2021-06-12-التقرير الأسبوعي

وثيقة جديدة للبنتاغون:
تبرير ديمومة الإنفاق العسكري

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

“نعيش الآن في عالم متعدد القطبية”. توصيف جوهري أطلقه رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة، مارك ميللي، مطلع الشهر الجاري ،وبعد يومٍ واحدٍ من إعلان وزارة الدفاع الأميركية إصدارها وثيقة “مراجعة الموقف العالمي”، استجابة لطلب الرئيس جو بايدن، لرسم ملامح المرحلة المقبلة لرقعة انتشار القوات العسكرية الأميركية حول العالم (موقع وزارة الدفاع على الانترنت، 2 كانون الأول/ديسمبر 2021).

الوثيقة بحد ذاتها ليست بهذه الأهمية الاستراتيجية، بحسب الخبراء العسكريين، لكنها تمثّل تمهيداً لمضمون “استراتيجية الدفاع الوطني”، التي ستصدر لاحقاً الشهر الحالي، والتي صدرت آخر مرة في العام 2018، في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب.

في جوهرها، تمثّل الوثيقة المقبلة خلاصة “رؤية” الرئيس بايدن وأعوانه للتمايز عن إرث سلفه في الأمن القومي، تُرجمت سابقاً بحرصه على نشر وثيقة “إرشادات مرحلية لاستراتيجية الأمن القومي” في شهر آذار/مارس الماضي.

خلت الوثيقة المعلنة من التفاصيل والخطط الاستراتيجية، للمحافظة على سريتها كما يتردد، وجاءت ثمرة “جهود مكثفة مشتركة بين مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية والوكالة الأميركية للتمنية الدولية ومكتب مدير الاستخبارات الوطنية”، كما أنها تأتي عند “نقطة انعطاف رئيسية مع زيادة تركيز الوزارة (البنتاغون) على الصين باعتبارها تحدياً سريعاً لنا”. (مارا كارلين، نائبة وكيل وزارة الدفاع للشؤون السياسية، 29 تشرين الثاني/نوفمبر 2021).

كان لساحة “الشرق الأوسط” اهتمام متدنًّ بأولويات الوثيقة، نظراً إلى تعديل الأولويات الاستراتيجية الأميركية، أوضحتها السيدة كارلين بأن لدى بلادها “مسؤوليات عالمية، وهو ما يتطلب منا إجراء تغييرات مستمرة لوضعنا في الشرق الأوسط”. إذن، التوجه السياسي الأميركي في المدى المنظور يتميّز بتقليص الوجود، وما يرافقه من نفوذ في المنطقة.

وحتى لا نبقى في دائرة العموميات، نستشهد بتصريح لمسؤول شؤون الشرق الأدنى في مجلس الأمن القومي الأميركي، كيرت كامبل، قائلاً إن “المبادرات الأشد أهمية” بالنسبة إلى الإدارة الأميركية تتمحور حول “انخراط أوسع مع مجموعة دول آسيان”، في جنوب شرق آسيا، والتركيز على ما سمّاه “الخطر الصيني”. تكمن أهمية تصريحة في الأول من الشهر الحالي في أنه صدر بعد انقضاء شهر على مشاركة الرئيس بايدن في قمة للدول الأعضاء في “مجموعة آسيان”.

وإمعاناً من استراتيجيي الولايات المتحدة، والهيئات المشاركة في إعداد وثيقة البنتاغون في تظهير القوة الأميركية، أوفد الرئيس جو بايدن فريقاً رفيع المستوى برئاسة مجلس الأمن القومي إلى “إسرائيل”، قبل أيام معدودة، للتداول بشأن “قضايا الأمن العالية الأهمية”. بعبارة أخرى، تكرار “التزام الولايات المتحدة بأمن إسرائيل”، كما درجت عليه ديباجة السياسة الرسمية.

ولمزيد من التوضيح للتحركات الأميركية الراهنة، نقلت صحيفة المال والأعمال البالغة التأثير في القرار الأميركي، “وول ستريت جورنال”، عن مصادرها الخاصة، أن “البنتاغون ينوي تعزيز موارده وإدخال تحسينات على المطارات العسكرية والبنى التحتية الأخرى في القواعد الأميركية في جزيرة غوام واستراليا لمواجهة الصين”، لكن لن “نشهد تعديلات جوهرية في رقعة انتشار القوات العسكرية تمهيداً لمواجهة بكين، وفي الآن عينه، ردع روسيا ومكافحة الإرهاب في الشرق الأوسط وإفريقيا”  (“وول ستريت جورنال”، 29 تشرين الثاني/نوفمبر 2021).

وأضافت في مكان آخر أن الانسحاب الأميركي من أفغانستان حرم واشنطن منصة انطلاق رئيسية لمواجهة “التهديدات الإرهابية وجمع المعلومات الاستخبارية، الأمر الذي دفع البنتاغون إلى عدم إجراء تعديلات جوهرية على انتشار القوات الأميركية في المنطقة وفي أوروبا”.

يُشار في هذا الصدد إلى قرار الرئيس بايدن إلغاء مفعول قرار سابق لخفض عدد القوات العسكرية الأميركية في ألمانيا إلى 2500 عنصر، وتم إبلاغ كل من ألمانيا وبلجيكا أن الولايات المتحدة عازمة على إبقاء 7 مواقع (قواعد) عسكرية في البلدين، أُرفق بنشر مقاتلات قادرة على حمل رؤوس نووية في الأراضي البولندية، وتجديد جاهزية وحدة نووية من قواتها العسكرية المرابطة في قاعدة “ماينز-كاسل” الألمانية، وتدعيمها بأسلحة أسرع من الصوت لاستهداف مراكز القيادة والتحكم الروسية، ومنها صواريخ “دارك إيغل” بعيدة المدى، والتي “تستطيع إصابة موسكو في غضون 21 دقيقة ونصف”، بينما باستطاعة الصواريخ المنصوبة على الغواصات الروسية الوصول إلى الأراضي الأميركي في غضون 10-15 دقيقة، من دون احتساب الصواريخ الروسية الحديثة التي تحلّق بنحو 27 مرة أسرع من الصوت.

تزامنت تلك الإجراءات، لزيادة رقعة الوجود العسكري الأميركي في أوروبا، مع توجهات الرئيس بايدن في قمة الدول الصناعية، قبل بضعة أسابيع، لشيطنة روسيا واتهامها بنشر نحو 114000 عسكري على الحدود المشتركة مع اوكرانيا، وإشاعة أجواء من الهلع بين صفوف حلفائه للاصطفاف ضد روسيا.

في الشق السياسي والتعبوي، أفردت وسائل الإعلام الأميركية، والعربية الموالية لسياسات واشنطن، مساحات واسعة لنشر وثيقة البنتاغون، وتجاهلت الحلقة المركزية في تصريح رئيس هيئة الأركان. بل لم ينبس أقطاب معسكر الحرب الأميركي في الكونغرس، ومراكز الأبحاث الموالية، ببنت شفه بشأن الإقرار الصادم من أرفع سلطة عسكرية عن تراجع مكانة بلادها على المسرح الدولي. ومضى ميللي مستطرداً أن “العنصر الأول في الاستراتيجية (الأميركية) هو عودة التنافس بين الدول العظمى، الصين وروسيا والولايات المتحدة”.

عطفاً على وضوح رؤية ميللي بشأن التنافس مع الصين، في الدرجة الأولى، وخلوّ الوثيقة التي بين ايدينا من “إرشادات” عملية بعيدة عن الديباجة المعهودة في التصريحات الأميركية، فإن جوهر الصراع مع الصين، بحسب الخبراء العسكريين، هو في الشق الاقتصادي، وبعيداً كل البعد عن التمظهر العسكري في المياه والقواعد الآسيوية المختلفة، الأمر الذي يلمسه المرء بشكل جليّ في وثيقة البنتاغون بإغفالها التطرق إلى البعد الاقتصادي في العلاقة الثنائية مع الصين.

قلق واشنطن من تفوّق الصين تقنياً يتجدد بوتيرة متسارعة، وأشدّ ما تخشاه في المرحلة الراهنة هو نجاح الصين في إرساء المواصفات القياسية لتقنية 5G وتعميمها عبر العالم، بمعزل عن التأثير الأميركي، وأبرز ميّزاتها “إرساء الضوابط الأمنية في تطبيقات تلك التقنية” (نشرة “ديفينس وان”، 2 كانون الأول/ديسمبر، 2021).

Analysis 12-06-2021

ANALYSIS

Looking at America’s Global Posturing Review

 

Earlier this week, the Pentagon released its 2021 Global Posture Review, a basic review of how the US Defense Department sees the military situation in the world and how it intends to respond to it. The review is intentionally vague to avoid giving American competitors on the global scene solid information to work on.  However, by reading between the lines, one can get a good idea of what the American military plans to do in the next few years.

Although the review doesn’t focus on it, the biggest change is in the Middle East. It briefly mentions “the end of DoD operations in Afghanistan” and “the Defeat ISIS campaign,” but little else except directing the DoD to conduct additional analysis. It does mention “building the capacity of partner forces.”

The change is much more than that. Since the end of the Cold War, the collapse of the Soviet Union and the first Gulf War, US attention has been focused on the Middle East. Aircraft carriers that were once stationed in the Atlantic and Mediterranean were pulled to the Gulf region to first counter Iraq and Iran. Then there was the Afghan campaign for the last 20 years.

With US forces withdrawn from Afghanistan and scheduled to withdraw from Iraq by the end of the year, cooperation between Israel and some Arab nations, and more militarily capable nations like Saudi Arabia and the UAE in the region, the Middle East doesn’t need the American military assets that have been in the region for the last 30 years.

Although American aircraft will remain stationed in the region, the aircraft carriers, which were once a major presence in the area, will likely be repositioned, although some exercises by the super carriers will still take place on a regular basis. There will also be a strong presence of surface warships remaining to guarantee free movement through the Strait of Hormuz.

It is likely that there will be a larger American naval and aircraft carrier presence in the Eastern Mediterranean. This represents a return to the Cold War strategy.

An American carrier stationed in the Eastern Mediterranean can be used in strikes against ISIS. With refueling or stops at friendly air bases in the region, American aircraft from a carrier can strike Iran if necessary. But, most important, an American carrier in the Eastern Mediterranean can hit Russian targets that are threatening the Ukraine. This option is more attractive since the rapprochement between Turkey and Russia has faded as Turkey has begun aiding Ukraine.

