التقرير الأسبوعي 04-07-2016

المقدمة
القضايا والاهتمامات الداخلية ترخي ظلالها على معظم نواحي الحياة الاميركية، في ظل مناخ تسعير السباق والتنافس الانتخابي بين المرشحين عن الحزبين، لحصد اكبر نصيب من اصوات المندوبين تمهيدا لدخول المؤتمرات الحزبية، في شهر تموز المقبل.
وانشغلت معظم الوسائل مطلع الاسبوع بنتائج وتوقعات الانتخابات في ولاية ويسكونسن التي جاءت حصيلتها مفاجئة للطرفين: خسارة دونالد ترمب وخسارة هيلاري كلينتون.
في ظل تلك الاجواء “المشحونة،” تم “تسريب” وثائق تتعلق بحسابات مصرفية خارج الحدود الاميركية، لاثرياء وشخصيات سياسية وعالمية، تعرف “باوراق بنما.”
سيستعرض قسم التحليل جملة من الاسئلة المرافقة للتسريب: توقيت العملية “عمدا،” ربما لخدمة اغراض ذاتية للمؤسسة الحاكمة، منها طلب الرئيس اوباما من الكونغرس اصدار تشريعات جديدة لردم الهوة القائمة في النظام الضريبي؛ والاشادة بالنظام الاميركي للحيلولة دون التهرب من الضرائب؛ وكذلك العلاقة العملية بين الاجهزة المصرفية الاميركية ونظيرتها في بنما “الصغيرة،” لحماية سرية معاملاتها المالية.

ملخص دراسات واصدارات مراكز الابحاث
داعش والرئيس المقبل
اعرب معهد واشنطن لدراسات الشرق الادنى عن اعتقاده بهزالة التوقعات الغربية ممثلة في “التحاف الدولي .. لهزيمة دولة داعش وجيشه قبل انتخاب رئيس اميركي جديد،” مناشدا الرئيس المقبل الاقرار “بعدم نجاح السياسة الحالية ضد عدو خطير يشكل محور اختلالات في (خريطة) الشرق الاوسط.” واضاف ان المرشحين لمنصب الرئاسة “تجنبوا تقديم اي تعليق جدي: اذ يختبيء الجمهوريون خلف شعارات مبهمة (مثل) “اقصفوهم” بينما لم تقدم هيلاري كلينتون اي تفاصيل محددة ضد تنظيم الدولة الاسلامية.” واستعرض جملة من الخيارات المتاحة وابرزها “الاستمرار في برنامج الادارة الاميركية الحالي .. (او) اضافة بعض الدعم (العسكري) وتكثيف الضربات الجوية وغارات القوات الخاصة بشكل اكبر .. (او) تحريك عدد محدد (اضافي) من القوات القتالية الاميركية، بما يقارب كتيبتين تضم كل منها من 3000 الى 4000 عنصر.” كما اعرب المعهد عن عظيم خشيته من “امكانية تحقيق الهجوم الروسي-السوري-الايراني مكاسب حقيقية ضد تنظيم داعش في سوريا .. وانتصار روسيا وحلفائها ضد (التنظيم) قد يشكل تهديدا ليس اقل خطرا من (تهديد) داعش” على التفوذ الاميركي في الاقليم.

http://carnegie-mec.org/2016/03/31/great-expectation-in-tunisia/iwbr

في المقابل، اعتبر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الاستراتيجية الاميركية الراهنة “مقيدة الى حد بعيد في سوريا وليبيا واليمن والعراق .. نظرا لأن اي نجاح استراتيجي كبير يتطلب الشروع ببناء (مؤسسات) الدولة، واستعادة الاستقرار واحياء مجالات التعاون بين المجموعات الطائفية والعرقية المنقسمة، والاقاليم والعشائر.” واوضح ان من شروط تحقيق ذلك “ترسيم اهداف استراتيجية كبيرة وواضحة من شأنها توفير الموارد والخطط والآليات لمساعدة تلك العناصر التي تبدي استعدادها وقدرتها على تحسين اوضاعها.”

