2021-25-01-التقرير الأسبوعي

 مستقبل الحزب الجمهوري:
أزمة بين الجناح الشّعبوي والتقليديّ

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

عزّزت خسارة الحزب الجمهوري السيطرة على البيت الأبيض نداءات كبار استراتيجييه للبحث عن مكامن الخلل، وحفّزت بعض النخب السياسية والفكرية على المراجعة والسعي لردم الثغرات التي خلّفتها الانتخابات الرئاسية، باعتبارها أضحت تهدّد أركان النظام السياسي برمته.

تعد فصلية “فورين أفيرز” من أبرز محطات تلك النخب. وقد أشارت مؤخراً إلى “تفكك قوة أميركا”، في سياق استعراضها تراجع الهيمنة الأميركية على الصعيد الدولي (25 حزيران/يونيو 2020)، بينما أشار آخرون إلى اهتزاز الركيزة الديموقراطية لتداول السلطة، وهو أمر لم يستطع بايدن في خطاب التنصيب سوى الإقرار به عندما أضطر إلى الإعتراف بهشاشة الديموقراطية الأميركية.

صحيفة “كريستيان ساينس مونيتور” اعتبرت التطورات التي سبقت مراسم التنصيب، وما رافقها من غياب الرئيس ترامب لتوديع خلفه، والاجراءات الأمنية غير المسaبوقة، بأنها حالة تردٍ في البلاد “لم تشهد مثيلاً لها منذ 167 عاما”، وحذّرت “فورين أفيرز” من “انقلاب عوامل” القوة الأميركية إلى نقيضها إن استمرّ التغاضي عن معالجة الأزمة المركّبة، واعتبرت أن واشنطن، في ضوئها، “لا تشهد تراجعاً فحسب، بل تعيش حالة تفكك أيضاً”، جازمة في خلاصتها بأنّ التراجع على الصعيد الدولي “ليس حلقة مؤقتة، بل وضع دائم”.

سنسلّط الضوء في هذه المساحة على إرهاصات الحزب الجمهوري، كنتيجة طبيعية لخسارته البيت الأبيض، لكن مؤشرات الأزمة تنطبق بالتوازي على الحزبين، على الرغم من تحكّم الحزب الديموقراطي راهناً، ولوبأغلبية محدودة، بمفاصل السلطتين التنشريعية والتنفيذية، وذلك كشريكين في الأزمة البنيوية للنظام السياسي الأميركي.

بنية الحزب الجمهوري “التقليدية” قائمة على 3 ركائز من القوى الاجتماعية: تيار المتشددين المتدينيين، وقوى تقليدية نافذة في مختلف نواحي الدولة، وصقور التدخل والإنفاق العسكري. مجيء الرئيس ترامب أضاف الركيزة الرابعة والأوسع تمثيلاً من المهمشين البيض (نشرة “كوك بوليتيكال ريبورت” المستقلة، 8 كانون الثاني/يناير 2021).

قبل “غزوة الكابيتول”، برزت قوة القيادة التقليدية للحزب ونفوذها الواسع بزعامة نائب الرئيس الأسبق ديك تشيني في مقارعة صعود الرئيس ترامب وشعبيته العريضة بين قواعد الحزب. جناح تشيني، إن صحّت التسمية، يحظى بدعم وتمويل سخيّ من كبار ممولي الحزب، وخصوصاً كبريات شركات الأسلحة والنفط، بيد أنّ إفرازات “الغزوة” لن تحتسب مكسباً له بالضرورة، إذ إنّ منسوب غضب القواعد الشعبية وقيادات معتبرة فيه ما زال يتفاعل على خلفية تخلّي تلك النخب عن حماية رئيس جمهوري وتركه عرضة للمحاسبة للمرة الثانية، بصرف النظر عن مصير العملية ومضيها إلى نهايتها.

أظهرت بيانات استطلاعات الرأي أنّ “جناح ترامب” يشكّل أغلبية عددية في الحزب الجمهوري، وآخرها استطلاع أجرته صحيفة “وول ستريت جورنال” عشية الانتخابات الرئاسية، أظهر تأييد نحو 54% من قواعد الحزب الجمهوري للرئيس ترامب، مقابل 38% لقيادات أخرى. وللدلالة أيضاً على عمق نفوذ “جناح ترامب” في تركيبة الحزب، فازت رونا ماكدانيال، مرشحة الرئيس ترامب، بمنصب رئيس اللجنة المركزية للحزب الجمهوري بالتزكية. كما أنّ “جناح ترامب”، في اعتقاد استاذ العلوم السياسية في جامعة ستانفورد الأميركية، تيري مو، باقٍ على المدى الطويل “يعتريه الغضب، وأعداد مؤيّديه كبيرة، ونفوذه السياسي قويّ داخل الحزب الجمهوري”.

أما مصير الحزب الجمهوريّ بشكل عام، فيعتمد أيضاً على توجّهات الرئيس ترامب، بحسب الناطق الإعلامي الأسبق للبيت الأبيض آري فلايشر، قائلاً: “مستقبل الحزب ينطوي على حقائق دلّ عليها دونالد ترامب واستثمرها”، أي الشرائح العمالية والمهمّشة التي تعتقد أنّ مصالحها تكمن في الالتفاف حول زعيم “يتصدّى للصين ويناصر الحريات الدينية والشخصية، من دون إيعاز للعنف”.

ويستطرد فلايشر، الناطق الأسبق بلسان الرئيس جورج بوش الإبن، إنّ وعود ترامب  بزيادة أجور العمال نالت صدى واسعاً، إضافة إلى سياساته المناهضة للهجرة غير الشّرعية، وتركيزه على ميّزة “استثنائية الرأسمالية الأميركية” في إنشاء فرص العمل التي ستساعده في المرحلة المقبلة من حضوره السياسي.

على الرغم من خسارة الحزب الجمهوري لمنصب الرئاسة ،لكنه استطاع الفوز بأغلبية المجالس التشريعية في الولايات الخمسين، الأمر الذي سيوفر له فرصة ذهبية لإعادة ترسيم توازنات المقاطعات الانتخابية وكسب المزيد من التمثيل في مجلس النواب في الانتخابات النصفية لعام 2022.

من بين مجموع الولايات الخمسين، سيطر الحزب الجمهوري على 27 منصب حاكم للولاية، و 62 مجلساّ تشريعياّ من مجموع 99 مجلساً (مع العلم بأنّ ولاية نبراسكا لديها مجلس تشريعي واحد بدلاً من مجلس نواب ومجلس شيوخ)، مقابل 37 مجلساَ تحت سيطرة الحزب الديموقراطي.

في ولاية بنسلفانيا، على سبيل المثال، كسب الحزب الجمهوري مقاعد إضافية في المجلس التشريعي، وكذلك الأمر في ولاية نورث كارولينا، بينما فاز الحزب الديموقراطي بمقعد يتيم في ولاية تكساس البالغة الأهمية، مقابل احتفاظ الحزب الجمهوري بأغلبية المجلس التشريعي ومنصب حاكم الولاية.

في المحصّلة العامة، يسيطر الحزب الجمهوري على أغلبية المجالس التشريعية في الولايات، ويتحكّم الخصم الديموقراطي بالهيئات التشريعية والتنفيذية الاتحادية في واشنطن، ناهيك بتوازنات السلطة القضائية العليا التي تميل بشدة لصالح الحزب الجمهوري.

تجدر الإشارة إلى “استثنائية” الجولة الأخيرة من الانتخابات الرئاسية على صعيد الحزب الجمهوري، الذي لم يقدّم أو يتبنّى برنامجاً سياسياً في مؤتمره السنوي العام، “وهي المرة الأولى منذ إنشائه قبل 166 عاماً” التي يفشل فيها. وقد اكتفى بإصداربيان مركزي يؤيد الرئيس ترامب.

تداعيات تصويت مجلس النواب الأميركي على قرار محاكمة ترامب أفرزت كتلة مناهضة مكونة من147 ممثلاً في مجلس النواب لنتائج الانتخابات الرئاسية، وانعكست سلباً على جناح مناهض لها داخل الحزب، ممثلاً بكريمة نائب الرئيس الأسبق والنائب عن ولاية وايومننغ ليز تشيني. وقد عاقبها الحزب الجمهوري بمعارضة نحو 107 من أعضائه في مجلس النواب لمرتبتها الثالثة في قيادة الكتلة الجمهورية، وتوجيه “توبيخ” شديد اللهجة إليها، ما سينعكس سلباً على مستقبلها السياسي، وخصوصاً بعد قرار الحزب ترشيح ممثل منافس عنه للفوز بمقعدها في جولة الانتخابات المقبلة.

الرئيس السابق لمجلس الشيوخ ميتش ماكونيل أيضاً نال غضب الحزب في ولايته كنتاكي، وتم توجيه توبيخ إليه على خلفية تأييده لقرار محاكمة الرئيس ترامب. مصير مجلس النواب سيتحدد في الانتخابات النصفية في العام المقبل على هدي العرف الأميركي ربما، الذي يعطي أغلبية المقاعد للطرف المنافس لحزب الرئيس. الثابت حتى اللحظة تأييد نحو 74 مليون ناخب للرئيس ترامب، “بعضهم لا يزال يعتقد أنّ الانتخابات سُرقت منه بتواطؤ كبار قادة الحزب الجمهوري عليه”، على الرغم من غياب الدلائل الحسية.

قبل الغوص في مستقبل الحزب الجمهوري، ينبغي التذكير بتقييم أحد استراتيجييه ورئيس مجموعة “نورث ستار” لقياس الرأي العام، ويت آيرز، قائلا: “تنقسم الموازين داخل الحزب إلى قسمين؛ العنصر الشعبوي مقابل العنصر التقليدي في الحكم، وأرجّح تنامي الصراع بينهما للسيطرة على توجهات الحزب المقبلة”. وأضاف أنّ ما جرى “يوم 6 كانون الثاني/يناير شكّل مدخلاً لمعركة الصراع على روحية الحزب في عصر ما بعد الرئيس ترامب”.

في ضوء ذلك، يُستبعد الحصول على أغلبية مطلقة في مجلس الشيوخ (67 عضواً) للتصويت على إدانة الرئيس ترامب أو ربما مصادقة السلطة القضائية العليا على استيفاء “حكم الإدانة للنصوص الدستورية”. وينظر عدد لا بأس به من أعضاء الحزب الجمهوري بعين القلق إلى مستقبلهم السياسي، في حال انضمامهم للتصويت على الإدانة، لعلمهم بمعاقبة الناخبين لهم في الجولة المقبلة.

لن يغيب ترامب عن الساحة السياسية، كما يعتقد الكثيرون، ولا سيما أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأميركية في واشنطن آلان ليكتمان، الذي يعتبر مرجعاً في صحة توقعاته لفوز مرشحي الانتخابات الرئاسية لفترة زمنية طويلة. يجزم ليكتمان أن رؤية أو تمنّي البعض تلاشي حضور الرئيس ترامب عن المشهد السياسي لا تعززه الوقائع الراهنة إلا في حال إيداعه السجن، لكن الأخير أثبت عمق تأييد قاعدته الشعبية في الانتخابات الاستثنائية لولاية جورجيا، 5 كانون الثاني/يناير الجاري، رغم خسارة مرشحيْه. أما تصريحاته بالترشح لانتخابات العام 2024، فإنها تعني أنه يطمح للبقاء كعنصر مهيمن على مفاصل الحزب والعنصر الموجّه، ولو حُرِم من الترشح للرئاسة مجدداً.

يمكن إيجاز رؤى ما سيؤدي إليه الصّراع داخل الحزب بتوجّهين متصادمين، أحدهما “يأمل” تراخي قبضة الرئيس ترامب على الحزب بعد خروجه من السلطة، مقابل اعتقاد الطرف الآخر بأنه ينبغي إقدام الحزب على اتخاذ خطوة صريحة تكسر قواعد الولاء الشخصي السابقة، بعدما أوصله الرئيس ترامب إلى “حافة الكسر”، وذلك طمعاً في استعادة منسوب المصداقيّة المتدهورة، بحسب حاكم ولاية اوهايو الأسبق عن الحزب الجمهوري جون كيسيك. ويضيف أنه في حال فشل في الحزب التخلي عن ترامب وفتح صفحة جديدة، فمصيره التقوقع على ذاته، وربما التشظي، مع الأخذ بعين الاعتبار تنامي دعوات مؤيدي ترامب لتشكيل حزب منفصل.

Analysis 01-25-2021

ANALYSIS

The Future of the Republican Party

“The report of my death was an exaggeration.”

Samuel Clemens (Mark Twain)

This famous quote by American humorist Samuel Clemens could apply equally to the Republican Party.  While reports circulated about the death of the GOP as Trump left Washington and talked about running for president again, the party of Lincoln still had a lot of life in it.

The fact was that the Republican Party did well in November, except for the Senate (which experts predicted would go Democratic instead of being tied) and the presidency.

Republicans seriously narrowed the Democratic margin in the House.  According to the Associated Press on January 22nd, Democrats control only 222 seats, just four seats above the 218 seats needed to have a majority.  That means if midterm elections follow history and the party in power loses seats, the House of Representatives will be Republican in two years.

According to the Cook Political Report, at the state level, Republicans did well, which gives them control of the redistricting and gives them a better chance to win more House seats in 2022.  This was despite the hundreds of millions spent by Democrats to gain a bigger foothold in the states.

While Delaware, Washington, and North Carolina elected Democrat governors; Indiana, Montana, New Hampshire, North Dakota, Utah, Vermont, and West Virginia went Republican. Montana switched from Democrat to Republican with the result that Republicans control 27 of 50 governorships.  The Montana win also gives Republicans total control of Montana, since Republicans already control the state legislature.

The New Hampshire State Senate and State Legislature flipped to Republican after going Democratic in 2018.  With its new Republican governor Sununu, it means New Hampshire is now in GOP hands,

It appears currently, of the 99 state legislative bodies in the US (Nebraska has only one legislative body), that the Republican Party controls 62 legislative bodies, while the Democrats now control 37 (a loss of two by the Democrats).  Republicans also gained in seats held in several states.  In heavily Democratic Maine, the GOP gained six seats in the state legislature.

In Iowa, Republicans expanded their majority control of their legislature.  Republicans in Pennsylvania gained seats in both the legislature and state senate.  North Carolina saw the GOP retain control of both state senate and legislature.

In Texas, Democrats gained only one senate seat.  Both legislative chambers remain Republican, as well as the Texas governorship.

