمس حروب الإبادة ضد الاسكان الأصليين، وأشاعت أن المستعمرين الجدد “احتفلوا مع جيرانهم،” القبائل الهندية من (البيكو Pequots) وغيرها، بعيد الحصاد. ولا تستقيم الرواية أمام التمحيص العلمي لحقيقة ما جرى بأن “المستعمرين الجدد، ألحجاج كما أطلقوا على أنفسهم، أتوا للاحتفال سوية مع الجيران .. وهم الذين وجهوا الدعوة (للهنود الحمر) للاحتفال بما أنعم الله عليهم من خيرات.” بيد أن ما يعنينا ليس الخوض في بطون التاريخ وإثبات ما لحق السكان الأصليين من إبادة وتزوير، فقد أضحى ذلك في متناول الجميع للدلالة على حقيقة النظم الاستعمارية لإلغاء كل ما يتعارض مع “نقاء روايتها.” بل الإضاءة على مناسبة يتداخل فيها العامل الديني بالسياسي لخدمة شريحة تعتقد أنها “رُسل الله وورثته على الأرض.”

         جدير بالذكر أن “احتفالات الحجاج – البيوريتانز – أو القديسين،” عام 1621 جاء في سياق هروب جماعي من القارة الاوروبية من ويلات “حرب الثلاثين عاماً،” التي اجتاحت وسط اوروبا بين الأعوام 1618 – 1648، كان التباين المذهبي فتيل إشعالها بين “البروتستانت والكاثوليك؛” عندما أصدر رئيس أساقفة مدينة براغ “فتوى” بتدمير كنيسة للبروتستانت.

         حطت اولى السفن، ماي فلاور، التي حملت اولئك الاوروبيين في “مستعمرتي بلايموث وخليج ماساتشوسيتس،” لتعطي بدء ولادة التاريخ الأميركي الاستيطاني، على الرغم  من أن مستعمرة بلايموث لم تكن الأولى للإنكليز في القارة الأميركية، كما لم تشهد “الحصاد” الأول هناك. بل تنبع أهميتها من “تقديس النموذج الأميركي الإستيطاني .. في بقعة تميزت بجمالها وجداول مياهها العذبة. وخيرها الوفير وحقولها الخصبة.”

         المستعمرة الانكليزية الأولى شيدت في مدينة “جيمس تاون،” بولاية فرجينيا الحالية، وكانت تحت سيطرة أعوان الملك جيمس وامتداداً لإمبراطوريته، قضى فيها نحو 70 فرداً من أصل 108 مستعمر لأسباب الطبيعة المغايرة للموطن الأصلي؛ وشهد العام التالي هلاك نحو 440 مستوطن من أصل 500. الأمر الذي وضع المشروع الاستيطاني برمته محط تساؤل ومراجعة.

         ركاب سفينة “ماي فلاور” أضاعوا البوصلة وحطوا بعيداً عن “جيمس تاون،” الهدف الأصلي، في منطقة “كيب كود” في ولاية ماساتشوسيتس؛ مما أثار هياجاً بين الركاب لعدم تحقيق مآربهم قبل احتواء الموقف بلطف وإتفاق شكل اللبنة الأولى لترسيخ “الحرية السياسية” في القارة الجديدة “في إطار سياسي مدني .. خدمة للمصلحة العامة في المستعمرة؛” واستمرار اعترافها بسلطة ونفوذ الملك البريطاني جيمس.

         “المؤرخون” الأميركيون اعتبروا تلك “المعاهدة” بأنها أرست “التأكيد الضمني لنيل الفرد حريته .. وأن السلطة السياسية تنبع من توافق المحكومين،” بخلاف السائد آنذاك بأن “الملك هو مصدر السلطات.” الرئيس الأميركي المقبل، جون آدامز، أشاد بذلك النموذج الجديد الذي كان ثمرة “إجماع وموافقة شخصية من كافة أفراد المجموعة.” بيد أن لطبيعة الشتاء القارس كان لها القول الفصل في نجاح النموذج، وقضت على نحو نصف عدد المستعمرين في تلك السنة.

         السردية الرسمية الأميركية، وكما تذكرها المناهج التعليمية، تمجد المستعمرين الإنكليز الذين وبعد أن استقروا في “موطنهم الجديد .. وجهوا الدعوة الى جيرانهم الهنود للاحتفال” بالنعم الإلهية. أما الرواية الأصلية بعد نفض الكثيف من غبار التزوير عنها فتشير بوضوح إلى أن أوائل المستعمرين هبطوا على شواطيء جزيرة “روانوك،” على سواحل كارولينا الشمالية اليوم، استقبلهم الأصليون “بالترحاب،” عام 1580 وشاركوهم نعمة الأرض وما تنتجه “وآووهم وكسوهم وأطعموهم وعلموهم أسباب البقاء في هذه الطبيعة الغريبة عنهم.”

         “.. ولكن ما أن اشتد عودهم قليلا حتى راحو يخترعون الأعذار للقتل العشوائي ويتحينون الفرص لإتلاف المحاصيل وإحراق القرى والحقول وقطع أسباب الحياة عن الهنود الحمر عمداً،” كما تشير الروايات الموضوعية التي برزت في النصف الثاني من القرن العشرين.

         مع تصاعد هجرة المستعمرين الاوروبيين قصد معظمهم العيش في “ولاية ماساتشوسيتس” والمستوطنات التي تجذرت هناك مع تراجع مضطرد لأعداد السكان الأصليين؛ وما أن شارف عام 1600 على الإنبلاج حتى أضحت “مستوطنة بلاي موث” أكبرها حجماً.

عيد “ووبيلا” للأصليين

         أظهرت دراسات المراجعين من المؤرخين، الأميركيين والأصليين على السواء، أن قبائل “اللاكوتا،” تقطن أواسط القارة الأميركية، كانت تقيم احتفالات موسمية في نهاية موسم الحصاد أطلقت عليها “ووبيلا؛” وتعني بلغتها المحلية أن “كل ما يحيط بك هو نعمة وعليك ألا تكف عن التذكر من مصدرها، فهو قلبك.” وأوضح أحد كبار الصحافيين من السكان الأصليين، تيم جياغو، أن الاحتفال بيوم لتقديم الشكر “كان متأصلا في طبيعة السكان الأصليين منذ عدة قرون” من الزمن؛ مما يرجح سردية تماثل المستعمرين الاوروبيين مع الطقوس المحلية.

         تطور النظام السياسي والاجتماعي الأميركي أدى لاعتبار المناسبة عطلة تمتد لأيام أربعة، الخميس – الأحد، تضفي عليها بعد التواصل العائلي وتقاطعها مع بدء موسم التسوق بشراهة واكتظاظ خطوط المواصلات في طول البلاد وعرضها، وايذاناً بموسم الاحتفالات بأعياد الميلاد.

         بالعودة للسردية “الرسمية،” فإن المناسبة دشنت احتفال المستوطنين الجدد بحرية ممارسة معتقداتهم الدينية، كما أسلفنا، وهو البند الذي تم تضمينه للدستور الأميركي منذ بدايات الكيان السياسي. ويرجع “الفضل” لأولك المستعمرين في “بلاي موث” للتشديد على صون حرية المعتقد والعبادة، بعد هجرهم القمع الذي كان يعم القارة الاوروبية آنذاك، وأتخذ مفهوماً ينص على “حق تقرير المصير،” أي الاستقلال عن سلطة المركز الملكي.

         يشار في هذا الصدد الى “دروس المستوطنين المستفادة” من الحرب الأهلية الإنكليزية، 1642-1651، على خلفية صراع أرضيته تباين سلطات الملك شارلز، آنذاك، وانصاره من الملكيين مقابل سلطات البرلمان؛ مما أسفر في النهاية على تنفيذ حكم الإعدام بالملك شارلز. “الحجاج أو القديسين” في القارة الجديدة كانوا من أنصار البرلمانيين ضد الملك ومؤيديه. وعند استعادة الملكية لسلطاتها في البلاد، قصد “القديسين” باب الهجرة نحو مستعمرة بلاي موث.

         في هذا السياق، أثمرت توجهات المستعمرين الجدد “بحق تقرير المصير،” في ما أصبح يعرف “بالثورة الأميركية،” ومهد انطلاقتها في منطقة ليكسينغتون بولاية ماساتشوسيتس، بعد نحو 150 عاما.

         أما السكان الأصليين، فلم “تمضِ ستون سنة على ولادة الأسطورة الأميركية حتى قضى الحجاج ونسلهم المقدس” على السكان الأصليين من قبائل البيكو والنيانتك، وفق وصف المؤلف الألمعي منير العكش، في كتابه أميركا والإبادات الجماعية. وأضاف ان “الآباء المؤسسون” للكيان السياسي الأميركي مضوا على خطى جورج واشنطن في تعليله “لطرد الهنود من أوطانهم بقوة السلاح لا يختلف عن طرد الوحوش المفترسة من غاباتها.”

التقرير الأسبوعي 11-17-2017

المقدمة       

       استغل الرئيس ترامب جولته الآسيوية “المطولة” لتعديل بوصلة الإهتمام الإعلامي في مواكبة نشاطاته ولقاءاته بعيداً عن روتين واشنطن الفضائحي؛ وتصدرت التحولات المتسارعة في المملكة السعودية رأس اهتمامات مراكز ومفاصل القرار السياسي الأميركي.

         سيستعرض قسم التحليل انقضاء عام كامل على انتخاب الرئيس ترامب وتناول ما استطاع تحقيقه من انجازات، التي لا تشذ عن سياسات الحزب الجمهوري، خاصة في نطاق السياسة الخارجية، بصرف النظر عن التهويل الإعلامي والمشادات التي تبرز بين الحين والأخر داخل البيت الواحد.

ملخص دراسات واصدارات مراكز الابحاث

سوريا

        زعمت مؤسسة هاريتاج ان الرئيس ترامب كانت لديه رؤيا ثاقبة حول السياسة الاميركية في سوريا “قبل تسلمه مهام الرئيس بزمن طويل .. والنواقص والمطبات التي ميزتها.” وبعد أن اصبح صاحب القرار السياسي، فان “موسكو تستمر في تغلّبِها بدهاء على واشنطن عبر تغاضيها عن ترتيبات   خفض التصعيد.” واضافت انه بعد النجاحات الميدانية التي ادت لتقلص “دولة الخلافة .. شرعت روسيا وسوريا وايران وحزب الله بالعمل بالقرب من مجموعات المعارضة المدعومة أميركياً ..”

http://www.heritage.org/middle-east/commentary/deconfliction-agreement-russia-syria-undermines-us-interests-the-region

المملكة السعودية

        أشارت مؤسسة هاريتاج الى التطورات المتسارعة في السعودية وما إذا كان “محمد بن سلمان جاهز لتولي قيادة ثورة من الأعلى، في خضم الهزة المذهلة في الايام الماضية .. مع العلم أن التغييرات تؤتي أكلها ببطء.” وأوضحت أن “محمد بن سلمان يلعب الدور الموجه لعملية التطهير المفاجأة .. وقيادته للتغييرالسريع في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.”

http://www.heritage.org/middle-east/commentary/saudi-arabias-mohammed-bin-salman-getting-ready-lead-revolution-above

        استعرض مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية مسببات “الاعتقالات المفاجأة” وانعكاساتها والتي كانت ثمرة لتشكيل “هيئة مكافحة الفساد قبل ساعات من حملة الاعتقالات.” واستطرد بالقول أن “طبيعة الاعتقالات لكبار الأمراء وركائز الاقتصاد المحلي تشير الى نية ولي العهد الأمير محمد توطيد مراكز القوة والولاء والسير قدما بخططه الطموحة للتقدم بالمملكة اقتصادياً واجتماعياً.” وأوضح أن اعتقال “نجلي الملك الراحل عبد الله، متعب وتركي، تؤشر الى حسابات سياسية ذات بعد استراتيجي خاصة وأن جهاز الحرس الوطني بقيادة متعب قد يكون باستطاعته التصدي لبعض تحركات إبن سلمان ضد العائلة الملكية؛ بينما تركي بن عبد الله في منصبه كأمير منطقة الرياض خوّله للعب دور سياسي لحشد التأييد بين صفوف العائلة، وهو نفس المنصب الذي شغله الملك سلمان بفعالية شديدة لعقود مضت.”

https://www.csis.org/analysis/arrests-saudi-arabia-causes-and-implications

        وشاطره الرأي معهد كارنيغي بقوله أن حملة الاعتقالات تؤشر على “عزم ولي العهد إبن سلمان توطيد نفوذه، بدعم والده الملك، داخل صفوف العائلة الحاكمة.. وكبح جماح السلطات القضائية والدينية؛ بخلاف نمط الحكم المعهود بالمماطلة في ترسيخ أسس دولة حديثة.” ومضى موضحاً أن التغييرات السياسية المبتغاة “يقودها ولي عهد طائش وطموح، تفرضها التزامات اجتماعية موروثة لا يمكن تحمل أعباءها قد أضحت أكثر إلحاحاً بفضل تجاوزات السياسة الخارجية للسعودية.”

http://carnegieendowment.org/2017/11/09/remaking-of-saudi-state-pub-74681

        استحضر معهد أبحاث السياسة الخارجية حكايات “ألف ليلة وليلة،” للدلالة على ما يجري في الرياض “بالليلة الثانية بعد الألف .. وسرد شهرزاد حكاية الملك يونان والحكيم رويان .. وحديث القمع في كل قلب.” وأضاف أنه ربما من العسير تحديد حجم القمع الممارس “والناجم عن اعتقال الأمراء .. لكن إبن سلمان استشعر مواطن قوته المتزايدة كوصفة للمضي فيما يراه ممارسة قمعية ضرورية.” في الخيارات المتاحة، وفق رؤية المعهد، بقاء إبن سلمان في الواجهة أو تراجع مكانته، فإن ما ليس مرجحاً “قدرته على استعادة الترتيبات السياسية كما كانت عليه منذ نهاية عام 1953،” أي زمن وفاة المؤسس عبد العزيز بن سعود. واعتبر المعهد أن “تهور” الأمير الشاب قد أدى “لتفكيك مفاصل الدولة القائمة، بمساندة والده الضعيف أو بدونه؛ وربما قام بذلك نتيجة عدم تطابق طموحاته الشخصية مع ما ينبغي أن يتحلى به من حكمة وخبرة ..”

https://www.fpri.org/article/2017/11/1002nd-arabian-night/

التحليل

انجازات شحيحة لترامب في سنته الأولى 

وزيارته الآسيوية

الرئيس الأكثر خلافية

         شرعت وسائل الإعلام الأميركية المختلفة بشن حملة مكثفة في الذكرى الأولى لإنتخاب دونالد ترامب رئيساً، بما لها وما عليها، تطرح سيناريوهات متعددة، حقيقية ومصطنعة، تترجم ميل بعضها لإقصاء ترامب وعزله ولو في الفضاء الإفتراضي.

لن يجد المرء صعوبة في رصد المسار السياسي والتداعيات الموضوعية التي طرأت على “النفوذ الأميركي،” في الداخل والخارج بعد تسلم ترامب رأس السلطة؛ خاصة وأن التغيرات الدولية تبشّر باللاقطبية أو تعددها وتلاشي التفرد الأميركي بقضايا العالم.

         بعيداً عن مسلسل الفضائح أو التحقيقات القانونية التي لا زالت تلاحق أركان الإدارة الأميركية، إنفرد ترامب بالخطابات النارية والقرارات المفاجأة واستنهاض النزعات العنصرية، وأضحى “الرئيس الأكثر جدلا ً وخلافياً في تاريخ المؤسسة الرئاسية الأميركية .. ورعى حالة الإنقسام الحادة بين الأميركيين بسلوكياته المزاجية الغاضبة ومشاكساته اللامتناهية.” وفق توصيف اسبوعية يو أس نيوز آند وورلد ريبورت، 7 تشرين2 الجاري.

         أوجز أحد أهم أركان الحزب الجمهوري، فرانك دوناتيللي، في الذكرى الأولى، التطورات الاجتماعية بعد اعتلاء ترامب منصب الرئاسة قائلاً “ما يلمسه المرء مدى الغضب الذي يتملك الشعب، وتقلص مساحة القضايا والهموم المشتركة.”

لم يعد سراً حالة الانقسام التي رافقت فريق الرئيس ترامب الاستشاري والذي وصفته واشنطن بأنه “انشطر الى قبائل متنافسة” منذ دخوله البيت الأبيض: فريق “القوميين يدفع الرئيس لتشديد المراقبة وإغلاق الحدود الأميركية، وتمزيق الإتفاقيات التجارية لأسلافه؛ بينما فريق العولمة يشد سياسات الرئيس للتماثل مع حكومة يسيطر عليها الحزب الجمهوري ..”

بعد مضي زمن قصير، تشظى الفريقين والسياسات المنشودة وغلبت “التحالفات الآنية” بين الفريقين لإقصاء المناوئين، ومن أبرز الضحايا كان مستشار ترامب الاستراتيجي الخاص ستيف بانون، ومدير مكتب الاتصالات أنثوني سكاراموتشي وآخرين قبلهما.

ترامب، القاسم المشترك بين الفرقاء، يتطور ويَعبُر مرحلة “ترامب رجل الأعمال ونجم التلفزيون الى ترامب رجل السياسة،” يعزز الانفاقات العسكرية ويطلق تصريحات متطرفة أرفقها بشن غارة جوية على سوريا لإستعراض قوة الرئاسة “وعربوناً لحلفائه من دول الخليج والمنطقة.”

         استشراء مديات “الغضب والإحباط” الشعبي لها ما يبررها، خاصة في تردي الأوضاع الإقتصادية للطبقات المتوسطة والمتدنية إذ بلغ معدل ما تنفقه على المأوى “ضعف ساعات العمل التي كانت سائدة في أميركا في عقد الخمسينيات” من القرن الماضي، وفق دراسات أكاديمية متعددة.

