2021-19-01-التحليل

التحليل

  توجهات بايدن الخارجية:
إعادة توضيب سياسات اوباما

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

الرئيس المنتخب جو بايدن هو نتاج أصيل للمؤسسة الحاكمة الأميركية، وقد أثبت التزامه الصارم بموازين القوى التقليدية، وحجز أبرز المناصب الحساسة، وخصوصاً في الوزارات السيادية، لكبار المستشارين من أوفى الشخصيات المتمرسة، المحاربون القدامى، وجلها من عهد الرئيس باراك أوباما.

من أهم القوى الفاعلة والمؤثرة في النخب السياسية الأميركية يبرز “مجلس العلاقات الخارجية” المرموق، والذي ترك بصماته على الإدارات الأميركية المتعددة منذ ولاية الرئيس الأسبق فرانكلين روزفلت، 1933-1945، عبر نفوذه العميق في اختيار النخب التي يعتبرها مناسبة لتبؤأ مناصب سياسية حساسة. على سبيل المثال، شغل وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر عضوية مجلس إدارة المجلس في الأعوام 1977-1981.

وضع بايدن نصب عينيه تصويب السياسة الخارجية وجعلها في رأس سلّم أولوياته، وخصوصاً في ساحات التوتر والصراع، متعهّداً بإعادة الاعتبار إلى بلاده في الساحة الدولية، بعد ما أصابها من تراجع وانكفاء في بعض الساحات الرئيسية، وخصوصاً في أوروبا.

أما السياسات الداخلية، فستبقى محكومة لأغلبية الحزب الديموقراطي في الكونغرس، لكن بايدن “وعد” خصومه الجمهوريين بالشراكة والتعاون لدعم سياساته المتعددة، ما يعني أنه “سيضطر” إلى تقديم تنازلات، ربما قاسية، للوفاء بتعهّداته بأنه سيولي عموم الشعب الأميركي اهتمامه وتلبية مصالحه، وليس نحو نصف الناخبين الذين صوتوا له فقط.

التوازنات السياسية الجديدة في المشهد الأميركي حرجة للغاية، بحيث يضيق هامش المناورة لدى الرئيس الجديد، على الرغم من توفر عامل حسم قرارات مجلس الشيوخ عبر نائب الرئيس كامالا هاريس. أما المسائل التي تتقاطع مع الأمن القومي والسياسة الخارجية، فليس هناك مفاجآت بالنسبة إلى الرئيس الجديد، نظراً إلى سجله العميق والثابت في تجسيد سياسات الحرب الباردة، وخصوصاً خلال فترة تسلمه منصب نائب الرئيس.

المدخل الحقيقي لاستقراء ملامح سياسات بايدن الخارجية يكون في العودة إلى ولاية الرئيس أوباما والبناء عليها، وإلى ما واكبها من “تعديلات ظرفية” على الاستراتيجية الأميركية، وخصوصاً للرئيس أوباما، في “احتواء صعود الصين”، وتجميد أيّ صراع جانبي يبعد مسافة الهدف الاستراتيجي، والحذر من “عدم الاصطدام مع روسيا” في سوريا، مع الاحتفاظ بالهدف المعلن، “تغيير النظام في دمشق”.

وعليه، من الجائز القول إنّ بايدن، بفريقه المتجدد في السياسة والأمن القومي، سيستكمل سياسات الرئيس السابق اوباما، وتعديله لبعض الجزئيات الضرورية، وإحياء مشاريع الفوضى والتقسيم كعنوان لا يشذ عنه.

الفريق السياسي الذي اختاره بايدن لتنفيذ سياساته المتعددة يميل بغالبيته إلى تأييد العودة إلى الاتفاق النووي وإحياء سياسات الرئيس اوباما نحو الصين بالتعاون المشترك معها في ملفات متعددة، وخصوصاً في مجالات الصحة العامة والاقتصاد والمناخ، يقابله فريق أكثر تشدداً في التعامل الدولي، واعتباره “صفقة القرن” التي نسجها ترامب فرصة لتقليص الحضور العسكري الأميركي في المنطقة و”التحوّل شرقاً”، وعدم تسليمه بتراجع الولايات المتحدة، وإحياء نغمة عظمة أميركا واستثنائيتها.

على سبيل المثال، طالب جو بايدن آنذاك بانتهاج سياسة أكثر تشدداً في تأييد أوكرانيا وتزويدها بمعدات عسكرية نوعية ودعم لوجستي متعدد، مقابل رأي الرئيس أوباما آنذاك، الذي اعتبر أنّ أطر الدعم ينبغي أن لا تتجاوز الإمداد بالمعدات غير القتالية، وكذلك الأمر في توجهه المتشدد حيال الصين. وجاء تعيين بايدن لفكتوريا نولاند، المساعد الأسبق لوزير الخارجية للشؤون الأوروبية، لتبوأ مهمة موازية في مجلس الأمن القومي.

تجدر الإشارة إلى أن سياسة الرئيس أوباما المشهورة بـ “التحوّل نحو آسيا” لمحاصرة الصين تعثرت مع بروز المتغيرات الدولية والإقليمية، وورثها الرئيس دونالد ترامب الذي أخفق في “الحد من تمدد نفوذها الإقليمي والعالمي”، بحسب وصف الاستراتيجية الأميركية المعتمدة.

مرة أخرى تتصدر الصين اهتمامات الاستراتيجية الكونية الأميركية ، بدرجة أعلى بعض الشيء من تلك الموجهة نحو روسيا، ربما لحمل الأخيرة على ممارسة ضغوط من جانبها على حليفتها بكين، والانضمام إلى مسار مفاوضات جديدة للحد من الأسلحة الاستراتيجية والنووية التي لم تصادق عليها الصين.

أهميّة ملف الصين بالنسبة إلى الإدارة الجديدة تتعاظم طرداً مع حجم الأذى الذي ألحقه الرئيس ترامب في سياساته المتعددة نحو الصين وروسيا ودول حلف الناتو على وجه الخصوص. كما أنه يشكل مدخلاً مرحباً به من دول الاتحاد الأوروبي التي قلّصت مديات تعاونها مع الصين في السنوات الأخيرة، وإثارتها ملفي هونغ كونغ وتايوان، وانجرار بريطانيا بشدة أكبر نحو الأهداف الأميركية في آسيا بعد خروجها من الاتحاد.

الملف الحساس الآخر بالنسبة إلى بايدن هو الاتفاق النووي مع إيران وتعهّداته المبهمة منذ انتهاء الحملة الانتخابية، معلنا عن نيته العودة إلى الاتفاق، واكبها تصريحات متعددة لأعضاء فريقه الوزاري تطرح شروطاً جديدة من دون التقيد بإنهاء أو رفع العقوبات المفروضة على طهران.

تصعيد طهران لشروطها، وخصوصاً بعد إعلانها رفع نسبة تخصيب اليورانيوم إلى 20%، قد يصب في باب المناورة السياسية لتحسين شروط التفاوض، والضغط على الأوروبيين لممارسة نفوذهم لدى واشنطن، بغية إلغاء العقوبات، مع الإقرار بتغير ظروف القارة العجوز منذ توقيع الاتفاق في العام 2015.

الاتحاد الأوروبي يعاني من انشقاقات وخلافات حادة في ضوء الأزمة المالية بين دول اوروبا الشرقية (سابقاً)  ومركز الاتحاد في بروكسل. من ناحية أخرى، خلّف بروز ألمانيا في المرتبة الأولى اقتصادياً احتقاننً جديداً لدى فرنسا ودول أخرى. أما خروج بريطانيا من الاتحاد، فلن يعتبر نهاية المطاف بالنسبة إلى باقي الدول، ولم تفلح السياسات الاقتصادية السابقة لبروكسل في احتواء تردي الأوضاع المعيشية التي قد تحفّز دولاً أخرى على الاستقلال بقرارها عن الاتحاد.

فيما يخصّ مستقبل حلف الناتو، تعهّد الرئيس المنتخب بايدن بعدم التقيد بقرار سلفه الرئيس ترامب سحب قوات أميركية من ألمانيا، ونشرها في بولندا ودول أخرى، وإعادتها إلى سابق عهدها. وفي مستوى موازٍ، قلّصت بعض دول الحلف تواجد قواتها العسكرية في “الشرق الأوسط” تحت قيادة أميركا، ومن المستبعد عودتها إلى العمل تحت العباءة الأميركية، في ظل ما تعانيه من متاعب اقتصادية وجائحة كورونا.

أما خيار بايدن، وفق المعادلة أعلاه، فيكمن في استصدار سياسة ومهام جديدة للحلف، والتركيز على هدف محاصرة روسيا وتقييد نفوذها السياسي والاقتصادي في أوروبا، وربما تأخذ منحىً “أكثر عملياً من الرئيس أوباما وأدنى شعبوية من سلفه الرئيس ترامب”.

وتجدر الإشارة عند هذا المنعطف إلى حالة الإحباط الشديدة بين صفوف مؤيدي الرئيس المنتخب في الحزب الديموقراطي، ولا سيما التيار “التقدمي” أو الأشد ليبرالية بعبارة أدق. أبرز القضايا الخلافية بين عناصر ذلك التيار وتوجهات جو بايدن هي الحرب على العراق وغزوه، ولاحقاً سوريا، في عهد الرئيس أوباما ونائبه بايدن.

المندوبة عن فريق المرشح الرئاسي بيرني ساندرز لمؤتمر الحزب الديموقراطي، مارسي وينوغراد، أوجزت المسألة قائلة: “لا نرغب في رؤية العناصر ذاتها التي ساقتنا إلى الحرب على العراق لشغل مناصب حساسة في السياسة الخارجية. اعتقد البعض أن بايدن يسعى للحفاظ على مسافة بعيدة من أولئك العناصر الذن قادوه في الاتجاه الخطأ”.

كما وجّه نحو 400 مندوب في المؤتمر الافتراضي للحزب الديموقراطي “كتاباً مفتوحاً” لبايدن، يحثونه فيه على “توظيف مستشارين جدد في السياسة الخارجية، ممن لديهم سجل واضح في ترجيح وتنفيذ الحلول الديبلوماسية، عوضاً عن أصحاب التدخلات العسكرية الكارثية التي تضمنت غزوات عسكرية واحتلالات وممارسة التعذيب والاغتيالات بواسطة الطائرات المسيّرة”. وأشار الكتاب المفتوح إلى تصريح سابق لوزير الخارجية المرشح، توني بلينكن،  بوصفه قرار الكونغرس بغزو العراق في العام 2002 بأنه “تصويت لحل ديبلوماسي قاسٍ”.

ويؤخذ على بايدن دعمه الميزانيات العسكرية. وقد أكد في تصريحاته المتتالية لنشرات ذات طابع عسكري: “لا اعتقد أن خفض ميزانيات الدفاع أمر حتمي. التقيت عدداً من المستشارين، وبعضهم ألمح أن الميزانية ينبغي أن تشهد  ارتفاعاً في بعض المجالات”.

ينتظر الآّ يتراجع بايدن عن إتفاقيات تطبيع الأنظمة العربية مع الكيان الصهيوني، ويُتوقع الدعوة إلى استئناف التفاوض، واستعادة بعض الدعم المالي للسلطة الفلسطينية ووكالة الغوث، ورفع الحصار الدبلوباماسي عن السلطة، مع اشتراط استمرار تعاونها الأمني مع سلطات الإحتلال. وقد يستخدم موضوع حقوق الإنسان استنسابيا لممارسة بعض الضغوط على الدول الخليجية ومصر وتركيا، وربما يضع شروطا على مبيعات السلاح للدول الخليجية  وتقليص الدعم العسكري، بهدف الضغط نحو حل سلمي لحربها على اليمن.

إلقاء نظرة فاحصة على أبرز الوزراء المرشحين في الإدارة المقبلة، وخصوصاً في رسم السياسات الخارجية، يسدّ ثغرة مهمة في مساعي استقراء توجّهات السياسة المقبلة بموازاة ما تقدم، وسيتم تناول أبرز تلك الشخصيات المحورية:
وزير الخارجية – أنتوني بلينكن: تمتدّ خبرته في السياسة الخارجية لنحو 3 عقود، وكان أحد مستشاري بايدن عند ترؤسه لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ، وشغل منصب نائب وزير الخارجية جون كيري في العام 2014، وشارك في صياغة الاتفاق النووي مع إيران.

بلينكن من أبرز رموز تيار التدخل العسكري الأميركي في سوريا، فضلاً عن دعمه اللامشروط لـ”إسرائيل”. أيّد السيناتور جو بايدن في تمويل نظام دفاع جوي بديل من “القبة الحديدية”. في المقابل، ناهض بلينكن الدعم الأميركي المطلق للسعودية في حربها على اليمن، وطالب بوقفها في العام 2018.

اشترك مع المرشحة السابقة لوزارة الدفاع ميشيل فلورنوي في “مؤسسة استشارات خاصة” لمصلحة كبريات شركات التصنيع العسكري ودول أجنبية، ما اثار اعتراض العديد من قادة الحزب الديموقراطي، وأسفر عن انسحاب بلينكن من المؤسسة.

مستشار الأمن القومي  جيك سوليفان: عمل مستشاراً للأمن القومي لنائب الرئيس جو بايدن. ويشير سجلّه إلى دعمه التام للتدخل العسكري الأميركي في ليبيا وتسليح الإرهابيين في سوريا واوكرانيا، لكنه يؤيد العودة إلى الاتفاق النووي مع إيران. كما أنه من فريق المعارضين لتحسين العلاقات الثنائية مع روسيا، ويميل إلى ترجيح التدخلات العسكرية.

أشار بعض المراقبين إلى التباين في السياسات بين سوليفان ورئيسه جو بايدن، إذ عارض الأخير إرسال المزيد من القوات إلى أفغانستان، وأعرب عن قلقه من نفوذ العناصر “الإسلامية المتشددة” في المعارضة السورية. أما سوليفان، فكان على نقيض من مواقف بايدن.

وزير الدفاع  لويد اوستن: خدم في العراق وساحات أخرى في الشرق الأوسط، واشترك مع الكتيبة 82 المحمولة جواً التي تعد خطّ الدفاع الأول والتدخل السريع في ساحات التوتر، وشارك أيضاً  في العمليات العسكرية “ضد داعش” في العراق. يشهد له زملاؤه بخبرته المميزة في الشؤون العسكرية، بيد إن علاقته التجارية مع شركة رايثيون، لتصنيع الأسلحة تثير جملة تساؤلات حول التزامه بالحياد عند طرح المناقصات والتعاقد مع البنتاغون.
يرجّح المراقبون ميل أوستن إلى سحب القوات الأميركية من الشرق الأوسط، كما جاء في إحدى محاضراته في معهد كارنيغي قبل بضع سنوات. ولا ينتظر أن يتم تغيير قرار الرئيس ترامب بضم الكيان الصهيوني الى منطقة عمليات القيادة المركزية.

مدير وكالة الاستخبارات المركزية  وليام بيرنز: وهو الآتي من خبرة ديبلوماسية مميزة، والثاني في الترتيب لإدارة الاستخبارات من الطواقم الديبلوماسية. لفتت مهارته التفاوضية أعوان الفريق الأميركي لمفاوضات الاتفاق النووي مع أيران. اختياره لإدارة وكالة الاستخبارات يؤشر إلى نية الرئيس المنتخب تقليص نفوذ التعيينات السياسية السابقة والطواقم التي “شذّت عن رسالة الوكالة بحيادية المعلومات”، وإعادة الثقة لها بعد “فشلها الاستخباراتي” في عدد من الملفات والساحات، كما درجت العادة على تصنيف عملها. مهمته كما وصفها بايدن تتمحور حول “نزع عنصر السياسة عن المهام الاستخباراتية”.

كما يؤشر على سعي إدارة بايدن إلى توظيف أكبر لمراكز الأبحاث الأميركية في نشاط الإستخبارات الأميركية، جسده بتعيين مؤسّس ورئيس مجلس إدارة “المركز الأمني لأميركا الجديدة”، كيرت كامبل، كنائب مساعد للرئيس ومنسق الشؤون الآسيوية في مجلس الأمن القومي.

شاركته في تأسيس ذلك المجلس المرشحة السابقة لوزارة الدفاع، ميشيل فلورنوي، وقد بلورا توجهات نشاطاته، بحيث أصبح من أشد صقور المؤسسات البحثية ضد الصين. وجاء في مقالة شهيرة لفلورنوي في فصلية “فورين أفيرز” انه “ينبغي توفر القدرة العسكرية لتهديد وإغراق كل قطع سلاح البحرية الصيني وغواصاته وسفنه التجارية خلال 72 ساعة” (عدد حزيران/يونيو 2020).

يعرف بيرنز بميله إلى “تهدئة” الملفات الإقليمية والدولية إبان خدمته في وزارة الخارجية. وقد يكون الصوت “المعتدل” الوحيد بين فريق الرئيس جو بايدن المعزز بالمتشددين وأنصار التدخلات العسكرية.

مستشار الأمن القومي للشرق الأوسط وإفريقيا بريت ماكغورك: هو العائد إلى الواجهة بعد اكتسابه خبرة “كمبعوث للتحالف الدولي لمحاربة داعش” في سوريا والعراق، وتأييده القوي لمساعي كرد سوريا في الانفصال وفي تسليحهم، ودعمه الثابت للتدخل العسكري للإطاحة بالنظام السوري.

شغل عدة مناصب ديبلوماسية في السابق، منها نائب مساعد وزير الخارجية للعراق وإيران في مكتب الشرق الأوسط، ومنسق الوفد الأميركي للمحادثات الثنائية مع الحكومة العراقية لإبرام اتفاقية “الإطار الاستراتيجي الطويل الأجل”.

