2020-12-10-التحليل

التحليل

مناظرة بدون مفاجآت تكرّس
مخاوف الأميركيين من إضطراب كبير قادم

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

حاول أطراف  المؤسًسة الحاكمة، عبر مناظرة مرشّحي نائبي الرئيس، إعادة الثقة بمتانة النظام السياسي الأميركي وقدرته على تجاوز التحديات، إثر الإهتزازات والخلل  الفضائحي، بعد سيل الشتائم في المناظرة السابقة بين الرئيس ترامب ومنافسه جو بايدن، لكن الشارع الانتخابي لم يولِ اهتماماً كبيراً للمشهد بعد انقضاء ساعات معدودة، وعاد إلى همومه اليومية التي يتصدّرها تزايد الإصابات بفايروس كورونا وتعقيدات الأوضاع الاقتصادية، في ظل تجاذب الحزبين الاتهامات بتسجيل نقاط انتخابية ضد بعضهما من دون حلول ملموسة.

النخب السياسية والفكرية الأميركية، عماد المؤسسة الحاكمة، عادت إلى متابعة مساعيها لبسط هيمنتها على الساحات العالمية، تارة ضد روسيا وأخرى ضد الصين، بتعزيز الحضور العسكري الأميركي المكثّف “لاستفزاز الصين” قرب مياهها الإقليمية، وقد حذّر وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر من الانزلاق إلى “حرب عالمية محتملة”، مطالباً واشنطن وبكين بـ “وضع حد للمواجهة، درءاً لعدم تكرار الحرب العالمية الأولى اليوم” (وكالة “بلومبيرغ”، 7 تشرين الأول/اكتوبر 2020).

في المقابل، انتقد وزير الخارجية مايك بومبيو سلفه كيسنجر لانتهاجه سياسة الانفتاح مع الصين في القرن المنصرم، ووصف قادة الصين بـ “الطغاة”، في ترجمة لحقيقة توجهات المؤسسة الحاكمة بالتعويض عن تراجع نفوذها على المستوى العالمي، واستعراض عضلات القوة الخشنة، وترهيب الدول الإقليمية، بعد استنفاذ غرض “الحرب الباردة” بينهما بإغلاق القنصليات والتضييق المتبادل على البعثات الديبلوماسية.

استرسل كيسنجر في تحذير صناع القرار في بلاده من المغامرة العسكرية مع الصين، وكأنّه يوجه كلامه مباشرة إلى خلفه بومبيو ووزير الدفاع مارك اسبر والرئيس ترامب معاً، قائلا: “يتعين على الولايات المتحدة تبنّي طريقة جديدة من التفكير، عمادها فهم أفضل لعالم شديد التعقيد، لاستفراد دولة بسياسة ترمي إلى تحقيق تفوق أحادي في كلا البعدين الاستراتيجي والاقتصادي، (والارتكاز إلى مقولة) أنه لا يوجد طرف باستطاعته تهديدنا”.

الحزب الديموقراطي، ونيابة عن مرشحه للرئاسة جو بايدن، دأب على إرسال رسائل مطمئنة على الصعيد العالمي، للبناء على سياسة الانفتاح التي دشنها الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون ووزير خارجيته كيسنجر.

أبرز تلك الرسائل دعوة وزيرة الخارجية السابقة، هيلاري كلينتون، إلى إعادة هيكلة ميزانية البنتاغون وتوظيف الفارق في “الاستثمارات الداخلية” مؤكدة أن الكلفة الباهظة للأسلحة الأميركية “لمواجهة عسكرية مع الصين” لم تعد ضرورية في العصر الحالي، وذلك في مساهمتها بعنوان “إعادة حسابات الأمن القومي: كيف يتعين على واشنطن التفكير في استخدام القوة” (مجلة “فورين أفيرز” الفصلية، عدد سبتمبر/اكتوبر 2020).

وأردفت كلينتون في مخاطبة صناع القرار في بلادها محذّرة من “أنّ تقدم الصين يعني فقدان التفوق الجوي والبحري للولايات المتحدة، والذي لم يعد مضموناً في المنطقة”. ووجهت نصيحة إلى قادة البنتاغون بتحويل مصنع “ليما لسلاح القوات البرية” المنتج لدبابة آبرامز، في مدينة ليما في ولاية اوهايو، إلى منشأة لتنظيف المركبات الكهربائية وصيانتها، “بدلاً من تصنيع آبرامز”. هذا لا يعني تخلي الحزب الديموقراطي عن  منطق “الإستثنائية الأميركية”، ولكن قيادة العالم بالشراكة مع الحلفاء في الناتو.

بالعودة إلى المناظرة “المهذبة” بين نائب الرئيس مايك بينس والمرشحة إلى المنصب كمالا هاريس، سعى الفريقان إلى إطلاق الاتهامات، وتحميل الآخر مسؤولية تدهور الأوضاع الاقتصادية والرعاية الصحية ومجالات أخرى، وادعاء الفوز لمرشحيهما، ولكن وهج المناظرات سرعان ما خفت وتبخّر بريقه الدعائي وطواه النسيان.

بموازاة ذلك، خرجت استطلاعات الرأي التي أجرتها مؤسسات متخصصة ذات توجهات سياسية محددة، لتبشر بارتفاع نسب شعبية فريق المرشح الديموقراطي جو بايدن، وخصوصاً في ولاية فلوريدا التي تقطنها نسبة عالية من أثرياء الجالية اليهودية القادمين من ولاية نيويورك، بيد أن الاستناد إلى “استنتاجات” استطلاعات الرأي حصراً يعطي صورة قاصرة ومُخلّة لتوجهات الناخبين، أبرز أسبابها أنها مقيّدة زمنياً بتطورات سرعان ما تتغير ويعمل كل فريق لاستثمارها، فضلاً عن “طبيعة وخلفية التساؤلات المطروحة” على عينة محددة من الناخبين، وعوامل تداخل مناطق إقامتهم ومداخيلهم السنوية التي تؤثر مباشرة على استشراف مرشحهم المفضل.

جمهور المشاهدين للمناظرة الأخيرة، والتي سبقتها وما سيلحقها، أصيب بخيبة أمل لعدم تقيّد المرشحيْن بالتساؤلات المطروحة، على الرغم من توخي الحذر باختيارها، فضلاً عن حرص المحاور/ة على عدم متابعة التساؤلات للحصول على أجوبة محددة، بيد أن حقيقة الأمر أن قيود المناظرة رسمت سقف توقعاتها لدى المشاركين والمشرفين عليها مسبقاً.

للدلالة على ذلك، نشير إلى أحد عناصر النظام التربوي الأميركي في مرحلتي الدراسة الثانوية والجامعية، بتسليح المشارك في أي مناظرة بنصيحة “ثمينة”، عمادها “الإجابة على السؤال كما يخدم مصلحتك، وليس للتقيد بطبيعة السؤال أو الانصياع إلى أأحكامه”. وعليه، خابت آمال الكثيرين، لتغاضي المشاركين عن الإجابة المباشرة.

وحرصت وسائل الإعلام بمجملها على التركيز على مسائل هامشية، مثل مكوث ذبابة على رأس نائب الرئيس بينس لأكثر من دقيقتين، لتضحي عنواناً تخصّص له مساحة إعلامية أدت إلى إهمال القضايا الملحّة التي يتوق المشاهد إلى طرحها وسماع تباين وجهات النظر حولها. ربما يجزم البعض أن أسلوب “التضليل المتعمد” يصب في عصب الرسالة الإعلامية الأميركية، بتركيزها على المظاهر الثانوية والهامشية  وتفاديها المسائل الجوهرية.

“المزايدات” السياسية بين الحزبين في أوجها بالتزامن مع موعد الانتخابات الرئاسية، ومنها تبادل نشر ما يعتبره كل فريق “فضيحة سياسية” ضد منافسه، لشدّ أنظار الناخبين إلى “عيوب” الآخر، بيد أن الجزء الأعظم منها يندرج في سياق الصراع داخل أركان المؤسسة الحاكمة، والذي يستثمر فيه كل فريق ما بجعبته لتعزيز موقعه داخل المؤسسة، وعبرها لدى الناخب العادي بدرجة أقل.

الحزب الديموقراطي استند إلى نشر مجموعة من الكتب لشخصيات سياسية ابتعدت عن البيت الأبيض، ولإعلاميين أيضاً، والكشف عن “فضيحة” تدني حجم الضرائب التي دفعها الرئيس ترامب عن ممتلكاته لسنوات متعددة بمعدل 750 دولاراً.

الرئيس ترامب وزعماء الحزب الجمهوري ثابروا على استهداف كبار شخصيات إدارة سلفه الرئيس أوباما، أبرزهم مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي (أف بي آي) الأسبق جيمس كومي، والمدير الأسبق لوكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) جون برينان، ووزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون تحت عنوان مشترك “بتوريط حملة الرئيس ترامب الانتخابية بالعلاقة مع روسيا” في العام 2016، والتهديد بكشف مضامين المراسلات الداخلية بين كبار المسؤولين المذكورين بهذا الشأن.

وما دفعنا إلى التطرق إلى تلك المسألة هو المراهنة الخاطئة لوسائل الإعلام، المحلية والدولية، وتعويلها على الاطلاع على تفاصيل بالغة السرية لآليات الحكومات الأميركية المتعاقبة. بيد أن أقطاب المؤسسة الحاكمة، ولا سيما ما يطلق عليه “الدولة العميقة”، وأبرزها المؤسسة الاستخباراتية بكل أجنحتها، لن تعطي ضوءاً أصفر لتكرار تجربة “وثائق ويكيليكس” الدامغة لأساليب البطش والترهيب والقتل الجماعي أينما حلت القوات العسكرية الأميركية، في عصر ما بعد التدخل المباشر للاستخبارات المركزية إبّان عصر الحرب الباردة في مناطق متعددة من العالم.

أما كشف “مكتب التحقيقات الفيدرالي” عن “مخطط خطف حاكمة ولاية مشيغان”، غريتشين ويتمر، المعروفة بمناهضتها الشديدة لسياسات الرئيس ترامب، واعتقال عدد من المتهمين من العنصريين البيض بذلك، فإنه يأتي في السياق أعلاه لظهور الأجهزة الأمنية بموقع الحامي للنظام السياسي والسلم الاجتماعي، وتجسيداً لقدرة تلك الأجهزة على اختراق المنظمات العنصرية والأخرى اليسارية على السواء، وأنها تخضع للمراقبة الدائمة. سارع الحزب الديمقراطي إلى توظيف تلك الحادثة انتخابياً، بتوجيه اللوم إلى ترامب على خلفيّة تشجيعه الجماعات اليمينية المتطرفة وعدم ادانته لها.

المحصلة العامة لتلك المسألة وما سيتبعها من تفاصيل، ربما يومية، تكمن في الحرص على استقرار النظام السياسي بمعزل عن توجهات ورغبات المرشّحين إلى المناصب السياسية العليا، ولها اليد الطولى في الحفاظ على عدم انزلاق تلك المجموعات العنصرية إلى ارتكاب أعمال عنف، وربما الانخراط في إشعال أوار حرب أهلية هدّد بها الرئيس ترامب سابقاً.

استمرار الرئيس ترامب بالتحذير من تزوير الإنتخابات في حال عدم فوزه، يشكل العنصر الأبرز في قلق الأميركيين من دخول أميركا في مرحلة ربما تكون الأخطر في تاريخها.

2020-05-10-التحليل

التحليل

مفاجأة اكتوبر الانتخابية:
إصابة ترامب بالفايروس تخلط الأوراق

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

التطورات المتسارعة المرافقة لإصابة الرئيس ترامب بفايروس كورونا أثارت التكهّنات حول مستقبله في المدى المنظور، لناحية التداعيات المترتّبة عن “إمكانية” غيابه عن الساحة السياسية، أو استمراره في الأيام المقبلة وهو يئِنّ من الوهن وعدم التركيز، كأبرز عوارض الفايروس.

من البديهي أنّ كلّ ما يتعلّق بالحالة الصحّية وطرق المعالجة والأدوية والعقاقير والرؤى المستقبليّة، أضحت بيد الطواقم الطبيّة الخاصّة حصراً، فهي المخوّلة بمراقبة حالته الصحيّة، وهي تخضع في المحصّلة لضوابط القرار السياسي الاستراتيجي، لناحية تقنين المعلومات والإفراج “عما يلزم” إعلاميّاً لإدامة السيطرة على مفاصل القرار السياسي.

وعليه، من العسير الاقتراب من تلك الزاوية بغية الإضاءة على الأجزاء المتناثرة من المعلومات المقننة أصلاً، ويفضّل إدراجها ضمن اخصائيي الرعاية الصحية، بيد أن المُتاح ضمن ضوابط الرؤى السياسيّة، وسيرورة معركة الانتخابات الرئاسيّة في شوطها الأخير، يوفران العناصر الضرورية لرسم صورة أقرب إلى الواقعيّة، بعيداً عن الرغبات الذاتية أو الانسياق وراء تفسيرات سطحيّة معلّبة توصل أصحابها إلى نتائج قاصرة.

