2021-04-05-التحليل

التحليل

قلق أميركي من تفوّق الصين
في ميدان المعادن النادرة

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

تتباين المفردات اليومية والتعابير الصادرة في واشنطن – والمعنى واحد – حول وجهة استراتيجيتها في الشرق الأقصى، وتتراوح بين “المنافسة” في الخطاب الرسمي و”الصراع” بين عظميين في الخطاب العام والتعبئة الإعلامية والسياسية.

من بين القضايا المثارة تراجع واشنطن عن انتاج “المعادن النادرة” وسيطرتها على مجموعة من “17 عنصراً كيميائيّاً” لمصلحة الصين، التي أضحت تتحكم بنحو 90% من مجمل الانتاج العالمي، بلغ إنتاجها 140،000 طن في العام 2020، مقابل 38،000 طن للولايات المتحدة،  و2،700 طن لروسيا. بينما “العلاقة الثنائية مع الصين أصبحت محفوفة بالمخاطر، لتسليط الضوء على نظام توريد” تلك المعادن بانتظام إلى الأسواق (نشرة “إينفستينغ نيوز” الاقتصادية، استناداً إلى بيانات الهيئة الجيولوجية الأميركية، 23 آذار/مارس 2021).

العناصر/المعادن الأرضية النادرة، هي كذلك نظراً  لمحدودية المواقع الجغرافية العالمية التي تستخرج منها، وهي مجموعة من “17 عنصراً  كيميائياً في الجدول الدوري”، بحسب تعريف “الاتحاد الدولي للكيمياء البحتة والتطبيقية (https://iupac.org/“)، المخوّل بتطوير المعايير القياسية “لتسمية العناصر الكيميائية ومركباتها”، والذي تأسس في العام 1919، وُصفت بال “نادرة” لأهميتها الفائقة في دورة التقنية الحديثة، ولا سيما “نواقل الطاقة االعالية وصناعة السيارات (المدجنة – الهايبرد) وأشعة الليزر والأجهزة الإلكترونية الضوئية”.

من بين المعادن النادرة، على سبيل المثال، البلاديوم الذي تعدّ روسيا من أكبر الدول العالمية الخمس المصدّرة له، والذي يدخل في صناعة السيارات لتنقية انبعاثاتها من الغازات الملوثة للبيئة، والصناعات الإلكترونية، من شرائح وهواتف وحواسيب، وشرائط فحص نسبة السكر في الدم، وطب الأسنان والأدوات الجراحية، وصناعة المجوهرات وتنقية الهيدروجين. وقد تخطى ثمنه أسعار الذهب في الأسواق العالمية مؤخراً، إذ تجاوز سعر الإوقية/الأونصة 3،000 دولار.

تصنّف الولايات المتحدة تلك المجموعة من المعادن النادرة بأنّها “استراتيجية للقرن 21″، وأشدّ ما تخشاه مراكز صنع القرار هو “ضمور المخزون الأميركي وتراجع عمليات إنتاجها، ما يقيّد حرية شنّها حرباً” في مناطق حيوية من العالم، وكذلك إقدام “الصين على التهديد بتوظيف المعادن كعنصر نووي” في علاقاتها الاقتصادية مع أميركا، ولجوئها مؤخراً إلى تقييد نظام تصديرها إليها، في سياق احتدام “الحرب التجارية الشرسة” بينهما.

نتيجة تفشي القلق لدى مراكز صنع القرار الأميركي من تخلّف الصناعات الأميركية مقارنة بنظيراتها الصينية، طلب الرئيس السابق دونالد ترامب من وزارة التجارة الأميركية إجراء تحقيق مكثف وشامل للتوقف على حقيقة قدرة البلاد على إمدادها بتلك المعادن في حالات الطواريء.

وجاء في تقرير الوزارة بعد عامين أن “الولايات المتحدة تعتمد بقوة على صادرات حساسة من المعادن الثمينة”، محذراً، “في حال قررت الصين أو روسيا وقف صادراتها إلى الولايات المتحدة وحلفائها لفترة زمنية طويلة، كما فعلت الصين عندما منعت صادراتها من المعادن النادرة عن اليابان في العام 2010، من أن ذلك سيؤدي إلى هزات كبيرة” تطال الاقتصاد الأميركي وصناعاته العسكرية.

للدلالة على مركزية المعادن النادرة في الصناعات العسكرية، جاء في بيانات البنتاغون بأنها تدخل في عمليات انتاج القنابل الذكية، والحرب المضادة للغواصات، والمناظير الليلية، وأجهزة الليزر والرادار، ونظم التوجيه الالكتروني، والأقمار الاصطناعية، وإلكترونيات الطائرات المدنية والعسكرية على السواء. وتعتمد منظومة الإنتاج على ديمومة خطوط الإمداد بالمعادن النادرة بشكل كبير، لكنّ وزارة الدفاع حذّرت من طول الفترة الزمنية التي ستستغرقها عملية إيجاد البدائل، والتي قد تبلغ 10 سنوات، بحسب تقرير “مكتب الرقابة الحكومي” التابع للكونغرس.

في أوج الحرب الباردة، أنتجت الولايات المتحدة النسبة الأكبر من المعادن الثمينة للأسواق العالمية من منجمها الرئيسي “ماونتين باس” في ولاية كاليفورنيا، وبلغت مرحلة الاكتفاء الذاتي من احتياجاتها لها، وخصوصاً في عقد الستينيات من القرن الماضي، الذي شهد طفرة كبيرة في انتاج شاشات تلفزة ملوّنة، وغيرها من المعدات التي تدخل في صناعة الأدوات المنزلية وفي الاستخدامات العسكرية، لكنّ النقطة المميتة لعملية انتاج الخام من المنجم  الأميركي كانت الاضطرار لشحن الكمية كلّها إلى الصين لتنقيتها وتكريرها، لعدم توفر مصافٍ أميركية جاهزة لذلك، ونظراً إلى الكلفة المرتفعة لعملية التنقية داخل الأراضي الأميركية، والتي تزامنت مع ازدياد منسوب الاهتمام العام بحماية البيئة.

وكثّف البنتاغون جهوده في الآونة الأخيرة لإعادة التنقية وعملية الانتاج إلى الأراضي الأميركية وتشجيعه “القطاع الخاص” على بناء مصفاة لتكرير المعادن، والتي ستبدأ عملياتها في العام المقبل على أقرب تقدير.  كما قدم مساعدة مالية في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، قدرها نحو 10 مليون دولار، لإنجاز عملية التصفية قرب المنجم، لتحفيز الشركة المشرفة “إم بي ماتيريالز” على بلوغ مرحلة “المنتج الأكبر للمعادن”.

وفي هذا السياق، برز عامل سياسي يُستثمر لإقصاء حاكم ولاية كاليفورنيا غافين نيوسم من مركزه، على خلفية سياساته البيئية المتشددة وتهديدها قطاع التنقيب وهيمنة الشركات الكبرى، واستُحدثت عريضة لجمع تواقيع عدد كبير من الناخبين لتنحيته “بطرق مشروعة”.

على الشاطيء المقابل للمحيط الأطلسي، يبرز الدور المتعاظم لكبريات شركات السيارات، وخصوصاً الألمانية، وطموحها في انتاج سيارات “صديقة للبيئة” لا تنبعث منها الغازات الملوثة، لكن تلك التقنية تعتمد كلياً على الواردات الصينية، ما يثير جملة تساؤلات حول قدرة تلك الشركات على ممارسة الضغط على حكوماتها لتقديم بعض التنازلات القاسية للصين مقابل استمرار خطّ الإمداد بالمعادن النادرة.

2021-27-04-التحليل

التحليل

صاروخ ديمونا
فشل مزدوج “اسرائيلي – أميركي”

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

          سارع رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة كينيث ماكينزي إلى تخفيف وطأة إخفاق أحدث نظم الدفاعات الجوية الأميركية، “الباتريوت”، في الكشف عن صاروخ أطلقته سوريا في 22 نيسان/إبريل الجاري، ضد أهداف جوية “إسرائيلية”، وفي تعقبه والتصدي له، والحد من قلق المؤسسة العسكرية ومراكز صنع القرار على السواء، وكذلك الحلفاء، من تداعيات الحادثة، وخصوصاً بعد نفاذه بنجاح إلى أقصى مداه الافتراضي نحو 250-300 كلم.

وأكّد ماكينزي للجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، في 22 نيسان/إبريل الجاري، أن الصاروخ “انحرف عن مساره لفقدان (سلاح الجو السوري) القدرة على إصابة الطائرات المغيرة”. وأضاف أن الحادث “يعكس عجز نظام الدفاع الجوي السوري، ولا أعتقد أنه كان هجوماً مقصوداً، لغياب القدرة” الميدانية.

كان لافتاً غياب حدث مهم يخص القوات الأميركية في سورية عن التغطية الإعلامية أو مجرد الإشارة له في شهادة ماكينزي، وهو تعرض قافلة مؤن عسكرية أميركية لهجوم  عندما كانت في طريقها إلى حقل العمر النفطي في شمال شرقي سوريا، يوم 21 نيسان/إبريل 2021، وُصف بأنه الأول من نوعه ضد قافلة مسلّحة.

تصدّر “انحراف” الصاروخ السوري، الذي أشار إليه البنتاغون بأنه أرض – جو من طراز “سام-5” مجمل اهتمامات الخبراء العسكريين والسياسيين ووسائل الإعلام، تعبيراً عن قلق دفين من “تنامي مخاوف التصعيد (العسكري) في منسوب التوترات الراهنة بين إسرائيل وسوريا وإيران”، لسقوطه قرب بلدة أبو قرينات على بعد “30 كلم من منشأة ديمونا النووية”، بعد قطعه مسافة بلغت نحو “256 كلم من حدود هضبة الجولان” المحتلة (يومية “واشنطن بوست”، 22 نيسان/إبريل 2021) .

ونقلت الصحيفة على لسان رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية “أمان” السابق، عاموس يدلين، قوله إن الصاروخ السوري “قديم، وهو مضاد للطائرات، ولم يُعدّ لضرب أهداف أرضية”، في سعيه لاستبعاد استهداف مفاعل “ديمونا” بسلاح من سبعينيات القرن المنصرم.

بعض التقارير الميدانية الأولية حدّدت موقع سقوط الصّاروخ وشظاياه في بلدة عرعرة النقب التي تبعد نحو 10 كلم شمال ديمونا، وقد سُمع صوت “إطلاق صافرات الإنذار” في بلدة أبو قرينات الفلسطينية ” قرب مفاعل ديمونا”، كما رُصد سقوط بعض شظاياه في بركة سباحة في حيّ سكنيّ في مستعمرة “أشليم” جنوب مدينة بئر السبع (شبكة “فوكس نيوز” نقلاً عن شبكة “بي بي سي” البريطانية، 22 نيسان/إبريل 2021).

العنصر الكامن في القلق الأميركي هو ما يحمله الرأس المتفجر للصاروخ (217 كلغ من  مواد شديدة الانفجار، وباستطاعته حمل رأس نووي) من رسائل لمن يعنيهم الأمر، وخصوصاً تهديده المباشر لما أطلق على تسميته “مبدأ الأخطبوط الإسرائيلي”، الذي يطالب بتسديد ضربات موضعية لدول ومنظمات مناوئة لسياسة الولايات المتحدة، بدءاً من سوريا، وامتداداً إلى “حزب الله”، ومن ثم إيران.

من خصائص الصاروخ الخمسيني المعروفة أنه صُمّم كسلاح مضاد لأهداف متوسطة إلى عالية الإرتفاع، ويصل مداه إلى نحو 300 كلم، بعلوّ  أقصاه 30 كلم عمودياً. يبلغ وزنه عند الإطلاق نحو 10،000 كلغ، وينطلق بمحرك ذي ثلاث مراحل دفع، بسرعة قصوى تصل إلى 3.5 ماخ. تتكون كل بطارية من “سام-5” من 6 قواذف صواريخ ورادار للتحكم بالنيران، ويمكن وصله بمحطة رادارية بعيدة المدى، وهو يوجّه لاسلكياً في مرحلة الانطلاق الأولى، ومن ثم بتوجيه راداري إيجابي (شبكة “سبوتنيك” الروسية للأنباء).

إضافة إلى فشل منظومات “الدفاع الإسرائيلية” المتعددة (السهم والمقلاع والقبة الحديدية)، وهي العنصر الأشد أهمية في التصدي للصاروخ، فقد فشلت أيضاً أحدث منظومة للدفاع الجوي الأميركي من بطاريات “الباتريوت” التي كان ينبغي لها “تفعيل نظمها بعد رصد واستقراء الموقع الذي سيسقط فيه الصاروخ، ومن ثم إطلاق صافرات الإنذار في المنطقة المحددة، تتبعها عملية الاعتراض”.

روّجت وزارة الدفاع الأميركية لمنظومة “باتريوت” بأنها “واحدة من بين منظومات الدفاع الجوي الأكثر تطوراً في العالم” (بحسب بيانات شركة “راثيون” المصنّعة). دخلت الخدمة الفعلية في العام 1976، وجرّبت ميدانياً في حرب الخليج في العام 1991. تنقسم منظومة الصواريخ أرض-جو  إلى 3 أجزاء: مركبة الرادار وغرفة التحكّم ومنصّة الصواريخ، وهي تستخدم نوعين من الصواريخ “PAC-2” القديمة، وتحمل 4 صواريخ تطلق عن بُعد بالألياف البصرية، و “PAC-3” المطورة، التي دخلت الخدمة في العام 2002، وهي تحمل 16 صاروخاً تمتد فعاليتها إلى أكثر من 100 كلم، وتستهدف أكثر من 100 هدف وتتبعها في آن واحد.

يقوم الرادار عبر المسح الإلكترونيّ السلبيّ بتحديد الأهداف ورصدها وتحديد سرعتها ومسارها، وما إذا كانت معتدية أو صديقة، ويرسل بياناته إلى غرفة التحكم التي تصدر بدورها أوامر الإطلاق إلى منصة الصواريخ التي تطلق الصاروخ المناسب للهدف، سواء كان طائرة أو صاروخاً باليستياَ (شبكة “سي أن أن”، 4 تشرين الأول/أكتوبر 2018).

الثابت في هذا الشق العملياتي قرب مفاعل “ديمونا” أنه “لم يجرِ اعتراض الصاروخ أساساً، إذ انفجر في الجو ،كما يبدو، ووقعت شظاياه في النقب” (بحسب بيانات “الجيش الإسرائيلي”)، الأمر الذي دفع “رئيس حزب إسرائيل بيتنا” أفيغدور ليبرمان إلى التصريح بأن “قوة الردع سُحقت”.

يُشار أيضاً إلى فشل المنظومة الأميركية للدفاع الجوي المزودة بأحدث أجهزة الرادار في “كشف وإسقاط الطائرات المسيّرة اليمنية” التي تستهدف مواقع عسكرية ومنشآت اقتصادية حيوية في عمق الأراضي السعودية.

رافق إقرار البنتاغون بإخفاق منظومته الأحدث في الدفاعات الجوية اعتراف “وزير الأمن الإسرائيلي” بيني غانتس  في مؤتمر صحفي، سعياً لاحتواء تداعيات الفشل، قائلاً: “تم إطلاق صاروخ مضاد للطائرات من نوع “SA-5″ وقد اجتاز المنطقة. جرت محاولة لاعتراضه، لكنها لم تنجح. لا زلنا نحقق في الحادث”.

تخصص الولايات المتحدة وحلفاؤها جهوداً متجددة للتوقف على مكامن الفشل أو الإخفاق في عمل المنظومة التي صدّرتها إلى عدد من الدول، بما فيها الدول العربية، مثل مصر ودول الخليج، وخصوصاً في ظل استراتيجيتها التصعيدية ضد الصين وروسيا في البعد الجيو استراتيجي والصراع الكوني بطبعته الراهنة.