http://csis.org/publication/syria-and-iraq-how-should-these-wars-end

العراق
اعتبر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ان الكرد المساندين للقوات العراقية بحاجة الى مساعدة في سياق تضافر جهود الطرفين “لشن هجوم على الموصل .. على الرغم من معارضة البعض لمشاركة اي طرف آخر باستثناء الجيش العراقي” لتحرير المدينة. واوضح انه على الرغم من التطورات الايجابية التي ظرأت على بنية الجيش العراقي “منذ استعادته مدينة الرمادي .. الا ان تحديات استعادة الموصل هي اكبر بكثير” نظرا لضخامة حجم رقعتها “فضلا عن تعثر جهود الجيش العراقي في الهجمات الاستطلاعية.” واضاف ان “الجيش العراقي بحاجة الى مساندة، وان لم يوفرها الكرد فان الميليشيات الشيعية المدعومة من ايران او من القوات التركية” تتأهب لاتخاذ مواقعها القتالية “لا سيما وان الميليشيات الشيعية لا تخضع لسلطة الحكومة المركزية .. ومن شأنها مفاقمة موجات العنف الطائفية ان تحركت باعداد كبيرة خارج مناطقها في بغداد والجنوب.”

http://csis.org/publication/helping-kurds-recapture-mosul

تونس
اشار معهد كارنيغي الى توسع الهوة بين “النخب السياسية في تونس وعموم المواطنين،” نتيجة التحولات الاجتماعية الجارية، مناشدا الاولى “العمل لاستعادة الثقة مع الشعب، وتقوية المؤسسات الديموقراطية، والتمسك بحقوق المساواة والعدالة الاجتماعية المنصوص عليها في الدستور.” واوضح ان استعادة الثقة “شرط اساسي لجهود استعادة شرعية الدولة .. كما انها حيوية للحفاظ على تماسك النسيج الاجتماعي.” وحث النخب السياسية ايضا على “الاستجابة لطموحات غالبية التونسيين الذين يتطلعون لدولة اكثر عدلا، كما جاء في الاجابات الواردة في استطلاعات الرأي.”

http://carnegie-mec.org/2016/03/31/great-expectation-in-tunisia/iwbr

ايران
استعرض معهد المشروع الاميركي جانبا من الجدل الداخلي في ايران حول الموقف من برنامج تطوير الصواريخ قائلا “حتى القوى المعتدلة تؤمن بأهمية برنامج الصواريخ الايراني .. كعنصر اساسي في (استرايجية) الدفاع، لادراكها ايضا ان البلاد تفتقر لجيش تقليدي قوي.” وعليه، يستنتج بالقول، فان القوى الايرانية المتعددة تعتبر البرنامج الصاروخي “كسلاح ردعي يعتمد عليه كليا تقريبا للرد وردع الخصوم كالولايات المتحدة واسرائيل او السعودية.” واعتبر ان قدرات ايران الردعية المتوفرة “محدودة (تشمل) الصواريخ الباليستية، والقدرة على شن عمليات ارهابية وحروب غير متماثلة عبر مجموعة من الوكلاء مثل حزب الله اللبناني، وقدرات اخرى غير تقليدية كتطوير قدراتها في مجال الحرب الالكترونية.” وخلص بالقول انه “بدون توفر تلك القدرات للرد، فان ايران ستشعر بانها مكشوفة استراتيجيا.”

Iran’s Missile-happy ‘moderates’

الصراع في آسيا الوسطى
اهتمت النخب الفكرية والاعلامية الاميركية باندلاع الاشتباكات في اقليم ناغورني قره باغ، بين اذربيجان والجيش الارمني، من بينها مؤسسة هاريتاج التي حذرت القوى المختلفة من ان “ايران (اضحت) احدى القوى القائمة في اوراسيا وتنظر لنفسها بأنها تستحق وضعا خاصا في المنطقة. كما ان كل من ارمينيا واذربيجان كانتا جزء من الامبراطورية الفارسية يوما ما .. واصطفت تيران الى جانب ارمينيا في الحرب السابقة في بداية عقد التسعينيات.” واوضحت ان ايران “استغلت علاقتها مع ارمينيا كاحدى السبل لتقويض اذربيجان .. واذا ما قدر لاندلاع حرب كاملة هناك، فان ارتداداتها ستشمل عموم المنطقة.” وحثت المؤسسة صناع القرار في واشنطن الى انه “ينبغي عليها الانتباه من نشوب حرب اقليمية والتي قد يكون لها تأثير مباشر على المصالح الاميركية، وكذلك على أمن شركاء وحلفاء اميركا.”

http://www.heritage.org/research/reports/2016/04/the-nagornokarabakh-conflict-us-vigilance-required