لا ريب في أنّ توقيت الإعلان السريع عن إصابة الرئيس ترامب ونقله على عجل خلال 24 ساعة ليتلقى العلاج في مستشفى “وولتر ريد” العسكري، على بعد بضعة كيلومترات من البيت الأبيض، يطرح جملة تساؤلات أكثر مما يتوفر من معلومات موثّقة.

يتميّز المشفى بتوفّر أفضل ما توصلت إليه التقنية الحديثة من معدات وأجهزة وأدوية، بعضها لا يتوفر لكبار الاختصاصيين في مجال الرعاية الطبية، وضمه أيضا جناحاً رئاسياً خاصاً يوفر العزلة التامة لنزيله الجديد، نظراً إلى مركزه كقائد أعلى للقوات المسلحة.

أعربت كبريات المؤسّسات الإعلامية الأميركية عن شكوكها في مبررات نقل الرئيس ترامب إلى المستشفى العسكري نظراً إلى ضوابط حركته الصارمة، وبقاء الأمر “غامضاً” لتساؤلاتها المتكررة، وخصوصاً إن البيت الأبيض مجهّز بمعدات طبية ذات تقنية عالية، وطاقم طبي كامل على نفقة الدولة.

أبرز التناقضات في التصريحات الصحافية المرصودة حول حقيقة الإصابة جاء على لسان “الطبيب الخاص للبيت الأبيض”، شون كونلي، في مؤتمر صحفي عقده يوم السبت، 3 تشرين أول/اكتوبر الجاري، يجزم فيه تشخيص إصابة الرئيس ترامب منذ 72 ساعة، أي يوم الخميس.

في المقابل، أعلن الرئيس ترامب عبر تويتر عن إصابته بالفايروس “حوالي الساعة الواحدة من صباح يوم الجمعة”، ولكن يبدو ان العوارض  ظهرت بعد انتهاء مهرجانه الانتخابي في ولاية منيسوتا يوم الأربعاء. ورغم ذلك استمر في جولته يوم الخميس الى نيوجرسي.

الثابت في تصريح الطّبيب الخاصّ هو إقراره بإصابة الرئيس ترامب بالفايروس، عقب التيقّن من إصابة مساعدته هوب هيكس يوم الخميس الأول من الشهر الجاري، ونقله إلى المستشفى العسكري “كإجراء احترازي”. رفض الطبيب كونلي مراراً إلإجابة القاطعة على تلقي الرئيس ترامب وحدات أكسجين لمساعدته على التنفس خلال بثّ مؤتمره الصحافي المذكور، وأنهى المؤتمر على الفور، وتبيّن لاحقا انه تم تزويده بالأوكسجين يوم الجمعة وقبل نقله الى المستشفى.

في بُعد التوقيت الزمني، تنبغي الإشارة إلى أنّ الإعلان عن إصابة الرئيس ترامب بالفايروس جاء عقب انتهاء الجولة الأولى من المناظرة الرئاسية وظهور الإعياء الجسدي عليه، أكدته حملته الانتخابية سريعاً، واكبها تراجع ملحوظ في الدعم الشعبي للرئيس ترامب، وفوز منافسه المرشح الديموقراطي جوزيف بايدن.

عند هذا المفصل الحرج، برزت جملة تكهّنات بين كبار المحللين والمراقبين السياسيين الأميركيين، مفادها أنّ الرئيس ترامب أراد مخرجاً سريعاً يؤدي إلى ااستعادة بعض ما فقده من الدعم والتأييد، وربما توصّل وبعض كبار أعوانه إلى إثارة مسألة إصابته بالفايروس واضطراره إلى العزل في فترة زمنية بالغة الحساسية من الحملة الانتخابية، ما أدّى إلى استدرار التعاطف الشعبي والعالمي على السواء مع الرئيس ترامب، وانكفاء منافسه بايدن عن المضي قدماً في متطلبات الحملة الانتخابية.

أوقفت الآلة الإعلامية الأميركية النشطة والمناوئة للرئيس ترامب منسوب هجومها المعتاد دون انقطاع وتعدادها “أخطائه وأكاذيبه”، لبعض الوقت، أبرزها استهتاره بخطورة الجائحة التي ضربت العالم بأسره، كتعبير عن تعاطفها وتحسّسها لوضعه الصحّي، الأمر الذي سيصبّ في خانة دعمه في المحصلة العامة.

في الشق المقابل، أثار نشر كتاب الصحافي الاستقصائي الشهير، بوب وودوورد، بعنوان “غضب”، حملة مناوئة جديدة بموجب مضمون المنشور الناجم عن سلسلة طويلة من المقابلات الخاصّة أجراها مع الرئيس، وإقرار الأخير بأنّه كان يدرك خطورة تفشي الجائحة وضرورة مواجهتها مباشرة، لكنّه “رجّح التخفيف من خطورتها على المستوى الشعبي” وعدم تبني إجراءات احترازية إلزامية، كارتداء الكمامات الواقية، حسبما جاء في الكتاب.

وفي هذا الصدد، أجمع المراقبون من مؤيدي الرئيس ترامب ومعارضيه على دخول الحملات الانتخابية في “حيرة بالغة” وعدم اليقين مما يخبّئه المستقبل القريب، “وربما انتشار الفوضى”، كنتيجة مباشرة لإقصاء الرئيس ترامب أو غيابه عن المشهد اليومي.

الأمر الآخر هو عدم التيقّن من تعرض المنافس الديموقراطي جوزيف بايدن للفايروس عقب انفضاض المناظرة التي دامت 90 دقيقة، ما يلقي ظلالاّ كثيفة حول سير الانتخابات برمتها. بيد أنّ هذه المسألة سابقة لأوانها لحين تثبّت العكس. وتتزايد المطالب السياسية في حثّ المرشح بايدن على تعليق نشاطات حملته الانتخابية، بالتوازي مع غياب الرئيس ترامب مرحلياً.

استأنف بايدن حملته بعد تجميد مؤقت خضع فيه لإختبار الإصابة بالفيروس بنتيجة سالبة، ولكنه أوقف الإعلانات والدعاية الإنتخابية المنددة بترامب شخصيا. في الشق العملياتي والأقرب إلى التطبيق، يجري تداول “مخارج دستورية” في حال غاب الرئيس ترامب، أبرزها استمرار التسلسل في السلطة التنفيذية بتسلّم نائب الرئيس مايك بينس مهام المنصب كخيار أولي، لكن ذلك يستوجب مصادقة خطية من الرئيس ترامب، ينقل فيها صلاحياته لنائبه، “طوعياً أو بشكل مؤقت”.

جرى اعتماد النص أعلاه دستورياً فيما يسمى “مادة التعديل الـ 25” للدستور، والتي صادق عليها الكونغرس في العام 1967، ولجأ الرئيس الأسبق جورج بوش الإبن إلى تفعيلها مرتين بعد تعرضه لعمليات جراحية طفيفة، في العامين 2002 و 2007، وتسلّم نائبه ديك تشيني مهام المنصب لفترة قصيرة.

يرافق ذلك الاحتفاظ بتصّدر الرئيس ترامب بطاقات الانتخاب كما هي، وذهاب أصوات مؤيديه إلى البديل المعتمد من قبل اللجنة المركزية للحزب الجمهوري. تبرز حينئذ تعقيدات عملياتية تتعلق بانتهاء الفترة الزمنية المطلوبة لتسجيل واعتماد المرشحين للمنصب في عموم الولايات، والتي تتباين جداولها المقررة بمواعيد مختلفة، إضافة إلى انتهاء السلطات الرسمية في نحو 29 ولاية من طباعة وإعداد بطاقات الانتخاب للتوزيع بالبريد العادي. بيد أنّ حساسية الظرف الراهن وفرادته ستفرز آليات مستحدثة للتغلب على تلك العقبات.

الاحتمال الآخرهو ما المنتظر القيام به في حال أصيب نائب الرئيس، إضافة إلى الرئيس، بالفايروس، وأُقعِدا عن ممارسة مهامها. النصوص الدستورية تحدد التراتبية بتولي رئيس/ة مجلس النواب مهام المنصب، في حال عدم قيام الرئيس ونائبه بمهام المنصب.

ولكنّ العقدة الأساسية في هذا الاحتمال هي الانتماء السياسي لرئيسة مجلس النواب، نانسي بيلوسي، المناويء للحزب الجمهوري، الأمر الذي مهّد لتواتر الرؤى الافتراضية بنضوج ما يُعرف بـ “مفاجأة أوكتوبر”، أو حلّ الساعة الأخيرة في السباق الرئاسي، وتم التكهّن بافتعال الرئيس ترامب نزاع يؤدي إلى شن حرب على إيران أو دولة أخرى، لخلط الأوراق وكسب التأييد الشعبي.

وساد مناخ الخشية والترقب من “تعهّد” الرئيس ترامب أثناء المناظرة الرئاسية بعدم تسليمه بنتائج الانتخابات الرئاسية إن جاءت لصالح منافسه، مبرراً ذلك بادعاءات لم تثبت صحتها بشكل قاطع تتمحور حول “فساد المؤسسة (المناوئة له) بتضخيم بطاقات الانتخاب” المرسلة بريدياً.

نجح الرئيس ترامب في أثارة زوبعة من الشك وإرباك الجمهور حول مزاعم لجوء الطرف المنافس، الحزب الديموقراطي، إلى حشد الناخبين بأعداد كبيرة “والتزوير”، حسبما يزعم، ما سيؤدي إلى تآكل قاعدة التأييد الثابتة لمناصريه في الحزب الجمهوري.

يعوّل الرئيس ترامب ومناصروه في الحزب الجمهوري على تماسك قاعدته الانتخابية، وخصوصاً القطاعات الانجيلية المتطرفة والمنظمات العنصرية وميليشياتها من البيض، والتي رفض إدانتها أو التنصل منها بشكل صريح خلال المناظرة الرئاسية.

وفّرت المناظرة فرصة ذهبية للمرشح الديموقراطي جو بايدن للظهور بموقف يتحكّم به بكل ملابساته، واستطاع تسجيل بعض “الضربات” الكلامية للرئيس ترامب واستدراجه إلى مربع الرد، كما أوضح التباين الصّريح، بل المتناقض في تناول المرشحيْن للقضايا العاجلة.

واعتقد بايدن أنه وجد ضالته في إحراج الرئيس ترامب الذي “تسبّب في انقسام المجتمع طيلة ولايته الرئاسية”، وارتفاع معدلات العنف والجريمة، وفشله الصارخ في التصدي لجائحة كورونا، وما سبّبه من ارتفاع مريب في أعداد ضحاياها، فضلاً عن محاصرتها، لعدم احترامه لنتائج الانتخابات وتسليم السّلطة بشكل سلس، كما هو المعتاد.

الرئيس ترامب تبنّى المجموعات العنصرية عملياً، والتي أفردت لها الوسائل الإعلامية مساحات واسعة لإدانة أساليبها وتعصّبها الأعمى، رافضاً إدانة “العنف الذي تمارسه ميليشيات المجموعات اليمينية والعنصرية من البيض”. بل طالب عناصر مجموعة تدعى “براود بويز Proud Boys” بديمومة نشاطاتها، طارحاً شعار “تأهّبوا واستعدوا”، الذي تبنّته الميليشيا فور انفضاض المناظرة، كتحفيز رسمي على اساليبها الممهورة بالعنف المسلّح، وشكّلت تصريحات الرئيس ترامب إيذاناً لمناصريه بالتأهّب والنزول المسلّح إلى الشوارع، عند الإشارة إلى رفض نتائج الانتاخابات وإثارة الفوضى والعراقيل.

والجدير بالذكر أنّ سجلات مكتب التحقيقات الفيدرالي “أف بي آي” تشير إلى نحو 300 مجموعة مسلحة من الميليشيات اليمينية في طول وعرض الولايات المتحدة، تلقّى جزءٌ لا بأس به من عناصرها تدريبات عسكرية داخل صفوف القوات المسلحة الأميركية، وأثبتت قدرتها على التسلّح بمعدات قتالية واستخدامها عند الحاجة، أبرزها كان النزول بقوات مدجّجة بالأسلحة والعربات المدرعة في ولاية مشيغان، تعبيراً عن اعتراضها على قرار حاكمة الولاية “الديموقراطية”، وبتحريض من الرئيس ترامب، في شهر أيار/مايو الماضي.

