2021-19-09-التحليل

التحليل

“أوكوس” حلف واشنطن الجديد
ضد الصين يُصدّع “الناتو”

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

دشّنت واشنطن حربها “الفاترة” مع الصين رسمياً، بإعلانها تشكيلَ حلف ثلاثي جديد مع دول ساكسونية: بريطانيا واستراليا، إلى جانب الولايات المتحدة، أطلقت عليه “اوكوس”، بعد طول تحشيد المحاور التقليدية، واستحداث سياسات العداء.

بتشكيله، يستكمل الحلف الجديد استراتيجيةَ واشنطن القائمة على النفخ في سردية وجود عدوّ رئيسي لهيمنتها العالمية، وفي سياق مشابه لاستحداثها حلفَي “الناتو” والتحالف الاستخباراتي “خمسة إي”، أي الدول الخمس الناطقة بالانكليزية، وضمّ نيوزيلندا وكندا إلى دول الحلف الثلاثي، الأول في أعقاب نهاية الحرب العالمية الثانية وبدئها حرباً “باردة” مع المنظومة الاشتراكية السابقة، والاتحاد السوفياتي في مركزها، والثاني خلال الحرب العالمية الأولى.

ظاهرتان تمثّلان تطوّرين سياسيّين رافقا إعلان الحلف “الساكسوني”، بل سبقا إعلانه الرسمي، وتتعلّقان بأوروبا، موطن حلف “الناتو”. الأولى هي تعثّر سياسة أميركا، وربما فشلها، في عزل روسيا وتحشيد دول الحلف للاستمرار في حرب باردة ضد موسكو، أو على الأقل عدم منحها تسهيلات وتبادلات تجارية. والثانية عي عدم انتظام نيوزيلندا في الاصطفاف، وربما خروجها منه، مع توجّهات إقليمية معادية للصين، جسّدتها في إعلانها عدم السماح للغواصات النووية الاسترالية بدخول مياهها الإقليمية، متشبّثة بسياستها المعلَنة في عام 1984، من أجل المحافظة على “خلوّ المنطقة من الأسلحة النووية”.

جدير بالذكر أيضاً أن “تراجُع حماسة” دول حلف “الناتو” عن دعم السياسات الأميركية، بعد “خروج واشنطن الفوضوي” من أفغانستان، كما وصفته دول “الناتو”، جاء ليعبّر عن عزوف الرأي العام في أوروبا عن المغامرات العسكرية خلف أميركا، وأولى ضحاياه استقالة وزيرتين تباعاَ في حكومة هولندا: وزيرة الخارجية سيغريد كاغ (التي تتقن العربية)، ووزيرة الدفاع أنك بيليفلد، على خلفية فوضى إجلاء الرعايا من كابل.

تشكيل حلف “أوكوس” يأتي على خلفية خدمة استراتيجية سلاح البحرية الأميركي، والتي من أبرز أركانها السيطرة على “نقاط الاختناق” في الممرات البحرية العالمية. أمّا توقيته الزمني، فهو عبارة عن رسالة عقاب لأوروبا، وخصوصاً ألمانيا وفرنسا، لرفضهما استمرار نزعة العداء لروسيا وشن حرب باردة جديدة عليها. استراتيجية واشنطن “الجديدة” هي أبعد من رسالة عقاب وأقرب إلى تهميش دور “الناتو” ضد روسيا، واستبداله بـ “ناتو” جديد ضد الصين.

تصريح البيت الأبيض، فيما يتعلق بغرض الحلف، أكّد أنه “ليس تعزيز قدراتنا في منطقة المحيطين الهندي والهاديء فحسب، بل من أجل تقريب أوروبا، ولا سيما المملكة المتحدة، من جهودنا الاستراتيجية، وتعزيز التعاون بين القوات البحرية للدول الثلاث” (كما نقلته قناة “الحرة” الأميركية).

عضوية أستراليا في حلف “أوكوس” الجديد ستخوّلها بناء أسطول من 8 غواصات “تعمل بالطاقة النووية، وتزويد الولايات المتحدة (لها) بتكنولوجيا وقدرات تمكّنها من نشر غواصات” نووية في مياه المحيطات، إلى جانب توفير تِقْنيات متطورة أخرى، وخصوصاً في مجال الذكاء الاصطناعي وتقنيات الكمية “لمواجهة النفوذ الصيني” (بحسب تقرير شبكة “بي بي سي” البريطانية، 16 أيلول/سبتمبر الجاري).

العدو التاريخي للتاج البريطاني، فرنسا، كانت الخاسر الأكبر من تشكيل الحلف. و أعربت عن “خيبة أمل كبيرة” بسبب تهميش دورها من جانب واشنطن ولندن “على الرغم وجود جُزُر فرنسية في منطقة المحيط الهاديء”، وكذلك نتيجة إلغاء أستراليا اتفاقيةً كانت أبرمتها معها في عام 2016 لبناء أسطول من 12 غواصة تعمل بالديزل والكهرباء، لمصلحة البحرية الأسترالية، قيمتها الأولية 40 مليار دولار، وصف وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان ، فَسْخ أستراليا لها بأنه “طعنة في الظهر”.

الصين، من جانبها، ردّت على حلف “اوكوس” عبر سفارتها في واشنطن، كونها محرك العداء لها، مطالبة “الولايات المتحدة وبريطانيا واستراليا بالتخلص من عقلية الحرب الباردة والتحيّز الإيديولوجي”. ونبّهت وسائل إعلامها أستراليا إلى أنها “تًمْضي قُدُماً في خطوات كبيرة نحو معاداتها الصين”.

المعارضة الأشدّ للحلف الجديد أتت من رئيس الوزراء الأسترالي الأسبق، بول كيتنغ، عبر انتقاده اللاذع سياسات بلاده الملحَقة بواشنطن، وخشيته من فقدانها سيادتها الوطنية، بحيث تصبح “معتمدة مادياً على الولايات المتحدة، التي سلبت من أستراليا  أيّ مظاهر في حرية الخيار، في أي انخراط لها قد تراه ملائماً” (مقابلة له مع شبكة “سكاي نيوز استراليا”، 16 أيلول/سبتمبر الجاري).

وذكّر كيتنغ واشنطن بحجمها في منطقة المحيط الهاديء، قائلاً: “الصين قوة قارّية، بينما الولايات المتحدة قوة بحرية”. وأضاف “أن الأرض تتغلب على البحر في كل مرة” في زمن الصراعات، و “خصوصاً بين القوى العظمى”.

 

حقائق الجغرافيا

تحيط بالصين شواطئ مترامية الأطراف، لكنها ضحلة الأعماق، الذي يستدعي تطويرها تِقْنياتٍ ومواردَ أخرى للوصول إلى أعماق البحار، بعيداً عن سلسلة الجزر القريبة، وهي: اليابان، تايوان، الفليبين وماليزيا.

الممرات البحرية التقليدية لدخول أعماق مياه المحيط تقع بين اليابان وتايوان، وتجوبها دوريات يابانية بأسلحة مضادة للغواصات، وكذل الأمر في الممرات الأخرى التي تضم الفليبين وماليزيا.

اسطول البحرية الأميركية، والأسطول البريطاني المساعد، ينشطان في تلك المنطقة أيضاً، من أجل تشديد الرقابة على “الممرات الخانقة”، لكنها منطقة شاسعة جغرافياً، وتصعب مراقبتها من طرف بمفرده. بناءً عليه، حظيت استراليا باهتمام ملموس منهما، لاعتبارها “قوة إقليمية” في أرخبيل جنوبي المحيط الهاديء، ولديها علاقات تجارية واسعة بدول المنطقة.

من خلال تلك الميّزات الإقليمية، وامتلاكها قدرات برمائية معتبرة، يتعاظم دور أستراليا لدى الحلف في مراقبة “الممرات الخانقة” التي ستجوبها قِطَعُها البحرية من أجل زرع مجسّات صوتية فيها لتطويق حرية الملاحة الصينية في أعماق المحيط الهادئ، أو تعطيلها.

ما لدى الصين من إمكانيات وأسلحة بحرية عًرَضَه معهد أبحاث الكونغرس، “خدمة الكونغرس للأبحاث”، وقال إن لديها “46 غواصة تعمل بالديزل والكهرباء، و6 غواصات هجومية نووية، و4 غواصات نووية أخرى قادرة على التسلّح بصواريخ باليستية تحمل رؤوساً نووية”، وذلك لغاية نهاية عام 2020.

أما سلاح البحرية الأسترالي، بحسب المعهد، فلديه اسطول من 6 غواصات دخلت الخدمة في أواخر عقد التسعينيات من القرن الماضي، وصُمّمت على نسق البحرية السويدية.

وأغفل معهد أبحاث الكونغرس الإشارةَ إلى حجم الحشودات العسكرية الأميركية في “بحر الصين الجنوبي، وبحر االصين الشرقي، ومضائق تايوان، وحزام أسلحة استراتيجية مُطْبِق حول الصين، وقدرات تجسّسية ومراقبة، وتطويقها بنحو 400 قاعدة عسكرية” في المنطقة، فضلاً عن نيات واشنطن نَشْرَ “صواريخ نووية متوسطة المدى تغطي غلاف الأراضي الصينية” (بحسب الأدبيات العسكرية ومراكز الأبحاث الأميركية).

يعُتبر بحر الصين الجنوبي ممراً استراتيجياً بالنسبة إلى واشنطن، و”نقطة اختناق” للصين. تمر عبره تجارةُ الصين الضخمة مع العالم، والتي تُقدّر بنحو 5.3 تريليون دولار سنوياً، ويشكّل ممراً حيوياً للطاقة المستوردة بنسبة 77% من حاجاتها. وبحسب البيانات الواردة، ليس من الضروري أن تخوض الولايات المتحدة حرباً مع الصين، بل يكفي عرقلة خطوط التجارة البحرية وتعطيلها، من أجل إنهاك الاقتصاد الصيني (دليل وزارة الدفاع الأميركية، “تقرير عن القوة العسكرية الصينية”، ص 133،  أيلول/سبتمبر 2020).

يشار إلى تطور سردية التهديد الأميركية في تلك المنطقة، إذ بدأت بمقولة أنها ليست طرفاً في منطقة بحر الصين الجنوبي، لكنها مَعْنِية بحماية “حرية الإبحار”، ثم تصاعدت بالتدريج للنفخ، من زاوية حصار الصين وخنقها اقتصادياً وقرصنة سفنها عبر أدوات/أطراف متعاقدة أخرى (دراسة “أطْلِقوا العنان للقرصنة الخاصة” والصادرة عن “معهد البحرية الأميركية”، نيسان/ابريل 2020).

صوّب رئيس الوزراء الاسترالي الأسبق، بول كيتنغ، سهام انتقاده على بلاده والولايات المتحدة، مسترشداً بخطة الخروج الفوضوي من أفغانستان، قائلاً “إذا كانت القوة العسكرية الأميركية الهائلة غير قادرة على إلحاق الهزيمة بحفنة من متمرّدي طالبان، مسلحين ببندقية AK-47 (الروسية)، على ظهر حافلات مفتوحة، فماذا ستكون حظوظها في حال نشوب حرب شاملة ضد الصين؟”.

أجرت جامعة هارفارد العريقة دراسة أخرى عن الصين، تبيّنت فيها ميزات التفوّق على الولايات المتحدة، نقتطف منها: 80% من الكادر القيادي في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني هم ذوو اختصاص علمي أو في مجالات الهندسة. وتتفوّق الصين في عدد براءات الاختراع المسجّلة وكذلك في الأبحاث العلمية، وتحتلّ مركزا متقدماً عالمياً في مجالات الذكاء الاصطناعي، والروبوت، وحسابات الكمية (كوانتم)، وتقنية 5G، والقطارات السريعة، والانتاج الصناعي المتطوّر، وإنشاء مدن صديقة للبيئة، وإعادة التشجير (كلية كنيدي في هارفارد “مركز آش للحوكمة الديموقراطية والإبداع”، تموز/يوليو 2020).

الصين ترسل رسائل عالمية مُطَمْئِنة، ومفادها أنها لا ترغب في دخول حرب مع أحد، وتعارض الهيمنة بشدة. في المقابل، فإن الخطاب الأميركي والاستراتيجية المتّبعة، في ولاية الرئيس جو بايدن، ينشدان التصعيد المستمرّ، واستفزاز الصين وتهديدها، وإحاطتها بمئات القواعد العسكرية والأسلحة النووية، كما أسلفنا. وهي سياسة تُكمل ما سبقها من توجّهات أميركية، من الحزبين، مناوئة لإنجازات الصين ومنافستها الشديدة لموقع أميركا الاقتصادي.

2021-13-09-التحليل

التحليل

كيف قوّضت أميركا الحريات
بذريعة “الإرهاب”ّ؟

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

عوّلت المؤسسة الأميركيّة الحاكمة على احتفالية مميّزة في الذكرى العشرين لهجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001، تزامناً مع موعدها المعلن للانسحاب من أفغانستان، ولكن سرعان من انقلب الأمر إلى حملة انتقادات واسعة وتجاذبات سياسية فاقمت المشهد السياسي المرتبك أصلاً، ما اضطر المؤسّسات الإعلامية إلى إدخال تعديلات مهمة على تغطيتها المرتقبة، والتركيز على تداعيات الإنسحاب المُذِلّ عوضاً عن ذلك.

تخلّي المؤسّسة الحاكمة عن “أعوانها” والمتعاونين معها في أفغانستان لم يكن عن طريق الخطأ أو الصدفة، بصرف النظر عن طبيعة الخدمات اللوجستية والاستخباراتية العالية التي قدّمها أولئك، بل نتيجة حسابات مسبقة دقيقة وصارمة لحماية “الجنس الأبيض” حصراً، سبقه أسلوب مماثل في ولاية أميركية قبل أيام معدودة.

وجاء إعصار “آيدا” الذي رب ولاية لويزيانا في 30 آب/اغسطس الماضي، بسرعة رياح بلغت 240 كلم في الساعة، ليرخي مزيداً من ظلال الأسى والمرارة والانقسام العام، معطوفاً على  قرار السلطات المحلية “استثناء” نزلاء بعض سجونها من إجراءات نقلهم إلى أماكن بعيدة عن عين الإعصار، معيداً إلى الذاكرة الجمعية بؤس الإعداد وعنصرية التدابير التي رافقت إعصار “كاترينا” قبل 16 عاماً، والذي أودى بحياة ما لا يقل عن 1800 شخص، وتدمير الأحياء الفقيرة، وتهجير ما تبقى من السكان بقرار رسمي دون تعويضات.

ما جرى تقديمه لا يشكل اكتشافاً جديداً في الطبيعة الاستغلالية للمؤسسة الأميركية الحاكمة ضد الجنس البشري أينما وجد، بقدر ما يساهم في تبديد الأوهام حول “النيات الخيرية” المضلِّلة بحيث تعاني سردياتها بالتفوق والتميّز، من علامات التشقّق في ولاء أشدّ حلفائها. بريطانيا، مثلاً، أعلنت أنها لن تعتمد على حليفتها الأميركية لصون أمنها مستقبلاً.

مساعي التقييم والمراجعة الجادّة في الولايات المتحدة لتداعيات الحروب الناجمة مباشرةً عن مساعي التصدي الرسمي لتلك الهجمات قبل عقدين، تعطي صورة متناثرة حول حقيقة الدمار الهائل الذي لحق بالبشرية جمعاء، تتنكّر في معظمها للتبريرات الأميركية في استراتيجية “الحرب على الإرهاب” لشنّ عدوانها على أفغانستان والعراق واحتلالهما، وتتذكّر في المقابل الأرقام الفلكية حصراً التي أنفقتها المؤسسة الحاكمة على حروبها المتواصلة، بدءاً بكلفة ما لا يقل عن 2 أو 8 تريليون دولار، إلى دراسة أحدث زمنياَ قدرت الكلفة الإجمالية لحروب واشنطن بنحو 21 تريليون دولار خلال العقدين السابقين، ومقتل ما لا يقل عن مليون شخص “في سياق رد الفعل الأميركي”.