 

الأثر الردعي المحتمل للصّاروخ السوري

بقطع النّظر عن التكهّنات التي راجت بأن إطلاق الصاروخ كان مقصود التوجيه، بزاوية  تجعله يستهدف منطقة ديمونا ،فإن الفشل “الإسرائيلي – الأميركي” المزدوج في التصدي له يعيد التذكير بحقيقة امكانية استخدام مثل هذه الصواريخ ، كصواريخ أرض – أرض، وفق زاوية معينة، وإن كان لا يمكن التحكم بدقة التوجيه المعتمدة في صواريخ أرض- أرض التقليدية. وخلال أي عدوان، سيتيح تفعيل هذا الخيار لصدّ الإعتداءات الإسرائيلية المتكررة على سوريا قدرة ردعية لا يجوز التقليل من أهميتها.

سبق لأحدهم أن وصف الكيان الإسرائيلي بأنه في نهاية المطاف مجرد “جيش إحتلال له دولة”، ويمكننا القول في حروب العقود الأخيرة أنه مجرد “سلاح جوّ لجيش ودولة”. وعندما يتمّ لجم سلاح الجو الإسرائيلي وشل فعاليته بمنظومات دفاع فعّالة او بإطلاق الصواريخ الدقيقة، رداً على أي إعتداء إسرائيلي، يصبح الكيان على شفير الانهيار والاستسلام .

2021-19-04-التحليل

التحليل

مناورة انسحاب واشنطن من أفغانستان
مع بقاء 18 ألف جندي “متعاقد”

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

دخل يوم 30 نيسان/ابريل 1975 التاريخ الإنساني، منصفاً للشعوب المكافحة، ومعلناً هزيمة الولايات المتحدة في فيتنام. الأول من أيار/مايو 2021، “وَعَدت” الولايات المتحدة بأن يكون يوم بدء سحب قواتها “النظامية المقاتلة” من أفغانستان، ضمن منظومة ترتيبات وتدابير تتيح لها البقاء هناك بمسميات وعناوين مختلفة. بعد 46 عاماً من أكبر هزيمة تلقّتها واشنطن في العصر الراهن، لا يلمس المرء استفادة الأخيرة من الدروس القاسية لتدخلاتها العسكرية وقهر الشعوب.

حظي إعلان الرئيس جو  بايدن (14 نيسان/ابريل الجاري) انسحاب 3،500 جندي من أفغانستان بمزيج من مشاعر الارتياح الشعبي وتشكيك بعض مراكز القوى ومعارضة كبار القادة العسكريين، رافقه إعلان البنتاغون على الفور أنّ “قوات إضافية سيتم إرسالها إلى أفغانستان” لضمان أمن وسلامة القوات المنسحبة

تشير البيانات الرسمية للبنتاغون إلى تواجد “3،500 جندي نظامي في أفغانستان” منذ مطلع العام الجاري، وهم الذين يدور الحديث حولهم. أما سجلات وزارة الخارجية الأميركية، فتشير إلى تواجد إضافي لنحو “18،000 متعاقد أميركي وأفغاني ومن دول أخرى” في أفغانستان، “جلّهم من المرتزقة” ولديهم كفاءات عسكرية واستخباراتية، وآخرين من القوات الخاصة، أي ما يعادل 7 أضعاف القوات النظامية.

وقد أوضح رئيس هيئة الأركان المشتركة، مارك ميللي، رؤية البنتاغون ببقاء الوجود العسكري هناك، قائلاً أمام “معهد بروكينغز” إنّ بلاده ستحتفظ بقاعدتين عسكريتين في أفغانستان بعد الانسحاب الرسمي، وستبقي أيضاً على “عدد من القواعد العسكرية المنتشرة” داخل الأراضي الأفغانية وخارجها (أسبوعية “يو أس نيوز آند وورلد ريبورت”، 2 كانون الأول/ديسمبر 2020).

كما تعهّد وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن أمام لقاء لحلف الناتو في 15 نيسان/إبريل الجاري، باستمرار “الولايات المتحدة بتمويل قدرات هامة لأفغانستان” بعد الانسحاب الأميركي، “مثل سلاح الجو الأفغاني والقوات الخاصة، والاستمرار بدفع رواتب قوات الأمن الأفغانية”. وأضاف في مؤتمر صحفي للحلف أنّ بلاده “قد تحافظ على تواجد أميركي لمكافحة الإرهاب في المنطقة”.

السؤال المركزي في إعلان الرئيس بايدن عن الانسحاب يتمحور حول حقيقة قرار “مغادرة” أفغانستان وصدقيّته، بصرف النظر عن الجدل اليومي المرافق له. وحذرت يومية “نيويورك تايمز” مراكز صناع القرار  من أن الولايات المتحدة “لا يمكنها كسب حرب في أي بلد، فحلفاؤها يعانون ضعف القوة العسكرية، بينما استطاع خصومها التأقلم مع المتغيرات وراكموا قدرات عسكرية” متطورة (9 نيسان/إبريل 2021).

وتتالت النصائح والتحذيرات تباعاً من “أنصار الرئيس بايدن”، وخصوصاً ضمن النخب السياسية والفكرية، عن ضرورة تجاوز مسألة خسارة “الحرب الأطول” والانتقال إلى مواجهة التحديات الدولية الأخرى. وقد أوضحت نشرة “فورين بوليسي” الرصينة أنّ إعلان الانسحاب يشكّل “إقراراً، ولو متأخراً، بعدم تحقيق الولايات المتحدة نصراً” (14 نيسان/إبريل 2021).

وذكّرت النشرة مراكز صنع القرار بأن التجربة الأميركية المرهقة، قائلة: “بعد انقضاء 20 عاماً من الحرب التي حصدت آلاف الضحايا، يعترف المسؤولون الأميركيون بأن (حركة) طالبان أضحت أقوى عسكرياً وكثّفت هجماتها بشكل ملحوظ على مدى السنة الماضية”.

نشير في هذا الصدد إلى دراسة أجرتها وزارة الطاقة الأميركية في العام 2007 تخصّ أفغانستان وترصد ما في جوفها من موارد طبيعية مهمة تثير نهم سيطرة القوى الغربية. وقد قدرت قيمتها بنحو “تريليون دولار” من المعادن الثمينة، وخصوصاً الذهب والنحاس والكوبالت والليثيوم. وفي مذكرة داخلية للبنتاغون، علّقت على الدراسة بالقول إن أفغانستان “قد تحتلّ مركز الصدارة في معدن الليثيوم بشكل يوازي موقع السعودية ” بالنفط.

أيضاً، غزت الولايات المتحدة أفغانستان في العام 2001، استناداً إلى قرار رئاسي أصدره الرئيس جورج بوش الإبن في 18 أيلول/سبتمبر 2001، وأرساله وحدات من القوات الخاصّة بعد بضعة أيام من الحادثة. جاء ذلك في سياق صراع سيطرة القطب الواحد على الموارد العالمية، ولقربها من الصين وإيران وروسيا وما يمثّله ذلك من ثقل جيوستراتيجي لواشنطن، ولدروها المحوري في مرور خطوط أنابيب النفط والغاز المتجهة إلى أوروبا، وما ينتظرها من دور متعاظم في استراتيجية الصين المعروفة “بالحزام والطريق”. وقد تموضعت القوات والقواعد العسكرية الأميركية قرب حدود خصومها الدوليين.

من بين رهانات واشنطن التي أثبتت خطلها الذريع، مراهنتها على “استقطاب” فييتنام ضد الصين وتقديمها شتى العروض المغرية لقاء السماح للبنتاغون بإنشاء “قواعد صاروخية على أراضيها” (2018). واتساقاً مع توجهات واشنطن التاريخية بازدراء القوى الأخرى، تعمدت الأخيرة القفز على كل المؤشرات التي ساقتها فيتنام، وربما تجاهلتها، للدلالة على عدم رغبتها في الدخول في صراع ضد الصين، وهي التي حافظت حتى الآن على مسافة واحدة في صراع البلدين.

قرار الانسحاب جاء كمحصّلة لمواقف وأولويات استراتيجية أميركية متجدّدة، حتى إنه تباين مع السردية الرسمية التي حافظت عليها المؤسّسة الحاكمة بفرعيها العسكري والاستخباراتي، في اتهامها لروسيا بعرض مكافآت مالية على مقاتلي طالبان لقاء مقتل جنود أميركيين (2019)، وارتأى البيت الأبيض الكشف عنها، محمّلاً مسؤولية ترويجها “للأجهزة الاستخباراتية” المختلفة، بعد توصله إلى قناعة بأن مدى اليقين من تلك التهمة كان “متدنياً إلى متوسط”، ما ترجم إلى فقدان المصداقية وشروط الإسناد (بيانات البيت الأبيض 15 نيسان/إبريل الجاري).

اللافت في كشف البيت الأبيض عن خطل اتهامات روسيا ونشرها عبر أبرز المنابر الإعلامية المعروفة بعدائها الشديد لها، تسريب لصحيفة “واشنطن بوست” (13 نيسان) ونشرة “ذي ديلي بيست” الالكترونية (15 نيسان)، معزّزة تبريرها بأنّ اجهزة الاستخبارات الأميركية “استندت إلى اعترافات موقوفين لدى السلطات الأفغانية انتزعت خلال التعذيب، وأحدهم يُدعى ابن الشيخ الليبي”.

تحميل البيت الأبيض القادة العسكريين والأجهزة الاستخباراتية مسؤولية تقديمهم النصائح لمركز صنع القرار وتملصه من حقيقة تصعيد العداء لروسيا والصين، مع جملة تهديدات عسكرية ضد روسيا وإرسال قطع بحرية أميركية إلى البحر الأسود، ومن ثم انسحابها على عجل بعد توعد موسكو بحماية أراضيها، يشير إلى “اضطرار” الرئيس بايدن معارضة قرار القيادات العسكرية في المرحلة الراهنة وفي ملف محدّد على الأقل.\

إنّ ما يعزّز الاستنتاج أعلاه هو خطاب الرئيس بايدن والذي بدى عليه الإعياء، وظهر كأنه ضاق ذرعاً بمماطلة القادة العسكريين وطلب منحهم المزيد من الفرص الزمنية لحسم المعركة عسكريا، وخصوصاً لتساؤله ” إذاً، متى ستكون الفرصة مؤاتية للانسحاب؟ هل هي سنة أخرى أو سنتان أو 10سنوات؟”. كما دلّ خطابه على تجنيب البنتاغون تكرار هزيمة بلاده في فيتنام والمشهد المحفور في الذاكرة الجمعية بهروب السفير الأميركي هناك عبر طائرة مروحية وسقوطها في رحلة أخرى عن سقف مقر السفارة الأميركية في سايغون سابقاً (مدينة هوشي منه حالياً).

ينقل المقرّبون إلى الرئيس جو بايدن ثبات معارضته لاستمرار التدخل في أفغانستان، بالإشارة إلى مذكّرة قدمها بخط يده للرئيس الأسبق باراك اوباما في العام 2009، يناشده فيها رفض توجه القيادات العسكرية لحشد المزيد من القوات الإضافية في أفغانستان، وخسارته أمام إصرار أوباما على التكامل مع قرار البنتاغون (اسبوعية “ذي نيو يوركر”، 14 نيسان/إبريل 2021).

وأوضحت المجلّة أنّ الرئيس بايدن في خطابه بالانسحاب ذكّر الشعب الأميركي بأن الرئيس أوباما انتدبه في العام 2008 للسفر إلى أفغانستان والتوقّف على الأوضاع هناك مباشرة وتقديم تقييمه بذلك، وبأنه توصل إلى نتيجة مشابهة آنذاك لما أعلنه مؤخراً، مفادها أن “العملية الأميركية، كما يجري تطبيقها، مصيرها الفشل، نظراً إلى أن الوجود العسكري الأميركي اللامتناهي لن يستطيع إنشاء حكومة أفغانية قابلة للحياة أو المحافظة عليها”.

للدلالة على معارضة القيادات العسكرية، السابقة والراهنة لخفض مستوى الوجود العسكري الأميركي، لا لإنهائه، نسوق تصريحاً للمستشار الأسبق للأمن القومي الجنرال إتش آر مكماستر، قال فيه: “قرار الولايات المتحدة الانسحاب من أفغانستان بينما تستمر طالبان في شن هجماتها الدموية ضد المدنيين والقوات الأمنية الأفغانية يشكّل استسخافاً أخلاقياً وكارثة استراتيجية” (15 نيسان/إبريل 2021).

وتحفل الأدبيات الإعلامية الأميركية المختلفة بتصريحات شبيهة معظمها من المقربين من البنتاغون والأجهزة الاستخباراتية، أبرزهم القائد الأسبق للقوات الأميركية في أفغانستان ديفيد بيترايوس، ومدير الاستخبارات الوطنية الأسبق جيمس كلابر، ومدير وكالة الاستخبارات المركزية الأسبق جون برينان.

في هذه الأثناء، أصدرت الأجهزة الاستخباراتية الأميركية تقريرها السنوي حول “التهديدات العالمية” التي تواجهها الولايات المتحدة في 9 نيسان/إبريل الجاري، وفحواه رسم صورة قاتمة لمستقبل التواجد الأميركي في أفغانستان، وبأن “آفاق التوصل لتسوية سلمية ستبقى متدنية، نظراً إلى يقين قيادات طالبان بقدرتها على تحقيق انتصار”.

تعاظم دور تلك الأجهزة بمختلف مسمياتها في الحياة اليومية للأميركيين الّذين “تتجسّس” عليهم بشكل دوري ومفتوح منذ تداعيات هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001. كانت أفعالها في التجسّس الداخلي غير منشورة أو متداولة لحين ذاك التاريخ. وأضحت الحواجز الأمنية والتحقيقات على الموانيء والمطارات أمراً مألوفاً ومقبولاً بعض الشيء، إذ يضطر المسافر عبر القطارات والطائرات وحافلات الباصات الداخلية إلى إبراز بطاقات هوية “رسمية” والتعرض أيضاً لتفتيش شخصي، وهي إجراءات كانت محصورة بـ “النظم الديكتاتورية” في الماضي القريب.

مهّد الرئيس الأسبق جورج بوش الإبن غزو بلاده لأفغانستان بتحذير الشعب الأميركي من ترقّب “حملة عسكرية طويلة الأمد، وعلى نطاق لم تشهده البلاد في أي وقت مضى”، وربما ستستمر لنحو 50 عاماً، تحت مسمّى  مخادع هو “الحرب على الإرهاب”. وتطورت “المهمة الأميركية” إلى التصدي لتنامي القوة العسكرية لكل من الصين وروسيا ومحاصرتها ، على قاعدة صراع الدول الكبرى.

صوت الحكمة أتى على لسان أحد أبرز رموز العداء لروسيا والصين، وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر، محذراً مراكز صنع القرار في واشنطن من تداعيات “استفزاز روسيا والصين”، إذ يتعيّن عليها إما القبول بالمتغيرات الجارية على النظام العالمي، وإما الإيغال في تصعيد منسوب التوتر الذي “سيؤدي إلى مواجهة مشابهة لما شهده العالم عشية الحرب العالمية الأولى”.

توجّه كيسنجر (1 نيسان/إبريل 2021) إلى قيادات بلاده السياسية والعسكرية والاستخباراتية محذراً “إن لم نستطيع التوصل إلى تفاهم عملي مع الصين، فسنكون أمام وضع شبيه بما شهدناه قبل اندلاع الحرب العالميةو الأولى”، وذلك في خطاب أمام المنتدى الفكري البريطاني الأبرز، تشاتام هاوس، بمشاركة وزير الخارجية البريطاني الأسبق جيريمي هانت.

وكان أشدّ وضوحاً في تحذير صقور الحرب في بلاده قائلاً: “إن كان لديكم تصور بأن العالم سيلزم نفسه بدخول صراع مفتوح الأجل، استناداً إلى بسط الهيمنة من قبل الطرف الأقوى راهناً، فإن زعزعة النظام الراهن ستكون حتمية، وتداعياته ستكون كارثية”.

