2022-08-08-التحليل

التحليل

ينشر بالتعاون مع “الميادين”

زيارة بيلوسي “المتهوّرة”
ستعزّز استعادة الصين لتايوان

  

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

منذ إعلان رئيسة مجلس النواب الأميركي، نانسي بيلوسي، جدول زيارتها لدول جنوب شرقي آسيا بضمنها جزيرة تايوان، تنادت تيارات المؤسسة الحاكمة الأبرز في الحزبين، والنخب السياسية والإعلامية إلى دعمها على قاعدة “الصين لا ترغب في حضورها، ولهذا عليها التشبّث بالذهاب لإغاظتها”.

أما الطرف الآخر من الطيف السياسي الواقعي، التقليدي، فقد شن حملة انتقادات محدودة في تأثيرها ومداها، وبرزت عناوين صحافية تصف الزيارة بـ “المتهورة والخطرة وغير الضرورية”. والتحذير من استغلال الزيارة كصاعق تفجير في مواجهة عسكرية مع الصين، عزّزه تحشيد البنتاغون قدرات حربية مميّزة ونوعية في آن واحد، إذ أرسل حاملة الطائرات النووية رونالد ريغان، وسفينتين برمائيتين إلى المياه القريبة من تايوان، فضلاً عن إرساله أسراباً من أحدث المقاتلات الحربية الأميركية للمرابطة في اليابان وكوريا الجنوبية.

استفزاز المؤسسة الحاكمة الأميركية للصين في هذا الظرف تحديداً، إضافة إلى ما شكله ذلك من انتقاد حاد للإدارة الأميركية على الإفراط في افتعال الأزمات، جاء في عميق إدراك أن “الخطوة” تشكل تراجعاً رسمياً عن سياسة “الغموض الاستراتيجي”، المتبعة منذ تدشين وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر سياسة الانفتاح على الصين، وزيارة الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون بكين، والتزام الإدارات المتعاقبة بسياسة “الصين الواحدة”، أي إن تايوان ليست دولة معترفاً بها دولياً إلا من بعض الدول التابعة لسياسة واشنطن.

زيارة بيلوسي الرسمية، وهي ثاني أعلى مسؤول في الهرم السياسي الأميركي بعد نائبة الرئيس كمالا هاريس، وخصوصاً أن طاقمها الزائر تضمّن أعضاء من الحزبين الديموقراطي والجمهوري، أتت بعد 25 عاماً من زيارة مماثلة أجراها الرئيس الأسبق لمجلس النواب الأميركي عن الحزب الجمهوري، نوت غينغريتش، عام 1997، حينما كانت الصين تئن تحت وطأة تحدياتها الاقتصادية ومستقبلها على خريطة العالم، قياساً على وضعها الراهن كقطب عالمي في الاقتصاد والتنمية المتبادلة مع الدول والمجتمعات النامية.

اشتهرت بيلوسي بمواقفها السياسية المتشدّدة وتطرّفها في انتقاد سياسات الحكومة الصينية، وهي من أبرز صقور الساسة الأميركيين في إعلاء العداء التاريخي لكل من روسيا والصين واستثماره في كل الأزمنة والأوقات، وهي أرست أرضية تفاهم مشتركة مع التيارات المتشدّدة في الحزبين محورها “الدفاع عن حقوق الإنسان” وإدانة الصين عقب تظاهرات “ساحة تيانمن” عام 1989.

وفي إحدى زياراتها لجمهورية الصين الشعبية، عام 1991، أوقفتها أجهزة الشرطة الصينية بعد حملها يافطة “مؤيّدة لمن قضوا دفاعاً عن الديموقراطية في الصين” (مقال على موقع “شبكة إيه بي سي”، 2 آب/أغسطس 2022).

ولعل إحدى أهم المحطات المعادية للصين في مسيرة نانسي بيلوسي معارضتها دخول الصين في منظمة التجارة العالمية، على نقيض قادة كبار من حزبها الديموقراطي في التسعينيات من القرن الماضي، وعارضت بشدة أيضاً سياسات الرئيس الأسبق بيل كلينتون الهادفة إلى تعزيز العلاقات التجارية بين واشنطن وبكين.

البيت الأبيض، في سياق رد فعله على الزيارة، حافظ رسمياً على سياسة الغموض بإعلانه أنه يسعى لثني رئيسة مجلس النواب عن زيارة تايوان تحديداً، لكنّ تيقّن ذلك لم يرسُ على دليل، سواء “أكدت أم الإدارة نفت” قيامها بذلك، بل اكتفت بالإشارة إلى أن “الصين قد ترد اقتصادياً أو عسكرياً” على الزيارة.

هل استعجلت الإدارة الأميركية، في توقيت زيارة رئيسة مجلس النواب الأميركي، نانسي بيلوسي، لجزيرة تايوان بتأجيجها وتائر التوتر مع الصين واللعب على حافة هاوية الاشتباك المباشر؟

لمراكز القوى في صنع القرار الأميركي توجهاتها “الثابتة” في السعي الدؤوب للحد من بروز منافسين للهيمنة الأميركية على المشهد العالمي، وترويج حصرية قيادة واشنطن للتطورات العالمية، ولا تجد هذه القوى غضاضة في افتعال الاشتباكات والحروب بالوكالة، كما نشهد حالياً ضد روسيا في أوكرانيا، واستفزازها الصين بشأن تايوان لتحافظ على سرديتها بأن تمدّدها العسكري في العالم هو من أجل “حفظ السلم والأمن الدوليين”.

يتردد باستمرار تقويم النخب السياسية على مستوى العالم بأن تمدّد الإمبراطورية الأميركية وهيمنة نفوذها هما في بداية أفول مسارها، ولا يختلف في ذلك عدد من النخب الأميركية نفسها، وما يجري راهناً ليس سوى صراع مستمرّ في مراكز قوى صنع القرار، طلباً لتأجيل مرحلة الأفول في أفضل الاحتمال.

وحذّر عدد من النخب الفكرية والسياسية الأميركية من المضي في مغامرات النزعات العدوانية، التي لم تلقَ آذاناً صاغية منذ بدء صراع الحرب الباردة والحروب الأميركية المتعدّدة على الشعوب النامية منذئذ.

الذراع الفكرية لوزارة الدفاع الأميركية، مؤسسة “راند”، أصدرت دراسة شاملة  بعنوان “التنافس الاستراتيجي الأميركي مع الصين”، رصدت فيها جملة قضايا محورها  “تآكل النفوذ الأمني الأميركي في منطقة آسيا والمحيط الهاديء، نتيجة للتطورات المتسارعة في قدرات جيش التحرير الوطني” الصيني، وأن سياسة “الولايات المتحدة فاقمت مديات التوتر بشأن مسائل خلافية مثل تايوان وبحر الصين الجنوبي، حتى في ظل انحسار احتمال نشوب حرب” بينهما.

من بين إرشادات الدراسة التي شارك فيها “أكثر من 60 مختصاً بالشأن الصيني”، إقرارهم بـ “سوء فهم وإدراك” صنّاع القرار الأميركي لتداعيات التصعيد مع الصين ومخاطره، “وينبغي عليهم اجتراح تدابير خارج خيار الحرب لحماية المصالح الأميركية” (دراسة بعنوان “التنافس الاستراتيجي الأميركي مع الصين” مؤسسة “راند”، حزيران/يونيو 2021

كذلك وجّهت صحيفة “فورين بوليسي” خطاباً مباشراً إلى مراكز القوى قائلة: “إذا كان الهدف الأساسي (لأميركا) الحفاظ على تفوقها العالمي، فسيتعيّن عليها الانخراط في منافسة جيو-سياسية صفرية، حصيلتها صفر”، على خلفية بروز مؤشرات وثغَرٍ في بنية نظام القطب الأحادي.

أستاذ العلاقات الدولية المرموق في جامعة هارفارد، ستيفان والت، أشار مبكراً إلى أن “العالم سيشهد تسارعاً في انتقال مركز القوة والنفوذ من الغرب، إلى دول آسيوية، وخصوصاً الصين وسنغافورة وكوريا الجنوبية” (مقال في صحيفة “فورين بوليسي:” 20 آذار/مارس 2020).

وفي السياق عينه، نرصد تنبّؤ  دانيال فنكلستاين، المستشار السياسي الأسبق لرئيس الوزراء البريطاني جون ميجور، متسائلاً “هل نشهد نهاية الحقبة الأميركية؟”، وهل “الدول الحرة (الغربية) اخطأت على مدى عقود في استنادها إلى فرضية تطابق مصالحها مع المصالح الأميركية” (صحيفة “تايمز” اللندنية، 8 نيسان/إبريل 2020).

وعادت النخب الأميركية بعد عام تقريباً للتحذير مجدداً من أن “الصين لا تشكل تهديداً وجودياً” للولايات المتحدة، لتدشّن نقاشاً جاداً حول مفهوم “التهديدات التي تواجهها الولايات المتحدة” على الصعيد العالمي (“فورين بوليسي”، 21 نيسان/إبريل 2021).

يشار إلى أن إدارة الرئيس جو بايدن تبنّت سردية “خطر الصين” منذ أيامها الأولى، واعتمدها حجر زاوية في وثيقتها “إرشادات مرحلية للأمن القومي الاستراتيجي”، آذار/مارس 2021، التي أتى في جزء منها أن “الصين، على نحو خاص، تمضي بسرعة لتأكيد حضورها بحزم، فهي ليست سوى منافس قد تتوفر لديه القدرة على مزج عناصر قوته الاقتصادية والديبلوماسية والعسكرية والتقنية لتشكيل تحدٍ مستدام لنظام عالمي مستقر ومفتوح”.

واكب ذلك جهد شبه حاسم لدحض السردية الرسمية في تحديد طبيعة التهديد، للأستاذ في جامعة ديوك، بروس جنتلسن، قائلاً بصريح العبارة: “يجري تضخيم تهديد الصين بطرق شبيهة بالتهديد السوفياتي إبّان الحرب الباردة، وبالإرهاب في أعقاب 11 أيلول/سبتمبر (2001)، وتأتي كلها بنتائج عكسية لاستراتيجية السياسة الخارجية، وحرف الأنظار عن السياسات الداخلية بطرائق خطرة” (“فورين بوليسي”، 20 تموز/يوليو 2022).

أنصار السياسة الأميركية الواقعية، على المستوى الدولي، يقرّون بخطأ بوصلة السياسة الأميركية ضد الصين تحديداً، وما تطوّرات قدراتها العسكرية، التي أشارت إليها بعمق دراسة “راند” سالفة الذكر، إلا “استجابة للجهود الأميركية ببناء ترسانة ضخمة من النظم الهجومية والدفاعية. فالصين تتبع خطوات أميركا لا العكس” (نشرة “بوليتن لعلماء الذرة”، 4 آب/أغسطس 2022).

إجراءات الرد الصيني على استفزاز بيلوسي تبدو كمن يبلور الشروط الميدانية واللوجستية لتمرين استعادة تايوان الى الصين الموحّدة ، صحيح انها تكتفي حاليا بعقوبات إقتصادية جزئية ومناورات عسكرية بالذخيرة الحية وشبه الحصار التام، إلا أنّها تمارسه كتمرين على الغزو الشامل عندما تجد الوقت ملائماً. لا تزال القيادة في بكين تفضّل الوحدة مع تايوان بالوسائل السلمية، ولكنها تعلن بخطواتها للعالم أن هذا “الواجب التاريخي”سيتحقق عاجلاً أم آجلاً.

2022-28-07-التحليل

التحليل

ينشر بالتعاون مع “الميادين”

شبكة الكهرباء الأميركية
ترهّل ومأزق متجدد

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

تصاعدت في الآونة الأخيرة، تحذيرات رسمية أميركية، ومن عديد الخبراء والمختصين، من نقصٍ في إمداد توزيع التيار الكهربائي، لا سيما في المدن الصناعية والمراكز الاقتصادية الكبرى، يفاقمه ارتفاع ملحوظ في درجات الحرارة في عموم القارة الأميركية، بشكل خاص، في ظل ازدياد الطلب على طاقة التبريد في فصل الصيف.

حال شبكة التوزيع على نطاق الأراضي الأميركي لا تبشر بالأمل، في المديين القصير والمتوسط، بل تعدّ الأزمة مركّبة تتحكم بها عدة عوامل: ذاتياً، يمكن تعريفها بالبنيوية ترتبط بسيطرة “القطاع الخاص” ومصالحه في مراكمة الأرباح وتراجع استثماراته في البنى التحتية التي تعود إلى ما ينوف عن 4 عقود زمنية؛ وموضوعياً، كوارث طبيعية ببروز تشققات هيكلية في أحدى أهم وأبرز منشأة لتخزين التيار الكهربائي وتوليده، “سد هوفر” في ولايات الغرب الأميركي، والذي أطلق عليه “سد المعجزة” في إبّان مرحلة تصميمه وإنشائه على نهر كولورادو على ضفتي ولايتي أريزونا ونيفادا، خلال مرحلة “الكساد الكبير” التي اجتاحت الولايات المتحدة بين عامي 1931 و  1936.

“سد المعجزة” شكّل تحدياً هندسياً آنذاك؛ نظراً إلى العوامل المعوّقة التي واجهها علماء الطبيعة، والجيولوجيا، وتنبؤاتهم بأنه “لن يصمد وستزيله قوى الطبيعة عاجلاً أم آجلاً” واعتماد تقنيات لم يتم التثبت من فعاليتها. جرى تصميمه باعتماد نظام السدود القوسية التي توزّع حجم قوة الضغط الناشئة من المنتصف إلى الصخور على جانبي السد، لتخفيف سرعة اندفاع المياه مع جسم السد، فضلاً عن طبيعة المناخ الصحراوي الذي تسببت حرارته المرتفعة في سرعة تصلّب طبقات الإسمنت وإسهامها في إضعاف متانة البناء الخراساني. وتم ابتكار حل هندسي يتيح تمديد أنابيب لضخ الماء البارد نسبياً بين المواقع المراد صب الخرسانة بها وتمكين التحام طبقات الإسمنت المختلفة بشكل متناسق (معلومات مستقاة من موقع “هيئة استصلاح الأراضي” الرسمية (Bureau of Reclamation)، المشرفة على مشاريع ضخمة متعددة في 17 ولاية في الغرب الأميركي).

اندلع حريق بعد انفجار هائل في محوّل كهربائي لـ “سد هوفر”، يوم 20 تموز/يوليو الجاري، وشوهدت أعمدة الدخان الكثيفة تتصاعد من منشأة السد الذي توفّر مولّداته الطاقة الكهربائية لمحطات تغذية في ولايات نيفادا وأريزونا وكاليفورنيا، ويعدّ أيضاَ أكبر خزان مياه لتوليد الطاقة والري في البلاد (بيان “هيئة استصلاح الأراضي” الأميركية).

