2022-20-09-التحليل

التحليل

ينشر بالتعاون مع “الميادين”

لماذا تعاني أميركا في جاهزيتها
العسكرية لشن حروب جديدة؟

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

تتصاعد ميزانيات وزارة الدفاع الأميركية دورياً إلى أرقام فلكية، متجاوزة نسبة 10% من مجموع الدخل القومي، من دون أن ترافقها مخصصات موازية لقطاعات الصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية، وهي تذهب إلى الإنفاق السخي على انتشار واسع للقوات العسكرية الأميركية في نحو 800 قاعدة عسكرية في أكثر من 80 دولة حول العالم، قبل احتساب انتشار قوات عسكرية محدودة العدد، كما في الصومال وسوريا، لتصل رقعة الانتشار إلى 177 دولة، بحسب إحصائية أستاذ الانثربولوجيا في الجامعة الأميركية في واشنطن، ديفيد فاين.

انتشار عسكري وتمدد ثابت تغذيه ميزانيات تنمو سنوياً: 778 مليار دولار لعام 2022، وما لا يقل عن 813 مليار دولار للعام المقبل، يدرك الشعب الأميركي منه اليسير، والأغلب ينقصه استيعاب أبعاده وانعكاساته على المديين المنظور والمتوسط.

يتردد بين الآونة والأخرى الاعتقاد الذي كان سائداً لدى عسكريي حرب فيتنام بأن بوسع الولايات المتحدة دخول حرب على جبهتين متزامنتين: فيتنام وأوروبا. وانطلاقاً من ذلك، تدور التساؤلات عن تطور المسرح الآن شرقاً باستهداف روسيا والصين؛ الأولى في محيطها الجغرافي المباشر، والثانية في بحر الصين الجنوبي، وحرب أخرى تدور رحاها في الوطن العربي؛ سوريا والعراق واليمن وشبه الجزيرة العربية.

أفرزت الحرب في أوكرانيا جملة تحديات على قرارات البنتاغون، كنتيجة مباشرة لتوريد الأسلحة والذخائر المختلفة من مستودعات القوات الأميركية واستنزاف احتياطيها، إضافةً إلى تهالك بعض المعدات العسكرية وتوقيف أسطول المقاتلات المروحية من طراز “شينوك”، وقوامه نحو 400 طائرة.

تسارع استهلاك ذخيرة الأسلحة الأميركية، نتيجة توفيرها بكثافة إلى أوكرانيا، استدعى انتباه رئيس هيئة الأركان المشتركة، مارك ميللي، لإجراء مراجعة دورية شهرية للتيقن من عدم استنزاف الترسانة الأميركية إلى مستويات متدنية، واستبدال بعض الأسلحة المرسلة إلى كييف، كما جرى بتوفير مدافع من طراز هاوتزر-105 ملم عوضاً عن الأقوى (155 ملم)، التي تخشى القيادات العسكرية استنزافها “إلى مستويات غير مرحب بها”، بحسب بيانات البنتاغون.

وأوجز قادة عسكريون أميركيون التحديات الراهنة للترسانة الأميركية بالقول: “طلَب أوكرانيا من الذخائر  يتعاظم كما لو كانت أميركا في حرب مع ذاتها”، كما أنّ “مخزون الذخائر في المستودعات الأميركية يُستنزف بصورة مقلقة، وخصوصاً ذخائر المدفعية” (يومية “وول ستريت جورنال”، 29 آب /أغسطس 2022).

إضافة إلى ذ4استنزاف المستودعات الأميركية، تواجه المؤسسة العسكرية تحديات جديدة في آليات ونظم التوريد ودوران مصانع الأسلحة التي تتطلب زمناً ليس متوفراً الآن لإعادة تأهيل المعدات وتشغيلها، “في ظل تبدل المواصفات المطلوبة راهناً من البنتاغون” (المصدر أعلاه).

ويمضي القادة العسكريون في الإشارة إلى معضلة برزت مؤخراً في البحر الأيوني، جنوبي إيطاليا، حين اضطرت حاملة الطائرات “ترومان” إلى نقل بعض أسلحتها وذخائرها إلى متن حاملة الطائرات البديلة “يو أس أس بوش”، التي كانت ستتخذ مواقعها في تلك المياه.

من بين التحديات العسكرية أيضاً ما يخلّفه الاستهلاك المتواصل من تآكل المعدات والأسلحة،  بسبب ظروف الحرب والمناورات العسكرية. وأظهر تحقيق أجرته البنتاغون قبل عامين في حادثة غرق عربة برمائية وهلاك طاقمها في مياه مدينة سان دييغو أن السبب هو عدم الالتزام ببرنامج الصيانة المطلوبة، نظراً إلى طلب عسكري ملحّ لدخولها الخدمة.

للإضاءة على إفراط المؤسسة العسكرية في التمدد عبر العالم، تشير بيانات البنتاغون الخاصة بنشر حاملات الطائرات للمرابطة في مناطق معينة إلى معادلة 8:8:8، أي خلال خدمة مدتها سنتان، تحتاج الحاملة إلى 8 أشهر من العمل، و 8 أشهر لأعمال الصيانة وتحديث المعدات، و8 أشهر من برامج التدريب لطواقمها. وينطبق الأمر عينه على القوات والأسلحة البرمائية، ومنها التي تستضيف على متنها أحدث المقاتلات الأميركية من طراز “أف-35”.

إذاً، تصطدم الخطط العسكرية والسياسية الطموحة بقيود الواقع الميداني. مثلاً، مع غروب شهر آب/أغسطس الماضي، تم رصد مرابطة 3 حاملات طائرات أميركية في المياه الآسيوية قرب الصين: “يو أس أس ترومان” و “يو أس أس بوش” اللتان ترابطان ضمن مهام الأسطول السادس،  فيما  ترابط حاملة الطائرات “يو أس أس رونالد ريغان” قرب مياه اليابان. كما أنّ الحاملة “ترومان” في طريق عودتها إلى قاعدتها الأم لأعمال الصيانة والتحديث في مدينة نورفولك في ولاية فرجينيا، ولن تستطيع المشاركة لنحو عام كامل.

تنشر الولايات المتحدة مجموعتين من القوات والمعدات البرمائية في بحر الصين الجنوبي: “يو أس أس أميركا” و “يو أس أس تريبولي” اللتان تحمل كل منها نحو 20 مقاتلة حديثة من طراز “أف-35”.

وفي حال اشتعال ساحة حرب جديدة، في الشرق الأوسط أو الصين أو أوكرانيا، سيواجه سلاح البحرية الأميركي تحديات جديدة تقيّد قيامه بنشر حاملات نووية للطائرات في وقت متزامن في الساحات المشار إليها.

كما تواجه المؤسسة العسكرية الأميركية تحدياً في تجنيد منتسبين جدد إلى صفوفها، إذ عبّر نحو 9% من البالغين عن رغبتهم الانضمام للقوات المسلحة، وهي “أدنى نسبة منذ حرب فيتنام عام 1973″، فضلاً عن تأهل المنتسبين إلى برامج التدريب القاسية، والذين لا يزيدون عن نسبة 24% من مجموع العينة.

استعراض الخيارات المتاحة أمام الولايات المتحدة في حال نشوب حرب حقيقية تشارك فيها مباشرة يؤدي إلى جملة حقائق.

للمرة الأولى، تتراجع خطورة الحرب في الشرق الأوسط، بحسب أولويات البنتاغون، يعززها انتشار واسع لقوات أميركية في المنطقة، فضلاً عن توفر عدد كافٍ من القواعد والمطارات إن دعت الحاجة.

أما في حال نشوب مواجهة عسكرية مع إيران، فالأمر يتطلب إجراء تعديلات كبيرة في وضعية القوات الأميركية، أبرزها الأعداد المحدودة للقوات المتوفرة، وإعادة تموضع القوات والأسلحة البحرية في المنطقة، وضمان ملاحة السفن الحربية وحاملات الطائرات في قناة السويس، وما قد يترتب عليها من انعكاسات إقليمية، أو سحب بعض القوات البرمائية من المحيط الهادئ باتجاه بحر العرب.

ذروة التحديات بالنسبة للبنتاغون البنتاغون في هذا الصّدد تكمن في نشوب حرب مع الصين، والتي سيكون عنوانها الأبرز القطع البحرية المتوفرة والمنتشرة قرب بحر الصين الجنوبي، والاستعانة بقوات إضافية من حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، استراليا واليابان، لمواجهة القوات الصينية في الجزر الاصطناعية المنتشرة في المنطقة، وإشغال الغواصات الصينية بمناورات معينة لحرمانها من استهداف حاملات الطائرات الأميركية بشكل خاص.

اتساع رقعة انتشار القوات والموارد العسكرية الأميركية كشف حدود القوة والتهديد بها، وخصوصاً عند الأخذ بعين الاعتبار وضعية القوات الأميركية المختلفة منذ نهاية حرب فيتنام، باعتمادها كلياً على نظام التطوع، وخشية القادة السياسيين من تفعيل نظام التجنيد الإجباري في أزمنة تستدعي رفع مستوى رفاهية الشعب الأميركي، وليس انخراطه في حروب لامتناهية.

هذا لا يعني، بالمقابل، الاستخفاف بالآلة العسكرية الضخمة وقدراتها التدميرية الهائلة، لكن القوة العسكرية الصرفة لا تحسم صراعاً أو اشتباكاً بمفردها، وخصوصاً في ظل تردد القادة الأميركيين، سياسيين وعسكريين، في نشر قوات برية بأعداد كافية في ساحات المواجهة المعنية، وفي الأذهان الانسحاب المذلّ للقوات الأميركية من أفغانستان.

2022-20-09-التقرير الأسبوعي

ينشر بالتعاون مع “الميادين”

لماذا تعاني أميركا في جاهزيتها
العسكرية لشن حروب جديدة؟

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

تتصاعد ميزانيات وزارة الدفاع الأميركية دورياً إلى أرقام فلكية، متجاوزة نسبة 10% من مجموع الدخل القومي، من دون أن ترافقها مخصصات موازية لقطاعات الصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية، وهي تذهب إلى الإنفاق السخي على انتشار واسع للقوات العسكرية الأميركية في نحو 800 قاعدة عسكرية في أكثر من 80 دولة حول العالم، قبل احتساب انتشار قوات عسكرية محدودة العدد، كما في الصومال وسوريا، لتصل رقعة الانتشار إلى 177 دولة، بحسب إحصائية أستاذ الانثربولوجيا في الجامعة الأميركية في واشنطن، ديفيد فاين.

انتشار عسكري وتمدد ثابت تغذيه ميزانيات تنمو سنوياً: 778 مليار دولار لعام 2022، وما لا يقل عن 813 مليار دولار للعام المقبل، يدرك الشعب الأميركي منه اليسير، والأغلب ينقصه استيعاب أبعاده وانعكاساته على المديين المنظور والمتوسط.

يتردد بين الآونة والأخرى الاعتقاد الذي كان سائداً لدى عسكريي حرب فيتنام بأن بوسع الولايات المتحدة دخول حرب على جبهتين متزامنتين: فيتنام وأوروبا. وانطلاقاً من ذلك، تدور التساؤلات عن تطور المسرح الآن شرقاً باستهداف روسيا والصين؛ الأولى في محيطها الجغرافي المباشر، والثانية في بحر الصين الجنوبي، وحرب أخرى تدور رحاها في الوطن العربي؛ سوريا والعراق واليمن وشبه الجزيرة العربية.

