التقرير الأسبوعي 01-14-2017

المقدمة
تسارعت التطورات السياسية في واشنطن وهي تتأهب لتغيير السلطة السياسية بخروج الرئيس اوباما ودخول دونالد ترامب.
المسألة الأهم والشائكة الآن هي تقرير الاستخبارات الاميركية حول دور فاعل مزعوم لروسيا في سير الانتخابات الرئاسية الاميركية، وما يرافقه من جدل حاد واتهامات متبادلة وقاسية للطرفين ضد بعضهما.
تجدر الاشارة الى ان دخول ترامب الحلبة السياسية وفوزه بالانتخابات الرئاسية لا يزال يعتبر اختراقا غير مرغوب به من قبل المؤسسة الحاكمة. اما في مسألة المعلومات الاستخباراتية المتاحة فان ترامب لا يعد من “المبتدئين” كونه يتعاطى الملف المعلوماتي بكثافة في حياته العملية، وربما لديه مصادر في مناصب عليا. اما عداءه القوي لنفوذ الاجهزة الاستخباراتية فهو ما يثير غضب المؤسسات كلها ويؤلبها ضده، خاصة لتصريحاته المتتالية باحداث اصلاحات شاملة في عمل بعض الاجهزة، السي آي ايه تحديدا، ورؤيته بأنه ينبغي على الوكالة المركزية التحلي بمهام استخباراتية صرفة وادارة شؤونها كأي مصلحة خاصة، وتوفير معلومات استخباراتية مفيدة عوضا عن تقارير الاستخبارات لاهداف سياسية.

ملخص دراسات واصدارات مراكز الابحاث
هاجس الأمن والقرصنة الالكترونية
استقرأ مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية اولويات الادارة المقبلة في الاشهر الثلاثة الاولى لتسلمها مهامها، وعلى راسها تعزيز الأمن الالكتروني الذي بالامكان تطويره “ان استطعنا البدء في مسار تقييم اي من الخطوات والخيارات من شأنها فتح باب المخاطر،” موضحا ان عددا من المهام العاجلة تستدعي التحرك الفوري وهي “هجوم الكتروني؛ التجسس؛ والاعمال الاجرامية .. اذ ان التجسس والاجرام يعملان بتزامن دائم؛ اما الهجمات (الالكترونية) الحقيقية فهي نادرة الحدوث.” واضاف موضحا ان تصاعد معدلات القرصنة الالكترونية “يعكس كم هي واهية اجراءات الحماية المتبعة في معظم الشبكات والسبل الميسرة لتنفيذ الاختراقات.” اما اعمال التجسس، حسب المركز، فالقائمون عليها “عادة ما تكون اجهزة تابعة لدول معينة او لاعوانها .. واجراءات الفصل بين العمل الجاسوسي والاجرامي ازدادت ضبابية.” واردف ان تلك الاعمال المنسوبة “لاعداء الولايات المتحدة الرئيسيين – روسيا، الصين، ايران، وكوريا الشمالية .. تنفذ تحت السقف المحدد لاستخدام القوة المنصوص عليه في القانون الدولي؛ بيد ان الغرض من تلك الاعمال هو الحاق الضرر بالاستقلال السياسي للولايات المتحدة.”

https://www.csis.org/analysis/awareness-action?block3=

وحذر معهد كارنيغي الادارة المقبلة بأنه يتعين عليها المباشرة بتحديد متطلبات اجراءات الأمن الالكتروني اذ ان “عمليات القرصنة الروسية ينبغي ان تتصدر اهتماماتها .. خاصة وان “فعالية هجمات القرصنة قد تطورت على مدى العقدين الماضيين.” ومضى في تحذيره من “روسيا التي اثبتت قدراتها في مواكبة، وفي بعض الاحيان ابتكرت، تقنية القرصنة؛ مما يحتم على الادارة الاميركية القادمة بذل جهود لتطوير وتطبيق خطة عمل مضادة من شأنها حماية الشبكات الاميركية من المخاطر الكامنة في الوصول للبيانات وعمليات اقتحام الاجهزة ..”