الخسائر البشرية الهائلة للدول والشعوب المعتدى عليها وتدمير بناها التحتية، تفوق تلك الأرقام المتواضعة بمعدلات عدة، بحسب تقارير المنظمات الدولية المتعددة، يوازيها في الأهمية تحويل المناخ السياسي في الولايات المتحدة إلى “دولة بوليسية” بكل ما تحمله المفردة من معنى: الأولوية للأجهزة الأمنية والبوليسية بشرياً وتمويلياً، وتطبيق قرارات سرّية، وإصدار قوانين سرّية أيضاً، وعقد محاكمات سرّية وإصدار قرارات بشأنها لا يعلم المتضررون عنها شيئاً، وترسيخ مناخ الترهيب الداخلي وفي الخارج أيضاً، وتقويض مساحة الحريات الفردية، ولا سيما حرية التعبير “المكفولة دستورياً”، وتفشي وسائل ووسائط التجسس على الأفراد والتجمعات، وخصوصاً في الانتشار المتصاعد لكاميرات المراقبة داخل المؤسّسات المدنية والتعليمية، وتقنية “التعرّف إلى ملامح الوجه”، تستكمل بها مجتمعة قائمات ما تسمّيهم “المطلوبين للعدالة”.

في محصّلة الأمر، تحوّلت الولايات المتحدة إلى “دولة بوليسية، الكلمة العليا فيها للشرطة المدجّجة بأسلحة ميدانية تنشد الإذعان لها وإطاعة أوامرها”، بحسب تشخيص المتعاقد الأمني السابق إدوارد سنودن، والّذي فضح بمفرده سياسات التجسس الداخلي المنظمة، ومراقبة شبكة الانترنت التي تنفذها “وكالة الأمن الوطني” و “مكتب التحقيقات الفيدرالي” (حزيران/تموز 2013).

وقد شاطره الرأي “نقابة الحريات المدنيّة الأميركيّة” المرموقة، محذّرة في شهادة أدلت بها أمام مجلس الشيوخ بالقول: “نحن مقبلون على خطر السماح لمواطنينا بالانصياع إلى مخاوفنا بدلاً من التكيف مع قيمنا. (وإلا) كيف نستطيع تفسير إجراءات الحكومة” بتقويض الحريات الفردية؟

ونبّهت النقابة إلى تجاوب الكونغرس السريع مع طلب إدارة الرئيس جورج بوش الإبن المصادقة على “باتريوت آكت – القانون الوطني” والذي يخوّل الأجهزة الرسمية مراقبة الإرهابيين (كما في الأصل)، مشكلاً ثغرة رسمية للتجسس على الأميركيين. يُشار إلى أنّ القانون الوارد أعلاه أتاح الفرصة لمكتب التحقيقات الفيدرالي للتجسّس على الحملة الانتخابية للرئيس السابق دونالد ترامب.

وانضمت منظمة حقوقية أخرى، هي “فيوتشر اوف فريدوم فاونديشن” (مؤسسة مستقبل الحرية)، إلى مساعي التحذير من تغوّل الأجهزة الأمنية والرسمية بالقول: “شكّلت الحكومة الأميركية تهديداً أكبر لحرياتنا من أيّ إرهابيّ أو متطرف أو كيان أجنبي”، مستطردةً أنّ التهديد الرسمي يستهدف أيضاً مناوئي السياسات الحكومية المختلفة.

اللافت أيضاً أن المناخ السياسي الذي جسّده الرئيس جو بايدن، بزعمه الانتخابي لإنهاء “الحرب العالمية على الإرهاب”، بات يحشد مجدداً دولاً في القارات الخمس للانضمام إلى حرب أخرى “عالمية” ضد الصين وروسيا. بكلمة أخرى، “الحروب اللامتناهية” على العالم ستبقى ركيزة ثابتة في الاستراتيجية الأميركية.

تلك “الركيزة” كانت مجسّدة بوثيقة “سرّية” من قبل البنتاغون، كُشف النقاب عنها تحت عنوان “إرشادات للتخطيط الدفاعي” لنشر أوسع للقوات العسكرية الأميركية، حملت تواقيع أبرز أركان المحافظين الجدد، وهم بول وولفويتز ولويس “سكوتر” ليبي، وإشراف نائب الرئيس الأسبق ديك تشيني، وفحواها “إرساء نظام أمني عالمي قادر على قمع أو تدمير مصادر تهديد الاستقرار من قبل القوات العسكرية الأميركية”، وشنّ حروب استباقية لذلك الغرض، بحسب توصيف عضو عن الحزب الديموقراطي في لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ.

نظرة سريعة في حيثيات تلك الوثيقة تشير إلى تبنيها بصورة “شبه رسمية” في العام 1997، عبر معهد بحثيّ متطرّف، مشروع القرن الأميركي الجديد برئاسة روبرت كيغان وويليام كريستول. تعزّزت شهرة المعهد بترشيحه كبار المحافظين الجدد وتبوّئهم مراكز رسمية عليا: ديك تشيني نائبا للرئيس، دونالد رمسفيلد وزيراً للدفاع، سكوتر ليبي مستشار الأمن القومي لنائب الرئيس، بول وولفوويتز نائباً لوزير الدفاع، زالماي خليل زاد مديراً في مجلس الأمن القومي، وغيرهم.

أبرز مظاهر تغوّل المحافظين الجدد، في تلك المرحلة البعيدة، كان إعدادها قائمات “الممنوعين من السفر” على رحلات داخلية وخارجية، بعضها ضم أسماء أعضاء في الكونغرس مناوئين لتوجهات الطاقم الجديد، منهم كان السيناتور الأسبق تيدي كنيدي. امتد نطاق “المنع” إلى وسائل النقل الأخرى، سواء بالقطارات أو الحافلات العامة.

ذهنيّة الإقصاء تتجدد أيضاً في عهد الرئيس جو بايدن على خلفية/ذريعة قرار بعض المواطنين عدم تلقي اللقاح ضد “كوفيد 19″، ومطالبة بعض المسؤولين بحظر تنقلهم عبر الولايات، يواكبها حملة تجاذب سياسية قاسية بين الحزبين مع اقتراب موعد الانتخابات النصفية، والتي يشعر فيها الحزب الجمهوري بأنّه قاب قوسين من فوزه بمجلسي الكونغرس، ما يحيل سياسات الرئيس بايدن وطموحاته إلى “مكانك راوح” في أفضل الأحوال.

ما نود قوله في “إحياء ذكرى هجمات أيلول/سبتمبر” أنّ استراتيجية “الحرب الكونية على الإرهاب” ساهمت في إنضاج سياسات أميركية أشد عدوانية في الخارج، ووفرت لها المبررات الداخلية لتطوير وتطبيق عدد من التدابير والتقنيات الهادفة إلى السيطرة على تحركات المواطنين وانتهاك الحريات المكفولة دستورياً. ومن بين تلك الوسائل والتدابير، الاستخدام المكثف للطائرات المسيرة في الدول المستهدفة، رافقها أساليب تعذيب مبتكرة وأشد إيلاماً للضحايا.

أمّا في الداخل الأميركي، فقد استطاعت المؤسّسة الحاكمة، وخصوصاً امتداداتها الاستخباراتية والأمنية، تقويض الحريات الفردية تحت ذريعة “مكافحة الإرهاب” وشنّ هجمات متطورة ضد القوى والمنظمات الاجتماعية المناوئة لسياساتها، أبرزها تلك الناشطة بين أوساط الأقليات والمهمّشين، ومصادرة جماعية لأملاكهم ومقتنياتهم، واستغلال توجهات المحكمة العليا نحو اليمين لتبرير سياساتها القمعية “بحماية القانون”.

أمّا برامج الرعاية الاجتماعية والصحية والتعليمية التي استثمرت فيها الحكومة الأميركية في بدايات الحرب الباردة، كردّ مباشر على امتيازات النظم الاشتراكية، وخصوصاً في الاتحاد السوفياتي السابق، فقد أضحت مادة للمساومة السياسية، ولم تكن عرضة لتقليص النفقات فحسب، بل لإلغائها واستبدال منطق الربح والتجارة بها أيضً، لمصلحة رأس المال والشركات الكبرى التي “تنافس” الدولة في برنامج الرعاية الصحية للمتقاعدين.

استراتيجية “الحرب على الإرهاب” أرست القواعد التي انطلقت منها مؤسّسات الدولة للتحكّم في مفاصل الحياة اليومية وانتشار إجراءات المراقبة ممثلة بـ “قانون الوطنية” سالف الذكر، الذي خوّلت بموجبه مندوبي الدولة (الأجهزة الأمنية) حقّ تفتيش الممتلكات الخاصة دون إعلام الطرف المعني أولاً، كما كانت القوانين السارية تنصّ، وامتدّت لتشمل المكالمات الهاتفية والمراسلات في وسائط التواصل الاجتماعي.

تسجيل القوانين والاجراءات الرسمية، الناجمة عن استغلال أجواء هجمات أيلول/سبتمبر تطول قائماتها وامتداداتها. على سبيل المثال، اعتمدت وزارة الدفاع برنامج “المعلومات الشاملة” لجمع سجلات وبيانات متعددة تخصّ المنتسبين، وهي تشمل السجلات الهاتفية والمصرفية والسفر والبيانات الصحية البالغة الخصوصية، بهدف بلورة “سياسة تنبّؤية” لكشف نيات إرهابية. بل تعاونت وزارة الدفاع مع مكتب التحقيقات الفيدرالي في إصدار “مذكرات الأمن القومي”، والتي تخولهما تقصي بيانات خاصة ودقيقة للمواطنين من دون العودة إلى استصدار قرار قضائي بذلك، كما كان سارياً من قبل.

مع الذكرى العشرين للهجمات، أفرجت السلطات الأمنية الأميركية، بناءً على أمر تنفيذي من الرئيس بايدن، وتحت ضغط مكثف من عائلات الضحايا، عن بعض الوثائق السرية المتعلقة بالتحقيقات الرسمية، ومنها تقرير أعده مكتب التحقيقات الفيدرالي في العام 2016.

ورغم عمليات التنقيح الواردة في التقرير، اعتبرت أُسر الضحايا أنّ الكشف عن الإتصالات بين بعض الرسميين السعوديين وبعض منفذي الهجمات يشير الى تورط مسؤولين حكوميين سعوديين. يعتبر التقرير الخطوة الأولى في مسار معقّد، وتتطلع العائلات إلى الإفراج عن المزيد من الوثائق التي ستعزّز الأساس القانوني للدعاوى التي تم رفعها، والتي تطالب الحكومة السعودية بتعويضات مالية بالمليارات.

الفشل الإستخباراتي الأميركي، كما هو متداول، في الكشف عن خطّة منفذي الهجمات قبل وقوعها، رغم تدريباتهم التي جرت في الأراضي الأميركية، مسألة لا يقترب منها التحقيق الذي خلص فقط الى أن الأجهزة الأمنية قصّرت في التعاون في ما بينها.

تبدو أميركا منقسمة ومرتبكة، رغم مرور 20 عاما على الهجمات، ولا تزال عاجزة عن تجاوز الألم والصدمة، لا بل زادت مرارة الأميركيين وهم يشاهدون مشاهد الخروج المُهين من أفغانستان، مبدّدةً الأوهام التي راجت حول اشباع نزعة الإنتقام التي طغت على مشاعر الأميركيين إثر الهجمات، وساهمت في تبرير غزو أفغانستان، وبعدها غزو العراق، بذريعة الحرب على الإرهاب.

2021-07-09-التحليل

التحليل

 انقسامات الداخل الأميركي
تُفاقم “عُقدة أفغانستان”

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

للتيقّن من أبرز المستفيدين من “الحروب اللامتناهية”، وضمنها أفغانستان والعراق، علينا أن نتعرض مردود تلك الحروب على قطاع صناعات الأسلحة واسع النفوذ، من زاوية الأرقام الفلكية الرسمية. فلكل دولار استثمار عاد مردوده على أصحابه بألف دولار، 1 إلى 1000. وأشارت دراسة حديثة إلى أن “خمس شركات أسلحة استثمرت مليار دولار في جهود اللوبي (في الكونغرس) خلال الحرب على أفغانستان، عادت عليها بنحو 2 تريليون (ألفي مليار) دولار”، فقط لا غير (الشركات هي: رايثيون، لوكهيد مارتن، جنرال دايناميكس، بوينغ، نورثروب غرمان. عن موقع “ريسبونسبل ستيت كرافت”، 2 أيلول/سبتمبر 2021).

تكلفة الحرب على أفغانستان وحدها، والتي امتدت عقدَين من الزمن تبادَل فيها أربعة رؤساء البيت الأبيض، بلغت 2،313 تريليون دولار، قُتل خلالها 2،324 عسكرياً أميركياً ونحو 4،000 من صفوف المتعاقدين مع واشنطن (دراسة حديثة لمعهد “واتسون” في جامعة “براون” الأميركية).

القوى والشرائح المتضرّرة من النفقات العسكرية المتزايدة، هي دائماً الشرائح الاجتماعية الوسطى والدنيا، في أميركا حصراً. البيانات الرسمية الأخيرة تفيد بحتمية انضمام نحو “35 مليون عامل وموظف” إلى طوابير البطالة قريباً جداً؛ أي ما يعادل نحو 10% من مجموع الشعب الأميركي. وأشارت بيانات وزارة العمل الرسمية إلى نحو 9،2 مليون عامل مسجّلين لديها، سيجدون مداخيلهم تبخرت بتاريخ السادس من شهر أيلول الجاري، وهو الموعد النهائي لقرار الحكومة المركزية تسليمَهم معونات مالية تحت بند الطواريء، من أجل درء مفاعيل جائحة كورونا. وليس هناك في الأفق ما يشير إلى نيّة صُنّاع القرار، بدءاً بالرئيس بايدن وصولاً إلى كل أعضاء الكونغرس، تَمديدَ العمل بذلك البرنامج.

أمام هذه اللوحة القاتمة، والتي تُنذر بكوارث اجتماعية واقتصادية، بحسب توصيف الخبراء الاقتصاديين (صحيفة “نيويورك تايمز”، 2 أيلول/سبتمبر 2021)، أقر الكونغرس، في مجلسية، ميزانيةَ وزارة الدفاع لعام 2022، وقيمتها 740 مليار دولار. بينما لا تزال مساعي الرئيس جو بايدن لبرنامج الاستثمار الحكومي في البنى التحتية تراوح مكانها في أروقة الكونغرس، والتي قُدّرت تكلفته بنحو 3.5 تريليون دولار، ناهيك بانكشاف الحالة الرثّة لنظام الرعاية الصحية، وخصوصا خلال انتشار جائحة كورونا، وانهيار بعض المرافق، وتعثّر عدد منها في توفير أبسط معدلات الرعاية للمصابين، والذين بلغ معدّل الإصابات بينهم نحو 164،000 يوميا، ووفاة نحو 1،500 آخرين في اليوم (مصدر الأرقام هو صحيفة “نيويورك تايمز”، 5 أيلول/سبتمبر 2021).

