المناظرة الرئاسية الاولى تنعش حملة رومني من التراجع والجمود

ثمة اجماع عام بتراجع اداء الرئيس اوباما امام خصمه ميت رومني الذي ظهر على غير سجيته المعروفة ووالذي التزم الدقة والتركيز واتقن فن السجال الخطابي. ويمكن القول ان ابرز تعبير عن الاحباط وخيبة الامل داخل معسكر اوباما كان في صعود عقيلته وابنتيه المسرح دون التلفظ بكلمة، ثم المغادرة سريعا بشكل جماعي. اما المرشح رومني فقد طال بقاؤه وعائلته وبعض مؤيديه على المسرح وكأنه في كرنفال.

اصيب فريق اوباما للحملة الانتخابية بالاحباط لاداء مرشحه الذي كان باستطاعته قول الكثير واحراج خصمه؛ لكنه فضل التخلي عن كسب الجولة طواعية. فماذا حصل؟

البعض يعلل الأمر بعدم استعداد اوباما كاملا قبل المناظرة، استنادا الى ما صرح به قبل الموعد المنتظر بأن فريقه الانتخابي “يحثه على مواظبة واتمام واجب التحضير،” كأنه واجب دراسي. البعض الآخر يعزوه الى اللعنة الانتخابية التي تلازم الرئيس الراهن، اي كان، فهو مشتت الفكر وضعيف التركيز لكثرة مشاغله وهمومه. اذ للمرة الاولى منذ ولايته يعتلي خشبة المسرح ليس منفردا، بل كنظير لطرف آخر يزاحمه الاهتمام والفطنة، بل الدعابة والاحترام؛ اذ شعر بتحدي الآخر لكل ما جاء لطرحه امام الجمهور دون اذعان خصمه لهيبة منصب الرئاسة المفترضة. واوباما لا يشكل استثناء للقاعدة المذكورة، اذ عانى كل من الرئيس الاسبق ريغان والسابق جورج بوش الابن من معضلة مماثلة امام الملأ.

فريق المشككين، في الجانب المقابل، ذهب بالقول ان اوباما جهد في تجنب مواجهة القضايا الشائكة سابقا، وفضل الظهور السلس عبر بعض المقابلات المتلفزة لبرامج خفيفة الظل. وعليه، ظهر حائرا في معالجة القضايا المطروحة بجدية وتحد.

         اما رومني، الذي جاء على خلفية توقعات باهتة قبيل المناظرة ، فقد دخل مسلحا بقوة فكرية وخطابية، وسحب البساط من تحت اقدام خصمه اوباما في تناوله المبكر لبرنامجه الاقتصادي والاجتماعي المثير للجدل لدعم الطبقة الوسطى، والتي تشكل جزءا حيويا من الناخبين وخاصة في الولايات المحورية المتصارع عليها. اذ ارخت الازمة الاقتصادية ظلالها المأساوية على اوضاع الطبقة الوسطى وتحسست تردي احوالها باكرا مقارنة بما كانت عليه قبل اربع سنوات من ولاية اوباما الرئاسية. طرح رومني القوي والمباشر اكسبه ثقة كل من تابعه لا سيما لتقديمه غير المتوقع لبعض تفاصيل برامجه وسياساته لتحقيق اهدافه المطروحة. وعلى صعيد السجال الخطابي، نجح رومني في تسجيل عدد من النقاط الجوهرية ضد خصمه واظهر التزاما وطرحا موضوعيا بعيدا عن الشعارات الانتخابية التي طبعت حملته، مما فوت الفرصة على الرئيس اوباما لمحاججته بنجاح وموضوعية. كما ان التفاصيل البصرية التي نقلتها شاشات التلفزة بتوجهه لمخاطبة خصمه وكذلك النظر مباشرة للكاميرا ساهمت في تعزيز ادائه وربما صدقه لدى المشاهدين.

         في المقابل، طبع الارتباك والتردد اداء الرئيس اوباما، مما فسره البعض بانه عائد لافراط اعتماده على شاشة التلقين الجاهزة في نقل افكاره. وعلى غير عادته في الظهور العلني فقد اظهر تضعضع ثقته في برامجه وخططه وانجازاته خلال فترة ولايته. اما لغة عيونه فقد عكست ما يعتمره من قلق داخلي، وفضل تركيز انظاره الى الاسفل بدل النظر مباشرة الى المشاهدين.

         بؤس اداء اوباما لن يكون مدمرا لحملته الانتخابية، اذ امامه جولتي مناظرة مقبلتين باستطاعة فريقة الانتخابي اعداده بافضل مما كان في الجولة الاولى.

         من نافل القول ان المناظرات الرئاسية لا تلعب دورا حاسما في حسم الفوز في الانتخابات، بل هي ثمة مناسبة لتكريس انطباع وتصور عام؛ وتوفر فرصة للتحدث مطولا الى الجمهور الاميركي بعيدا عن تدخل وسائل الاعلام وخياراتها للتغطية، بالنسبة للمرشح المنافس. ففي عام 1980، اغتنم رونالد ريغان الفرصة لاسقاط صفة المتشدد عنه كما درجت وسائل الاعلام على توصيفه سابقا. كما تجدر الاشارة الى ان المناظرة الاخيرة فسحت المجال لميت رومني الظهور بمظهر الرصانة والثقة بالنفس والالمام بالحقائق في مواضيع شتى، اكسبته ثقة الناخب المتردد اصلا. لعل ذلك العامل هو اهم ما تمخضت عنه جولة المناظرة التي اتت لصالحه حتما.

         ما لم يبرزه السجال المذكور كان نتائج استطلاعات الرأي الحديثة التي دلت بوضوح على التقارب الشديد لمكانة المرشحيْن بين جمهور الناخبين، وعامل فوز احدهما سيستند الى قدرة الطرفين على حشد ومشاركة اكبر عدد من انصارهما يوم الانتخابات التي تعد العامل الحاسم ربما في النتيجة النهائية. وعليه، يمكن متابعة وادراك الاهمية القصوى لاداء رومني بغية كسب ثقة قاعدته الانتخابية، لا سيما الشرائح المتأرجحة والمتشددة في مغالاتها وتطرفها، على السواء، في حزبه الجمهوري، واقناع الجمهور العام للاقلاع عن النظرة العامة بأن شعبية اوباما كاسحة ستكسبه الانتخابات بيسر، والتعويل عليه كمنافس شرس المراس. واستطاع رومني فرض برنامجه على السجال الاعلامي وفطنته لابراز نواقص وبؤس اداء الرئيس اوباما مما عزز شعبيته لدى جمهوره الانتخابي.

 

محورية ولاية اوهايو وامكانية ميلها لصالح الحزب الديموقراطي

         نتائج الاستطلاعات المتتالية لولاية اوهايو شكلت قلقا واسعا في اوساط الحزب الجمهوري، اذ دلت بثبات تقدم الرئيس اوباما على خصمه الجمهوري بفارق لا بأس به. دور ولاية اوهايو المحوري يشكل هما اكبر بكثير مما تعكسه اصواتها الانتخابية الثمانية عشرة (18). دلالتها التاريخية تكمن في ثباتها على التصويت لصالح المرشح الفائز في الانتخابات الرئاسية منذ عام 1944، باستثناء انتخابات عام 1960 بين جون كنيدي وريتشارد نيكسون. اما الولايات المحورية الاخرى المتصارع عليها، نيفادا وكولورادو ونورث كارولينا، فتشير نتائج الاستطلاعات الى تقارب شديد بين المرشحيْن، مقابل تفوق بارز لصالح اوباما في ولاية اوهايو.

         عند هذا المنعطف، ينبغي ادراك العوامل التي ادت بتلك الولاية المركزية الميل لصالح الحزب الديموقراطيي في الجولة الانتخابية الراهنة، مع الاخذ بعين الاعتبار احتمال عدم تجاوب ناخبيها مع برنامج ميت رومني.

         ولاء الجمهور الانتخابي في اوهايو ينقسم الى قسمين، الجزء الريفي في غرب الولاية ويميل للمحافظين وتأييد الحزب الجمهوري بشكل عام، والجزء الشرقي الذي نشات فيه الصناعات والمدن الكبرى ويتسم بدعم واضح للحزب الديموقراطي. ويعلل البعض التحولات الديموغرافية في الولاية وانعكاساتها على الخريطة الانتخابية بشكل عام لما اصاب الولاية من تطور سياسي.

         اذ تجدر الاشارة للتطورات والتحولات الكبرى التي حلت بالولاية منذ تصويتها للمرشح الخاسر عام 1960، ريتشارد نيكسون، لا سيما ان نسبة ثقلها الانتخابي آنذاك كان ضعف ما هو عليه راهنا علاوة على احتضانها لعدد كبير من المقرات الرئيسية للشركات الصناعية الكبرى.

         التطورات الطبيعية فعلت فعلها في الخارطة الديموغرافية والتحالفات والولاءات الحزبية في ولاية اوهايو، مقارنة بما ساد عليه الوضع قبل نصف قرن من الزمن. اذ عانت الولاية من انتقال فرص العمل والمصانع الانتاجية الى مناطق الجنوب والغرب منها بحثا عن عمالة خفيفة الكلفة وقوانين اقل تشددا. وارخى العقد الاول من القرن الحالي ظلاله الثقيلة على الولاية بشكل استثنائي، اذ شهدت فقدان نحو 600,000 فرصة عمل ورحيل بضع مئات الآلاف من مواطنيها لاماكن اوفر حظا. كما انعكس الامر على خارطة توزيعها الانتخابي التي تشهد اقل مستوى تمثيلي في الكونغرس منذ ما قبل اندلاع الحرب الاهلية. التطور التقني في عدد من المجالات ومكننة مصانع الانتاج ادت الى وفرة الانتاج الصناعي بالتزامن مع تبخر فرص العمل. واضحى جليا نزوح عدد من الشركات الانتاجية الكبرى الى خارج الولاية مما حرم خزينتها من مبالغ ضرائبية ليس من السهل تعويضها. وتجدر الاشارة ايضا الى ان عدد لا بأس به من خريجي جامعاتها المختلفة يتطلعون للعمل خارج الولاية بعد اتمامهم المتطلبات الاكاديمية، مما يعني خسارة تامة للشريحة العلمية والمثقفة.

         القسم الغربي الريفي من الولاية كان اشد تأثرا بانحسار فرص العمل وانتقال المصانع للخارج، وهي التي تميل بغالبيتها لصالح الحزب الجمهوري. وللدلالة، شكلت مقاطعة كلارك (القريبة من حدودها الغربية مع ولاية انديانا) محورا هاما للاستقطاب في الانتخابات الرئاسية لعام 2004، وضرب فيها المثل: وجهة مقاطعة كلارك تستدرج ولاية اوهايو باكملها. وشهدت المقاطعة انخفاضا سكانيا بنحو 4.4% ما بين عام 2000 وعام 2010.

         الخسارة من جانب تؤدي عادة الى كسب صافي للطرف الاخر حفاظا على التوازن الطبيعي. وبدا جليا تعاطف الرئيس اوباما مع صناعة السيارات التي تشكل اوهايو احد اعمدتها الاساسية بغية تعزيز دور وفاعلية القاعدة الانتخابية للحزب الديموقراطي؛ كما ان جهوده لضخ اموال لانقاذ الوضع الاقتصادي من مزيد من التدهور لقي اذانا صاغية بين الناخبين المستقلين ايضا.

         في غابر الزمن، كان يضرب المثل باوهايو لمتانة وضعها الاقتصادي ووفرة فرص العمل وتمركز عدد من الشركات الانتاجية الكبرى فيها، ويحن اهلها للماضي القريب عله يعود بكل ما حمله من تطور. وتجدر الاشارة الى ان العمال والموظفين على السواء تمتعوا بديمومة فرص العمل وما تحمله من وعود وامكانيات كبرى للانتقال السعيد للطبقة الوسطى والتمتع الحقيقي بفوائد قضاء الاجازات والحصول على راتب تقاعدي مجد. يحمل برنامج اوباما للنهوض الاقتصادي بعضا من تلك الامال والفرص الضائعة بالتزامن مع اقرار الكثيرين بالتحولات الاقتصادية العالمية خاصة وان الصناعات التي اعتمدت عليها اوهايو من السيارات الى الحديد الصلب والاطارات المطاطية قد ضاعت الى غير رجعة.

         سجل المرشح رومني العملي، خاصة في شراكته لمؤسسة مضاربة مصرفية، بين كابيتول، وضبابية المعلومات المتوفرة والمقدمة منه قد عزز الشكوك ضده، وتمضي حملة اوباما الانتخابية للاستفادة القصوى من تناقض خطابه ووعوده الانتخابية بتوفير فرص عمل مقارنة بما اشرف عليه من افلاس بعض الشركات وفقدان اليد العاملة ونزوح مؤسسات اخرى خارج الولايات المتحدة بحثا عن اليد العاملة الرخيصة.

         لذا، سيواجه رومني صعوبات جمة في محاولتة لكسب ثقة الناخبين في اوهايو، وينبغي عليه اعادة التوازن للوعود الانتخابية والاقلاع عن الشعارات المعتادة بطموحه لتقليص هيكل الدولة المركزية وتخفيض الضرائب التي تبتعد عن أس هموم الناخبين واولوياتهم هناك. امامه فرصة تحد عالية لوضع تصور مستقبلي لاوهايو يخولها الاستمرار في اجواء المنافسة العالمية الشديدة. ان اي اخفاق له في كسب الولاية، مهما بدى ضئيلا، سيكلفه خسارتها كاملة لصالح الرئيس اوباما، مرة اخرى.