من المتوقع استمرار “تفاقم الأوضاع الإقتصادية والتي أسهمت في ترجيح كفة ترشيح” ترامب العام الماضي، وفق تقديرات يومية نيويورك تايمز، 7 نوفمبر. كما يلحظ المرء بشكل ملموس “تباين المصالح بين الشرائح الدنيا للطبقة الوسطى مقارنة مع مؤيدي ترامب من الشرائح الوسطى والشرائح العليا من الجمهوريين وأرباب العمل.” استمرار اتساع الهوة بين الفرقاء والشرائح المتعددة ربما يشكل أحد التفسيرات لتعثر جهود ترامب وفريقه في تحقيق أي انجازات ملموسة.

كما أخفق الرئيس ترامب في ترجمة أبرز وعوده الانتخابية، لا سيما الغاء واستبدال برنامج الرعاية الصحية الشامل – اوباما كير؛ بناء جدار الفصل على الحدود المشتركة مع المكسيك؛ وفشله في فرض رؤيته على كل من إيران وكوريا الشمالية والفوز بتنازل ملموس منهما.

         أما التجاذبات شبه اليومية بين المؤسستين الرئاسية والتشريعية (الكونغرس) فلم تسعف أي من الفريقين خاصة وأنهما ينتميان للحزب الجمهوري عينه؛ وترامب، بحكم موقعه الرئاسي المتقدم، يعتبر رئيساً لحزبه أيضاً. لعلها المرة الأولى في تاريخ الكيان السياسي الأميركي يمارس الكونغرس دور المعارض لترشيحات الرئيس لمناصب رسمية رفيعة شاغرة.

         في خانة الإنجازات الصرفة، فاز ترامب بمصادقة الكونغرس على مرشحه للمحكمة العليا، نيل غورساتش، ضامنا بذلك توجهاتها المحافظة في كافة القضايا المطروحة لعقود مقبلة. كما أن دعمه القوي والثابت للمؤسسات الأمنية أثمر انخفاضاً في معدلات العبور غير المرخص عبر الحدود الأميركية (وفق بيانات وزارة الأمن الداخلي).

أزمة النظم الغربية

         في البعد الإستراتيجي، لا تبدو الأزمة التي تعصف بالمجتمع الأميركي خصوصاً، والغربي بشكل عام، عائدة لصعود ترامب وما يمثله من امتدادات ومصالح فحسب، خاصة وأن نهجه وسياساته الملموسة تطابق توجهات “رئيس جمهوري محافظ.” بكلمة أخرى، استطاع ترامب إبطال مفعول بعض الإجراءات والقيود التي فرضها أسلافه، وهي الميزة الملازمة لرئيس يمثل الحزب الجمهوري في العرف السياسي الأميركي.

         الصحافي المرموق إدوارد لوس، مدير مكتب صحيفة فاينانشال تايمز في واشنطن، يرى أن الأزمة بنيوية وهيكلية في النظام “الليبرالي الغربي .. الذي يواجه أخطر تحدياته منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ،” في كتابه الأخير تراجع الليبرالية الغربية، استنادا إلى ما اعتبره تضاؤل “النمو الإقتصادي الذي يعتبر الصمغ اللاصق الأقوى للديموقراطيات الغربية.”

         وحمّل (لوس) الرئيس ترامب مسؤولية “عدم إكتراثه لتحقيق وكسب تأييد الأغلبية؛ بل يحافظ على الزهو بشخصيته الاستفزازية وعدم رغبته التقيد بالنص .. واستغل سلطاته التنفيذية لتصفية إنجازات أسلافه من الرؤساء.” بل “أضحت التقاليد الليبرالية الأميركية عرضة للهجوم من رئيس البلاد عينه.”

التوجه نحو آسيا

         عوّل الرئيس ترامب كثيراً على جولته الآسيوية ورفع سقف التوقعات للأعلى فيما ينوي تحقيقه مع الرئيس الصيني بشكل خاص، في ملفي كوريا الشمالية والتوترات الإقليمية في بحر الصين الجنوبي، فضلاً عن الفوز بعقود تجارية ضخمة “تبرر” سياساته بتوسيع التبادل التجاري بين الولايات المتحدة والدول الآسيوية لصالح الأولى.

         عزز جولته باستعراض القوة العسكرية وقيام سلاح البحرية نشر ثلاث مجموعات من حاملات الطائرات بالقرب من مياه كوريا الشمالية، بيد أن “الرياح جاءت بما لا تشتهيه السفن” الأميركية وأخفق ترامب في تحقيق تنازلات ملموسة من نظرائه الآسيويين بإستثناء إعلانه عن أرقام عالية لصفقات تجارية، كما حرص بعض مضيفيه على إشباع غروره وشغفه بالمظاهر الإحتفالية: فتلقى ترحيبا حاراً من “صديقه الأقرب رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي؛ والقى كلمة أمام الجمعية الوطنية (البرلمان) في سيئوول؛ وأغدق عليه ما بدى متعمداً باستقبالاً رسمياً حاراً الرئيس الصيني (شي جين بينغ) تخلله عرض للأوبرا داخل أسوار المدينة المحرمة ومأدبة عشاء فاخر؛ وحظي بإطراء خاص تخلله الغناء له من قبل الرئيس الفليبيني رودريغو دوتيرتي.”

         سردية ترامب كانت زاخرة في التفاؤل والمبالغة في مدح الذات إذ قال في محطته بالعاصمة مانيلا “لقد كان استقبالاً فرشت فيه السجادة الحمراء، ربما لم يحظى بها أي زعيم من قبل .. وذلك علامة احترام حقيقية، ربما لي شخصياً بعض الشيء، لكن المقصود بلادنا.”

         يشار الى أن ترامب في خطاب القسم، مطلع العام الجاري، شدد على اتباع سياسة حمائية “تضبط  حدودنا من الخراب الذي لحقنا من تصنيع منتجاتنا في الخارج، سرقة شركاتنا، وتدمير فرص العمل لدينا ..”

         أثناء تحليق طائرته الرئاسية في رحلة عودتها أجمع “أخصائيو الشؤون الآسيوية” في تعليقاتهم على أن الجانب الرابح الأكبر كانت “الصين .. أما الرئيس فقد عاد لواشنطن صفر اليدين الى حد كبير؛” ولم يحرز أي تقدم في أي من القضايا التي تهم الشعب الأميركي.

         وذهب فريق المستشارين المرافقين لترامب أبعد من ذلك بالإشارة الى أن كلاً من “الصين وروسيا جددتا التزامهما بممارسة ضغوط على كوريا الشمالية، ولم تلجأ أي منهما لاستغلال فرصة وجود ترامب للتعبير عن التزامات جديدة، ومواكبة تأييد عَرْضٍ قطعه ترامب خلال خطابه في سيؤول لبدء مفاوضات مباشرة مع (رئيس) كوريا الشمالية كيم جونغ أون.”

         في المحصلة النهائية، وحفظاً لماء الوجه، صدر بيان مشترك بين ترامب وجين بينغ يشير الى “توافق البلدين على تفعيل تام لعقوبات الأمم المتحدة الخاصة بكوريا الشمالية .. والتزامهما السعي لتحقيق هدف خلو شبه الجزيرة الكورية من الأسلحة النووية ..” (نشرة بوليتيكو 14 نوفمبر الجاري).

         عند التوقف والتمحيص في البيان المشترك يتبين أن الإجراءات المتفق عليها جاءت متطابقة مع مواقف الصين السابقة والمعلنة. أما الصفقات التجارية التي بلغت “مئات المليارات” بين الصين وأميركا اعتبرها المراقبون في العاصمة الأميركية بأنها “غير ملزمة.” كما أن وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون “أبلغ الفريق الصحفي المرافق له في جولته بأن الولايات المتحدة حققت تقدماً طفيفاً مع الصين في المجال التجاري.”

         الصحافي المؤلف إدوارد لوس كان أشد قتامة ووضوحا في توقعاته بالقول إن “استقرار الكرة الأرضية .. سوف يكون بيد شي جين بينغ وقادة آخرين من أقوياء العالم.”

“تويتر” البنتاغون وإقالة ترامب

         في ضوء موجة الفضائح الجنسية الطابع لمسؤولين ومرشحين أو مشاهير في الولايات المتحدة تناولت الاعتداءات الجنسية أو التحرش بالفتيات القاصرات أو النساء، برز بشكل مفاجيء على موقع البنتاغون صباح يوم الخميس، 16 نوفمبر الجاري، تغريدة “لناشط” جاء فيها “.. على دونالد ترامب الإستقالة من الرئاسة؛” كونه مذنب عملياً في سلسلة إعتداءات وتحرشات أيضاً. وسارعت إدارة الموقع لإستدراك الأمر وحذفت المنشور بعد قليل أتبعته باعتذار المتحدثة بإسم وزارة الدفاع، دانا وايت، عبر تويتر أيضاً، قائلة إن “الأمر حدث بالخطأ، والوزارة لا تؤيد محتويات التغريدة” السابقة.

التقرير الأسبوعي 11-10-2017

هل أضحى الأنقلاب العسكري وشيكاً
في السعودية وما هو الموقف الأميركي

        الأزمات والصراعات ترافق الرئيس الأميركي منذ بدء ولايته الرئاسية، وكان يتطلع بنظرة الواثق لفترة هدوء وأخذ قسط من الراحة بالابتعاد عنها خلال جولته الآسيوية الطويلة. ولم يخرج عن طوره في “عدم الاكتراث أو تحمل المسؤولية” في حادث القتل الجماعي في كنيسة بولاية تكساس. أما جمهور مناصريه فلم يشذ عن القاعدة المعهودة والمطالبة بعدم تقييد اقتناء وحمل السلاح.

        في القضايا الدولية الملتهبة أظهر ترامب بعض التعديل في لهجته التصاعدية ولغة التهديد، فيما يخص كوريا الشمالية، وانتقل مركز الثقل الإعلامي الى صحبته في الجولة وترقب ما قد يصدر عنه من “مبادرات” لتبريد وعيد ولهيب ترامب.

        بالمقابل، شد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الرحال في زيارة رسمية لإيران، الأول من الشهر الجاري، رافقها تكهنات أميركية بـ “احتمال” عقد لقاء بين الرئيسين الأميركي والروسي؛ بينما وسائل الإعلام الروسية أكدت مسبقاً، أن اللقاء تم الاعداد له بينهما لينضج لقاء قمة بين العظميين في فييتنام التي تستضيف “منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادي (إيبك،(” 9 تشرين2 الجاري.

        تكهنات المؤسسات الأميركية أن اللقاء سيتم نظراً لنضج جملة من الأمور التي تهم الطرفين، منها سوريا.

لدى كتابة هذه السطور صدر بيان مشترك عن لقاء بوتين وترامب يؤكد اتفاق اولي حول سوريا ويرجح تملص ترامب من عقدة التعامل الواقعي مع روسيا في الملفات الساخنة وحالة الحصار والإتهام المفروضة عليه من معسكر  العداء لروسيا في واشنطن، كما يشكل مؤشر على بداية تيليرسون في تفعيل دور غائب للخارجية.

        برزت مسألة المصير الغامض لرئيس الوزراء اللبناني بعد توجهه للرياض، بطلب منها، الى صدارة الاحداث والاهتمامات، واكبها اعتقال ولي العهد السعودي لمجموعة كبيرة من الأمراء والأثرياء ومالكي وسائل الإعلام بل وبعض رجالات الدين تحت واجهة “محاربة الفساد.” بيد أن التدقيق في آليات المعالجة الأميركية لما جرى تكشف عن جملة قضايا جوهرها العلاقة الوثيقة التي نسجها الرئيس ترامب بالعاهل السعودي ونجله، وما ترتب عليها من تعهدات باستمرار ضخ الأموال من السعودية باتجاه أميركا.

        بداية، ينبغي التطرق لبعض ردود الأفعال الأميركية حول تصريحات وزير الدولة السعودي ثامر السبهان الخاصة بلبنان، في الآونة الأخيرة وتهديده بشن حرب عليه؛ نظراً لما يحتله لبنان من مكانة جيو-سياسية في القرار الأميركي.

أحد ضباط الاستخبارات الأميركية السابق، دون بيكون، أعرب عن قلقه من “التحولات الجيوسياسية” في المنطقة، والتي “تسير بعكس ما تشتهيه الرياض .. (تصريحات) السبهان تشي بأن أعمالاً سرية أنجزت ستستهدف حزب الله في لبنان.” (الأول من الشهر الجاري).

        وأضاف أن أهمية ومركزية “ايران وحزب الله تضاعفت (اقليمياً) وأدت لخسارة إضافية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، بدءاً بالعراق والآن سوريا ..” ومضى موضحاً أن “الحرب آتية إلى لبنان،” رأس حربتها سيكون “التنظيم الجديد للقاعدة بعد تهيئته كتنظيم معتدل.”

انقلاب القصر – لماذا؟

        التوقف عند حيثيات ما جرى في وعلى رأس هرم السلطة الملكية في السعودية، في الأيام القليلة الماضية، ينطوي على سردية طويلة من التفاصيل. بيد أن ما يهمنا هو تسليط الضوء على الزوايا الأميركية في كيفية تعاطيها، بل تمهيدها لما جرى من اعتقالات ومصادرة ثروات ومقتل أحد الأمراء، منصور بن مقرن، باسقاط طائرته المروحية بصاروخ حربي من مقاتلة سعودية.

        الصحافي الأميركي المخضرم في واشنطن بوست والمقرب من دوائر صنع القرار السياسي، ديفيد أغناطيوس، أرسى عناصر الرواية المتداولة بالقول إن الأمير محمد بن سلمان “يقوم بعمل قوي جدا ومحفوف بالمخاطر ..  (هو) يفكك نظام حكم تقليدي، لكنه متواصل. لقد خرج الأمير الشاب بعيداً عن تقاليد الحكم السعودي …”  (7 نوفمبر الجاري). واستطرد في تبرير دوافعه مؤكداً أن “الفساد في السعودية حقيقة واقعية .. يبدو أن إبن سلمان سيسعى لكسب شعبيته من خلال إستهداف كبار الأثرياء.”

        الصحيفة الأكبر في اميركا نيويورك تايمز، ذات النفوذ البارز، اصطفت لجانب بن سلمان أيضاَ، 7 نوفمبر، لتبرير “حملة تطهير الفساد .. فالاختلاس والسرقات متفشية لن يوقفها إلا اجراء قريب من التغيير الثوري ..”

على الشاطيء الأطلسي المقابل، اعتبرت الصحيفة البريطانية ذي غارديان أن ما يجري في السعودية هو بمثابة “ثورة.” (7 نوفمبر).

        وكالة بلومبيرغ للأنباء، 25 نيسان 2016، أشادت بالأمير محمد بن سلمان وقدرته على مواصلة “العمل المضني لستة عشر ساعة يوميا؛” والذي جاء بالتطابق مع وصف المعلق الشهير في صحيفة نيويورك تايمز، توماس فريدمان، قائلاً “أمضيت أمسية مع محمد بن سلمان في مكتبه، وقد أتعبني برشقات طاقته النارية المتقطعة.” (20 نوفمبر 2015).

        باختصار، أنصار السعودية في وسائل الإعلام الأميركية، المقروءة والمرئية، اتخذوا قضية الفساد كمنبر للتدليل على “عصرية” الأمير الشاب ونزوعه للإصلاح وتجاوبه مع ما تمثله ظاهرة الفساد الملازمة للتخمة المالية كأكبر هاجس بين المواطنين.

        الموقف الأميركي الرسمي تفادى الاشارة لإبن سلمان، سلباً أو ايجاباً، لحين مغيب يوم الخميس، 9 نوفمبر. الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية، هذر ناويرت، اكتفت بسردية لقاء القائم بالأعمال الأميركي في الرياض، كريس هينزل، بسعد الحريري رافضة توضيح مكان اللقاء وأحالت الاستفسارات التفصيلية الى “الحكومة السعودية ومكتب السيد الحريري.”

        في العاشر من الشهر الجاري، أصدر وزير الخارجية الأميركية ريكس تيلرسون بياناً يشدد فيه على “تأييد أميركا لاستقلال لبنان وتحترم رئيس حكومته سعد الحريري،” ويحذر من تحويل “لبنان إلى ساحة حرب بالوكالة،” مما اعتبر بأنه صيغة ديبلوماسية لمطالبة بن سلمان إنهاء الأزمة الناجمة عن احتجازه الحريري.

        الرئيس دونالد ترامب أثنى على الإجراءات التي قام بها بن سلمان كمؤشر “يستهدف الفساد .. وباء استنزف موارد البلاد لسنوات.” كما حث ولي العهد السعودي الاعتماد على اسواق الأسهم الأميركية في نيويورك عند إطلاقه بيع أسهم شركة أرامكو العملاقة.

        يشار الى أن إحدى ركائز خطة إبن سلمان التنموية، 2030، تستدعي بيع جزء من أصول شركة أرامكو واكتتابها في أسواق الأسهم العالمية لتوفير سيولة مالية عاجلة. الرئيس ترامب حرص على دعوة الأمير الشاب لطرح الإكتتاب في سوق بورصات نيويورك، بيد أن قانون “جاستا” المسلط على السعودية على خلفية المتضررين من هجمات 11 أيلول 2001 يحول دون المضي قدماً، مما حدا بالحكومة البريطانية تقديم “قرض قيمته 2 مليار دولار،” لتسهيل دخول أرامكو سوق الأسهم البريطانية (فاينانشال تايمز 9 نوفمبر الجاري).

        المفاصل النافذة في القرار الأميركي تبنت تقييم جهاز المخابرات الألمانية، بي أن دي، للأمير الشاب باعتباره “مقامر متهور يحيط نفسه بفائض من القوة.” لكن هذا لم يحول دون التعامل المباشر معه نظراً للعلاقة الخاصة التي أضحت تربطه بالرئيس ترامب وأفراد عائلته، لا سيما في تشاطر رؤاهما في العداء الصارخ ضد إيران.

منذ بروز محمد بن سلمان، في ظل والده ومن ثم تجاوزه، اعتقد أن باستطاعة بلاده تسخير علاقاتها التاريخية مع الولايات المتحدة لتثمر توكيلها دوراً أكبر في الملفات الإقليمية، وتمضي في وضع قدراتها العسكرية تحت تصرف الاستراتيجية الأميركية.

        مراكز الأبحاث الأميركية التي لا تتلقى مساعدات وهبات سعودية اعتبرت مسار الأمير الشاب بأنه “يشكل نقطة انعطاف كبرى في دولة قيد التفكك .. وتجاوزه للبنية القبلية التقليدية،” في طموحه للانتقال الى مرحلة “المملكة الرابعة.”