This is hardly the record of a party in decline.  However, it does show a change that may predict future Republican and Democratic gains and losses.

For decades, the criticism of the Republican Party was that they were too focused on the presidency.  While Republicans did well in winning the White House in the post ww2 period, they had no control over the Supreme Court, Senate, most states, and House, which remained Democratic for decades.

This has changed.  The Republicans control the majority of state governors and legislatures but are at a disadvantage at the federal level.  The reality today is that the Republicans control the states, while the Democrats control the federal government in Washington.

This dichotomy explains much.  While Trump is disliked by many (including some Republicans) in Washington DC, he remains popular with many Republicans outside of Washington.

Some in the Republican Party discovered this in the past few weeks.  Liz Cheney, the Republican Representative from Wyoming voted to impeach Trump for the events on January 6th, only to be censured by Republicans in Wyoming.  Ironically, this censure was of the third ranking Republican in the House and a woman who was a rising star in the Republican Party.

At this time, 107 Republican congressmen (many of the Republicans in the House) have indicated that they support removing her from the leadership role for her impeachment vote.

Cheney is not the only one to face censure back home.  Senate Minority Leader Senator McConnell has also been censured by Republicans back in Kentucky for his comments about Trump and impeachment.

Since Trump remains popular with many Republicans, any senator supporting Trump’s conviction could be risking their Senate career.  Given that and the serious constitutional issues surrounding the impeachment and conviction of a former president, it is unlikely that the Senate will vote to convict or that the courts will uphold the conviction as constitutional.  In fact, with legislation like the stimulus bill awaiting an impeachment trial in the Senate, voters (who aren’t in favor of impeachment and want Congress to address real problems) will punish senators for taking time for this endeavor.

The reality is that Trump is unlikely to run for president again.  He is currently 74 and will be 78 when the next presidential election is held – the same age as Biden when he took the oath of office.  Since there were many criticisms of Biden over his age and mental capacity, a 2024 Trump presidential campaign would run into the same problems.  In fact, Democrats will likely remind voters of Trump’s comments on Biden’s age and mental health.

Trump is more likely to play to his strengths – money and organizing.  He has already indicated that he wants to campaign for clean elections and provide support for Republicans who back his agenda.  He is also expected to raise money for Republican candidates by speaking at local events.

With Trump’s loss, there are many who are looking towards the 2024 presidential election.  However, those who criticized Trump over the last four years like Romney are unlikely to find it an easy road.  Voters will remember those candidates who opposed their president.

However, there are some potential candidates who are already making a name for themselves.  In Senate confirmation hearings, two Republican Senators have made it clear that they will take a leading role in opposing the Democrats and their agenda.  They are Senator Cruz (Texas) and Senator Paul (Kentucky).  Although they did have differences with Trump over the past four years, they were generally supportive of his agenda.

Senator Ted Cruz ran for president in 2016 and was the last major candidate to drop out after it became clear that Trump would win the nomination.  He is eloquent and a strong conservative who has the backing of many grassroots Republican organizations.

Senator Rand Paul is an outspoken senator with libertarian leanings.  His father is former Congressman Ron Paul, who ran for president in 2012.  Although he disagreed with Trump on the deployment of US troops in the Middle East, like Trump, he favors small government.

While the 2024 presidential election will impact events, it is the 2022 election and the future of the “nullification” movement that will have the biggest impact in the near term.

As mentioned earlier, some candidates are already setting up their congressional campaigns.  Thanks to her vote for Trump’s impeachment, Liz Cheney is already being challenged in the Republican primary.  She will not be the only one to face competition from pro-Trump candidates.

The Nullification movement will also pick up as Biden reinstates many Obama era regulations.

Nullification is a principle that was frequently employed by southern states in the pre-Civil War era but died out after the war.  It says that each state can decide which federal rules to obey.

The principle gained life again in the 1990s when the Supreme Court ruled that the federal government could not impose rules on the state if they didn’t provide the necessary funding.  The ruling declared unconstitutional a law that forced states to impose additional rules on gun purchases.

Ironically, this principle was expanded by the Obama administration to stop states from enforcing federal laws on immigration.  The principle was also used extensively by Democratic states like California during the Trump Administration to ignore laws that would send undocumented immigrants back to their homes in other countries.

As the Biden Administration is expected to push legislation and regulation on gun rights, abortion, the environment, immigration, voting procedures, and economic regulation, we can expect states to refuse to enforce federal legislation.  Since the federal government does not have that many law enforcement officers and relies on local police to enforce federal laws, this is essentially the same as nullification.

The states have already started pushing back.  Texas is already suing the federal government to prevent them from ignoring immigration laws in Texas.  And, in a public defiance of Biden, governors of both Texas and Florida withdrew their National Guard units from the District of Columbia when it was discovered that they were expected to sleep in substandard accommodations like the marble floor of the halls of Congress and parking lots.

So, can the federal government impose its dictates on the states?  The federal government does not have enough law enforcement officers to do the job.  Nor can it use the National Guard since it is controlled by the governors.  The military is prohibited from law enforcement unless there is an insurrection and declaring an insurrection against Republican states is one way to guarantee an insurrection and the resulting civil war.  It will strengthen the position of legislatures that are considering secession.

In the end, although it appears that the GOP is in a weakened condition, it is much stronger than many of its opponents think.  While it is weakened in Washington, its strength lies in the states, where the concept of just ignoring Washington and its orders is gaining momentum.

While, the Democrats may control Washington and the federal government, they are projecting weakness.  Surrounding the Capitol and the inauguration with barbed wire and three divisions of military while swearing in a new president who is saddled with serious questions about his mental health projects weakness, not power.

This projection of weakness will continue as 7,000 troops are expected to be stationed until March (may be more) in the District of Columbia – a ratio of DC population to troops of 100 to 1, which according to International Institute of Strategic Studies is a higher civilian to military ratio than in China’s Central Theater Command, which protects Beijing.

In the end, Biden may choose to force his unpopular regulations and laws on the states only to find that the governors of Republican states like Florida and Texas have more power than he does.

Although it is too early to make a final judgment or prediction on the future status of the republican party and the emerging leadership after Trump, he may still be holding more influence until the 2022 mid-term election.

Week of January 25, 2021

The Future of the Republican Party

“The report of my death was an exaggeration.”

Samuel Clemens (Mark Twain)

This famous quote by American humorist Samuel Clemens could apply equally to the Republican Party.  While reports circulated about the death of the GOP as Trump left Washington and talked about running for president again, the party of Lincoln still had a lot of life in it.

The fact was that the Republican Party did well in November, except for the Senate (which experts predicted would go Democratic instead of being tied) and the presidency.

Republicans seriously narrowed the Democratic margin in the House.  According to the Associated Press on January 22nd, Democrats control only 222 seats, just four seats above the 218 seats needed to have a majority.  That means if midterm elections follow history and the party in power loses seats, the House of Representatives will be Republican in two years.

According to the Cook Political Report, at the state level, Republicans did well, which gives them control of the redistricting and gives them a better chance to win more House seats in 2022.  This was despite the hundreds of millions spent by Democrats to gain a bigger foothold in the states.

While Delaware, Washington, and North Carolina elected Democrat governors; Indiana, Montana, New Hampshire, North Dakota, Utah, Vermont, and West Virginia went Republican. Montana switched from Democrat to Republican with the result that Republicans control 27 of 50 governorships.  The Montana win also gives Republicans total control of Montana, since Republicans already control the state legislature.

The New Hampshire State Senate and State Legislature flipped to Republican after going Democratic in 2018.  With its new Republican governor Sununu, it means New Hampshire is now in GOP hands,

It appears currently, of the 99 state legislative bodies in the US (Nebraska has only one legislative body), that the Republican Party controls 62 legislative bodies, while the Democrats now control 37 (a loss of two by the Democrats).  Republicans also gained in seats held in several states.  In heavily Democratic Maine, the GOP gained six seats in the state legislature.

In Iowa, Republicans expanded their majority control of their legislature.  Republicans in Pennsylvania gained seats in both the legislature and state senate.  North Carolina saw the GOP retain control of both state senate and legislature.

In Texas, Democrats gained only one senate seat.  Both legislative chambers remain Republican, as well as the Texas governorship.

This is hardly the record of a party in decline.  However, it does show a change that may predict future Republican and Democratic gains and losses.

For decades, the criticism of the Republican Party was that they were too focused on the presidency.  While Republicans did well in winning the White House in the post ww2 period, they had no control over the Supreme Court, Senate, most states, and House, which remained Democratic for decades.

This has changed.  The Republicans control the majority of state governors and legislatures but are at a disadvantage at the federal level.  The reality today is that the Republicans control the states, while the Democrats control the federal government in Washington.

This dichotomy explains much.  While Trump is disliked by many (including some Republicans) in Washington DC, he remains popular with many Republicans outside of Washington.

Some in the Republican Party discovered this in the past few weeks.  Liz Cheney, the Republican Representative from Wyoming voted to impeach Trump for the events on January 6th, only to be censured by Republicans in Wyoming.  Ironically, this censure was of the third ranking Republican in the House and a woman who was a rising star in the Republican Party.

At this time, 107 Republican congressmen (many of the Republicans in the House) have indicated that they support removing her from the leadership role for her impeachment vote.

Cheney is not the only one to face censure back home.  Senate Minority Leader Senator McConnell has also been censured by Republicans back in Kentucky for his comments about Trump and impeachment.

Since Trump remains popular with many Republicans, any senator supporting Trump’s conviction could be risking their Senate career.  Given that and the serious constitutional issues surrounding the impeachment and conviction of a former president, it is unlikely that the Senate will vote to convict or that the courts will uphold the conviction as constitutional.  In fact, with legislation like the stimulus bill awaiting an impeachment trial in the Senate, voters (who aren’t in favor of impeachment and want Congress to address real problems) will punish senators for taking time for this endeavor.

The reality is that Trump is unlikely to run for president again.  He is currently 74 and will be 78 when the next presidential election is held – the same age as Biden when he took the oath of office.  Since there were many criticisms of Biden over his age and mental capacity, a 2024 Trump presidential campaign would run into the same problems.  In fact, Democrats will likely remind voters of Trump’s comments on Biden’s age and mental health.

Trump is more likely to play to his strengths – money and organizing.  He has already indicated that he wants to campaign for clean elections and provide support for Republicans who back his agenda.  He is also expected to raise money for Republican candidates by speaking at local events.

With Trump’s loss, there are many who are looking towards the 2024 presidential election.  However, those who criticized Trump over the last four years like Romney are unlikely to find it an easy road.  Voters will remember those candidates who opposed their president.

However, there are some potential candidates who are already making a name for themselves.  In Senate confirmation hearings, two Republican Senators have made it clear that they will take a leading role in opposing the Democrats and their agenda.  They are Senator Cruz (Texas) and Senator Paul (Kentucky).  Although they did have differences with Trump over the past four years, they were generally supportive of his agenda.

Senator Ted Cruz ran for president in 2016 and was the last major candidate to drop out after it became clear that Trump would win the nomination.  He is eloquent and a strong conservative who has the backing of many grassroots Republican organizations.

Senator Rand Paul is an outspoken senator with libertarian leanings.  His father is former Congressman Ron Paul, who ran for president in 2012.  Although he disagreed with Trump on the deployment of US troops in the Middle East, like Trump, he favors small government.

While the 2024 presidential election will impact events, it is the 2022 election and the future of the “nullification” movement that will have the biggest impact in the near term.

As mentioned earlier, some candidates are already setting up their congressional campaigns.  Thanks to her vote for Trump’s impeachment, Liz Cheney is already being challenged in the Republican primary.  She will not be the only one to face competition from pro-Trump candidates.

The Nullification movement will also pick up as Biden reinstates many Obama era regulations.

Nullification is a principle that was frequently employed by southern states in the pre-Civil War era but died out after the war.  It says that each state can decide which federal rules to obey.

The principle gained life again in the 1990s when the Supreme Court ruled that the federal government could not impose rules on the state if they didn’t provide the necessary funding.  The ruling declared unconstitutional a law that forced states to impose additional rules on gun purchases.

Ironically, this principle was expanded by the Obama administration to stop states from enforcing federal laws on immigration.  The principle was also used extensively by Democratic states like California during the Trump Administration to ignore laws that would send undocumented immigrants back to their homes in other countries.

As the Biden Administration is expected to push legislation and regulation on gun rights, abortion, the environment, immigration, voting procedures, and economic regulation, we can expect states to refuse to enforce federal legislation.  Since the federal government does not have that many law enforcement officers and relies on local police to enforce federal laws, this is essentially the same as nullification.

The states have already started pushing back.  Texas is already suing the federal government to prevent them from ignoring immigration laws in Texas.  And, in a public defiance of Biden, governors of both Texas and Florida withdrew their National Guard units from the District of Columbia when it was discovered that they were expected to sleep in substandard accommodations like the marble floor of the halls of Congress and parking lots.

So, can the federal government impose its dictates on the states?  The federal government does not have enough law enforcement officers to do the job.  Nor can it use the National Guard since it is controlled by the governors.  The military is prohibited from law enforcement unless there is an insurrection and declaring an insurrection against Republican states is one way to guarantee an insurrection and the resulting civil war.  It will strengthen the position of legislatures that are considering secession.

In the end, although it appears that the GOP is in a weakened condition, it is much stronger than many of its opponents think.  While it is weakened in Washington, its strength lies in the states, where the concept of just ignoring Washington and its orders is gaining momentum.

While, the Democrats may control Washington and the federal government, they are projecting weakness.  Surrounding the Capitol and the inauguration with barbed wire and three divisions of military while swearing in a new president who is saddled with serious questions about his mental health projects weakness, not power.

This projection of weakness will continue as 7,000 troops are expected to be stationed until March (may be more) in the District of Columbia – a ratio of DC population to troops of 100 to 1, which according to International Institute of Strategic Studies is a higher civilian to military ratio than in China’s Central Theater Command, which protects Beijing.

In the end, Biden may choose to force his unpopular regulations and laws on the states only to find that the governors of Republican states like Florida and Texas have more power than he does.

Although it is too early to make a final judgment or prediction on the future status of the republican party and the emerging leadership after Trump, he may still be holding more influence until the 2022 mid-term election.

Analysis 01-19-2021

ANALYSIS

Biden’s Foreign Policy and his Team

It was easy to forget during all the drama surrounding the election that Biden had selected his foreign policy team in November.  And, like the election, the people selected engendered criticism.  The left wing of the Democratic Party complained that the foreign policy team was not diverse and had too few women and minorities.  More moderate Democrats, foreign policy experts and Republicans complained there were too many Obama people who were responsible for foreign policy failures of the Obama Administration.