احتمال نشوب اشتباكات مسلحة في عدد من المدن الأميركية الكبرى هو احتمال واقعيّ حذّر منه عدد من الأجهزة الأمنية، لكن محاولات التصدي الجاد لتلك المجموعات مشوبة بالحذر والريبة، نظراً إلى تعدد ولاءات عدد لا بأس به من القوات الأمنية الرسمية، وانتساب عناصرها إلى صفوف المجموعات العنصرية.

من المرجّح أن تغضّ الأجهزة النظر عن ممارسات تلك المجموعات عند تجسّد تلك الفرضية على أرض الواقع، وإبقائها تحت السيطرة ضمن سقف متوسط لا تسمح لها بتجاوزه، لكن مسألة انضباط الطرفين أمر يصعب الجزم به، وربما ستؤدّي الاشتباكات إلى ما يشبه ساحة حرب حقيقيّة لبعض الوقت، كما يحذّر، بل يجزم به، بعض قادة الأجهزة الأمنية.

في الحسابات الاستراتيجيّة، تأتي ديمومة النظام السياسيّ على رأس سلّم الأولويات، وستنفّذ الأجهزة الرسمية مهامها من دون اعتبار لأعداد الضحايا، كما جسّدته مراراً في تصديها للمجموعات اليساريّة والليبراليّة، نذكر منها قصف أجهزة الشرطة في مدينة فيلادلفيا لحيّ سكني مكتظ بأكمله في 13 أيار/مايو 1985، كانت تقطنه عائلات من السود تدين بالولاء لمجموعة “موف MOVE” التي صنّفتها الأجهزة الرسمية “حركة تحرر”.

أسفر هجوم الأجهزة الشرس بالطائرات والقاء القنابل الحارقة عن اندلاع النيران في 65 منزلاّ، ومقتل 11 فرداً من ضمنهم 5 أطفال. وصرّح بعض الناجين من المحرقة أنّ الأجهزة الرسمية جنّدت 500 من عناصرها المدجّجين بالأسلحة، وأطلقت الرصاص مباشرة على المدنين الهاربين من الحرائق.

ربما كانت تلك الحادثة الدموية تمريناً لمواجهات لاحقة، كما يعتقد ضحايا العنف الأميركي الرسمي.

2020-30-09-التحليل

التحليل

خلفيات وابعاد الصراع الدائر
حول تركيبة المحكمة العليا

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

حالف الحظّ الرئيس ترامب بمنح ولايته الرئاسية فرصة ثالثة لتعيين قاضٍ لدى المحكمة العليا على قياسه وإرضاء جمهوره المحافظ، بعد أن غيّب الموت القاضية “الليبرالية” روث بادر غينسبيرغ.

وعلى الفور ثارت ثائرة الحزب الديموقراطي ومؤيديه وبعض المستقلين، لحرمان الرئيس من ممارسة صلاحياته، نظراً إلى ضيق الفسحة الزمنية بسبب موعد الانتخابات الرئاسية، وخصوصاً أن سلفه الرئيس الديموقراطي باراك اوباما واجه واقعا مشابهاً، ورضخ لمطالب الحزب الجمهوري بتأجيل ترشيح القاضي الليبرالي ميريك غارلاند إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية.

حقيقة الأمر تكمن في ما يعيه الطرفان، الديموقراطي والجمهوري، بأنّ معركة النفوذ على تركيبة المحكمة العليا، السلطة الثالثة في النظام السياسي، هي معركة ممتدة ودائمة منذ ما يزيد على 60 عاماً، لما تتمتع به من نفوذ “مستقلّ” لترسيم السياسات والتوجهات الداخلية والخارجية على السواء، وتأثير ذلك في الأوضاع الاجتماعية والسياسية بشكل مباشر.

يشار إلى أن المحكمة العليا شرعنت العبودية في ذلك الزمان البعيد، بموجب تفسيرها بنود الدستور، وحرمت السكان الأصليين من ملاحقة انتهاكات الحكومة الفيدرالية لتعهّداتها لهم، وتراجعت عن مسألة العبودية بعض الشيء، لتواجه تحديات العصور التاريخية المتتالية، وتصطف في بعضها إلى جانب القضايا العادلة للمرأة وحقوق الأقليات، تسجل تحيّزها الفاضح إلى جانب السلطة السياسية في قضايا مصيرية قريبة زمنياً، وخصوصاً في ما يتعلق بالمهاجرين وبناء الجدار العازل على الحدود المشتركة مع المكسيك.

يعود تاريخ “التحوّل” في وجهة المحكمة العليا إلى عهد الرئيس الأسبق دوايت آيزنهاور، بتعيينه القاضي الليبرالي إيرل ووران رئيساً لها، برفقة 8 قضاة آخرين يميلون إلى التوجهات الليبرالية أيضاً، ودرجت وسائل الإعلام على وسمها بـ “محكمة ووران”، لدورها المميّز في التصدي لمسائل التفرقة العنصرية وتقييد نفوذ الحكومة الفيدرالية في الحياة اليومية للمواطنين وقضايا أخرى.

من بين أبرز القضايا التي تناولتها “محكمة ووران”، قرارها المميز في العام 1962 باعتبار أداء الصلوات الدينية في المدارس والمعاهد العامة “غير دستوري”ن لانتهاكه الحريات الفردية، تلاه قرار آخر في العام التالي يعتبر “قراءة الإنجيل او أداء الصلوات” في تلك الأماكن منافياً للدستور.

قوى اليمين في المجتمع تلقّت جملة ضربات منذئذ، وخصوصاً مع بروز “حركة الحقوق المدنية” ونضالات السود طلباً للمساواة في المجتمع الأميركي، لكنها كانت تُعِدّ لقفزة لاحقة بتؤدة وتأنٍ، جسدها المرشح اليميني عن الحزب الجمهوري باري غولدووتر في العام 1964، مطالباً وأقرانه اللاحقين بضرورة تعيين قضاة “محافظين” في المحكمة العليا. ونجح الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون بتعيين المحافظ ووران بيرغر رئيساً للمحكمة العليا، تلاه الرئيس ريغان بتعيين قضاة محافظين. ولاحقاً، مال ميزان القوى لصالح التيار المحافظ مع تعيين القاضي “الكاثوليكي اليميني” انتونين سكاليا.

القاضي سكاليا لعب دوراً كبيراً في رسم السياسات العليا للبلاد، وخصوصاً في علاقاته الوثيقة مع نائب الرئيس الأسبق ديك تشيني. ولعل الأهم من ذلك راهناً أنّ المرشحة من قبل الرئيس ترامب، آيمي كوني باريت، عملت كمساعدة لسكاليا، وتشاطره التديّن على المذهب الكاثوليكي، وتعتبره قدوة لها في توجّهاتها.

المثير في سجلّ المرشّحة باريت مدى قربها من مؤسّسات فكريّة يسيطر عليها اليمين المحافظ، أبرزها “فيدراليست سوسيتي Federalist Society”، برئاسة ليونارد ليو، المكلف من قبل الرئيس ترامب “مراجعة وتصفية سجلات المرشحين للمناصب القضائية”، علاوةً على ارتباط المؤسّسة ورئيسها بكبار مموّلي التيارات اليمينية، الأخوين كوك Koch Brothers. وقد نجحت المؤسسة في فرض خياراتها مرتين خلال ولاية الرئيس ترامب، بتعيين كل من القاضيين نيل غورسيتش Neil Gorsuch وبريت كافانو Brett Kavanaugh.

للدلالة على خطورة توجّهات تلك المؤسسات والقائمين عليها، تناولت بعض وسائل الإعلام “الدور المحوري لوكالة الاستخبارات المركزية ومركز الإعلام الكاثوليكي – اوبس دي Opus Dei” أو “عمل الله”، الذي أسّسه القس الاسباني بالإسم نفسه في العام 1928، وينتسب إليه وزير العدل الحالي ويليام بار.

من ضمن المعلومات المتوفرة عن تعاون المؤسستين المذكورتين، بالإضافة لمصرف تشيس مانهاتن ووزير الخزانة في عهد الرئيس نيكسون – ويليام سايمون، ثبوت تمويل “السي آي إيه” لمؤسسة رديفة لـ”أوبس دي” في تشيلي، إبان رئاسة ويليام كولبي للوكالة، عرفت باسم “معهد تشيلي للدراسات العامة”، والتي لعبت دوراً بارزاً في الانقلاب العسكري على الرئيس المنتخب سلفادور اليندي، “ونال عدد من أعضاء المعهد مناصب وزارية” في حكومة العسكر بزعامة اوغوستو بينوشيه (تحقيق صحافي مطول لأسبوعية “مذر جونز “Mother Jones، عدد مزدوج تموز/آب 1983).

علاقة ما تقدم بالمرشحة لمنصب المحكمة العليا، آيمي كوني باريت، تأتي للدلالة على أنّها لم تأتِ من فراغ سياسي أو بموجب أهليتها الأكاديمية، كمحاضرة جامعية في جامعة نوتردام الكاثوليكية، وولائها المعلن لتراث قدوتها انتونين سكاليا، أو تميّزها المهني كقاضية في محكمة الاستئناف الفيدرالية للدائرة القضائية السابعة، وهي التي عيّنها الرئيس ترامب في ذلك المنصب في العام 2017.

سجل باريت العملي يتميز بالسطحيّة، إذ مارست  مهنة القانون في القطاع الخاص لمدة سنتين فقط، “ولم تتقدم بالمرافعة أو استئناف قضية ما، ولو لمرة واحدة، كما لم تجادل أمام المحكمة العليا في أي قضية” طيلة حياتها المهنية، بخلاف زملائها الآخرين أعضاء المحكمة العليا.

يجمع المراقبون والأختصاصيون في القوانين الدستورية على أنّ تيار اليمين المتطرف الأميركي أضحى قاب قوسين أو أدنى من تحقيق “حلمه التاريخي” في الانقلاب على قرارات المحكمة العليا السابقة: إعادة ترديد الصّلوات الدينية في المدارس العامة، إلغاء قرار حرية المرأة باختيارها وحقّها في الإجهاض، المعروف بقضيّة Roe v Wade، والتّراجع عن المكاسب التي حقّقتها الأقليات، وخصوصاً السود في أميركا.

يضيف أولئك الخبراء أنّ الولايات المتحدة تقف أمام تحدٍ غير مسبوق “منذ ترشيح القاضي الليبرالي الأسود ثيرغود مارشالThurgood Marshsall  في العام 1967″، بترؤس المحكمة شخصية لم تناصر الحقوق المدنية خلال طيلة حياتها العملية، في إشارة إلى المرشحة باريت، بل تسود الخشية من قرارات المحكمة المقبلة “بشرعنة استمرار بناء الجدار العازل” مع المكسيك. الرئيس الأسبق جورج بوش الإبن استبدل بمقعد مارشال في المحكمة العليا اليميني المتطرف كلارينس توماس، الأكبر سناً بين أقرانه ويتمتع بامتياز المفاضلة.

التحدي الأكبر قضائياً في المرحلة القريبة يكمن في تراجع سيطرة الحزب الديموقراطي وتياره الليبرالي في تراتبية الولايات المتعددة، ومحاصرته من قبل القضاة المحافظين في المستويات الأولى من المحاكم، بموجب نفوذ الحزب الجمهوري ومناصريه في المراتب المتعددة في الولايات، وخصوصاً في السلك القضائي برمته.

انعكس ذلك جلياً بعزوف قادة الحزب الديموقراطي في مجلسي الكونغرس عن مقارعة منافسيهم في الحزب الجمهوري، الذي يحظى بأغلبية مريحة في مجلس الشيوخ، وانعدام القدرة على تحدي القرارات المصيرية التي أعدّ لها “اليمين المتطرف وتيار الانجيليين” جيداً منذ زمن، ويتأهّب لقطف ثمار جهوده حتى بغياب الرئيس ترامب عن المشهد السياسي، كما يرغبون.

من بين المسلّمات السياسية في أروقة الكونغرس، مراهنة قادة الحزب الديموقراطي على تعديل قرار “بعض” زملائهم الجمهوريين معارضة ترشيح الرئيس ترامب لباريت، وبناء حسابات عليها، عقب ايماءات مشجّعة من عضوين في مجلس الشيوخ، سرعان ما عدلتا عن ذلك، إضافة إلى منافس الرئيس ترامب الدائم، السيناتور ميت رومني، الّذي أكد تأييده ترشيح قاضية محافظة، على الرغم من عدائه المعلن للرئيس ترامب.

محورية الترشيح قبل الانتخابات لا تغيب عن ساسة واشنطن والعامة على السواء. التوقعات المرجّحة للانتخابات تشير إلى تشبّث الرئيس ترامب بموقفه المناهض للنتائج المخالفة لإعادة انتخابه، ما يحيل المسألة إلى المحكمة العليا للبتّ بها، أسوة بما حصل بين المرشحيْن جورج بوش الإبن وآل غور.