البعد الاقتصادي

        في لغة الاقتصاد الصرفة، تنتج السعودية سلعة وحيدة، النفط، وما تبقى من تركيبة اقتصادية مهيأة للاستهلاك وليس للانتاج، رغم بعض المحاولات التي تم الالتفاف عليها من قبل “مجموعة  10 % عمولة” من كبار رجالات آل سعود.

ما يهم مراكز المال العالمية إنجاز “خصخصة القطاع العام – اينما وجد؛ رفع يد الدولة عن التحكم وادارة السوق؛ رفع الدعم عن السلع الأساسية” و”تطوير” المملكة الرابعة من هيكلية و”بنية ريعية” الى دولة مستهلكة ودمجها بالكامل في نظام العولمة والمضاربات المالية.

البنية الريعية يعرّفها الاقتصاد السياسي بأنها “نمط اقتصادي يعتمد على استغلال الموارد الطبيعية دون الحاجة الى الأهتمام بتطويرها – المعادن، المياه، النفط والغاز.” الايرادات الناجمة عن تلك المبادلة تذهب لنزعة استهلاكية مرتبطة بالاستيراد. ونزيد بأن هذا النموذج لا يعير إهتماماً للزراعة أو الصناعات التحويلية.

معهد كارنيغي المرموق وصف الاقتصاد الريعي في السعودية بأنه “منح الامتيازات والخدمات وفرص العمل لصالح فئة معيّنة من دون مراعاة أي اعتبارات ترتبط بالمنافسة والكفاءة الاقتصادية. وتكمن خطورة الريع، مقارنةً بالفساد أو سوء استخدام المال العام، في أنه يكتسب طابعاً “قانونياً” إذ أن الأحكام التي ترعاه عادة ما تكون مكرّسةً في القوانين والمراسيم.”

اتضحت مؤشرات مستقبل المملكة الرابعة في الانتقال من الاعتماد على سلعة النفط الى الاعتماد على الاستثمارات المالية والمضاربات في اسواق الأسهم —  بيع الشركات الكبرى ارامكو وسابك (تقدر قيمتها بعد تسييلها ببضعة عشرات تريليون من الدولارات) وتحويلها الى سيولة مالية تتحكم بها رؤوس الأموال العالمية.

مراكز القوى السياسية والمالية العالمية تدرك حقيقة الأزمة البنيوية التي تعانيها السعودية، لا سيما وأن إحتياطيها من النقد الأجنبي انخفض بشكل ملحوظ الى 487 مليار دولار (رويترز 28 آب 2017)، واكبه ارتفاع في حجم الديون الداخلية والخارجية التي بلغت 200 مليار دولار (31 ديسمبر 2016 (Indexmundi).

        وعليه، تم تشجيع ورعاية توجهات إبن سلمان من قبل مفاصل القرار السياسي والاقتصادي الدولي تصفية مراكز القوى السياسية وأضحى يسيطر بالكامل على “مثلث السلطة والمال والإعلام.” الأمر الذي يعززه “الزيارة غير المقررة” لصهر الرئيس ترامب، جاريد كوشنر، للرياض أعقبها “ليلة السكاكين الطويلة،” والصمت الأميركي الرسمي لبضعة أيام.

        بناءً على تلك المعطيات، يمكن للمرء القول أن الرئيس ترامب أوكل صهره كوشنر بالإشراف على تصفية مفاصل النظام السعودي والإعداد “للملكة الرابعة” أهم ميزاتها نقل السلطة ليد فرد دون مشاركة من الأمراء الآخرين – “عمودية السلطة.”

الانقلاب العسكري على إبن سلمان هل هو ممكن؟

        توصيف ما جرى بأنه “انقلاب” في رأس السلطة وبنيتها التقليدية أضحى مسلم به، لا سيما وأن المتضررين هم كبار الأمراء والأثرياء والإعلاميين والأجهزة العسكرية والأمنية، أعمدة النفوذ السعودي لحين ليلة السكاكين.

        جدير بالذكر أن إبن سلمان ركز مفاصل القوة العسكرية بين يديه وتهميش البنى الأخرى من “حرس وطني” ووزارة الداخلية والاستخبارات. من الطبيعي أن يلجأ الطرف المتضرر لاستعادة هيبته مما يمهد الأرضية الموضوعية لاصطفافات جديدة يجمعها العداء لإبن سلمان والقضاء عليه.

        كما أن البعد القبلي الذي “كان” يشكل أبرز أعمدة السلطة وأجهزتها المتخمة من أبناء القبائل والعشائر قد أضحى من بين المتضررين في زمن الأمير الشاب، وهو ينصت لنصائح مستشاريه الأجانب بتقويض البنية القبلية والاعتماد على مستشارين وقوى “محترفة” لحمايته ووضعها على رأس الأجهزة التابعة.

        المغامرة بانقلاب ضد إبن سلمان يستند الى القوة العسكرية غير مضمون النتائج، ضمن المعطيات الراهنة، لا سيما وأن السعودية “حاولت” الإطاحة بأمير قطر عبر البوابة العسكرية وفشلت؛ فضلاً عن أعادة الاصطفافات والولاءات داخل مراكز القوى السابقة.

        في هذا السياق أيضا، لا يجوز إغفال الدور “المعنوي” الذي يمثله الملك سلمان في معادلة التوازن العائلي وهو المدين لها بتسلمه السلطة، فضلاً عن مصير القوات العسكرية والحرس الوطني.

        من بين مراكز القوى المناوئة لإبن سلمان يلمس المرء أبرزها: عائلة الملك السابق عبد الله؛ عائلة الملك الأسبق فهد؛ وعائلة ولي العهد السابق محمد بن نايف. بيد أن استهداف شخص الملك سلمان من قبل تكتل من هؤلاء غير مضمون النتائج نظراً لمكانته ونفوذه بصرف النظر عن صلاحيته الذهنية.

        العاهل السعودي من جانبه يمضي قدماً لتهيئة الأرضية لتولي نجله السلطة وهو على قيد الحياة، وأي عارض قد يصيبه أو يبعده في الأيام المقبلة سيعقد قليلا طموح نجله بتسلم السلطة. ويجد المرء بعض الصدقية لأنباء غير المؤكدة بأن سلمان يسلم سلطاته تدريجيا لنجله والتصدي لمناوئيه الآخرين وهو على قيد الحياة.

        عند العودة لفرضية تسلم الأمير الشاب مقاليد الأمور، وغياب والده، ستنهض الأطراف المتضررة للتحرك على أرضية الولاء القبلي وتشارك السلطة لا سيما بين الجناح السديري، بعد إقصاء بن سلمان منه، وقبيلة شمّر موطن الملك عبد الله الراحل.

رموز الجناحين المذكورين يمثلهما الأمير محمد بن نايف (السديريين) ومتعب بن عبد الله (الشمريين)، قد يكافئون تجاوزات إبن سلمان بانقلاب أبيض دون إسالة الدماء. ما عدا ذلك، خاصة إصرار الملك سلمان البقاء في منصبه، فأن اللجوء لاستخدام القوة العسكرية قد يبرز الى الواجهة.

نجاح أي محاولة إنقلاب يستدعي تضافر جملة من العوامل، منها تواجد القوة الفاعلة بالقرب من مراكز السلطة المفصلية وهذا يحتم عليها الاستيلاء على الرياض غير عابئة بانتشار القوات العسكرية على الحدود الجنوبية مع اليمن، والتي يتطلب نقلها لمؤازرة القصر الملكي تعقيدات لوجستية ومغامرة الانسحاب من جبهات عسكرية مفتوحة.

في هذا الصدد، يحتل فوج الحرس الملكي مكانة مركزية للمهام المنوطة به بتوفير الحماية للملك وولي العهد، بالدرجة الاولى. يتكون الفوج الملكي من ثلاث كتائب مشاة خفيفة، ويخضع لإمرة الملك ولديه شبكة إتصالات متطورة ومستقلة عن نظيرته في القوات العسكرية الأخرى، لتعزيز فرص الحماية ووقاية الملك من انقلاب محتمل.

أما قوات “الحرس الوطني،” التي أسسها ورعاها الملك عبد الله، فحجمها الفعلي لا يعادل نصف عدد القوات العسكرية، ترابط بعض وحداتها بالقرب من الرياض وتعاني من نقص في الاسلحة المتطورة؛ بيد أنها منوطة بتوفير الحماية ضد أي محاولة انقلاب.

        تتشكل قوات الحرس الوطني من لواء ميكانيكي يخضع لإمرته أربعة كتائب وكتيبة مدفعية ولواء الأمير سعد الميكانيكي الذي يضم تحت إمرته ما مجموعه أربعة كتائب مسلحة ترابط في الرياض، ولا يمتلك أي مدرعات عوضها بعربات مسلحة خفيفة. وعليه ليس من اليسير قيام الحرس الوطني بتصدر محاولة انقلابية، إلا في حال حدوث انشقاق داخل قوات الحرس الملكي وعصيان الأوامر العليا.

        جدير بالذكر أن أقرب حلفاء لإبن سلمان هو ولي عهد الإمارات، محمد بن زايد، الذي لديه علاقة وثيقة بقوات مرتزقة “بلاك ووتر،” سابقاً ومن غير المستبعد أن يتم نقلها الى الرياض لتعزيز حماية إبن سلمان والملك. كما أن سلمان ونجله يسيطران بالكامل على شبكة الاتصالات االعسكرية ولديهما فائض من القوة العسكرية وباستطاعتهما الصمود لفترة أطول مقابل الخصوم.

        لا يلمس المرء والمراقب على السواء توفر قيادة أو هيكلية موحدة مهيأة لتنفيذ انقلاب وعليها الاعتماد التام على الوحدات التي بإمرتها لتنفيذ مهام الهجوم على المرافق الحيوية والقصر الملكي. كما أن العقيدة العسكرية التي تسيطر على القوات السعودية المختلفة جرى اعدادها وفق العقيدة الأميركية بتراتبية شديدة تنطوي على عقبات عملية أمام تنفيذ انقلاب ناجز – الأ إذا حصلت على دعم ورضى أميركي، وهو أمر مستبعد في اللحظة الراهنة.

        في ظل هذه المعطيات، نجد من المنطقي التريث ممن يرغب أو يحاول السعي لتنفيذ انقلاب لحين حلول الأمير الشاب محل والده مما سيجذر حجم الاعتراض والامتعاض داخل الأطر القبلية والعسكرية ضده والبناء عليه لاستثماره في مرحلة لاحقة تتوفر فيها نضوج عوامل ضرورية.

        فوز إبن سلمان بالعرش لا يعني بالضرورة أن باستطاعته الحفاظ عليه والاستمرار في الحكم وفق الوصفة المعدة.

التقرير الأسبوعي 11-03-2017

المقدمة       

               في ظل إنشغال المؤسسات الأميركية المتعددة، الرسمية والخاصة، بتوجيه المحقق الخاص لوائح إتهام بحق ثلاثة من المسؤولين السابقين في حملة الرئيس ترامب الإنتخابية، جاء الهجوم الإرهابي على المارة في مدينة نيويورك ليحول الأنظار مرة أخرى عن الأولويات اليومية.

        كما أن الصراعات والتوترات “الشخصية” بين الرئيس ترامب وعدد من قادة حزبه الجمهوري فرضت نفسها على الأجندة اليومية للفريقين، وسعي القيادات النافذة في لجان الكونغرس إحياء الجدل حول الصلاحيات الرئاسية في نشر قوات أميركية خارج الحدود وشن الحروب، في أعقاب مقتل عدد من جنود القوات الخاصة في النيجر.

        سيسلط قسم التحليل الضوء على قرار التفويض الرئاسي المسنّ عام 2001 بعد هجمات أيلول في ذلك العام، وشكل ذريعة للسلطة التنفيذية للتدخل في سوريا وعدد من الدول الأفريقية التي لم يعلن عنها بكثافة في وسائل الإعلام.

ملخص دراسات واصدارات مراكز الابحاث

جدل التفويض الحربي والنيجر

        مقتل جنود أميركيين في النيجر من نخبة القوات الخاصة أعاد الجدل داخل الكونغرس لمربعه الأول لناحية حدود الصلاحيات  التي أوكلها للسلطة التنفيذية في نشر قوات أميركية في مناطق متعددة من العالم، على خلفيات الأجواء المشحونة في أعقاب هجمات 11 أيلول 2001. واوضح مركز الدراساست الاستراتيجية والدولية أن الجدل يتجدد بين الفينة والأخرى حول التعامل العصري مع الغموض المتضمن في النصوص الأصلية واستغلال الادارات الأميركية المتعاقبة تلك الثغرات لتمضي قدماً في تعزيز استراتيجياتها في التدخل العسكري المباشر. كما أسهمت التوترات بين بعض قيادات الكونغرس من الحزب الجمهوري والرئيس ترامب في سعي اللجان المختصة لتحديث التفويض بقانون جديد يحد من سلطات السلطة التنفيذية. الادارة الراهنة، اتساقاً مع أسلافها، ترمي للإبقاء على الصيغة الراهنة وعدم المس بصلاحياتها في قرار التدخل العسكري، اينما ومتى تراه مناسباً.

https://www.csis.org/analysis/what-does-niger-have-do-aumf

        وشاطر الرأي معهد هدسون بقوله ان “الوفاة المأساوية” لعدد من القوات الخاصة “أعادت لدائرة الضوء حقيقة عملياتنا في النيجر،” موجهاً انتقاداً حاداً “لأعضاء الكونغرس الذين يدّعون عدم معرفتهم بتواجد قوات أميركية في النيجر هم إما أصابهم نسيان مذهل أو إنهم غير صادقين.” وشدد المعهد أن أولئك الأعضاء الذين تظاهروا بعد المعرفة فإن المسؤولية لا تقع على كاهل البنتاغون لا سيما وأن قائد “القوات الأميركية في افريقيا – إفريكوم، الجنرال توماس وولدهاوزر، أحاطهم علماً” بذلك منذ زمن، فضلاً عن توفر المعلومات بذلك “للذين تقتضي مسؤولياتهم اصدار التفويض وإقرار الأموال الضرورية لتسليح القوات الأميركية التي نرسلها لمناطق الخطر.”

https://www.hudson.org/research/13972-why-are-american-forces-in-niger

سوريا

        استهزأ مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بحجم التحالف الدولي العامل في سوريا مقابل الحكومة السورية وحلفائها المعدودين “لا يوجد ما يثبت أن الرقم ثلاثة هو أكبر من 73،” في إشارة الى سوريا وروسيا وايران مقابل الولايات المتحدة والدول المنضوية تحت لوائها في محاربة سوريا. موضحأً أن “التحالف الثلاثي .. استطاع فرض شروطه على وضع يتسم بالعنف والفوضى.” واستطرد أنه ربما النظرة لقيام تحالفات “أمر مبالغ به .. ويتعين على الولايات المتحدة عند هذا المفصل عدم إيلاء الأهمية لكسب دول العالم الى جانبها.” وفند المركز الاهداف الأميركية المعلنة في سوريا والمستندة الى ثنائية “إلحاق الهزيمة بتنظيم داعش وعدم قتال الرئيس السوري بشار الأسد، بيد أن البعدين تربطهما صلة دائمة .. بيد أن الولايات المتحدة راهنت على سلوك طريق تستطيع الاستغناء فيه عن كليهما معاً.”

https://www.csis.org/analysis/allies-and-influence

لبنان

        استضاف معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى ندوة حوارية محورها حزب الله “وكيفية الحيلولة  لنشوب حرب ثالثة في لبنان،” يوم 25 أكتوبر المنصرم، شارك فيها ثلة من ألمع القيادات العسكرية الغربية: رئيس الأركان السابق للجيس البريطاني، ريتشارد دانات؛ قائد وحدة (الإرهاب الدولي) في المخابرات البريطانية، ريتشارد كيمب؛ رئيس هيئة الأركان الألمانية ورئيس اللجنة العسكرية في حلف الناتو، كلاوس نومان. إنطلق الثلاثي من فرضية قيام “حزب الله بشن حربً أخرى .. ضد إسرائيل والولايات المتحدة وحلفائهما؛ وستشعر إسرائيل بأنها مجبرة على الرد بعدوانية وقوة وسرعة كبيرة.” وأضاف الفريق أن الرد “الإسرائيلي سيوقع أعدادً كبيرة من الضحايا بين المدنيين، وسيلجأ الحزب لتحريض المجتمع الدولي ضد إسرائيل واتهامها بارتكاب جرائم حرب. ولهذا السبب بالذات، من غير المرجح أن تنظر إسرائيل في شن حملة إستباقية كبرى في لبنان.” واعتبر الثلاثة ان حزب الله راكم خبرات قتالية وقدرات استراتيجية وأصبح “الآن أقرب الى قوة عسكرية موحدة مع هيكلية وتسلسل واضح للقيادة .. ولدية نحو 25 ألف مقاتل ناشط و 20 ألف مقاتل احتياطي.” وشدد الثلاثي على أنه يتعين على “الغرب ادراك أن حزب الله أصبح يشكل تهديداً كبيراً، ليس على إسرائيل فحسب، بل على الشعب اللبناني أيضاً.” وحذر الثلاثي دول الغرب مجتمعة بأنه آن الآوان لتعديل سياساتها نحو لبنان والإقرار بأنه “لم يعد منفصلاً عن حزب الله، وإذا فشل في ذلك فإن الخطر سيزداد سوءاً .. وينبغي على إدرة (الرئيس) ترامب التصريح بأنه يحق لإسرائيل الدفاع عن نفسها في أعقاب هجمات حزب الله؛ وعلى الدول الاوروبية ادراج (الحزب) بكامله ككيان إرهابي.”

http://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/hezbollahs-terror-army-how-to-prevent-a-third-lebanon-war