أفرزت الحرب في أوكرانيا جملة تحديات على قرارات البنتاغون، كنتيجة مباشرة لتوريد الأسلحة والذخائر المختلفة من مستودعات القوات الأميركية واستنزاف احتياطيها، إضافةً إلى تهالك بعض المعدات العسكرية وتوقيف أسطول المقاتلات المروحية من طراز “شينوك”، وقوامه نحو 400 طائرة.

تسارع استهلاك ذخيرة الأسلحة الأميركية، نتيجة توفيرها بكثافة إلى أوكرانيا، استدعى انتباه رئيس هيئة الأركان المشتركة، مارك ميللي، لإجراء مراجعة دورية شهرية للتيقن من عدم استنزاف الترسانة الأميركية إلى مستويات متدنية، واستبدال بعض الأسلحة المرسلة إلى كييف، كما جرى بتوفير مدافع من طراز هاوتزر-105 ملم عوضاً عن الأقوى (155 ملم)، التي تخشى القيادات العسكرية استنزافها “إلى مستويات غير مرحب بها”، بحسب بيانات البنتاغون.

وأوجز قادة عسكريون أميركيون التحديات الراهنة للترسانة الأميركية بالقول: “طلَب أوكرانيا من الذخائر  يتعاظم كما لو كانت أميركا في حرب مع ذاتها”، كما أنّ “مخزون الذخائر في المستودعات الأميركية يُستنزف بصورة مقلقة، وخصوصاً ذخائر المدفعية” (يومية “وول ستريت جورنال”، 29 آب /أغسطس 2022).

إضافة إلى ذ4استنزاف المستودعات الأميركية، تواجه المؤسسة العسكرية تحديات جديدة في آليات ونظم التوريد ودوران مصانع الأسلحة التي تتطلب زمناً ليس متوفراً الآن لإعادة تأهيل المعدات وتشغيلها، “في ظل تبدل المواصفات المطلوبة راهناً من البنتاغون” (المصدر أعلاه).

ويمضي القادة العسكريون في الإشارة إلى معضلة برزت مؤخراً في البحر الأيوني، جنوبي إيطاليا، حين اضطرت حاملة الطائرات “ترومان” إلى نقل بعض أسلحتها وذخائرها إلى متن حاملة الطائرات البديلة “يو أس أس بوش”، التي كانت ستتخذ مواقعها في تلك المياه.

من بين التحديات العسكرية أيضاً ما يخلّفه الاستهلاك المتواصل من تآكل المعدات والأسلحة،  بسبب ظروف الحرب والمناورات العسكرية. وأظهر تحقيق أجرته البنتاغون قبل عامين في حادثة غرق عربة برمائية وهلاك طاقمها في مياه مدينة سان دييغو أن السبب هو عدم الالتزام ببرنامج الصيانة المطلوبة، نظراً إلى طلب عسكري ملحّ لدخولها الخدمة.

للإضاءة على إفراط المؤسسة العسكرية في التمدد عبر العالم، تشير بيانات البنتاغون الخاصة بنشر حاملات الطائرات للمرابطة في مناطق معينة إلى معادلة 8:8:8، أي خلال خدمة مدتها سنتان، تحتاج الحاملة إلى 8 أشهر من العمل، و 8 أشهر لأعمال الصيانة وتحديث المعدات، و8 أشهر من برامج التدريب لطواقمها. وينطبق الأمر عينه على القوات والأسلحة البرمائية، ومنها التي تستضيف على متنها أحدث المقاتلات الأميركية من طراز “أف-35”.

إذاً، تصطدم الخطط العسكرية والسياسية الطموحة بقيود الواقع الميداني. مثلاً، مع غروب شهر آب/أغسطس الماضي، تم رصد مرابطة 3 حاملات طائرات أميركية في المياه الآسيوية قرب الصين: “يو أس أس ترومان” و “يو أس أس بوش” اللتان ترابطان ضمن مهام الأسطول السادس،  فيما  ترابط حاملة الطائرات “يو أس أس رونالد ريغان” قرب مياه اليابان. كما أنّ الحاملة “ترومان” في طريق عودتها إلى قاعدتها الأم لأعمال الصيانة والتحديث في مدينة نورفولك في ولاية فرجينيا، ولن تستطيع المشاركة لنحو عام كامل.

تنشر الولايات المتحدة مجموعتين من القوات والمعدات البرمائية في بحر الصين الجنوبي: “يو أس أس أميركا” و “يو أس أس تريبولي” اللتان تحمل كل منها نحو 20 مقاتلة حديثة من طراز “أف-35”.

وفي حال اشتعال ساحة حرب جديدة، في الشرق الأوسط أو الصين أو أوكرانيا، سيواجه سلاح البحرية الأميركي تحديات جديدة تقيّد قيامه بنشر حاملات نووية للطائرات في وقت متزامن في الساحات المشار إليها.

كما تواجه المؤسسة العسكرية الأميركية تحدياً في تجنيد منتسبين جدد إلى صفوفها، إذ عبّر نحو 9% من البالغين عن رغبتهم الانضمام للقوات المسلحة، وهي “أدنى نسبة منذ حرب فيتنام عام 1973″، فضلاً عن تأهل المنتسبين إلى برامج التدريب القاسية، والذين لا يزيدون عن نسبة 24% من مجموع العينة.

استعراض الخيارات المتاحة أمام الولايات المتحدة في حال نشوب حرب حقيقية تشارك فيها مباشرة يؤدي إلى جملة حقائق.

للمرة الأولى، تتراجع خطورة الحرب في الشرق الأوسط، بحسب أولويات البنتاغون، يعززها انتشار واسع لقوات أميركية في المنطقة، فضلاً عن توفر عدد كافٍ من القواعد والمطارات إن دعت الحاجة.

أما في حال نشوب مواجهة عسكرية مع إيران، فالأمر يتطلب إجراء تعديلات كبيرة في وضعية القوات الأميركية، أبرزها الأعداد المحدودة للقوات المتوفرة، وإعادة تموضع القوات والأسلحة البحرية في المنطقة، وضمان ملاحة السفن الحربية وحاملات الطائرات في قناة السويس، وما قد يترتب عليها من انعكاسات إقليمية، أو سحب بعض القوات البرمائية من المحيط الهادئ باتجاه بحر العرب.

ذروة التحديات بالنسبة للبنتاغون البنتاغون في هذا الصّدد تكمن في نشوب حرب مع الصين، والتي سيكون عنوانها الأبرز القطع البحرية المتوفرة والمنتشرة قرب بحر الصين الجنوبي، والاستعانة بقوات إضافية من حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، استراليا واليابان، لمواجهة القوات الصينية في الجزر الاصطناعية المنتشرة في المنطقة، وإشغال الغواصات الصينية بمناورات معينة لحرمانها من استهداف حاملات الطائرات الأميركية بشكل خاص.

اتساع رقعة انتشار القوات والموارد العسكرية الأميركية كشف حدود القوة والتهديد بها، وخصوصاً عند الأخذ بعين الاعتبار وضعية القوات الأميركية المختلفة منذ نهاية حرب فيتنام، باعتمادها كلياً على نظام التطوع، وخشية القادة السياسيين من تفعيل نظام التجنيد الإجباري في أزمنة تستدعي رفع مستوى رفاهية الشعب الأميركي، وليس انخراطه في حروب لامتناهية.

هذا لا يعني، بالمقابل، الاستخفاف بالآلة العسكرية الضخمة وقدراتها التدميرية الهائلة، لكن القوة العسكرية الصرفة لا تحسم صراعاً أو اشتباكاً بمفردها، وخصوصاً في ظل تردد القادة الأميركيين، سياسيين وعسكريين، في نشر قوات برية بأعداد كافية في ساحات المواجهة المعنية، وفي الأذهان الانسحاب المذلّ للقوات الأميركية من أفغانستان.

Week of September 20, 2022

Is the United States Militarily Overextended?

 

As the world watched American helicopters evacuate American officials from the US embassy, in Baghdad last month, there was a serious question being raised; was America sliding into another Middle Eastern war?

For military types, the next question was, where would the US forces come from?  The American emergency reaction force, the 82nd Airborne, has been used to bolster forces in NATO, especially Eastern Europe.  US Special Forces are also engaged in Syria, Africa, Europe, and many other places where their presence is secret.

Then, there is China and the South China Sea, which has tied up America’s aircraft carriers and amphibious forces.

Normally, the US can rely on its allies, but NATO countries have also bolstered their forces in Eastern Europe.  And they are also facing their own problems like a cutoff of natural gas by Russia and even the serious problems with the NATO flagship, Britain’s HMS Prince of Wales, which was originally headed to the US for exercises with the F-35 fighter squadrons.

During the Vietnam War, one question asked in the Pentagon was if the US could fight two wars at one time – one in Vietnam and one in Europe?

Now the US faces three potential wars – one in Europe, one in the South China Sea and Taiwan, and one in the Middle East.

Except for Special Forces conflicts, the US isn’t in a fighting war.  However, the use of ammunition in Ukraine and the deployment demands on US forces are degrading the US military every day.  For instance, the US Army had to ground its entire fleet of 400 Chinook helicopters due to engine problems.  The Chinook is the Army’s largest heavy lift helicopter.

While there are no official US forces in Ukraine and the US isn’t at war with Russia, demand for ammunition for the Ukraine is as great as if the US were at war itself.  Pentagon officials told the Wall Street Journal that stockpiles of ammunition are running dangerously low – especially artillery ammunition supplies, which are described as “uncomfortably low.”

“The US has during the past six months supplied Ukraine with 16 rocket launchers, thousands of guns, much of that including ammunition has come directly from US inventory, depleting stockpiles intended for unexpected threats, a defense official said.”

An example of ammunition and weapons shortages was seen in the Ionian Sea three weeks ago, where the aircraft carrier USS Truman had to transfer some weapons and ammunition over the USS Bush, which was taking the Truman’s place in the Mediterranean.

As a result, the US has decided to send conventional 105mm howitzer rounds instead of the 155mm “smart” artillery rounds.  The Ukrainian Army had been firing about 3,000 rounds of 155mm rounds (not necessarily the smart rounds) a day and the US and NATO have donated hundreds of thousands of 155mm rounds to Ukraine.

The US military has requested $500 million to upgrade its ammunition factories.  However, this and contracts awarded to private companies for additional ammunition will take time to reach the front.

Another concern is the “wear and tear” on equipment, even in non-war situations.  Additional military exercises and longer deployments overseas wear out equipment and keep soldiers from maintaining it properly.  Two years ago, a Marine amphibious vehicle sunk in San Diego, killing its crewmen.  The investigation discovered maintenance had been rushed to get it ready for an overseas deployment.

The same is true with naval ships.  Aircraft Carriers are frequently extended on station overseas due to political needs.  But, for every day deployed overseas, the carrier will require one day for modifications, repairs, and installation of new equipment.  Then, a similar amount time will be needed retraining the air squadrons for overseas deployment.  That means that for every two years, an American aircraft carrier will spend about 8 months deployed, 8 months in repair, maintenance, and equipment upgrading, and 8 months in training for its next deployment.