2021-12-04-التحليل

التحليل

واشنطن قد تخسر السّباق مع روسيا والصّين
في صناعة صواريخ أسرع من الصوت

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

منذ الأشهر الأولى لتسلم الرئيس دونالد ترامب مهامه، سرى قلق جدي في البنتاغون، وعلى أعلى مستويات القيادات الهرمية، منبعه تبلور القوة العسكرية الصاروخية لكل من الصين وروسيا بمعدلات سبقت فيها الولايات المتحدة، وذلك بإقرار مدير مختبرات البحث والتطوير في البنتاغون، ستيفن ووكر، معلناً أن الصين تخطت خصمها الأميركي “بنسبة مرتين أو ثلاث مرات”، ومطمئناً قادة الكونغرس، وخصوصاً صقور الحرب، إلى أنّ الجهود الأميركية الحثيثة ستفضي إلى إجراء أول تجربة “على صاروخ أسرع من سرعة الصوت قبل حلول العام 2020”.

مع حلول منتصف العام 2018، تداعى ثلاثة من كبار القيادات المدنية في البنتاغون إلى الكونغرس، في جلسة مشتركة شارك فيها وزير سلاح القوات البرية مارك أسبر، ووزير سلاح البحرية ريتشارد سبسنر، ووزيرة سلاح القوات الجوية هذر ويلسون، وأعلنوا العمل المشترك لتطوير “أسلحة فائقة السرعة وقادرة على اختراق اكثر نظم الدفاع الجوي العالمية تطوراً” (نشرة “ستارز آند سترايبس”، 25 تموز/يوليو 2018).

تعود خطط البنتاغون في تصميم وإجراء التجارب على أسلحة “فائقة السرعة باستطاعتها التحليق بما يفوق 5 مرات سرعة الصوت، 5 ماخ، إلى نحو عقد من الزمن”، بحسب سجلات الجلسة المشتركة المشار إليها. وذهبت وزيرة القوات الجوية ويلسون إلى التعهّد أمام الكونغرس بأنّ نموذجها للتجارب سيكون جاهزاً  “بين العام 2020 و 2021، وأنه سيحيل نظم الدفاع الجوي ضده إلى مهمة بالغة الصعوبة، وسيتميّز بدقة تصويب أفضل في المديات البعيدة”.

وصادق وزير الدفاع الأسبق، جيم ماتيس، على صرف نحو 257 مليون دولار من ميزانية العام 2019 على جهود البحث والتطوير للأسلحة السرع من الصوت، والتي نالت زيادات متتالية في الإنفاق بمعدلات عالية قاربت نحو مليار دولار منذ ذلك الوقت.

وحذّر رئيس القيادة العسكرية الأميركية للمحيط الهاديء (باكوم)، هاري هاريس، مراكز صنع القرار من تفوق الصين في “تطوير أسلحة أسرع من الصوت”، مضيفاً “لقد تجاوزتنا بذلك.  “نحن تأخرنا” (نشرة “ستارز آند سترايبس”، منصف شباط/فبراير 2018).

وشاطره كبار القادة العسكريين الأميركيين، وخصوصاً أجهزة الاستخبارات العسكرية، الرأي والقلق من نجاح جهود روسيا “تطوير صاروخ يعمل بالطاقة النووية دون الصوتية، يمكنه التحليق حول الغلاف الجوي للأرض، والانقضاض للهجوم من اتجاهات غير متوقعة”، وأن روسيا “تجازف بحدود العلم (الفيزياء) والمعاهدات الدولية” لتطوير أسلحة جديدة. كان هذا السلاح يعتبر “غير مجدٍ”، بحسب التطور العلمي في بدايات القرن العشرين.

وقد صرّح رئيس قيادة القوات الفضائية الأميركية جون ريموند عن مدى القلق في هذا المجال في نيسان/ابريل 2020، معتبراً أن “الصواريخ الروسية الاعتراضية والموجّهة إلى خارج الغلاف الجوي تمثل تحدياً للمصالح الأميركية في الفضاء الخارجي”، وموضّحاً أن الصواريخ الروسية الجديدة تحلّق فوق الهدف لمدة زمنية مفتوحة قبل الانقضاض عليه، “بعكس الصواريخ الأخرى التي تملك فترة زمنية محددة”.

الرد الأميركي على صواريخ الخصوم “فائقة السرعة” يتمركز في حثّ الخطى لانتاج سلاح مماثل، رغم الفجوة التقنية بين الجانبين، واتخاذ خطوات آنية تتمثل في “نشر طبقة من أجهزة الاستشعار في الفضاء لرصد صواريخ العدو” تؤيدها الإدارة الراهنة، ما يتيح الفرصة لواشنطن “للتصدي للأجسام العدوة في الدقائق الأولى من تحليقها، والتي ما تزال المحركات فيها تتغذى بالاحتراق” (نشرة “ميليتاري تايمز”، 24 كانون الأول/ديسمبر 2019).

تلقى البنتاغون نكسة قبل أيام معدودة في 6 نيسان/ابريل الجاري، بإعلان سلاح الجو عن فشل تجربته الثانية لإطلاق صاروخ أسرع من الصوت، محمول على القاذفة الضخمة من طراز “بي-52” فوق أجواء المحيط الهاديء، للتيقن من “قدرة الصاروخ على الوصول إلى السرعات التشغيلية وجمع البيانات المهمة الأخرى”، بحسب بيان سلاح الجو، ومن ثم عودة القاذفة بحمولتها إلى قاعدة “إدواردز” الجوية في ولاية كاليفورنيا. وأقرّ عدد من الخبراء العسكريين بأنّ الجهود المبذولة للتوصل إلى نتائج سريعة قفزت عن المعايير المطلوبة في إجراء تجارب مكثفة على كل مراحل التطوير قبل الانطلاق.

كما أعلن البنتاغون في مرحلة سابقة عن خططه الطموحة لإجراء “نحو 40 تجربة” على صواريخ فائقة السرعة في السنوات الخمس القادمة، مع علمه بعدم توفر ما يكفي من بُنى تحتية مهيأة لذلك في الوقت الراهن، مثل توفر “أنفاق رياح لقياس سرعات أعلى من سرعة الصوت”، وتقليصه المتعمّد لمديات التجارب الميدانية.

بالتزامن مع القلق الأميركي المعلن من تقدّم الخصوم، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في 1 آذار/مارس 2018 عن أسلحة جديدة “لا تقهر”، وعن دخول الصاروخ الباليستي “كينجال” (الخنجر) الخدمة، وهو يتميّز بسرعة فوق صوتية، ويطلق من الجو “لتدمير التحصينات الثابتة والمدمّرات وحاملات الطائرات”، وتصل سرعته إلى 10 أضعاف سرعة الصوت، ويحلق في مسارٍ متعرج يمكّنه من اختراق نظم “اصطياد الصواريخ”، بما فيها النظم الأميركية المتطورة من طراز “إيجيس”.

يحمل الصاروخ على متن المقاتلة الاعتراضية “ميغ-31 ” الأسرع من الصوت، التي ترتفع لملامسة سقف الغلاف الجوي إلى نحو 15 كلم. ومن هناك تطلق “الخنجر” الذي سيصل العاصمة الأميركية “في غضون 32 دقيقة”. في التفاصيل التقنية، أعلنت وزارة الدفاع الروسية ان اعتماد المقاتلة “ميغ-31” جاء بعد نجاحها في تنفيذ “أكثر من 250 طلعة جوية لإتقان عمل الأنظمة الصاروخية”.

أعلنت روسيا مع أفول عام 2019 عن دخول “المقذوف الأسرع من الصوت – أفانغارد” الخدمة الفعلية، وهو يستطيع التحليق بسرعة أكبر بـ 20 مرة من سرعة الصوت (وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو، 27 كانون أول/ديسمبر 2019). من خصائص المقذوف/المركبة “أفانغارد” حمل رأس نووي محمول على صاروخ “سارمت” العابر للقارات، يمكنه المناورة والانعطاف، ما يعقّد جهود نظم الدفاع الجوي لاعتراضه والتصدي له بعد بلوغه سرعة قصوى تصل 20 ضعفاً من سرعة الصوت – 20 ماخ.

اللافت هنا سماح السلطات الروسية لخبراء أميركيين بفحص مقذوف “أفانغارد” في 26 تشرين الثاني/نوفمبر 2019، اتساقاً مع المعايير المتفق عليها في معاهدة “ستارت الجديدة” في العام 2010، والتي سعت إلى تقليص عدد منصات إطلاق الصواريخ النووية الاستراتيجية (موقع محطة “بي بي سي”، 27 كانون الأول/ديسمبر 2019).

تستند نظرية التفوق العسكري الأميركية إلى ترسانتها الضخمة من حاملات الطائرات والقطع البحرية الأخرى، والتي يعمل بعضها بالطاقة النووية المنتشرة في بحار الكون، مطمئنة إلى فعالية أسلحتها من صواريخ “كروز” وأخرى هائلة التدمير، لتشكّل “رادعاً للخصوم”. سلاح البحرية الأميركي يطمح إلى الإبقاء على 12 حاملة طائرات مزودة بالطاقة النووية في ترسانته، مقابل سفينة وحيدة لروسيا (نشرة “ميليتاري دوت كوم” الأميركية، 2021).

وقد أكّد ذلك رئيس القيادة الاستراتيجة الأميركية جون هايتن أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ مطلع العام 2019، قائلاً:  “التهديد بالرد هو أفضل خيار، وربما يكون الوحيد، لموازاة خطر الأسلحة الأسرع من الصوت”. واستطرد قائلاً: “لا نملك راهناً أي سلاح دفاعي من شأنه مضاهاة أو منع الخصم من نشر سلاح كهذا ضدّنا. وعليه، فإن ردنا يكمن في قوتنا الردعية”.

اهتزت أركان نظرية التفوق العسكري وقائماتها، ليس لدخول صاروخ “أفانغارد” الروسي فحسب، بل أضيف إليه أيضاً صاروخ “زيركون” المجنح المضاد للسفن والأسرع من الصوت بـ 8 مرات (تشرين الأول/اكتوبر 2020)، الذي صادف الإعلان عن نجاح تجربته بالتزامن مع “عيد ميلاد الرئيس بوتين الـ 68”. يطلق حلف الناتو على “زيركون” تسمية ” أس أس – أن – 33″.

تناولت الدورية العلمية الأميركية “بوبيولار ميكانيكس” مزايا هذا الصاروخ عندما كان في مرحلة التطوير، وقالت محذّرة: “لو استطاعت سفينة أميركية رصد تحليقه من مسافة بعيدة تبلغ 100 ميل، فلن يتوفر لديها سوى دقيقة واحد (60 ثانية) للتصرف حياله” (26 نيسان/إبريل 2016).

وأضافت أن درّة الدفاع الجوي الأميركي، ممثلة بمنظومة “إيجيس”، تتطلّب من “8 – 10 ثوانٍ لاتخاذ قرار اعتراض الأجسام المهاجمة. في تلك الثواني الحساسة، سيكون الصاروخ الروسي “زيركون” قطع مسافة 20 كلم، والصواريخ المعترضة لا تحلق بسرعة كافية للحاق به”.

وتعرضت النشرة العسكرية الأميركية “ميليتاري دوت كوم” للمسألة قائلة أن: “زيركون 3 أم 22 الروسي يطير بسرعة عالية جداً بفعل وقود متطور، 6 ماخ، في مسار صاروخي هوائي متدنٍ، يشكل الضغط الهوائي الناتج أمامه غيمة من البلازما قادرة على امتصاص الموجات الهوائية، ما يحيله إلى جسم غير مرئي على شاشات نظم الرادار” التقليدية المضادة للصواريخ (مقال بعنوان “لماذا لا يستطيع الرادار اكتشاف صواريخ روسيا الفرط صوتية؟”، 2021).

لو عاد المرء بضعة عقود إلى الوراء لتوصّل يقيناً إلى أنّ التقنية الصاروخية المذكورة لم تكن وليدة العقد الثاني من القرن العشرين، بل بدأ العمل بها خلال الحقبة النازية في الحرب العالمية الثانية. وتوصل العالم الألماني يوجين سانغر إلى تصميم مركبة تنزلق بسرعة تفوق سرعة الصوت، أطلق عليها إسم “سيلبرفوغل” أو “الطائر الفضي”، في مدار الأرض، باستطاعتها قصف أهداف في الولايات المتحدة انطلاقاً من أوروبا، وتتميّز بالإنزلاق السريع من المدار الخارجي والعودة إليه مرة أخرى أثناء التحليق، بسرعة قصوى تفوق سرعة الصوت بـ 17 مرة، 17 ماخ.

تصوّر التصميم الأولي لسانغر تحليق المركبة على مدى 19،000 إلى 24،000 كلم، ومكوثها فوق الهدف وقصفه بقنبلة تزن 8،800 رطل، والعودة إلى قواعد آمنة لدول الحلف في اليابان، استناداً إلى قانون الطاقة النسبية في الفيزياء: الطاقة = ضرب الكتلة في مربع سرعة الضوء. وما حال دون تحقيق سانغر رؤيته هو التطور البدائي للعلوم الطبيعية، وخصوصاً الفيزياء، في ذلك الزمن الغابر (نشرة “إيروسوسايتي دوت كوم”، 22 تشرين الأول/اكتوبر 2019).

إنّ تطوّر التقنيات والعلوم الحديثة وفّر للأقمار الاصطناعية فرصة استشعار الهواء الساخن الناتج من انزلاق مركبة بسرعة تفوق سرعة الصوت عدة أضعاف. وتمتلك كل من الولايات المتحدة وروسيا نظم إنذار مبكر على  متن الأقمار الاصطناعية، تستطيع رصد القوة الحرارية الهائلة الناجمة في مرحلتي احتراق وتزلج المركبة الحاملة للصاروخ خلال خط تحليقها في الفضاء الخارجي، لكن تقنية الرصد لا يواكبها توفر نظم دفاعية مضادة للصواريخ للتعامل مع تلك الأجسام الطائرة بسرعات فائقة.

في العصر الراهن، تنحصر جهود الولايات المتحدة في انتاج سلاح تقليدي أسرع من الصوت، وهي في سباق متسارع مع الصين وروسيا لإنتاج نموذج صالح لدخول الخدمة العسكرية في أقرب فرصة زمنية ممكنة. في المقابل، أدخلت روسيا صواريخ فائقة السرعة لأغراض استراتيجية، من مثل “أفانغارد” و “كينجال”، من شأنها أن تحل محل الصواريخ الباليستية بتقنيتها الراهنة.

أما الصين، بحسب البيانات العسكرية المتوفرة، فهي تعكف على إنتاج صواريخ أسرع 5 مرات من الصوت، ماخ-5، وبكلفة أقل،  أطلقت عليها إسم جيل “أس أف-17”. ونظراً إلى تدني كلفة الانتاج مقارنة بالتقنية الأعلى، تستطيع الصين إطلاق سيل كبير منها في حالة الهجوم، بشكل يربك نظم الدفاع الجوية الأميركية، وخصوصاً تلك المتموضعة على السفن الحربية الحديثة.

تسير بريطانيا وفرنسا بالتوازي لإنتاج صواريخ فائقة السرعة، لاستبدال نظم “هاربون” و “اكسوسيت” تباعاً، ويتوقع دخولها الخدمة في العام 2030.

2021-05-04-التحليل

التحليل

مغامرة أوكرانيا الخطيرة  لاستدراج
مواجهة محتملة مع روسيا

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

          يجدد البنتاغون وحلف الناتو قرع طبول الحرب ضد الصين، بحجة نيتها لغزو تايوان، وضدّ روسيا بمحاذاة حدودها مع أوكرانيا، ومحافظة واشنطن على إدامة اشتعال بؤر  التوتر التقليدية في “الشرق الأوسط” والتحذير من انزلاقها نحو حرب مفتوحة.

إنّ تصدّر مجموعة من صقور الحرب مفاصل السياسة الأميركية هو إحدى أبرز ميزات ولاية الرئيس جو بايدن وتصعيده عدوانية الخطاب السياسي الرسمي، بالتزامن مع إجراء تنقلات كبيرة في القوى والمعدات العسكرية ونشرها علانية “لمواجهة الصين وروسيا”، والتي جسّدتها المناورة الأميركية مع حلف الناتو تحت عنوان “دفاعاً عن أوروبا 21″، وهي تنطوي على “نشر فرقة عسكرية أميركية من الولايات المتحدة إلى ساحة معارك محتملة في أوروبا” في فترة السلم. كما أرسلت الولايات المتحدة طائراتها القاذفة العملاقة من طراز “بي-52” للتموضع في أراضي النرويج “لأول مرة”.

