2019-15-11التحليل

التحليل

قراءة في أبعاد
قمة ترامب واردوغان

    في ظل إجماع المؤسسة الأميركية الحاكمة بمعاقبة تركيا ومناشدتها الرئيس ترامب التراجع عن دعوته نظيره التركي، زار الرئيس رجب طيب اردوغان البيت الأبيض، 13 الشهر الجاري، وفي جعبته جملة ملفات ثنائية وإقليمية، من بينها مسألة العقوبات المفروضة عليه بعد غزوه للشمال السوري (9 أكتوبر الماضي) ومطاردة وحصار الكرد، وصفقة منظومة الدفاع الجوي الروسية، اس-400 ومجمل العلاقة الودية مع روسيا، وترتيب المسرح بعد مقتل أبو بكر البغدادي.

        أغلبية من قيادات الحزبين في الكونغرس أعربت عن معارضتها الصريحة للزيارة وناشدت الرئيس ترامب الغاءها في مذكرة رسمية ترجمة لما يعتبرونه أن سياسة تركيا الراهنة تتراوح بين كونها “أسوأ صديق أو أفضل عدو لأميركا.”

        للتوقف عند قرار ترامب بمعاندته قيادات حزبه بالدرجة الأولى نستطيع القاء الضوء على مسألتين مغيبتين عن التداول والمتابعة المطلوبة: دوافع كل من ترامب واردوغان للقاء في الموعد المحدد سلفا، والمتغيرات التي أدخلها ترامب على بلورة السياسة الخارجية الأميركية لا سيما اقتدائه بإرشادات وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر.

        بداية بإمكاننا رصد حيز التشابه بين إصرار قيادات الكونغرس على معارضة تركيا – اردوغان، وهي التي عادة تسترشد وتمتثل لتوجهات اللوبي “الإسرائيلي،” وبين معارضة “إسرائيل” لتركيا نظراً لتقويضها استثمار الأولى التاريخي بالقيادات الكردية وتشجيعها على الانفصال، في العراق وسوريا تحديداً.

        في البعد الكردي تحديداً، برزت نداءات متعددة داخل الكيان “الإسرائيلي” تنديداً بالغزو التركي للشمال السوري وملاحقة التنظيمات الكردية، مجمعة على مطالبة قياداتها السياسية “بالتصدي لتركيا من أجل حماية حلفائنا الكرد .. الذين عقدنا معهم تحالفاً استراتيجياً منذ عقد الخمسينيات ودعمناهم عسكرياً وسياسياً،” في إشارة إلى مبدأ “التحالف التاريخي والاستراتيجي مع القوى غير العربية في الشرق الأوسط،” الذي أرساه ديفيد بن غوريون.

        وفي مطلع عام 2017، أعلن رئيس الوزراء “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو عن دعم حكومته “إنشاء دولة كردية مستقلة” في الشمال السوري.

        أما قادة الكونغرس، فقد استنهضواً مشروعاً طالما بقي حبيس الأدراج طيلة العقود الماضية وصادقوا على قرار يعترف بالمجزرة الأرمنية على أيدي الإمبراطورية العثمانية، بالأغلبية المطلقة في مجلس النواب، 29 أكتوبر، وهي المرة الأولى منذ 35 عاماً الذي يقر فيه الكونغرس مصطلح “الإبادة الجماعية للأرمن،” على أعقاب قرار العقوبات ضد أنقرة، وتوطئة لزيارة اردوغان.

        يشار إلى أن المحاولات المتعددة السابقة لإصدار قرار مشابه في الكونغرس تعثرت جميعها بفضل ضغوط اللوبي “الإسرائيلي.” إذ تشير وثيقة رسمية لوزارة الخارجية في تل أبيب لعام 1987 دعمها التام “لتركيا في الضغط على الكونغرس الأميركي لإفشال تصويت على قرار يعلن يوم 24 نيسان/إبريل، من كل عام، يوماً للتضامن مع المذبحة الأرمنية.”

        قبل بضعة أيام من بدء لقاء الرئيسين أُفرج عن مضمون مذكرة داخلية في وزارة الخارجية الأميركية تتهم تركيا “بارتكاب جرائم حرب وتطهير عرقي” ضد الكرد في الشمال السوري (صحيفة نيويورك تايمز، 9 نوفمبر الجاري).

        صاغ المذكرة نائب المبعوث الخاص لسوريا والسفير الأميركي الأسبق لدى البحرين، ويليام روباك، قدمها لرئيسه جيمس جيفري، ينتقد فيها “تراخي” السياسة الأميركية مع تركيا والتي ينبغي أن تتميز بالتشدد الديبلوماسي وإنزال عقوبات قاسية عليها.

        حِرْص الرئيس ترامب على المضي بلقاء نظيره التركي جاء بالتزامن مع تصميم قادة الحزب الديموقراطي في مجلس النواب المضي في إجراءات التحقيق والاستماع لشهادات مسؤولين في الإدارة تمهيداً لمحاكمته وعزله.

        أتى حرصه على خلفية رغبته لصرف الأنظار، ولو قليلاً، عن إجراءات التحقيق الجارية، وهو أمر منطقي.

        بيد أن المستشار السابق لشؤون الأمن القومي، جون بولتون، أضاف أبعاداً أخرى لقرار الرئيس ترامب، خلال خطاب له مطلع الشهر الجاري أمام مجموعة (مورغان ستانلي) المصرفية في مدينة ميامي بولاية فلوريدا (شبكة أن بي سي للتلفزة، 12 نوفمبر الجاري).

        نقلت الشبكة عن بعض الحاضرين مباشرة قولهم إن بولتون “يعتقد بتوفر علاقة شخصية أو حتى عملية تتحكم بموقف ترامب من تركيا، لا سيما وأن لا أحد من مستشاريه (الحاليين) يشاطره الرأي في هذه المسألة.”

        إمعاناً في توضيح تداخل البعد الشخصي بالعملي بين ترامب واردوغان، نشرت صحيفة نيويورك تايمز، 12 نوفمبر، تقريراً مطولاً للعلاقة الحميمية بين الرئيسين والتي عهدا لتطبيقها إلى صهريهما، جاريد كوشنر وبيرات البيرق – زوج كريمة اردوغان ووزير ماليته، منوهة إلى المصالح التجارية العائدة لمجموعة ترامب في استانبول. البيرق من جانبه، وفق التقرير، أشاد بعلاقته المتينة مع كوشنر لتسهيل كافة القضايا ذات الاهتمام المشترك بين الرئيسين عبر “ديبلوماسية الأبواب الخلفية.”

        كما وأشار التقرير إلى “تقارب” ترامب مع اردوغان بخلاف توصيات “مستشاريه وقادة الكونغرس عن الحزب الجمهوري،” في مناسبتين: الأولى خلال مكالمتين هاتفيتين، 9 أكتوبر الماضي، وإبلاغه بانسحاب القوات الأميركية من الشمال السوري؛ والثانية، 7 أكتوبر، مؤيداً قرار تركيا بغزو المنطقة وزعزعة سيطرة الكرد عليها.

        وتحلى الرئيس اردوغان بحماسة مماثلة للقاء ترامب بغية ترميم علاقة بلاده. وأوضح السيناتور الجمهوري المقرب من ترامب، ماركو روبيو، أجندة من أربعة أركان تشكل هاجساً للرئيس التركي: تخفيف حدة العقوبات المفروضة على بلاده؛ الفوز بتسلم غريمه فتح الله غولن؛ وقف الدوريات العسكرية الأميركية المشتركة مع القوات الكردية في الشمال السوري؛ وإيصال رسالة شديدة الوضوح عن عزم تركيا التخلص من القائد العسكري لقوات قسد، مظلوم عابدي.

        الأجهزة الأمنية الأميركية أعربت للرئيس ترامب عن عدم رضاها لمساعي تركيا السيطرة على أبو بكر البغدادي، قبل تنفيذ القرار الأميركي باغتياله قصفاً. وأشارت لمقربيها في بعض وسائل الإعلام بأن البغدادي قصد الأراضي التركية قبل بضعة أيام من الغارة الأميركية لبحث ما تردد أنه يسعى لترتيب إقامته وعائلته هناك، مشددة على “تساهل واسترخاء” جهاز الاستخبارات التركي أمام البغدادي وعناصر داعش.

المتغيرات السياسية عند ترامب

أثنى الرئيس ترامب، خلال المؤتمر الصحفي المشترك مع اردوغان، على تركيا “كحليف رائع داخل الناتو وشريك استراتيجي للولايات المتحدة حول العالم.”

للوهلة الأولى لا يبدو ما يدعو للقلق أو الذهول من تصريح ترامب مصطحباً معه بعض قادة الكونغرس من الحزب الجمهوري للقاء اردوغان على انفراد، في خطوة غير مسبوقة مع رئيس دولة أجنبية زائر.

عند التمحيص فيما هو أبعد من ثمة إشارة عابرة لحليف تاريخي للمخططات الأميركية في المنطقة، نستحضر شبح وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر دائم الزيارة المنفردة للبيت الأبيض في بلورة توجهات ترامب، التي يكتنفها الغموض والتقلب في معظم الأحيان؛ بل هي رسائل قوية لأركان المؤسسة الحاكمة بأن السياسة “الحكيمة” تقتضي تفادي نزعة إشعال الحروب لزعزعة استقرار الأقاليم، وأن المطلوب إنجازه هو “توازن القوى.”

كيسنجر يشدد على تفوق الولايات المتحدة على الصين الصاعدة بقوة للمسرح الدولي، وروسيا التي يعتبرها بانها ضعيفة، لكن ضرورة التعايش معهما على قاعدة بينة من توازن القوى.

في النموذج “الكيسنجري” لا ضير من علاقة تقارب بين تركيا وكل من روسيا وإيران في الوقت الراهن، في الإقليم، ويتعين على الولايات المتحدة استغلال ذلك لمنع أي منهما من ترسيخ قدميها كقوى كبرى في الشرق الأوسط.

ويضيف النموذج عينه أن العنصر الأهم في سياسات الدول القوية هو توفر قيادة مركزية لديها قدرة على ممارسة المرونة في المواقف وعقد تحالفات بغية تصويب بوصلتها طمعاً في تحقيق توازن القوى، الذي سيبنى عليه سلام مقبول في المنطقة.

نظرياً، إن استمر الرئيس ترامب في تبني “النموذج الكيسنجري” لتوازن القوى في الشرق الأوسط، ينبغي عليه المحافظة على الانفتاح والتواصل مع اردوغان وآخرين وتسليط الجهود المشتركة لتحقيق التوازن المرجو.

الأمر الذي يؤشر بقوة على توجه الرئيس ترامب بعد انفضاض لقائه بالرئيس التركي، من خلال سرديته وتأييده للقضايا المشتركة، وإحالة أو ترحيل القضايا الخلافية لفرق متخصصة دون اسنادها ببرنامج زمني ناظم.

2019-08-11التحليل

التحليل

دلالات نتائج الانتخابات

الأميركية المحلية على السباق الرئاسي

          شهد مطلع الشهر الجاري سلسلة احداث في الأميركيتين، الشمالية والجنوبية، أشرت على تراجع التيارات اليمينية الحاكمة مقابل فوز منافسيها في القارتين.

الأرجنتين شهدت تحولاً ملحوظاً بفوز مرشح اليسار (تيار بيرون) ألبيرتو فرنانديز ونائبته الرئيسة السابقة كريستينا فيرنانديز دي كوشنر، خصوم واشنطن، شارك فيها “أكثر من 26 مليون ناخب .. فاز مرشحوه بالأغلبية الساحقة في مجلس الشيوخ” الذي ستترأسه نائبة الرئيس كريستينا.

كما فاز الرئيس البوليفي وحزبه “الحركة الاشتراكية” المناهض بشدة لهيمنة واشنطن بولاية رئاسية ثانية، 24 أكتوبر، ولجأت الولايات المتحدة لإسقاطه عبر انقلاب لم يكتب له النجاح، تبعه هبوط طائرته المروحية اضطرارياً في أعالي جبال الأنديز وسط تكهنات بمسؤولية أعوان واشنطن في الجيش بمحاولة لاغتياله.

وفي الاوروغواي، جنوبي الحدود البرازيلية، فاز مرشح “الجبهة العريضة” للرئاسة، دانيال مارتينيز، ذو برنامج الاشتراكية الشعبية، بنسبة مريحة.

لعل العنصر الأهم كان أثناء إعداد التقرير وهو إفراج المحكمة الفيدرالية العليا في البرازيل عن الرئيس السابق المحتجز لولا دي سيلفا، أحد أركان دول البريكس. عقب مغادرته السجن ألقى كلمة أمام حشد لمؤيديه دعاهم فيها للتظاهر ضد الفاشية الحاكمة، وسيقوم بجولة في مختلف انحاء البرازيل لاستعادة زمام المبادرة التي حُرم منها لنحو عام ونصف خلف القضبان بتهم فساد ملفقة.

مطلع الشهر الجاري أيضاً أجريت انتخابات محلية في بعض الولايات الأميركية لعدد محدود من المناصب، منها حكام الولايات ومجالس الكونغرس المحلية، اسفرت نتائجها عن خسارة كبيرة للحزب الجمهوري ومؤيديه في ولاية فرجينيا، مما حفز التكهنات الانتخابية للعام المقبل بصعود مرشحي الحزب الديموقراطي في مراكز حيوية. كما حقق الحزب الديموقراطي فوزاً بمجلسي الولاية، الهيئة التشريعية، لأول مرة منذ عقد التسعينيات من القر ن المنصرم.

من العلامات الفارقة في الانتخابات المحلية لولاية فرجينيا فوز مرشحة “مسلمة من أصول هندية” لمقعد في مجلس نواب الولاية، مما حمل يومية نيويورك تايمز على وصفها بأنها “علامة فارقة .. تعكس زيادة انخراط المرأة المسلمة في السياسة.” الفائزة بالمنصب غزالة هاشمي هاجرت للولايات المتحدة برفقة والديها وهي بعمر 4 سنوات، حصلت على شهادة الدكتوراه في اللغة الإنكليزية.

الولاية الحيوية الأخرى هي كنتاكي معقل رئيس مجلس الشيوخ الجمهوري ميتش ماكونيل، إذ فاز المرشح الديموقراطي (آندي بيشير) بمنصب حاكم الولاية، والذي شغل والده منصب آخر حاكم ديموقراطي للولاية لفترتين متتاليتين. يشار إلى أن الرئيس ترامب فاز بأصوات الولاية بفارق 30 نقطة مئوية في جولة الانتخابات الرئاسية لعام 2016.

اللافت في نتائج هذه الولاية، التي تميل بغالبيتها للحزب الجمهوري، برنامج الفائز بيشير الذي ركز على سياسات الرئيس ترامب بتقليص حجم الخدمات الصحية ورواتب التقاعد للمسنين؛ بينما حافظ مجلسي كونغرس كنتاكي على أغلبية للحزب الجمهوري.

ولاية الميسيسيبي، أقصى الجنوب، حافظت على تأييدها لمرشحي الحزب الجمهوري، في ظل حرص الرئيس ترامب على زيارتها في الحملات الانتخابية لتأييد مرشحي حزبه.

وحقق الحزب الجمهوري تقدماً ملحوظاً بعد فوز مرشحيه لمناصب مجلسي ولاية نيو جيرسي، بيد أن أغلبية المقاعد لا تزال تصب في صالح خصومه الديموقراطيين. الفوز المحقق كان محدوداً في منطقة جغرافية جنوبي الولاية تميل بغالبيتها للتيارات المحافظة.