تعطّل ايصال التيار الكهربائي إلى المنازل والمؤسسات العامة، نتيجة انفجار السد، لم يكن المشهد الأول في انكشاف تشققات شبكة التوزيع الضخمة في الأراضي الأميركية وترهّل أدائها، إذ تتكرر حوادث انقطاع التوصيل بصور مطابقة لما سبقها ويسبقها من تجارب، من دون معالجة وافية وملموسة لتحديث البنى التحتية، إلا في حالات استثنائية.

في مثل هذه الأيام من صيف العام الماضي، رصدت يومية “واشنطن بوست” انقطاعاً متواصلاً للتيار الكهربائي في ولايات أقصى الشمال الغربي، واشنطن وآيداهو وأوريغون، إضافة إلى كاليفورنيا ونيفادا ومشيغان في أواسط البلاد، ما دفعها إلى القول عن الانقطاع المستمر بأن يشكل “ناقوساً للحال المهترئة لشبكة توزيع التيار الكهربائي الأميركية، والتي تمضي في مسارها العملي دائماً وهي على حافة” الهاوية (“واشنطن بوست”، 29 حزيران/يونيو 2021).

وأضافت الصحيفة أن درجة حرارة الصيف العالية، بما تشكله من ضغوط إضافية على استخدام التيار الكهربائي، لم تكن هي مصدر انقطاع التيار في ولاية تكساس في شهر شباط/فبراير من شتاء العام عينه، مثلاً، بل سبقتها ولاية كاليفورنيا في انقطاع شبه شامل للطاقة الكهربائية في عام 2020.

وفنّدت الصحيفة مزاعم حاكم ولاية تكساس عن الحزب الجمهوري، غريغ آبوت، في 8 حزيران/يونيو 2021، بأن إدارته “صادقت على تنفيذ وإنجاز كل الإجراءات المطلوب اتخاذها لمعالجة قصور أداء شبكة الكهرباء في تكساس”، بأن ذلك لم يكن دقيقاً، ولم يصمد تطمين الحاكم أكثر من أسبوع، ليتبيّن أن شيئاً من ذلك القبيل لم يتحقق.

يشار إلى أن أحدث البيانات المناخية تشير إلى ارتفاع درجة الحرارة في ولاية اكساس لنحو 115 درجة فهرنهايت (46 درجة مئوية)، وتسببت في انقطاع متزايد للتيار الكهربائي (وكالة “رويترز”، 22 تموز/يوليو 2022).

أقرّت الناطقة باسم “هيئة استصلاح الأراضي”، باتي آرون، بجسامة المعضلة الناجمة عن تراجع منسوب مياه السد نتيجة الجفاف العام الذي “نشهد استمراره لنحو 23 عاماً في حوض نهر كولورادو وبحيرة ميد، والتي انخفض منسوب مياهها بنحو 28%”. وبلغ معدّل انحسار ارتفاع المياه نحو 140 قدماً منذ عام 2000، أي ما يعادل ارتفاع ثمثال الحرية في نيويورك، بحسب تقرير وكالة “رويترز”.

من خيارات معالجتها لأزمة الجفاف، افادت “هيئة استصلاح الأراضي” بضرورة تقليص حجم استهلاك الفرد للمياه في المناطق الحضرية المكتظة، مثل جنوبي ولاية كاليفورنيا ومدينتي لاس فيغاس وفينكس، فضلاً عن خفض حجم المياه المخصصة لري الأراضي والمحاصيل الزراعية، وما ينطوي عليه من تفاقم أزمة في نقص المواد الغذائية المعروضة ويواكبه ارتفاع ملحوظ في الأسعار.

في جانب المعلومات، شبكتي كهرباء الولايات المتحدة وكندا مترابطتان، وما تتأثر به أحداهما تتأثر به الأخرى وإن بنسب متفاوتة، بيد أن قطاع الكهرباء الأميركي مملوك بالكامل لعدد ضئيل لا يتجاوز 10 من الشركات الخاصة، والتي “تعمل باستقلالية عالية عن بعضها بعضاً”، وتشرف عليها بشكل محدود وزارة الطاقة الفدرالية، توّلد بمجموعها 4.12 تريليون كيلو وات، بنسبة 61% من مصادر أحفورية و19% من الطاقة النووية، و 20% من مصادر متجددة كالرياح والطاقة الشمسية تتصدرها ولاية كاليفورنيا (“هيئة معلومات الطاقة الأميركية”، لعام 2021).

تتضمن شبكات التوزيع الأميركية “أكثر من 7000 مفاعل لتوليد الطاقة، ومئات الآلاف من الأميال الناقلة لخطوط كهربائية عالية التوتر ونحو 55،000 محطة ناقلة” (أسبوعية “يو أس نيوز آند وورلد ريبورت”، 23 أيلول/سبتمبر 2016).

تم تصميم شبكة التوزيع الأميركية لمدة لا تتجاوز 50 عاما، بحسب الخبراء، قبل إدخال تحديثات وإنشاء محطات بديلة موازية لاستيعاب تزايد الطلب على توفير التيار الكهربائي، بل هناك أجزاء منها يفوق عمره 100 سنة، وفق بيانات “المجمّع الأميركي للهندسة المعمارية” وتقييمه، تعززها بيانات صادرة عن “وزارة الطاقة الأميركية” التي رصدت ارتفاعاً ملحوظاً بنسبة 124% في منسوب انقطاع تام للتيار الكهربائي في عموم الولايات المتحدة التي تستهدف نحو 500،000 مشترك على الأقل. واضاف المجمّع العلمي أن تراكم تلك الحالة المأساوية هو نتيجة مباشرة لتقدم عمر شبكات التوزيع وانحسار إجراءات تحديثها.

عند احتساب تراجع نسبة “مخزون الطاقة” للاحتياجات الطارئة لدى الشركات المعنية التي تبلغ نحو 2.3% في ولايات الشمال الأوسط مقابل تنامي الطلب بنسبة 1.7%، وتبنى عليه نماذج موازية في مناطق الكثافة السكانية الأخرى، يقترب المرء من عمق حجم التحدي الذي وصل إلى “مستوى متقدم من المخاطرة” للقسم الغربي من الأراضي الأميركية (تقرير “شركة اعتماد كهرباء أميركا الشمالية”، بتاريخ أيار 2022).

وعبّرت يومية “وول ستريت جورنال” عن الحالة المأساوية لشبكة توليد الكهرباء بعنوان صادم “شبكة توليد الكهرباء الأميركية لا يعوّل عليها تصاعدياً”، فقد ارتفع معدل انقطاع التيار إلى نحو 180 حالة في عام 2020، في حين سجّل أقل من 10 حوادث في عام 2000 (“وول ستريت جورنال”، 18 شباط/فبراير 2022).

المجلة الأميركية المتخصصة بالعلوم الطبيعية اصدرت حكماً أقسى من يومية المال والأعمال بعنوان مباشر “تكرار حوادث انقطاع التيار في أميركا هي أكثر من أي دولة متطورة”، استناداً إلى بحث علمي قدمه مهندس كمبيوتر وكهرباء في جامعة مينيسوتا، تموز/يوليو 2014 (مجلة “بوبيولار ساينس”، 17 آب/أغسطس 2020).

وأوضح تقرير المجلة أعلاه أن إنشاء معظم خطوط الشبكة الراهنة تم في عقد الخمسينيات من القرن الماضي بعمر افتراضي لنحو 50 عاماً، لم يواكب متطلبات التمدد وزيادة الطلب على الطاقة، واكتفى المشرفون عليها بإضافة ما يحتاجونه من مولدات ومعدات أخرى قديمة.

تصطدم سبل معالجة انقطاع التيار الكهربائي المزمنة مع الأولويات السياسية الراهنة، ليس لأجندة الرئيس جو بايدن فحسب، بل لعموم المؤسسة الحاكمة بتركيز أولوياتها على محاربة روسيا لاستنزافها في أوكرانيا، والصين أيضاً. وتراجعت، حكماً، وعود الرئيس الأميركي بإيلاء مسألة مكافحة تلوث البيئة أهمية الصدارة، وتجديد العمل باتفاقيات باريس للمناخ، التي انسحب منها سلفه الرئيس دونالد ترامب.

في السياق عينه، تتقلّص أيضاً طموحات حملة الرئيس بايدن الانتخابية في الاستثمار بالسيارات الكهربائية والتراجع التدريجي عن الاعتماد على مصادر طاقة ملوّثة، وفي ظل ارتفاع مطّرد لكلفة مصادر الطاقة، حال أقرّ بها وزير الطاقة الأميركي، بيت بوتيجيج، بأن طاقة شبكة الكهرباء الراهنة لن تتحمل مزيداً من ضغط مطالب تزويد السيارات الكهربائية بالطاقة.

من الخيارات “المرّة”، التي وضعت المؤسسة الحاكمة نفسها أمامها، إعادة التجديد لشركات التنقيب والحفر عن النفط والغاز، وصرف الأنظار عن التعهدات المتتالية للمسؤولين بالاستثمار في مصادر “طاقة نظيفة”، وذلك أسوة بما يجري لحلفاء واشنطن في دول الناتو التي أضحت على مفترق طرق مؤلم لتوفير الغاز قبل حلول فصل الشتاء، وندوب خيارات البحث عن بدائل طاقة وفيرة ورخيصة لمصادر الطاقة الروسية.

2022-21-07-التحليل

التحليل

ينشر بالتعاون مع “الميادين”

أميركا: أزمة رئاسية متراكمة
تُجدّد دور العسكر في القرار

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

تدهور الحال الذهنية للرئيس الأميركي جو بايدن وتبعاتها المستمرة على المستويين الذاتي والعام، والعالمي أيضاً، أضحت مادة إعلامية ثابتة ومصدر قلق دائم للمؤسسة الحاكمة الأميركية ومخطّطاتها الاستراتيجية، وكذلك على “حلفاء وشركاء” واشنطن في العالم قاطبة.

البعد غير المرئي في تدهور مكانة الولايات المتحدة هو تعاظم دور القيادات العسكرية في صنع القرار السياسي، على الرغم من دورها المرسوم  بمسؤوليتها أما الرئيس، القائد الأعلى للقوات المسلحة.

ويمكن القول إن “سيطرة” المدنيين على قرار المؤسسة العسكرية تراجع “بصمت، لكن بوتيرة ثابتة” منذ 3 عقود تزامناً مع نهاية حقبة الحرب الباردة، في مطلع تسعينيات القرن الماضي، واكبها تنامٍ مطرد في نفوذ القيادات العسكرية، ودورها المحوري في تصميم الحروب المتتالية وشنها منذ تلك الآونة، وإطلاق مصطلح “الحرب على الإرهاب” كعنوان فضفاض يتيح للمؤسّسة التمدد والتدخل و”إدارة الحروب” على نطاق الكون كله.

بيد أن الحصيلة العامة لتلك المعادلة لا تكمن في تعريفها الثنائي للقرار، أي إما العسكر، وإما السياسيون، بل حافظ الطرفان على علاقة توازن بينهما استطاع العسكريون التحكم بطبيعة المعلومات المراد تعميمها وممارسة سيطرة غير مرئية أحياناً على آليات صنع القرار السياسي، في السلطتين التنفيذية والتشريعية على السواء.

مناسبة هذه المقدّمة الضرورية فرضتها جولة الرئيس جو بايدن الأخيرة في “الشرق الأوسط”، وما رافقها من توقعات محلية مفرطة أحياناً  لناحية الضغط الذي ينوي الرئيس الأميركي ممارسته على بعض دول المنطقة، وخصوصاً المنتجة للنفط.

ودرجت العادة  على دعم القوى السياسية كافة، بتوافق الحزبين، أفراداً ومؤسسات الرئيس في جولاته الخارجية، والعزوف عن توجيه أي انتقاد له، مهما كانت، لإتاحة له فرصة الظهور أقوى أمام محاوريه.

وجاء استثناء تلك القاعدة أو العرف على لسان طبيب البيت الأبيض في ولاية الرئيس أوباما، روني جاكسون، الذي انتقد الحالة الذهنية للرئيس جو بايدن، قائلاً: “كلنا يدرك أن بايدن لا يصلح لمنصب الرئيس. قدراته العقلية تجاوزت حدود المعقول”، كلامه هذا استدعى من الرئيس الأسبق أوباما توجيه توبيخ شديد اللهجة إلى طبيبه الخاص السابق، معرباً عن “خيبة أمله” من انتقاده أهلية الرئيس بايدن علناً (شبكة “سي أن أن”، 13 تموز/يوليو 2022).

التدهور المتسارع في أداء الرئيس بايدن وزلاّته المستمرة أوقعت فريقه الاستشاري ومساعديه في حال من الحرج لكثرة المبذول من الجهود لتطويق تبعاتها. أقربها ما جرى الإعداد له قبيل زيارته السعودية والتركيز على “مصافحة القبضة” مع ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، لكن بايدن “نسي” ارشادات فريقه وشوهد يصافح باليد عدداً من المسؤولين في “جدة وتل أبيب”. فضلاً عن وقوفه “مذهولا” لا يلوي على شيء في عدد من المواقف، ما لم يشكّل مادة تندّر إعلامية وحسب، بل أكّد شكوك عدد من قادة دول العالم في عجز الرئيس بايدن، وعدم أهليته لاتخاذ أي قرار، وهو أفضل تعبير عن مكانته كواجهة لآخرين يصنعون القرار.

ترجمة تلك الظواهر، بل العوارض، التي لم يعد بالإمكان إضفاء مساحيق الإخراج السينمائي عليها، في بعد السياسة الخارجية الأميركية، تجدّد الاعتبار لتعاظم دور القادة العسكريين في رسم معالم السياسة الخارجية، وما يعزّز ذلك جملة من الشكاوى التي عاناها الرئيس الأسبق باراك أوباما باتهام ضباط البنتاغون بمحاصرته عبر “تقليص الخيارات” المتاحة وخصوصاً في “اضطراره” إلى قبول زيادة عديد القوات العسكرية في أفغانستان، عام 2015، موحياً بأنه لم يكن يشاطر قادته تلك الرؤية. وسارع إلى الأخذ بالثأر عبر إقالته قائد القوات العسكرية الأميركية في أفغانستان، الجنرال ستانلي ماكريستال، على خلفية تصريحات مناوئة للبيت الأبيض أدلى بها الأخير إلى أحد الصحافيين.

عند مراجعة الجدل الرتيب المرافق عادة لإقرار ميزانية وزارة الدفاع السنوية، لوحظ في السنوات القليلة الأخيرة “رضوخ” كلتا السلطتين، التنفيذية والتشريعية، لاستيعاب الضغوط العالية الممارسة عليهما لإقرار سقف ميزانيات أعلى مما طلبه قادة البنتاغون، قيمته 37 مليار دولا زيادة للسنة المالية المقبلة، وهزيمة اقتراح عضو في مجلس النواب اقتطاع “100 مليار دولار” من ميزانية البنتاغون للإنفاق على مواجهة التحديات الاجتماعية المتمثلة في شح فرص السكن وتنامي ظاهرة المشردين.