These criticisms, however, reflect differing opinions on what direction the Biden Administration should take on foreign policy.  The campaign stump speech that merely criticized the Trump policy will not be enough.  Biden must make choices – some exceedingly difficult ones.

Many want a return to Obama policies.  They want bilateral cooperation with China on   number of issues like the environment, health, and economic issues.  They want to reinstitute the Iran nuclear deal and want a more active role in the Middle East.  They also want to induce change in totalitarian governments to bring about more democracy.

The second group sees a changed world view.  They see China as a threat and want a more aggressive approach to Beijing.  They see the Trump initiatives in the Middle East to lessen US involvement in the region and to pressure Iran on its nuclear program.  They also want negotiations on several international issues like taxes, cybersecurity, industrial policy, and technology.

One important factor is Biden and his previous experience on foreign policy issues as Vice President and senator.  As Obama’s Vice President, Biden frequently disagreed with Obama’s policies and approach.  He wanted a more aggressive support for the Ukraine, while Obama wanted to restrict the US support to non-lethal equipment.  He also wanted a more aggressive approach to China.

Although Biden has made it clear that he is more willing to work with allies than Trump, he may find some his policies will not please some allies as much a Trump’s policies.  The Australians and Japanese are worried about Biden’s potential to create closer relations with China despite China’s aggressive crackdown in Hong Kong and military pressures regarding Taiwan, the South China Sea, Nepal, and India.

Europe is also worried about its status.  Will Biden focus so much on China that he will leave European issues on the sideline?  How will the US/British “special relationship” fare since Biden opposed Brexit?

Biden has also indicated that he will not forget traditional NATO allies by overturning the Trump decision to move US military forces from Germany to Poland.

Foreign policy also intersects with politics and this offers Biden a chance to “reach across the aisle” and create a more bipartisan attitude in Washington.

If there is one area of concern in both the Biden and Republican camps, it is China.  The China of 2021 is far different from China of 2009, when Obama came in.  Today’s China has managed to irritate nearly every country from India to Japan by aggressively imposing its own territorial boundaries, despite international law.

While Obama promised to pivot towards Asia, he never did, and China policy was left to drift.  This is no longer possible.

Biden can create good will with a majority of Senate and House Republicans by showing seriousness in dealing with China.  It will also help improve relations with many nations in East Asia.

Countering China will also help relations with Great Britain, which is upset with China’s abrogation of the treaty that gave Hong Kong back to China.  The British Navy is also working with the US Navy in defending the rights of navigation in the South China Sea and elsewhere.

An aggressive China policy will also fit into current EU’s policy of cutting back on cooperation with China.

The aggressive China policy, however, will have a cost within his own party and administration.  Those who believe in bringing back the Obama policies will argue that cooperation is the key to limiting China’s aggressive moves and preventing a Cold War with China. Others will argue that domestic spending on a “Green” economy will help the US to become more competitive with China – a policy that will be favored by many in the Democratic Party.

Given that Xi Jinping’s China has become more aggressive and assertive in the last few years, Biden will have to retain some of Trump’s policies of confrontation.  How much confrontation Biden will show will depend much on who he is listening to in his administration?  A serious pull back, may indicate that the people who have Biden’s ear are those who advocate a return to the Obama policies.

One region that has changed dramatically in the last four years is the Middle East.  ISIS is no longer the threat it was.  The number of American military forces in Afghanistan, Syria, and Iraq has dropped dramatically.  There is also a “normalization” agreement between Israel and several Arab nations.

Here Biden is boxed in.  It would be politically risky to return forces into the region.  Nor does he want a return of the ISIS threat.  And he would not want anything to cause the Arab states deal with Israel to fall apart.  Chances are that his Secretary of Defense Austin will help by advising him on the transitioning Middle East – a subject he lectured on at the Brookings Institution several years ago.

The only areas of freedom for Biden will be Turkey and Iran.  In the case of Turkey, Biden would likely work in concert with the EU to isolate that nation and make its expansionist policies harder to carry out through economic sanctions.  This may include increased military support for Greece.

Iran poses a larger problem.  It has also become more assertive with its capture of a Korean tanker.

While Biden may want a return to the Iranian nuclear deal, the time has passed for an easy way for that.  Iran has enriched more uranium and will be loath to give it up.  The Iranians will also expect a dramatic reduction in economic sanctions – something that will be criticized by Republicans.

When it comes to Iranian sanctions, Biden will have to work with Europe.  However, dealing with Europe is no longer as simple as working with the EU.

Today, the EU is the “Sick man of Europe.”  Southern EU nations do not like the EU’s fiscal policy.  Eastern EU nations do not like the EU’s social and political policies.  The English, who did not like the EU – period – have left it.  And the rest of the EU nations do not like how the Germans have managed to dominate the EU.  Consequently, Biden cannot return to Obama policies, even though he opposed Britain’s Brexit.  Instead, he and his team will need to formulate a new European policy that recognizes the fractures in the EU.

Another European problem is Russia, which will be tough since the Democrats complained Trump was too friendly with Russia and Putin.  If Biden gets too close with Russia, he can be accused of the same policy the Democrats loved to accuse Trump of.  Biden also has a National Security Advisor, Jake Sullivan, who is opposed to working with Russia.

However, Russia must be addressed.  Working with Russia allows Russia to act as a counter to China in East Asian diplomacy.

Working with Russia also allows the US to push for trilateral negotiations on nuclear arms with China and Russia – something the old SALT deals did not address.  China’s growth as a nuclear power makes it mandatory to include them as an equal partner with Russia and the US in limiting the threat of nuclear weapons.

Finally, there is the NATO alliance.  Although Trump was accused of ignoring the alliance, Trump was focused on ensuring that NATO nations met their financial obligations.  Trump also recognized that Eastern NATO nations were more concerned about a newly aggressive Russia.  Consequently, Trump was focused more on moving US forces closer to Russia, even though that policy upset the Germans, who traditionally had most US forces dedicated to NATO.

Biden has pledged to return these forces to Germany.  However, we can expect the National Security Advisor to probably oppose that move.

Again, NATO policy cannot be a return to Obama policy.  A more aggressive Russia must be countered.  In addition, NATO nations are tired of being used in the Middle East as a subsidiary of the American Army, as they were during the Obama years.  Biden must move to craft a new NATO mission – one that moves away from nation building and moves towards stopping Russian expanded influence.

In the end, the Biden policy will be a mix.  Much of it will reflect his past positions on foreign policy in the Senate.  It will include some Obama policies as well as Trump positions.  The world has changed since Biden was Vice President and to ignore those changes would be foolish.  In the end, it will be more pragmatic than Obama’s and less nationalistic than Trump’s.

Biden’s Foreign Policy Team

Although there are many people who will have an input in foreign policy decisions, we will limit discussion to the three most important people, the Secretary of State, the National Security Advisor, and the Secretary of Defense.

Secretary of State.  Tony Blinken is slated to head the State Department.  He has been a member of the foreign policy community for nearly 30 years.

Both Biden and Blinken are happy that the Democrats control the Senate because the GOP could have asked many troubling questions about Libya during confirmation hearings.

Blinken took an aggressive, military approach to the Middle East, specifically Syria and Libya.  He also supported the arming of Syrian rebels, which, in turn usually fell into the hands of ISIS.  He also advised Biden to vote for the invasion of Iraq when Biden was a senator.

Blinken is also a supporter of Israel and helped Senator Biden fund the replacement of Israeli air defense missile used by Iron Dome system.

National Security Advisor.  Another hawk is Jake Sullivan, who was a Hillary Clinton confidant and Vice President Biden’s National Security Advisor.  He advocated arming Syrian rebels and the Ukrainians.  He is also an opponent to working with Russia and could be a barrier to better relations with Russia.

He has been an advocate of “Smart Power” which is a blend of hard power (military) and soft power (diplomatic).  He can be pragmatic but may tend towards military solutions.  He worked with Iran in ending economic sanctions.

In Clinton’s memoir, “Hard Choices,” Hillary described him as, “not the most experienced diplomat as the State Department I could have chosen.”

However, Sullivan may have more problems in the Biden Administration.  Biden was opposed to sending more troops to Afghanistan.  He also was worried about the radical Islamic elements in the Syrian rebel alliance.  Both moves were advanced by Sullivan.

Secretary of Defense.  Retired General Lloyd Austin is Biden’s choice for Secretary of Defense.  He was commanding officer of United States Forces – Iraq Operation New Dawn.  He has experience in the Middle East, served with the 82nd Airborne (America’s fast reaction force), and the 10th Division light infantry.  He managed the troop drawdown in Iraq and oversaw the military plan to counter ISIS; an operation that drew criticism of his direction of military operations in Syria.

Austin is a low visibility leader.  As a result, he is not expected to be as public a leader as some of his predecessors.

One area of concern has been as a member of the Raytheon Board of Directors, one of the world’s largest military contractors.  Many Raytheon products are bought by the Defense Department and there may be questions of bias in awarding military contracts.

However, Austin is an expert in military affairs.  He will be an asset in advising Biden on nation building (and its problems) and the uses and limitations of America’s fast reaction force.

Week of January 19, 2021

Biden’s Foreign Policy and his Team

It was easy to forget during all the drama surrounding the election that Biden had selected his foreign policy team in November.  And, like the election, the people selected engendered criticism.  The left wing of the Democratic Party complained that the foreign policy team was not diverse and had too few women and minorities.  More moderate Democrats, foreign policy experts and Republicans complained there were too many Obama people who were responsible for foreign policy failures of the Obama Administration.

These criticisms, however, reflect differing opinions on what direction the Biden Administration should take on foreign policy.  The campaign stump speech that merely criticized the Trump policy will not be enough.  Biden must make choices – some exceedingly difficult ones.

Many want a return to Obama policies.  They want bilateral cooperation with China on   number of issues like the environment, health, and economic issues.  They want to reinstitute the Iran nuclear deal and want a more active role in the Middle East.  They also want to induce change in totalitarian governments to bring about more democracy.

The second group sees a changed world view.  They see China as a threat and want a more aggressive approach to Beijing.  They see the Trump initiatives in the Middle East to lessen US involvement in the region and to pressure Iran on its nuclear program.  They also want negotiations on several international issues like taxes, cybersecurity, industrial policy, and technology.

One important factor is Biden and his previous experience on foreign policy issues as Vice President and senator.  As Obama’s Vice President, Biden frequently disagreed with Obama’s policies and approach.  He wanted a more aggressive support for the Ukraine, while Obama wanted to restrict the US support to non-lethal equipment.  He also wanted a more aggressive approach to China.

Although Biden has made it clear that he is more willing to work with allies than Trump, he may find some his policies will not please some allies as much a Trump’s policies.  The Australians and Japanese are worried about Biden’s potential to create closer relations with China despite China’s aggressive crackdown in Hong Kong and military pressures regarding Taiwan, the South China Sea, Nepal, and India.

Europe is also worried about its status.  Will Biden focus so much on China that he will leave European issues on the sideline?  How will the US/British “special relationship” fare since Biden opposed Brexit?

Biden has also indicated that he will not forget traditional NATO allies by overturning the Trump decision to move US military forces from Germany to Poland.

Foreign policy also intersects with politics and this offers Biden a chance to “reach across the aisle” and create a more bipartisan attitude in Washington.

If there is one area of concern in both the Biden and Republican camps, it is China.  The China of 2021 is far different from China of 2009, when Obama came in.  Today’s China has managed to irritate nearly every country from India to Japan by aggressively imposing its own territorial boundaries, despite international law.

While Obama promised to pivot towards Asia, he never did, and China policy was left to drift.  This is no longer possible.

Biden can create good will with a majority of Senate and House Republicans by showing seriousness in dealing with China.  It will also help improve relations with many nations in East Asia.

Countering China will also help relations with Great Britain, which is upset with China’s abrogation of the treaty that gave Hong Kong back to China.  The British Navy is also working with the US Navy in defending the rights of navigation in the South China Sea and elsewhere.

An aggressive China policy will also fit into current EU’s policy of cutting back on cooperation with China.

The aggressive China policy, however, will have a cost within his own party and administration.  Those who believe in bringing back the Obama policies will argue that cooperation is the key to limiting China’s aggressive moves and preventing a Cold War with China. Others will argue that domestic spending on a “Green” economy will help the US to become more competitive with China – a policy that will be favored by many in the Democratic Party.

Given that Xi Jinping’s China has become more aggressive and assertive in the last few years, Biden will have to retain some of Trump’s policies of confrontation.  How much confrontation Biden will show will depend much on who he is listening to in his administration?  A serious pull back, may indicate that the people who have Biden’s ear are those who advocate a return to the Obama policies.

One region that has changed dramatically in the last four years is the Middle East.  ISIS is no longer the threat it was.  The number of American military forces in Afghanistan, Syria, and Iraq has dropped dramatically.  There is also a “normalization” agreement between Israel and several Arab nations.

Here Biden is boxed in.  It would be politically risky to return forces into the region.  Nor does he want a return of the ISIS threat.  And he would not want anything to cause the Arab states deal with Israel to fall apart.  Chances are that his Secretary of Defense Austin will help by advising him on the transitioning Middle East – a subject he lectured on at the Brookings Institution several years ago.

The only areas of freedom for Biden will be Turkey and Iran.  In the case of Turkey, Biden would likely work in concert with the EU to isolate that nation and make its expansionist policies harder to carry out through economic sanctions.  This may include increased military support for Greece.

Iran poses a larger problem.  It has also become more assertive with its capture of a Korean tanker.

While Biden may want a return to the Iranian nuclear deal, the time has passed for an easy way for that.  Iran has enriched more uranium and will be loath to give it up.  The Iranians will also expect a dramatic reduction in economic sanctions – something that will be criticized by Republicans.

When it comes to Iranian sanctions, Biden will have to work with Europe.  However, dealing with Europe is no longer as simple as working with the EU.

Today, the EU is the “Sick man of Europe.”  Southern EU nations do not like the EU’s fiscal policy.  Eastern EU nations do not like the EU’s social and political policies.  The English, who did not like the EU – period – have left it.  And the rest of the EU nations do not like how the Germans have managed to dominate the EU.  Consequently, Biden cannot return to Obama policies, even though he opposed Britain’s Brexit.  Instead, he and his team will need to formulate a new European policy that recognizes the fractures in the EU.

