2024-06-03-التقرير الأسبوعي

ينشر بالتعاون مع “الميادين”

أبعاد تحذيرات بوتين
من نشوب حرب نووية

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

في السابع من شهر آذار/مارس الجاري سيلقي الرئيس الأميركي جو بايدن خطابه السنوي المعتاد “حالة الأمة”، أمام جلسة مشتركة لمجلسي الكونغرس، في ظل أجواء سياسية وشعبية غير مواتية، أبرزها تراجع حالته الذهنية والصحية، فضلاً عن مأزقه بإدارة الملفات الدولية وخاصة في أوكرانيا وقطاع غزة.

قبل أيام قليلة، ألقى الرئيس الروسي أيضاً خطابه السنوي “إلى الأمة”، 29 شباط/فبراير 2024، فحواه تقييم مؤسسة الرئاسة لأوضاع البلاد، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، واجتراح سياسات وتدابير مناسبة لمعالجتها.

حدّد الرئيس بوتين في خطابه أمام “الجمعية الفيدرالية الروسية” جملة مراسيم “تعيد تنظيم الهيكل الإداري والعسكري في روسيا، منها إعادة تشكيل منطقتي موسكو ولينينغراد” عسكرياً، إضافة إلى “المناطق الأربع التي أُعلن ضمّها إلى الاتحاد الروسي، وشبه جزيرة القرم أيضا” (“معهد دراسة الحرب – Institute for the Study of War”، 26 شباط/فبراير 2024).

وخلص المعهد المدعوم من البنتاغون إلى أن “مراسيم الرئيس الروسي توحي باستعداده خوض حرب عالمية واسعة مع حلف الناتو”، كما أن إنشاء منطقة عسكرية في لينينغراد، القريبة من فنلندا “يدلّ على أن روسيا تستعد لصراعات محتملة مع دول البلطيق وحلف شمال الأطلسي”.

تصدّرت ألمانيا دول حلف “الناتو” في التحوّل إلى “اقتصاد الحرب”، أوجزها المستشار الألماني أولاف شولز قائلاً: “اليوم، لا يمكن لأي إمرئ التشكيك بما أعرضنا نحن في ألمانيا عن القيام به لزمن طويل، وهو حاجتنا لقوات مسلحة قوية” (نشرة “بوليتيكو” الأوروبية، 10 تشرين الثاني/نوفمبر 2023). واعتمدت استراتيجية وعقيدة عسكرية جديدة، في عام 2023، جاء في مستهلّ نسختها المعتمدة “عادت الحرب إلى أوروبا. ينبغي على ألمانيا وحلفائها التعامل مع التهديد العسكري مرة أخرى. نحن نعيش على مفترق طرق” (المصدر السابق).

وبناء على تلك العقيدة صرّح وزير الدفاع الألماني، بوريس بستورياس، أن باستطاعة الرئيس الروسي “شنّ هجوم على حلف الناتو في غضون 5 إلى 8 سنوات”، ويجب على “حلف الناتو الاستعداد إلى أسوأ الاحتمالات” (اسبوعية “نيوزويك”، 19 شباط/فبراير 2024).

تجدّد الهجوم الإعلامي الأميركي على روسيا والرئيس بوتين شخصيا  في توقيت عالي التنسيق بين كبرى الوسائل المقروءة والمرئية، يوم 29 شباط/فبراير الماضي، بأن الرئيس بوتين “يهدّد بشنّ حرب نووية” استناداً إلى جملته الشهيرة في خطابه المذكور حين شدّد على “الجهوزية الكاملة للقوات النووية” الروسية.

خطاب الرئيس الروسي جاء عقب تصريحات مثيرة أطلقها الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون بأن “على الدول الغربية أن لا تستبعد نشر قوات برية في أوكرانيا”. وأوضح أن “إلحاق الهزيمة بروسيا أمر ضروري ولا غنى عنه لاستتباب الأمن والاستقرار في أوروبا” (صحيفة “نيويورك تايمز”، 28 شباط/فبراير 2024).

وسعت الصحيفة على الفور التنصل من تصريحات ماكرون قائلة أن “تصريحاته الاستفزازية تزامنت مع شعوره بالعزلة الداخلية في بلاده، وثبت أنه زعيم هامشيّ في سير الحرب بين إسرائيل وحماس”. كما أنها “تشير إلى حجم الهوة بين فرنسا وألمانيا في حرب أوكرانيا إذ استثنى المستشار الألماني أولاف شولز نشر أي قوات ألمانية”.

حرب نووية:

تحذير الرئيس الروسي لدول حلف “الناتو”، بأنّ مساعيها لنشر قوات مسلحة في أوكرانيا “سيضاعف من احتمالات نشوب حرب نووية” وأنّ بلاده “تمتلك أسلحة قادرة على ضرب أهداف في أراضيها”، أرخت ظلالاً شديدة القتامة على المشهد الدولي.