ونظرة أشمل على حضور مكثف للعسكر في القرار السياسي تقود المرء إلى الاستدلال على تآكل “السيطرة المدنية”، أو تراجعها على أقل تقدير، خارج أسوار البنتاغون، وتحشيدها قادة موثوق بهم لشغل مناصب بالغة الحساسية في دوائر صنع القرار المحيطة بالبيت الأبيض. لعل أبرزهم، في الآونة الأخيرة، وزير الدفاع جيمس ماتيس مخالفاً لتقليد تسليم المهمة إلى شخصية مدنية، ورئيس موظفي البيت الأبيض ومستشار الأمن القومي لترامب، أتش آر ماكماستر.

أما التجسيد الأبرز لدور العسكر فيعيدنا إلى الصراع داخل المؤسسة الحاكمة عقب الانتخابات الرئاسية الماضية، 2020، حينما وجّه اثنان من القادة العسكريين الكبار خطاباً مفتوحاً إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة، مارك ميللي، طالبان فيه بـ “خلع” الرئيس ترامب إذا رفض مغادرة منصبه بعد خسارته الجولة الانتخابية.

تجدر الإشارة إلى “رضوخ” السلطة التشريعية، الكونغرس بمجلسيه، لضغوط البنتاغون لتعيين وزير للدفاع من بين قادته بخلاف الشرط المسبق الذي اتبعه الكونغرس بوجوب تقاعد الضباط لمدة 7 سنوات على الأقل، قبل الموافقة على تسلمهم مناصب رفيعة المستوى في وزارة الدفاع، عملاً بإجراءات إصلاحية أقرّت عام 1947 بالخصوص نفسه.

والمؤسسة الأمنية، بجميع تشعباتها ووكالاتها المختلفة، تسير على قدم وساق مع المؤسسة العسكرية، يكمل كل منهما الآخر، ما تؤكّده آليات صرف الميزانيات السنوية الضخمة لتلك الأجهزة، والتي قلما تواجه بعض المساءلة الشكلية للحفاظ على صورة النظام الديموقراطي لدى الجمهور.

تنتظم جهود أفرع المؤسسات الاستخباراتية الأميركية في نحو 17 جهازا، تتوزّع على جملة اختصاصات منها: وكالات استخبارية لأفرع القوات المسلحة، ووكالات حكومية أخرى، تعمل بمجموعها لدعم السياسة الخارجية الأميركية. وبلغت ميزانياتها الإجمالية لعام 2022 نحو “86 مليار دولار”، لكنّها لا تشمل “وزارة الأمن الداخلي” التي أنشئت عام 2002 بميزانية بلغت 40 مليار دولار، ارتفعت إلى 1.1 تريليون دولار عام 2017، وتزداد تباعاً (ميزانيات الأجهزة الاستخبارية مدرجة في تقرير “خدمة أبحاث الكونغرس”، 12 كانون الأول/ديسمبر 2021).

تتعاظم أدوار الأجهزة الاستخباراتية المختلفة طرداً مع منسوب التحديات التي تواجهها السياسة الخارجية الأميركية، واعتمادها بصورة متصاعدة على نفوذها الدولي، الذي يترجم نفوذاً موازياً في دوائر صنع القرار، أسوة بدور المؤسسة العسكرية.

دشّن الرئيس المنتخب جو بايدن ولايته الرئاسية باتهام سلفه الرئيس دونالد ترامب بتقويض المؤسسة الاستخبارية وتعريضها “لأضرار كبيرة”، عدّها البعض بوليصة تأمين لتحالف سلس منشود بين البيت الأبيض والمؤسسة الاستخبارية الشاملة، سرعان ما تبدد عقب صراع بين وعود الرئيس الانتخابية بالانسحاب من أفغانستان ورؤى المؤسسة النافذة في صنع القرار لتقنين الانسحاب، وتبنّي اجندتها الخاصة في الاستثمار بتقنية أمن المعلومات وتحصين سلامة الشبكات الأميركية الهائلة، والأهم مواكبة رؤيتها في استهداف الصين وروسيا، بصورة رئيسة، وعدم التساهل مع كل من إيران وكوريا الشمالية.

تلك العناصر أضحت بديهيات لسياسة البيت الأبيض الخارجية، مع استمرار منسوب العداء للنظم الوطنية المستقلة في أميركا الوسطى والجنوبية، وتشديد التعامل “الخشن” وتنشيط سياسة نشوب “الثورات الملونة” في مناطق متعددة من العالم، خصوصاً في باكستان وسيريلانكا اللتين تعرّضتا لانقلاب على السلطة بعد أيام وجيزة من انتهاج قيادتهما سياسة تقارب وتفاهم مع روسيا الاتحادية.

2022-30-05-التحليل

التحليل

(ملاحظة: سيحتجب التقرير الأسبوعي عن الصدور لشهر حزيران/تموز المقبل، على أن يستأنف صدوره كالمعتاد)

أميركا: مرض ثقافة العنف
وعجز المشرّعين

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

مجزرة مروعة أخرى ذهب ضحيتها طلبة مدرسة ابتدائية، في ولاية تكساس، استثارت ردود أفعال بليغة كلامياً، كما هو متوقّع، وتكرارَ دعوات سابقة بضرورة تشديد قيود اقتناء السلاح، لم تُجْدِ نفعاً حتى الآن، وتصريحاً للرئيس بايدن بالكاد لامس عمق المسألة، قائلا: “أتوجّه بطلب إلى الأمة بالصلاة من أجل أرواح الضحايا، وقد شهدتُ أكثر من 900 حادثة إطلاق نار على طلبة المدارس منذ 10 سنوات خلت”؛ أي خلال فترة خدمته الرسمية نائباً لرئيس للولايات المتحدة، مشيراً إلى فشل الهيئات الحكومية الأميركية “احتواء” تداعيات انتشار السلاح الناري، ناهيك بإيجاد حلول مُرضية (بيان البيت الأبيض، 24 ايار/مايو الحالي).

تتباين التحليلات الرسمية والعلمية الأميركية في سبر أغوار ظاهرة تفشي العنف المسلّح، وخصوصاً في العقد الأخير من القرن الحالي. ودوافع اقتناء الأسلحة النارية، بصورة عامة، هي نتيجة معالجة الفرد لمصادر “الخوف والكبت والحقد” بسبب الفوارق الاجتماعية والاقتصادية. وفضلت التركيز على محور معالجتها التقليدي، الذي يستعيد مطلب “سن قوانين متشددة” لتراخيص اقتناء السلاح، من دون المساس بالنص والروح لـ”مادة التعديل الدستورية الثانية”، التي تجيز حمل السلاح، وكذلك ظاهرة ارتفاع معدلات العنف الأسري ليشمل أغلبية القطاعات الاجتماعية.

في المجمل، تتفادى هذه التحليلات الولوج إلى عمق البنى السياسية والثقافية في النظام الرأسمالي الأميركي، إذ شكّل العنف المسلح ركيزة نشأته وضمان استمراريته، وخصوصاً بشأن ما يؤمن به قطاع واسع من الشعب حول”فرادته”، وبلوغه مرحلة “إزدهار الحلم الأميركي”، وحصرية امتيازاته ومزاياه الاقتصادية في شريحة ضيقة من السلم الاجتماعي، أو معالجة ظاهرة العنصرية المزمنة في بنى الكيان السياسي منذ تأسيسه.

استعادت مراكز الأبحاث ووسائل الإعلام، المرئية والمقروءة والمسموعة، بيانات توضّح ما آلت إليه ظاهرة تفشي إطلاق النار داخل مباني المدارس، وخصوصاً الابتدائية، وإثارة “بعض” التساؤلات المشروعة بشأن تباين المخصصات المالية الضخمة لأجهزة الشرطة ومردود سوء أدائها، بل الإفراط في قسوتها، في كل مرة.

وفي التفاصيل، جاءت المجزرة الأخيرة في المرتبة “137 ضد المدارس للعام الجاري، بينما شهد العام الماضي 249 حادثة إطلاق نار في المدارس، ما شكّل أسوأ عام على الإطلاق” (تحقيق أجرته شبكة “البث العام – بي بي أس”، 25 أيار/مايو 2022).

البيانات الرسمية الصادمة أفرج عنها “مكتب التحقيقات الفيدرالي – أف بي آي” عام 2020، مشيراً إلى ارتفاع معدلات شراء السلاح إلى “40 مليون قطعة من جانب مواطنين أميركيين، منها نحو 40% لمستخدمين جدد”؛ أي ما يعادل أكثر من 5 ملايين مواطن. وأضاف المكتب أن “نحو 33% من المشترين هم من النساء، وعادت بعضهن إلى شراء قطعة سلاح أخرى في عام 2021 بنسبة 23%، إذ بلغت حصتهن من مجمل حَمَلة السلاح أكثر من 42%”.

وأوضحت دراسة حديثة أن نحو “70% من حوادث إطلاق النار في عموم الولايات المتحدة تعود جذورها إلى العنف الأسَري”، مشيرة إلى أن الشابّ في مجزرة المدرسة الابتدائية أطلق النار على جدته قبل توجهه إلى مبنى المدرسة في مدينة يوفالدي في ولاية تكساس (دراسة صادرة عن جامعة “جونز هوبكينز”، 27 أيار/مايو 2022).

واستطردت الدراسة أن “نحو نصف حوادث العنف الأسري لا يتم إبلاغ أجهزة الشرطة بشأنه”، وأوضحت بعض دوافعها لاحقاً، ومردها أن الضحايا لا يثقون بجدّية الأجهزة الأمنية، وخصوصاً حينما تتعلق المسألة بالمرأة، وهو ما يشير أيضاً إلى استشراء ظاهرة  “كراهية النساء”. ودلّت بيانات الأجهزة الرسمية، هيئة إحصاءات العدالة، على انخفاض معدل حوادث العنف الأسَري المبلّغ بشأنها “في عام 2019 مقارنة بحوادث عام 2010” (بيانات الهيئة Bureau of Justice Statistics””، 5 تشرين الأول/اكتوبر 2021).

مع كل ما تقدّم، أضاف تحقيق لصحيفة “نيويورك تايمز” بُعداً خطيراً في مظاهر إطلاق النار، ألا وهو “ارتفاع حوادث غضب سائقي السيارات في الطرقات العامة، التي لا تتوفر عليها كاميرات مراقبة، منها الإبلاغ عن عشرات حوادث إطلاق النار في ولاية تكساس وحدها خلال فترة زيادة شراء الأسلحة، واكبها تصاعد معدلات توتر بين قطاعات الشعب” من المستقبل.

وأضافت أن جهاز شرطة مدينة دالاس، في ولاية تكساس، سجّل “مقتل 11 شخصاً، وجرح 45 آخرين، في العام الماضي، بينما سجّلت شرطة مدينة أوستن 160 حالة إشهار سلاح أو إطلاق النار من جانب سائقي السيارات”. وبلغ نصيب ولاية تكساس من حوادث إطلاق النار على الطرقات العامة “نحو 25% من المجموع العام في عام 2021، على نحو أسفر عن مقتل 33 فرداً” (يومية “نيويورك تايمز”، 12 نيسان/إبريل 2022).

 

سبل المعالجة

أدّى تعدد دوافع حوادث الأسلحة النارية إلى شبه إجماع على تَناوُل المؤسسات لطرائق التصدي لإطلاق النار وسبل معالجتها، أبرزها ما أقدمت عليه يومية “نيويورك تايمز”، بتاريخ 21 نيسان/ابريل 2022، استناداً إلى مروحة واسعة من مساهمة أختصاصيين وعلماء نفس وعلماء اجتماع، وفحواه أن “تفسير” الظاهرة يكمن في 3 نواحً، ليبني عليها الطاقم السياسي حلولاً موازية.

الأولى، مناخ اضطراب الحياة اليومية في المجتمع نتيجة الإغلاق المتواصل لمواجهة جائحة “كورونا”، من ضمنها برامج الخدمات الاجتماعية “التي في استطاعتها “ترويض الجريمة والعنف”، وما أسفرت عنه من ارتفاع معدلات شراء الأسلحة النارية.

الثانية، فقدان شرائح المجتمع الثقة بالمؤسسات الرسمية، وواكبه اتساع الهوّتين الاجتماعية والاقتصادية، الأمر الذي أدى إلى التعبير “العنفي أحياناً” عن منسوب الغضب المكبوت.

الثالثة، عسكرة أجهزة الشرطة في مختلف المقاطعات الأميركية، والتي يبلغ تعدادها أكثر من 2000 جهاز، والإفراط في قسوة تعاملها مع حوادث “عادية” لا تستدعي استخدام السلاح كخيار أول، فضلاً عن زيادة ملحوظة في الاعتقالات الجماعية، واقتياد أعداد كبيرة من الشبّان إلى السجون والمعتقلات، التي أضحت مصدراً للرزق لفئة ضيقة من أرباب الأعمال “بتواطؤ بيّن من سلك القضاء”.

عند النظر في عامل نفوذ شركات صناعات الأسلحة على صنّاع القرار، في المستويين المحلي والفيدرالي، والأخذ في الاعتبار المردود المالي عليها، يقترب المرء من ملامسة ما تنطوي عليه سياسة “الباب الدوّار”، لمصالح متبادلة، بين السياسيين ورأس المال، عبر آلية “اللوبيات”، وخصوصاً لوبي الأسلحة النارية ممثلاً في “مجموعة البنادق الوطنية – NRA”.

بلغ حجم صادرات الأسلحة الأميركية 138 مليار دولار، في عام 2021. تلقّى الساسة الأميركيون نحو 172 مليون دولار، لعقدين من الزمن، من أجل المصادقة على تشريعات وقوانين لمصلحة تلك الشركات، ووفّرت أيضاً نحو 155 مليوناً في العقد الماضي لدعم “مرشحّين بعينهم” في حملات انتخابية متعددة (بحسب بيانات منظمة “أوبن سيكريتس Open Secrets”).

من ناحية أخرى، في محاولة لسبر أغوار العنف المسلح، أشارت دراسة لمعهد “بروكينغز” إلى ارتفاع أعداد “المجموعات اليمينية المسلحة، والتي تشكل تهديداً كبيراً للنظام الديموقراطي الأميركي وأحكام القانون أكثر من أي مجموعة للجريمة المنظمة”، عمادها “العنصريون البيض المعادون للهجرة” (معهد “بروكينغز”، 21 كانون الثاني/يناير 2021).

يستطيع المرء الاستنتاج من دون عناء، بعد عرض عدد من الدراسات والأبحاث السالفة الذكر، أن المجتمع الأميركي اليوم أضحى عاجزاً عن “قبول الآخرين”، اتساقاً مع ارتفاع معدلات الهجرة وتقلص الفرص الاقتصادية وتدني برامج الرعاية الاجتماعية والصحية، وتفشي ظاهرة العصابات المسلحة والمنظمة، تحت سمع الأجهزة الأمنية الرسمية وبصرها.

ذريعة “مادة التعديل الثانية”، التي يتسلح بها أنصار حمل الأسلحة النارية، لم تعد ذات قيمة في العصر الحديث. وتجدر الإشارة إلى تعليق رئيس المحكة العليا الفيدرالية، ووران بيرغر، قبل نحو 31 عاماً، قائلاً إن الزعم بشأن تخويل المادة الثانية الحرية الفردية لحمل السلاح هي “إحدى أكبر منصات الاحتيال”.