Another European problem is Russia, which will be tough since the Democrats complained Trump was too friendly with Russia and Putin.  If Biden gets too close with Russia, he can be accused of the same policy the Democrats loved to accuse Trump of.  Biden also has a National Security Advisor, Jake Sullivan, who is opposed to working with Russia.

However, Russia must be addressed.  Working with Russia allows Russia to act as a counter to China in East Asian diplomacy.

Working with Russia also allows the US to push for trilateral negotiations on nuclear arms with China and Russia – something the old SALT deals did not address.  China’s growth as a nuclear power makes it mandatory to include them as an equal partner with Russia and the US in limiting the threat of nuclear weapons.

Finally, there is the NATO alliance.  Although Trump was accused of ignoring the alliance, Trump was focused on ensuring that NATO nations met their financial obligations.  Trump also recognized that Eastern NATO nations were more concerned about a newly aggressive Russia.  Consequently, Trump was focused more on moving US forces closer to Russia, even though that policy upset the Germans, who traditionally had most US forces dedicated to NATO.

Biden has pledged to return these forces to Germany.  However, we can expect the National Security Advisor to probably oppose that move.

Again, NATO policy cannot be a return to Obama policy.  A more aggressive Russia must be countered.  In addition, NATO nations are tired of being used in the Middle East as a subsidiary of the American Army, as they were during the Obama years.  Biden must move to craft a new NATO mission – one that moves away from nation building and moves towards stopping Russian expanded influence.

In the end, the Biden policy will be a mix.  Much of it will reflect his past positions on foreign policy in the Senate.  It will include some Obama policies as well as Trump positions.  The world has changed since Biden was Vice President and to ignore those changes would be foolish.  In the end, it will be more pragmatic than Obama’s and less nationalistic than Trump’s.

Biden’s Foreign Policy Team

Although there are many people who will have an input in foreign policy decisions, we will limit discussion to the three most important people, the Secretary of State, the National Security Advisor, and the Secretary of Defense.

Secretary of State.  Tony Blinken is slated to head the State Department.  He has been a member of the foreign policy community for nearly 30 years.

Both Biden and Blinken are happy that the Democrats control the Senate because the GOP could have asked many troubling questions about Libya during confirmation hearings.

Blinken took an aggressive, military approach to the Middle East, specifically Syria and Libya.  He also supported the arming of Syrian rebels, which, in turn usually fell into the hands of ISIS.  He also advised Biden to vote for the invasion of Iraq when Biden was a senator.

Blinken is also a supporter of Israel and helped Senator Biden fund the replacement of Israeli air defense missile used by Iron Dome system.

National Security Advisor.  Another hawk is Jake Sullivan, who was a Hillary Clinton confidant and Vice President Biden’s National Security Advisor.  He advocated arming Syrian rebels and the Ukrainians.  He is also an opponent to working with Russia and could be a barrier to better relations with Russia.

He has been an advocate of “Smart Power” which is a blend of hard power (military) and soft power (diplomatic).  He can be pragmatic but may tend towards military solutions.  He worked with Iran in ending economic sanctions.

In Clinton’s memoir, “Hard Choices,” Hillary described him as, “not the most experienced diplomat as the State Department I could have chosen.”

However, Sullivan may have more problems in the Biden Administration.  Biden was opposed to sending more troops to Afghanistan.  He also was worried about the radical Islamic elements in the Syrian rebel alliance.  Both moves were advanced by Sullivan.

Secretary of Defense.  Retired General Lloyd Austin is Biden’s choice for Secretary of Defense.  He was commanding officer of United States Forces – Iraq Operation New Dawn.  He has experience in the Middle East, served with the 82nd Airborne (America’s fast reaction force), and the 10th Division light infantry.  He managed the troop drawdown in Iraq and oversaw the military plan to counter ISIS; an operation that drew criticism of his direction of military operations in Syria.

Austin is a low visibility leader.  As a result, he is not expected to be as public a leader as some of his predecessors.

One area of concern has been as a member of the Raytheon Board of Directors, one of the world’s largest military contractors.  Many Raytheon products are bought by the Defense Department and there may be questions of bias in awarding military contracts.

However, Austin is an expert in military affairs.  He will be an asset in advising Biden on nation building (and its problems) and the uses and limitations of America’s fast reaction force.

2021-19-01-التحليل

التحليل

  توجهات بايدن الخارجية:
إعادة توضيب سياسات اوباما

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

الرئيس المنتخب جو بايدن هو نتاج أصيل للمؤسسة الحاكمة الأميركية، وقد أثبت التزامه الصارم بموازين القوى التقليدية، وحجز أبرز المناصب الحساسة، وخصوصاً في الوزارات السيادية، لكبار المستشارين من أوفى الشخصيات المتمرسة، المحاربون القدامى، وجلها من عهد الرئيس باراك أوباما.

من أهم القوى الفاعلة والمؤثرة في النخب السياسية الأميركية يبرز “مجلس العلاقات الخارجية” المرموق، والذي ترك بصماته على الإدارات الأميركية المتعددة منذ ولاية الرئيس الأسبق فرانكلين روزفلت، 1933-1945، عبر نفوذه العميق في اختيار النخب التي يعتبرها مناسبة لتبؤأ مناصب سياسية حساسة. على سبيل المثال، شغل وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر عضوية مجلس إدارة المجلس في الأعوام 1977-1981.

وضع بايدن نصب عينيه تصويب السياسة الخارجية وجعلها في رأس سلّم أولوياته، وخصوصاً في ساحات التوتر والصراع، متعهّداً بإعادة الاعتبار إلى بلاده في الساحة الدولية، بعد ما أصابها من تراجع وانكفاء في بعض الساحات الرئيسية، وخصوصاً في أوروبا.

أما السياسات الداخلية، فستبقى محكومة لأغلبية الحزب الديموقراطي في الكونغرس، لكن بايدن “وعد” خصومه الجمهوريين بالشراكة والتعاون لدعم سياساته المتعددة، ما يعني أنه “سيضطر” إلى تقديم تنازلات، ربما قاسية، للوفاء بتعهّداته بأنه سيولي عموم الشعب الأميركي اهتمامه وتلبية مصالحه، وليس نحو نصف الناخبين الذين صوتوا له فقط.

التوازنات السياسية الجديدة في المشهد الأميركي حرجة للغاية، بحيث يضيق هامش المناورة لدى الرئيس الجديد، على الرغم من توفر عامل حسم قرارات مجلس الشيوخ عبر نائب الرئيس كامالا هاريس. أما المسائل التي تتقاطع مع الأمن القومي والسياسة الخارجية، فليس هناك مفاجآت بالنسبة إلى الرئيس الجديد، نظراً إلى سجله العميق والثابت في تجسيد سياسات الحرب الباردة، وخصوصاً خلال فترة تسلمه منصب نائب الرئيس.

المدخل الحقيقي لاستقراء ملامح سياسات بايدن الخارجية يكون في العودة إلى ولاية الرئيس أوباما والبناء عليها، وإلى ما واكبها من “تعديلات ظرفية” على الاستراتيجية الأميركية، وخصوصاً للرئيس أوباما، في “احتواء صعود الصين”، وتجميد أيّ صراع جانبي يبعد مسافة الهدف الاستراتيجي، والحذر من “عدم الاصطدام مع روسيا” في سوريا، مع الاحتفاظ بالهدف المعلن، “تغيير النظام في دمشق”.

وعليه، من الجائز القول إنّ بايدن، بفريقه المتجدد في السياسة والأمن القومي، سيستكمل سياسات الرئيس السابق اوباما، وتعديله لبعض الجزئيات الضرورية، وإحياء مشاريع الفوضى والتقسيم كعنوان لا يشذ عنه.

الفريق السياسي الذي اختاره بايدن لتنفيذ سياساته المتعددة يميل بغالبيته إلى تأييد العودة إلى الاتفاق النووي وإحياء سياسات الرئيس اوباما نحو الصين بالتعاون المشترك معها في ملفات متعددة، وخصوصاً في مجالات الصحة العامة والاقتصاد والمناخ، يقابله فريق أكثر تشدداً في التعامل الدولي، واعتباره “صفقة القرن” التي نسجها ترامب فرصة لتقليص الحضور العسكري الأميركي في المنطقة و”التحوّل شرقاً”، وعدم تسليمه بتراجع الولايات المتحدة، وإحياء نغمة عظمة أميركا واستثنائيتها.

على سبيل المثال، طالب جو بايدن آنذاك بانتهاج سياسة أكثر تشدداً في تأييد أوكرانيا وتزويدها بمعدات عسكرية نوعية ودعم لوجستي متعدد، مقابل رأي الرئيس أوباما آنذاك، الذي اعتبر أنّ أطر الدعم ينبغي أن لا تتجاوز الإمداد بالمعدات غير القتالية، وكذلك الأمر في توجهه المتشدد حيال الصين. وجاء تعيين بايدن لفكتوريا نولاند، المساعد الأسبق لوزير الخارجية للشؤون الأوروبية، لتبوأ مهمة موازية في مجلس الأمن القومي.

تجدر الإشارة إلى أن سياسة الرئيس أوباما المشهورة بـ “التحوّل نحو آسيا” لمحاصرة الصين تعثرت مع بروز المتغيرات الدولية والإقليمية، وورثها الرئيس دونالد ترامب الذي أخفق في “الحد من تمدد نفوذها الإقليمي والعالمي”، بحسب وصف الاستراتيجية الأميركية المعتمدة.

مرة أخرى تتصدر الصين اهتمامات الاستراتيجية الكونية الأميركية ، بدرجة أعلى بعض الشيء من تلك الموجهة نحو روسيا، ربما لحمل الأخيرة على ممارسة ضغوط من جانبها على حليفتها بكين، والانضمام إلى مسار مفاوضات جديدة للحد من الأسلحة الاستراتيجية والنووية التي لم تصادق عليها الصين.

أهميّة ملف الصين بالنسبة إلى الإدارة الجديدة تتعاظم طرداً مع حجم الأذى الذي ألحقه الرئيس ترامب في سياساته المتعددة نحو الصين وروسيا ودول حلف الناتو على وجه الخصوص. كما أنه يشكل مدخلاً مرحباً به من دول الاتحاد الأوروبي التي قلّصت مديات تعاونها مع الصين في السنوات الأخيرة، وإثارتها ملفي هونغ كونغ وتايوان، وانجرار بريطانيا بشدة أكبر نحو الأهداف الأميركية في آسيا بعد خروجها من الاتحاد.

الملف الحساس الآخر بالنسبة إلى بايدن هو الاتفاق النووي مع إيران وتعهّداته المبهمة منذ انتهاء الحملة الانتخابية، معلنا عن نيته العودة إلى الاتفاق، واكبها تصريحات متعددة لأعضاء فريقه الوزاري تطرح شروطاً جديدة من دون التقيد بإنهاء أو رفع العقوبات المفروضة على طهران.

تصعيد طهران لشروطها، وخصوصاً بعد إعلانها رفع نسبة تخصيب اليورانيوم إلى 20%، قد يصب في باب المناورة السياسية لتحسين شروط التفاوض، والضغط على الأوروبيين لممارسة نفوذهم لدى واشنطن، بغية إلغاء العقوبات، مع الإقرار بتغير ظروف القارة العجوز منذ توقيع الاتفاق في العام 2015.

الاتحاد الأوروبي يعاني من انشقاقات وخلافات حادة في ضوء الأزمة المالية بين دول اوروبا الشرقية (سابقاً)  ومركز الاتحاد في بروكسل. من ناحية أخرى، خلّف بروز ألمانيا في المرتبة الأولى اقتصادياً احتقاننً جديداً لدى فرنسا ودول أخرى. أما خروج بريطانيا من الاتحاد، فلن يعتبر نهاية المطاف بالنسبة إلى باقي الدول، ولم تفلح السياسات الاقتصادية السابقة لبروكسل في احتواء تردي الأوضاع المعيشية التي قد تحفّز دولاً أخرى على الاستقلال بقرارها عن الاتحاد.

فيما يخصّ مستقبل حلف الناتو، تعهّد الرئيس المنتخب بايدن بعدم التقيد بقرار سلفه الرئيس ترامب سحب قوات أميركية من ألمانيا، ونشرها في بولندا ودول أخرى، وإعادتها إلى سابق عهدها. وفي مستوى موازٍ، قلّصت بعض دول الحلف تواجد قواتها العسكرية في “الشرق الأوسط” تحت قيادة أميركا، ومن المستبعد عودتها إلى العمل تحت العباءة الأميركية، في ظل ما تعانيه من متاعب اقتصادية وجائحة كورونا.

أما خيار بايدن، وفق المعادلة أعلاه، فيكمن في استصدار سياسة ومهام جديدة للحلف، والتركيز على هدف محاصرة روسيا وتقييد نفوذها السياسي والاقتصادي في أوروبا، وربما تأخذ منحىً “أكثر عملياً من الرئيس أوباما وأدنى شعبوية من سلفه الرئيس ترامب”.

وتجدر الإشارة عند هذا المنعطف إلى حالة الإحباط الشديدة بين صفوف مؤيدي الرئيس المنتخب في الحزب الديموقراطي، ولا سيما التيار “التقدمي” أو الأشد ليبرالية بعبارة أدق. أبرز القضايا الخلافية بين عناصر ذلك التيار وتوجهات جو بايدن هي الحرب على العراق وغزوه، ولاحقاً سوريا، في عهد الرئيس أوباما ونائبه بايدن.

المندوبة عن فريق المرشح الرئاسي بيرني ساندرز لمؤتمر الحزب الديموقراطي، مارسي وينوغراد، أوجزت المسألة قائلة: “لا نرغب في رؤية العناصر ذاتها التي ساقتنا إلى الحرب على العراق لشغل مناصب حساسة في السياسة الخارجية. اعتقد البعض أن بايدن يسعى للحفاظ على مسافة بعيدة من أولئك العناصر الذن قادوه في الاتجاه الخطأ”.

كما وجّه نحو 400 مندوب في المؤتمر الافتراضي للحزب الديموقراطي “كتاباً مفتوحاً” لبايدن، يحثونه فيه على “توظيف مستشارين جدد في السياسة الخارجية، ممن لديهم سجل واضح في ترجيح وتنفيذ الحلول الديبلوماسية، عوضاً عن أصحاب التدخلات العسكرية الكارثية التي تضمنت غزوات عسكرية واحتلالات وممارسة التعذيب والاغتيالات بواسطة الطائرات المسيّرة”. وأشار الكتاب المفتوح إلى تصريح سابق لوزير الخارجية المرشح، توني بلينكن،  بوصفه قرار الكونغرس بغزو العراق في العام 2002 بأنه “تصويت لحل ديبلوماسي قاسٍ”.