http://carnegieendowment.org/2016/12/13/russia-and-cyber-operations-challenges-and-opportunities-for-next-u.s.-administration-pub-66433

سياسة الادارة المقبلة
سلط مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الاضواء على المرشح لمنصب وزير الدفاع، جيمس ماتيس، فيما يخص اداءه في مجمل قضايا الشرق الاوسط، منبها الاصوات المعارضة السابقة لترشيحه ان عليها “الاقرار بصوابية وجهة نظر الجنرال ماتيس بتركيز الجهود على التهديد الايراني وتهديدات اخرى في المنطقة.” واشاد المركز بما اعتبره استراتيجية ماتيس “لاقامة علاقات شراكة استراتيجية مع اسرائيل والدول العربية.” واضاف ان الاوضاع الدولية الراهنة تتطلب من وزير الدفاع الاميركي المقبل “أهمية الحفاظ على شركاء استراتيجيين، استخدام اسلوب الحزم والعمل المناسب سويا .. وقادر على توظيف وادارة الطاقات بفعالية.”

https://www.csis.org/analysis/iran-mattis-and-real-threat-us-strategic-interests-middle-east

ندد معهد واشنطن لسياسات الشرق الادنى بما اعتبره سياسة ادارة الرئيس اوباما “انتقاد اسرائيل تحت واجهة الاعلان عن حماية حل الدولتين، معربا عن اعتقاده ان يتمكن الرئيس المقبل “من تجاوز اخفاق اوباما مع اسرائيل.” واوضح المعهد ان الرئيس اوباما أول رئيس اميركي “منذ الرئيس جونسون لا يحقق اي انجاز او تقدم باتجاه تحقيق السلام العربي – الاسرائيلي .. وبتركيز (الادارة) على انشطة بناء المستوطنات الاسرائيلية (أثبتت) أنها لم تتعلم اي شيء تقريبا من خبرتها خلال السنوات الثماني الماضية.” واضاف في تهميشه لخطاب الادارة في ايامها الاخيرة انه “لا يمكن للمرء أن يفصل انتقاد إدارة أوباما لإسرائيل في نهاية ولايتها عن جوانب إستراتيجيتها الإقليمية الأوسع نطاقاً: أي التحرر من “مستنقع” مشاكل الشرق الأوسط، وإعادة التوازن بين إيران وأعدائها السنّة اللدودين” مضيفا ان اولئك الاعداء يشمل “الدولة اليهودية عدوة ايران.” ومضى مناشدة الادارة المقبلة اتخاذ اجراءات لتصحيح “العلاقات الاميركية – الاسرائيلية .. واحراز تقدم في عملية السلام الاسرائيلية – الفلسطينية ان سعت لتبني افكارا ابداعية لديبلوماسية تصاعدية؛ وتفاهمات واقعية مع اسرائيل حول بناء المستوطنات.” وذكرت الادارة المقبلة بأن “ضررا لحق بالمصالح الأمنية الاساسية لاسرائيل في السنوات الاخيرة نتيجة تراجع دور ونفوذ حليف الدولة اليهودية ..”

http://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/can-trump-overcome-obamas-israel-failure

شكك معهد كاتو بقدرة “القوات العسكرية الاميركية حماية منابع النفط في الشرق الاوسط، معتبرا التوصيفات السائدة لوجود عسكري اميركي مكثف “وقدرتها على حماية تدفق النفط مبالغ به.” واوضح ان التبريرات الرسمية لتواجد الاسطول الخامس وقطع حربية اخرى في مياه الخليج “للحيلولة دون قدرة ايران اغلاق مضيق هرمز” أمر غير مؤكد، اذ ان ايران “وفي غياب قوة بحرية اميركية لن تقدم على تلك الفعلة لكلفتها الباهظة التي لا قدرة لها عليها؛ وما سيرافقه من الحاق الضرر بمصالحها الخاصة.” واستدرك بالقول ان الاحتمال “الوحيد” االذي يبرر لايران اقدامها على اغلاق المضيق هو “انخراطها في لهيب صراع اقليمي والتهديد الذي يمثله لبقاء النظام ..”

https://www.cato.org/publications/commentary/does-us-military-actually-protect-middle-east-oil