تونس

        اعتبر معهد كارنيغي أن “عدوى الفساد في تونس تشكل زعزعة لاستقرارها، وتلوث كافة المستويات الأقتصادية والأمنية والنظام السياسي.” وزعم المعهد ان نظام زين العابدين بن على “شدد قبضته على ظاهرة الفساد آنذاك بيد أنها أضحت مرضاً مستوطناً .. وباتت أكثر انتشاراً اليوم.” وشدد على أن نجاح البلاد في التصدي لتلك الظاهرة “وضمان استمرارية الانتقال الديموقراطي، يتعين على تونس شن حرب متزامنة على جبهتين: البيروقراطية القديمة والفساد المستشري.” وأضاف أن على المجتمع الدولي تقع مسؤولية توفير الدعم لذلك الجهد “بمساعدات وتقديم التمويل المركز.”

https://carnegieendowment.org/2017/10/25/tunisia-s-corruption-contagion-transition-at-risk-pub-73522

“إسرائيل”

        استعرض معهد أبحاث السياسة الخارجية تداعيات حرب أكتوبر 1973، التي شكلت “أدنى مستوى في تاريخ دولة إسرائيل السبعين، وجاءت بعد 7 سنوات من الانتاصار الباهر في حرب الأيام الستة.” وأوضح أن الهجوم السوري المصري المنسق “استطاع تدمير أو القاء القبض على القوات الإسرائيلية المنتشرة، تحت غطاء مظلة من الصواريخ المتحركة المضادة للطائرات والتي كادت أن تعطل سلاح الجو الإسرائيلي.” ومضى المعهد باستعراض “قدسية” المناسبة التي حدثت في “يوم الغفران، أقدس يوم عند اليهود ..”

https://www.fpri.org/article/2017/10/israels-national-security-since-yom-kippur-war/

إيران

        رحبت مؤسسة هاريتاج بإعلان الرئيس الأميركي “استراتيجيته الجديدة للتصدي لايران كونها توفر قدرٍ يسيرٍ من الأمل عن استعداد الولايات المتحدة” لللانخراط في الدفاع عن منطقة الخليج؛ مستدركة بالقول أن ذلك “يتطلب إدراك الساسة (الاميركيين) أن الإتفاق النووي لم يكن يرمي لكبح جماح إيران؛ بل لكبح جماح الولايات المتحدة.” واستطرد بالقول ان الاتفاق النووي “وفّر لإيران نجدة فورية من العقوبات الغربية المفروضة عليها مقابل  تعهد إيران بحسن السلوك في المستقبل.” وشدد على أن إعادة تفعيل نظام العقوبات، بعد الاتفاق النووي، يتطلب “مساندة الدول الاوروبية، لا سيما وأن الأموال الإيرانية في طريقها للتدفق على الصناعات الأوروبية، ومن غير المرجح ان نحصل عليها.”

http://www.heritage.org/middle-east/commentary/iran-deal-was-not-about-iran

        أثنى المجلس الأميركي للسياسة الخارجية على قرار الرئيس ترامب الخاص بالاتفاق النووي “إذ انتهج طريقاً وسطياً رمى لممارسة نفوذ أميركي أكبر على برنامج إيران النووي” وعدم خضوعه لأهواء فريقي إلغائه أو الإبقاء عليه. وأوضح أن إحجام الرئيس عن “المصادقة” ينبغي أن ينظر إليه في إطار أن “الأمر ليس جزءاً من الاتفاق الرسمي؛ بل شرط منفصل أضيف عام 2015 بقرار من الكونغرس لتعزيز قدرته الإشراف على المفاوضات التي كانت تجريها إدارة الرئيس اوباما.”

http://www.afpc.org/publication_listings/viewArticle/3640

أفغانستان

        رحبت مؤسسة هاريتاج بقرار إدارة الرئيس ترامب الخاص بأفغانستان كونه “يختلف جوهرياً وبايجابية عن سياسة الرئيس اوباما .. ويشكل تحولاً ضرورياً ومرحباً به كونه يعكس واقع الأمر الراهن في أفغانستان الذي يختلف عما كان عليه عام 2001 أو حتى عام 2009 حينما وافق الرئيس اوباما على إرسال قوات جديدة هناك.” واوضح المعهد أبرز مزايا قرار الرئيس ترامب “… إذ أشّر على الإنتقال من استراتيجية تستند إلى جداول زمنية واستبدالها بأخرى تستند إلى شروط يتم تحقيقها؛ تتفادى الإعلان المسبق عن تاريخ محدد للإنسحاب ..” وشدد على أن الرئيس ترامب “أحجم عن رسم جدول زمني للإنسحاب التام، قائلاً أن الولايات المتحدة ينبغي أن تركز أنظارها على التطورات الميدانية ..”

http://www.heritage.org/middle-east/commentary/trumps-afghanistan-strategy-breath-fresh-air

التحليل

تخاذل الكونغرس عن إعادة النظر بقرار 

“التفويض بالحرب” لاستمرار الحروب الأميركية

        عند كل منعطف يهز هيبة أميركا ونفوذها الكوني تتجدد الدعوات الداخلية لإعادة الروح لاستصدار قرار جديد من الكونغرس، أو تعديل القانون الراهن، يضفي شرعية على صلاحيات السلطة التنفيذية بشن حروب خارج حدود الولايات المتحدة، أينما ومتى شاءت، دون الحاجة للتوجه إلى الكونغرس أو طلب مخصصات مالية إضافية لتنفيذ المهام المطلوبة؛ فتلك متضمنة في القرار الراهن الصادر عام 2001.

        بعد فترة وجيزة من تنفيذ هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001، قامت المؤسسة الأميركية الحاكمة، ممثلة بالأذرع العسكرية والأمنية والاستخباراتية والإعلامية، بإرسال طواقم عسكرية “صغيرة ومحدودة” لمناطق متعددة من العالم للعمل سوياً مع القوى المحلية، لا سيما في عدة دول إفريقية. عماد القوات الأميركية كانت القوات الخاصة وصفوتها “القبعات الخضراء،” أنيطت بها مهام روجتها الوسائل الإعلامية بأنها ضرورية “لمكافحة الإرهاب،”

ستة عشر عاماً والحروب مستمرة دون أفق زمني، والرؤساء الأميركيون المتعاقبون يستغلون “سلطاتهم الواسعة” والمكتسبة لنشر قوات ومعدات عسكرية  في ساحات اشتباك متجددة وفق رؤى متطابقة “لملاحقة القاعدة وتنظيمات وجماعات مرتبطة بها.”

        صادق الرئيس دونالد ترامب، أيلول / سبتمبر المنصرم، على وثيقة “تفويض سرية” يمنح بموجبها “وكالة الاستخبارات المركزية وقيادات القوات العسكرية تنفيذ مهام وهجمات واسعة لمكافحة الإرهاب،” دون وضع قيود ميدانية أو الرجوع للمراتب الأعلى لاتخاذ القرار المناسب تشمل استخدام طائرات الدرونز وشن غارات ونصب كمائن وتنفيذ عمليات سرية حول العالم.

        أقدم ترامب على فعلته مستنداً الى التفويض سالف الذكر، 2001، والذي سرى مفعوله على سلفيه، الرئيس جورج بوش الإبن والرئيس باراك أوباما، وجرى تطبيقه على مختلف الساحات العالمية معظمها في الوطن العربي ومحيطه.

        مطلع شهر تشرين/ اكتوبر الماضي أفاق المجتمع الأميركي على “صدمة مقتل عدد من جنود وحدات القبعات الخضراء على أراضي النيجر؛” مما دفع وسائل الإعلام وأعضاء الكونغرس على التساؤل لناحية طبيعة مهام القوات الأميركية وتواجدها هناك.

        مع تضارب السرديات الرسمية الأميركية لحقيقة ما جرى في النيجر واتهامات قيادات ميدانية بالتقصير والفوضى برز الكونغرس والرئيس ترامب في صدارة الجدل وتبادل المطالبة الحذرة بحصر صلاحيات السلطة “التشريعية” إعلان الحرب، كما ينص الدستور، وسعي الأخير للإبقاء على “الوضع الراهن،” كصيغة حظيت باجماع فريقي الحزبين.

        محور تحفظات الفريقين، الكونغرس والرئيس، هو “تلكؤ” الكونغرس في اعلان الحرب بصورة رسمية واكتفى بمنح السلطة الرئاسية صلاحيات غير مقيدة “لإرسال قوات ومعدات عسكرية” اينما تراه ضروري دون الحاجة للمرور على الكونغرس.

        عدد محدود من قيادات الحزبين اعرب مراراً عن تحفظه على مضمون الصلاحيات الرئاسية غير المقيدة، مؤكدين أن المسألة تكمن في تحقيق توافق سياسي بين التيارات المختلفة من أقرانهم.

        المرشح لمنصب نائب الرئيس السابق عن الحزب الديموقراطي، تيم كين، صرح بعد حضوره استعراضاً “سرياً” لعدد محدود من أعضاء الكونغرس أوضح أن “ما يحدث في النيجر وإفريقيا على نطاق واسع يشير إلى حاجتنا الماسة إلى (استصدار) تفويض جديد.”

        السيناتور الجمهوري راند بول سعى مبكراً لتبني مبادرة تفضي لتعديل التفويض الرئاسي الراهن، في شهر أيلول / سبتمبر الماضي، بيد أن مراكز القوى المتنفذة في الحزبين أسقطته في التصويت بنسبة 61 صوتاً مقابل 36 مؤيداً.

        رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، جون ماكين، أشار إلى نيته لبحث “إصدار مذكرة إستدعاء للبيت الأبيض لأنه لم يلتزم الصراحة فيما يخص هجوم النيجر.”

        بيد أن ما يخشاه قادة الحزب الجمهوري تحديداً صدور تفويض جديد يفرض قيود على حركة البنتاغون وينبغي أن “يترك الأمر للقادة العسكريين الذين عليهم تحديد أفضل السبل لمحاربة أعداء البلاد.”

        رئيس لجنة العلاقات الخارجية، بوب كوركر، أعرب عن نيته استحضار مشروع قرار سابق قدمه السيناتور تيم كين، المرشح السابق لنائب الرئيس، والذي يقضي بتجديد الكونغرس التفويض الرئاسي مرة كل خمس سنوات، ومطالبة الإدارة إخطار الكونغرس حين تنوي إرسال قوات أميركية “لبلدان لم تذكر نصاً في التفويض السابق.”

        اما رد فعل الرئيس ترامب على ما جرى في النيجر فجاء مطابقاً لمسلكياته السابقة بالتنصل من المسؤولية. وقال “حسناً، تدركون أن الجنرالات هم من اتخذ القرار بنشر القوات هناك.” ولم يعلق أحد بأن الرئيس، دستورياً، هو القائد الأعلى للقوات بصرف النظر عن تفاصيل اي حدث.

        وزيري الخارجية والدفاع، ريكس تيلرسون وجون كيلي، تباعا، حضرا أمام لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس، منتصف الأسبوع الجاري على ضوء حادثة النيجر، لشرح وجهة نظر الإدارة المتمثل برفض الثنائي أي قيود قد ينظر في فرضها الكونغرس على القانون الجاري.

أوضح تيلرسون أن أي قانون جديد “لا ينبغي أن يتضمن قيودا على جغرافيا الحركة .. والإدارة تحتفظ بحقها في الصلاحيات المنصوص عليها” في التفويض الحالي. أما وزير الدفاع فشدد على الإلتزام بالنصوص السارية “في التفويض لعامي 2001 و 2002 لاستخدام القوات العسكرية الأميركية ضد تهديد متبدّل .. ليس بوسعنا تحديد فترة زمنية لمسار أزمة ضد عدو باستطاعته التكيف مع المتغيرات.”

يشار في هذا الصدد أن التفويض الرئاسي يخلو من ذكر سوريا أو ليبيا اللتين شنت عليهما الولايات المتحدة سلسلة غارات جوية ونشرت قواتها البرية على أراضيهما. وبرزت المسألة مراراً بمطالبة الادارة توضيح مبرر تدخلها قانونياً.

في الشأن السوري، أوضح البيت الأبيض مراراً انه استند الى المادة الثانية من التفويض، بيد أن الكونغرس لم يسن أي قانون يخول السلطة التنفيذية استخدام القوة العسكرية ضد سوريا. بيد أن مساعي الرئيس السابق باراك اوباما للفوز بتفويض من الكونغرس، عام 2013، لاستخدام القوة العسكرية ضد سوريا باء بالفشل.

خبراء القانون الدولي يؤكدون على أن الرئيس ترامب “لا يحظى بتفويض صريح لاستخدام القوة العسكرية” ضد سوريا. كما أن ميثاق الأمم المتحدة، الذي لا تكترث له واشنطن، لا يجيز لها استخدام قوتها العسكرية ضد سوريا إلا في حال استصدار قرار صريح من مجلس الأمن الدولي بذلك أو “استخدام مبرر حق الدفاع عن النفس.”

بل تنكرت الولايات المتحدة لالتزاماتها الدولية بإعلان المندوبة الأميركية الدائمة لدى الأمم المتحدة، نكي هايلي، نيسان / ابريل 2017، حين أشارت الى نية بلادها استخدام الخيار العسكري في سوريا “دون تفويض من الهيئة الدولية ..”

غيبت المندوبة الأميركية والمسؤولين الكبار حقيقة أوضاع قواتها الخاصة التي أضحت متمددة في أكثر من ساحة مما اضطر عناصرها للبقاء تحت الخدمة الفعلية فترة أطول “من المعتاد،” وتعاني من إرهاق مزمن. كما أن استبدال القوات بأخرى ليس من بين الخيارات المتاحة: كلفة إعداد عنصر القوات الخاصة تعادل نحو 2 مليون دولار للفرد، وتستغرق فترة التدريب القاسي نحو سنتين.

دروس الماضي القريب

بعد إعلان الولايات المتحدة قرارها بالانخراط الفعلي في الحرب العالمية الاولى لجأت الحكومة المركزية إلى “تأميم خطوط السكك الحديدية وقطاع الاتصالات من برق وبريد وهاتف، ومصادر الطاقة الخام” فضلا عن قيود فرضتها على مرافق أخرى متعددة، كما أوضح الخبير الإقتصادي الأميركي، روبرت هيغز.

اما تداعيات قرار دخول الحرب على الأوضاع الاقتصادية الداخلية فكان كارثياً، إذ ارتفعت النسب الضريبية بشكل ملحوظ، وقفز العجز في الميزان التجاري “إلى 25.5 مليار دولار عام 1919، مقارنة بما كان عليه قبل سنتين، 1.2 مليار.”

دأبت الادارات الأميركية المتعاقبة منذ عام 2001 على زيادة المخصصات المالية للأجهزة الأمنية والبنتاغون “لتعزيز الأمن الداخلي،” فاقمها الإنفاق الهائل على حروبها في العراق وأفغانستان، والآن سوريا ودول الساحل الإفريقي دون استثناء الاراضي العربية الأخرى في الصومال وليبيا واليمن.

بناء على ما سبق، لم يغب عن ذهن القوى المتنفذة في الكونغرس ما ستؤدي إليه الأوضاع الداخلية في حال إقدامها على إعلان الحرب بشكل رسمي. بل تبدو على معظم أعضائه علامات الرضى والراحة للسير بالنصوص الراهنة في التدخل العسكري دون الأعلان الرسمي، لكن إلى متى.

البعض يستدرك بالقول أن واشنطن قد تمضي في شن الحروب لعقد آخر من الزمن، وبذلك ستقترب من “حرب الثلاثين عاماً .. الحرب الأطول في التاريخ البشري.”

التقرير الأسبوعي 10-27-2017

كمين النيجر يكشف
تنامي الدور الأميركي في الساحل الأفريقي

يبدو أن التمدد العسكري الأميركي عالمياً، الى جانب ترسانتها القتالية، يعزز من احتمالات توظيف واشنطن للمنظمات المتشددة والتشكيلات الأصولية والإرهابية لدعم مشاريع الإطاحة بالنظم المحلية العصية على الإخضاع والتبعية.

يستدل بعض المراقبين في الداخل الأميركي على “الترابط بين سوريا والساحل الإفريقي،” في الاستراتيجية الأميركية الشاملة، من المساعي الخفية “لإعادة تسويق” تنظيم القاعدة وإعداده كبديل “معتدل” عن داعش؛ التجهيز لمرحلة مقبلة ومهام مطلوبة في ساحات عدة.

أما ما يعزز هذا الإعتقاد فهو الجدل الصامت الذي يلف الدوائر المؤثرة في صنع القرار السياسي الأميركي، وبروز أحد صفوتها معهد راند العريق، يروّج بلغة واضحة لمرحلة ما بعد هزيمة داعش في سوريا، والعراق بالطبع، دون المساس بطبيعة التواجد العسكري الأميركي – بخلاف بعض التصريحات الرسمية التي “توحي” بانسحاب القوات الأميركية من سوريا.

بداية، في تبرير المعهد للمراهنة على “تنظيم القاعدة” أوضح بشدة أنه تحت قيادة أيمن الظواهري “أعلن على الملأ أنه سيحجم عن استهداف (المصالح) الغربية.” كما أن الفرع السوري للقاعدة “برز بصمت كبديل يبعد عن تشدد داعش بين صفوف خارطة القوى الجهادية.”

ولم يشأ المعهد أن يترك الأمر غامضاً لما يعتقده من دور وهوية يتحول فيه التنظيم الجديد، فقد شدد على أنه “ينبغي على هيكل القاعدة (الجديد) أن يشبه حزب الله اللبناني؛” موضحاً أن التحديات المقبلة تتطلب وجود “تنظيم يؤمن بالعنف مستقل عن هيكل الدولة يعزز شرعيته السياسية وفي نفس الوقت يصقل قدراته لشن عمليات ارهابية وسياسية عنيفة على نطاق واسع.”

الملفت في أدبيات المعهد المذكور إقراره بانتهاء وظيفة تنظيم داعش في خدمة الاستراتيجية الغربية بشكل عام وانتفاء الحاجة له فيما تبقى من هيكلية، نظراً لطغيان ونجاح “سيل الدعاية الجارف لداعش ضد الغرب ومصالحه، مما دفع (بواشنطن) تركيز أنظارها على تفكيك (دولة) الخلافة، مما أسفر عن تواجد تنظيم القاعدة في سوريا بعيداًعن الإستهداف مكّنه إعادة بناء صفوفه بحرية وصمت .. وبعد خسارة داعش لعاصمته في الرقة، فإن (تنظيم) القاعدة ربما يبقى الوحيد الذي يمتلك خبرة عسكرية تؤهله لمنازلة نظام (الرئيس) الأسد.”