There are other NATO assets in the area if necessary. France, Spain, Italy, and the United Kingdom have aircraft carriers that could be used to bolster American air assets.  In fact, US aircraft have conducted exercises onboard both Italian and British aircraft carriers recently.

American nuclear attack submarines with cruise missiles are also stationed in the Mediterranean.

Nor are American forces the only ones to focus on NATO challenges. British aircraft carrier HMS Prince of Wales will become the command platform for the NATO Response Force/Maritime in 2022. It will help free up US aircraft carriers for other operations.

The ability to shift American military assets from the Middle East to the European/NATO Theater stresses the growing tension between NATO and Russia over Ukraine. Those tensions were highlighted during the Organization for Security and cooperation in Europe meeting (OSCE) where US Secretary of State Blinken and Russian Foreign Minister Lavrov met.

While Lavrov warned that Europe was returning to the “nightmare of military confrontation,” Blinken warned of “Serious consequences” if Russia sought conflict with the Ukraine.

Ukraine said that Russia has massed troops along its border. Meanwhile, Russia has arrested three suspected Ukrainian security service agents.

Before the Global Posturing Review, the US has increased its presence in Eastern Europe. At a G20 meeting a few weeks ago, a US briefing indicated that Moscow was preparing for a possible invasion of the Ukraine. Ukrainian military intelligence says Russia has deployed as many as 114,000 forces around the border.

NATO member Estonia has ordered snap military drills and the erection of more barbed wire fencing along its border with Russia. The Estonian government also called up 1,700 reservists to fortify the 40 km border with Russia. Poland, Latvia, and Lithuania have instituted states of emergency along their borders with Belarus, an ally of Russia.

NATO rotates four battalion sized combat units in Latvia, Lithonia, Estonia, and Poland. The US has also moved nuclear capable fighter bombers into Poland.

The Pentagon has reactivated a nuclear unit based in Mainz-Kastel. It will field hypersonic weapons aimed against command-and-control targets in Russia.

The 56th Artillery Command will be armed with “Dark Eagle” long range hypersonic missiles that can reach Moscow in 21 minutes and 30 seconds. The last time the unit had been operational was 1991, as the Soviet Union was collapsing.

In terms of bolstering US forces in Europe, the paper noted that the cap on the number of American forces in Europe has been raised. The US will also retain seven bases in Germany and Belgium that were originally scheduled to be returned to the host nation.

Retaining the seven bases may be more political than strategic. Pentagon review teams have questioned the readiness of some America’s forces in Europe, especially those in the rear. Germany, which was once on the front line of NATO’s confrontation with the USSR is now part of the rear echelon.

The China theater (called the Indo-Pacific in the paper) was another issue. Much was kept out because of security issues. However, current action with allies in the region and what was implied in the paper revealed much.

Much was made of additional cooperation with allies and partners, in this case the United Kingdom and Australia.  It appears that the UK will continue to maintain a major naval presence, including one of its new aircraft carriers. Australia also has an aircraft capable amphibious warship. It also has amphibious capability that has been used in peacekeeping in the Southern Pacific.

Japan’s naval force will also be part of the force that will be used to hem in China. As for Korea, the US will permanently station an attack helicopter squadron and an artillery division headquarters.

One of the unmentioned threats was hypersonic weapons. And, although they haven’t been mentioned, the paper notes how the US will initially counter this threat. The Global Posturing Review recommended expanding the infrastructure in the South Pacific, including the major military base in Guam.

Since Guam like Pearl Harbor in WWII is a critical US facility and vulnerable to hypersonic attack, the US intends to expand its infrastructure facilities throughout the South Pacific. Palau will likely be one of the new bases since they requested one in 2020.

The major partner in increasing American infrastructure will be Australia. Australia has announced that they will spend $750 million to upgrade four of its bases for US-Australian naval operations.

The US will also increase aircraft deployments in Australia. There is also a plan to develop several air base alternates to make it difficult for a Chinese surprise attack.

The Global Posturing Review also mentioned Africa and the threat of violent extremism. The Central and South American section looked at humanitarian assistance and counter narcotics missions.

Of course, the Global Posturing Review isn’t the end. This paper will determine how ships, aircraft, and troops will be deployed and will contribute to the National Defense Strategy.

The paper will also be critical for determining future weapons procurement. For instance, the Pentagon’s Cost Assessment and Program Evaluation (CAPE) will look at the naval fleet and how it will counter future threats and meet the needs of the National Defense Strategy. That will then be a factor in the 2023 defense budget. During the evaluation, questions will need to be asked like; will more aircraft carriers be needed to meet the administration’s needs, what type of escort ships will be needed and how will those ships counter the latest Russian and Chinese perceived threats?

Week of December 06, 2021

Looking at America’s Global Posturing Review

 

Earlier this week, the Pentagon released its 2021 Global Posture Review, a basic review of how the US Defense Department sees the military situation in the world and how it intends to respond to it. The review is intentionally vague to avoid giving American competitors on the global scene solid information to work on.  However, by reading between the lines, one can get a good idea of what the American military plans to do in the next few years.

Although the review doesn’t focus on it, the biggest change is in the Middle East. It briefly mentions “the end of DoD operations in Afghanistan” and “the Defeat ISIS campaign,” but little else except directing the DoD to conduct additional analysis. It does mention “building the capacity of partner forces.”

The change is much more than that. Since the end of the Cold War, the collapse of the Soviet Union and the first Gulf War, US attention has been focused on the Middle East. Aircraft carriers that were once stationed in the Atlantic and Mediterranean were pulled to the Gulf region to first counter Iraq and Iran. Then there was the Afghan campaign for the last 20 years.

With US forces withdrawn from Afghanistan and scheduled to withdraw from Iraq by the end of the year, cooperation between Israel and some Arab nations, and more militarily capable nations like Saudi Arabia and the UAE in the region, the Middle East doesn’t need the American military assets that have been in the region for the last 30 years.

Although American aircraft will remain stationed in the region, the aircraft carriers, which were once a major presence in the area, will likely be repositioned, although some exercises by the super carriers will still take place on a regular basis. There will also be a strong presence of surface warships remaining to guarantee free movement through the Strait of Hormuz.

It is likely that there will be a larger American naval and aircraft carrier presence in the Eastern Mediterranean. This represents a return to the Cold War strategy.

An American carrier stationed in the Eastern Mediterranean can be used in strikes against ISIS. With refueling or stops at friendly air bases in the region, American aircraft from a carrier can strike Iran if necessary. But, most important, an American carrier in the Eastern Mediterranean can hit Russian targets that are threatening the Ukraine. This option is more attractive since the rapprochement between Turkey and Russia has faded as Turkey has begun aiding Ukraine.

There are other NATO assets in the area if necessary. France, Spain, Italy, and the United Kingdom have aircraft carriers that could be used to bolster American air assets.  In fact, US aircraft have conducted exercises onboard both Italian and British aircraft carriers recently.

American nuclear attack submarines with cruise missiles are also stationed in the Mediterranean.

Nor are American forces the only ones to focus on NATO challenges. British aircraft carrier HMS Prince of Wales will become the command platform for the NATO Response Force/Maritime in 2022. It will help free up US aircraft carriers for other operations.

The ability to shift American military assets from the Middle East to the European/NATO Theater stresses the growing tension between NATO and Russia over Ukraine. Those tensions were highlighted during the Organization for Security and cooperation in Europe meeting (OSCE) where US Secretary of State Blinken and Russian Foreign Minister Lavrov met.

While Lavrov warned that Europe was returning to the “nightmare of military confrontation,” Blinken warned of “Serious consequences” if Russia sought conflict with the Ukraine.

Ukraine said that Russia has massed troops along its border. Meanwhile, Russia has arrested three suspected Ukrainian security service agents.

Before the Global Posturing Review, the US has increased its presence in Eastern Europe. At a G20 meeting a few weeks ago, a US briefing indicated that Moscow was preparing for a possible invasion of the Ukraine. Ukrainian military intelligence says Russia has deployed as many as 114,000 forces around the border.

NATO member Estonia has ordered snap military drills and the erection of more barbed wire fencing along its border with Russia. The Estonian government also called up 1,700 reservists to fortify the 40 km border with Russia. Poland, Latvia, and Lithuania have instituted states of emergency along their borders with Belarus, an ally of Russia.

NATO rotates four battalion sized combat units in Latvia, Lithonia, Estonia, and Poland. The US has also moved nuclear capable fighter bombers into Poland.

The Pentagon has reactivated a nuclear unit based in Mainz-Kastel. It will field hypersonic weapons aimed against command-and-control targets in Russia.

The 56th Artillery Command will be armed with “Dark Eagle” long range hypersonic missiles that can reach Moscow in 21 minutes and 30 seconds. The last time the unit had been operational was 1991, as the Soviet Union was collapsing.

In terms of bolstering US forces in Europe, the paper noted that the cap on the number of American forces in Europe has been raised. The US will also retain seven bases in Germany and Belgium that were originally scheduled to be returned to the host nation.

Retaining the seven bases may be more political than strategic. Pentagon review teams have questioned the readiness of some America’s forces in Europe, especially those in the rear. Germany, which was once on the front line of NATO’s confrontation with the USSR is now part of the rear echelon.

The China theater (called the Indo-Pacific in the paper) was another issue. Much was kept out because of security issues. However, current action with allies in the region and what was implied in the paper revealed much.

Much was made of additional cooperation with allies and partners, in this case the United Kingdom and Australia.  It appears that the UK will continue to maintain a major naval presence, including one of its new aircraft carriers. Australia also has an aircraft capable amphibious warship. It also has amphibious capability that has been used in peacekeeping in the Southern Pacific.

Japan’s naval force will also be part of the force that will be used to hem in China. As for Korea, the US will permanently station an attack helicopter squadron and an artillery division headquarters.

One of the unmentioned threats was hypersonic weapons. And, although they haven’t been mentioned, the paper notes how the US will initially counter this threat. The Global Posturing Review recommended expanding the infrastructure in the South Pacific, including the major military base in Guam.

Since Guam like Pearl Harbor in WWII is a critical US facility and vulnerable to hypersonic attack, the US intends to expand its infrastructure facilities throughout the South Pacific. Palau will likely be one of the new bases since they requested one in 2020.

The major partner in increasing American infrastructure will be Australia. Australia has announced that they will spend $750 million to upgrade four of its bases for US-Australian naval operations.