نستطبع القول إنّ مهمة ماكغورك استخباراتية – ديبلوماسية – عملانية بامتياز في الشرق الأوسط وافريقيا، وخصوصاً أنه يتقن اللغتين العربية والفارسية. أحد أوضح المؤشرات على طبيعة تلك المهمة الاستخباراتية الموكلة إليه وإلى فريقه هو انضمام السفيرة الأميركية السابقة لدى الإمارات، باربره ليف، إلى الطاقم كمنسقة لشؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في البيت الأبيض، وهي تمتلك خبرة واسعة في شؤون المنطقة، وترأست مكتب الشؤون الإيرانية في وزارة الخارجية. لعل المؤشر الأبرز هو صلتها الوثيقة باللوبي “الإسرائيلي”، إذ انضمّت إلى “معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى” عقب نهاية خدمتها في وزارة الخارجية في العام 2018.

2021-11-01-التحليل

التحليل

 أسئلة تشغل أميركا.. ماذا بعد اقتحام الكونغرس؟ 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

تحوّل السادس من يناير إلى يوم مشهود استنفذ فيه الرئيس دونالد ترامب خياره الأخيرعبر غزو مناصريه لمبنى الكابيتول وتمرّدهم لإبطال نتائج الانتخابات الرئاسية، مستنداً إلى جدار متماسك من الدعم الشعبي (74 مليون ناخب) وإلى بعض قيادات الحزب الجمهوري التي راهنت حتى اللحظة الأخيرة على امكانية الطعن في نتائج عدد من الولايات الخمسين، طمعاً في أن تتّجه المناورة إلى التشكيك في بعض اللوائح، وربما قلب النتائج المعروفة.

الرئيس ترامب تحدّث أمام عشرات الآلاف من مناصرية، ومن ثم خاطب الحشود الغاضبة بصيغة الأمر للتوجه إلى الكونغرس “لدعم الأعضاء الشجعان والتنديد بالجبناء”. ما إن بلغت مسيرة المحتجين المبنى المركزي، مقر الكونغرس، حتى فرضت طوقاً بشرياً عليه تكلّل باقتحامات “غير مسلحة” لأروقته ومكاتب أعضائه. كما ردّد  المقتحمون هتاف ” المشنقة لبينس”، لأنه لم يوافق على تعطيل جلسة الكونغرس للمصادقة على انتخاب بايدن.

تعددت التوصيفات لطبيعة المشاركين، وتراوحت التقييمات الرسمية لفعلتهم بين متعاطف ومندّد، وجرى اتهام ترامب بترتيب “غزوة” تؤدي إلى انقلاب على السلطة في وضح النهار. وزير الدفاع بالوكالة، كريستوفر ميللرن اصدر بياناً في 8 كانون الثاني/يناير الجاري، وصف فيه الحادثة بـ “احتجاجات تحت سقف المادة الأولى”، من التعديلات الدستورية التي تضمن حق التظاهر السلمي.

دانت معظم وسائل الإعلام الحادثة بتوصيفات متوازية: عصيان مدني، ومحاولة انقلاب، واقتحام لمقر السلطة، وفتنة وتحريض على العصيان، وإرهاب داخلي. وأجمعت على تحميل الرئيس ترامب كامل المسؤولية، مطلقةً العنان لدعوات إقالته وعزله للمرة الثانية وتقديمه للمحاكمة.
رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي اتهمته بـ”التحريض على تمرد مسلّح ضد أميركا”، وشاركها الموقف السيناتور تشاك شومر؛ زعيم الأغلبية الجديدة الديمقراطية في مجلس الشيوخ. أما السيناتور الجمهوري المتشدد ماركو روبيو، فقد اعتبر إنّ ما جرى “نموذج عالم ثالثي من الفوضى المناوئة لأميركا”. الرئيس المنتخب جو بايدن وصف المحتجّين بـ “الرعاع”، ورأى أن فعلتهم ينبغي أن يُطلق عليها “إرهاب داخلي”.

من الضروري النظر إلى حادثة تحدي السلطة في السياق العام للأزمة المتجذرة في المجتمع الأميركي، والانقسامات المتتالية أفقياً وعمودياً، وحقيقة ما يجري من صراعات داخل مراكز القوى النافذة في النظام السياسي برمته، والتي اتخذت قرارها منذ زمن بضرورة مغادرة دونالد ترامب المشهد السياسي.

وتجدّدت تهديدات قيادات الحزب الديموقراطي بمقاضاة الرئيس ترامب ومحاكمته وإقصائه قبل انتهاء ولايته، وارتأت رئيسة مجلس النواب أنّ الزمن سانح لتفعيل المادة 25 من التعديلات الدستورية، بطلبها من نائب الرئيس مايك بينس البدء بتلك الاجراءات. التأييد اللافت للرئيس ترامب جاء من مستشاره السابق للأمن القومي، جون بولتون، قائلاً في تغريدته إنّ المطالبة بعزله فعل أحمق.

تميّز توقيت “الاحتجاج” باتساع هوة الفوارق الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة وتدنٍ مستمر للأجور، ما أفقد “الطبقة الوسطى” مصادر قوتها ومواطن نفوذها أمام زيادات فلكية في ثروات الأفراد الأشد ثراءً في المجتمع، وخصوصاً خلال أزمة انتشار كورونا، إذ إن معظم الوافدين للاحتجاج هم من الشرائح الدنيا والمهمّشة بين جمهور “البيض” الذين يستندون إلى غرائز وخلفيات عنصرية في تناول التحديات المتعددة.

مجيء ترامب غذّى حالة الانقسام وأخرجها إلى السطح، بل تجذّرت في عهده، لكنه ليس مسؤولاً عنها إلا في مستوى استثماره الأزمة الراهنة لحشد مناصريه ضد الجناح الأقوى والمتحكّم في النظام السياسي.

الحشود التي لبّت دعوته للقدوم إلى واشنطن لم تكن قليلة العدد أو هامشية الانتماء، وإن أراد البعض تهميشها بمفردات دونية تدلّ على قصورها في التحصيل العلمي والتأثير الاقتصادي، وهم الذين وصفتهم وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون بأنهم “جموع رثّة”، بيد أن قاعدة التمويل التقليدية الفاحشة الثراء لدى الحزب الجمهوري استمرت في تأييد الاحتجاج، بشكل عام.

في ما يخص إرهاصات الحزب الجمهوري وتعدّد توجهات قادته وما رسخه من اصطفاف قوي خلف الرئيس ترامب، تنبغي الإشارة إلى ما رسى عليه الأمر من تكتلات خلال حملة الانتخابات الرئاسية، أبرزها التيار الشعبوي العريض المؤيد للرئيس ترامب، يقابله تيار القوى التقليدية بزعامة نائب الرئيس الأسبق ديك تشيني، الذي يُعِد كريمته “لين”، عضو مجلس النواب، لتبوؤ مناصب رفيعة، مستثمراً نفوذه الواسع لدى المراكز المؤثرة والثرية في الحزب. كما أن قاعدة التمويل السخي في الحزب تميل لصالح تيار تشيني بشكل صارخ، وخصوصاً عقب تحميل الرئيس ترامب مسؤولية خسارة الحزب مجلسي الكونغرس والبيت الأبيض.

تنادى علماء الاجتماع والخبراء الاقتصاديون للفت نظر المؤسّسة الحاكمة إلى مخاطر السياسات الاقتصادية “النيوليبرالية” التي همّشت القواعد الانتاجية وعمّالها بشكل أساسي، وكثّفت مصادر الدخل في أيدي أفراد، وبأنّ مراكز القوى المسيطرة تسير باتجاه نظام سلطوي عماده الأجهزة الأمنية والرقابة وتقييد الحريات.

أحد أبرز اولئك استاذ التاريخ الأميركي في جامعة (غرب ولاية واشنطن)، دانيال تشارد (Daniel S. Chard)، الذي قال: “إخفاق سياسيينا في معالجة مباشرة للعنصرية وتفاوت الفرص الاقتصادية، من ضمنها الفشل في إنجاز مهام عقد الستينيات (من القرن المنصرم)، أسّس الظروف لاندلاع ما نشهده الآن”. (في كتابه الحديث “حرب نيكسون الداخلية: إف بي آي، المقاتلين اليساريين، وأصول مكافحة الإرهاب” 2021).

على الرغم من كثافة النصائح للقوى السياسية بمعالجة الأزمات الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة عبر سياسات تنموية ومشاريع بنى تحتية طويلة الأجل، فإنها لم تذعن لضرورة تدخل الدولة في عجلة الاقتصاد كما ينبغي، لانقاذ ما تعانيه العديد من المدن الكبرى والمتوسطة من هشاشة بناها التحتية التي تتداعى عند كل محطة تحدٍ، سواء كانت طبيعية أو بفعل الانسان، وخصوصاً في مناطق استخراج الفحم الحجري أو اندلاع الحرائق.

أما تداعيات الاحتجاج/الغزوة فستشغل مفاصل القرار السياسي لردح من الزمن، ليس في البعد المحلي فحسب، بل على المستويات الاستراتيجية والخارجيةأيضاً، تغذّيها جملة الأزمات المتراكمة التي تنتظر حلولاً لا تلوح في الأفق القريب أو المتوسط.

أشار إلى تلك المسألة بشكل صارخ رئيس مجلس العلاقات الخارجيّة، ريتشارد هاس، الذي سخر من المستقبل الأميركي قائلاً: “الانتقال السلمي للسلطة، والاستثنائية الأميركية، وإيماننا بأننا نموذج مدينة مضيئة تطلّ على تلة، كثير علينا” (صحيفة “واشنطن بوست”، 7 كانون الثاني/يناير 2021). اعتبر بعض المحلّلين أنّ الحادثة تشكل “نهاية الاستثنائية” الأميركية في العالم، ومؤشر على سقوط نموذجها الذي شغلت العالم به منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

على الصعيد الداخلي الصرف، شكلت آليّة تعاطي الأجهزة الأمنية ذخيرة إعلاميّة لا تزال أصداؤها تتردد على ألسنة المسؤولين والعامة على السواء، لناحيتين: الأولى هي حجم التسهيلات التي تلقاها المحتجون لدخول بوابات الكونغرس دون مقاومة تذكر، والأخرى تتعلق بالتصريحات الأولية حول عدم نية السلطات الرسمية مقاضاة المحتجين، وتراجعت لاحقاً بعض الشيء، معلنة اعتقالها العناصر الذين ظهروا في الصور المتداولة من داخل المبنى، وهم ينعمون بالجلوس على مقاعد المسؤولين الوفيرة.

بعض المراقبين اعتبر المسألة أخطر من مجرد “تواطؤ” أو تقديم تسهيلات ممنوعة على أي فريق ينوي الاحتجاج، بل يجري إبعاد عناصره عن تلك المباني بقسوة. ويضيف اولئك أن ما جرى تم الإعداد له منذ بضعة أشهر، بشهادة “وزارة الأمن الداخلي” في وقت لاحق، بأنها كانت على علم بالتحضيرات لجموع المحتجين، وراقبت بعضهم عن كثب، وحذرت من أن الأسلحة ستكون حاضرة في المشهد وينبغي مواجهتها (تقرير رسمي على تويتر، 9 كانون الثاني/يناير الجاري).

أما بشأن توفر مبرّر “للاضطرابات المدنية” فقد نصّت عليها كحق للشعب وثيقة “إعلان الاستقلال”، وجاء فيها: “تنشأ الحكومات عبر عقد بين الرجال، وتستمد سلطاتها العادلة من موافقة رعاياها المحكومين. وكلّما أصبح أي شكل من أشكال الحكم مدمراّ لهذه الغايات، فإن من حق الشعب أن يغيّره أو يلغيه”.

لا ريب في أنّ مؤيدي الرئيس ترامب استندوا إلى تلك الوثيقة لبدء مسيرتهم. وسُجّلت حادثة “غزو” مشابهة في شهر أيار/مايو 2011، حين تدافع الآف المحتجين (الليبراليين) إلى مقر حكومة ولاية ويسكونسن ودخلوه بالقوة، احتجاجاً على مشروع قرار من شأنه تقييد حرية العمّال في التنظيم والتفاوض الجماعي مع أرباب العمل.

اللافت أيضاً في المشهد السياسي أنّ الإعلان المسبق للسلطات عن عدم نيتها ملاحقة المحتجين، وخصوصاً اولئك الذين ارتكبوا أعمالاً تخريبية، لها سابقة مماثلة في التاريخ السياسي الأميركي. عقب انتهاء الحرب الأهلية، أصدر الرئيس آندرو جونسون (1865-1869) قرار عفو عن “معظم” قيادات التكتل الجنوبي والسماح لهم الاحتفاظ بأراضيهم كترضية للطرف الخاسر. في الشق المقابل، اضطرّ معظم السكان آنذاك، ولا سيما “السود بعد تحريرهم”، إلى العمل في مزارع القطن تحت ظروف بالغة القسوة.

تنبغي الإشارة عند هذه المحطة إلى أنّ الرئيس الأميركي “يوليسيس غرانت” استصدر قراراً من الكونغرس يمنحه الصلاحية لملاحقة ومقاضاة عناصر “كو كلاكس كلان” العنصرية في العام 1871، لكن الحملة لم تلبث أن تلكّأت وأدت إلى انتعاش المجموعة المصنّفة “إرهابية”، والتي تُستنسخ تجربتها العنصرية من بعض الميليشيات اليمينية المسلحة في الولايات المتحدة.

من بين الأمثلة الصارخة على “تواطؤ” العناصر الأمنية مع المحتجين، إعلان شرطة مدينة سياتل في ولاية واشنطن في أقصى الغرب الأميركي، توقيفها ضابطين من شرطتها لمشاركتهم المحتجين في “اقتحام مبنى الكابيتول” والتقاط صور “سيلفي” معهم. وتُجري عدد من أجهزة الشرطة في مدن متعدّد تحقيقاتها للتيقن من مشاركة أيّ من عناصرها في مسيرة المحتجين، وربما أبعد من ذلك.

فقد ترامب توازنه النسبي بعد فشل المناورة، وأضحى أضعف مما كان عليه، ولا يزال ينكر أنّ قيادات الحزب الجمهوري استشعرت خطورته على مستقبل الحزب برمته. كما عبّرت شرائح عديدة من قاعدته الشعبيّة عن شعورها بأنّه يشكل خطراً على مستقبل الحزب، وبدأت بالتخلي عنه والنظر في تكتّل جديد، إما تحت سقف الحزب التقليدي أو ربما خارجه، بتضافر تلك التوجّهات مع “انشقاقات” وتكتّلات أيضاً داخل الحزب الديموقراطي. أما مستقبل “حزب ثالث”‘ فالظروف الراهنة ليست مهيأة لذلك وتم وأدها في السابق، وخصوصاً في ظلّ أزمة كورونا وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية.

بعض النخب الفكرية الأميركية تسترشد بمقولة للرئيس الأسبق جون كنيدي، للدلالة على مخاطر توجّهات الحزبين في إقصاء تيارات غاضبة ومؤثرة. نصيحة كنيدي جاءت على النحو التالي: “أولئك الذين يسهمون في استحالة الثورة السلمية يسرّعون في حتمية الثورة العنيفة”.
تصميم قيادات الحزب الديموقراطي على إجراءات عزل ترامب للمرة الثانية لا يتمتع بتأييد قوي من الرئيس المنتخب، فبايدن يرغب في التركيز على تمكين طاقمه من الحكم في اجواء سياسية أقل توترا، لكن زخم الصدمة لدى أعضاء الكونغرس وغضبهم  لتعرّض حياتهم للخطر يدفع مجلس النواب على الأقل إلى تفعيل اجراءات العزل، وحتى لو لم تكن الفترة الزمنية المتبقية لترامب كافية لتحقيق المرتجى في مجلس الشيوخ.

ويبدو أنّ هناك مسعى للضغط على ترامب للإستقالة وتسليم الرئاسة لنائبه بنس او التلويح باستمرار ملاحقته حتى بعد تنصيب بايدن، ويراهن دعاة العزل على تعاطف وتأييد بعض الأوساط في الحزب الجمهوري، لرغبتهم في التخلّص منه وازاحته عن المشهد السياسي، لأن ذلك يفقده الحق في السعي للترشح مرة أخرى أو تمكين قبضته على مفاصل الحزب الجمهوري، كما فعل طيلة السنوات الأربع المنصرمة.

2020-21-12-التحليل

التحليل

القراصنة يخترقون أسوار أميركا الحصينة:
هل بقي من أسرار؟

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

اكتشفت الولايات المتحدة أنها كانت تتعرّض لهجمات قرصنة واسعة النطاق منذ “شهر آذار 2020، على الأقل”، بحسب الرواية الرسمية، ومنذ مطلع تشرين الأول/اكتوبر 2019، بحسب أخصائيي البرمجيات، وعلى الأرجح منذ 4 سنوات بحسب مسؤولين أمنيين. شملت جهود القرصنة أعلى درجات المؤسّسات السريّة في النظام السياسي والدفاعي الأميركي، والوزارات السيادية والهيئات الحكومية، وتلك المعنية بالاشراف على تطوير الأسلحة النووية.

تباينت سبل تقييم الضرر وحصره منذ البداية، وخصوصاً أن الكشف تم عن طريق “الصدفة” وعبر شركة خاصة كطرف ثالث، حتى أصبح بعض كبار العلماء يقتربون من الجزم بأنّ التوقف عند التداعيات “يبدو شبه مستحيل”. الأختصاصي في علم التشفير والأمن السيبراني في جامعة “هارفارد” العريقة، بروس شنايير، ذهب إلى المطالبة “بالتخلّي عن (النظم) الراهنة وإعادة تشكيلها من الصفر”، كحل وحيد لضمان أمن الشبكات التي تعرّضت للقرصنة.