ايران
مناوئوا الرئيس اوباما والاتفاق النووي سارعوا باعلان نواياهم “تمزيق الاتفاق،” والعودة لمرحلة العداء والصدام. وتناول مجلس السياسة الخارجية الاميركية ما يخطط له من اجراءات ضد ايران في الكونغرس وتوسيع نطاق القانون المعمول به ضد روسيا، قانون ماغنيتسكي، الذي جرى تجديد العمل به وادرج ضمن الميزانية السنوية لعام 2017. واوضح المجلس ان للقانون “بعدا اوسع واشمل مما ينطبق على روسيا .. من ضمنه حظر تأشيرات الدخول، تجميد الارصدة وادراج مؤسسات تجارية على القوائم السوداء؛ وامكانية تطبيقه على اي مسؤول رسمي اجنبي “له ضلع في انتهاكات حقوق الانسان او الانخراط في الفساد.” يشار الى ان تلك الصيغ الفضفاضة للقانون يحيل مسالة حقوق الانسان الى سلاح تستغله السياسة الاميركية الخارجية. واضاف المجلس ان ايران “تشكل حالة منطقية لاختبار فعالية العقوبات الجديدة، لا سيما وان للجمهورية الاسلامية سجل طويل في انتهاك حقوق الانسان على الصعيد الدولي.”

http://www.afpc.org/publication_listings/viewArticle/3391

لبنان
اعتبر معهد ابحاث السياسة الخارجية ان الحكومة الجديدة في لبنان بعد تشكيلها “ستواجه مسارا شاقا في التوصل لاجماع من شأنه اعادة الثقة (بالحكومة) واخراج لبنان من حالة الشلل السياسي وتفعيل الاصلاحات التي تحتاجها البلاد بدءا بتعديل قوانين الانتخابات وتهيئة للانتخابات البرلمانية المقرر عقدها في حزيران القادم.” وكان المعهد اشد تشاؤما في مستقبل علاقات لبنان الدولية وما ينتظر “الرئيس الجديد من مهمة التوفيق .. بين حزب الله وسياسة النأي بالنفس الرسمية فيما يخص المنافسة الايرانية – السعودية.” كما يتعين على رئيس الوزراء الجديد، سعد الحريري، اتخاذ تدابير من شأنها “ارضاء داعميه الدوليين وفي نفس الوقت ادراك التغيرات الديناميكية في مراكز قوى المشرق.” ومضى مستنتجا ان “اعادة ترتيب الاوراق السياسية في لبنان تعكس تغيرات موازين القوى الداخلية والاقليمية .. والتحدي الاكبر يكمن في قدرته على تفادي هبوب العاصفة الاقليمية.”

http://www.fpri.org/article/2017/01/re-shuffling-cards-lebanon-meet-new-government/