اما معهد واشنطن لدراسات الشرق الادنى فقد نظر للصراع بين ارمينيا واذربيجان من منظار صراع اوسع بين روسيا وتركيا، قائلا “يتوفر لدى موسكو سبل وفيرة من شأنها استفزاز انقره، تشمل حالة الارتداد وعدم الاستقرار الناجمة عن أزمة ناغورني قره باغ، اذ تحتفظ تركيا بعلاقات وثيقة مع اذربيجان، ولدى روسيا قوات منتشرة في ارمينيا.” واضاف ان قلقا عاما “يسود اوساط المراقبين (الغربيين) نظرا لارسال روسيا انظمة دفاع جوية متطورة لسوريا دون التطرق لقدراتها القوية في التشويش وحرمان السيطرة (على منطقة آمنة) لردع هجوم تركي على ابواب عتبتها الشرقية.” وحذر قائلا انه في ظل عدم السيطرة على تداعيات اشتباكات اذربيجان وارمينيا “فقد تؤدي لنشوب صراع اقليمي مباشر بين تركيا وروسيا.”

http://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/is-armenia-the-next-turkish-russian-flashpoint

التحليل

:تسريب انتقائي لـ “اوراق بنما”

اليد الخفية لاميركا

توقيت مريب واهداف متعددة
في خضم الازمة السياسية الانتخابية، الاسبوع الماضي، واستغراق العديد البحث في اوهام وخطورة تصريحات المرشح دونالد ترمب، برزت مجموعة “الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين” في صدر العناوين والتغطية المصورة لكشفها ما يسمى “اوراق بنما،” تتضمن اسماء “لم يكشف عنها” لاثرياء نافذين وشخصيات سياسية عالمية وشركات لجأت للتعامل مع “شركة” في بنما بغية التهرب من دفع الضرائب.
مشاعر الريبة انتابت العديد من المعنيين والمراقبين، منذ البداية، لناحية التوقيت والاسباب والجهات السياسية التي تقف خلف تلك التسريبات، لا سيما وان مجموعة “الاتحاد الدولي” ذات هوية غامضة وتعرف عن نفسها بانها “ذراع لمركز الشفافية العام،” مقره واشنطن. اما التمويل فيأتي من ممولين واثرياء معروفين بتوجهاتهم الداعمة بشدة للمؤسسة الحاكمة الاميركية، منهم: “مؤسسة فورد الوقفية؛ صندوق الاخوة روكفلر؛ صندوق عائلة روكفلر؛ صندوق كارنيغي؛ صندوق الثري وورين بافيت؛ اتحاد الجالية اليهودية” وتبرعات فردية على رأسها “جورج سوروس؛ ستيفن ميردوخ؛ شارلز لويس (الذي سيأتي اسمه لاحقا)؛” وقائمة طويلة من اهم الشخصيات الاعلامية والسياسية والفكرية والمصرفية.
حملة الترويج للاوراق والوثائق بلغت اشدها بتحديد حجمها “11 مليون وثيقة ونيف .. كأكبر تسريب وثائقي في التاريخ،” قيل انها ثمرة “قرصنة الكترونية” لسجلات وملفات مقر مكتب “موساك فونسيكا” للمحاماة في بنما، الناشط في تقديم خدمات مصرفية بمعزل عن المراقبة – اوف شور، تمت العام الماضي. احد مؤسسي المكتب، رامون فونسيكا اكد ان مقره “تعرض لقرصنة من قبل اجهزة تعمل من الخارج.”
كان لافتا تمييز مجموعة “الاتحاد الدولي” لنفسها وطرائق عملها بأنها لن تنشر كامل الوثائق المسربة، بخلاف ويكيليس، وستقوم بالكشف عن محتوياتها لاحقا انتقائيا لما تراه مناسبا “في الايام والاسابيع المقبلة.” وصف مدير المجموعة، جيرارد رايل، أهمية المادة المقرصنة بأنها “تتضمن كل وثيقة اصدرها (مكتب المحاماة) لفترة تمتد على نحو 40 عاما.”