انتخابات مدينة سياتل بولاية واشنطن، أقصى الشمال الغربي، شهدت منافسة حادة بين رؤوس الأموال الضخمة التي ضختها شركة أمازون تقدر بعدة ملايين من الدولارات لدعم مرشحها لمجلس البلدية ضد العضو “الاشتراكية” كشاما سوانات التي عارضت بشدة التسهيلات المقدمة للشركات الكبرى حلال توليها منصبها.

كما شهدت مدينة هيوستون بولاية تكساس انتكاسة أخرى للمرشح الديموقراطي لمنصب عمدة المدينة، بفارق بسيط بين المرشحين مما سيضطرهما إعادة جولة الانتخابات الشهر المقبل، وفق قوانين الولاية الناظمة للعملية الانتخابية.

عند السعي لاستقراء النتائج الأولية لتلك الانتخابات المحدودة من العسير البناء على استنتاجات تؤيد الحزب الديموقراطي بشكل خاص، لا سيما إذا أخذنا بعين الاعتبار تعدد المشارب والعوامل التي أدت لفوز مرشحيه، بعضها يعود للآلية الحزبية المنظمة وبعضها الأخر لطبيعة المرشح، كما شهدت ولاية كنتاكي.

المحصلة العامة لنتائج الانتخابات في هذه المرحلة المبكرة لا تدل على تحول كبير في المزاج العام من مسار التحقيقات الجارية في مجلس النواب لعزل الرئيس ترامب، على الرغم من توجيه بعض معاونيه السابقين تفسيرات تدعم التهم الموجهة إليه فيما عُرف بفضيحة “أوكرانيا غيت.”

أحدث استطلاعات الرأي ايضاً لا تدعم فرضية عزله، إذ جاء في استطلاع أجرته شبكة فوكس نيوز أن 51% تؤيد مسار التحقيق لعزله، وهي أعلى نسبة سجلت في هذا الصدد، لكنها لا تؤشر على أغلبية ساحقة كما يرغب الحزب الديموقراطي.

وأشار استطلاع موازٍ أجرته جامعة مونماوث، بولاية نيوجيرسي، إلى فقدان ثقة الأغلبية المطلقة من المستطلعة آراؤهم، 73%، في مسارات التحقيق؛ بينما أعرب نحو 60% من الديموقراطيين عن رغبتهم بإزاحة ترامب بصرف النظر عن طبيعة الحقائق والملابسات. في قراءة أخرى لتلك النتائج، نستطيع القول إن أغلبية الآراء تشير إلى مقارعة الرئيس وهزيمته في الانتخابات المقبلة.

تلك النتائج ينبغي أن تنعكس على إجراءات التحقيق الجارية في مجلس النواب، في ظل مناخ ديموقراطي سليم. بيد أن تشبث الحزب الديموقراطي بالتحقيق بغية العزل لا يمثل النبض العام من ناحية، ويضعه في مغامرة العزل وما يرافقها من انقسامات واصطفافات حادة داخل المجتمع بأكمله، عوضاً عن تحشيد الإمكانيات الانتخابية لهزيمة الرئيس ترامب في الانتخابات المقبلة.

إصرار قادة الحزب الديموقراطي المضي بإجراءات التحقيق يعود للرغبة في التوصل لبعض التفاصيل التي يمكن البناء عليها لإقصائه، وهي مغامرة غير محسوبة النتائج بدقة لعدم توفر أدلة تدعم تلك الرغبة بعد مضي نحو ثلاث سنوات على مساعي الإطاحة بالرئيس ترامب. بل أن قراءة واقعية لنتائج استطلاعات جامعة مونماوث، أعلاه، تقود المرء للاستنتاج بأن الغالبية الشعبية لا تثق بتصرفات وخطط الحزب الديموقراطي في مجلس النواب.

أما المرشح “الأقوى” لدى الحزب الديموقراطي، نائب الرئيس السابق جو بايدن، أضحى يعاني من صعوبات متعددة وهفوات في الأداء أسهمت في تراجع نسبة التأييد الشعبي من ناحية، وتقلص حجم التبرعات المالية من مصادر مؤيدة للحزب بشكل عام.

الدخول المحتمل لعمدة نيويورك السابق، مايكل بلومبيرغ، لحلبة السباق الرئاسي يؤشر على تبلور قناعة شبعه قاطعة داخل مراكز القرار في الحزب الديموقراطي بأن المرشح بايدن في طريقه ليصبح عبأً علية وينبغي انقاذ ما يمكن إنقاذه بعيداً عن تأييد المركز للمرشحيْن البارزين، بيرني ساندرز واليزابيث وارين.

في مواجهة تلك اللوحة في معسكر الحزب الديمقراطي، لا تزال قاعدة مؤيدي الرئيس ترامب تحافظ على تماسكها وتأييدها له، على الرغم من سيل الاتهامات والانتقادات الموجهة له. بل تميل قاعدة مؤيديه إلى “إهمال” الحملات المناوئة له وتبني سرديته بأنها ثمة “أنباء مفبركة.”

عند الأخذ بتلك المعطيات بعين الاعتبار، يمكننا القول أن قادة ومراكز قرار الحزب الديموقراطي أقلعت عن المنافسة الانتخابية الصرفة نتيجة “ضعف” مرشحيها المفضلين، واعتمدت أسلوب التحقيق والمضي به إلى النهاية كاستراتيجية بديلة.

يبدو أن الحزب الديموقراطي غير عابيء بنتائج التحقيق الحقيقية، خاصة وأن مسار ثلاث سنوات متواصلة لم يكشف عن انتهاكات صارخة قام بها الرئيس تستدعي اقصاءه، بل يمضي في إهمال ما يمكن أن تنجزه أغلبيته العددية في مجلس النواب وتركيز جهودها لسن تشريعات تحظى بتأييد العامة وتدعم حظوظ مرشحيه، وهي الخطة “السرية” لكسب الانتخابات كما يدل المسار التاريخي للانتخابات الأميركية.

الانطباعات الراهنة حول توقعات المراقبين لنتائج الانتخابات المقبلة تدعم فوز الرئيس ترامب نظراً لتماسك قواعده الانتخابية، مقابل انقسامات متعددة داخل صفوف خصومه، خاصة اذا لم تبرز فضائح او انتهاكات جديدة دامغة تطاله، فضلاً عن دروس التاريخ السابقة التي تشير إلى نجاح الرئيس بولاية ثانية في معظم الانتخابات الرئاسية الأميركية، باستثناء حالتي الرئيسين جيمي كارتر وجورج بوش الأب.

2019-28-10 التحليل

التحول الاستراتيجي الأميركي

لنزاع محتمل في بحر الصين

لوحظ مؤخرا اقدام فروع القوات المسلحة الأميركية على اجراء مناورات عسكرية مكثفة تحاكي بشكل خاص امكانية الاشتباك في بحر الصين الجنوبي وكان آخرها سلاح البحرية والمارينز.

رغم التركيز الإعلامي، الأميركي والدولي، حول المخاطر والتهديدات بنشوب حرب اقليمية في منطقة الخليج او الشرق الوسط عموما ، وخاصة مع استمرار حالة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران إثر انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي، يمضي الرئيس ترامب في إصراره على التذكير بضرورة الانسحاب العسكري من المنطقة وفي الوقت عينه ارساله قوات محدودة للسعودية او نقل تموضع بعض القوات في الأراضي السورية.

تتلاقى رغبة ترامب مع توجهات ودعوات عالية النبرة من داخل اجنحة المؤسسة الحاكمة بضرورة التحول شرقا وجنوبا في الاستراتيجية الكونية للولايات المتحدة. تم الترويج لهذه التوجهات في عهد اوباما ويعاد التركيز على الاستعداد للمواجهة الإستراتيجية مع روسيا والصين في كل الوثائق الهامة التي صدرت عن الإدارة الحالية والمتعلقة بالأمن القومي الأميركي.

          في مثل هذه الأيام من شهر تشرين الأول عام 2014، استندت البنتاغون في بلورة توجهاتها إلى وثيقة مطولة أطلقت عليها “الاستراتيجية العليا للولايات المتحدة،” أعدتها “جامعة الدفاع الوطنية،” مؤكدة فيها على العناصر والمكونات الأساسية للرؤى الاستراتيجية والتي “حافظت على تماسكها على مر العقود؛” أبرزها تجديد التأكيد على “مبدأ (الرئيس) مونرو” بتشريع التدخل العسكري في شؤون الدول الأخرى، وخاصة في أميركا الجنوبية والوسطى.

          أُدخل عليها تباعاً تعديلات تخص التحولات الإقليمية والدولية “.. والابتكارات التقنية والمؤسسات الملحقة بها (معتمدة) مبدأ الحرب الكونية على الإرهاب .. ونشر الديموقراطية، والسيطرة على منابع وتصدير الطاقة” وعناوين مماثلة، لتجد الآلة العسكرية نفسها منهكة عقب سلسلة حروب شنتها منذ عقدين من الزمن ولا زالت مشتعلة، مما أسهم ايضاً في مراجعة مراكز القرار الأساسية لبعض الاستراتيجيات المعتمدة.

          تدهور النزعة القتالية الأميركية حذر منها وزير الدفاع السابق، جيمس ماتيس، في شهادته أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، نيسان 2018، قائلا “التداعيات السلبية على الجهوزية العسكرية مصدرها الانخراط في أطول مرحلة متواصلة من المعارك في تاريخ البلاد، أسفر عنها بنية عسكرية تمددت فوق طاقتها بموارد أقل” مما تقتضيه المواجهات.

          يشكو بعض العسكريين من الأعباء الإضافية الملقاة على عاتق القوات الأميركية المنتشرة في مختلف أنحاء العالم. قائد سرب القوات البرمائية، لانس ليشر، أوضح في ندوة استضافها معهد سلاح البحرية الأميركية، منتصف الشهر الجاري، حجم المعاناة بأن قواته “ترابط في مياه الخليج العربي منذ زمن بعيد .. الآن وفي ظل تنافس القوى العظمى، فإن مهمتنا لا تقتصر على مسرح عمليات بحد ذاته؛ بل إننا نتوجه للانتشار في أي مكان في العالم وعلينا تنفيذ كافة تلك المهام.”

          تقارير ضباط الاستخبارات المتعددة أشارت إلى “تبديد الولايات المتحدة لموارها على مكافحة” المقاومات المحلية في أفغانستان والعراق عبر عقود من الزمن، بينما مضى خصوم واشنطن في تعزيز وتطوير ترساناتهم العسكرية المختلفة بكلفة أقل على رأسها “الصين وروسيا وإيران،” التي استغلت بمجموعها مواطن الضعف الكامنة في سلاح البحرية الأميركي “وشرعت في انتاج تقنية صاروخية أسرع من الصوت.”

          خصوم الولايات المتحدة، وفق شهادة وزير الدفاع السابق جيمس ماتيس، قد “استغلوا تلك المدة (انشغال واشنطن في الحروب) للاستثمار في تنمية القدرات العسكرية الهادفة لتطويق التفوق الأميركي في تقنية الأسلحة المتطورة،” بضمنها تقنية الشبح.

          في هذا المجال حذر خبراء الأمن القومي الأميركي من تخلف التقنية الأميركية في القرن الحالي، جسده عنوان لافت في أسبوعية فورين بوليسي “سلاح البحرية الأميركية غير جاهز لمواجهة إيران،” في معرض تناولها لطبيعة الرد الأميركي على إسقاط طهران لأحدث طائرات الدرونز التابعة للبنتاغون فوق مياه الخليج. (30 أيلول/سبتمبر 2019).

          وأضاف تحذير النشرة بأن واشنطن كانت على مستوىً عالٍ من الثقة في المراحل السابقة باعتمادها لعقود طويلة على “تفوقها في سلاح الجو والتحكم بمياه البحار.. اكتفت بأرسال حاملات طائرات أو فرقاطات على متنها صواريخ كروز لأي منطقة نزاع محققة إنجازات عاجلة دون ان تضطر لإطلاق حممها.” بينما الآن، وفق التقرير أعلاه، فإن “قدرة الولايات المتحدة على استعراض قوتها في مياه الخليج .. ليست بالقدر الذي اعتادت عليه في السابق.”

يشار أيضاً في هذا الصدد إلى أطروحة ضابط سلاح حرس الشواطيء الروسي السابق، والمقيم في الولايات المتحدة، أندريه مارتيانوف، في كتابه بعنوان “الثورة الحقيقية في الشؤون العسكرية” (أيلول/ سبتمبر 2019) بأنها تكمن في “تطوير روسيا لنظم أسلحة جديدة .. ليس بوسع الولايات المتحدة التغلب عليها فحسب بل لا يتوفر لديها منظومات بديلة.”

ويستنتج الكاتب الذي ينقل عنه نظراءه الأميركيون بأن “تداعيات الثورة العسكرية (الروسية) أدت لخسارة الولايات المتحدة تفوقها الجيو- سياسي .. وإعادة ترتيب العالم وفق نظام تعدد القطبية.”

          من بين نواقص الترسانة البحرية الأميركية نجاح كل من الصين وروسيا في تطوير “سلاح غواصات جديد يعمل بمحركات ديزل لا تصدر ضجيجاً،  وتقدم في الألغام البحرية وتقنية متطورة لزوارق الطوربيد .. مما أسفر عن تعقيد المهام أمام حاملات الطائرات الأميركية التي لم تعد تتمتع بخاصية التحصين من الاستهداف المعادي.”

          والسلاح الأقوى لدى روسيا والصين هو “قاتل حاملات الطائرات،” وهو صاروخ مضاد للسفن من طراز DF-21 يبلغ مداه 1،000 ميل “وبهذا يتفوق على أي مدى للطائرات المقاتلة على متن الحاملات” الأميركية الحديثة، فضلاً عن سرعته الفرط صوتية.

          حرصت الصين على إبراز أحدث ما لديها في عرضها العسكري بمناسبة الذكرى السبعين لتأسيس الجمهورية كان أبرزها الجيل الثالث من الصاروخ المشار إليه، DF-41، أشركت نحو 16 صاروخاً في العرض، وهو منظومة محمولة يبلغ مداه 15،000 كلم، أي 9،400 ميلاً، باستطاعته حمل وإطلاق “10 رؤوس حربية موجهة لعدة أهداف في آن واحد.”

          تقييم الخبراء العسكريين لدى البنتاغون أن أبرز مزايا ذاك الصاروخ المحمول هو الفترة الزمنية القصيرة التي يحتاجها للإعداد والانطلاق نحو الهدف “وسيكون صعباً اعتراضه وهو جاثم على الأرض.” بل فإن “.. معظم نظم الأسلحة المشاركة في العرض العسكري كانت من النوع المحمول على عربات .. وفي حال نشوب نزاع يتعين على سلاح البحرية الأميركية إخلاء المنطقة بالكامل،” أي بحر الصين الجنوبي.

          من ضمن استنتاجات أولئك الخبراء أن تقنية الأسلحة الفرط صوتية، لدى الصين وروسيا، تحيل “نظم الدفاع الصاروخية (الأميركية) عديمة الفائدة على الأغلب.” استند ذاك الاستنتاج إلى نجاح إصابة منشآت أرامكو في السعودية، 14 أيلول/سبتمبر الماضي، واكتشاف “.. السعودية بأن الترسانة الأميركية لا تضم منظومة للدفاعات الجوية قادرة على التصدي للصواريخ الباليستية وطائرات الدرونز.”