التحليل

آفاق الحرب المكشوفة بين ترامب
والاجهزة الاستخباراتية

برزت معالم مواجهة بين الرئيس المنتخب دونالد ترامب الاجهزة الأمنية الاميركية وتصاعدت حدتها عقب “ظهور” تقرير في وسائل الاعلام يزعم ان ترامب قد تم تجنيده من قبل روسيا والتي لديها معلومات محرجة جدا حول مسلكه قد توظفها في ابتزازه. ترامب بدوره سارع الى اتهام مسلك مراكز قوى الاجهزة الأمنية “بالمشين.”
تضارب الرواية مع السردية العامة وعزوف الاجهزة تقديم الادلة الحسية اسهم مباشرة في وأدها واعتبارها خدعة، مما دعا كبريات الصحف الى رفض نشرها، خاصة صحيفتي نيويورك تايمز وواشنطن بوست، نظرا لعدم صمود الرواية امام الحقائق. اما شبكة سي ان ان الاخبارية التي روجت للرواية على شاشاتها فقد نالت ازدراء المراقببين واتهام ترامب لها بأنها مختصة بتلفيق الاكاذيب.
اخطبوط الوكالة المركزية
يعتقد ان مصدر الرواية الكاذبة اما احد او بعض الاجهزة الاستخباراتية، مما سيعرضها لردات فعل ربما قاسية من الرئيس المقبل، وتوفر له مبررات ومنصة انطلاق لاتخاذ اجراءات “اصلاحية” في عمل الاجهزة كافة غلب عليها البعد السياسي وربما الانتقامي.
العارفون بخبايا عمل الاجهزة الاستخباراتية يعتبرون انها بمجموعها تعاني من عقدة نقص “المهمة المستحيلة،” تيمنا بالمسلسل التلفزيزني الشهير بذات الاسم في عقدي الستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم. ركز المسلسل على تكليف ضباط الاستخبارات القيام بمهام استخباراتية معقدة وانجازها بالكامل. وعليه، ترسخت مفاهيم عامة ان تلك الاجهزة “معصومة عن الخطأ.”
لا يجادل احد في القدرة والامكانيات المتطورة الضخمة المتوفرة لتلك الاجهزة، تفاصيلها محاطة بجدار سميك من السرية، احسنت توظيفها بكافاءة تحسد عليها، لا سيما في مجالات الاقمار الاصطناعية التجسسية واعتراض الاتصالات بكافة تنوعاتها، واسترداد غواصة نووية روسية من اعماق المحيط الهاديء. بيد ان مجمل السجل لا يخلو من اخفاقات بليغة امتدت لعقود عدة.
واجهت وكالة الاستخبارات المركزية، السي آي ايه، تحديدا سلسلة من الفشل الاستخباراتي منذ نشوئها كانت بالنسبة لها “فضيحة بجلاجل.” ابرزها عملية العدوان على كوبا الفتية بعملية خليج الخنازير، محاولات متواصلة فاشلة لاغتيال الرئيس الكوبي فيدل كاسترو، تخبط الوكالة في حرب فييتنام، فشلها في عدم التنبؤ بالدخول العسكري السوفياتي لافغانستان، الفشل المميز في عدم صوابية رؤيتها لمصير شاه ايران والاطاحة به، قصف معمل الادوية في السودان، ما ينسب لها من فشل في اعتراض هجمات ايلول 2001، المعلومات الملفقة لما اسمته اسلحة الدمار الشامل في العراق، وفشلها ايضا في بؤس تحليلاتها التي ادت لسوء تقديرها في نجاح تنظيم داعش.
تراكم الفشل ادى بالقائمين على الوكالة الى استحداث مزيد من العمل البيروقراطي ابرزه انشاء منصب مدير للأمن الوطني عقب هجمات ايلول 2001؛ الأمر الذي يمكن تعداد فوائده على آليات العمل الاستخباراتي بمشقة كبيرة.
يشار الى ان الرئيس الاسبق ريتشارد نيكسون ادرك مبكرا ضرورة ادخال اصلاحات على عمل الوكالة، دون تحقيق اي تقدم ملموس؛ كما ان الرئيس جيمي كارتر ايضا كرر المحاولة، كليهما لخدمة الاجندة السياسية للرئيس. مدير الوكالة ابان عهد الرئيس كارتر، ستانسفيلد تيرنر، اتى به كارتر من صفوف البحرية وكان برتبة ادميرال، حدد مكامن الضعف في مديرية التجسس وسعى لتشذيبها بالغاء نحو 820 وظيفة في صيف عام 1977. لم يدم له البقاء طويلا لاختبار نجاعة اسلوب معالجته.
من ابرز “الغاز” الوكالة اختفاء ووفاة مديرها الاسبق ويليام كولبي، 27 نيسان 1997، في حادث بحري غامض بالقرب من منزله الصيفي على شاطيء جزيرة “كوب” جنوبي العاصمة واشنطن بعد 9 أيام على غيابه. ترأس كولبي مديرية السي آي ايه لسنتين فقط، 1973 – 1975، حين اقيل من منصبه. خلال تلك الفترة الوجيزة، مثل امام لجان متعددة في الكونغرس “56 مرة،” تميزت شهاداته باجابات واضحة مباشرة “مما اغضب طواقم الاستخبارات الذين اعتبروا مهمته المركزية هي الكذب والرياء على الكونغرس.”