المناظرة الرئاسية الاولى تنعش حملة رومني من التراجع والجمود

   ثمة اجماع عام بتراجع اداء الرئيس اوباما امام خصمه ميت رومني الذي ظهر على غير سجيته المعروفة ووالذي التزم الدقة والتركيز واتقن فن السجال الخطابي. ويمكن القول ان ابرز تعبير عن الاحباط وخيبة الامل داخل معسكر اوباما كان في صعود عقيلته وابنتيه المسرح دون التلفظ بكلمة، ثم المغادرة سريعا بشكل جماعي. اما المرشح رومني فقد طال بقاؤه وعائلته وبعض مؤيديه على المسرح وكأنه في كرنفال.

اصيب فريق اوباما للحملة الانتخابية بالاحباط لاداء مرشحه الذي كان باستطاعته قول الكثير واحراج خصمه؛ لكنه فضل التخلي عن كسب الجولة طواعية. فماذا حصل؟

البعض يعلل الأمر بعدم استعداد اوباما كاملا قبل المناظرة، استنادا الى ما صرح به قبل الموعد المنتظر بأن فريقه الانتخابي “يحثه على مواظبة واتمام واجب التحضير،” كأنه واجب دراسي. البعض الآخر يعزوه الى اللعنة الانتخابية التي تلازم الرئيس الراهن، اي كان، فهو مشتت الفكر وضعيف التركيز لكثرة مشاغله وهمومه. اذ للمرة الاولى منذ ولايته يعتلي خشبة المسرح ليس منفردا، بل كنظير لطرف آخر يزاحمه الاهتمام والفطنة، بل الدعابة والاحترام؛ اذ شعر بتحدي الآخر لكل ما جاء لطرحه امام الجمهور دون اذعان خصمه لهيبة منصب الرئاسة المفترضة. واوباما لا يشكل استثناء للقاعدة المذكورة، اذ عانى كل من الرئيس الاسبق ريغان والسابق جورج بوش الابن من معضلة مماثلة امام الملأ.

فريق المشككين، في الجانب المقابل، ذهب بالقول ان اوباما جهد في تجنب مواجهة القضايا الشائكة سابقا، وفضل الظهور السلس عبر بعض المقابلات المتلفزة لبرامج خفيفة الظل. وعليه، ظهر حائرا في معالجة القضايا المطروحة بجدية وتحد.

اما رومني، الذي جاء على خلفية توقعات باهتة قبيل المناظرة ، فقد دخل مسلحا بقوة فكرية وخطابية، وسحب البساط من تحت اقدام خصمه اوباما في تناوله المبكر لبرنامجه الاقتصادي والاجتماعي المثير للجدل لدعم الطبقة الوسطى، والتي تشكل جزءا حيويا من الناخبين وخاصة في الولايات المحورية المتصارع عليها. اذ ارخت الازمة الاقتصادية ظلالها المأساوية على اوضاع الطبقة الوسطى وتحسست تردي احوالها باكرا مقارنة بما كانت عليه قبل اربع سنوات من ولاية اوباما الرئاسية. طرح رومني القوي والمباشر اكسبه ثقة كل من تابعه لا سيما لتقديمه غير المتوقع لبعض تفاصيل برامجه وسياساته لتحقيق اهدافه المطروحة. وعلى صعيد السجال الخطابي، نجح رومني في تسجيل عدد من النقاط الجوهرية ضد خصمه واظهر التزاما وطرحا موضوعيا بعيدا عن الشعارات الانتخابية التي طبعت حملته، مما فوت الفرصة على الرئيس اوباما لمحاججته بنجاح وموضوعية. كما ان التفاصيل البصرية التي نقلتها شاشات التلفزة بتوجهه لمخاطبة خصمه وكذلك النظر مباشرة للكاميرا ساهمت في تعزيز ادائه وربما صدقه لدى المشاهدين.

 في المقابل، طبع الارتباك والتردد اداء الرئيس اوباما، مما فسره البعض بانه عائد لافراط اعتماده على شاشة التلقين الجاهزة في نقل افكاره. وعلى غير عادته في الظهور العلني فقد اظهر تضعضع ثقته في برامجه وخططه وانجازاته خلال فترة ولايته. اما لغة عيونه فقد عكست ما يعتمره من قلق داخلي، وفضل تركيز انظاره الى الاسفل بدل النظر مباشرة الى المشاهدين.

 بؤس اداء اوباما لن يكون مدمرا لحملته الانتخابية، اذ امامه جولتي مناظرة مقبلتين باستطاعة فريقة الانتخابي اعداده بافضل مما كان في الجولة الاولى.

من نافل القول ان المناظرات الرئاسية لا تلعب دورا حاسما في حسم الفوز في الانتخابات، بل هي ثمة مناسبة لتكريس انطباع وتصور عام؛ وتوفر فرصة للتحدث مطولا الى الجمهور الاميركي بعيدا عن تدخل وسائل الاعلام وخياراتها للتغطية، بالنسبة للمرشح المنافس. ففي عام 1980، اغتنم رونالد ريغان الفرصة لاسقاط صفة المتشدد عنه كما درجت وسائل الاعلام على توصيفه سابقا. كما تجدر الاشارة الى ان المناظرة الاخيرة فسحت المجال لميت رومني الظهور بمظهر الرصانة والثقة بالنفس والالمام بالحقائق في مواضيع شتى، اكسبته ثقة الناخب المتردد اصلا. لعل ذلك العامل هو اهم ما تمخضت عنه جولة المناظرة التي اتت لصالحه حتما.

ما لم يبرزه السجال المذكور كان نتائج استطلاعات الرأي الحديثة التي دلت بوضوح على التقارب الشديد لمكانة المرشحيْن بين جمهور الناخبين، وعامل فوز احدهما سيستند الى قدرة الطرفين على حشد ومشاركة اكبر عدد من انصارهما يوم الانتخابات التي تعد العامل الحاسم ربما في النتيجة النهائية. وعليه، يمكن متابعة وادراك الاهمية القصوى لاداء رومني بغية كسب ثقة قاعدته الانتخابية، لا سيما الشرائح المتأرجحة والمتشددة في مغالاتها وتطرفها، على السواء، في حزبه الجمهوري، واقناع الجمهور العام للاقلاع عن النظرة العامة بأن شعبية اوباما كاسحة ستكسبه الانتخابات بيسر، والتعويل عليه كمنافس شرس المراس. واستطاع رومني فرض برنامجه على السجال الاعلامي وفطنته لابراز نواقص وبؤس اداء الرئيس اوباما مما عزز شعبيته لدى جمهوره الانتخابي.

 محورية ولاية اوهايو وامكانية ميلها لصالح الحزب الديموقراطي

نتائج الاستطلاعات المتتالية لولاية اوهايو شكلت قلقا واسعا في اوساط الحزب الجمهوري، اذ دلت بثبات تقدم الرئيس اوباما على خصمه الجمهوري بفارق لا بأس به. دور ولاية اوهايو المحوري يشكل هما اكبر بكثير مما تعكسه اصواتها الانتخابية الثمانية عشرة (18). دلالتها التاريخية تكمن في ثباتها على التصويت لصالح المرشح الفائز في الانتخابات الرئاسية منذ عام 1944، باستثناء انتخابات عام 1960 بين جون كنيدي وريتشارد نيكسون. اما الولايات المحورية الاخرى المتصارع عليها، نيفادا وكولورادو ونورث كارولينا، فتشير نتائج الاستطلاعات الى تقارب شديد بين المرشحيْن، مقابل تفوق بارز لصالح اوباما في ولاية اوهايو.

عند هذا المنعطف، ينبغي ادراك العوامل التي ادت بتلك الولاية المركزية الميل لصالح الحزب الديموقراطيي في الجولة الانتخابية الراهنة، مع الاخذ بعين الاعتبار احتمال عدم تجاوب ناخبيها مع برنامج ميت رومني.

 ولاء الجمهور الانتخابي في اوهايو ينقسم الى قسمين، الجزء الريفي في غرب الولاية ويميل للمحافظين وتأييد الحزب الجمهوري بشكل عام، والجزء الشرقي الذي نشات فيه الصناعات والمدن الكبرى ويتسم بدعم واضح للحزب الديموقراطي. ويعلل البعض التحولات الديموغرافية في الولاية وانعكاساتها على الخريطة الانتخابية بشكل عام لما اصاب الولاية من تطور سياسي.

 اذ تجدر الاشارة للتطورات والتحولات الكبرى التي حلت بالولاية منذ تصويتها للمرشح الخاسر عام 1960، ريتشارد نيكسون، لا سيما ان نسبة ثقلها الانتخابي آنذاك كان ضعف ما هو عليه راهنا علاوة على احتضانها لعدد كبير من المقرات الرئيسية للشركات الصناعية الكبرى.

التطورات الطبيعية فعلت فعلها في الخارطة الديموغرافية والتحالفات والولاءات الحزبية في ولاية اوهايو، مقارنة بما ساد عليه الوضع قبل نصف قرن من الزمن. اذ عانت الولاية من انتقال فرص العمل والمصانع الانتاجية الى مناطق الجنوب والغرب منها بحثا عن عمالة خفيفة الكلفة وقوانين اقل تشددا. وارخى العقد الاول من القرن الحالي ظلاله الثقيلة على الولاية بشكل استثنائي، اذ شهدت فقدان نحو 600,000 فرصة عمل ورحيل بضع مئات الآلاف من مواطنيها لاماكن اوفر حظا. كما انعكس الامر على خارطة توزيعها الانتخابي التي تشهد اقل مستوى تمثيلي في الكونغرس منذ ما قبل اندلاع الحرب الاهلية. التطور التقني في عدد من المجالات ومكننة مصانع الانتاج ادت الى وفرة الانتاج الصناعي بالتزامن مع تبخر فرص العمل. واضحى جليا نزوح عدد من الشركات الانتاجية الكبرى الى خارج الولاية مما حرم خزينتها من مبالغ ضرائبية ليس من السهل تعويضها. وتجدر الاشارة ايضا الى ان عدد لا بأس به من خريجي جامعاتها المختلفة يتطلعون للعمل خارج الولاية بعد اتمامهم المتطلبات الاكاديمية، مما يعني خسارة تامة للشريحة العلمية والمثقفة.

القسم الغربي الريفي من الولاية كان اشد تأثرا بانحسار فرص العمل وانتقال المصانع للخارج، وهي التي تميل بغالبيتها لصالح الحزب الجمهوري. وللدلالة، شكلت مقاطعة كلارك (القريبة من حدودها الغربية مع ولاية انديانا) محورا هاما للاستقطاب في الانتخابات الرئاسية لعام 2004، وضرب فيها المثل: وجهة مقاطعة كلارك تستدرج ولاية اوهايو باكملها. وشهدت المقاطعة انخفاضا سكانيا بنحو 4.4% ما بين عام 2000 وعام 2010.

الخسارة من جانب تؤدي عادة الى كسب صافي للطرف الاخر حفاظا على التوازن الطبيعي. وبدا جليا تعاطف الرئيس اوباما مع صناعة السيارات التي تشكل اوهايو احد اعمدتها الاساسية بغية تعزيز دور وفاعلية القاعدة الانتخابية للحزب الديموقراطي؛ كما ان جهوده لضخ اموال لانقاذ الوضع الاقتصادي من مزيد من التدهور لقي اذانا صاغية بين الناخبين المستقلين ايضا.

في غابر الزمن، كان يضرب المثل باوهايو لمتانة وضعها الاقتصادي ووفرة فرص العمل وتمركز عدد من الشركات الانتاجية الكبرى فيها، ويحن اهلها للماضي القريب عله يعود بكل ما حمله من تطور. وتجدر الاشارة الى ان العمال والموظفين على السواء تمتعوا بديمومة فرص العمل وما تحمله من وعود وامكانيات كبرى للانتقال السعيد للطبقة الوسطى والتمتع الحقيقي بفوائد قضاء الاجازات والحصول على راتب تقاعدي مجد. يحمل برنامج اوباما للنهوض الاقتصادي بعضا من تلك الامال والفرص الضائعة بالتزامن مع اقرار الكثيرين بالتحولات الاقتصادية العالمية خاصة وان الصناعات التي اعتمدت عليها اوهايو من السيارات الى الحديد الصلب والاطارات المطاطية قد ضاعت الى غير رجعة.

 سجل المرشح رومني العملي، خاصة في شراكته لمؤسسة مضاربة مصرفية، بين كابيتول، وضبابية المعلومات المتوفرة والمقدمة منه قد عزز الشكوك ضده، وتمضي حملة اوباما الانتخابية للاستفادة القصوى من تناقض خطابه ووعوده الانتخابية بتوفير فرص عمل مقارنة بما اشرف عليه من افلاس بعض الشركات وفقدان اليد العاملة ونزوح مؤسسات اخرى خارج الولايات المتحدة بحثا عن اليد العاملة الرخيصة.

