2024-29-02-التحليل

التحليل

ينشر بالتعاون مع “الميادين”

لا نهاية قريبة لحروب أميركا:
أوكرانيا نموذجاً

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

في الذكرى السنوية الثالثة لبدء “العملية العسكرية الخاصة” في أوكرانيا، بحسب  سردية روسيا، انبرى العديد من المختصّين والإعلاميين الأميركيين للتوقّف عندها بغية “استخلاص دروس” مناسبةيضعونها في تصرّف القيادتين العسكرية والسياسية الأميركيتين.

وفي السياق عينه يلحظ المرء “اعترافات” متأخرة بشأن الدور الأميركي في تأجيج النزاعات العالمية، بضمنها أوكرانيا، مع التركيز على استثمار ما يمكن استخلاصه لصياغة “أولويات الاستراتيجية الأميركية الكونية”، والابتعاد الواعي عن نقد تجلّيات تلك الاستراتيجية وما تخلّفه من دمار أينما رأت المؤسسة الحاكمة لذلك سبيلاً.

سنسلّط الضوء هنا على استعراض أهم الأبعاد “الاستراتيجية” لنتائج الحرب في أوكرانيا، في بُعدها الأميركي، مُدركين أن الجوانب السياسية وحتى العسكرية جرى تناولها بكثافة.

يلحظ المرء محاولات متعددة لدى كبار “المختصّين” الأميركيين لإعادة تعريف عناصر الاستراتيجية في العصر الحالي، انفردت بها الخبيرة الاستراتيجية في سلاح البر المقدم كيتي كروم بأن القوات المسلحة الأميركية، خصوصاً سلاح الجيش، تواجه “نقطة انعطاف استراتيجية خلال انتقالها من مرحلة قتال الغوار، قبل 20 عاماً، وضرورة إعادة الاعتبار إلى مبدأ خوض عمليات قتالية واسعة، وإعدادها لخوض  صراعات مستقبلية” (دراسة نشرتها “الكلية الحربية الأميركية لسلاح الجيش”، خريف 2023).

أما كيفية تعامل الرئيس جو بايدن مع “متغيّرات” الاستراتيجية الكونية مستقبلاً فقد أوجزتها المحللة العسكرية المرموقة جوليا غليدهيل باتهامه بالتشبّث بالعناصر التقليدية منذ الحرب الباردة. وقالت “بدلاً من إعادة تشخيص بُعد الحد الأقصى في الاستراتيجية الأمنية القومية اعتمدت (الإدارة) مضاعفة الخطأ الأوّلي”.

وأوضحت أن الرئيس بايدن “ينوي الارتقاء بالولايات المتحدة إلى وضعية حرب دائمة، وإدارته فاقدة الرؤيا لآليات تقليص التصنيع العسكري” عند الحاجة (“مركز المعلومات الدفاعية “Center for Defense Information، 23 شباط/فبراير 2024)”.

وشاطرها الرأي في استراتيجية الحروب الدائمة ضابط الاستخبارات في “مجلس الاستخبارات الوطنية”، يوجين رومر، قائلاً: “تُوَفّر السنة الثالثة للحرب فرصة لاستخلاص الدروس من السنتين الماضيتين، وكذلك وضع أوكرانيا وحلف الناتو في مرحلة تَعِد بمواجهة طويلة الأجل لا هوادة فيها مع خصم قوي وخطير. لا يوجد في الأفق ما يؤشر إلى نهاية قريبة للحرب” (“معهد كارنيغي”، 7 شباط/فبراير 2024).

ونقلت وسائل الإعلام الأميركية عن مسؤولين في البنتاغون لم تحدّد هويتهم أن “صياغة استراتيجية الدفاع المقبلة تعتمد على دراسة سرّية تتعلق بالدروس المستفادة من الحرب”. وأضاف رئيس أركان الجيش الجنرال راندي جورج زاعماً: “إننا نتعلم من ساحة المعركة وخاصة في أوكرانيا، أن (تفوّق) الاستطلاع الجوي قد تغير بشكل جذري” (صحيفة “واشنطن بوست”، 22 شباط/فبراير 2024).