تلقى كولبي أمر اقالته مباشرة من مستشار الأمن القومي الاسبق هنري كيسنجر، ابان عهد الرئيس جيرالد فورد، اللذين تملكهما الغضب لصراحة كولبي ونزعه الغطاء عن “جواهر المؤسسة الاستخباراتية،” لا سيما مسؤوليتها عن الاغتيالات وسبل اخرى لا تقل دناءة وخسة. كولبي ايضا اقال عدد كبير من مسؤولي وموظفي الوكالة في اقسامها المختلفة، مما وضعه نصب الاعين المتربصة. لليوم، السبب الرسمي لوفاته هو حادث غرق – وهو السباح الماهر.
في مواجهة مؤسسة عريقة لها تاريخ طويل من النفوذ وشراء الذمم، والتخلص من اي شخص مهما علت مكانته، هل يسطيع الرئيس المقبل ترامب تحقيق اي انجازات تذكر. السؤال يتكرر على ألسنة الاجهزة الرسمية والمراقبين على السواء.
كلف ترامب فريقه لشؤون الأمن الوطني اعداد تقرير مفصل يحدد آليات يمكن تطبيقها “لتطوير” عمل الاجهزة، بما فيها تهديدات القرصنة وسبل مواجهتها، وتقديمه خلال 90 يوما من تسلمه مهامه الرسمية.
الشائع عن ترامب انه يغفل أهمية عمل اجهزة الاستخبارات وتطبيقاتها. بيد ان حقيقة الأمر تكمن في “نجاحات” ترامب العملية التي لا يمكن تحقيقها بهذه الشمولية والتوسع الدولي دون توظيف فعال لجمع معلومات استخباراتية واتخاذ سبل حماية مناسبة، أسوة بالشركات الكبيرة واصحاب الثروة: معاملاته اليومية مع الشركات متعددة الجنسيات؛ التعرف بدقة على سوق العقارات وما سيعرض منها للبيع بغية الاستثمار، وما يرافقه من مفاوضات تخص القيمة الشرائية والترتيبات الاخرى، فضلا عن ردود افعال السلطات المحلية، البلدية وما فوق، لأي مشروع يقدم عليه.
يطلق على المهام آنفة الذكر “الاستخبارات العملية،” التي ينبغي ان تتحلى بالدقة والموضوعية كي يتم تسخيرها بفعالية تعود بالفائدة القصوى على اصحابها.
الاطلالة على كيفية استفادة ترامب او تسخيره لتلك المعلومات تؤشر على نواياه المستقبلية لتوظيفها والاستفادة منها في القريب المرئي، ودلالة على نواياه لاجراءات اصلاحية.
نظرة سريعة على خلفية طاقم ترامب لشؤون الأمن القومي تفيد انه بمعظمه لديه خبرة عسكرية اضافة لمدير شركة اكسون العملاقة، والذين بمجموعهم كانوا يتلقون “استخبارات عملية.”
على الطرف المقابل، الخلفية السياسية الصرفة لطاقم البيت الابيض بمن فيهم الرئيس اوباما نفسه يجد ارتياحا اوفر في معلومات استخباراتية بابعاد سياسية وتسخيرها لخدمة اغراض سياسية مباشرة. الأمر الذي نتج عنه تلك التقارير الاستخباراتية التي عومت مقولة اسلحة الدمار الشامل، ابان عهد الرئيس السابق جورج بوش الابن، وما رافقها من غزو واحتلال كارثي للعراق – والدول الاقليمية الاخرى المرشحة مباشرة حسبما افادت تلك التقارير والافادات لاحقا.
شهدت ولاية الرئيس اوباما اتهامات متعددة لتلاعبها بتقارير الاجهزة الاستخباراتية “وحجب” التقارير التي لا تؤيد رؤاها وسياساتها الخاصة بتنظيم داعش، والتي جاءت على نقيض مباشر لسردية ادارة الرئيس اوباما الرسمية. سردية تشبثت بابراز “نجاح سياستها حول سوريا،” خلافا للتقارير الميدانية والتحقيقات الاعلامية ايضا.
اصرار ترامب وحماس فريقه لتملك زمام القرار بادخال اصلاحات على الاجهزة الاستخباراتية يقود المرء الى حملة مواجهة وتغيرات، ربما بوتيرة سريعة، لتحقيق مقاصده في توفير معلومات ذات فائدة عملية.
بعض الاصلاحات المرئية
نوايا اجراءات الاصلاح تشمل مروحة واسعة من تعديل على صعد الاجراءات البيروقراطية وتعزيز مفاهيم نواة انشاء الاجهزة الاستخباراتية، جمع المعلومات وتنقيحها، والتصدي للتسريبات عبر الوسائل الاعلامية بمختلف توجهاتها، الخ.