لم يعد هناك من يستطيع تخفيف هول الصّدمة التي تعرّضت لها الولايات المتحدة، ولا سيّما بين السياسيين، في ظل الإقرار الجماعي من السياسيين والأختصاصيين بأنهم أُخذوا على حين غرة، “وتمت تعرية ثغرة أمنية حساسة محتملة في البنى التحتية للتقنية الأميركية المتطورة”.

عضو لجنتي الاستخبارات والقوات المسلحة السيناتور آنغس كينغ، كان من أوائل السياسيين الذين أوضحوا حجم الاختراق، قائلاً: “يشكّل الهجوم، بكلّ أسف، حملة تجسس شاملة وناجحة استهدفت المعلومات والبيانات السريّة للحكومة الأميركية. جهود التقصي الجارية توضح أنه هجوم استثنائي في نطاقه وتقنيته المعقّدة وتداعياته”.

الاختصاصي في الأمن الإلكتروني في جامعة “جونز هوبكينز”، توماس ريد، أعرب عن أعتقاده بأنّ ما ظفر به القراصنة من ملفات وبيانات مختلفة، “يعادل عدة مرات ارتفاع مسلّة واشنطن” التي ترتفع نحو 170 متراً، أو 555 قدماً.

رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، ماركو روبيو، خرج عن طوره المعتاد في الدفاع المستميت عن أركان الدولة وأجهزتها المتعدّدة، وقال عقب إحاطة سريّة شارك بها مع كبار مسؤولي الأجهزة الاستخباراتية: “لا يزال مدى الحجم الكامل للقرصنة غير معلوم، لكنّنا ندرك أنّ نطاقه غير مسبوق. على الأرجح، لا تزال القرصنة جارية، وعلى درجة من التعقيد لا تقدر عليها إلا بضع دول فقط “.

استهدفت جهود القراصنة شبكات الأجهزة والوزارات الأميركية التالية، بحسب تقييم اللجنة الموحّدة لمكافحة القرصنة المشكّلة من أعلى مستويات الأجهزة الاستخباراتية والأمنية: وزارات الخزانة والتجارة والأمن الداخلي والخارجية والطاقة، والإدارة الفيدرالية الناظمة للطاقة، والمختبرات العلمية التي تجري أبحاثاً سريّة وغيرها لحساب وزارة الطاقة (“سانديا” و “لوس ألاموس”)، والهيئة الوطنية للأمن النووي – المشرفة على الترسانة النووية للولايات المتحدة، ومكتب حماية النقل الاتحادي. وأضيف تباعاً عدد من المؤسّسات والهيئات الأخرى، أبرزها مصلحة الضرائب وسجلات الرعاية الصحية في بعض الولايات.

آلية اختراق القراصنة، وفق ما حددته الأجهزة الأمنية وتبنتها الوسائل الإعلامية كافة، عبّرت عنها يومية “نيويورك تايمز”، قائلة إنّها من النوع الذي استهدف “سلسة التوريدات” التي تعتمد عليها كل الأجهزة والهيئات الرسمية من شبكات القطاع الخاص بكل تشعباتها واختصاصاتها، وإنها “شملت 18،000 شبكة وجهة حكومية”. ومضت الصحيفة وغيرها إلى القول أنّ من المرجّح أن تكون روسيا وراء الهجوم، ليجري تبنّي السردية تباعاً على لسان وزير الخارجية مايك بومبيو.

بما أنّ المسؤولية الرسمية للجهة أو الجهات الفاعلة لم يتم تحديدها أو توفير ادلّة حولها، خرج الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن صمته “الطويل” ليناقض وزير خارجيته وآخرين، قائلاً في تغريداته الشهيرة: ” تم إعلامي بشكل كامل وكل شيء تحت السيطرة. روسيا روسيا روسيا، هذه أول لازمة تتردد عند حصول أي شيء”، مشيرا إلى أن الصين “قد” تكون متورطة أيضا.

“وكالة الأمن الوطني” والهيئات الأمنية الأخرى أصدرت بياناً مشتركاً يوم 17 كانون الأول/ديسمبر الجاري، تحذر فيه من “هجمات قرصنة جارية من قبل روسيا”  فاقمها اختراق برامج شركة “سولار ويندز”، الذي يتكامل مع الجهد الروسي السابق المعروف للسيطرة على بيانات المتعاقدين. لكن الوكالة الرسمية والمكلفة بالاشراف على التحقيقات لم توجه التهمة مباشرة إلى روسيا.

“سلسلة التوريدات” المشار إليها أعلاه تأثرت بنجاح دخول القراصنة إلى تحديثات برنامج شركة “سولار ويندز” قبل عرضه على الخادم المصرّح لزبائنها استخدامه وتفعيل التحديث، الحلقة الأضعف في السلسلة، وتم تنزيل التحديث المقرصن على الأجهزة المتصلة التي تمتد على نطاق واسع لأدق الهيئات حساسية في الحكومة الأميركية والمتعاقدين معها من قطاع خاص، وربما حكومات أجنبيةقيل إنّ “إسرائيل والإمارات” من بينها، وبالتالي استطاع القراصنة ضمان “ثغرة خلفية” للنفاذ إلى الشبكات والأجهزة والاستفادة من البيانات والمعلومات الهائلة على خوادمها وأجهزتها الفردية.

يشير بعض الأختصاصيين إلى جزء يسير من جهود القراصنة الذين عملوا بدأب وتأنٍ على امتداد عدة سنوات، استطاعوا خلالها التحكّم بشبكات “تم التخلي عنها سابقاً”، وإعادة استخدامها للنفاذ إلى “الحلقة الأضعف” في سلسلة التوريدات عبر شركة “سولار ويندز”. مسؤول استخباراتي سابق في الأجهزة البريطانية أبلغ زملاءه الأميركيين بأن “عدة حكومات غربية، إضافة إلى الولايات المتحدة، تتوقع التوصل إلى أدلّة على اختراقات في نظمها في الأسابيع المقبلة”، ويعتقد أن القرصنة المكتشفة تعود إلى “4 سنوات” مضت.

العنصر الفارق في هذه الحالة، وفق هؤلاء، “أنّ الجهود الحديثة لم تستهدف تدمير الشبكات وإلغاء البيانات أو التلاعب بها، كما درجت عادة هواة القراصنة، بل زرعت برامجها الضارة، واختبأت لعدة سنوات، إلى أن تم الكشف عنها عن طريق الصدفة”، الأمر الذي حفّز منسق الأمن السيبراني الأسبق في إدارة الرئيس أوباما، مايكل دانيال، إلى توصيف ما جرى بأنه بمثابة “عين سوداء” للأجهزة الاستخباراتية الأميركية، التي استنفذت جهوداً عالية في التوعية من التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية، محذراً من النطاق العميق والواسع للقرصنة، “والذي سيتطلب زمناً طويلاً لتحديد مدى الدمار، وربما ستكون هناك كلفة مرتفعة لتحصين الشبكات المختلفة”.

يشار إلى أنّ حادث قرصنة سابقاً في العام 2017 استهدف “البرامج الضريبية الأوكرانية”، كانت له تداعيات على مستويات عالمية، وتأثرت به “شركة فيد إكس” ، التي دفعت 400 مليون دولار للتغلب عليه، وأيضاً شركة “ميرك” للأدوية التي كلفها الأمر مبلغ 670 مليون دولار.

 

التقديرات الأولية للأضرار

الهيئة الوطنية للأمن النووي، المكلفة  بـ “الحماية والتيقن من سلامة أمن الترسانة النووية الأميركية وفعاليتها”، يشمل نطاق عملها المفاعلات النووية المولدة للطاقة على متن حاملات الطائرات والغواصات الأميركية، والإشراف على التفجيرات النووية المسموح بها وفق المعايير الدولية التي تجريها في صحراء ولاية نيفادا على عمق 225 متراً تحت سطح الأرض.

وبما أن مكونات الأسلحة النووية من “بلوتونيوم” و “تريتيوم” معرضة للتحلل النووي، يقع على عاتق الهيئة التيقن من حجم التحلل للقيام بصيانته أو التخلص منه، باستخدامها أحدث التقنيات الخاصة بتجارب محاكاة التفجير النووي.

من خصائص الهيئة امتلاكها للبرامج الالكترونية التي تعينها على تصميم أسلحة نووية وحساب الطاقة الناجمة بدقة. تستخدم الهيئة قدراتها التقنية لتصميم وتطوير المفاعلات النووية لصالح سلاح البحرية، والتقيد بصرامة بحجمها وحمولتها أثناء تنقلاتها،  والتخلص من النفايات النووية وإشعاعاتها.

وتمتلك الهيئة أيضاً ورشات عمل متطورة لإنتاج بعض المعدات النووية الحساسة، ومنها منشأة الصاعق الوطني المختصة بأبحاث إشعاع الليزر، لاختبار حجم الضغط الأولي للمتفجرات النووية.

استناداً إلى ما تمتلكه “الهيئة الوطنية للأمن النووي” وتمثله من قدرات علمية وبشرية بالغة الحساسية والسرية، لم يكن مستغرباً تعرّضها للهجمات السايبيرية، بل كانت من أولى الهيئات الحكومية التي تم قرصنتها، بحسب الأجهزة الاستخباراتية الأميركية.

من المستبعد أن يصدر تقرير وافٍ وشفاف حول نطاق الاختراق الالكتروني في أي وقت قريب، لكن توفر مثل هذه المعلومات الحساسة لأي جهة، رسمية كانت او غير رسمية، قد يعادل تسليم أسرار تصنيع القنابل النووية لأي جهة لا تملكها. أميركا تبدو مكشوفة لمن أقدم على الإختراق الذي يوازيه في الخطورة اهتزاز الثقة بتفوق التقنية الأميركية في النطاق السيبراني.

2020-16-12-التحليل

التحليل

المحكمة العليا الاتحادية تبدّد
أوهام ترامب وقد تحفز الانفصال

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

لم يضمر الرئيس الأميركي دونالد ترمب نياته بالتوجه مبكراً إلى المحكمة العليا الاتحادية، مُطمَئِناً إلى تعديل ميزان القوى داخلها لصالح التيار المحافظ، وخصوصاً بعد تعيينه 3 قضاة يحابون الحزب الجمهوري، ولجأ إلى تعويم رغباته بتصريحاته المتكررة بأنه يتعيّن على المحكمة العليا النظر في جملة القضايا المثارة من جانبه ومن جانب فريقه من المحامين، وهو حقّه الدستوري.

من البديهي الإشارة إلى صلاحيات المحكمة والآليات الناظمة كي تُرفع قضية محدّدة إلى مستوى العليا بعد استنفاذ درجات المحاكم الدنيا. في الحقيقة، لا يتوفر “نظام معين يحتكم إليه طرفا النزاع في مسألة الانتخابات وتصعيد المسألة” إلى مستوى المحكمة العليا، بحسب أستاذ القانون في جامعة “كولومبيا” ريتشارد بريفولت.

لسبر أغوار تلك المسألة الشّائكة، بعدما نجح المرشح جو بايدن بالحصول على 306 أصوات متجاوزاً الحد الأدنى المتمثل بـ 270 صوتاً في المجمع الانتخابي، سنحاول معالجة تداعيات التوجه إلى المحكمة العليا، وأبرزها مسألتا صلاحيات محاكم الولايات للنظر في قضاياها ضمن مستوياتها المحلية، والخشية من أن يشكل قرار المحمة العليا الاتحادية سابقة قضائية تستغل مستقبلاً سلباً أو إيجاباً.

على امتداد التاريخ السياسي للكيان الأميركي، تدخلت المحكمة العليا أو بعض قضاتها مرتين لحسم نتائج الانتخابات الرئاسية، وذلك في عامي 1876 و 2001. في الأولى، كان السباق بين الديموقراطي صموئيل تيلدن والجمهوري رذرفورد هايز. زعم كلاهما الفوز وبأن تلاعباً في قوائم الانتخابات جرى في بعض الولايات، ما اضطر الكونغرس إلى تكليف “لجنة خاصة” لعقد جلسة استثنائية مطلع العام التالي 1877، ضمّت قضاة المحكمة العليا الخمسة ومندوبين عن الحزبين، بيد أن الحزب الجمهوري فاز بفارق صوت واحد.

الحالة الثانية لتدخل المحكمة العليا كانت في العام 2000 بين المرشحيْن جورج بوش الإبن وآل غور لحسم نتيجة شديدة التقارب، إذ فصل المرشحين 537 صوتاً من مجموع 6 مليون صوت في عموم ولاية فلوريدا، وسط لغو وتحشيد بإعادة فرز الأصوات وعدّها بأمر المحكمة العليا في الولاية، بعد تبيان خلل الأجهزة الالكترونية في تصنيف أكثر من 61،000 بطاقة انتخابية.

صاغت المحكمة العليا قرارها آنذاك بدقّة كي لا يُستغل كسابقة يمكن الاستناد إليها في المستقبل، وحسمت بموجبه عملية “وقف الفرز” بأغلبية 7 مقابل 2، وصعّدت بجورج بوش الإبن إلى البيت الأبيض وفق الصيغة أعلاه. ثبت لاحقاً أن بعض قضاة المحكمة العليا التسعة المشاركين في قرار تفضيل جورج بوش الإبن، أعربوا عن أسفهم لإقحام المحكمة العليا في دهاليز السياسة، بحسب أستاذ القانون في جامعة “أيوا” ديريك مولر. وربما نستطيع تفسير موقف المحكمة العليا راهناً استناداً إلى الدروس المستفادة من تلك التجربة.

هناك حالة ثالثة مشابهة في الحيثيات لتجربة العام 2000، تمت في انتخابات العام 1824 بين جون كوينسي آدامز وآندرو جاكسون، والتي فاز الأخير بأغلبية بسيطة لأصوات المجمع الانتخابي، ما اضطر إلى رفع المسألة إلى مجلس النواب لحسم النتيجة، انسجاماً مع النص الدستوري.

في الحالة الراهنة، سعت ولاية تكساس (المدعي العام) إلى رفع دعوى قضائية “بدعم من الرئيس ترامب” وتقضي بعدم تخويل مندوبي الولايات الأربعة “الحاسمة”، وادّعت أن تلك الولايات مجتمعة انتهكت قوانينها الانتخابية المقرّة من مجالسها التشريعية. رفضت المحكمة العليا النظر بها، موجهّة ضربة قاسية إلى جهود الرئيس ترامب لإبطال نتائج الانتخابات.

قرار المحكمة العليا هنا أيضاً صيغ بحذر شديد لفصل السلطات الفيدرالية وللولايات، وجاء فيه أنّ ولاية تكساس ليس لها صفة قانونية لرفع قضيّة ضد “ولايات جورجيا ومشيغان وبنسلفانيا وويسكونسن”. دعوى “تكساس” ضد تلك الولايات اندرجت تحت بند “أزمة بين الولايات”، ما يخوّل المحكمة العليا الاتحادية التدخل، بحسب نصوص الدستور الأميركي. سبق تلك الدعوى رفض المحكمة العليا أيضاً النظر في قضية التدخل لإبطال جملة أصوات في ولاية بنسلفانيا وقلب النتيجة لصالح الرئيس ترامب.

رمى الرئيس ترامب وأعوانه “من وراء دعوى تكساس”، والتي انضم إليها مجموعة إضافية من المدّعين العامّين في 17 ولاية أخرى، تسجيل سابقة في القضاء الأميركي وتجاوز الشرط الأساسي الذي تأخذ فيه العليا قضية مباشرة دون انتظتر نتائج قرار المحاكم الأدنى مستوى وهو “على الولاية صاحبة الدعوى إثبات ضرر لحقها”، والذي أخفقت فيه الدعوى بشدة منذ البداية.

شكلت “قضية تكساس” اصطفافات وتحالفات جديدة على أرضية سياسية وحزبية صرفة، رمى أصحابها إلى فرصة لمثول التاريخي والنقاش أمام المحكمة العليا حول مستقبل الدولة، وخصوصا بعد تسجيل نحو 40 ولاية أخرى وجهات نظرها أمام المحكمة العليا بمساهمة “كأصدقاء المحكمة”، للتأثير في آلية تفسير المحكمة العليا للنصوص الدستورية، وليس بحافز ميل النتائج الانتخابية فيها.

على سبيل المثال، ولاية أريزونا التي كانت تحسب على الحزب الجمهوري، والتي فاز بها جو بايدن الديموقراطي، قدّمت وجهة نظرها، وكذلك فعلت ولايات أخرى، منها ولاية مونتانا التي تقدّمت بوثيقتين، أحداهما لمدعيها العام الجمهوري، والأخرى لحاكمها الديموقراطي، بيد أنّ القضيّة لن تنتهي عند هذا المستوى في البعد القضائي الصرف الذي يحتكم إلى مدرستين في تفسير نصوص الدستور والبناء عليها: الأولى هي مدرسة “الأصوليين” الذين يتقيّدون بحرفية النصوص، وكانت سائدة لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية ودخول عناصر وعوامل جديدة إلى المشهد السياسي، والأخرى تفسر النصوص بنظرة عصرية تأخذ بعين الاعتبار المتغيرات الاجتماعية والسياسية، والتي دشّنها قاضي المحكمة العليا إيرل ووران في العام 1950.

ومنذئذ درج مصطلح “محكمة ووران” على المحكمة العليا الاتحادية التي تحمّلت تفسير الدستور باعتباره “وثيقة حية” ينبغي أن تأخذ بعين الاعتبار المتغيرات الحديثة والعصرية، ونجم عنها عدد من تشريعات اجتماعية “ليبرالية” لم يكن لها حظ في السابق، نتيجة توازنات تميل بشكل صارخ لصالح التيار المحافظ والمتشدّد.