ويؤخذ على بايدن دعمه الميزانيات العسكرية. وقد أكد في تصريحاته المتتالية لنشرات ذات طابع عسكري: “لا اعتقد أن خفض ميزانيات الدفاع أمر حتمي. التقيت عدداً من المستشارين، وبعضهم ألمح أن الميزانية ينبغي أن تشهد  ارتفاعاً في بعض المجالات”.

ينتظر الآّ يتراجع بايدن عن إتفاقيات تطبيع الأنظمة العربية مع الكيان الصهيوني، ويُتوقع الدعوة إلى استئناف التفاوض، واستعادة بعض الدعم المالي للسلطة الفلسطينية ووكالة الغوث، ورفع الحصار الدبلوباماسي عن السلطة، مع اشتراط استمرار تعاونها الأمني مع سلطات الإحتلال. وقد يستخدم موضوع حقوق الإنسان استنسابيا لممارسة بعض الضغوط على الدول الخليجية ومصر وتركيا، وربما يضع شروطا على مبيعات السلاح للدول الخليجية  وتقليص الدعم العسكري، بهدف الضغط نحو حل سلمي لحربها على اليمن.

إلقاء نظرة فاحصة على أبرز الوزراء المرشحين في الإدارة المقبلة، وخصوصاً في رسم السياسات الخارجية، يسدّ ثغرة مهمة في مساعي استقراء توجّهات السياسة المقبلة بموازاة ما تقدم، وسيتم تناول أبرز تلك الشخصيات المحورية:
وزير الخارجية – أنتوني بلينكن: تمتدّ خبرته في السياسة الخارجية لنحو 3 عقود، وكان أحد مستشاري بايدن عند ترؤسه لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ، وشغل منصب نائب وزير الخارجية جون كيري في العام 2014، وشارك في صياغة الاتفاق النووي مع إيران.

بلينكن من أبرز رموز تيار التدخل العسكري الأميركي في سوريا، فضلاً عن دعمه اللامشروط لـ”إسرائيل”. أيّد السيناتور جو بايدن في تمويل نظام دفاع جوي بديل من “القبة الحديدية”. في المقابل، ناهض بلينكن الدعم الأميركي المطلق للسعودية في حربها على اليمن، وطالب بوقفها في العام 2018.

اشترك مع المرشحة السابقة لوزارة الدفاع ميشيل فلورنوي في “مؤسسة استشارات خاصة” لمصلحة كبريات شركات التصنيع العسكري ودول أجنبية، ما اثار اعتراض العديد من قادة الحزب الديموقراطي، وأسفر عن انسحاب بلينكن من المؤسسة.

مستشار الأمن القومي  جيك سوليفان: عمل مستشاراً للأمن القومي لنائب الرئيس جو بايدن. ويشير سجلّه إلى دعمه التام للتدخل العسكري الأميركي في ليبيا وتسليح الإرهابيين في سوريا واوكرانيا، لكنه يؤيد العودة إلى الاتفاق النووي مع إيران. كما أنه من فريق المعارضين لتحسين العلاقات الثنائية مع روسيا، ويميل إلى ترجيح التدخلات العسكرية.

أشار بعض المراقبين إلى التباين في السياسات بين سوليفان ورئيسه جو بايدن، إذ عارض الأخير إرسال المزيد من القوات إلى أفغانستان، وأعرب عن قلقه من نفوذ العناصر “الإسلامية المتشددة” في المعارضة السورية. أما سوليفان، فكان على نقيض من مواقف بايدن.

وزير الدفاع  لويد اوستن: خدم في العراق وساحات أخرى في الشرق الأوسط، واشترك مع الكتيبة 82 المحمولة جواً التي تعد خطّ الدفاع الأول والتدخل السريع في ساحات التوتر، وشارك أيضاً  في العمليات العسكرية “ضد داعش” في العراق. يشهد له زملاؤه بخبرته المميزة في الشؤون العسكرية، بيد إن علاقته التجارية مع شركة رايثيون، لتصنيع الأسلحة تثير جملة تساؤلات حول التزامه بالحياد عند طرح المناقصات والتعاقد مع البنتاغون.
يرجّح المراقبون ميل أوستن إلى سحب القوات الأميركية من الشرق الأوسط، كما جاء في إحدى محاضراته في معهد كارنيغي قبل بضع سنوات. ولا ينتظر أن يتم تغيير قرار الرئيس ترامب بضم الكيان الصهيوني الى منطقة عمليات القيادة المركزية.

مدير وكالة الاستخبارات المركزية  وليام بيرنز: وهو الآتي من خبرة ديبلوماسية مميزة، والثاني في الترتيب لإدارة الاستخبارات من الطواقم الديبلوماسية. لفتت مهارته التفاوضية أعوان الفريق الأميركي لمفاوضات الاتفاق النووي مع أيران. اختياره لإدارة وكالة الاستخبارات يؤشر إلى نية الرئيس المنتخب تقليص نفوذ التعيينات السياسية السابقة والطواقم التي “شذّت عن رسالة الوكالة بحيادية المعلومات”، وإعادة الثقة لها بعد “فشلها الاستخباراتي” في عدد من الملفات والساحات، كما درجت العادة على تصنيف عملها. مهمته كما وصفها بايدن تتمحور حول “نزع عنصر السياسة عن المهام الاستخباراتية”.

كما يؤشر على سعي إدارة بايدن إلى توظيف أكبر لمراكز الأبحاث الأميركية في نشاط الإستخبارات الأميركية، جسده بتعيين مؤسّس ورئيس مجلس إدارة “المركز الأمني لأميركا الجديدة”، كيرت كامبل، كنائب مساعد للرئيس ومنسق الشؤون الآسيوية في مجلس الأمن القومي.

شاركته في تأسيس ذلك المجلس المرشحة السابقة لوزارة الدفاع، ميشيل فلورنوي، وقد بلورا توجهات نشاطاته، بحيث أصبح من أشد صقور المؤسسات البحثية ضد الصين. وجاء في مقالة شهيرة لفلورنوي في فصلية “فورين أفيرز” انه “ينبغي توفر القدرة العسكرية لتهديد وإغراق كل قطع سلاح البحرية الصيني وغواصاته وسفنه التجارية خلال 72 ساعة” (عدد حزيران/يونيو 2020).

يعرف بيرنز بميله إلى “تهدئة” الملفات الإقليمية والدولية إبان خدمته في وزارة الخارجية. وقد يكون الصوت “المعتدل” الوحيد بين فريق الرئيس جو بايدن المعزز بالمتشددين وأنصار التدخلات العسكرية.

مستشار الأمن القومي للشرق الأوسط وإفريقيا بريت ماكغورك: هو العائد إلى الواجهة بعد اكتسابه خبرة “كمبعوث للتحالف الدولي لمحاربة داعش” في سوريا والعراق، وتأييده القوي لمساعي كرد سوريا في الانفصال وفي تسليحهم، ودعمه الثابت للتدخل العسكري للإطاحة بالنظام السوري.

شغل عدة مناصب ديبلوماسية في السابق، منها نائب مساعد وزير الخارجية للعراق وإيران في مكتب الشرق الأوسط، ومنسق الوفد الأميركي للمحادثات الثنائية مع الحكومة العراقية لإبرام اتفاقية “الإطار الاستراتيجي الطويل الأجل”.

نستطبع القول إنّ مهمة ماكغورك استخباراتية – ديبلوماسية – عملانية بامتياز في الشرق الأوسط وافريقيا، وخصوصاً أنه يتقن اللغتين العربية والفارسية. أحد أوضح المؤشرات على طبيعة تلك المهمة الاستخباراتية الموكلة إليه وإلى فريقه هو انضمام السفيرة الأميركية السابقة لدى الإمارات، باربره ليف، إلى الطاقم كمنسقة لشؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في البيت الأبيض، وهي تمتلك خبرة واسعة في شؤون المنطقة، وترأست مكتب الشؤون الإيرانية في وزارة الخارجية. لعل المؤشر الأبرز هو صلتها الوثيقة باللوبي “الإسرائيلي”، إذ انضمّت إلى “معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى” عقب نهاية خدمتها في وزارة الخارجية في العام 2018.

2021-19-01-التقرير الأسبوعي

  توجهات بايدن الخارجية:
إعادة توضيب سياسات اوباما

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

الرئيس المنتخب جو بايدن هو نتاج أصيل للمؤسسة الحاكمة الأميركية، وقد أثبت التزامه الصارم بموازين القوى التقليدية، وحجز أبرز المناصب الحساسة، وخصوصاً في الوزارات السيادية، لكبار المستشارين من أوفى الشخصيات المتمرسة، المحاربون القدامى، وجلها من عهد الرئيس باراك أوباما.

من أهم القوى الفاعلة والمؤثرة في النخب السياسية الأميركية يبرز “مجلس العلاقات الخارجية” المرموق، والذي ترك بصماته على الإدارات الأميركية المتعددة منذ ولاية الرئيس الأسبق فرانكلين روزفلت، 1933-1945، عبر نفوذه العميق في اختيار النخب التي يعتبرها مناسبة لتبؤأ مناصب سياسية حساسة. على سبيل المثال، شغل وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر عضوية مجلس إدارة المجلس في الأعوام 1977-1981.

وضع بايدن نصب عينيه تصويب السياسة الخارجية وجعلها في رأس سلّم أولوياته، وخصوصاً في ساحات التوتر والصراع، متعهّداً بإعادة الاعتبار إلى بلاده في الساحة الدولية، بعد ما أصابها من تراجع وانكفاء في بعض الساحات الرئيسية، وخصوصاً في أوروبا.

أما السياسات الداخلية، فستبقى محكومة لأغلبية الحزب الديموقراطي في الكونغرس، لكن بايدن “وعد” خصومه الجمهوريين بالشراكة والتعاون لدعم سياساته المتعددة، ما يعني أنه “سيضطر” إلى تقديم تنازلات، ربما قاسية، للوفاء بتعهّداته بأنه سيولي عموم الشعب الأميركي اهتمامه وتلبية مصالحه، وليس نحو نصف الناخبين الذين صوتوا له فقط.

التوازنات السياسية الجديدة في المشهد الأميركي حرجة للغاية، بحيث يضيق هامش المناورة لدى الرئيس الجديد، على الرغم من توفر عامل حسم قرارات مجلس الشيوخ عبر نائب الرئيس كامالا هاريس. أما المسائل التي تتقاطع مع الأمن القومي والسياسة الخارجية، فليس هناك مفاجآت بالنسبة إلى الرئيس الجديد، نظراً إلى سجله العميق والثابت في تجسيد سياسات الحرب الباردة، وخصوصاً خلال فترة تسلمه منصب نائب الرئيس.

المدخل الحقيقي لاستقراء ملامح سياسات بايدن الخارجية يكون في العودة إلى ولاية الرئيس أوباما والبناء عليها، وإلى ما واكبها من “تعديلات ظرفية” على الاستراتيجية الأميركية، وخصوصاً للرئيس أوباما، في “احتواء صعود الصين”، وتجميد أيّ صراع جانبي يبعد مسافة الهدف الاستراتيجي، والحذر من “عدم الاصطدام مع روسيا” في سوريا، مع الاحتفاظ بالهدف المعلن، “تغيير النظام في دمشق”.

وعليه، من الجائز القول إنّ بايدن، بفريقه المتجدد في السياسة والأمن القومي، سيستكمل سياسات الرئيس السابق اوباما، وتعديله لبعض الجزئيات الضرورية، وإحياء مشاريع الفوضى والتقسيم كعنوان لا يشذ عنه.

الفريق السياسي الذي اختاره بايدن لتنفيذ سياساته المتعددة يميل بغالبيته إلى تأييد العودة إلى الاتفاق النووي وإحياء سياسات الرئيس اوباما نحو الصين بالتعاون المشترك معها في ملفات متعددة، وخصوصاً في مجالات الصحة العامة والاقتصاد والمناخ، يقابله فريق أكثر تشدداً في التعامل الدولي، واعتباره “صفقة القرن” التي نسجها ترامب فرصة لتقليص الحضور العسكري الأميركي في المنطقة و”التحوّل شرقاً”، وعدم تسليمه بتراجع الولايات المتحدة، وإحياء نغمة عظمة أميركا واستثنائيتها.

على سبيل المثال، طالب جو بايدن آنذاك بانتهاج سياسة أكثر تشدداً في تأييد أوكرانيا وتزويدها بمعدات عسكرية نوعية ودعم لوجستي متعدد، مقابل رأي الرئيس أوباما آنذاك، الذي اعتبر أنّ أطر الدعم ينبغي أن لا تتجاوز الإمداد بالمعدات غير القتالية، وكذلك الأمر في توجهه المتشدد حيال الصين. وجاء تعيين بايدن لفكتوريا نولاند، المساعد الأسبق لوزير الخارجية للشؤون الأوروبية، لتبوأ مهمة موازية في مجلس الأمن القومي.

تجدر الإشارة إلى أن سياسة الرئيس أوباما المشهورة بـ “التحوّل نحو آسيا” لمحاصرة الصين تعثرت مع بروز المتغيرات الدولية والإقليمية، وورثها الرئيس دونالد ترامب الذي أخفق في “الحد من تمدد نفوذها الإقليمي والعالمي”، بحسب وصف الاستراتيجية الأميركية المعتمدة.

مرة أخرى تتصدر الصين اهتمامات الاستراتيجية الكونية الأميركية ، بدرجة أعلى بعض الشيء من تلك الموجهة نحو روسيا، ربما لحمل الأخيرة على ممارسة ضغوط من جانبها على حليفتها بكين، والانضمام إلى مسار مفاوضات جديدة للحد من الأسلحة الاستراتيجية والنووية التي لم تصادق عليها الصين.

أهميّة ملف الصين بالنسبة إلى الإدارة الجديدة تتعاظم طرداً مع حجم الأذى الذي ألحقه الرئيس ترامب في سياساته المتعددة نحو الصين وروسيا ودول حلف الناتو على وجه الخصوص. كما أنه يشكل مدخلاً مرحباً به من دول الاتحاد الأوروبي التي قلّصت مديات تعاونها مع الصين في السنوات الأخيرة، وإثارتها ملفي هونغ كونغ وتايوان، وانجرار بريطانيا بشدة أكبر نحو الأهداف الأميركية في آسيا بعد خروجها من الاتحاد.