The same is true for the amphibious task forces that can deploy F-35 aircraft.

The result is too few aircraft carriers and too many places that they need to be.

As of the end of August, there are three aircraft carriers deployed.  The USS Truman and USS Bush are in the 6th Fleet area of operations.  Despite the Chinese threat, only one aircraft carrier, the USS Ronald Reagan is in the Western Pacific at Yokosuka, Japan.  The USS Truman is in the Atlantic heading back to Norfolk, Virginia and will not be able to deploy for over a year.

The USS Bush is expected to remain at sea for 8 months.  It is the major warship in Standing NATO Maritime Group 2 (SNMG2), which includes Italian, Turkish, German Spanish, and French warships.

Two amphibious ready groups are in the South China Sea region (centered on the USS America and USS Tripoli).  Each ship carries about 20 F-35 fighters.

Should more fighting occur in the Middle East or China, or the war in Ukraine, the US Navy will be unable to deploy a nuclear carrier at all three areas of operations.

Another critical shortage is in manpower.  Every branch of the military is suffering from manpower shortages.  In fact, this is the worst time for military recruiters since the Vietnam War in 1973.  Only 9% of eligible American youth had any interest in joining and only one in four youth can meet the tough physical requirements.

Ironically, the United States Marine Corps (USMC), which has the roughest training is meeting its recruitment goals, which means that tough training doesn’t deter recruits.

 

Options

So, what options are there for the US if a war breaks out?

Conflict in the Middle East is considered the least problem.  There are enough quick reaction forces in the region to protect and evacuate Americans.  There are also airfields in the area that can base American aircraft.

Of course, a conflict with Iran, is a different situation and would require also shifting US naval forces – probably from the Mediterranean.  However, transiting the Suez Canal would be risky for an aircraft carrier during a conflict.

Short of a war with Iran, the probable course for the US is to transfer an amphibious ready group from the Western Pacific.

The largest threat to world peace is the Ukraine.  Fortunately for the US, it has NATO allies and its bases.  It also seems that Russia isn’t as much of a threat as it was believed.  Russia is suffering from some of the same problems as the US, depleted stockpiles, and manpower shortages.

For decades, the US and NATO have practiced moving US forces to Europe with success.  There is, however, a shortage of combat forces on the ground now, although that is rapidly improving.  Deployment of an Amphibious Ready Group would help provide additional carrier aircraft and a Marine Expeditionary Unit.

The downside for the US is that Marine Expeditionary Units are not designed for fighting in a conventional land war in Europe as they are moving away from heavy equipment like tanks.

The final threat is China.  As with the war in the Pacific in WWII, it will primarily be a maritime conflict.  Australian, Japanese, and American forces will try to deny Taiwan to the Chinese, while disrupting Chinese use of their artificial islands in the South China Sea.  America and its allies will try to keep Chinese submarines bottled up so they can’t threaten US carriers.

So, the question is if the US military is overextended?  The answer is yes.

Fortunately, the areas of operations match US capabilities.  The conflict in Europe is a conventional war and the US and its allies are well suited for a conflict here, especially against a weakened Russia.

The Middle East is a low intensity conflict that is suited to the American Special Forces in the region.

The Western Pacific is an area of operations that is suited to a naval force that can project power – like the US Navy and Marines.  China has yet to show that it can stand toe to toe with the US Navy.

So, the US is militarily overextended.  However, its force mix is such that it fits the current situation…..barely.

Analysis 08-23-2022

ANALYSIS

Will the Inflation Reduction Act Reduce Inflation?

 

It is ironic that 51 years ago last week, American President Nixon announced that he would “temporarily” stop redeeming US dollars for gold.  What Nixon had temporarily instituted has in many ways come true when the US passed the Inflation Reduction Act, an Orwellian name for legislation that will likely increase inflation.

Nixon’s move did more than stop the use of gold in monetary transactions, it also eliminated the age-old monetary theory that government spending should generally equal government revenues and that governments should back their currency with gold or silver.

The discipline that curbed politicians was eliminated.

Today, gold and silver are archaic metals, except in countries like Zimbabwe, which is issuing gold coins for circulation because its own paper currency is worthless.

But gold isn’t so archaic that central banks have sold their gold reserves.  Central banks hold vaults of gold, and many banks are even buying more.  And, the US, which has the largest reserve of gold, keeps it in a vault at Fort Knox, surrounded by the Second Armored Division.

The Inflation Reduction Act reflects Modern Monetary Thought, and although it has never been proven in the real world, it has become popular with central bankers and politicians who want an easy, painless way to budget government spending.

In short, Modern Monetary Theory (MMT) holds that government revenues are unimportant.  It holds that countries that make their own money like the US, UK, Japan, and Canada needn’t worry about spending, taxing, or borrowing because they can pay their debts, since they can print as much money as they need.  Government budgets should not be constrained by fears of a rising national debt.

MMT also holds that conventional monetary thinking is merely a holdover of the gold standard.  It also allows for politicians to pass expensive, popular programs like healthcare, free college education, and other programs for favorite voter groups and corporations because government debt shouldn’t lead to monetary collapse.

The Inflation Reduction Act mirrors these MMT beliefs.  $430 billion goes to new green energy programs although current evidence shows that these programs will not pay for themselves over time.

The current US national debt is over $30.7 trillion dollars and that doesn’t include obligations like Social Security.

Much of that growth in debt came under administrations that preferred politically popular MMT over conventional, but politically painful monetary thought.  Obama added $8.3 trillion to the deficit – a 70% increase.  Trump increased the debt by $7.8 trillion.  Biden has added $2.26 trillion in his first year, which will outpace Trump and Obama if he continues this pace for the rest of his administration.

Any economist will tell you that inflation is demand divided by supply.  And demand is a function of money supply.  The $430 billion in new programs will only increase the demand for goods by $430 billion.

Unfortunately, it appears that supply will not grow enough to tamper down inflation.  From 1992 to 2021, the average growth of the US economy was 2.4%.  However, the Congressional Budget Office projects that the average growth of the US economy from 2022 to 2052 will only be 1.7% per year.

Clearly the supply of goods provided by the economy will not keep pace with the additional demand caused by the increased demand caused by government spending and MMT.

The Penn Wharton Budget Model, which is associated with the University of Pennsylvania’s Wharton Business school, showed that the new law would not invigorate the economy or curb inflation.

“We project no impact on GDP (Gross Domestic Product) by 2031,” the study noted.  “The Act would very slightly increase inflation until 2024.”

The study also noted that benefits also reduced the incentive to work, which would result in a small decline in hours worked, which would reduce the supply of goods produced.

There, however, was one aspect of the law that did fit conventional monetary thought – increasing the number of tax collectors to conduct audits for those making less than $200,000.

Traditionally, audits were focused on companies and richer individuals to maximize the amount recovered because those making less weren’t profitable enough to audit in the eyes of the IRS.

The law allows for an increase of 87,000 new IRS agents.  To give a better idea of how large that number is, there are three US Armored Brigade Combat Teams in Europe, with about 4,700 soldiers in each brigade.

Those who monitor the erosion of rights for American citizens are especially concerned as the IRS has become a tool to silence government opponents.

The Obama Department of Justice refused to seek criminal charges against her although she did apologize for improper targeting of some organizations.

Another concern was an online ad for IRS applicants that said they must be willing to “Carry a firearm and be willing to use deadly force if necessary.”

The ad was quickly edited as word spread about the ad and its requirements.

Former Speaker of the House Newt Gingrich said, “When people realize that most of the IRS agents will not be going after billionaires and big companies – but will instead be auditing waitresses, Uber drivers, self-employed people, and small businesses – I expect the opposition will grow even more intense.”

Clearly, the Inflation Reduction Act has created a lot of controversy, both in economic and civil rights areas.  However, since it has been passed by Congress and signed into law by Biden, we will have to wait to see the results.

Week of August 23, 2022

Will the Inflation Reduction Act Reduce Inflation?

 

It is ironic that 51 years ago last week, American President Nixon announced that he would “temporarily” stop redeeming US dollars for gold.  What Nixon had temporarily instituted has in many ways come true when the US passed the Inflation Reduction Act, an Orwellian name for legislation that will likely increase inflation.

Nixon’s move did more than stop the use of gold in monetary transactions, it also eliminated the age-old monetary theory that government spending should generally equal government revenues and that governments should back their currency with gold or silver.

The discipline that curbed politicians was eliminated.

Today, gold and silver are archaic metals, except in countries like Zimbabwe, which is issuing gold coins for circulation because its own paper currency is worthless.

But gold isn’t so archaic that central banks have sold their gold reserves.  Central banks hold vaults of gold, and many banks are even buying more.  And, the US, which has the largest reserve of gold, keeps it in a vault at Fort Knox, surrounded by the Second Armored Division.

The Inflation Reduction Act reflects Modern Monetary Thought, and although it has never been proven in the real world, it has become popular with central bankers and politicians who want an easy, painless way to budget government spending.

In short, Modern Monetary Theory (MMT) holds that government revenues are unimportant.  It holds that countries that make their own money like the US, UK, Japan, and Canada needn’t worry about spending, taxing, or borrowing because they can pay their debts, since they can print as much money as they need.  Government budgets should not be constrained by fears of a rising national debt.

MMT also holds that conventional monetary thinking is merely a holdover of the gold standard.  It also allows for politicians to pass expensive, popular programs like healthcare, free college education, and other programs for favorite voter groups and corporations because government debt shouldn’t lead to monetary collapse.

The Inflation Reduction Act mirrors these MMT beliefs.  $430 billion goes to new green energy programs although current evidence shows that these programs will not pay for themselves over time.

The current US national debt is over $30.7 trillion dollars and that doesn’t include obligations like Social Security.

Much of that growth in debt came under administrations that preferred politically popular MMT over conventional, but politically painful monetary thought.  Obama added $8.3 trillion to the deficit – a 70% increase.  Trump increased the debt by $7.8 trillion.  Biden has added $2.26 trillion in his first year, which will outpace Trump and Obama if he continues this pace for the rest of his administration.

Any economist will tell you that inflation is demand divided by supply.  And demand is a function of money supply.  The $430 billion in new programs will only increase the demand for goods by $430 billion.

Unfortunately, it appears that supply will not grow enough to tamper down inflation.  From 1992 to 2021, the average growth of the US economy was 2.4%.  However, the Congressional Budget Office projects that the average growth of the US economy from 2022 to 2052 will only be 1.7% per year.

Clearly the supply of goods provided by the economy will not keep pace with the additional demand caused by the increased demand caused by government spending and MMT.

The Penn Wharton Budget Model, which is associated with the University of Pennsylvania’s Wharton Business school, showed that the new law would not invigorate the economy or curb inflation.

“We project no impact on GDP (Gross Domestic Product) by 2031,” the study noted.  “The Act would very slightly increase inflation until 2024.”

The study also noted that benefits also reduced the incentive to work, which would result in a small decline in hours worked, which would reduce the supply of goods produced.

There, however, was one aspect of the law that did fit conventional monetary thought – increasing the number of tax collectors to conduct audits for those making less than $200,000.

Traditionally, audits were focused on companies and richer individuals to maximize the amount recovered because those making less weren’t profitable enough to audit in the eyes of the IRS.