          ورد في التقرير السنوي المقدم من وزير الدفاع للكونغرس حول قوات الصين العسكرية، 2 أيار/مايو 2019، أن قادة الصين “استفادوا من .. الفرصة الاستراتيجية في العقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين لتطوير الداخل ونشر مفهوم “القوة الوطنية الشاملة” للصين،” والاستثمار في “تحديث ترسانتها العسكرية وتطوير التعليم والقوى البشرية وتوظيفها في البنى التحتية .. طمعاً في الوصول إلى مرحلة التفوق الإقليمي والبناء عليها لبسط نفوذها على المستوى العالمي.”

          بالتوازي مع تقرير وزير الدفاع حول الصين، ارتفع منسوب مطالبة العسكريين وأنصارهم في الكونغرس بزيادة حجم الإنفاقات العسكرية وتصويب الثقل العسكري للأمن القومي الأميركي باعتماد سردية بأنه لم يبقى للولايات المتحدة من خيار سوى “إعادة تنظيم القوات المسلحة وتوجيهها للدخول في مرحلة منافسة بين الدول العظمى .. أنها منافسة استراتيجية طويلة الأجل.”

          كذلك أشارت وثيقة البنتاغون المحورية “استراتيجية الدفاع الوطنية للولايات المتحدة،” 2018، إلى طبيعة الصراع الدولي بين القوى العظمى كونه “ردع أو إلحاق الهزيمة بدول عظمى معتدية يختلف بطبيعته بشكل كبير عن تحديات المواجهات الإقليمية التي تضم دولاً مارقة ومنظمات متطرفة تستخدم العنف والتي واجهناها عبر 25 سنة الماضية.”

          معدل إنفاق الولايات المتحدة اليومي على الشؤون العسكرية يبلغ 2.75 مليار دولار، وفق بنود الميزانية الدفاعية لعام 2020، وذلك عند احتساب ميزانيات البنود الأخرى الملحقة بها مثل “وزارة الأمن الداخلي، 52 مليار؛ ميزانية الطوارئ الخارجية، 26 مليار) حسبما أفادت الميزانية المقدمة في شهر نيسان من العام الجاري، والتي يبلغ مجموعها الإجمالي 989 مليار دولار، يشكل بند البنتاغون المعلن 576 ملياراً لشراء وتطوير حاملات طائرات وأسلحة مختلفة.

          واكب تلك الزيادات غير المسبوقة استثمارات بحجم القوات الخاصة، لا سيما في عهد الرئيس السابق باراك أوباما، وإمدادها بنظم تسليح خفيفة لتنفيذ مهام التدخل السريع. بيد أن عديدها الذي يقدر ببضعة آلاف لا يستطيع الصمود أمام “مئات الآلاف من القوات الروسية او الصينية؛” فضلاً عن أن أحدث العربات العسكرية المدرعة المضادة للألغام من طراز “سترايكر،” المستخدمة بكثرة في أفغانستان، غير فعالة أمام الأسلحة الرشاشة الحديثة للخصوم الروس والصينيين، كما أثبتت تجارب أفغانستان.

          يتضح مما تقدم أن بوصلة التحرك العسكري الأميركي هي باتجاه السيطرة أو الاشتباك في بحر الصين الجنوبي، مع تذكير بعض قادة البنتاغون بتقنية الصين المتطورة، لا سيما الفرط صوتية، مما “يحيل منظومات الدفاع الجوي الأميركية على متن السفن الحربية عديمة الفعالية.”

للتعويض عن ذلك، منح سلاح القوات البرية الأميركية، مطلع شهر أيلول الماضي، مجموعتين مستقلتين من الصناعات العسكرية عقداً لتطوير “صواريخ فرط صوتية” للحاق بالتفوق الروسي والصين، وسط تحذيرات خبراء نظم الصواريخ بأن أطلاق روسيا أو الصين لذاك السلاح فائق السرعة من على غواصة يستغرق مدة لا تتعدى 60 ثانية لتصل إلى البيت الأبيض أو البنتاغون؛ وذلك حسب مدى اقتراب الغواصات من الأهداف الأميركية.

تستطيع الصين بصاروخها الجديد المتطور أن تستهدف اراضي الولايات المتحدة خلال 30 دقيقة يطلق من قواعده في الأراضي الصينية.

2019-25-10 التحليل

ما وراء انكفاء ترامب عن سوريا

          في السابع عشر من الشهر الجاري، انتقل مركز ثقل الاتهامات الداخلية المتبادلة، بين الرئيس ترامب وخصومه داخل الحزبين، إلى إعلان نائب الرئيس مايك بينس (بعد زيارة عاجلة ومفاجئة لتركيا على رأس وفد أميركي رفيع المستوى)  بأن بلاده “.. وتركيا اتفقتا اليوم على إعلان وقف لإطلاق النار في سوريا .. (و) جددا التزامهما بوحدة سوريا وسلامة أراضيها وبالحل السياسي بقيادة الأمم المتحدة.”

        شكل الإعلان وما رافقه من تصريحات متتالية للرئيس الأميركي خروجاً عن النص المألوف لأركان المؤسسة الحاكمة، لا سيما لقراره بسحب القوات الأميركية من شمال شرق سوريا “في غضون 30 يوماً؛” مؤكداً عزمه بأنه “لن يكون طرفاً في صراع تركي – كردي عمره 200 عام، و(عليه) قرر الانسحاب من سورية.”

        ووفر إعلان الرئيس ترامب مادة سخية من الانتقادات لتحديه توجهات أجنحة المؤسسة الإبقاء على القوات الأميركية كعنصر ضامن لتعطيل نهاية الحرب الكونية على سوريا، باستثمارها في مجموعات مسلحة متعددة الولاءات أطلقت عليها “وحدات حماية الشعب” الكردية، ما لبثت أن أضحت نسخة منقحة من “جيش سوريا الحر” السابق، ورست على توصيف يخدم الأهداف الاستراتيجية الأميركية في إدامة الصراع داخل وعلى سوريا، بتسمية المجموعات عينها “الجيش الوطني السوري.”

        بداية، من الضروري للمرء رصد التحولات في المواقف الأميركية لسبر أغوار قرار الانسحاب الأميركي “المفاجيء” من شمال شرقي سوريا؛ ظاهره “التخلي عن الحلفاء الكرد،” وباطنه مقتضيات التحولات الاستراتيجية الإقليمية والدولية التي أدت لتلك الترتيبات كناية عن الجدل الداخلي بين أقطاب مراكز القوى والقرار: المؤسسات الاستخباراتية والعسكرية والسياسية.

        كما ينبغي التنويه لما طرأ على الخطاب الإعلامي الأميركي من تأييد شبه مطلق “لأعوان الولايات المتحدة” في شمال شرقي سوريا تحديداً مواكباً بذلك الانتقال “الاستراتيجي” للقرار الأميركي.

        التعويل الإعلامي انصب على تعويم “وحدات حماية الشعب” الكردية، كنموذج ملحق بحزب العمال الكردي العامل في الأراضي التركية، لدرء التحفظات التركية؛ متدرجاً إلى صيغة “قوات سوريا الديموقراطية – قسد،” بغية دفع التهم عن التركيبة الإثنية والتلميح بأنها تضم عرباً إلى جانب الأغلبية الكردية؛ وإلى تداول مصطلح “جيش سوريا الوطني.”

        وزارة الدفاع الأميركية، البنتاغون، وصفت تلك “الميليشيات المعروفة بالجيش السوري الحر (بأنها) مجموعة من المجانين لا يعتمد عليها،” (واشنطن بوست، 13 أكتوبر الجاري).

        وفي تقرير لاحق ليومية نيويورك تايمز، نقلاً عن المصادر العسكرية عينها، وصفت “جيش سوريا الوطني المكون بأغلبيته من حثالات حركة تمرد فاشلة عمرها ثماني سنوات .. وتم رفض غالبيتهم للانخراط بالقتال بعد عملية تقييم مضنية اعتبرتهم شديدي التطرف أو عناصر جريمة.” (18 أكتوبر الجاري).

        بالعودة للتقرب من ارهاصات القرار الأميركي بالانسحاب “المفاجيء” من تلك المنطقة الحيوية، استراتيجيا ًواقتصادياً، من سوريا ينبغي التوقف عند مجمل المشهد السياسي والصراع الدولي المحتدم في الإقليم على ضوء تداعيات الهجوم على منشآت أرامكو في شبه الجزيرة العربية وما برز من إخفاقات بل فشل الترسانة الأميركية المتطورة من رصد أو اعتراض قذائف صاروخية متواضعة الكلفة تكاد لا تذكر مقارنة بمنظومات الدفاع الجوي الأميركي المنتشرة هناك.

        القيادات العسكرية والاستخباراتية الأميركية أخذت علماً على الفور واستخلصت النتائج والدروس الضرورية أبرزها، وفق تصريحات بعض قادة البنتاغون، الإقرار بقصور التقنية الأميركية في مواجهة فعالة لتحديات شبيهة بما اختبرته في محيط أرامكو. وعليه، أضحى الوجود الأميركي في شمال شرق سوريا “محض لهو وعبث،” في ظل عدم استعداد صناع القرار الزج بقوات عسكرية كبيرة بعشرات الآلاف لا سيما وأن المعركة الانتخابية على الأبواب ونية الرئيس ترامب تسخير الانسحاب كانتصار لسياساته “الانكفائية” وتقليص رقعة انتشار القوات الأميركية.

        بالإضافة لعامل المواجهة السابقة مع إيران بإسقاطها أحدث طائرة درونز أميركية فوق مياه الخليج، وما نجم عنه من إعادة تقييم المؤسسة العسكرية والاستخباراتية لقدرات إيران وقرارها بامتصاص الضربة وعدم الرد؛ فضلاً عن الهزائم المتلاحقة التي تلقتها المجموعات المسلحة المدعومة أميركياً على أيدي القوات السورية.

        فيما يتعلق بالنخب السياسية والفكرية الأميركية، شرعت بمعظمها في شن حملة قاسية ضد قرار الانسحاب من سوريا، والأقلية الرصينة منها اتخذت منحىً ناقداً لمجمل السياسة الأميركية.

        أسبوعية فورين بوليسي أبرزت مثالب الاستراتيجية الأميركية قائلة “السياسة الأميركية تجاه سوريا كانت فاشلة لسنوات عديدة، والاستراتيجية الأميركية .. كانت مليئة بالمتناقضات ومن غير المرجح التعويل عليها في التوصل لنتائج أفضل بصرف النظرعن طول المدة الزمنية لإقامة القوات الأميركية.” (17 أكتوبر الجاري).

        بالنتيجة، كان من ضمن “أفضل” الخيارات المتاحة هو “خلط الأوراق وبعثرتها” بأسلوب جديد يعيد بهاء السمعة الأميركية والحفاظ على ما تبقى لها من مصالح استراتيجية في الإقليم.

        عززت واشنطن خيارها أعلاه بتفعيل “سلاح العقوبات” الاقتصادية بالتزامن مع العمليات السرية والخاصة التي تشرف عليها وكالة الاستخبارات المركزية – السي آي إيه – في المنطقة، وجدت أرضية خصبة في العراق وربما لبنان باستثمار الأوضاع المعيشية الصعبة لأغلبية قطاعات الشعب؛ وكذلك في “الإفراج” الإعلامي عن مخطط لاغتيال قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، ووقوع عدد من الخلايا السرية المنوطة بشن عمليات تخريب ضد الأنظمة المناوئة لواشنطن في الإقليم.

        انطوت تلك الخيارات على “توكيل” العضو في حلف الناتو، تركيا، القيام بمهام عسكرية تعيق تقدم القوات السورية وبسط سيادتها على كامل الجغرافيا السورية؛ والاتفاق المسبق معها بترتيب مرحلة “ملء الفراغ” ما بعد انسحاب القوات الأميركية، وترغيبها لأنقره بانتقاد حلفاء الأمس من الكرد بأنهم لم “يشاركوا واشنطن في إنزال النورماندي،” إبان الحرب العالمية الثانية.

        بالمقابل، موسكو لم تغب عن تلك الترتيبات الرامية لإخراج الوجود العسكري الأميركي محذرة أنقرة بأنه “.. لا يجوز التفكير بحدوث صدام بينها وبين الجيش التركي،” في المنطقة الحدودية مع سوريا، عززته بالإعلان عن توريدها شحنة جديدة من صواريخ “كاليبر” للمنطقة تزامناً مع تقدم الجيش العربي السوري في شمال البلاد.

        الحل، من وجهة نظر فورين بوليسي، يتمثل في إقرار واشنطن “بانتصار (الرئيس) الأسد والعمل مع أطراف أخرى معنية على استقرار الأوضاع هناك.” واستطردت بالإعراب عن خيبة أملها من ميول صناع القرار من الحزبين نظراً “لأن التوجهات الواقعية في السياسة الخارجية تشكل لعنة لدى الديموقراطيين والجمهوريين على السواء؛ والذين يروجون لعدم سحب أي جندي أميركي” من المنطقة.

        انكسارات الاستراتيجية الأميركية في سوريا، تحديداً، بدأت تجد آذاناً صاغية من بعض قطاعات المؤسسة الحاكمة، محاذرة عدم التعرض لمحاسبة القوى الحقيقية عن صوغ وتطبيق استراتيجية التدخل المفضلة.

        في معرض انتقادها لقررا انسحاب الرئيس ترامب، أكدت يومية نيويورك تايمز أن صناع القرار “وعدد من الأطراف بضمنهم الكرد أدركوا مبكراً عدم القدرة على تحقيق حلم الدولة الانفصالية، على المدى الطويل.” بل لم يكن الكرد في مواجهة “خطر تطهير عرقي،” كما درجت العادة في السابق.

أما الرئيس ترامب، من وجهة نظر الصحيفة ومؤيديها في مراكز القرار، فقد “حوّل شمالي سوريا الى عود ثقاب، ما لبث أن أضرم به النار.” (15 أكتوبر الجاري).


حسابات الربح والخسارة

أبرز المتضررين من الانسحاب الأميركي وتداعياته الإقليمية هي تلك الأطراف التي احتضنت “هدف الانفصال الكردي،” طمعاً في إعادة تقسيم سوريا، وعلى رأسهم “إسرائيل” وذراعها من اللوبي المؤثر، إيباك، وقادة الكونغرس من الحزبين الذين سارعوا للتنديد بالرئيس الأميركي لتخليه عن “الحلفاء،” في ظل معادلات مواجهة دولية ضارية “مع روسيا والصين” تستدعي حشد أكبر عدد من الحلفاء.

        القوى الأميركية النافذة في صنع القرار، ومنها المؤسسات الإعلامية المتعددة، أعربت عن عدم ارتياحها ورفضها لقرار الانسحاب محملة الرئيس ترامب المسؤولية التامة لما سينجم عنه من تداعيات. بيد أن المعطيات المتوفرة تناقض سردية تفرد الرئيس ترامب بالقرار.

        التقى وزير الخارجية مايك بومبيو بوزير الخارجية الأسبق هنري كيسسنجر، يوم 28 أيلول الماضي، مع ملاحظة تجاهل وسائل الإعلام لتلك الحادثة، معرباً عن اغتباطه للقاء الأخير “والامتنان الدائم لمحادثته.”

        لم يفصح بومبيو عبر تغريدته في ذاك اليوم عما دار في الحديث، لكن المرجح أن سوريا والانسحاب الأميركي منها كان على رأس جدول الأعمال، عززه تزامن قرار الرئيس بالانسحاب بعد بضعة أيام من اللقاء المشار إليه.

        سياسات كيسنجر، في مجملها، تستند الى التركيز على الاحتفاظ بموازين القوى في الإطار الأوسع لصالح واشنطن، عند اتخاذ قرارات حاسمة تجنبها أي اهتزازات نتيجة صراعات محدودة.