إذن، نحن أمام “تجديد شرعية تنظيم إرهابي وتسويقه بماركة جديدة،” تحاكي الهواجس الغربية التي تطرب لسماع مفردات “الاعتدال” وما شابهها. كما أوضحت دراسة حديثة للمعهد أن “تنظيم القاعدة في سوريا خضع لسلسة من عمليات تحديد الهوية خلال عام 2016 بتفريخها جبهة النصرة ثم جبهة فتح الشام إلى هيئة أحرار الشام.”

في سياق “الحرب الأميركية على الإرهاب،” تتعدد ساحات المواجهة والتنظيمات المسلحة والتشكيلات الإرهابية، وتتجدد العلامات التجارية لداعش والقاعدة وبوكو حرام وحركة الشباب .. الخ.

أميركيا: النيجر ونيجيريا سيان

إعلنت البنتاغون ، 5 أكتوبر،عن مقتل أربعة جنود أميركيين من نخبة القوات الخاصة “القبعات الخضراء” في النيجر رافقه جدلاً متصاعداً حول حقيقة تواجد قوات أميركية في ذلك الجزء من الساحل الغربي لأفريقيا، ومهامها والمدة الزمنية.

في حمأة التغطية الإعلامية المكثفة ضاعت هوية النيجر وتماهت مع نيجيريا بالنسبة للسردية الأميركية، بيد أن صناع القرار بما فيهم البنتاغون لهم دراية تامة ليس فقط في البعد الجغرافي فحسب، بل لضرورات استراتيجية التمدد الأميركي، والكشف عن “حضور أميركي كبير في النيجر، خصوصاً في مطار أغادير (موقع) قاعدة تقلع منها طائرات الدرونز” لمراقبة منطقة الساحل الإفريقي.

فجأة “وجدت النيجر نفسها في عين عاصفة الحرب على الأرهاب محلياً وإقليمياً .. وتدفق مجموعات مسلحة إلى أراضيها؛ بعضهم يدين بالولاء (لتنظيم) القاعدة، والبعض الأخر يتبع داعش.” تلك هي السردية الرسمية المعتمدة والتي تنطوي على عملية تمويه نجد أجوبتها في مواطن الاستراتيجية الكونية لأميركا.

قيادة القوات الأفريقية، افريكوم، أقرت بانتشار قواتها في المنطقة  وهي هناك “لدعم جهود السفارة الأميركية” في العاصمة نيامي. بيد ما تتضمنه وثيقة “سرية أفرج عنها مؤخرا” لافريكوم، وتعود لعام 2015 تشير الى خلاف ذلك. (الوثيقة منشورة على موقع ذي انترسبت الاستقصائي).

نصت الوثيقة على أن النيجر “كانت الدولة الوحيدة في شمال غرب إفريقيا على استعداد لاستضافة (سرب درونز من طراز) MQ-9s،” جيلٌ أكثر تطوراً من سلفه بريداتور، ويجري العمل راهناً على تسليح ونشر تلك الطائرات بصواريخ وذخائر أخرى.

في سياق الكشف عن ملابسات مقتل جنود القوات الخاصة الأميركية برزت بعض التفاصيل كمؤشرات على ترابط “الساحات والتنظيمات الجهادية.” ونُسب لقيادة قوات افريكوم قولها أن “نطاق عمل القوات الأميركية في النيجر يشبه الى حد بعيد ما نقوم به من عمليات في المنطقة منذ عام 2003 ..”

وذهب رئيس هيئة الأركان الأميركية، جوزيف دنفورد، الى ما يعتبر أبعد من مجرد تصريح توضيحي لوسائل الإعلام، 23 أكتوبر الجاري في اختتام قمة رؤساء الأركان التي رعتها واشنطن، بالقول إن “هناك نحو 6،000 عسكري ينشطون في القارة الإفريقية يتخذون مواقع لهم في 53 دولة .. قيادتنا تعمل مع شركائنا على الأرض في عدد من مناطق القارة؛ وهي مهام شبيهه لما نقوم به في العراق وسوريا وأفغانستان أيضا.”

عند التدقيق في النشاطات العسكرية الأميركية، في افريقيا جنوبي الصحراء الكبرى، يتبين، وفقاً لموقع انترسبت الالكتروني، أن تلك القوات تجري نحو “3،500 مناورة مشتركة سنويا – أي بمعدل 10 عمليات يوميا – تمتد على رقعة واسعة من اراضي الكاميرون الى الصومال وجيبوتي وليبيا.”

حادث النيجر

أوجز رئيس هيئة الأركان الأميركية ما جرى في معرض إحتواء “الإهانة العسكرية” التي لحقت بالمؤسسة وعقيدتها القتالية، بالقول أنه تم تنفيذ “عملية استطلاعية يوم 3 أكتوبر بقوة مشكلة من 12 عنصر من القبعات الخضراء برفقة 30 جندي من النيجر في قرية (تونغو تونغو) التي تبعد نحو 85 كلم شمال العاصمة نيامي .. وفي اليوم التالي (4 أكتوبر) تحركت القوات جنوباً باتجاه مقر قاعدة الانطلاق وتعرضت لإطلاق نيران من ما يقدر بنحو 50 عنصر من القوات المعادية؛ كانت حصيلتها مقتل أربعة عناصر من القبعات الخضراء وجرح عنصرين في الكمين الذي نصب لهم، وذهب ضحيته أيضاً 5 جنود للجيش النيجري.”

في الملابسات اتضح أنه تم سحب ثلاثة جنود أميركيين قتلى، في البداية، وفي اليوم التالي تم العثور على الجندي الرابع. وكانت القوة العسكرية المشتركة التقت مع رؤساء القبائل المحلية، 4 أكتوبر، طالبين معلومات محددة حول تواجد ورقعة انتشار المسلحين في المنطقة. تردد أن زعماء القبائل “تباطؤا” عن عمد في تقديم المطلوب مما أدى لبداية متأخرة للعملية عن الموعد المحدد.

بعد التعرض للكمين، طلبت القوة المشتركة تدخل الطيران الحربي “بعد انقضاء ساعة على الاشتباك،” وتحركت مقاتلات فرنسية لنجدتها بيد أن طياريها لم يتسنى لهم التعرف على هوية “القوات المعادية” لقضفها.

قيادة قوات افريكوم اصدرت بيانا يوم 19 أكتوبر، بعد نحو أسبوعين، يفيد بأنها أوفدت فريقا للتحقيق في الحادث، وانضم إليه طاقم من مكتب التحقيقات الفيدرالي أيضاً.”

البنتاغون في النيجر

يعود التواجد العسكري المباشر في منطقة “الساحل” الافريقي الى عام 2002، تحت عنوان فضفاض لمكافحة الإرهاب شمل كلا من “تشاد ومالي وموريتانيا والنيجر،” بمشاركة فعالة من قوات تلك البلدان العسكرية.

مضى “برنامج مكافحة الإرهاب” بتهيئة القوات المحلية وإمدادها بالسلاح والعتاد والتدريب المطلوب، وشهد تخصيص البنتاغون ميزانية بلغت 288 مليون دولار لمتطلباته في الفترة بين 2009 الى 2013، كانت حصة “النيجر أزيد من 30 مليون دولار، وحصة مالي كانت الأكبر نحو 41 مليون دولار؛” وفق بيانات مكتب المحاسبة العام الأميركي.

في مطلع عام 2013 انتهز السفير الأميركي لدى النيجر، بيسا ويليامز، الفرصة طالباً من رئيس النيجر مامادو إيسوفو، السماح لبلاده إقامة قاعدة تستخدم لطائرات  الدرونز. وبعد نحو 30 يوما صادق الرئيس أوباما على قرار إرسال نحو 150 عسكري أميركي للنيجر. وفي شهر تشرين الأول/أكتوبر 2015 أبرمت الولايات المتحدة إتفاقية مع النيجر “للعمل سوياً في مكافحة الإرهاب؛” والتي تبعها تدفق القوات الخاصة الأميركية.

كما تنشط القوات الأميركية في إنشاء “قاعدة ثانية لطائرات الدرونز” تستخدمها القوات الأميركية والفرنسية المتواجدة هناك، ومن المقرر تجهيزها للخدمة عام 2018.

حصيلة التواجد العسكري في النيجر

 في ظل سريان مفعول المعاهدة الاميركية مع النيجر شهدت تشاد محاولتي انقلاب، 2006 و 2013؛ قيام القوات العسكرية في موريتانيا بمحاولة انقلاب وإطاحة الحكومة مرتين، 2005 و 2008؛ انقلاب عسكري في النيجر عام 2010؛ وانقلاب آخر في مالي عام 2012 قام به “الضابط  (أمادو سانوغو) الذي تدرب على أيدي القوات الأميركية” أطاح برئيس البلاد المنتخب.

ولو عدنا قليلا الى الوراء، عام 2001، تمتعت المنطقة بحالة استقرار نسبي “وخلوها من التهديدات الإرهابية؛” ولكنها باتت معقلاً للعديد من التنظيمات المسلحة. واشارت دراسة صادرة عن (المكتب الإفريقي في وزارة الدفاع الأميركية) الى انتشار التنظيمات والمجموعات المسلحة التالية:

“القاعدة في المغرب الإسلامي؛ المرابطون؛ أنصار الدين؛ وفرع الانصار في مالي، جبهة تحرير ماسينا؛ جماعة نصرة الإسلام والمسلمين؛ مجموعة بوكو حرام؛ حركة الوحدة والجهاد في الغرب الإفريقي؛ أنصار الإسلام؛ ولاية غرب إفريقيا.”

كما برز تنظيم جديد يطلق عليه “الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى” الذي تحمله واشنطن مسؤولية اختراق حدود النيجر ونصب كمين للقوة المشتركة من الأميركيين وجيش النيجر.

تقييم التواجد العسكري الأميركي ليس عسيراً، بل يتضح من خلال الوثائق الأميركية عينها أن “التواجد المباشر ساهم في تأجيج السكان المحليين وأصبح حافزاً لتجنيد المقاتلين” للانطلاق والعمل في الرقعة الواسعة من الغرب الإفريقي.

التقرير الأسبوعي 10-20-2017

المقدمة

إنفرجت أسارير خبراء المؤسسات الفكرية والبحثية مع “قُرب” أعلان هزيمة داعش في مدينة الرقة، على أيدي القوات الأميركية، وأطلقت العنان لسيل من النقاش حول “المرحلة المقبلة” فيما يخص القوات الأميركية المتواجدة في سوريا تحديداً.

سيستعرض قسم التحليل ما تم الإعلان عنه بعد طول إنتظار لتصوّر يمكن اعتباره ملامح “السياسة الأميركية” في المنطقة بعد الاتفاق النووي، وتحذير “بعض” أقطاب المؤسسة من أن يؤدي انتصار الرقة المدمرة إلى “إنجذاب الولايات المتحدة أكثر للإنخراط في الصراع.”

ملخص دراسات واصدارات مراكز الابحاث 

سقوط  دولة الخلافة

قبل الاعلان الرسمي عن سقوط مدينة الرقة المدمرة بالكامل، 20 الشهر الجاري، أعرب معهد واشنطن لدراسات الشرق الادنى عن اعتقاده بأن “عاصمة الخلافة ستسقط خلال الاسبوع الثالث من شهر تشرين 1/اكتوبر،” معززاً اعتقاده بإحجام الآلة الاعلامية التابعة لداعش عن “اصدار أي بيان يتعلق لآلية العمل في المدينة، لشهر على الأقل، او الاشارة للخدمات الاجتماعية أو التطرق لجهود التجنيد عبر الدعوة.” واستطرد بالقول ان “الصمت الإعلامي قد لا يؤشر على وقف تام وشامل لآلية حكم داعش .. بل تعبير عن تراجع مستمر في الجهاز الإعلامي.”

http://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/interpreting-the-fall-of-islamic-state-governance

شدّد معهد المشروع الأميركي على عدم إعتبار استعادة بغداد لسيطرتها على مدينة كركوك بان “ايران قد هزمت أميركا،” وينبغي على الولايات المتحدة “أن لا تخجل من إعلان هدفها بتغيير النظام” في طهران والعمل على تحقيقه. وأوضح أن “الديبلوماسية الايرانية تميزت بعدم الصدقية واتسمت بالخداع خلال المفاوضات حول البرنامج النووي.”

http://www.aei.org/publication/take-it-from-me-kirkuk-was-not-an-iranian-defeat-of-america/

أعرب معهد واشنطن لدراسات الشرق الادنى عن إستهجانه من عدم بروز مواقف معارضة لاستعادة بغداد سيطرتها على كركوك، وتحفظه أيضاً لموقف الرئيس الأميركي بأنه لا ينوي “التحيز لأي من الأطراف.” وأضاف ان العملية العسكرية سارت بنجاح باهر واجهت فيها القوات العراقية “مقاومة رمزية من القوات الكردية المحلية نظراً لعدم حسم الجناح السياسي المشرف على المقاتلين، حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، موقفه والدفع باتجاه مقاومة الخطوة.” ومما زاد الطين بلّة، أضاف المعهد، ان لم “تعرب أي هيئة دولية أو دولة عن معارضتها للإجراء.”

http://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/how-to-keep-armed-clashes-in-kirkuk-from-escalating

سوريا

حذر معهد الدراسات الحربية الولايات المتحدة بأنها “تخاطر بتعريض مصالح الاستراتيجية في المنطقة إن لم تدخل تعديلات على سياساتها نحو سوريا والعراق.” وأوضح أن الهدف المعلن باستعادة الموصل والرقة من قبضة داعش قد “أُنجز تقريبا. ومع ذلك فإن أدارة الرئيس ترامب تسير ببطء في بلورة وتنفيذ سياسات أميركية من شأنها ضمان المصالح الحيوية الاميركية في مواجهة سرعة ورشاقة تحرك أعداء أميركا وخصومها والقوى المناوئة لها.” وأردف أن تلك القوى هي “روسيا، ايران ووكلائها، داعش، تنظيم القاعدة، وبعض العناصر الكردية .. التي تسعى مجتمعة لتهديد الأهداف الأميركية وتستغل الظروف الحالية لتحقيق مكاسب استراتيجية بينما تمضي الولايات المتحدة بالترويج لمكاسب قصيرة الأجل ونجاحات تكتيكية الطابع.”

http://www.understandingwar.org/article/intelligence-estimate-and-forecast-syrian-theater

استعرض معهد كارنيغي ما أسماه “أهداف تركيا بعيدة المدى في سوريا” والتي “يصعب” الإجابة عليها أبعد من “طموحات أردوغان الشخصية .. بتغيير النظام في دمشق؛ كما رأى فرصة جيوسياسية كي يفعل في سوريا ما أقدمت عليه سابقاً بريطانيا وفرنسا؛” بيد أن مراهناته لم تتحقق بفعل “التعقيدات التي تجاوزت كل الحدود.” واستطرد أن “الهدف الآني لأنقرة هو احتواء النزاع (في سوريا)، ووقف تدفق موجة اللاجئين وعكس مسارها” والحيلولة دون تأثير الصراع على الداخل التركي.

 http://carnegie-mec.org/diwan/issue/1628

مصر

أجرى معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى استطلاعاً لقياس مدى تفاعل الشعب المصري مع السياسات الأميركية معتبراً المواقف المتشددة للرئيس ترامب نحو إيران “تتمتع بقدر كبير من الدعم .. إذ أعرب ما لا يزيد عن 1% من المستطلعة آراؤهم عن تأييدهم لسياسات إيران الإقليمية.” وزعم المعهد أن “91% من المصريين أعربوا عن عدم رضاهم عن حزب الله – تطور عكسي مذهل لصورة الحزب المجيدة بعد حرب 2006 مع إسرائيل.” وأضاف أن نحو “56% يعتبرون نسج علاقة مع الولايات المتحدة هامة ..” مما يعد تحولاً عن التوجهات السابقة المعادية لأميركا، وفق المعهد. واستدرك بالقول أن “معظم الشعور العام يبدي عدم توافقه مع مجمل السياسة الأميركية، (لكن الجمهور) يؤيد أهمية نسج علاقة رسمية مريحة مع واشنطن.”

http://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/egyptians-surprisingly-open-to-key-trump-policies-new-poll-shows

إيران

شن معهد المشروع الأميركي حملة على سياسات الرئيس ترامب نحو إيران “لفشله في ترسيخ موقع الريادة الأميركية،”  ومثنياً على عدائه للاتفاق النووي. وأوضح أن ما ينقص السياسة الأميركية لاستعادة هيبتها هو “النأي عن تركيز خطابها على البرنامج النووي والتوجه للتذكير بالمخاطر الأبعد لإيران على عموم المنطقة.”

http://www.aei.org/publication/president-trumps-failing-leadership-on-iran/

ندد صندوق مارشال الألماني بقرار الادارة الأميركية لعدم المصادقة على الاتفاق الدولي واعتبره “أمر لا يمكن تفسيره، غير عقلاني، وخطير.” واعتبر ان جملة التعليقات والتصريحات الصادرة في واشنطن “عقب الإعلان عن استراتيجية جديدة حول إيران اظهرت بأنه حتى لو اعتبرنا التحفظات المطروحة مبررة بعض الشي، فانها ليست صحيحة بكل بساطة.” وأردف ن الاستراتيجية الجديدة للإدارة الأميركية هي عبارة عن خطة عمل “لكيفية خسارة معسكر الأصدقاء وعزل الأصدقاء.” وذكر الصندوق بتحذير الرئيس السابق اوباما بأن اقدام الكونغرس على الإطاحة بالاتفاق يعيد الأنظار لتوجيه “اللوم للولايات المتحدة لأفشالها المساعي الديبلوماسية الدولية. ستنهار وحدة المجتمع الدولي، وتتسع رقعة الأزمة.”

http://www.gmfus.org/blog/2017/10/19/how-lose-friends-and-alienate-allies-trump%E2%80%99s-new-strategy-iran

الحركة الإسلامية في الخليج

استعرض مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية العلاقة المتوترة بين دول الخليج وتنظيم الإخوان المسلمين والتحديات التي يمثلها على دوله، بشكل رئيسي، وتأييدها واحتضانها لعناصره “بالآلاف” إبان حقبة ظهور المد القومي العربي؛ وذلك بالإتساق مع تقرير السفير البريطاني السابق لدى الرياض، السير جون جنكينز، بعد تكليف الحكومة البريطانية له عام 2014. وأضاف أن الحلقة المركزية في تقرير السفير المذكور كانت “إحتضان التنظيم للثورة الإسلامية في إيران عام 1979 ..  على نقيض مواقف حكومات الخليج التي رعت عناصره لمدة طويلة معتبرة ما جرى بأنه تبشير بانطلاق الثورات” في المنطقة. وأضاف ان كراهية نظم الخليج للتنظيم “تعززت عام 1990 حين أعلنت بعض قيادات الإخوان المسلمين تأييدها للغزو العراقي للكويت .. مما حدا بالسعودية قمع أعضاء حركة الصحوة في البلاد.”

https://www.csis.org/events/gulf-roundtable-egos-and-ideologies-islamism-gulf

التحليل 

بعد هزيمة داعش بالرقة المدمرة
أميركا وإلى حين باقية بمهام إضافية

تجدد الجدل الداخلي حول مصير القوات الأميركية في سوريا بعد ما يربو على عامين ونصف من تدخل واشنطن المباشر وتحقيق هدفها المعلن بإزاحة ” داعش عن مدينة الرقة،” واكبها إعلان البنتاغون أن المدينة أضحت محررة من التنظيم الإرهابي – بصرف النظر عن تدميرها بالكامل.