أبرز القضايا “الخلافية” التي أثارتها “محكمة ووران” كانت النظرة إلى مادة التعديل الثانية في الدستور حول اقتناء السلاح. الرؤية العصرية اعتبرت أنّ النصّ الدستوريّ بحقّ الحكومة الاتحادية الاحتفاظ بجيش فاعل لحماية مصالحها “ينفي الحاجة الأصلية لوجود ميليشيا” مسلحة، والتي يصرّ عليها التيار المحافظ حديثاً لاقتناء السلاح بوفرة وكثافة.

قرار المحكمة العليا، وفق الأحكام الدستورية، لم يحسم المسألة المرفوعة أمامها، مكتفياَ بردٍّ يتعلق بحق ولاية تكساس من عدمه في رفع المسألة، والتقدم بها على مستوى المحكمة العليا الاتحادية. وقد تستنهض المسألة عينها صلاحيات محاكم الولايات في المستقبل، بعد هدوء عاصفة الانتخابات والاطمئنان النسبي إلى السيطرة على الفيروس.

من أبرز الفوارق والتباينات الديموغرافية التي أفرزتها جولة الانتخابات الرئاسية لهذا العام هو التحشيد الكثيف لسكان المدن في مقابل جمهور الأرياف المتباعدة الأطراف، والذي يميل إلى تأييد من يخاطب غريزته، ليس عن قناعة داخلية، بل بفعل الهوة الاقتصادية والاجتماعية التي قضت على أحلام الكثيرين، وخسارتهم مصالحهم الاقتصادية الصغرى والمتواضعة، في غياب تام لدور الساسة والحكومة على السّواء.

المعلق الإذاعي اليميني الشهير، راش ليمبو، خاطب جمهوره لإعداده في سبيل تقبّل احتمال  تشظّي صيغة  الاتحاد الفيدرالي القائمة وانشقاق بعض الولايات، مثل تكساس، كتعبير عن رفض ذاك الجمهور لقرار المحكمة العليا التي انتهكت الدستور، بحسب تفسير سياسييهم وتحشيد الجمهور عليها.

مسألة الانشقاق ليست رغبة أو طلب جديد طرأ على المشهد السياسي، خصوصاً لدى ولاية تكساس التي ينوي أحد أعضاء مجلسها التشريعي، كايل بيدرمان، تقديم مسودة قرار يسمح باجراء استفتاء في عموم الولاية للتصويت على خيارين: إما الانفصال وعودتها كجمهورية مستقلة، أو البقاء ضمن الاتحاد الفيدرالي.

تلويح ولاية تكساس بالإنفصال يتلاقى مع دعوات انفصال سابقة من ولايات محسومة للحزب الديمقراطي مثل كاليفورنيا. وقد يشكّل رفض ترامب نتائج الإنتخابات واصراره على عدم الإعتراف بشرعيتها حافزاً جديداً لرواج نزعات الانفصال للعديد من الولايات.

2020-04-12-التحليل

التحليل

إيران لن تتسرّع بالرد العسكري
على اغتيال فخري زاده

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

فور تنفيذ عملية الاغتيال (27 تشرين الثاني/نوفمبر) توجهت سهام الاتهام إلى جهاز الاستخبارات “الاسرائيلي – الموساد”، بتعاون أميركيّ، ليس من الجانب الإيرانيّ المعني الأول بذلك فقط، بل من الجانب الأميركي “شبه الرسمي” أيضاً.

العالم محسن فخري زاده كان على رأس قائمات المطلوبين أميركياً منذ عهد الرئيس الأسبق جورج بوش الإبن، و”اسرائيلياً”، بدليل اعتراف مسؤولي استخباراتها بأنّ محاولة سابقة لاغتياله تم اعدادها وتأجّل تنفيذها في اللحظات الأخيرة. أما رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، فقد استعرض اسم “الدكتور محسن فخري زاده” في مهرجان إعلامي عقده في العام 2018 ، متبجحاً: “تذكروا هذا الإسم: فخري زاده”.

بوسعنا القول إنّ الولايات المتحدة اعترفت أيضاً بكلام “غير رسمي” على لسان الرئيس ترامب نفسه خلال الساعات الأولى للاغتيال، بنشره تغريدة في حسابه الرسمي ينقل فيها الخبر عن المصادر “الإسرائيلية”، وباللغة العبريةّ التي لا يتقنها مطلقاً.

وسرعان ما استُحضر تاريخ الرجل في الإعلام، بوصفه “أب القنبلة النووية، وأنه انكبّ يعمل في السنوات الأخيرة على مشروع تصغير حجم الرأس الحربي النووي وتمكينه من الاحتفاظ بفاعليته في مرحلة دخول الصاروخ الباليستي الحامل إلى الغلاف الجوي نحو الهدف”.

حيثيات الاغتيال والاحتمالات الأكثر ترجيحا لكيفية وقوعه، تبقى مرهونة بتوفر معلومات عملياتية دقيقة، وهو أمر يستبعد انجازه قريباً لدواعي السرّية، ولنا عودة أدناه لمناقشة الأمر.

في وقت لاحق من يوم الاغتيال، كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” عما أخبره بها “مصدر أميركي رفيع المستوى”، قائلاً “إن إسرائيل هي المسؤولة عن تنفيذ الاغتيال”، من دون أن توضح هويته أو سبب يقينه من الفاعل.

تزامن الاغتيال مع حشد الولايات المتحدة موارد عسكرية إضافية، بإعلان سلاح البحرية عن تحرك حاملة الطائرات النووية “نيميتز” للمرابطة في المنطقة، مع نضوج قرار سحب عدد من القوات الأميركية من أفغانستان، بموجب تصريحات القادة الأميركيين.

ربما لا يشكّل تحريك الحاملة النووية إلى المنطقة عاملاً كافياً للاستنتاج بأنّ هجوماً عسكرياً على وشك الانطلاق، إذ تفترض الخبرة العملياتية والعقيدة العسكرية الأميركية وتتطلب تحريك عدد من القطع البحرية الأخرى، تعززها غواصات حاملة للصواريخ ومدمّرات وطرّادات.

سلاح اغتيال العلماء دخل الخدمة الفعلية عند صناع القرار السياسي منذ بدء عصر التقنية النووية مطلع عقد الأربعينيات من القرن الماضي، بمخطط أميركي “لخطف أو اغتيال” عالم الفيزياء الألماني فيرنر هايزنبيرغ في العام 1942، نظراً إلى الفجوة العلمية آنذاك بين تقدم التقنية الألمانية وحتمية نجاحها في صنع قنبلة نووية، والجهود الأميركية الموازية في “برنامج مانهاتن” النووي.

الخبير الأميركي في الطاقة النووية لدى جامعة هارفارد العريقة، ويليام توبي، اعتبر أنّ “أقصى ما تطمح إلى تحقيقه الجهة المنفذّة لاغتيال علماء الطاقة النووية هو تأجيل وليس إيقاف سير البرنامج النووي للخصم، وربما تشكيل عامل ردع لانضمام عقول وكفاءات أخرى إلى البرنامج”، (27 تشرين الثاني/نوفمبر 2020).

وشدّد توبي على ما يوفّره سلاح اغتيال العلماء من مساحة “إنكار المسؤولية” للطرف المعتدي، نظراً إلى تعقيدات البرنامج النووي لأي دولة، وإلى طبيعة العمل العسكري المباشر وهويته الحاسمة. وحذّر أيضاً من النتائج العكسية على المديين القصير والمتوسط من فعالية الاغتيال، إذ سيقود الطرف المعتدى عليه بخفض سقف تعاونه مع الهيئة الدولية للطاقة النووية، “وربما إنهاء التعاون معها بالكامل”.

في بُعد ساحة الاغتيال، لوحظ ارتباك غير مسبوق في سردية السلطات الإيرانية، وتعدّد المسؤولين الذين أدلوا بدلوهم، لكنّ العامل المشترك الأبرز هو الكشف عن ثغرة أمنيّة في الأجهزة الإيرانية، ليست الأولى في استهداف علمائها، أدت إلى ما أدت إليه.

الثابت أمامنا أننا شهدنا منذ العام 2007 سلسلة عمليات تفجير أدت إلى مقتل 4 علماء إيرانيين، وفشل عملية أخرى. وقد قيل إن نشاطاتهم كانت في سبيل تطوير البرنامج النووي الإيراني، وتراوحت الآليات بين “غاز سام ربما مصدره الحقيقي حادث عرضي في المنشأة، إلى التفجير بالتحكم عن بُعد، وإطلاق النار مباشرة على سيارة تُقّل الشخصية المعنية”. والآن تتردّد سردية جديدة عبر استخدام طائرة مسيّرة وأجهزة مراقبة تعمل بالأشعة تحت الحمراء أيضا يتم التحكم بها عن بعد.

التصريحات الإيرانية المتتالية لم تستند إلى سردية معينة، سوى أن الاغتيال يعتبر قرار حرب، بل شهدنا 3 تفسيرات أو اجتهادات تحاكي آليات تنفيذ العملية: تعرض سيارة فخري زاده لوابل من الرصاص، بالتزامن مع انفجار قاطرة قبل وصوله ،ما أدى إلى إبطاء حركته، وكمين بشري معزز بنحو 12 عنصراً، من ضمنهم قناصة، وإطلاق “رشاش بتحكّم عن بعد” صليات من الرصاص.

النظرية الأخيرة، رشاش عن بعد، ليست مستبعدة تماماً في ظل تقدم التقنيات الالكترونية، وخصوصاً “أسلحة متطورة عبر استخدام الإنسان الآلي”، بحسب اسبوعية “فوربز” الأميركية (30 تشرين الثاني/نوفمبر 2020).

أكدت المجلة، نقلاً عن مصادرها العسكرية، أن سلاحاً مبتكراً للتصويب والإطلاق عن بُعد استخدم في سوريا “عبر جيش سوريا الحر في محيط مدينة إدلب في العام 2013″، وانتقلت النماذج الأولية منه إلى سيطرة واستخدام القوات الكردية وعناصر “داعش”، بحسب تقرير للجيش الأميركي في العام 2016، بعنوان “التحكّم عن بعد لأسلحة قناصة ورشاشات من قبل الإرهابيين والمتمردين”.

ومع استهداف مكثّف لاصطياد برج الدبابة الأميركية في أفغانستان والعراق، استبدلت القيادة العسكرية الأميركية العنصر البشري في البرج عبر نظام “CROWS”، الذي يسمح بالتحكّم عن بعد بمركز أسلحة، زوّدت الشركة النرويجية “كونغزبيرغ” بنحو 200،000 نظام من هذا النوع للجيش الأميركي وهو نظام معزّز بتقنيات الكاميرا الحرارية، تم إدخالها الخدمة على العربات القتالية الأميركية.

تقنية المناظر الليلة العاملة بالأشعة تحت الحمراء متوفرة في السوق التجاري الأميركي، وإن بمواصفات متدنية نسبياً عن النماذج الحربية، وهي من صناعة شركة “الشبكة الأميركية للتقنية – ATN” زوّدت بها القوات الخاصة الأميركية. ومن ميزاتها التحكّم عن بعد بالمناظير الليلية، وهي معززة بحاسوب “باليستي” لضمان الدقة.

من أبرز استنتاجات تقرير المجلة المذكورة ما وصفته من “ميزات إيجابية” لذاك السلاح، وهي تقليص عنصر المغامرة بمقتل أو اعتقال المتحكّم بالسلاح إلى الصفر، واستحالة رصد وتعقّب إحداثيات مصدر الهجوم.

ورجّحت المجلة أنّ استخدام السلاح عن بُعد لم يترك أي أثر يستفيد منه المحقّقون الإيرانيون، على الرغم من إحدى السرديات الرسمية التي أشارت إلى توفر أدلة في الموقع تربط الهجوم بالأجهزة “الإسرائيلية”، بل إن “اخفاء هوية” المنفّذ هو الدافع الرئيسي وراء تسخير عدد من الدول لتلك التقنية باستخدام الطائرات المسيّرة، على سبيل المثال.

الخبراء الأمنيون والعسكريون يجمعون على أنّ هذه العملية  “تشكل خرقاً أمنياً كبيراً استلزم قدرات استخباريّة واحترافاً عالي المستوى لا تملكه إلا الدول المحترفة لعمليات “إرهاب الدولة “، وأن الفاعل اكتشف ثغرة ما في المنظومة الأمنيّة الداخليّة في إيران، فاستغلها واستطاع ان ينفد منها، ما مكّنه من النجاح”. وهو ما يفنّد إحدى السرديات الإيرانية بأن أجهزة استخباراتها كانت “على علم بهجوم وشيك”.

في البعد السياسي الصرف، بما أن الحروب هي تطبيق للسياسة بأدوات أخرى، وفق كارل فون كلاوس فيتز، ينتقل مركز الثقل لأهداف العملية إلى الصراع الدائر بين الساسة الأميركيين، في ظل تصريحات مواربة للرئيس المنتخب جو بايدن، بأنه سيستأنف عضوية الولايات المتحدة في الاتفاق النووي الدولي، “مع تشديد بعض الشروط وإضافة أخرى”.

ومن هذا المنظار، يؤكّد المراقبون الأميركيون تحديداً “تأجيل” الرد الإيراني الموعود، كي يترك فسحة زمنية للإدارة المقبلة للتعامل إيجابياً مع الاتفاق الدولي ،وربما العودة إلى إلغاء بعض العقوبات الأميركية التي فرضتها إدارة الرئيس ترامب المنتهية ولايته.

في هذا الصدد، لا يجوز إغفال حقيقة العداء الأميركي الرسمي للنظام الإيراني وتجذّره، والتذكير بين فترة وأخرى بحادثة السفارة الأميركية في طهران واحتجاز موظفيها لعدة سنوات مع انتصار الثورة الإيرانية في العام 1979.

وفي المستوى عينه، يدرك المرء إجماع صنّاع القرار الأميركي على عدم السماح لإيران بامتلاك المعرفة النووية وصنع الأسلحة، استناداً إلى التزام المؤسّسة الحاكمة بكامل أجنحتها وتياراتها “بضرورة الحفاظ على تفوّق إسرائيل على جميع الدول في المنطقة” بأسلحة نوعية ممنوع على الأطراف الأخرى، منفردة أو مجتمعة، اقتناؤها، بل يذهب بعض كبار الاستراتيجيين الأميركيين إلى القول: “بصرف النظر عن هوية الرئيس الأميركي، فسيستمرّ العداء في العلاقات مع إيران كما رأينا وشهدنا خلال العقود الأربعة الماضية، وستستمرّ إيران في لوم الولايات المتحدة وإسرائيل لأي حوادث تتعرض لها في المستقبل المنظور، سواء ثبت تورطهما فيها أم لا”.

مع كتابة هذه السطور تتعزز امكانيّة تأجيل الضربة الإنتقامية الإيرانية، وليس إمكانية الغائها، إذ ينظر الى التفاعلات الداخلية في الكيان الإسرائيلي المتأزم، والتصريحات المرنة للرئيس المنتخب بايدن حول الملف النووي الإيراني، مصحوبة بجدال في الداخل الإيراني حول التكتيك والإستراتيجية القصيرة المدى للرد الأفضل على جريمة الإغتيال، باعتبارها عوامل لن تجعل طهران تتسرع برد عسكري/امني، لتبقي لديها هامشاّ من الحركة والخيارات المناسبة، بحسب جدولها، وليس جدول الآخرين.

2020-24-11-التحليل

التحليل

المجمع العسكري الفائز الدائم
في
الانتخابات الأميركية 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

يتجدّد اهتمام الشعب الأميركي بحجم الميزانيات العسكرية السنوية، ويسيطر القلق على معظم قطاعاته من استمرارالصرف السخي على “المجمع الصناعي العسكري”، بينما تقتطع ميزانيات الرعاية الصحية والتعليم والمساعدات الاجتماعية سنة تلو الأخرى، دون أفق ملموس لتغيير المعادلة.

يدشّن الرئيس الأميركي عادة، بصرف النظر عن انتمائه السياسي، ولاية عهده بضمان أولوية ميزانيات الدفاع التي بلغت أرقاما هائلة وغير مسبوقة صعوداً ، وسجلت 738 مليار دولار لنهاية العام الجاري ولا تشمل ميزانيات إضافية تقتضيها الظروف الميدانية. وتبلغ حصة سلاح الجو منها نحو 35%، وسلاح البحرية والمارينز نسبة 35% تقريباً، ونحو 28% للقوات البرية.

الميزانية المقترحة للعام 2021 توازي سابقتها وتتخطاها بشكل ضئيل نسبياً، وتتمثل بنحو 740 مليار دولار. وقد واكبها طلب وزير الدفاع (المُقال) مارك أسبر من الكونغرس احتساب زيادة 3% إلى 5% على المجموع العام، أي نحو 22  إلى 37 مليار دولار تباعاً. وبناء على ممارسات البنتاغون السابقة بالضغط على لجان الكونغرس المختصّة، تصعد الميزانية إلى 800 مليار دولار (“مركز التطور الأميركي”، 6 أيار/مايو 2020).

اللافت أن الميزانيات المخصصة للبنتاغون كانت تحسب بمليارات الدولارات “منذ عام 1948″، بحسب البيانات الرسمية، لكنها لا تتضمن “الزيادات والإضافات الموسمية” التي تطلبها وزارة الدفاع من الكونغرس باستمرار.

ويذكر المركز أنّ لجان الكونغرس طلبت من قادة الأسلحة الرئيسية تقديم “قائمة أولويات” لأسلحة لم تشملها الميزانية المقترحة، والتي بلغ مجموعها نحو 18 مليار دولار. وكشف عن تراجع حاجة القوات العسكرية إلى مستويات الميزانية السابقة “بناء على نية الولايات المتحدة خفض عدد قواتها في العراق وأفغانستان، وإقرار البنتاغون  بأنّ نحو 16 مليار دولار (ضمن الميزانية المقترحة) مخصّص للإنفاق على أهداف خارج الاحتياجات العسكرية”.