The law allows for an increase of 87,000 new IRS agents.  To give a better idea of how large that number is, there are three US Armored Brigade Combat Teams in Europe, with about 4,700 soldiers in each brigade.

Those who monitor the erosion of rights for American citizens are especially concerned as the IRS has become a tool to silence government opponents.

The Obama Department of Justice refused to seek criminal charges against her although she did apologize for improper targeting of some organizations.

Another concern was an online ad for IRS applicants that said they must be willing to “Carry a firearm and be willing to use deadly force if necessary.”

The ad was quickly edited as word spread about the ad and its requirements.

Former Speaker of the House Newt Gingrich said, “When people realize that most of the IRS agents will not be going after billionaires and big companies – but will instead be auditing waitresses, Uber drivers, self-employed people, and small businesses – I expect the opposition will grow even more intense.”

Clearly, the Inflation Reduction Act has created a lot of controversy, both in economic and civil rights areas.  However, since it has been passed by Congress and signed into law by Biden, we will have to wait to see the results.

2022-23-08-التحليل

التحليل

ينشر بالتعاون مع “الميادين”

شكوك في نجاح
خطة بايدن لخفض التضخم

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

تمكّن الرئيس الأميركي، جو بايدن، من تسجيل انتصار سياسي داخلي يعوّل به على وقف تدهور شعبيته، وامتداداً حزبه الديموقراطي، قبل بضعة أسابيع على بدء جولة الانتخابات النصفية.

وأعانه الكونغرس “مرحلياً” على إقرار خطة اقتصادية تزيد قيمتها على 430 مليار دولار، منها 370 مليار دولار للبيئة و64 مليار دولار للصحة، عدّها  بايدن “انتصاراً للشعب الأميركي الذي سيرى انخفاضاً في أسعار الأدوية والرعاية الصحية وتكلفة الطاقة.”

نظرياً، تهدف خطة “قانون خفض التضخم” إلى الحد من معدلات العجز المتصاعد في الميزانية العامة، ورفد الخزينة الأميركية بنحو 258 مليار دولار سنوياً، “من خلال فرض ضريبة جديدة بنسبة 15%، كحد أدنى، على الشركات التي تتعدى أرباحها مليار دولار سنوياً”.

فضلاً عن منح إعفاءات ضريبية بمليارات الدولارات للشركات والصناعات الأكثر تلويثاً للبيئة كوسيلة لضمان تصويت عضوين من الحزب الديموقراطي في مجلس الشيوخ إلى جانب المشروع، جو مانشين وكيرستين سينيما.

بيد أن الحلقة المركزية المفقودة تكمن في تراجع دور الدولة، أو عدم قدرتها على التحكم بموارد الطاقة وتقنين مشتقاتها ومن ثم السيطرة على تسعيرها، ما أدى دوماً إلى استفحال الأزمات البنيوية. فقد تراجعت أسعار النفط الخام من نحو 120 دولاراً للبرميل إلى حوالي 90 دولاراً، لكن لم يشهد المواطن (المستهلك بتعريف الشركات) تقليص أسعار  مشتقات الطاقة، أو تراجعها كحد أدنى.

زعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ، ميتش ماكونيل، الذي امتنعت كتلته عن التصويت للمشروع، حمّل الرئيس بايدن وحزبه الديموقراطي مسؤولية ما آل إليه الاقتصاد الأميركي من “تضخم قياسي، والمشروع الموقّع، إذا أصبح قانوناً، يعني فرض ضرائب أعلى (لتمويله) وفواتير أكبر للطاقة”.

أزمات مركز النظام الرأسمالي من “تضخم يخرج عن السيطرة” ليست فريدة، بل مزمنة وبنيوية، تسعى كل الإدارات المتعاقبة على الترويج لبرامج وخطط من شأنها إبقاء جذوة الأمل مشتعلة عند المواطن العادي بأنها أزمة عابرة سرعان ما يتم التغلب عليها.

في حقبة “الكساد الكبير”، برزت أزمة نقص حاد في احتياطي الذهب، وأصدر الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت قانوناً رئاسياً يمنع بموجبه المصارف المالية من الدفع أو تصدير الذهب، آذار/مارس 1933، رافقه قانون سنّه الكونغرس، 5 حزيران 1933، يمنع بموجبه مطالبة أصحاب الديون استلام قيمتها بالذهب.

قانون المصرف المركزي، الاحتياطي الفيدرالي، آنذاك، اشترط تغطية احتياط العملة الأميركية بنحو 40% من قيمتها بالذهب. وأسفر الإجراء الرسمي عن رفد المركزي بكميات إضافية من الذهب بسعر 20.67 دولارا للأونصة آنذاك، سرعان ما رفعت الدولة سعره إلى 35 دولاراً للأونصة، وتضخم بذلك احتياطها منه بنسبة 69%.

لنقفز قليلاً في الزمن لعقد الستينيات والحرب الأميركية على فيتنام، التي تطلبت مبالغ هائلة للإنفاق الحكومي، وسعي المصرف المركزي إلى تطبيق سياسة “التضخم المصرفي” لتمويل ذلك، ما أسفر عن تراجع قيمة العملة الأميركية وزيادة طلب “الحكومات الأجنبية على استبدال ما لديها من الدولار الأميركي بالذهب”.

مع فشل الحلول المقترحة كافة للسيطرة على “التضخم المصرفي”، واستمرار نزيفٍ عرّض احتياطي العملة الأميركية نتيجة سياسات التصعيد للحروب والهيمنة الاقتصادية على موارد العالم، قام الرئيس ريتشارد نيكسون، 1971، بإصدر قرار بتحرير الدولار من تغطيته بالذهب. وذهب ابعد من ذلك اتساقاً مع تفاقم الأزمات الاقتصادية برفعه سقف الدين العام، والإقلاع الممنهج عن تبني السياسات الاقتصادية الكلاسيكية التي تعادل بين ما يرد إلى الخزينة العامة من موارد متعددة مع معدّلات الإنفاقات الحكومية، كوصفة دائمة للحد من تضخم الأسعار وازدياد العجز في ميزان التبادلات التجارية.

دشنت سياسات الرئيس نيكسون في 15 آب/أغسطس 1971، وبحسب الخبراء الاقتصاديين، فإن سماحه للمصرف المركزي تضخيم معدل الأوراق المالية المتداولة، من دون تغطية حقيقية، سبب بدء انحسار الطبقة الوسطى، مع دخول خفض قيمة العملة رسمياً، رافقه اتساع عميق للشرخ بين معدلات الدخل. تقلصت القيمة الشرائية للدولار منذئذ بنحو 85%، وبحسب خبراء الاقتصاد، فإن قيمته الحالية لا تتجاوز 15 سنتاً.

“قانون خفض التضخم” بنسخته الحالية يشكل حجر الأساس في ما أطلق عليه “النظرية المالية الحديثة”، التي تتبناها النخب السياسية والاقتصادية الأميركية على الرغم من  عدم اختبار فعاليتها، حتى نظرياً، وخصوصاً لتنافيها مع بديهيات علم الاقتصاد التي تعرف التضخم بفارق الهوة بين الطلب والعرض. لكنها توفّر مسوّغات اقتصادية لاستمرارية طبع الأوراق المالية وترفع سقف الديون العامة، وكلفتها المتراكمة أيضاً نتيجة ارتفاع معدلات الفائدة عليها، ما يضخ أموالاً هائلة دائمة في المصارف المالية الكبرى .

تخلّي أكبر اقتصاديات العالم عن معيار الذهب لدعم العملة الوطنية ، في محصلة الأمر، سمح للزعماء السياسيين بأطيافهم وميولهم الحزبية كافة تبنّي برامج ومشاريع عالية الكلفة لكسب تأييد قواعد انتخابية، ورفد المصارف الكبرى بأموال تغطيها الدولة في دوامة مستمرة يستهلك سداد الفائدة عليها موارد أساسية على حساب برامج تنموية حقيقية.

لنأخذ مثالاً من السياسات الراهنة، فقد بلغ معدل الدين العام على الحكومة الأميركية أكثر من 30 ألف مليار دولار، 30 تريليون ونيّفاٍ، من دون احتساب التزامات الدولة لبرنامج الرعاية الاجتماعية.

سياسات الحروب الدائمة، منذ فيتنام ومروراً بالحرب الأميركية على “الإرهاب” وامتداداً تمويل الحرب الأوكرانية ضد روسيا، كان لها نصيب الأسد في ميزانيات الإنفاق العام.

يحسب لإدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما رفعه معدل الدين العام، أي مستوى عجز الميزانية، إلى 8 آلاف مليون دولار، 8 تريليونات، بزيادة تعادل نحو 70% عن أسلافه. الرئيس السابق دونالد ترامب رفع السقف مرة أخرى إلى نحو 8 تريليون. أما الرئيس جو بايدن، وهو في منتصف ولايته الرئاسية زمنياً، فقد أضاف نحو 2 مليار دولار.

يعرب كبار الخبراء الاقتصاديين عن شكوكهم في قدرة وصفة الدولة الراهنة، لمزاوجة معدلات العرض بالطلب، بل يجادلون بأن سقف العرض لن يواكب سرعة ارتفاع معدلات التضخم للسيطرة عليه، أو الحد منه. معدلات نمو الاقتصاد الأميركية لسنوات طويلة من 1992 وإلى 2021 بلغت نحو 2.4%. في المرحلة المقبلة، سيتراجع معدل النمو إلى 1.7% لعام 2022 وإلى 2052، بحسب بيانات “مكتب موازنة الكونغرس” الرسمية.

لمقاربة المعضلة الاقتصادية، لن يستطيع الاقتصاد الأميركي بما يقدمه من موارد وخدمات مواكبة زيادة الطلب نتيجة ارتفاع معدلاته الناجمة عن الإنفاق الحكومي المتزايد، ونتيجة مباشرة لـ “النظرية المالية الحديثة”.

للدلالة على ما سبق من استنتاجات مؤلمة، أجرت كلية وارتون للأعمال، التابعة لجامعة بنسلفانيا المرموقة، دراسة مفصلة لقانون خفض التضخم أثناء فترة تداوله بين أعضاء الكونغرس، جاء في جزء منه أن “القانون سيرفع قليلاً معدلات التضخم لعام 2024، وتقديرنا أنه لن يترك أثراً (إيجابياً) على الناتج الداخلي العام”، بل ستتقلص مسوّغات العمل وحوافزه ما سيؤدي إلى انخفاض معدلات ساعات العمل وخفض حجم عرض الموارد المطلوبة (دراسة بعنوان “قانون خفض التضخم: تقديرات أولية لتاثيرات الميزانية والاقتصاد الشامل”، تموز/يوليو 2022، كلية وارتون بجامعة بنسلفانيا).

معظم الخبراء ممن له مصلحة في كبح جماح عجلة التضخم في الشأن الأميركي يناشد صنّاع القرار باعتماد سياسة نقدية أكثر واقعية، واستخلاص الدروس القاسية من قرارات الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون، والتي لا زالت مستمرة من دون إبطاء، ولجم معدلات الإنفاق وترشيد الأموال إلى اولويات التنمية.