قبل الإجابة الوافية على السؤال المحوري ينبغي الإضاءة على أبعاد “الانتشار العسكري الأميركي في سوريا” وتدرج تصعيده في أعقاب تكليف الرئيس ترامب للبنتاغون بلورة استراتيجية جديدة “تستند على نشر قوات أميركية برّية إضافية ومحدودة للمشاركة الفعلية في المعركة؛” والمرور على “بعض” التسليح لدى القوات الخاصة الأميركية. أفادت يومية واشنطن بوست، 9 آذار الماضي، بأن واشنطن نشرت “وحدة مدفعية من سلاح المارينز، الوحدة 11، مزودة ببطاريات مدفعية هاوتزر لإطلاق قذائف عيار 155 ملم، ووحدة للتدخل السريع ومجموعة مظليين،” تجاوز تعدادها الإجمالي 1000 عسكري، مع العلم أن الحجم الرسمي المصرح به لا يزيد عن 500 عنصر.

هذا بالإضافة إلى انشاء قاعدة جوية أميركية في منطقة الرميلان بمحافظة الحسكة، أقصى شمال شرق البلاد، وتسليح عناصرها بأسلحة نوعية “لا يمكن لواشنطن تقديمها للقوات الحليفة،” وخاصة مضادات الطائرات وأجهزة التشويش.

تتالت التقارير الميدانية والصحافية منذ ذاك التاريخ لترصد حجم الدمار الذي لحق بمدينة الرقة، لا سيما بعد تغيير الإدارة الأميركية “قواعد الإشتباك” بمنح قياداتها الميدانية “مرونة واستقلالية أكبر” في عملياتها مما أدى “الى إرتفاع كبير في أعداد الضحايا من المدنيين نتيجة قصف قوات التحالف.”

استعادة الرقة “من غير المرجح أن يشكل نهاية للتدخل الأميركي في سوريا،” كما جاء على لسان عدد لا بأس به من العسكريين والمسؤولين السابقين، أحدثها كان في طيات تقرير لنشرة فورين بوليسي، في نسختها الالكترونية، 18 أكتوبر الجاري، نظراً لخشية واشنطن من تمدد قوات الجيش العربي السوري وحلفائه قبل أن “تصبح المنطقة الجغرافية بين مدينة الرقة والحدود العراقية منطقة محرمة.”

في الوقت عينه أعلنت “قوات سوريا الديموقراطية” عن عزمها ضم مدينة الرقة الى منطقة حكمها الذاتي، المعلن من جانب واحد، تجسيداً للوعود الآميركية بأن مستقبل سوريا ينبغي أن يكون بصيغة حلٍ “فيدرالي لا يستند الى نظام حكم مركزي.” بعبارة أخرى، واشنطن لا زالت تعلق آمالاً على تقسيم سوريا الى كيانات متعددة.

مستشار الأمن القومي الأسبق لنائب الرئيس ديك تشيني، جون هانا، كان بالغ الوضوح في رؤية ونوايا المؤسسة الحاكمة لما بعد الرقة قائلاً أن “تواجد قوات محلية مدعومة أميركيا تسيطر على أجزاء واسعة من سوريا يشكل ثقلاً ديبلوماسياً محتملاً لواشنطن في تشكيل مستقبل سوريا ما بعد انتهاء الحرب ضد تنظيم داعش،” 18 أكتوبر لقناة فرانس24.

نظرة ميدانية سريعة على طبيعة الجغرافيا تؤكد صحة النتائج التي انتهى إليها (هانا) وآخرين أيضا. إذ شجعت واشنطن “قوات سوريا الديموقراطية – قسد” في الآونة الأخيرة تصدر القتال “شرقاً” في مناطق بعيدة عن تواجدها وهي “غير قادرة على تنفيذ المهام المطلوبة منها بمفردها،” خاصة بعد رصد الأقمار الإصطناعية الروسية “تسليم داعش مواقعه في مدينة الرقة لـ (قسد) دون قتال،” وتيقن التقنية الروسية من تدمير المدينة بالكامل من قبل الطيران الأميركي.

المتحدث باسم قوات التحالف لمحاربة داعش، رايان ديلون، أكد في مؤتمر صحفي عقده من بغداد، 17 أكتوبر، أن “الإئتلاف الدولي يجري محادثات مع قوات سوريا الديموقراطية لمواصلة الحملة (ضد داعش) على طول نهر الفرات ..،” أي مباشرة الى دير الزور وما سينطوي عليها من “احتكاك” وربما اشتباك مباشر مع قوات الجيش العربي السوري وحلفائه.

اتساع رقعة القتال الى وادي نهر الفرات أضحت حقيقة ومطلباً أميركيا، ليس لقطع طريق التواصل الجغرافي بين دمشق وطهران وتأكيد وزير الدفاع جيمس ماتيس أن القيادة الأميركية “تواكب تحركات ايران .. ” فحسب بل لاحتواء باطن الأرض على مخزون  “أهم حقول النفط” في سوريا.

بعد توجيه ضربات قاسية مميتة لتنظيم داعش برزت تكهنات حول مصير التحالف الدولي، المكون من 73 دولة وهيئة، والذي يعتقد أنه سيتعرض لبعض التصدع جراء الانسحابات المتتالية، وربما انفراط عقده وما سيخلفه هو صيغة تحالفات جديدة تعكس حقيقة موازين القوى على الأرض.

واشنطن وحلفاؤها في لندن وباريس تحديداً تعرب عن خشية تعرض بلدانها لحملة “متجددة” من الاعمال الارهابية، لا سيما وأن عدد لا بأس به من “المتطوعين في صفوف داعش” وجد طريق عودته لتلك البلاد وعلى أهبة الاستعداد لشن هجمات نوعية بعد الخبرة الميدانية المكتسبة.

على الطرف المقابل، ناحية سوريا وحلفائها، تتجدد أيضا المطالبة بسحب القوات الأميركية من سوريا دون قيد أو شرط، لعدم تنسيق تواجدها مع الحكومة السورية بشكل قانوني أو أي غطاء قانوني دولي لها، ولسوريا بالطبع كل الحق بتثبيت سيادتها على أراضيها.

تجدر الاشارة أيضاً الى أن استراتيجية ترامب “الجديدة” تستند الى تسخير القوات الخاصة للقيام بالأعمال القتالية، مع إدراك البيت الأبيض والبنتاغون الحدود القصوى لعدد القوات التي يمكن الاعتماد عليها، مما يرجح كفة التراجع الاضطراري عن إبقاء قوات أميركية لفترة طويلة والتي ستواجه مقاومة معتبرة. كما أن الطرفين يدركان طول المدة الزمنية التي يستغرقها إعداد عنصر القوات الخاصة، التي تقرب من السنتين، وصعوبة استبدال النقص بسرعة كما يرغب صاحب القرار السياسي.

واشنطن في عصر ترامب مسكونة بالتصدي لإيران وفرض إعادة التفاوض بشأن برنامجها النووي، على الرغم من عدم تأييد حلفاء واشنطن من الموقعين على الاتفاق. بيد أن التصعيد باتجاه إيران له أبعاد داخلية بالدرجة الأولى لا سيما وأن الخطاب الإنتخابي للمرشح ترامب استند الى حشد التأييد ضد الاتفاق النووي ووعده “بتمزيقه.”

الترتيبات الميدانية الأميركية مع الجانب الروسي في سوريا فيما اتفق على تسميته “بمناطق خفض التصعيد” سيتم صرفها سياسياً حين انعقاد مؤتمر جنيف الدولي، أو ربما خلال جولة أخرى في آستانا. أي أن لها سقف زمني محدد قد لا يستمر أكثر من بضعة أشهر.

أميركا تسخر “ورقة إعادة إعمار سوريا” لمصلحة استدامة بقائها هناك، لكن هزيمة المسلحين والمتطرفين، وان لم تكن نهائية حتى اللحظة، حرمتها من المراهنة على جسم عسكري متماسك باستثناء القيام بأعمال تخريبية؛ وتلوح بربط موافقتها لإعادة الإعمار على “تعاون” الحكومة السورية وابتزازها.

في هذا السياق يرى البعض حقيقة مغزى قيام المبعوث الرئاسي الأميركي لمحاربة داعش، بريت ماكغورك، بزيارة بلدة عين عيسى بالقرب من مدينة الرقة، 16 اكتوبر، بصحبة السفير السعودي السابق لدى بغداد ثامر السبهان، والذي أعادته الرياض بعد سلسلة شكاوى تلقتها نظراً لتدخلاته في الشأن الداخلي العراقي. وعقد الثنائي المذكور سلسلة لقاءات مع أعضاء المجلس المحلي لمدينة الرقة، أتبعها بلقاء مع “لجنة إعادة الإعمار.”

مع تجريد واشنطن من فعالية “ورقتها السياسية بتشغيل المتطرفين،” تتراجع أهمية مراهنتها على التأثير بمستقبل سوريا، خاصة عند الأخذ بعين الإعتبار أن الطرف المنتصر هو الذي يفرض الوقائع السياسية، لا العكس.

التقرير الأسبوعي 10-13-2017

مشاحنات ترامب تعيد النظر
بأهليته لتبوأ الرئاسة

صراع داخل القصر

لا يبدو ان زوبعة ترامب المفتعلة حول عدم مصادقته على الإتفاق الدولي النووي مع ايران ستغطي “إدمانه” على الإثارة حيث اضحت من ثوابت توجهاته وسلوكياته، سواء في البعد الداخلي او الخارجي، بهدف صرف الأنظار عن المواجهات والقضايا الحقيقية، وكذلك لتركيبته النفسية التي تجنح للتبسيط المفرط للقضايا الخلافية وشخصنتها.

الأزمة المتجددة اتخذت منحىً خطيراً في الأيام القليلة الماضية على خلفية “ملاسنة” بينه وبين أبرز زعيم في حزبه الجمهوري، السيناتور بوب كوركر، عززت شكوك وتكهنات المراقبين لحقيقة ما يجري “خلف الكواليس” من مناوشات بين البيت الابيض ومجلسي الكونغرس، لا سيما مع اقطاب الحزب الجمهوري عينه، وكذلك بين البيت الابيض ووزارة الخارجية.

شكك السيناتور بكفاءة وأهلية القائد الأعلى للقوات المسلحة لممارسة مهامه “بعد أن طفح الكيل” من الفوضى ومزاجية تصرفات الرئيس ترامب؛ مستخدماً مصطلحات قاسية اعتبرت “غير مسبوقة” في العرف السياسي الأميركي، معرباً عن قلقه من “تحول البيت الأبيض لمركز حضانة للبالغين.”

أهمية السيناتور بوب كوركر لا تتمثل في موقعه السياسي البارز كرئيس للجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ فحسب، بل كان من أبرز المرشحين لدى الرئيس المنتخب ترامب لتعيينه إما لمنصب نائب الرئيس أو لوزارة الخارجية.

كوركر صرّح حديثاً بأن تصرفات الرئيس خلال الأزمات العالمية المستجدة “يشكل خطراً واضحاً وفورياً على السلام العالمي .. (إنه) يوجه تهديدات طائشة لدول أخرى يمكن أن تضع بلادنا على سكة حرب عالمية ثالثة.” (مقابلة أجرتها معه يومية نيويورك تايمز، 8 أكتوبر الجاري). وأضاف أن الرئيس ترامب يتعامل مع مهام منصبه بخفة وعدم مسؤولية “وكأنه يدير برنامج تلفزيوني ..”

كوركر، بعد أن تحرر من تبعات واستحقاقات الجولة الانتخابية المقبلة بإعلانه عزوفه عن الترشح مجدداً لعضوية مجلس الشيوخ في نهاية الدورة الحالية، أكّد في تصريح لاحق أن “عددًا كبيراً من أعضاء مجلس الشيوخ من الحزب الجمهوري يشاطرونه ذات الاعتقاد، لكنهم ليسوا أحراراً في التعبير الصريح عن ارائهم.”

“الملاسنة” المتبادلة لم تقف عند هذا الحد، بل ذكّر السيناتور مشاهدي التلفزيون، 8 اكتوبر، باتهامات المستشار الاستراتيجي السابق للرئيس، ستيف بانون، حين قال الأخير أن “المؤسسة الرسمية في الحزب الجمهوري ترمي الى إبطال نتائج انتخابات عام 2016” الرئاسية.

توقيت “الانفجار” لم يخدم ساكن البيت الأبيض سيما وأنه كان على عتبة إعلانه قراره النهائي في مصير الإتفاق النووي، 13 أكتوبر قبل يومين من موعد المصادقة الدورية، وإنضمام عدد لا بأس به من قادة الحزب الجمهوري لجهود مناشدة الرئيس بعدم الانسحاب من الاتفاق الدولي؛ فضلاً عن التوترات المتصاعدة مع كوريا الشمالية.

احد المنابر الإعلامية المؤيدة للرئيس ترامب بشكل خاص، يومية واشنطن تايمز، 12 أكتوبر الجاري، لم يسعها الا الإقرار بأن “البيت الأبيض في عهد الرئيس ترامب أضحى نموذجا في الفوضى في الشهور الستة (6) الأولى” من الولاية الرئاسية.

في المحصلة، وجد ترامب نفسه “محاصراً” بل مقيداً من قبل الفريق الثلاثي النافذ، وزير الدفاع ومستشار الأمن القومي ورئيس مكتب موظفيه، لضبط ايقاعات تصريحاته بما يليق “بهيبة أميركا.” وانبرى الجنرال المتقاعد جون كيلي، مدير مكتب موظفي البيت الأبيض، لوضع بعض اللمسات “الحضارية” على السلوكيات المثيرة للقلق عشية الإعلان عن موقف واشنطن من الاتفاق النووي. وكذلك فعل مستشار الرئيس للأمن القومي هيربرت ماكماستر.

خسارة الرئيس ترامب لتأييد “شخصيات محورية” من حزبه الجمهوري أسفرت عن ارتدادات عالمية لحالة “التخبط والارتباك” في قمة القرار السياسي الأميركي، وحفزت وزير الخارجية الالماني، زيغمار غابرييل، على تحذير الرئيس ترامب من تداعيات قراره بالانسحاب من الاتفاق النووي كونه “سيدق إسفيناً بين اوروبا والولايات المتحدة .. علينا القول للأميركيين أن سلوكهم بما يخص إيران سيدفعنا نحن الأوروبيين (نحو) الصين وروسيا وتبني موقفاً موحداً ضد الولايات المتحدة.”

تجدر الإشارة الى مراعاة البعد الإقتصادي في الموقف الألماني إذ شهد التبادل التجاري بين ألمانيا وإيران ارتفاعاً في الأشهر الستة من العام الجاري بلغ 23% ليصل إلى 1.8 مليار يورو، وفق بيانات غرفة التجارة والصناعة الألمانية.

تخبط وعدم إتزان

الرئيس ترامب “بدأ ينكشف كشخصية غير مستقرة فاقدة الاتزان،” ويعتبر نفسه “العليم الأوحد” بكافة القضايا المطروحة، هي توصيفات بعض أقرب المقربين للرئيس في حديث نشرته شهرية فانيتي فير، بتاريخ 11 أكتوبر الجاري.

سلطت المجلة الشهرية الاضواء على الحال المزري الذي يعاني منه البيت الأبيض من “أزمة في اتخاذ القرار .. برزت على السطح” بعد الملاسنة المتبادلة مع السيناتور بوب كوركر، استندت فيها الى شهادات عدد من موظفين “رفيعي المستوى” هناك ومن مؤيدي الرئيس أيضاً.

وأيدت المجلة في استقصائها معتقدات سابقة حول تواضع كفاءة الرئيس ترامب بالقول “يسود اعتراف متزايد بأن (الرئيس) ترامب لا يفهم متطلبات المنصب وهو عاجز عن مواكبة ذلك.”

الأمر الذي أعاد للأذهان تصريحات المرشح ترامب، تموز 2016، ليومية واشنطن بوست، بأنه يتوصل لاتخاذ قراراته “بمعرفة قليلة جدا خارج النطاق المعرفي المتوفر، إضافة لترجيح الحس العام، وأتمتع بقدر كبير من الذوق السليم.”

من بين الاجراءات التي “اضطر” الرئيس ترامب على تطبيقها بعد نصائح مستشاريه، لا سيما الثلاثي العسكري المذكور، الإقلاع عن إجراء مقابلات متلفزة “شائكة” تعود لتحاصره سريعاً على خلفية عدم انضباطه وسرعته في إطلاق الأحكام، بالإشارة الى “إلغائه” مقابلة مع شبكة سي بي أس لبرنامجا الأسبوعي الشهير 60 دقيقة.