ورفعت قيادة سلاح الجيش الأميركي مستوى التهديد بين صفوفها في أوروبا من “نزاع محتمل” إلى “أزمة وشيكة محتملة”، ما يعادل أعلى درجات التأهب. وأوضح البنتاغون مغزى تحركاته، على لسان الناطق الرسمي جون كيربي، قائلاً: “نجري محادثات بشأن المخاوف (الإقليمية) حول ارتفاع معدلات التوتر وانتهاكات (روسيا) لوقف إطلاق النار والتوترات الإقليمية مع حلفائنا في حلف الناتو” (31 آذار/مارس 2021).

كما أعلن البنتاغون تسليمه “350 طناً من الأسلحة للقوات العسكرية الأوكرانية”، تتضمّن عربات مدرّعة على متنها أسلحة رشاشة ثقيلة وقذائف مضادة للدبابات ومدافع سريعة الطلقات. كلّ ذلك بحجة تحركات وحشود عسكرية روسية  وإجراء موسكو مناورات حربية بمحاذاة حدودها مع أوكرانيا.

رصدت وسائل الإعلام العالمية في 2 نيسان/إبريل تصريحاً لمستشار الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يطالب حلف الناتو بزيادة حضوره العسكري في بلاده، وذلك يتضمّن “نشاطات مشتركة ومناورات عسكرية بين أوكرانيا وحلف الناتو، بمشاركة أسلحة البحر والجو”. وقد سبقتها مزاعم متتالية بدعم موسكو لحلفائها في منطقة دونباس.

واستكمل البرلمان الأوكراني رسائل التصعيد ضد روسيا بإصداره بياناً مطلعهُ “تخلّي (العاصمة) كييف عن الوفاء بالتزاماتها المنصوص عليها في اتفاقيات مينسك”، مشيراً إلى “ارتفاع كبير في عمليات القصف والتحرشات المسلحة من قبل القوات العسكرية للاتحاد الروسي”، ومطالباً الدول الغربية “باستمرارها في تصعيد إجراءات الضغط على روسيا” (29 آذار/مارس 2021).

وأكّد رئيس هيئة الأركان الأوكراني، رسلان خومشاك، تحركات قواته العسكرية “الدفاعية” وزيادة أعدادها وعتادها في منطقتي “دونيتسك ولوهانسك اوبلاستس، وكذلك باتجاه (شبه جزيرة) القرم”. ووجّهت روسيا تحذيرات متتالية إلى أوكرانيا بأنها تعد العدة لتصعيد الموقف في شرقي أوكرانيا والقرم أيضاً، وبأنها لن تقف مكتوفة اليدين.

لعل أبرز مناحي قلق قيادة حلف الناتو تتمثل في زيادة موسكو معدلات اختراق مقاتلاتها لأجواء دول حلف الناتو، وخصوصاً في بحر البلطيق وبحري الشمال والأسود، إضافة إلى تحليق القاذفة النووية الروسية توبوليف “تي يو-95” الضخمة قرب سواحل النرويج، ما استدعى اعتراضها من قبل مقاتلات نرويجية من طراز “أف-16″، وأخرى تابعة لسلاحي الجو البريطاني والبلجيكي.

يُشار في هذا الصدد إلى إجراء وحدات عسكرية روسية مناورات وتدريبات عسكرية قرب الحدود المشتركة مع أوكرانيا، رصدها حلف الناتو بدقّة، زاعماً أنها لم تعدْ إلى قواعدها بعد انتهاء مهمتها هناك. وقد ردت روسيا بتأكيدها على سيادة أراضيها، وأن “الاتحاد الروسي ينشر قواته العسكرية في أراضيه كما يريد، ولا ينبغي أن يكون ذلك من شأن أي طرف، كما أن القوات لا تشكل تهديداً لأيٍ كان”.

على المستوى الديبلوماسي الأميركي، سارع وزير الخارجية انتوني بلينكن إلى الإدلاء بتصريحات نارية عقب مشاركته في لقاء حلف الناتو على مستوى وزراء الخارجية في بروكسيل، موجهاً حديثه إلى روسيا قائلاً: “أنشئت تحالفاتنا للدفاع عن قيمنا المشتركة”، مستكملاً باستعادة الهدف الأميركي على الصعيد الدولي المبني على أساس “نظام دولي يستند إلى حكم القانون”، متعمداً تجاهل المتغيرات الدولية التي تنادي بنظام عالمي متعدد الأقطاب يعكس حقيقة المتغيرات في مطلع العقد الثاني من القرن 21.

رؤية الرئيس بايدن، بحسب مذكرة رسمية، تركّز على ضرورة “إحياء الولايات المتحدة منابع ميزاتها للتعامل مع التحديات الراهنة من منطلق القوة”، مشدداً على “تحديث القدرات العسكرية الأميركية”، على الرغم من انتهاء الحرب الباردة رسمياً قبل 3 عقود، والهدف الحقيقي هو  بسط هيمنة أميركا على نطاق العالم أجمع الذي يدرك أنها تمر في مرحلة تراجع تدريجي، رغم شراسة قوتها العسكرية ونفوذها الطاغي.

وفي ضوء نشر واشنطن قوات وموارد ومعدات عسكرية إضافية بمحاذاة الحدود الروسية، يمكن للمرء التوقف على أبرز السيناريوهات الأميركية المحتملة لتصادم عسكري، منها:

1 – تعزيز جهود الحراسة والمراقبة للمقرات القيادية ومراكز الاتصالات، وإلغاء فرص الإجازات والأعياد، وخصوصاً أعياد القيامة الراهنة.

2 – رفع درجة تأهب القوات الجوية، وبأعداد أعلى من المعدلات السابقة، وسحب بعض موارد القوات الجوية إلى مناطق خلفية أكثر أمناً، وربما تعديل نوعية حمولة القاذفات والمقاتلات وحجمها.

3 – انتشار القوات البرية في رقعة جغرافية أوسع، وخصوصاً تلك التي ترابط قرب القوات الروسية والمواقع الاستراتيجية للحدّ من موجة هجمات مفاجئة. وتعد دول بحر البلطيق أهم ساحات الاشتباك المحتمل.

4 – تفعيل نظم الدفاعات الجوية على طول الحدود المشتركة مع روسيا.

5 – رفع وتيرة المراقبة والتجسس عبر الأقمار الاصطناعية، وكذلك معدلات الطلعات الجوية.

6 – رفع درجة التأهب بين صفوف قوات التدخل السريع المتواجدة في الأراضي الأوروبية، والاستناد أيضاً إلى القوات المحمولة جواً التابعة للكتيبة 82 في قواعدها الأميركية والتي ستكون رأس حربة التدخل في أي مواجهة مرتقبة.

أمام تلك المروحة من الخيارات ولهجة التصعيد المتواترة من الجانب الأميركي تحديداً، وخصوصاً بعد محادثة هاتفية لوزير الدفاع الأميركي لويد أوستن مع نظيره الأوكراني، شدد فيها على “الدعم الأميركي الثابت لأوكرانيا وسيادتها على أراضيها”، والكشف عن مخططات ومناورات عسكرية مشتركة مع دول مناوئة لروسيا، هل أضحى العالم أقرب مسافة إلى أزمة جديدة يلوح بها الطرفان بأسلحة نووية وأخرى غير معلومة؟

الثابت في تلك المقدمات أنّ الساحة أضحت ناضجة بالنسبة إلى حلف الناتو “لاستفزاز” موسكو وإجراء مناورات بحرية في مياه البحر الأسود في الأسابيع القليلة المقبلة، والتي قد تكون تمريناً حياً على بدء أوكرانيا تحرشها العسكري بالقوات الروسية، وتلك المدعومة منها في شرق أوكرانيا، والجائزة الكبرى هي اقتطاع شبه جزيرة القرم من السيادة الروسية، ولكن ليس كل ما يشتهيه المرء قابلاً للتحقيق.

من ناحية أخرى، يعاني تماسك حلف الناتو هذه الأيام حدثين منفصلين من شأنهما تقويض مصداقيته لدى حلفائه وخصومه على السواء؛ الأول يخص ألمانيا التي تئنّ بفعل اكتشاف فضيحة اعتماد سلاح الغواصات البحرية الألمانية على أجهزة روسية الصنع، عقب نشر صحيفتها “بيلد آم سونتاغ” تقريراً يشير إلى “استخدام الغواصات الألمانية معدات الكترونية (نافي سيلور 4100) في نظم بيانات الخرائط البحرية تصنعها شركة “ترانساس” الروسية”، ما استدعى من برلمانها البدء بتحقيق شامل في هذه المسألة. القيادة العسكرية الأميركية اعتبرت المسألة شديدة الخطورة وعدّتها بمثابة “كعب أخيل” في تنفيذ المهام والعمليات العسكرية (نشرة “ديفينس نيوز”، 1 نيسان/ابريل 2021).

الحادث الآخر يخصّ إيطاليا التي أقدمت على اعتقال “ضابط في البحرية” لتورطه في التجسس لصالح روسيا مقابل المال. الضابط الذي يدعى وولتر بيوت يعمل في هيئة الأركان الدفاعية بصفة ربّان فرقاطة، وقد أعّد لقاءً سرياً مع “مشغليه” مساء الثلاثاء 30 آذار/مارس الماضي تسلّم فيه مبلغاً زهيداً وقدره 5،000 يورو (نحو 5،860 دولاراً)  لقاء تسليمه وثائق رسمية. وبحكم موقعه المتقدّم، فإنّ من ضمن مهامه القيام بتصنيف درجات السرية في الوثائق الرسمية، “ومن ضمنها وثائق حلف الناتو” (موقع “ذي آفياشينست”، 31آذار / مارس 2021).

سيسمع العالم تكراراً في تصريحات المسؤولين الأميركيين حول “نظام القانون بقيادة الولايات المتحدة”، والذي أشار إليه البيت الأبيض بالتفصيل في مذكرة حديثة بعنوان “دليل مرحلي لاستراتيجية الأمن القومي”، تطرح آلية تفكير الرئيس بايدن ورؤيته “لانخراط الولايات المتحدة مع دول العالم” لإرساء “نظام دولي ليبرالي” (آذار/مارس 2021).

وبحسب الخبراء العسكريين الذين اطلعوا على تلك المذكرة – بحجم 24 صفحة – فإن الفرضيات الأميركية عن فراديتها وترجيح لغة الحرب الباردة لا تأخذ بعين الاعتبار حقيقة التدهور الأميركي سياسياً واقتصادياً وامتداداً عسكرياً، منذ دخول واشنطن مستنقعي أفغانستان والعراق، ولاحقاً سوريا، في ظلّ إعلانها عن نياتها بمواجهة متوازية مع كل من الصين وروسيا، فيما الخاسر الأكبر هو الشعوب وتطلّعاتها إلى التحرر والتنمية المستقلة.

2021-30-03-التحليل

التحليل

تعطيل قناة السويس ينعش
مخططات مشبوهة لاستبدالها

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

         “السيطرة على التجارة البحرية عنصر اساسي للنصر في الحرب”، والقوى البحرية عادةً تتفوّق على قوى البر. مبدأ أرساه ضابط البحرية الأميركي والمؤرخ ألفرد ماهان قبل الحرب العالمية الأولى، وأضحى كتابه “تأثير القوة البحرية في التاريخ” مادة ثابتة في دراسات الكليات الحربية العالمية. وقد تحققت نبوءته في العام 1911 بالتحذير من أنّ تنامي قوة ألمانيا الصناعية سيقود إلى صراع دولي، استناداً لقناعته بأنّ ألمانيا لا تملك سوى بحر الشمال، وستسعى لمد نفوذها على مناطق أخرى.

نظراً  إلى جغرافية السواحل الغربية لأميركا الشمالية، فإنّ روسيا هي الأقرب إليها مسافة من ناحية ولاية ألاسكا، تليها الصين واليابان، ما يعزّز تبلور استراتيجية الولايات المتحدة الأميركية الراهنة في معاداة الصين وروسيا منذ نهاية ولاية الرئيس جورج بوش الإبن، وهي تسعى جاهدة، ليس لتطويق “تمدد الصين” فحسب، بل للحيلولة دون تشكل وحدة جيوسياسية في آسيا تنافسها ككتلة موحدة.

الحدث النادر الذي أدى إلى تعطيل الملاحة في قناة السويس، نتيجة توقف سفينة الحاويات العملاقة “إيفر غيفن” وغرسها في مياه القناة بضفتيها، بحمولة ومواصفات تجاوزت المعايير الدولية المنصوص عليها في “سويس ماكس” كشرط لعبور القناة،  اثار بعض التكهّنات حول ما اذا كان الحادث مدبراً، وليس جنوحاً، بعد تعرض المنطقة لعاصفة رملية شديدة الرياح.

وسرت تكهنات حول فكرة الترويج لاستحداث قناة بديلة موازية لقناة السويس، إذ أدى اغلاق القناة الى خسارة مباشرة لعائدات المرور التي تدر حوالي 400 مليون دولار يوميا إلى الخزانة المصرية. وقد تعطّلت حركة مرور السفن من جانبي منافذ القناة، وتسمرّت عشرات السفن تنتظر دورها في العبور.

تعطيل حركة الملاحة في قناة السويس كقرار سياسيّ تتّخذه دولة/دول أخرى، يعود إلى ما سُمي بأزمة السويس في العام 1956، عقب تأميمها كشركة مساهمة مصرية من قبل الرئيس جمال عبد الناصر. الوثائق المتوفرّة تشير بوضوح إلى تبني رئيس الوزراء البريطاني آنذاك، سير أنثوني إيدن، خطّة اعتراض الملاحة في القناة بطلبه من قواته المسلّحة إرسال 50 سفينة تتوزع على مداخل القناة الشمالية والجنوبية “لإحراج” قيادة الثورة المصرية بعدم قدرتها على تسيير الملاحة، ما يستدعي إشرافاً دولياٌ عليها يستثني مصر أو أي دولة عربية أخرى (إيمون هاميلتون، رسالة أطروحة ماجستير في جامعة بيرمنغهام البريطانية، حزيران 2015، ص 99). كما أغلقت القناة لعدة سنوات بعد حرب عام 1967.

الباحثة الاستراتيجية البريطانية، كارولين روز، أكّدت تلك المعلومة في جملة تغريدات لها يوم 25 آذار/مارس الجاري، قائلة: “لا يتحدّث أحد حول إغلاق سفينة “إيفر غيفن” لقناة السويس بأنّه حلم تحقّق أخيراً لرئيس الوزراء البريطاني آنثوني إيدن”. وأضافت أنّ إيدن كان “يرمي إلى إنجاز حصار غير عسكري لقناة السويس عبر توظيف السفن التجارية وغيرها لسد حركة المرور وتعزيزها بسفن حربية على مداخلها في أيلول/سبتمبر 1956، وذلك قبل توصله إلى خطة شن غزوة برمائية لمصر بالاشتراك مع باريس وتل ابيب”.

إنّ الحادثتين في قناة السويس، بفاصل 64 عاماً، ليستا نسخة طبق الأصل لتغيّر الظروف والتوازنات الدولية والإقليمية، بل تؤشران إلى الأهمية الجيوستراتيجية للمر المائي الحيوي خلال حقبات تاريخية متعدّدة وما يتهدّده من مخاطر وتحديات ذات ترددات عالمية.

بَعد مصر والدول التي تستورد نفط الخليج، مثل الصين والهند، تعتبر سوريا أحد أبرز المتضررين من إغلاق القناة في الظرف الراهن، إذ سارعت حكومتها إلى توجيه تعميم على الشعب السوري تخطره بتأخّر وصول مشتقات المحروقات التي تعدّ بأمس الحاجة إليها والعالقة في ممر قناة السويس. أما في مصر، فلا شك أن  الحادثة أعادت  مناقشة الحكمة من قرار الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي التنازل عن السيادة المصرية عن جزيرتي تيران وصنافير في مضائق تيران المصرية، الأقرب إلى ساحل شبه جزيرة سيناء، والتي تعد بوابة خليج العقبة، لمصلحة السعودية.