وتراجعت المحكمة العليا عن قراراتها وتوجهاتها السابقة، عقب تعديل موازين القوى لمصلحة التيار اليميني المتشدد، مجددة تفسيرها السابق لـ “حق الفرد في اقتناء السلاح”، في قضية حازت أهتماماً كبيراً  في عام 2008، واستندت إليه مجالس الولايات المحلية للسماح بحمل السلاح في الأماكن العامة، من دون التقيد بالحصول على ترخيص مسبّق بذلك.

حوادث إطلاق النار على المدنيين العزّل ظاهرة منبعها ثقافة مجتمع أميركي يحابي الظواهر العسكرية، ويتم ترويجها عبر منتجات هوليوود المتعددة الأهداف والشرائح الاجتماعية، وتُعلي مكانة الخدمة العسكرية في الأجهزة الأمنية، بحيث يصبح العنف المسلّح لازمة ضرورية لسياسات تطبّق في كل مناحي الحياة اليومية.

أمّا المعالجة الجادة واستباط الحلول، من جانب الحزبين الرئيسيين، الديموقراطي والجمهوري، فسرعان ما يتراجع زخمها بتواطؤ مدروس من المنظومة الإعلامية المتكاملة، المقروءة والمرئية، لتعود الحياة اليومية إلى سابق عهدها، وخصوصاً في دوامة إشغال الشعب، في كل قطاعاته، بانتخابات تتجدد مرة كل سنتين، بحيث لا تتوافر فرصة حقيقية لبناء رأي عام ضاغط ومؤثّر في صنّاع القرار.

2022-27-05-التحليل

التحليل

(ينشر بالتعاون مع موقع “الميادين” اونلاين)

هل ينجح إردوغان بابتزاز “الناتو”
ويحقق أطماعه في الشمال السوري؟

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

أثار عزم كل من السويد وفنلندا انضمامهما إلى حلف “الناتو” تحفّظ تركيا، أوجزه الرئيس التركي، رجب طيّب إردوغان، بأن بلاده “لا تريد (تكرار) خطأ حلف الأطلسي بقبوله عضوية اليونان، فالدول الاسكندنافية تعدّ دار ضيافة لمنظمات إرهابية” (21 أيار/مايو 2022).

“خطأ الأطلسي”، بحسب الرئيس التركي، جاء على خلفية الاشتباك المسلح في جزيرة قبرص وإرسال أنقرة قواتها إلى الجزيرة عام 1974، وانسحاب اليونان من الحلف احتجاجاً على عدم تدخل أعضائه ضد “الغزو التركي”. وعادت اليونان إلى عضوية الحلف، تشرين الأول/اكتوبر 1980، بموافقة أنقرة، التي شهدت انقلاباً عسكرياً بقيادة الجنرال كنعان إفرين. اليونان وقبرص عضوان في “الناتو” ما يمنحهما نفوذا ديبلوماسياً واسعاً.

علاقات أنقرة بعواصم الدول الاسكندنافية ليست على ما يرام، إذ شهدت توتراً ديبلوماسياً في الآونة الأخيرة على خلفية مشاركة وزير الدفاع السويدي، بيتر هولتكفيست، مع “قوات سوريا الديموقراطية”، في لقاء عبر الفيديو العام الماضي، ومرة أخرى عقب استقبال وزيرة الخارجية آن ليند وفداً من حزب الاتحاد الديموقراطي، رسمياً في السويد.

“تحفّظ” تركيا على توسيع عضوية الناتو، لضم السويد وفنلندا، له جملة أبعاد وخلفيات تعتبرها أنقرة تهديداً لأمنها القومي، نشير هنا إلى أبرز أسبابها: الأول، خشية تركيا من توتر جديد مع موسكو وارتداداته عليها بعد انفراج وتقارب بينهما في السنوات الأخيرة. الثاني، قلق أنقرة من إرباك حساباتها ومصالحها الإقليمية في منطقة القوقاز، وفي الواجهة انتقاد ثابت لتركيا من قبل السويد وفنلندا على خلفية انتهاكاتها لحقوق الإنسان، والأزمة التي أدت إلى نية أنقرة طرد 10 ديبلوماسيين غربيين سرعان ما تراجعت عنها، في تشرين الأول/اكتوبر 2021، بعد إدانة اعتقالها للناشط التركي عثمان كافالا، ولخشيتها أيضاً من تحشيد الدولتين أعضاء الحلف ضدها، أسوة بما فعلته اليونان.

تركيا استغلت الفرصة لابتزاز خصومها في “الناتو” بمطالبتها كلاً من السويد وفنلندا برفع حظر بيع الأسلحة المفروض عليها منذ عام 2019، عقب هجومها العسكري على القوات الكردية في شمال شرق سوريا، وتسليمها العشرات من المناوئين لسياساتها المقيمين في تلك الدول.

وفي أحدث اتهامات أنقرة ضد ستوكهولم، زعمت “القوى الأمنية التركية” أنها عثرت على أسلحة مضادة للدروع “سويدية المنشأ” مع قوات حزب العمال الكردستاني، خلال مداهمتها كهوفاً لمقاتليه شمالي العراق، الأمر الذي من شأنه تعزيز أوراق الضغط التركية ضد عضوية السويد وفنلندا. اللافت في توقيت الاتهام أنه أتى عشية وصول وفدي البلدين إلى أنقرة للتباحث في “المخاوف التركية” (اسبوعية “نيوزويك”، 25 أيار/مايو 2022).

تتمتع السويد بصناعات عسكرية متطورة، أهمها “مجموعة صاب”، التي تنتج مروحة واسعة من الأسلحة المضادة للدروع الخفيفة والمتوسطة، كارل غوستاف،  وعدداً من نظم الدفاع الجوي والصواريخ الموجهة. كما ساهمت السويد في رفد أوكرانيا بأسلحة متطورة تحت رعاية الولايات المتحدة.

لتركيا مخاوف “أمنية” مع كل من روسيا والولايات المتحدة. وقد شهدت حروباً متواصلة مع روسيا منذ القرن ال15 بلغت “16 حرباً، وسنخوضها مرة أخرى”، كما صرّح بذلك مستشار الرئيس التركي والاستاذ في جامعة “يدي تبه” في اسطنبول، مسعود حقي كاسين، بتاريخ 16 شباط/فبراير 2022. وأضاف أن هناك “25 مليوناً من المسلمين يقطنون روسيا”، تلميحاً إلى إثارة تركيا قلاقل داخلية لروسيا.

كما أن سيطرة تركيا على مضائق البحر الأسود يثير قلقاً مزمناً لروسيا، إذ أغلقت أنقرة العبور من وإلى البحر منذ بدايات العملية الروسية الخاصة في أوكرانيا، فضلاً عن إغلاقها مجالها الجوي أمام حركتي الطيران المدني والعسكري الروسيين المتجهة إلى سوريا. بالإضافة إلى ذلك، تستنهض أنقرة النزعة الطورانية في دول الاتحاد السوفياتي السابق، أذربيجان نموذجاً، وإقليم شينجيانغ غربي الصين، لبسط سيطرتها وزعزعة استقرار الدولتين.

أما خلافاتها مع الولايات المتحدة، كدولة وظيفية في حلف “الناتو”، فهي موسمية “لا تلبث أن تخبو”، خصوصاً عند الأخذ بعين الاعتبار محاولات التأثير من قبل “اللوبي التركي” في واشنطن على أعضاء الكونغرس ومراكز الأبحاث المؤثرة في صناعة القرار السياسي.

لعبت تركيا دوراً محورياً بارزاً في الاستراتيجية الأميركية بشأن سوريا تحديداً، منذ ما قبل بدء العدوان الكوني عليها في شهر آذار/مارس 2011. ونشرت واشنطن بطاريات باتريوت للدفاع الجوي بالقرب من الحدود المشتركة مع سوريا، وتم سحبها في أعقاب التدخل العسكري الروسي المباشر عام 2015، ما أثار حفيظة الرئيس التركي إردوغان وقدم طلباً لشراء منظومة دفاع جوي خاص بتركيا، رفضته واشنطن.

توجه إردوغان إلى التفاهم مع الرئيس الروسي من أجل شراء منظومة أس-400 الروسية للدفاع الجوي، سرعان ما غضبت واشنطن واتخذت بعض الإجراءات العقابية ضده، منها استبعاد تركيا من برنامج مقاتلات “الشبح” الأميركية، من طراز أف-35، وتعليق طلبها لتحديث مقاتلاتها الحربية من طراز أف-16، وتدهور قيمة الليرة التركية أمام الدولار الأميركي، 17.57 ليرة، فضلاً عن ارتفاع معدلات التضخم إلى نحو 60%، بحسب بيانات حديثة للبنك المركزي التركي.

مصير صفقة طائرات “الشبح” أضحى بيد الكونغرس الذي يعارض بقوة انفتاح أنقرة على موسكو، ويطالب أعضاؤه تركيا بتخليها عن المنظومة الروسية “لدواعٍ أمنية”، وإلا ستبقى الإجراءات العقابية سارية المفعول. أما دعم تركيا لأوكرانيا بطائرات “الدرون” ومعدات عسكرية أخرى فلم يشفع لها بتخفيف أو إلغاء العقوبات عليها.

كما أن محاولة الانقلاب على الرئيس إردوغان في نهاية عام 2016 أسفرت عن طلب عدد من كبار الضباط المفرزين للعمل في مقر حلف “الناتو” في بروكسيل اللجوء السياسي لخشيتهم من انتقام الرئيس التركي. بيد أن التنسيق العسكري بين الطرفين في عموم الإقليم لم يشهد تصدعاً، بل دعماً وتأييداً للتدخل التركي في ليبيا وسوريا وأذربيجان. وكذلك لمحاولة توسط تركيا بين روسيا وأوكرانيا.

الشائع في الأوساط الأميركية أن الرئيس التركي بارع في “ابتزاز” الآخرين، خصوصاً دول الاتحاد الأوروبي، وهي علاقة أشبه بـ “الغرام والكراهية” المتبادلة، ويتمتع بقراءة جيو-سياسية أقرب إلى الواقعية، ما يقود إلى الاستنتاج أن مراهناته الأخيرة تدلّ على “اعتقاده بأن المستقبل هو لتعدد القطبية إذ تأخذ كل من روسيا والصين دوريهما” (شبكة مايكروسوفت “أم أس أن”، 24 أيار/مايو 2022).

تجدر الإشارة إلى حقيقة الموقف الأميركي من “تمدد حلف الناتو”، بدءاً بأوكرانيا ومروراً بالدول الاسكندنافية، أن جوهر المسألة هو “إدارة الأزمة” وليس حلها، كما أوجز هنري كيسنجر الاستراتيجية الأميركية، ومشاغلة روسيا ومن ثم الصين. وعليه، تلجأ واشنطن إلى إشعال توترات في ساحات متعددة لإبقاء جذوة الصراع مشتعلة.

سواء وافق حلف الناتو بكامل أعضائه على عضوية فنلندا والسويد، أم تأجل القرار الجماعي بسبب تحفظ تركيا، فمن المستبعد أن يتم تجاوز عقبة تركيا “ثاني أكبر قوة عسكرية في الحلف” في المرحلة المقبلة، كما تدلّ عليه اسهامات وتعليقات كبار الكفاءات السياسية الأميركية، ومحورها أن “الأفضلية لعواصم الحلف، خصوصاً واشنطن، هي عقد احتفال تنصيب العضوين الجديدين عوضاً عن إجراء نقاش موسّع لتحديد الكلفة والمكاسب التي ستنجم عن انضمامهما”.

بداية، لوحظ تراجع رئيس حلف الناتو، ينس شتولتنبرغ، مخاطباً الصحفيين “نتعامل مع المخاوف التي أعربت عنها تركيا، والجلوس معها إلى طاولة مفاوضات وإيجاد أرضية مشتركة”، مقارنة مع تقرير لوكالة “بلومبيرغ” الأميركية، 22 أيار/مايو الحالي، بأن تهديدات إردوغان “تثير الشكوك بشأن الاعتماد على أنقرة كعضو في الحلف، وتقوّض الأمن الجماعي لحلف الأطلسي”.

في السياق عينه، توجه الرئيس الأميركي جو بايدن إلى الكونغرس طالباً موافقته على بيع تركيا أسلحة ومعدات لتحديث اسطولها من مقاتلات إف-16. كما أن لوائح حلف الناتو الداخلية لا تجيز “طرد” أحد أعضائه، كإشارة إلى أولئك الغاضبين من “ابتزاز” الرئيس إردوغان.

وعند سؤال الرئيس بايدن، مطلع الأسبوع الحالي، عن المخاوف التي تثيرها تركيا مقابل قبولها توسيع عضوية الحلف، أجاب “لن أذهب إلى تركيا، لكنني أعتقد أن الأمر سيكون على ما يرام”.

وحذرت مجلة “ناشيونال إنترست” من تضييق الغرب الخناق على تركيا التي إن “تضرّرت يمكنها إضعاف الحلف من الداخل لعقود قادمة”، خصوصاً وأن الإجراء “الأشد خطورة هو في الحد من مشاركة تركيا في التدريبات المشتركة لحلف الناتو والتخطيط للعمليات المشتركة” (“ذي ناشيونال إنترست”، 22 أيار/مايو 2022).

وخصّت المجلة المذكورة انضمام فنلندا المزمع لحلف الناتو بمزيد من الشكوك والطلب من “واشنطن سحب تأييدها، نظراً لأنها تتمتع بعلاقات ودّية متبادلة معها، من دون الحاجة إلى التهديد بإبادة الشعب الروسي نووياً”.

أما مخاوف فنلندا من “غزو روسي” لأراضيها، بحسب المجلة، فإنها لا تشكل “سوى احتمال بعيد في الأزمنة العادية. سياسة فنلندا الحيادية الطويلة الأمد أثبتت نجاحاً أمنيا باهراً” وينبغي  التعويل على تجديدها.

بموازاة التصعيد الأميركي مجدداً في سوريا، سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، وعبر القصف “الإسرائيلي” المتواصل داخل العمق السوري، أعلن الرئيس التركي نيته شنّ عمية عسكرية واسعة في الشمال السوري تؤدي إلى إنشاء “منطقة آمنة بعمق 30 كيلو متراً” داخل الأراضي السورية، بذريعة أنها ستكون قادرة على استيعاب نحو مليون لاجيء سوري. الحكومة السورية أبلغت هيئات الأمم المتحدة أنها تعتبر الإعلان التركي “عدوانا يرمي إلى إنشاء بؤرةمتفجرة داخل سوريا”، واحتلالاً سيشهد مقاومة.

الاحتلال التركي المزمع لقضم مزيد من الأراضي السورية من شأنه خدمة عدد من الأطراف الدولية المعادية، خصوصاً وأن حلف “الناتو” وافق على إنشاء “منطقة آمنة” في شمال سوريا، في عام 2019، وتخدم بشكل أدق المجموعات الإرهابية الخاضعة لسيطرتها والتي ما فتئت تطالب بإنشاء “مناطق عازلة” و”فرض حظر جوي” على مناطق معينة.