وفي حين يستنزف البنتاغون الاقتصاد الأميركي ويضاعف من حجم مديونيّته العامة، فقد حصل على نحو 3 آلاف مليار (3 تريليون) دولار خلال ولاية الرئيس ترامب، في ظل تسابق الساسة الأميركيين على “ضرورة الإنفاق لإعادة بناء القوات المسلحة” وتأهيلها لتحديات المستقبل.

أمّا في عهد الرئيس السابق باراك اوباما، فقد بلغ الإنفاق على وزارة الدفاع نحو 3.3 تريليون دولار للسنوات الأربع الأولى، وفق بيانات وزارة الدفاع. ولجأ الكونغرس إلى معارضة توجهات إدارة اوباما التي أرادت وضع سقف للإنفاق العسكري ورفع القيود المقترحة عن ميزانية البنتاغون.

يشير المراقبون إلى تجسّد مخاوف الرئيس الأسبق دوايت آيزنهاور في تحذيره الشهير من بقاء مستقبل البلاد رهين مصالح “المجمع الصناعي العسكري”، الذي تتعاظم مطالبه للاستثمار المتواصل في أحدث التقنيات، بصرف النظر عن ديمومة فعاليتها، لتبرر انتاجها العالي الكلفة.

منذئذ، شهدنا نمواً في السياق العام للرؤساء الأميركيين لتخصيص الموارد المالية والتضحية ببرامج “دولة الرعاية والفرص والمساواة”. الرئيس ترامب، كما سلفه الرئيس اوباما، استثمر أيضاً في زيادة الاعتماد على التقنيات الحديثة وتطبيقاتها العملية، جسّدها إعلان سلاح مشاة البحرية، المارينز، تخليه عن سلاح المدرعات لديه، وإيلاء الأولوية للتقنية المتطورة والأسلحة الخفيفة التي لا تحتاج لكادر بشري كبير.

وفي هذا الصدد، ينبغي مراعاة مسألة تدوير الكفاءات التي تستفيد منها كبريات شركات التصنيع والأسلحة، بتشغيلها طواقم الرتب العسكرية العليا المحالة إلى التقاعد، وتوظيف طواقمها المتجددة في مسارات الضغط على أعضاء الكونغرس وأنصارهم السابقين، لتبني خطط التسليح المقترحة من تلك الشركات مقابل مكافآت مجزية.

خلال ولاية الرئيس أوباما، استقرّ الرأي على الاستثمار الأكبر في قطاع “القوات الخاصّة”، نظراً إلى ميزة سرّية مواقع انتشارها في الدرجة الأولى، ولتجنب عدم الوقوع في إحراج أمام الرأي العام على خلفية الإعلان عن عدد القتلى، مقابل ما تستدعيه إجراءات وزارة الدفاع المعتمدة في الكشف عن خسائرها البشرية، وكذلك لسرعة نقلها إلى ساحات قتالية خارج نطاق الإعلام والاهتمام الشعبي.

يشار إلى أن بيانات البنتاغون تشير إلى تواضع أعداد القوات الخاصة خلال الحرب الأميركية على فيتنام، إذ بلغت نحو 2000 عنصر، مقارنة مع نصف مليون عسكري ونيّف. فى الزمن الراهن، تضخمت أعداد “القوات الخاصة” لتصبح نحو 70،000 عنصر، ما اضطر القيادات العسكرية المعنية إلى تعديل برامج تدريبها، بخفض الشروط القاسية المطلوبة التي أدت إلى وقوع مزيد من الخسائر البشرية بينها.

وفي سياق مشابه، شهدت القوات العسكرية الأميركية، ولا سيما في سلاح البحرية، تدنياً في مستويات  أدائها العملياتي وما نجم عنه من حوادث متتالية لسفن حربية صدمت سفناً تجارية في عرض البحر.

أمام هذه اللوحة من فرط الإنفاق على المعدات والتقنية العالية وتراجع مستويات جهوزية القوات العسكرية الأميركية، يبرز سؤال ملح حول حقيقة الجدل باستعداد إدارة ترامب في أيامها الأخيرة لشن عدوان عسكري، ولو محدود، على إيران، من دون تلقي رداً يقوّض قواعدها العسكرية المنتشرة في الإقليم (كما روجت له يومية “نيويورك تايمز”، 16 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري). ومن ناحية أخرى، تصعيد منسوب التوتر مع إيران، للحيلولة دون نجاح فرضية توجه الرئيس المقبل جو بايدن إلى طاولة المفاوضات معها.

في الشقّ الأول أعلاه، تدرك القيادات العسكرية الأميركية حدود فعالية دفاعاتها الجوية في حماية قواعدها وجنودها في العراق، الذي يعتقد أنه الساحة الأقرب إلى تصعيد التوتر مع إيران، وخصوصاً في تكرار عجز المنظومات الدفاعية المتطورة في اعتراض صواريخ قديمة ومتدنية التقنية تشن بوتيرة أعلى على بعض المواقع الأميركية في العراق.

من بين الخيارات الأكثر ترجيحاً أمام إدارة ترامب في أيامها الأخيرة، شن هجمات الكترونية محدودة تستهدف منشآت عسكرية وحيوية داخل إيران بمشاركة “اسرائيلية”، أو توفير الدعم للأخيرة لشن هجماتها، بيد أن الطرفين لا يملكان ضمانات يقينية بعدم رد إيران، وخصوصاً في ظل تعهد قادتها العسكريين بأن الرد سيكون مزلزلاً. البنتاغون استوعب حقيقة الرد الايراني، وقرّر إخراج بعض حاملات طائراته  العملاقة خارج مضيق هرمز والمرابطة في بحر العرب.

قرار “إسرائيل” الدخول على الخطّ في تصعيد التوتر مع إيران لن يلقى تأييداً من قبل الإدارة المقبلة، أقلّه في الظرف الزمني القصير. لذا، فإنها تسعى بشدّة لكسب تأييد الرئيس ترامب “توجيه ضربة عسكرية ضد المنشآت النووية الإيرانية” قبل مغادرته البيت الأبيض.

وفي هذا الصدد، ارتفعت أصوات معارضة معتبَرة داخل دوائر صنع القرار الأميركي، للتحذير من الانزلاق إلى حرب جديدة غير واضحة المعالم، لخصتها صحيفة “نيويورك تايمز” قائلة: “إنهم (إدارة ترامب) يصعّدون منسوب التوتر مع إيران، والذي قد يقودنا إلى اشتباك مباشر”. وأضافت محذرة نقلاً عن مصادرها: “الأوضاع الاقتصادية تنهار، ولم يهبّوا لفعل أي شيء يخصّ مخصصات العاطلين من العمل” (21 تشرين الثاني/نوفمبر 2020).

الإجراءات الاستثنائية المتسارعة التي تتخذها إدارة ترامب على الصعيد الداخلي تحديدا، تأتي بهدف وضع عراقيل وقيود على الإدارة المقبلة، للحيلولة دون إلغاء واستبدال سياسات الرئيس ترامب، وخصوصاً في مسألة الرعاية الصحية الشاملة ومعالجة فايروس كورونا.

الاستثمار والإنفاق العسكري هو المسألة الوحيدة ربما التي تحظى بموافقة الحزبين. ومن غير المرجّح أن تقدم الإدارة المقبلة على خفض أي من برامج البنتاغون.  في هذا الشأن، استبقت “مؤسسة هاريتاج”، الذراع الفكرية للمحافظين الجدد في الحزبين، أي تطورات مفاجئة، ونشرت تقييمها المفصّل “لقدرات القوات العسكرية الأميركية للعام 2019″، للإجابة على سؤال وحيد: “هل تملك القوات العسكرية الأميركية موارد كافية تحتاجها لحماية مصالحنا في الداخل وعبر العالم؟”.

استعرض التقرير المفصّل معظم التدخلات العسكرية الأميركية منذ الحرب العالمية الثانية صعوداً، والمفاهيم والعقائد العسكرية الملازمة لكل المراحل، وكذلك الأسلحة وتعدد الأعداء والتحديات والمراحل الزمنية، في ضوء فرضية أن الولايات المتحدة قوة عالمية، ولديها مصالح في أركان العالم كافة ينبغي صونها.

حمّلت الدراسة صنّاع القرار مسؤولية “تردي” المعدات العسكرية، وسببها عدم توفر الموارد المالية اللازمة في عقد التسعينيات من القرن الماضي، والذي أزاحت هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001 الغطاء عنه، بحسب معدّي التقرير.

سعت المؤسّسة إلى توفير الأرضية الفكرية والعملية لزيادة الإنفاق العسكري، بتذكير صناع القرار بحجم القوات العسكرية خلال الحرب الباردة، والتي كانت نحو 780،000 عنصر، مقارنة مع ما نحن عليه اليوم “480،000″، وامتلاك نحو 550 سفينة حربية آنذاك مقارنة مع تقلص عددها إلى 285 في الوقت الراهن. واستطردت أن التحديات أمام الولايات المتحدة راهناً تصاعدت، ودخلت قوى جديدة لم تكن في الحسبان آنذاك، مثل “كوريا الشمالية والصين وإيران”.

وحول تقييم الأداء العسكري مقارنة بالإمكانيات المتوفرة حالياً، اعتبرت المؤسسة أنه “متوسط، في المرتبة الثالثة من مجمل خمسة”، محذّرة من أن الأهداف المرسومة حالياً لن يتم تحقيقها إلا بحلول العام 2050، خصوصاً في سلاح البحرية.

يشكّل تقرير المؤسسة الواسعة النفوذ والتأثير بين صناع القرار خريطة طريق للإدارة المقبلة في رسم أولوياتها، وكذلك لمجلسي الكونغرس، بالاقلاع عن آليات الموازنة المعتمدة راهناً، والنظر إلى التحديات بعين “30 سنة في المستقبل”، لتتكيف قراراته مع طبيعة التحدّيات.

وعليه، فإنّنا أمام مشهد أميركي لن يشذّ عن النموذج الراهن بالاعتماد على قسوة القوة العسكرية لبسط النفوذ الأميركي في عموم العالم، وتفعيل سياسة الانقلابات وتغيير الأنظمة، “دون الالتفات إلى أيّ قوة أخرى قد تظهر في الساحة الدولية”.

2020-12-11-التحليل

التحليل

ماراثون الانتخابات الأميركية
تجذّر الانقسام وسقوط الأوهام

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

جاء إعلان النتائج “غير النهائية” للانتخابات الرئاسية عبر المؤسّسات الإعلامية الأميركية الهائلة، من دون انتظار كلمة الفصل من السلطات الرسمية في كلّ ولاية على حدة، كما تقتضي القوانين السارية. وقد صعَد بموجبه جو بايدن إلى مرتبة “الرئيس المنتخب”، في ظل أجواء شديدة القتامة لما يخبئه المستقبل، وترسيخ لحالة شرخ عميق أفقي وعامودي، وتبادل للتهم بين الطرفين بفقدان الشرعية، بيد أنّ ما جرى كان ثمرة تطوّرات منهجية نتيجة جملة من التحديات والأزمات الاقتصادية المتزايدة، واكبتها شراهة من الطرفين للإنفاق العسكري غير المقيّد والوعد بالمزيد.

أفرزت الانتخابات مجموعتين متناقضتين ومتساويتين عددياً تقريباً: 71 مليوناً صوّتوا لترامب، بزيادة نحو 7 مليون عن الدورة السابقة، وزهاء 75 مليوناً صوّتوا لبايدن.

تفصل الكتلتين جملة أبعاد طبقية وعرقية وجغرافية (سكان المدن مقابل فضاء الريف الشاسع)، في ظل استنهاض ترامب لمطالب شعبية باستعادة أصول الإنتاج من الخارج وإلى الداخل الأميركي، فضلاً عن تباين الأولويات والتوجهات والانتماءات العقائدية والدينية.

تتساوق تلك النتيجة مع طبيعة النظام السياسي، أي تبادل الحزبين للسلطة، وتوحّد رؤيتهما لسيطرة أصحاب رؤوس الأموال وخدمتهم ضمن منظومة واحدة لسياسة الهيمنة والاستغلال على امتداد العالم.        هذا يقودنا إلى الجزم باستمرار الطرف الفائز، خصوصاً إن رسخ الخيار على بايدن، في ممارسة السياسة المعتادة على الصعد الخارجية التي تتمظهر بسمات بارزة ، وتعد بمزيد من التدخّلات في دول العالم قاطبة، واستمرار سياسة النهب الاقتصادي، وسباق التسلح بنسخة اشد وطأة عما سبق.

ما اصطلح على تسميته بالتيار التقدمي في الحزب الديموقراطي، برئاسة بيرني ساندرز، يعاني حصاراً رسمياً متواصلاً، ومن أبرز رموزه النشطة النائب في مجلس النواب عن ولاية نيويورك، الكسندرا اوكاسيو كورتيز، إذ عبّرت بمرارة عن تهميش قيادات الحزب لمجموعتها، وذلك في مقابلة أجرتها معها يومية “نيويورك تايمز”، واتّهمتهم بالقفز عن المتغيرات الجارية داخل القاعدة الحزبية ذات المواقف المتباينة مع تفكير القيادات التقليدية وتوجهاتها، ما ينذر بحدوث تململ جديد داخل الحزب الذي لن يستطيع التعايش طويلاً مع طموحات الجيل الشاب.

هذا الأمر يجدّد قلق المؤسسة الحاكمة بكل أقطابها من تراجع مواطن سيطرتها كقوى تقليدية، والتي عبّر عنها المؤرخ الأميركي المشهور، صامويل هنتنغتون، قبل رحيله في العام 2008: “اتركوا صراع الحضارات جانباً، فما يهدّد الولايات المتحدة هو فقدان هويتها البيضاء” من ذوي الأصول الانغلو- ساكسون – بروتوستانت. وفي آخر كتاب أصدره بعنوان “من نحن؟”، كان أشد وضوحاً بقوله: “الحلم الوحيد المتوفر هو الحلم الأميركي الذي أنشأه المجتمع الأنغلو- بروتستانت”، (صحيفة “واشنطن بوست”، 18 تموز/يوليو2017).

في السياق العام لولاية الرئيس ترامب، ثبت جلياً صراعه المباشر مع ركائز المؤسّسة الحاكمة والتصادم معها، أو ما أسماه هو مباشرة “الدّولة العميقة”، أي منظومة الأجهزة الأمنية والاستخباراتية والعسكرية والامبراطورية الإعلامية. ومن أبرز تجليات ولايته، كان استهدافه المباشر من قبل أركانها المتعددة، بتوجيه شباك اتهاماتها المتتالية للنيل من وطنيته، بيد أن تماسك قاعدته الانتخابية وصلابتها فرضت على الطرف الآخر بعض التراجع، وفي منظوره التأهّب لجولة جديدة، لعلها تكون القاضية على مستقبله السياسي.

جاءت نتائج الجولة الانتخابية مخيبة لآمال المؤسّسة الحاكمة في هذا السياق تحديداً، بنجاح ترامب في تكريس الشرخ الاجتماعي، وهو الآتي من خارج المنظومة التقليدية، بيد أن الفارق الانتخابي الذي لم تحسم نتائجه النهائية بعد يؤشّر إلى نجاح مخطط المؤسّسة في اغتيال ترامب سياسياً، وأبرز تجلياته فتور الدعم والتأييد الذي قوبل به من قبل قيادات الحزب الجمهوري، إلى أن استطاع “ابتزازها” بالاصطفاف خلف نيته بالتوجه إلى القضاء لحسم النتائج النهائية، ما حدى برئيس مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل، بعد أن فاز بدوره في تمثيل ولايته كنتاكي، إلى التأكيد أن للرئيس ترامب “كامل الحق 100% بالتوجه إلى القضاء”.

كشف الرئيس ترامب خلال ولايته وصراعه المعلن مع المؤسّسة الحاكمة عن تردي، وربما سقوط، أوهام “مصداقية النظام الأميركي”، وشاطره الرأي المفكر الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، والكاتب الدائم في صحيفة “نيويورك تايمز”، بول كروغمان، متنبئاً بـ “فشل الدولة” الأميركية (“نيويورك تايمز، 8 تشرين الثاني/نوفمبر 2020).

كروغمان الذي يعد من أبرز أقطاب المؤسسة الحاكمة وذراعها الفكرية لا يخفي ارتياحه لفوز بايدن، لكنه يحذر من فشله في انجاز مهامه الرئاسية، نظراً إلى تجسّد حالة الانقسام السياسي “وسيطرة الحزب الجمهوري على مجلس الشيوخ، الذي سيعمل على تخريب مشاريع بايدن بكل السبل المتاحة”. ويعيد كروغمان إلى الأذهان تواضع تمثيل مجلس الشيوخ للشعب الأميركي وميله لتأييد القطب الجمهوري بنحو 7 نقاط مئوية عن التمثيل الحقيقي.

القطب الصحفي الآخر والمؤيد بشدة للحزب الديموقراطي، توماس فريدمان، عبّر عن امتعاضه، نيابة عن المؤسّسة، من النتائج التي “لم تُسفر عن رفض جماعي باهر لقيادة سياسية نجحت في تشتيتنا، خصوصاً خلال الجائحة”، ومضى في سرديته السوداوية من المستقبل، بصرف النظر عن الفائز النهائي، كما يؤكد، بسقوط الولايات المتحدة في هذه الجولة الا نتخابية، وهي تعاني من “انقسامات مركّبة ومتعددة، ولن يكون بمقدورنا تحقيق طموحاتنا الجماعية، كالهبوط مرة أخرى على سطح القمر”، (“نيويورك تايمز”، 5 تشرين الثاني/نوفمبر 2020).