في البُعدين السياسي والاستراتيجي، سال وسيسيل حبر غزير من أجل تقييم مرحلة “ما بعد الانسحاب الأميركي”. ويبدو أن هناك إجماعاً بين معظم النُخَب الممثّلة في صناعة القرار، على توصيفه “هزيمة مدويّة”، وليس تراجعاً فحسب، مع ما سيستتبعه من تحديث أو تبديل في الأسس الاستراتيجية، ومراجعة ما يصفه “المحافظون الجدد” بأنه حقبة الهيمنة الأميركية، عسكرياً وسياسياً واقتصادياً وثقافياً، على العالم، امتدت “أقلّ من 20 عاماً، من لحظة سقوط جدار برلين عام 1989 إلى حين الأزمة المالية في 2007 – 2009”.

للتوقف عند حيثيات ما ينتظر بلورة السياسة الأميركية المقبلة، من المفيد الإشارة إلى شهادة أبرز منظّري المحافظين الجدد الأميركيين، فرانسيس فوكوياما، في مقال مطوّل نشره في مجلة “ذي إيكونوميست” البريطانية، عدد 18 آب/أغسطس 2021، اعتبر فيه غزو العراق “ذروة الهيمنة والغطرسة الأميركيتين على العالم”. أمّا الانسحاب من أفغانستان فهو “بداية حِقْبة جديدة لأميركا تنأى بنفسها عن العالم، (لكنها) ستظل قوة عظمى عدة سنواتٍ، غير أن مدى فاعلية هذا النفوذ سيعتمد طبعاً على قدرتها على حلّ قضاياها الداخلية، وليس مراجعة سياساتها الخارجية”.

البنتاعون وشركات الأسلحة .. السد المنيع

على المستوى العسكري، يقف نفوذ “البنتاغون” الواسع، وامتداداً شركات صنع الأسلحة، حاجزاً منيعاً أمام أيّ محاولات جادة لتوجيه الانتقادات والملاحظات إلى القيادات العسكرية العليا، وبدعم جاهز من معظم أعضاء الكونغرس من الحزبين. وعليه، لم يُسجّل في المشهد الأميركي أيُّ انتقادات جادة لأداء المراتب العسكرية، باستثناء بعض الأصوات الفردية التي أشارت مؤخراً إلى أن كل المراتب العسكرية العليا (بيترايس وماكريستال)، بالتواطؤ مع الرئيس أوباما، أدركت، منذ العام 2015، أن الحرب الأفغانية لا يمكن الانتصار فيها. لكن مراكز القوى النافذة آثَرت الاستمرار فيها، في سعيها لترحيل مسؤولية الانسحاب إلى رئيس مقبل، والذي تُرجم مزيداً من الموازنات والأسلحة والنفوذ لمصلحة القوى المستفيدة ذاتها.

فور ظهور مشترك لوزير الدفاع لويد أوستن ورئيس هيئة الأركان مارك ميللي، في مؤتمر صحفي عقب بدء الانسحاب الأميركي، تعالت الأصوات المنادية باستقالتهيما على الأقل، إلى جانب مستشار الأمن القومي جيك سوليفان، على خلفية عدم تحمُّل المستوين العسكري والاستخباراتي مسؤوليةَ القرار، وتحميل تداعياته للقائد الأعلى، رئيس البلاد.

مراجعة سريعة لتاريخ وزير الدفاع، الذي يُعتبر من الأقليات لبشرته السوداء، تشير إلى تنقّله المتسلسل في المراتب العسكرية بسبب “اعتبارات ملء الحصص” المعتمَد في معظم المناصب الرسمية، السياسية والعسكرية. وكان أحد المسؤولين العسكريين المُشرفين على نمو تنظيم “داعش”، الأكر الذي اضطرّه إلى الإقرار لاحقاً بأن خطته “تدريب عناصر سورية لمحاربة داعش لم يحالفها الحظ”.

رئيس هيئة الأركان، مارك ميللي، يفتقر تاريخه إلى أي إنجاز عسكري معتبَر. وجاء من موقع مساعد ضابط كتيبة الصيانة لوحدة مدرّعة تابعة للفرقة الـ 82 المحمولة جواً، لكنه لم يشترك في العمليات العسكرية الأميركية، مثل غزو بنما، بحسب تراتبية سِجِلّه العسكري.
القاسم المهني المشترك بين وزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان المشتركة، بحسب بعض الخبراء، هو خلوّ سِجِلّيهما من أي خبرة قيادية في معركة لوحدة قتالية صغيرة. وربما كان ذلك أحدَ أبرز أسباب فشل الإعداد لعملية الانسحاب.

ذكّر أقطاب السياسة في واشنطن قياداتِها العسكريةَ بمقولة رئيس وزراء بريطانيا الأسبق، وينستون تشيرشل، وفحواها أن “انتصارات الحروب لا تأتي عبر الانسحابات”، تكتيكيةً أو استراتيجيةً، مؤكدين أن ما شاهده العالم من أداء القوة العظمى يُعيد إلى الأذهان مقولة تشيرشل الأخرى، والتي فحواها أن ما جرى يشكّل “كارثة عسكرية جسيمة”، ستبقى تلاحق هيبة الولايات المتحدة، كما رافقتها هزيمتها المذلّة في فيتنام عام 1975.

التداعيات الداخلية

بعد الهزيمة المُهينة لأميركا في فيتنام، استطاعت المؤسسة الحاكمة ترميمَ بعض الصّدع في هيبة القوات المسلحة، عبر اعتمادها نظامَ “المتطوّعين” للمنتسبين بدلاً من نظام “التجنيد الإجباري”. وخصّصت ميزانيات إضافية لتأهيل “المتطوّعين” وإطلاق وعود وردية بمستقبل مهني معتبر لهم، استقطبت  قسماً كبيراً منهم من الوافدين والمهاجرين الجدد، ومن الذين لم يستوفوا شروط الإقامة الدائمة، بحسب نظام الهجرة الأميركي.

وجاءت حروب أميركا، وغزوها كلاَ من أفغانستان والعراق، وتدميرها ليبيا والصومال ولاحقاً سوريا، كساحات تجارب حية على تلك العيّنة من القوى النظامية، والتي تكبّدت خسائر بشرية عالية، لكن النُظُم والإجراءات العسكرية “المستفادة من الهزائم” بَلْسَمت ويلاتها المباشِرة، واستطاعت تجنيد معظم الوسائل الإعلامية في خدمة سرديتها الرسمية، بخلاف مشاهد الحرب القاسية خلال العدوان على فيتنام.

اتسمت الظروف الأميركية الداخلية، قبل إعلان الانسحاب من أفغانستان، بتجذّر حالة الاستقطاب والكراهية المتبادَلَين بين فئات المجتمع، وخصوصاً مع صعود الرئيس السابق ترامب، الذي منح التيارات المتشددة والرجعية والفاشية منبراً رسمياً ودعماً قانونياً، سرعان من ارتدّت مفاعيلهما عكسياً فيما عُرف بـ “غزوة الكونغرس”، في 6 كانون الثاني/يناير 2021. بالإضافة إلى تلك المشاهد، حدثت جائحة كورونا وتوقذف ملايين العمال والموظفين عن أعمالهم، وارتفاع معدلات البطالة، الأمر الذي فاقم المشهد العام سوداوية.

فوكوياما، مرة أخرى، يعزو “عوامل ضَعف أميركا وتدهورها” إلى عناصر داخلية “أكثر من كونها خارجية، (لقد) انتهت الحِقْبة بتعثر جيوشها في حربين، وحدوث أزمة مالية عالمية زادت الفوارق الهائلة” بين الشرائح المنتِجة (الوسطى والدنيا) من ناحية، وبين شريحة الأثرياء والميسورين، من ناحية ثانية.

لعلّ أهم ما اكتنزه مقال فوكوياما الكاشف تشديده على نضوج عوامل الصراع، اجتماعياً واقتصادياً، وبلوغه مؤحلة “صراع على الهوية”، متقاطعاً مع طروحات الرئيس السابق ترامب وبعض أبرز منظّريه، المستشار السابق ستيف بانون، عبر حثّهما الجماعات “التي تشعر بأنها هُمِّشت من جانب النُخب، على المطالبة بالاعتراف بها”.

تأكيداً لرؤية فوكوياما القاتمة للمستقبل، استطاعت تلك الشرائح “المهمّشة” القفزَ عن “الهوية الوطنية الجامعة” للأميركيين لإبدال تاريخ ميلاد الكيان السياسي الأميركي بعام 1619، بدلاً من السردية الرسمية لعام 1776. واسترسل فوكوياما موضّحاً أن الرواية المستحدثة تربط الولادة “بالنضال من أجل الحرية” والاستقلال عن التاج البريطاني، عوضاً عن الشائع بأنها كانت نتيجة صراع لإنهاء نظام العبودية. تجذّرت تلك الرواية بين أقطاب معتبَرة في الحزب الجمهوري تحديداً، من دون أن يخلو الحزب الديموقراطي من حالات مشابهة، لكنها تبقى مكتومة بقرار مركزي.

قرار المؤسسة الحاكمة القاطع، منذ ولاية الرئيس أوباما، هو اعتبار  الصين محور الصراع المركزي، وامتداداً روسيا. بيد أن تعقيدات الانسحاب من أفغانستان، وعلى رأسها امتعاض دول أوروبية رئيسية، مثل بريطانيا وألمانيا، من استفراد واشنطن بالقرار وعدم التنسيق المسبّق معها، ستعيد حسابات تلك القوى مرة أخرى.

علاوة على ذلك، فقد تم رصد بعض التحوّلات الجادّة من قبل أقطاب اقتصادييين أميركيين مهمّين يحثّون إدارة الرئيس بايدن على “إلغاء” نظام التعرفة الجمركية على الواردات الصينية، نتيجة “دوافع تجارية صرفة”، مُستشهدين بفشل الحرب التجارية التي شنّتها المؤسسة الحاكمة على مدى عدة سنوات، والتي “ألحقت الضرر بالمستهلك الأميركي”، كما أوضحت وزيرة الخزانة جانيت يلين (صحيفة “نيويورك تايمز”، 1 أيلول/سبتمبر 2021).

ونقلت الصحيفة، على لسان الاقتصاديين ممثّلين بغرفة التجارة الأميركية، أن هؤلاء الأقطاب “يُضاعفون جهودهم (لدى الرئيس) للتراجع عن التعرفة الجمركية، الأمر الذي سيتيح لهم الاعتماد على نحو أكبر على إنتاج المصانع الصينية، بدلاً من الاستثمار داخل الأراضي الأميركية أو أيّ مكان آخر”.

استناداً إلى ما تقدّم من معطيات، معطوفة على تداعيات الانسحاب وتواضع الأداء العسكري الأميركي ميدانياً، من غير المرجّح أن تسير واشنطن قُدُماً إلى “حرب باردة” أخرى مع الصين وروسيا، أقله في المدى المنظور، باستثناء التصريحات النارية المنتظرة. بعض كبار الاستراتيجيين الأميركيين “يحذّر” من الانسياق إلى حربٍ مباشِرة مع بكين على خلفية النزاع على جزيرة تايوان، بسبب عدم “توفر عوامل الانتصار، وغياب الدعم الداخلي لقرار حرب” جديدة.

تتعرّض سمعة أميركا في العالم، كنموذج صارخ للقوّة والهيمنة، استناداً إلى تفوّقها عسكرياً وتقنياً، لاهتزاز عميق وتشكيك خارجي، وخصوصاً من حلفائها أو مقاوليها  وأتباعها، عَقِبَ إنسحابها المرتبك والمُهين من أفغانستان، تفاقمه انقساماتها الداخلية. آفاق الإنتخابات النصفية القادمة تبدو مشبّعة بالحدث الأفغاني المذّل وانعكاساته المباشِرة على مكانة بايدن وحزبه الديمقراطي.

عانت أميركا، طوال عقود، “عُقدةَ الهزيمة في فيتنام”، وحاولت جاهدة تجاوزها، لكنها تبدو كمَن يقع في أَسر “عُقدة افغانستان” الجديدة، والتي سيصعب عليها تجاوزها أو محوها من الذاكرة الشعبية، المحلية أو الدولية.

2021-20-07-التحليل

التحليل

واشنطن تتدخّل وتتحالف وتنقلب
على عملائها في أميركا اللاتينية

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

“الغزو الأميركي لهايتي واحتلالها، 1915-1934” هو عنوان وثيقة رسمية صادرة عن وزارة الخارجية الأميركية، محفوظة لدى “مكتب التأريخ” في الوزارة. هكذا وبصورة مباشرة،  وثّقت الحكومة الأميركية سياستها العدوانية في “الغزو والاحتلال” لتلك الدولة، بقرار أصدره الرئيس وودرو ويلسون في أعقاب اغتيال الرئيس الهايتي في شهر تموز 1915، “واستمر الاحتلال حتى العام 1934”.

تُجدّد السياسة الخارجية الأميركية أهمية الجزيرة لإخضاعها، التي تبعد نحو 350 كلم بحري عن غوانتامو، أقرب نقطة في جزيرة كوبا، وفق الوثيقة المذكورة آنفاً، باعتبارها أنها “تشكّل قاعدة بحرية محتملة للولايات المتحدة”، بل “اقترح الرئيس آندرو جونسون في عام 1868 ضم الجزيرة” إلى بلاده، والتي تشمل كلاً من هايتي وجمهورية الدومينيكان. ومنذئذ، تتالت التدخلات الأميركية المباشرة في بلدان البحر الكاريبي دون انقطاع.

“أهمية هايتي” الحقيقية تكمن في اندلاع “ثورة العبيد”، كما عرّفها المؤرخون الأوروبيون، في 22 آب/أغسطس  1791، واستمرت نحو 15 عاماً، ضد الاحتلال الفرنسي. وتوّجت بنيل هايتي استقلالها في العام 1804. وتُعتبر هايتي الدولة المستقلة الأولى في “العالم الجديد”. وأول ما فعلته كان إلغاء نظام العبودية رسمياً، وصنع استقلالها المحرومون وعمّال السخرة، بخلاف “الثورة الأميركية” قبل نحو 28 عاماً من ذلك التاريخ على أيدي كبار مُلاّك الأراضي وطبقة التجار الأثرياء.

الدولة الأميركية الجديدة، التي أعلنت استقلالها في عام 1776، لم تعترف باستقلال هايتي، واعتبرت ثورتها منافسةً لها، ويجب إخضاعها نظراً إلى “تهديدها الماثل على المصالح الاقتصادية الأميركية، وخصوصاً  كبار مُلاّك الأراضي في جنوبي البلاد” (آن كرافورد – روبرتس “تاريخ سياسة الولايات المتحدة تجاه هايتي”، جامعة براون، دون تاريخ).

تدخلت واشنطن، بصورة مباشرة، تباعاً في هايتي منذ العام 1915. أبرز تدخّلاتها كان ربما تدخلها العسكري السافر في 28 شباط/فبراير 2004، واحتجاز رئيس البلاد جان-بيرتراند أرستيد المنتخَب بنسبة 92% من الأصوات، وإبعاده إلى جنوب أفريقيا على متن طائرة عسكرية أميركية.

الرئيس المخلوع أوضح أنه تعرّض لضغوط مباشرة  من واشنطن ووزير خارجيتها كولن باول، وبلّغه مسؤول رفيع في السفارة الأميركية أمرَ المغادرة وقال له: “من أجل تجنُّب سفك الدماء ينبغي لك مغادرة البلاد”. وفي حال عدم موافقته “سيتم اغتياله” (مقابلة أرستيد مع شبكة “سي أن أن”، 2 آذار/مارس 2004).

في اليوم التالي لإقصاء أرستيد، تحرّكت وحدات من سلاح مشاة البحرية الأميركية، المارينز، واحتلت منطقة القصر الجمهوري، بالتزامن مع دخول مجموعة من المسلحين، الذين سلّحتهم، مقر الشرطة الوطنية المقابل للقصر الجمهوري.