الملف الحساس الآخر بالنسبة إلى بايدن هو الاتفاق النووي مع إيران وتعهّداته المبهمة منذ انتهاء الحملة الانتخابية، معلنا عن نيته العودة إلى الاتفاق، واكبها تصريحات متعددة لأعضاء فريقه الوزاري تطرح شروطاً جديدة من دون التقيد بإنهاء أو رفع العقوبات المفروضة على طهران.

تصعيد طهران لشروطها، وخصوصاً بعد إعلانها رفع نسبة تخصيب اليورانيوم إلى 20%، قد يصب في باب المناورة السياسية لتحسين شروط التفاوض، والضغط على الأوروبيين لممارسة نفوذهم لدى واشنطن، بغية إلغاء العقوبات، مع الإقرار بتغير ظروف القارة العجوز منذ توقيع الاتفاق في العام 2015.

الاتحاد الأوروبي يعاني من انشقاقات وخلافات حادة في ضوء الأزمة المالية بين دول اوروبا الشرقية (سابقاً)  ومركز الاتحاد في بروكسل. من ناحية أخرى، خلّف بروز ألمانيا في المرتبة الأولى اقتصادياً احتقاننً جديداً لدى فرنسا ودول أخرى. أما خروج بريطانيا من الاتحاد، فلن يعتبر نهاية المطاف بالنسبة إلى باقي الدول، ولم تفلح السياسات الاقتصادية السابقة لبروكسل في احتواء تردي الأوضاع المعيشية التي قد تحفّز دولاً أخرى على الاستقلال بقرارها عن الاتحاد.

فيما يخصّ مستقبل حلف الناتو، تعهّد الرئيس المنتخب بايدن بعدم التقيد بقرار سلفه الرئيس ترامب سحب قوات أميركية من ألمانيا، ونشرها في بولندا ودول أخرى، وإعادتها إلى سابق عهدها. وفي مستوى موازٍ، قلّصت بعض دول الحلف تواجد قواتها العسكرية في “الشرق الأوسط” تحت قيادة أميركا، ومن المستبعد عودتها إلى العمل تحت العباءة الأميركية، في ظل ما تعانيه من متاعب اقتصادية وجائحة كورونا.

أما خيار بايدن، وفق المعادلة أعلاه، فيكمن في استصدار سياسة ومهام جديدة للحلف، والتركيز على هدف محاصرة روسيا وتقييد نفوذها السياسي والاقتصادي في أوروبا، وربما تأخذ منحىً “أكثر عملياً من الرئيس أوباما وأدنى شعبوية من سلفه الرئيس ترامب”.

وتجدر الإشارة عند هذا المنعطف إلى حالة الإحباط الشديدة بين صفوف مؤيدي الرئيس المنتخب في الحزب الديموقراطي، ولا سيما التيار “التقدمي” أو الأشد ليبرالية بعبارة أدق. أبرز القضايا الخلافية بين عناصر ذلك التيار وتوجهات جو بايدن هي الحرب على العراق وغزوه، ولاحقاً سوريا، في عهد الرئيس أوباما ونائبه بايدن.

المندوبة عن فريق المرشح الرئاسي بيرني ساندرز لمؤتمر الحزب الديموقراطي، مارسي وينوغراد، أوجزت المسألة قائلة: “لا نرغب في رؤية العناصر ذاتها التي ساقتنا إلى الحرب على العراق لشغل مناصب حساسة في السياسة الخارجية. اعتقد البعض أن بايدن يسعى للحفاظ على مسافة بعيدة من أولئك العناصر الذن قادوه في الاتجاه الخطأ”.

كما وجّه نحو 400 مندوب في المؤتمر الافتراضي للحزب الديموقراطي “كتاباً مفتوحاً” لبايدن، يحثونه فيه على “توظيف مستشارين جدد في السياسة الخارجية، ممن لديهم سجل واضح في ترجيح وتنفيذ الحلول الديبلوماسية، عوضاً عن أصحاب التدخلات العسكرية الكارثية التي تضمنت غزوات عسكرية واحتلالات وممارسة التعذيب والاغتيالات بواسطة الطائرات المسيّرة”. وأشار الكتاب المفتوح إلى تصريح سابق لوزير الخارجية المرشح، توني بلينكن،  بوصفه قرار الكونغرس بغزو العراق في العام 2002 بأنه “تصويت لحل ديبلوماسي قاسٍ”.

ويؤخذ على بايدن دعمه الميزانيات العسكرية. وقد أكد في تصريحاته المتتالية لنشرات ذات طابع عسكري: “لا اعتقد أن خفض ميزانيات الدفاع أمر حتمي. التقيت عدداً من المستشارين، وبعضهم ألمح أن الميزانية ينبغي أن تشهد  ارتفاعاً في بعض المجالات”.

ينتظر الآّ يتراجع بايدن عن إتفاقيات تطبيع الأنظمة العربية مع الكيان الصهيوني، ويُتوقع الدعوة إلى استئناف التفاوض، واستعادة بعض الدعم المالي للسلطة الفلسطينية ووكالة الغوث، ورفع الحصار الدبلوباماسي عن السلطة، مع اشتراط استمرار تعاونها الأمني مع سلطات الإحتلال. وقد يستخدم موضوع حقوق الإنسان استنسابيا لممارسة بعض الضغوط على الدول الخليجية ومصر وتركيا، وربما يضع شروطا على مبيعات السلاح للدول الخليجية  وتقليص الدعم العسكري، بهدف الضغط نحو حل سلمي لحربها على اليمن.

إلقاء نظرة فاحصة على أبرز الوزراء المرشحين في الإدارة المقبلة، وخصوصاً في رسم السياسات الخارجية، يسدّ ثغرة مهمة في مساعي استقراء توجّهات السياسة المقبلة بموازاة ما تقدم، وسيتم تناول أبرز تلك الشخصيات المحورية:
وزير الخارجية – أنتوني بلينكن: تمتدّ خبرته في السياسة الخارجية لنحو 3 عقود، وكان أحد مستشاري بايدن عند ترؤسه لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ، وشغل منصب نائب وزير الخارجية جون كيري في العام 2014، وشارك في صياغة الاتفاق النووي مع إيران.

بلينكن من أبرز رموز تيار التدخل العسكري الأميركي في سوريا، فضلاً عن دعمه اللامشروط لـ”إسرائيل”. أيّد السيناتور جو بايدن في تمويل نظام دفاع جوي بديل من “القبة الحديدية”. في المقابل، ناهض بلينكن الدعم الأميركي المطلق للسعودية في حربها على اليمن، وطالب بوقفها في العام 2018.

اشترك مع المرشحة السابقة لوزارة الدفاع ميشيل فلورنوي في “مؤسسة استشارات خاصة” لمصلحة كبريات شركات التصنيع العسكري ودول أجنبية، ما اثار اعتراض العديد من قادة الحزب الديموقراطي، وأسفر عن انسحاب بلينكن من المؤسسة.

مستشار الأمن القومي  جيك سوليفان: عمل مستشاراً للأمن القومي لنائب الرئيس جو بايدن. ويشير سجلّه إلى دعمه التام للتدخل العسكري الأميركي في ليبيا وتسليح الإرهابيين في سوريا واوكرانيا، لكنه يؤيد العودة إلى الاتفاق النووي مع إيران. كما أنه من فريق المعارضين لتحسين العلاقات الثنائية مع روسيا، ويميل إلى ترجيح التدخلات العسكرية.

أشار بعض المراقبين إلى التباين في السياسات بين سوليفان ورئيسه جو بايدن، إذ عارض الأخير إرسال المزيد من القوات إلى أفغانستان، وأعرب عن قلقه من نفوذ العناصر “الإسلامية المتشددة” في المعارضة السورية. أما سوليفان، فكان على نقيض من مواقف بايدن.

وزير الدفاع  لويد اوستن: خدم في العراق وساحات أخرى في الشرق الأوسط، واشترك مع الكتيبة 82 المحمولة جواً التي تعد خطّ الدفاع الأول والتدخل السريع في ساحات التوتر، وشارك أيضاً  في العمليات العسكرية “ضد داعش” في العراق. يشهد له زملاؤه بخبرته المميزة في الشؤون العسكرية، بيد إن علاقته التجارية مع شركة رايثيون، لتصنيع الأسلحة تثير جملة تساؤلات حول التزامه بالحياد عند طرح المناقصات والتعاقد مع البنتاغون.
يرجّح المراقبون ميل أوستن إلى سحب القوات الأميركية من الشرق الأوسط، كما جاء في إحدى محاضراته في معهد كارنيغي قبل بضع سنوات. ولا ينتظر أن يتم تغيير قرار الرئيس ترامب بضم الكيان الصهيوني الى منطقة عمليات القيادة المركزية.

مدير وكالة الاستخبارات المركزية  وليام بيرنز: وهو الآتي من خبرة ديبلوماسية مميزة، والثاني في الترتيب لإدارة الاستخبارات من الطواقم الديبلوماسية. لفتت مهارته التفاوضية أعوان الفريق الأميركي لمفاوضات الاتفاق النووي مع أيران. اختياره لإدارة وكالة الاستخبارات يؤشر إلى نية الرئيس المنتخب تقليص نفوذ التعيينات السياسية السابقة والطواقم التي “شذّت عن رسالة الوكالة بحيادية المعلومات”، وإعادة الثقة لها بعد “فشلها الاستخباراتي” في عدد من الملفات والساحات، كما درجت العادة على تصنيف عملها. مهمته كما وصفها بايدن تتمحور حول “نزع عنصر السياسة عن المهام الاستخباراتية”.

كما يؤشر على سعي إدارة بايدن إلى توظيف أكبر لمراكز الأبحاث الأميركية في نشاط الإستخبارات الأميركية، جسده بتعيين مؤسّس ورئيس مجلس إدارة “المركز الأمني لأميركا الجديدة”، كيرت كامبل، كنائب مساعد للرئيس ومنسق الشؤون الآسيوية في مجلس الأمن القومي.

شاركته في تأسيس ذلك المجلس المرشحة السابقة لوزارة الدفاع، ميشيل فلورنوي، وقد بلورا توجهات نشاطاته، بحيث أصبح من أشد صقور المؤسسات البحثية ضد الصين. وجاء في مقالة شهيرة لفلورنوي في فصلية “فورين أفيرز” انه “ينبغي توفر القدرة العسكرية لتهديد وإغراق كل قطع سلاح البحرية الصيني وغواصاته وسفنه التجارية خلال 72 ساعة” (عدد حزيران/يونيو 2020).

يعرف بيرنز بميله إلى “تهدئة” الملفات الإقليمية والدولية إبان خدمته في وزارة الخارجية. وقد يكون الصوت “المعتدل” الوحيد بين فريق الرئيس جو بايدن المعزز بالمتشددين وأنصار التدخلات العسكرية.

مستشار الأمن القومي للشرق الأوسط وإفريقيا بريت ماكغورك: هو العائد إلى الواجهة بعد اكتسابه خبرة “كمبعوث للتحالف الدولي لمحاربة داعش” في سوريا والعراق، وتأييده القوي لمساعي كرد سوريا في الانفصال وفي تسليحهم، ودعمه الثابت للتدخل العسكري للإطاحة بالنظام السوري.

شغل عدة مناصب ديبلوماسية في السابق، منها نائب مساعد وزير الخارجية للعراق وإيران في مكتب الشرق الأوسط، ومنسق الوفد الأميركي للمحادثات الثنائية مع الحكومة العراقية لإبرام اتفاقية “الإطار الاستراتيجي الطويل الأجل”.

نستطبع القول إنّ مهمة ماكغورك استخباراتية – ديبلوماسية – عملانية بامتياز في الشرق الأوسط وافريقيا، وخصوصاً أنه يتقن اللغتين العربية والفارسية. أحد أوضح المؤشرات على طبيعة تلك المهمة الاستخباراتية الموكلة إليه وإلى فريقه هو انضمام السفيرة الأميركية السابقة لدى الإمارات، باربره ليف، إلى الطاقم كمنسقة لشؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في البيت الأبيض، وهي تمتلك خبرة واسعة في شؤون المنطقة، وترأست مكتب الشؤون الإيرانية في وزارة الخارجية. لعل المؤشر الأبرز هو صلتها الوثيقة باللوبي “الإسرائيلي”، إذ انضمّت إلى “معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى” عقب نهاية خدمتها في وزارة الخارجية في العام 2018.

2021-11-01-التحليل

التحليل

 أسئلة تشغل أميركا.. ماذا بعد اقتحام الكونغرس؟ 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

تحوّل السادس من يناير إلى يوم مشهود استنفذ فيه الرئيس دونالد ترامب خياره الأخيرعبر غزو مناصريه لمبنى الكابيتول وتمرّدهم لإبطال نتائج الانتخابات الرئاسية، مستنداً إلى جدار متماسك من الدعم الشعبي (74 مليون ناخب) وإلى بعض قيادات الحزب الجمهوري التي راهنت حتى اللحظة الأخيرة على امكانية الطعن في نتائج عدد من الولايات الخمسين، طمعاً في أن تتّجه المناورة إلى التشكيك في بعض اللوائح، وربما قلب النتائج المعروفة.

الرئيس ترامب تحدّث أمام عشرات الآلاف من مناصرية، ومن ثم خاطب الحشود الغاضبة بصيغة الأمر للتوجه إلى الكونغرس “لدعم الأعضاء الشجعان والتنديد بالجبناء”. ما إن بلغت مسيرة المحتجين المبنى المركزي، مقر الكونغرس، حتى فرضت طوقاً بشرياً عليه تكلّل باقتحامات “غير مسلحة” لأروقته ومكاتب أعضائه. كما ردّد  المقتحمون هتاف ” المشنقة لبينس”، لأنه لم يوافق على تعطيل جلسة الكونغرس للمصادقة على انتخاب بايدن.

تعددت التوصيفات لطبيعة المشاركين، وتراوحت التقييمات الرسمية لفعلتهم بين متعاطف ومندّد، وجرى اتهام ترامب بترتيب “غزوة” تؤدي إلى انقلاب على السلطة في وضح النهار. وزير الدفاع بالوكالة، كريستوفر ميللرن اصدر بياناً في 8 كانون الثاني/يناير الجاري، وصف فيه الحادثة بـ “احتجاجات تحت سقف المادة الأولى”، من التعديلات الدستورية التي تضمن حق التظاهر السلمي.

