2024-20-02-التحليل

التحليل

ارتباك وهلع أميركي من سلاح
روسي مضاد للأقمار الاصطناعية

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

حالة ارتباك وعدم يقين اجتاحت المؤسسة الحاكمة الأميركية، منتصف شهر شباط الحالي، بسبب تصريحات عن سلاح فضائي روسي متطور أدلى بها “رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس النواب مايك تيرنر”، مطالباً البيت الأبيض برفع السرّية عن المعلومات الاستخبارية المتعلقة “بتهديد خطير للأمن القومي”، وبأن الأمر يتعلق بنظام نووي روسي غامض، لم يتم نشره بعد من شأنه تعريض الأقمار الاصطناعيةالأميركية وحلفائها للخطر.

وسارع البيت الأبيض تحركه إلى إرسال رسائل طمأنة بأنه “لا توجد تهديدات مباشرة لسلامة أي شخص، (وهو) سلاح لا يمكن استخدامه لمهاجمة البشر أو التسبب بدمار مادي هنا على الأرض”. لكنه أكّد أن روسيا تطوّر قدرات مقلقة لنشر أسلحة مضادة للأقمار الاصطناعية.

في تلك الأثناء، واصل رئيس لجنة الاستخبارات “تيرنر” بث تحذيراته غير المستندة إلى أدلّة مادّية أو معلنة بشأن التكهّن بزرع طاقة نووية في الفضاء الخارجي لأغراض عسكرية، قفزاً على اتفاقيات دولية مثل “معاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967″، والتفجيرات النووية في الفضاء محظورة بموجب “معاهدة الحظر الجزئي للتجارب النووية” المصادق عليها عام 1963.

والتقطت أجهزة الإعلام إشارة شيطنة روسيا مجدداً، من بينها تقرير بثته شبكة “بي بي أس : نيوز أور – PBS News Hour”، زعمت فيه أن روسيا تنوي نشر قمر اصطناعي يعمل بالطاقة النووية مع قدرة على شن حرب إلكترونية تستهدف الأقمار الأميركية، العسكرية والمدنية (شبكة “بي بي أس” 14 شباط/فبراير 2024).

العالم الأميركي المختص بفيزياء الفضاء، نييل دي غراس تايسون، شكّك في موجة التهويل من “الخطر” المزعوم، إذ تمتلك بعض الدول النووية، من ضمنها الولايات المتحدة، تقنية إسقاط قمر اصطناعيتُعرف بـ “التدمير الحركي النشط” (أي الذي لا يستوجب استخدام رأس متفجر)، نظرأً إلى أن سرعة الأقمار الحالية تبلغ 18،000 ميل/الساعة، وقال “أشك في مدى خطورة الأمر كما هو مطروح، نظراً إلى تشبث كل فرد بعواطفه أو ميوله” حول تقدير الخطر (نشرة “ذي هيل”، 16 شباط/فبراير 2024).

نقض “المجلس الأطلسي” فرضية الفيزيائي الأميركي قائلاً: “شن هجوم ديناميكي من الأرض نحو قمر اصطناعي صغير بمفرده سيكون عديم الفاعلية.

أما شن هجوم نووي، فهو ينطوي على معضلات أوسع”، ليس أقلها تعرض الأقمار الأميركية ذاتها للتدمير غير المقصود (نشرة “المجلس الأطلسي”، 15 شباط/فبراير 2024). بيد أن تلك المزاعم والإثارة لا تصمد طويلاً أمام حقائق يجمع عليها الطرفان، وأرضيتها تخلّف التطور العلمي في الولايات المتحدة في هذا المجال عن مثيله في روسيا، ومن بينها:

–        امتلكت روسيا/الاتحاد السوفياتي التقنية العلمية لتطوير وسائل مضادة للأقمار الاصطناعية منذ عام 1968. وأطلقت وكالة الفضاء الروسيى صاروخاً اعترض قمراً اصطناعيا لها خرج عن الخدمة، عام 1970. ولروسيا نظام مضاد للأقمار الاصطناعية في الفضاء منذ بداية عقد الثمانينيات من القرن الماضي. وأجرت تجارب حية عليه في شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2021.

–        أجرت الولايات المتحدة تجربة نووية في الفضاء الخارجي عام 1962، أطلقت عليها إسم عملية “ستار فيش”، ونجم عن الإشعاع الصادر إتلاف أو تدمير نحو ثلث جميع الأقمار الاصطناعية الموجودة في مدار منخفض للأرض.

–        تميز الاتحاد السوفياتي بوحدانية امتلاكه نظاماً مضاداً للأقمار الإصطناعية أطلق عليه “مدمّر الساتلايت” (نظام مضاد للأقمار في المدارات المشتركة)، خلال الحرب الباردة، أجرى عليه تجارب عملياتية عام 1963، واعتمد في أواخر سبعينيات القرن الماضي.

–        تم تركيب “أجهوة تشويش تعمل في نطاق واسع من الترددات” على الأقمار  الروسية، أهميتها القصوى تكمن في تدمير الأقمار الاصطناعية المنتشرة بكثرة مثل “ستار لينك”.