وكالة الاستخبارات المركزية، “سي آي إيه”، أنشأت القوات العسكرية لهايتي وجهاز استخباراتها الوطني، وموّلتهما في ثمانينيات القرن الماضي، وأدّيا دوراً بارزاً في محاولتَي انقلاب ضد الرئيس أرستيد (عامي 1991 و 2004 )لمصلحة واشنطن (“تاريخ سياسة الولايات المتحدة تجاه هايتي”).

يُجمع المؤرّخون الأميركيون على الترابط الوثيق بين التطورات التاريخية في هايتي وسياسات الولايات المتحدة، التي تحافظ على الهيمنة واستغلال موارد الشعوب الأخرى. هايتي تملك مخزوناً ثابتاً من اليورانيوم والنفط وتنشط في زراعة البن وقصب السكر. وبناء عليه، يجب النظر إلى تلك العلاقة الملتبِسة ضمن إطارها في التبعية السياسية وحرص واشنطن على تنصيب “عملائها” بدل آخرين، بحسب ما تفرضه الظروف.

في الساعات الأولى بعد منتصف ليل 6 تموز/يوليو الجاري، اقتحم “مجهولون مسلحون ارتدوا ملابس سوداء، ويحملون أسلحة متطورة” مقرّ إقامة الرئيس جوفينيل مويس وأرْدوه قتيلاً، وأصابوا زوجته بجروح. وأعلنت حالة الطواريء في البلاد. كان من المفروض أن تنتهي ولاية الرئيس المغدور  في 7 شباط/فبراير 2021، لكنه تشبث بالسلطة بدعم وتأييد من واشنطن.

فريق الاغتيال مكوّن من 28 فرداً على الأقل، يحملون الجنسية الكولومبية. وبينهم اثنان يحملان الجنسية الأميركية. اعتُقل 18 منهم، وصدرت بحق 22 آخرين مذكّراتُ اعتقال.

نشرت صحيفة “واشنطن بوست”، في عددها يوم 15 تموز/يوليو الجاري، تقريراً مطولاً أوضح بعض جوانب عملية الاغتيال و”أبطالها”، ومركزية مدينة ميامي الأميركية في التخطيط والإعداد وتمويل طاقم الاغتيال، موجِّهةً التهمة الرئيسية إلى المعتقل الأميركي من أصول هايتية، كريستيان إيمانيويل سانون، قائلة: “شكّل (سانون) طاقم حرس شخصياً في أثناء وجوده في مدينة ميامي في ولاية فلوريدا، وقام بتجنيد مؤيديه لعمل يرمي إلى إعادة بناء هايتي، بفضل استثمارات تصل إلى 83 مليار دولار”. وشاركه في التخطيط البروفيسور المتقاعد والمقيم بفلوريدا، بارنيل دو فيرجير، البالغ من العمر 70 عاماً.

دو فيرجير تحدّث إلى الصحيفة الأميركية من مقر إقامته، موضحاً أن الخطّة كانت تقتضي تسلّم سانون منصب رئيس الجمهورية، والذي وعد بـ “مكافأة الشركات (الأميركية)، التي خصصت له أموالاً، من ميزانية البلاد بعد وصوله إلى السلطة”.

وفي اليوم ذاته ، 15 تموز/يوليو الجاري، صرّح الرئيس الكولومبي إيفان دوكي بأن “بعض الجنود الكولومبيين السابقين” شاركوا في عملية الاغتيال. الأبرز في تلك التصريحات هو إقرار وزارة الدفاع الأميركية بأن “محتجزين، أعدداهم صغيرة، تلقّوا تدريبات لدى الجيش الأميركي خلال خدمتهم في الجيش الكولومبي”. وأضافت الوزارة أن طواقم أميركية مكوّنة من وزارة الأمن الداخلي وجهاز الـ “أف بي آي” ستتوجّه إلى العاصمة بورت أو برينس “للمساعدة في جهود التحقيق”.

وكشفت “وكالة مكافحة المخدرات (Drug Enforcement Agency – DEA) الأميركية أن أحد المتهمين بالاغتيال كان “مخبراً سرياً” لمصلحتها، وإنها “تعلم بأن بعض القتلة” عرّف عن نفسه باسم الوكالة، DEA، خلال عملية الاغتيال. وبثّت شبكة “سي أن أن” الأميركية نبأً مفاده أن “مشاركين متعدّدين في عملية الاغتيال عملوا سابقاً كمخبرين” للسلطات الأميركية، بما في ذلك “مكتب التحقيقات الفيدرالي” (12 تموز/يوليو 2021).

حلقة مدينة ميامي في عمليات اغتيالات لحساب الأجهزة الأميركية لم تكن وليدة اللحظة، بل شكلت منصة انطلاق لـ”مؤامرات وانقلابات واغتيالات” لمصلحة الحكومة الأميركية، بدءاً بغزو كوبا الفاشل في خليج الخنازير في عام 1961، مروراً بعمليات منظّمة ضد نيكاراغوا وفنزويلا وهايتي.

ضلوع كولومبيا ووكالة مكافحة المخدرات الأميركية والمخبرين “السرّيين” لمصلحة عدة أجهزة أميركية، يُلقي أضواء على العنوان الأساسي المضمَر في عملية الاغتيال، ألا وهو صفقات المخدّرات التي تدرّ أرباحاً خيالية بمعرفة أميركيين، وربما تحت إدارتهم وإشرافهم، والتي ذهب ضحيتها رئيسٌ دعمته واشنطن على الرّغم من انتهاء ولايته الدستورية، وتُعيد إلى الأذهان اعتقالَها لعميلَها السابق رئيس بنما، مانويل نورييغا، في عام 1989، بعد سجِلّ طويل في خدمتها، وانقلابَها عليه وإيداعَه السجنَ في أميركا حتى وفاته هناك في 29 أيار/مايو 2017.

2021-13-07-التحليل

التحليل

أفغانستان: مأزق أميركي دام 20 عاماً
توّج بانسحاب تحت جنح الليل

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

رفض الرئيس الأميركي جو بايدن الرد على أسئلة الصحافيين حول أفغانستان خلال احتفاله بعيد الاستقلال، 4 تموز/يوليو الجاري، متفادياً التطرّق أيضاً إلى ترتيبات عسكرية تجريها واشنطن مع أنقرة لتتسلّم مهام “حماية أمن مطار كابل” بديلاً عمنها، بالتزامن مع تحذير قائد القوات الأميركية في أفغانستان، سكوت ميللر، من “نشوب حرب أهلية” بعد خروج الحامي الأميركي لحكومة تفقد السيطرة على البلاد بوتيرة متسارعة، وإعلان خصمها “طالبان” سيطرته على 218 مديرية من أصل 370 في أفغانستان.

لرفض بايدن المذكور أسباب “وجيهة”، نظراً إلى تجدّد شبح فيتنام والتذكير بهروب السفير الأميركي “فجأة” من سايغون، نيسان/إبريل 1975، ثبّتتها وسائل الإعلام بصورة تثبت الإهانة التي تلقّتها واشنطن، وإلقائها المتعاونين معها من الفيتناميين أرضاً من سطح مبنى السفارة.

واشارت إحدى كبريات الصحف اليومية إلى أولئك المتعاونين “الذين ترُكوا وحيدين ليواجهوا مصيرهم في بلدانهم”، وإجلاء البنتاغون موظّفيه من الكرد العراقيين بعد تجدد المواجهات مع الجيش العراقي في العام 1996، ومن ثم “قتل العديد من العراقيين (المتعاونين مع واشنطن) خلال سيطرة القوات الأميركية على العراق” حتى عام 2011 (يومية “واشنطن بوست”، 25 حزيران/يونيو 2021).

كما حذّر الأدميرال المتقاعد جيمس ستافريديس من تجدّد ذكريات تصفية الموالين لواشنطن في حرب فيتنام، والذي “لا ينبغي أن يعيد (التاريخ) نفسه” لنحو 1000 مترجم محلي في أفغانستان (مقال على موقع “وكالة بلومبيرغ”، 22 حظيران/يونيو 2021).

إتمام الانسحاب الأميركي “المذِلّ” من أفغانستان، وامتداداً العراق، استغرق نحو 8 سنوات منذ العام 2011، سعت واشنطن خلالها إلى شراء مزيد من الوقت عبر التفاوض البطيء مع “طالبان” لتفادي مظاهر غير مريحة للمشاهد الأميركي، حدّدت نهايته في 11 أيلول/سبتمبر المقبل، وردت عليه “طالبان” بأن الانسحاب ينبغي أن يستكمل في الأول من أيار/مايو الماضي، وفق الاتفاق المبرم مع إدارة الرئيس ترامب. أما بقاء القوات الأجنبية بعد ذلك التاريخ، فيعد انتهاكاً للاتفاق مع واشنطن.

قرار الانسحاب جاء ثمرة مراجعات مكثّفة لدوائر القرار السياسي الأميركي، من سياسيين وعسكريين على السواء، عقب تيقّنهم من  حقيقة سياسة الصين في عهد رئيسها الجديد، شي جينبينغ، بتأكيده تخصيص موارد متعددة لتعزيز القوات العسكرية في مواجهة الأساطيل الأميركية. أما روسيا، الخصم الدائم لأميركا، فقد حذّرت واشنطن بشدة من تنامي قوتها العسكرية، كما رأت وثيقة “استراتيجية الأمن القومي” في العام 2017، في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب.

استعاد البنتاغون خطاب حقبة الحرب الباردة في مواجهة الصين وروسيا، ما شكّل مؤشراً على محاور جديدة لبؤر الصراع المحتمل بين القوى العظمى، أبرزها “أوكرانيا وتايوان” كأولوية، بدلاً من المواجهة في أفغانستان وسوريا والعراق، توطئةً لمزيد من الاستثمار في القوة العسكرية الأميركية، تشمل “تحديث الأسلحة النووية وبناء غواصات هجومية وقاذفات صواريخ بعيدة المدى”، واكبها أيضاً استحداث قيادتي القوات الفضائية والالكترونية الأميركية.

الانسحاب من أفغانستان، ضمن الأبعاد الاستراتيجية الأميركية في المدى المنظور، كان ضرورياً لتوجيه الموارد الأميركية نحو الصين وروسيا وإيران، علاوةً على التماشي مع النبض الشعبي الأميركي وعدم حماسته لمزيد من الانخراط العسكري في ساحات بعيدة، بعدما شاهد الأميركي بأمّ عينه شرائط فيديو  حديثة لقوات “طالبان” في مسيرة احتفالية بأسلحة أميركية استولت عليها.

وأوضح الرئيس بايدن توجهات بلاده مؤخراً، مشدداً على “الحاجة إلى إعادة توجيه اهتمام الولايات المتحدة وقدراتها إلى أولويات السياسة الخارجية الأميركية الأكثر إلحاحاً، وعلى رأسها المنافسة الشديدة” مع الصين، ومواجهة التحديات الناجمة عن مبادرة “الحزام والطريق” (“ذي أتلانتيك”، 25 حزيران/تموز 2021).

إبعاد إيران عن التأثير في المشهد الأفغاني، على الرغم من نحو 1000 كلم من الحدود الطويلة المشتركة والعلاقات المتداخلة لأزمنة طويلة، هو هدف ثابت لواشنطن سعت للقفز عليه بتوظيف الدور التركي لمهام “حماية مطار كابل” بعد انسحابها.

واشنطن أخذت علماً بمبادرة طهران إلى استضافة ممثلين عن حكومة كابول وحركة “طالبان” لتقريب وجهات النظر، بهدف إبعاد شبح الحرب الأهلية، فيما الدوائر الأميركية قلقة من إمكانية انضمام أفغانستان إلى محور إيران في مرحلة لاحقة، وخصوصاً بعد إعلان “طالبان” سيطرتها على معبر “إسلام قلعة”، أهم معبر حدودي مع إيران. يشار إيضاً إلى أعفاء كابول من عقوبات واشنطن والسماح لها باستيراد الوقود والغاز من إيران (موقع “قناة الحرة”، 9 تموز/يوليو 2021).

راهن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان على تجاوز بلاده تباينات سياساتها مع واشنطن، على خلفية معارضة الأخيرة شراء منظومة “أس-400” الروسية للدفاع الجوي، عارضاً مع الرئيس الأميركي جهوزية بلاده لاستكمال الدور الأمني الموكل إليها في الإقليم تحت سقف حلف الناتو، لحماية مطار كابول بعد انسحاب القوات الأميركية، باعتبارها “فرصته الثمينة للحصول على موطيء قدم” في بلدٍ محاذٍ لجمهوريات آسيا الوسطى وأصولها التركمانية.

لا يخفي أردوغان نياته بإحياء “الخلافة العثمانية” كمظلة سياسية للتمدّد في أراضي الغير والسيطرة على مواردها، بما فيها أفغانستان، “الغنية بالذهب والحديد والكوبالت واليورانيوم والمعادن النادرة” التي تستثمر استخراجها شركات صينية راهناً.

النفوذ التركي المباشر في أفغانستان يعود إلى نحو 20 عاماً، مع بدء العدوان الأميركي على البلاد، وتوكيل أنقرة القيام ببعض المهام “لبناء مؤسسات الدولة”، نجم عنها تدريبها نحو 15،000 عنصر من القوات العسكرية والأمنية الأفغانية في تركيا. تجدد واشنطن رغبتها في دور تركي في أفغانستان يمثل غطاءً سياسياً  لاستمراره، توظّفه أنقرة في تليين مواقف واشنطن، كما رأت يومية “وول ستريت جورنال”، في 2 تموز/يوليو 2020.

جرت مكالمة هاتفية بين وزيري دفاع البلدين، خلوصي أكار ولويد أوستن، اتفقا فيها على مناقشة التفاصيل “اللوجستية والسياسية والمالية” المتعلقة بذلك، عقب لقاء رئيسي البلدين في قمة الأطلسي الأخير. كلفة “العرض التركي” تقدر بنحو 130 مليون دولار سنوياً، ويعتقد أن واشنطن ستعوّض أنقرة مباشرة عن ذلك (19 حزيران 2021).

سارعت حركة “طالبان” إلى إعلان رفضها وجود أي قوات عسكرية أجنبية، معتبرة أن “القوات التركية هي قوات احتلال”، ما سيعرضها لهجمات مسلّحة. وقد تتسع رقعة الاشتباكات مع القوات التركية وتستدرج فيها باكستان، الحليف الأميركي الموثوق، لفترة قريبة، في سياق مواجهة أوسع ترمي منها كل من أنقرة وواشنطن “إلى تقسيم أفغانستان” لتفادي حدة الصراع المفتوح، وإبقاء طهران بعيدة عن ممارسة نفوذها، وخصوصاً بعد أن استثنتها واشنطن لها من المشاركة في مفاوضات الدوحة مع حركة “طالبان” (صحيفة “واشنطن بوست”، 10 تموز/يوليو 2021).

يواجه أردوغان تبلور معارضة متجدّدة من عدة أحزاب لإرسال قوات عسكرية خارج البلاد، بعد أن منحته تفويضاً سابقاً بذلك في إرسال قوات عسكرية إلى سوريا والعراق وليبيا تحت ذريعة “الأمن القومي”.

على الرغم من رسائل الطمأنة المتبادلة بين حركة “طالبان” وأنقرة، على أرضية عدم حساسية الأولى من طرف يشاطرها العقيدة الدينية بخلاف ما خبرته من موسكو وواشنطن، فإنّ تقدمها المتسارع في السيطرة على الأراضي الأفغانية لا يشكّل عاملاً مشجّعاً لتقاربها مع تركيا، مكتفيةً بتصريحات عبّرت فيها عن رغبتها في “إقامة علاقات طيبة مع تركيا مستقبلاً”.