وحصلت صحيفة المانية، سود دويتش زايتونغ، على الدفعة الاولى من الوثائق التي تقاسمتها مجموعة “الاتحاد الدولي .. مع اكثر من 100 صحيفة ووسيلة اعلامية، وجهود تحقيق استمرت عام كامل؛ شارك فيه ازيد من 400 صحفي سرا،” حسبما افادت الجهات المسربة لها. طاقم كبير من موظفي مجموعة “الاتحاد الدولي” طارت من واشنطن لميونيخ، مقر الصحيفة الالمانية، لتنسيق جهود وزمان الاعلان. جدير بالذكر ان الصحيفة الالمانية عينها كانت تعاونت مع “ويكيليكس” في السابق في عدة ملفات منها تسريبات تخص وثائق لوزارة الخارجية السعودية، الصيف الماضي.
السؤال الابرز في محتويات الوثائق المسربة يتعلق ليس بالشخصيات والمؤسسات الضالعة في النشاط المنسوب لها فحسب، بل الأهم في التفاصيل التي حجبت في الاصدار رقم واحد. ما يعزز تلك الشكوك هو التلميح لتورط كل من الرئيس فلاديمير بوتين ورئيس وزراء ايسلندا والرئيس السوري عبر اشخاص مقربين لهم، وكذلك “مسؤول مالي يعتقد انه من حزب الله واشخاص يدعمون البرامج النووية الايرانية والكورية الشمالية وشخصيْن يشتبه بانهما يدعمان رئيس زيمبابوي روبرت موغابي.” ولم يشمل الاصدار اي شخصية او مؤسسة اميركية.
وعليه لا يجوز استبعاد اهداف سياسية وراء الاصدار، حتى لو طالت بعض “وكلاء” اميركا كرئيس اوكرانيا بيترو بوروشينكو، الذي اضحى مادة مستهلكة بالنسبة لواشنطن، وعبئا على الدول الاوروبية.
الحكومة الصينية اصدرت ردا رسميا نشرته يومية غلوبال تايمز قالت فيه “ان الحكومة الاميركية تبقى المستفيد الاكبر من وراء النشر.” موقع “ويكيليكس” اتهم الحكومة الاميركية مباشرة “بتمويل” مشروع الوثائق بالاضافة للمياردير جورج سورس، وانه موجه ضد روسيا والرئيس بوتين تحديدا.
في ذات السياق، توقيت الاعلان يأتي في الذكرى الخامسة لوثائق ويكيليكس وما تبعها من نشر وثائق سرية تتعلق بالحكومة الاميركية، شيلسي مانينغ، ومن ثم ادوارد سنودن الذي احدث هزات داخل المؤسسة الحاكمة لا تزال اصداءها فاعلة وقوية الى يومنا هذا.
من تداعيات وثائق بنما، اميركيا، ما تعتبره الاوساط الليبرالية انها تصب في خدمة جهود التشديدات الرقابية والأمنية التي تمارسها “وكالة الأمن القومي،” محليا وعالميا بحجة محاربة الارهاب والفساد.
بعض النخب الفكرية الاميركية اعتبرت التوقيت متزامنا مع جهود الرئيس اوباما الحديثة لتطبيق الاصحات الضريبية على الافراد والشركات التي تنوي نقل اعمالها خارج الولايات المتحدة، للتهرب من الضرائب. واتهم اوباما في خطاب القاه يوم الثلاثاء، 5 نيسان، القوانين “سيئة التصميم .. والتي اتاحت فرص الاتجار غير المشروع ونقل الاموال على الصعيد العالمي.”
من المفارقة ان الولايات المتحدة عينها اضحت الملاذ المفضل للاستثمارات والارصدة الاجنبية، منذ زمن بعيد، “وجنة ضرائبية” للمستثمرين عبر العالم، نظرا لقوانينها وشروطها الميسرة.
القاء نظرة عابرة على آليات عمل الشركات الاميركية، في الداخل الاميركي، يوضح حجم النفاق الرسمي والادعاء بمحاربة الفساد. في خطاب الرئيس اوباما سالف الذكر، اوضح ان “التهرب الضريبي هو مشكلة عالمية كبرى.”
تشير البيانات الرسمية الى ان شركة آبل العملاقة للاكترونيات تحتفظ بنحو 187 مليار دولار نقدا “في حسابات مصرفية” خارجية (اوف شور)، مما اتاح لها التهرب من استحقاقات ضريبية بمليارات الدولارات، بممارسة علنية.