        وعليه فإن الانسحاب الأميركي من سوريا، أو ذاك الجزء منها، وفق نظرية كيسنجر، يؤدي لإنشاء ميزان قوى جديد في الإقليم لمواجهة أفضل مع عدوها التقليدي – روسيا.

تبدو مراهنة كسينجر على تشكل وضع إقليمي تكون فيه كل من تركيا وايران وروسيا في حالات تنافس تعطل التفاهمات فيما بينهم خاصة بعد ان ينسحب الثقل الأميركي من المسرح الإقليمي وخاصة سوريا.

        مراكز القرار الأميركي، ممثلة بقادة الحزبين والمؤسسات الاستخباراتية والعسكرية، أعادت إلى الواجهة مصير “القنابل النووية الأميركية في قاعدة انجرليك التركية،” التي لا يمكن إطلاقها إلا عبر طائرات مقاتلة مخصصة، نظراً لتصاميمها القديمة منذ بدء الحرب الباردة، والتي تخطت ها الولايات المتحدة منذئذ بإطلاقها عبر الغواصات والصواريخ المجنحة.

        تحتفظ واشنطن بنحو 50 قنبلة نووية في أقبيتها المخصصة في القاعدة التركية، ولا زالت باقية هناك على الرغم من خشية بعض السياسيين الأميركيين باستخدامها كرهينة ووسيلة ضغط من قبل الرئيس التركي للحصول على تنازلات أميركية مُرضية.

        الرئيس الأميركي ترامب أعرب عن ارتياحه لسلامة الترسانة النووية الأميركية في تركيا، بتصريح علني يوم 16 أكتوبر الجاري، مما اعتبرته أركان المؤسسة الحاكمة بأنه “كشف عن معلومات سرية جداً،” كان ينبغي المحافظة على الضبابية المفضلة في السردية الرسمية.

        حلف الناتو، من جانبه، أعرب عن ازدواجية اغتباطه وخيبة أمله في آن من قرار الرئيس ترامب والهجوم التركي على مواقع المسلحين الكرد، وذلك على خلفية دعم الاتحاد الأوروبي بمجمله للمجموعات الكردية المنتشرة بكثافة في مختلف دوله، يعززها خلافاته المستعصية مع عضو الحلف تركيا.

        علاوة على ذلك، فالحلف منخرط بقوة في التعامل مع قرار بريطانيا الانسحاب من دول الاتحاد الأوروبي وعدم الحسم في مسألة عضوية إيرلندا الشمالية مع لندن، وليس لديه ما يضيفه في هذه المرحلة من استقلالية في القرار عن الموقف الأميركي العام.

        يشار إلى أن دول الحلف وقفت بقوة إلى جانب الرئيس التركي رجب طيب اردوغان دعماً لمساعيه “التوسط بين دمشق وتل أبيب،” عام 2008، لحل ملف هضبة الجولان. دمشق لم تبدِ حماساً لذاك التوجه نظراً لتوجسها من أهداف الجار الشمالي للعب دور محوري في الإقليم ولأطماعه في الأراضي والثروات الطبيعية في سوريا.

        كما يندرج تنظيم داعش، أو ما سمح لبقائه حياً، ضمن الأطراف المتضررة من الانسحاب الأميركي بخسارته لساحة تحرك وميدان مترامي الأطراف، على الرغم من توارد معلومات ميدانية متعددة تفيد بنقل القوات الجوية الأميركية لعناصر كبيرة من معتقلي التنظيم خارج منطقة “شرقي وادي الفرات” السورية، إلى قواعد أميركية خلفية في العراق.

        على الطرف المقابل فإن القوى المستفيدة، مباشرة وغير مباشرة، من الانكفاء الأميركي هي “حلف المقاومة .. وتعدد القطبية الدولية،” سوريا وإيران والمقاومة المسلحة بالتحالف مع روسيا، ومن ضمنها الصين.

        الأطراف المستفيدة من الانسحاب الأميركي أوجزتها فورين بوليسي، المشار اليها، بالقول “المستفيد الأكبر من المصائب الأميركية الأخيرة في الشرق الأوسط ليست روسيا أو إيران أو (الرئيس) الأسد – بل الصين.”

2019-18-10 التحليل

التحليل

ترامب يتوعد بحرب أهلية
لمواجهة عزله

 

يواجه الرئيس ترامب “إمكانية” عزله من منصبه، وهي ليست المحاولة الأولى لخصومه في الحزب الديموقراطي وأجهزة الاستخبارات، على خلفية اتهامه بالتدخل في شؤون القضاء الاوكراني للنيل من منافسه المرشح الديموقراطي جو بايدن.

رئيسة مجلس النواب، نانسي بيلوسي، أعلنت يوم 29 أيلول/سبتمبر الماضي رسميا البدء في إجراءات التحقيق تمهيداً للعزل داخل مجلس النواب، وفق مقتضيات آليات الدستور، مشددة على أن “تفويض الكونغرس لمحاسبة الرئيس هو أكثر أهمية من (مكاسب) السياسة .. ويستحق خسارة (الحزب الديموقراطي) للأغلبية في مجلس النواب” في انتخابات العام المقبل. (نشرة ذا هيل، 29 سبتمبر).

صاعق تفجير الاتهام والإجراءات المتتالية كانت مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترامب مع نظيره الأوكراني، فلاديمير زيلينسكي، يحثه على التحقيق في إقالة سلفه بوروشينكو للمدعي العام السابق، فيكتور شوكين، الذي كان يحقق في أنشطة شركة بوريسما التي كان من بين أعضاء مجلس إدارتها نجل نائب الرئيس السابق جو بايدن، بمكافأة مالية شهرية قيمتها 50 ألف دولار.

رد الرئيس ترامب، في تغريدة له، على قرار رئيسة مجلس النواب بالقول “تزداد قناعتي يوما بعد آخر بأن ما يحدث ليس إجراءات عزل، بل انقلاب يهدف إلى نزع السلطة ..”

إلى هنا، تبدو المسألة ذاهبة حتماً لإقصاء الرئيس عبر القنوات الدستورية والقضائية، والتي ستترافق زمنياً مع حملة الانتخابات الرئاسية المقبلة، وما ستخلفه من تداعيات ستطال الحزبين معاً، سلباً على الأرجح، نتيجة حالة الاستقطاب الحادة والانقسامات العمودية والأفقية داخل المجتمع.

لندع آليات التحقيق وإجراءات العزل جانباً، فنصوصها واضحة وسنعالجها في مكان آخر؛ ونركز على الأبعاد والنوايا الحقيقية والتشكلات الجديدة في موازين القوى داخل المشهد السياسي الأميركي، التي يعسر الوصول لفهم واقعي وما سيبنى عليه من استنتاجات وتوجهات في حال تم القفز عليها، والتمسك بالسردية الرسمية عوضا عنها التي تروجها معظم المؤسسات الإعلامية الأميركية.

ضابط استخبارات سابق في الوكالة المركزية أبلغ الصحف عن حيثيات ومحتويات المكالمة الهاتفية، بعد اطلاعه على سجلات السي آي ايه بالقول “.. ما صدر عن الرئيس ترامب خلال المكالمة الهاتفية لم يكن شائناً. المسألة بوضوح تكمن في اختلاف وجهات النظر حول القضايا السياسية العامة.” ليس من العسير استنتاج ما قامت به وسائل الإعلام الرئيسة من طمس ذاك التصريح واحتفاظها بهوية الضابط المذكور.

استبق الرئيس ترامب مطالبة قادة الحزب الديموقراطي بإزالته التصنيف السري عن سجل المكالمة، والإفراج عن نسخة خطية لتفاصيلها بعكس توقعاتهم، مما أفقد خصومه زخم التعبئة والتحريض الإعلامي، بإصراره أنه ليس لديه ما يخفيه.

قراءة متأنية لما نُشر من قبل البيت الأبيض لا تؤيد مزاعم خصومه بانتهاكه القوانين السارية في التعامل مع أوكرانيا، بصرف النظر عن مدى تطابق أو تنافر التقييم الشخصي للرئيس وتصريحاته المتناقضة، لكن لا تتوفر أرضية تدعم تهمة “انتهاك القانون.”

ترتبط أوكرانيا والولايات المتحدة بمعاهدة تبادل المعلومات فيما يخص القضايا الجنائية وصون القانون، وقعتها كييف يوم 22 حزيران/يونيو 1998، في عهد الرئيس كلينتون، وصادق عليها مجلس الشيوخ في 18 تشرين الأول/أكتوبر 2000 ، بآلية تصويت نادرة الاستخدام: قيام الأعضاء وقوفاً من مقاعدهم تعبيراً عن موافقتهم، دون تدوين التصويت الفردي في السجلات الرسمية. وعليه، يتعسر معرفة حقيقة تصويت السيناتور آنذاك جو بايدن بالذات على المعاهدة.

تنص المعاهدة على تبادل المعلومات الأمنية بين الدولتين، وتحديدهما الجهة القانونية المخولة لتطبيقها: الولايات المتحدة، من جانبها، تعين المدعي العام (الفيدرالي) أو ما يرتئيه وزير العدل؛ أوكرانيا تتمثل بوازرة العدل ومكتب المدعي العام.

الثابت في السجلات الرسمية الأميركية تقديم اللجنة المركزية للحزب الديموقراطي طلباً للرئيس الأوكراني، بيترو بوروشينكو، عام 2016، لتقديم ما لدى بلاده من وثائق تدين المرشح دونالد ترامب وكذلك المتعلقة برئيس حملته الانتخابية بول مانافورت.

سفارة أوكرانيا بواشنطن أكدت الحادثة لوسائل الإعلام الأميركية، عبر رسالة خطية جوابية موقعة من السفير الأوكراني فاليري شالي. (نشرة ذا هيل، 2 أيار/مايو 2019).

كما أن قياديين اثنين عن الحزب الديموقراطي في مجلس الشيوخ، باتريك ليهي وديك ديربان، ناشدا أوكرانيا في أيار/مايو 2016 تقديم أي معلومات تتعلق بالمرشح ترامب لناحية إحراجه وتسليط حملة إعلامية مكثفة عليه.

بالنظر إلى المعاهدة الأمنية المبرمة بين البلدين، يعتبر طلب الرئيس ترامب من نظيره الأوكراني، قبل نحو شهرين، متطابقاً مع نصوصها وليس تجاوزاً لما يتهم به من انتهاكه لصلاحياته بالتدخل لدى دولة أجنبية في مسألة داخلية صرفه.

بالعودة لتصريحات نائب الرئيس جو بايدن، فقد تباهى في محاضرة متلفزة ألقاها يوم 23 كانون الثاني/يناير 2018، في مجلس العلاقات الخارجية، موضحاً انه “ابتز الحكومة الأوكرانية للضغط عليها لإقالة المدعي العام فيكتور شوكين.” ومضى متبجحاً أنه في إحدى زياراته لكييف “ربما رقم 12 أو 13 .. كنت مخولاً بالإعلان عن تقديم (واشنطن) ضمانات مصرفية قيمتها مليار دولار إضافي؛ وظفرت بالتزام (الرئيس) بوروشينكو (ورئيس الوزراء آرسيني) ياتسينيوك بأنهما سيتخذان إجراءات ضد المدعي العام. لكنهما لم يفعلا.” الأمر الذي يعزز اتهام الرئيس ترامب له بالتدخل وتهديد دولة أجنبية وهو في قمة الهرم السياسي.

يشار إلى أن نائب الرئيس الأميركي السابق جو بايدن تسلم مسؤولية ملف أوكرانيا داخل إدارة الرئيس أوباما عقب الانقلاب المدعوم أميركياً في ساحة ميدان، 2014؛ وشرع في التحريض على المدعي العام الاوكراني فيكتور شوكين لمهنيته في التحقيق بشركة بورسيما.

أحد أبرز قادة الحزب الديموقراطي في مجلس الشيوخ، كريس ميرفي، ترأس وفداً من أعضاء الحزبين مؤخراً لزيارة كييف واللقاء بالرئيس زيلينسكي، وجه فيها رسالة تهديد مبطنة للأخير موضحاً للصحافة الأميركية “.. تتمتع أوكرانيا بدعم من الحزبين وموافقتهما على تقديم المساعدات لها، لكن ذلك قد يتعرض للتقويض في حال إذعان الرئيس الجديد لمطالب محامي الرئيس ترامب، رودي جولياني، للتحقيق في مزاعم فساد سابقة تضم أميركيين، من بينهم عائلة نائب الرئيس السابق جو بايدن.” (نشرة ذا هيل، 23 أيلول/سبتمبر 2019).

ما الذي يخشاه قادة الحزب الديموقراطي مما قد يكشفه تحقيق جديد في اوكرانيا، هو استفسار محوري تتغاضى عنه السردية الرسمية ومحطات التلفزة الرئيسة والوسائل المقروءة، خاصة عند الأخذ بعين الاعتبار أن ملاحقتهم أو محاصرتهم للرئيس ترامب هي المحاولة الثانية، بعد اتهامه بالتواطؤ مع روسيا، لكنها تفتقد للزخم السياسي والعداء المتأصل في التركيبة السياسية الحاكمة للحزبين ضد موسكو.

من البديهي الافتراض أن الهدف الأسمى لمناوئي الرئيس ترامب يتجسد في حرمانه ومعاونيه أيضاً من إعادة فتح ملفات التحقيق بالاتهامات السابقة حول روسيا وتحديد هوية الشخصيات والهيئات المتورطة بذلك، بعد فشلهم في إدانته بالتورط معها، وعدم إتاحة الفرصة له بتحسين العلاقات مع موسكو في أي وقت قريب – حسبما أفاد ضابط الاستخبارات المركزية سالف الذكر.

وبدعم من أقرانه في عدد من أجهزة الاستخبارات الأميركية يفيد الضابط بأن الاتهام الأخير لترامب هو “على الأغلب من صنع وكالة الاستخبارات المركزية بالتعاون مع مؤسسات الحزب الديموقراطي .. باختلاق مسألة ثانوية مصطنعة يسخرها قادته لإرساء أرضية تبرر بدء إجراءات التحقيق تمهيداً للعزل.”

وشاطرته الرأي يومية وول ستريت جورنال بمخاطبة قادة الحزب الديموقراطي “نتمنى لكم حظاً سعيداً في إقناع الشعب الأميركي بأن أرضية الاتهام تشكل جريمة عقابها العزل.”

ما يعزز فرضية ضباط الاستخبارات هو إدراك قادة الحزب الديموقراطي وداعميهم بضعف تحقيق الاتهامات الموجهة وهدف العزل المرجو، طمعاً في إذكاء الصراع مع روسيا ومن ورائها الصين أيضاً، وعدم إتاحة الفرصة لأي توجه بانفراج في العلاقات خلال ما تبقى لولاية الرئيس ترامب.

تجدر الإشارة في هذا الصدد إلى انعدام فرص عزل رئيس أميركي عن منصبه نتيجة إجراءات التحقيق. الرئيس الأسبق نيكسون قدم استقالته من منصبه عام 1974 قبل إتمام إجراءات مساءلته، بدعم من قادة حزبه الجمهوري الذين طالبوه بالتنحي لتفادي إرساء سابقة في العصر الحديث.

يومية وول ستريت جورنال نبهت الجمهور لحالة الانقسام استناداً لنتائج استطلاعات الرأي المتعددة لناحية دعم الأغلبية (49%) للبدء في التحقيق، مقابل 46% لا يؤيدون عزل الرئيس ترامب.