دانت معظم وسائل الإعلام الحادثة بتوصيفات متوازية: عصيان مدني، ومحاولة انقلاب، واقتحام لمقر السلطة، وفتنة وتحريض على العصيان، وإرهاب داخلي. وأجمعت على تحميل الرئيس ترامب كامل المسؤولية، مطلقةً العنان لدعوات إقالته وعزله للمرة الثانية وتقديمه للمحاكمة.
رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي اتهمته بـ”التحريض على تمرد مسلّح ضد أميركا”، وشاركها الموقف السيناتور تشاك شومر؛ زعيم الأغلبية الجديدة الديمقراطية في مجلس الشيوخ. أما السيناتور الجمهوري المتشدد ماركو روبيو، فقد اعتبر إنّ ما جرى “نموذج عالم ثالثي من الفوضى المناوئة لأميركا”. الرئيس المنتخب جو بايدن وصف المحتجّين بـ “الرعاع”، ورأى أن فعلتهم ينبغي أن يُطلق عليها “إرهاب داخلي”.

من الضروري النظر إلى حادثة تحدي السلطة في السياق العام للأزمة المتجذرة في المجتمع الأميركي، والانقسامات المتتالية أفقياً وعمودياً، وحقيقة ما يجري من صراعات داخل مراكز القوى النافذة في النظام السياسي برمته، والتي اتخذت قرارها منذ زمن بضرورة مغادرة دونالد ترامب المشهد السياسي.

وتجدّدت تهديدات قيادات الحزب الديموقراطي بمقاضاة الرئيس ترامب ومحاكمته وإقصائه قبل انتهاء ولايته، وارتأت رئيسة مجلس النواب أنّ الزمن سانح لتفعيل المادة 25 من التعديلات الدستورية، بطلبها من نائب الرئيس مايك بينس البدء بتلك الاجراءات. التأييد اللافت للرئيس ترامب جاء من مستشاره السابق للأمن القومي، جون بولتون، قائلاً في تغريدته إنّ المطالبة بعزله فعل أحمق.

تميّز توقيت “الاحتجاج” باتساع هوة الفوارق الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة وتدنٍ مستمر للأجور، ما أفقد “الطبقة الوسطى” مصادر قوتها ومواطن نفوذها أمام زيادات فلكية في ثروات الأفراد الأشد ثراءً في المجتمع، وخصوصاً خلال أزمة انتشار كورونا، إذ إن معظم الوافدين للاحتجاج هم من الشرائح الدنيا والمهمّشة بين جمهور “البيض” الذين يستندون إلى غرائز وخلفيات عنصرية في تناول التحديات المتعددة.

مجيء ترامب غذّى حالة الانقسام وأخرجها إلى السطح، بل تجذّرت في عهده، لكنه ليس مسؤولاً عنها إلا في مستوى استثماره الأزمة الراهنة لحشد مناصريه ضد الجناح الأقوى والمتحكّم في النظام السياسي.

الحشود التي لبّت دعوته للقدوم إلى واشنطن لم تكن قليلة العدد أو هامشية الانتماء، وإن أراد البعض تهميشها بمفردات دونية تدلّ على قصورها في التحصيل العلمي والتأثير الاقتصادي، وهم الذين وصفتهم وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون بأنهم “جموع رثّة”، بيد أن قاعدة التمويل التقليدية الفاحشة الثراء لدى الحزب الجمهوري استمرت في تأييد الاحتجاج، بشكل عام.

في ما يخص إرهاصات الحزب الجمهوري وتعدّد توجهات قادته وما رسخه من اصطفاف قوي خلف الرئيس ترامب، تنبغي الإشارة إلى ما رسى عليه الأمر من تكتلات خلال حملة الانتخابات الرئاسية، أبرزها التيار الشعبوي العريض المؤيد للرئيس ترامب، يقابله تيار القوى التقليدية بزعامة نائب الرئيس الأسبق ديك تشيني، الذي يُعِد كريمته “لين”، عضو مجلس النواب، لتبوؤ مناصب رفيعة، مستثمراً نفوذه الواسع لدى المراكز المؤثرة والثرية في الحزب. كما أن قاعدة التمويل السخي في الحزب تميل لصالح تيار تشيني بشكل صارخ، وخصوصاً عقب تحميل الرئيس ترامب مسؤولية خسارة الحزب مجلسي الكونغرس والبيت الأبيض.

تنادى علماء الاجتماع والخبراء الاقتصاديون للفت نظر المؤسّسة الحاكمة إلى مخاطر السياسات الاقتصادية “النيوليبرالية” التي همّشت القواعد الانتاجية وعمّالها بشكل أساسي، وكثّفت مصادر الدخل في أيدي أفراد، وبأنّ مراكز القوى المسيطرة تسير باتجاه نظام سلطوي عماده الأجهزة الأمنية والرقابة وتقييد الحريات.

أحد أبرز اولئك استاذ التاريخ الأميركي في جامعة (غرب ولاية واشنطن)، دانيال تشارد (Daniel S. Chard)، الذي قال: “إخفاق سياسيينا في معالجة مباشرة للعنصرية وتفاوت الفرص الاقتصادية، من ضمنها الفشل في إنجاز مهام عقد الستينيات (من القرن المنصرم)، أسّس الظروف لاندلاع ما نشهده الآن”. (في كتابه الحديث “حرب نيكسون الداخلية: إف بي آي، المقاتلين اليساريين، وأصول مكافحة الإرهاب” 2021).

على الرغم من كثافة النصائح للقوى السياسية بمعالجة الأزمات الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة عبر سياسات تنموية ومشاريع بنى تحتية طويلة الأجل، فإنها لم تذعن لضرورة تدخل الدولة في عجلة الاقتصاد كما ينبغي، لانقاذ ما تعانيه العديد من المدن الكبرى والمتوسطة من هشاشة بناها التحتية التي تتداعى عند كل محطة تحدٍ، سواء كانت طبيعية أو بفعل الانسان، وخصوصاً في مناطق استخراج الفحم الحجري أو اندلاع الحرائق.

أما تداعيات الاحتجاج/الغزوة فستشغل مفاصل القرار السياسي لردح من الزمن، ليس في البعد المحلي فحسب، بل على المستويات الاستراتيجية والخارجيةأيضاً، تغذّيها جملة الأزمات المتراكمة التي تنتظر حلولاً لا تلوح في الأفق القريب أو المتوسط.

أشار إلى تلك المسألة بشكل صارخ رئيس مجلس العلاقات الخارجيّة، ريتشارد هاس، الذي سخر من المستقبل الأميركي قائلاً: “الانتقال السلمي للسلطة، والاستثنائية الأميركية، وإيماننا بأننا نموذج مدينة مضيئة تطلّ على تلة، كثير علينا” (صحيفة “واشنطن بوست”، 7 كانون الثاني/يناير 2021). اعتبر بعض المحلّلين أنّ الحادثة تشكل “نهاية الاستثنائية” الأميركية في العالم، ومؤشر على سقوط نموذجها الذي شغلت العالم به منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

على الصعيد الداخلي الصرف، شكلت آليّة تعاطي الأجهزة الأمنية ذخيرة إعلاميّة لا تزال أصداؤها تتردد على ألسنة المسؤولين والعامة على السواء، لناحيتين: الأولى هي حجم التسهيلات التي تلقاها المحتجون لدخول بوابات الكونغرس دون مقاومة تذكر، والأخرى تتعلق بالتصريحات الأولية حول عدم نية السلطات الرسمية مقاضاة المحتجين، وتراجعت لاحقاً بعض الشيء، معلنة اعتقالها العناصر الذين ظهروا في الصور المتداولة من داخل المبنى، وهم ينعمون بالجلوس على مقاعد المسؤولين الوفيرة.

بعض المراقبين اعتبر المسألة أخطر من مجرد “تواطؤ” أو تقديم تسهيلات ممنوعة على أي فريق ينوي الاحتجاج، بل يجري إبعاد عناصره عن تلك المباني بقسوة. ويضيف اولئك أن ما جرى تم الإعداد له منذ بضعة أشهر، بشهادة “وزارة الأمن الداخلي” في وقت لاحق، بأنها كانت على علم بالتحضيرات لجموع المحتجين، وراقبت بعضهم عن كثب، وحذرت من أن الأسلحة ستكون حاضرة في المشهد وينبغي مواجهتها (تقرير رسمي على تويتر، 9 كانون الثاني/يناير الجاري).

أما بشأن توفر مبرّر “للاضطرابات المدنية” فقد نصّت عليها كحق للشعب وثيقة “إعلان الاستقلال”، وجاء فيها: “تنشأ الحكومات عبر عقد بين الرجال، وتستمد سلطاتها العادلة من موافقة رعاياها المحكومين. وكلّما أصبح أي شكل من أشكال الحكم مدمراّ لهذه الغايات، فإن من حق الشعب أن يغيّره أو يلغيه”.

لا ريب في أنّ مؤيدي الرئيس ترامب استندوا إلى تلك الوثيقة لبدء مسيرتهم. وسُجّلت حادثة “غزو” مشابهة في شهر أيار/مايو 2011، حين تدافع الآف المحتجين (الليبراليين) إلى مقر حكومة ولاية ويسكونسن ودخلوه بالقوة، احتجاجاً على مشروع قرار من شأنه تقييد حرية العمّال في التنظيم والتفاوض الجماعي مع أرباب العمل.

اللافت أيضاً في المشهد السياسي أنّ الإعلان المسبق للسلطات عن عدم نيتها ملاحقة المحتجين، وخصوصاً اولئك الذين ارتكبوا أعمالاً تخريبية، لها سابقة مماثلة في التاريخ السياسي الأميركي. عقب انتهاء الحرب الأهلية، أصدر الرئيس آندرو جونسون (1865-1869) قرار عفو عن “معظم” قيادات التكتل الجنوبي والسماح لهم الاحتفاظ بأراضيهم كترضية للطرف الخاسر. في الشق المقابل، اضطرّ معظم السكان آنذاك، ولا سيما “السود بعد تحريرهم”، إلى العمل في مزارع القطن تحت ظروف بالغة القسوة.

تنبغي الإشارة عند هذه المحطة إلى أنّ الرئيس الأميركي “يوليسيس غرانت” استصدر قراراً من الكونغرس يمنحه الصلاحية لملاحقة ومقاضاة عناصر “كو كلاكس كلان” العنصرية في العام 1871، لكن الحملة لم تلبث أن تلكّأت وأدت إلى انتعاش المجموعة المصنّفة “إرهابية”، والتي تُستنسخ تجربتها العنصرية من بعض الميليشيات اليمينية المسلحة في الولايات المتحدة.

من بين الأمثلة الصارخة على “تواطؤ” العناصر الأمنية مع المحتجين، إعلان شرطة مدينة سياتل في ولاية واشنطن في أقصى الغرب الأميركي، توقيفها ضابطين من شرطتها لمشاركتهم المحتجين في “اقتحام مبنى الكابيتول” والتقاط صور “سيلفي” معهم. وتُجري عدد من أجهزة الشرطة في مدن متعدّد تحقيقاتها للتيقن من مشاركة أيّ من عناصرها في مسيرة المحتجين، وربما أبعد من ذلك.

فقد ترامب توازنه النسبي بعد فشل المناورة، وأضحى أضعف مما كان عليه، ولا يزال ينكر أنّ قيادات الحزب الجمهوري استشعرت خطورته على مستقبل الحزب برمته. كما عبّرت شرائح عديدة من قاعدته الشعبيّة عن شعورها بأنّه يشكل خطراً على مستقبل الحزب، وبدأت بالتخلي عنه والنظر في تكتّل جديد، إما تحت سقف الحزب التقليدي أو ربما خارجه، بتضافر تلك التوجّهات مع “انشقاقات” وتكتّلات أيضاً داخل الحزب الديموقراطي. أما مستقبل “حزب ثالث”‘ فالظروف الراهنة ليست مهيأة لذلك وتم وأدها في السابق، وخصوصاً في ظلّ أزمة كورونا وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية.

بعض النخب الفكرية الأميركية تسترشد بمقولة للرئيس الأسبق جون كنيدي، للدلالة على مخاطر توجّهات الحزبين في إقصاء تيارات غاضبة ومؤثرة. نصيحة كنيدي جاءت على النحو التالي: “أولئك الذين يسهمون في استحالة الثورة السلمية يسرّعون في حتمية الثورة العنيفة”.
تصميم قيادات الحزب الديموقراطي على إجراءات عزل ترامب للمرة الثانية لا يتمتع بتأييد قوي من الرئيس المنتخب، فبايدن يرغب في التركيز على تمكين طاقمه من الحكم في اجواء سياسية أقل توترا، لكن زخم الصدمة لدى أعضاء الكونغرس وغضبهم  لتعرّض حياتهم للخطر يدفع مجلس النواب على الأقل إلى تفعيل اجراءات العزل، وحتى لو لم تكن الفترة الزمنية المتبقية لترامب كافية لتحقيق المرتجى في مجلس الشيوخ.

ويبدو أنّ هناك مسعى للضغط على ترامب للإستقالة وتسليم الرئاسة لنائبه بنس او التلويح باستمرار ملاحقته حتى بعد تنصيب بايدن، ويراهن دعاة العزل على تعاطف وتأييد بعض الأوساط في الحزب الجمهوري، لرغبتهم في التخلّص منه وازاحته عن المشهد السياسي، لأن ذلك يفقده الحق في السعي للترشح مرة أخرى أو تمكين قبضته على مفاصل الحزب الجمهوري، كما فعل طيلة السنوات الأربع المنصرمة.

2021-11-01-التقرير الأسبوعي

 أسئلة تشغل أميركا.. ماذا بعد اقتحام الكونغرس؟ 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

تحوّل السادس من يناير إلى يوم مشهود استنفذ فيه الرئيس دونالد ترامب خياره الأخيرعبر غزو مناصريه لمبنى الكابيتول وتمرّدهم لإبطال نتائج الانتخابات الرئاسية، مستنداً إلى جدار متماسك من الدعم الشعبي (74 مليون ناخب) وإلى بعض قيادات الحزب الجمهوري التي راهنت حتى اللحظة الأخيرة على امكانية الطعن في نتائج عدد من الولايات الخمسين، طمعاً في أن تتّجه المناورة إلى التشكيك في بعض اللوائح، وربما قلب النتائج المعروفة.