حينئذ ستكون موازين القوى وقرارها في المحكمة العليا محسومة سلفا، 6 مقابل 3. أما في حال تعادل مستبعد في القرار 4 مقابل 4، قبل المصادقة على المرشحة باريت، فستزداد رقعة التعقيد في المشهد العام، وستؤدي الولايات عبر حكامها دوراً مركزياً في إقرار الفائز.

ضمن التّوازنات الراهنة، يحظى الحزب الجمهوري بأغلبية 26 ولاية، تُضاف إليها ولايتان إضافيتان قد تؤيدان توجّهاته. فالقرار النهائي، بموجب الدستور والأعراف، هو صوت واحد لكل ولاية تنحاز إلى جانب الأغلبية البسيطة التي تحابي الحزب الجمهوري بجلاء.

2020-25-09-التحليل

التحليل

تراجع شعبيّة أميركا
وتقلّص هيبتها عالمياً

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

تكثفت في الآونة الأخيرة، وبالتزامن مع اشتداد حملة الانتخابات الرئاسيّة، حملة انتقادات قاسية من داخل أركان المؤسّسة الحاكمة، ترصد “تهاوي مكانة أميركا دولياً” جراء السياسات الراهنة لإدارة الرئيس ترامب، والّتي “أخفقت في معالجة جائحة كورونا” وتداعياتها على الاقتصاد الأميركي.

تأرجحت السّياسة الأميركية الخارجية، منذ الحرب الكونية الأولى والثانية بين سياسة الانطواء على الذات والانفتاح، سعياً إلى بسط السيطرة والهيمنة الأميركية على “مصادر الطاقة والثروات الطبيعية” عبر العالم.

ومنذ عهد الرئيس جورج بوش الإبن وتبنّيه “استراتيجية الحرب على الإرهاب” 2001، اشتدّ التنافس بين القوى العالمية الصاعدة وواشنطن، بسيطرة النخب السياسية من “المحافظون الجدد”، أضفى عليها الرئيس ترامب طابعه بإثارة “القومية الشعوبية البيضاء” من حلفائه داخل تيار اليمين الانجيلي، تمخّض عنها بلورة استراتيجية ثابتة تقضي بعدم السماح بقيام قوى منافسة، والعودة إلى سباق التسلّح وخصوصاً الأسلحة النووية.

الثابت في معظم ولاية الرئيس ترامب أنّ المجتمع الأميركي يعاني من التصدّع واشتداد حالة الانقسام الداخلي، معطوفاً على تراجع هيبة مكانة الاقتصاد الأميركي عالمياً، نتيجة جائحة كورونا واعتماد سياسات داخليّة تحابي أصحاب رؤوس الأموال وتقلِّص الاستثمارات الداخلية.

محصّلة ولاية الرئيس ترامب، والنظام السياسي الأميركي برمته، أنّ الإفراط في الشعور بالتفوق، حضارياً واقتصادياً وعلمياً، بدأ يعاني من الترهل ومواجهة الحقيقة جسّدها تراجع الإنتاج المحلي العام بنسبة 24% لواشنطن مقابل نحو 15% للناتج المحلي للصين.

على المستوى العالمي، رصد مركز “بيو” لاستطلاعات الرأي، ويعدّ الأكثر حصافة ومصداقية، زيادة “منسوب الكراهية” لسياسات الولايات المتحدة عبر العالم، وهي تقارب أو تتخطّى الأجواء العامة العالمية لمناهضة الحرب وغزو العراق في العام 2003، حسبما أفاد الاستطلاع.

النخب الفكرية والسياسية الأميركية أخذت علماً بتلك النتائج، معبّرة عن تصاعد منسوب القلق من المستقبل، وخصوصاً أنّ أبرز حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا كانوا الأقل تأييداً ومراعاةً للاعتبارات الأميركية.

الاستطلاعات أجريت قبل تفشي جائحة كورونا في بريطانيا وفرنسا  وألمانيا وكندا والسويد واستراليا واليابان. نسب عدم الرضا والارتياح لسياسات واشنطن جاءت كالتالي: بريطانيا 65%، فرنسا 75%، ألمانيا 79%، كندا 67%، السويد 69%، استراليا 60%، اليابان 68%.

أما نسب “الرضا” عن سياسة الولايات المتحدة عند طرح السؤال بطريقة ايجابية، فقد جاءت بنتائج موازية: بريطانيا 41%، فرنسا 31%، ألمانيا 26%، اليابان 41%.

في الداخل الأميركي، جاءت النتائج مفزعة للمؤسّسة الحاكمة بأكملها، ونشر “مجلس شيكاغو” للأبحاث الاستراتيجية نتائج استطلاعه الدوري للعام 2020 من بيانات ومعلومات استقصاها بين مطلع ومنتصف شهر تموز/يوليو العام الجاري، ومحوره “كيف ينظر الأميركيون إلى أهمية السياسة الخارجية لبلادهم”، جسّد حالة الانقسام الحادة “بين الديموقراطيين والجمهوريين” في بلورة انخراط بلادهم في القضايا العالمية وتنفيذه.

من أبرز ما توصّل إليه الاستطلاع المذكور، الذي يطبّق كل أربع سنوات بالتزامن مع الانتخابات الرئاسيّة، أنّ عهد الرئيس ترامب تميّز بمحاباة النزعة القومية، والإحجام عن الانخراط عالمياً، وإعلاء مفهوم “أميركا أولاً”، مقابل “وعد” المرشح الديموقراطي جو بايدن بإعاد الحياة إلى سياسات “الشراكة وبناء التحالفات” التقليدية.

بلغة الأرقام أعرب نحو 58% من الجمهوريين عن تفضيلهم لشعار “أميركا أولاً” والتصّرف أحادياً، مقابل 18% من الديموقراطيين أيّدوا سياسة الانطواء الداخلي، بينما ايّد نحو 80% من الديموقراطيين التعاون مع الدول الأخرى، مقابل 40% من الجمهوريين.

اللافت أن يومية “واشنطن بوست” تناولت نتائج استطلاع مركز “بيو” في اليوم التالي لاحتفالية البيت الأبيض بتوقيع حكومتي الإمارات والبحرين اتفاقيتي تطبيع مع “الكيان الإسرائيلي”، ما فسّره المراقبون بتهميش “توهّج نجاح البيت الأبيض”.

يؤخذ على القائمين على استطلاع مركز “بيو” الدوري إضافة دولتي الدانمارك وبلجيكا لجمهور الاستطلاع، خروجاً عن القاعدة السابقة التي رسمها للدول المعنية. كما أنّ إرجاء المركز إعلان النتائج لتتزامن مع تنافس حملات الانتخابات الرئاسية رمى من ورائها إلى التأثير في وعي الناخب بالتصويت “ضد ترامب”.

قواعد استطلاع الرأي لا يتم التلاعب بها عادة، كما جرى في الحملة الرئاسية السابقة للعام 2016، وفق خبراء الاستطلاع والرافضين لنتائج “مركز بيو”، حين رصدت بيانات الاستطلاع تفوّق المرشحة هيلاري كلينتون على خصمها الجمهوري بنسب عالية، بينما فاز المرشح ترامب  بأصوات المجمّع الانتخابي بنسبة مريحة.

في بريطانيا، بحسب نتائج الاستطلاع المذكور، كانت نسبة تأييد الرئيس ترامب عالية بين أوساط مؤيدي سياسة الخروج من الاتحاد الاوروبي، بريكست، و”بريطانيا أولا”. كما أن الاحزاب اليمينية الاوروبية تتشاطر منسوب العداء للمهاجرين مع انصار الرئيس ترامب بين الجمهوريين.

تناغمت نسب وجهات النظر للولايات المتحدة مع مدى ثقة الجمهور بأداء الرئيس، كما يقول “مركز بيو”، وانخفضت بشكل حاد في العام 2017، السنة الرئاسية الأولى لترامب، وزاد منسوب الانخفاض منذئذ باطراد “وبشكل أكبر في كلّ دولة شملها الاستطلاع”.

في السعي إلى إجابة شافية على مسألة “هبوط هيبة الولايات المتحدة وهيمنتها” عالمياً، لا ينبغي الإصغاء لنتائج استطلاعات الرأي بصورة حصرية، على الرغم مما تعكسه من توجهات شعبية حقيقية في فترة زمنية معينة، ووفق قيود صارمة تتحكّم بصياغة التساؤل أو تأثير صياغة معينة في طبيعة الإجابات التي بُنيت عليها النتائج، بل تجدر الإشارة إلى الأهمية البالغة التي توليها الحكومة الأميركية لمدى شعبيتها عالمياً، “وخصوصاص منذ الحرب العالمية الثانية”.

ميزانية الولايات المتحدة السنوية تتضمن بنداً ثابتاً  بعنوان جذاب وخادع هو “برامج الديبلوماسية العامة”، ومعدّله نحو 2 مليار دولار، للإنفاق على المؤسّسات الإعلامية الأميركية الموجهة إلى الخارج، مثل “صوت أميركا” وإذاعة “سوا” وتلفزيون “الحرة”، والتمويل السخي “للمنظّمات الأهلية غير الحكومية” في الدول المعنيّة لتحسين صورتها فيها، فضلاً عن برامج تمويل أخرى تشرف عليها مباشرة وزارة الخارجية الأميركية، كوكالة التنمية.

ختاماً، تنبغي الإشارة الى آخر مظاهر تراجع مكانة أميركا على المسرح الدولي، بعجزها عن تنفيذ رغبتها في تجديد العقوبات الدولية على ايران، وفشل كلّ مساعيها في مجلس الأمن.

2020-08-09-التحليل

التحليل

واشنطن تتأهب للمواجهة ..
والصّين هادئة ويقظة

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

” تفوَّقت الصين على الولايات المتحدة في مجالات محدّدة، في بناء السفن والصواريخ الباليستية وصواريخ كروز ونُظم الدفاع الجوي”. كان ذلك مُلخّص تحذير في تقرير سنوي أعدَّته وزارة الدفاع الأميركية وقُدم إلى لكونغرس، في الأول من شهر أيلول/سبتمبر الجاري، حول “التطورات العسكرية والأمنية لجمهورية الصين الشعبية”.

تزامن التقرير مع تقديم البنتاغون ميزانيته للعام المقبل إلى الكونغرس، والتي تقدّر بنحو 740 مليار دولار، ما حفّز البعض على اعتباره تهديداً مبطناً للساسة الأميركيين بالموافقة على الميزانية، تعزّزه “المبالغة” في تقييم التّهديدات التي تعتبرها واشنطن عثرة أمام “مصالحها الكونيّة”. ولا شكّ في أن المجمّع الصناعي الحربي الأميركي هو المستفيد الأول من مبالغات تقرير البنتاغون، لأنه يوفّر الذريعة الجاهزة لتبرير الإنفاق الهائل على المنظومات العسكرية.

شدّد التقرير، كما التّقارير السابقة المقدّمة، على عزم القيادة الصينية على تطوير أداء قواتها المسلحة وتحديث ترسانتها العسكرية مع حلول عام 2049 في “الذكرى المئوية للثورة الصينية الشعبية”، وبأنّ الرئيس الصيني شي جين بينغ يُعدّ لاستعادة جزيرة تايوان للسيادة الصينية  بحلول العام 2050 بموجب سياسة “الصين الواحدة” الموّحدة.

تقارير البنتناغون حول الصين، بدءاً منذ العام 2000، ألقت ظلالاً من الشكّ على قدرة الصين على النهوض عسكرياً في المدى القريب، معتبرةً أنّ “عقيدة القوات المسلحة الصينية هي في الإعداد لمواجهة حرب بّرية كبيرة على طول حدودها، وبأن أسلحة قواتها البرية والجوية والبحرية قديمة وعفا عنها الزمن”. بعضهم وصفها تهكّماً بأنها عبارة عن “نمر من ورق”.

واعتبر مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض، روبرت أوبرايان، أنّ سياسة واشنطن تجاه بكين تعد “أكبر فشل للسياسة الخارجية الأميركية منذ الثلاثينيات”. وقد انتقدت الصين الأمر على أرفع مستوياتها الرسمية، ورفضت توصيف تقرير البنتاغون. وقالت المتحدثة باسم وزارة خارجيتها خوا تشينغ يينغ إنّ التقرير الأميركي “مليء بالتحيّز”، مشدّدة على التزام بلادها بمسار التنمية السلمية.

وزارة الدفاع الصينية اعتبرت أنّ التقرير تحكمه “عقلية الحرب الباردة والمعادلة الصفرية”، ويسيء تفسير سياسة بكين الدفاعية واستراتيجيتها العسكرية، ويحرّض على نشوب مواجهات في مضيق تايوان.