لجوء الرئيس ترامب إلى القضاء من أجل الطعن في نتائج الانتخابات عملية ليس مضمون النتائج، نظراً إلى الظروف القائمة وتعقيدات المشهد السياسي الراهن، ما قد يحفّز جمهور الرئيس ترامب (أي نصف المجتمع) على رفض نتائج لا تلبي رغباته، وهو ما حذّر منه فريدمان وغيره من أقطاب المؤسسة الحاكمة بالإقرار الباهت بفشل التجربة الديموقراطية في أميركا.

برزت التناقضات بين القيادات السياسية والسلطة القضائية باكراً، برفض الأخيرة الانصياع إلى طلب الرئيس ترامب تقييد سلطات ولاية بنسلفانيا لفرز وعدّْ أصوات الناخبين الذين أدلوا بأصواتهم مبكراً، ولا يزال الأمر قيد البحث، نظراً لخصوصية القوانين المحلية للولاية، وحرص المحكمة العليا على عدم التعرض لصلاحية القضاء المحلي بهدف تقويضه، ومن ناحية أخرى لاعتبارات تفشي فايروس كورونا، ما استدعى اتخاذ إجراءات استثنائية.

يتطلع الرئيس ترامب إلى استصدار قرار من المحكمة العليا يحابي وجهة نظره، وذلك  بتدخّلها لإبطال بطاقات الانتخاب التي تسلّمتها مراكز الاقتراع بعد موعد إغلاقها أبوابها عند الساعة الثامنة من مساء يوم 3 تشرين الأول/نوفمبر الجاري. وعليه، يستطيع ضمان فوزه بأصوات الولاية بحسب البيانات المتوفرة.

كما يأمل الرئيس ترامب الطعن في نتائج ولايات حاسمة أخرى، مشيغان وويسكونسن، ضمن قوانين الولايات السارية، والسير في خياره الأخير بالتوجه إلى المحكمة العليا للبت في المسألة عينها: المصادقة على إبطال بطاقات تصويت إشكالية.

ترامب، عند قراءة النتائج الواقعية، لم يفز بالعدد الهائل لأصوات الناخبين فحسب، 71 مليوناً، بل استطاع التفوق على الأصوات التي حصدتها المرشحة السابقة هيلاري كلينتون بزهاء ميلوني صوت، ما يؤكد أن مؤيّديه ليسوا من الكتلة الانتخابية التي رفضت كلينتون حصراً، كما يسعى خصومه لإشاعته، ويدلّ بجلاء على تباين المزاج العام عن تصورات وتكهنات المؤسسات الإعلامية وسعيها إلى توجيه الشعور الجمعي نحو سرديتها الخاصة.

من بين “الأوهام” التي زرعتها المؤسّسة الإعلامية تكهّنها المفرط بفوز الحزب الديموقراطي بفارق ملحوظ في مجلسي الكونغرس. مخاض الانتخابات أفرز نتائجه الأولية بصورة مغايرة بشدة لتلك التوقعات، وفاز “الخصم” الجمهوري بمقاعد إضافية في مجلس النواب، مهدداً صلابة الأغلبية الديموقراطية هناك، وكذلك الأمر في مجلس الشيوخ، باحتفاظه بأغلبية مقاعده، 50 مقابل 48، حتى لو خسر مقعد تمثيل ولاية جورجيا في الجولة الاستثنائية يوم 5 كانون الثاني/يناير من العام الجديد.

استطاع الحزب الجمهوري أيضاً التشبث بأغلبية مقاعد حكام الولايات، 27 من 50، ما يؤشر إلى توجه حقيقي لزيادة أعداد ممثليه في المجالس الفيدرالية عبر التعيين أينما استطاع إلى ذلك سبيلاً، والأهم الصلاحية الموكلة لحاكم الولاية بتحديد هوية ممثلها للمجمع الانتخابي يوم انعقاده الرسمي يوم 14 كانون الأول/ديسمبر 2020.

بموازاة ذاك الانجاز للحزب الجمهوري، استطاع أيضاً توسيع قاعدته التمثيلية في المجالس التشريعية في بعض الولايات “الحاسمة”، مثل بنسلفانيا ونورث كارولينا، وما سيتركه من تداعيات على تشكيل الأجندات السياسية المقبلة. تجدر الإشارة إلى نجاح “الخصم” الديموقراطي في كسب مقعدين كانا للحزب الجمهوري في مجلس الشيوخ، كولورادو وأريزونا، بينما خسر المراهنة على إزاحة ممثلة ولاية “مين” الجمهورية سوزان كولينز.

أبرز تمنيات الحزب الديموقراطي بأن تسفر النتائج النهائية عن تعادل تمثيله في مجلس الشيوخ، 50 إلى 50، كي تستطيع نائب الرئيس الجديدة الإدلاء بصوتها لترجيح كفته في أي جلسة تصويت مرتقبة، بيد أن ما يتهدد “تمنياته” هو سعي الرئيس ترامب إلى إثارة أزمة دستورية تدلّ على عمق المأزق البنيوي في النظام السياسي، وما يرافقه من الطعن بشرعية “الرئيس المنتخب” من قبل نصف المجتمع الأميركي.

من المستبعد حسم تلك القضايا الخلافية  ضمن ضوابط المؤسّسات والقوانين السارية، وفي فترة زمنية قصيرة، على الرغم من أهليتها وانصياع الطرفين إلى قرارها النهائي، أو بمعزل عن اتفاقيات ترضية لتقويض تداعيات انفلات الشارع الانتخابي وانزلاقه نحو عدم الاستقرار.

تذهب بنا التكهنات إلى عقد الطرفين جملة تسويات منتظرة تستند إلى توفير “المؤسسة” الرسمية ضمانات بعدم التعرض للرئيس ترامب وملاحقته قضائياً بعد خروجه من البيت الأبيض كشرط ترضية، مقابل “تهنئته” الفائز جو بايدن، كعنوان لمواصلة المؤسّسة مهامها من دون انقطاع، والسعي الحثيث لترميم الأضرار المتعددة، من مصداقيتها وأهليتها، إلى زعمها المتواصل بقيادة العالم وحيدة.

لعل المسألة  الأخرى التي ينبغي تناولها هي الدوافع التي حفّزت قيادة الحزب الديموقراطي، الرئيس أوباما وأعوانه، على إعادة الحياة السياسية لجو بايدن، بعد أن شارف على الهزيمة في الانتخابات التمهيدية مقابل تقدم مؤكد لمنافسه بيرني ساندرز وجناحه “التقدمي” داخل الحزب.

كما ينبغي إماطة اللثام عن “اختيار” الحزب لكمالا هاريس التي لم تستطع الحصول على تأييد إلا بنسبة باهتة، أقل من 1%، في الحملة الانتخابية، ما يعتبره الكثيرون دلالة على توجه انقلابي داخل مؤسسة الحزب الديموقراطي “لإقصاء الجناح التقدمي وزعيمه بيرني ساندرز” للمرة الثانية، بعدما تم اقصاؤه في انتخابات العام 2016 لصالح هيلاري كلينتون.

وربما سنتناول تلك القضايا، إضافة لدور المال الانتخابي، ببعض التركيز والعمق في المستقبل القريب. ومع كتابة هذه السطور، تسود تكهنات في واشنطن وخارجها بأن إقالة وزير الدفاع مارك اسبر، وتنصيب ترامب مؤيدين له في مناصب حساسة في البنتاغون، يؤشّر إلى التحضير لعمل عسكري، ما يؤدي إلى حرف الأنظار عن خسارة ترامب للإنتخابات ويعزز من فرص تشويشه على تنصيب بايدن، ولكن البعض يذهب الى نقيض ذلك، بالزعم انه قد يتخذ قرارات مفاجئة ومخالفة لنصائح وزارتي الخارجية والدفاع (البنتاغون) وأجهزة الاستخبارات، ويسحب معظم القوات الأميركية من عدة بلدان في منطقة عمليات القيادة المركزية.

الأيام والأسابيع القادمة قد تكشف عما يخبِّئه ترامب، وخصوصاً أنه مع حلول يوم 20 من الشهر الجاري قد تعلن معظم نتائج إعادة الفرز في الولايات التي يتمّ الطّعن في نتائجها.

2020-02-11-التحليل

التحليل

استطلاعات الرأي حول
الرئاسة الأميركية .. ما لا يُقال

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

لا تزال معظم استطلاعات الرأي تشير الى تفوّق ثابت للمرشح الديموقراطي جوزيف بايدن على الرئيس ترامب في معظم الولايات، وخصوصاً الولايات  المصنّفة حاسمة، وتشتدّ ضراوة الحملات الإنتخابية بين المرشحين في عدد من الولايات التي استطاع ترامب انتزاعها من الديمقراطيين في الانتخابات الماضية.
ولاية فلوريدا تبدو ساحة المنافسة الأشد، إلى جانب 4 ولايات تشهد تركيزا من طرفي السباق (مشيغان، ويسكونسن، بنسلفانيا، ومينسوتا).

الانتخابات الرئاسية الأميركية تحسمها بضع ولايات من مجموع الولايات الخمسين، نظراً إلى طبيعة العوامل المؤسّسة للنظام الانتخابي، وأهمية دور مندوبي الولايات للهيئة الانتخابية المكونة من 538 عضو، يوازي كامل عدد أعضاء الكونغرس بمجلسيه. وتؤدي استطلاعات الرأي دوراً يتعاظم طرداً مع توظيف المؤسّسات الإعلامية لنتائجها، والمبارزة بينها على نشر “توجّه سياسي معين” يؤثر في الناخب ويوجهه إلى زاوية معينة.

استطلاعات الرأي، بشكلها المجرّد، تعطي تصوّراً تقريبياً لمرشّح محدّد في الحالة الأميركية الراهنة، وتؤشر على مدى حجم الدعم والتأييد، بتوظيف جملة عوامل تستقي منها حيثيات تعينها على استنتاجاتها، كحجم أموال المتبرعين، للدلالة على مدى تأييد برنامج انتخابي معين.

وتشوب هذه الاستطلاعات عيوب كثيرة، بدءاً من تباين المنهجية المعتمدة وطبيعة العينة البشرية وتوزيعها الجغرافي وفوارق مداخيلها الاقتصادية ومعتقداتها الدينية والسياسية، والأهم ربما مدى صدقية إجابات تلك العينة، والتي تثار حولها راهناً تساؤلات حقيقية حول إجابات البعض بعكس قناعاته ومشاعره الحقيقية.

للدلالة على تمايز الاستنتاجات وتباين صدقيتها، نستدلّ بدراسة حديثة أجراها “معهد كاتو” المرموق بالقول إنّ “ثلثي (2/3) الناخبين يقرّون بمناخ سياسي مسموم وبعدم الإفصاح عن جواب صريح، ويدلون بإجابة مقبولة اجتماعياً عوضاً عن ذلك”. وشاطر المعهد أحد مسؤولي مؤسّسة “نورث ستار اوبينيون ريسيرتش” الجمهوري جون مكهنري رأيه، معبراً عن قلق من “نماذج جوابيّة ملتوية”، موضحاً أنها تدل على “ميل قوي لدى مؤيدي الرئيس ترامب إلى عدم المشاركة في الاستطلاع أو الإجابة عبر الهاتف”.

الأجواء المشحونة بالتحيّز والعنصرية ضد الآخر انعكست على معظم مراكز استطلاعات الرأي، بإجماعها على أن “المرشح الديموقراطي جوزيف بايدن يتفوّق على خصمه الرئيس ترامب بنسبة قوية ومتماسكة”.

في ولاية مشيغان، على سبيل المثال، جاءت نتيجة الاستطلاع مؤيِّدة لتفوق جوزيف بايدن بنحو 8.6% على خصمه الجمهوري، بينما أفاد استطلاع آخر أجرته مؤسسة “ترافيلغار” بتفوق الرئيس ترامب بنسبة 2%، 49% مقابل 47% لخصمه بايدن. ويتكرر المشهد في الولايات الحاسمة الأخرى بشكل خاص، ولا سيما في ولاية فلوريدا، إذ جاءت استنتاجات المؤسّسة الأولى بتفوق ترامب بنسبة ضئيلة هي 0.4%، مقابل نتائج “ترافيلغار” بتفوق الرئييس ترامب بنسبة 2.3%، أو 49% مقابل 47%.

بيانات عيّنات الناخبين تشكّل حجر الرحى في الاستطلاعات كافة ، والتي تتكوّن من مزيج من المعلومات العامة الرسمية والبيانات الخاصة لدى الشركات التجارية، لا سيما شركات بطاقات الإئتمان.

تتضمَّن البيانات الرسمية، بحسب تقرير يومية “واشنطن بوست”، معلومات تتعلّق بعنوان إقامة الناخب وبريده الالكتروني ورقم هاتفه أو هواتفه وانتسابه السياسيي، سواء كان ديموقراطياً أو جمهورياً، وبيانات جمعها ناشطو الحملات الانتخابية مباشرة، والاشتراك في الصحف والمجلات، وهي ظاهرها بريء وطبيعي، بيد أن تسخيرها لأغراض انتخابية يتم عبر جملة دوائر تحصل عليها بشكل “قانوني” كمرشح معيّن لمنصب محدّد يستخدمها في حملات دعائية للتأييد وجمع أموال التبرعات، ومن ثم يجري تصنيفها مجدداً لخدمة أهداف الحملات السياسية المتعددة، وتباع بشكل علني لمؤسسات تجارية تبني عليها وتغنيها بمعلومات إضافية، وهكذا دواليك. مثال على ذلك شركة “اكسبيريان (Experian)” الضخمة التي تتحكّم بتصنيف “المستهلكين بناء على قدرتهم الشرائية، ونسبة المخاطرة في قدرتهم على دفع الالتزامات المالية الشهرية”، وتضعها بتصرف المؤسَّسات المالية والتجارية والإلكترونية مقابل أجر مادي (27 تشرين الأول/اكتوبر 2020)

وبناءً على تلك الآليّة من البيانات، وتعزيزها ببيانات إضافية محدّدة تصل لنحو 1،500 عنصر، مثل “الحالة الشخصية، وحجم الديون الشخصية، ونوع السيارة او السيارات المسجلة، وعضوية الأندية، بما فيها الرياضية، والخلفية الدينية ومدى الميل للتمسك بها، وأهمية عنصر الخصوصية لدى الفرد أو مدى ثقته بشركات التقنية المتطورة وبيانات الهواتف الشخصية”، يجري عرضها بتصرف الحزبين وفي السوق لمن يدفع أكثر، وتتبادلها المؤسَّسات التجارية وتلك غير الربحية المتعددة، لتشكل “صناعة البيانات” والاتجار بها.

حملة المرشحة السابقة للرئاسة عن الحزب الديموقراطي إليزابيث ووران تُبلغ الناخبين في بياناتها بأنها “قد تتشارك البيانات الخاصة بالناخب .. مع مرشحين آخرين ومنظمات وحملات انتخابية ومجموعات ناشطة أو مع قضايا نعدّها حليفة وتتقاطع معنا في الآراء السياسية”.

اللجنة المركزية للحزب الجمهوري أبلغت طاقم الصحيفة أعلاه “بالافتخار لاحتفاظها بقاعدة بيانات عريضة تشمل أكثر من 3،000 بند لكلّ ناخب”، والأمر عينه ينطبق على الحزب الديموقراطي ،وربما بقدر أقل أو أكثر، وتوضع بمجموعها تحت تصرف المرشح وحملته الانتخابية، سواء لمنصب محلي أو فيدرالي.

خطورة التصرف غير المقيّد بتلك البيانات عرضتها القناة 4 البريطانية في شهر أيلول/سبتمبر الماضي، للدلالة على ما أسمته الفضيحة التي حامت حول شركة “كامبريدج اناليتيكا (Cambridge Analytica)” لتقصيها قواعد بيانات الناخبين من “فايسبوك” وتسخيرها لتعطيل قدرة الناخبين السود (الأفارقة الأميركيين) على الإدلاء بأصواتهم في العام 2016، خدمة لحملة المرشح الرئاسي دونالد ترامب.

عودة إلى الأرقام والنسب الشعبية المئوية للمرشحين، يتفوَّق جوزيف بايدن بنسبة 69% على منافسه الرئيس ترامب بنسبة 14% من أصوات السود الأميركيين. وبين ذوي الأصول اللاتينية، يتفوَّق بايدن بنسبة 65% مقابل 31% لترامب. وبين الأسيويين الأميركيين، يتفوَّق أيضاً بايدن بنسبة 62% مقابل 33%، وذلك بحسب استطلاع أجرته مجلة المال والأعمال “فوربس Forbes))”، 31 تشرين الأول/اكتوبر 2020.

وتشير  المجلة إلى تفوق الرئيس ترامب على خصمه بين الناخبين البيض الشباب بنسبة 49% مقابل 47%.

لمتابعة نتائج الإنتخابات الأولية خلال ليلة الفرز، ينبغي استقاء المعلومات الموثَّقة من جهاز كلّ ولاية على حدة، ممثّلة بالموقع الرسمي لما يطلق عليه “وزير خارجية” الولاية، ولا سيما في ظلِّ تضارب التكهّنات من قبل المؤ سَّسات المختلفة ومحطات التلفزة  ليلة الانتخابات.

يتميّز ذلك الجهاز المحلي بسيطرته على كافة البيانات الانتخابية، سواء المباشرة أو بالبطاقات المسبقة وعبر البريد، والتي يجري فحصها وتسجيلها تباعا، وفق القوانين المحلية لكل ولاية على حدة، ومن ثم تعلن النتائج الرسمية. وعند هذه النقطة الفاصلة، يستطيع المرء البناء على نتائج وبيانات موثّقة، والتي قد تجد طريق حسمها النهائي أما المحاكم العليا لكل ولاية ابتداء، ومن ثم المحكمة العليا الفيدرالية.