 لذا، سيواجه رومني صعوبات جمة في محاولتة لكسب ثقة الناخبين في اوهايو، وينبغي عليه اعادة التوازن للوعود الانتخابية والاقلاع عن الشعارات المعتادة بطموحه لتقليص هيكل الدولة المركزية وتخفيض الضرائب التي تبتعد عن أس هموم الناخبين واولوياتهم هناك. امامه فرصة تحد عالية لوضع تصور مستقبلي لاوهايو يخولها الاستمرار في اجواء المنافسة العالمية الشديدة. ان اي اخفاق له في كسب الولاية، مهما بدى ضئيلا، سيكلفه خسارتها كاملة لصالح الرئيس اوباما، مرة اخرى.

قمم المتاعب في المسرح الاميركي: هل تكون ابعد من الصور التذكارية؟!

الازمة المالية الاوروبية واستراتيجية حلف الناتو في افغانستان من ابرز الموضوعات التي ستتناولها القمم المقبلة للدول الصناعية الثمانية وقمة دول حلف الناتو وقمة مجموعة 20 الصناعية. مجموعة الدول الثمانية تعقد مؤتمرها، الجمعة 18 أيار/مايو، في منتجع كامب ديفيد بحضور الرئيسين الاميركي والفرنسي ورؤساء وزارات الدول الاوروبية الاخرى. سيغيب عنها الرئيس الروسي الجديد، فلاديمير بوتين، موفدا سلفه ورئيس الوزراء الحالي ديمتري مدفيديف. غياب بوتين يؤشر على ازمة علاقات كامنة مع الولايات المتحدة على خلفية سبل التعامل مع الملفات الدولية وضرورة التمسك بمبدأ سيادة الدول على اراضيها، لناحية سورية ، وكذلك لاتهام الرئيس بوتين الولايات المتحدة بالتدخل في الشأن الروسي الداخلي ودعم مظاهرات ضد حملة الانتخابات الرئاسية.

الازمة الاقتصادية تنذر بكارثة حقيقية في اوروبا، وستكون مدرجة على اولويات جدول الاعمال للدول الثمانية، لكن حقيقة الامر ان الخيارات المتاحة امام الولايات المتحدة بهذا الشأن محدودة للغاية، نظرا ايضا لتراكم العجز في ميزانيتها العامة وحالة التقشف التي تتصدر برامج مساعداتها المختلفة. في المقابل، تنفرد المانيا بوفرة السيولة المالية بخلاف الدول الاخرى، ومن المتوقع تزعم اوباما جهود حثها  لدعم اجراءات التخفيض في الانفاق بغية احتواء الازمة. اذ ان اي مسعى لانقاذ عملة اليورو سيضع المصارف الالمانية في موقع حيوي للتأثير على شروط الاتفاقية المرتقبة. واستنادا الى وصفات النظام الرأسمالي، وخاصة قروض البنك الدولي وصندوق النقد، فسيطلب من متلقي الدعم تخفيض مستوى الانفاق الحكومي في بلدانهم.

الازمة الاقتصادية في اليونان شكلت اكبر تحد للدول الاوروبية، لا سيما وانها تستنزف زهاء 5 مليار دولار شهريا منذ عام 2009. مصادر المساعدة المالية لليونان، من قبل المصارف المالية الدولية المختلفة، تفرض عليها شروطا قاسية للتقشف، مما اثار غضب الشعب اليوناني ونزوله الى الشارع للتظاهر ضد الشروط المالية، وبعضها اتخذ طابع العنف. واسفرت نتائج الانتخابات البرلمانية في اليونان، الاسبوع المنصرم، عن تصاعد موجة الغضب الشعبي ضد التدخلات الاوروبية مما اسهم في احراز تحالف اليسار الراديكالي تأييدا جليا لبرنامجه، لا سيما وان زعيم التحالف، اليكسيس تسيبراس، وصف شروط الدول المانحة بـ “المرض” محملا رئيسة الوزراء الالمانية، انغيلا ميركل، مسؤولية ما آلت اليه الاوضاع في بلاده. الجولة الثانية للانتخابات النيابة ستعقد الشهر المقبل قد تسفر عن فوز تسيبراس مما يزيد في قلق ومخاوف سبق التعبير عنها لدى بعض الدول الاوروبية. يذكر انه تم سحب نحو 890 مليون دولار نقدا من المصارف اليونانية مطلع الاسبوع الجاري، معززا مخاوف المستثمرين من ضبابية ما يخبؤه المستقبل.

التحديات عينها سيتم تناولها في القمة الموسعة للدول الصناعية، مجموعة العشرين، التي ستعقد الشهر المقبل في المكسيك. مجموعة-20 تشكلت من الدول الصناعية والناشئة والنامية، وتمثل التنوع والواقع الدولي بصدقية اكبر من مجموعة -8 التي تتمركز حول الدول الاوروبية والولايات المتحدة وكندا حصرا، ومن ثم اضيفت اليها روسيا الاتحادية. يبلغ حجم التبادل التجاري بين مجموعة-20 زهاء 90% من مجموع الانتاج القومي العالمي، وهذه الميزة توفر لها حظا اوفر في معالجة ادق للازمات الدولية، لا سيما الازمة الاوروبية، وانعكاساتها على مجمل الوضع العالمي من مثيلتها للنخبة الاصغر مجموعة �” 8.

انعقاد القمتين، الناتو ومجموعة الثمانية الصناعية، في الولايات المتحدة سيوفر زخما دعائيا للرئيس اوباما ينوي استثماره للتعويض عن تراجعات اسهمه الشعبية امام خصمه الجمهوري المفترض، ميت رومني. تبنيه ودعم بعض القضايا الاجتماعية الخلافية، زواج المثليين، زعزع مكانته عند بعض الشرائح الاجتماعية الهامة في الانتخابات المقبلة، المستقلين والمرأة. يرمي اوباما استغلال ما ستوفره منصة استضافة المؤتمرات  الدولية لكبار زعماء الغرب الآخرين من تركيز اعلامي عليه لاستعادة ثقة بعض الشرائح الانتخابية.

حسابات البيدر عادة لا تطابق حسابات الحقل الرغبوية. فاوروبا تعاني من ازمة خانقة وانهيارات بنيوية مرئية تشبه اوضاعها في عقد الثلاثينيات من القرن المنصرم، والتي ادت الى صعود الفاشية والنازية والديكتاتورية. بعض الامل يرجى من بروز الرئيس الاشتراكي الفرنسي الجديد وتطبيق وعوده الانتخابية باستعادة مكانة فرنسا واستقلالية توجهاتها بدل اللحاق والتبعية للولايات المتحدة. سيستغرق الامر بعض الوقت في بلورة رؤية مشتركة بين الرئيس الجديد ونظيره الاميركي الذي استثمر رصيدا هائلا مع السلف الفرنسي الخاسر، نيكولا ساركوزي، في ظل توقيت دولي لا يعمل لصالحه بشكل كبير امام حملة انتخابات واستقطابات شرسة بانتظاره.

الرئيس الفرنسي اولاند لم يخف قلقه من سياسات التقشف الاوروبية، الحلقة المركزية والبارزة في وصفة النظام المالي لانقاذ الاقتصاديات المتعثرة، وسيترك اثرا سريعا على آلية معالجة الانهيارات الاقتصادية. اما الانجاز الاكبر والحاسم المنتظر من اولاند سيترك اثره على حجم استمرار الانخراط الفرنسي في افغانستان، لا سيما وان القيود المالية الاوروبية ستفرض على اللاعبين الاوروبيين اعادة النظر في مجمل المغامرة العبثية، احد مصادر الويلات والازمات الاجتماعية المتصاعدة في بلدانهم.

على الرغم من الوفرة في اداء الاقتصاد الالماني الا انه يواجه تحديات ضخمة في مساعي معالجتة افلاس الاقتصاد اليوناني، وانعكاسات فشل سياسة تجميد الازمات على التوازنات السياسية في الخارطة الالمانية. اذ تلقى الحزب الديموقراطي المسيحي الحاكم صفعة قوية في الانتخابات الاخيرة التي جرت في اقليم ويستفاليا، وانهار مستوى الدعم الشعبي لبرنامجه الى مستوى متدن بلغ 26 بالمئة في عموم الاقليم؛ واعلن حديثا وزير البيئة نوربرت روتغن، المرشح ايضا لمنصب حاكم الاقليم، عن استقالته من منصبه. في المقابل، عزز الحزب الديموقراطي الاشتراكي مكانته على خصمه حزب ميركل بنحو خمسة نقاط اضافية، التي حين حسابها مع شعبية حزب الخضر البالغة نحو 11 بالمئة، بامكان تحالفهما المشترك تشكيل الاغلبية للسيطرة على الاقليم المذكور. من السابق لاوانه الجزم بمصير المستشارة انغيلا ميركل، لكن التوقعات تشير الى انها ستبقى في مكانها بعد الانتخابات القومية المقرر اجراؤها العام المقبل.

جدير بالذكر ان وصفة ميركل لليونان باجراء استفتاء بشأن بقاءه في منطقة اليورو قد اثارت ردات فعل غاضبة في عموم المشهد اليوناني، وتوجيه اتهامات فورية لها بالتدخل بالشؤون الداخلية. ومع تفاقم الازمة الاقتصادية والرفض العام للوصفة الالمانية، اصدر الرئيس اليوناني، كارولوس بابولياس، مرسوما (19 ايار) بحل البرلمان والدعوة لاجراء انتخابات جديدة في 17 حزيران / يونيو المقبل. تجدر الاشارة الى رؤية احد الخبراء الاقتصاديين في جامعة نيويورك، نوريل روبيني، الذي “رجح امكانية افلاس اليونان وخروجها من منطقة اليورو وعودتها الى اعتماد عملتها الوطنية �” الدراخما، خلال العام الجاري او العام المقبل على ابعد تقدير.”

افغانستان ستتصدر جدول اعمال القمتين، ليس لناحية الاهتمام الاميركي فحسب، بل لدور المانيا في ارسال قوة عسكرية خارج حدودها لاول مرة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لافغانستان بقوة بلغت 110,000 جندي، وتعاظم المطالبات الشعبية باعادتهم لبلادهم وحث الجانب الافغاني الارتقاء بمهامه لاستلام زمام الامن بنفسه. قمة حلف الناتو، في شيكاغو، ستحدد آلية الانسحاب التدريجي للقوات العسكرية، لا سيما وان وزير الدفاع الالماني، توماس دي ميزيير، اكد لواشنطن مؤخرا ان بلاده تتمسك بصيغة “الدخول معا، والخروج معا” من افغانستان.

من زاوية الجانب الاميركي، يرى انه يتعين على قمة حلف الناتو تناول مسائل ثلاثة يعتبرها اولوية بالنسبة له:

  • – التوصل لاتفاق مرحلي لعام 2013 بالتزامن مع تحول مهمة القوات الدولية من الدور القتالي الفاعل الى دور المساعد لقوى الامن الافغانية؛
  • – التوصل الى اتفاق حول ماهية قوى الامن الافغانية المطلوبة لما بعد عام 2014، لناحية الحجم والكلفة والاكتفاء الذاتي؛
  • – وضع معالم خطة طريق لدور حلف الناتو في افغانستان لما بعد مرحلة الانسحاب من افغانستان.

النجاحات المرتقبة في افغانستان تعتمد على حجم وكلفة التزام اطراف الناتو المساهمة لاستمرار الانفاق العسكري المطلوب للحفاظ على مهامها هناك، ومنها تحديث البنية العسكرية القديمة والانتقال الى اعتماد استراتيجية دفاعية تستند الى تحديد المهام المطلوبة بالتزامن مع تطور مصادر التهديدات.

         من المتوقع استمرار الولايات المتحدة ممارسة ضغوطها على حلفائها لتخصيص نحو 2% من ناتجها القومي سنويا للانفاق الدفاعي �” ولبى هذه المطالب ستة اعضاء فقط من الحلف. ومما يعقد تحقيق الرغبة الاميركية تفاقم الازمة الاقتصادية والمالية التي تعصف باوروبا وتحدياتها على اطراف الحلف لتلبية ذلك. الامر الذي دفع بعض مكونات الحلف للنظر في تبني استراتيجية “ذكية للدفاع،” التي تعني حقيقة عدم الرغبة في تخصيص مزيد من الاموال للصرف على الشؤون الدفاعية. الامر الذي سيفرض نفسه مرة اخرى على استراتيجيي الحلف للنظر في سبل بديلة لتوزيع حجم المشاركة المالية.

الجزء الاكبر من الاموال الاضافية المخصصة للانفاق العسكري ستذهب لانجاز مشاريع واسلحة الحلف الجديدة، منها نظام جديد للمراقبة الميدانية من شانه توفير صورة اشمل للقادة المعنيين لما يجري على الارض المستهدفة. عدوان حلف الناتو على ليبيا عزز اهمية توفر مثل هذا النظام، مما دفع نحو 13 عضوا العمل للحصول على نمط معدل للطائرة دون طيار من طراز “غلوبال هوك” ومتطلباتها الاخرى من قواعد القيادة والتحكم لتشغيلها نيابة عن اعضاء الحلف الآخرين.

كما ان نظام الدفاع الصاروخي المقترح اميركيا سيأخذ حيزا هاما من نقاشات الحلف، خاصة مع قرب الاعلان على ان النظام شارف على الوصول الى ادخاله الخدمة الفعلية. المرحلة الاولى من نظام الدفاع الاميركي سيتم دمجها في نظم القيادة والتحكم القائمة لدى الحلف لاغراض الدفاع ضد الصواريخ الايرانية �” كما يشاع.