مجلس الدولة المصري، وهو أعلى هيئة قضائية إدارية، “ألغى قرار منح تيران وصنافير للسعودية” (21 حزيران 2016)، بيد أنّ القرار السياسي الأعلى للرئاسة المصرية لم يلتفت إليه أو يعمل بموجبه. وبهذا تحوّل الممر البحريّ إلى ممرٍ دوليّ، وليس مصرياً، ينهي تحكّم القاهرة بحركة الملاحة المتجهة لميناء إيلات/أم الرشراش.

الإسهاب في خلفية التخلّي المصري عن سيادة مصر على إراضيها، ليس بالأهمية ذاتها لما ينبغي التركيز عليه من مخططات استراتيجية معادية مهّدت لمناخ التنازل الطوعي المتدرج عن سيناء، التي تحتلّ حيزاً متقدماً في وعي الشعب المصري. وقد أوجزه د. جمال حمدان قائلا: “سيناء ليست صندوقاً من الرمال، بل صندوق من الذهب” بثرواتها وموقعها (كتاب “شخصية مصر”)، وأفرد لها كتاباً خاصاً بعنوان “سيناء في الاستراتيجية والجغرافيا”، لا يؤكد فيه عروبتها فحسب، بل أهميتها الجيوسياسية في الأمن المصري أيضاً، إذ إنها “لا تحدد مصير مصر وحدها، ولكن العرب أجمعين”.

نظرياً، لا يجد المرء جواباً شافياً على ترابط “تعطيل” قناة السويس مع المخطّطات الاستراتيجية الأميركية في بعدها الدولي ، وليس الاقليمي فحسب، بيد أنّ الوقائع تدحض فصل المسائل الجيوسياسية عن بعضها بعضاً في المفهوم الأميركي الرسمي.

أولى المؤشرات على ذلك الترابط جاءت عبر تقديرات الاضرار الناجمة عن إغلاق القناة على مخططات انتشار القوات العسكرية الأميركية في المياه الآسيوية مقابل سواحل الصين، وخصوصاً أن ّحاملة الطائرات العملاقة “يو أس أس آيزنهاور” تجوب مياه البحر المتوسط استعداداً لعبور قناة السويس للانضمام إلى المناورات الحربية الأميركية في بحر العرب.

تنبغي الإشارة إلى أولوية عبور القناة للقطع العسكرية الأميركية منذ اتفاقيات كامب ديفيد، 1979، وجرى تحديثها عدة مرات منذئذ في الرئاسات المصرية المتعاقبة. وعليه، عبور القطع البحرية الأميركية القناة، ذهاباً أو اياباً، يتقدم على كل حركة الملاحة الجارية بأكملها.

وأعرب البنتاغون عن قلقه رسمياً من أن ّ”إغلاق قناة السويس سيؤثر على حركة السفن العسكرية الأميركية”، (28/آذار/مارس الجاري)، وأوكل للحاملة “آيزنهاور” مهمة “تعزيز” التواجد العسكري الأميركي في بحر الصين الجنوبي في فترة أعمال الصيانة والتحديث الجارية على حاملة الطائرات “يو أس أس رونالد ريغان” في مياه اليابان.

يضاف إلى ما تقدّم هدف الحرب والعدوان على اليمن في سياق السيطرة الأميركية، عبر السعودية والإمارات، على مضيق باب المندب، وتحويل البحر الأحمر على جانبي شواطئه إلى منطقة نفوذ أميركية، وامتدادا “إسرائيلية”.

كما لا يجوز إغفال تكرار اصطدام السفن العسكرية الأميركية بالقوارب التجارية في مناطق ومضائق متعددة في العالم، ضمن سياق السعي لبسط النفوذ السياسي الاستراتيجي. أحد أبرز الأمثلة حادثة “اصطدام” بين واحدة من أحدث حاملات الطائرات الأميركية “يو أس أس جون ماكين” مع سفينة تجارية في مضيق ملقا، بتاريخ 20 آب/أغسطس 2017، أسفر عن مقتل 10 بحارة أميركيين، وتم تحميل المسؤولية لربّان السفينة الحربية “ولتدني مستويات تدريب طاقمها” بعد إجراءات التحقيق في الحادث.

في حقيقة الأمر ، ليس هناك مفاضلة في أولوية مضيق بحري عالمي على آخر في سياق الاستراتيجية الكونية الأميركية، لكن “مضيق هرمز” يحتل درجة عالية في سلم الأولويات، نظراً إلى طبيعة تعديل اولويات السياسة والاستراتيجية الأميركية في الظرف الراهن تحديدا، وخصوصاً أنه أضحى ممراً لنقل نحو 35% من احتياجات النفط العالمي، بنسبة تذهب 85% منها إلى الأسواق الآسيوية. ويشهد مضيق هرمز حالياً “حوادث” انفجارات متبادلة بين سفن “اسرائيلية” وأخرى إيرانية، ويقف الطرف الأميركي مراقباً يتحيّن الفرصة للتدخّل إن تطلّب الأمر.

التدقيق في الصّور التجارية المنشورة عن “أزمة السير المعطل” في قناة السويس، مضافاً إليها بعض التصريحات المصرية الرسمية، وأرضيتها التحلّل من المسؤولية، وكذلك النظرة الشاملة للتغيرات الدولية وسلوك الولايات المتحدة في بسط هيمنتها، وتوكيلها “الكيان الإسرائيلي” بمهام الهيمنة الإقليمية، تقودنا كلّها مجتمعةً إلى ترجيح التفكير في بدائل وافتعال أزمة تضع “حل الممرات البديلة” على رأس الأولويات، من بينها خطوط سكك حديدية لربط الخليج بميناء حيفا.

لم تخفِ “إسرائيل” أهدافها في السّيطرة والهيمنة على ملاحة البحر الأحمر برمّته، وطرحت مشروع “قناة البحرين” بين البحر الأبيض والبحر الميت مع الأردن عقب توقيع اتفاقية وادي عربة، أرفقته بمشروع موازٍ لشق قناة تربط ميناء إيلات/أم الرشراش بالبحر الأبيض المتوسط، أطلقت عليه مشروع “قناة بن غوريون”.

في الخلفية، يقع مشروع هيرتزل لاستيطان سيناء بدءاً من العام 1898، والذي قوبل بالجفاء من قبل السلطان العثماني، وانتظر إنضاجه حتى العام 1902، متوجّهاً إلى بريطانيا ولقاء وزير المستعمرات البريطانية آنذاك، جوزيف تشامبرلين، الذي وعد بالسماح لليهود بـ”إقامة مستوطنات في منطقة العريش وسيناء” كنواة للدولة اليهودية (ليونارد ستاين، “إعلان بلفور”، 1961، ص 25). تفاعل الجانب البريطاني مع المشروع ليضمن حماية قناة السويس من الشرق، وخصوصاً ألمانيا، التي صعّدت من نفوذها لدى السلطان العثماني.

وكشفت النّشرة الإلكترونيّة الأميركيّة “بيزنيس إنسايدر” حديثاً عما أسمته مذكّرة أميركية للعام 1963 أصدرها “مختبر لورانس ليفرمور الوطني” التابع لوزارة الطاقة الأميركية، و”رفعت عنها السريّة”. وقد تضمنت استخدام مئات من القنابل النووية، بقوة 2 ميغا طن، لشق قناة بديلة عن السويس عبر صحراء النقب “على مستوى البحر بطول 160 ميلاً عبر إسرائيل” (25 آذار/مارس الجاري).

أما الإشارة إلى استخدام تفجيرات نووية لشق القناة، فقد جاءت لتخفيف كلفة الحفر بالوسائل المتاحة لفتح مسار عبر صحراء النقب يربط البحر المتوسط بخليج العقبة. وأوضحت المذكرة بشكل جليّ أنّ القناة الجديدة “ستكون بديلاً استراتيجياً عن قناة السويس”.

استمرّت وتيرة التصريحات “الإسرائيلية” مبشرِّة بالقناة البديلة. ونشرت صحيفة “هآرتس” في منتصف العام 2017 مقالاً بقلم “بلير كنينغهام” حول المشروع البديل الذي يبلغ طوله 300 كلم “لربط إيلات على البحر الأحمر مع ميناء أشدود (أسدود بالعربية) على البحر المتوسط، كبديل عن قناة السويس”.

في ضوء ما تقدّم من معطيات وتسلسل تاريخي يستهدف خنق قناة السويس وما تتعرض له راهناً من إغلاق إلزامي، وبقطع النظر عن طبيعة الأسباب، أكانت عرضية أم مدبّرة، نستطيع القول إن المشروع “الإسرائيلي” البديل أُنضج إعلامياً كجائزة لتل أبيب لضمان هيمنتها على الإقليم والتحكم بممر مائي بالغ الأهمية في حركة التجارة البحرية العالمية.

في علم الطبوغرافيا، تعد المنطقة صخرية قاحلة، وتتميز بحدة ارتفاعاتها، قبل أن تنحدر بقوة بالقرب من البحر الميت، ثم ترتفع مرة أخرى قبل الوصول إلى البحر المتوسط. ممر القناة البديلة يبدأ عند العقبة ومنسوب البحر يساوي صفراً (موازٍ لسطح البحر)، ويرتفع شمالاً إلى نحو 159 متراً، ومن ثم يصعد مجدداً إلى نحو 339 متراً، قبل أن ينحدر إلى جنوب البحر الميت إلى عمق  266 متراً تحت سطح البحر، ثم يرتفع مجدداً لنحو 642 متراً عن سطح البحر، أي أن الفارق الإجمالي في الارتفاعات يصل إلى نحو 1000 متر، (المهندس المصري ومحاضر في جامعة “إم آي تي” نايل الشافعي، 28 آذار/مارس 2021).

الحقائق العلمية الصارمة لا تدعم إمكانية إنشاء ممر بحري بديل لقناة السويس، خط العقبة عسقلان، على الناحية المقابلة من البحر الأحمر، وأهم أسبابها الطبيعة الطبوغرافية المعقدة، كما ورد. ومن المرجّح أن الحملة لإنشاء بديل من قناة السويس لا تعدو كونها فقاعات إعلامية تحدث ضغوطاً نفسية وارتباكاً في الجانب المصري.

2021-22-03-التحليل

التحليل

بايدن ومعضلة روسيا والصين
تعويض الضعف بخطاب القوة

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

         دشّن الرئيس الأميركي جو بايدن مطلع ولايته الرئاسية بتصعيد الخطاب المعادي للصين وروسيا، فأنعش معسكر الصقور التقليدي في الحزبين، الديموقراطي والجمهوري، لتناغمه مع غريزته العدائية للبلدين، وكوفيء بالرضى والدعم الداخلي في أركان المؤسسة الحاكمة. وكان لتوصيفه الرئيس الروسي بـ “القاتل” تأثيره الفوري على صعيد تأزيم العلاقة المتوترة أصلاً مع روسيا، ليقضي بذلك على إمكانية عودة أجواء الانفراج معها في المدى المنظور.

انجرّت معظم النخب السياسية والفكرية النافذة في مفاصل الدّولة الرئيسيّة وراء نغمة العداء المتجدّدة، وخصوصاً تلك المرتبطة بالمصالح مع كبريات شركات الصناعات العسكرية. وربما انفردت “مؤسّسة راند” العريقة بتحذيرها البيت الأبيض من أنّ سياساته “للاتجاه شرقاً نحو الصين بدأت متعثّرة”، مقابل شبه إجماع على التصعيد الخطابي والتحشيد الإعلامي ضد القوى الآسيوية الصاعدة (“مؤسّسة راند”، 15 آذار/مارس 2021).

التقى وفدان رفيعا المستوى من الجانبين الأميركي والصيني يوم 18 آذار الجاري في مدينة آنكوريج في ولاية ألاسكا، بدعوة من واشنطن، لبحث القضايا الخلافية الرئيسية بينهما، نتيجة محادثة هاتفية أجراها الرئيس جو بايدن بنظيره الصيني شي جينغ بين بمناسبة عيد رأس السنة الصينية.

الاجواء السياسيّة بين البلدين شهدت تصعيداً متبادلاً مطلع شهر شباط/فبراير الماضي، بدءاَ بتصريح الرئيس بايدن بأن الصين تشكل “أكبر منافس  جدّي” للولايات المتحدة (4 شباط/فبراير)، والذي أتبعه بتصريح لبرنامج “فيس ذا نيشن” لشبكة “سي بي أس” قال فيه: “ليس من الضروري ان تخطّط البلاد لنزاع (مع الصين)، لكن ما نراه هو علاقة طابعها التنافس الشديد” معها (7 شباط/فبراير).

وقد أتبعه في الليلة ذاتها بمكالمة هاتفية مع الرئيس الصيني شي جينغ بين استمرت نحو ساعتين من الزمن، وصفها كبار المسؤولين بأنّها كانت عاصفة، لكونها شملت “سجلّ الصين في حقوق الانسان في مقاطعة شين جيانغ، وكذلك مسألة هونغ كونغ”، وتوّجها بلقاء الرباعية ، أميركا واستراليا والهند واليابان، في 12 آذار/مارس الجاري، للتوقف عند موقف موحّد لمواجهة “البحرية الصينية”.

علقت “مؤسسة راند” على مساعي الإدارة بالقول: “تصعيد الخلافات بين الولايات المتحدة والصين أضحت السمة الطاغية في أروقة البنتاغون وكل المكاتب الملحقة بمجلس الأمن القومي، ومن شأنه تعقيد مسار مراجعة” العلاقات الثنائية التي عبّر عنها الجانبان، وخصوصاً الجانب الصيني على لسان وزير الخارجية وانغ يي، على هامش دورة مجلس الشعب الصيني يوم 7 آذار/مارس الجاري، معرباً عن أمله في أن تؤدي “مراجعة التعاون إلى تمكّن الصين والولايات المتحدة من التوصل إلى تغيير إيجابي، بدءأً من مسائل المناخ وصولاً إلى العلاقات الثنائية”.

تميزت الجلسة الافتتاحية في ألاسكا بتشنّج كلمات الجانبين، وخصوصاً رد الوفد الصيني على كلمة وزير الخارجية طوني بلينكن لدى إثارته قضايا مقاطعة “شين جيانغ وهونغ كونغ وتايوان والهجمات السيبرانية”، لاعتباره أن كلاً منها على انفراد “تشكل تهديداً للنظام الدولي الراهن القائم على سلطة القانون لإدامة الاستقرار العالمي” (نص الجلسة الافتتاحية الصادر عن وزارة الخارجية الأميركية، 19 آذار/مارس الجاري).

وبحسب التقارير الصّحافية، “ردت الصين على اتهامات أميركا في عقر دارها”، على لسان عضو وفدها ومدير الشؤون الخارجية في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، يانغ جي شي، موجهاً كلامه إلى وزير الخارجية الأميركي، قائلاً: “ما ينبغي لنا فعله هو التخلي عن عقلية الحرب الباردة والمعادلة الصفرية”، مقارنة بالسياسة الصينية التي “تستند إلى التطور السلمي، وإعلاء دور الأمم المتحدة المركزي في النظام العالمي، وتعزيز القانون الدولي لضمان المساواة والعدل والاحترام المتبادل، لا كما تطالب بضع دول بتبنّي نظام عالمي يستند إلى سلطة القانون” (النصوص أعلاه مستقاه من بيان الخارجية الأميركية).

ولم يغب عن وسائل الإعلام الأميركية تصعيد يانغ جي شي ردّ بلاده على التدخلات الأجنبية، مخاطباً الوفد الأميركي مباشرة لنحو 15 دقيقة: “فيما يخصّ (مقاطعة) شين جيانغ وتايوان، فإنهما جزء ثابت من الأراضي الصينية، والصين تعارض بشدة تدخل الولايات المتحدة في شؤونها الداخلية”. واضاف المسؤول الصيني: “لقد عبّرنا عن معارضتنا القوية لذلك التدخل، وسنتخذ إجراءات مشددة رداً عليها” (المصدر أعلاه نفسه).