ستواجه أنقره صعوبة ملحوظة في تليين حركة “طالبان” أو إقناعها بأنّ مهمة قواتها ليست بموازاة أجندة أميركية أو أطلسية، إذ بادرت الأولى إلى توظيف علاقاتها الطيبة مع باكستان وقطر لدعم وجهة نظرها.

الكلمة الفصل ستبقى في أيدي الأفغان أنفسهم، بمن فيهم حركة “طالبان”، والذين لا يبدون أي حماسة في استبدال احتلال عسكري غربيّ، ليحلّ احتلال آخر يتدثر بعباءة الدين بدلاً منه.

2021-08-07-التحليل

التحليل

ملامح الانتخابات النصفيّة الأميركية
عنصرية في الصناديق

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

تنطلق جولة الانتخابات النصفية باكراً، وسط سعي طرفي المعادلة السياسية، الحزبين الجمهوري والديموقراطي، لتعديل تمثيلهما في مجلسي الكونغرس. تتجاذب هذه الانتخابات جملة مواضيع وتحديات وفرض أجندات، بعضها مستفزة بشكل صارخ، والبعض الآخر ينضح بالعنصرية، تكريساً لحالات الانقسام العمودي في المجتمع.

كل من الفريقين يتمترس خلف قضايا يعتبرها أولوية لدى جمهوره، تتراوح بين الاقتصادية والاجتماعية والرعاية الصحيّة، من دون أن تلامس جذور الأزمات المتفاقمة، وتتصدّرها المجالس المحلية لاعتقادها بأنها تفرض ضغوطاً على المرشحين المحتملين لتبنّيها وتأييدها.

صادقت أبرز الولايات الجنوبية المؤيدة للتيارات اليمينية المتشددة على عدد من القوانين مبكراً، والتي ترمي في معظمها إلى الحدّ من زخم التمثيل الحقيقي للتغيرات السكّانية والديموغرافية فيها، على الأقل في مؤسساتها التشريعية الرسمية، وخصوصاً تلك التي شهدت نزوحاً كبيراً من مواطني ولاية كاليفورنيا، ومعتقداتهم الليبرالية نسبياً، بدوافع اقتصادية صرفة، إلى ولاية تكساس “المحافظة”.

تمهيداً لأجواء الانتخابات المقبلة وفرض أجندة خاصة على الرأي العام، أقرت ولاية تكساس، على سبيل المثال، مشروع “قانون 3979″، يمنع السلك التربوي في كل المراحل التعليمية من التطرق إلى مسألة “العبودية والعنصرية” في المجتمع الأميركي ويجرّمه، باستثناء اعتبارها مجرد “انحراف سلوكي عن المباديء المؤسسة للنظام الأميركي”.

في المقابل، اعتبرت صحيفة “نيويورك تايمز” أن ترسيخ اليمين الأميركي أجندة انتخابية تناقض الثوابت التاريخية “ترمي إلى عرقلة أساليب التدريس التي من شأنها توعية الطلبة بحقيقة نظام العبودية وتجدّد نزعات العنصرية” في العصر الراهن (“نيويورك تايمز”، 6 تموز/يوليو 2021).

بعض الولايات الجنوبية سنّت تشريعات تربوية تنتهك حقوق الفرد الأساسية في التعبير، وتحظر تأييد السياسة الفيدرالية بمساواة الفرص التعليمية بين أفراد المجتمع كافة. ومن أبرز الأمثلة الصارخة على انتهاك الحريات، كان تبني مركز أبحاث محافظ في ولاية تكساس، “مؤسسة السياسة العامة لتكساس”، مؤخراً، قائمة مصطلحات “ممنوعة” من التداول في مراحل التربية والتعليم العامة، مثل “العدالة الاجتماعية والاستعمار”. لكن تطبيق تلك القائمة على مؤسسات التعليم الخاصة والعليا سيشكل انتهاكاً صريحاً لنصوص الدستور الأميركي، وكذلك لقانون الحريات المدنية الذي يجرّم التمييز لاعتبارات الأصول العرقية.

في ظلّ تلك اللوحة المتشابكة من القضايا التي تنال اهتمام العامة وجمهور الناخبين على السواء، يشحذ قادة الحزبين كل ما توفر لديهم من ذخيرة لتعديل التوازن الراهن في مجلس الشيوخ (50 عضو لكل منهما). واستناداً إلى ذلك، إن الأجندة الخاصة بالرئيس جو بايدن، المعدة للإنجاز في أقل من سنة ونصف السنة، ستتأثر بشكل جوهري بالحراك الشعبي والتوجهات السياسية المناوئة لحزبه.

في عرف الانتخابات الأميركية، إن حزب الرئيس مرشّح لخسارة أغلبية تمثيله في مجلسي الشيوخ والنواب في الانتخابات النصفية، أي بين فترتي الانتخابات الرئاسية. ودرجت العادة أن يحجم الناخبون المؤيّدون للرئيس عن المشاركة بكثافة. انتخابات أعضاء مجلس الشيوخ في هذه الدورة ستعقد في 34 ولاية؛ 20 مقعداً لنواب عن الحزب الجمهوري و 14 مقعداً للمنافس الديموقراطي، تؤثر فيها بشكل مباشر مجموعات الضغط “اللوبيات”، وخصوصاً قطاع الصناعات العسكرية وقطاع التمويل في “وول ستريت” والإمبراطورية الإعلامية.

تشير استطلاعات الرأي بمجملها إلى قلق مشروع داخل معسكر الرئيس بايدن، نتيجة تدني معدلات التأييد لسياساته، والتي تتراوح بين 50-55%، وهي ليست كتلة متراصة بطبيعة الحال. كما يواجه بايدن تحدياً إضافياً بين مؤيديه السابقين من “خريجي الجامعات من البيض”، والذين دعموه بنسبة 54% في الجولة الانتخابية السابقة. جزء لا بأس به من تلك العينة اضطرته الظروف الاقتصادية، وما نجم عن جائحة كورونا من تغييرات هيكلية وديموغرافية، إلى إدخال تعديلات جوهرية إلى نمط حياته اليومية، وأضحى في وضع لا يُحسد عليه من تردي معدلاته المعيشية.

وعليه، يمكن الاستدلال على حرص الرئيس في الترويج لسياساته الاقتصادية والاستثمار في البنى التحتية، بعد طول غياب وتجاهل من الحزبين، إذ إن أيّ تعديل، ولو طفيف، في الأداء الاقتصادي سيمكّنه من استثماره انتخابياً.

قراءة اللوحة الانتخابية المقبلة لمجلس الشيوخ تشير إلى مقعدين متأرجحين في ولايتي بنسلفانيا وويسكونسن، اللتين فاز فيهما بايدن بنسبة متدنية، 1%. كما أن الحزب الديموقراطي معرض لخسارة نحو 4 مقاعد من مجلس الشيوخ تعود لولايات أريزونا ونيفادا وجورجيا ونيو هامبشير.

جردة سريعة لأهمّ المقاعد المرشحة لفوز طرف الخصم بها تشير إلى أريزونا، الممثلة بعضو مجلس الشيوخ “الليبرالي” مارك كيلي، وخصوصاً مناهضته حمل السلاح في الأماكن العامة، بعد تعرض زوجته النائب الأسبق في مجلس النواب غابي غيفورد لإطلاق نار خلال مهرجان انتخابي كاد يقتلها، يقابله جمهور من الناخبين المحافظين في غالبيته.

المنافس الجمهوري لمقعد أريزونا، مارك برونوفيتش، يشغل منصب المدعي العام في الولاية، ولديه سجّل وافٍ من سياسات محافظة تحظى بتأييد جمهور لا بأس به من الناخبين، أهمها معارضته لالمهاجرين الذين يفتقدون الأوراق الثبوتية، وفوزه بحكم قضائي مؤخراً ضد شركة “غوغل”، محوره انتهاكها للحرية الفردية.

شهدت ولاية جورجيا الجنوبية فوز مرشح الحزب الديموقراطي الأسود، رفائيل وورنوك، في الجولة السابقة بنسبة 51%، لملء المقعد الشاغر عن غياب السيناتور السابق آيزكسون. منافسه المحتمل ذو البشرة السمراء، هيرشل ووكر، صديق شخصي للرئيس السابق دونالد ترامب، وشغل منصباً استشارياً لدى البيت الأبيض حول الرياضة واللياقة البدنية والتغذية.

شهرة ووكر تعود أيضاً إلى تفوقه في مباريات كرة القدم للمحترفين في عدة أندية، منها نادي “رعاة البقر لدالاس”، وجامعة ولاية جورجيا المشهورة، إلى جانب نجاحه المهني كرجل أعمال مشهود له.

أيّدت ولاية نيفادا مرشحي الحزب الديموقراطي في الجولة الأخيرة، لكن نفوذ الحزب الجمهوري وتأثيره فيها له تاريخ طويل. ومن المرجح دعمها مرشحيه في الجولة المقبلة. الممثلة الراهنة عن الولاية، كاثرين كورتيز ماستو، فازت بنسبة متدنية تكاد لا تتجاوز 47% في الجولة السابقة. منافسها الجمهوري، آدم لاكسالت، شغل منصب المدعي العام السابق للولاية، ويحظى بتأييد الجناح اليميني المتشدد في الحزب الجمهوري. يشار إلى أن نيفادا أيدت الرئيس بايدن في الانتخابات الرئاسية بنسبة ضيلة أيضاً 50.06%.

ولاية نيو هامبشير، في أقصى الشمال الشرقي، فازت بها مرشحة الحزب الديموقراطي ماغي حسن، لكنها شهدت تراجعاً ملحوظاً في تأييد ناخبيها بنسبة 2 إلى 5، وهي نسبة مقلقة لأي مرشح. حاكم الولاية الجمهوري كريس سنونو أعرب عن نيته الترشح لعضوية مجلس الشيوخ، وكذلك اللواء المتقاعد في القوات الخاصة دونالد بولدوك. السيدة حسن تفوّقت على بولدوك في استطلاع رأي حديث بنسبة 52%، بيد إن دخول حاكم الولاية الجولة الانتخابية سيعقّد حظوظها على الأرجح.

النائب الجمهوري عن ولاية بنسلفانيا “الحاسمة”، بات تومي، أعلن عن عدم ترشحه في الجولة المقبلة. ومن المرجّح أن يفوز بالمقعد مرشح الحزب الديموقراطي، وخصوصاً أن الولاية فاز بها الرئيس بايدن بنسبة 50% عقب صدامٍ دامٍ مع الرئيس السابق ترامب. أعلن 8 مرشحين عن الحزب الديموقراطي نيتهم خوض الجولة الانتخابية، إضافة إلى 9 آخرين ينوون الترشح، وليس بين الفريقين مرشح قوي للحظة.

السيناتور الجمهوري القوي رون جونسون، عن ولاية ويسكونسن، فاز بمنصبه بنسبة 50.17% في العام 2016، لكنه لم يعلن عن نيته الترشح للجولة المقبلة. في المقابل، أعلن 5 مرشحين عن الحزب الديموقراطي جهوزيتهم خوض الجولة الانتخابية المقبلة، لا يوجد بينهم مرشح قوي، والكل بانتظار إعلان السيناتور جونسون عن خطوته المقبلة أمام تصريحاته السابقة التي أشار فيها إلى أنه لا ينوي شغل المنصب لأكثر من دورتين انتخابيتين.

أمام هذه اللوحة الأولية لموازين القوى، تشتدّ حدة الجدل العام حول اعتماد “مبدأ العرق” من عدمه، والذي سبقت الإشارة إليه، ويجري تداوله بقوة بين مراكز الأبحاث وصناع القرار السياسي. وفي هذا الصدد، أوضح “معهد بروكينغز” أن التيار اليميني، ممثلاً بالحزب الجمهوري، ينشر بين صفوفه تفسيرا مضلِّلاً للمبدأ، لإثارة مخاوف قاعدته الانتخابية، بالزعم أن تناول الطرف الآخر للمسألة “يضع اللوم على مجمل العنصر الأبيض لاضطهاده” ذوي البشرة السمراء، وفي الوقت عينه تصنيفهم “كضحايا مضطهدين ميؤوس منهم”.

في النتيجة، حفّزت تلك المخاوف المجالس التشريعية المحلية والهيئات التعليمية على السواء على اعتماد حظر على إدخال مادة “العنصرية” في المناهج الدراسية في 6 ولايات، انضمت إليها 3 ولايات أخرى، استباقاً لبدء الجولة الانتخابية (معهد “بروكينغز”، 2 تموز/يوليو 2021).

2021-28-06-التحليل

التحليل

اللعب على حافة الهاوية لم يعد متاحاً
واشنطن أمام تحديات عالم متغيّر

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

برز مصطلح “اللعب على حافة الهاوية” في الولاية الأولى للرئيس الأسبق دوايت آيزنهاور 1953-1956″، بالتزامن مع نضوج صراعات النفوذ في العلاقات الدولية، ومع بدايات الحرب الباردة والعداء الأميركي المتأصل للتجربة السوفياتية ومحاصرتها. وينسب إلى وزير خارجيته جون فوستر دالاس ترجمة المصطلح بالتناغم مع اندلاع الحرب الكورية وتقسيم شبه الجزيرة، و”تحذيره” موسكو  من كلفة “انتقام هائل ضد أهداف سوفياتية”.

عرّف دالاس مقصده بأنه “الفن الضروري” الذي ينطوي على امتلاك “القدرة على الوصول إلى حافة الهاوية دون الدخول في الحرب”، أي ممارسة التهديد  باستخدام القوة العسكرية، ومن ضمنها الحرب النووية، لفرض تراجعات على الاتحاد السوفياتي ضمن معادلة الصراع الكوني بينهما. وعليه، اعتمدتها واشنطن كركيزة أساسية لسياساتها ضد موسكو، وكانت أحد عناصر تدهور العلاقات بينهما منذئذ.

بعد الإفراج عن الوثائق الرسمية الأميركية لعهد آيزنهاور، تبيّن أنّ الأخير ووزير خارجيته دالاس قرّرا المضي في سياسة اللعب على حافة الهاوية، والتي تعارضت تماماً مع سياسة رئيس الوزراء البريطاني وينستون تشيرتشل المعروفة بـ “التعايش السلمي” مع الاتحاد السوفياتي (بحسب ما جاء في كتاب استاذ التاريخ في جامعة دالاس، ديفيد واتري، “الديبلوماسية على شفير الانهيار: آيزنهاور وتشيرتشل وإيدن في الحرب الباردة”، 2014)، بيد أن واشنطن وموسكو استطاعتا التوصّل إلى تفاهمات عملية بين الفينة والأخرى، وإجراء مناورات عسكرية مستقلة متبادلة، من دون الانزلاق إلى خطر نشوب حرب بينهما طيلة عصر الحرب الباردة، على الرغم من تدهور العلاقات بينهما في محطات عدة، وخصوصاً أثناء “ربيع براغ” ودخول القوات السوفياتية وحلف وارسو إلى تشيكوسلوفاكيا في العام 1968. وسبقه “أزمة الصواريخ الكوبية”، في عهد الرئيس جون كنيدي ورئيس الوزراء السوفياتي نيكيتا خروتشوف. وقد كاد سوء تقديرات واشنطن يتسبّب في اندلاع حرب نووية بينهما، فرضت على إثرها واشنطن حصاراً على كوبا لا يزال قائماً إلى اليوم.

إنّ جردة سريعة لعلاقات الدولتين العظميين تشير بوضوح إلى تبدّل في سياسات واشنطن العدائية، على خلفية أزمتها الداخلية المتصاعدة نتيجة حرب فيتنام، و”تجميد” سياسة الاحتواء السابقة إلى حين، وانتهاج “سياسة الانفراج” في عهد الرئيس ريتشارد نيكسون، والتي استمرت إلى نحو 12 عاماً، شهد فيها المسرح العالمي انخفاضاً ملحوظاً في منسوب التوتر بينهما.