النظام الصاروخي المذكور شكل نقطة خلاف اساسية بين الحلف وروسيا الاتحادية، وهو احد العوامل المسببة لغياب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن قمة الحلف، وارسال مسؤول رفيع المستوى لعرض وجهة النظر الروسية واستمرار التعاون مع الحلف بشأن المهام الافغانية. المبعوث الرئاسي الروسي لافغانستان، زامير كابولوف، والذي يرأس قسم الشؤون الافغانية في وزارة الخارجية الروسية، سيحضر قمة الناتو في مدينة شيكاغو، على الارجح.

تجدر الاشارة الى مستويات التعاون الوثيقة بين روسيا وحلف الناتو في الساحة الافغانية، والتي تشكل احد مصادر انتاج المخدرات الرئيسة التي تجد طريقها الى الداخل الروسي عبر الثغرات الحدودية التي تربطها مع جمهوريات آسيا الوسطى. اذ وافقت روسيا على السماح بمرور امدادات الحلف عبر اراضيها القادمة والمتجهة الى افغانستان، وضمان استمرارية دعمها لتلك الجهود يعد حيويا لانجاز مهام الحلف بقيادة الولايات المتحدة، والانسحاب المنظم والآمن للقوات العسكرية عام 2014.

         يتردد ان موسكو على استعداد للسماح للولايات المتحدة استخدام مطار عسكري في مدينة اوليانوفسك، موطن الزعيم الروسي التاريخي فلاديمير لينين، لشحن البضائع غير الفتاكة من والى الاراضي الافغانية.

 اضافة الى ما تقدم من قضايا خلافية بين روسيا وحلف الناتو، هناك ايضا مسالة المراقبة الجوية في محيط بحر البلطيق. منذ مطلع شهر آذار / مارس 2004، اضطلع الحلف بمهام مراقبة الاجواء الجوية لدول البطيق الثلاثة، لاتفيا وليثوانيا وايستونيا. ورغم ظاهر مهمة المراقبة الدفاعي فان روسيا الاتحادية تعتبرها تهديدا لمصالحها وسيادتها على اراضيها.

علاوة على القضايا الخلافية بين حلف الناتو وروسيا الاتحادية، المدرجة على جدول اعمال القمة، برزت الصومال كأحد المناطق ذات الاهتمام العسكري لاوروبا والولايات المتحدة معا. خاصة مع قيام قوة عسكرية تابعة للاتحاد الاوروبي مؤخرا بشن هجوم مباغت على قواعد “للقراصنة” الصوماليين هناك. ووافق الاتحاد الاوروبي حديثا على توسيع نطاق “عملية اتلانتا” التي توفر الحرية للقوات العسكرية تنفيذ هجمات عسكرية على اهداف ارضية وفي اعالي البحار، وهي المرة الاولى التي يشرع فيها الحلف امتداد رقعة عملياته الى اهداف ارضية في دول اخرى. القوة الدولية المهاجمة استخدمت طائرات مروحية بمساعدة سفينتين حربيتين لشن الهجوم مما اسفر عن مقتل خمسة افراد صوماليين.

         تقييم اداء مكونات حلف الناتو في العدوان على ليبيا، وكذلك مطالبة البعض لتدخل اكبر في الازمة السورية ستأخذ حيزا من نقاشات الحلف. لم يستطع الحلف استنساخ نجاحاته العسكرية في ليبيا لارساء الامن والاستقرار المروج له هناك، مما يعقد التجاوب مع مطالب البعض للتدخل في سورية، على الرغم من ان الازمة السورية اضحت مسألة داخلية ضاغطة في تركيا. من المرجح ان تستثني البيانات الختامية للحلف اي جديد حول سورية وترك الامر للدول المعنية التصرف بما تراه مناسب لها.

مصير الحلف كمؤسسة انشئت لمواجهة الاتحاد السوفياتي والمعسكر الاشتراكي في الحرب الباردة يعيد مجددا النظر بالتغيرات الدولية وتاثيرها على بنية وهيكلية الحلف، واعادة تقييم الاهداف من وراء استمراره.

استطاع الحلف عبر امتداد تاريخه نسج علاقات وثيقة مع عدد من الدول، مما سينعكس على حجم المشاركة العالية في قمته في شيكاغو التي سيحضرها نحو 80 مندوب. على سبيل المثال، عملت استراليا، وهي احدى دول الكومنولث، على توثيق علاقاتها مع الحلف وافصحت عن نيتها دخوله رسميا. كما ان دول مجلس التعاون الخليجي ايضا تطمح لتعزيز علاقاتها معه لا سيما مع استمرارية تقديمها لتسهيلات عسكرية مختلفة لقوى الحلف على اراضيها ومياهها، مما دفع البعض الى ترويج ضرورة اعادة النظر بهيكلية الحلف وتوسيعها لمستوى ارقى لمنظمة دولية للتعاون العسكري .

ومن المفارقات ان “اسرائيل” التي تتمتع بعلاقات وثيقة مع الحلف بقيت خارج هيكليته. ويبدو ان الاسباب الحقيقية لعدم حضورها قمة شيكاغو بقيت طي الكتمان، الا انه من المرجح ان تركيا استخدمت حقها للنقض بمشاركة “اسرائيل” في قمة شيكاغو.

مجرد انعقاد القمتين على التوالي في الولايات المتحدة يوفر فسحة لمكاسب سياسية باستطاعة الرئيس اوباما استغلالها في حملته الانتخابية، لاسيما لمركزية دوره بين الزعماء الاخرين، لكنها تنطوي على بعض المجازفات والمخاطر ايضا.

 اولها، القدرة على التوصل الى اتفاق بشأن افغانستان، لا سيما ان احجمت القمة عن الموافقة لاستمرارية وجود قوات الحلف هناك على المدى الابعد. مما سينعكس سلبا على ارثه السياسي الذي ينوي استثماره لصالحه. كما ان مسائل اخرى مثل برنامج الدفاع الصاروخي لا زالت بحاجة الى بلورة اجماع عليها، بالاتساق مع التصور والرؤية الاميركية.

لسوء حظ اوباما، فان عددا من القضايا والتحديات ستكون خارج ارادته للتحكم بها، واكبرها تدهور الحالة الاقتصادية في اوروبا بشكل خاص، ترافقها ظاهرة صعود المشاعر الوطنية التي تجسدت في المظاهرات الشعبية اليونانية المناهضة لالمانيا، على خلفية دورها المركزي في ازمة البلاد الاقتصادية وكذلك لمطالبتها تطبيق اجراءات مشددة تقيد حرية الحركة للشعوب الاوروبية داخل بلدانها.

ارتفاع الاصوات المطالبة بالتمسك بالسيادة الوطنية تشير الى ضيق ذرع المواطنين من تبعات الوحدة الاوروبية والكلفة الاقتصادية العالية لدعم الاقتصاديات المنهارة في ايطاليا واليونان واسبانيا والبرتغال، سبقها ازمة انهيار اقتصاد ايسلندا المدمر. العوامل المذكورة ستسبق اي اعتبارات اخرى لحمل دول الحلف اقتطاع نسبة 2% من ناتجها القومي للانفاق على الشؤون الدفاعية لسنوات عدة مقبلة.

الصورة النهائية لما ستسفر عليه الاوضاع الاوروبية تعتمد بشكل كبير على مصير الازمة الاقتصادية العالمية. في الايام الخوالي، كان بالمستطاع التساهل بالقيود السياسية والمالية المفروضة في البلدان الاوروبية، مع استمرار بقاء الاتفاقيات التجارية سارية المفعول.

الخيارات الراهنة المتاحة امام الاتحاد الاوروبي ضيقة وحدودة، وحل الاتحاد برمته سينجم عنه بروز نظم استبدادية كالتي اوصلت العالم الى الحرب الكونية الثانية. اما الاصرار على الاستمرار بمساعي الوحدة سيطلب من مركز الاتحاد الاوروبي، في بروكسل، وزعمائه سوية الالتفاف على المسارات الديموقراطية وتجاهل ارادة الناخبين.

 اولى الضحايا المرئية للازمة ستكون العملة الموحدة، اليورو، لا سيما وان الاقتصاديات السليمة تتحمل وزر عضويتها في المجموعة الاوروبية. اما الدول والاقتصاديات الاضعف لا تتوفر لديها الارادة السياسية لتعديل سياسات الانفاق الحكومي اسوة بالعملة الاقوى؛ فهي تفضل الحل الاقرب المتمثل في تخفيض قيمة العملة.

لا يبشر اي من الخيارات اعلاه بخير لحلف الناتو، فالقيود المالية للاتحاد الاوروبي تحرم الدول الاقل ثراء من التماشي مع اهداف الانفاق العسكري المطلوبة. اما سلوك خيار تشظي الاتحاد الاوروبي، في الوقت الراهن، لن يؤدي الا لمزيد من الانقسامات داخل مكونات حلف الناتو.

 من الصعب التكهن بما ستسفر عنه حقيقة قمة الحلف في شيكاغو، لكن النتيجة المرجحة هي استمرارية حالة المراوحة السائدة منذ عقد من الزمن. فافغانستان ستبقى الجرح النازف لحلف الناتو وتعيق جهوده للتحديث. اما الخلاف بشأن برنامج الدفاع الصاروخي سيؤدي الى استمرار حالة الانقسام بين الحلف وروسيا الاتحادية دون افق للحل. مستويات الانفاق العسكري لن يكون بمقدورها التجاوب مع اهداف الحلف المرسومة للمرحلة المقبلة، ويرجح ان تحل استراتيجية “الدفاع الذكية” محل جهود التحديث للبنية الموجودة. كما ان المناطق الساخنة في العالم، مثل سورية، ستبقى تحافظ على وتيرتها، بالترافق مع سعي اعضاء حلف الناتو تجنب الدخول في تدخلات عسكرية مكلفة.

Erdogan’s Middle East Diplomacy: A New Nasser in the Making?

Erdogan’s Middle East Diplomacy: A New Nasser in the Making?

BY: MOUNZER SLEIMAN PhD

On January 9 Egyptian President Hosni Mubarak asked Erdogan to send a special envoy to Egypt to join in the cease-fire negotiations between Egypt, the Palestinian Authority, and Hamas officials. A delegation under the leadership of Ahmet Davutoglu, Erdogan’s top foreign policy adviser, was sent to take part in the negotiations. Positive developments prompted the Turkish delegation to make an unplanned visit to Damascus to meet with the Syrian foreign minister and Hamas officials. The Turkish delegation’s contacts reportedly “have made significant contributions to the cease-fire process and developments concerning this issue are moving in a positive direction” (Today’s Zaman, January 13). Hamas’s spokesman Sami Abu Zuhri said, “Turkey’s suggestions for the cease-fire were the most constructive and balanced so far” (Zaman, January 13). Spanish Foreign Minister Miguel Angel Moratinos announced that Hamas had finally agreed to the Egyptian plan (Yeni Safak, January 15).

In addition to Turkey’s diplomatic presence in Middle Eastern affairs, Erdogan’s condemnation of Israel has made him especially popular among ordinary Arabs. The Turkish press reported that a big anti-Israel demonstration was held in Damascus and participants chanted “Arab leaders, traitors; hello to Tayyip Erdogan” (Yeni Safak, January 15).

Erdogan’s censure of Israel made headlines across the Arab world. It was reported by Al Jazeera, and Arab readers enthusiastically supported Erdogan’s position, saying:

“Erdogan is not a man of words; he is a man of action. Erdogan! I thank you for your courage at a time when everybody prefers to keep silent,” wrote Ramadan Ahmet Muhammad, a regular reader of Al Jazeera news. Another enthusiastic reader, Muhammad Ataullah Uthman, said he raised his hat to Erdogan’s remarks and called for the Turkish prime minister to continue efforts to gather all Arabs and Muslims under the flag of Turkey. Khalid Ahmed al-Aydi says, “Oh God! Help Islam and the Muslims with this bold man. He is not afraid of anyone but God. Help him in his efforts for the Muslim community and a strong Turkey. I would like so much for all Muslims to be united under the flag of this man against the enemies of Islam” (Today’s Zaman, January 9).

Just as popular Egyptian leader Gamal Abdel Nasser had won the support in the streets across Arab world with his anti-imperialist rhetoric in 1950s, Erdogan is winning popularity among Arabs with his anti-Israel oratory. Erdogan’s popularity was not limited to the man in the street, however. Arab intellectuals have also shown their support for Erdogan’s efforts and statements about the Israeli offensive in Gaza. Syrian Journalist, Husnu Mahalli, who writes for the Turkish daily Aksam, said that with his point of view, Erdogan would receive 90 percent of the vote if he established a party in Syria or Egypt (www.haber7.com, January 10). Jordanian columnist Hamadeh Faraneh said:

Arabs were moved on two fronts: By the sensitivity the Turkish nation showed to the passion of the Palestinian people and by the historical and official stance of the Turkish government in the face of Israel and its readiness to help the Palestinian people, both materially and spiritually. Today, Turkey overcame the memories of World War I. I can say that since World War I, Turkey’s image in the Arab world has never been better (Today’s Zaman, January 7).