The US will also increase aircraft deployments in Australia. There is also a plan to develop several air base alternates to make it difficult for a Chinese surprise attack.

The Global Posturing Review also mentioned Africa and the threat of violent extremism. The Central and South American section looked at humanitarian assistance and counter narcotics missions.

Of course, the Global Posturing Review isn’t the end. This paper will determine how ships, aircraft, and troops will be deployed and will contribute to the National Defense Strategy.

The paper will also be critical for determining future weapons procurement. For instance, the Pentagon’s Cost Assessment and Program Evaluation (CAPE) will look at the naval fleet and how it will counter future threats and meet the needs of the National Defense Strategy. That will then be a factor in the 2023 defense budget. During the evaluation, questions will need to be asked like; will more aircraft carriers be needed to meet the administration’s needs, what type of escort ships will be needed and how will those ships counter the latest Russian and Chinese perceived threats?

Analysis 11-22-2021

ANALYSIS

Tensions Grow on NATO’s Eastern Flank

 

Although NATO/Russian relations have been tensing since the Russian incursion into Ukraine in 2014, the numbers of flashpoints have escalated recently. Belarus, with Russian help, has raised tensions as they have tried to send Middle Eastern refugees across their border into countries of the European Union and NATO, specifically Poland. In response, Poland has asked for a NATO meeting to consider the Russian action and possible NATO response. Poland has also indicated it will double the size of its army – already one of the largest in NATO.

During the G20 meetings, American intelligence warned that “a high probability of destabilization,” of the Ukraine by Russia may take place this winter. A US briefing indicated that Moscow was preparing for a possible invasion of the Ukraine.

These conclusions were not merely based on the number of Russian troops on the border, but additional intelligence on Russian President Putin’s intentions.

An analyst on Russian military movements told a Financial Times reporter, “Information of our [military intelligence services] coincides with the information of partner countries about the high probability of destabilization of the situation in Ukraine this winter. Ukrainian military intelligence says Russia has deployed as many as 114,000 forces around the border.”

American Secretary of State Antony Blinken told reporters, “We do know that we’ve seen in the past Russia mass forces on Ukraine’s borders, claim some provocation by Ukraine and then invade and basically follow on through on something they planned all along.”

Another worry according to the French foreign ministry is that Russia has refused ministerial level talks with the Ukraine and Germany on the peace process in disputed parts of the Ukraine border.

It’s not just the number of forces being deployed by the Russians. They have shifted some of their elite forces to use them in any potential conflict with Ukraine.  The 1st Guards Tank Army, which is based around Moscow has apparently been shifted to become an operational reserve for the 41st Combined Arms Army (CAA).  The 41st CAA was originally stationed in Siberia, but has been moved to Russia’s Western Military district, which stretches from Finland to the Russian border with Ukraine. They are near Belarus and the Ukraine.

If war starts with NATO, the 41st CAA would likely move through Belarus towards the Sualki Gap, which is found on the Polish/Lithuanian border. This would link up with the Russian enclave of Kaliningrad and break up Polish and Lithuanian defenses.  Then, the 1st Guards Tank Army could exploit any weaknesses and strike towards the Oder River on the Polish/German border.

Russian security forces that would be used to suppress any dissent in entered areas are also mustering near Rostov.

Putin likely believes that a weak American president and Europe’s need for Russian natural gas will cause NATO to dither long enough for Russia to make some significant advances.

What NATO has in Eastern Europe

The one way to make Putin to rethink his perceived incursion plans is to move military assets into Eastern Europe, especially Poland and the Baltic nations.

It is also desired by NATO to improve the readiness of the units already deployed.

NATO member Estonia has ordered snap military drills and the erection of more barbed wire fencing along its border with Russia. The Estonian government also called up 1,700 reservists to fortify the 40 km border with Russia. The drills are to test the national chain of command and its ability to quickly react to any Russian military movement.

Poland, Latvia, and Lithuania have instituted states of emergency along their borders with Belarus.

This spring, the US moved nuclear capable fighter bombers into Poland.

However, official American attitudes towards Russia remain split. American General Milley of the Joint Chiefs of Staff said Russia’s movements were “not overtly aggressive. However, at the same time CIA Director Burns had said he had “serious” concerns about the Russian military buildup.  Secretary of State Blinken warned Russia about making a “serious mistake” in the Ukraine.

To back up its concerns, NATO rotates four battalion sized combat units in Latvia, Lithonia, Estonia, and Poland. It has also deployed a brigade in Romania. Meanwhile, the US Congress is pushing Biden to send some air defense systems to Ukraine.

There is even talk of sending an Israeli Iron Dome missile defense system to Ukraine.

The problem is that these NATO units are more of a “trip wire” than a threat to blunt any Russian advances.  A RAND study found that NATO couldn’t successfully defend its eastern members with the current assets. Wargaming indicates that it would take seven brigades to prevent a rapid overrun of the three Baltic nations.

At best, NATO might have three battalions in the Baltic nations – equivalent to about one brigade. The RAND study indicates that it would require an order of magnitude of more forces to be truly effective.  Given America’s ability to rapidly move forces globally, the US Army could rapidly reinforce its units in Eastern Europe – although probably not enough to guarantee victory.

The US and NATO had planned a major deployment exercise a year and a half ago, but it was scaled back due to the Covid pandemic. However, this summer, NATO held a military exercise called Decisive Strike 21. It included 28,000 troops carrying out maneuvers ranging from the Balkans to the Baltic nations.  Later this month, there will be an exercise named Steadfast Jackal 21, which will train the NATO Rapid Deployable Corps.

On the naval side, the British aircraft carrier HMS Prince of Wales will become the command platform for the NATO Response Force/Maritime in 2022. It will help free up US aircraft carriers for other operations.

Reenter the Cold War

NATO and the US aren’t merely deploying forces in military exercises. The ghosts of the Cold War are making an appearance in Europe again.  The Pentagon has reactivated a nuclear unit based in Mainz-Kastel.  It will field hypersonic weapons aimed against command-and-control targets in Russia.

The 56th Artillery Command will be armed with “Dark Eagle” long range hypersonic missiles that can reach Moscow in 21 minutes and 30 seconds. The last time the unit had been operational was 1991, as the Soviet Union was collapsing.

The Dark Eagle system, which can be transported on a C-130 aircraft, has a maximum speed of 4,000 miles per hour, a range of 1,725 miles and a weight of 16,300 pounds. In addition to the hypersonic missile, the command will also field the ground launched Tomahawk cruise missile.  These cruise missiles are nuclear capable.

Ground equipment for the Dark Eagle has been delivered to the US Army, but the hypersonic missile itself is due for delivery in 2023.

Both the Army and Navy will deploy the Dark Eagle (officially named the Long-Range Hypersonic Weapon). The army version will be air and road mobile. The Navy version will be installed on its Virginia attack submarines and later the Zumwalt class stealth destroyer.

The Zumwalt class destroyer, which is difficult to detect can move undetected into enemy coastal waters and then launch the hypersonic missile – giving the opposition only minutes to react.

However, Russia hasn’t backed down. Russia has dispatched two nuclear capable strategic bombers to patrol Belarusian airspace to counter NATO patrols that have reputedly been doubled.

The possibility of a mistake has grown.

Week of November 22, 2021

Tensions Grow on NATO’s Eastern Flank

 

Although NATO/Russian relations have been tensing since the Russian incursion into Ukraine in 2014, the numbers of flashpoints have escalated recently. Belarus, with Russian help, has raised tensions as they have tried to send Middle Eastern refugees across their border into countries of the European Union and NATO, specifically Poland. In response, Poland has asked for a NATO meeting to consider the Russian action and possible NATO response. Poland has also indicated it will double the size of its army – already one of the largest in NATO.

During the G20 meetings, American intelligence warned that “a high probability of destabilization,” of the Ukraine by Russia may take place this winter. A US briefing indicated that Moscow was preparing for a possible invasion of the Ukraine.

These conclusions were not merely based on the number of Russian troops on the border, but additional intelligence on Russian President Putin’s intentions.

An analyst on Russian military movements told a Financial Times reporter, “Information of our [military intelligence services] coincides with the information of partner countries about the high probability of destabilization of the situation in Ukraine this winter. Ukrainian military intelligence says Russia has deployed as many as 114,000 forces around the border.”

American Secretary of State Antony Blinken told reporters, “We do know that we’ve seen in the past Russia mass forces on Ukraine’s borders, claim some provocation by Ukraine and then invade and basically follow on through on something they planned all along.”

Another worry according to the French foreign ministry is that Russia has refused ministerial level talks with the Ukraine and Germany on the peace process in disputed parts of the Ukraine border.

It’s not just the number of forces being deployed by the Russians. They have shifted some of their elite forces to use them in any potential conflict with Ukraine.  The 1st Guards Tank Army, which is based around Moscow has apparently been shifted to become an operational reserve for the 41st Combined Arms Army (CAA).  The 41st CAA was originally stationed in Siberia, but has been moved to Russia’s Western Military district, which stretches from Finland to the Russian border with Ukraine. They are near Belarus and the Ukraine.

If war starts with NATO, the 41st CAA would likely move through Belarus towards the Sualki Gap, which is found on the Polish/Lithuanian border. This would link up with the Russian enclave of Kaliningrad and break up Polish and Lithuanian defenses.  Then, the 1st Guards Tank Army could exploit any weaknesses and strike towards the Oder River on the Polish/German border.

Russian security forces that would be used to suppress any dissent in entered areas are also mustering near Rostov.

Putin likely believes that a weak American president and Europe’s need for Russian natural gas will cause NATO to dither long enough for Russia to make some significant advances.

What NATO has in Eastern Europe

The one way to make Putin to rethink his perceived incursion plans is to move military assets into Eastern Europe, especially Poland and the Baltic nations.

It is also desired by NATO to improve the readiness of the units already deployed.

NATO member Estonia has ordered snap military drills and the erection of more barbed wire fencing along its border with Russia. The Estonian government also called up 1,700 reservists to fortify the 40 km border with Russia. The drills are to test the national chain of command and its ability to quickly react to any Russian military movement.

Poland, Latvia, and Lithuania have instituted states of emergency along their borders with Belarus.

This spring, the US moved nuclear capable fighter bombers into Poland.

However, official American attitudes towards Russia remain split. American General Milley of the Joint Chiefs of Staff said Russia’s movements were “not overtly aggressive. However, at the same time CIA Director Burns had said he had “serious” concerns about the Russian military buildup.  Secretary of State Blinken warned Russia about making a “serious mistake” in the Ukraine.