يُشار في هذا الصدد إلى تواتر تقارير أميركية متعدّدة “تغذّي حالة العداء للصين”، منها تقرير موسّع لصحيفة “واشنطن تايمز”، اليمينية والمقربة من البيت الأبيض، محذراً من “مؤشرات” قامت بها الصين بأنها تعدّ لعمل عسكري ضد الولايات المتحدة التي “دقت جرس الإنذار داخل الجيش وأجهزة استخباراتها”، (29 تموز/يوليو 2020).

وحذّرت أيضاً من عبثية جهود “بناء الثقة مع جيش التحرير الشعبي الصيني، والتي فشلت إلى حد كبير في إقامة علاقات أو تعاون أوثق”، معتبرة التهديد “ملحّاً الآن ومن دون الانتظار إلى العام 2030 ، إذ باتت كل القواعد الأميركية في منطقة قيادة المحيط الهادئ معرضة لخطر الهجوم، بعدما عززت الصين قدراتها مؤخرا، ولا سيّما من الصواريخ الباليستية متوسطة المدى”.

يُشار إلى أنّ التواجد العسكري الأميركي الضّخم في جزر غوام، قبالة الفيلبين في المحيط الهادىء، يضم 3 قواعد عسكرية ضخمة “هي مصدر قلق خاصّ، لأنه يصعب الدّفاع عنها”. وزعمت الصحيفة أنّ هناك “شائعات عن صراع سياسيّ كبير على السلطة في بكين، بين الرئيس الصيني شي جين بينغ وعناصر موالية لنائب الرئيس الصيني السابق تسنغ تشينغ هونغ، حليف الرئيس الصيني الأسبق جيانغ زيمين”.

وأكدت مصادر عسكرية أميركية لوسائل الإعلام أن “مسار التوتر في العلاقات مؤخرا بين البلدين على خلفية ملفات عدة، أكّد مخاوف متزايدة من أنّ الولايات المتحدة معرضة لتهديدات بالغة من الصين، وأن أي قتال سيؤدي إلى معاناة الولايات المتحدة من خسائر فادحة” (17 أيار/ مايو 2020).

وأردفت المصادر العسكرية قائلة أنّ الصين “تمتلك صواريخ باليستية بعيدة المدى مضادة للسفن، وصواريخ تفوق سرعتها سرعة الصوت (أكثر من 5 أضعاف)”. كما أعلن الرئيس الأميركي ترامب متفاخراً عن جهود بلاده تطوير “صاروخ متطور أسرع من الصوت بـ 17 مرة من الصواريخ الحالية” (17 أيار/مايو 2020).

مستشارة الحكومة الأميركية لشؤون شرقي آسيا (من أصول أسترالية)، بوني غلاسر، أفصحت عن إجراء جملة دراسات وتمرينات نظرية لمحاكاة التهديد الصيني بحلول العام 2030، قام بها عدد من الخبراء الأميركيين في الآونة الأخيرة، وأسفرت نتائجها عن “هزيمة الولايات المتحدة” (19 أيار/مايو 2020).

بالعودة إلى تقرير البنتاغون، لفت مختصّون في الشؤون العسكرية إلى خلوّ التقرير من جداول وبيانات مفصّلة مفيدة، كما جرت العادة والتقليد العسكري، وأغفل مقارنة فعالية الترسانة الصينية بنظيرتها الأميركية، بل “أسهب في توصيفات غامضة” غير دقيقة، مثل قوله: “تمتلك الصين الشعبية أكبر سلاح بحرية في العالم، ولديها قوة محاربة تعادل نحو 350 سفينة وغواصة. في المقابل، القوة الأميركية المحاربة تشمل نحو 293 سفينة (تحت الخدمة) منذ مطلع العام 2020”.

تفادى تقرير البنتاغون أيضاً الإقرار بمسلّمة يدركها العسكريون حول طبيعة السفن الحربية الصينية، وهي ذات طبيعة “خفيفة الحركة تصلح للدفاع عن سواحل البلاد”، وليس للإبحار البعيد. وأعلنت الصّين حديثاً عن دخول “حاملة طائرات تعمل بالطاقة التقليدية” الخدمة، وهي أصغر من مثيلاتها الأميركية.

سلاح البحرية الأميركية المنتشر يضم “11 حاملة طائرات نووية، 3،700 مقاتلة حربية”، بينما ترسانة الصين الجوية لا تتعدى 1،000 طائرة هجومية وقاذفة قنابل. أما نُظم الدفاع الجوية في الصين، فيعتقد الخبراء العسكريون أنّها مبالغ بها، وخصوصاً أنها تعتمد على النظم الروسية من أس-400 وأس-300 التي لم تختبر جدياً في ساحات الحرب.

وأشار بعض المعلقين الأميركيين إلى إستمرار الإعتداءات الإسرائيلية على سوريا، رغم توفّر هذه المنظومات التابعة للقوات الروسية هناك، كدليل على عدم تفوّقها أو على تمكّن الإسرائيليين من تطوير تكتيكات تتجاوزها.

القوات المسلحة الصينية، فيب رأي الخبراء العسكريين، تواجه تحديات متشعّبة لإعادة بناء ترسانتها، واستناد عقيدتها العسكرية إلى الاعتماد على وحدات “جيش التحرير الشعبي”، ذو هيكلية أقرب إلى وحدات ايديولوجية ترتبط مباشرة بالقيادة السياسية للبلاد، أما تطوير عقيدتها وعتادها إلى مستويات الجيوش النظامية الحديثة، فلن يتحقّق ضمن طموح قادة البلاد بإنجاز ذلك مع حلول العام 2049. عندئذ ستصبح أسلحتها للعام 2020 قديمة ومحدودة الفعالية.

وأوضح تقرير البنتاغون للعام 2019 هذه المسألة بالإشارة إلى توقعه بـ “فشل جيش التحرير الشعبي في إنجاز أهدافة بالتّطوير والتّحديث، وهو لا يزال على مسافة نحو سنتين قبل الوصول إلى مرحلة المكننة”.

إصدار البنتاغون تقريره حول “تهديد الصين” لم يغفل المناخ السياسي الراهن في واشنطن، والمنهمك بالإعداد لمنافسة انتخابية “حامية الوطيس” بين الحزبين وداخلهما أيضاً، والضّغط على قادة الكونغرس  للمصادقة على الميزانية المطلوبة قبل تبدّل موازين القوى المتوقّعة عقب انتهاء الانتخابات.

2020-03-09-التحليل

التحليل

تنامي فرضية عدم الحسم في الانتخابات الأميركية
سيناريوهات محتملة
 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

استطاع الرئيس ترامب جرّ خصومه ومنافسيه السياسيين إلى مربّع الإثارة والموقف الأضعف في البحث عن بدائل للاقتراع الانتخابي، مصعّدا من تشكيكه لاعتماد سلطة البريد العادي وسيلة آمنة للانتخاب غيابياً، والإعلان عن إعتبار النتائج مزوّرة في حال خسارته، والتلويح بإمكانية تأجيل موعد الانتخابات.

تصريحاته وهجومه الشرس على أركان المؤسّسة أضيف أيضاً لمنسوب القلق الدائم بين أقطاب الحزب الجمهوري من إقبال مكثّف على صناديق الاقتراع، والذي سيستفيد منه المرشّحون المنافسون، سواء الحزب الديموقراطي أو المستقلون وحزب الخضر.

انبرى كبار قادة الحزب الديموقرطي لاتهام الرئيس ترامب بالسعي إلى “التلاعب” بنتائج الانتخابات بتقليص الاعتماد على التصويت بالبطاقات عن بُعد واستخدام البريد العادي كآلية مضمونة لذلك، وخصوصاً أنها هيئة “مستقلة” مموّلة من الكونغرس، وبمشاركة قطبي الحزبين في إدارتها، فضلاً عن زيادة اعتماد الناخبين على الاقتراع بالبريد نتيجة تفشي جائحة كورونا.

كما حقّق الرئيس ترامب قسطاً من أهدافه في صرف الأنظار بعيداً عن تدهور الأوضاع الاقتصادية، ولو مرحلياً، والطعن في نتائج الانتخابات قبل إجرائها، ونيّته في تأجيل الانتخابات، ما وضع خصومه في خانة التشبث بالنصوص الدستورية لإجراء الانتخابات في موعدها، وخصوصاً أنها لا تمنح رئيس البلاد صلاحية تغيير موعد الانتخابات الرئاسية المقررة في “أول يوم ثلاثاء يتبع أول يوم إثنين من شهر تشرين الثاني/نوفمبر”، الذي يوافق الثالث من ذلك الشهر هذا العام.

كما ينصّ الدستور على أنّ الموعد النهائي لولاية الرئيس ونائبه “الساعة 12 ظهراً من يوم 20 كانون الثاني/يناير” من العام 2021. الخبراء في القوانين الدستورية يميلون إلى التفسير بأنّ الرئيس الذي لم يُنتخب لولاية ثانية، بعد انقضاء فترته الرئاسية عليه مغادرة السلطة.

أقرّ الكونغرس قانوناً في العام 1948 يثبّت فيه موعد الانتخابات، يوم أول ثلاثاء من شهر تشرين الثاني/ نوفمبر، على أن يتولّى مندوبو “الكلية الانتخابية” مهمة اختيار الرئيس المقبل للبلاد وفق آلية تمنح الولايات صلاحية “تعيين مندوبيها” بمقاعد محددة توازي المجموع العام لمجلسي الكونغرس وبالتوزيع النسبي المعتمد ذاته.

من تعقيدات الانتخابات الأميركية، تنصّ القوانين السارية على “اجتماع المندوبين لانتخاب الرئيس ونائب الرئيس في كل ولاية، والذين يمنحون أصواتهم في أول يوم إثنين بعد ثاني يوم أربعاء من شهر كانون الأول/ ديسمبر”، الذي يوافق 14 كانون الأول/ ديسمبر العام الجاري.

وتنصّ مادة أخرى من قانون الانتخابات على إعلان الولايات نتائج انتخاباتها في غضون أسبوع بعد إقفال صناديق الاقتراع، وإرسال أصوات مندوبيها إلى الكونغرس، بتشكيلته القديمة، مع حلول يوم 23 كانون الأول/ديسمبر، ويتم فرز أصوات المندوبين في جلسة مشتركة لمجلسي الكونغرس تعقد “عند الساعة الواحدة بعد ظهر يوم السادس من كانون الثاني/يناير”.

وفي حال لم يتأهّل أيّ مرشح لمنصب الرئيس أو نائبه، يختار مجلس النواب الرئيس المقبل، ويختار مجلس الشيوخ نائباً له بالتوازي. بعبارة أخرى، ستعكس تركيبة الكونغرس الجديدة هوية الرئيس المنتخب ونائبه، في حال إخفاق أعضاء “الكلية الانتخابية” بتلك المهمة.

سيسعى كل من الطرفين، الديموقراطي والجمهوري، إلى تجيير النصوص الدستورية والأعراف السائدة لخدمة برنامجهما ولأقصى الحدود، وسيواجهان تعقيدات المشهد السياسي، في ظل تحدّي الرئيس ترامب لنصوص الاقتراع الانتخابي وآلياته ، ومنها الاحتمالات التالية:

1-   تباين النتائج بين الأصوات الشعبيّة وأصوات مندوبي “الكلية الانتخابية”، وتوجه حاكم الولاية سياسياً وما يتمتّع به من صلاحيات بدءاً بإبطاء فرز النتائج، وخصوصاً بطاقات التصويت غيابياً، وما ستفرز عنه من عدم استيفاء شروط تعيين المندوبين بعد أسبوع من نهاية الانتخابات.

في تلك الحالة، تحرم القوانين السارية الولاية المعنيّة من ممارسة تصويتها في “الكلية الانتخابية”. وتلقائياً، ستتأهب المحكمة العليا للبتّ في تلك النتائج، أسوة بما شهدناه في انتخابات العام 2000 بين المرشحيْن آل غور (عن الحزب الديموقراطي) وجورج بوش الإبن. وشهدت أميركا آنذاك تدفق حشود شعبية إلى مراكز الاقتراع خلال عملية الفرز وتهديد المشرفين على العملية. تكرار ذلك في العام الحالي سيكون أشدّ عنفاً وانقساماً، وربما سيلقى تشجيعاً من الرئيس ترامب وأنصاره.

كما أنّ توازن تركيبة المحكمة العليا مهدّدٌ بتردي الحالة الصحية للقاضي روث غينزبيرغ، ما سيحيل النتيجة إلى تساوي الأصوات، 4 مقابل 4، وما سينجم عنه من تعقيدات إضافية.

2-   رفض إحدى أو بعض الولايات ارسال مندوبيها إلى الكلية الانتخابية، في ظاهرة حيّة لأكبر ولايتين، كاليفورنيا ونيويورك، وإعرابهما عن الرغبة في الانسلاخ عن الاتحاد الفيدرالي. حينئذ، سيفوز الرئيس ترامب تظلّله سحابة شك في شرعيته.