نسوق ذلك للدلالة على محورية ولاية فلوريدا في السباق الانتخابي الرئاسي, والتي عادة ما تشكل نتائجها هوية رئيس البلاد المقبل، نظراً إلى ثقلها الانتخابيّ الثالث بعد كاليفورنيا وتكساس، وامتلاكها 29 صوتاً في الهيئة الانتخابية.

التاريخ السياسي للكيان الأميركي يؤكد أهمية كسب ولاية فلوريدا في الحسم المبكر للانتخابات الرئاسية، والتي خسرها مرشحان عن الحزب الديموقراطي، واستطاعا الفوز بمنصب الرئاسة، وهما جون كنيدي في العام 1960 وبيل كلينتون في العام 1992.

فلوريدا تحتوي على نسبة عالية من الناخبين  المسنين والمتقاعدين، (26% من المجموع العام)، يمارسون دورهم ككتلة متراصة لا يستطيع أي مرشح تجاوزها. وقد فاز بها الرئيس ترامب في العام 2016 بتأييد 17% من تلك الشريحة، وهو يحظى بتأييد 59% مقابل 38% لخصمه من ناخبي الفئة العمرية 70 عاماً. وكذلك، تتضمّن شريحة قوية من الناخبين ذوي الأصول الكوبية المعادين للنظام الاشتراكي ، وهم يصوتون بغالبيتهم لصالح الحزب الجمهوري، (17% من المجموع العام).

المرشحّ الديموقراطي بايدن يعوّل أيضاً على الفوز بولاية فلوريدا وثقلها الانتخابي، لاعتقاده بأنها ستعزز حظوظه بشكل كبير، وتعفيه من عبء المراهنة على كسب ثلاث  ولايات مركزية متأرجحة: بنسلفانيا ومشيغان وويسكونسن. وفي حال فشله في كسب ولاية فلوريدا، وهو احتمال قوي، يتعيَّن عليه الفوز بالولايات الثلاثة المذكورة إضافة إلى ولاية منيسوتا. في المقابل، لا يوجد طريق فعلي لفوز ترامب اذا خسر ولاية فلوريدا .

نسب تأييد بايدن في ولاية ويسكونسن مقلقة، بحسب استطلاع “ترافيلغار”، الذي يشير إلى تقدم بايدن بنسبة 47.5% مقابل 47.1%. بعض الاستطلاعات الأخرى ترجّح تقدمه على ترامب بنسبة 6.4%.

 

ليلة الانتخابات

في ظل “الجو الانتخابي المسموم”، تشكّل شبه إجماع عام على محورية الانتخابات الرئاسية للعام الجاري، وكذلك عدم التيقّن من إعلان الفائز في الانتخابات مع إقفال صناديق الاقتراع في أقصى الولايات المتحدة، بسبب فارق التوقيت، بعد العاشرة ليلاً بتوقيت العاصمة واشنطن، وذلك لأول مرة.

الرئيس ترامب لا يترك مناسبة دون التصريح بأن الإنتخابات ستشهد تزويراً، وخصوصاً إذا لم يربح. وقد تعهّد المرشحان مسبقاً باللجوء إلى القضاء لحسم نتائج الانتخابات والطعن في بعض البيانات لأسباب تقنية بمعظمها، لكنَّ بعضها يؤشر على مهزلة حقيقية. مثلاً، أعلنت “مقاطعة بتلر” في ولاية بنسلفانيا فقدانها قوائم الانتخابات المبكرة لنحو 40،000 ناخب يوم 29 تشرين الأول/اكتوبر الجاري. ومن غير المستبعد تبادل الاتهامات لإقصاء وإتلاف بضعة آلاف أو أكثر من البطاقات الرسمية، قبل احتساب القوائم النهائية وإعلان نتائج الولايات بشكل رسمي، وهذا سيستغرق زمناً غير محدد المعالم.

التحذيرات من الاشتباكات في الشوارع خرجت عن نطاق التهديد اللفظي المجرد، وخصوصاً لمجموعات عنصرية من اليمين المتشدد مدجّجة بالأسلحة، ما استدعى من الأجهزة الأمنيّة الإعداد لخطط طوارئ، ومنها العاصمة، التي ستغلق شوارعها المحيطة بمنطقي الكونغرس والبيت الأبيض.

يومية “واشنطن بوست” أوردت “حجم القلق السائد بين الأجهزة الأمنية الفيدرالية من إمكانية اندلاع اشتباكات عنيفة، وخصوصاً اذا استمرت عملية فرز البطاقات الانتخابية لبضعة أيام دون أفق لحسم النتائج”، في ظل اقبال غير مسبوق على شراء الأسلحة الفردية بلغ 18 مليون قطعة لهذا العام، بحسب بيانات مكتب التحقيقات الفيدرالي.

أجهزة الشرطة المحلية في مدينة بورتلاند في ولاية اوريغون، في أقصى الغرب الأميركي، حذّرت من “نيّة مجموعات يمينية مسلّحة من التجمهر أمام صناديق الاقتراع يوم الثلاثاء بأسلحتهم أمام العامة”. انزلاق البلاد إلى مواجهات مسلّحة بؤرية، ولو بوتيرة مضبوطة، هي أشدّ ما تخشاه المؤسَّسة الرسمية بكلّ تشعّباتها، السياسيّة والعسكريةّ والاستخباراتيّة، وستبذل اقصى الجهود لمنعها من التطّور والانتشار.

في المقابل، تتأهب الاجهزة القضائية في الولايات، وعلى المستوى الفيدرالي، للبت بالطعون والطعون المضادة قبل حسم النتائج، على خلفية وعود قطعها المرشحان الجمهوري والديموقراطي بعدم التقيد بالنتائج الأولية. عند هذا المفصل، تبرز أهمية إصرار الرئيس ترامب وقادة حزبه الجمهوري على تعيين آيمي كوني باريت للمحكمة الفيدرالية العليا، كضمانة إضافية للتصويت لصالحه.

استناداً إلى تلك المعطيات، نستطيع القول إن إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية الرسمية سيستغرق بضعة أيام وربما أسابيع، وبعدم رضا أي من الفريقين.        اما الرئيس ترامب، وبحسب جملة من العوامل والظروف وجمهور مؤيّديه، فقد أبلغ موظّفي حملته الانتخابية مسبقاً بالتأهب للعمل المتواصل طيلة شهر تشرين الثاني/نوفمبر، وامكانية استمراره في عقد مهرجاناته الخطابية، والطلب من كبار معاونيه الإعداد للسفر المتواصل لحشد قاعدته الانتخابية، وذلك بحسب نشرة “بوليتيكو” (30 تشرين الأول/اكتوبر).

يبدو أنّ الرئيس ترامب غير مستعد لقبول الهزيمة. وربما تحصل مفاجأة  تشير إلى فوز وازن لأحدهما، مما يقلص من فترة الغموض والتوتر والانتظار التي ستعقب يوم الإنتخاب.

2020-21-10-التحليل

التحليل

حرب أهلية أميركية
السيناريو المحتمل والأدوات

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

أضحت التحذيرات من اندلاع اشتباكات مسلحة قد تتطور إلى ما هو أسوأ مادة شبه دائمة في الأروقة وبين النخب السياسية والفكرية الأميركية، كمحصلة صراع موازين القوى الراهنة بين طرفي الانتخابات الرئاسية، وامتدادهما في المؤسسة الحاكمة بكل تشعباتها، وفي ظل حالة استقطاب حادة تهزّ أركان النظام السياسي برمته.

تجاوزت خطورة المسألة “رفض الرئيس ترامب” الإقرار مسبقاً بنتائج ما تفرزه الانتخابات”، ورُصد أحد مسؤولي إدارته مغرداً على وسائل التواصل الاجتماعي متحدثاً بحرّية عن “شراء الذخيرة وتخزينها، استعداداً لأعمال عنف” تعقب الإعلان أو في فترة انتظارها وإبطاء الإعلان عنها (مساعد وزير الصحة، مايكل كابوتو، “نيويورك تايمز”، 14 ايلول/سبتمبر 2020).

الطرفان، الجمهوري والديموقراطي، منخرطان في تهيئة الاستعدادات للتوجه إلى المحكمة العليا، كل من وجهة نظره، رابحاً أو خاسراً، علماً أن قرارها شبه محسوم سلفاً لصالح الحزب الجمهوري، بحكم توازن القوى الراهن للقضاة.

ذهب بعض “المحللين والمراقبين” في العاصمة الأميركية إلى الترويج لمخاطر “حرب أهلية” من طراز القرن الحادي والعشرين، الذي يميّزه انتشار واسع ومنظم لمجموعات مدربة ومسلحة، بعضها بأسلحة ميدانية مدرعة، وهي تُكِنّ العداء للمؤسسة الحاكمة، وتتسلح بحقها الدستوري في اقتناء السلاح المرخص.

البيانات الرسمية العالمية تشير إلى كثافة مرعبة لحيازة الأميركيين أسلحة فردية بمعدل “120 قطعة سلاح لكل 100 فرد”، مما يترجم إلى استحواذ الأميركيين على 47% من مجموع الأسلحة الفردية في العالم بأكمله.

وقد تعاظم إقبال الأميركيين على اقتناء الأسلحة في العقدين الأخيرين، وخصوصاً منذ تسلم الرئيس ترامب مهام ولايته الرئاسية في العام 2016. جزء لا بأس به منها أسلحة عسكرية ميدانية وبعضها معزز بدقة تصويب بالليزر، ويقدر حجم الذخائر المخزنة للأسلحة الفردية والرشاشات الميدانية بمئات المليارات من الطلقات.

البعض يذهب إلى القول إن الأسلحة المتاحة لدى “الميليشيات الخاصة” اليمينية ربما تفوق بنوعيتها ما يتوفر لدى أجهزة الشرطة في عدد من الدول، ما يضاعف حجم التحديات أمام أجهزة الشرطة الأميركية في حال نشوب صدام مباشر بين الطرفين.

في الجانب المؤسّساتي، أعربت المؤسسة العسكرية الأميركية مراراً عن عدم نيتها الانخراط في مهام ميدانية داخلية، “بخلاف عقيدتها العسكرية من أجل الدفاع عن سيادة الوطن ضد الاطماع الخارجية”، بيد أن الميليشيات المسلحة المتعددة لا تخفي مراميها في الاستعداد لاشتبكات مسلحة، مطمئنة إلى قسط وفير من ازدواجية ولاء عناصر أجهزة الشرطة في مناطق متعددة، أقلها في توفير معلومات استخباراتية استباقية لأي تحركات معادية لها.

بعض النخب السياسية المؤثرة في القرار الأميركي تقول صراحة إنها “تستبعد استكمال عملية انتخابية سلسة، وخصوصاً بعد حدوث صدامات مسلحة مع أجهزة الشرطة منذ شهر ايار/مايو” الماضي، تعرضت فيها مبانٍ حكومية رسمية لاعتداءات غير مسبوقة، “ومن الصعب تصوّر نهاية لتلك الاضرابات واختفائها عن المشهد فجأة يوم الانتخابات”، وفق وصف “مؤسسة راند”، في 7 تشرين الأول/اكتوبر 2020.

أجمعت الأطراف المتنافسة على عدم قدرة أي طرف “التحكم” بتصرف أنصاره يوم الانتخابات، مرجّحة اندلاع “احتجاجات غاضبة” عفوية، وخصوصاً عند شعور أي منهما بحرمانه من حق التصويت، وهي مسألة تتجدد في كل دورة انتخابية، لأسباب عدة أبرزها تباين استيفاء الشروط الانتخابية بين كل الولايات، وحتى في بعض المقاطعات داخل الولاية الواحدة، إذ لا يزال بعضها متمسكاً بإثبات هوية الناخب مرفقة بصورة شمسية رسمية، كرخصة قيادة السيارة التي لا تتوفر للكثيرين، إما بسبب الفقر وإما عوامل أخرى.

“التهديد بوجود مواد متفجرة ومفرقعات” في مراكز الانتخاب للحيلولة دون استكمال عملية التصويت ليست مسألة مستبعدة، بل تتضاعف احتمالاته طردا مع حالة الانقسام والتجاذب الراهنة في المجتمع بأكمله، مع إدراك الأجهزة الأمنية جدية المسألة، نظراً إلى توفر تلك المواد في السوق التجارية. كما أن المشاعر العدائية والتصرف من وحيها لا تحتاج إلى إدارة مركزية.

والجدير بالذكر هو توفر حملة دعائية استباقية لدى وسائل الإعلام المختلفة، بعدم “التطرق إلى توصيف أعمال العنف بالإرهاب”، استناداً إلى توجيهات مشدّدة من مكتب التحقيقات الفيدرالي (أف بي آي)، قائلاً أنه يتعامل مع “التهديدات الداخلية كظاهرة ملازمة لأفراد لديهم نزعة عدوانية، وليس كمنظمات”، بيد أن الواقع يناقض تلك التوجيهات، ولا سيما حين يتعلق الأمر بتوصيف المكتب لكل من له صلة بالمجموعات الليبرالية واليسارية وبعض المنظمات المستنسخة من حقبة عقدي الستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم.

الجهاز الأمني الأبرز، أف بي آي، لديه سجلّ حافل برصد كل التحركات الفردية والجماهيرية وتصنيف المعلومات الخاصة بها، أفرادًا وجماعات. وقد سجّل نحو “50 إلى 60 حالة تفجير إرهابي سنوياً” في الولايات المتحدة في عقد السبعينيات، وهو يشتهر بعزوفه عن الإقرار بالدوافع السياسية للتحركات الشعبية، وحصرها في قوالب “اضطرابات مخلّة بالأمن العام” تستدعي تقديم مرتكبيها للقضاء.

وما التوجيهات الأخيرة التي رشحت لدى بعض المؤسسات الإعلامية سوى دليل على إصرار المؤسسة الأمنية على تجاهل الأبعاد والمطالب السياسية العامة التي اشتدت وتشعبت منذ بدء ولاية الرئيس ترامب بشكل خاص، باتساع رقعة المهمشين، وارتفاع معدلات البطالة، وانسداد آفاق الاحتفاظ ببيوت ومنازل أوشقق مؤجرة.

المنظمات اليمينية والعنصرية، بحسب تقييم جهاز “الأف بي آي”، استفادت من التجارب والمواجهات السابقة للتيارات الليبرالية واليسارية، واعتمدت على أسلوب بروز “مجموعات مناهضة مبهمة القيادة” كي تعقّد سبل ملاحقتها واستهدافها.

وأضاف الجهاز أن تبني اليمين المتطرف “لتلك الاستراتيجية أسهم في حماية قياداته من الانكشاف والتعقب، وكذلك كحاجز إضافي أمام محاولات الاختراق”، ما جعلها تتقن آليات تحركها ونشاطاتها ضمن حدود القوانين السارية، أبرزها حقها في التجمهر والتدرب على حمل السلاح.

في معرض مقارنة الجهاز المذكور لطبيعة المصالح المستهدفة من قبل المجموعات المسلحة المتباينة في توجهاتها، أكّد أن “المتطرفين اليساريين يميلون إلى مهاجمة رموز الاستغلال الرأسمالي واضطهاد مؤسّساته، بينما يميل اليمين المتشدد إلى استهداف الأقليات العرقية والإثنية، والمهاجرين ذوي البشرة الداكنة، واليهود والمسلمين، وكل من يعتبرونه أنه يساند مصالح الأقليات”.

تتعدد هوية القوى والمجموعات المحتمل انخراطها في صدامات مسلحة، بين بعضها البعض ومع قوى الأمن الرسمية، وانزلاق الأوضاع إلى ساحات مواجهة مستمرة تقارب الحروب الأهلية.

قوى الأمن الرسمية، باستثناء القوات المسلحة النظامية، تشمل أجهزة الشرطة المختلفة وعناصر مسلحة من “الأف بي آي”، وقوات الحرس الوطني التي تخضع لسلطة حكام الولايات بالدرجة الأولى، لكن باستطاعة الرئيس، كرأس السلطة التنفيذية والقائد الأعلى للقوات، استدعاؤها إلى أي ساحة أو مدينة يراها ضرورية.

القوات المسلحة بكافة أفرعها، البرية والبحرية والجوية، ستلجأ إلى حماية منشآتها وقواعدها المنتشرة في عموم الأراضي الأميركية، وخصوصاً قواعد الأسلحة النووية، وتأمين الحماية التامة لمراكز السلطة السياسية في العاصمة واشنطن ومحيطها والدفاع عنها، لكن من دون الانخراط الفعلي في مواجهة “الاحتجاجات والاضطرابات سريعة الاشتعال”.

برز في الآونة الأخيرة خلال اشتداد تنافس الحملة الانتخابية دخول عناصر “فيدرالية مسلحة” تأتمر من البيت الأبيض مباشرة، ثبت لاحقاً أنها مجموعات مدججة بالأسلحة من جهاز حرس الحدود الضخم، دخلت مدينتي بورتلاند وسياتل في أقصى الغرب الأميركي، من دون موافقة مسبقة من سلطات المدينتين أو حكام الولايتين، واشتهرت باستخدام القوة المفرطة واحتجاز المحتجين دون تقديمهم إلى المحاكمة. ويرجّح أن تؤدي دوراً محورياً في قمع المحتجين المناهضين للرئيس ترامب، سواء فاز في الانتخابات أو خسرها.

ازدواجية السلطة صاحبة القرار في نشر قوات الحرس الوطني، من مشاة وقوات محمولة، تخضع لحكام الولايات بالدرجة الأولى، لكن الرئيس ترامب لديه متسع من الصلاحية لتوظيفها بحسب ما يراه مناسباً، ما يؤشر على تصادم السلطتين، وخصوصاً في ولاية كاليفورنيا المناوئة بأغلبيتها للرئيس ترامب، وربما يلجأ حاكم الولاية الديموقراطي إلى إصدار أوامره لها بإعاقة تقدم قوات مسلحة رسمية، سواء من قوات سلاح البر أو حرس الحدود، مع إمكانية تدحرج المسألة إلى مواجهة محدودة بينهما.