بعبارة أخرى، يناشدونهم العودة إلى تغطية العملة الوطنية بالذهب ما من شأنه وضع حد لطباعة الأوراق المالية من دون تغطية حقيقية. ويحذرون من تنامي معدلات الدين العام التي بلغت  نحو 30 ألف مليون دولار (30 تريليوناً)، ما يعادل 130% من حجم الاقتصاد الأميركي برمته، بينما بالمقارنة بلغ معدل الدين العام في عام 1960 “أكثر بقليل من نصف الاقتصاد الأميركي”.

2022-23-08-التقرير الأسبوعي

ينشر بالتعاون مع “الميادين”

شكوك في نجاح
خطة بايدن لخفض التضخم

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

تمكّن الرئيس الأميركي، جو بايدن، من تسجيل انتصار سياسي داخلي يعوّل به على وقف تدهور شعبيته، وامتداداً حزبه الديموقراطي، قبل بضعة أسابيع على بدء جولة الانتخابات النصفية.

وأعانه الكونغرس “مرحلياً” على إقرار خطة اقتصادية تزيد قيمتها على 430 مليار دولار، منها 370 مليار دولار للبيئة و64 مليار دولار للصحة، عدّها  بايدن “انتصاراً للشعب الأميركي الذي سيرى انخفاضاً في أسعار الأدوية والرعاية الصحية وتكلفة الطاقة.”

نظرياً، تهدف خطة “قانون خفض التضخم” إلى الحد من معدلات العجز المتصاعد في الميزانية العامة، ورفد الخزينة الأميركية بنحو 258 مليار دولار سنوياً، “من خلال فرض ضريبة جديدة بنسبة 15%، كحد أدنى، على الشركات التي تتعدى أرباحها مليار دولار سنوياً”.

فضلاً عن منح إعفاءات ضريبية بمليارات الدولارات للشركات والصناعات الأكثر تلويثاً للبيئة كوسيلة لضمان تصويت عضوين من الحزب الديموقراطي في مجلس الشيوخ إلى جانب المشروع، جو مانشين وكيرستين سينيما.

بيد أن الحلقة المركزية المفقودة تكمن في تراجع دور الدولة، أو عدم قدرتها على التحكم بموارد الطاقة وتقنين مشتقاتها ومن ثم السيطرة على تسعيرها، ما أدى دوماً إلى استفحال الأزمات البنيوية. فقد تراجعت أسعار النفط الخام من نحو 120 دولاراً للبرميل إلى حوالي 90 دولاراً، لكن لم يشهد المواطن (المستهلك بتعريف الشركات) تقليص أسعار  مشتقات الطاقة، أو تراجعها كحد أدنى.

زعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ، ميتش ماكونيل، الذي امتنعت كتلته عن التصويت للمشروع، حمّل الرئيس بايدن وحزبه الديموقراطي مسؤولية ما آل إليه الاقتصاد الأميركي من “تضخم قياسي، والمشروع الموقّع، إذا أصبح قانوناً، يعني فرض ضرائب أعلى (لتمويله) وفواتير أكبر للطاقة”.

أزمات مركز النظام الرأسمالي من “تضخم يخرج عن السيطرة” ليست فريدة، بل مزمنة وبنيوية، تسعى كل الإدارات المتعاقبة على الترويج لبرامج وخطط من شأنها إبقاء جذوة الأمل مشتعلة عند المواطن العادي بأنها أزمة عابرة سرعان ما يتم التغلب عليها.

في حقبة “الكساد الكبير”، برزت أزمة نقص حاد في احتياطي الذهب، وأصدر الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت قانوناً رئاسياً يمنع بموجبه المصارف المالية من الدفع أو تصدير الذهب، آذار/مارس 1933، رافقه قانون سنّه الكونغرس، 5 حزيران 1933، يمنع بموجبه مطالبة أصحاب الديون استلام قيمتها بالذهب.

قانون المصرف المركزي، الاحتياطي الفيدرالي، آنذاك، اشترط تغطية احتياط العملة الأميركية بنحو 40% من قيمتها بالذهب. وأسفر الإجراء الرسمي عن رفد المركزي بكميات إضافية من الذهب بسعر 20.67 دولارا للأونصة آنذاك، سرعان ما رفعت الدولة سعره إلى 35 دولاراً للأونصة، وتضخم بذلك احتياطها منه بنسبة 69%.

لنقفز قليلاً في الزمن لعقد الستينيات والحرب الأميركية على فيتنام، التي تطلبت مبالغ هائلة للإنفاق الحكومي، وسعي المصرف المركزي إلى تطبيق سياسة “التضخم المصرفي” لتمويل ذلك، ما أسفر عن تراجع قيمة العملة الأميركية وزيادة طلب “الحكومات الأجنبية على استبدال ما لديها من الدولار الأميركي بالذهب”.

مع فشل الحلول المقترحة كافة للسيطرة على “التضخم المصرفي”، واستمرار نزيفٍ عرّض احتياطي العملة الأميركية نتيجة سياسات التصعيد للحروب والهيمنة الاقتصادية على موارد العالم، قام الرئيس ريتشارد نيكسون، 1971، بإصدر قرار بتحرير الدولار من تغطيته بالذهب. وذهب ابعد من ذلك اتساقاً مع تفاقم الأزمات الاقتصادية برفعه سقف الدين العام، والإقلاع الممنهج عن تبني السياسات الاقتصادية الكلاسيكية التي تعادل بين ما يرد إلى الخزينة العامة من موارد متعددة مع معدّلات الإنفاقات الحكومية، كوصفة دائمة للحد من تضخم الأسعار وازدياد العجز في ميزان التبادلات التجارية.

دشنت سياسات الرئيس نيكسون في 15 آب/أغسطس 1971، وبحسب الخبراء الاقتصاديين، فإن سماحه للمصرف المركزي تضخيم معدل الأوراق المالية المتداولة، من دون تغطية حقيقية، سبب بدء انحسار الطبقة الوسطى، مع دخول خفض قيمة العملة رسمياً، رافقه اتساع عميق للشرخ بين معدلات الدخل. تقلصت القيمة الشرائية للدولار منذئذ بنحو 85%، وبحسب خبراء الاقتصاد، فإن قيمته الحالية لا تتجاوز 15 سنتاً.

“قانون خفض التضخم” بنسخته الحالية يشكل حجر الأساس في ما أطلق عليه “النظرية المالية الحديثة”، التي تتبناها النخب السياسية والاقتصادية الأميركية على الرغم من  عدم اختبار فعاليتها، حتى نظرياً، وخصوصاً لتنافيها مع بديهيات علم الاقتصاد التي تعرف التضخم بفارق الهوة بين الطلب والعرض. لكنها توفّر مسوّغات اقتصادية لاستمرارية طبع الأوراق المالية وترفع سقف الديون العامة، وكلفتها المتراكمة أيضاً نتيجة ارتفاع معدلات الفائدة عليها، ما يضخ أموالاً هائلة دائمة في المصارف المالية الكبرى .

تخلّي أكبر اقتصاديات العالم عن معيار الذهب لدعم العملة الوطنية ، في محصلة الأمر، سمح للزعماء السياسيين بأطيافهم وميولهم الحزبية كافة تبنّي برامج ومشاريع عالية الكلفة لكسب تأييد قواعد انتخابية، ورفد المصارف الكبرى بأموال تغطيها الدولة في دوامة مستمرة يستهلك سداد الفائدة عليها موارد أساسية على حساب برامج تنموية حقيقية.

لنأخذ مثالاً من السياسات الراهنة، فقد بلغ معدل الدين العام على الحكومة الأميركية أكثر من 30 ألف مليار دولار، 30 تريليون ونيّفاٍ، من دون احتساب التزامات الدولة لبرنامج الرعاية الاجتماعية.

سياسات الحروب الدائمة، منذ فيتنام ومروراً بالحرب الأميركية على “الإرهاب” وامتداداً تمويل الحرب الأوكرانية ضد روسيا، كان لها نصيب الأسد في ميزانيات الإنفاق العام.

يحسب لإدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما رفعه معدل الدين العام، أي مستوى عجز الميزانية، إلى 8 آلاف مليون دولار، 8 تريليونات، بزيادة تعادل نحو 70% عن أسلافه. الرئيس السابق دونالد ترامب رفع السقف مرة أخرى إلى نحو 8 تريليون. أما الرئيس جو بايدن، وهو في منتصف ولايته الرئاسية زمنياً، فقد أضاف نحو 2 مليار دولار.

يعرب كبار الخبراء الاقتصاديين عن شكوكهم في قدرة وصفة الدولة الراهنة، لمزاوجة معدلات العرض بالطلب، بل يجادلون بأن سقف العرض لن يواكب سرعة ارتفاع معدلات التضخم للسيطرة عليه، أو الحد منه. معدلات نمو الاقتصاد الأميركية لسنوات طويلة من 1992 وإلى 2021 بلغت نحو 2.4%. في المرحلة المقبلة، سيتراجع معدل النمو إلى 1.7% لعام 2022 وإلى 2052، بحسب بيانات “مكتب موازنة الكونغرس” الرسمية.

لمقاربة المعضلة الاقتصادية، لن يستطيع الاقتصاد الأميركي بما يقدمه من موارد وخدمات مواكبة زيادة الطلب نتيجة ارتفاع معدلاته الناجمة عن الإنفاق الحكومي المتزايد، ونتيجة مباشرة لـ “النظرية المالية الحديثة”.

للدلالة على ما سبق من استنتاجات مؤلمة، أجرت كلية وارتون للأعمال، التابعة لجامعة بنسلفانيا المرموقة، دراسة مفصلة لقانون خفض التضخم أثناء فترة تداوله بين أعضاء الكونغرس، جاء في جزء منه أن “القانون سيرفع قليلاً معدلات التضخم لعام 2024، وتقديرنا أنه لن يترك أثراً (إيجابياً) على الناتج الداخلي العام”، بل ستتقلص مسوّغات العمل وحوافزه ما سيؤدي إلى انخفاض معدلات ساعات العمل وخفض حجم عرض الموارد المطلوبة (دراسة بعنوان “قانون خفض التضخم: تقديرات أولية لتاثيرات الميزانية والاقتصاد الشامل”، تموز/يوليو 2022، كلية وارتون بجامعة بنسلفانيا).

معظم الخبراء ممن له مصلحة في كبح جماح عجلة التضخم في الشأن الأميركي يناشد صنّاع القرار باعتماد سياسة نقدية أكثر واقعية، واستخلاص الدروس القاسية من قرارات الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون، والتي لا زالت مستمرة من دون إبطاء، ولجم معدلات الإنفاق وترشيد الأموال إلى اولويات التنمية.

بعبارة أخرى، يناشدونهم العودة إلى تغطية العملة الوطنية بالذهب ما من شأنه وضع حد لطباعة الأوراق المالية من دون تغطية حقيقية. ويحذرون من تنامي معدلات الدين العام التي بلغت  نحو 30 ألف مليون دولار (30 تريليوناً)، ما يعادل 130% من حجم الاقتصاد الأميركي برمته، بينما بالمقارنة بلغ معدل الدين العام في عام 1960 “أكثر بقليل من نصف الاقتصاد الأميركي”.