أميركا “تمنعت” برفض الطلب التركي بعد مماطلة طويلة، وبذلت جهوداً مضاعفة لبسط سيطرتها على درة الأراضي السورية الغنية، شرق الفرات، التي تمثل أهمية استراتيجية بالنسبة إليها ولعملائها من تنظيمات إرهابية وقوى إقليمية.

بيد أنه يجب عدم النظر إلى الموقف الأميركي “الجديد” على أنه سيصطدم حتماً بالموقف التركي، بل نابع من انشغال واشنطن بملفات أشد تعقيداً على المستوى الكوني في تصديها لروسيا والصين. تركيا أحسنت استغلال الظرف السياسي الراهن لتحسين شروط ابتزازها، ومنها تخفيض عدد القوات الروسية في سوريا، كما يجري تداوله، لتعلن حضورها بقوة وجاهزيتها لاستكمال المخطط التفتيتي الأميركي، في سوريا والعراق، لقاء ثمن مناسب تقايض فيه مسألة انضمام الدولتين الاسكندنافيتين إلى حلف “الناتو”.

2022-18-05-التحليل

التحليل

(ينشر بالتعاون مع موقع “الميادين” اونلاين)

 

تمدّد “الناتو” إلى اسكندنافيا
تدفع الحرب إلى حافة النووي

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

          جوهر الأزمة الأوكرانية هو صراع جيو-سياسي بين روسيا، من جهة، والولايات المتحدة وحلفائها الغربيين، من الناحية الأخرى، قد ينزلق إلى مواجهة أوسع شمولية تطال الكون بأكمله.

          من الثوابت الأميركية، في هذا السياق، لجوء دوائر صنع القرار إلى توسيع ساحات الصراع من أجل تخفيف الضغط الروسي عن أوكرانيا، بدءاً بالترحيب بانضمام “دولتين محايدتين سابقا”، فنلندا والسويد، إلى مظلة حلف “الناتو”، الأمر الذي  يُدخل عنصر تحدٍّ جديداً لروسيا واضطرارها إلى نشر قواتها لتغطية مساحة إضافية من الحدود المشتركة مع فنلندا، بطول 1،300 كلم.

          أيضاً، نشطت الاستراتيجية الأميركية في مياه المحيط الهاديء لتطويق كل من روسيا والصين، الأولى عبر تجديد صراعات تاريخية إقليمية مع اليابان، والثانية عبر حشد دول جنوبي شرقي آسيا، مجموعة “آسيان”، ودفعها إلى الانضمام إلى التوجهات الأميركية إلى محاصرة الصين وقطع الطريق عليها لضم جزيرة تايوان، وتزويد الأخيرة بأسلحة أشد فتكاً من قدرتها على استيعابه.

          بيد أن انضمام الدولتين الاسكندنافياتين، السويد وفنلندا، إلى “الناتو”، تعترضه جملة معوّقات، على الرغم من الضخ الإعلامي المكثف بشأن حتمية موافقة كل أعضاء دول الحلف على الطلب المقدّم، أبرزها سريان مفعول معاهدة ثنائية بعدم الاعتداء بين روسيا وفنلندا، عقب الحرب العالمية الثانية في عام 1947 في باريس، تضمن وضعاً حيادياً لفنلندا في الصراعات الدولية، مدتها “أبدية perpetuity“، كما جاء في النص الأصلي للمعاهدة.

          يُشار إلى أن الصراع الروسي مع فنلندا له جذور تاريخية تمتد منذ القرن الثاني عشر، ولاحقاً انضمت فنلندا إلى ألمانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية وفتحت أراضيها ومياهها لجحافل الغزو في اتجاه أراضي الاتحاد السوفيتي، بحيث جرى استغلال قِصَر المسافة التي تفصل مدينة “ستالينغراد”، أي سان بطرسبورغ، 400 كلم، عن الشواطيء الفنلندية.

أدى حصار “ستالينغراد” الشهير إلى هلاك ما لا يقل عن مليوني إنسان، بعد استشراء الأوبئة والمجاعة، نتيجةً للعدوان النازي القادم من الأراضي الفنلدية والبولندية. وأبرمت معاهدة الحياد  المذكورة بين موسكو وهلسنكي نتيجة هزيمة النازية، ودخول القوات السوفياتية عرين هتلر في برلين.

يشكّل طلب فنلندا عضوية حلف “الناتو” انتهاكاً صارخاً لنصوص المعاهدة السارية، بحسب القانون والعلاقات الدولية، نظراً إلى عدم إقدام أحد طرفيها على نقضها أو إنهاء العمل بها رسمياً. ما جرى، باختصار شديد، هو موافقة فنلندا على الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وليس “الناتو” في عام 1995، وحافظت على وضعها الحيادي الدولي منذئذ، كما نصت المعاهدة إلى “الأبد”.

أنصار معسكر الحرب في الولايات المتحدة يشيرون إلى مسألة “إجرائية” الطابع لتبرير تمدد “الناتو” عبر بوابة فنلندا، مفادها أن المعاهدة أُبرمت مع “الاتحاد السوفياتي”، الذي لم يعد له وجود، ولذا تسقط المعاهدة. حسم تلك القضية الإجرائية، استناداً إلى ضوابط العلاقات الدولية، هي برسم مجلس الأمن الدولي حصراً. كما أن فنلندا جددت توقيعها على معاهدة الحياد مع الاتحاد السوفياتي تباعاً لغاية 1983، ومع الاتحاد الروسي في عام  1992، وتعّهدت بموجبها الدولتان “تسوية النزاعات فيما بينهما بالوسائل السلمية”، تأكيداً لسياسة عدم الانحياز العسكري منذ ذلك الوقت.

الانضمام إلى حلف “الناتو” يعني، ببساطة، إعلان فنلندا حرباً على روسيا، والذي استدعى إطلاق روسيا رسائل سياسية قاسية، مفادها أنها “ستُضطر إلى اتخاذ خطوات انتقامية عسكرية – تقنية ونماذج أخرى، وتوسيع الأطلسي لا يجعل قارتنا أكثر استقراراً وأمناً”.

يضم حلف “الناتو” 30 دولة، ويجب أن يحظى أي قرار فيه بالإجماع. من الناحيتين الشكلية والإجرائية، هناك عدد من الاعضاء لديهم تحفظات بشأن توسيع الحلف، وخصوصاً بعد تجربة أوكرانيا التي أنهكت الاقتصاديات الغربية. سنعرض أبرزها للدلالة على العقبات المرئية:

تركيا: لا تزال حية في الذاكرة التركية معارضة كل من فنلندا والسويد عضويةَ تركيا في الاتحاد الأوروبي، وهو ما يفسّر جوهر تصريح منسوب إلى الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، في 13 من ايار/مايو الحالي، ومفاده أن بلاده قد تستخدم حق النقض، كعضو في حلف “الناتو”، ضد مساعي قبول البلدين، كونهما بالذات “يدعمان حزب العمال الكردستاني”.

في أحدث التطورات، أوضحت تركيا أنها قدّمت طلباً رسمياً إلى كل من السويد وفنلندا، يقضي بتسليم أنقرة عناصر مقيمة بالبلدين على خلفية علاقات تقيمها بحزب العمال الكردستاني، وتم رفض الطلب الذي يطالب بتسليم  12 عنصراً في فنلندا و21 عنصراً في السويد (وكالة الأنباء التركية، 16 أيار/مايو 2022).

من المرجّح إقدام الدولتين، فنلندا والسويد، على تشديد القيود السابقة على المهاجرين إلى اراضيهما، نتيجة اعتبارات داخلية، أهمها مواجهة ارتفاع موجة العنف والجريمة، ومن أجل  التساوق مع توجه الاتحاد الأوروبي إلى وقف سيل الهجرة، الأمر الذي سيخدم تركيا في المحصّلة النهائية، نظراً إلى تواجد أعداد كبيرة من الكرد في الدول الاسكندنافية.

المجر: شهدت رئاسة فنلندا للاتحاد الأوروبي، في شهر تموز/يوليو 2019، شنّ موجة من التوترات الإقليمية ضد المجر، الأمر الذي استدعى هجوماً مضاداً تناولته بعض الصحف الأوروبية بعنوان: “فنلندا، العدو الجديد للمجر”. رئيس الوزراء المنتخب للمرة الرابعة، فيكتور أوربان، لا يكنّ وداً لرئاسة الاتحاد الاوروبي، ويعدّ أن هدف تدخله في الشؤون الداخلية لبلاده هو “تقليص سيادة دول الاتحاد”. واتهمه مجدداً، في احتفالات أداء القسم، 16 أيار/مايو الجاري، بـ”سوء استخدام سلطته بصورة يومية، وأنه يريد أن يفرض علينا أجندته التي نرفضها”. ولا تزال المجر على موقفها الرافض عضوية فنلندا.

ألمانيا وفرنسا: تسعى الدولتان للوصول إلى تسوية مع روسيا، ولا ترغبان في التصعيد معها، كما يُفهم من تصريحات سابقة للرئيس الفرنسي مانويل ماكرون، مفادها أن “انضمام أوكرانيا إلى الناتو قد يستغرق 10 أعوام”، وهو ما يؤشر على استبعاد نجاح انضمام فنلندا والسويد.

في ضوء ما تقدّم من اعتراضات محتملة، استغل وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، لقاءَه وزراءَ خارجية حلف “الناتو” في برلين، 15 ايار/مايو الجاري، للإعراب عن ثقته بمحاولة الانضمام قائلا: “ستدعم الولايات المتحدة بقوّة طلب كلّ من السويد وفنلندا الانضمام  في حال ترشّحهما رسمياً لعضوية الحلف، واثق بشدة بالتوصل إلى إجماع على ذلك”.

الموقف الأميركي لا يعوّل كثيرا على “رفض” تركيا عضوية الدولتين، فنلندا والسويد، كونه يأخذ بفي الحسبان التوازنات الجيو-سياسية في الإقليم، وخصوصاً أن تمدّد حلف الناتو من شأنه “إضعاف روسيا”، الخصم التقليدي لتركيا، وسيعزّز موقف تركيا داخل حلف “الناتو”، بعد سلسلة توترات مع أعضائه منذ تولي الرئيس إردوغان مهمّاته الرسمية. يُضاف إلى ذلك موقف تركيا المؤيّد لأوكرانيا، وتزويدها بطائرات “درون” تركية الصنع خلال الأزمة الراهنة. أيضاً، سيفرض توسّع رقعة الناتو على روسيا نَشْرَ قوات في جبهة جديدة بعيداً عن حدودها مع تركيا، وربما تقليص وجودها العسكري في سوريا، بحسب القراءة الأميركية.

السؤال المحوري هو: هل هناك مبرّر لبسط “الناتو” مظلة حمايته على كل من فنلندا والسويد، اللتين تعايشتا مع “الوضع الحيادي الراهن” منذ نهاية الحرب العالمية الثانية؟ بعض عناوين الإجابة الموضوعية نجدها بين طيّات مراكز الأبحاث الأميركية، على الرغم من قلة عددها، والتي تعدّ المحاولة بمنزلة “دق إسفين في نعش استقلالية أوروبا”، وتبعيتها التامة لواشنطن في صراعاتها الكونية، وهي التي تنظر بازدراء إلى دول الاتحاد الأوروبي، كما فعلت نائبة وزير الخارجية الأميركية للشؤون السياسية، فيكتوريا نولاند، عبر قولها: فليذهبْ الاتحاد الأوروبي إلى الجحيم.

السؤال الاخر هو: ماذا ستقدم الدولتان من إضافات نوعية إلى حلف “الناتو”؟ الإجابة، بحسب هؤلاء، “لا شيء، وعضوية الناتو ليست ضرورية لحفظ أمنهما”. كما أن فنلندا بالذات ستضحي بمنزلتها المفضّلة كوسيط بين روسيا والدول الغربية، وتُنعش عقلية الحرب الباردة.

في المدى المنظور، ماذا سيحلّ بتلك الدول وترتيباتها المستعجلة عند تسلّم دونالد ترامب مهمّات ولاية رئاسية ثانية، أو أي مرشّح آخر غيرة، ذي مواصفات موازية؟ بل، هل سيعزز الرئيس المقبل أوهام الناتو بأن “روسيا أضحت دباً من ورق”، وينبغي المضي في الصراع معها إلى النهاية؟ أي استعادة المعادلة الصفرية لدى مراكز القوى التقليدية الأميركية.

مجدداً، لا يعني توسيع ساحات الاشتباك بالضرورة نجاح المراهنة عليها، بقدر ما هو محاولة لصرف الانظار عن تطورات الساحة الرئيسية، الا وهي اوكرانيا، التي بات المواطن الغربي يئنّ من وطأتها الاقتصادية، بصورة مباشرة.

هذا لا يعني تخلّي واشنطن عن توتير الجغرافيا المحيطة بروسيا، في أي وقت قريب، بقدر ما يؤدي ذلك الجهد والاشتباك اإلى تسوية تلك المسائل على طاولة المفاوضات، مهما طال أمد انعقادها، كما هي نهاية كل الصراعات الدولية.

2022-10-05-التحليل

التحليل

(ينشر بالتعاون مع موقع “الميادين” اونلاين)

 

الإجهاض وأوكرانيا: كيف تربط
واشنطن بين مسألتين منفصلتين؟

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

تسارع سيل التسريبات الأميركية بشأن أوكرانيا، والتباهي بتقديم معلومات استخباراتية بالغة الحساسية لاستهداف ضباط وقطع عسكرية روسية، تراجعت مركزيتهما الإعلامية فجأة في الإعلام الأميركي، لتبرز مسألة حيوية بالنسبة لنحو 60% من الشعب الأميركي، ونحو 83% من اليهود لدوافع إيمانية، يؤيدون “حق المرأة في الإجهاض”، كعنصر استهلاك يومي في وسائل الإعلام المختلفة.

للوهلة الأولى يصعب على المرء رؤية الترابط بين مسألتين منفصلتين تحتلاّن المشهد السياسي؛ أوكرانيا من جهة، وتوجه المحكمة العليا إلى إلغاء حق مكتسب للمرأة من جهة أخرى، لكن التدقيق في آلية عمل المؤسسة الأميركية الحاكمة وتوجهاتها المتعددة تؤكد، ولو جزئياً، ترابطهما بشكل وثيق، وخصوصاً لناحية التوقيت، ما يسمح بالاستنتاج بأن المؤسّسة، وجناح الحزب الديموقراطي الحاكم بشكل أدق، أيقنت أن الحرب قد انتهت، وما عليها إلا حشد الرأي العام وراء “تسريب” متعمد لمسودّة قرار في المحكمة العليا، على الرغم من تدفق الأسلحة بكافة أنواعها وتخصيصها ميزانيات غير مسبوقة “لجهود الحرب” الأوكرانية، طمعاً بتعبئة مؤيديها للاقتراع بقوة في الانتخابات النصفية القادمة، التي تهدد سيطرة الحزب الديموقراطي على الكونغرس أو مجلس النواب على أقل تعديل.