اصلاحات سياسية
تجاوزت الاجهزة الاستخباراتية مهامها الاولية بدخولها ميدان الحلبة السياسية واستحداث مراكز ومناصب جديدة، نالت آيات الثناء والرضى على انجازاتها المتصورة. بالمقابل تم استبعاد المهنيين من الطواقم المتعددة الذين يميلون لتوفير معلومات خضعت للتدقيق والفحص، بعضهم فضل الاحالة المبكرة على المعاش.
من الجائز ان يضخ ترامب دماءً جديدة في تلك الاجهزة، تحت بند التعيينات السياسية، مما سيضع الشرائح القيادية العليا الراهنة في عين العاصفة للتدقيق في نوعية ووجهة التقارير الاستخباراتية السابقة.
من خصائص ترامب، وامتدادا فريقه المتشدد، ميله لعدم التسامح وسرعة الرد وجاهزيته لاقالة من هم في المراتب الادنى واصحاب الاداء المتدني عن المعايير الموصوفة. وعليه، يمكن القول ان اولئك اصحاب التقارير السابقة والمشكوك في دقتها قد يخضعون للمساءلة تفرض عليهم الدفاع عن مجمل ادائهم، وما سينجم عنها من تهميش او اقالة مرتقبة.
تداخل المهام العسكرية والاستخباراتية
توجهات ادارة الرئيس اوباما الخارجية اوجدت مجالات متقاربة لعمل الاجهزة الاستخباراتية والعسكرية، ويمكن القول ان العمل الاستخباراتي خضع لتوجيهات القيادات العسكرية في البنتاغون، مما ساعدها بشن سلسلة حروب فضل البيت الابيض بقاءها بعيدة عن أعين الاعلام. واوكلت مهام حرب الطائرات المُسيّرة للاستخبارات المركزية بالتنسيق مع وحدات القوات الخاصة لفرض حقائق ميدانية.
عانت تلك العمليات من اوجه قصور ذاتية متعددة، منها ان القوات الخاصة اثقلت بتنفيذ مهام ساهمت في استنزاف سريع لامكانياتها البشرية خاصة لقرب نهاية الخدمة الفعلية على صعيد ضباط الصف تحديدا، ويتهيأون لدخول الحياة المدنية.
ترامب وفريقه سيعتمدون بشكل شبه كامل على المد البشري المدرب من صفوف البنتاغون، وتوفير اقصى ما تحتاجه القيادات العسكرية من امدادت قد تتباين مع بنود للميزانيات المخصصة.
تقارير استخباراتية عملياتية
ندد ترامب منذ بدء صعوده على الساحة السياسية بالتقارير الاستخباراتية اليومية المقدمة، التي يعتبرها حيكت لخدمة اجندات سياسية وهدر للوقت، الأمر الذي دفع به الى تفادي اللقاء اليومي مع ضباط الاستخبارات؛ وفعل الامر عينه الرئيس اوباما في بعض الاحيان.
ترامب ايضا لا يتحلى بميزة الاصغاء بعمق للآخر، واوضح مرارا ان تلك التقارير لا توفر له معلومات لم يطلع عليها مسبقا في معظم الاحيان. كما ان بعض اعضاء فريقه لا يخفي امتعاضه من المعلومات الاستخباراتية “غير المفيدة،” وسيسارعون لتوضيح احتياجاتهم من اطقم الاستخبارات.
لن يدخر ترامب جهدا لتوضيح نواياه من التقارير الاستخباراتية وضرورة تفادي نزعة اتساقها مع الرغبات الذاتية والتركيز على حقيقة ما يحتاجه.
الاعلام نقيض ترامب