–        في المقابل، البرنامج الأميركي المضاد للأقمار الاصطناعية  المعتمد كان “أصغر كثيراً من مثيله السوفياتي”، وجرى العمل على تطوير نظامين أرضيين يعملان برؤوس حربية نووية (برنامج  505 لسلاح البر ، 437 لسلاح الجو)، تم إلغاء الأول عام 1966، والثاني عام 1975 لعدم استيفاء شروط الأداء السليم.

–        المؤسسة العسكرية الأميركية وضعت مفاعلاً نووياً في المدار عام 1965.  (معظم المادة مقتبسة من نشرة “ذي سبيس ريفيو – The Space Review، 16 تموز/يوليو 2018).

توقيت الحملة الأميركية المتجددة على روسيا في سياق الفضاء الخارجي له بعد أممي، لكونه يسبق انعقاد اللقاء الأول لمنظمة الأمم المتحدة “المجموعة العاملة المفتوحة” التي أقرتها الجمعية العمومية العام الماضي من أجل البحث في السبل المتوفرة “لخفض التهديدات من الفضاء”. ومن المقرر أن تبدأ أعمال المجموعة الأممية  في 9 أيار/مايو المقبل في جنيف.

يشار في هذا الصدد إلى تصريح لنائبة الرئيس الأميركي، كمالا هاريس، في قاعدة “فاندنبيرغ” لسلاح الجو في كاليفورنيا بأن الإدارة الأميركية “لن تجري تجارب مدمّرة. ببساطة، تنطوي تلك التجارب على مخاطر، ولن نقوم بإجرائها” (نشرة “ذي سبيس ريفيو”، 25 نيسان/إبريل 2022).

كما مهّدت الأرضية لما تنوي أميركا إنجازه في اللقاء الأممي وهو “إظهار قيادتنا في هذا المضمار وتوجيه النقاش في هذا الاتجاه”، واستطردت أن “نظام القيم والقواعد الدولي يواجه خطراً، ويجب علينا صياغة القواعد الجديدة، وتبوؤ مركز القيادة”.

المعلومات العلمية الموثّقة بشأن التقنية الروسية لاستخدامات الفضاء الخارجي شحيحة، سوى أنها تقنية لها بعد نووي، لكنه لا يجاري سلاحاً نووياً تقليدياً، وهو أقرب إلى الجيلين الثالث والرابع من الأسلحة النووية، ويشير إلى إمكانية نجاح روسيا في نشر مكونات نووية لا تتوفر لدى الولايات المتحدة.

التطور العلمي الحالي يشير إلى سلاح مضاد للأقمار الاصطناعية استناداً إلى شعاع ليزر كيميائي قوي، والذي تم تطويره بشكل مشترك بين الولايات المتحدة و”إسرائيل”. لكنه ينطوي على جملة تحديات كبيرة قد أدت بالجانب الروسي إلى طرحه جانباً.

السلاح الروسي بتقنية الليزر يعمل على استغلال فلوريد الدوتيريوم ويعمل ضمن موجة طولها 3.6 إلى 4.2 مايكرومتر (موجة متوسطة فوق الحمراء)، وينطوي على احتراق ثالث فلوريد النيتروجين يتم خلطه بالدوتيريوم والهيليوم لينتج فلوريد الدوتيريوم في حالة الإثارة، ويضخ بفوهات خاصة تجاري أشعة الليزر الكيميائي الأخرى.

وشعاع الليزر الناجم عن التفاعل الكيميائي يشكل خطراً على البشر، لكن استخدامه في الفضاء الخارجي قد يستدعي تعديلات بسيطة نسبياً في جهاز العادم المتطور لتحييد الغازات الخطرة المنبعثة.

وأقدمت الدول النووية على إجراء تجارب في تقنية الاحتراق دون الحرج لانتاج الطاقة النووية المطلوبة، في موازاة التقنية التقليدية وما تتطلبه من توفّر كميات كبيرة لليورانيوم أو بلوتونيوم، بيد أن تلك التجارب لم تدرج كأنشطة نووية بسبب طبيعتها لعدم تولّد الكتلة الحرجة المطلوبة للتفاعل التسلسلي المستدام. كما أن تلك التقنية لا تخضع لضوابط وقيود “معاهدة الحظر الشامل للتجارب” على الأسلحةالنووية.

من الجائز أن روسيا تجري تجارب متعددة لإنتاج سلاح مضاد للأقمار الاصطناعية، والولايات المتحدة أيضاً، لكن هوة التقدم بينهما لا تزال كبيرة، بحسب بيانات وزارة الطاقة الأميركية.

وقد وجّه “المجلس الأطلسي” نصائحه إلى صنّاع القرار الأميركي بالإقلاع عن “الهستيريا” من التهديد المتخيّل عند هذا المنعطف، والالتفات إلى “تمويل” أبحاث وتجارب مطلوبة لضمان فاعلية خطط الدفاع الأميركية وحمايتها من نظم غير مجربة في الفضاء الخارجي”.