وكالة بلومبيرغ للانباء المالية اشارت بوضوح الى استخدام الاثريا لولاية نيفادا كملاذ للتهرب من دفع الضرائب. وقالت مؤخرا “ترتبط بنما والولايات المتحدة بأمر مشترك: فكليهما رفض المصادقة على معايير دولية من شأنها تعقيد مهام المتهربين من الضرائب وتحويل الاموال للتغطية على اموالهم.” يشار الى ان نحو 100 دولة ومؤسسات عالمية اخرى وافقت مجتمعة، عام 2014، على فرض شروط مشددة على افشاء معلومات بنكية بالمودعين، والوقفيات واستثمارات اخرى مختلفة، كانت من بنات افكار مؤسسة اقتصادية اميركية تمولها الحكومة “منظمة التعاون الاقتصادي والتطوير.”
يشار الى ان اشهر الملاذات العالمية، سويسرا وبيرمودا، وافقتا على الكشف عن حسابات زبائنها مع السلطات الضريبية المختصة لدول متعددة، بيد ان ابرز الرافضي للتوقيع على الاتفاقية كانت الولايات المتحدة وبنما.
الاصدار الاول للوثائق “يؤكد على عمق السرية المتبعة في بنما،” كما توضح مدير “المكتب الاميركي لمكافحة الفساد” بالوكالة، ستيفاني اوستفيلد. واضافت ان بلادها ما هي الا “منطقة سرية شاسعة كما هو وضع عدد من دول بحر الكاريبي وبنما. لا ينبغي علينا ان نكون ملعبا لاموال العالم القذرة، وهو ما اصابنا راهنا.” الحكومة الاميركية، ممثلة بوزارة المالية، تشدد من قيودها واجراءات تعقبها للاموال بالعملة الاميركية في الخارج، بينما تتغاضى عن الاستثمارات الاجنبية لديها.
اميركا لا تخشى عاقبة من تجاهلها الصارخ للمعايير الدولية “ولا تطبق العديد منها، نظرا لنفوذها الطاغي، وهو العنصر الذي يوفر لها عدم التقيد،” كما اوضح احد اخصائيي الضرائب الدولية في واشنطن، بروس زاغاريس. واضاف انها بلاده “عمليا هي الدولة الوحيدة التي تستمر في تجاهلها المتعمد. الاخرون مثل بنما حاولوا ذلك، لكن نفوذ بنما لا يبلغ مدى قريبا من السطوة الاميركية.”
تجاهل اميركا للمعايير الدولية ادى بها الى تسويق نفسها لدى المستثمرين العالميين لايداع اموالهم في مصارفها وشروط السرية المطبقة داخليا، وللملاذات الضريبية في قوانين ولايتي نيفادا وساوث داكوتا، واتباع سياسة “عدم المساءلة” مما يحصنها من الكشف امام مصادرها الاساسية.
للدلالة، اوضحت وكالة بلومبيرغ ان عائلة روثتشيلد العريقة في المجال المالي أسست “شركة وقفية” في مدينة رينو بنيفادا، يبعد مقرها بضعة امتار عن شارع الملاهي الشهير. وعليه، تمضي “العائلة” بنقل ثروات زبائنها المودعة لديها من الاثرياء الاجانب من الملاذات المعتادة في بيرميودا الى نيفادا، التي لا تطبق معايير الكشف عن الاصول المودعة. وكذلك الأمر في ولاية ساوث داكوتا الساعية لاستقطاب الثروات الاجنبية.
اوروبيا، تشتهر امارة “اندورا،” الواقعة على الحدود الفرنسية الاسبانية بالتسهيلات المقدمة للاموال المودعة للتهرب من الضرائب. البعض اشار الى انتشار اللغة الروسية في الامارة بشكل واسع، اذ استقطبت العديد من الاثرياء الروس الجدد، واضحت “تتكلم اللغة الروسية أكثر من الكتالونية الرسمية منذ سنوات.”
في المحصلة، ترحب الولايات المتحدة رسميا بنقل الاموال اليها “دون ادنى مساءلة،” وتحميها بغلاف قوي لا يخترق من السرية الضرائبية، لا تتوفر في اي منطقة اخرى من العالم.