من بين أهم الدلائل على ما سبق، أن المسودّة القضائية لم تكن وليدة اللحظة، بل جاءت بتاريخ 10 شباط/فبراير من العام الحالي، أي قبل نحو أسبوعين من بدء العملية الروسية الخاصة في أوكرانيا، وهي مدرجة في جدول أعمال المحكمة اعتيادياً لاتخاذ قرار بشأنها في شهر تموز/يوليو المقبل. وقد اكبها تنامي احتقان داخل المجتمع الأميركي وغضب واسع نتيجة ارتفاع أسعار المواد الغذائية من دون مبرر، سوى ما تفيد به السردية الرسمية بتحميل روسيا المسؤولية الأولى عن غلاء المعيشة.

وبناء عليه، باعتقاد أقطاب المؤسسة، كان ينبغي الزج بقضية تلهب عواطف أطياف المجتمع الأميركي وتحرف الأنظار عن إخفاقات الرئيس جو بايدن، وخصوصاً لعدم وفائه بحسم الديون المترتبة على طلبة المعاهد العليا وعزوف قطاع واسع من الشباب عن تأييده مجدداً.

وتحوّل المشهد الإعلامي بقفزة قوية إلى التعاطي مع “التسريب” وآثاره المستقبلية، ورحبت به أسبوعية “نيويورك” قائلة: “التسريب مفيد، حقيقة”، فيما اقتصرت ردود أفعال قادة الحزب الجمهوري على مناشدة رئيس المحكمة العليا، جون روبرتس، بإجراء تحقيق للتوقف عند هوية الفاعل/الفاعلين (مجلة “نيويورك”، 3 ايار/مايو 2022).

منبر النخبة الفكرية لليمين الأميركي، “فيدراليست سوسيتي”، اعتبر التسريب تجسيداً لتوجه اليسار من أجل تهييج المجتمع باتجاه حالة “عصيان مدني خياني يزرع الفوضى ويقوّض (استقلالية) المحكمة العليا”. فيما ذهبت إحدى صحف اليمين المتطرف إلى اعتبار عملية التسريب “هزّة سياسية وربما فعلاً جرمياً”، بل بمنزلة “مفاجأة أيار/مايو القذرة من الديموقراطيين للانتخابات النصفية” (موقع “ذي فيدراليست”، 3 أيار/ مايو 2022، يومية “نيويورك بوست” 3 أيار/مايو 2022، على التوالي).

اتهامات تيارات الحزب الجمهوري “لليسار” أتت على أكثر من لسان من دون تقديم أدلّة، أبرزها السيناتور الجمهوري ماركو روبيو الذي كتب في تغريدة له: “اليسار المتطرف (قام) بتسريب مسودّة المحكمة العليا في محاولة لترهيب القضاة بشأن الإجهاض” (2 أيار/مايو 2022).

أما بشأن أوكرانيا، فقد تفاعلت النخب السياسية والفكرية المختلفة والمؤثرة في صياغة القرار السياسي الأميركي، بلفتها الأنظار إلى أن انتصار روسيا في حربها سينذر بعصر جديد، ومحذّرة مراكز القرار من تداعيات تسريباتها على المديين القصير والمتوسط، بأن “إشراك أوكرانيا في معلومات استخباراتية بشأن ضباط روس كبار يشكّل مراهنة محفوفة بالمخاطر”، وينبغي للإدارة الأميركية “استنباط آليات لوضع حد للصراع الذي يهدّد بالتطور إلى حرب نووية”. بعض النخب حمّل الولايات المتحدة مسؤولية نشوب الحرب عندما “شجّع الغرب روسيا على الرد بعنف”.

من أبرز القادة الأميركيين الذين أقرّوا بمسؤولية بلادهم في اندلاع الحرب كان وزير الدفاع الأسبق في عهد الرئيس بيل كلينتون، وليام بيري، الذي قال: “على مر السنوات السابقة، معظم اللوم يمكن تصويبه على قرارات اتخذها (الرئيس) بوتين. لكن في السنوات الأولى ينبغي القول إن الولايات المتحدة تتحمل قدراً كبيراً من اللوم، (وخصوصاً) عندما سعى الناتو إلى التمدد شرقاً وعلى حدود روسيا” (مقابلة أجراها عام 2017، تضمنها السجل الرسمي للكونغرس بتاريخ 10 شباط/فبراير 2022).

التحذير من الانزلاق نحو حرب مباشرة جاء رداً على عنوان أبرز الصحف الأميركية بأن “الاستخبارات الأميركية تساعد أوكرانيا على اصطياد ضباط روس، بحسب مسؤولين”. وفي استعراض موازٍ، تساءلت بعض النخب الفكرية المميّزة عما سيكون رد الفعل الأميركي “في حال أقدمت دولة من العالم الثالث على تقديم المساعدة عن سبق إصرار لقتل قادة عسكريين أميركيين” (صحيفة “نيويورك تايمز”، 4 أيار/مايو 2022).

ومضت الصحيفة بتحذير واشنطن من “انجرارها إلى حرب مباشرة مع روسيا إلى مدى أبعد مما تريد”، في ظل تزايد معدلات خطورتها كلما طال أمد الحرب، خصوصاً عقب “تباهي المسؤولين الأميركيين بأداء دور في قتل الجنرالات الروس واغراق السفينة موسكوفا”. اللافت في التغطية الأميركية ما أوضحته الصحيفة بأن “المسؤولين الأميركيين منكبّون على تقديم تفسير لعدم قيام الرئيس بوتين بتصعيد أكبر لوتيرة الهجوم” على أوكرانيا (“نيويورك تايمز”، 7 أيار/مايو 2022).

أما القلق الأميركي، بحسب الصحيفة المذكورة، فيتمثّل باحتفالات موسكو بعيد انتصارها على النازية الألمانية في 9 أيار/مايو الجاري، لما تنطوي عليه من “عروض عسكرية واحتفالات ببراعة الجيش الروسي، (وربما) القيام ببعض الإجراءات الاستفزازية” ضد الغرب، والإعلان عن تحقيق مكاسب كبيرة في أوكرانيا.

يشار إلى أن الترتيبات الروسية تضمنت مشاركة “77 طائرة مقاتلة وطائرة هيلوكبتر”، وفقاً لعدد السنوات منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وطائرة “إل-80″، المعروفة بطائرة “يوم القيامة”، التي صمّمت لتصبح مركز قيادة طائر في حال نشوب حرب نووية.

تكهنات القلق الأميركي تشمل احتمال “إعلان روسيا حظر طيران جوي في مياه بحر البلطيق”، وما قد يرافقه من ضغوط غربية لإعلان “مناطق حظر طيران” موازية، ما يضع القواعد الأميركية في بولندا ضمن الأهداف الروسية.

أمام هذه اللوحة من تصعيد التوتر على نطاق العالم، وإقرار بعض أقطاب المؤسسة الحاكمة الأميركية بتشجيع الرئيس الأوكراني على التشدد وعدم إبرام اتفاق سلام مع روسيا، برزت بالتوازي دعوات استنهاض “الخيار النووي”، وربما توجيه ضربة استباقية لروسيا بهذا الشأن.

تجسّد ذلك في عنوان بارز لصحيفة المال والأعمال الأميركية تدعو “الولايات المتحدة إلى إثبات أن باستطاعتها الفوز في حرب نووية”، مذيّل بقلم نائب وكيل وزير سلاح البحرية الأسبق، سيث كروبسي، لإضفاء مزيد من المصداقية على توجهات القيادات العسكرية، موضّحاً أن “اقتناء السلاح النووي له هدف عسكري وآخر سياسي، وينبغي للولايات المتحدة إعادة صياغة آلية تفكيرها بما يناسب ذلك” (يومية “وول ستريت جورنال”، 27 نيسان/إبريل 2022).

مهّد الكاتب لنظريته الكارثية بالزعم أن قادة الكرملين، كما يسميهم، يعتقدون أن عزمهم على التصدي للولايات المتحدة ومقارعتها بأسلحة تقليدية تفوق مديات نظرائهم الأميركيين. وبناء عليه، بحسب منطقه، ينبغي للولايات المتحدة “التصدي بأسلحة تقليدية لروسيا، والذي من شأنه بلورة حوافز كي تستخدم روسيا أسلحتها النووية، وبالتالي استدراج رد من حلف الناتو والتصعيد إلى صراع نووي أشمل”.

ومما طالب به الكاتب من إجراءات “قيام الولايات المتحدة وحلفائها بتدمير الوحدات العسكرية الروسية المنتشرة في البحر الأسود وسوريا وليبيا، وقطع كل أنابيب النفط إلى روسيا، وتسخير النفوذ الاقتصادي الناجم من أجل تهديد الصين ودول أخرى تتعامل تجارياً مع روسيا، وفرض حظر اقتصادي عليها”.

التهديد بضربة نووية “استباقية” لم يأتِ من فراغ سياسي إذا أخذنا بعين الاعتبار حجم الدعم العسكري والمالي الأميركي غير المسبوق لدولة “ليست مدرجة في عضوية حلف الناتو”، وشهدت زيارات متتالية إلى كييف من قبل وزيري الخارجية والدفاع الأميركيين، وكذلك رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي، وتصريح الأخيرة بإدامة الدعم الأميركي لأوكرانيا حتى النصر.

على طرف معسكر النخب الفكرية وأنصار “السياسة الواقعية”، تستمرّ التحذيرات من الإنزلاق إلى حرب مباشرة مع روسيا، ومن تداعياتها على فناء البشرية. ويطالب هؤلاء الإدارة الأميركية بـ”التحرك على عجل لطمأنة روسيا إلى أن الاستراتيجية الأميركية ترمي إلى الدفاع عن أوكرانيا، وليس إلى فرض هزيمة منكرة على روسيا والانطلاق منها إلى إضعاف الدولة الروسية أو تدميرها”.

إيلاء الأولوية لـ”الخيار الديبلوماسي”، كما يطالبون، هي مقدمة ضرورية على طريق حل جملة قضايا منها “وضع شبه جزيرة القرم النهائي وإقليم الدونباس، والموافقة على وقف إطلاق النار في حال أعلنت موسكو وقف عملياتها في أوكرانيا”، بيد أن المبادرة لا تزال بيد أنصار التصعيد العسكري في المشهد الأميركي.

2022-04-05-التحليل

التحليل

(ينشر بالتعاون مع موقع “الميادين” اونلاين)

 

أفاق حسم المعارك في أوكرانيا
في ظلِّ استنزاف متسارع للذخائر

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

سيل الأسلحة الغربية المتدفق إلى كييف يدلّ على قرار إطالة أمد الحرب الدائرة من دون أدنى اكتراث للتداعيات الإقليمية، واكبه عدد من التصريحات المتباينة لقادة حلف الناتو  بأن سير المعارك وصل إلى “طريق مسدود”، القيادة العسكرية الأميركية، إلى بيان لوزارة الدفاع البريطانية يعِدُّ جمهوره ترقّب بيان “انتصار” يعلنه الرئيس الروسي يوم 9 أيار الجاري في موسكو، ترجمته، بحسب الخبراء العسكريين، أن معركة أوكرانيا انتهت، ولو استمرّ تبادل إطلاق النار في مناطق متعددة (بيان وزارة الدفاع البريطانية، 29 نيسان/أبريل 2022).

البيت الأبيض والمؤسسة العسكرية الأميركية تماديا بتوريد “أسلحة ثقيلة وذخيرة” إلى كييف، فضلاً عن طلب الرئيس الأميركي من الكونغرس تمويلاً عاجلاً لأوكرانيا قيمته 33 مليار دولار، مضافاً إلى “منحة عسكرية” لكييف قيمتها 800 مليون دولار، يفصل بينهما بضعة أيام لا تتعدى الأسبوع، وقد بلغ مجموع قيمة المعدات التي تسلمتها كييف من واشنطن 2،6 مليار دولار “منذ بدء” العملية العسكرية الروسية (بيان وزارة الخارجية الأميركية، 13 نيسان/إبريل 2022).

اللافت في بيان المؤسسة السياسية الأميركية، الصادر عن ” وكالة التعاون الأمني” التابعة لوزارة الخارجية، تشديده على توريد “ذخائر، مثل طلقات لقاذفات القنابل، ومدافع هاون ومدافع من طراز D-20” للقوات الأوكرانية التي كانت تشكو من نقص شديد في مختلف أنواع الذخائر لأسلحة “عفا عليها الزمن، وغير منظّمة” (تقرير لأسبوعية “فوربز”، 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2021).

سخّرت “لجنة القوات المسلحة” في مجلس النواب نفوذها الواسع لدى وزارة الدفاع بتوجيه مذكّرة عاجلة موقّعة من الحزبين تحثّها على توفير ما تستطيع من معدات عسكرية لأوكرانيا، والتي “نراها مسألة بالغة الإلحاح، نظراً لما افرزته التطورات في أوروبا من أهمية توفر الإمكانيات المطلوبة وحاجة قوات الجيش وسلاح المارينز لبلورة خطّة لتنشيط القاعدة الصناعية” داخل الولايات المتحدة، كما شهدت الترسانة الأميركية توفّر احتياطي معتبر من طائرات “درونز” والعربات المدرعة التي أرسلت على عجل إلى أوكرانيا.

تزامن توقيت مذّكرة “لجنة القوات المسلحة” مع الكشف عن تقرير شامل صادر عن “المجموعة الوطنية للصناعات الدفاعية”، أوضح فيه “تدهور قاعدة الانتاج الصناعي الأميركية” (موقع المجمّع الصناعي “أن دي آي إيه.أورغ”، 2 أيار 2020).

ما يجري من تكديس للأسلحة والذخائر لدى كييف يطلق عليه العسكريون وصف “تشكيل احتياط حربي بكميات كبيرة للاستخدام ضد قوة عسكرية جيدة التسليح، تكفي لخوض معركة أولى تمتد من 30 إلى 60 يوماً لحين استكمال خطوط الانتاج وزيادة توريداتها”، ولا سيما أن “أوكرانيا نالت مرتبة متقدمة من إنتاج الأسلحة بعد عام 2014”.

مضى هؤلاء مشدّدين على العناية القصوى بالمسائل اللوجستية في تلك السلسلة، والتي “تهدد بتقييد جهود الأوكرانيين الحربية في حال أخفق حلف الناتو في ضمان توريد أسلحة رئيسية وإمدادات أخرى” (موقع “ستراتيجي بيج” الأميركي للشؤون العسكرية، 18 نيسان/إبريل 2022).