Khalaf Ahmed Al Habtoor, a columnist from Lebanon’s The Daily Star, wrote:

Few heroes have emerged on the diplomatic level during the Gaza conflict; and, sadly, the Arab world hasn’t managed to produce even one. Turkey’s position on Gaza has been clear and crisp, in sharp contrast to our own regretful diplomatic paralysis. I salute Mr. Erdogan for his unequivocal message to Israel, his country’s long-time ally. Speaking on January 4, he said, “God will sooner or later punish those who transgress the rights of innocents.” I suspect these courageous words have reverberated in the minds and hearts of all Arabs as they did within my own. Unlike Turkey, at the start of Israel’s campaign some Arab governments contented themselves with blaming Hamas for Israel’s bombs. Instead of standing together against a country that occupies, oppresses, and murders our fellow Arabs, our leaders chose either to discredit the victims or virtually ignore them (The Daily Star, January 13 )

It should be noted that the positive change in the Arab view toward Turkey began with the Justice and Development Party (AKP)’s new Middle East policy initiatives. With these initiatives, the Erdogan government has attempted to deepen its influence in the countries of the Middle East. The efforts of the AKP government have started producing warm feelings toward Turkey among the Arabs. Al Ahram Weekly recently stated that “while it may have been the case that Turkish secularists have been more or less aloof to the concerns and issues of the Middle East, the tendency [among Arabs], now, is to see Turkey as no more than the Justice and Development Party, as though this were not [just] one among several other political parties in Turkey” (Al Ahram Weekly, December 3-9, 2008). It seems that his recent statements against Israel and his sincere stance on the Palestinian issue have helped make Erdogan a hero, if not a new Nasser, in the Arab world. It remains to be seen, however, whether it will help Turkey become an active diplomatic player in Middle Eastern affairs.

الاعلام – السلطة – المال: مثلث النفوذ وخطاب الصورة

الاعلام في خدمة المصالح السياسية للفئة الحاكمة وسيطرة رأس المال … اذ تلجأ الولايات المتحدة الى اعتماد ازدواجية المعايير في خطابها السياسي الموجه لتخضع سياساتها لمصالح قوى الرأسمال، حتى وان تم ذلك على حساب الحريات العامة.

وسائل الاعلام الغربية تخشى من اي محاولة لانتقاد السياسات الاسرائيلية، خشية اضطرارها لدفع ثمن باهظ جراء محاولاتها مواجهة اللوبي اليهودي في بلدانها. التقدم الاعلامي الرقمي يسهم في محو الأمية، وكذلك في تقليص دور الهويات الوطنية ان لم يتم التعامل معها بوعي وحذر.   [ MEDIA AND POWER-20110211-152013 ]

الانتفاضة المهددة بالغدر او الواعدة بالنصر

بقلم: منذر سليمان*

ترافق ارتباك ادارة اوباما حيال الانتفاضة الشعبية المصرية مع مخاوف حقيقية من امكانية انتقال الحكم الى قوى معادية للولايات المتحدة الاميركية، بالاضافة الى الخوف الاكبر من ان يشكل سقوط حكم مبارك مؤشرا حاسما على فشل سياسة اوباما الخارجية تطيح بحظوظه للفوز في انتخابات التجديد الرئاسية القادمة عام 2012.

 ان ما يقلق اوباما وكبار مساعديه تلك المقارنات التي بدأت تجريها بعض وسائل الاعلام في تعليقاتها حول سياسة اوباما الشرق اوسطية متسائلة ما اذا كانت خسارة اوباما لمصر تشبه خسارة كارتر لايران في اواخر السبعينيات.

فالثورة الايرانية التي اسقطت نظام الشاه مقرونة بارتفاع اسعار النفط والركود الاقتصادي مع التضخم عوامل ادت الى هزيمة ساحقة للرئيس كارتر في انتخابات التجديد الرئاسية عام 1980.

ورغم بلاغة اوباما الخطابية ودعوته للاصلاح في مصر، واشارته الى ذلك في خطابه الشهير في القاهرة، فان حصاد سياسته العامة في الشرق الاوسط تركت الانطباع لدى العديد من المراقبين بان اميركا اضحت دولة لا يمكن لصديق ان يعتمد عليها او لخصم ان يهابها. بدت مواقف اوباما وادارته منذ اندلاع الانتفاضة ضعيفة ومترددة، لقد فوجيء البيت الابيض بتطور الانتفاضة، وكانت مواقفه تلاحق الخبر، فمن تأييد فاتر لمبارك بحجة دعم الاستقرار الى دعم تنحيته بسرعة عن مقاليد السلطة.

وتشير استطلاعات الرأي العام الاولية لعينات من الناخبين الاميركيين ان الغالبية تعتقد ان الثورة في مصر ستؤدي الى تدهور خطير للنفوذ الاميركي في الشرق الاوسط، ومع ذلك يعارضون اي تدخل اميركي مباشر. هذا ما يجعل اوباما في موقف حرج وأسيرا لحسابات الداخل الاميركي الصعبة. كان امام اوباما خيارين اما دعم الحفاظ على نظام مبارك مضمونا بقوة الجيش والاكتفاء ببعض الاصلاحات الشكلية او السعي لنظام ديموقراطي منتخب بعد مرحلة انتقالية مع تنحي مبارك.

ويبدو ان تصاعد ونجاح الانتفاضة الشعبية فرض عليه الانتقال لدعم الخيار الثاني لكنه اصطدم حتى الآن بتشبث مبارك بالسلطة ومحاولة اقناع ادارة اوباما بمنحه بعض الوقت “لتصفية” الامور لأنه اكثر خبرة في التعامل مع الحراك الشعبي المصري. ويبدو ان مهمة مبعوث اوباما، فرانك ويزنر، فشلت في اقناع مبارك للتنحي سريعا ولكن المساعي الاميركية مستمرة مع الشبكة الواسعة من النخب الأمنية والعسكرية والسياسية والاكاديمية المصرية التي نسجت علاقات قوية معها منذ المرحلة الساداتية بهدف ايجاد مخرج “مشرّف” لمبارك للتنحي عن السلطة. ويبدو ان هدف ادارة اوباما احتواء المطالب الجذرية للانتفاضة الشعبية والاكتفاء باحداث تغيير شكلي في قمة النظام لضمان استمرارية دوره الوظيفي التابع لحماية المصالح الاميركية، وعلى رأسها بقاء “اسرائيل،”   ويبدو البروز المريب لما يسمى “لجنة الحكماء،” بهدف ممارسة المقايضة على مطالب الانتفاضة والتفاوض نيابة عنها احد وسائل “الضغط الناعمة” لتحقيق الهدف الاميركي باجهاض الانتفاضة ومطالبها الجذرية.

 الملفت ان الانتقادات توجه الآن داخل الولايات المتحدة لأجهزة المخابرات المتعددة لفشلها في توقع انتفاضتي تونس ومصر. ويحاول بعض زعماء الكونغرس بمجلسية التعبير عن قلقهم وسخطهم باشكال مختلفة وكأنهم يملكون مصر عبر المساعدات السنوية المقدمة لها، ويلوحون بضرورة وقف المساعدات كي يتم الاذعان لرغبات واشنطن. ولا شك ان تطورات الاوضاع في تونس ومصر لا يطمئن واشنطن مما سيدفع بعض الطامحين للرئاسة في الحزب الجمهوري لوضع اللوم على اوباما واستغلال فشله لتعزيز حظوظهم بمنافسته في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

لا شك ان القلق من انطلاقة الانتفاضة الشعبية المصرية ليس محصورا بواشنطن او العواصم الصديقة والتابعة، فوكيلها الاقليمي المعتمد – الكيان الصهيوني – يعاني من هاجس وجودي سيتحول الى كابوس دائم، كيان تضيق خياراته العسكرية لتاجيل السقوط ، لكنه اعتاد في مثل هذه الحالات ان يمارس المزيد من ابتزاز الولايات المتحدة لمده بالمزيد من المساعدات العسكرية والاقتصادية.

الجيش المصري: قوة محايدة ام احتياطية للنظام؟

  • فشلت الموجة الاولى من تكتيكات النظام القمعية المعتادة لانهاء انتفاضة الشعب المصري بافشال تظاهرة  25 يناير وسد المنافذ امام مسيرتها، كما فشلت تكتيكات الانسحاب المبرمج لقوات الشرطة والبوليس السري واطلاق البلطجية للتخريب والنهب والقتل لتحويل مزاج الرأي العام الداخلي والخارجي نحو التشكيك والادانة للتحرك الجماهيري السلمي.
  • تم تحريك الجيش للتموضع في مواقع حساسة وعلى منافذ ميدان التحرير – مركز الاعتصام والحشد الجماهيري ، الذي اضحى رمزا تاريخيا للحركة الجماهيرية المتصاعدة – بانتظار ان يلعب دورا أمنيا احتياطيا لقمع وانهاء الانتفاضة في اللحظة المناسبة. ولتاريخه لا يمكن اعتبار موقف الجيش بانه حيادي بل هو قوة احتياطية تحت تصرف النظام. وابلغ دليل على ذلك، افساح الجيش المجال لبلطجية النظام للهجوم على المعتصمين بهدف اخراجهم من ميدان التحرير.
  • بعد فشل سياسة حظر التجول واقامة الحواجز لوقف الزحف الشعبي ودعم اعتصامات ميدان التحرير لجأ النظام لاستخدام ادوات اخرى دون التخلي عن خيار القمع الوحشي بالبلطجة الرسمية والمأجورة. ويمكن تسميتها بـ “البلطجة السياسية والاعلامية والحملات الديماغوجية” عبر تسخير وسائل الاعلام الرسمية والغربية في محاولة مكشوفة لشق صفوف قوى الانتفاضة وتنصيب اوصياء عليها تحت عناوين الواقعية والسلم الاهلي ومنع التدخلات الخارجية.
  • عزل الانتفاضة عالميا باسكات وقمع وانهاء كل تواجد اعلامي عربي ودولي ينقل وقائعها بصدق.
  • محاصرة المعتصمين وانهاكهم ومنع الجماهير المؤيدة من الوصول الى ميدان التحرير لكي ينضج خيار الانقضاض عليهم لانهاء الاعتصام.
  • محاولة بث الشائعات المغرضة بوجود ارتباطات اجنبية للانتفاضة لتشويه صورتها الناصعة امام الجماهير المصرية، وفجأة ينشط الاعلام الرسمي لاظهار ان الصعوبات المعيشية والامنية التي يعاني منها المواطن المصري مرجعها الانتفاضة وليس النظام العاجز المترنح.
  • اشاعة المخاوف من سيطرة الاخوان المسلمين على السلطة في محاولة مكشوفة لاثارة النعرات الطائفية في مصر وتحويل الانظار عن اهداف الانتفاضة التي تتجاوز كل الانتماءات السياسية والفكرية والطائفية. ولا شك ان اعلان الاخوان المسلمين بعدم نيتهم لترشيح اي من اعضائهم للرئاسة يشكل رسالة طمأنة ضرورية لتبديد هذه المخاوف.

الجيش المصري: قوة محايدة ام احتياطية للنظام؟

آفاق لانتفاضة الحرية والكرامة:

هناك سباق محموم بين تيار الانتفاضة الراغب في تحقيق انتصار اولي معنوي رمزي كبير بتنحية رأس النظام تمهيدا لوضع آليات انتقالية تضمن الاصلاحات الجذرية المرغوبة، وبين تيار الاحتواء والالتفاف لانهاك الانتفاضة الشعبية تمهيدا لالحاق الهزيمة التامة بها. ولكن هناك امكانية واقعية بان يحصل تململا في صفوف الجيش وخاصة في صفوف الضباط الصغار للتحرك وأخذ زمام المبادرة بانتفاضة “ضباط احرار” جدد بهدف تسلم مؤقت للسلطة لادارة المرحلة الانتقالية، والمساهمة في تشكيل حكومة انقاذ وطني بالتفاهم مع قوى الانتفاضة وبعيدا عن نفوذ رموز النظام القائم.

  انتفاضة شعب مصر مهددة بان تصبح الانتفاضة او الثورة المغدورة، اما بتخاذل وتهاون نخبة متسلقة وانتهازية، او بغدر وتآمر وثأر وحشي من قبل نظام يسعى لالتقاط انفاسه واعادة تنظيم قواته الأمنية الضاربة. ولكنها ايضا واعدة، ليس فقط باسقاط جدران الخوف والاحباط السميكة التي هدمتها حتى الآن، بل بالتصميم على الصبر والصمود والتفاني وتقديم التضحيات في مدرسة وورشة النضال الجماهيري المتجدد والمفتوح لتدريب الشعوب المقهورة على المبادرة وانتصار الارادة لاسقاط الطغاة المستبدين في الوطن العربي وعلى امتداد العالم.

    يبدو ان التاريخ فعلا يعيد نفسه كلما فاجأت ارادات الشعوب رعاة الامبراطورية والهيمنة في العالم، تتركهم يتساءلون او يعبرون عن سخطهم لفشل اجهزتهم الاستخباراتية المجربة والخبيرة في قراءة حراك الشعوب التواقة الى الحرية والكرامة. وتبقى انتفاضتي تونس ومصر علامات بارزة  تؤشر على تهاوي  محتوم للمشروع الامبراطوري الاميركي وادواته على امتداد الوطن العربي.