جاء التحوّل النوعي في سياسة تصعيد واشنطن مع الرئيس الأسبق رونالد ريغان الذي أطلق العناق لسباق التسلح بين الطرفين، بتبنّيه “مبادرة الدفاع الاستراتيجي”، أو حرب النجوم، وإدخال أسلحة استراتيجية جديدة إلى الترسانة الأميركية، قاذفة الشبح والقنبلة النيوترونية، وإنعاش توجهات قوى اليمين المتشدد بموازاة الحقبة المكارثية، وربما أبعد منها، لاستعداء “امبراطورية الشر”، كما أسماها ريغان.

تلك كانت أبرز تجليات “اللعب على حافة الهاوية” بين الدولتين العظميين، ثم تجدد الأمر مرة أخرى مع مجيء الرئيس دونالد ترامب وتصعيده منسوب “الأزمة” مع كوريا الشمالية، مهدداً باستخدام السلاح النووي ضدها، وما رافقها من توتر عالمي وضغوط دولية أسفرت عن لقاء قمة بين رئيسي البلدين، لكن سرعان ما بددت واشنطن نتائجها المرجوة نتيجة ضغوط داخلية قاسية، أرضيتها عدم جهوزية الولايات المتحدة “لإنهاء حالة العداء” مع كوريا الشمالية ورفضها بشدة ، وتجديد مطالبها لقلب نظام الحكم فيها.

تميّزت ولاية الرئيس الأسبق ترامب بإعلاء “أميركا أولاً” على حساب النظام العالمي السائد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وسعيه لتشكيل نظام عشوائي أطاح أسس التحالفات والتوافقات الدولية وقواعد “الاحترام المتبادل”، بيد أنّ الرئيس الحالي جو بايدن ماضٍ في ترجمة تلك النظرة القاصرة بأسلوب أكثر سلاسة وجاذبية، بإقرار إدارته أنّ “بعض أفعالنا في السنوات الأخيرة قوّضت النظام العالمي”.

أما وجهة الإدارة فهي “الحفاظ على النظام القائم على قواعد تشكل الصين تحدياً لها”، ما اعتبر قفزاً مقصوداً على التغيرات العالمية وتراجع هيبة الولايات المتحدة. (مداخلة وزير الخارجية طوني بلينكن بالفيديو أمام مجلس الأمن الدولي، 7 أيار/مايو 2021).

تلك “القواعد” التي أرست علاقة عاصمتي العملاقين، واشنطن وموسكو، أسهمت في عدم انجرارهما إلى اشتباكات مباشرة ودخول عصر “ما بعد الحرب الباردة”، من دون ارتكاب أخطاء في الحسابات تؤدي إلى نشوب صراع شامل، لكن المشهد العام لم يخلُ من تحديات بينهما استخدمت فيه الأسلحة الحديثة وإرساء رسائل ردع متبادلة بينهما.

لقد شهد الأسبوع المنصرم، 23 حزيران/يونيو الجاري، خرق المدمّرة الحربية البريطانية “أتش أن أس ديفندر” حدود روسيا، قبالة سواحل شبه جزيرة القرم، ما دفع سلاح الجو الروسي إلى إطلاق 4 قنابل تحذيرية بالقرب منها، بينما أنكرت البحرية البريطانية الحادث برمته على خلفية عدم اعترافها بسيادة روسيا على شبه الجزيرة. ويعتبر المراقبون العسكريون أنها المرة الأولى منذ الحرب الباردة التي تستخدم فيها روسيا ذخيرة حية “لردع سفينة تابعة لحلف الناتو”، وهو إجراء لم يمكن مسموحاً به ضمن قواعد اشتباك الحرب الباردة .

وعلى أثر الحادثة، سارعت روسيا إلى نقل مقاتلتين، من طراز MiG-31K، تحملان صواريخ “فرط صوتية” من طراز Kinzhal  (الخنجر)، إلى قاعدة حميميم في سوريا، للمشاركة في مناورات في مياه البحر المتوسط (25 حزيران/يونيو 2021).

وسبق حادثة حلف الناتو قرب المياه الروسية إجراء موسكو مناورات عسكرية ضخمة في المحيط الهاديء على مسافة 300 ميل من جزر “هاوايي” الأميركية، شارك فيها  نحو 20 سفينة حربية ومقاتلات متطورة وقاذفات بعيدة المدى، واقتراب بعض قطعها البحرية بنحو 20 ميلاً بحرياً من شواطيء “هاوايي”.

استنفر الجانب الأميركي، ورفع درجة جهوزيته ومراقبته للمناورات العسكرية بنشر 3 مدمرات وقطع عسكرية أخرى في المياه الإقليمية، وفسّر الخطوة “غير المسبوقة” لروسيا بأنها جزء من خطة متكاملة لتطوير قدراتها العسكرية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة واستعراض القوة بعيداً عن حدودها الجغرافية.

وزارة الدفاع الروسية أوضحت أنّ هدف المناورة هو اختبار قدرة أسلحتها على “تدمير مجموعة من حاملات الطائرات المعادية”، ما أشار إلى تذخير القاذفات الروسية بصواريخ مضادة للسفن. اعتبر الجانب الأميركي أن العقيدة الروسية الجديدة تتمحور حول تكثيف الهجمات على شبكات الدفاع الجوي المعادية، استكمالاً للعقيدة السابقة بقصف سريع للسفن بصواريخ مضادة ، لكن الجديد هو دخول الصواريخ التي تفوق سرعتها سرعة الصوت بعدة مرات، والتي تشكل تحدياً جاداً للترسانة الأميركية في وضعها الراهن.

الردّ أو الاستعراض الأميركي على المناورة الروسية أعلن عنه بإجراء “اختبار الصّدمات” ضد أحدث حاملة طائراتها “يو أس أس جيرالد فورد”، مستخدمة 40،000 رطل (18،143 كلغم) من المتفجرات، في مياه تبعد نحو 100 ميل عن ولاية فلوريدا، للتيقن من قدرتها على تحمل “ظروف المعركة”.

وسجلت “هيئة المسح الجيولوجي” الأميركية الانفجار بأنه يعادل زلزالاً بقوة 3.9 درجة على مقياس ريختر. تعرضت الحاملة لتأثير انفجار هائل، عندما كانت على بعد 500 قدم (152 متراً) من مركز الانفجار، ولحقها بعض الأضرار، ثم عادت إلى حوض جاف لإجراءات الصيانة والإصلاحات (نشرة سلاح البحرية “يو أس أن آي”، 19 حزيران/يونيو الجاري).

يشار إلى أن “اختبار الصدمات” جاء ثمرة جهود وإلحاح رمز معسكر الحرب الأميركي، السيناتور الراحل جون ماكين، للتيقّن من أدائها والقدرة على اعتمادها كمقدمة لتوفير الميزانيات المطلوبة لحصد نتائج مُرضية.

يزهو القادة العسكريون في واشنطن بقدرتهم على تدمير بطاريات الصواريخ الأسرع من الصوت قبل إطلاقها، وذلك استناداً إلى “عقيدة الدفاع الراهنة”، التي تقتضي انشاء شبكات دفاعات موازية زائدة عن الحاجة، للتغلب على إمكانية خروج حاملة الطائرات من الخدمة واعتماد حاملتي طائرات لكل مجموعة قتالية، وللتطورات الحديثة أيضاً في تقنيات وسائل الدفاع الجوي الأميركي، فضلاً عن حرب التشويش الإلكترونية.

ليس مستبعداً على مراكز صنع القرار الأميركي الجنوح إلى ارتكاب أخطاء تجاه نيّات روسيا، أو قراءة عزم الرئيس الروسي نشر قوة بلاده على المستوى العالمي، يدعمها انتعاش موجة عداء جديدة ضدها، وخصوصاً منذ انتخابات العام 2016 الرئاسية.

يجادل هؤلاء في أنّ مواصفات اللعب الناجح على “حافة الهاوية” يقتضي توفّر موارد كافية لانتشار القوة بعيداً من الحدود الجغرافية، ولا يزال معظم استراتيجيي واشنطن ينظرون إلى روسيا بازدراء شديد،  وبأنها “محطة وقود متنقلة”، كما وصفها السيناتور الراحل جون ماكين، وإصرارهم على اعتبار قوة الاتحاد السوفياتي سابقاً بأنها وهمية.

سياسة الرئيس بايدن نحو روسيا، كما تشير إليها الأدبيات السيّاسيّة المتعددة، تستعيد نموذج “الاحتواء” السابق وما أدى إليه من تجارب قاسية في الداخل الأميركي، والاستنزاف المستمر لمواردها الاقتصادية، والتدهور السريع في بناها التحتية التي بدأ الحديث عن ترميمها مؤخراً.

يمكننا القول أن صنّاع القرار السياسي الأميركي، في الفترة الراهنة يثبتون مرة تلو الأخرى مدى قصور رؤيتهم إلى المتغيرات الدولية، والتظاهر بقدرتهم على الاستمرار باللعب بالأدوات السابقة نفسها للسيطرة على العالم، الذي لم يعد كما كان إبان الحرب الباردة.

2021-21-06-التحليل

التحليل

“أميركا عادت” .. لكن إلى متى؟

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

تسويق البيت الأبيض للجولة الخارجية الأولى للرئيس بايدن أثمر تجميداً لتدهور العلاقات بين القوتين العظميين، الولايات المتحدة وروسيا، وسعياً لتحقيق تقدم في معالجة أبرز التحديات العالمية وأخطرها بينهما.

بعد أن استهلّ بايدن الجولة بالقول إنها تحقيق حلم عمره “50 عاماً”، انهالت آيات الثناء على ملامح الإنجازات، أهمها من وزير الدفاع الجمهوري الأسبق، تشاك هيغل، الذي قال إن الرئيس بايدن “كان دائماً ما يرى السياسة الخارجية عنصراً غير مستقل عن السياسات الداخلية أو المصالح القومية” للبلاد، نظراً إلى ترابطهما الوثيق، “سواء في مجالات التجارة الخارجية أو قضايا المناخ والإرهاب والشؤون الدفاعية، وكلها مجتمعة تشكل عناصر مصالحنا” (نشرة “بوليتيكو”، 7 حزيران/يونيو 2021).

هذا “التقدم قد تظهر نتائجه بعد 6 أشهر”، بحسب توقعات طواقم مستشاري البيت الأبيض، وهي فترة زمنية قد تشهد جهوداً للتغلب على تشنجات السياسة الأميركية، إرضاءً لعقلية معسكر الحرب الباردة، ثم الانتقال إلى مرحلة “التفاؤل الحذر، للتوصل إلى ترتيبات مهذّبة مع (الرئيس) بوتين” (صحيفة “نيويورك تايمز”، 18 حزيران/يونيو 2021).

وعليه، اعتبرت مراكز صنع القرار السياسي في واشنطن “مجرد لقاء القمة إنجازاً كبيراً” لرؤية الرئيس بايدن، الذي أعطى الأولوية للمسار الديبلوماسي في الانفتاح وتقديم حلول للتحديات الراهنة، محلياً وعالمياً، والذي جسّده إعلان الرئيسين عودة سفيري بلديهما لممارسة مهامهما المعتادة، وترجمةً عمليةً أيضاً لشعار الرئيس بايدن بأن “أميركا عادت، وعادت معها الديبلوماسية”، لرسم معالم المرحلة المقبلة.

أما النخب الفكرية والسياسية الأميركية، فقد اعتبرت أن الرئيس بايدن ينتمي إلى عقلية الحرب الباردة، وخصوصاً أن بوصلة “سياساته الخارجية عالقة في آفاق القرن العشرين، وخططه للأزمات العالمية لا تفارق نمطية حلولٍ تقليدية عفا عليها الزمن”، وذلك في أول تحدٍ حقيقي له خلال العدوان الصهيوني على قطاع غزة “والحظر (الأميركي) المتكرر لإصدار مجلس الأمن الدولي” قراراً يدين العدوان (مجلة “نيو ريببلك”، 4 حزيران/يونيو 2021).

في مجال التوقعات الأميركية “المتواضعة” من الجولة الأوروبية ولقاء القمة، تجمع مراكز صنع القرار على 3 أهداف يمكن تحقيقها، أوجزتها صحيفة “نيويورك تايمز” بالقول: “إقناع الحلفاء الأوربيين بأن أميركا عائدة (لممارسة دورها الريادي)، وحشدهم خلف توجهات واشنطن لاحتواء صعود الصين، وإرساء “خطوط حمر” أمام الرئيس الروسي” الذي أضحى “خصماً معتبراً” (“نيويورك تايمز”، 18 حزيران/يونيو 2021).

النتيجة العامة، وفق تقييم هؤلاء، أن الرئيس بايدن “حقق” الهدف الأول بعودة بلاده بعد انقطاع فاعل وانقسام داخل صفوف دول الحلف. أما في مسألة احتواء الصين، فقد “حقق بعض التقدم لدى بعض الأوروبيين في ظل إعراض هائل لديهم عن التماشي معه باعتبار الصين مصدر تهديد، وخصوصاً في مجال التبادل التجاري”، نظراً إلى اعتماد اقتصاديات الدول الأوروبية، ولا سيما الغربية، على المنتجات الصينية بشكل ملحوظ.

وأعرب عدد لا بأس به من النخب الفكرية الأميركية عن شكوكهم في تمكّن الرئيس بايدن من إحداث تحوّل كبير في السياسة الخارجية في ولايته الأولى برمتها، نظراً إلى عدم اكتراث “قيادة الحزب الديموقراطي الحالية بإعادة التفكير (الجدي) في سياسات بلادها، وتجلياتها بإحاطة الرئيس بايدن نفسه بشخصيات موالية من داخل المؤسسة الحاكمة”، وتأييدها قرار العدوان على العراق وغزوه (مجلة “نيو ريببلك”، 4 حزيران/يونيو 2021).

النخب الفكرية الأميركية الأشد تأثيراً في صنع القرار السياسي، والمنضوية تحت مظلة “مجلس العلاقات الخارجية”، الذي يصدر دورية شهرية رصينة بعنوان “فورين أفيرز”، شاطرت الأوروبيين خشيتهم من تداعيات “أميركا عادت”، متسائلة “لكن إلى متى؟”

وأوضحت أن ترسّخ ذلك الشعور جاء نتيجة “اتساع هوة الخلافات الحزبية العميقة (في واشنطن)، والتي تؤسس لأرضية عدم اليقين بالتوجهات المستقبلية للسياسة الخارجية الأميركية” (“فورين أفيرز”، 14 حزيران/تموز 2021.

أما خلاف الأوروبيين مع توجهات واشنطن برفع حالة العداء مع الصين، فقد ترجم بعدم الرضى عن تصريحات وزير الخارجية الأميركي توني بلينكن، حين اتهم الصين بارتكاب سياسة “التطهير العرقي” بحق أقلية الأيغور، والإقلاع عن الاصطفاف وراء أولويات السياسة الأميركية.

بالنسبة إلى الهدف الأهم للجولة، المتمثل بإرساء تفاهمات عملية مع الرئيس الروسي، فإن المؤشرات الناتجة من مؤتمريهما الصحافيين المنفَصِلين “لا تدل على حدوث اختراق ملموس بوسعه إحداث تغيير كبير في تردي علاقاتهما” (“نيويورك تايمز”، 18 حزيران/يونيو 2021).