في بُعد الإعداد الأميركي المسبق للحرب في أوكرانيا، اختارت “وكالة الاستخبارات المركزية، سي آي إيه” الإقلاع” عن استراتيجية غموض مواقفها التقليدية وترك الأبواب مفتوحة أمام التفسيرات المتعددة، بالاعتراف الصريح بأنها “أنشأت قواعد تجسس في أوكرانيا” بمحاذاة الحدود الروسية منذ 8 سنوات “بضمنها 12 موقعاَ سرّياً” هناك، أحدها يستخدم كمحطة تنصّت وهو الأشد سرّية بينها، أنشئ تحت الأرض “يشكّل مركز أعصاب القيادة العسكرية الأوكرانية” بإشراف وتمويل أميركي، إضافة إلى إنشاء “شراكة استخباراتية سرّية مع أوكرانيا لأكثر من عقد من الزمن” (صحيفة “نيويورك تايمز”، 25 شباط/فبراير 2024).

الهيمنة الأميركية “شبه المطلقة” على قرار دول الاتحاد الأوروبي لم تعد مجرد تكهّنات، بل أضحت ركناً ثابتاً في الاستراتيجية الأميركية لبسط نفوذها على دول “حلف الناتو”، على الرغم من بعض الجدل الداخلي بشأن ضرورة الإبقاء على الحلف ضمن أجواء مزايدات انتخابية.

عودة سريعة إلى كنه الالتزام الأوروبي بالحلف نجده في ثنايا تصريحات السكرتير العام الأول للحلف، اللورد إسماي، بأن هدف إنشاء الحلف هو “إبقاء نفوذ الاتحاد السوفياتي خارج أوروبا، ودخول أميركا إليها، وكبح ألمانيا”، مع إقرار دول الحلف بأن “روسيا لم تُقدِم على غزو أي من أعضاء الحلف” (موقع حلف الناتو الدولي، 3 آب/أغسطس 2023)

الرؤيا الأميركية لمستقبل حلف الناتو يجمع عليها التيارات المتعددة داخل المؤسّسة الحاكمة، من حيث ديمومته وتوسيع عدد أعضائه ومهامه العسكرية المنوطة.

المستشار العسكري والأمني للرئيس الأميركي، جيمس جاي كارافانو، أوضح حديثاً عناصر الرؤى الأميركية قائلاً: “من الضروري بمكان أن يكون لحلف الناتو دور في مهام المساعدات الأمنية كمجموعة، ويجب حثّ دول الحلف على بناء قواتها العسكرية التقليدية وكذلك منشآت الصناعات الدفاعية ونظم الدعم اللوجستي، وترسانة من الذخائر وقطع الغيار أيضاً” (“مؤسسة هاريتاج”، 19 أيار/مايو 2023).

واستجابت دول الحلف لطلبات واشنطن منذ الحرب الأوكرانية، ودراسة الأداء الميداني للاستفادة منه في رسم سياسات مستقبلية تأخذ بعين الاعتبار “هجوماً روسياً يستهدف دولاً أوروبية أخرى”، وأرسلت إشارات جليّة بأن تخزين الأسلحة والذخائر تقف على رأس سلّم أولوياتها في المرحلة الحالية.

وتعد مسألة تخزين الأسلحة والذخائر وتحديث البنى التحتية للصناعات العسكرية أحد “الدروس المستفادة” من الحرب الأوكرانية لدول حلف الناتو، كما يشاع.

يستغل خصوم الرئيس السابق دونالد ترامب تصريحاته المندّدة بدول الحلف طالباً منها تخصيص “ما لا يقل عن 2% من ناتجها السنوي الإجمالي لشؤون الدفاع”، ما يسهم في تقليص حجم الإنفاق الأميركي على الشأن العسكري، كما أوضح.

إضافة إلى حساسيته من استمرارية رصد أموال أميركية لدول الحلف، يدرك ترامب حجم النبض الشعبي من بقاء الولايات المتحدة في حالة حرب “مستمرة” حول العالم. وعزا بعض مستشاريه توسع انتشار القوات العسكرية الأميركية بأنه يأتي على حساب جهود تحديث الآلة العسكرية الأميركية.

ويلتقي ترامب وخصومه في قيادات الحزب الديموقراطي حول “ضرورة التوجه لحصار الصين” في السنوات المقبلة، وهنا تكمن أيضاً أهمية الدور المنوط بحلف الناتو “كمجموعة شديدة الأهمية لمواجهةتحديات الصين” (“مؤسسة هاريتاج”، 19 أيار/مايو 2023).