وعليه، لا يتوفر أي مؤشر حقيقي على “إمكانية” تخلي أعضاء الحزب الجمهوري عن الرئيس ترامب في المدى المنظور، لا سيما وأن الحزبين يقفان على أعتاب معركة انتخابية شرسة. بل قد يستفيد الحزب الجمهوري والرئيس ترامب من مضي الخصوم الديموقراطيين بتدابير تعزز الانقسام وإعانته على رغبة استعادته لأغلبية مقاعد مجلس النواب.

مشروعية العزل

ينص الدستور الأميركي (الفقرة الرابعة من المادة الثانية) على أن “لمجلس الشيوخ وحده سلطة أجراء محاكمة في جميع تهم المسؤولين؛” ويعقد جلسة خاصة بذلك بكامل أعضائه المئة، برئاسة رئيس المحكمة العليا، ويجري التصويت على المادة المقدمة والتي ينبغي فوزها بموافقة ثلثي الأعضاء، 67 نائباً.

بعد تخويل اللجنة القضائية في مجلس النواب البدء في إجراءات التحقيق، يحال ملف العزل إلى رئاسة المجلس للتصويت عليه بالأغلبية البسيطة (50 + 1)، من قبل كافة أعضاء المجلس البالغ عددهم 435. وبما أن الحزب الديموقراطي لديه الأغلبية البسيطة، 235 مقابل 199 للحزب الجمهوري، فمن المرجح أن يصادق على الخطوة الأولى ورفعه القضية برمتها لمجلس الشيوخ.

أقلية من أعضاء الحزب الديموقراطي في مجلس النواب أبدت تحفظها على قرار قادة الحزب، أبرزهم المرشحة للرئاسة تولسي غابارد، مطالبة بإحالة المسألة لمرحلة الانتخابات الرئاسية والتي ستضمن إزاحة ترامب عوضاً عن إجراءات التحقيق والعزل.

وأعربت غابارد عن اعتقادها بأن “إجراءات العزل عند هذه النقطة المفصلية ستؤدي لانقسامات عميقة في المجتمع في ظل حالة الانقسام الحادة السائدة.” ومن المتوقع أن ينضم لها آخرون في الحزب الديموقراطي والذين فازوا بمنصبهم عن دوائر انتخابية تقع في الولايات المتأرجحة أو المؤيدة بغالبيتها لترامب.

ونوهت لتلك النتيجة نشرة (بريتبارت) المؤيدة لترامب معتبرة ان “المعتدلين” من النواب الديموقراطيين، سبعة منهم أيدوا نداء العزل في البداية، يغامرون بمستقبلهم السياسي متسائلين عن الحكمة من قرار البدء بإجراءات العزل.

بما أن الحزب الجمهوري لديه أغلبية في مجلس الشيوخ، 53 مقعداً مقابل 45 للديموقراطيين ومقعدين للمستقلين اللذين يصوتان مع الحزب الديموقراطي في العادة، فإن الحصول على الأغلبية المطلقة، 67، أي بانضمام 20 عضواً من الحزب الجمهوري ضد الرئيس، تصبح مهمة مستحيلة ضمن موازين القوى الراهنة.

حينئذ سيعمد مجلس الشيوخ لإسقاط التهم الموجهة للرئيس ترامب دون الحاجة للنظر في الأدلة؛ وضمان فوز الرئيس ترامب لولاية ثانية، مدعوماً بنحو ثلثي رؤساء كبريات الشركات والذين أعربوا عن ثقتهم بإعادة انتخابه، حسبما أفادت استطلاعات الرأي.


تداعيات العزل

بداية يدرك الحزب الديموقراطي جيداً بأن جهوده ستواجه بفشل محتم في مجلس الشيوخ، وتقتصر مراهنته على استثمار الأجواء الناجمة عن الشكوى المقدمة ضد ترامب في السباق الانتخابي العام المقبل.

حظوظ نائب الرئيس السابق جو بايدن، ضمن تلك المعادلة محفوفة بالخطر، أوجزتها يومية يو اس ايه توداي، بأنه سيواجه معضلة حقيقية جراء ترسيخ تورطه بالفساد عند الناخب العادي (26 أيلول/سبتمبر 2019).

أستاذة العلوم السياسية في جامعة أيوا، مارين كيدروسكي، أوضحت للصحيفة أن بايدن يواجه قلقاً حقيقياً مصدره شكوك العامة بقدرته على اتخاذ القرار الصائب، مما يعزز اتهامات الرئيس ترامب له ليس لتورطه في الفساد فحسب، بل لما فعله المرشح ترامب بالإطاحة بمنافسته هيلاري كلينتون ومحاصرتها بسيل من الاتهامات المشروعة.


شبح الحرب الأهلية

التحقيقات الجارية في مجلس النواب من قبل خصوم الرئيس ترامب قد تتصاعد لتقديم توصية لمجلس الشيوخ للبت في مصيره، رد عليها بأنها بمثابة “انقلاب على السلطة .. وما قاموا به يرتقي لخيانة الدولة وانتهاكاً للدستور.”

وهدد في سلسلة تغريداته، 2 أكتوبر الجاري، باندلاع حرب أهلية إذا ما قرر الكونغرس عزله عن منصبه.

ليست المرة الأولى التي يعيد فيها ترامب شبح حرب أهلية لصدارة المشهد السياسي، لكن نبرته الحادة ومفردات تغريداته العنيفة تضيف لمسة من الجدية موجهة ضد عدة خصوم في آن واحد: أولاً، رسالة لنواب الحزب الجمهوري لردعهم عن المضي في استكمال إجراءات العزل؛ ثانياً، لخصومه الديموقراطيين؛ والأهم للأجهزة الأمنية والاستخباراتية التي ما انفك عن توجيه الاتهامات لها، ووكالة الاستخبارات المركزية تحديدا.

التلويح أو التهديد بحرب أهلية هي ايضاً رسالة لمناصريه المدججين بالسلاح وعلى أهبة الاستعداد للنزول إلى الشارع والاصطدام بالقوى الأمنية؛ وهم بمعظمهم خليط تحالف بين العنصريين البيض وأتباع التيار الديني المتشدد والأفراد الداعين لحماية حقوقهم بحمل السلاح، لا سيما في الأماكن العامة.

في جولة التحقيق السابقة، التي ترأسها المحقق الخاص موللر للنظر في تهمة تورط الرئيس ترامب مع روسيا، هدد ترامب من إمكانية حدوث فتنة أهلية مستنداً إلى قواعد تأييده الثابتة والتي لن تسلِّم بتوجيه تهمة بإدانته أو بقرار عزله.

المعلق اليميني المشهور، راش ليمبو، وعبر برنامجه اليومي في الراديو عبأ مستمعيه وأنصار ترامب ضد المشهد السياسي الراهن في واشنطن، بوصف ملاحقة الكونغرس للرئيس بمثابة “حرب أهلية باردة .. ومقدمة للثورة الفرنسية.”

يشار إلى أن تقرير المحقق موللر “لم يجزم ولم يبريء” الرئيس من تهمة التورط، وربما كان الدافع الحقيقي للغموض في نتائج التحقيق ترجمة لمخاوف النخب السياسية من اشتعال فتنة مجهولة المدى والتداعيات، يحركها ويرعاها رئيس الولايات المتحدة.

 

2019-11-10 التحليل

التحليل

ترامب منفرداً للانسحاب من سوريا
وسط معارضة داخلية شرسة

          “انقلاب في القصر ضد (الرئيس) ترامب قادته وكالة الاستخبارات المركزية،” هي ميزة التطورات الأخيرة بين البيت الأبيض ومعارضيه في “السي آي إيه وآليات الحزب الديموقراطي،” والأجهزة الأمنية للإطاحة به.

          تعود تلك الخلاصة إلى المسؤول الأسبق في وكالة الاستخبارات والأستاذ في جامعة جورج تاون، روبرت باير، لسبر أغوار التجاذبات والاصطفافات الأخيرة داخل أركان السلطة السياسية بصورة علنية غير معهودة أو مسبوقة. (مقابلة مع شبكة سي أن أن، 7 أكتوبر).

          يشار إلى أن (باير) يعد من مناوئي الرئيس ترامب الأشداء ولا يتوانى عن إعلان كراهيته له، مما يضيف مصداقية مضاعفة لتصريحاته سالفة الذكر.

          من بين المسلمات السياسية أن الرئيس ترامب ما برح يردد وفاءه لوعوده الانتخابية بسحب القوات الأميركية من أفغانستان وسوريا، واجه معارضة شديدة عند كل نقطة مفصلية من قبل القيادة العسكرية (البنتاغون) ووكالة الاستخبارات المركزية، بالإضافة للقوى الأخرى المصطفة فيما أسماه بـ “الدولة العميقة” من أجهزة أمنية وركائز الحزب الديموقراطي.

          انتهز الرئيس ترامب ما اعتبره فرصته السانحة لتسديد ركلة للوكالة المركزية، عقب إعلانها عن مسؤولية أحد ضباطها المفروزين للبيت الأبيض بإفشاء تفاصيل مكالمته الهاتفية مع الرئيس الاوكراني، مؤخراً، وما رافقها من سعار سلسلة استجوابات مجلس النواب لكبار المسؤولين والمقربين من الرئيس وممن غادروا الإدارة، في سياق التحقيق للبدء بإجراءات العزل.

          يشار أيضا إلى أن القوات الأميركية التي رابطت في منطقة شمال شرق سوريا كان جلها من القوات الخاصة بالتعاون مع وكالة الاستخبارات المركزية، في عهد الرئيس السابق باراك أوباما، والتي تراوح تعدادها بين 300-500 عنصر، وفق التصريحات الرسمية حينئذ.

          بضع ساعات شكلت الفاصل بين إعلان البيت الأبيض عن “سحب قوات أميركية” في الشمال السوري وبدء أنقرة لعملياتها العسكرية، مهد لها ترامب بالإعلان عن عدم مشاركة بلاده “بالعمليات العسكرية العبثية” التي ستشهدها منطقة الشمال الشرقي لسوريا.

          قوافل من الشاحنات العسكرية الأميركية وناقلات الجند المدرعة شوهدت متجهة إلى مدينة (أكاكالي) على الحدود التركية عشية بدء الغزو التركي. وزارة الدفاع الأميركية، البنتاغون، أشارت إلى الغرض من سحب القوات الأميركية بأنه “لضمان سلامتهم .. لكنهم لن يخرجوا من سوريا.”

          ترافقت تلك التطورات مع تحركات الجيش العربي السوري باتجاه مدينة منبج الاستراتيجية حسبما أعلنته “قوات سوريا الديموقراطية – قسد.”

          علل الرئيس ترامب التطورات “المقبلة” في الشمال السوري، عقب مكالمته الهاتفية مع نظيره التركي، والذي صرح بدوره بأن بلاده على وشك شن هجوم عسكري هناك. وأوضح لطواقم الصحافيين في البيت الأبيض، 7 أكتوبر الجاري، أنه عزم على “إعادة القوات الأميركية لموطنها .. بعضها قضى عدة عقود بعيداً عن البلاد؛ فقد كسبت الانتخابات الرئاسية استناداً لهذا الوعد.”

وأردف “.. أمنيتنا هي إعادة قواتنا إلى البلاد وبعيداً عن تلك الحروب اللامتناهية.” حقيقة الأمر أن تعداد تلك القوات مجهرية، بضع مئات، مقارنة بالقوات الأميركية المعلن عنها في المنطقة؛ وما جرى هو إعادة تموضعها من مناطق محددة في الشمال السوري إلى قواعدها العسكرية المنتشرة في العراق وسوريا أيضاً، لا سيما قاعدة عين الأسد في العراق، بالقرب من الحدود المشتركة مع سوريا.

في ذات السياق، أعلنت البنتاغون عن زيادة جديدة في حجم القوات الأميركية في الشرق الأوسط “منذ شهر أيار/مايو الماضي بلغ تعدادها أزيد من 14،000 عسكري.” وأوضحت في بيانها أن مجموع القوات في المنطقة “تفوق 60،000 جندي بعضهم يرابط في قواعد متعددة والآخر على متن حاملات الطائرات المنتشرة.” (11 أكتوبر الجاري).

وأضاف ترامب لطمأنة معارضيه في الداخل الأميركي، من الحزبين وقوى أخرى “..إذا فعلت تركيا أي شيء أعتبره، بحكمتي العظيمة والتي لا تضاهى، تجاوزاً للحدود، سأدمر وأشلّ اقتصادها بالكامل (وقد فعلت ذلك سابقا)، يجب عليها وعلى أوروبا والآخرين، التكفل برقابة أسرى مقاتلي داعش وعائلاتهم.”

لم يكشف البيت الأبيض أو أي مسؤول آخر حقيقة “الخطوط الحمر” التي رسمها الرئيس ترامب لنظيره التركي، ما لبث ان أوضحه لاحقاً في تغريداته بتاريخ 9 أكتوبر “لقد التزمت تركيا بحماية المدنيين، وحماية الأقليات الدينية، بما في ذلك المسيحيون، وضمان عدم حدوث أزمة إنسانية – وسنجعلهم يلتزمون بهذا التعهد.”

واستطرد قائلاً بأن تركيا أضحت مسؤولة الآن عن ضمان الاحتفاظ بجميع مقاتلي داعش والمحتجزين في السجون، وأنه أبلغ الرئيس التركي بأن أميركا لا تؤيد العدوان على الأراضي السورية بل هي “فكرة سيئة.” وأضاف مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية، 10 أكتوبر، أن بلاده أبلغت أنقرة بأنها “.. لن تغطي العملية سياسياً او تدعمها عسكرياً.”

المعلومات الميدانية (الأميركية) أشارت إلى أن القوات التركية مهدت غزوها للأراضي السورية بقصف مدفعي شرس على بوابات سجون داعش، التي كانت تحت سيطرة القوات الكردية؛ مما يعني أن نحو 12،000 مقاتل داعشي قد يتم إطلاق سراحهم، بضمنهم نحو 4000 مسلح أجنبي، فضلاً عن 18،000 مسلح أخرين “مختبئين في المنطقة.”

سياسياً، توحدت لهجة معارضة الرئيس ترامب من قبل الحزبين، بعضهم اعتبر اقدامه على الخطوة منفرداً ودون تنسيق مسبق مع قادة الكونغرس، ومجموعة نددت بها كونها “طعنة بظهر” الكرد حلفاء واشنطن وتهدد المصالح الأميركية، لا سيما وأن واشنطن هي التي طلبت من الكرد، أوائل عام 2015، مساعدتها لقتال داعش.

أنصار الرئيس في الكونغرس انضموا بغالبيتهم لحملة الانتقادات الغاضبة، أبرزهم السيناتور ليندسي غراهام معتبراً قرار ترامب “ينطوي على كارثة،” ودعاه “للعودة عن قراره” بسحب القوات الأميركية من سوريا. وحث الرئيس ترامب على المبادرة بإحاطة مجلس الشيوخ بتلك التطورات في جلسة مغلقة.

وأعرب نحو 29 عضو عن الحزب الجمهوري في مجلس النواب عن دعمهم لمشروع قرار يفرض عقوبات اقتصادية على تركيا رداً على عمليتها العسكرية ضد قسد.

أما استطلاعات الرأي المتعددة فتشير بوضوح إلى انقسام عامودي بين مؤيد ومعارض لقرار ترامب.  أحدثها تشير إلى نحو 54% غير راضين عن سياسات الرئيس مقابل 42% من المؤيدين. نتائج معدل الاستطلاعات المتعددة، لنهاية يوم 10 أكتوبر، بلغت نسباً مشابهة: 54% معارضين مقابل 43% مؤيدين. (موقع ريل كلير بوليتيكس Real Clear Politics).