To back up its concerns, NATO rotates four battalion sized combat units in Latvia, Lithonia, Estonia, and Poland. It has also deployed a brigade in Romania. Meanwhile, the US Congress is pushing Biden to send some air defense systems to Ukraine.

There is even talk of sending an Israeli Iron Dome missile defense system to Ukraine.

The problem is that these NATO units are more of a “trip wire” than a threat to blunt any Russian advances.  A RAND study found that NATO couldn’t successfully defend its eastern members with the current assets. Wargaming indicates that it would take seven brigades to prevent a rapid overrun of the three Baltic nations.

At best, NATO might have three battalions in the Baltic nations – equivalent to about one brigade. The RAND study indicates that it would require an order of magnitude of more forces to be truly effective.  Given America’s ability to rapidly move forces globally, the US Army could rapidly reinforce its units in Eastern Europe – although probably not enough to guarantee victory.

The US and NATO had planned a major deployment exercise a year and a half ago, but it was scaled back due to the Covid pandemic. However, this summer, NATO held a military exercise called Decisive Strike 21. It included 28,000 troops carrying out maneuvers ranging from the Balkans to the Baltic nations.  Later this month, there will be an exercise named Steadfast Jackal 21, which will train the NATO Rapid Deployable Corps.

On the naval side, the British aircraft carrier HMS Prince of Wales will become the command platform for the NATO Response Force/Maritime in 2022. It will help free up US aircraft carriers for other operations.

Reenter the Cold War

NATO and the US aren’t merely deploying forces in military exercises. The ghosts of the Cold War are making an appearance in Europe again.  The Pentagon has reactivated a nuclear unit based in Mainz-Kastel.  It will field hypersonic weapons aimed against command-and-control targets in Russia.

The 56th Artillery Command will be armed with “Dark Eagle” long range hypersonic missiles that can reach Moscow in 21 minutes and 30 seconds. The last time the unit had been operational was 1991, as the Soviet Union was collapsing.

The Dark Eagle system, which can be transported on a C-130 aircraft, has a maximum speed of 4,000 miles per hour, a range of 1,725 miles and a weight of 16,300 pounds. In addition to the hypersonic missile, the command will also field the ground launched Tomahawk cruise missile.  These cruise missiles are nuclear capable.

Ground equipment for the Dark Eagle has been delivered to the US Army, but the hypersonic missile itself is due for delivery in 2023.

Both the Army and Navy will deploy the Dark Eagle (officially named the Long-Range Hypersonic Weapon). The army version will be air and road mobile. The Navy version will be installed on its Virginia attack submarines and later the Zumwalt class stealth destroyer.

The Zumwalt class destroyer, which is difficult to detect can move undetected into enemy coastal waters and then launch the hypersonic missile – giving the opposition only minutes to react.

However, Russia hasn’t backed down. Russia has dispatched two nuclear capable strategic bombers to patrol Belarusian airspace to counter NATO patrols that have reputedly been doubled.

The possibility of a mistake has grown.

2021-22-11-التحليل

التحليل

هل تؤدي استفزازات “الناتو”
لروسيا في أوكرانيا إلى الحرب؟

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

منذ بدء الرئيس جو بايدن مهامه الرئاسية، مطلع العام الحالي، تميّزت سياسته نحو روسيا بالتصعيد والحزم ، إذ وصف نظيره الروسي بـ “القاتل” وبأنه “سيدفع ثمن” سياساته، ما اعتبره خبراء العلاقات الأميركية الروسية بأنه تصريح جاء بخلاف “إطار الأعراف الديبلوماسية”، واستدعت موسكو سفيرها في واشنطن إثر ذلك، وأقرّت واشنطن حزمة جديدة من القيود على مسؤولين ومنتجات روسية.

وقبل تدارك الأمر بين رئيسي البلدين، استمر منسوب التوتر في علاقاتهما ينذر بتدهور جديد، أكده بيان للسفارة الروسية في واشنطن إذ عبّر عن ” “تصريحات متهورة لمسؤولين أمريكيين يمكن أن تؤدي إلى انهيار العلاقات التي تشهد خلافا كبيراً أساسياً”. وسرت توقعات بشأن ضرورة عقد لقاء قمة بين الرئيسين، إلتأم في 16 تموز/يونيو الماضي في جنيف مستغرقاً 4 ساعات، “لكنهما لم يحرزا تقدماً ملموساً”، باستثناء إعادة الحرارة إلى اجتماع لجان مشتركة رفيعة المستوى لبحث القضايا الثنائية والدولية، من ضمنها اوكرانيا وبيلاروسيا، واستمر الاحتقان السياسي بين البلدين، عبّر عنه “معهد هدسون” للأبحاث بأن “البيت الأبيض لم يحقق شيئاُ، والرابح الأول كان (الرئيس) بوتين”.

في تطور لافت، وقبل أقل من أسبوع من لقاء القمة بين الرئيسين جو بايدن وفلاديمير بوتين، “أمر البيت الأبيض وزارة الدفاع (البنتاغون) بتأجيل التجارب” التي كان مخططاً لها على تقنية صاروخية أسرع من الصوت بعدة مرّات، “كي لا تصعّد التوترات مع موسكو” (صحيفة “بوليتيكو”، 29 أيلول/سبتمبر 2021).

ما لبثت أن حذّرت واشنطن قمة الدول الصناعية “G-20“، المنعقدة في روما في 30 تشرين الأول/اكتوبر الماضي، من “منسوبٍ عالٍ من عدم الاستقرار” في أوكرانيا، نتيجة توترات تشهدها مع روسيا، واتهامها الأخيرة بأنها تستعد “لاجتياح محتمل” للأراضي الأوكرانية، و”حشد 114،000 جندي” على حدودها مع أوكرانيا، بحسب المصادر الاستخبارية الأميركية.

وكرّست مراكز أبحاث النخب السياسية الأميركية المختلفة ما وصفته بـ “الخطوط الحمر” الأميركية أمام روسيا، وعدم تخطيها، وأن ” الاختبار الحقيقي يتمثل فيما إذا كانت روسيا ستغيّر سلوكها وتقلّل من أفعالها العدائية ضد الولايات المتحدة وأوروبا” (مركز التقدم الأميركي، 17 تموز/يونيو 2021).

وتصدّر الأسطول السادس الأميركي، المرابط في البحر الأبيض المتوسط، تصعيد موجة العداء لروسيا بمشاركة “بوارجه ومدمراته الصاروخية”، إلى جانب ترسانات حربية تابعة لـ 32 دولة من حلف الناتو وأعوانه، في مناورات استفزازية في مياه البحر الأسود، في 13 تشرين الثاني/نوفمبر الحالي، بالقرب من القاعدة الرئيسية للأسطول الروسي في سيفاستوبول في شبه جزيرة القرم، اعتبرها رئيس أركان الجيش البريطاني، نيك كارتر، بأنها إيذان “بتجاوز منسوب التوتر بين الغرب وروسيا منذ الحرب الباردة”، محذّراً من “إمكانية اندلاع حرب بالصدفة”.

في السياق عينه، أجرت البحرية الروسية تدريبات عسكرية “بعد يومين” على انطلاق مناورات “نسيم البحر” لحلف الناتو في اوكرانيا، في أيلول/سبتمبر الماضي. أما في المناورات الأخيرة لحلف الناتو، فقد اكتفت موسكو “بمتابعة طائرات وسفن دول الناتو في المنطقة”، بحسب تصريحات منسوبة للرئيس فلاديمير بوتين، وخشية الجانب الروسي أيضاً من مغزى تلك المناورات للدلالة على “تعديل” في أولويات الاستراتيجية الأميركية، التي تطمح إلى ااعتبار البحر الأسود منطقة عمليات للأسطول السادس، وانتهاكاً أيضاً لاتفاقية مونترو، المبرمة لتنظيم حركة مرور السفن الحربية والتجارية عبر المضائق التركية، والتي تحظر بقاء السفن الحربية أكثر من 3 أسابيع للدول غير المطلّة على البحر الأسود. التفّت واشنطن مع ذلك الشرط المقيّد بتدوير سفنها وبوارجها الحربية مرة كل 21 يوماً في المنطقة.

أما المواجهة المسلّحة “الافتراضية” مع موسكو، فقد أسهبت النخب الأميركية في توضيحها، بأنها “قد” تستند إلى 3 احتمالات تنطلق بالتوازي في مواجهة روسيا: شبه جزيرة القرم في الجنوب، ومقاطعة كالينينغراد على بحر البلطيق في الغرب، وجزر كوريل المتنازع عليها بين روسيا واليابان (دورية “ذي ناشيونال انترست”، 22 تشرين الأول/اكتوبر 2021).

وفي حال نشوب حرب مع موسكو من دول حلف الناتو، يعتقد الخبراء العسكريون الغربيون أن روسيا ستدفع بقواتها التابعة للجيوش المنضوية إلى اللواء 41 عبر أراضي بيلاروسيا باتجاه مقاطعة “سوالكي”، والتي ستنضم إلى القوات الروسية في محافظة كالينينغراد المحاطة ببولندا وليتوانيا على بحر البلطيق، ومن ثم سيدخل الجيش الأول في الحرس المدرّع المعركة والتقدم نحو نهر “اودر”، بمحاذاة الحدود البولندية الألمانية.

وأكدت الدورية الأميركية أعلاه “التطور العالي لأسطول الغواصات الروسية” والذي يوفّر لها “ميّزة مطلقة في البحر الأسود، ويمكنها تدمير حاملات الطائرات الأميركية بسرعة وسهولة في حال ظهورها” في تلك المنطقة. واستطردت أن القوات البحرية المهاجمة “محكوم عليها بالهزيمة في معظم الأحيان” إن دخلت المعركة دون حماية جوية، مشيرة إلى شبه إجماع بين الخبراء العسكريين الغربيين على تفوّق نظم الدفاع الجوي الروسي وإمكانيات أخرى رديفة في القرم.

جدير بالذكر الإشارة إلى تصريحات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، على هامش قمة الدول الصناعية في روما، محذراً واشنطن من إنشاء قواعد جديدة في رومانيا وبلغاريا، ودفعهما “إلى انتهاج سياسات صدامية إلى حد كبير ، وأن ذلك لا يسهم في تعزيز الاستقرار الدولي”.