  • كاتب عربي

مقابلة

الباحث د. منذر سليمان يكشف لـ”منبر التوحيد” حقيقة مشروع “أوباما” للتغيير

يؤجل عملية انهيار الولايات المتحدة ويتموه بقناع يخفي استمرار المشروع الإمبراطوري

 

أشهر قليلة مرت على وصول “باراك أوباما” إلى البيت الأبيض، ولا يزال العالم الذي أنهكته حروب مكافحة الإرهاب والنزاعات المسلحة والمشاكل الغذائية والبيئية والصحية ينتظر التغيير المنتظر. لربما ما زال من المبكر الحكم على الأداء الرئاسي لكن لم يعد أحد يحتمل إنتظار الزائر المنشود، فالخوف من عدم مجيئه بدء يدغدغ النفوس، بالرغم من الإطمئنان الذي ينشره “أوباما” عبر خطاباته المرنة.

منبر التوحيد تسلط الضوء على سياسة “باراك أوباما” في حوار شامل حول السياسة الأميركية مع مدير مركز الدراسات الأميركية والعربية ونائب رئيس المجلس الوطني للعرب الأميركيين والمفكر القومي الدكتور منذر سليمان، استهلته بالتالي:

د. سليمان، مرت أشهر على وصول “أوباما” إلى البيت الأبيض ووعوده بالتغيير. هل العالم يتغير حقاً؟

شعار التغيير الذي رفعه “أوباما” قبل الانتخابات يصطدم بعقبات متعددة لا تقتصر فقط على العقبات الموضوعية التي يختزنها النظام الرأسمالي المتأزم بطبعته الأميركية، إنما بالألغام التي تركها الرئيس بوش الإبن، والتي يعد أكبرها وأبرزها التدخلات العسكرية الخارجية بصورة أساسية ونزعة الهيمنة والتفرد على المسرح الدولي من قبل الولايات المتحدة الأميركية.

المشكلة أن خطاب “أوباما” يركز على العلاقات العامة ويتجاوز حدود الألغام والعقبات، على سبيل المثال لم يتحدث عن كيفية إدارة النظام الاقتصادي العالمي وطبيعة النموذج الاقتصادي العالمي الأنجح في إطار العقبة الاقتصادية المستعصية، بل انطلق في خطابه المتعلق بالعلاقات العامة والممزوج بشخصية كاريزمية تكاد تعادل شعبية نجوم الروك ونجوم السينما، من معطى أن الهيمنة العسكرية الأميركية مسألة خارج إطار النقاش مستنداً على فائض القوة العسكرية والتقنية الأميركية .

إذاً، لن نجد تغييراً جوهرياً في وجهة الولايات المتحدة بل نجد تغييراً في الأساليب والانتقال من اعتماد أحادي الجانب على القوة العسكرية إلى محاولة اعتماد مزيج ربما بين القوتين العسكرية والدبلوماسية أو استخدام العمليات السرية والقوات الخاصة.

ما بين القوتين الذكية والغبية

لكن من دون شك تختلف سياسات “أوباما” عن سياسات بوش الإبن ، أين برأيك يكمن هذا الاختلاف إذا كانت سياسة الرئيسين في جوهرهما واحدة؟

يعتقد “أوباما” أن الولايات المتحدة استخدمت القوة ” الغبية” لتحقيق مشروعها، تاركة القوة الذكية التي تشكل مزيجاً من القوة العسكرية والقوة الدبلوماسية والإقتصادية والثقافة. وهذا هو العنوان العريض لكيفية عمل إدارته وتعاطيها مع الشأن الدولي وبصورة خاصة السياسة الخارجية .

إذاً ،هناك شيء ما يتغير على الساحة الدولية ؟!

بكل تأكيد، الولايات المتحدة في ضوء الوضع الدولي الراهن ستعمد إلى استخدام القوة الذكية، المهم أن نكون في منتهى الحذر كي لا نقع في فخ اللغط بين حملة الدعاية العامة التي يعكسها هذا الخطاب في لهجته، وبين الواقع الموضوعي في تصرف “أوباما” بقطع النظر عن رغباته وطموحاته بأن يكون رئيس التغيير المنشود.

ربما ما حدث في إيران بعد انتخاب نجاد لولاية ثانية هو أحد وجوه السياسة الأميركية الجديدة في المنطقة؟!

نعم، إذ كان واضحاً تماماً في الأحداث التي رافقت الإنتخابات الإيرانية وجود عمليات تجري تحت سطح الحديث عن الحوار والتلميح بالتهديد العسكري، ويمكن إدراج هذه العمليات في إطار حرب الكترونية وإعلامية وسرية ساهمت في خلق مناخ داخلي في إيران.

ويندرج أيضاً تحت الوجه الجديد للسياسة الأميركية استمرار الولايات المتحدة في حملتها في أفغانستان التي تذكرنا بحرب فيتنام، رغم الحديث عن عدم وجود أفق للعمل العسكري في تلك المنطقة. إضافة إلى ما تم تقديمه من مقايضة خاوية تتعلق بتجميد المستوطنات في مناطق الاحتلال مقابل المزيد من التنازلات من جانب عرب التبعية الرسمية أو معسكر التفريط. علماً أن هذا الموضوع لا يجب أن يكون قابلاً للمقايضة، إذ أن هذه المستوطنات من إفراز الاحتلال وغير شرعية وقانونية بموجب القرارات الدولية.

عملية الإنهيار مؤجلة

لعل ما تقوله سيطرح تساؤلاً لدى الكثيرين عما إذا كانت أميركا غير قادرة على التغيير أم لا تريده؟

أنا أركز دائماً على موضوع الاضطرار والاختيار. أمام أميركا اليوم خيارين، إما أن تقتنع النخبة الحاكمة بأن المشروع الإمبراطوري الأميركي عبر القواعد والوكلاء والأنظمة التابعة يتعثر فتتراجع، وإما أن تقتنع عبر “أوباما” بوجوب إدارة عملية التراجع والانعطاف الإستراتيجي للتحول من دولة ذات مشروع إمبراطوري على مستوى الكرة الأرضية إلى دولة قوية وازنة شريكة كشركاء آخرين في صياغة نظام دولي أكثر توازناً وعدلاً. وبتقديري لم تقتنع النخبة الاميركية الحاكمة بعد بتعثر المشروع وضرورة التراجع، مما يسلط الضوء على حاجة حقيقية لدفعها للإقتناع ولو مضطرة.

كيف يمكن أن يتحقق هذا أو بمعنى آخر ما هي الأساليب التي يمكن أن تقنع أميركا بضرورة التراجع والتسليم بفشل مشروعها؟

الولايات المتحدة ستبدأ في التفكير بالتراجع تحت ضغط الكلفة الباهظة لمشروعها، ومن المؤسف أن القوى الرسمية النافذة على المسرح العربي والإسلامي سلمت كل أوراقها للولايات المتحدة ولا تستطيع أن تلعب دوراً ما في هذا الاطار.

ألا تعتقد أن أميركا تئن الآن تحت الضغط الذي ذكرته، فكثير من وسائل الإعلام  تحدثت عن تكاليف الحرب الباهظة لا سيما في العراق منتقدة هذه الحرب؟

باعتقدي “اوباما” يشكل مرحلة تحضيرية للوصول إلى هذه القناعة بالرغم من عمله على الحفاظ على قوة الهيمنة الأميركية.

كم ستمتد هذه الفترة التحضيرية، سنة، عشرات السنين…؟

“أوباما” إلى الآن يركز على الحفاظ على مستوى قوة معين للهيمنة الأميركية دون أن يصارح شعبه والعالم بفشل مشروعه المكلف والمدمر. لذلك مدة هذه الفترة تعتمد على تصرف الأطراف العالمية الأخرى تجاه الولايات المتحدة. وعلى المجتمع الدولي والولايات المتحدة و”اوباما” اختصار آلام البشرية من الحروب والبؤس ووضع المشكلات المستعصية الأساسية في العالم كالفقر والبطالة والتلوث الييئي والنزاعات الإقليمية والمرض في قائمة ملفاتها الأولية.

لعل “اوباما” يأمل النفاذ من هذا الموقف عبر تأمين مخرج ما لمشروعه المتعثر؟

“اوباما” يؤجل عملية الانهيارلا أكثر ولا أقل، فعاجلاً ام آجلاً سيضطر للاعتراف بفشل مشروعه.

ألا يمكن للقوى الذكية التي يلجأ اليها إعادة بناء ما دمرته القوة الغبية التي استخدمها بوش؟  

إنه يستخدم القوة الذكية كغطاء لاستمرار استخدام القوة الغبية، ولا تزال القوى والمصالح التي تقف خلف النخبة الحاكمة بتوجهاتها الاستراتجية تعتقد أن استخدام القوة العسكرية أمر مشروع ومطلوب لمحاربة الإرهاب.

ربما، لكن لا نستطيع إلا التسليم بوجود فرق شاسع بين بوش وا”أوباما” ولو باللهجة، فالدبلوماسية قد تغير أموراً كثيرة؟

بقطع النظر عن التجربة التاريخية والخلفية وطبيعة انتماء “اوباما” ولونه، يجب التسليم بمجيئه من ضمن المؤسسة الحاكمة التي تضم جناحين جمهوري وديمقراطي. وهو بشخصه يستطيع تقديم تمويه جيد للقناع الذي يخفي حقيقة استمرار المشروع الإمبراطوري الأميركي بوسائل مختلفة. خطاب “أوباما” المرن كخطاب القاهرة مثلاً الذي نثر فيه الآيات القرأنية الكريمة للتقرب من العالم الإسلامي أخفى الكثير من الأخطاء التاريخية والمغالطات وحقيقة الفهم الخاطئ للوضع الدولي والصراع العربي الإسرائيلي والموقف الأميركي من العالم الإسلامي.

نعم، أنا أسلم بوجود اختلاف بين “أوباما” وبوش الابن يظهر جلياً في مستوى الخطاب واللهجة، لكن على المستوى الفعلي وخاصة في الحضن والبطن الرخو الإسلامي العربي نجد أنه كما بوش يتصرف عسكرياً في العراق وأفغانستان.

إلى العرب: عرقلوا القطار الأميركي

 كيف تقيم تعاطي الدول العربية ولا سيما ما يسمى “بدول الاعتدال” مع هذا الاختلاف الشكلي؟

معسكر التفريط يعتقد أن بإستطاعته الإلتفاف على مواقفه السابقة التابعة لإدارة بوش، ويعتقد أن مقاربة “أوباما” الجديدة هي المقاربة التي كان ينشدها ولم يستطع نيلها في عهد بوش. 

هذا المعسكر سيقول لمعكسر المقاومة، أنا أستطيع عبر علاقاتي التاريخية، وبسبب التصاقي بالمشروع الأميركي انتزاع مكتسبات طالما أن أميركا ترغب في الحلول والتفاوض والحوار .

هذا المعسكر يهدف كحد أدنى، من خلال الانفتاح على معسكر المقاومة عبر الحوار والإستعداد لإقامة علاقات سياسية ودبلوماسية متدرجة، نقل تلك القوى التي تقف عقبة في وجه المشروع إلى الموقف الحيادي إذا لم يكن نقلها إلى حضن قوى التفريط.

هل ستوفق مساعيهم تلك برأيك؟

قوى المقاومة لم تتراجع وتقدم تنازلات في أوقات الشدة، فلماذا تقدمها الآن؟

دائماً يجري الحديث عن اختلاف في الرؤى حول القضايا العربية. لربما نوايا معسكر “التفريط” جيدة، وتهدف إلى استعادة الحقوق العربية عبر الدبلوماسية… لماذا الحديث عن تنازلات وتراجع؟

معسكر المقاومة يجب أن يخضع معكسر التفريط لاختبارات أولها فك الحصار عن غزة بفتح معبر رفح والذي يتحمل الجانب المصري مسؤولية إغلاقه. وعلى هذا الحلف أن يكون قادر على الأقل على فتح هذا المعبر.

إذا لم يفتح المعبر يسقطون، ويبقى الطلاق بين المعسكرين قائماً؟

عدم فتح المعبر يكشف عن محاولات من قبل معسكر التفريط للتمويه والتضليل والمكابرة وبالتالي لن تحصل مصالحة بين هذين المعسكرين.

ما الخطأ الذي يرتكبه هؤلاء إذا كانوا حقاً سيأخذون مكاسب تخدم قضية العرب؟

هناك قيادة جديدة للقطار الأميركي عبر “اوباما”، ليس المطلوب من الشعوب العربية والإسلامية ركوب القطار أو التخفيف من سيره، بل عرقلته تماماً إذا كان لا يذهب باتجاه تحقيق الحد الأدنى من الحقوق العربية، واستغلال حاجة أميركا لهم نتيجة تعثر مشروعها، وتحقيق حد أدنى من المكاسب للعرب والمسلمين، كما التحالف مع كل القوى العالمية المقاومة لمشروع الهيمنة وتحقيق انتصارات متدرجة في اتجاه الإسهام في صناعة نظام دولي جديد.

كيف سينعكس هذا الوجه الجديد للسياسة الأميركية على القضية الفلسطينية خاصة بعد أن تغيرت المعادلات مع انتصار حزب الله في حرب تموز وحماس في غزة؟

يرى “اوباما أن لليهود حق بوطن قومي في فلسطين، مما يعني أنه يتنكر لحقوق الشعب الفلسطيني. لو كان هناك إرادة عربية مستقلة تدير الصراع العربي الإسرائيلي لاستفادت من كل المناخات التي ذكرت، خاصة أن مشروع الهيمنة الأميركية لا يتعثر فقط كونياً، بل أدواته الثانوية والرئيسية تتعثر، مما يعني أن مصير المشروع اليهودي في المنطقة الفشل، وإذا كان من أهمية استراتيجية لحرب تموز، إنها أدخلت في بنية العدو النفسية والثقافية لأول مرة فكرة إمكانية الهزيمة وفشل المشروع الصهيوني في المنطقة بصورة واضحة وقاطعة، ودفعته الى طرح اسئلة كبرى متعلقة بإمكانية البقاء والاستمرار.

