2024-13-04-التحليل

التحليل

ينشر بالتعاون مع “الميادين”

نظرة إلى فعالية ومشكلات
سلاح بحرية حلف “الناتو”

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

احتفل حلف الناتو مطلع الشهر الجاري بمرور 75 عاماً على تأسيسه ودخوله مرحلة الشيخوخة، كما يصفه مناوئو التمدد العسكري الأميركي للنخب السياسية في واشنطن، فيما أكّد الرئيس الأميركي جو بايدن تماسك الحلف الذي “أصبح أقوى، ومفعماً بالنشاط، وكذلك أشد اتحاداً من أي وقت في التاريخ. وبالفعل ارتقى إلى مرتبة  أكثر حيوية لمستقبلنا المشترك”، وأشاد وزير الخارجية الأميركي توني بلينكون بالحلف وبأنه ماضٍ في التمدّد “وقبوله أوكرانيا كعضو في نهاية المطاف”، في خطابه يوم 4 نيسان/إبريل 2024.

لكن الخشية من مستقبل الحلف بدّدت تفاؤل الرؤى السياسية الأميركية بعد إقرار وزير الخارجية بلينكن بالقلق من استمرار الالتزام الأميركي، لكل من أوكرانيا وحلف الناتو، في حال فوز الرئيس السابق دونالد ترامب بالانتخابات الرئاسية بعد أشهر قليلة، قائلاً للصحافيين أنه أصغى جيداً لقلق الحلفاء من “التداعيات البعيدة على الأمن العالمي إن لجأت الولايات المتحدة لأي سبب كان ابتعادها عن التزاماتها” (وكالة “إيه بي”، 4 نيسان/إبريل 2024).

لم يتأخر الأوروبيون في إعلان قلقهم من مستقبل الحلف، معوّلين على جلسات الدورة المقبلة لقمة الحلف التي ستعقد في تموز/يوليو المقبل في واشنطن، والتي “ستمثل فرصة حاسمة للحلفاء والشركاء لضمان وحدة التحالف وقوته وتصميمه في السنوات القادمة، وستكون أيضاً فرصة لحلفاء الناتو لتوضيح التزامهم الثابت بأوكرانيا حرة ومستقلة وآمنة ومنتصرة” (“مركز تحليل السياسة الأوروبية”، واشنطن، نيسان/إبريل 2024).

وقد شدّد “معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام” على رفع الدول الأوروبية معدلات إنفاقها على الشؤون العسكرية “وضاعفت من استيرادها للأسلحة الأساسية بين أعوام 2019 و 2023″، زاعماً أن الصين التي تشكل التحدي الأساسي للحلف زادت معدلات ميزانياتها العسكرية بنسبة 7.2% للعام الجاري”، نقلا عن صحيفة “وول ستريت جورنال”، 5 آذار/مارس 2024.

مهّد حلف الناتو مناسبة إنشائه للإشادة بمتانة الترسانة البحرية للدول الأعضاء، خصوصاً الدول النووية زائد ألمانيا، إذ أضحى “بحر البلطيق بحيرة يسيطر عليها حلف الناتو،”  ما يقود إلى استنتاج أعضائه بأنه “ليس هناك ما يدعو للقلق من المنظور الأمني” (دراسة “معهد كارنيغي”، 18 كانوزن الأول/ديسمبر 2023).

في المقابل، ترى النخب السياسية والعسكرية الأميركية المنادية بإدخال تغييرات بنيوية إلى إطار الحلف أن ما يميز التحالف “هو تقادم رسالته وخواؤها، وخصوصاً أن الشروط الأساسية التي أدت إلى صعود التحالف لم تعد قائمة لأكثر من نصف عُمره.

كما أن الدول الأوروبية الأعضاء مجتمعة تمتلك اليوم قدرات مادية أكثر من كافية لردع روسيا والتكافؤ معها” (معهد “ديفينس برايوريتيز” – Defense Priorities، 4 نيسان/إبريل 2024).

الصراع مع روسيا أصبح ساحة الصراع المحتملة مع الولايات المتحدة وامتداداً حلف الناتو، الذي ما فتئ يستعرض ترسانته البحرية وحمولته من حاملات الطائرات والمدمّرات والطّرادات، فضلاً عن غواصات على متنها أسلحة نووية تابعة للولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا. ويقدّر الخبراء العسكريون أن ياستطاعة دول الحلف تسخير “ما لا يقل عن 2000 سفينة” في أي معركة قادمة.

تبرز بين الفينة والأخرى حجم القيود التقنية لترسانة حلف الأطلسي، عدا عن تراجع أعداد القوى البشرية المختصة المطلوبة، ولم يعد سراً أسباب اصطدام بعض القطع البحرية الأميركية ببعضها البعض، نتيجة قصور برامج التدريب المطلوبة، بحسب تقارير لجان التحقيق المقدمة إلى لجان الكونغرس المعنية.