يشار إلى أنّ السياسات الأميركية نحو الصين، وعلى امتداد الإدارات المتعاقبة منذ ولاية الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون، التزمت بما يُسمى بسياسة “الصين واحدة”، مع تباين في التطبيقات المرحلية، حتى عهد الرئيس السابق دونالد ترامب وتسليحه تايوان بمعدات عسكرية متطورة بلغت قيمتها 5 مليار دولار للعام 2020، تضمّنت 66 مقاتلة من طراز “أف-16″، وصواريخ “هاربون” المتطورة للدفاع عن الشواطيء، ونُظماً متحركة لإطلاق الصواريخ، وقطعاً أخرى، على رأسها قاذفات إطلاق صواريخ “ستينغر”.

كما شاطره الرأي عضو الوفد ووزير خارجية الصين وانغ يي، بلغة ديبلوماسية مهذبة وصريحة، قائلاً: “الصين تحث الجانب الأميركي على التراجع التام عن سلوكه في الهيمنة والتدخل الإرادي في الشؤون الداخلية للبلاد. مع تصعيد الولايات المتحدة لما يُسمى عقوباتها على الصين على خلفية هونغ كونغ، فإن الشعب الصيني يشعر بالغضب إزاء ذلك التدخل السافر في شؤونه الداخلية، والجانب الصيني يعارضه بحزم” (المصدر نفسه).

بناء على تلك التطوّرات المحوريّة، نحن أمام سياسة أميركية تعدّ في جوهرها امتداداً لسياسات الهيمنة السابقة وإعلاء شأن خطاب التصادم والانتشار العسكريّ في كل أرجاء المعمورة الغنية بالموارد الطبيعية، تجسّدها السلطة التشريعية الأميركية بمواصلة خطاب التّصعيد والعزف على أوتار مشاعر القلق من “الصين وروسيا”، وهو ما يُترجم لاحقاً بمزيد من الإنفاقات العسكرية، جزء مهم منها يأتي من خارج بنود المزانية الرسمية المقررة.

المواجهة العسكرية المباشرة بين واشنطن وبكين في عُرف بعض مراكز القوى هي احتمال وارد وينبغي الاستعداد له، بيد أنّ القلّة من مستشاري مراكز الأبحاث يعتبرون نشوب “حرب بسبب تايوان أمراً غير وارد في الأفق، فالقدرات (العسكرية للصين) تطوّرت إلى مرحلة لم تعد فيها محطّ تكهّن أو معضلة باستطاعتنا تجاوزها” (نشرة بوليتيكو، 16 آذار/مارس الجاري، نقلاً عن الباحث إيريك سايير في “معهد المشروع الأميركي”).

وأضافت “بوليتيكو” نقلاً عن مسؤول رفيع في البنتاغون: “الصين توصّلت إلى بناء اسطول حربي ذي انتشار عالمي لمهام إقليمية. لا توجد في جعبتنا قدرات موازية لمواجهة الصين، كما كان متاحاً لنا في السابق”، مستطرداً ان أي مواجهة حقيقية معها نتيجة الموقف من “تايوان، ستكون الخسارة لجانب الولايات المتحدة” التي ستتلقى هجمات صاروخية، وبأسلحة بيولوجية، ضد قواعدها العسكرية وسفنها الحربية. وما سيشلّ قدرة الرد الأميركي هو هجوم برمائي من الصين على تايوان، وتكبيدها خسائر بشرية عالية، وكذلك تدمير شامل في نُظم السلاح.

في سياق التصعيد الأميركي، حذّر نائب مساعد وزير الدفاع للعمليات الخاصّة، كريستوفر ماير (منصب مدني للإشراف على أداء القيادات العسكرية)، لجان الكونغرس المختصة، الأسبوع الماضي، من أن بلاده تتخلف عن مواكبة “روسيا وإيران والصينفي قطاع حرب المعلومات”، وينبغي تجنيد مرشحين في مختلف اللغات العالمية، حاثاًّ على المزيد من الاستثمار في “احتياجات القوات العسكرية” لمعالجة الخلل والتفوق به على خصومها (نشرة “ديفينس وان”، 17 آذار/مارس 2021).

بمبادرة من الكونغرس مطلع العام الجاري، استحدثت القيادة العسكرية الأميركية برنامج “مبادرة الردع في المحيط الهاديء”، لتعزيز حضور أساطيلها البحرية، ومطالبتها الكونغرس بتخصيص نحو 4.6 مليار دولار للسنة المقبلة للإنفاق على الصواريخ الباليستية والصواريخ الأسرع من الصوت، ووضعها في مناطق قريبة من الأراضي الصينية، ورصد نحو 23 مليار دولار لمواجهة الصين في الموازنات السنوية المقبلة الممتدة من 2023العام  إلى العام 2027 (نشرة “يو أس نيفي نيوز”  2 آذار/مارس 2021).

وتناغم مدير الاستخبارات العسكرية، نيل تبتون، مع توصيف ماير، مؤكّداً أن وزارة الدفاع “تعكف على إعادة إنشاء الذاكرة المعزّزة بالقوة العضليّة التي لم نشهد مثيلاً لها منذ عصر الحرب الباردة”. كما أكّد ضابط جهاز الاستخبارات العسكرية، جيمس سوليفان، للجان الكونغرس أنّ “روسيا تتفوّق علينا الآن بصورة واضحة في عمليات نظم المعلوماتية. بدورها، ستنمو الصين صعوداً إلى مرتبة متفوقة موازية لميزتها، باستخدام لغة برمجة الآلة والذكاء الاصطناعي بوتيرة أسرع من الجانب الروسي”.

مراوحة الخطاب السياسي الأميركي بين التصعيد اللفظي والدعم الثابت لخطط الإنفاق العسكري تشير إلى وجود نيّة لشنّ مواجهة مع الصين تلعب فيها واشنطن على حافة الهاوية من دون أن تنزلق منها، معوّلة على تحمّل “حلفائها” الأسيويين، استراليا واليابان والهند، تداعيات أيّ مواجهة محتملة، بعد استحداثها “حلف الرباعية” الجديد. كما تشير إلى نغمة إعادة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية في مرحلة تدرك تماماً أنها في حالة تراجع وانكفاء تغطيها بإشراك آخرين في تحمل أعبائها وأهوالها التدميرية ،إذا اندلعت المواجهة ووصلت إلى مرحلة متقدمة.

تبدو ادارة بايدن كأنها تسير عكس ادعاءاتها بعودة النشاط الدبلوماسي وإصرارهاّ على استخدام لغة دبلوماسية الحرب الباردة وأكثر. وعلى الرغم من خبرة بايدن في السياسة الخارجية، وخبرة طاقمه الذي خدم في ادارات سابقة، فإنّ نزعة التمظهر بالقوّة تتغلب عليه، تعويضاً عن الإتهامات الموجهة إليه بضعف موقفه داخليا.

كما يبدو جليّاً في خطواته الاولى مع الصين وروسيا أنه وطاقمه يتنكران لحقيقة أن ّمكانة ودور أميركا الى تراجع. وبدلاً من التكيف مع بروز قوى عالمية كابحة للتفرد والهيمنة الأميركية، يستمر في سياسة تتغنى باستثنائية أميركا التي عفا عليها الزمن، ولن يطول الوقت ليكتشف أنّ الإدعاءات بالتفوّق والقوّة عبر الخطب والتصريحات النارية لن تكون بديلاً من اعتماد سياسة واقعية تعترف بالمتغيرات الدولية التي تفرض تفاهمات حقيقية ومساومات ضرورية مع خصوم  ومنافسين دوليين تتنامي قوتهم وتتعزز قدراتهم لصياغة نظام دولي جديد أكثر عدلا ومشاركة.

2021-16-03-التحليل

التحليل

أوهام تفوّق سلاح “الذكاء الاصطناعي”

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

بَحْثُ الإنسان عن سبل تطوير الأعمال اليدوية وأتمتتها يعود إلى العام 1872، بحسب سردية شركة “مايكروسوفت”، استناداً إلى رواية الإنكليزي صموئيل بتلر في روايته الساخرة من القيود الملكية السلطوية “إيريوهون” أو “لا مكان”، ماراً بخياله على الدور الكبير الذي “ستؤديه الآلات في تطوير البشرية”، وإلى الروائي الإنكليزي أيضاً هربرت جورج ويلز في روايته “حرب العوالم” في العام 1897، والتي صُنّفت آنذاك في فئة “الخيال العلمي”، لحديثها عن الآلة المبتكرة من قبل سكان كوكب المريخ للسيطرة على عالمنا.

وقد انتجت مختبرات الأبحاث العلمية تباعاً آلات متعددة لمساعدة الإنسان في شتى المجالات والتطبيقات اليومية، مروراً بابتكار “مساعدين افتراضيين” لأداء المهام بإتقان وبشكل أسرع مما كان عليه الأمر، ما أضحى يعرف بحقل “الذكاء الاصطناعي” الذي يحاكي الذكاء البشري لإتمام المهام، كما شهدنا في أنتاج شركة (آي بي أم) جهاز “واتسون” في العام 2011، والذي تفوق على البشر في مسابقة برنامج “جيوباردي”. ويسعى  البرنامج الآلي إلى “دمج حياتنا المادية والرقمية والبيولوجية”، وهو ذو استخدامات مزدوجة، منها ما يعود بفوائد إيجابية، ولكن تقابلها جوانب سلبية، وخصوصاً في التطبيقات العسكرية المتعددة في زمن قصير نسبياً.

وحذّرت الأمم المتحدة في دراسة شاملة من تداعيات ما “تطلقه التقنية من إمكانيات هائلة للبشرية، ذلك أن تقارب الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة يفرض أيضاً مخاطر غير مسبوقة على الأمن العالمي”، والتي يمكنها أن تحسن أداءها استناداً إلى المعلومات التي تجمعها (ندوة بعنوان “كيف يمكن للتعددية البقاء على قيد الحياة في عصر الذكاء الاصطناعي؟”، إلينور باولز، من دون تاريخ نشر).

حقل “الذكاء الاصطناعي” لن يحل محل الذكاء البشري في أي وقت منظور. هذه نتيجة توصّل إليها كبار العلماء والمختصين، لخشية العامة من تسخير التقنية الرقمية المتطورة في هيئة آلات تفتح آفاق كارثة إنسانية ينبغي السيطرة عليها. وبحسب وثائق الأمم المتحدة، “يجب أن تنظّم تطورات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي لصالح مجتمعاتنا وتنميتها المستدامة”، بيد أن القلق من منافسة الآلة للدور الإنساني يزداد اطراداً مع تطور بيانات الخوارزميات وتعقيداتها، وهي التي يعتمد عليها أداء الذكاء الاصطناعي.

وبحسب دراسة أجراها “مرجع فري و أوسبورن”، فإنّ حوالي 47% من اليد العاملة الحالية في الولايات المتحدة تشغل مهناً عرضة لخطر الزوال بسبب الأتمتة في العقدين القادمين” (7 كانون الأول/ديسمبر 2016).

يشير العلماء إلى تعقيدات متراكمة في جهود استنباط أفضل الخوارزميات للتحكم بالذكاء الاصطناعي، والتي تتطلّب تطبيق مزيج من التقنيات الحديثة: “تعلم لغة الآلة، التفكير الرمزي، تعلّم بيانات الإحصاء، تعلّم البحث والتخطيط، التعامل مع البيانات الهائلة، البنى التحتية للفضاء الالكتروني، وجداول الخوارزميات”.

من بين التحديّات المطروحة أمام العلماء في هذا المجال تبرز إمكانية استبدال الآلة بالعقل البشري لاتخاذ قرار الحرب، سواء عبر طائرة مسيّرة أو بأسلوب آخر أشدّ تعقيداً في بنية أجهزة رقمية هائلة. الأمر الذي يحتّم عليهم التوصل إلى خوارزميات اصطناعية تحاكي عمليات عسكريّة.

على سبيل المثال، قبل عدة عقود، واجه سلاح البحرية الأميركية معضلة تتلخّص في تطوير جداول خوارزمية باستطاعتها احتساب كلفة بناء السفن الحربية قبل البدء بها. أحد تلك الجداول سلط الضوء على المجال الهندسي، معتبراً أن الكلفة ينبغي أن تأخذ بعين الاعتبار مجموع القطع والمكونات والمعدات، مثل أجهزة الدفع وأجهزة الرادار والأجهزة الالكترونية المتعددة. كان التحدي مسلّطاً على كلفة التقنيات الحديثة المتطوّرة التي لم تكن جاهزة عند بدء دراسة الكلفة، والتي ينبغي التسلح بها واحتسابها إلى مرحلة مستقبلية في الانتاج بعد نحو 3 – 5 سنوات.

وعمل فريق آخر بالتوازي بالتركيز على الشق الاقتصادي. وبدلاً من احتساب كلفة كل جهاز على حدة، بناء على مفاهيم العرض والطلب، استند الفريق إلى استنتاجاته في فعالية نموذج بناء سفن حديثة مقارنة مع ما توفر من تصاميم جاهزة، بيد أن النموذج الاقتصادي لم يلقَ استحسانا من “قيادة نظم سلاح البحرية” التي قرّرت اتباع المنهج الهندسي المشار إليه.

من بين النتائج التي توصلت إليها قيادة سلاح البحرية أنّ تصميم الخوارزميات في التطبيقات العسكرية يعتمد على الذهنية المنتجة لها، وعلى كفاءة مهندس برمجيات وما إذا كانت تنقصه خبرة عسكرية، مقارنة مع آخرين ذوي خبرة في القتال التقليدي أو خبراء في مكافحة التمرد أو ناشطين ضد الحروب.

واكتشفت طواقم المهندسين ثغرات في برامج الذكاء الاصطناعي إبان اتخاذها قراراّ لتعديل أداء بعض مكونات الآلة، ولا سيما في تجارب قيادة السيارة من دون سائق، منها تباين أداء السائقين ومهاراتهم في مختلف مناطق الولايات المتحدة، ما يؤثر على تصاميم البرمجة.

وأوضحت تلك الطواقم أنّ معظم ولايات الوسط الشمالي، على سبيل المثال، ومنها ولاية منيسوتا، يلتزمون بأساليب التهذيب ومراعاة السائق الآخر والسماح له بالتقدّم ليكمل سيره، بينما في مناطق أخرى، مثل مدينة نيويورك، يشتهر سائقوها بالنزعة العدوانية والميل إلى حرمان السائق الآخر من التقدم عليهم ليدخل بشكل آمن إلى خطّ السير. وعليه، فإن ّبرمجة لسائق منيسوتا لا يمكن تطبيقها في مدينة نيويورك من دون الأخذ بعين الاعتبار درجة التهور والعدوانية فيها.

يصحّ القول أن تلك التحّديات تنطبق أيضاً على التقنية المتطوّرة للاستخدامات العسكرية لمختلف البلدان والساحات. من الجائز رؤية تباين تصرف عسكري روسي أنهى تدريباته على الحروب التقليدية وتسخير اداء المعدات العسكرية لإنجاز مهامها، مقابل عنصر في دولة أخرى يوازيه بالرتبة ويرأس طواقم عسكرية متدنية التدريب ومسلحة بمعدات عفا عليها الزمن.

السيناريوهات العسكرية المتعددة تدخل عامل المرونة في التطبيق وفق التغيرات الميدانية، لكن من غير المؤكد لدى العلماء استشعار الذكاء الاصطناعي معضلة ممكنة لم تجرِ بعد والتكيف معها وإنتاج خطة بديلة. مرونة القرار والتكيف الميداني سمات تميز القادة العسكريين الكبار عن نظرائهم الآخرين.

يحفل التاريخ السياسي الأميركي، على سبيل المثال، بتجربة الجنرال جورج باتون، قائد الجيش الأميركي الثالث في الحرب العالمية الثانية، في معركة “الانتفاخ” أو “الأردين”، لقراره حرف قواته العسكرية 90 درجة لمواجهة الجناح الألماني في تلك المعركة وهزيمته، متجاهلاً المعضلات اللوجستية الناجمة عن قراره.