 الخيار العسكري ضد إيران معقد

 في ظل هذا، ما مصير العلاقات الأميركية الإيرانية؟

هناك حاجة أميركية حقيقية للتعاطي مع إيران، يضاف إلى ذلك أن ما حصل في إيران عقد اللجوء إلى العمل العسكري، فبغض النظر عن فهمنا وإدراكنا لما جرى، تلك الأحداث أكدت على وجود حراك حقيقي داخل المجتمع الإيراني، فإذا كان “أوباما” يتحدث عن الحرية والديمقراطية، فلماذا يحاول أن يغير أنظمة أو سلوك بعضها بالقوة العسكرية إذا كان هناك إرادة شعبية قادرة على التحرك في مناخات محددة؟ كما حصلت الثورة على الشاه ممكن أن تحصل ثورة على هذا النظام إذا لم يكن يعبر عن ارادة شعبية.

حتى في الفهم الأميركي والغربي ما جرى في إيران يغري بإعتماد وسائل غير عنيفة في التعامل، فالحوار يساعد على تشجيع نمو وضع داخلي يؤدي إلى تعديلات في النظام، فالوضع الإيراني ليس مغلقاً أمام التغيير السلمي الداخلي عبر ثورات مخملية او ملونة.

إذاً سنرى حوار أميركي إيراني في القريب العاجل؟

الحوار مستبعد في القريب العاجل، قد يحدث في المدى المتوسط والبعيد. فالحوار تأخر وتعثر في ظل الملابسات الإنتخابية الأخيرة في إيران، لكن بعد أن تتثبت إدارة نجاد مرة أخرى لن يبقى أمام إدارة “اوباما” إلا أن تبدأ علاقة تدريجية مع إيران ربما عبر حوار ثنائي تدريجي يرتقي إلى مستوى وزراء الخارجية.

بعد رؤية هذه التظاهرات في طهران، أليس هناك نوع من الخوف من مخاطر قد تصيب النظام الإيراني من الداخل؟

من الواضح أنه ليس هناك تحالف عريض وواسع مهدد للنظام، حتى الحراك الجماهيري كان من قوى تحرص على بقاء النظام ولكنها متضررة من السيطرة وتحاول استعادة نفوذها داخل النظام. إضافة إلى وجود قوى ترغب في التغيير الحقيقي وتوسيع حدود الديمقراطية وتغيير الوضع الاقتصادي والاجتماعي وتغيير وجهة السياسة الخارجية لإيران. هذه الظروف متزامنة مع تدخلات خارجية ساهمت في خلق وضع محدد في إيران، لكن الأمور ستعود تدريجياً إلى طبيعتها وسيضطر العالم للتعامل مع أحمدي نجاد لأربع سنوات قادمة.

 فشل لوكلاء أميركا في لبنان

 

ماذا عن الساحة اللبنانية؟

الساحة اللبنانية ساحة مفتوحة ومستباحة، هي ملهاً ومرتعاً ومصيفاً لكثير من الدول الغنية النفطية العربية التي لم يهبها الله سوى الثروة النفطية، وفي نفس الوقت تملك رغبة في ضمان هذا المرتع آمناً لها. وهؤلاء بدرجات متفاوتة ينظرون إلى الساحة اللبنانية كساحة لإسقاط وزن إقليمي، لذلك نجد أن المنافسة تطفو على السطح حتى داخل معسكر التفريط الرسمي العربي حول الساحة اللبنانية.

الساحة اللبنانية ساحة غدر من قبل المعسكر المعادي للمقاومة والعروبة في لبنان، تؤمن عملية استنزاف وقضم تدريجي للموقف المقاوم والعروبي، وستبقى كذلك إلى أن يتم حسم الصراع باتجاه أن لبنان ليس فقط وجهه أو لسانه أو ظهره عربي، بل هو جزء لا يتجزأ من الوطن العربي وبكل إمكانياته، حتى الوصول إلى قناعة راسخة عند كل الشعب اللبناني. بتقديري سيبقى لبنان عرضة للتجاذبات الإقليمية ومسرحاً للتنافس بين الذين يرغبون في لعب دور إقليمي.

أين دور الولايات المتحدة؟

تلعب الولايات المتحدة دور المساعد للوكلاء الإقليميين في هذه الساحة عند تعثرهم، إذ لا يستطيع الأميركي أن يلعب ذلك الدور مباشرة، بل وتوقف دوره على تقديم الإسناد أو الأوكسجين الاصطناعي لإنعاش أدوار الأطراف التي تلعب على الساحة اللبنانية.

هل تعتقد أن أميركا راضية عن أداء وكلائها في لبنان؟

درجة الرضى مرتبطة بالقدرة وليس بالرغبة، إذا راقبنا تصرف المعسكر الآخر خلال السنوات الأربع السابقة التي تلت اغتيال الرئيس الحريري، نرى أنه تحين باستمرار الفرص للانقضاض على المقاومة من أجل تصفية سلاحها ضمن مشروع استسلام عربي رسمي واضح.

 برأيي هذا المعسكر لم يتأخر عن استخدام أي وسيلة في محاولة إبقاء الساحة اللبنانية مستباحة، ولكنه فشل في تحويلها إلى ساحة كاملة، فالطرف المقاوم والحريص على الهوية العربية والانتماء العربي للبنان، لا يزال ثابت على موقفه ويختزن أكثرية شعبية مؤيدة له.

رغبة في الانسحاب من العراق لكن …

 

هل ستنسحب الولايات المتحدة من العراق؟

أميركا لن تنسحب من العراق إلا مرغمة ومضطرة وليس باختيارها.

لكن اليوم هناك حديث عن انسحاب من مدن وربما انسحاب كامل في وقت لاحق؟

ما تفعله الولايات المتحدة في العراق يذكرنا بالقضية الفيتنامية، هي تحاول خلق نظام قوي موال لها، وقادرا على الحكم والاستمرار وتأمين مصالحها وحفظ قواعدها. إذا فشلت أميركا في خلق هذا النظام ستبقى متواجدة عسكرياً بما يكفي لخلق نوع من التوازن الداخلي حسب التقسيمات المذهبية والعرقية والطائفية في العراق، بحيث تكون هي الضامن لتوازن هذه القوى وتنافسها.

ألا يوجد لدى “أوباما” رغبة بالانسحاب من العراق كون تكاليف هذه الحرب مكلفة جداً؟

طبعاً هو يرغب في تخفيض هذه الكلفة والانكفاء، لكنه لا يستطيع الإقدام على ذلك بسهولة، فانتصار المقاومة في الساحة العراقية أمرا كارثيا بالنسبة لحلفاء الولايات المتحدة، لأنه سيرسل إشارات على بداية تصدع وهزيمة المشروع الإقليمي وإدارته في المنطقة كـ”إسرائيل” والأدوات العربية الرسمية التابعة لها.

حوار: وعد أبوذياب

 كادرات

د. منذر سليمان

 شعار التغيير الذي رفعه أوباما قبل الانتخابات يصطدم بعقبات متعددة

 ما جرى في إيران بعد انتخاب نجاد يغري الغرب باعتماد وسائل غير عنيفة معها

 الحوار الأميركي الإيراني مستبعد في القريب العاجل

 المشروع الأميركي لا يتعثر كونياً فقط، بل أدواته الثانوية والرئيسية تتعثر أيضاً

 الساحة اللبنانية ساحة غدر تستنزف المقاومة

 أميركا لن تنسحب من العراق إذا فشلت في خلق نظام موالٍ لها

كيف يُـمكن لأوباما حلّ الصِّـراع العربي – الإسرائيلي؟

سؤال دار حوله النِّـقاش مؤخرا في مركز الحوار العربي في واشنطن مع السفير فيليب ويلكوكس، رئيس مؤسسة السلام في الشرق الأوسط والقنصل الأمريكي السابق في القدس والمدير السابق لقسم الشؤون الفلسطينية – الإسرائيلية في وزارة الخارجية الأمريكية والنائب السابق لمساعد وزير الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأوسط.

وفي بداية النّـدوة، عرض السفير ويلكوكس فيلما وثائقياً أعدّته مؤسّسته وسلّـمت نُـسخاً منه إلى الرئيس أوباما ووزيرة الخارجية هيلاري كلينتون وإلى جميع أعضاء الكونغرس الأمريكي بمجلسيه، لإطلاع المسؤولين والمشرّعين الأمريكيين على توصيات حول كيفية حلّ الصِّـراع العربي – الإسرائيلي، كما يراها الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر ومساعده لشؤون الأمن القومي زبجنيو بريجينسكي، ووزير الخارجية الأمريكي السابق جيمس بيكر والمستشار السابق لشؤون الأمن القومي الجنرال برنت سكوكروفت.

وكان من أبرز تلك التّـوصيات، أن الجنرال برنت سكوكروفت طالب الرئيس أوباما بتغيير الأسلوب الذي درجت عليه الولايات المتحدة في التعامل مع المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، بالاكتفاء بتوفير مائدة التفاوض والانتظار، على أمل أن يتمكّـن الجانِـبان من التوصّـل إلى اتِّـفاق، مؤكِّـداً أن “الحلّ الوحيد للصِّـراع العربي الإسرائيلي سيكون في شكل مُـبادرة سلام أمريكية، تأخذ في اعتبارها التصوّر المعروف للحلّ من خلال مُـفاوضات الجانبين على مدى رُبع قرن، على أن تتوقّـف الولايات المتحدة عن مساندة الجانب الإسرائيلي على حساب الجانب الفلسطيني، وبحيث يمكن للمفاوضين أن يعودوا إلى شعوبهم ويقولوا لم يكُـن هذا ما طلبناه، ولكن الأمريكيين جعلونا نقبل هذا الحلّ الوسط”.

أما وزير الخارجية الأمريكية السابق جيمس بيكر، فحدّد معالِـم الحلّ الذي يجب على الرئيس أوباما طرحه كمبادرة سلام أمريكية، تستند إلى حلّ الدولتين، بإقامة دولة فلسطينية مستقلّـة قادرة على البقاء تعيش في سلام بجوار إسرائيل وتكون القدس الشرقية وضواحيها في الضفّـة الغربية عاصمة لها، ويحصل الفلسطينيون على أراضٍ في إسرائيل تُـساوي ما تشكِّـله مساحة الكُـتل الاستيطانية الرئيسية المُـحيطة بالقدس، مع كفالة حقّ العودة للاّجئين الفلسطينيين إلى دولتهم المستقلة وحصولهم على تعويضات عن مُـمتلكاتهم وتنفيذ قراريْ مجلس الأمن رقمي 242 و338.

واشترط مستشار الأمن القومي السابق زبجنيو بريجينسكي أن يكون دور الولايات المتحدة في المبادرة، تجسيدا للوسيط النّـزيه وأن يقوم الرئيس أوباما بنفسه بالوساطة، حيث أنّ الطرفيْـن، الفلسطيني والإسرائيلي، ليسا مستعدّين لاتِّـخاذ القرارات الصّـعبة وتقديم التنازلات المتبادلة.

أما الرئيس كارتر، فأوصى الرئيس أوباما بضرورة مُـواصلة الموقف الحازِم إزاء النشاط الاستيطاني، باعتباره أكبر تهديد لمستقبل أيّ حلّ يستنِـد إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلّـة، وقال: “إن ما حال دون الحل عبر عشرات السنين، هو تمسّـك الزعماء الإسرائيليين ببناء المستوطنات وفرض الأمر الواقِـع على الشعب الفلسطيني”، كما أوصاه باستمرار دعمِـه لوِحدة الشعب الفلسطيني والمُـحادثات التي ترعاها مصر بين حركة حماس والسلطة الفلسطينية، لأنه لن يكون هناك سلام بدون انخِـراط حركة المقاومة الإسلامية “حماس” في الحلّ السِّـلمي.

السفير الأمريكي فيليب ويلكوكس، رئيس مؤسسو السلام في الشرق الأوسط   

الحلّ ليس مستحيلاً ولكن!

من جانبه، أوضح السفير ويلكوكس أن المبادرة الأمريكية المُـقترحة للسلام، هي الحلّ الوحيد المُـمكن، لأن هناك خللاً هائلاً في توازُن القِـوى بين الطرفين، ولأن النِّـظامين السياسييْـن للإسرائيليين والفلسطينيين، عاجز تماماً عن اتِّـخاذ القرارات الصّـعبة اللاّزمة للحلّ الذي لابُـد أن يستنِـد إلى تقسيم أرضِ فلسطين التاريخية إلى دولتيْـن.

وقال السفير ويلكوكس إن الفلسطينيين كانوا ولا يزالون أكثر واقِـعية من الإسرائيليين في نظرتهم إلى الحلّ الممكن، وإن كانوا قد ارتكبوا حماقة كُـبرى بالإنقسام والتّـناحر بين السلطة الفلسطينية وحركة حماس، وهو انقِـسام كرّسته سياسات الولايات المتحدة وإسرائيل، وناشد الفلسطينيين أن يتوحّـدوا لكي لا يسهمون في ضَـياع القضية الفلسطينية، بحجّـة عدم وجود شريك فلسطيني للدّخول في مفاوضات السلام.