3-   إختيار رئيس بالإنابة في حال عدم التوصّل إلى النتائج النهائية، قبل نهاية الفترة الرئاسية يوم 20 كانون الثاني/يناير، ويتعين على مجلس النواب اختيار رئيس بالإنابة، مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ تركيبة مجلس النواب في ذلك اليوم هي الهيكلية القديمة، ولن تعكس حجم الطرف الفائز في الانتخابات التشريعيّة، ما يضاعف من تعقيدات الخيارات المطروحة.

4-   تعديل بوصلة مجلس النواب كنتيجة للانتخابات التشريعية، والتي ستحفز، في حال عدم الحسم بنتائجها، أحد الطرفيين على تأجيل الفرز طمعاً في إعلاء المرشح الرئاسي الموالي له، وما سينجم عنه من صفقات سياسية تعقد خلف أبواب موصدة تسفر عن ممارسة ضغوط على هيئات الفرز في الولايات المتعددة لإعلان نتائجها النهائية.

5      – يتمّ تبديل المندوبين في حال الطعن في شرعية الانتخابات، ما سيتطلّب من مجالس الولايات التشريعية تعيين مندوبيها والتغاضي عن إفرازات توجّهات الناخبين عبر صناديق الاقتراع، إن تطلب الأمر.

6-   رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي ستقفز تلقائياً إلى منصب رئيس البلاد في حال عدم التوصّل إلى تسمية رئيس ونائبه في الموعد المحدد، 20 كانون الثاني/ يناير، شرط بقاء الحزب الديموقراطي مسيطراً على أغلبية مقاعد مجلس النواب، وفوزها في ولايتها كاليفورنيا، وذلك وفق المادة 19 من القانون الأميركي.

 

وفي هذا السياق، تجدّدت مطالب بعض كبار قادة الحزب الديموقراطي للمرشح جو بايدن بعدم التنازل التلقائي نتيجة فرز الانتخابات، ما سيعيد المسألة إلى مجلس النواب ورئيسته لتولي المهمة، بمعزل عن شخص بايدن نفسه.

كل ما سبق من احتمالات “نظرية” قد تطرأ عليها تعديلات تغذيها حالة الانقسام الحاد السائدة في المشهد السياسي، والتحديات المضاعفة أمام قادة الحزبين للتوصّل إلى “حلٍ مُرضٍ”، للحيلولة دون تعريض هيبة النظام السياسي لتحدٍ غير مسبوق، وضرورة التضحية من الطرفين ببعض الرموز صوناً لاستمرارية المؤسسة.

علاوة على ما تقدّم، يدرك قادة الحزبين المخاطر والتحدّيات الراهنة من توسّع رقعة انتشار الاحتجاجات والاضطرابات المدنية التي تغذيها العنصرية المتأصلة في المؤسّسات الأمنية، وهم في غنى عن التسبّب بمزيد من الانقسام والتدحرج نحو الأسوأ، وخصوصاً في ظلّ انتشار جائحة كورونا.

تجدر الإشارة الى أنّ ما يجري من استعراضات عسكرية الطابع لمؤيدي الرئيس ترامب في عدة ولايات، وإقدامهم على استفزاز المحتجين  السلميين أو الإعتداء عليهم، قد يعزّز مناخ الفوضى والإضطرابات التي قد تشهدها بعض مراكز الإقتراع ما يعطّل العملية الإنتخابية في العديد من الولايات .

2020-26-08-التحليل

التحليل

أميركا : دعوات لتدخل القوات العسكرية
لتنفيذ انتقال السلطة بعد الانتخابات

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

اعتادت الولايات المتحدة تمييز تجربتها السياسية “الانتقال السلمي والسلِس للسلطة” عقب نهاية الاقتراعات الانتخابية، وتسليم الرئيس المنتخب مقاليد السلطة من سلفه بتنسيق متدرّج بين الفريقين، تهيئة للتسليم الرسمي في 21  كانون الثاني/يناير من العام التالي.

يشكّل عهد الرئيس ترامب، صعوده واستمراره وربما نهايته، شذوذاً عن القواعد والأعراف المعهودة، وهو الذي هدّد في أكثر من مناسبة بعدم إقراره بنتائج الانتخابات في حال عدم فوزه، بل ذهب إلى القول إنه لن يغادر البيت الأبيض تلقائياً وأوعز إلى مؤيّديه المدجّجين بالسّلاح التأهب لدخول العاصمة واشنطن، لحمايته من رد فعل أفرع المؤسسات الرسمية الأخرى.

تتميز جولة الانتخابات الرئاسية الراهنة بانقسام عمودي وشرخ اجتماعي على مستويات متعددة، كتعبير عن حدة الصراعات المتنامية بين أقطاب المؤسّسة الرسميّة، ودخول بعض القيادات العسكرية على الخط، مناشدين قيادة هيئة الأركان المشتركة التأهب للتدخّل “عسكرياً” بإخلاء الرئيس ترامب بالقوة، إن استمر في تعنّته وتحدّيه لأعراف المؤسسة الحاكمة وتقاليدها.

تراتبياً تتبع المؤسسة العسكرية بأفرعها وتشكيلاتها كافة لقرار السلطة التنفيذية، دستورياً وعُرفياً، وهي المرّة الأولى التي تخضع لاختبار حقيقي في مهماتها وواجباتها المنصوص عليها في معادلة التوازن التقليدي بين الشقين العسكري والمدني لأركان السلطة، وتفتح الأبواب مشرعة على احتمالات لم تشهدها البلاد منذ بدء كيانها السياسي.

وفي هذا السياق، ناشد ضابطان متقاعدان من سلاح الجيش رئيس هيئة الأركان المشتركة، مارك ميللي، الإعداد للتدخل المباشر “بإخلاء الرئيس ترامب من البيت الأبيض في حال اعتراضه على نتائج الانتخابات وعدم فوزه بولاية ثانية” (نشرة “ديفينس وان”، 18 آب/أغسطس الجاري).

تأتي تلك المناشدة العلنية للتدخل العسكري على نقيض تراث المؤسسة العسكرية، بإعداد كبار الضباط على  مستوى قادة الأركان، وتمسكها الصارم بالتراتبية المهنية ووظيفتها بالانصياع إلى قرار المؤسسة السياسية، كما تشير أدبيات المعاهد العسكرية المتعددة، وأبرزها “الكليات الحربية”، فضلاً عن تداعيات ذلك على المستويات الاستراتيجية والبعيدة المدى ومخاطرها على النموذج السياسي الأميركي في حال تحققها.

وجاء في مذكّرة الثنائي العسكري المذكور أن “واجب رئيس هيئة الأركان المشتركة إصدار سلسلة أوامر لا يشوبها الغموض، تمنح القوات العسكرية صلاحية دعم وتأييد الانتقال السلمي للسلطة وفق النصوص الدستورية”. ومضت المذكّرة محذّرة، في حال إخفاق رئيس الهيئة الامتثال للواجبات الدستورية، بأنه “سيكون متواطئاً في حملة انقلاب عسكري” على السلطة.

في تلك الأثناء، تصاعدت موجات التحشيد الإعلامي والعسكري والأمني ضد “التدخّلات الأجنبية، وخصوصاً روسيا”، في سير الانتخابات الأميركية، وفق السردية الرسمية. وحذّرت كل أذرع المؤسسة الأمنية والعسكرية من تلك المحاولات التي لم تقدم للحظة أدلّة مقنعة للعامة بهذا الشأن.

ومن بين تلك المساعي تحذير لرئيس القيادة العسكرية الأميركية للفضاء الالكتروني، السيبراني، في وكالة الأمن القومي، بول ناكاسوني، من التدخلات الأجنبية، مؤكداً “جهوزية الوكالة للتحرك” إذا ما تعرضت جولة الانتخابات للهجوم، ومعتبراً أن الهدف الأول هو ضمان “سير الانتخابات للعام 2020 آمنة ومؤمّنة وشرعية” (20 تموز/يوليو 2020).

بعض المراقبين الأميركيين “شدّد” على ما ورد في تحذير ناكاسوني بضمان شرعية الانتخابات، كرديف لما يدور في أروقة المؤسستين العسكرية والأمنية من نيات بالتدخل للسيطرة على “سلاسة تقليد التسليم والاستلام السلمي” للسلطة.

وما يعزز تلك المخاوف، على الصعيدين الرسمي والشعبي هو الجدل الدائر حول آلية التصويت، في ظلّ تفشي جائحة كورونا، والتزام الأغلبية بارشادات المراجع الصحية بعدم الاختلاط والتجمهر، ومطالب موازية للتصويت عبر بطاقات الاقتراع بالبريد الرسمي، والذي عارضه الرئيس ترامب وبعض قيادات الحزب الجمهوري، لخشيتهم من تفشي محاولات التزوير، كما يشاع، ولعدم التيقّن من هوية الناخب بشكل مباشر.

البعض اعتبر مضمون المذكرة “بالون اختبار” أطلقه مقربون من حملة المرشح الديموقراطي جو بايدن، بهدف إثارة بعض القضايا والاهتمامات التي يتم تداولها داخل المراتب العسكرية العليا.

واشار اولئك إلى تقيّد المؤسسة العسكرية الصارم بـ “عدم التدخل في السلطة السياسية”، ممثلاً باستقالة الرئيس الأسبق دوايت ايزنهاور من منصبه العسكري الرفيع في العام 1952، لدخول الحلبة السياسية والترشح لرئاسة البلاد بعد انتصاراته في الحرب العالمية الثانية.

فرادة الظرف السياسي الذي تمرّ به الولايات المتحدة “قد” تسعف حملة الرئيس ترامب في المحصّلة النهائية، ليس بدوافع أهليته، بل لاعتبارات ضمور أهلية المرشح جو بايدن، والإعياء الذي بدى على حالته الصحيّة وإجهاده، وربما تتفاقم حالته سلباً مع طبيعة الضغوط اليومية لحضور يومي ودائم للمرشح في المشهد السياسي.

من بين الاحتمالات الواقعية الأخرى، في حال عدم الحسم بنتيجة الانتخابات العامة بين المرشحيْن، وإخفاق مجمع “الكلية الانتخابية” في التوصل إلى نسبة الأغلبية المطلوبة بين أعضائها (270 صوتاً) لإعلان الفائز، أن يُحال الأمر إلى مجلس النواب، الذي يتعيّن عليه “اختيار” رئيس مرحلي لحين جلاء الصورة قبل المهلة الزمنية الدستورية لتنصيب الرئيس رسمياً في 21 كانون الثاني/يناير 2021.

دور المؤسسة العسكرية، وامتداداً الأمنية، في اجواء الجدل الناجم عنه أقل من واضح وصريح بهذا الشأن، بعيداً من الرغبات الذاتية لكل من الفريقين السياسيين، وهي ستتبع رؤية مجلس النواب في الصيغة “المرحلية” اتساقاً مع مهامها كمؤسسة تتبع السلطة التنفيذية والتشريعية تباعاً. يعزز ذلك حملة النقد اللاذع للمذكّرة من قبل الرئيس الأسبق لقيادة القوات الخاصة، ريموند توماس، بوصفها “عديمة المسؤولية”.

وانضمت كبريات المؤسسات الإعلامية إلى الجدل الانتخابي ببعده النظري، في محاولة لتسليط الضوء على أبرز السيناريوهات المحتملة، فقد تناولت يومية “نيويورك تايمز” في 2 آب/أغسطس الجاري سيناريو انتخابياً بإشراف  معهد “مشروع صدقية تسليم السلطة”، يحاكي  جملة احتمالات، منها “فوز الرئيس ترامب بأصوات مجلس الكلية الانتخابية وخسارته الأصوات الشعبية”، استناداً إلى فرضية خسارة المرشح المنافس جو بايدن لولاية بنسلفانيا “المحورية”، والتي لن تستطيع الإعلان عن نتائج الانتخابات النهائية لبضعة أسابيع ربما.

وأوضح السيناريو أن “الخاسر” الديموقراطي سيلجأ إلى اتهام خصمه بقمع أصوات الناخبين، والسعي لإقناع حكام ولايتي مشيغان وويسكونسن الديموقراطييْن بتعيين مندوبين مؤيدين للمرشح بايدن. في المقابل، مضى السيناريو، هدّدت ولايات كاليفورنيا واوريغون وواشنطن المطلّة على الساحل الغربي للولايات المتحدة بالانشقاق عن الاتحاد الفيدرالي القائم في حال تسلم الرئيس ترامب مهام ولاية رئاسية ثانية.

النصوص المرعية الراهنة في الولايات المتعددة توضح أن الرابح بالأصوات الشعبية في الولايات المختلفة تفرض على مندوبي الكلية الانتخابية تأييد التصويت للفائز عينه.