في تجارب الذكاء الاصطناعي على معطيات متشابهة، قد يرجّح خيار الحرب التقليدية التي نفذها قادة آخرون في معسكر الحلفاء، على الرغم من طول المدة التي استغرقتها. أما الجنرال باتون، فقد ظفر بالنصر وفك الحصار المفروض على مدينة باستون البلجيكية في كانون الأول/ديسمبر 1944، بمبادرات مساعده الجنرال آبرامز الذي تمت مكافأته بتسمية الدبابة الأميركية باسمه فيما بعد. وقد أنهى باتون بذلك الحلم الألماني بالهجوم على ميناء آنتويرب.

القائد العسكري البريطاني الشهير برنارد مونتغمري حاول استنساخ تكتيكات جورج باتون للتقدم على الدفاعات الألمانية، وكانت نتيجته الفشل الذريع وعدم قدرته على تجاوز نهر الراين واختراق خط الدفاع سيغفريد.

في الشقّ المقابل، تميز الجنرال الألماني إيروين رومل، الملقب بـ “ثعلب الصحراء”، بمقارعته القوات البريطانية في الشمال الإفريقي، على الرغم من قلة أعداد مقاتليه مقارنة بقوات خصومه. ولم تفلح استراتيجيته في إلحاق الهزيمة بجيوش الحلفاء في معركة النورماندي، ما عرّضه للانتقاد من كبار القادة العسكريين، لاعتقداهم بأنّ الخطة افتقدت أخذ عناصر الكفاءة بالحسبان.

وعليه، تبرز جملة تساؤلات حول “التقديرات المفرطة” المتعلقة بالذكاء الاصطناعي الأميركي وأهلية السلاح الأميركي مقابل “الاستخفاف” بخصومه، فهل يكفي تلقيم برامج الذكاء نماذج الخبرة الميدانية لقادة القوات على حساب إبداعات القادة العسكريين في الميدان؟ تلك هي بعض مثالب برامج الذكاء الاصطناعي في العصر الراهن، والتي تستند في الأساس إلى الذكاء البشري وما راكمه من دروس وتجارب واحتمالات.

يشير الخبراء العسكريون إلى “ثقة مفرطة” لدى القادة الكبار بتقنية الذكاء الاصطناعي، محذّرين من قصور الحلول المطلوبة من النظم الاصطناعية، رغم ما يتوفّر لها من تطورات تقنية متطورة. لنزع تهمة إفراط الثقة بين العسكريين أوضح مدير قسم إبداع تقنية المعلومات في وزارة الدفاع، ويليام شيرليس، أن ما يتوفر راهنا من تقدم “ليس سوى خطوة في بداية طريق وسياق تاريخي طويل لتطورات سريعة في مجال الذكاء الاصطناعي” (ندوة عن بعد حول “آلات عبقرية” لعام 2021).

تطبيقات الذكاء الاصطناعي المتوفرة لا تعدو كونها مرحلة سراب أو نقطة واعدة في الأفق، لكنها بعيدة المنال. أما طموح بعض البلدان لحلول الآلة مكان العامل البشري، وخصوصاً في مجال الأسلحة “الذكية”، فهو أمر محفوف بمخاطر فادحة إذا تم الاعتماد على الآلة بمستواها التقني الراهن لتقرير سير أي عمليات عسكرية ونتائجها. الإبداع البشري في شتى المجالات والتطبيقات وتكيفه مع المتغيرات لا يمكن الاستغناء عنه في اي زمن منظور.

2021-03-03-التحليل

التحليل

“الدرونز” حلول عسكرية
متعددة الاستخدامات

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

         ابتكار الطائرات المسيّرة سد ثغرة تقنية بالغة التعقيد: إتاحة التصوير الجوي والتقاط “مقاطع مرئية متحركة” من دون استشعار والعودة بسلام. سعت الدول الصناعية إلى تطوير تطبيقاتها وتعديل خاصية التحكّم بها عن بعد وزيادة مديات تحليقها، والتي تعتمد في الدرجة الأولى على نظم الملاحة الجوية عن طريق الأقمار الاصطناعية، ومراكز تحكّم وقيادة عبر شبكات لاسلكية – (WiFi).

وأضحت السيطرة على  الشق التقني وآفاقه مقلقة للقوى العالمية والفئات المناهضة لانتشار التسلّح، في ظلّ سعي عدد من الدول لقوننة استخدامها وفق معايير واتفاقيات دولية للتقيد بها، لكن بعض الدول الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، ترفض التوقيع عليها.

         تسليح الدرونز بصواريخ ومواد متفجّرة جاء منسجماً منطقياً مع احتياجات الجيوش، وخصوصاً القوات المسلحة الأميركية، ومن ثم “جيش” الكيان الصهيوني. وقد حقّقت الأولى فيها نجاحات بارزة في نموذجي طائراتها “ريبر” و “غلوبال هوك” اللذين يصنع هيكلهما من آلياف الكربون، لخصوصيتها في الوزن الخفيف وقوتها وما تحمله من معدات.

         وقد شاركت فيها واشنطن حلفاءها الأوروبيين الذين ابتدعوا تصاميم خاصة بهم لتعزيز الصناعات العسكرية المحلية. أما في التطبيقات غير العسكرية، فتوظف طائرات “الدرونز” في مهام اعتراض الاتصالات، والقيام بمسح منطقة جغرافية محددة للهواتف النقالة لتحديد هوية أشخاص أو مجموعات بشرية بعينها. ويتم النظر في استخدامها لنقل الطرود والمشتريات وتوزيعها.

         تتنوع “الدرونز” بتنوع استخداماتها، فمنها ذات أجنحة ثابتة للاستخدامات العسكرية والقتالية، والأخرى الأصغر حجماً شبيهة بالمروحيات للقيام بمهام محدودة، وكذلك تسليحها. وتحمل الطائرات العسكرية منها كاميرات تعمل بالأشعة تحت الحمراء، وأجهزة ملاحة جوية  “جي بي أس”، وأجهزة ليزر تعمل بنظام التحكم عن بعد، وأجهزة تمنع التصادم.

         إضافة إلى ما تقدم، ينبغي لفت الانتباه إلى تطبيقات متناهية الصغر حجماً تعرف بـ “مايكرو درون” ولا يتعدى حجمها كفّ اليد، وتستخدم عادة في مهام التجسس وتحديد إحداثيات الهدف ومهام المراقبة والاستطلاع. تقوم شركة “بروكس دايناميكس” النرويجية بتصنيعها. وقد أطلقت عليها القوات البريطانية إسم “بلاك هورنيت”، وهي تستخدمها بكثافة في أفغانستان لرؤية ما يجري خلف الجدران والزوايا، وباستطاعتها التحليق لمدة 25 دقيقة والتقاط صور وبثّها لمسافة نحو 1،5 كلم، بيد أن حجمها الضغير يتأثر بسرعة الرياح، ويحد من الاعتماد عليها إلا في الحالات الضرورية.

         في المقابل، يستطيع النموذج الفرنسي المعروف بـ “فولمار” التحليق لمدة 12 ساعة متواصلة، ولمسافة تبلغ نحو 90 كلم، ويطلق عن الكتف. النموذج الأميركي من “مايكرو درون” يعرف بـ “رايفن ” أو الغراب.

         تتميز النماذج الأكثر تطوراً من طائرات “الدرونز” بقدرتها على التحليق لمسافات بعيدة، والبقاء في الأجواء لفترات طويلة، وحمل ذخائر حربية توصلها إلى الهدف، وربما ستسلح بخاصية الشبح.

         النموذج القتالي “الإسرائيلي” يعرف بـ “هيرون” وكذلك بـ “أيتان” يشمل تسلحه صواريخ “جو – أرض” وقنابل موجّهة، ويمكنه البقاء لنحو 52 ساعة في الأجواء، وعلى ارتفاع 35،000 قدم، بسرعة 400 كلم/الساعة. وقد اشترى عدد من الدول ذلك النموذج، ومنها ألمانيا، والولايات المتحدة، وكندا، والهند، وتركيا، واستراليا، والمملكة المغربية، وربما بعض الدول الخليجية.

         تحمل النماذج الأميركية المتطورة عدة أجهزة استشعار ومخازن أسلحة تصل حمولتها إلى ما يفوق 3 أطنان، منها صواريخ وقنابل موجهة تصل سرعتها خلال التحليق إلى 745 كلم/الساعة، وتصل مدة طيرانها إلى 20 ساعة، وتحلق على إرتفاع 17 ألف متر. تتجاوز كلفة نموذج “غلوبال هوك” 130 مليون دولار. وقد استطاعت إيران اسقاط هذه الطائرة  بصاروخ “أرض – جو” والحصول على معظم حطامها في مياه الخليج.

         النموذج الأميركي الآخر هو “بريدايتور”و “أم كيو ريبر” اللذان صّمما وفق معايير ومواصفات حلف “الناتو”. تصل حمولة هذا النموذج إلى نحو 1.7 طن، وهو مزوّد بوسائل الرصد العسكري وأنظمة رادار وقنابل موجهة. وإضافة إلى الجيش الأميركي، فإنه يستخدم أيضاً في بريطانيا وإيطاليا وفرنسا وإسبانيا.

         استطاعت الصين تطوير نموذجها الخاص “سي أتش-4،5،6″، لمنافسة “ريبر” الأميركية. يصل “وزن الطائرة عند الإقلاع إلى 3.3 طن، بحمولة أسلحة تزن 1.2 طن”، وتشمل صواريخ مضادة للدروع تستطيع التحليق المستمر لمدة 60 ساعة. وقد اشترت مصر والعراق النموذج الصيني لتعزيز قدراتهما العسكرية

دول تمتلك طائرات درونز مسلحة

         تتصدر الولايات المتحدة قائمة الدول المنتجة والمصدّرة لمختلف أنواع طائرات “الدرونز”، أبرزها “ام كيو-9 ريبر”، التي تستطيع حمل  صاروخين موجهين بالليزر، وكذلك “إسرائيل”، رغم إنكارها اللامتناهي وامتلاكها طائرة “هيرون” التي تستطيع البقاء في الجو لنحو 45 ساعة، والتي استخدمتها في حربها على قطاع غزة في العام 2008-2009.

         وقد طورت فرنسا نموذجها الخاص بها من “هيرون” باسم “إيغل”، تليها بريطانيا التي “اشترت” نموذج “ريبر” الأميركي في العام 2007، وأدخلت إليه تحسينات مطلوبة، وأصبح يعرف بـ “بروتكتر”، وعملت مع “إسرائيل” لإنتاج نموذج آخر للأغراض التكتيكية يعرف بـ “ووتش كيبر”.

         تمتلك روسيا نموذجاً عسكرياً متطوراً أنتجته شركة تصنيع المقاتلة سوخوي، يعرف بـ “سو-70 أخوتنيك” أو “الصياد الضارب”. تتميز هذه الطائرة بقدراتها الشبحية. وقد قامت بمناورة مشتركة مع المقاتلة “سوخوي-57” مع نهاية العام الماضي، ويصل وزنها إلى  20 طناً، وتحلّق على ارتفاعات تصل 1600 متر، بسرعة 1000 كلم/الساعة، وباستطاعتها التسلح بصواريخ مضادة للسفن “إكس-35” وحمل 4 صواريخ أسرع من الصوت “إكس-74 أم 2”.

         كما أنتجت طائرة أخف وزناً هي “12-تو-300  كورشن”، التي يصل وزنها عند الإقلاع إلى 3 أطنان، وتتجاوز سرعتها 950 كلم/الساعة، بحمولة مسلحة تصل إلى 1000 كلغم، وتستطيع الطيران إلى مدى 300 كلم، وتستخدم “لمهام الاستطلاع العسكري، وتدمير الأهداف الأرضية” بارتفاعات تتراوح بين 50 متراً و 6000 متر.

         تنتج تركيا طائرات “درونز” تعرف بـ “بيرقدار”، وهي نسخة معدلة من النموذج “الإسرائيلي هيرون”، وتعمل على تصديرها إلى دول أخرى. تستطيع هذه الطائرة البقاء لمدة 20 ساعة في الجو، بمدى 150 كلم، وتحلّق على ارتفاعات متوسطة بحمولة صاروخين مضادين للدبابات وذخيرة موجهة بأشعة الليزر.

         انضمّت إيران إلى قائمة الدول المصنّعة والمصدّرة لطائرات “الدرونز” منذ العام 2010. وقد انتجت “شاهد-129″، وتستطيع التحليق لمدة 24 ساعة، وأحدثها طائرة “كمان-22″، التي تشبه إلى حد بعيد طائرة “ام كيو-1 بريداتر” وخصائص من الطائرة الأميركية الأحدث “ام كيو-9 ريبر”.

تقنية الحماية من الدرونز

         في 4 كانون الأول/ديسمبر 2011، استطاعت إيران “السيطرة الكترونيا” على طائرة “درون” أميركية من طراز “أر كيو-170 سنتينل”، وأجبرتها على الهبوط داخل أراضيها على بعد 140 ميلاً من حدودها مع أفغانستان، بعد نصب “كمين الكتروني” والتشويش على أجهزة اتصال الطائرة والتحايل عليها، ما فرض تحوّلها إلى القيادة الآلية وعدم الاستجابة لإشارات قاعدة التحكّم الأميركية الأرضية.

         تعتبر آلية التشويش التي طبقتها إيران أفضل السبل للسيطرة على طائرات “الدرونز” وإجبارها على الهبوط “كتلة واحدة”، بدلاً من تفجيرها وتناثر شظاياها خلال سقوطها وإلحاق الضرر بالأماكن المكتظة، بحسب خبراء قطاع الطيران.

         تسخّر تقنية اشعة الليزر أيضاً لمواجهة “الدرونز” وإسقاطها، عبر تسليط “حزم ضوئية شديدة القوة” على جسم الطائرة بعد تعقب أجهزة الرادار الفعالة لاستكشافها، وبإمكانها “إحراق اي شيء تقع عليه”. كذلك من الممكن استخدام تقنية “أمواج الميكرو ويف” التي تتمتع بخصائص وفعالية شبيهة بأشعة الليزر، لكنها تختلف عنها بإرسال “ذبذبات قادرة على تعطيل أجهزة التحكم بالدرونز وإسقاطها أرضاً”.

         في وقت سابق من العام الماضي، أعلن سلاح البر الأميركي عن جهوده لتطوير سلاح يعمل بأشعة الليزر، ويتميز بقوته التي ستتفوّق بمليون مرة على أيّ جهاز في الترسانات الحديثة، ومن شأنه “إرسال صلية لمدة قصيرة تصل إلى 4 ملايين جزء من الثانية تبدّد طائرة الدرون أو أيّ جسم آخر”، ويعرف بـ “نبض ليزري قصير”، ويستخدم أيضاً لتدمير أجهزة الكترونية عبر خاصيته كسلاح نبض كهرومغناطيسي.

         أبرز مخاطر تطبيقات طائرات “الدرونز”، بحسب الاختصاصيين، يمكن إيجازها بـ “التجسس، وتهريب الأسلحة، وعبور الحدود، وتهديد المجال الجوي وحركة الملاحة، وخصوصاً قرب المطارات المدنية، والأذى الناجم عن سقوطها في أماكن مأهولة بالسكان”.

         على الطرف المقابل، هناك خصائص إيجابية لتسخير طائرات “الدرونز” في خدمة البشرية، وخصوصاً في برامج مكافحة التلوث، ورش الأسمدة، والدخول إلى مبانٍ مشتعلة لانقاذ المحتجزين فيها، وعمليات المسح الجيولوجي، والتصوير وبثّ لقطات حية، وايصال مساعدات وأدوية إلى مناطق نائية أو منكوبة، وتطبيقات مماثلة.