نيات واشنطن في منطقة البحر الأسود تتميّز بالوضوح، كما شهدنا في شهر نيسان/إبريل من العام الحالي، وبالسعي بشتى السبل لاستدراج روسيا إلى “فخ” عسكري ضد أوكرانيا وتحشيد “حلفائها” خلفها، بيد أن خياراتها الإقليمية لم تنضج في موازاة الرغبات أو تتبلور في خطوات عسكرية، باستثناء الاستفزازات المتواصلة في مواجهة روسيا.

وجددت مديرة الاستخبارات الوطنية الأميركية، آفريل هينز، قبل أيام معدودة، التهويل بقرب غزو روسيا لأوكرانيا، ورحلت على عجل قاصدة بروكسل، مقر قيادة حلف الناتو، لوضع مندوبي الحلف في “أجواء المعلومات الاستخبارية الأميركية حول احتمال تدخل روسيا عسكرياً في اوكرانيا”. وفي الوقت عينه، تحدث رئيس هيئة الأركان الأميركية، مارك ميللي، مع القائد الأعلى للقوات الأوكرانية، فاليري زالوجني، وتبادلا وجهات النظر بشأن “أنشطة روسيا المقلقة في المنطقة” (صحيفة “نيويورك تايمز”، 19 تشرين الثاني/نوفمبر 2021).

واستطردت الصحيفة نقلاً عن مصادرها الأمنية، بأن الأجهزة الاستخبارية في لندن وواشنطن “لديها اقتناع مشترك بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يُعدّ لعمل عسكري للسيطرة على مساحات واسعة من أوكرانيا، أو لزعزعة استقرارها بما يضمن بزوغ حكومة موالية لموسكو”. وعزا المسؤولون الأميركيون التشدد الروسي نحو اوكرانيا إلى انعكاس حالة الإحباط المتزايدة لدى الرئيس الروسي من “تعثر المسار السلمي الذي تتصدره فرنسا وألمانيا منذ العام 2014”. ومع خروج المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل من المسرح الدولي “تتراجع حدة الضغوط على أوكرانيا لتقديم تنازلات” لروسيا.

جدير بالذكر أن المدمرة الأميركية المسلّحة بصواريخ موجهة، “يو أس أس دونالد كوك”، تعرضت للتشويش الإلكتروني خلال إبحارها في البحر الأسود “وأضحت مشلولة، على الرغم من حمولتها المتطورة من نظام “إيجيس” للدفاع الجوي” في العام 2017. بل استطاعت القوات الروسية العاملة في سوريا، والمسلحة بنظم الكترونية متطورة، التشويش على وسائط الاتصالات التابعة للولايات المتحدة الأميركية وحلفائها (دورية “ذي ناشيونال انترست”، 3 أيلول/سبتمبر 2021).

كما أكّد رئيس هيئة العمليات البحرية الأميركية، جون ريتشاردسون، نجاح روسيا في التشويش على قطع البحرية الأميركية قائلاً: “يلجأ البحارة الأميركيون إلى تطبيق وسائل دفاعية متواصلة ضد مساعي روسيا للتشويش الإلكتروني، كما شهدناه في عمليات الساحة السورية، وتعرضنا للتشويش أيضاً ونحن في عرض المياه الدولية” (موقع “صوت أميركا”، 6 آب/أغسطس 2018).

أمام هذه اللوحة من الضغوط الأميركية “لتوريط” حلفائها الأوروبيين في استفزاز روسيا، يدرك الأخيرون جيداً، وخصوصاً المنضوون إلى حلف الناتو، ارتفاع أسعار الطاقة على الصعيد العالمي، وبلدانهم على أبواب فصل الشتاء القارس، وكذلك اعتمادهم المتزايد على الغاز الروسي الذي “سيدخل كأحد سبل الضغط” من قبل الرئيس الروسي على الدول الأخرى.

ما يضاعف منسوب قلق الدول الأوروبية من فعالية الحليف الأميركي، ولا سيما تلك التي كانت تحت مظلة “حلف وارسو” قبل نحو عقدين، دراسة أجرتها “مؤسسة راند”، الوثيقة الصلة بالبنتاغون والصناعات العسكرية، خلصت فيها إلى أن “حلف الناتو لن يكون بمقدوره حماية الدول الأعضاء على الحدود الشرقية استناداً إلى الموارد الراهنة”. وأضافت الدراسة أن تمارين الحروب دلّت على ضرورة توفّر  “7 كتائب عسكرية (قتالية) للحيلولة دون سقوط سريع لدول بحر البلطيق الثلاث”.

سارعت واشنطن إلى سد بعض الثغرات البنيوية في ترسانة “الناتو” التسليحية، التي أشّرت عليها دراسة “راند” وبيانات موازية أخرى، بإعادة تفعيل وحدة قتال نووية في ألمانيا، “دارك إيغل”، مهمتها إطلاق نيران أسلحة أسرع من الصوت ضد مواقع القيادة والتحكّم في روسيا، والتي باستطاعتها الوصول إلى موسكو في غضون 21 دقيقة ونصف، تعزّزها وحدات وأسلحة أخرى متطورة موجهة ضد الأراضي الروسية.

عقدت لجنة القوات المسلّحة في مجلس الشيوخ، البالغة الأهمية ومحور صنع القرار الاستراتيجي الأميركي، جلسة استماع في الأول من تشرين الثاني/نوفمبر الحالي، شارك فيها إيان بريجينسكي، نجل مستشار الأمن القومي الأسبق زبغنيو بريجينسكي، حول “أمن البحر الأسود”، سلّط فيها الضوء على “طموحات روسيا العدوانية، وموقفها الهجومي لا يزال ماثلاً أمامنا اليوم يمثّل تهديداً حقيقياً لأوكرانيا وأمن منطقة البحر الأسود”.

وحثّ بريجينسكي (الإبن) الولايات المتحدة على “بلورة استراتيجية شاملة في مواجهة روسيا، وزيادة الحضور العسكري المتطور لجيوش الحلفاء والشركاء (أوكرانيا وجورجيا)، والانتقال إلىى مرحلة الحرب الهجينة بتسخير عامل القوة الاقتصادية في المواجهة” ضد الغاز الروسي.

وذكّر بريجينسكي أعضاء لجنة القوات المسلحة بخطورة التساهل في التعامل مع روسيا التي “لو إتيحت لها الفرصة لإخضاع أوكرانيا، فلن تتوقف عن ممارسة دورها كإمبراطورية، والإمبراطورية ببساطة لا يمكنها الارتقاء إلى مستوى الديموقراطية الحقة”.

لا تزال توقعات المراقبين في واشنطن تستبعد إقدام بوتين على غزو اوكرانيا، حتى كتابة هذه السطور، وتقرأ في التحركات الروسية العسكرية بُعداً ردعياً للناتو ودعماً للجماعات “الإنفصالية” المؤيّدة لروسيا.

إذا أقدمت واشنطن على خطوات تصعيدية، بإرسال المزيد من الأسلحة النوعية وخاصة منظومات دفاع جوي فعالة ضد سلاح الجو الروسي، فقد تقدم روسيا على استهدافها وتوجّه انذاراً بخطوات ميدانية، وبالتوغل في مناطق حدودية، وتعلن أن أي خطوات استفزازية جديدة للناتو ستكون مبرراً لخطوات أوسع.

ادارة بايدن، المنشغلة بالملفات الداخلية، لا تبدو على استعداد للإستجابة إلى دعوات الكونغرس المعادية لروسيا للمغامرة في فتح جبهة عسكرية معها، ولو بالوكالة. لذلك يلاحَظ حرص شخصيات بارزة في طاقم بايدن للأمن القومي على التواصل المتكرر مع نظرائهم الروس وتفعيل قنوات التشاور التي انطلقت بعد قمة جنيف بين بوتين وبايدن في حزيران/ يونيو الماضي، أبرزها زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية، بيل بيرنز، إلى موسكو.

2021-22-11-التقرير الأسبوعي

هل تؤدي استفزازات “الناتو”
لروسيا في أوكرانيا إلى الحرب؟

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

منذ بدء الرئيس جو بايدن مهامه الرئاسية، مطلع العام الحالي، تميّزت سياسته نحو روسيا بالتصعيد والحزم ، إذ وصف نظيره الروسي بـ “القاتل” وبأنه “سيدفع ثمن” سياساته، ما اعتبره خبراء العلاقات الأميركية الروسية بأنه تصريح جاء بخلاف “إطار الأعراف الديبلوماسية”، واستدعت موسكو سفيرها في واشنطن إثر ذلك، وأقرّت واشنطن حزمة جديدة من القيود على مسؤولين ومنتجات روسية.

وقبل تدارك الأمر بين رئيسي البلدين، استمر منسوب التوتر في علاقاتهما ينذر بتدهور جديد، أكده بيان للسفارة الروسية في واشنطن إذ عبّر عن ” “تصريحات متهورة لمسؤولين أمريكيين يمكن أن تؤدي إلى انهيار العلاقات التي تشهد خلافا كبيراً أساسياً”. وسرت توقعات بشأن ضرورة عقد لقاء قمة بين الرئيسين، إلتأم في 16 تموز/يونيو الماضي في جنيف مستغرقاً 4 ساعات، “لكنهما لم يحرزا تقدماً ملموساً”، باستثناء إعادة الحرارة إلى اجتماع لجان مشتركة رفيعة المستوى لبحث القضايا الثنائية والدولية، من ضمنها اوكرانيا وبيلاروسيا، واستمر الاحتقان السياسي بين البلدين، عبّر عنه “معهد هدسون” للأبحاث بأن “البيت الأبيض لم يحقق شيئاُ، والرابح الأول كان (الرئيس) بوتين”.

في تطور لافت، وقبل أقل من أسبوع من لقاء القمة بين الرئيسين جو بايدن وفلاديمير بوتين، “أمر البيت الأبيض وزارة الدفاع (البنتاغون) بتأجيل التجارب” التي كان مخططاً لها على تقنية صاروخية أسرع من الصوت بعدة مرّات، “كي لا تصعّد التوترات مع موسكو” (صحيفة “بوليتيكو”، 29 أيلول/سبتمبر 2021).

ما لبثت أن حذّرت واشنطن قمة الدول الصناعية “G-20“، المنعقدة في روما في 30 تشرين الأول/اكتوبر الماضي، من “منسوبٍ عالٍ من عدم الاستقرار” في أوكرانيا، نتيجة توترات تشهدها مع روسيا، واتهامها الأخيرة بأنها تستعد “لاجتياح محتمل” للأراضي الأوكرانية، و”حشد 114،000 جندي” على حدودها مع أوكرانيا، بحسب المصادر الاستخبارية الأميركية.