بعبارة أوضح، فشل الرئيس بايدن في ترجمة التوقعات الوردية، بسب ما أسماه كبار مستشاريه بأنه يتميز “بدوام التفاؤل، وربما هو الوحيد” الذي يؤمن بذلك، ويأخذ بعين الاعتبار توصيات مستشاريه بضرورة عدم عقد “مؤتمر صحافي مشترك”، لخشيتهم من بؤس أداء الرئيس الأميركي أمام نظيره الروسي، الذي “يعود مجدداً” إلى دائرة الاهتمام العالمي، والذي نجح نجاحاً باهراً في تسجيل تنازل واشنطن عن معارضتها أنبوب الغاز الروسي “نورد ستريم-2” إلى ألمانيا الغربية مباشرة.

التحول في قرار الرئيس بايدن بإجازة استكمال أنبوب النفط والغاز، اعتبرته شبكة “سي أن أن”، بنسختها العربية، أنه يشكل تأكيداً واضحاً على “حرصه تحقيق اختراق في قمة جنيف، ولو كان ذلك خلافاً لتوصية الخارجية الأميركية”.

وربما الأدق في هذا السياق ما أثير قبيل مغادرة الرئيس بايدن البيت الأبيض، بأن الرئيس بوتين استطاع “اختطاف أضواء المسرح الدولي” بسياساته الوطنية محلياً، وتحديه النفوذ الأميركي على المستوى العالمي، كما شهدنا في مؤتمره الصحافي بحضور وسائل الإعلام الأميركية والأوروبية. وعليه، من غير اللائق ظهور الرئيس بايدن إلى جانبه في وضع ضعيف، في ظل تراجع حالته الذهنية وظهور أعراض الشيخوخة عليه، كما يتردد بكثافة في واشنطن هذه الأيام.

العلاقات الثنائية بين العظميين، قبل لقاء القمة، شهدت موجة توترات أوشكت على أن تؤدي إلى نشوب اشتباكات عسكرية مباشرة بينهما، على خلفية تمدد حلف الناتو عسكرياً في منطقة البحر الأسود، أوجزتها مؤسسة “راند” النافذة لدى محافظي المؤسسة الأميركية الحاكمة، بالإشارة إلى انقطاع سبل “التواصل بينهما، والتي شهدت خللاً وظيفياً على كل مستويات العلاقة، بما فيها أعلى المستويات” (مؤسسة “راند”، 10 حزيران/يونيو 2021).

وصعّدت المؤسسة خطابها السياسي الذي يعكس عقلية الحرب الباردة بامتياز، معتبرة أن جدول أعمال الرئيس بايدن يشمل “على الأرجح مناقشة التدخل في الانتخابات (الأميركية)، والحملة الدعائية المضادة، والحد من الأسلحة، والاستقرار الاستراتيجي، وتمظهر روسيا العسكري، وإغلاق البعثات الديبلوماسية” لديهما.

وكذلك فعلت شبكة “سي بي أس” الأميركية للتلفزة، إذ حرّضت على روسيا بالقول: “استباقاً للقاء القمة بين بايدن وبوتين، نفذت روسيا ما وصفته بأنه أضخم مناورة عسكرية بحرية في المحيط الهاديء منذ (أفول) الحرب الباردة”، في إشارة إلى موقع المناورات البحرية التي تبعد عن شواطيء جزر هاوايي الأميركية بنحو 300-500 ميل، والتي “اشتركت فيها سفن عائمة وطائرات مضادة للغواصات وقاذفات بعيدة المدى”.

سرعان ما تبخرت “أجندة مؤسسة راند” في مؤتمر الرئيس بايدن الصحافي، بانتهاجه أسلوباً تصالحياً مع موسكو، قائلاً: “جدول أعمالي ليس معادياً لروسيا”، مؤكداً استكمال “إنجاز ما أتيت لأجله”، أي “انتهاج مسارٍ شديد التفاؤل” في العمل المشترك، والذي “يرسي أرضية لتوجه عظيم للمرة الثانية على الصعيدين الداخلي والخارجي” للرئيس بايدن (نشرة “آكسيوس”، 17 حزيران/تموز 2021).

في هذه الأثناء، برز حجم الهدر المالي في ميزانيات وزارة الدفاع الأميركية، أهمها “إنشاء منظومة دفاعية مضادة للصواريخ”، دشّنها الرئيس الأسبق جورج بوش الإبن في العام 2001، بتخصيص زيادة ثابتة في الميزانية الدفاعية، قيمتها 8 مليار دولار سنوياً، والتي وُوجهت برفض شديد من قبل “الاختصاصيين والديبلوماسيين وقيادات الحزب الديموقراطي” (نشرة “ديفينس وان”، 15 حزيران/يونيو 2021).

وأضافت النشرة أنه تم إنفاق “أكثر من 400 مليار دولار على مدى عدة عقود” على برامج تطوير وانتاج أسلحة لم تثبت نجاعتها، على أقل تقدير. واستعادت تعليقاً للسيناتور بايدن آنذاك، حذّر فيه من الهدر المنظم للموارد المالية، وخصوصاً أن الولايات المتحدة “لا تمتلك بنى تحتية لنظام رعاية صحية باستطاعته معالجة الجراثيم المسببة للأمراض التي تداهمنا على عجل”.

وذكّرت النشرة كل الأوساط السياسية بأن تحذير السيناتور بايدن من سباق التسلح النووي كان باستطاعته “توفير مئات الميارات من الدولارات على أسلحة لم تستوفِ شروط انتاجها، بل فشلت ميدانياً”.

ومضت النشرة المختصة بالشؤون العسكرية محذرةً قيادات البنتاغون ومؤيديهم في الكونغرس بأنهم “تجاهلوا عن عمد” إعلان الرئيس بوتين “دخول 5 نظم تسليح حديثة الخدمة الميدانية، من شأنها التغلب على نظم الدفاعات الأميركية أو تفاديها”، في العام 2018، وطالبتهم “بالاصغاء جيداً الآن”، وترجيح تحذيرات الرئيس بايدن من هول سباقات التسلح وتكاليفها المتزايدة باطّراد، والذي “باستطاعته تصحيح تراكم أخطاء الماضي”.

الاستنتاج الثابت من قمة العظميين أنها أرست مساراً لـ “خفض حدة التوتر” والذهاب النشط للتعاون المشترك في “الحد من التسلح.” أما الملفات المحلية والإقليمية، مثل سوريا وعلاقة روسيا بالصين، فقد تم إرجاؤها للمزيد من البحث بين اللجان المشتركة المختصة في المدى المنظور، والتي ستتأثر سلباً أو إيجاباً بتعاون البلدين في القضايا الكبرى التي تؤسس للاستقرار العالمي.

2021-15-06-التحليل

التحليل

الأهداف الكامنة وراء جولة بايدن الأوروبية

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

كأنّما استغرق الإعداد للجولة الخارجية الأولى للرئيس جو بايدن “50 عاماً”، بحسب الناطق باسم البيت الأبيض جن ساكي، لتسويق خبرته السياسية الطويلة أمام نظرائه وجمهور الأوروبيين، مقارنةً مع سلفه. وتشمل الجولة جملة لقاءات رفيعة المستوى، يتوّجها لقاء قمة بين رئيسي الدولتين العظميين جو بايدن وفلاديمير بوتين.

وقد درجت العادة في اللقاءات الدولية ذات الطابع الاستراتيجي تصعيد كل طرف خطابه السياسي عما ينوي نقاشه وتحقيقه مع خصمه. سنتناول في هذا التحليل الزاوية الأميركية والأهداف الكامنة وراء جولة الرئيس بايدن الأوروبية، على أن نستكمل في الجزء الثاني المقبل ما ستسفر عنه قمة الرئيسين بايدن وبوتين، والتي ينتظرها العالم بفارغ الصبر، لما تشيعه من أجواء وخيارات تنعكس سلباً أو إيجاباً على المرحلة القادمة دولياً.

مهّد الرئيس جو بايدن للأجواء الداخلية الأميركية بنشره مقالاً في صحيفة “واشنطن بوست”، ركّز فيه على أهمية التحالفات عبر الأطلسي “بقيادة واشنطن”، وتعزيز قدرة “المؤسّسات الديموقراطية على مواجهة التهديدات والتصدي لتحديات الأعداء في العصر الحديث”، مؤكّداً في خلاصته أنّ “الإجابة هي نعم. لدينا فرصة لإثبات ذلك هذا الأسبوع في أوروبا” (“واشنطن بوست”، 5 حزيران/يونيو 2021).

مراكز القوى المؤثرة في صناعة القرار السياسي الأميركي تدرك بشدة المدى الذي وصلت إليه الدول الأوروبية المختلفة من “خيبة أمل وشكوك في سياسات الإدارة السابقة”، وخصوصاً في ملفات بارزة، أهمها اشتراط واشنطن زيادة مساهمة دول حلف الأطلسي في كلفة الدفاع المشترك إلى معدل 2،5% من ناتجها القومي، وفرض الرسوم الجمركية، وانسحاب واشنطن من المعاهدات الدولية – الاتفاق النووي واتفاقية المناخ.

وعليه، تعلّق النخب السياسية آمالاً كبرى على نجاح مساعي الرئيس بايدن في ترميم العلاقات عبر الأطلسي وإصلاحها من ناحية، والتغلب على تحديات جائحة كورونا، نظراً إلى التراجع الملحوظ الذي ألحقته بالاقتصاد الأميركي والعالمي.

في السياق عينه، تباعدت أولويات دول الحلف الأساسية، ألمانيا وفرنسا، اللتين عزفتا عن الانخراط في صراع واشنطن وبكين وما يستدعيه من مهام عسكرية رديفة للتواجد الأميركي في المياه والقواعد الآسيوية، بينما انفردت بريطانيا بإرسالها حاملة طائراتها الحديثة “الملكة اليزابيث”، وعلى متنها سربا طائرات مقاتلة من طراز “أف-35″، لتعزيز التواجد العسكري الأميركي مقابل الصين.

ومن أبرز معالم تباين الأولويات على جانبي الأطلسي توقيع المجموعة الأوروبية “الاتفاق الشامل حول الاستثمار” مع الصين، عقب فوز بايدن، بعد مفاوضات طويلة استغرقت 7 سنوات، وتجميده حديثاً على خلفية الضغوط الأميركية المكثّفة على الصين.

تشير مراكز المؤسّسة الحاكمة في واشنطن إلى “تخوّف الدول الأوروبية” من التماهي مع السياسات الأميركية في المرحلة الراهنة، نظراً إلى خشيتها من عودة الحزب الجمهوري بتياره اليميني المتشدّد إلى السلطة، ليس في الانتخابات الرئاسية في العام 2024 فحسب، بل في الانتخابات النصفية في العام المقبل أيضاً، بحسب ما تتناقله المؤشرات واستطلاعات الرأي العام.

كما اعتبر الأوروبيون إقحام الرئيس الأميركي نفسه إلى جانب سياسات لندن الأخيرة أمراً غير مبرر، وذلك بإعلانه تأييد توحهات رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون فيما أطلق عليه سياسة تصدير “النقانق والشرائح الدسمة” إلى إيرلندا الشمالية التي تعارضها الدول الأوروبية بشدة، على خلفية الاحتقان العام، جراء انسحاب لندن من الاتحاد الأوروبي.

وفي هذا الصدد، أوضحت النشرة السياسية اليومية المتخصصة في شؤون الكونغرس “رول كول ((Roll Call” ما يدور من قلق في أروقة السياسة الأوروبية حيال تداعيات “اندفاع الحزب الجمهوري نحو اليمين، والذي لم يشهد تراجعاً منذ خسارة الرئيس دونالد ترامب إعادة انتخابه”، وما سيترتب عليه من تكرار التجربة الإقصائية السابقة (“رول كول”، 9 حزيران/يونيو 2021).

ما يدركه الأوروبيون أيضاً، بحسب النخب السياسية الأميركية، أن نسبةً ضئيلةً نسبياً من أصوات الناخبين الأميركيين شكّلت الفارق لخسارة الحزب الجمهوري، وهو ما أوضحته صحيفة “واشنطن بوست” حين قالت إنّ “الجمهوريين اقتربوا من السيطرة” على السلطتين التشريعية والتنفيذية في واشنطن، “بفارق 90،000 صوت” (“واشنطن بوست”، 9 شباط/فبراير 2021). ولولا تفشي جائحة كورونا وسوء إدارتها ربما، لتمكّن الجمهوريون من “تحقيق هدفهم”، كما تعتقد دوائر سياسية متعددة في واشنطن.

وأردفت “رول كول”، نقلاً عن “مركز التقدم الأميركي”، قائلة: “ألاوروبيون قلقون من أن عودة أميركا قد تكون مؤقتة”، للدلالة على شعار الرئيس بايدن بأنّ بلاده “عادت” لتتبوأ مركزها الدولي السابق. وشاطره الرأي “مجلس الأطلسي” في واشنطن وقراءته لتوجهات “الأوربيين وشعورهم بالخيبة في الأشهر الأولى لإدارة الرئيس بايدن” في عدد من الملفات الرئيسية، واعتقادهم الشائع بأنّ نزعة “أميركا أولا” التي روّجها الرئيس السابق ترامب “لم تأتِ من فراغ”، بل هي من صلب “الاستثنائية الأميركية”، بحسب شارلز كوبشان، المدير الأسبق للشؤون الأوروبية في مجلس الأمن القومي خلال ولاية الرئيس أوباما، والباحث البارز في “مجلس العلاقات الخارجية” المرموق.

رصدت الدوائر السياسية الأوروبية تباين تصريحات الرئيس الأميركي مع أفعاله وسياساته المعلنة، وخصوصاً تشديده على نيّته العمل بصورة جماعية، بينما “تصرّف على انفراد في عددٍ من المواقف، من دون التنسيق المسبق مع الشركاء الأوروبيين”، أبرزها إعلانه انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان في شهر نيسان/إبريل الماضي على انفراد، ما دفع ألمانيا إلى “الإسراع في بلورة خطة انسحاب منظمة لقواتها منها، والتي يبلغ تعدادها 1،300 جندي”.

آخر الحوادث بالنسبة للأوربيين كان إعلان الرئيس بايدن، من دون أدنى تنسيق معهم، “تنازل الولايات المتحدة عن براءات اختراع لقاحا مضادة لفايروس كورونا” (صحيفة “نيويورك تايمز”، 6 أيار/مايو 2021).

في موازاة ظاهرة بروز اليمين الأميركي المتطرف ، تشهد أوروبا صعوداً ملحوظاً لـ “اليمين المتطرف” الذي استطاع الوصول إلى الرايخستاغ (البرلمان) الألماني لأول مرة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وانتعاش النزعات الانفصالية داخل “المملكة المتحدة” بعد بريكست. ويبدو  أن المشهد الفرنسي لا يقل سوءاً عن نظيره في ألمانيا، فمن المتوقّع أن يواجه الرئيس إيمانويل ماكرون منافسته المرشحة اليمينية مارين لوبان في الانتخابات الرئاسية المقبلة، والتي تشير استطلاعات الرأي الفرنسية إلى أن “حظوظها أفضل بكثير من انتخابات العام 2017” (وكالة “رويترز” للأنباء، 9 نيسان/إبريل 2021).

 

مجموعة الدّول السبع

مهّد البيت الأبيض لحضور الرئيس بايدن لقاء مجموعة “الدول السبع” الصناعية كمقدّمة لفرض الأجندة الأميركية على اللقاء الذي تحضره الدول الغربية، إضافة إلى “كوريا الجنوبية وجنوب إفريقيا واستراليا والهند”، عقب دعوتها لأول مرة بصفة “ضيف”، تحشيداً للتوجه الأميركي المناهض للصين وروسيا.