الردّ الأميركي جاء كما هو متوقّع بأنّ “تهديدات (الرئيس) بوتين لاستخدام أسلحة نووية ينبغي أخذها بكل جدّية، ولا تليق بزعيم دولة نووية”، مشدّداً على أن واشنطن “لا يرعبها خطاب بوتين” (الناطق باسم الخارجية الأميركية، 1 آذار/مارس 2024).

كما بادرت الصين بالتحذير من استخدام الأسلحة النووية، استناداً إلى عقيدتها الثابتة بأنها “لن تكون البادئة باستخدام السلاح النووي”، مذكّرة العالم بتعهّد “زعماء الدول النووية الخمس في بيان مشترك، كانون الثاني/يناير 2022، بأن لا يوجد طرف منتصر في الحرب النووية ويجب عدم خوضها بالمرّة” (بيان وزارة الخارجية الصينية، 1 آذار/مارس 2024).

معاهد الدراسات والأبحاث الأميركية تعجّ بطواقم “أخصائيين في شؤون الأمن والحرب النووية”، ما يضفي أهمية عالية على بعض انتاجها، خصوصاً تلك المعروفة بنفوذها على صناّع القرار  الاستراتيجي في الحزبين، الديموقراطي والجمهوري.

ربما أبرزها “مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية”، ومقرّه واشنطن، الذي حدّد “تحدّيات الأسلحة النووية الرئيسية في عام 2024″، مستدركاً أن حرباً شاملة بين الولايات المتحدة والصين، أو روسيا، أو أزمة كبيرة مع كوريا الشمالية “ليست حتمية” في المدى المنظور. أما الانزلاق إلى التراشق بالنووي “خصوصاً النووي التكتيكي” فهو الأكثر ترجيحاً (دراسة بعنوان “التفكير في المستحيل: خمسة مسائل أسلحة نووية لمعالجتها عام 2024″، مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، 9 شباط/فبراير 2024).

الأسلحة النووية التكتيكية ليست أقل فتكاً وتدميراً في نطاق جغرافي أضيق، وهي عبارة عن “رؤوس نووية حربية صغيرة مع أنظمة إطلاق مخصصة للاستخدام في ساحة المعركة، ومصمّمة لتدمير أهداف العدو في منطقة معيّنة دون التسبب في تداعيات إشعاعية واسعة النطاق”. ذاك هو التعريف النظري لسلاح لم يستخدم إلا في مناورات التجارب على الأسلحة.

القوة التدميرية “لأصغر سلاح نووي تكتيكي تصل إلى 1000 طن (من مادة تي إن تي المتفجرة)، وقد يصل إلى 100 ألف طن”. القوة التدميرية لسلاح نووي تقليدي بالمقارنة “قد تصل إلى مليون طن وتُطلق من مسافات بعيدة”.

التحديات المشار إليها من قبل مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية منوطة بمؤسّسة الرئاسة الأميركية للعام الحالي، وهي:

إدارة التهديات النووية الروسية والحرب في أوكرانيا في آن؛ الإنشاء التدريجي المبهم للأسلحة النووية الصينية؛ التوتر المستمر مع كوريا الشمالية؛ التزامات الردع الأميركية ودمجها مع موارد الحلفاء؛ تطوير سبل تحديث الترسانة النووية الأميركية.

في البند الخامس، الترسانة النووية الأميركية، أوضحت الدراسة أن “إجراءات التحديث تطال كل عنصر أو مكوّن أساسي في الترسانة النووية” الأميركية. أما تحدياتها الراهنة فهي تعاني من تأجيل مطرد لجهود الإنجاز، وما يرافقه من زيادة مستمرة في الكلفة النهائية.

وحذّرت الكونغرس وصنّاع القرار السياسي من أنه “إذا دخلت الولايات المتحدة حرباً، فهل لديها الجاهزية (والموارد المطلوبة) لإدارة الإنزلاق إلى النووي والرد على إمكانية استخدام سلاح نووي؟”

في المحصّلة، هي دعوة “عاجلة” لتعزيز سباق التسلّح النووي للهروب من تراجع مكانة الولايات المتحدة الاستراتيجية على مستوى العالم قاطبة. كما يبدو أن تسريب الـ “فاينانشل تايمز”، لما اعتبرته وثيقة  سرّية حول الشروط والضوابط والحالات التي قد تلجأ فيها روسيا لاستخدام السلاح النووي،  يصبّ في الإتجاه نفسه لتبرير تعزيز ترسانة الناتو النووية، وتقديم الذرائع لإستمرار واشنطن في تركيز اسلحة نووية في قواعد أوروبية.