وكرّست مراكز أبحاث النخب السياسية الأميركية المختلفة ما وصفته بـ “الخطوط الحمر” الأميركية أمام روسيا، وعدم تخطيها، وأن ” الاختبار الحقيقي يتمثل فيما إذا كانت روسيا ستغيّر سلوكها وتقلّل من أفعالها العدائية ضد الولايات المتحدة وأوروبا” (مركز التقدم الأميركي، 17 تموز/يونيو 2021).

وتصدّر الأسطول السادس الأميركي، المرابط في البحر الأبيض المتوسط، تصعيد موجة العداء لروسيا بمشاركة “بوارجه ومدمراته الصاروخية”، إلى جانب ترسانات حربية تابعة لـ 32 دولة من حلف الناتو وأعوانه، في مناورات استفزازية في مياه البحر الأسود، في 13 تشرين الثاني/نوفمبر الحالي، بالقرب من القاعدة الرئيسية للأسطول الروسي في سيفاستوبول في شبه جزيرة القرم، اعتبرها رئيس أركان الجيش البريطاني، نيك كارتر، بأنها إيذان “بتجاوز منسوب التوتر بين الغرب وروسيا منذ الحرب الباردة”، محذّراً من “إمكانية اندلاع حرب بالصدفة”.

في السياق عينه، أجرت البحرية الروسية تدريبات عسكرية “بعد يومين” على انطلاق مناورات “نسيم البحر” لحلف الناتو في اوكرانيا، في أيلول/سبتمبر الماضي. أما في المناورات الأخيرة لحلف الناتو، فقد اكتفت موسكو “بمتابعة طائرات وسفن دول الناتو في المنطقة”، بحسب تصريحات منسوبة للرئيس فلاديمير بوتين، وخشية الجانب الروسي أيضاً من مغزى تلك المناورات للدلالة على “تعديل” في أولويات الاستراتيجية الأميركية، التي تطمح إلى ااعتبار البحر الأسود منطقة عمليات للأسطول السادس، وانتهاكاً أيضاً لاتفاقية مونترو، المبرمة لتنظيم حركة مرور السفن الحربية والتجارية عبر المضائق التركية، والتي تحظر بقاء السفن الحربية أكثر من 3 أسابيع للدول غير المطلّة على البحر الأسود. التفّت واشنطن مع ذلك الشرط المقيّد بتدوير سفنها وبوارجها الحربية مرة كل 21 يوماً في المنطقة.

أما المواجهة المسلّحة “الافتراضية” مع موسكو، فقد أسهبت النخب الأميركية في توضيحها، بأنها “قد” تستند إلى 3 احتمالات تنطلق بالتوازي في مواجهة روسيا: شبه جزيرة القرم في الجنوب، ومقاطعة كالينينغراد على بحر البلطيق في الغرب، وجزر كوريل المتنازع عليها بين روسيا واليابان (دورية “ذي ناشيونال انترست”، 22 تشرين الأول/اكتوبر 2021).

وفي حال نشوب حرب مع موسكو من دول حلف الناتو، يعتقد الخبراء العسكريون الغربيون أن روسيا ستدفع بقواتها التابعة للجيوش المنضوية إلى اللواء 41 عبر أراضي بيلاروسيا باتجاه مقاطعة “سوالكي”، والتي ستنضم إلى القوات الروسية في محافظة كالينينغراد المحاطة ببولندا وليتوانيا على بحر البلطيق، ومن ثم سيدخل الجيش الأول في الحرس المدرّع المعركة والتقدم نحو نهر “اودر”، بمحاذاة الحدود البولندية الألمانية.

وأكدت الدورية الأميركية أعلاه “التطور العالي لأسطول الغواصات الروسية” والذي يوفّر لها “ميّزة مطلقة في البحر الأسود، ويمكنها تدمير حاملات الطائرات الأميركية بسرعة وسهولة في حال ظهورها” في تلك المنطقة. واستطردت أن القوات البحرية المهاجمة “محكوم عليها بالهزيمة في معظم الأحيان” إن دخلت المعركة دون حماية جوية، مشيرة إلى شبه إجماع بين الخبراء العسكريين الغربيين على تفوّق نظم الدفاع الجوي الروسي وإمكانيات أخرى رديفة في القرم.

جدير بالذكر الإشارة إلى تصريحات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، على هامش قمة الدول الصناعية في روما، محذراً واشنطن من إنشاء قواعد جديدة في رومانيا وبلغاريا، ودفعهما “إلى انتهاج سياسات صدامية إلى حد كبير ، وأن ذلك لا يسهم في تعزيز الاستقرار الدولي”.

نيات واشنطن في منطقة البحر الأسود تتميّز بالوضوح، كما شهدنا في شهر نيسان/إبريل من العام الحالي، وبالسعي بشتى السبل لاستدراج روسيا إلى “فخ” عسكري ضد أوكرانيا وتحشيد “حلفائها” خلفها، بيد أن خياراتها الإقليمية لم تنضج في موازاة الرغبات أو تتبلور في خطوات عسكرية، باستثناء الاستفزازات المتواصلة في مواجهة روسيا.

وجددت مديرة الاستخبارات الوطنية الأميركية، آفريل هينز، قبل أيام معدودة، التهويل بقرب غزو روسيا لأوكرانيا، ورحلت على عجل قاصدة بروكسل، مقر قيادة حلف الناتو، لوضع مندوبي الحلف في “أجواء المعلومات الاستخبارية الأميركية حول احتمال تدخل روسيا عسكرياً في اوكرانيا”. وفي الوقت عينه، تحدث رئيس هيئة الأركان الأميركية، مارك ميللي، مع القائد الأعلى للقوات الأوكرانية، فاليري زالوجني، وتبادلا وجهات النظر بشأن “أنشطة روسيا المقلقة في المنطقة” (صحيفة “نيويورك تايمز”، 19 تشرين الثاني/نوفمبر 2021).

واستطردت الصحيفة نقلاً عن مصادرها الأمنية، بأن الأجهزة الاستخبارية في لندن وواشنطن “لديها اقتناع مشترك بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يُعدّ لعمل عسكري للسيطرة على مساحات واسعة من أوكرانيا، أو لزعزعة استقرارها بما يضمن بزوغ حكومة موالية لموسكو”. وعزا المسؤولون الأميركيون التشدد الروسي نحو اوكرانيا إلى انعكاس حالة الإحباط المتزايدة لدى الرئيس الروسي من “تعثر المسار السلمي الذي تتصدره فرنسا وألمانيا منذ العام 2014”. ومع خروج المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل من المسرح الدولي “تتراجع حدة الضغوط على أوكرانيا لتقديم تنازلات” لروسيا.

جدير بالذكر أن المدمرة الأميركية المسلّحة بصواريخ موجهة، “يو أس أس دونالد كوك”، تعرضت للتشويش الإلكتروني خلال إبحارها في البحر الأسود “وأضحت مشلولة، على الرغم من حمولتها المتطورة من نظام “إيجيس” للدفاع الجوي” في العام 2017. بل استطاعت القوات الروسية العاملة في سوريا، والمسلحة بنظم الكترونية متطورة، التشويش على وسائط الاتصالات التابعة للولايات المتحدة الأميركية وحلفائها (دورية “ذي ناشيونال انترست”، 3 أيلول/سبتمبر 2021).

كما أكّد رئيس هيئة العمليات البحرية الأميركية، جون ريتشاردسون، نجاح روسيا في التشويش على قطع البحرية الأميركية قائلاً: “يلجأ البحارة الأميركيون إلى تطبيق وسائل دفاعية متواصلة ضد مساعي روسيا للتشويش الإلكتروني، كما شهدناه في عمليات الساحة السورية، وتعرضنا للتشويش أيضاً ونحن في عرض المياه الدولية” (موقع “صوت أميركا”، 6 آب/أغسطس 2018).

أمام هذه اللوحة من الضغوط الأميركية “لتوريط” حلفائها الأوروبيين في استفزاز روسيا، يدرك الأخيرون جيداً، وخصوصاً المنضوون إلى حلف الناتو، ارتفاع أسعار الطاقة على الصعيد العالمي، وبلدانهم على أبواب فصل الشتاء القارس، وكذلك اعتمادهم المتزايد على الغاز الروسي الذي “سيدخل كأحد سبل الضغط” من قبل الرئيس الروسي على الدول الأخرى.

ما يضاعف منسوب قلق الدول الأوروبية من فعالية الحليف الأميركي، ولا سيما تلك التي كانت تحت مظلة “حلف وارسو” قبل نحو عقدين، دراسة أجرتها “مؤسسة راند”، الوثيقة الصلة بالبنتاغون والصناعات العسكرية، خلصت فيها إلى أن “حلف الناتو لن يكون بمقدوره حماية الدول الأعضاء على الحدود الشرقية استناداً إلى الموارد الراهنة”. وأضافت الدراسة أن تمارين الحروب دلّت على ضرورة توفّر  “7 كتائب عسكرية (قتالية) للحيلولة دون سقوط سريع لدول بحر البلطيق الثلاث”.

سارعت واشنطن إلى سد بعض الثغرات البنيوية في ترسانة “الناتو” التسليحية، التي أشّرت عليها دراسة “راند” وبيانات موازية أخرى، بإعادة تفعيل وحدة قتال نووية في ألمانيا، “دارك إيغل”، مهمتها إطلاق نيران أسلحة أسرع من الصوت ضد مواقع القيادة والتحكّم في روسيا، والتي باستطاعتها الوصول إلى موسكو في غضون 21 دقيقة ونصف، تعزّزها وحدات وأسلحة أخرى متطورة موجهة ضد الأراضي الروسية.

عقدت لجنة القوات المسلّحة في مجلس الشيوخ، البالغة الأهمية ومحور صنع القرار الاستراتيجي الأميركي، جلسة استماع في الأول من تشرين الثاني/نوفمبر الحالي، شارك فيها إيان بريجينسكي، نجل مستشار الأمن القومي الأسبق زبغنيو بريجينسكي، حول “أمن البحر الأسود”، سلّط فيها الضوء على “طموحات روسيا العدوانية، وموقفها الهجومي لا يزال ماثلاً أمامنا اليوم يمثّل تهديداً حقيقياً لأوكرانيا وأمن منطقة البحر الأسود”.