التهديد بالانشقاق المشار إليه لثلاث ولايات ليس وليد اللحظة الراهنة، بل سبق أن استخدمته ولاية كاليفورنيا في الجولة الانتخابية السابقة في العام 2016، وسعت القوى المختلفة إلى تضمين ذلك كنص انتخابي في عموم الولاية في العام 2018، لكنه فشل في الحصول على الأصوات الضرورية.

عند النظر في “تجدد فرضية الانشقاق”، رغم مخاطرها على تماسك الصيغة الفيدرالية، ربما سيجد الرئيس ترامب فرصته لتهديد تلك الولايات بسحب القواعد العسكرية والبحرية المتعددة من أراضيها، بما فيها تلك المتواجدة في ولاية هاواي، مما سيعرّض الاستراتيجية الأميركية العليا للخطر أمام توجّهها لمحاصرة الصين في بحر الصين الجنوبي والمحيط الهاديء على السواء، أو يتم التوصّل إلى صيغة تعاقد بإيجار الولايات تلك القواعد للحكومة الفيدرالية لفترة زمنية محددة ترجىء خطر الانشقاق وتفتّت الصيغة الأميركية.

التحديات الأخرى الناجمة عن تغوّل الأجهزة الأمنية المختلفة في المدن الأميركية، لا تزال ماثلة وقابلة للاشتعال مرة أخرى، وخصوصا في كبريات المدن، مثل بورتلاند وسياتل في الساحل الغربي، وشيكاغو في الوسط، ونيويورك في الساحل الشرقي.

تفاقَمَ ولاء الأجهزة الأمنية أيضاً عقب إصدار الرئيس ترامب أوامره لقوى أمنية فيدرالية بالتدخّل المباشر في تلك المدن، وما نجم عنها من تصادم في صلاحيات المدن والولايات من جهة، ونفوذ الدولة الفيدرالية من جهة أخرى.

إضافة إلى كلّ ما تقدّم، فإنّ التحديات والتعقيدات اليومية الناشئة عن تجدّد انتشار جائحة كورونا لا تزال حاضرة بقوة في الوعي الشعبي العام، وستأخذ حيزاً مهماً في قرار الناخب الأميركي عشية جولة الانتخابات القادمة.

2020-19-08-التحليل

التحليل

هل بإمكان كامالا هاريس نجدة حملة بايدن؟

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

من بين أبرز التحديات التي تعانيها حملة المرشح الديمقراطي جوزيف بايدن صدقية صاحبها وأهليته، فضلاً عن انحسار تأييده بين أهم قطاعين للحزب، وهما قطاع المرأة والسود أو الأفارقة الأميركيين، اللذين يُؤمل زيادة إقبالهما على مراكز الاقتراع.

الاعتبارات التي أدت لاختيار بايدن لكمالا هاريس نائبة له متعددة، خصوصاً وأنها انتقدته بشدة خلال المرحلة التمهيدية من الانتخابات، مسلّطة الضوء على سجلّه في معارضة “نقل طلبة المدارس السود بالباصات إلى أخرى ميسورة وأفضل علماً”، ومتحدثة عن تجربتها الشخصية كطفلة في المدارس الابتدائية. علاوة على ذلك، فإن ذكريات سجلّه في محاباة خيارات المؤسسة الحاكمة على حساب مصالح الأقليات ما زالت غضّة عند المتضررين من قراراته آنذاك، من خلال إهمال اتهامات التحرش الجنسي التي ساقتها المتدربة في السلك القضائي أنيتا هيل ضد المرشح لعضوية المحكمة العليا كلارينس توماس. بايدن كان يرأس اللجنة القانونية ورفض الاستماع لشهادة السيدة هيل في مجلس الشيوخ آنذاك.

أقطاب الحزب الديموقراطي وقياداته رحّبوا بشدة باختيار هاريس، مروّجين لخبرتها في مجال “تطبيق القانون” كمدّعية عامة لولاية كاليفورنيا، التي يؤمل استثمارها لأبعد الحدود لقطع الطريق على اتهامات الخصم الجمهوري بأنه غير جاد في تطبيق القانون.

وقابلها التيار الليبرالي والتقدمي، ولا سيما أنصار المرشح السابق بيرني ساندرز، بالريبة والحذر من انحيازها المطلق إلى جانب أجهزة الشرطة والأمن، وارتفاع أعداد المعتقلين من الأقليات والسود خلال ولايتها لنحو 200 ألف اكتظّت بهم السجون والمعتقلات، ولدورها المحوري في تقديم “اعتراض قانوني” ضد قرار قاضٍ عدّ “عقوبة الإعدام غير دستورية”، في مفارقة ادعائها بأنها تعارض عقوبة الإعدام.

وسائل الإعلام الرئيسيّة، المرئية والمقروءة على نحو خاص، احتفت بها من خلال تناول مزاياها الشخصية كإمرأة سوداء، خطيبة مفوّهة ومُناظِرة قوية يعوّل عليها قادة الحزب في التصدي لنائب الرئيس مايك بنس. كما يتطلع أولئك القادة إلى استثمار دورها في مجلس الشيوخ من خلال براعة استجوابها لمرشحَي الرئيس ترامب، بريت كافانو للمحكمة العليا، وجيف سشينس لوزارة العدل.

أثبتت هاريس أيضاً قدرتها على جمع التبرعات من كبار المموّلين، خلال حملتها الانتخابية القصيرة، وعلى دعم “وول ستريت” لها، على قاعدة أنها تمثل “يسار الوسط والأكثر اعتدالاً بين المرشحين الآخرين”، الذين أعربوا عن نيتهم فرض قيود جديدة على حركة تبادل الأسهم  ورؤوس الأموال.

تبلغ هاريس من العمر 55 عاماً، وتصغر المرشح الرئاسي جو بايدن بنحو 22 عام، آتية من الساحل الغربي للولايات المتحدة، ما يعزّز سردية الحزب الديموقراطي بأن المرشحيْن يكملان بعضهما بعضاً ليس من الناحية الجغرافية فحسب، بل لاعتبارات تنوع العرق وحداثة العمر وتقارب التوجهات السياسية أيضاً، ما يضعها في بؤرة أكبر مراكز القوى حساسية ونفوذاً.

يراهن الحزب الديموقراطي على استثمار أصولها الهندية والجامايكية لتحفيز الأقليات على المشاركة بأعداد كبيرة، وإقناع الناخبين بانفتاح الحزب واعتداله مقابل تصلّب الحزب الجمهوري وعنصريته ضد الأقليات التي شرّعها الرئيس ترامب.

بايدن من ناحيته كان يميل لاختيار امرأة أخرى، من البيض والمؤثّرين في بلورة سياسات الحزب الديموقراطي، حاكمة ولاية مشيغان غريتشن ويتمر، التي نالت غضب الرئيس ترامب لإصرارها على التمسك بإرشادات المراجع العلمية والطبية بارتداء الأقنعة في عموم الولاية، ما دفع الرئيس ترامب إلى حشد مؤيديه مدجّجين بالأسلحة والتظاهر أمام مقر حاكم الولاية.

ولاية مشيغان تعد ضمن قائمة الولايات الحاسمة في الانتخابات، واختيار حاكمتها لو قُدّر لبايدن ذلك كان سيعود بفوائد جمّة على نتائج الانتخابات، علاوة على تأييد ولايات محورية أخرى لها كجارتها ويسكونسن.

بايدن وقادة الحزب الديموقراطي، وخصوصاً الرئيس السابق باراك أوباما، ابتعدوا عن اختيار ويتمر لاعتبارات سياسية صرفة، إذ تميل في توجهاتها إلى التيار الليبرالي والتقدمي مقابل شروط الحزب لعنصر يضمن استمرارية سياسات المؤسسة الأمّ بعيداً عن “مطالب القوى التقدمية باعتماد سياسات أقرب للقوى المتضررة” من سياسات العولمة التي ينشدها الحزب، بقطبيه بيرني ساندرز، واليزابيث ووران.

أشدّ ما يخشاه الحزب الجمهوري هو تراجع الحالة الذهنية للمرشح جو بايدن، مما يتطلب تفعيل المادة الـ 25 من تعديلات الدستور بإعلانه “غير قادر على ممارسة مهمّاته”، وهو الشرط المنوط بنائب الرئيس، وتولّي كامالا هاريس منصب الرئيس رسمياً. إفشال ذلك أو إلغاوه يتطلب موافقة (ثلثي) 2/3 أعضاء مجلسَي الكونغرس.

قلق الجمهوريين له ما يبرره، وخصوصاً لتولي امرأة “ملونة” وليبرالية منصب الرئاسة، في تحدٍ صارخٍ للمعايير السائدة منذ ولادة الكيان السياسي الأميركي بحصر مركز الرئاسة برجل أبيض من أصول بريطانية يدين بمذهب البروتستانت، White Anglo-Saxon Protestant، يشاطرهم في ذلك تيار لا بأس به من المحافظين في الحزب الديموقراطي.

قادة الحزبين، الديموقراطي والجمهوري، يتقاطعان في رؤيتهما لمستقبل جو بايدن بناء على تراجع أهليته الذهنية، والذي قد يضطر للتخلي عن المنصب قبل الانتخابات المقررة في 3 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، أو قبل مراسم التنصيب في 21 كانون الثاني/ يناير 2021، ما سيعيد الحسابات مرة أخرى بإبقاء هاريس مرشحة للحزب أو استبدالها بشخصية أخرى.

2020-18-08-التحليل

التحليل

الإمارات تطبيع مجاني
لخدمة الأميركي

         إعلان البيت الأبيض “تطبيع الإمارات” علاقاتها مع تل أبيب، وما ينطوي عليه من تمثيل ديبلوماسي متبادل واتفاقيات واستثمارات اقتصادية، لم يكن لهما ما يبرّرهما، أو ليمثّلا مفاجأة في سياق الصراع العربي – الصهيوني نظراً إلى تهافت معظم دويلات الخليج على نسج علاقات وثيقة مع العدو “الإسرائيلي”، منذ زمن بعيد، وخصوصاً لما وُصف “بإنهاء حالة العداء والحرب” بين الطرفين، اللذيْن لم تنشب بينهما أي مواجهة عسكرية أو غيرها، وليس للإمارات حدود مشتركة مع فلسطين المحتلة.

        توقيت الإعلان يؤشر على حقيقة الأهداف الكامنة والجامعة بين الأطراف الثلاثة: حاجة كل من الرئيس الأميركي دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو إلى تسجيل “تقدم” سياسي لاستثماره في الحملات الانتخابية، الأول يعاني من شح الإنجازات وتراكم التحديات الداخلية والخارجية، والثاني يسعى على نحو محموم إلى التشبث بالسلطة وإبعاد شبح المحاكمة وقرارها بسجنه على خلفية قضايا فساد وتجاوزات أخلاقية. أمّا الطرف الثالث، أبو ظبي، فقد نذر نفسه لخدمة الخطط الأميركية في الوطن العربي أينما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وخصوصاً في اليمن وليبيا والسودان.

        أميركياً، رأت المؤسسات الإعلامية والسياسية والنخب الفكرية أن “الاتفاق الإسرائيلي – الإماراتي”  حاجة “ماسّة لكلٍ من دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو لتسجيل انتصار على صعيد السياسة الخارجية، وقد وافق الأخير على “تعليق” عملية بسط السيادة على أجزاء كبيرة من الضفة الغربية.”

        الرئيس ترامب وصف الأمر بأنه “اختراق هائل”، ونتنياهو عدّه “يوماً تاريخياً”. أما الحاكم الفعلي للإمارات محمد بن زايد، فقد فضّل الصمت “كي يترك باباً خلفياً للتراجع إذا اشتدت الانتقادات”، كما تعتقد أوساط الجالية اليهودية الأميركية، “لكنه يعلم بالتأكيد أن هناك كلفة سياسية كبيرة إذا تراجع، وخاصة مع اقتراب الانتخابات الأميركية”.

        من أبرز أبعاد انزلاق الإمارات لتنفيذ ما يُطلب منها أميركياً انها تأتي بتنسيق فاعل مع النظام السعودي ومتقدمة عليه في بعض التفاصيل لاعتبارات داخلية صرفة في ما يخص السلطة الدينية، التي تتماثل ببعض الحذر مع التوجهات السياسية للرياض، لكنها بحاجة إلى مزيد من الوقت بانتظار دراسة حجم وطبيعة ردود الأفعال على تلك الخطوة المكمّلة لنهج “كامب ديفيد”، الذي رعته وموّلته وعمّمته في الوطن العربي.

        تاريخ أسرة آل سعود في خدمة المشاريع الغربية ليس وليد اللحظة، وخصوصاً في ما يتعلق بالنضال الفلسطيني، الذي أجهضته الرياض منذ بداياته في ثورة العام 1936، وما استتبعها من مراحل نضالية متفاوتة، ومخاصمتها الشاملة للفكر التقدمي والتحرر القومي العربي.