2022-15-08-التحليل

التحليل

ينشر بالتعاون مع “الميادين”

مداهمة مقر ترامب:
دولة الأمن القومي تثأر لإهانتها


د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

سيقت جملة تكهنات رسمية لتبرير قيام جهاز “مكتب التحقيقات الفيدرالي”، أف بي آي، بدهم منتجع الرئيس السابق دونالد ترامب، مارا لاغو، في ولاية فلوريدا، “غير مسبوقة” في ظل التاريخ السياسي لأميركا، محورها اتهامه بالاحتفاظ بوثائق رسمية مصنفة “سرّية وبالغة السرّية”، وإتلاف سجلات رسمية أخرى، التي تستدعي محاكمته وتلقّيه عقوبة بشأنها.

تنبغي الإشارة إلى الظروف الخاصة المتعلقة بالرئيس ترامب قبيل مغادرته البيت الأبيض، بصرف النظر عن مزاعمه بتزوير خصومه للانتخابات الرئاسية، إذ أنه واجه حملة متواصلة من مساعي الإقصاء وجلستي محاكمه في الكونغرس، وحتى التلويح بتطبيق المادة 25 من لائحة التعديلات الدستورية، التي تفوّض نائب الرئيس إعلان عدم أهلية الرئيس مواصلة عمله، وتخوّل نائبه القيام بمهام الرئيس رسمياً، بدعم من أعضاء الحكومة الرسمية، أي إزاحة ترامب من موقعه بمستند دستوري.

من ضمن صلاحيات الرئيس الأميركي، بحسب الدستور، إصداره قرارات برفع تصنيف “السرّية” عن بعض الوثائق الرسمية التي يراها ضرورية، وهنا تكمن إحدى الثغرات القانونية التي يسعى كل فريق إلى استغلال ما تنطوي عليه من نصوص مبهمة لتدعيم وجة نظره الخاصة.

أصدر مركز الأبحاث الرسمي، “خدمة الكونغرس البحثية”، دراسة مفصّلة حول “قانون الوثائق الرئاسية”، جاء فيها أنه “يخلو من أي أدوات لتطبيقه، ولا يسمح للسلطات القضائية بمراجعته”، كما أن لجهاز الأرشيف “الصلاحية لتحديد القيود المفروضة على رئيس سابق بالتشاور معه للتوصل إلى فترة زمنية احتفاظه بتلك السجلات تتراوح بين 5 و 12 عاماً، بالتشاور معه، وفق المادة 44 الفقرة 2204 من قانون الجنايات الأميركي”. وأضاف أنه بعد انقضاء “12 عاماً تنتهي القيود المفروضة من قبل الهيئة” على تصنيفها سريّة. اللافت في نص الدراسة  أن القانون السالف الذكر لا يتضمن إنزال عقوبات جرمية بمن يزيل أو يتلف تلك الوثائق. (دراسة بعنوان “قانون الوثائق الرئاسية: مراجعة شاملة”، 17 كانون الأول/ديسمبر 2019)

الفريق المناوئ للرئيس ترامب تدحرج في توجيه اتهاماته، من “سوء استخدام الوثائق الرسمية”، إلى “إتلاف بيانات رسمية”، ثم إزاحته وثائق تتعلق بالأسلحة النووية، وصعوداً إلى تفعيل محاكمته بحسب قانون التجسس الذي يحظر على المحاكم، ومن ثم العامة، الاطّلاع على طبيعة الدلائل التي تستند إليها التهم الموجهة.

الرئيس الأسبق لوكالة الاستخبارات المركزية، مايكل هايدن، ألمح إلى “إعدام ترامب”، أسوة بالثنائي جوليوس وإيثيل روزنبيرغ، حزيران/يونيو 1953، بعد إدانتهما بتسليم وثائق نووية سرّية إلى موسكو، وذلك في تغريدة جوابية له للمؤرخ الأميركي الشهير، مايكل بيشلوس، في 12 آب/أغسطس 2022.

كما من صلاحيات الرئيس، أي رئيس، الاحتفاظ بوثائق رسمية بصفة خاصة لمدة 12 عاماً، باعتبارها “ملكية خاصة للرؤساء المعنيين”، تُودَع بعد ذلك في الأرشيف الوطني. القانون الناظم لتلك المسألة تم إقراره بحسب أختصاصيي القانون الدستوري عام 1955، والذي “”شجّع، لكنه لم يشترط قيام الرؤساء السابقين بإيداع تلك السجلات” في الأرشيف الوطني (مقال لديفيد ريفكين و لي كايس في صحيفة “وول ستريت جورنال”، 11 آب/أغسطس 2022).

بيد أن فضيحة ووترغيت عام 1974 استدعت استصدار قوانين جديدة للحدّ من قيام أي رئيس بإتلاف سجلات رسمية، التي كانت شرائط التسجيل آنذاك هي المقصودة. وصادق الرئيس الأسبق جيمي كارتر على قرار سجلات الرؤساء عام 1978، والذي يحيل بموجبه مسؤولية حفظ الوثائق الرسمية في عهدة هيئة الإرشبف الوطني، لكنه ينطوي أيضاً على عدد من الثغرات والنصوص المبهمة التي يستند إليها كل الرؤساء لتبرير تصرفاتهم وفق تلك النصوص.

واجهت المؤسسة الأميركية الحاكمة في التاريخ القريب بعض السلوكيات المماثلة بالتعامل مع الوثائق الرسمية من قبل مسؤولين سابقين وباتهامات مشابهة، لكن لم تتطور مسألة “العقاب” إلى قضاء المسؤول المتّهم فترة في السجن كما تنص القوانين السارية، وكما يُطالب بتطبيقه على الرئيس السابق.

من أبرز تلك الأمثلة، المدير الأسبق لوكالة الاستخبارات المركزية، ديفيد بيترايوس، الذي اتُهم عام 2015 بـ “إساءة استخدام بيانات سرّية”، وعقد تسوية مع القضاء تفادى بها عقوبة السجن.

والمثال الآخر، قيام مستشار الأمن القومي الأسبق، صموئيل بيرغر، بـ “نزع وثائق رسمية تخصّ الإرهاب من مقر الأرشيف الوطني، والاحتفاظ بها”، عام 2005، والذي عقد “تسوية” مع القضاء أيضاً جنّبته عقوبة السجن.

قام الرئيس ترامب، بحسب وزارة العدل، بإزالة بنحو “15 صندوقاً” فيها وثائق رسمية والاحتفاظ بها، أرسلها إلى مقر إقامته في ولاية فلوريدا قبيل مغادرته البيت الأبيض، جرت تسوية مصير بعضها لاحقاً بتسليمه إلى هيئة الأرشيف الوطني، بعد عام من انتهاء ولايته الرسمية. حينها أخطرت الهيئة وزارة العدل الأميركية بأن المواد التي تسلّمتها تحتوي على وثائق سرّية.

عند هذا المفصل التسلسلي للأحداث برزت إشكالية: “هل قام الرئيس ترامب بنزع تصنيف السرّية عن تلك الوثائق قبل مغادرته” أم لا؟ وزارة العدل وذراعها التنفيذية مكتب التحقيقات الفيدرالي “يعتقدان” أن الوثائق التي تم تسلّمها من الرئيس ترامب “تنطوي على أدلّة محتملة لارتكابه جريمة”، نظراً إلى فرضية مواصلة احتفاظه بوثائق سرّية أخرى.

في حال استطاعت وزارة العدل إثبات شكوكها المتعلقة بتصنيف تلك الوثائق، وهو أمر من شأنه تعزيز فجوة الشرخ الأفقي والعمودي في المجتمع الأميركي، تستطيع بموجبه تطبيق المادة 2071 من قانون العقوبات، التي تنص جزئياً على أن “يفقد (المتهم) صلاحيات منصبه ويُمنع من تسلم مهام أي منصب يخضع لسلطة الولايات المتحدة”.

مؤيدو الرئيس ترامب، من ضمنهم بعض الأقطاب والقيادات في الحزب الجمهوري، يعتبرون أن ذلك هو المقصود بعينه، إي اغتياله سياسياً وحرمانه الترشح لجولة الانتخابات الرئاسية المقبلة، أقلّه إلقاء ظلالٍ من الشك حول أهليته ومصداقيته للتأثير على قواعده الانتخابية. يعتقدون أيضا أن التحقيق الجاري في مجلس النواب، بشأن اقتحام الكابيتول في 6 كانون الثاني/يناير 2021 من قبل أنصار الرئيس ترامب، هو من أجل التمهيد للحلقة التالية من إنهاء طموحاته السياسية، وحصر المسألة في تطبيق “قانون التجسّس” ضدّه، لمنع الإفصاح عن أي من الأدلة المحتملة أو تداولها.

من بين “الشكوك” التي يسوقها أنصار الرئيس ترامب أن وزارة العدل، في البداية، استندت إلى اتهامها بسوء استخدام الوثائق السرّية كحجة للحصول على قرار قضائي لإجراء مزيد من التفتيش والعبث بمحتويات مقار إقامته الخاصة، وتدبير ملف به بعض الأدلة الظنية، ربما لربط الرئيس ترامب مباشرة بالعناصر الذين دهموا مقر الكونغرس، بغية إرساء تهمة ارتكابه أو مساعدته لارتكاب جريمة ضد الدولة.

وسرَتْ مشاعر الإهانة بين أنصار الرئيس السابق، لاعتبارهم عملية الدهم تنافي نصوص الدستور لحماية حرية الفرد من “التفتيش ووضع اليد على ممتلكات خاصة”، وبذلك فإن عملية الدهم “غير قانونية”، بحسب معطياتها العملية ومسبباتها غير المعلنة إلا بعد إنجازها.

أما وقد استقرّ رأي المؤسّسة على استهداف الرئيس السابق، فقد تسارعت الاتهامات من قبل أنصاره بأن ما يجري هو “تسييس” الموسم الانتخابي المقبل، الانتخابات النصفية بعد شهرين والانتخابات الرئاسية بعد سنتين، وبأن وزارة العدل وأجهزتها ليست سوى “أدوات لجأ إليها الحزب الديموقراطي” لاستهداف المرشح الرئاسي المحتمل عن الحزب الجمهوري.

لوحظ أيضاً مدى الامتعاض الشعبي من تصرّفات مكتب الـ “أف بي آي” الأخيرة، وسجلّه الحافل بالتجسّس على الناشطين المناوئين للسياسات الرسمية، عبر حملة مكافحة التجسّس “كو إنتل برو”، واغتيال بعض قادتهم منذ عقد الستينيات الماضي. وجاءت نتائج استطلاعات للرأي أجراها معهد “غالوب” الرصين لتشهد على ذلك، بأن 66% من المواطنين فقدوا الثقة بالجهاز وبقدرته على استمرار الادّعاء بمساواة الجميع أمام القانون.

المؤرّخ والصحفي الأميركي فيكتور ديفيد هانسن أوضح بعضاً من سلوكيات مكتب التحقيقات الفيدرالي، وسوء استخدامه للصلاحيات الممنوحة له قائلاً بوضوح إن “كبار مديري الـ أف بي آي يخدعون الكونغرس دورياً، وقاموا بمسح أو تعديل الأدلّة المقدمة إلى المحاكم، ويسرّبون معلومات سرّية عمداً إلى الصحافة، وكذبوا أيضاً تحت القسم القانوني أمام المحققين الحكوميين” (صحيفة “واشنطن تايمز”، 11 آب/أغسطس 2022).