وحثّ بريجينسكي (الإبن) الولايات المتحدة على “بلورة استراتيجية شاملة في مواجهة روسيا، وزيادة الحضور العسكري المتطور لجيوش الحلفاء والشركاء (أوكرانيا وجورجيا)، والانتقال إلىى مرحلة الحرب الهجينة بتسخير عامل القوة الاقتصادية في المواجهة” ضد الغاز الروسي.

وذكّر بريجينسكي أعضاء لجنة القوات المسلحة بخطورة التساهل في التعامل مع روسيا التي “لو إتيحت لها الفرصة لإخضاع أوكرانيا، فلن تتوقف عن ممارسة دورها كإمبراطورية، والإمبراطورية ببساطة لا يمكنها الارتقاء إلى مستوى الديموقراطية الحقة”.

لا تزال توقعات المراقبين في واشنطن تستبعد إقدام بوتين على غزو اوكرانيا، حتى كتابة هذه السطور، وتقرأ في التحركات الروسية العسكرية بُعداً ردعياً للناتو ودعماً للجماعات “الإنفصالية” المؤيّدة لروسيا.

إذا أقدمت واشنطن على خطوات تصعيدية، بإرسال المزيد من الأسلحة النوعية وخاصة منظومات دفاع جوي فعالة ضد سلاح الجو الروسي، فقد تقدم روسيا على استهدافها وتوجّه انذاراً بخطوات ميدانية، وبالتوغل في مناطق حدودية، وتعلن أن أي خطوات استفزازية جديدة للناتو ستكون مبرراً لخطوات أوسع.

ادارة بايدن، المنشغلة بالملفات الداخلية، لا تبدو على استعداد للإستجابة إلى دعوات الكونغرس المعادية لروسيا للمغامرة في فتح جبهة عسكرية معها، ولو بالوكالة. لذلك يلاحَظ حرص شخصيات بارزة في طاقم بايدن للأمن القومي على التواصل المتكرر مع نظرائهم الروس وتفعيل قنوات التشاور التي انطلقت بعد قمة جنيف بين بوتين وبايدن في حزيران/ يونيو الماضي، أبرزها زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية، بيل بيرنز، إلى موسكو.

2021-15-11-التحليل

التحليل

الوقائع الغامضة لتضرّر غواصة
نووية أميركية في بحر الصين

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

تعرضت غواصة نووية أميركية لأضرار نتيجة ارتطامها “بجبل في عمق المياه البحرية”، في 2 تشرين الأول/اكتوبر الماضي، وسط مخاوف من تسرّب محتمل للوقود النووي على متنها. ولم يعلن سلاح البحرية عنها إلا بعد 5 أيام من الحادث، بعد اجتيازها مياه بحر الصين الجنوبي، بحسب شبكة “سي بي أس”، 5 تشرين الثاني/نوفمبر الحالي.

وكانت الغواصة “يو أس أس كونيتيكت” الحديثة، من فصيلة “سي وولف”، وقد بلغت كلفتها 3،000 مليون دولار، تبحر في أعماق بحر الصين الجنوبي، الذي تعتبره بكين منطقة سيادية وأقامت فيه جزراً اصطناعية لتعزيز سيادتها.

تحفّظ سلاح البحرية الأميركية على حجم الضرر وطبيعته، لكن بعض الأوساط رجّحت إصابتها “بأضرار لحقت بالقسم الأمامي للغواصة، وحجرات الموازنة بالسوائل، وإصابة 15 بحاراً بعوارض الاصطدام”، ما اضطرّ طاقمها لتعويمها على سطح الماء وقيادتها لإجراء الصيانة والترميم نحو القاعدة الضخمة في جزيرة غوام، التي تبعد عنها نحو 3،000 كلم.

ستتوجه الغواصة بعد إصلاح الضرر إلى قاعدتها الأم في مدينة بريمرتون بولاية واشنطن لإتمام إجراءات الصيانة. لكن جوهر التحدي أمام سلاح البحرية يكمن  في “عقيدته التي لا تشجع على بلورة خطط استرداد الموارد، وتدهور التسلسل القيادي”.

أما بالنسبة إلى مصير الغواصة النووية “فإنها ستحال إلى خارج الخدمة لعدة سنوات”، وهي واحدة من ثلاث قطع حديثة تعمل بالطاقة النووية  (مجلة “فوربز”، 3 تشرين الثاني/نوفمبر 2021).

وكان الأب الروحي للسلاح النووي في البحرية الأميركية، هايمان ريكوفر، انتقد بقسوة التراتبية العسكرية في خطاب تقاعده من الخدمة في العام 1982، قائلا: “العلّة الأساسية في نظام دولتنا، كما في القطاع الصناعي، هي قاعدة الاتكالية (بين القادة) لإنجاز أقل من المستوى المطلوب. كما أن المسؤولين جاهزون للقبول والتأقلم مع أوضاع يدركون أنها خاطئة، ويميلون إلى التقليل من حقيقة المعضلات بدلاً من العمل على تصحيحها بفعالية”.

سارع قائد الأسطول الأميركي السابع، كارل توماس، إلى أعفاء قائد الغواصة “الحديثة جداً”، كاميرون الجيلاني، وإثنين آخرين من قادتها، باتريك كاشين القائد الثاني في الغواصة وكوري رودجرز تقني أجهزة الاستشعار الصوتية، واتهمهم بالاسترخاء، مشيراً إلى أنه “كان بإمكان طاقم الغواصة تفادي التصادم لو تم اتخاذ قرار حكيم”. بيد أن المتحدثة الرسمية باسم الأسطول السابع الأميركي، هايلي سميث، أشارت إلى أن “الجبل البحري (مرتفع صخري قاعدته في قاع المحيط) لم يكن محدّداً من قبل” في الخرائط الطبوغرافية المعتمدة.

وأوضح الاستاذ الجامعي في عِلم المحيطات، ديفيد ساندويل، أن جهود رسم الخرائط الطبوغرافية الأميركية لبحر الصين الجنوبي استكملت “أقل من 50%” من تلك المساحة، مؤكداً عدم مفاجأته من حادث الارتطام، وهو استطاع تحديد “27 موقعاً محتملاً لسير الغواصة، والتي لا تظهر على خرائط سلاح البحرية”، الأمر الذي يتعارض مع توجهات عدوانية للاستراتيجية الأميركية لتطويق الصين بالغواصات والسفن الحربية (موقع شبكة “سي أن أن”، 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2021).

استناداً إلى بيانات سلاح البحرية، يستطيع المرء التوصل إلى استنتاج مفاده أن قائد الغواصة، وهو متخرّج عِلم الفيزياء، اعتمد على طاقم معاون ربما أدنى من الكفاءة المتوقّعة، علاوة على ما ورد في بيان حول أهمية “التخطيط للإبحار”، ما يوحي بأن الحادث كان يمكن تلافيه على الرغم من خط السير في مياه لم يتم اعداد خرائط خاصة بها.

يُجمع الخبراء العسكريون، بمن فيهم متقاعدون في سلاح البحرية، على الأزمة البنيوية في تأهيل الطواقم المتقدمة وتراخي الضوابط الناظمة في العقود الماضية إبان الحرب الباردة، ما أسفر عن اضطلاع قباطنة السفن بالإشراف على برامج تدريب المراتب الأدنى خلال الخدمة الفعلية، وما نتج عنه من تراجع في أعداد الضباط المؤهلين.
على سبيل المثال، كان برنامج تدريب ضباط سلاح البحرية يستغرق 6 أشهر خلال فترة الحرب الباردة، وتم تقليص الفترة إلى النصف في الأزمنة الحالية، وإلغاء بعض المواد الدراسية في أصول الملاحة وإدارة السفن والتقليل من حدوث الكوارث. أما المنتسبون إلى كلية ضباط الحرب السطحية، فيتلقون تدريبات إضافية مدتها 60 يوماً، ما يعادل مجموعها 7 أشهر أقل ممّا كان مطلوباً تلقّيه لضباط الصف إبان الحرب الباردة.

وفي انتكاسة موازية لسلاح البحرية، أُعلن في ولاية واشنطن، 10 من الشهر الحالي، عن محاكمة “عالمة معادن سابقة تعمل لشركة أميركية كانت تزوّد المصانع بالفولاذ المقوّى لبناء السفن”، واتّهِمت بتزوير نتائج اختبارات متانة المعدن المقوّى، لمدة 30 عاماً، والذي أضحى غير مطابق للمواصفات والمعايير التي حدّدها سلاح البحرية، إذ يفترض أن يتمتع بخاصية مقاومة بدرجة كبيرة في أعماق المحيطات.

وكشف سلاح البحرية الأميركية عن اتخاذه إجراءات لمراقبة غواصاته بصورة عاجلة، بعد الكشف عن “أكثر من 240” من الاختبارات المزوّرة لمتانة الفولاذ، في درجات حرارة متدنية “73 درجة مئوية تحت الصفر”، كما جاء في مواصفات البحرية المطلوبة.

اللافت في المسألة أعلاه نفاذ المراتب العسكرية كافة من المساءلة، بينما أعلنت وزارة العدل الأميركية أنه كان ينبغي على سلاح البحرية “اتخاذ إجراءات مهمة لضمان سلامة الغواصات المتضررة” التي ما زال نحو 40 منها في الخدمة، وربما رأى سلاح البحرية ان من الأفضل له عدم المجازفة عبر الهبوط بهياكل الغواصات العاملة إلى مديات قصوى. كبار القادة العسكريين، وخصوصاً في سلاح البحرية، يحبّذون عدم تحمل المسؤولية، واستمرار التمتع بالامتيازات الممنوحة لتلك الرتب، بحسب قادة متقاعدين.

بالعودة إلى تقييم “هايمان ريكوفر” بشأن عقلية الاتكالية وتراجع تحمّل المسؤولية في صفوف الهيكلية العسكرية، يتضح للمرء انقضاء نحو 30 عاماً على تزوير بيانات صلابة الفولاذ من دون الكشف عنها في المراجعة المفترضة عند مرحلة التسلّم والتدقيق مرة أخرى “عبر أداة مستقلة وحيادية”، كما طالب ريكوفر.