حجم الأسلحة والقذائف الصاروخية الأميركية المقررة لأوكرانيا يشمل: 1،400 قذيفة صاروخية مضادة للطائرات من طراز “ستينغر”، وأكثر من 5،500 قذيفة صاروخية مضادة للدروع من طراز “جافلين”، وأكثر من 1،4000 نظام مضاد للدروع، وأكثر من 700 طائرة “درون” من طراز “سويتش بليد”، و 121 طائرة “درون” من طراز الشبح – “فينيكس”، ومدافع هاون من عيار 155 ملم مع 183،000 قذيفة من العيار نفسه، و 72 عربة تكتيكية لجر مدفع “هاويتزر” من عيار 155 ملم، و16 مروحية مسلحة من طراز Mi-17””، والمئات من العربات المدرّعة والمحمولة، و200 ناقلة جنود مدرّعة من طراز M113””، وأكثر من 7،000 قطعة سلاح فردية، وأكثر من 50 مليون طلقة ذخيرة، ونظم صاروخية مسلّحة بالليزر، ونظم جوية غير مأهولة من طراز “بوما”، وعدد من القوارب المسلّحة غير المأهولة لخفر السواحل، وألغام مضادة للأفراد من طراز “M18A1 كلايمور”، ومعدات تدمير ومتفجرات من طراز “C-4”  (يومية “بيزنيس إنسايدر”، 28 نيسان/إبريل 2022).

خصّصت وسائل الإعلام الأميركية، والغربية بشكل عام، مساحة اهتمام عالية لكلٍّ من قذيفتي “ستينغر” و “جافلين”، كأسلحة قد تحدث قفزة نوعية في مسار المعارك ضد القوات الروسية.

نُظم “جافلين” المضادة للدروع وكلفتها الباهظة، 176،000$ للقذيفة الواحدة، لم تخضع للتجارب الميدانية للتيقن من فاعليتها. وأوضحت يومية “نيويورك تايمز” أنّ واشنطن تعهّدت بتسليم كييف “17،000” بطارية مضادة للدروع من ضمنها صواريخ جافلين، بعد إصرار الحكومة الأوكرانية، بيد أنّ “الفاعلية الحقيقية لذلك النظام التسليحي يصعب التيقن منه بشكل مستقل خارج سرديات قصص المعارك”.

ونقلت عن مصادر عسكرية قولها إنّ مجموع ما سيُنقل إلى كييف من صواريخ “جافلين” يعادل ثُلث ما يتوفر لدى الترسانة الأميركية عينها (“نيويورك تايمز”، 6 آذار/مارس 2022).

أما نُظم “ستينغر” وذخائرها، فهي تعاني نقصاً شديداً، بحسب رئيس شركة “رايثيون” المصنّعة، غريغوري هايز، الذي قال: “لدينا مخزون محدود جداً من المواد لإنتاج ستينغر”. واضاف موضحاً للصحافيين أنّ “وزارة الدفاع الأميركية لم تخصّص بند مشتريات لـستينغر منذ 18 عاماً، وبعض المكونات الضرورية لم تعد موجودة في السوق” (26 نيسان/إبريل 2022).

يرجّح الخبراء العسكريون تزويد أوكرانيا بنظم وصواريخ “ستينغر” من مخزون الترسانة الأوروبية، أسوة  بترسانة الصواريخ الأوروبية المضادة للدروع من طراز “جافلين”. من المبررات التي يسوقها هؤلاء أنّ دول حلف الناتو لم تشهد إنفاقاً عسكرياً ملحوظاً إلا منذ العام 2014، في عهد الرئيس باراك أوباما، ولم تولِ أولوية لبناء ترسانة عسكرية احتياطية، لاعتمادها على توفير الولايات المتحدة ما تحتاجه من “قنابل ذكية ومعدات حديثة أخرى”، كما حدث في أعقاب غزو الناتو لليبيا.

تشكّل ألمانيا القوة الأوروبية الاقتصادية والعسكرية المعتبرة، وقد تذرّعت بنقص مخزونها من الأسلحة الثقيلة والذخائر كسبب مباشر لعدم تلبية مطالب أوكرانيا بتزويدها أسلحة ثقيلة، واضطُرت إلى التماهي مع الموقف الأميركي بعد ضغوط عالية مارستها واشنطن، ووافقت على توريد نحو “50 دبابة من طراز جيبارد” (الفهد)، لكنّ الصفقة تواجه نقصاً في توفّر الذخيرة المطلوبة، ما دفع برلين إثر ذلك إلى التوجه إلى بعض الدول الأخرى التي اشترت المدرعات عينها في السابق، مثل البرازيل وقطر والأردن، لتوريد بعض ذخائر ترسانتها إلى أوكرانيا.

وأوضحت وكالة “بلومبيرغ الأميركية للأنباء أن عدد الذخائر المتوفرة في ألمانيا لا يزيد عن 23،000 طلقة “والتي لا تغطي سوى 20 دقيقة فقط من الإطلاق المكثف، في حين ستحتاج صفقة الدبابات الخمسين إلى مئات الآلاف من الطلقات لمدافعها المزدوجة” (وكالة “بلومبيرغ”، 27 نيسان/إبريل 2022).

وأضافت أنّ وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن “أشاد بالخطوة الألمانية المفاجئة، بيد أنّ نقص الذخيرة يعدّ عقبة كبيرة تهدد تقويض سمعة ألمانيا”، ويشكّل فشل وزارة الدفاع الألمانية الحصول على ذخيرة معتبرة لمدرعتها أرضية “لرفض أوكرانيا للعرض”.

روسيا أيضاً “تبدو كأنها استنزفت مخزونها من الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز بعد أكثر من شهر من قتالٍ ضارٍ ومكثّف أبعد مما كان متوقعاً”، كما يشهد تقليص غاراتها الجوية على المدن الأوكرانية (موقع “ستراتيجي بيج” سالف الذكر).

ويستطرد الخبراء العسكريون الأميركيون أنّ حجم الهجوم الروسي على أوكرانيا “كان كبيراً، لكنه لم يكن هائلاً إذا قيس بما كان يُنتظر منه في مواجهة مباشرة مع حلف الناتو ضمن سياق حرب عالمية ثالثة تقليدية”.

ويشير هؤلاء إلى اقتصار حركة القوات الروسية على الطرق الرئيسية، واعتمادها على القصف المدفعي والصاروخي البعيد المدى، ما يدلّ على بقاء مساحات واسعة من الأراضي تحت سيطرة القوات الأوكرانية، التي تتلقّى أسلحة ونظماً دفاعية سوفياتية الصنع، مثل “أس-300” ودبابات ومدرعات ومقاتلات، تقوم واشنطن بتنظيمها وتسليمها لكييف، مع وعود لدول أوروبا الشرقية بتعويضها بنظم تسليحية أميركية أكثر حداثة.

حقائق الميدان تنبئ بسردية قاتمة لمخزون الترسانة الأميركية ذاتها. جاء ذلك على لسان أسبوعية “إيكونوميست” المرموقة بعنوان “الترسانة الأميركية تُستنزف: الحرب ترفع سقف القلق بشأن قدرة أميركا على تسليح أصدقائها”، وتعويض ترسانتها من ذخائر ذكية، وخصوصاً “مكوناتها من المجسّات والشرائح الإلكترونية بالغة الكلفة”، والتي تُستنزف في الحرب بوتيرة عالية في ظل “أزمة سلسة التوريد” المستفحلة، كما أشار إليها رؤساء شركتي “لوكهيد مارتن” و “رايثيون” (مجلة “إيكونوميست”، 1 أيار/مايو 2022).

2022-26-04-التحليل

التحليل

(ينشر بالتعاون مع موقع “الميادين” اونلاين)

 

أسابيع حاسمة لمراهنات واشنطن
على استنزاف روسيا في أوكرانيا

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

يعكف الإعلام الأميركي، في مجمله، على تسويق السردية الأميركية الر سمية، التصعيدية والبالغة العداء لروسيا، ويفشل في وضع الصراع في أوكرانيا في إطاره التاريخي الصحيح، وهل كان من الممكن تلافي الصدام المسلح “لو أخذت واشنطن وحلف الناتو مخاوف روسيا الأمنية على مجمل الجد”، بل يجهد المراقب في التوصل إلى إقرار النخب السياسية والفكرية، وحتى العسكرية، بحقائق تاريخية جوهرها سلسلة غزوات شنّها الغرب في اتجاه حدود روسيا الغربية، نابليون فرنسا وهتلر ألمانيا وحلف الناتو، منذ نهاية الحرب الباردة.

بل تجاهلت تلك النخب وصنّاع القرار السياسي نصائح أحد أبرز العقول الاستراتيجية الأميركية في ذروة الحرب الباردة، زبغنيو بريجينسكي، الذي حذّر الإمبراطورية الأميركية، قبل نحو عام من وفاته، من أنها “لم تعد القوة الإمبريالية المهيمنة على العالم، وعصر (الهيمنة) بدأت نهايته”. وتنبأ قبل ذلك بنحو 3 عقود، في عام 1994، بنشوب حرب مدمّرة في أوكرانيا (مقال بعنوان “نحو إعادة تصويب التحالفات العالمية”، في مجلة “ذي أميركان ناشيونال إنترست”، 17 نيسان/إبريل 2016).

وأوضح بريجينسكي، بشأن أوكرانيا، أن “واشنطن وحلفاءها ليسوا ملزَمين بالدفاع عنها، باستثناء فرض عقوبات (على روسيا) وإمداد كييف ببعض المعدات العسكرية”، محذراً مجدداً من ميل واشنطن وحلف الناتو إلى “إذلال روسيا” بعد نهاية الحرب الباردة. أوكرانيا، بحسب بريجينسكي، اضحت “فضاءً جديداً ومهماً في رقعة الشطرنج الأوراسية” (كتاب بريجينسكي “رقعة الشطرنج الكبرى”، 1997).

استاذ العلاقات الدولية المرموق في جامعة هارفارد، ستيفن وولت، أشار مؤخّراً إلى إمكان تفادي الأزمة الراهنة في أوكرانيا “شريطة عدم استسلام الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين لغطرستهم، وعقد آمال غير واقعية، والتشبث بمثالية النهج الليبرالي، والتزام الرؤى الواقعية عوضاً عن ذلك”.

“الغطرسة” الغربية أدخلت العالم برمته في أزمات اقتصادية وغذائية ومصادر الطاقة، لا تزال تداعياتها تنخر رفاهية شعوب العالم دون أفق لأي حل مرئي في الوقت المنظور، “حفاظاً” على سردية “هزيمة روسيا في أوكرانيا”، وخسارتها عدداً كبيراً من الجنرالات العسكريين نتيجة “اخطاء لوجستية وسوء تقدير لطبيعة مقاومة الأوكرانيين”، كما يتردد باستمرار على مسمع ومرأى من المشاهد الغربي، والأميركي تحديداً. روسيا، في المقابل، اعترفت بمقتل ضابط بجهاز الاستخبارات العسكرية، اليكسي غلوشاك، في معركة ماريوبول الأولى، 14 آذار/مارس 2022.

تداعت السردية الأميركية والغربية سريعاً في أعقاب تصريح صادم لرئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، في ختام زيارته الرسمية للهند، قائلا: “المحزن هو أن احتمال فوز (الرئيس الروسي فلاديمير) بوتين في هذه الحرب بات أمراً واقعاً بالطبع”. وأضاف ” أخشى أن الوضع لا يمكن التنبؤ به في هذه المرحلة. علينا فقط أن نكون واقعيين بشأن ذلك”. (شبكة “سي أن أن” باللغة العربية، 22 نيسان/إبريل 2022).

الثابت المتغيّر في مسير الحرب في أوكرانيا هو معركة السيطرة على ماريوبول الحيوية، ومجمّع أزوف ستال لصناعة الحديد والصلب، والذي يمتد على مساحة نحو 12 كلم مربعاً، ويطل على بحر آزوف، تحاصره القوات الروسية بشدة من كل الاتجاهات من دون اقتحامه “بحيث لا يُترك منفذاً لذبابة للنفاذ منه”، بحسب قرار الرئيس بوتين لقياداته العسكرية. وسائل الإعلام الغربية تصف المجمع بأنه “آخر جيب للمقاتلين الأوكرانيين”، الذي يضم شبكة هائلة من الأنفاق تحت الأرض شُيدّت منذ زمن الاتحاد السوفياتي.

يشار إلى أن نحو 80% من سكان ماريوبول أيّدوا الانضمام إلى روسيا في استفتاء جرى في عام 2014، وأضحت المدينة جزءاً من جمهورية دونيتسك المعلنة من طرف واحد، قبل ان تُعيدها كييف إلى سيطرتها في شهر حزيران/يونيو 2014، نتيجة عمليات مشتركة بين القوات الأوكرانية وعناصر كتيبة آزوف، وباتت على خط تماس النزاع المسلح في دونباس منذئذ.

ماذا بعد ماريوبول؟ ثمة إجماع غربي على أن حسم المعركة النهائية سيتم قبل حلول يوم 9 أيار/مايو المقبل، ذكرى انتصار الاتحاد السوفياتي على النازية في الحرب العالمية الثانية، وإعلان الانتصار على “كتيبة آزوف” من المتطرفين اليمينيين والنازيين الجدد.

بيد أن آفاق المعركة المقبلة، من مجمل وجهات النظر الروسية والغربية، ستشهد “المرحلة الثانية” عبر تحرير كل مناطق إقليم الدونباس، وفتح طريق برّي يصل روسيا بشبه جزيرة القرم، والانتقال إلى “المرحلة الثالثة”، المتمثّلة بإنجاز الأهداف السياسية من “العملية الخاصة” الروسية، وعنوانها “اجتثاث النازيين الجدد من الجيش والسلطة الأوكرانيين، وضمان حياد أوكرانيا، وعدم انضمامها إلى حلف الناتو”. البعض يشير إلى توجه مقبل للقوات الروسية إلى بسط سيطرتها على مدينة أوديسا، آخر ميناء بحري أوكراني على بحر آزوف.

القيادات العسكرية الأميركية، ممثّلة بتصريحات الناطق الرسمي للبنتاغون جون كيربي، تحدثت عن “معارك جس نبض” لروسيا في دونباس، لكنها لا تزال تراوح من دون تحقيق أي إنجاز ملموس، إذ تعاني نقصاً شديداً في قوات المشاة المتمرسّة وامتلاك تكتيكات ميدانية لدعم الوحدات المدرّعة. في المقابل، يدرك حلف الناتو أن بوادر الانتصار تكمن في ضمان توريدها الثابت لذخائر ومعدات مضادة للدروع وصواريخ مضادة للطيران، وتدفق تمويل ثابت بمئات ملايين الدولارات من معدات الترسانات الأميركية والغربية.

ويمضي القادة الأميركيون في الإشارة إلى معارك في الجبهة الشمالية، المحاذية للحدود الروسية، في محيط مدينة خاركوف، والمتمثّلة بعقدة كماشة خطوط الإمداد الخلفية في مدينة إيزيوم، نظراً إلى طول الطريق المؤدية من مدينة بيلغوغراد الروسية إلى إيزيوم، والتي تنتشر فيها قوات أوكرانية تنشط في تدمير الجسور والسكك الحديدية وشن هجمات على القرى الروسية المؤدية إليها.