في المقابل، لا تزال استطلاعات الرأي المختلفة تفيد بتنامي شعبية الرئيس الأسبق دونالد ترامب بين جمهور الناخبين، مع فوز كبير لمناصريه في الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري التي جرت في بعض الولايات، ومنها ولايات حاسمة في الانتخابات الرئاسية. أما الرئيس جو بايدن، فيستمر مؤشّر شعبيته في السقوط، فضلاً عن أدائه في المناسبات العلنية التي دلّت على إصابته بمرض الشيخوخة، بحسب اختصاصيين.

أمام تفاصيل اللوحة الانتخابية بصورتها الراهنة، يبدو أن الحزب الديموقراطي مقبل على مرحلة شديدة القسوة في جولة الانتخابات الرئاسية المقبلة. نائبة الرئيس، كمالا هاريس، لا تحظى بدعم حاسم من قيادات الحزب، فضلاً عن تخبّط مواقفها بالنسبة إلى بقية الشعب. أما المرشح الرئاسي السابق ووزير النقل الحالي، بيت بوتيجيج، فهو حديث الحضور سياسياّ، ولا يتمتع بالدعم الكافي من مراكز القرار في واشنطن.

بعض المخضرمين في الحزب الديموقراطي يذهب إلى صوغ نتيجة مؤلمة بالنسبة إلى القيادات التقليدية، مفادها عدم توفر مرشح رئاسي مناسب للحزب في الجولة المقبلة، ولذا ينبغي إتاحة الفرصة للمرشح المقبل دونالد ترامب، إن استطاع البقاء سياسياً، على أن يجري البحث عن شخصية جذّابة وقوية لدخول الجولة المقبلة عام 2028.

من بين الدلائل الداعمة لمشاعر  استهداف الرئيس ترامب بدوافع سياسية علاقته المتوترة مع وزير العدل الحالي، ميرك غارلاند، الذي رشّحه الرئيس الأسبق باراك أوباما لمقعد في المحكمة العليا، واضطر إلى سحب ترشيحه نتيجة مناهضة قوية من الحزب الجمهوري.

الرئيس ترامب خاض حملته الانتخابية، عام 2016، واعداً جمهور ناخبيه بسحب ترشيح غارلاند من قائمة المرشحين للمحكمة العليا، والذي انتظر الرئيس جو بايدن ليعيّنه وزيراً للعدل.

كما تجنّب وزير العدل، غارلاند، الإجابة على أسئلة الصحافيين خلال مؤتمره الذي عقده يوم الخميس، 11 آب/أغسطس الحالي، معلناً مسؤوليته عن التوقيع على قرار موجّه إلى قاضي فيدرالي يطالب فيه بدهم مقر إقامة الرئيس ترامب. غارلاند لم يُرد الإجابة على سؤال أحد الصحفيين، طالباً تفسيره لعدم شروع وزارته في دهم مقر إقامة الرئيس الأسبق باراك أوباما بشأن حيازته لوثائق رسمية مفقودة، بل الأهم عدم متابعة وزارة العدل لوثائق الكترونية رسمية تخصّ وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون، وآخرين أيضاً من طاقم الرئيس أوباما.

أحدى الأذرع الفكرية للحزب الجمهوري واليمين التقليدي، “ذي فيدراليست سوسيتي”، شنّت بدورها هجوماً لاذعاً على الأجهزة الأمنية الأميركية، مستعيدة ما سمّته “أكبر خديعة أمنية في التاريخ الأميركي المسمّاة فضيحة التجسس”، ضد الرئيس دونالد ترامب، باتهام “مسؤولي إدارة الرئيس باراك أوباما بالتآمر لشيطنة والقضاء على رئيس منافس قادم باستخدام أدلّة مصطنعة، والكذب أمام محاكم أمن سرّية، وعمليات بروباغندا إعلامية، وانتهاك عدد من القوانين”، كلها بهدف القضاء على المشاكس القادم إلى البيت الأبيض.

وحذّر قادة الحزب الجمهوري وجمهوره من تبعات عدم وضع حدّ لاتهامات باطلة بحق الرئيس السابق من قبل الأجهزة الأمنية، التي “ستصوّب سهامها ضدهم” إن سمحوا لها بالإفلات من المحاسبة (مقال بعنوان “مداهمة ترامب تؤكد تقرير (دولة) الأمن القومي لمن يُسمح للأميركيين التصويت له”، موقع “ذي فيدراليست سوسيتي”، 9 آب/أغسطس 2022).

واستندت الذراع الفكرية للحزب الجمهوري إلى “قيام القيادات العسكرية بالكذب المتعمّد على الرئيس دونالد ترامب بشأن أفغانستان، لثنيه عن سحب القوات الأميركية من هناك”. أما في عهد الرئيس جو بايدن، فقد “وجد مسؤولو (دولة) الأمن القومي فرصة مريحة برفض الانصياع لقرارات قائدهم الأعلى المفترض”، في إشارة واضحة لدور قائد هيئة الأركان المشتركة مارك ميللي معارضة القيادة السياسية، في أسطع مثال على “الانقلاب العسكري” غير المعلن.

في المحصّلة النهائية، أسهمت عملية دهم منتجع الرئيس السابق والاستيلاء على وثائق رسمية بحوزته في تبلور سلسلة من الانهيارات المجتمعية والسياسية، على السواء، ينذر بعضها بمواجهة قد تُفضي إلى عصيان مدني أو أكثر حدةً، وُجهتها الأذرع الأمنية للدولة، على خلفية انتهاكاتها للحرية الفردية، وما يشكله ذلك من صدمة قاسية في الوعي الأميركي العام.

2022-15-08-التقرير الأسبوعي

ينشر بالتعاون مع “الميادين”

مداهمة مقر ترامب:
دولة الأمن القومي تثأر لإهانتها


د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

سيقت جملة تكهنات رسمية لتبرير قيام جهاز “مكتب التحقيقات الفيدرالي”، أف بي آي، بدهم منتجع الرئيس السابق دونالد ترامب، مارا لاغو، في ولاية فلوريدا، “غير مسبوقة” في ظل التاريخ السياسي لأميركا، محورها اتهامه بالاحتفاظ بوثائق رسمية مصنفة “سرّية وبالغة السرّية”، وإتلاف سجلات رسمية أخرى، التي تستدعي محاكمته وتلقّيه عقوبة بشأنها.

تنبغي الإشارة إلى الظروف الخاصة المتعلقة بالرئيس ترامب قبيل مغادرته البيت الأبيض، بصرف النظر عن مزاعمه بتزوير خصومه للانتخابات الرئاسية، إذ أنه واجه حملة متواصلة من مساعي الإقصاء وجلستي محاكمه في الكونغرس، وحتى التلويح بتطبيق المادة 25 من لائحة التعديلات الدستورية، التي تفوّض نائب الرئيس إعلان عدم أهلية الرئيس مواصلة عمله، وتخوّل نائبه القيام بمهام الرئيس رسمياً، بدعم من أعضاء الحكومة الرسمية، أي إزاحة ترامب من موقعه بمستند دستوري.

من ضمن صلاحيات الرئيس الأميركي، بحسب الدستور، إصداره قرارات برفع تصنيف “السرّية” عن بعض الوثائق الرسمية التي يراها ضرورية، وهنا تكمن إحدى الثغرات القانونية التي يسعى كل فريق إلى استغلال ما تنطوي عليه من نصوص مبهمة لتدعيم وجة نظره الخاصة.

أصدر مركز الأبحاث الرسمي، “خدمة الكونغرس البحثية”، دراسة مفصّلة حول “قانون الوثائق الرئاسية”، جاء فيها أنه “يخلو من أي أدوات لتطبيقه، ولا يسمح للسلطات القضائية بمراجعته”، كما أن لجهاز الأرشيف “الصلاحية لتحديد القيود المفروضة على رئيس سابق بالتشاور معه للتوصل إلى فترة زمنية احتفاظه بتلك السجلات تتراوح بين 5 و 12 عاماً، بالتشاور معه، وفق المادة 44 الفقرة 2204 من قانون الجنايات الأميركي”. وأضاف أنه بعد انقضاء “12 عاماً تنتهي القيود المفروضة من قبل الهيئة” على تصنيفها سريّة. اللافت في نص الدراسة  أن القانون السالف الذكر لا يتضمن إنزال عقوبات جرمية بمن يزيل أو يتلف تلك الوثائق. (دراسة بعنوان “قانون الوثائق الرئاسية: مراجعة شاملة”، 17 كانون الأول/ديسمبر 2019)

الفريق المناوئ للرئيس ترامب تدحرج في توجيه اتهاماته، من “سوء استخدام الوثائق الرسمية”، إلى “إتلاف بيانات رسمية”، ثم إزاحته وثائق تتعلق بالأسلحة النووية، وصعوداً إلى تفعيل محاكمته بحسب قانون التجسس الذي يحظر على المحاكم، ومن ثم العامة، الاطّلاع على طبيعة الدلائل التي تستند إليها التهم الموجهة.

الرئيس الأسبق لوكالة الاستخبارات المركزية، مايكل هايدن، ألمح إلى “إعدام ترامب”، أسوة بالثنائي جوليوس وإيثيل روزنبيرغ، حزيران/يونيو 1953، بعد إدانتهما بتسليم وثائق نووية سرّية إلى موسكو، وذلك في تغريدة جوابية له للمؤرخ الأميركي الشهير، مايكل بيشلوس، في 12 آب/أغسطس 2022.

كما من صلاحيات الرئيس، أي رئيس، الاحتفاظ بوثائق رسمية بصفة خاصة لمدة 12 عاماً، باعتبارها “ملكية خاصة للرؤساء المعنيين”، تُودَع بعد ذلك في الأرشيف الوطني. القانون الناظم لتلك المسألة تم إقراره بحسب أختصاصيي القانون الدستوري عام 1955، والذي “”شجّع، لكنه لم يشترط قيام الرؤساء السابقين بإيداع تلك السجلات” في الأرشيف الوطني (مقال لديفيد ريفكين و لي كايس في صحيفة “وول ستريت جورنال”، 11 آب/أغسطس 2022).

بيد أن فضيحة ووترغيت عام 1974 استدعت استصدار قوانين جديدة للحدّ من قيام أي رئيس بإتلاف سجلات رسمية، التي كانت شرائط التسجيل آنذاك هي المقصودة. وصادق الرئيس الأسبق جيمي كارتر على قرار سجلات الرؤساء عام 1978، والذي يحيل بموجبه مسؤولية حفظ الوثائق الرسمية في عهدة هيئة الإرشبف الوطني، لكنه ينطوي أيضاً على عدد من الثغرات والنصوص المبهمة التي يستند إليها كل الرؤساء لتبرير تصرفاتهم وفق تلك النصوص.

واجهت المؤسسة الأميركية الحاكمة في التاريخ القريب بعض السلوكيات المماثلة بالتعامل مع الوثائق الرسمية من قبل مسؤولين سابقين وباتهامات مشابهة، لكن لم تتطور مسألة “العقاب” إلى قضاء المسؤول المتّهم فترة في السجن كما تنص القوانين السارية، وكما يُطالب بتطبيقه على الرئيس السابق.