ما يتبقى من قوات أمنية رسمية، وهي شرطة الولايات، قد يعهد لها بالتصدي لميليشيات اليمين المتطرف، على الرغم من ميل ميزان التسلح لصالح تلك الميليشيات، وخصوصاً في نوعية الأسلحة المتوفرة للطرفين: الشرطة بمجموعها مسلحة بأسلحة فردية ورشاشة، مقابل أسلحة ميدانية تتوفر لدى عدد كبير من الميليشيات.

لفت بعض المحللين الأنظار إلى فئة أمنية نادراً ما تستخدم في الصراعات مع الأجهزة الأمنية، وهي قوات الشرطة، لحماية مراكز السكان الأصليين، الهنود الحمر، والتي من المرجح أن تستغل الأوضاع لإقصاء الأجهزة الرسمية عن مناطقها، وربما إعلان بعضها الاستقلال الذاتي عن الكيان السياسي الأميركية. بيد أن طبيعة تسليحها ومستويات تدريبها المتدنية لا تشير بشدة إلى مسألة الانفصال.

في الطرف المقابل، تقف الميليشيات اليمينية المسلحة المتعددة والتي تزيد أعدادها على 370 مجموعة، وفق بيانات مكتب التحقيقات الفيدرالي للعام 2018، ويتميز عناصرها بالتأهل لتدريبات عسكرية تكتيكية ازدادت وتيرتها في الآونة الأخيرة، وهي تنتشر في معظم الولايات الأميركية.

وقد برزت إحداها إلى العلن قبل بضعة أيام عقب إعلان عناصر “الأف بي آي” اعتقال عناصر من “حراس الذئب” في ولاية مشيغان بعد وشاية من عنصرين داخلها (استطاعت الأجهزة تجنيدهما) بأقرانهما، اتهموا بالتخطيط لخطف حاكمة الولاية غريتشين   ويتمر.

ويعد أخطرها، حسب تصنيفات الأجهزة الأمنية، قلة من الميليشيات المسلحة ذات انتشار واسع لأعضائها، معظمهم عمل أو لا يزال على رأس عمله في أجهزة الأمن الرسمية، وهم يتمتعون بالتدريب العسكري وحيازتهم للأسلحة الرسمية. وقد تصدرتها مجموعة “حراس القسم”، التي أنشئت خلال ولاية الرئيس السابق باراك اوباما، ودشنت حضورها بالصدام المسلح مع قوى “الأف بي آي” في العام 2014 خلال أزمة ذاك الجهاز مع المزارع المعتدي على الأراضي الفيدرالية كلايفن بندي.

يوازيها في الانتشار الواسع لأعضائها ميليشيا تدعى “3%” تضم عناصر أميركية وكندية تكنّ عداءً مزمناً للكيان السياسي الأميركي. وقد أطلقت على نفسها تلك الصفة لادعائها بأن “3%” من المستعمرين البيض الأوائل حملوا السلاح ضد البريطانيين، وارتدى عناصرها زياً حربياً خلال ظهورهم في مسيرة للعنصريين البيض في مدينة شارلوتسفيل بولاية فرجينيا في العام 2017.

ثمة مجموعة أخرى مسلحة هي ميليشيا مشاة البحرية الاستعماري، ويقتصر حضورها على ولايات الغرب الأوسط “مشيغان وانديانا واوهايو وبنسلفانيا”. وقد نشرت عناصرها مدججة بالأسلحة قبل بضعة أيام، تحسباً لاستهداف “الأف بي آي” لعناصرها بعد اعتقالها عناصر مجموعة “حراس الذئب” المشار إليها أعلاه.

تزعم المجموعة أعلاه امتلاكها “سلاح جو، وقدرات جوية متحركة، ووحدات مؤللة، ونظاماً لوجستياً متطوراً”، وباستطاعتها نشر عناصرها على وجه السرعة في أي ساحة تريد.

تشير بيانات “الأف بي آي” ايضاً إلى مجموعة محترفة حديثة النشأة تتوزع في ولايات “سلسلة جبال الروكي”، تدعى “قوة الدفاع الأميركية الموحدة”، تزعم أن بعض عناصرها أتى من صفوف “القوات الخاصة الأميركية”، وشارك في الهجوم الذي تعرضت له القنصلية الأميركية في مدينة بنغازي في العام 2012.

بموازاة الميليشيات اليمينية والعنصرية، أدت المواجهات الأخيرة مع أجهزة الشرطة المحلية منذ اغتيالها للمواطن الأسود جورج فلويد، إلى بروز مجموعة مسلحة من السود، NFAC، نشرت نحو 500 عنصر مسلح في مسيرة موازية لخصمها المتطرف في مدينة أتلانتا في ولاية جورجيا مطلع العام الجاري، بيد أن المجموعة تتميز بولائها للسلطة والكيان السياسي الأميركي، بخلاف ميليشيات اليمين، رغم أن بعض أعضائها يحملون نزعات استقلالية لتشكيل ولايات خاصة بالسود (من أصول أفريقية).

تجمع الأجهزة الرسمية على أن مكامن الخطر للأمن والسلم الاجتماعي هي في المجموعات المسلحة التي لم تعلن عن هويتها بعد، والتي يتم رفدها بعناصر مدربة أنهت خدمتها العسكرية الرسمية. وقد تنخرط بشدة في المواجهات المسلحة المقبلة، والقاسم المشترك بينها هو عدم خشيتها من نشوب حرب أهلية جديدة.

تفشي جائحة كورونا وتنامي أعداد الوفيات والمصابين في أميركا من دون يقين بالتوصل إلى لقاح مضاد سيعزز من مخاطر الصدامات المسلحة، يواكبها انتشار خيبة أمل عامة من فعالية القادة السياسيين للبلاد، بصرف النظر عن هوية الفائز في الانتخابات المقبلة، وفتور الحماس العام “لنشر النموذج الديموقراطي” الأميركي أو الاعتزاز به.

تضاريس اللوحة السياسية الأميركية لا تبشر خيراً في الأيام المرئية المقبلة، ويعوّل كل طرف على قواه الذاتية ومناصريه للسيطرة على دفة القيادة السياسية للبلاد، واستعداده للصدام المسلح في سبيل بلوغ أهدافه.

2020-12-10-التحليل

التحليل

مناظرة بدون مفاجآت تكرّس
مخاوف الأميركيين من إضطراب كبير قادم

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

حاول أطراف  المؤسًسة الحاكمة، عبر مناظرة مرشّحي نائبي الرئيس، إعادة الثقة بمتانة النظام السياسي الأميركي وقدرته على تجاوز التحديات، إثر الإهتزازات والخلل  الفضائحي، بعد سيل الشتائم في المناظرة السابقة بين الرئيس ترامب ومنافسه جو بايدن، لكن الشارع الانتخابي لم يولِ اهتماماً كبيراً للمشهد بعد انقضاء ساعات معدودة، وعاد إلى همومه اليومية التي يتصدّرها تزايد الإصابات بفايروس كورونا وتعقيدات الأوضاع الاقتصادية، في ظل تجاذب الحزبين الاتهامات بتسجيل نقاط انتخابية ضد بعضهما من دون حلول ملموسة.

النخب السياسية والفكرية الأميركية، عماد المؤسسة الحاكمة، عادت إلى متابعة مساعيها لبسط هيمنتها على الساحات العالمية، تارة ضد روسيا وأخرى ضد الصين، بتعزيز الحضور العسكري الأميركي المكثّف “لاستفزاز الصين” قرب مياهها الإقليمية، وقد حذّر وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر من الانزلاق إلى “حرب عالمية محتملة”، مطالباً واشنطن وبكين بـ “وضع حد للمواجهة، درءاً لعدم تكرار الحرب العالمية الأولى اليوم” (وكالة “بلومبيرغ”، 7 تشرين الأول/اكتوبر 2020).

في المقابل، انتقد وزير الخارجية مايك بومبيو سلفه كيسنجر لانتهاجه سياسة الانفتاح مع الصين في القرن المنصرم، ووصف قادة الصين بـ “الطغاة”، في ترجمة لحقيقة توجهات المؤسسة الحاكمة بالتعويض عن تراجع نفوذها على المستوى العالمي، واستعراض عضلات القوة الخشنة، وترهيب الدول الإقليمية، بعد استنفاذ غرض “الحرب الباردة” بينهما بإغلاق القنصليات والتضييق المتبادل على البعثات الديبلوماسية.

استرسل كيسنجر في تحذير صناع القرار في بلاده من المغامرة العسكرية مع الصين، وكأنّه يوجه كلامه مباشرة إلى خلفه بومبيو ووزير الدفاع مارك اسبر والرئيس ترامب معاً، قائلا: “يتعين على الولايات المتحدة تبنّي طريقة جديدة من التفكير، عمادها فهم أفضل لعالم شديد التعقيد، لاستفراد دولة بسياسة ترمي إلى تحقيق تفوق أحادي في كلا البعدين الاستراتيجي والاقتصادي، (والارتكاز إلى مقولة) أنه لا يوجد طرف باستطاعته تهديدنا”.

الحزب الديموقراطي، ونيابة عن مرشحه للرئاسة جو بايدن، دأب على إرسال رسائل مطمئنة على الصعيد العالمي، للبناء على سياسة الانفتاح التي دشنها الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون ووزير خارجيته كيسنجر.

أبرز تلك الرسائل دعوة وزيرة الخارجية السابقة، هيلاري كلينتون، إلى إعادة هيكلة ميزانية البنتاغون وتوظيف الفارق في “الاستثمارات الداخلية” مؤكدة أن الكلفة الباهظة للأسلحة الأميركية “لمواجهة عسكرية مع الصين” لم تعد ضرورية في العصر الحالي، وذلك في مساهمتها بعنوان “إعادة حسابات الأمن القومي: كيف يتعين على واشنطن التفكير في استخدام القوة” (مجلة “فورين أفيرز” الفصلية، عدد سبتمبر/اكتوبر 2020).

وأردفت كلينتون في مخاطبة صناع القرار في بلادها محذّرة من “أنّ تقدم الصين يعني فقدان التفوق الجوي والبحري للولايات المتحدة، والذي لم يعد مضموناً في المنطقة”. ووجهت نصيحة إلى قادة البنتاغون بتحويل مصنع “ليما لسلاح القوات البرية” المنتج لدبابة آبرامز، في مدينة ليما في ولاية اوهايو، إلى منشأة لتنظيف المركبات الكهربائية وصيانتها، “بدلاً من تصنيع آبرامز”. هذا لا يعني تخلي الحزب الديموقراطي عن  منطق “الإستثنائية الأميركية”، ولكن قيادة العالم بالشراكة مع الحلفاء في الناتو.

بالعودة إلى المناظرة “المهذبة” بين نائب الرئيس مايك بينس والمرشحة إلى المنصب كمالا هاريس، سعى الفريقان إلى إطلاق الاتهامات، وتحميل الآخر مسؤولية تدهور الأوضاع الاقتصادية والرعاية الصحية ومجالات أخرى، وادعاء الفوز لمرشحيهما، ولكن وهج المناظرات سرعان ما خفت وتبخّر بريقه الدعائي وطواه النسيان.

بموازاة ذلك، خرجت استطلاعات الرأي التي أجرتها مؤسسات متخصصة ذات توجهات سياسية محددة، لتبشر بارتفاع نسب شعبية فريق المرشح الديموقراطي جو بايدن، وخصوصاً في ولاية فلوريدا التي تقطنها نسبة عالية من أثرياء الجالية اليهودية القادمين من ولاية نيويورك، بيد أن الاستناد إلى “استنتاجات” استطلاعات الرأي حصراً يعطي صورة قاصرة ومُخلّة لتوجهات الناخبين، أبرز أسبابها أنها مقيّدة زمنياً بتطورات سرعان ما تتغير ويعمل كل فريق لاستثمارها، فضلاً عن “طبيعة وخلفية التساؤلات المطروحة” على عينة محددة من الناخبين، وعوامل تداخل مناطق إقامتهم ومداخيلهم السنوية التي تؤثر مباشرة على استشراف مرشحهم المفضل.

جمهور المشاهدين للمناظرة الأخيرة، والتي سبقتها وما سيلحقها، أصيب بخيبة أمل لعدم تقيّد المرشحيْن بالتساؤلات المطروحة، على الرغم من توخي الحذر باختيارها، فضلاً عن حرص المحاور/ة على عدم متابعة التساؤلات للحصول على أجوبة محددة، بيد أن حقيقة الأمر أن قيود المناظرة رسمت سقف توقعاتها لدى المشاركين والمشرفين عليها مسبقاً.

للدلالة على ذلك، نشير إلى أحد عناصر النظام التربوي الأميركي في مرحلتي الدراسة الثانوية والجامعية، بتسليح المشارك في أي مناظرة بنصيحة “ثمينة”، عمادها “الإجابة على السؤال كما يخدم مصلحتك، وليس للتقيد بطبيعة السؤال أو الانصياع إلى أأحكامه”. وعليه، خابت آمال الكثيرين، لتغاضي المشاركين عن الإجابة المباشرة.

وحرصت وسائل الإعلام بمجملها على التركيز على مسائل هامشية، مثل مكوث ذبابة على رأس نائب الرئيس بينس لأكثر من دقيقتين، لتضحي عنواناً تخصّص له مساحة إعلامية أدت إلى إهمال القضايا الملحّة التي يتوق المشاهد إلى طرحها وسماع تباين وجهات النظر حولها. ربما يجزم البعض أن أسلوب “التضليل المتعمد” يصب في عصب الرسالة الإعلامية الأميركية، بتركيزها على المظاهر الثانوية والهامشية  وتفاديها المسائل الجوهرية.

“المزايدات” السياسية بين الحزبين في أوجها بالتزامن مع موعد الانتخابات الرئاسية، ومنها تبادل نشر ما يعتبره كل فريق “فضيحة سياسية” ضد منافسه، لشدّ أنظار الناخبين إلى “عيوب” الآخر، بيد أن الجزء الأعظم منها يندرج في سياق الصراع داخل أركان المؤسسة الحاكمة، والذي يستثمر فيه كل فريق ما بجعبته لتعزيز موقعه داخل المؤسسة، وعبرها لدى الناخب العادي بدرجة أقل.

الحزب الديموقراطي استند إلى نشر مجموعة من الكتب لشخصيات سياسية ابتعدت عن البيت الأبيض، ولإعلاميين أيضاً، والكشف عن “فضيحة” تدني حجم الضرائب التي دفعها الرئيس ترامب عن ممتلكاته لسنوات متعددة بمعدل 750 دولاراً.

الرئيس ترامب وزعماء الحزب الجمهوري ثابروا على استهداف كبار شخصيات إدارة سلفه الرئيس أوباما، أبرزهم مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي (أف بي آي) الأسبق جيمس كومي، والمدير الأسبق لوكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) جون برينان، ووزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون تحت عنوان مشترك “بتوريط حملة الرئيس ترامب الانتخابية بالعلاقة مع روسيا” في العام 2016، والتهديد بكشف مضامين المراسلات الداخلية بين كبار المسؤولين المذكورين بهذا الشأن.

وما دفعنا إلى التطرق إلى تلك المسألة هو المراهنة الخاطئة لوسائل الإعلام، المحلية والدولية، وتعويلها على الاطلاع على تفاصيل بالغة السرية لآليات الحكومات الأميركية المتعاقبة. بيد أن أقطاب المؤسسة الحاكمة، ولا سيما ما يطلق عليه “الدولة العميقة”، وأبرزها المؤسسة الاستخباراتية بكل أجنحتها، لن تعطي ضوءاً أصفر لتكرار تجربة “وثائق ويكيليكس” الدامغة لأساليب البطش والترهيب والقتل الجماعي أينما حلت القوات العسكرية الأميركية، في عصر ما بعد التدخل المباشر للاستخبارات المركزية إبّان عصر الحرب الباردة في مناطق متعددة من العالم.

أما كشف “مكتب التحقيقات الفيدرالي” عن “مخطط خطف حاكمة ولاية مشيغان”، غريتشين ويتمر، المعروفة بمناهضتها الشديدة لسياسات الرئيس ترامب، واعتقال عدد من المتهمين من العنصريين البيض بذلك، فإنه يأتي في السياق أعلاه لظهور الأجهزة الأمنية بموقع الحامي للنظام السياسي والسلم الاجتماعي، وتجسيداً لقدرة تلك الأجهزة على اختراق المنظمات العنصرية والأخرى اليسارية على السواء، وأنها تخضع للمراقبة الدائمة. سارع الحزب الديمقراطي إلى توظيف تلك الحادثة انتخابياً، بتوجيه اللوم إلى ترامب على خلفيّة تشجيعه الجماعات اليمينية المتطرفة وعدم ادانته لها.

المحصلة العامة لتلك المسألة وما سيتبعها من تفاصيل، ربما يومية، تكمن في الحرص على استقرار النظام السياسي بمعزل عن توجهات ورغبات المرشّحين إلى المناصب السياسية العليا، ولها اليد الطولى في الحفاظ على عدم انزلاق تلك المجموعات العنصرية إلى ارتكاب أعمال عنف، وربما الانخراط في إشعال أوار حرب أهلية هدّد بها الرئيس ترامب سابقاً.

استمرار الرئيس ترامب بالتحذير من تزوير الإنتخابات في حال عدم فوزه، يشكل العنصر الأبرز في قلق الأميركيين من دخول أميركا في مرحلة ربما تكون الأخطر في تاريخها.