وجزم تقرير عسكري أميركي بشحّ قوات المشاة وعربات الإمداد المتوافرة لدى القوات الروسية في أوكرانيا “كضمانة للفوز في حرب في 3 جبهات في جنوبي أوكرانيا وشرقيها وشماليها، لكنها حصرت قتالها الآن في جبهتي الجنوب والشرق، الأمر الذي يدل على نقص حاد في تلك الموارد أكثر من ذي قبل” (أسبوعية “فوربز”، 23 نيسان/إبريل 2022).

يستند أولئك إلى انطلاقهم من تقييم اعتماد تشكيلة “مجموعة الكتائب التكتيكية” الروسية على الجانب اللوجستي، على نحو كبير، وخصوصاً بسبب حاجتها إلى كميات كبيرة من الوقود والذخيرة وقطع الغيار والأطعمة، والتي نشأت عام 2008 لتخلف هيكلية الفرق التقليدية، على الرغم من أن أداء المجموعة “يتفوق على نظيره فريق الكتائب الهجومية الأميركي”، الذي أضحى الحجر الأساس في العقيدة الأميركية لتنفيذ المناورات العسكرية، وقوامها قوات المشاة والاقتحام والتدريع، بعد التعديلات التي طرأت على تركيبة قواتها العسكرية عقب حروبها الخاسرة في العراق وأفغانستان.

مآلات الحرب الدائرة، وفق تقديرات النخب السياسية والفكرية الأميركية، تتخبط بين النزعات الرغبوية إلى إطالة أمد الحرب، وبين الحقائق الواقعية بشأن رؤية اتفاق سياسي في نهاية المطاف، وهنا تتداخل، مرة أخرى، الفرضيات الجيوسياسية بشأن أفول الهيمنة الأميركية، كما حددها بريجينسكي وآخرون، وتعدد القطبية العالمية.

نسترشد بجملة مقالات تحليلية لفصلية “فورين أفيرز”، ومقالاتها الاسبوعية بهذا الشأن، للإطلالة على إرهاصات النخب الفكرية ومخاوفها من مستقبل “سيواجه الغرب فيه أعواماً من عدم الاستقرار في أوروبا، والتسبب بموجات من المجاعات والاضطراب الاقتصادي”. كما أن هجوماً طويل الأجل على أوكرانيا سيعرّضها لـ”خطر تآكل الدعم الغربي لكييف وتقلّب تأييد الرأي العام لديها، بينما يستطيع (الرئيس) بوتين حشد شعبه فترةً أطول من الزعماء الغربيين” (سلسلة مقالات آخرها بعنوان “ماذا لو لم نشهد نهاية للحرب في أوكرانيا”، مجلة “فورين أفيرز”، 20 نيسان/إبريل 2022).

من بين المزاعم الدائمة الترداد في سردية النخب الأميركية: “اوكرانيا كانت رسمياً دولة غير منحازة، والهجوم الروسي يدفعها أكثر إلى الغرب، ومن المحتمل انضمام فنلندا والسويد إلى حلف الناتو” صيف العام الحالي. لدى أوكرانيا “عدد من الأسباب في عدم إنهاء الحرب قبل الأوان، وفقاً للشروط الروسية. لقد كان أداء جيشها جيداً”.

في جانب المراهنات الأميركية: التعويل على أن تؤدي “العقوبات ضد روسيا، لا سيما في قطاع الطاقة، إلى تغيير في الحسابات الروسية مع مرور الوقت”. وقد يلجأ الرئيس بوتين إلى “حرب استنزاف وتأجيل هزيمته، وربما تسليم الصراع المحكوم عليه بالفشل إلى من يخلفه، وهو ما ستتيح لموسكو تجنيد مئات الآلاف من الجنود الجدد وتدريبهم، وإعادة بناء قواتها المستنزَفة”.

ايضاً، المراهنة على انتظار الرئيس بوتين “فوز ترامب في الانتخابات المقبلة، الأمر الذي يُعينه على ممارسة الضغط على حلف الناتو، ومحاولة إبرام صفقة مع روسيا على حساب الحلف، وكذلك مراهنته على تحولات سياسية في أوروبا،” خصوصاً في فرنسا عقب إعلان فوز مانويل ماكرون في الانتخابات الرئاسية.

روسيا وأوكرانيا “قد لا تحققان أهدافهما من الحرب”، فقد لا تتمكن أوكرانيا من طرد القوات الروسية بالكامل من الأراضي التي احتلتها، وقد تفشل روسيا في تحقيق هدفها السياسي الرئيس، وهو السيطرة على أوكرانيا. “تسعى كييف لوقف إطلاق للنار بشروط أفضل، من خلال إحراز مزيد من التقدم في ساحة المعركة، وصدّ الهجوم الروسي في شرقي أوكرانيا”. إن “أي اتفاق سلام مستقبلي، لا يضمن تنازلات كبيرة من أوكرانيا، سيكون غير متلائم مع الخسائر في الأرواح والعتاد والعزلة الدولية لروسيا”.

أما رؤية النخب السياسية، على الشاطئ المقابل من المحيط الأطلسي، فتباينت بصورة ملموسة مع “المراهنات والتوقعات” لنظيراتها الأميركية، كما أوجزها رئيس الوزراء البريطاني، العدو اللدود لروسيا، بقوله إن فوز الرئيس بوتين بات أمراً واقعاً. واستطردت النخب المعنية بأنه ينبغي للغرب الإعداد للمرحلة المقبلة، كما تنبّأ بها الرئيس الروسي، بنهاية الأحادية القطبية وتراجع هيمنة الولايات المتحدة على مقدرات العالم، بل نهاية تحكّم الدولار في الاقتصادات الوطنية.

2022-12-04-التحليل

التحليل

(ينشر بالتعاون مع موقع “الميادين” اونلاين)
 

الحرب الإلكترونية في المواجهة
بين روسيا والناتو في أوكرانيا

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

الحرب الدائرة في أوكرانيا هي تتويج للمرحلة الخامسة من الحروب؛ الحرب الهجينة، بحسب تعريف المؤسّسة العسكرية الأميركية، والتي تُسخّر فيها كل الوسائل الهجومية “التقليدية”، والوسائط الإلكترونية، أو الحرب الرقمية، كعامل محوري في “فن الحرب”، وتكتيكات جديدة”، بما فيها الاستثمار في مجموعات مسلّحة من قبل أطراف الصراع.

وباستطاعتنا القول إنّ “الجيل السادس” من الحروب، بحسب تصنيف الجنرال الروسي فلاديمير سليبتشينكو، هو ما يشهده العالم اليوم، لاعتماده على أحدث التقنيات العلمية التي توصّل إليها البشر.

حروب الجيل السادس لا تعتمد على الالتصاق المباشر مع الخصم، بل تدار عن بُعد، ويتوسّع قُطر دائرتها ليشمل كل أنواع الأسلحة المتاحة، “منها نظم التسليح البالغة الدقّة، والأسلحة النووية التكتيكية، والذكاء الاصطناعي، والأسلحة البيولوجية والكيميائية، والبُعدان الاقتصادي والمعلوماتي”، والطائرات المسيّرة، للسيطرة والتحكّم وتحقيق الأهداف بكلفة متدنية نسبياً.

وقد مهّدت أبرز وسائل الإعلام الأميركية لشنّ حرب إلكترونية، مشيرة إلى تقديم واشنطن كلّ أنواع الدعم التقني واللوجستي لأوكرانيا، وذلك على صدر صفحات الرأي، قائلة: “لماذا لم يسمع أحدٌ بالحرب السيبرانية السرّية في أوكرانيا؟”، التي تعرضت لها منذ العام 2014، والتي أدت إلى انقطاع التيار الكهربائي في مناطق واسعة، وبهجمات سيبرانية مدمّرة  على مواقع حكومية أدت إلى قطع اتصال بعضها مع بعض في جزيرة القرم، بحسب “صحيفة نيويورك تايمز”( 18 آذار/مارس 2022).

وتشير بعض التقارية الأميركية إلى تعرّض أوكرانيا لـ “أكثر من 150 هجمة إلكترونية منذ بدء الحرب” في 24 شباط/فبراير الماضي، صنّفها قسم “نُظم التهديدات الأمنية” في شركة “مايكروسوفت” الأميركية بأنها “هجمات سيبرانية مدمّرة استهدفت البنى التحتية الإلكترونية في أوكرانيا، عبر برنامج “فوكس بليد” الضار لفصل اتصالات الأجهزة الأوكرانية عن شبكة الإنترنت ومسح بياناتها” (موقع “مايكروسوفت”، 28 شباط/فبراير 2022).

في التفاصيل التقنية، وبحسب الشركة الأميركية أعلاه، إضافةً إلى “وكالة الأمن السيبراني وأمن البنى التحتية” CISA، وهي هيئة رسمية تابعة لوزارة الأمن الداخلي، تعرّضت أوكرانيا لـ”هجمات إلكترونية غير مبرّرة” لتدمير نظمها الكمبيوترية وإخراجها من الخدمة، أبرزها برنامج “ويسبر غيت – 1 و 2″، في 15 كانون الثاني/يناير 2022، الذي أدى إلى تعطيل “70 موقعاً إلكترونياً على الأقل، واختراق نحو 10 مواقع أخرى”، منها وزارات الخارجية والتربية والعلوم، بحسب بيانات جهاز الأمن الأوكراني.

والبرنامج الآخر هو برنامج “هيرمتك وايبر”، في 23 شباط/فبراير 2022، والذي استهدف أجهزة تعمل بنظام “ويندوز” بهدف إخراجها عن الخدمة وتعطيل عمل نظم الكترونية في بعض دول البلطيق.

البرنامج الضار، “الدودة الإلكترونية”، والأقل كلفة، المعروف بـ”الحرمان من الخدمة”، هو الأكثر شيوعاً بين القراصنة عبر العالم، استُخدم ضد وزارة الدفاع الأوكرانية في الساعات الأولى لبدء الحرب، من خلال إغراق أجهزتها برسائل للمرور إلى شبكة الانترنت، ما منعها من التواصل الفعّال عبر موقعها الإلكتروني مع المستخدمين بشكل عام.

بالتزامن مع بدء “العملية الخاصة” الروسية، أنشأت أوكرانيا جهاز “الجيش السيبراني”، برئاسة النائب الأول لرئيس الوزراء ميخايلو فيدوروف، في 25 شباط/فبراير 2022، الذي سارع إلى طلب المساعدة العلمية “من مختلف خبراء التقنية في العالم، لاختراق قائمة من 31 موقعاً إلكترونياً لمنظمات الأعمال والدولة الروسية” (تقرير لوكالة “رويترز” للأنباء، 27 شباط/فبراير 2022).

وعندما شهدت أوكرانيا سلسلة انقطاع في خدمات شبكة الإنترنت، “تبرّع” رئيس شركتي “تيسلا” و “ستار لينك”، الأميركي إيلون ماسك، بتقديم نظام “ستار لينك” للأقمار الاصطناعية لتوفير خدمات الإنترنت لأوكرانيا، ما أتاح لها الفرصة لديمومة تواصلها مع الأقمار الاصطناعية، واستخدامها الاتصالات العسكرية بين الوحدات المختلفة، وتوجيه طائرات “الدرونز” لإلقاء ذخائر مضادة للدبابات.

الثابت أنّ تسخير الولايات المتحدة ودول حلف الناتو وسائلها الإعلامية الهائلة في خدمة كييف ساهم في الحد من إلحاق الضرر بالسردية الأوكرانية، بل استطاعت بمجموعها نشر مقاطع فيديو وصور من ميادين الاشتباك تظهر تدمير عدد من المعدات المدرعة والطائرات الروسية، وأتبعتها بمقاطع لأسرى من الجنود الروس. الأمر الذي “أوحى” لمواطني الغرب والعالم بأنّ أوكرانيا تكسب الحرب بسبب الدعم الهائل والمتواصل للمعدات والإمكانيات الغربية ضد روسيا. الشائع هو أنّ “الحقيقة هي الضحية الأولى للحروب”، ونهاياتها تتقرّر على الأرض وليس عبر الفضاء الإلكتروني.

المؤسسة العسكرية وفروعها الأمنية الأميركية تدرك حقائق تاريخ الحروب البشرية، وبأن مصيرها يتحقق على أيدي “القوات البرية”، بصنوفها المتنوعة، وخصوصاً بعد تجاربها المؤلمة في حروبها المتواصلة في فيتنام والعراق وأفغانستان.

أما عزوفها عن خوض حرب مباشرة مع روسيا، كما كان “معسكر الحرب” يتوقع، فله ما يبرره في المرحلة الحالية من تباين القدرات التقنية والعسكرية مع خصم يملك أسلحة نووية قادرة على الوصول إلى الشواطئ الأميركية بسرعة فائقة، بحسب تقديرات البنتاغون وسلاح الغواصات.

العقيدة العسكرية الأميركية لا تزال تولي القوات البرية أولوية في حسم المعارك، كما جاء في أحدث تحديث للأدبيات العسكرية الصادرة عن قوات الجيش، الموكل إليها التقدم والاحتفاظ بالأراضي، عبر نشر القوات البرية بأسلحة مناسبة تدعمها “المقاتلات والسفن والصواريخ الباليستية”. أما الأسلحة النووية التكتيكية، فهي غير قادرة على السيطرة على الأرض.

وأوضح البنتاغون مؤخراً أنّ “من الضروري بمكان لقادة سلاح المشاة دراسة تجارب من سبقوهم، للتوقف على ما استنبطوه من تعديلات وما نجم عنها من إدارتهم لفوضى الخارج والانفعالات الداخلية للحرب” (منشورات وإرشادات “بينينغ” للقوات البرية، 18 كانون الأول/ديسمبر 2018).

وجهة الصراع الدائر حالياً بين روسيا والولايات المتحدة مرشحة إلى التصعيد بكل المقاييس، وإلى مزيد من التعقيد، مع دخول أدوات الحرب الإلكترونية بقوة كعنصر اساسي من عناصر المواجهة والحسم.

الحرب السيبرانية بدأت منذ العام 2020، بحسب المصادر الأميركية، عندما استطاعت روسيا اختراق موقع وزارة الخزانة الأميركية وعدة جهات رسمية وتجارية كبرى، وأشارت إيضاً إلى توقف مطار “هيثرو” في لندن عن الحركة بسبب الاختراق الإلكتروني في 26 شباط/فبراير 2022، الأمر الذي ينبئ بتوسّع ساحة الحرب الأوكرانية، وفق المعطيات الراهنة، وخصوصاً إذا استثنينا العامل الاقتصادي الضاغط بشدة على صنّاع القرار في أوروبا، والذي لا يبشّر إلا بتفاقم الأزمة الداخلية، وعنوانها ارتفاع حادّ في اسعار المواد الغذائية والاستهلاكية.

تبدو مفاعيل الحرب الإلكترونية محدودة الأثر الفعّال حتى اللحظة في وجهة الصراع الدائر حاليا في اوكرانيا، ولكن قد تبرز في المرحلة القادمة تطبيقات لم نشهدها بعد، وعلى نطاق أبعد من المساحة  الجغرافية للنزاع الروسي الأوكراني، لتطال أطرافاً داعمة للمعسكر الأوكراني.