وأرجع ويلكوكس السّـبب في التّـشدّد الإسرائيلي، إلى نُـمو حركة المستوطِـنين اليهود منذ عام 1967، التي يقودها مُـعسكر من اليهود المتشدِّدين الذين يؤمنون بأن الله مَـنح الأرض المقدّسة للشعب اليهودي، الذي أصبحت عليه مهمّـة دينية تتمثّـل في السّـيطرة على أرض فلسطين، وكلّـما تسارعت خُـطى الاستيطان، كلّـما تسارعت عودة المسيح اليهودي، وسُـرعان ما ساند الجيش الإسرائيلي هذا التوجّـه، رغم أن الجيش لم يكُـن حركة دينية.

وتغلغل المستوطنون في الضفة وتضاعفت أعدادهم من خمسة عشر ألفاً في عام 1970 إلى أكثر من ثلاث مائة ألف حالياً في الضفة الغربية، منهم مائتا ألف في القدس الشرقية، وزاد عدد المستوطنات عن مائتين وثلاثين، بالإضافة إلى ما يُـسمّـى بالمستوطنات العشوائية، ممّـا يجعل من المستحيل عكْـس الأوضاع على أرضِ الواقِـع ويعوِّق حلّ الدولتين، الذي عقّـده كذلك خلال السنوات الخمس الأخيرة جِـدار الفصل، الذي يُـعدّ جزءً لا يتجزّأ من المشروع الاستيطاني، حيث مزّق الأرض الفلسطينية.

وقال السفير ويلكوكس “إن من أغرب المفارقات، أن الشعب الفلسطيني دفع ثمنا باهِـظا لاضطهاد اليهود على يدِ الغرب المسيحي، فجاؤوا من الشّـتات ليحرموا الفلسطينيين من أرضهم وحقوقهم”.

ويرى السفير ويلكوكس أنه على الرئيس أوباما أن لا يكتفي بالمُـطالبة بوقفِ النشاطات الاستيطانية، وإنما بتفكيك مُـعظم المستوطنات التي تحُـول دون تواصُـل ما تبقّـى من أراضي الضفّـة الغربية، والتي تَـنتهِـك أصلاً القانون الدولي واتفاقية جنيف الرابعة، وكذلك على الرئيس أوباما أن يكون حاسِـما في ضرورة منح الفلسطينيين حقّـهم في أن تكون القُـدس الشرقية عاصمة لدولتهم المستقلة، ولكن حتى الآن، يصطدِم بحكومة يمينية في إسرائيل، تساند حركة الاستيطان وتحلم بإسرائيل الكُـبرى وتختبر مدى صلابة إرادة أوباما بتحدّي مطالبته بوقف النشاط الاستيطاني.
ماذا بيَـد أوباما ليفعله؟

وردّاً على سؤال لـ swissinfo.ch عن الأدوات التي يُـمكن لأوباما استخدامها، إذا أراد الضغط على إسرائيل باتِّـجاه حلّ الدولتين، الذي تحدّته حكومة نتانياهو بمواصلة بناء المستوطنات وهدم منازل الفلسطينيين، خاصة في القدس الشرقية، قال السفير ويلكوكس: “الجديد الذي أتى به الرئيس أوباما، هو أنه أعلن بوُضوح أن الولايات المتحدة في الماضي لم تتحدّث بصراحة مع إسرائيل عمّـا يجب عمله لإنهاء الصِّـراع، ولذلك، بدأ يُـواجه إسرائيل بحسْـم فيما يتعلّـق بضرورة وقْـف كافّـة أنواع النشاط الإستيطاني، لكنه يحتاج إلى ممارسة سياسية أمريكية واضحة إزاء حلّ الصِّـراع، بدلاً من تِـكرار السيناريوهات الفاشِـلة لما يُـسمّـى عملية السلام بطريقة الخُـطوة خطوة على مدى أربعين عاما، والتي كان آخرها خارطة الطريق”.

ونبّـه السفير ويلكوكس إلى حقيقة أن الأمر يعود إلى الرئيس أوباما. فإذا رغب في ممارسة صلاحياته وهيْـبته، فسيُـمكنه ذلك، كما فعل الرئيس أيزنهاور في عام 1956 وكما فعل الرئيس بوش الأب فيما يتعلّـق بضمانات القروض لإسرائيل عام 1991، ولن يكون بوسع الكونغرس معارضة رئيس قوي يتمتّـع بالشعبية التي يتمتّـع بها أوباما، ويمكنه الاستِـعانة بعددٍ من الأدوات الشعبية والسياسية منها:

أولاً، التوجّـه إلى الشعب الأمريكي وإقناعه بأن جهوده للسلام في الشرق الأوسط تصُـب في مصلحة الأمن القومي الأمريكي وأمن إسرائيل، بل وحشْـد تأييد اليهود الأمريكيين المُـساندين للحل الشّـامل والذين يتزايد عددهم ونفوذهم يوماً بعد يوم.

ثانياً، حشد تأييد غالبِـية الشعب الفلسطيني والشعب الإسرائيلي بقَـبول حُـلول وسط من أجل تحقيق حقوق الشعب الفلسطيني من جهة، والسلام والأمن لإسرائيل من جهة أخرى.

ثالثاً، يجب أن يستخدِم الرئيس أوباما التِـزامه بأمن إسرائيل، ليُـطبِّـق المثل القائل: “إذا كان صديقك مخموراً، فلا تسمَـح له بالقيادة”، خاصة إذا واصل زُعماء إسرائيل اتِّـباع السياسة المتعنِّـتة والمتهوِّرة إزاء جهود السلام، وذلك بالحِـوار الصريح، بدلاً من الانحِـياز والمساندة العمياء.

رابعاً، استخدام وسائل الضّـغط المتاحة، إذا لم يفلح الحِـوار والإقناع، مثل حِـرمان المؤسسات الأمريكية التي تتبرّع لإسرائيل من ميزة خصْـم تبرّعاتها من الضّـرائب على الدّخل في الولايات المتحدة وخفض مستوى التعاون العسكري مع إسرائيل.

وبينما توقّـع السفير ويلكوكس دخول إدارة أوباما في صِـدام وخِـلاف مع حكومة نتانياهو حول ما يجِـب عمله لحلّ الصراع، إلا أنه استبعد أن يكون من بين خِـيارات الرئيس أوباما للضّـغط على إسرائيل، تخفيض أو قطْـع المساعدات العسكرية والمالية، باعتبارات أن المتحكّـم الحقيقي في المنح والمنع، هو الكونغرس الأمريكي، وليس الرئيس، وحقيقة أن الكونغرس أكثر ميلا في العادة لمُساندة الرغبات والأهواء الإسرائيلية من الرئيس.

محمد ماضي – swissinfo.ch – واشنطن

كلمة الرئيس باراك أوباما

الساعة 13:10 (حسب التوقيت المحلي)

 الرئيس أوباما: شكرا جزيلا، وطاب عصركم. إنه لمن دواعي شرفي أن أزور مدينة القاهرة الأزلية حيث تستضيفني فيها مؤسستان مرموقتان للغاية، أحدهما الأزهر الذي بقي لأكثر من ألف سنة منارة العلوم الإسلامية، بينما كانت جامعة القاهرة على مدى أكثر من قرن بمثابة منهل من مناهل التقدم في مصر. ومعا تمثلان حسن الاتساق والانسجام ما بين التقاليد والتقدم. وإنني ممتن لكم لحسن ضيافتكم ولحفاوة شعب مصر. كما أنني فخور بنقل أطيب مشاعر الشعب الأمريكي لكم مقرونة بتحية السلام من المجتعات المحلية المسلمة في بلدي:     “السلام عليكم”. (تصفيق)

 إننا نلتقي في وقت يشوبه توتر كبير بين الولايات المتحدة والمسلمين حول العالم، وهو توتر تمتد جذوره إلى قوى تاريخية تتجاوز أي نقاش سياسي راهن. وتشمل العلاقة ما بين الإسلام والغرب قرونا سادها حسن التعايش والتعاون، كما تشمل هذه العلاقة صراعات وحروبا دينية. وساهم الاستعمار خلال العصر الحديث في تغذية التوتر بسبب حرمان العديد من المسلمين من الحقوق والفرص، كما ساهم في ذلك الحرب الباردة التي عوملت فيها كثير من البلدان ذات الأغلبية المسلمة بلا حق كأنها مجرد دول وكيلة لا يجب مراعاة تطلعاتها الخاصة.  وعلاوة على ذلك حدا التغيير الكاسح الذي رافقته الحداثة والعولمة بالعديد من المسلمين إلى اعتبار الغرب معاديا لتقاليد الإسلام.

لقد استغل المتطرفون الذين يمارسون العنف هذه التوترات عند أقلية صغيرة من المسلمين بشكل فعال. ثم وقعت أحداث 11 سبتمبر 2001 واستمر هؤلاء المتطرفون في مساعيهم الرامية إلى ارتكاب أعمال العنف ضد المدنيين، الأمر الذي حدا بالبعض في بلدي إلى اعتبار الإسلام معاديا لا محالة ليس فقط لأمريكا وللبلدان الغربية وإنما أيضا لحقوق الإنسان. ونتج عن كل ذلك مزيد من الخوف وعدم الثقة.

 هذا وما لم نتوقف عن تحديد مفهوم علاقاتنا المشتركة من خلال أوجه الاختلاف فيما بيننا، فإننا سنساهم في تمكين أولئك الذين يزرعون الكراهية ويرجحونها على السلام ويروجون للصراعات ويرجحونها على التعاون الذي من شأنه أن يساعد شعوبنا على تحقيق العدالة والازدهار. ويجب أن تتوقف هذه دائرة من الارتياب والشقاق.

 لقد أتيت إلى القاهرة للبحث عن بداية جديدة بين الولايات المتحدة والمسلمين حول العالم، استنادا إلى المصلحة المشتركة والاحترام المتبادل، وهي بداية مبنية على أساس حقيقة أن أمريكا والإسلام لا يعارضان بعضهما البعض ولا داعي أبدا للتنافس فيما بينهما، بل ولهما قواسم ومبادئ مشتركة يلتقيان عبرها، ألا وهي مبادئ العدالة والتقدم والتسامح وكرامة كل إنسان.

 إنني أقوم بذلك إدراكا مني بأن التغيير لا يحدث بين ليلة وضحاها. وكذلك علما مني بمدى الاهتمام العام في هذا الخطاب، ولكنه لا يمكن لخطاب واحد أن يلغي سنوات من عدم الثقة، كما لا يمكنني في الوقت المتاح لي في عصر هذا اليوم أن أقدم الإجابة الوافية على كافة المسائل المعقدة التي أدت بنا إلى هذه النقطة. غير أنني على يقين من أنه يجب علينا من أجل المضي قدما أن نعبر لبعضنا البعض بصراحة عما هو في قلوبنا وعما هو لا يُقال في كثير الأحيان إلا من وراء الأبواب المغلقة. كما يجب أن يتم بذل جهود مستديمة للاستماع إلى بعضنا البعض، وللتعلم من بعضنا البعض والاحترام المتبادل والبحث عن أرضية مشتركة. وينص القرآن الكريم على ما يلي: (ات٦#39;َقُوا الل٦#39;َهَ وَقُولُوا قَو٦#39;لًا سَدِيدًا). (تصفيق) وهذا ما سوف أحاول بما في وسعي أن أفعله اليوم وأن أقول الحقيقة بكل تواضع أمام المهمة التي نحن بصددها، اعتقادا مني كل الاعتقاد أن المصالح المشتركة بيننا كبشر هي أقوى بكثير من القوى الفاصلة بيننا.

يعود جزء من اعتقادي هذا إلى تجربتي الشخصية. إنني مسيحي، بينما كان والدي من أسرة كينية تشمل أجيالا من المسلمين. ولما كنت صبيا قضيت عدة سنوات في إندونيسيا واستمعت إلى الآذان ساعات الفجر والمغرب. ولما كنت شابا عملت في المجتمعات المحلية بمدينة شيكاغو، حيث وجد الكثير من المسلمين في عقيدتهم روح الكرامة والسلام.

 إنني أدرك بحكم دارستي للتاريخ أن الحضارة مدينة للإسلام الذي حمل معه في أماكن مثل الأزهر نور العلم عبر قرون عدة، الأمر الذي مهد الطريق أمام النهضة الأوروبية وعصر التنوير. ونجد روح الابتكار الذي ساد المجتمعات الإسلامية — (تصفيق) — ونجد روح الابتكار الذي ساد المجتمعات الإسلامية وراء تطوير علم الجبر وكذلك البوصلة المغناطسية وأدوات الملاحة وفن الأقلام والطباعة بالإضافة إلى فهمنا لانتشار الأمراض وتوفير العلاج المناسب لها. حصلنا بفضل الثقافة الإسلامية على أروقة عظيمة وقمم مستدقة عالية الارتفاع وكذلك على أشعار وموسيقى خالدة الذكر وفن الخط الراقي وأماكن التأمل السلمي. وأظهر الإسلام على مدى التاريخ قلبا وقالبا الفرص الكامنة في التسامح الديني والمساواة ما بين الأعراق. (تصفق) .

 لقراءة المزيد يمكنك تحميل الملف كاملا :THE WHITE HOUSE in Arabic-20090606-104912  See attached file