في حفل استقبال الرئيس ترامب لرئيس الوزراء الكندي، جاستن ترودو في البيت الأبيض، 11 أكتوبر الجاري، لوحظ مدى عدم إتزانه بل وارتباك إجاباته في معرض رده على تساؤل الصحافيين علن مائدة غداء جمعته في اليوم السابق مع وزير الخارجية تيلرسون. أجاب ترامب “ممتاز. أنت تقصد في الاسبوع الماضي .. لأنني لم ألتق به اليوم على مأدبة غداء.”؟ يشار الى أن اللقاء كان مدرجاً على الجدول اليومي الرسمي للبيت الأبيض.

مستقبل ترامب

حدة الخلافات مع شخص الرئيس ترامب أنعشت مطالب الراغبين بإقصائه عبر تطبيق ضوابط وأليات دستورية، والمناداة باستحضار مادة التعديل الخامسة والعشرين (25) من الدستور، التي تنص على التئام وزراء الإدارة لعقد إجتماع ينجم عنه قرار بالاغلبية يقدم كتوصية للكونغرس تطالب بإزاحته. على الرغم من توفر تلك “الآلية،” شكلياً على الأقل، إلا انها تستدعي الحصول على انضمام “وموافقة نائب الرئيس” لرفع التوصية، والذي لا يزال على رأس مهامه بتوجيهات رئيسه.

المشاحنات داخل الحزب الجمهوري ليست أسوأ الظواهر التي يواجهها. بل توعّد المستشار الاستراتيجي السابق للرئيس، ستيف بانون، بمواجهة وتحدي “كل عضو مجلس شيوخ عن الحزب الجمهوري،” أخفق في تأييد الرئيس، في جولة الانتخابات النصفية المقبلة، 2018، وتحريض القواعد الانتخابية على اسقاطه.

بانون المعروف بصراحته وفظاظته أوضح لشبكة فوكس نيوز أنه قد أعلنها حرباً “ضد المؤسسة الرسمية” للحزب والمكونة من “زمرة تدين بالولاء للعولمة.”

رئيس مجلس النواب الأسبق، نيوت غينغريتش، لا زال يصطف الى جانب الرئيس ترامب، خاصة وأن زوجته عُينت سفيرة لدى الفاتيكان، انتقد توجهات بانون وأعوانه بالقول “إشعال حرب أهلية داخل الحزب الجمهوري قد ينعش الحالة النفسية للمرء، لكن تبنيها كإستراتيجية أمر ينم عن غباءٍ مذهل.”

حالية الغليان التي تعصف بمراكز القرار السياسي الأميركي تتجه على الأرجح نحو مزيد من التأزم، وربما نشهد تجسيداً لوعود ترامب بأن “العاصفة” آتية لا محالة: لغته الرمزية لترحيل مسؤولية الاخفاقات السياسية وعدم وقوف اعضاء الكونغرس بقوة الى جانب الرئيس.

يرمي ترامب، من بين ما يرمي إليه، تحميل الكونغرس مسؤولية التصعيد مع إيران، كرد فعل وإرباك لحزبه الجمهوري على اخفاقاته في تأييد أجندة البيت الأبيض؛ وعند ميل الكونغرس لإتخاذ مسار آخر أقرب للديبلوماسية منه للمواجهة العسكرية يصبح ترامب في حِلٍ من المسؤولية ولن يتوانى عن التشهير بالاعضاء المناوئين في الحملات الانتخابية المقبلة.

الحالة النفسية المضطربة لترامب خرجت من حيز التكهن عند فريق مؤيديه وأوثق مساعديه، ودفعت بعضهم للتحدث علنا لوسائل الأعلام شريطة “التحفظ عن تحديد الهوية،” نتيجة قلق متنامي للانقسامات داخل الحزب الجمهوري والتي لن يتم احتوائها في المدى المنظور.

من المستبعد لدى تلك الدائرة الضيقة نجاح مساعي المناوئين “بتعطيل” صلاحيات الرئيس كقائد أعلى للقوات المسلحة، كما يتردد في الأوساط السياسية، مما يعزز من مخاوفهم بأنه لا يزال يملك الصلاحية القانونية لشن حرب قد تكون نووية هذه المرة.

التقرير الأسبوعي 10-07-2017

المقدمة

تمضي أميركا في لملمة جراحها من “مجزرة لاس فيغاس” التي تحفر عميقاً في الوجدان الشعبي واتساع رقعة الألم وهول الصدمة مما حدث، مع تقدم مساعي المؤسسة الحاكمة لاستخلاص الدروس.

سيستعرض قسم التحليل المذبحة الجماعية وانضمامها لقائمة طويلة من “حوادث العنف” بوتيرة متسارعة، والقاء نظرة على الخلفيات والمسببات التي لم تتضح كافة جوانبها بعد، وإحجام المؤسسات الأمنية عن وصف ما جرى “بحادث ارهابي” مرعب، عن سبق إصرار وتصميم ليس من قبل الأجهزة الرسمية فحسب، بل والمؤسسات الإعلامية الضخمة.

ملخص دراسات واصدارات مراكز الابحاث

أولويات مضطربة

أشار مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية الى ثغرات سياسات الإدارة الأميركية في الشرق الأوسط، إذ “لديها عدد من السياسات المتبعة لكن ينقصها لُحمة استراتيجية ملموسة،” والتي يتشاطر في رؤيتها أطراف متعددة في المنطقة ويثير قلقها في الوقت عينه. الحلفاء الأقرب لواشنطن، من الدول العربية، سُعدوا بمجيء ترامب “وتنفسوا الصعداء .. بعد الوثوق من توجهه لتعزيز الوضع القائم والعزوف عن الانخراط في القضايا الداخلية للمنطقة.” الأقلية من الآنظمة الأخرى تنظر لترامب بعين الشك والنفور ويعتبرون سياسته “محفوفة بالمخاطر والاضرار.. بترجيحه النزاعات العسكرية والصراعات.” وحث المعهد الادارة الأميركية على “إعادة ترتيب أولوياتها في الشرق الأوسط” والخروج من دائرة التخبط وعدم الحسم.

https://www.csis.org/analysis/power-and-strategy

مصير الإتفاق النووي

اعتبرت مؤسسة هاريتاج تجدد الجدل حول “مواصلة أم عدم المواصلة بالالتزام،” للاتفاق النووي، بأنه جزء في سياق “مراكمة الرئيس ترامب ما يستطيع من مبررات لتفجير” الاوضاع؛ الذي أضحى مصيره “قنبلة موقوتة .. قد تنفجر في أي لحظة.” ورجحت المؤسسة أن يميل قرار ترامب المرتقب الى “عدم الاستمرار بالموقف الراهن.”

http://www.heritage.org/middle-east/commentary/trump-stockpiles-reasons-blow-iran-nuke-pact

كما طالبت مؤسسة هاريتاج، في مقال موازي، الادارة الأميركية “بعدم المصادقة على الاتفاق النووي” في موعده المحدد خاصة في ظل “المؤشرات التي أطلقها الرئيس ترامب معرباً عن عدم جهوزيته لتذييل توقيعه (على الاتفاق) مرة أخرى.” وأضافت المؤسسة أنه “شبه مستحيل إقدام ترامب على (المصادقة) مرة أخرى .. (خاصة وأن) إيران تعلن عن رفضها السماح بتفتيش قواعدها العسكرية.” وخلصت بالقول انه “يتعين على إدارة ترامب عدم المصادقة على الإتفاق وتبني استراتيجية ترمي إما إلى ترميمه أو الغائه.”

http://www.heritage.org/defense/report/time-decertify-the-iran-nuclear-agreement

حذر معهد المشروع الأميركي الادارة الأميركية من “حالة الشلل المعلنة لبلورة سياسة أمن قومي” مجدية على خلفية تضارب التصريحات من داخل أُطر الادارة عينها حول مصير الاتفاق النووي. وأعرب عن معارضته لتوجهات وزير الخارجية ريكس تيلرسون للمصادقة على الاتفاق عند موعده المحدد، 15 الشهر الجاري، عقب تصريحات نسبت له بأنه ينوي ادخال تعديلات على “الأداة الشرطية المتضمنة في قرار الكونغرس،” لتجديد الرئيس المصادقة عليه كل 90 يوماً “وتخفيف وتيرة الضغوط المتضمنة على الرئيس وتفاديا معارك دورية مع الكونغرس.” اتهم المعهد الوزير تيلرسون “بالتغاضي عن جوهر المسألة.”

http://www.aei.org/publication/should-trump-re-certify-iran-deal/

سوريا

حذر معهد الدراسات الحربية دوائر صنع القرار من مواصلة السير بضوابط السياسات الراهنة في الشرق الأوسط التي “تخاطر بالمصالح الاستراتيجية الحيوية (لأميركا)  إلا في حال أقدمت على تعديل سياساتها في سوريا والعراق .. ومواجهة القيود التي تفرضها روسيا على حرية العمل الأميركية والخيارات” المأمولة. وأضاف في دراسة مطوّلة حول سوريا أن “إدارة ترامب اتخذت خطوات أولية لتعزيز الهيبة الأميركية في المنطقة بطمأنتها حلفائنا التقليديين وإبراز قدرتها على التعامل بصرامة مع الأعداء والخصوم.” واستدرك المعهد بالقول أن “وتيرة تحرك الإدارة تسير ببطء أكثر من نظيرتها لدى أعداء أميركا وخصومها والساعين لإفساد منجزاتها ..” وحدد الأطراف المقصودة بـ “روسيا، إيران ووكلائها، تركيا، داعش، القاعدة، وبعض العناصر الكردية .. الذين يستغلون الأوضاع الراهنة لتحقيق مكاسب استراتيجية بينما تروّج الولايات المتحدة لإحراز مكاسب في المدى المنظور ونجاحات تكتيكية الطابع.”

http://www.understandingwar.org/article/intelligence-estimate-and-forecast-syrian-theater

لبنان

أرجع معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى إصدار محكمة عسكرية لبنانية قراراً بإعدام “زعيم جهادي سني لبناني يدعى أحمد الأسير” الى “تفوّق حزب الله في لبنان .. (متسلحاً) بشبح إيران.” وأوضح أن الجيش اللبناني نفذ عملية ضد الأسير وأنصاره، عام 2013 “وعجز عن الحاق الهزيمة بالأسير (واضطر) لطلب مساعدة حزب الله .. الذي شرع منذ ذلك التاريخ بتنسيق وثيق مع مؤسسات الدولة، بما فيها الجيش، لمحاربة المسلحين السنة.” وزعم المعهد أن التعاونالوطيدوالتفاهمالظاهربينبيروتو «حزبالله» يتناقضبشكلصارخمعمعاملةالدولةللإرهابيينالسنّة .. الدولة لا تقاصص “حزب الله” وحلفاءه على أعمالهم الإرهابية.” واستدرك بالقول ان “أننفوذطهرانالمتناميمحلياً .. أدّىإلىانفراجعمليبينالميليشياالشيعيةوالسنّةتركّزتبشكلأساسيعلىالأمن؛ (إذ إن) استقرار لبنان يهم واشنطن الى حد كبير.” وطالب المعهد واشنطن “ردع إيران والحد من نفوذها المتنامي .. فمحاربة المسلحين السنة من دون التصدي لما قد يشكل تطرفهم الرئيسي ليست استراتيجية رابحة.”

http://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/irans-shadow-over-lebanon

كردستان العراق

حذر معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى من التداعيات الإقليمية للاستفتاء إذ  “تعملتركياوإيرانسوياًمعالمسؤولينالعراقيينعلىتنسيقالإجراءاتالعقابية (التي) قدتلحقالضرربالمصالحالأمريكيةوتزيدمننفوذإيران.” وطالب الولايات المتحدة “التحرك سريعاً” للتصدي والتعامل مع “الحسابات التركية والعراقية” في هذا الشأن. وأضاف محذراً من تداعيات الحصار الإقتصادي على “حكومة إقليم كردستان .. وتعرض الحملة ضد تنظيم (داعش) الى تقليص أكبر جيوب الجماعة وأخطرها في شمال العراق؛ وما سيترتب عليها من حالة عدم استقرار ونشوب قتال بين الفصائل” الكردية. وشدد على ضرورة تحرك واشنطن بوساطة مع أنقرة .. إذ ليس من مصلحة أـميركا السماح لروسيا وايران بالهيمنة على وجهات النظر التركية؛ وارسال البيت الأبيض مبعوث مدني ليس لديه خلفية سلبية مع الأتراك أو الأكراد أو بغداد لحل الأزمة.”

http://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/the-urgent-u.s.-role-in-post-referendum-kurdistan

 

التحليل

أميركا لا تصنف القتل الجماعي “إرهابا” 

عن عمد

لم يشأ الرئيس ترامب التوسع بوصف المجزرة البشرية في لاس فيغاس مكتفياً بوصفهاشريرةوقتل أعمى.” الأجهزة الأمنية المحلية، من جانبها، سارعت بالإعلان ان الفاعل قام بها بمفرده. اما المؤسسات الإعلامية المختلفة، المقروءة والمرئية، فقد اقتدت بضوابط المعلن عنه من قبل المؤسسات الأمنية.

إشكالية تصنيف “المجزرة” عادت الى صدارة التداول الإعلامي، ظاهرها الميل “لتشديد قوانين حمل السلاح،” بالتلطي خلف صون مادة التعديل الدستوري الثانية التي تجيز اقتنائه؛ وجذرها الأصول والنزعات العنفية المنتشرة في المجتمع، عنوانها عقلية “الكاوبوي” التي تأبى قبول الآخر وتنزع لإستخدام السلاح كخيار أول.

“إشكالية” عززها رد فعل قمة الهرم السياسي بعد ظهوره الإعلامي وتناقض الرئيس ترامب في مفاضلة التعامل مع بعض “الفاعلين” لبشرتهم البيضاء؛ إذ لوحظ “هدوءه النسبي” وعدم تعرضه للفاعل بأوصاف سلبية ومهينة لم يتورع عن استخدامها ضد لاعبين كرة قدم من الأفارقة الأميركيين وتوجيه شتيمة “أولاد آوى،” لممارسة حقهم بالاحتجاج الفردي والجمعي “المكفول دستورياً.”

ملفت للنظر أيضاً كان “حرص” الجميع على عدم إطلاق وصف ما جرى بـ “الارهاب” وما سيترتب عليه من تعامل وإجراءات محددة، تعيد إلى الصدارة مطالبة الكثيرين بضرورة استصدار تشريعات “تقنن حمل السلاح” وفرض قيود مشددة عليه، والتي يعارضها الحزب الجمهوري بشدة، وكذلك بعض ممثلي الحزب الديموقراطي في الكونغرس.

تفادي توصيف القتل الجماعي “بالارهاب” لم يقتصر على ترهات الرئيس ترامب، بل انضم اليه مستشار كبير سابق للرئيس جورج بوش الإبن، برادلي بليكمان، بالزعم أن القتل الجماعي “ليس ظاهرة أميركية متأصلة بل حادث منعزل .. يحدث في كافة أنحاء العالم.”

من نافل القول أن “القتل بدافع الإرهاب أو العنف المسلح” مدان بشدة، بينما تطلق واشنطن جزافاً تهم “الارهاب” على كل طرف أو مجموعة لا تحتكم لأجندتها الكونية وتحجم في الوقت نفسه عن استصدار قانون محدد “لتعرفة الإرهاب” والحد من انتشار ظاهرة القتل الجماعي؛ بصرف النظر عن أي دوافع أو مبررات قد يتحصن خلفها السياسيون من كافة أطياف الانتماءات والاصطفافات.

كما لا يجوز إغفال “القتل الجماعي” الذي تنفذه “طائرات بدون طيار،” معظمها أميركية الهوية وبعضها “اسرائيلية،” في مناطق متعددة من العالم، لا سيما في سوريا والعراق واليمن وليبيا وفلسطين المحتلة، ودول إفريقية “مجهولة” بالنسبة للمواطن الأميركي العادي؛ ناهيك عن السجون السرية التي تشرف عليها وتديرها عبر العالم قضى فيها عدد كبير من النزلاء الأبرياء.

استثنائية حتى في العنف

القول بأن الولايات المتحدة لديها نزعة “استثنائية” ليس تهكماً بل توصيف دقيق للتراكمات التربوية والنفسية التي ينشأ عليها الفرد الأميركي، تعزز النزعات العنصرية لديه والتمايز عن باقي البشر والحضارات الإنسانية.

تنفرد الولايات المتحدة بمرتبة “استثنائية” حقيقية فيما يتعلق الأمر باقتناء السلاح “تحت حماية نص دستوري،” من خارج سياقه الظرفي والموضوعي، واستغلال نص مبهم للتسلح بأسلحة آلية / اوتوماتيكية لم تكن معروفة في ذلك الزمان “البعيد؛” فضلاً عن أن مسرح الجريمة، ولاية نيفادا، تسمح لأي مواطن شراء بنادق رشاشة دون قيود.

العنف المسلح في أميركا، وفق توصيف خبراء في علم الاجتماع، يشكل “وباءاً أميركياً فريدا؛” بنت عليه اسبوعية نيوزويك، 29 آب 2017، لتحديد تعريف علمي الطابع للقتل الجماعي بأنه “.. حادث ينجم عنه استهداف أو قتل أربعة أفراد أو أكثر،” بلغت ذروة ضحاياه للعام الجاري “ما ينوف عن 10,000 قتيل.”

احصائيات الجرائم المتعددة ووتيرة تزايدها بشكل مرعب دفع شبكة فوكس للتلفزة للإقرار بأن “الولايات المتحدة تحتل المرتبة الأولى في العالم على صعيد أعمال العنف والقتل بالأسلحة الشخصية،” والتي يبلغ معدل ضحاياه أزيد من 30,000 سنوياً؛ وقفزت اعداد القتلى لمعدل 11,572  منذ مطلع العام الجاري، اما الجرحى فقفزت أعدادهم لما ينوف عن 23,000 إصابة. بيد أن الشبكة اليمينية ومثيلاتها “الليبرالية” ابتعدت عن التطرق لحقيقة دوافع اقتناء ومراكمة الأسلحة الفردية في المجتمع.