أمام حقيقة تسلّم سلاح البحرية الأميركية “240 دفعة” من الفولاذ المتدني الجودة، وإدخالها في بناء نحو نصف إسطول الغواصات النووية في ترسانته، سيتعيّن عليه إخضاعها بشكل كامل لإجراءات صيانة إضافية، لترميم ما تستطيع إصلاحه من عيوب، وما سيرافقه من نقص جوهري في موارد الانتشار والمهام العسكرية، سواء “في أزمنة التوتر أو الحرب”، وتبخّر خاصية التفوّق على الخصم التي تعتبر حجر الأساس في السياسات الأميركية المتعددة.

ما يفاقم الأمر بالنسبة إلى الاستراتيجية والترسانة الأميركيّتين أيضاً تتالي الدراسات الأميركية المختصة بالشؤون العسكرية في التحذير من تراجع التقنية الأميركية، والتي “لا تستطيع مواكبة قدرة الصين الصناعية” في أحواض بناء السفن، واللحاق بموازاة الترسانة الصينية التي تعدّ لإنتاج ما مجموعه 460 قطعة بحرية، في العقد المقبل ، بينما “تطمح” الترسانة الحربية الأميركية إلى إنتاج 335 سفينة وغواصة، بموازاة عدد القطع الصينية في الزمن الحالي، في غضون عقد من الزمن.

2021-15-11-التقرير الأسبوعي

الوقائع الغامضة لتضرّر غواصة
نووية أميركية في بحر الصين

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

تعرضت غواصة نووية أميركية لأضرار نتيجة ارتطامها “بجبل في عمق المياه البحرية”، في 2 تشرين الأول/اكتوبر الماضي، وسط مخاوف من تسرّب محتمل للوقود النووي على متنها. ولم يعلن سلاح البحرية عنها إلا بعد 5 أيام من الحادث، بعد اجتيازها مياه بحر الصين الجنوبي، بحسب شبكة “سي بي أس”، 5 تشرين الثاني/نوفمبر الحالي.

وكانت الغواصة “يو أس أس كونيتيكت” الحديثة، من فصيلة “سي وولف”، وقد بلغت كلفتها 3،000 مليون دولار، تبحر في أعماق بحر الصين الجنوبي، الذي تعتبره بكين منطقة سيادية وأقامت فيه جزراً اصطناعية لتعزيز سيادتها.

تحفّظ سلاح البحرية الأميركية على حجم الضرر وطبيعته، لكن بعض الأوساط رجّحت إصابتها “بأضرار لحقت بالقسم الأمامي للغواصة، وحجرات الموازنة بالسوائل، وإصابة 15 بحاراً بعوارض الاصطدام”، ما اضطرّ طاقمها لتعويمها على سطح الماء وقيادتها لإجراء الصيانة والترميم نحو القاعدة الضخمة في جزيرة غوام، التي تبعد عنها نحو 3،000 كلم.

ستتوجه الغواصة بعد إصلاح الضرر إلى قاعدتها الأم في مدينة بريمرتون بولاية واشنطن لإتمام إجراءات الصيانة. لكن جوهر التحدي أمام سلاح البحرية يكمن  في “عقيدته التي لا تشجع على بلورة خطط استرداد الموارد، وتدهور التسلسل القيادي”.

أما بالنسبة إلى مصير الغواصة النووية “فإنها ستحال إلى خارج الخدمة لعدة سنوات”، وهي واحدة من ثلاث قطع حديثة تعمل بالطاقة النووية  (مجلة “فوربز”، 3 تشرين الثاني/نوفمبر 2021).

وكان الأب الروحي للسلاح النووي في البحرية الأميركية، هايمان ريكوفر، انتقد بقسوة التراتبية العسكرية في خطاب تقاعده من الخدمة في العام 1982، قائلا: “العلّة الأساسية في نظام دولتنا، كما في القطاع الصناعي، هي قاعدة الاتكالية (بين القادة) لإنجاز أقل من المستوى المطلوب. كما أن المسؤولين جاهزون للقبول والتأقلم مع أوضاع يدركون أنها خاطئة، ويميلون إلى التقليل من حقيقة المعضلات بدلاً من العمل على تصحيحها بفعالية”.

سارع قائد الأسطول الأميركي السابع، كارل توماس، إلى أعفاء قائد الغواصة “الحديثة جداً”، كاميرون الجيلاني، وإثنين آخرين من قادتها، باتريك كاشين القائد الثاني في الغواصة وكوري رودجرز تقني أجهزة الاستشعار الصوتية، واتهمهم بالاسترخاء، مشيراً إلى أنه “كان بإمكان طاقم الغواصة تفادي التصادم لو تم اتخاذ قرار حكيم”. بيد أن المتحدثة الرسمية باسم الأسطول السابع الأميركي، هايلي سميث، أشارت إلى أن “الجبل البحري (مرتفع صخري قاعدته في قاع المحيط) لم يكن محدّداً من قبل” في الخرائط الطبوغرافية المعتمدة.

وأوضح الاستاذ الجامعي في عِلم المحيطات، ديفيد ساندويل، أن جهود رسم الخرائط الطبوغرافية الأميركية لبحر الصين الجنوبي استكملت “أقل من 50%” من تلك المساحة، مؤكداً عدم مفاجأته من حادث الارتطام، وهو استطاع تحديد “27 موقعاً محتملاً لسير الغواصة، والتي لا تظهر على خرائط سلاح البحرية”، الأمر الذي يتعارض مع توجهات عدوانية للاستراتيجية الأميركية لتطويق الصين بالغواصات والسفن الحربية (موقع شبكة “سي أن أن”، 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2021).

استناداً إلى بيانات سلاح البحرية، يستطيع المرء التوصل إلى استنتاج مفاده أن قائد الغواصة، وهو متخرّج عِلم الفيزياء، اعتمد على طاقم معاون ربما أدنى من الكفاءة المتوقّعة، علاوة على ما ورد في بيان حول أهمية “التخطيط للإبحار”، ما يوحي بأن الحادث كان يمكن تلافيه على الرغم من خط السير في مياه لم يتم اعداد خرائط خاصة بها.

يُجمع الخبراء العسكريون، بمن فيهم متقاعدون في سلاح البحرية، على الأزمة البنيوية في تأهيل الطواقم المتقدمة وتراخي الضوابط الناظمة في العقود الماضية إبان الحرب الباردة، ما أسفر عن اضطلاع قباطنة السفن بالإشراف على برامج تدريب المراتب الأدنى خلال الخدمة الفعلية، وما نتج عنه من تراجع في أعداد الضباط المؤهلين.
على سبيل المثال، كان برنامج تدريب ضباط سلاح البحرية يستغرق 6 أشهر خلال فترة الحرب الباردة، وتم تقليص الفترة إلى النصف في الأزمنة الحالية، وإلغاء بعض المواد الدراسية في أصول الملاحة وإدارة السفن والتقليل من حدوث الكوارث. أما المنتسبون إلى كلية ضباط الحرب السطحية، فيتلقون تدريبات إضافية مدتها 60 يوماً، ما يعادل مجموعها 7 أشهر أقل ممّا كان مطلوباً تلقّيه لضباط الصف إبان الحرب الباردة.

وفي انتكاسة موازية لسلاح البحرية، أُعلن في ولاية واشنطن، 10 من الشهر الحالي، عن محاكمة “عالمة معادن سابقة تعمل لشركة أميركية كانت تزوّد المصانع بالفولاذ المقوّى لبناء السفن”، واتّهِمت بتزوير نتائج اختبارات متانة المعدن المقوّى، لمدة 30 عاماً، والذي أضحى غير مطابق للمواصفات والمعايير التي حدّدها سلاح البحرية، إذ يفترض أن يتمتع بخاصية مقاومة بدرجة كبيرة في أعماق المحيطات.

وكشف سلاح البحرية الأميركية عن اتخاذه إجراءات لمراقبة غواصاته بصورة عاجلة، بعد الكشف عن “أكثر من 240” من الاختبارات المزوّرة لمتانة الفولاذ، في درجات حرارة متدنية “73 درجة مئوية تحت الصفر”، كما جاء في مواصفات البحرية المطلوبة.

اللافت في المسألة أعلاه نفاذ المراتب العسكرية كافة من المساءلة، بينما أعلنت وزارة العدل الأميركية أنه كان ينبغي على سلاح البحرية “اتخاذ إجراءات مهمة لضمان سلامة الغواصات المتضررة” التي ما زال نحو 40 منها في الخدمة، وربما رأى سلاح البحرية ان من الأفضل له عدم المجازفة عبر الهبوط بهياكل الغواصات العاملة إلى مديات قصوى. كبار القادة العسكريين، وخصوصاً في سلاح البحرية، يحبّذون عدم تحمل المسؤولية، واستمرار التمتع بالامتيازات الممنوحة لتلك الرتب، بحسب قادة متقاعدين.

بالعودة إلى تقييم “هايمان ريكوفر” بشأن عقلية الاتكالية وتراجع تحمّل المسؤولية في صفوف الهيكلية العسكرية، يتضح للمرء انقضاء نحو 30 عاماً على تزوير بيانات صلابة الفولاذ من دون الكشف عنها في المراجعة المفترضة عند مرحلة التسلّم والتدقيق مرة أخرى “عبر أداة مستقلة وحيادية”، كما طالب ريكوفر.

أمام حقيقة تسلّم سلاح البحرية الأميركية “240 دفعة” من الفولاذ المتدني الجودة، وإدخالها في بناء نحو نصف إسطول الغواصات النووية في ترسانته، سيتعيّن عليه إخضاعها بشكل كامل لإجراءات صيانة إضافية، لترميم ما تستطيع إصلاحه من عيوب، وما سيرافقه من نقص جوهري في موارد الانتشار والمهام العسكرية، سواء “في أزمنة التوتر أو الحرب”، وتبخّر خاصية التفوّق على الخصم التي تعتبر حجر الأساس في السياسات الأميركية المتعددة.

ما يفاقم الأمر بالنسبة إلى الاستراتيجية والترسانة الأميركيّتين أيضاً تتالي الدراسات الأميركية المختصة بالشؤون العسكرية في التحذير من تراجع التقنية الأميركية، والتي “لا تستطيع مواكبة قدرة الصين الصناعية” في أحواض بناء السفن، واللحاق بموازاة الترسانة الصينية التي تعدّ لإنتاج ما مجموعه 460 قطعة بحرية، في العقد المقبل ، بينما “تطمح” الترسانة الحربية الأميركية إلى إنتاج 335 سفينة وغواصة، بموازاة عدد القطع الصينية في الزمن الحالي، في غضون عقد من الزمن.