        ليس من المبالغة القول إن أي خطوة تقدم عليها دويلات الخليج تجري بالتنسيق والرعاية السّعودية، التي لها أطماع غير كامنة في أراضي كل الكيانات السياسية في شبه جزيرة العرب، ولعل الكويت واليمن وقطر تمثّل عناوين حية لأهدافها.

        تأكيدا على ذلك، كشفت يومية “نيويورك تايمز”، 13 آب/أغسطس الجاري، أن “ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الحاكم الفعلي، يرغب في اتخاذ خطوة مماثلة، لكنه يخشى رد عناصر محافظة في بلاده، التي لا تتمتع بحرية الحركة نفسها لدولة مثل الإمارات”.

        وعليه، ليس من الإنصاف والحكمة التغاضي عن دور وقرار آل سعود في إجهاض كل ما يتعلق بالنزعات التحررية للشعوب العربية، التي سعت وما زالت تسعى للسيطرة على مواردها الطبيعية وتوزيع عائداتها بشكل أكثر عدلاً ومساواة، وتسخيرها في نهضة اقتصادية واجتماعية حقيقية.

       التقارب الإماراتي مع “إسرائيل” لم يأتِ مفاجئاً وخصوصا بعد تصريحات “مسؤولي الموساد” المتكررة بأنهم زاروا الإمارات مراراً، ولديهم علاقات مع الدول الخليجية منذ 50 عاماً، كما نقلت وسائل إعلاميّة غربيّة متعددة.

       ما لم يسلّط الضوء عليه على نحوٍ كافٍ هو العلاقة الجدلية بين المخزون البشري المتواضع جداً للإمارات مقارنة بالدور الإقليمي المتعاظم المنوط بها، وانتشارها عسكريا “بجنود وضباط من جنسيات عربية وأجنبية” على رقعة جغرافية مترامية الأطراف، وتدخلاتها المباشرة في سوريا واليمن وليبيا وفلسطين، التي شهدت وصول طائرات إماراتية محملة بالمعدات الطبية إليها بالتزامن مع انتشار جائحة كورونا، قيل إنها لمصلحة الفلسطينيين، والتي رفضها الغزاويون جملة وتفصيلاً.

       اتضح لاحقاً أن تلك الطائرات كانت تنقل “أسلحة إسرائيلية” إلى ليبيا واليمن، وتُسلّم معدات طبية متطورة “لإسرائيل” دفعت ثمنها أبو ظبي، وهي نحو 100 ألف جهاز لفحص فايروس  كورونا، برعاية ورضى واشنطن، بلا ريب.

       بيان الإعلان المشترك تحدث بوضوح عن ضرورة “زيادة التكامل الاقتصادي والتنسيق الأمني” بين أبو ظبي وتل أبيب، أي إن علاقات قائمة سبقت الإعلان ينبغي تطويرها لدرجة أعلى من “التكامل والتنسيق”.

       خطوة الإمارات التطبيعيّة ليست منفصلة عن سياق نهج التسوية والتنازلات التي دشّنها النظام العربي الرسمي بعد حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، وما استتبعها من اتفاقيات كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة، وتنبىء بخطوات مماثلة لدول خليجية، كالبحرين وعُمان والسعودية، مستغلة حالة التراجع في المد القومي وتشديد الحصار على القوى والفصائل المقاتلة المناهضة للمخططات الأميركية.

2020-03-08-التحليل

التحليل

خلفيات وأبعاد انسحاب
ترامب الجزئي من ألمانيا

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

أثار مناهضو الرئيس ترامب بين القوى السياسية المتعددة زوبعة إعلامية ضد قرار وزير دفاعه، مارك أسبر، سحب “جزء” من القوات العسكرية الأميركية من ألمانيا ونشرها في أماكن أخرى من أوروبا بالقرب من الحدود الروسية، وخصوصاً الأراضي البولندية، بزعمهم أن القرار “يفجّر حِلفاً عمره 75 عاماً دون مبرر.”

في حقيقة الأمر، إن الرئيس ترامب أعلن عن ذلك الإجراء في 30 حزيران/يونيو الماضي، نظراً إلى”فشل” ألمانيا في زيادة إنفاقها العسكري إلى مستوى 2% من مجمل ناتجها السنوي. ومن مجموع 36،000 عسكري أميركي في ألمانيا سيبقى نحو 24،000 منهم مرابطين في أراضيها، وسيتم نشر الباقي، أي نحو 12،000 سيتم نشرهم في مناطق أوروبية مختلفة، والبعض سيعود لقواعده في بلاده.

متطلّبات “استراتيجية الدفاع الوطنية” الأميركية السنوية تخضع للتعديل الدائم، وفق طبيعة التحديات العالمية، وتُصرف لها الميزانيات المطلوبة، ومتطلبات أخرى تحت بند “الطوارئ الخارجية”، والتي أوجزها مؤخراً وزير الدفاع مارك أسبر في وثيقة اعتمدتها القيادة العسكرية الأميركية لأوروبا، محورها التصدي لروسيا في أوروبا والبحر الأبيض المتوسط.

وأوضح وزير الدفاع توجّهات البنتاغون إلى “ردع روسيا” بأنها نتيجة “إدراكنا دخول عصر جديد من تنافس القوى العظمى، فنحن الآن على أعتاب نقطة انعطاف مفصلية في بلورة حلف الناتو، وتطوير المرونة الاستراتيجية الأميركية، وكذلك لدى قيادة العمليات الأوروبية “يورو كوم”.

العنصر الجوهري في تدهور العلاقات الأميركية الألمانية هو مقاومة برلين لضغوط واشنطن، لدفعها إلى التخلي عن أنبوب “السيل الشمالي-2″، الذي سيحمل الغاز الطبيعي من روسيا مباشرة إلى ألمانيا، بطول يبلغ نحو 1200 كلم، وتوقف العمل به العام الماضي، نتيجة تلك الضغوط وإجراءات العقوبات الأميركية ضد روسيا.

تسلّحت ألمانيا بحقها في ممارسة سيادتها على أراضيها، متهمة الولايات المتحدة بالتعدّي على حقها السيادي في إقرار مصدر الطاقة التي تحتاجها، وضاعفت تعزيز علاقاتها الاقتصادية مع روسيا، لتأمين مصدر طاقة مستقل عن النفوذ الأميركي.

وفي سياق مماثل، شدد الرئيس ترامب في كلمة له في ولاية تكساس، في 29 تموز/يوليو الماضي، على أن بلاده “باتت المنتج الأول عالمياً للنفط والغاز الطبيعي، ولن نفقد موقعنا المهيمن في المستقبل البعيد”.

الخبير الاقتصادي للمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، ماكس اوتِ، شدد في لقاءاته مع الصحافيين حول الأمر على أن مسألة زيادة الإنفاق العسكري ما هي إلا قضية ثانوية في مجمل العلاقة الثنائية، بل إن تقليص عدد القوات الأميركية في الأراضي الألمانية مطلب يحظى بدعم شعبي و”الرئيس ترامب أدرك ذلك جيداً”.

واستدرك اوتِ، المستشار وعضو حزب ميركل الحاكم، أن الأجزاء الشرقية من ألمانيا تتميز بمناهضتها الشديدة لتواجد حلف الناتو. وقد انتشر في صفوف المواطنين شعار “دعونا نسحب (قوات) الناتو. دعونا نفعلها بأنفسنا”، جسدته تصريحات المستشارة ميركل في شهر تموز/يوليو الماضي، مشيرةً إلى أن قدرة الولايات المتحدة على الدفاع عن الاتحاد الأوروبي “لم تعد مسألة مسلّماً بها”.

في البعد الأميركي الصرف، تبنّت إدارة الرئيس اوباما مشروع “مبادرة الجهوزية” منذ العام 2014، لنشر قوات عسكرية على الخطوط الأمامية مع روسيا، قوامها تلك المتواجدة في أوروبا. واستقبلت كل من إستونيا ولاتفيا وليتوانيا وبولندا عدة تشكيلات عسكرية في أراضيها في العام 2016، “لتعزيز قوة ردع حلف الناتو”، بل أجمع قادة دول الحلف آنذاك على “إنشاء مقر قيادة إقليمي للقوات في مدينة نابولي في إيطاليا، تحسباً لاضطرابات قد تنشأ في منطقة البحر المتوسط.”

وفود قوات أميركية إضافية إلى إيطاليا، وخصوصاً في الطائرات المقاتلة، من شأنه أن يوفّر للبنتاغون مجال مناورة أوسع لمواجهة الأسطول الروسي في مياه المتوسط، ودعم قيادة القوات الإفريقية “آفريكوم”، بعد إعادتها تموقع مواردها الحربية لمواجهة الصين في المحيط الهاديء.

وعليه، إن إعلان وزير الدفاع الأميركي يأتي متّسقاً مع التوجهات الأميركية لإدارة أسلافها، وخصوصاً الرئيس اوباما، والمبنية على تعزيز الحضور العسكري الغربي على الحدود المشتركة مع روسيا. وأجرت القوات الأميركية في العام 2018 مناورات عسكرية مشتركة مع دول الحلف عنوانها “الدفاع عن أوروبا 2020”.

من جانبهم، ينظر الخبراء العسكريون الأميركيون إلى الجدل الراهن حول ألمانيا على أنّ الأزمة “نشأت من رحم توتر العلاقة الأميركية الألمانية غير الفعّالة، والتي تمتد إلى بضعة عقود زمنية، ومحركها الأساسي هو نظرة البلدين غير المتكافئة إلى القضايا العالمية”. ويضيف بعضهم بأن الصدام بينهما كان حتمياً، ولا بد من حدوثه يوماً ما، لتشبث “الجانب الأميركي سردية تميّزه مقابل القيم الألمانية المستندة إلى حق اوروبا في سيادتها”.

العنصر الأشد حساسية في علاقة البلدين، وفق بعض القادة الأميركيين، هو خشية القيادات الألمانية المتعاقبة من “سرعة انفعال أميركية تؤدي إلى نشوب حرب مع روسيا، تستخدم فيه الأسلحة النووية المخزّنة في الأراضي الألمانية”، وتدور رحاها على أراضيها، وهي التي لم تتعافَ تماماً من آفات الحروب العالمية.

يُشار في هذا الصدد إلى توجهات المستشار الألماني الأسبق، فيلي برانت، إبّان الحرب الباردة، باعتماده سياسة “الانفراج” مع الاتحاد السوفياتي السابق لتكريس “استقلالية ألمانيا”، بعيداً من املاءات واشنطن وحلفائها الاوروبيين، التي كررها أيضاً المستشار غيرهارد شرودر، 1998-2005، بنسج علاقات أوثق مع روسيا، مثيراً غضب إدارة الرئيس جورج بوش الإبن، إبّان الحرب على العراق واحتلاله في العام 2003.

الإعلان الأميركي في ظاهره خفض القوات الأميركية في أوروبا وعودتها إلى بلادها،  ويعزز توقيته موقع الرئيس ترامب، مرحلياً على الأقل، بين مؤيديه قبل الانتخابات الرئاسية، وتكامل سرديته بأنه يفي بوعوده الانتخابية. وفي البعد العملياتي واللوجستي، فإن إعادة تموضع القوات الأميركية أو تقليص عددها في ألمانيا، سيستغرق فترة زمنية قد تمتدّ إلى بضعة أشهر، وربما أطول.

عند هذا المنعطف، لن يستطيع الرئيس ترامب تنفيذ وعوده في حال خسارته الانتخابات الرئاسية المقبلة، كما تشير بيانات استطلاعات الرأي، على الرغم من أن الوقت لا يزال مبكراً لحسم التكهنات بهذا الشأن.

ومن المرجّح أن يقدِم خلفه المقبل، جو بايدن، على عكس اتجاه السياسة الأميركية في مجالات شتى، منها إلغاء قرارات سلفه ترامب بتقليص القوات الأميركية في ألمانيا، وتعزيز دور حلف الناتو في تنسيق وترجمة الاستراتيجية الكونية للولايات المتحدة، بيد أنّ المعضلة التي سيواجهها الرئيس الجديد، في حال فوزه في الانتخابات، هي ترميم العلاقات مع ألمانيا التي ستواجه معارضة قوية داخل الكونغرس، نظراً إلى عدم الرضى الواسع عن انبوب “السيل الشمالي-2″، وتباين وجهات نظر الدول “الاشتراكية السابقة”، بولندا ودول البلطيق ورومانيا وبلغاريا، التي تؤيد بقوّة خطة إدارة الرئيس ترامب لإعادة تموضع القوات الأميركية في أراضيها، نظراً إلى توظيفها كعامل “يعزز مصالحها الأمنية”، كما يسود الاعتقاد بين صفوف قادة البنتاغون.