وأوضح بيان البيت الأبيض أن الرئيس بايدن ينوي الحصول على تأييد تلك الدول لخطة “إعادة بناء العالم بشكل أفضل” ،لمنافسة خطة “طريق الحرير الجديدة” الصينية، بحسب بيان البيت الأبيض في 12 حزيران/يونيو 2021.

لتسويق تلك الرؤيا الأميركية، تبنّى البيان الختامي للمجموعة خطّة “تبرّع الدول السبع إلى لدول النامية بنحو مليار جرعة لقاح مضاد لكورونا، تكون حصّة الولايات المتحدة منها 500 مليون جرعة”، وتسليم “200 مليون جرعة مع نهاية العام الحالي”، مع ما يترتب عليها من إنشاء صندوق مالي “لمساعدة الدول المحتاجة”.

أهمية تكتل “الدول السبع” ومستقبلها لا يزالان قيد البحث، وسط انتشار شكوك داخل النخب السياسية الأميركية في جدوى تلك المجموعة، في ضوء المتغيرات والتطورات الدولية، وخصوصاً أن العنوان الرئيسي لأجندتها يتمحور حول “إدامة التوتر مع روسيا والصين”، بينما يواجه القادة الأوروبيون “قائمة طويلة من التحديات الداخلية، أبرزها إدارة تداعيات بريكست والمحافظة على قدر معقول من التماسك الداخلي، في ظلّ تصاعد النزعات القومية”، بحسب وصف “مجلس العلاقات الخارجية” في 8 حزيران/يونيو 2021.

لإنقاذ سمعة الولايات المتحدة وهيبتها المتدهورة “ينصح” رئيس مجلس العلاقات الخارجية، ريتشارد هاس، صنّاع القرار  بتبنّي “تكتّل جديد من القوى، يضم الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي والهند واليابان وروسيا، ويضع نصب عينيه التعاون العملياتي، عوضاً عن التحالفات الإيديولوجية”، وتكون مهمّته “بحث إدارة القضايا ذات الطابع العالمي، مثل الاقتصاد والأمن الدوليين وسياسة الطاقة”. إنها شهادة واضحة بانتفاء غرض انشاء التكتل الغربي في مواجهة صعود روسيا والصين.

 

قمة بايدن وبوتين

سيتوّج الرئيس بايدن جولته الأوروبية بلقاء قمة مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين في جنيف في 16 حزيران/يونيو الجاري، تتزاحم فيها الملفات الدولية والثنائية، وكذلك “الاستقرار النووي الاستراتيجي والصراعات الإقليمية”، بيد أنّ توقعات الطرفين بنتائج ملموسة تبقى باهتة ومتواضعة، كما جاء على لسان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، الذي قال: “ليس لدى روسيا توقّعات مبالغ بها” لنتائج القمة، على الرغم من أهمية المحادثات المباشرة بينهما.

بدوره “ألمح” الجانب الأميركي إلى أنّ لقاء القمّة “لا يشمل عقد مؤتمر صحفي مشترك”، بخلاف لقاء هيلسنكي في العام 2018 بين الرئيس السابق دونالد ترامب والرئيس الروسي بوتين، ما يدل على “توتر وصراع محتدم” داخل دائرة صنع القرار الأميركي.

الاستراتيجية الأميركية الثابتة تعتبر “الصين، لا روسيا”، مصدر التهديد الرئيسي عالمياً للولايات المتحدة، التي يدعو بعض مفكّريها الاستراتيجيين إلى اتّباع نهج “تحييد روسيا عن الصراع المباشر، وإبداء بعض الليونة تجاهها”، ما فسّره البعض “تنازلاً” من الرئيس بايدن عن معارضة بلاده لمشروع أنبوب الغاز الروسي إلى ألمانيا “نورد ستريم-2″، وفي الطرف الآخر تأكيد منه، قبل بدء جولته الأوروبية، أنّ “مسألة الهجمات الإلكترونية ستكون مدرجة” على جدول أعمال نقاش الجانبين، وفي الخلفية “تأكيد مكتب التحقيقات الفيدرالي تورط مجموعة قرصنة الكترونية مرتبطة بروسيا في استهداف أكبر شركة لحوم في العالم، وتقديم مجموعة “ريفيل” إلى العدالة”، 3 حزيران/يونيو 2021.

وأكدت الناطق باسم البيت الأبيض جن ساكي أن الرئيس بايدن “سيبحث مع الرئيس بوتين” قضية الأمن السيبراني، في ظلّ الهجوم الإلكتروني على شركة اللحوم المذكورة في 3 حزيران/تموز 2021.

وإمعاناً في نقل الرسالة بوضوح، صرّح وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن لشبكة “سي أن أن”، الناطقة باللغة الإسبانية، أنه “يتعيّن على روسيا وقف الهجمات الإلكترونية”، وذلك في 4 حزيران الجاري، بينما قال الرئيس الأميركي في وقت سابق: “في الوقت الحالي ليس لدى المخابرات الأمريكية أيّ دليل على تورط روسيا في الهجوم على مشغل خط أنابيب كولونيال”.

2021-06-06-التحليل

التحليل

أميركا تتجسس على حلفائها
و”إسرائيل” تتجسس عليها

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

تزامن إعلان البيت الأبيض عن زيارة الرئيس جو بايدن الأولى لأوروبا، من 11 إلى 14 حزيران/يونيو الحالي، مع تبلور أزمة ثقة علنية بين واشنطن وكبار حلفائها الأوروبيين، بعد الكشف عن “تنصّت وكالة الأمن القومي” على كبار السياسيين في ألمانيا والسويد والنرويج وفرنسا، عبر خطوط شبكة الانترنت الدانماركية تحت الماء من العام 2012 إلى 2014.

وقد شمل التنصّت “مراسلات الهاتف الخاص للمستشارة الألمانية أنغيلا ميركيل، ووزير خارجيتها (السابق) فرانك فالتر شتاينماير، وزعيم المعارضة (آنذاك) بير شتاينبروك، والرئيس الفرنسي مانويل ماكرون”.

استغلت واشنطن “اتفاقية الكابل” المبرمة مع الدانمارك في تسعينيات القرن الماضي للتجسس على المسؤولين الأوروبيين. تسمح هذه الاتفاقية لواشنطن بالوصول إلى “كابلات الاتصالات السلكية واللاسلكية في (أراضي ومياه) الدانمارك”. وقد آثرت الصمت بعد انتشار الخبر، تأكيداً على سياستها التي تعتبر “العمليات الاستخباراتية السرية أداة مشروعة”. أما الاستخبارات الدانماركية، “شريكتها في الجريمة”، فقد رفضت التعليق على ما نشر.

على الرغم من تحالفهما الاستراتيجي أثبتت واشنطن أنها لا تثق بالمستشارة الألمانية التي عارضت عدوان حلف الناتو على ليبيا في العام 2011، والكشف عن تجسس واشنطن على هاتف ميركل الشخصي في العام 2013، “لشكوكها في مدى توافق مصالح الآخرين مع مصالحها”، بحسب النخب السياسية في مركز أبحاث “مؤسسة أميركا الجديدة”. وتتجسد عدم الثقة بينهما فيما يخص السياسة الأميركية نحو روسيا، وإصرار ألمانيا على استكمال العمل في مشروع بناء أنبوب الغاز الروسي “نورد ستريم 2”.

مقارنة مع عدم الثقة المتبادلة بين برلين وواشنطن، تعزز الأخيرة سبل التعاون الاستخباراتي مع تحالف “العيون الخمس”، أي الدول الغربية الناطقة بالانكليزية، وهي أميركا وبريطانيا وكندا واستراليا ونيوزيلندا، والتي يشاع أنها “لا تتجسس على قادة بعضها بعضاً”. في حقيقة الأمر، استثمرت واشنطن بشكل دائم وسخي في مقر الاستخبارات البريطانية وقدراتها التي تعدّها “الأكثر قيمة للاستخبارات الأميركية”.

أوضحت الوثائق السرّية التي كشف عنها المتعاقد السابق مع “وكالة الأمن القومي”، إدوارد سنودن، مديات التعاون الوثيق بين جهازي الاستخبارات الأميركي والبريطاني، ما دفع صحيفة “الغارديان” البريطانية القول إن وكالة الأمن القومي الأميركية موّلت ميزانية نظيرتها البريطانية “بنحو 100 مليون جنيه استرليني لمدة 3 سنوات في الحد الأدنى، لضمان نفوذها وسطوتها على برامج التجسس البريطانية”، منها نحو 15.5 مليون استرليني لتحديث مقرٍ استخباراتي موازٍ لها في مدينة “بود” الساحلية شمال شرق كورنوال (“الغارديان”، 1 آب/أغسطس 2013).

وأضافت الصحيفة أن سنودن حذّر من مخاطر العلاقة الوثيقة بين جهازي الاستخبارات المذكورين، “نظراً إلى جهودهما المشتركة في تطوير آليات تعينهما على التقاط مكالمات واتصالات عبر الانترنت وتحليلها، بل إن الجهاز البريطاني أسوأ من نظيره الأميركي”.

وأردفت في توضيح العلاقة الاستخباراتية قائلة إن “وكالة الأمن القومي تتحمل نصف كلفة موقع تنصت بريطاني في قبرص. وعليه، ينبغي للاستخبارات البريطانية الأخذ بعين الاعتبار وجهة النظر الأميركية عند إقرارها بأولوياتها العملياتية”.

لعل الجديد والأكثر خطورة في تعاون واشنطن ولندن الاستخباراتي استحداثهما نظاماً للتجسس على طائرات النقل المدنية منذ عام 2005، “لمراقبة الهواتف المحمولة جواً، وتتبّع إشارات الأقمار الاصطناعية والمحطات الأرضية السرّية”، وهو الأمر الذي أضحى متاحاً بعد سماح معظم شركات الطيران المدني باستخدام الهواتف الخاصة على متنها. من جانبه، نقل سنودن عن وثيقة داخلية لوكالة الأمن القومي في العام 2009 بأن “السماء يمكن أن تصبح مُلكاً للوكالة الأميركية”.

 

“تجسس إسرائيل” على أميركا

لم يكن الجاسوس مزدوج الجنسية جوناثان بولارد الأول أو الأخير في مسار التجسس “الإسرائيلي” على أركان الدولة الأميركية ومرافقها الرسمية والتجارية والفكرية، وهو الذي أمضى 30 عاماً خلف القضبان. وما فتئت الحكومات “الإسرائيلية” تسخّر ما استطاعت من موارد وجهود ومواطن ضغط من أجل إطلاق سراحه قبل انتهاء محكوميته، ما اضطر مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأسبق، جورج تينيت، التهديد بتقديم استقالته، في العام 1998، في حال رضخت إدارة الرئيس بيل كلينتون لضغوط “اللوبي الإسرائيلي”.

الثابت في علاقة الطرفين “المميزة” هو مسار طويل من التجسس المتبادل، أحدثها كان عثور الأجهزة الأمنية الأميركية على “أجهزة مراقبة للهواتف المحمولة قرب البيت الأبيض ومواقع أخرى حساسة في واشنطن” في العام 2019، ولكن لم يقم الرئيس السابق دونالد ترامب “بتوبيخ الحكومة الإسرائيلية” على فعلتها، كما درجت العادة. وأكدت الأجهزة الأمنية الأميركية مسؤولية “إسرائيل” في زرع أجهزة تنصت في أنحاء مختلفة من العاصمة واشنطن.

وعليه، تصدرت “إسرائيل” قائمة الدول النشطة في التجسس على الولايات المتحدة روسيا والصين، بحسب تقارير المسؤولين الأمنيين، كما وثقت نشرة النخب السياسية “بوليتيكو” ذلك بتاريخ 12 أيلول/سبتمبر 2019. ونالت “إسرائيل” مرتبة “الاستخبارات الأجنبية المعادية” للولايات المتحدة، بموجب وثيقة استخباراتية سرّية في العام 2013.

وأكد مدير قسم الموارد العالمية لمكافحة التجسس لدى “وكالة الأمن القومي” مكمن الخطر في مذكرة سرّية في العام 2008، بتحديده “إسرائيل” مراراً بصفتها أول مصدر تهديد للأمن القومي الأميركي، قائلاً: “أحد أكبر التهديدات التي تواجهها وكالة الأمن القومي مصدره وكالات استخباراتية صديقة، مثل إسرائيل”.

ومنذ أحداث 11 أيلول / سبتمبر 2001، عززت الأجهزة الأمنية الأميركية جهودها الاستخباراتية. ونشرت صحيفة “واشنطن بوست” تقريراً أطلقت عليه “الميزانية السوداء” لمجمّع الأجهزة الاستخباراتية الأميركية، تحدثت فيه عن رصد ميزانية تقدر بـ 52.6 مليار دولار لتلك الجهود في العام 2013 (“واشنطن بوست”، 29 آب/أغسطس 2013).

واستطردت الصحيفة قائلة إن “إسرائيل” جاء ذكرها في نواحٍ متعددة من من تقرير الميزانية المذكورة، بصفتها “هدفاً استخباراتياً رئيسياً”، ووصفت أيضاً بأنها “جهاز استخبارات أجنبي معادٍ” للولايات المتحدة.

الضابط السابق في الـ”سي آي إيه”، بول بيلار، بعد استقالته من الخدمة التي دامت 28 عاماً، كان شاهداً على عدد من حوادث تجسس “إسرائيل” على بلاده، أولها تجسس “الملحق العسكري الإسرائيلي في واشنطن، فرايم بن أرتزي” في العام 1948.

وقال لمجلة “نيوزويك” إن “الحركة الصهيونية أرسلت جواسيسها إلى الولايات المتحدة قبل إعلان قيام دولة إسرائيل”، وإنهم “حصلوا على المكونات الرئيسية لقنابلهم النووية من أميركا” (“نيوزويك”، 6 أيار/مايو، 2014).

تورد “وكالة الأمن القومي”، بين الفينة والأخرى، بيانات تتحدث عن “استهداف إسرائيل للحكومة الأميركية عبر أجهزة تنصت الكترونية، من ضمنها أجهزة هواتف محمولة مخترقة” اصطلح على تسميتها نظم “ستينغ راي”، والتي تقوم بخداع الأجهزة المحمولة لإرسال مواقعها وبيانات هويتها الخاصة ومحتوى البيانات المستخدمة، وهو ما كشفته نشرة “بوليتيكو” (12 أيلول/سبتمبر 2019).

واستطردت النشرة قائلة إن أحد ضباط جهاز مكتب التحقيقات الفيدرالي أكد أن قسم “مكافحة التجسس” لديه أجرى تحليلاً لتحديد مصدر تلك الأجهزة، “ومن الواضح أن الإسرائيليين كانوا مسؤولين” عنها.

يشكو ضباط الاستخبارات الأميركية من إفراط عملاء الاستخبارات “الإسرائيلية” في الثقة بنفسهم وإفلاتهم من العقاب. وقد أوضح المنسق السابق لمكافحة الإرهاب، دانيال بينجامين، الأمر في مقابلة مع نشرة “بوليتيكو”، قائلاً: “أبلغني مسؤول رفيع في الموساد بأن إسرائيل لا تتجسس على الولايات المتحدة. فرددت عليه بأن نقاشنا انتهى ما دام يشك في مستوى ذكائي” (“بوليتيكو”، 12 أيلول/سبتمبر 2019).

بناء على ما تقدّم، ليس المراد تحديد حوادث التجسّس المستمرة من تل أبيب ضد واشنطن، وعلى المستويات كافة، بل الإضاءة على زاوية كانت وسائل الإعلام الأميركية، الرسمية وشبه الرسمية، تتفادى الدخول في متاهاتها، تجنباً لعواقبها وما ستسفر عنه من تداعيات على مجمل المشهد السياسي الأميركي.