تجاهل اميركي محكم
عن البحث لتحديد المسؤولين عن ادارة الظهر للمعايير المصرفية الدولية تبرز للصدارة ادارة الرئيس اوباما وكذلك وزيرة الخارجية السابق، هيلاري كلينتون، لاستثناء الولايات المتحدة من عقوبات انتهاك النصوص. فالرئيس اوباما تبنى اتفاقية تجارية مع بنما سمحت بموجبها للتهرب الضرائبي. كما حث الرئيس اوباما اعضاء الكونغرس المصادقة على جملة من الاتفاقيات التجارية، احداها ابرمت مع بنما، تتيح بموجبها للاثرياء والشركات الاميركية ايداع ثرواتهم فيها للتهرب من قوانين الضرائب الاميركية.
يشار الى ان الاتفاقيات والمفاوضات الدولية بشأنها تشرف عليها وزارة الخارجية الاميركية، مما يعزز الاتهامات بتورط المرشحة هيلاري كلينتون، التي قالت عنها صحيفة انترناشيونال بيزنس ديلي، بأنها جهدت عام 2009 في تسويق اتفاقية التجارة الحرة مع بنما وكولومبيا وكوريا الجنوبية، المتعثرة انذاك، نظرا لقلق خصومها من عسر مهمة بنما تعديل قوانينها الضرائبية المخفضة على الاستثمارات الاجنبية، واختراق جدار السرية في قوانينها الناظمة للمعاملات البنكية، فضلا عن تاريخ بنما الطويل لعدم التعاون مع شركاء اجانب.
وعقب مصادقة الكونغرس على الاتفاقية المذكورة، زهت الوزيرة كلينتون للانجاز الذي قامت به “ادارة الرئيس اوباما والتي تعمل بكد مستمر لتعزيز انخراطنا الاقتصادي في عموم العالم، وما هذه الاتفاقيات الا خير مثال على ذلك الالتزام.”
المرشح للرئاسة وخصم كلينتون، بيرني ساندرز، عارض اتفاقية التجارة الحرة محذرا، عام 2011، من عسر اقناع اي امريء بصحة الادعاء حول توفير الاتفاقية فرص عنل اضافية للاميركيين، مشيرا الى ان الدخل السنوي الوطني لبنما لا يتعدى واحد الى عشرة من الناتج الاميركي. واضاف “لماذا يتعين علينا النظر باتفاقية تجارة حرة قائمة بذاتها مع بنما، تلك الدولة الصغيرة .. التي اضحت رائدة عالميا فيما يتعلق بتسهيل تهرب الاثرياء الاميركيين والشركات الكبرى من قوانين الضرائب الاميركية.”
وفق هذه الخلفية، اغفلت “وثائق بنما” تحديد هوية الشخصيات والشركات الاميركية، واوردت الصحيفة الالمانية التي اطلعت عليها ان هناك نحو 200 صورة لجواز سفر اميركي ضمن الوثائق “بعضهم يظهر انه من فصيلة المتقاعدين الاميركيين الساعين وراء شراء عقارات في كوستاريكا وبنما .. كما ان هناك نحو 3,500 من المستثمرين في شركات خارج الحدود .. ونحو 3,100 شركة مرتبطة بمهنيين في الاستثمار خارج الحدود مقراتها في ميامي ونيويورك ومناطق اميركية اخرى.”
بعض كبار الشخصيات الاميركية النافذة تحتفظ بعلاقات وثيقة مع الزوجين كلينتون، وتدير استثمارات مالية لشركات اجنبية. احداها “مجموعة بوديستا،” التي يديرها الزوجين بوديستا في مجال “البنوك والتجارة والعلاقات الخارجية. توني بوديستا كان احد ممولي حملة كلينتون الانتخابية، وشقيقه جون ترأس الحملة الانتخابية.
تضمنت قائمة الاسماء، وفق بيانات مجموعة “الاتحاد الدولي” بعض الشخصيات الاميركية، ومنها من له علاقة بعالم الجريمة والاحتيالات المالية. احدهم، بنجامين واي، رئيس شركة ضخمة في نيويورك تمت ادانته العام الماضي بالاحتيال مع شريكه رئيس البنك السويسري، سيريف دوغان اربك. استطاع واين النفاذ من عقوبة اشد بدفع غرامة مالية كبيرة.
ارتضت السلطات القضائية الاميركية بتغريم عدد من كبار المتهمين بمبالغ رمزية مقارنة بما تسببوه من ضرر للاخرين والثراء الذاتي الفاحش. ليس هناك من اجراء او عقوبة تحفز السلطات القضائية على انزال عقوبات سجن طويلة، مما يعزز المعتقد الشعبي بأن ذلك العدد الكبير من الاثرياء لديه نفوذ سياسي واسع داخل المؤسسة الحاكمة؛ الأمر الذي يفسر ايضا حرص مجموعة “الاتحاد الدولي” على عدم تحديد اسمائهم.