في البعد التجاري الصرف، رافق كل مجزرة انتعاش في سوق بيع السلاح “وارتفاع عائدات أسهم صناعة الأسلحة الفردية؛” وصعود مخيف لظواهر عنصرية وأجواء تحريضية؛ يقابلها احجام السلطات السياسية، الرئاسية والتشريعية، عن التصدي الفاعل للحد من انتشار السلاح.

الخوض في دوافع العنف الأميركي بشكل خاص تطرق اليه عدد من الفلاسفة والعلماء الاجتماعيين الاميركيين على مدى العصور، مرجحين انتعاش الظاهرة للتوسع الهائل لبيروقراطية الدولة.

من أبرز اولئك اسهامات الأخصائية بعلم الفلسفة، حنة آرندت، ومعالجتها المستمرة لظاهرة “الاستبداد والشمولية” في النظام السياسي الأميركي، معربة عن اعتقادها بأن “المجتمع (الاميركي) الحديث سيشهد طفرة في ارتفاع الاحتجاجات المدنية والاضطرابات الاجتماعية؛” ظاهرة نشهد وتيرتها المتصاعدة منذ انتخاب الرئيس ترامب بشكل ملحوظ.

وفسرت آرندت لجوء المواطنين للاحتجاج بأنه نتيجة “شعور بالاقصاء والحرمان من المشاركة في النظام” السياسي والاقتصادي؛ نظراً لاتساع رقعة أجهزة بيروقراطية الدولة التي “تشكل عاملاً ضاراً وحاجباً للمشاركة يؤدي الى بروز استبداد ليس له هوية محددة .. أي غياب المساءلة على العموم.”

على أرض الواقع نجد تجسد تفسيرات آرندت في سلسلة احتجاجات شهدتها أميركا في السنوات الأخيرة: احتجاجات فيرغسون (بولاية ميزوري)؛ انتشار التظاهرات ضد جهوزية أجهزة الشرطة والأمن المختلفة لقتل الاميركيين من أصول إفريقية – أرواح السود ليست رخيصة؛ والصدام مع الأجهزة الأمنية من قبل المزارع بندي، الخ.

العامل المشترك بين تلك الظواهر، بصرف النظر عن تباين اهدافها وتناقضاتها والقوى المنخرطة فيها، هو ارتقاء حالة الغضب من أجهزة الدولة المختلفة الى حيز العلن وتطبيقها القانون العام اختيارياً، وانعكاسات سلوكيات هيئاتها الأمنية والحاقها الضرر بحياة المواطنين اليومية.

ومن بين من رصد ظاهرة ودوافع العنف أستاذ تاريخ جامعي، كريستوفر لاش،  استعان به الرئيس الاسبق جيمي كارتر في تموز 1979 بعد نشره كتابه الموسوعي ثقافة النرجسية حول ترابط الثقافة والقيم المجتمعية بالسلوكيات العنفية، وتفسيره “للمناخات المشبعة بمفردات ليست صحيحة أو خاطئة بل مجرد بعض الصدقية في مضمونها” واسقاط الفرد النرجسي رؤيته ومفاهيمه على محيطه وعلى العالم.

وأوضح أن “.. كارثة خليج الخنازير (في كوبا) دفعت بالرئيس (جون) كنيدي التصرف بصلافة علانية للتغلب على وصمه بالضعف” أمام الزعيم السوفياتي نيكيتا خروتشيف.

كما أن “نرجسية الناخب” الأميركي، وفق لاش، تنسحب على نرجسية موازية لنزعة السياسيين “وأوهام السلطة التي تدفعه للوقوف الى جانب الفريق الرابح .. الذي بدوره يثير مكنون الغضب لديه أمام فشل ترجمة التوقعات بحقائق ملموسة.”

ارهاب ليس بالارهاب

لجأت معظم المؤسسات الإعلامية الرئيسة للتساؤل حول دوافع المؤسسة الأمنية، بكافة تشعباتها الوطنية والمحلية، الابتعاد عن وصف المجزرة بعمل إرهابي، وإخفاق الإعلام في نفس الوقت بمواكبة الجدل وتوصيف الظاهرة كما هي.

يشار في هذا الصدد الى التصريح الفوري لرئيس أجهزة الشرطة في مدينة لاس فيغاس، جوزيف لومباردو، لتوصيف ما جرى بأن وصمه بالارهاب “لا يوجد ما يبرره اللحظة. نعتقد أن الفاعل محلي قام به بمفرده ..؛” قبل إجراء التحريات المطلوبة او التوصل لنتائجها.

الصحف الأميركية المتعددة أيضاً أحجمت عن توصيف المجزرة سوى بأنها “عمل فردي،” (يومية يو أس إيه توداي، 2 اكتوبر الجاري). الإقلاع عن توصيف الحادثة “بإرهاب داخلي” يستدعي، بالمقابل، عدم تقديم المتهم، أو المتهمين، للعدالة لانتفاء الأرضية القانونية.

ولاية نيفادا، مسرح الجريمة، تخلو قوانينها السارية من “ضرورة توفر دافع (سياسي أو آخر) لوصف عمل بالارهاب،” حسبما أوضح اخصائيو القانون.

علاوة على ذلك، نجد ان تحديد مفهوم “عمل إرهابي” لا يرسو على صيغة محددة وملزمة. كشف الأخصائيون بالشأن القانوني ان هناك تعريفات متعددة لدى الأجهزة المختلفة: تعريف خاص لوزارة الأمن الداخلي؛ تعريف محدد بعمل مكتب التحقيقات الفيدرالي؛ تعريفات متعددة تتعامل بها وزارة الخارجية الأميركية تتباين مع تعدد رقعة انتشارها في اقطار العالم.

القانون الأميركي النافذ يعرف “الارهابي” بمن له ارتباطات بهيئة او دولة أجنبية. حينئذ المجموعات المتطرفة والعنصرية المحلية، الميليشيات المتعددة ومنها منظمة كو كلاكس كلان، لا تنطبق عليها شروط الإرهاب “حتى لو اقترفت وطبقت أساليب مشابهة للعنف والترهيب.”

التعريف الأميركي “الرسمي” المعتمد للإرهاب ينص على “..الاستخدام غير المشروع للقوة والعنف ضد أفراد أو ممتلكات لترهيب او ابتزاز دولة أو مجموعة مدنية، أو أي من مشتقاتها، لتحقيق أهداف سياسية أو اجتماعية.”

أحد أبرز المرافعين عن المتهم “بالقتل الجماعي” تيموثي ماكفاي، في حادثة تفجير مبنى دوائر حكومية في ولاية اوكلاهوما، اشار الى تفادي الأجهزة الرسمية عن توصيف تلك الحادثة، واضحة المعالم والاهداف، بـ “الارهاب الداخلي.”

وأوضح (راندال لو) في مخطوطه الإرهاب: تأريخ ان هناك بعد عنصري لتفادي المؤسسة الرسمية سن قوانين لتحديد عقوبة الارهاب الداخلي، بدعم من الأجهزة الأمنية المتعددة. وأضاف أن تعدد العريفات لدى الدوائر الرسمية الممختلفة “يؤشر على حقيقة بديهية بأنه لا يتوفر إجماع حقيقي لتعريف مفهوم الإرهاب” وما يترتب على ذلك من سن عقوبات مناسبة.

بناء على ما تقدم من معطيات، ينتظر الساسة الأميركيون هدوء عاصفة المجزرة، وتغييب الدلائل الحسية عبر تقنين الوصول للمعلومات المطلوبة، والانتقال لمرحلة أخرى من “الجدل الداخلي” نرى مؤشراته في الاخفاقات التشريعية للرئيس ترامب وحزبه الجمهوري في الكونغرس، واعادة “تصويب” البوصلة لما يراها الثنائي النافذ أجندة جديرة بالاهتمام.

التقرير الأسبوعي 09-29-2017

استفتاء انفصال كردستان أداة أميركية
لعرقلة المسار الظافر لمعسكر خصومها

انتعشت محاولات التعرف على مفاصل “الموقف الأميركي” الغامض، عقب إجراء الإستفتاء في كردستان العراق، خاصة في ظل تراجع داعش بشكل ملموس في كل من العراق وسوريا، ومواكبة المعلن من الأهداف الأميركية لمرحلة “ما بعد داعش” في عموم المنطقة.
ولم يعد من باب التكهن ما إذا كان الاستفتاء والإنفصال يشكلان قوائم “المشروع البديل” الذي أعدته واشنطن لتفتيت الدول العربية بالدرجة الاولى، وربما تركيا. هي ليست فرضية أو ترف فكري، بل تستند إلى واقع ملموس أفرجت عن بعض جوانبه “البنتاغون” عام 2001 “لإعادة تشكيل الشرق الأوسط،” بتقسيمه الى “دويلات صغيرة” متناحرة “باستثناء إسرائيل والأردن ولبنان؛” وفق الإستراتيجية التي بلورها الأدميرال (آرثر سيبروسكي) لوزير الدفاع آنذاك، دونالد رمسفيلد.
وعقب استهداف سوريا مطلع 2011، استقرأت يومية نيويورك تايمز، استراتيجية البنتاغون، 29 أيلول / سبتمبر 2013، بشّرت فيه عزمها “لإعادة تشكيل الشرق الأوسط،” يجري بموجبها تقسيم العراق وسوريا واليمن والسعودية. وبررت الصحيفة خطة البنتاغون بالقول “الخريطة المستجدة ستقلب اللعبة بشكل إستراتيجي لكافة الأطراف تقريبا.”

خطاب يحجب النوايا
الموقف الرسمي الأميركي من استفتاء كردستان العراق راوح بين مفردات ضبابية وأخرى حمّالة أوجه، وغابت التحذيرات النارية المخصصة لخصوم واشنطن، فضلاً عن تجنبها استخدام مصطلح “الإدانة.”
حافظ الخطاب على عدم “استفزاز” قادة كردستان العراق مناشداً التريث وبأن المضي بالاستفتاء “يشكل مغامرة تهدد بزعزعة البلاد .. ومفاقمة المصاعب للشعب ولإقليم كردستان.” ومن ثم أعلنت واشنطن عن “قلقها العميق” من المضي بعقد الاستفتاء في موعده؛ لتستدرك لاحقاً تُطمئن الأقليم “بعدم تعرض العلاقة التاريخية مع الولايات المتحدة للتغيير على ضوء الاستفتاء غير الملزم” قانونياً ودستورياً.
عرضت واشنطن “وساطتها” بين بغداد وإربيل لتدوير زوايا الخلاف بينهما، كما قيل، وأوفدت مبعوثها الرئاسي بريت ماكغورك للقاء مسعود البرزاني وإعلان دعم بلاده تأجيل الموعد الى المستقبل القريب، كخطوة اعتراضية لإمتصاص غضب الدول المجاورة. بهذا أوضحت الادارة الأميركية ان توقيت الاستفتاء “ربما” لم يكن مناسباً وتفضيلها الإرجاء.
لعل أفضل الأدلة على “خطأ” افتراض ضبابية الموقف الأميركي جاء على لسان بعض “القادة الكرد،” عقب لقاءات متكررة مع المبعوث الرئاسي ماكغورك، بكشفهم ما دار وراء الكواليس مؤكدين على أن واشنطن “لا تعارض إجراء الإستفتاء .. أما تصريحات ماكغورك فلها مفعول مؤقت خدمة لمصالح آنية ضرورية.”
لن يتعذر على المرء تتبع تطورات الاستراتيجية الأميركية في المنطقة، لاستيضاح معالم مواقفها وما تضمره من مخططات تسعى لإنجازها تدريجياً، بالتتابع وإنضاج الظروف المحلية للبناء عليها والإنقضاض على الهدف المقبل.
“الإستثمار” الأميركي في عامل الكرد، وخاصة كرد العراق، ليس وليد اللحظة، وكانوا العنصر الحاضر دوماً في الصراع مع بغداد منذ خمسينيات القرن الماضي. وإن استثنينا “العامل الإسرائيلي” لبرهة قصيرة، نجد أن واشنطن “تبنت مطالب كرد العراق،” تدريجيا: حكم ذاتي، دور سياسي بارز في “العملية السياسية” بعد الاحتلال الأميركي، وتوظيف حملة السلاح منهم في خدمة المشروع الأوسع والأشمل كأداة من أدوات التفتيت والشرذمة، والتلهي بدعم أميركي يحقق “استقلال” الأقليم عن البلد الأم.
أبرز مزايا الاستثمار الأميركي مع الكرد كان في البعد العسكري والدعم السياسي. وبرزت في واشنطن أصوات بعض الساسة والعسكريين على السواء تشيد بـ “القوات الكردية هي القوة الوحيدة المؤتمنة بالتوظيف في خدمة الاستراتيجية الأميركية في سوريا والعراق .. وهي بمجموعها القوة القتالية الوحيدة غير المنضوية تحت لواء التحالف السوري-الإيراني-الروسي.”
بل ذهب بعض العسكريين أبعد من ذلك بالقول “المسلحين الأكراد هم بمثابة القوات البرية الأميركية على الأرض،” في إشارة واضحة لطمأنة قلق الشارع الأميركي من عدم توفر النية لاستخدام القوات الأميركية مباشرة في ساحات الصراع.
بالمقابل، تعي الولايات المتحدة وتدرك جيداً أنه ينبغي عليها “تقديم وعود معينة يمكن تفسيرها إلى حد بعيد بأنها تدعم استقلال كردستان العراق؛” إن شاءت الظروف، فإن الدويلة “المستقلة” بإمكانها تسخير مواردها البشرية والجغرافية في خدمة المخططات الأميركية بعيدة المدى في المنطقة، لا سيما عند الأخذ بعين الاعتبار توتر العلاقات بين أنقرة وواشنطن وكذلك بين الأولى وعواصم حلف الناتو.
في هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى وعود أطلقها الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا أولاند لقادة الكرد بالتوازي مع الوعود الأميركية لحثهم على الإنخراط المكثف في تفتيت سوريا. عرض أولاند على ضيفه رئيس “وحدات حماية الشعب” الكردية، صالح مسلم، 31 تشرين أول / اكتوبر 2014، بأنه “سيصبح رئيس دولة إذا وافق على الإلتزام بإقامة دولة كردية” في سوريا.
تصريحات المبعوث الرئاسي الأميركي سالفة الذكر، لناحية عدم نضوج التوقيت، واكبها أحاديث لمسؤولين في الخارجية الأميركية أيضاً. فهل تخشى واشنطن حقيقة قيام دولة كردية على مقاسها؟
الإجابة تقودنا للتسلح برؤية شمولية للأوضاع “غير المستقرة” في عموم المنطقة، في هذا الظرف بالذات، والإنعكسات المترتبة عليها في مجمل الإستراتيجية الأميركية. بعض جوانب قلق واشنطن يتمثل في نشوب صراع جديد بين الكرد والعرب وما سينجم عنه من “تأجيل” تحقيقها أهدافها المرسومة. وربما هذا ما كان يدور بخلد المبعوث الرئاسي ماكغورك والتصريحات التالية للمسؤولين الأميركيين؛ وأفاقت أميركا على ضرورة ترديد حرصها بـ “الحفاظ على “عراق موحد وديموقراطي؛” مصطلح ينم عن ترف خيال السياسة والبعد عن الواقع.
تتبنى واشنطن “مظالم” بعض الأقليات بقدر ما تخدم مخطط التفتيت المرسوم، إذ ان “الأغلبية،” في أي قطر أو دولة، ليست بحاجة الى دعم الولايات المتحدة.
يشار في هذا الصدد إلى استحداث واشنطن عيد “يوم الأمم الأسيرة،” إبان الحرب الباردة، للتمايز عن خصومها “غير الديموقراطيين.” إذ أعلنت الخارجية الأميركية آنذاك عن “دعمها لوحدة أراضي الإتحاد السوفياتي،” وفي نفس الوقت طالبت بحصول دول البلطيق الثلاث على استقلالها:لاتفيا وليثوانيا وايستونيا.
في العراق، يتطلب الأمر مزيداً من الجهود لتهيئة الظرف الذي باستطاعة الكرد فيه الإفلات من “نفوذ بغداد” تفاديا لإحراج الموقف الأميركي، من ناحية، وللإنعكاسات “الفورية” المترتبة عن ذلك على كرد سوريا أيضاً.
الهاجس الاميركي “الاسرائيلي” المشترك من تقويض مخطط التفتيت يعيد للواجهة رهان الطرفين على دق إسفين في الجغرافيا السورية يضمن عدم تواصل مثلث طهران- دمشق- حزب الله.
إن تسنى لكرد العراق إنشاء “دولة مستقلة” في المدى المنظور فمن غير المرجح أن تفلح الدولة المستحدثة في وقف تدفق الإمدادات على طول الخط العابر للأراضي العراقية من إيران باتجاه لبنان. أما في الناحية المقابلة، فإن الكيان المزمع انشاؤه سيوفر لواشنطن مزيد من أوراق الضغط على طهران بفتح جبهة مواجهة إضافية بمحاذاة حدودها هذه المرة.

خيارات البنتاغون
تحتفظ البنتاغون بخمسة قواعد عسكرية في “إقليم كردستان العراق،” لاستضافة مستشاريها العسكرين من “القوات الخاصة” والاستخبارات، والذين يشرفون على تدريب وتأهيل مجندي الكرد من “البيشمرغة،” امتداداً لعلاقات سابقة بين الطرفين تعود لنحو نصف قرن من الزمن.
تدفق الأسلحة الأميركية على “كردستان العراق” جرى ترتيبها مع حكومة بغداد الموالية لواشنطن، علاوة على ما تحتويه القواعد الاميركية هناك من أسلحة ومعدات متطورة؛ كما أن “لإسرائيل” مخازن أسلحة في الإقليم.
نوايا التفتيت والتقسيم قفزت من حيز التكهنات إلى باب الواقع، في الاستراتيجية الأميركية وما هو مرسوم للعراق وسوريا تحديداً.
عند العودة لمقال نيويورك تايمز الاستكشافي، 29 أيلول/سبتمبر 2014، نجد قوائم المرحلة المرئية ماثلة أمامنا. البنتاغون أوضحت أن “حدوداً جديدة قد يجري رسمها بشكل متفاوت، وربما بآليات وسبل فوضوية. قد تبرز دول أنهت خوض مراحل الفيدرالية، والتقسيم الناعم أو الحكم الذاتي، وانتهاء بطلاق الجغرافيا.”