أما أوضاع البحرية البريطانية، الحليف الأوفى لواشنطن، فليست أفضل حالاً عقب تعرض جوهرة ترسانتها “إيتش أم أس كوين إليزابيث” لحادث عطل في مراوح محركاتها وخروجها من الخدمة قبل أن تبحر بصحبة البحرية الأميركية. وسبقها اصطدام سفينتين حربيتين بريطانياتين في ميناء البحرين “ما أسفر عن إلحاق الضرر بهما” (وكالة “إيه بي” الأميركية للأنباء، 4 شباط/فبراير 2024).

ولم تسلم قطع بحرية أخرى تابعة لكل من الدنمارك وألمانيا  من العطل، “مما أسفر عن عقبات في مهام مرسومة لها في البحر الأحمر”. وأطلقت الفرقاطة الألمانية “هيسن” النار على مسيّرة حربية أميركية من طراز “بريداتور” فوق مياه البحر الأحمر.

وتزامنت الحادثة مع عطل اصاب رادار الفرقاطة “أيفر ويتفيلد” الدانماركية وخروج نظم صواريخها المضادة للطائرات على متنها من الخدمة آنذاك “لنحو 30 دقيقة في ظل استمرار صنعاء إطلاق وابل من صواريخها على القطع البحرية الموجودة” في المياه التي حظرتها على القطع الأميركية والبريطانية. وقد عادت الفرقاطة إلى موانئ بلادها (وكالة “إيه بي”، 4 شباط/فبراير 2024).

كما أن حاملة الطائرات الأميركية جيرالد فورد” الضخمة والعاملة بالطاقة النووية عانت من خروج “نظام المنجنيق” للصواريخ الباليستية عن الخدمة، فضلاً عن حوادث كادت تؤدي إلى عدم اتمام هبوط مقاتلاتها على متنها بسلام، واضطرت إلى العودة إلى قاعدتها في ميناء نورفولك بولاية فرجينيا.

تراجع معدلات المنتسبين للقوات المسلحة، وخصوصاً في الولايات المتحدة، أدى إلى ارتفاع صيحات تفعيل التجنيد الإلزامي لتعبئة الصفوف وتعويض نقص الخبرات.

بموازاة تلك السمات في الترسانة الأميركية، ينبغي العودة إلى جوهر العقيدة العسكرية التي استندت في كل مراحل تطوراتها وتسليحها إلى مواجهة الاتحاد السوفياتي السابق، واقتصرت مهامها في العقود الأخيرة على مكافحة القراصنة والقوى المسلحة غير النظامية.

وسخّرت ميزانيات عالية لبناء قطع بحرية مناسبة لخوض حرب في مياه ضحلة قرب الشواطئ لمكافحة “حرب العصابات”، ووجد قادة البحرية الأميركية أنفسهم في حيرة، في ظل اضطرارهم إلى التوقيع على الإعفاء من الخدمة لعدد من تلك القطع التي لم يمضِ على دخولها الخدمة سوى بضع سنين.

بما أنّ هناك شبه إجماع على القلق على مستقبل الحلف على ضفتي الأطلسي، فماذا يخبئ المستقبل في المديين القريب والمتوسط، مع الأخذ بعين الاعتبار التراجع الهائل في معدلات الانفاق على البرامج الاجتماعية والصحية والتربوية في معظم اعضاء الحلف، وخصوصا دوله النووية زائد ألمانيا؟

أما الدول حديثة العضوية، فأمامها مسار طويل من التكيّف على أنماط العلائق القائمة والانخراط الفعلي لقواتها العسكرية بعد إدخال التعديلات المطلوبة من قبل قيادة الحلف.

وتحذر  بعض النخب السياسية الأميركية الأوروبيين “من الاستعانة التامة بالولايات المتحدة لضمان أمنهم، في ظل التحوّل الطارئ على الأولويات في الداخل الأميركي، وكذلك على مجمل حضورها في آسيا والتحديات الناشئة هناك” (معهد “ديفينس برايوريتيز”، 4 نيسان / إبريل 2024).

اما النخب الفكرية الأميركية التقليدية، فهي دائمة التحذير من “توسيع روسيا رقعة عملياتها السرّية، وهناك دلائل على اتخاذ القوات الروسية مخاطر عملياتية أعلى في بحري البلطيق والشمال”.

وحثّت أعضاء الحلف على  اللحاق بركب التقدم الروسي في تزايد اعتماده على “سلاح المدفعية، وصواريخ كروز والصواريخ الباليستية” التي تتفوّق بمجموعها على كل ما يتواجد لدى دول الحلف (دراسة “معهد كارنيغي”، 18 كانون الأول/ديسمبر 2023).