الرئيس ترامب تحدّث أمام عشرات الآلاف من مناصرية، ومن ثم خاطب الحشود الغاضبة بصيغة الأمر للتوجه إلى الكونغرس “لدعم الأعضاء الشجعان والتنديد بالجبناء”. ما إن بلغت مسيرة المحتجين المبنى المركزي، مقر الكونغرس، حتى فرضت طوقاً بشرياً عليه تكلّل باقتحامات “غير مسلحة” لأروقته ومكاتب أعضائه. كما ردّد  المقتحمون هتاف ” المشنقة لبينس”، لأنه لم يوافق على تعطيل جلسة الكونغرس للمصادقة على انتخاب بايدن.

تعددت التوصيفات لطبيعة المشاركين، وتراوحت التقييمات الرسمية لفعلتهم بين متعاطف ومندّد، وجرى اتهام ترامب بترتيب “غزوة” تؤدي إلى انقلاب على السلطة في وضح النهار. وزير الدفاع بالوكالة، كريستوفر ميللرن اصدر بياناً في 8 كانون الثاني/يناير الجاري، وصف فيه الحادثة بـ “احتجاجات تحت سقف المادة الأولى”، من التعديلات الدستورية التي تضمن حق التظاهر السلمي.

دانت معظم وسائل الإعلام الحادثة بتوصيفات متوازية: عصيان مدني، ومحاولة انقلاب، واقتحام لمقر السلطة، وفتنة وتحريض على العصيان، وإرهاب داخلي. وأجمعت على تحميل الرئيس ترامب كامل المسؤولية، مطلقةً العنان لدعوات إقالته وعزله للمرة الثانية وتقديمه للمحاكمة.
رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي اتهمته بـ”التحريض على تمرد مسلّح ضد أميركا”، وشاركها الموقف السيناتور تشاك شومر؛ زعيم الأغلبية الجديدة الديمقراطية في مجلس الشيوخ. أما السيناتور الجمهوري المتشدد ماركو روبيو، فقد اعتبر إنّ ما جرى “نموذج عالم ثالثي من الفوضى المناوئة لأميركا”. الرئيس المنتخب جو بايدن وصف المحتجّين بـ “الرعاع”، ورأى أن فعلتهم ينبغي أن يُطلق عليها “إرهاب داخلي”.

من الضروري النظر إلى حادثة تحدي السلطة في السياق العام للأزمة المتجذرة في المجتمع الأميركي، والانقسامات المتتالية أفقياً وعمودياً، وحقيقة ما يجري من صراعات داخل مراكز القوى النافذة في النظام السياسي برمته، والتي اتخذت قرارها منذ زمن بضرورة مغادرة دونالد ترامب المشهد السياسي.

وتجدّدت تهديدات قيادات الحزب الديموقراطي بمقاضاة الرئيس ترامب ومحاكمته وإقصائه قبل انتهاء ولايته، وارتأت رئيسة مجلس النواب أنّ الزمن سانح لتفعيل المادة 25 من التعديلات الدستورية، بطلبها من نائب الرئيس مايك بينس البدء بتلك الاجراءات. التأييد اللافت للرئيس ترامب جاء من مستشاره السابق للأمن القومي، جون بولتون، قائلاً في تغريدته إنّ المطالبة بعزله فعل أحمق.

تميّز توقيت “الاحتجاج” باتساع هوة الفوارق الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة وتدنٍ مستمر للأجور، ما أفقد “الطبقة الوسطى” مصادر قوتها ومواطن نفوذها أمام زيادات فلكية في ثروات الأفراد الأشد ثراءً في المجتمع، وخصوصاً خلال أزمة انتشار كورونا، إذ إن معظم الوافدين للاحتجاج هم من الشرائح الدنيا والمهمّشة بين جمهور “البيض” الذين يستندون إلى غرائز وخلفيات عنصرية في تناول التحديات المتعددة.

مجيء ترامب غذّى حالة الانقسام وأخرجها إلى السطح، بل تجذّرت في عهده، لكنه ليس مسؤولاً عنها إلا في مستوى استثماره الأزمة الراهنة لحشد مناصريه ضد الجناح الأقوى والمتحكّم في النظام السياسي.

الحشود التي لبّت دعوته للقدوم إلى واشنطن لم تكن قليلة العدد أو هامشية الانتماء، وإن أراد البعض تهميشها بمفردات دونية تدلّ على قصورها في التحصيل العلمي والتأثير الاقتصادي، وهم الذين وصفتهم وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون بأنهم “جموع رثّة”، بيد أن قاعدة التمويل التقليدية الفاحشة الثراء لدى الحزب الجمهوري استمرت في تأييد الاحتجاج، بشكل عام.

في ما يخص إرهاصات الحزب الجمهوري وتعدّد توجهات قادته وما رسخه من اصطفاف قوي خلف الرئيس ترامب، تنبغي الإشارة إلى ما رسى عليه الأمر من تكتلات خلال حملة الانتخابات الرئاسية، أبرزها التيار الشعبوي العريض المؤيد للرئيس ترامب، يقابله تيار القوى التقليدية بزعامة نائب الرئيس الأسبق ديك تشيني، الذي يُعِد كريمته “لين”، عضو مجلس النواب، لتبوؤ مناصب رفيعة، مستثمراً نفوذه الواسع لدى المراكز المؤثرة والثرية في الحزب. كما أن قاعدة التمويل السخي في الحزب تميل لصالح تيار تشيني بشكل صارخ، وخصوصاً عقب تحميل الرئيس ترامب مسؤولية خسارة الحزب مجلسي الكونغرس والبيت الأبيض.

تنادى علماء الاجتماع والخبراء الاقتصاديون للفت نظر المؤسّسة الحاكمة إلى مخاطر السياسات الاقتصادية “النيوليبرالية” التي همّشت القواعد الانتاجية وعمّالها بشكل أساسي، وكثّفت مصادر الدخل في أيدي أفراد، وبأنّ مراكز القوى المسيطرة تسير باتجاه نظام سلطوي عماده الأجهزة الأمنية والرقابة وتقييد الحريات.

أحد أبرز اولئك استاذ التاريخ الأميركي في جامعة (غرب ولاية واشنطن)، دانيال تشارد (Daniel S. Chard)، الذي قال: “إخفاق سياسيينا في معالجة مباشرة للعنصرية وتفاوت الفرص الاقتصادية، من ضمنها الفشل في إنجاز مهام عقد الستينيات (من القرن المنصرم)، أسّس الظروف لاندلاع ما نشهده الآن”. (في كتابه الحديث “حرب نيكسون الداخلية: إف بي آي، المقاتلين اليساريين، وأصول مكافحة الإرهاب” 2021).

على الرغم من كثافة النصائح للقوى السياسية بمعالجة الأزمات الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة عبر سياسات تنموية ومشاريع بنى تحتية طويلة الأجل، فإنها لم تذعن لضرورة تدخل الدولة في عجلة الاقتصاد كما ينبغي، لانقاذ ما تعانيه العديد من المدن الكبرى والمتوسطة من هشاشة بناها التحتية التي تتداعى عند كل محطة تحدٍ، سواء كانت طبيعية أو بفعل الانسان، وخصوصاً في مناطق استخراج الفحم الحجري أو اندلاع الحرائق.

أما تداعيات الاحتجاج/الغزوة فستشغل مفاصل القرار السياسي لردح من الزمن، ليس في البعد المحلي فحسب، بل على المستويات الاستراتيجية والخارجيةأيضاً، تغذّيها جملة الأزمات المتراكمة التي تنتظر حلولاً لا تلوح في الأفق القريب أو المتوسط.

أشار إلى تلك المسألة بشكل صارخ رئيس مجلس العلاقات الخارجيّة، ريتشارد هاس، الذي سخر من المستقبل الأميركي قائلاً: “الانتقال السلمي للسلطة، والاستثنائية الأميركية، وإيماننا بأننا نموذج مدينة مضيئة تطلّ على تلة، كثير علينا” (صحيفة “واشنطن بوست”، 7 كانون الثاني/يناير 2021). اعتبر بعض المحلّلين أنّ الحادثة تشكل “نهاية الاستثنائية” الأميركية في العالم، ومؤشر على سقوط نموذجها الذي شغلت العالم به منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

على الصعيد الداخلي الصرف، شكلت آليّة تعاطي الأجهزة الأمنية ذخيرة إعلاميّة لا تزال أصداؤها تتردد على ألسنة المسؤولين والعامة على السواء، لناحيتين: الأولى هي حجم التسهيلات التي تلقاها المحتجون لدخول بوابات الكونغرس دون مقاومة تذكر، والأخرى تتعلق بالتصريحات الأولية حول عدم نية السلطات الرسمية مقاضاة المحتجين، وتراجعت لاحقاً بعض الشيء، معلنة اعتقالها العناصر الذين ظهروا في الصور المتداولة من داخل المبنى، وهم ينعمون بالجلوس على مقاعد المسؤولين الوفيرة.

بعض المراقبين اعتبر المسألة أخطر من مجرد “تواطؤ” أو تقديم تسهيلات ممنوعة على أي فريق ينوي الاحتجاج، بل يجري إبعاد عناصره عن تلك المباني بقسوة. ويضيف اولئك أن ما جرى تم الإعداد له منذ بضعة أشهر، بشهادة “وزارة الأمن الداخلي” في وقت لاحق، بأنها كانت على علم بالتحضيرات لجموع المحتجين، وراقبت بعضهم عن كثب، وحذرت من أن الأسلحة ستكون حاضرة في المشهد وينبغي مواجهتها (تقرير رسمي على تويتر، 9 كانون الثاني/يناير الجاري).

أما بشأن توفر مبرّر “للاضطرابات المدنية” فقد نصّت عليها كحق للشعب وثيقة “إعلان الاستقلال”، وجاء فيها: “تنشأ الحكومات عبر عقد بين الرجال، وتستمد سلطاتها العادلة من موافقة رعاياها المحكومين. وكلّما أصبح أي شكل من أشكال الحكم مدمراّ لهذه الغايات، فإن من حق الشعب أن يغيّره أو يلغيه”.

لا ريب في أنّ مؤيدي الرئيس ترامب استندوا إلى تلك الوثيقة لبدء مسيرتهم. وسُجّلت حادثة “غزو” مشابهة في شهر أيار/مايو 2011، حين تدافع الآف المحتجين (الليبراليين) إلى مقر حكومة ولاية ويسكونسن ودخلوه بالقوة، احتجاجاً على مشروع قرار من شأنه تقييد حرية العمّال في التنظيم والتفاوض الجماعي مع أرباب العمل.

اللافت أيضاً في المشهد السياسي أنّ الإعلان المسبق للسلطات عن عدم نيتها ملاحقة المحتجين، وخصوصاً اولئك الذين ارتكبوا أعمالاً تخريبية، لها سابقة مماثلة في التاريخ السياسي الأميركي. عقب انتهاء الحرب الأهلية، أصدر الرئيس آندرو جونسون (1865-1869) قرار عفو عن “معظم” قيادات التكتل الجنوبي والسماح لهم الاحتفاظ بأراضيهم كترضية للطرف الخاسر. في الشق المقابل، اضطرّ معظم السكان آنذاك، ولا سيما “السود بعد تحريرهم”، إلى العمل في مزارع القطن تحت ظروف بالغة القسوة.

تنبغي الإشارة عند هذه المحطة إلى أنّ الرئيس الأميركي “يوليسيس غرانت” استصدر قراراً من الكونغرس يمنحه الصلاحية لملاحقة ومقاضاة عناصر “كو كلاكس كلان” العنصرية في العام 1871، لكن الحملة لم تلبث أن تلكّأت وأدت إلى انتعاش المجموعة المصنّفة “إرهابية”، والتي تُستنسخ تجربتها العنصرية من بعض الميليشيات اليمينية المسلحة في الولايات المتحدة.

من بين الأمثلة الصارخة على “تواطؤ” العناصر الأمنية مع المحتجين، إعلان شرطة مدينة سياتل في ولاية واشنطن في أقصى الغرب الأميركي، توقيفها ضابطين من شرطتها لمشاركتهم المحتجين في “اقتحام مبنى الكابيتول” والتقاط صور “سيلفي” معهم. وتُجري عدد من أجهزة الشرطة في مدن متعدّد تحقيقاتها للتيقن من مشاركة أيّ من عناصرها في مسيرة المحتجين، وربما أبعد من ذلك.

فقد ترامب توازنه النسبي بعد فشل المناورة، وأضحى أضعف مما كان عليه، ولا يزال ينكر أنّ قيادات الحزب الجمهوري استشعرت خطورته على مستقبل الحزب برمته. كما عبّرت شرائح عديدة من قاعدته الشعبيّة عن شعورها بأنّه يشكل خطراً على مستقبل الحزب، وبدأت بالتخلي عنه والنظر في تكتّل جديد، إما تحت سقف الحزب التقليدي أو ربما خارجه، بتضافر تلك التوجّهات مع “انشقاقات” وتكتّلات أيضاً داخل الحزب الديموقراطي. أما مستقبل “حزب ثالث”‘ فالظروف الراهنة ليست مهيأة لذلك وتم وأدها في السابق، وخصوصاً في ظلّ أزمة كورونا وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية.

بعض النخب الفكرية الأميركية تسترشد بمقولة للرئيس الأسبق جون كنيدي، للدلالة على مخاطر توجّهات الحزبين في إقصاء تيارات غاضبة ومؤثرة. نصيحة كنيدي جاءت على النحو التالي: “أولئك الذين يسهمون في استحالة الثورة السلمية يسرّعون في حتمية الثورة العنيفة”.
تصميم قيادات الحزب الديموقراطي على إجراءات عزل ترامب للمرة الثانية لا يتمتع بتأييد قوي من الرئيس المنتخب، فبايدن يرغب في التركيز على تمكين طاقمه من الحكم في اجواء سياسية أقل توترا، لكن زخم الصدمة لدى أعضاء الكونغرس وغضبهم  لتعرّض حياتهم للخطر يدفع مجلس النواب على الأقل إلى تفعيل اجراءات العزل، وحتى لو لم تكن الفترة الزمنية المتبقية لترامب كافية لتحقيق المرتجى في مجلس الشيوخ.

ويبدو أنّ هناك مسعى للضغط على ترامب للإستقالة وتسليم الرئاسة لنائبه بنس او التلويح باستمرار ملاحقته حتى بعد تنصيب بايدن، ويراهن دعاة العزل على تعاطف وتأييد بعض الأوساط في الحزب الجمهوري، لرغبتهم في التخلّص منه وازاحته عن المشهد السياسي، لأن ذلك يفقده الحق في السعي للترشح مرة أخرى أو تمكين قبضته على مفاصل الحزب الجمهوري، كما فعل طيلة السنوات الأربع المنصرمة.