تسريب المعلومات بكافة انواعها لوسائل الاعلام هي قضية مرحب بها جماهيريا وتمقتها الاجهزة والقيادات الرسمية بشكل عام. معظم الادارات الاميركية عانت وتعاني من اكتشاف الشعب لحقيقة نواياها وخطابها في الاروقة الخاصة، ولم تسلم منها ادارة اوباما التي تعد من اشد الادارات قمعا للحريات الصحافية باساليب متطورة وخداعية. مثلا، رحّلت الادارة ما لا يقل عن 2 مليون “مهاجر فاقد للاثباتات الرسمية” مما يفوق ما فعلته ادارة سلفه جورج بوش الابن – المحافظة والمتشددة.
ترامب بطبيعته كثير الشك بمقربيه ولا يثق الا بنفسه؛ ويحظى بكراهية كبيرة بين الاجهزة الاستخباراتية بمجملها. وسعى ترامب الى “ابتزازها” مؤخرا على خلفية سلوكه المنسوب له اعلاميا، بالاعلان في مؤتمره الصحفي الاول، قبل بضعة ايام، بأنه اطاخفى عمدا بعض المعلومات الناجمة عن لقائه بقادة الاجهزة عن مستشاريه ليتبين لاحقا انها اضحت متداولة في الاعلام. الاستنتاج الطبيعي ان المسؤول عن التسريب هو من داخل الاجهزة الأمنية، ليس الا.
تفاقمت المواجهة بين ترامب والاجهزة الاستخباراتية عقب تداول وسائل الاعلام تقارير ثبت خطأها حول العلاقات المتينة التي تربط ترامب بروسيا. المواجهة اتخذت منحاً خطيرا بين الطرفين واعلان ترامب ان “بعض الاشخاص” يغامرون بالنيل من مصداقية الولايات المتحدة واجهزتها بغية الحاق الضرر بالرئيس المنتخب.
من المرئي تصميم ترامب وفريقه للأمن الوطني على تحديد حلقة التسريب ومن وراءها، واتخاذ التدابير المناسبة ضد افرادها؛ مما يبشر بصراع سياسي مكشوف قريب.
براءة ترامب
تصميم ترامب على الذهاب في مواجهة مع اخطبوط الاجهزة الأمنية، ونظرا لفقدانها الدليل المادي القادر على اقناع الجمهور بتبعية ترامب لروسيا، ادى باطاحة سريعة لتلك السردية واضطرار بعض الوسائل الاعلامية الى عدم الترويج لها، وبعضها الآخر لزم الاعتذار.
واوضحت شبكة ان بي سي للتلفزة، فيما يخص الملف الخاص بترامب بين ايدي روسيا، بأن “مسؤول استخباراتي رفيع اوضح انه الرئيس المنتخب لم يتم اطلاعه على المعلومات المضافة للملف، التي تم اعدادها كجزء من جهود الحزب الجمهوري المناهض لترامب.”
واردف المسؤول الرفيع ان اللقاء مع ترامب واطلاعه على المعلومات تم بطريقة شفوية ولم يتم تبادل اي وثائق او ملفات سلمت للرئيس المنتخب. الأمر الذي يناقض كليا رواية الاجهزة قبل ساعات معدودة من “فضح” ترامب للاسلوب الرخيص للنيل منه.
بل أكد المسؤول في روايته للشبكة ان “مسؤولي الأمن والاجزة الاستخباراتية وافقوا على ان كافة جهود التحقيق لم تتوصل لنتيجة قاطعة او مباشرة للربط بين ترامب والحكومة الروسية، مطلقا.”
ما بين ما دلت عليه تلك المواجهة ميل الاجهزة الاعلامية بشموليتها نشر معلومات ملفقة، حول ترامب، وامتدادا لكل ما يتعارض مع توجهات السياسة الاميركية. النتيجة المنطقية التي توصل اليها العامة هو تمتين حرصها على عدم التسليم بصدقية ما ينشر دون فحص وتدقيق.