عند مساءلة المستطلعة آراءهم حول تصريح الرئيس ترامب بأنه “آن الأوان للخروج من تلك الحروب السخيفة واللامتناهية،” كانت النتائج في صالح الرئيس: 58% مؤيد مقابل 20% معارض؛ شملت دعم 55% من الديموقراطيين لتصريح الرئيس، ودعم 69% من الجمهوريين.

الغزو التركي للأراضي السورية يطمح للتوغل بعمق 40-50 كلم ونحو 500 كلم طولاً، بخلاف ما اتفق عليه مع الجانب الأميركي سابقاً بعمق لا يتجاوز 6 كلم (3 أميال) و30 ميلاً طولياً.

المنطقة المترامية الأطراف تتحكم بها طريق M4 الدولي بمحاذاة الحدود التركية تخترق الأراضي السورية بدءاً من مدينة حلب غربا عبر الجزيرة السورية وإلى معبر ربيعة على الحدود العراقية.

بكلمة أخرى هي الطريق الحيوي لسلة الغذاء والطاقة السورية، ولعلها أبرز الأهداف المضمرة للغزو التركي، بعد أن قرر الجانب الأميركي تسليم مهمة استكمال تقسيم سوريا بأدوات تركية مباشرة.

ماذا بعد

الاستراتيجية الأميركية لم تغادر مربع طموحها للإطاحة بالنظام السوري وتقسيم البلاد وفق أسس عرقية وطائفية. فالغزو التركي، كما وصفه الرئيس ترامب نفسه لم يكن سيرى النور دون تنسيق، بشكل أو بآخر، مع واشنطن.

ولعل عدم إدانة واشنطن في مجلس الأمن بقرار يدين الغزو التركي أبرز مثال على تورط الرئيس الأميركي وكبار أعوانه في التكامل مع أنقرة ومنحها الضوء الأخضر، وربما تكليفها بتنفيذ الأجندة الأميركية لتفتيت الدولة السورية وسط صراخ عالي الوتيرة في واشنطن بأنها يتعين عليها الاستثمار في شرقي آسيا لمواجهة الصين وروسيا.

أما تصريحات ترامب وتهديده تركيا بإنزال عقوبات اقتصادية ضدها “واستعداده لشل” اقتصادها بشكل تام فلا تعدو أكثر من خطوة استعراضية لابتزاز تركيا وامتصاص المعارضة الواسعة له، أميركياً ودولياً، لا سيما دول الاتحاد الأوروبي وما تكنه من عداء متأصل ضد “تركيا الإسلامية،” ودعمها لنزعات الكرد الانفصالية.

تجدر الإشارة في هذا الصدد إلى تواجد قوات خاصة أميركية لا تزال تعمل بجانب القوات الكردية، واستمرار عمليات تسليحها كخطوة ضامنة لعدم توغل الجانب التركي أبعد مما هو متفق عليه أميركياً، عدا عن الدعم السري المزمن للجماعات الكردية الانفصالية من قبل دولة الكيان الصهيوني .

أما في الشق العسكري التركي، فأن معظم قواته تعاني من معضلات ميدانية وعملياتية، أوضحها تقرير لمعهد واشنطن، آذار/مارس 2019، في سياق تقييمه لفعالية القوات التركية في سوريا.

وجاء في التقرير أن التحديات أمام القوات العسكرية التركية تشمل: غياب الانضباط، تقدم عمر المعدات مثل المدرعات، الفشل في اعتراض القوات الكردية غربي وادي الفرات، وعدم القدرة على تحقيق الأهداف المرسومة للعمليات الحربية.

ضرب الرئيس ترامب موعداً مسبقاً لزيارة الرئيس التركي اردوغان لواشنطن، 13 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، وكأنه يمنحه تلك الفرصة الزمنية لإنجاز المهمة المتفق عليها. بيد أن التطورات الميدانية والإقليمية والدولية قد تعرقل الزيارة وربما تسهم في إلغائها بالكامل، مما يستحدث مسألة إنزال العقوبات على بساط البحث.

كما تستمر ادارة ترامب في ارسال الإشارات المتناقضة حول عزمها سحب القوات الأميركية من المنطقة بينما ترسل المزيد من مئات الجنود والمعدات العسكرية للسعودية بهدف تعزيز قدرات الأخيرة ضد ايران ، وفي موقف  يتحدى أغلبية الكونغرس المطالبة بتجميد الدعم للسعودية بسبب جرائمها في عدوانها على اليمن.

2019-04-10 التحليل

التحليل

الخشية من بيرل هاربر إيراني الصنع
وراء نقل العمليات الجوية الاميركية من العديد
في بيان مقتضب شديد الدلالة أعلنت القيادة المركزية للقوات الأميركية نقل بعض” مهامها العسكرية، خاصة إدارة العمليات الجوية، من قاعدة العديد الضخمة في قطر إلى مقر قواتها في قاعدة (شو Shaw) الجوية بولاية ساوث كارولينا، وصفته يومية واشنطن بوست بأنه “تحول تكتيكي هام.” (29 سبتمبر).
السبب، وفق البيان الصادر في 29 أيلول/سبتمبر الماضي، أي بعد الهجوم اليمني على منشآت ارامكو السعودية، هو “لإبعاد قيادة العمليات والتحكم العسكرية عن مديات الصواريخ الإيرانية؛” والانتقال هو “الأول من نوعه تجريه قيادة القوات المركزية منذ حرب الخليج عام 1991،” حسبما أفادت الصحيفة الأميركية المذكورة.
          مصادر وخبراء عسكريون أميركيون ذهبوا أبعد من ذلك في توضيح “قصور فعالية الأسلحة الأميركية،” بالقول أن القيادة المركزية اتخذت قرارها لتفادي تكرار تجربة هجوم اليابان بانقضاضها على الاسطول الأميركي المرابط في ميناء (بيرل هاربر) بهوايي، 7 كانون الأول/ديسمبر 1941، وما خلفه من ذكرى أليمة في الوجدان الأميركي قضى بسببه ما لا يقل عن 3000 عسكري ومشاة سلاح البحرية وإغراق قطعات أساسية من اسطول المحيط الهاديء.
     تشرف القيادة المركزية للعمليات في قطر على كافة نشاطات القوات الأميركية المنتشرة في “الشرق الأوسط وآسيا الوسطى،” وتدير الطلعات الجوية والعمليات اليومية (الصومال مثلاً) من مقرها هناك، متقاسمة مهام الدعم اللوجستي والإداري والامدادات المطلوبة مع مقر القيادة المركزية في مدينة تامبا بولاية فلوريدا.
          جدير بالذكر أن المعدل اليومي للطلعات الجوية الأميركية في تلك المنطقة المترامية الأطراف تضم نحو 300 طائرةفوق أجواء “سوريا والعراق وأفغانستان وفوق القواعد العسكرية لحلفائنا” في منطقة الخليج.
          تجدد “شبح بيرل هاربر،” عند القيادات العسكرية الأميركية أوضحه ضابط كبير لدى حلف الناتو رفض تحديد هويته ليومية واشنطن بوست بأن “قدرة إيران على استهداف المنشآت النفطية دون اكتشاف أسلحتها المستخدمة أو اعتراضها عزز قلقنا الدائم (بأن) لدى الأميركيين حضور عسكري وقدرات هائلة في منطقة الخليج، لكن بسبب قصور في القيادة والتحكم بتلك الإمكانيات أضحت هدفاً سهلاً للإيرانيين في حال نشوب نزاع إقليمي.”
وتابع قائلاً إن “المسؤولين (الأميركيين) أقروا بفشل منظومات الدفاع (الجوية) الأميركية والسعودية التي لا يمكن الوثوق بأدائها للحيلولة دون وقع هجمات تشنها نماذج زهيدة الكلفة من طائرات الدرونز وصواريخ كروز استخدمت في الهجوم.”
          وأضاف جنرال حلف الناتو أن “اسقاط إيران لطائرة الدرونز الأميركية، إضافة لمحاولات متكررة من حلفائها الإقليميين في اليمن لاستهداف المطار والمنشآت الحكومية في السعودية والإمارات .. أسهمت في انضاج قرار القيادة المركزية الأميركية” المذكور، لا سيما وأن مقرها الإقليمي يقع ضمن مرمى النيران الإيرانية “وإن طهران أعلنت مراراً وعبر عدة جهات أنها ستستهدف القوات الأميركية،” حسبما أفاد قائد مركز عمليات الجو والفضاء للصحيفة العقيد فريدريك كولمان.
          نظم الدفاع الجوي لحماية القاعدة الأميركية في قطر، وفق البيانات العسكرية المتوفرة، تضم بطاريات صواريخ الباتريوت ومنظومات متطورة أخرى مثل منظومة “ثاد” و”ايجيس” مهمتها التصدي للصواريخ وأجسام حربية بالغة السرعة وتحلق على ارتفاعات عالية، عوضاً عن صواريخ كروز وطائرات درونز التي حلقت على ارتفاعات منخفضة.
          نظم الدفاع الجوية السعودية، أيضاً وفق البيانات الأميركية، شبيهة إلى حد كبير بما يتوفر في ترسانة الولايات المتحدة وحلف الناتو: منظومة الباتريوت الأميركية، مدافع مضادة للطائرات ألمانية الصنع من طراز سكاي غارد، ومنظومة دفاعية متحركة فرنسية المصدر من طراز شاهين والتي بمجموعها وراداراتها لا تملك القدرة التقنية على رصد اجسام طائرة على ارتفاعات منخفضة.
          من أبرز ما سيؤدي إليه قرار القيادة المركزية من ترتيبات وانعكاسات سحب المقاتلات الأميركية المتطورة من طراز اف-35 من مرابضها في قاعدة الظفرة الإماراتية إلى قواعد أخرى في السعودية وقطر، حسب تقرير الصحيفة الأميركية المذكورة، وما يرافقه
من خطوات تنسيق مكثفة للمهام اللوجستية.
    تقليص التواجد الأميركي، بدءاً بقاعدة العديد القطرية، سيترك تداعياته سلباً على قدرة الولايات المتحدة الاستمرار في التحكم بالعمليات الجارية في “منطقة الشرق الأوسط،” يواكبه ارتفاع منسوب القلق لدى حلفائها في منطقة الخليج “لا سيما قطر التي أنفقت 1.8 مليار دولار من خزينتها لتحديث القاعدة الأميركية كي تصبح مهيأة لاستقبال وإقامة ما ينوف عن 10،000 عسكري أميركي.”
          بعض القادة العسكريين الأميركيين أقروا بهزالة نظم الدفاع الجوية المنصوبة لحماية قاعدة العديد والتي “لا تستطيع الدفاع عن نفسها ضد صواريخ كروز وطائرات مسيّرة (درونز) تحلق على ارتفاعات منخفضة.”
        في الآن نفسه، حرصت القيادة العسكرية الأميركية على إصدار إشارات لطمأنة الدول الخليجية لناحية عدم تفسير قرارها الأخير بأنه انعكاس لنية تقليص منسوب الالتزام الأميركي بحماية الحلفاء الإقليميين، بل في سياق “إقرارها بأن إيران قد تستهدف القواعد الأميركية ورغبة الولايات المتحدة في الرد السريع على ذلك،” وهو الأمر المتاح في هيكلية مقر القيادة المركزية داخل الأراضي الأميركية.
          في ذات السياق للطمأنة، أوضح قائد مركز عمليات الجو والفضاء العقيد فريدريك كولمان لأطقم الصحافيين عقب إعلان القيادة المركزية بأنه لا ينبغي الاستسلام للقلق لنقل مركز ثقل العمليات العسكرية إلى الأراضي الأميركية “وأتطلع للتحكم بها من مقهى ستاربكس” في أي مدينة أميركية.

2019-20-09 التحليل

التحليل

ترامب للسعودية:
قاتلوا وسندعمكم

          تزامن إعلان الرئيس ترامب عن اختيار مستشاره للأمن القومي من عصب التيار المحافظ “الواقعي” مع تصريح ناري لوزير خارجيته مايك بومبيو يوصف تعرض منشآت أرامكو السعودية إلى هجوم بأنه “عمل حربي .. ذو مستوى لم نشهده من ذي قبل،” سرعان ما تراجع عنه في محطة جولته في الإمارات مطلقاً خطاباً يشدد على أهمية التحرك الديبلوماسي الدولي.

          خيبت واشنطن أمال “حلفائها وأصدقائها” الإقليميين بضبابية موقفها وعدم الانجرار لرغبات من راهنوا على حمايتها لهم لعقود متتالية بشن هجمات عسكرية، ولو محدودة، ضد إيران؛ دون إدراكهم أو قبولهم بالمتغيرات التي طرأت على الساحتين الإقليمية والدولية منذ حروب الخليج المتعددة واحتلال العراق.

          عقدت الرياض مؤتمراً صحفياً، باللغة الإنكليزية، روجت له بأنها ستكشف عن تفاصيل عسكرية وتسليحية تعزز نظريتها باتهام إيران مباشرة، خيب آمال الحضور والمراقبين لناحية شح المعلومات الموثقة التي لم تتجاوز صوراً لبعض الشظايا والأضرار مشددة على أن اتجاه المسيّرات كان من الشمال وليس من جنوبي حدودها مع اليمن؛ اشتركت في الهجوم، وفق رئيس هيئة الأركان السعودية، 18 طائرة مسيّرة و7 صواريخ كروز.

          في المعلومات العسكرية الأميركية “اتسمت الضربة بفعالية بالغة عسكرياً، وبأسلحة دقيقة للغاية .. الصواريخ الجوالة – كروز المهاجمة حلقت على ارتفاعات متدنية أقل من 300 قدم (90 متراً) مما لم يتح المجال لاعتراض الدفاعات الجوية من قبل العديد من البطاريات المتداخلة لصواريخ هوك وباتريوت؛ أسفرت عن تحطم صاروخ واحد فقط، مما يدل على إصابة بنسبة 95%” في منشأتي بقيق وخريص.

          وأضاف بعض الخبراء بأن “دقة وبراعة الضربة .. لقطاع النفط لم يتم استهداف أي قطاع آخر للطاقة بمثل هذه القوة منذ القصف الدقيق الذي قام به التحالف الأميركي على العراق منذ عام 1991.”

          أقصى ما ذهبت إليه واشنطن، وفق المعطيات المتوفرة راهناً، هو إنزال مزيد من العقوبات الاقتصادية تطال القطاع المصرفي الإيراني بشكل محدد؛ دون إغفالها تردد حلفائها الأوروبيين للقيام بالمثل، باستثناء أداتها الطيعة في بريطانيا. الملفت في الأمر تصريح رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، بالغ الدلالة بأنه “تبادل وجهات النظر مع الرئيس الأميركي بالتوصل لرد ديبلوماسي موحد من الشركاء الدوليين.”

          معالجة الأزمة المتجددة في شبه الجزيرة العربية، يمنيا وسعودياً، أضحى بعهدة مستشار الأمن القومي الجديد، روبرت اوبرايان، مع تطابق رؤاه مع وزير الخارجية مايك بومبيو، واللذين يتمتعان بمستوى ثقة معقول من الرئيس ترامب.