2021-23-02-التحليل

التحليل

 مستقبل الحزب الجمهوري:
انقسام بانتظار مصير ترامب

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

قد لا تؤدي مراجعة مسار ما بعد الخسارة السياسية إلى نتائج عاجلة أو مريحة. يتركز اهتمام زعماء الحزب الجمهوري “التقليدي” على مناقشة “مستقبل الحزب”، ككتلة نيابية ذات جمهور وشعبية من المحافظين والمتشددين وكبار الرأسماليين، والتوقف عند أسماء بعض المرشحين لدورة الانتخابات النصفية العام المقبل، والانتخابات الرئاسية في شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2024.

أبرز نتائج دورة الانتخابات الرئاسية الأخيرة كان اهتزاز بنية الحزب الجمهوري بإعلان نحو 30 ألفاً من مؤيديه الانسحاب كمؤشر صادم على ما ينتظره من انشقاقات وتشظٍ، والجدل الحامي داخل صفوفه على خلفية تداعيات “غزوة الكونغرس”، وهي المرة الأولى يشهد فيها استقالة جماعية لم يألفها طيلة تاريخ الكيان السياسي الأميركي، (“ذا هيل”، 29 كانون الثاني/يناير 2021).

فشل الرئيس السابق ترامب في تحديه “المؤسسة السياسية الرسمية” برفضه نتائج الانتخابات أدى إلى مسارعة أركان المؤسسة الحاكمة إلى فرض قرارها عليه “بالنزول من عليائه” والتسليم بمغادرة البيت الأبيض. وبذلك ضمنت استمرارية انتقال سلس ومنظّم للسطة، رغم محاولة التعطيل الناجمة عن “غزوة الكونغرس”.

عانى الحزب الجمهوري جملة تحديات وعقبات في مسيرته في العقود الأخيرة، لكنه استطاع التغلب على بعضها بإرجاء تناول المسائل الأساسية وتسليط الأضواء على التوزيع الجغرافي للدوائر الانتخابية التي فاز بتقسيم توجهاتها لصالحه على حساب منافسه الحزب الديموقراطي.

خسارته مجلس الشيوخ والبيت الأبيض ستلقي ظلالها الثقيلة على مسيرته ومستقبله. ومن غير المرجّح أن تثمر جهوده في تطويق تداعياتها القاسية، لمعاناته من بعض الأزمات الهيكلية والقيادية منذ ما قبل “غزوة الكابيتول”، ما حفز السيناتور النافذ ليندسي غراهام على التصريح بأنه  يتهيأ لتشجيع ترامب على العمل مع مرشحي الحزب، لضمان استعادته أغلبية مجلس الشيوخ في الانتخابات النصفية للعام المقبل (صحيفة “بوليتيكو”، 12 شباط/فبراير 2021).

المعضلة الحقيقية التي يواجهها الحزب راهناً يكمن جذرها في التخلّص من ترامب، وفي الوقت عينه الحفاظ على وحدته، وكذلك الإعداد الناجح للانتخابات الرئاسية المقبلة 2024، من دون خسارة القاعدة الشعبية المؤيدة لترامب، وبعبارة أدق، صون الحزب الجمهوري كحزب اليمين المحافظ، والحيلولة دون نجاح تيار اليمين القومي، تيار ترامب، بالتزامن مع انطلاق دعوات الانشقاق وتأسيس “حزب جديد” يتصدره الأخير من الجموع الشعبية.

استطلاعات الرأي التي أجريت قبل بضعة أيام من “محاكمة ترامب في مجلس الشيوخ” دلت على تنامي شعبيته، على الرغم مما يتعرض له من حصار، بتأييد 59% من الناخبين الجمهوريين، بزيادة 18 نقطة مئوية عن استطلاع جرى يوم 7 كانون الثاني/يناير 2021. وما يضاعف قلق قادة الحزب الجمهوي هو تأييد 81% من قواعد الحزب الجمهوي للرئيس السابق، ومعدل تأييد عام وصل إلى 77% في استطلاع جرى يوم 7 كانون الثاني/يناير، (نشرة “بوليتيكو”، 16 شباط/فبراير 2021).

ولخصت النشرة المذكورة ما ينتظر بنية الحزب بأن “الرئيس ترامب لا يجاريه أي منافس”، وهو ما عززه نتائج استطلاع حول مرشحي الحزب للانتخابات الرئاسية المقبلة بتأييد “53% من الناخبين الجمهوريين له إذا ما جرت الانتخابات الآن”.

للدلالة أيضاً على تماسك قاعدة الحزب الشعبية، واجه النائب عن ولاية إلينوي، آدم كينزينغر، حصاراً وتوبيخاً من “11 فرداً من عائلته” لتصويته بمحكامة ترامب، وتسلم مذكرة خطية نيابة عنهم اتهموه فيها “بإهانة إسم عائلة كينزينغر”.
يجمع المراقبون على أن قائمة المرشحين المحتملين لخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة تشمل نائب الرئيس السابق مايك بينس، وأعضاء في الكونغرس، ماركو روبيو وتوم كوتون و ميت رومني و تيد كروز وتيم سكوت (السيناتور الأسود الوحيد عن الحزب الجمهوري)، ومحافظ ولاية ماريلاند لاري هوغان وجوش هاولي وريك سكوت، والمندوبة الدائمة السابقة في الأمم المتحدة نيكي هايلي.

في المدى المنظور يتعاظم الجدل حول “انقسام وتصدع” الحزب الجمهوري، واحتمال ظفر الرئيس ترامب بقواعده الانتخابية لتشكيل حزب ثالث، ما سيؤدي إلى تشظي الحزب ومأسسة “اليمين القومي” الصاعد، وخصوصاً مع فوز ترامب بنسبة مرتفعة من أصوات الناخبين؛ 74 مليون صوت مقابل نحو 81 مليوناً لمنافسه الرئيس بايدن.

أزمة الحزب الجمهوري البنيوية هي امتداد لأزمة النظام السياسي والاقتصادي الأميركي في مرحلة هيمنته المطلقة على الموارد الطبيعية، واستمرار ارتفاع الدين العام إلى مستوى غير مسبوق، 23 مليار دولار، يسدد عبر مزيد من الاقتراض والاستدانة، فضلاً عن تراجع حصته من الناتج العالمي، وفشل حروبه العسكرية الطويلة في أفغانستان والعراق، واستنزاف طاقاته بفعل المقاومة المحلية. عوامل التراجع المذكورة، إضافة إلى عوامل دولية واستراتيجية أخرى، انعكست سلباً على الداخل الأميركي، وفاقمتها الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وانتشار وباء كورونا.

في أزمة شبيهة بأزمة الحزب، تشكل “حزب الشاي” مطلع القرن الحالي من رحم الحزب الجمهوري، وجلّه من الناخبين الجدد والتيار القومي في الحزب خلال ولاية الرئيس جورج بوش الإبن الثانية. وقد فرض حضوره وأجندته على ممثلي الحزب في الكونغرس، وما لبث أن تلاشى لعدم رسوّه على زعيم يقوده ويعبر عن طموحاته، إلى أن ظهر دونالد ترامب في الساحة السياسية، وفرض حضوره بقوة على التيارات التي كانت مهمشة سابقاً، لكنها تمثل أغلبية القواعد الانتخابية، مع الإقرار بأن الرئيس ترامب بعيد كل البعد عن الانتماءات الإيديولوجية، والأولوية عنده لآرائه السياسية، وليس لتوجهات الحزب بشكل عام.

تنبغي الإشارة إلى تنامي مطالب قواعد الحزب الجمهوري الانتخابية بترشيح النجل الأكبر لترامب في الانتخابات النصفية العام المقبل. وربما يحالفه الحظ في الترشح للانتخابات الرئاسية في العام 2024، في ضوء امتعاض الناخبين من تكتل أجنحة وتوجهات سياسية داخل الحزب عملت على تقويض سياسات الرئيس ترامب وإقصائه عن المشهد السياسي حتى قبل مغادرته البيت الأبيض.

صرح الرئيس السابق دونالد ترامب مراراً بنيّته خوض الانتخابات الرئاسية لعام 2024، على الرغم من تقدمه في السن، إذ سيبلغ حينها 78 عاماً. إرجاؤه الإعلان عن الترشيح يعود إلى  إجراءات المحاكمة التي تعرض لها في مجلس الشيوخ، لكنه حافظ على اللقاء ببعض قيادات الحزب، نائب رئيس مجلس النواب كيفين مكارثي والسيناتور ليندسي غراهام، ولم يعلن عن تفاصيل تلك اللقاءات.

تخشى قيادات الحزب استفزاز الرئيس ترامب إن تقدمت بترشيح مبكر لعناصر مؤيدة للخط السياسي التقليدي، وكذلك أخذها بعين الاعتبار الدعم الشعبي الواسع له، والذي سينقلب ضدها حتما، وخصوصاً بعد إصداره بياناً هزّأ فيه رئيس مجلس الشيوخ السابق ميتش ماكونل، والذي أسرّ لبعض قيادات الحزب بأنه يرغب في  “رحيل ترامب إلى غير رجعة”، ما يدل على قطيعة تامة بين ترامب وبعض النافذين في الحزب. كما أن ترشيح الحزب لأي شخص ينبغي أن يأخذ في الحسبان قربه أو بعده عن سجل الرئيس ترامب، وخصوصاً إذا اصطف إلى جانب أصوات أعضاء الكونغرس الذين أيّدوا المضي في محاكمة ترامب.

السؤال الأدق: هل تقف أميركا على أعتاب ظاهرة “ترامبية” تدخل الحلبة السياسية من أوسع أبوابها؟ ما يعزز تلك الفرضية التحضيرات المسبقة لترامب في جمع ما يقارب من 100 مليون دولار يستطيع توظيفها في أي حملة انتخابية يميل إليها. وإذا إضيف عامل حشده الناجح للقواعد الانتخابية، فسيصعب على المؤسسة التقليدية تجاهله أو إقصاؤه في المدى الأبعد. ترامب كان شديد الوضوح بنيّاته المقبلة باقتصار “دعم مرشحين عن الحزب الجمهوري يؤيدون أجندته السياسية”، الأمر الذي يعقّد الخيارات المتاحة لمحاصرته من البعض.

يسجل لترامب أنه وحزبه استطاعا تعزيز النفوذ السياسي في مجالس الولايات التشريعية، 62 من مجموع 99، وكذلك في كسب أغلبية حكام الولايات، 27 من مجموع 50، مقابل فوز الحزب الديموقراطي بمقاعد الكونغرس والبيت الأبيض لكن إلى حين، فالقاعدة السياسية في أميركا تؤيّد مقولة خسارة حزب الرئيس في الانتخابات النصفية، ما يضاعف احتمالات استعادة الحزب الجمهوري لأغلبيته في مجلس الشيوخ وخصوصاً أنه يحتاج إلى فوز عضو وحيد في معادلة التوازن الراهنة.

ما تعرض له النائب كينزينغر من هجاء وذم من أقاربه المقربين، على خلفية اصطفافه لمعاداة ترامب، أضحى أمراً يتكرر في عدد من الولايات، فقد أصدرت قيادات لجان الحزب المحلية قرارات بالإدانة والتوبيخ لممثليه في الكونغرس، أبرزهم النائب عن ولاية وايومنغ، ليز تشيني، كريمة نائب الرئيس الأسبق، وهي التي كان الحزب يعوّل عليها لتبوؤ منصب متقدم.

الصراع المستدام بين البيت الأبيض الديموقراطي حالياً ومنافسيه في الحزب الجمهوري يؤشر إلى حقبة جديدة من “اللافعل”، التي اشتهر بها كل من رئيس مجلس النواب الأسبق نيوت غينغريتش ورئيس مجلس الشيوخ السابق ميتش ماكونيل، عبر المماطلة الطويلة للبت بأي مشروع مقدم وإحالته إلى خبر كان.

تشمل أولويات أجندة الرئيس بايدن، استناداً إلى وعوده الانتخابية، مسائل وقضايا غير محبّبة للحزب الجمهوري وينوي معارضتها بشدة، منها: تشريع قيود على الأسلحة الشخصية، وحق المرأة في الإجهاض، والبيئة والانحباس الحراري اللذان يعارضهما الجمهوريون بقوة، وقوانين الهجرة، والنظام الانتخابي، وتشديد القيود الاقتصادية على كبريات الشركات.

عند هذه المحطة، يُشار إلى تصادم صلاحيات الدولة الفيدرالية وسلطات الولايات المحليّة التي تتمتع بنطاق واسع من الاستقلالية في تطبيقها للقوانين الفيدرالية. على سبيل المثال، تقاضي ولاية تكساس الحكومة الفيدرالية لقفزها على قوانينها المحلية للهجرة، كما اصطف ّحاكما ولايتي تكساس وفلوريدا في مناهضة قرار البنتاغون بنشر قوات الحرس الوطني في العاصمة واشنطن، وسحبا قوات الحرس الوطني لولايتيهما قبل انتهاء مهامها.

كما أن القوات العسكرية التقليدية لا تملك صلاحية التدخل في تطبيق القوانين الفيدرالية على الولايات، وهي ممنوعة من القيام بتلك المهمة، والجهاز الوحيد الذي يسمح له بتخطي حدود الولايات هو مكتب التحقيقات الفيدرالي، وذلك في تطبيق مهام تقتصر على صلاحياته الأمنيّة حصراً.

لا يملك الرئيس بايدن ترف عنصر الزمن، إذ يتعيّن عليه إنجاز أكبر قدر من أجندته خلال سنتين، لحين الانتخابات النصفية التي قد تسفر عن تغيرات حادة في التوازنات السياسية، وإمكانية تجديد الحزب الجمهوري تطبيق خياره بالمماطلة وحرمانه من تحقيق أي إنجاز يذكر.

عند إضافة عامل تشكيل الأغلبية الجمهورية لحكام الولايات ومجالسها التشريعية، فقد يواجه الرئيس بايدن مماطلة أشدّ من قبلهم لتطبيق أجندته في القضايا الخلافية المنصوص عليها سابقاً. لا تستبعد النخب السياسية والفكرية الأميركية تجدّد اندلاع حرب أهلية في ظلّ الانقسامات الحادة في المجتمع الأميركي، سياسياً واجتماعياَ واقتصادياً، استهلتها مجلة “فورين بوليسي” في التبشير بأنّ “الحرب الأهلية الأميركية لم تنتهِ رسمياً”، محذرة من “نضوج العوامل المواكبة لانفجار حروب أهلية” تقليدية،(“فورين بوليسي”، 18/2/2021).

واستطردت قائلة إنّ عوامل التفجير المشار إليها أضحت ملموسة، وتنقسم إلى 3 عناصر: انقسامات داخل صفوف النخب، وحدوث انقسامات عميقة في المجتمع على خلفية تحديد الهوية الوطنية/الشعبوية، والانقسام السياسي الحاد بين الحزبين من دون أفق لصيغة توافقية قريباً، يفاقمها فشل الوعود الرئاسية اللامتناهية لتحقيق الرفاهية لأفراد المجتمع منذ استعصاء تحقيق نبوءة الرئيس الأسبق رونالد ريغان في “سياسات التقاطر الاقتصادي”، وما تركته من تداعيات وتحديات لا زالت تنتظر حلولاً لها.

في كلمة أخيرة، إنّنا نستبعد ولا نعتقد أنّ المؤسسة الحاكمة بكل مكوناتها، السياسية والعسكرية والاستخباراتية والمصرفية، ستغضّ الطرف عن انفجار الأوضاع ودخول استخدام السلاح بشكل مرئي، وهي تمتلك الضوابط والتجهيزات العملية للحيلولة دون وقوع ذلك في المستقبل القريب.

العامل الأكثر تأثيراً في مستقبل توجّهات الحزب الجمهوري قد يتعلّق بمصير الدعاوى القانونية التي يواجهها ترامب في عدة ولايات، وسيتوقّف موقعه ودوره ونفوذه على الحزب الجمهوري على نتائجها. هناك تعويل من القيادات التقليدية على أن تؤدي الملاحقات القانونية الى إقصائه ومنعه عن إمكانية الترشح للرئاسة من جديد أو إحكام قبضته على قاعدة الحزب، كما يبدو حتى الآن.