كلفة الحرب الأوكرانية مالياً على دول حلف الناتو غير مسبوقة في حجمها العالي، خصوصاً لرائدتها الولايات المتحدة. فقد بلغت الميزانيات التي صادق عليها الكونغرس لهذا الشأن نحو 113 مليار دولار، لنهاية العام الماضي. أما ماذا تحقّق نتيجة تلك الميزانيات فلا يزال محط جدل واسع داخل النخب السياسية الأميركية، مقارنة مع سردية الإدارة الأميركية التي تصّر على المضي في حرب “تلحق هزيمة استراتيجية بروسيا”.

بعبارة مباشرة، أوضح الأستاذ الجامعي المرموق جون ميرشايمر حصاد الحرب الأوكرانية قائلاً: “أعتقد أن أوكرانيا قد خسرت الحرب، فهي بطبيعتها أضحت حربأً استنزافية” (مقابلة مع شبكة “بي بي أس” للتلفزة، 22 شباط/فبراير 2024).

البعد المسكوت عنه أميركيا في الحرب الأوكرانية هو العامل النووي مجسّداً بسياسة أميركية ثابتة “تلعب على حافة الهاوية” لتستدرج ردّ خصومها وتعفي نفسها من مسؤولية الرد باستخدام السلاحالنووي.

يشار في هذا الصدد إلى مذكرة الأب الروحي لليمين الأميركي الرئيس رونالد ريغان، بتوقيعه على بيان مشترك مع الرئيس السوفياتي آنذاك، ميخائيل غورباشوف، وإبرام “معاهدة خفض الأسلحةالاستراتيجية”، عام 1985، إذ قال: “لا يمكن الفوز في حرب نووية ويجب أن لا تخاض”.

بيد أن العقيدة العسكرية الأميركية الثابتة لم تستثنِ استخدام السلاح النووي من خططها. يشار إلى جنرال سلاح الجو الأميركي كيرتيس لوماي وحماسته الملحوظة لاستخدام السلاح النووي، وليس التهديد به فحسب. فإبان الحرب الباردة، برز اسمه في مواجهة الرئيس جون كنيدي. الأول طالب الرئيس بقصف جزيرة كوبا بالسلاح النووي “للقضاء على النفوذ السوفياتي”، والرئيس كنيدي اختار “سلاح الحصار” وانتصر مرحلياً.

كما أشرف لوماي في شهر حزيران/يونيو 1950، على “مناورات ضخمة استخدمت فيها القاذفات الاستراتيجية ب-29 في الأراضي الأميركية  لمحاكاة حملة قصف ضد مدن الاتحاد السوفياتي”. وجاء في مذكرة لمرؤوسيه “الحرب المقبلة ستكون حرباً جوية استراتيجية والهجوم النووي ينبغي أن ينتهي إعداده في غضون ساعات”، موضحاً أن حملة القصف المقترحة ستستهدف “تدمير 70 مدينة سوفياتية خلال 30 يوماً باستخدام 33 قنبلة نووية” لإنجاز المهمة (تحقيق أجرته “ذي نيو يوركر”، 11 حزيران/يونيو 1995).

على ضوء ما تقدم، من أبرز الاحتمالات المستقبلية في العام الثالث للحرب الأوكرانية، هو العودة الأميركية لسباق تسلّح نووي يشمل تصنيع صواريخ حاملة للرؤوس النووية عابرة للقارات، من الجيل الأحدث.

على صعيد الحرب التقليدية المستمرة في أوكرانيا بدا نقص مخزونات الذخيرة للصواريخ والمدفعية الثقيلة جلياً لدرجة جعلت قادة أوكرانيا يبرّرون فشل هجومهم المضاد، وتراجع وانسحاب قواتهم من مواقع هامة، بنقص الذخيرة التي يوفّرها لهم عادة حلف الناتو.

كما تبيّن أن العديد من المعدات العسكرية المخزّنة لدى دول “الناتو” تحتاج الى صيانة، وتمّ تقديمها لأوكرانيا في حالة تستوجب اسابيع أو أكثر من أعمال الصيانة. وتبيّن أيضاً إفتقار معظم دول “الناتو” إلى بنية  تحتية لتصنيع عسكري فعّال نظراً لاعتمادها على شراء المعدات من الولايات المتحدة.