          اوبرايان له باع طويل في أروقة الحزب الجمهوري وذو خبرة معتبرة في الشؤون الدولية نظراً لعمله سابقاً في بعثة بلاده الدائمة للأمم المتحدة خلال رئاسة جون بولتون للبعثة، وتعيينه من قبل الرئيس الأسبق جورج بوش الإبن كمبعوث خاص لشؤون إطلاق سراح الرهائن المحتجزين، وعمل مؤخراً مع وزير الخارجية بومبيو لإطلاق سراح القس الأميركي اندرو برونسون من اعتقاله في تركيا.

واشتغل كذلك على ملف الإصلاحات القضائية في أفغانستان عبر وزارة الخارجية الأميركية. والأبرز في سجله العملي شغله منصب “مستشار الأمن القومي لثلاثة مرشحين للرئاسة” عن الحزب الجمهوري: ميت رومني وسكوت ووكر وتيد كروز.

ركزت وسائل الإعلام المختلفة على محتويات كتاب أصدره اوبرايان بعنوان “عندما كانت أميركا نائمة،” انتقد فيه السياسة الخارجية للرئيس أوباما خاصة ما يتعلق بالاتفاق النووي الإيراني واتهامه الرئيس السابق بأنه “شجع الاستبداديين والظالمين والإرهابيين.”

إيران بالنسبة لأوبرايان “عدو لدود للولايات المتحدة .. ملتزمة بمبدأ تغيير تضاريس الشرق الأوسط برمته وتدمير حليف أميركا الأساسي في الإقليم، إسرائيل؛ ببساطة لا يتوفر أي دليل يدعم فرضية إرساء الثقة بنظام إيران الثوري للتخلي عن هدفه طويل الأمد بتطوير سلاح نووي.”

ويرمي أوبرايان في كتابه إلى إعادة الاعتبار للترسانة العسكرية الأميركية قائلاً “أمام التحديات العالمية الجديدة، حان الوقت للعودة إلى سياسة أمن قومي مبنية على السلام عبر القوة،” في إشارات بالغة الوضوح للتصدي لروسيا والصين.

وعزز قناعته المناهضة للصين بين دفتي كتابه بصريح العبارة  “.. أجريت مفاوضات في بكين مع مسؤولين رسميين كباراً. أعربوا عن ثقتهم العالية بأن اميركا والغرب هم بانحدار والقرن الحادي والعشرين سيكون ملكهم.”

فيما يخص قضايا “الشرق الأوسط،” قناعات اوبرايان بإعلاء القوة العسكرية لا تشي بحدوث تغيير مفاجيء للوجود العسكري الأميركي كانسحاب من أفغانستان أو سوريا. وبحكم خلفيته العملية كضابط في سلاح البحرية الأميركية، فإنه يولي الترسانة البحرية اهتماما عالياً في بسط النفوذ الأميركي، لا سيما عبر مطالبته بتحديث حاملات الطائرات وتأييده لتخصيص مزيد من الأموال على الإنفاقات العسكرية.

سياسياً وديبلوماسياً، لا ينظر اوبرايان بعين العطف المطلوب لدور وزارة الخارجية “بتضخم طواقمها الإدارية” والمطالبة بتعديل التوجه عبر “إدخال قدرات قيادية ذات بأس لتعديل بوصلة الوزارة،” وكذلك الأمر مع وكالة الاستخبارات المركزية ووزارة الدفاع والأجهزة الأخرى.

حافظ أوبرايان على تأييده ومنسوب ولائه للرئيس ترامب منذ بداية مشوار ترشحه للرئاسة؛ ونظراً لطبيعة عدم ميله الالتزام بموقف أيديولوجي، كسلفه بولتون،  فمن المتوقع أن يستمر في علاقة وطيدة مع الرئيس وبأنه لن ينافسه داخل صفوف حزبه أو يتركه عارياً أمام تيار المحافظين المتشددين.

الموقف الأميركي، بعد افول بولتون، فيما يتعلق بمنشآت النفط السعودية جاء ثمرة أحدث اجتماع عقده الرئيس لمجلس الأمن القومي، الجمعة 20 الشهر الجاري، عززته جملة تغريدات للرئيس يمكن ايجازه بالمواقف التالية:

واشنطن لم توعد السعودية بالدفاع عنها؛ الحماية الأميركية المطلوبة سعوديا ينبغي أن يدفعوا أموالاً لقاء ذلك؛ فتح المخزون النفطي الاستراتيجي الأميركي لتعويض السوق الداخلية من أي نقص. الأهم ربما هو في تكرار الالتزام بتحرك ديبلوماسي عبر بوابة الأمم المتحدة لاحتواء الأزمة.

أسفرت سلسلة لقاءات ومشاورات رفيعة المستوى عقدها البيت الأبيض في الآونة الأخيرة للتوقف عند الرد الأمثل على اختراق المسيرات اليمنية للدفاعات الجوية وشبكات منصات الصواريخ المتعددة الأميركية المنوطة بحماية الأجواء السعودية وبلورة مواقف تعكس مركزية القوة العسكرية الأميركية: اجتماع للقادة العسكريين تلاه اجتماع لمجلس الأمن القومي بكافة أعضائه.

الغائب الأبرز عن تلك الاجتماعات والتصريحات المتتالية كان “الخيار العسكري،” دائم الحضور في المواقف الأميركية السابقة، لا سيما ما يتعلق بإيران. وعند الاستحقاق أخفقت واشنطن بتنفيذ ما كان وكلاؤها يعولون عليه – شن حرب على إيران نيابة عنهم.

اقتصر العرض الأميركي على إرسال مجموعة قتالية محدودة مختصة بالدفاعات الجوية لتعزيز القوات الموجودة في القواعد الأميركية. مما يطرح جملة أسئلة وتكهنات حول مهمة المعدات الأميركية المتطورة في قواعدها ولدى القوات السعودية: طائرات الاواكس، بطاريات الصواريخ الحديثة، أسلحة الرصد والتشويش، الأقمار الاصطناعية، وترسانتها من الطائرات المسيّرة الهجومية.

لم يشفِ العرض غليل المراهنين على “مواجهة إيران عسكرياً،” لا سيما في الشق العسكري الصرف لناحية تلك الميزانيات التسليحية الخيالية وحقيقة تنفيذها ووجهتها النهائية، إضافة للناحية التقنية التي يقر فيها الخبراء العسكريون بمنافسة فعالة لدول أخرى (روسيا والصين وإيران) للقدرات العسكرية الأميركية، ولما هو أبعد من ذلك ليطال ما لدى الكيان “الإسرائيلي” من تقنيات ومعدات مشابهة أخفقت أيضاً في المواجهة المحدودة على الحدود الشمالية والجنوبية لفلسطين المحتلة.

تجارة الأسلحة الدولية ستأخذ تلك التجربة وأدائها الباهت بعين الاعتبار، ومن غير المستبعد ان تحجم عدد من الدول المستوردة للأسلحة الأميركية عن المضي قدماً بالاعتماد عليها في ظل توفر بدائل زهيدة الكلفة بالمقارنة، جرى تطويرها في ظل حصار اقتصادي على عدد من الدول مثل روسيا وايران، وتخفف الأعباء المالية عن اقتصاديات الدول النامية تحديداً.

2019-13-09 التحليل

التحليل

طرد بولتون لن يغطي على

خيبات السياسة الأميركية

 

          سرعة إقالة، أو استقالة، جون بولتون من منصبه كمستشار الرئيس للأمن القومي كانت مفاجئة في بعدها الزمني ليس إلا، إذ استبقها إعلان البيت الأبيض بشكل رسمي عن مؤتمر صحفي يعقد هناك، صباح يوم 10 أيلول/سبتمبر، بحضور الثلاثي وزيري الخارجية والخزانة ومستشار الأمن القومي. انعقد المؤتمر القصير بغيابه بعد قرار إقالته ببضع ساعات.

          التوقف لسبر أغوار ما جرى ليس بالأمر العسير نظراً لطبيعة التكتلات والاصطفافات والخلافات الحادة التي جسدها بولتون داخل المشهد السياسي بخيار القوة العسكرية الأميركية لغزو العالم والإطاحة بالنظم والدول المناوئة لسياسات بلاده.

          كما أنه ما برح يمثل الشرائح والمصالح الأميركية الأشد عدوانية الساعية لإزاحة المنافسين الدوليين عبر الاستثمار الهائل بالترسانة التسليحية، وقدرتها على تبني الدولة أضخم ميزانية عسكرية في تاريخها.

          بيد أن الحلول الأحادية التي تبناها واعتمدها بولتون والقوى الداعمة له في المؤسستين السياسية والاستخباراتية لم تؤت أكلها كما كان مراداً لها، بل ارتدت بنتائج مغايرة على هيبة ومصداقية البلاد؛ لا سيما في التحشيد الهائل ضد فنزويلا وكوريا الشمالية وسوريا وإيران، فضلاً عن سلسلة ملفات أخرى متصلة كالحرب على اليمن وأفغانستان.

          الاستراتيجية الأميركية الكونية أفصحت عن خطواتها المقبلة منذ أفول الحرب الباردة الممثلة بالتوجه شرقاً لمحاصرة الصين وروسيا، مما اقتضى التعديل في بعض الأولويات والتوجهات في ظل تشظي عدد من دول أوروبا الشرقية، يوغسلافيا وتشيكوسلوفاكيا، وخروج منطقة “الشرق الأوسط” تدريجياً عن سلّم الأولويات الأميركية، بانكفاء “إسرائيل” عن الجنوب اللبناني عام 2000، وهزيمتها عام 2006، وتراجع أهمية المخزون النفطي لصالح الإنتاج الأميركي.

          صلافة بولتون في تعامله الاستعلائي والعنصري ضد زعيم كوريا الشمالية، وتهديده له بأنه يتعين عليه حذو النموذج الليبي بتسليم واشنطن كافة ترسانته النووية والصاروخية والكيميائية، أسهم مباشرة في خلط الأوراق والأولويات الأميركية، بينما انشغل الرئيس ترامب في الانفتاح والتقارب وعقد لقاء قمة مع الزعيم الكوري في الوقت عينه.

          صمود بيونغ يانغ أمام التهديدات الأميركية وتحديها بالمضي في التجارب الصاروخية، بدعم وتأييد كل من الصين وروسيا، أرسل جملة رسائل مشفرة لصناع القرار بأن الحرب النووية التي تهدد بها واشنطن لن تكون محصورة في شبه الجزيرة الكورية وحدها، لا سيما في قواتها العسكرية المرابطة هناك والتي ستكون أول ضحايا المواجهة.

          لعل عامل القلق الجديد داخل الأوساط الأميركية هو تطوير بيونغ يانغ قدراتها العلمية لغزو الفضاء رصدتها المؤسسات الاستخباراتية ممثلة بإعلان كوريا الشمالية عن ضرورة الحفاظ على محطة الفضاء الدولية للأغراض السلمية، 13 أيلول/سبتمبر الجاري، حسبما أفاد به مركز أميركي لرصد تطورات كوريا الشمالية NKNews.org.

          أيقنت المؤسسة الحاكمة، الاستخباراتية والعسكرية، أنه آن الأوان لتغيير الحصان الخاسر وتحميله وحده مسؤولية الفشل المتواصل للسياسات الفجة المتبعة التي أدت لعزوف أقرب حلفاء واشنطن عن مشاطرتها سياساتها وتوجهاتها الخارجية، لا سيما في إيران والتجارة الخارجية مع الصين، وما لبثت أشد القيادات السياسية المفرطة في عنصريتها أن ابتعدت تدريجيا عن مسلك وحكمة مستشار الأمن القومي، وأيدت قرار اعفائه من مهامه على الفور.

          بولتون وفشله المتكرر في جملة ملفات متتالية جدد سيل الانتقادات الداخلية، أبرزها عزوف دول الاتحاد الأوروبي عن التراجع بالالتزام بالاتفاق النووي مع إيران، بالدرجة الأولى، وتعاظم قلقها من انسحاب واشنطن من المعاهدة النووية مع موسكو محذرة من نشر الأولى أسلحة صاروخية جديدة على أراضيها، بل إعلان أقرب حلفائها (ألمانيا بشكل خاص) عن رفضها الصريح لأي طلب أميركي محتمل لنشر أسلحة متطورة.

          علاوة على القلق الأوروبي الداخلي المشروع من سباق تسلح جديد على حساب دوله قاطبة، فقد أدرك قادته مبكراً الدور المحوري لجون بولتون لانسحاب بلاده من الاتفاق النووي من جانب واحد مما أسفر عن “.. تحشيد جهود أصدقاء وأعداء واشنطن لمناهضة محاولات الأخيرة لتفكيك وتدمير اتفاقية التزمت بها الأطراف الموقعة عليها، لا سيما إيران،” وفق توصيف ضابط الاستخبارات البريطاني الأسبق شارلز شوبريدج.

          وأبلغ الأوروبيون حلفائهم الأميركيين رسائل صريحة متكررة، وفق معلومات شوبريدج، بأن “.. مغامرات بولتون عرّت وعززت عوامل الضعف الأميركية وأسهمت في عزلتها الدولية؛ وضاعفت من منسوب الريبة والشك لاستدراجهم عنوة للمشاركة في حرب بقيادة واشنطن لن تعود عليهم إلا بكوارث جديدة.” بل لن تجد واشنطن من يؤيدها “.. سوى إسرائيل وربما بريطانيا التي تواجه عزلة مرئية بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي.”

          تضافر تلك العوامل والضغوط إن دل على مغزى معين قد حفز المؤسسة الأميركية بكامل أجنحتها والمصالح الاقتصادية الكبرى التي تمثلها على تعديل البوصلة، وإظهار تأييدها لسياسات الرئيس ترامب المتسقة مع وعوده الانتخابية بعض الشيء، وإنقاذ الحزب الجمهوري من حالة الترهل تمهيداً لإعادة انتخابه لولاية ثانية، مما يقتضي تحقيق بعض الإنجازات الملموسة لاستثمارها انتخابياً.

          باستطاعة المراقب الحصيف للمشهد السياسي الداخلي الأميركي رصد حالة الإحباط المنتشرة بين النخب السياسية والاستخباراتية على السواء من عدم تحقق نبوءاتها السابقة بأن السياسات المتشددة والإغداق السخي غير المسبوق على الترسانة العسكرية ستضاعف “الاستقرار الأمني” المنشود للولايات المتحدة؛ بل أدت لنتائج مخيفة وأسهمت في زيادة عزلتها ورفع شأن منافسيها الدوليين، لا سيما الصين وروسيا وإيران أيضاً.

إقصاء بولتون حظي بإجماع التيارين الرئيسيين في المؤسسة، ممثلاً بالحزبين الجمهوري والديموقراطي؛ مما وفرّ حيز مناورة مرحلية أوسع للرئيس ترامب في توجهاته لا سيما فيما يخص بالاستدارة مرة أخرى نحو إيران وقرب إفراجه عن جزء كبير من ثرواتها المحتجزة والمجمدة في المصارف الغربية والأميركية، تمهيداً للقاء يجمعه بالرئيس الإيراني على هامش أعمال الدورة السنوية للجمعية العمومية للأمم المتحدة.

تبادل ترامب وبولتون مفردات قاسية بعد إعفائه أعاد للواجهة بعض الشكوك الأولى بأن ذاك الثنائي استخدم بعناية فائقة على المسرح الدولي للعبة مزدوجة “الرجل القاسي والأخر المتعاطف” علها تخدم الاستراتيجية الكونية بأقل الخسائر الممكنة. خروج بولتون بالشكل المهين عزز المقولة بأنه استنفذ غرضه عند المؤسسة كشماعة تهديد لمناوئي الهيمنة الأميركية، وبات الرئيس ترامب متحرراً من سياسة “قيود العقائدية الجامدة – الدوغماتية” لانتهاج سياسة عالمية ظاهرها أكثر انفتاحاً لترميم هيبة ومكانة واشنطن.