من أبرز تلك الأمثلة، المدير الأسبق لوكالة الاستخبارات المركزية، ديفيد بيترايوس، الذي اتُهم عام 2015 بـ “إساءة استخدام بيانات سرّية”، وعقد تسوية مع القضاء تفادى بها عقوبة السجن.

والمثال الآخر، قيام مستشار الأمن القومي الأسبق، صموئيل بيرغر، بـ “نزع وثائق رسمية تخصّ الإرهاب من مقر الأرشيف الوطني، والاحتفاظ بها”، عام 2005، والذي عقد “تسوية” مع القضاء أيضاً جنّبته عقوبة السجن.

قام الرئيس ترامب، بحسب وزارة العدل، بإزالة بنحو “15 صندوقاً” فيها وثائق رسمية والاحتفاظ بها، أرسلها إلى مقر إقامته في ولاية فلوريدا قبيل مغادرته البيت الأبيض، جرت تسوية مصير بعضها لاحقاً بتسليمه إلى هيئة الأرشيف الوطني، بعد عام من انتهاء ولايته الرسمية. حينها أخطرت الهيئة وزارة العدل الأميركية بأن المواد التي تسلّمتها تحتوي على وثائق سرّية.

عند هذا المفصل التسلسلي للأحداث برزت إشكالية: “هل قام الرئيس ترامب بنزع تصنيف السرّية عن تلك الوثائق قبل مغادرته” أم لا؟ وزارة العدل وذراعها التنفيذية مكتب التحقيقات الفيدرالي “يعتقدان” أن الوثائق التي تم تسلّمها من الرئيس ترامب “تنطوي على أدلّة محتملة لارتكابه جريمة”، نظراً إلى فرضية مواصلة احتفاظه بوثائق سرّية أخرى.

في حال استطاعت وزارة العدل إثبات شكوكها المتعلقة بتصنيف تلك الوثائق، وهو أمر من شأنه تعزيز فجوة الشرخ الأفقي والعمودي في المجتمع الأميركي، تستطيع بموجبه تطبيق المادة 2071 من قانون العقوبات، التي تنص جزئياً على أن “يفقد (المتهم) صلاحيات منصبه ويُمنع من تسلم مهام أي منصب يخضع لسلطة الولايات المتحدة”.

مؤيدو الرئيس ترامب، من ضمنهم بعض الأقطاب والقيادات في الحزب الجمهوري، يعتبرون أن ذلك هو المقصود بعينه، إي اغتياله سياسياً وحرمانه الترشح لجولة الانتخابات الرئاسية المقبلة، أقلّه إلقاء ظلالٍ من الشك حول أهليته ومصداقيته للتأثير على قواعده الانتخابية. يعتقدون أيضا أن التحقيق الجاري في مجلس النواب، بشأن اقتحام الكابيتول في 6 كانون الثاني/يناير 2021 من قبل أنصار الرئيس ترامب، هو من أجل التمهيد للحلقة التالية من إنهاء طموحاته السياسية، وحصر المسألة في تطبيق “قانون التجسّس” ضدّه، لمنع الإفصاح عن أي من الأدلة المحتملة أو تداولها.

من بين “الشكوك” التي يسوقها أنصار الرئيس ترامب أن وزارة العدل، في البداية، استندت إلى اتهامها بسوء استخدام الوثائق السرّية كحجة للحصول على قرار قضائي لإجراء مزيد من التفتيش والعبث بمحتويات مقار إقامته الخاصة، وتدبير ملف به بعض الأدلة الظنية، ربما لربط الرئيس ترامب مباشرة بالعناصر الذين دهموا مقر الكونغرس، بغية إرساء تهمة ارتكابه أو مساعدته لارتكاب جريمة ضد الدولة.

وسرَتْ مشاعر الإهانة بين أنصار الرئيس السابق، لاعتبارهم عملية الدهم تنافي نصوص الدستور لحماية حرية الفرد من “التفتيش ووضع اليد على ممتلكات خاصة”، وبذلك فإن عملية الدهم “غير قانونية”، بحسب معطياتها العملية ومسبباتها غير المعلنة إلا بعد إنجازها.

أما وقد استقرّ رأي المؤسّسة على استهداف الرئيس السابق، فقد تسارعت الاتهامات من قبل أنصاره بأن ما يجري هو “تسييس” الموسم الانتخابي المقبل، الانتخابات النصفية بعد شهرين والانتخابات الرئاسية بعد سنتين، وبأن وزارة العدل وأجهزتها ليست سوى “أدوات لجأ إليها الحزب الديموقراطي” لاستهداف المرشح الرئاسي المحتمل عن الحزب الجمهوري.

لوحظ أيضاً مدى الامتعاض الشعبي من تصرّفات مكتب الـ “أف بي آي” الأخيرة، وسجلّه الحافل بالتجسّس على الناشطين المناوئين للسياسات الرسمية، عبر حملة مكافحة التجسّس “كو إنتل برو”، واغتيال بعض قادتهم منذ عقد الستينيات الماضي. وجاءت نتائج استطلاعات للرأي أجراها معهد “غالوب” الرصين لتشهد على ذلك، بأن 66% من المواطنين فقدوا الثقة بالجهاز وبقدرته على استمرار الادّعاء بمساواة الجميع أمام القانون.

المؤرّخ والصحفي الأميركي فيكتور ديفيد هانسن أوضح بعضاً من سلوكيات مكتب التحقيقات الفيدرالي، وسوء استخدامه للصلاحيات الممنوحة له قائلاً بوضوح إن “كبار مديري الـ أف بي آي يخدعون الكونغرس دورياً، وقاموا بمسح أو تعديل الأدلّة المقدمة إلى المحاكم، ويسرّبون معلومات سرّية عمداً إلى الصحافة، وكذبوا أيضاً تحت القسم القانوني أمام المحققين الحكوميين” (صحيفة “واشنطن تايمز”، 11 آب/أغسطس 2022).

في المقابل، لا تزال استطلاعات الرأي المختلفة تفيد بتنامي شعبية الرئيس الأسبق دونالد ترامب بين جمهور الناخبين، مع فوز كبير لمناصريه في الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري التي جرت في بعض الولايات، ومنها ولايات حاسمة في الانتخابات الرئاسية. أما الرئيس جو بايدن، فيستمر مؤشّر شعبيته في السقوط، فضلاً عن أدائه في المناسبات العلنية التي دلّت على إصابته بمرض الشيخوخة، بحسب اختصاصيين.

أمام تفاصيل اللوحة الانتخابية بصورتها الراهنة، يبدو أن الحزب الديموقراطي مقبل على مرحلة شديدة القسوة في جولة الانتخابات الرئاسية المقبلة. نائبة الرئيس، كمالا هاريس، لا تحظى بدعم حاسم من قيادات الحزب، فضلاً عن تخبّط مواقفها بالنسبة إلى بقية الشعب. أما المرشح الرئاسي السابق ووزير النقل الحالي، بيت بوتيجيج، فهو حديث الحضور سياسياّ، ولا يتمتع بالدعم الكافي من مراكز القرار في واشنطن.

بعض المخضرمين في الحزب الديموقراطي يذهب إلى صوغ نتيجة مؤلمة بالنسبة إلى القيادات التقليدية، مفادها عدم توفر مرشح رئاسي مناسب للحزب في الجولة المقبلة، ولذا ينبغي إتاحة الفرصة للمرشح المقبل دونالد ترامب، إن استطاع البقاء سياسياً، على أن يجري البحث عن شخصية جذّابة وقوية لدخول الجولة المقبلة عام 2028.

من بين الدلائل الداعمة لمشاعر  استهداف الرئيس ترامب بدوافع سياسية علاقته المتوترة مع وزير العدل الحالي، ميرك غارلاند، الذي رشّحه الرئيس الأسبق باراك أوباما لمقعد في المحكمة العليا، واضطر إلى سحب ترشيحه نتيجة مناهضة قوية من الحزب الجمهوري.

الرئيس ترامب خاض حملته الانتخابية، عام 2016، واعداً جمهور ناخبيه بسحب ترشيح غارلاند من قائمة المرشحين للمحكمة العليا، والذي انتظر الرئيس جو بايدن ليعيّنه وزيراً للعدل.

كما تجنّب وزير العدل، غارلاند، الإجابة على أسئلة الصحافيين خلال مؤتمره الذي عقده يوم الخميس، 11 آب/أغسطس الحالي، معلناً مسؤوليته عن التوقيع على قرار موجّه إلى قاضي فيدرالي يطالب فيه بدهم مقر إقامة الرئيس ترامب. غارلاند لم يُرد الإجابة على سؤال أحد الصحفيين، طالباً تفسيره لعدم شروع وزارته في دهم مقر إقامة الرئيس الأسبق باراك أوباما بشأن حيازته لوثائق رسمية مفقودة، بل الأهم عدم متابعة وزارة العدل لوثائق الكترونية رسمية تخصّ وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون، وآخرين أيضاً من طاقم الرئيس أوباما.

أحدى الأذرع الفكرية للحزب الجمهوري واليمين التقليدي، “ذي فيدراليست سوسيتي”، شنّت بدورها هجوماً لاذعاً على الأجهزة الأمنية الأميركية، مستعيدة ما سمّته “أكبر خديعة أمنية في التاريخ الأميركي المسمّاة فضيحة التجسس”، ضد الرئيس دونالد ترامب، باتهام “مسؤولي إدارة الرئيس باراك أوباما بالتآمر لشيطنة والقضاء على رئيس منافس قادم باستخدام أدلّة مصطنعة، والكذب أمام محاكم أمن سرّية، وعمليات بروباغندا إعلامية، وانتهاك عدد من القوانين”، كلها بهدف القضاء على المشاكس القادم إلى البيت الأبيض.

وحذّر قادة الحزب الجمهوري وجمهوره من تبعات عدم وضع حدّ لاتهامات باطلة بحق الرئيس السابق من قبل الأجهزة الأمنية، التي “ستصوّب سهامها ضدهم” إن سمحوا لها بالإفلات من المحاسبة (مقال بعنوان “مداهمة ترامب تؤكد تقرير (دولة) الأمن القومي لمن يُسمح للأميركيين التصويت له”، موقع “ذي فيدراليست سوسيتي”، 9 آب/أغسطس 2022).

واستندت الذراع الفكرية للحزب الجمهوري إلى “قيام القيادات العسكرية بالكذب المتعمّد على الرئيس دونالد ترامب بشأن أفغانستان، لثنيه عن سحب القوات الأميركية من هناك”. أما في عهد الرئيس جو بايدن، فقد “وجد مسؤولو (دولة) الأمن القومي فرصة مريحة برفض الانصياع لقرارات قائدهم الأعلى المفترض”، في إشارة واضحة لدور قائد هيئة الأركان المشتركة مارك ميللي معارضة القيادة السياسية، في أسطع مثال على “الانقلاب العسكري” غير المعلن.

في المحصّلة النهائية، أسهمت عملية دهم منتجع الرئيس السابق والاستيلاء على وثائق رسمية بحوزته في تبلور سلسلة من الانهيارات المجتمعية والسياسية، على السواء، ينذر بعضها بمواجهة قد تُفضي إلى عصيان مدني أو أكثر حدةً، وُجهتها الأذرع الأمنية للدولة، على خلفية انتهاكاتها للحرية الفردية، وما يشكله ذلك من صدمة قاسية في الوعي الأميركي العام.