مصير بولتون

 

 من غير المرجح أن يلتزم جون بولتون السكوت والهدوء بعد اقصائه وتأكيده على الفور “.. استقلت، بعدما عرضت ذلك ليلة أمس” على الرئيس. المقربون والمناوئون لبولتون يجمعون على نزعته لتسريب ما يشاء من معلومات ومواضيع تخدم أجندته المتشددة والقوى الداعمة له بين تيارات المحافظين واللوبي “الإسرائيلي.”

وأشار عدد من موظفي البيت الأبيض للصحافيين أن بولتون عمد الاتصال مباشرة مع معارفه وأصدقائه بينهم والتواصل عبر تغريدات ورسائل شخصية “للتوضيح بأنه لم يتم إعفاؤه، وانما خياره الخاص.” أمر لم تشهده واشنطن منذ عصر الرئيس الأسبق نيكسون وفضائح ووترغيت.

جردة سريعة لسجله “وانجازاته” في غضون الشهور التسعة الماضية تدل على نجاح تشويشه “بإفشال لقاء قمة هانوي بين الرئيسين الأميركي والكوري الشمالي، وتحفيز الأخير على التزام التشدد والحذر؛ الدعوة لشن غارات جوية على إيران، والتصرف الأحادي لإرسال قطع بحرية أميركية لمياه الخليج خارج القنوات المألوفة والمعتمدة؛ الفشل الذريع في إنجاز انقلاب عسكري في فنزويلا؛ إعتراض وإفشال خطة الرئيس ترامب بالانسحاب من سوريا؛ الدفع باتجاه تصعيد الوجود العسكري الأميركي في أفغانستان ..”

بيد أن حقيقة الأمر تدل على أن تصرفاته وأجندته لم تكن بدافع فردي، بل منسجمة ومتطابفة مع الأهداف الاستراتيجية العليا لصناع القرار في المؤسسة الحاكمة بكل تشعباتها، سياسياً وعسكرياً واستخباراتياً واقتصادياً.

للدلالة على تعارض أجندة المؤسسة مع “بعض” سياسات ترامب تنبغي الإشارة إلى قرار مجلس الشيوخ مطلع العام الجاري “بتوبيخ” الرئيس لإعلانه الانسحاب من أفغانستان وسوريا، بأغلبية عالية 68 صوتاً مؤيداً مقابل 22 معترضاً.

من سيخلف بولتون كمستشار مؤهل للأمن القومي ويحظى بدعم ترامب؟ تحقيق الشرطين في آن واحد يعد أمراً ينافي الواقع والمشهد الراهن نظراً لطبيعة تصرفات ترامب من جهة، ونفوذ المحافظين الجدد وأشد العنصريين ضراوة على التحكم بمراكز القوى.

بيد أن المتداول المرئي للحظة يشير إلى أن الرئيس ترامب لديه قائمة من المرشحين المفضلين، قيل إنهم تسعة وربما عشرة أفراد، يجمعهم الانتماء لذات التيار العنصري والمتشدد، مع بعض التباين البسيط، جلهم ذو خلفية عسكرية واستخباراتية؛ أحدهم هو العقيد دوغلاس ماكريغار والمؤيد للرئيس ترامب الذي طاف على عدد من المؤسسات الإعلامية مروجاً لسياسة أميركية تستند لتقليص الحضور العسكري الأميركي عبر العالم؛ ومنتقداً بولتون وسياساته، بل اتهمه بأنه يعد لمسرحية “خليج تونكين” جديد لاستدراج الولايات المتحدة لحرب أخرى مع إيران.

ذات التيار المتشدد سعى في الأيام القليلة الماضية للضغط على ترامب بتعيين وزير الخارجية مايك بومبيو لذاك المنصب مع احتفاظه بمنصبه الحالي، أسوة بما قام به وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر. والتقى بالرئيس على انفراد لمدة أربع ساعات متواصلة، لكن ترامب عدل عن تلك الفكرة في الوقت الراهن.

الاختيار المقبل لمنصب المستشار سيخضع لطبيعة التوجهات السياسية المنظورة للرئيس ترامب، مع حرصه على إرضاء المحافظين الجدد لهوية المرشح، عنوانها الأبرز سيؤشر على إذا ما كان إعفاء بولتون يشكل نقطة تحول حقيقية في استدارة الاستراتيجية الأميركية، أم امتداداً للمرحلة السابقة مع تعديل بالمفردات، أو عنواناً لإعادة توازن الاصطفافات بين المحاور الرئيسة داخل المؤسسة الحاكمة.

2019-07-09 التحليل

التحليل


الصين صعود فارق لنفوذ لاحق

         تجمع النخب السياسية والبحثية الأميركية على تراجع النفوذ الأميركي في العالم قاطبة ودخول الصين بقوة على المسرح العالمي واجتيازها مرحلة كونها “مستودع لإعادة تصدير بضائع” السوق الاستهلاكية الرأسمالية إلى مصاف القوى العالمية.

         من بين أبرز النخب الفكرية الأميركية كان معهد بروكينغز الذي حذر في دراسة له بعنوان “الهيمنة الغربية على الساحة العالمية تشرف على نهايتها – ونحن الآن ندخل عصر النفوذ الصيني،” (29 كانون ثاني/يناير 2017)؛ بعد استعراض شامل لإرهاصات تطور الصين ومعاناتها التاريخية من “.. غزوات أوروبية وإهانة ونهب ممنهج لخيراتها، لكنها تمسكت بسيادتها بقوة، واستطاعت استعادة السيطرة على مواردها مع نهاية القرن العشرين.”

         بيد أن الصين لا زال أمامها مشوار غير يسير لاستعادة كافة أراضيها، لا سيما هونغ كونغ وجزيرة فرموزا – تايوان والسيطرة على بحر الصين الجنوبي؛ مقارنة باستكمال الكيان السياسي الأميركي وسيادته على أراضيه منذ نهايات القرن الثامن عشر.

         دخول الصين عصر النهضة الراهن جاء تتويجاً لصعود رئيسها الحالي، شي جين بينغ، باعتقاد النخب السياسية الأميركية، والذي وعد شعبه بخطاب مطول في تشرين الثاني/نوفمبر عام 2012 بتحقيق “حلم الصين (الموحدة) … والتجديد العظيم للأمة الصينية التي عانت من مشقات وتضحيات بالغة .. ولم يستسلم شعبها أبدا، وواصل نضاله دون انقطاع، وفي النهاية فاز بتقرير مصيره بيده.”


الصين: الأولوية للسيادة

         من بين الدراسات الغربية الرصينة حول نفوذ الصين التصاعدي، تنبؤ الأستاذ الجامعي البريطاني، روبرت بيكرز Robert Bickers، في مؤلفه الصادر مطلع عام 2017 “خارج الصين: كيف أنهت بكين عصر الهيمنة الغربية،” باستعراضه عناصر الجذب والترابط والرفض التي ميزت تعامل الصين مع المراكز الغربية على الدوام؛ مؤكداً أن استحداث الصين “للنزعة القومية” جدير باستيعابها ومدى تجذرها في الوعي الشعبي، ماضياً وحاضراً .. والتي أضحت نتيجة منطقية ترافق القوة (الاقتصادية) المكتسبة بمشقة.”

         ويمضي مؤكداً على حتمية “قيام الصين القوية اقتصادياً بترجمة نفوذها وذاتها على العالم، والذي قد يستغرق زمناً قصيراً للتعود عليه، لكنه سيحدث حتماً.” وفي مكان آخر يشير إلى عزم الصين على التوصل “للاكتفاء الذاتي كعنصر أساسي لتعزيز حضورها بين الأمم وتجسيداً لمطالبها باستعادة السيطرة على أراضيها،  وعدم العودة مرة أخرة لمرحلة تهديدها بالقوة.”


الحرب التجارية

         احتدام التنافس التجاري والسيطرة على الأسواق، بين الأقطاب الاقتصادية الكبرى في مرحلة العولمة دفع بالصين إلى تصدر مكانة الإنتاج الأبرز في الاقتصاد العالمي، بصرف النظر عن طبيعة نظام الحكم الذي لا يزال يستند إلى تراث “الحزب الشيوعي الصيني” في شرعيته. الأمر الذي أثار حفيظة أميركا بشكل رئيس في العقدين الماضيين، استنهضت واشنطن كل ما لديها من أسلحة، حربية وناعمة وعدائية عنصرية، لمواجهة وتقليص تغلغل ونفوذ الصين في الأسواق العالمية.

         ما شهدناه مؤخراً من تبني واشنطن لتدابير وإجراءات “عقابية” على المنتجات الصينية، تبادل فيه الطرفان خطوات انتقامية أدت لزيادة الرسوم الجمركية على منتجات البلدين وارتفاع غير مبرر في أسعار السلع والمنتجات لا سيما عند بدء العام الدراسي في الولايات المتحدة وتحمل المواطن أعباء إضافية لا قدرة للسواد الأعظم عليها.

         وحملت يومية الاقتصاد والمال الأميركية وول ستريت جورنال سياسات البيت الأبيض العشوائية مسؤولية التدهور محذرة من “تفاقم مخاوف الاسواق من أن توقد النزاعات التجارية بين البلدين شرارة ركود في الاقتصاد الأميركي.”

وأوضحت ان النتائج الأولية الملموسة لتلك السياسات أسهمت في “فقدان الثقة بالشركات الأميركية الصغيرة .. نحو 670 مصلحة، بسبب رسوم فرضها ترامب؛ وإعاقة التبادل التجاري بين العمالقة الصناعيين في آسيا، وتضرر نشاط المصانع التي يقوم عملها أساسا على التصدير في الدول الأوروبية.” (5 سبتمبر الجاري).

         وأردفت أن “الرسوم الجمركية على السلع المستوردة تزيد من الضغوطات على الشركات المتعددة الجنسيات عندما يتعلق الأمر بالتكاليف، وهذا ما يجعلها تبحث عن طرق بديلة لتعويض خسارتها .. كما أشارت بعض الدراسات الاستقصائية إلى تراجع الأنشطة الصناعية في اليابان وتايوان وكوريا الجنوبية وإندونيسيا، مع نتائج متباينة في الصين. أما في أوروبا فقد سُجل انخفاض ملحوظ في الأنشطة الصناعية في ألمانيا، التي تعد المورد العالمي الرائد للآلات والمعدات التكنولوجية.”

         أبرز النزاع التجاري بين بكين وواشنطن عوامل صراع أشد بينهما كانت كامنة في معظمها لوقت قريب جذرها سياسي بأبعاد استراتيجية بالدرجة الأولى، لا سيما لعزم الصين الثابت في ممارسة سيادتها على أراضيها ومياهها الإقليمية، بمواجهة التعزيزات العسكرية الأميركية على مقربة منها؛ ومسؤولية الأمن الإقليمي في مياه بحر الصين الجنوبي، وخطة الصين الاستراتيجية في الانفتاح الاقتصادي المدمجة في “طريق الحرير” الجديد الذي سيصل أقصى مناطقها بكافة الدول الأوروبية براً، مروراً بكامل الجغرافيا الفاصلة بين الصين وألمانيا، وما هو أبعد.

         البيت الأبيض تشبث بقراراته السابقة بفرض الرسوم الجمركية تصاعدياً، على ما قيمته 550 مليار دولار من المنتجات الصينية، أخرها ستدخل حيز التنفيذ منتصف كانون الأول/ديسمبر من العام الجاري، بنسبة 15% على “الهواتف الخلوية وأجهزة الكمبيوتر المحمولة ولعب الأطفال والملابس” في ذروة التسوق احتفالاً بأعياد الميلاد والسنة الجديدة.

         في الوقت عينه، أكد البلدان على إدامة التواصل بينهما على مستويات رفيعة بغية التوصل لصيغة اتفاق ترضي الطرفين، على الرغم من تزايد منسوب القلق من نوايا بعضهما البعض؛ لكنها محاولة أميركية لترضية حلفائها الأوروبيين بالدرجة الأولى والإعلان عن التمسك بمعاقبة بكين فيما بعد. الأخيرة أعلنت أن وفدها الرسمي سيصل واشنطن منتصف شهر أكتوبر المقبل.

         استراتيجية الصين في التعامل مع النزعات الأميركية المتبدلة عنوانها الصمود والصبر والقدرة على التحمل، مع ادراكها العميق أن غالبية صادراتها، 80%، تذهب لأسواق الدول الأخرى خارج أميركا، مما يتيح لها قدراً أعلى من المناورة والخيارات البديلة.

         بالمقابل، تنظر واشنطن إلى ارهاصات ومظاهرات مقاطعة هونغ كونغ، المعادية لبكين، بعين العطف وتقديم الدعم للمحتجين، رغم انكارها الخجول، كوسيلة ضغط إضافية على المفاوض الصيني لتقديمه تنازلات قاسية. يشار إلى أن سيادة المقاطعة ستعود بالكامل لبكين عام 2047، وفق الاتفاقية المبرمة مع التاج البريطاني.

وفي الخلفية أيضاً سعي الدوائر الأميركية لإشعال التوترات في مقاطعة “شينغ يانغ” اقصى غربي الصين، التي تقطنها أقلية الإيغور القومية، وإدامتها هناك طمعاً في اقتطاعها عن البلد الأم على طريق تقسيم الصين، أسوة بجزيرة تايوان التي حرصت واشنطن مؤخراً على بيعها طائرات مقاتلة أميركية حديثة لتعميق الشرخ بينها وبين البلد الأم، ورسالة مفادها أن واشنطن ستفرد مروحة حمايتها للجزيرة عززتها بتحريك قطعها البحرية في مياه المضيق الفاصل بين الجزيرة والأراضي الصينية؛ فضلاً عن استمالة الدول الإقليمية بالقرب من الصين لصالحها وتجديد نزعة العداء التاريخي بينها وبين الصين؛ أحدثها فيتنام التي زودتها واشنطن بستة زوارق حربية لتعزيز حراستها لشواطئها.

تحافظ واشنطن أيضا على تأجيج العداء الإقليمي لاستراتيجية الصين “الحزام والطريق،” عبّر عنه المركز الأمني لأميركا الجديدة بالقول “تحت مظلة الحزام والطريق، تسعى بكين الترويج لعالم مترابط عبر شبكة للبنى التحتية ممولة صينياً .. لكن لها أبعاد أخرى فضلاً عن المبادرة الاقتصادية؛ أذ ما هي إلا وسيلة محورية لتعزيز طموحات الصين الجيو-سياسية.”

بالرغم من تلك الاستراتيجية الطموحة والسيولة المصرفية الهائلة لدى بكين، وسخاء استثمارها في بنى الدول الإقليمية التحتية – ومن ضمنها سوريا، لكنها تسير بحذر شديد في المرحلة الراهنة كي لا تستعدي واشنطن وتدخل في مواجهة مباشرة معها في ظل عدم نضوج استعداداتها لها.

ربما تلك الاستراتيجية الصينية توازي في مفارقتها السياسة الأميركية عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى، والتي جسدتها بالاستثمار في بنيتها التحتية الداخلية وفيما بعد بالبنى الأوروبية المدمرة. بيد أن نزعة واشنطن التوسعية المتأصلة استثمرتها بداية في السيطرة على القارة الجنوبية بتدخلها عسكريا في أميركا الوسطى منذ عقد العشرينيات من القرن الماضي، ما لبثت أن تبلورت ونضجت نواياها الاستعمارية للسيطرة على موارد وخيرات الكون بأكمله؛ بدء