2020-21-02-التحليل

التحليل

مناورات الناتو: مؤشر على تغيّر
موقف ترامب من جدوى الحلف

           لم ينقطع قلق النخب السياسية الأميركية لـ “مستقبل حلف الناتو،” خصوصاً بعد نهاية الحرب الباردة. قلة تطالب بحله وآخرون ذاهبون باتجاه تطويره وتوسيع رقعة تمدده خارج نطاقات مسرحه الأساسي في ألمانيا. وانضم الرئيس الأميركي دونالد ترامب، منذ تسلمه مهامه الرئاسية، للفريق الأول بوصف الحلف بأنه “عفا عليه الزمن،” ليبتز أعضاءه لاحقاً.         تميز المناخ السائد بين تلك النخب وافرازاتها الفكرية والسياسية وحتى العسكرية بالنزعة العدوانية وإظهار “تفوق القوة الأميركية” لردع كل من تسول له نفسه من تحديها عبر العالم؛ نزعة طبعت التخطيط الاستراتيجي الأميركي عقب الحرب العالمية الثانية بشكل ملموس.

وذلك على الرغم من “تواضع الانجازات العسكرية ..  فمنذ الحرب الكورية، لم تنتصر الولايات المتحدة في أي حرب ضد أي عدو، وهذا يكشف عن خلل في التطبيق الفعلي للقوة العسكرية الأمريكية في العالم،” وفق وصف المؤرخ العسكري أندريه مارتيانوف في كتابه فقدان التفوق العسكري، 2018.

رسى قرار المؤسسة الأميركية الحاكمة، بعد تردد البيت الأبيض، على الاستمرار بتوسيع نطاق عمل الحلف ورفده بأعضاء جدد أغلبهم في الدول الاشتراكية السابقة، بولندا مثالاً، وانضمام “دولة الجبل الأسود،” التي يبلغ عديد قواتها المسلحة 2،000 عنصر لا غير؛ ومناشدتهم اوروبيو الحلف لتبوأ مهام عسكرية خارج اوروبا.

حافظ الرئيس الأميركي ترامب على تنويع ابتزازه للدول الأوروبية المركزية، ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، لزيادة انفاقاتها العسكرية مقابل “الحماية الأميركية،” واستجابت لطلبه بعد تردد مما حفز البيت الأبيض على تجديد التزامه بحلف الناتو.

تحدث الرئيس الأميركي هاتفياً مع رئيس حلف الناتو، جينس شتولتنبيرغ، 8 كانون الثاني/يناير، “مطالباً بتوسيع نشاط الحلف إلى الشرق الأوسط؛ ورفد الجهود لمكافحة الإرهاب الدولي.”

في السياق عينه، عقد حلف الناتو “مؤتمر ميونيخ للأمن – 2020” منتصف الشهر الجاري، أثار جدلاً عميقاً بين الأوروبيين بعد خطاب وزير الخارجية الأميركية، مايك بومبيو، بإصراره أن “الغرب ينتصر،” كمحفز دعائي لموازاة توجهات الحلف مع الاستراتيجية الأميركية لمحاصرة الصين وروسيا وإيران.

الأوروبيون من جانبهم استهجنوا فرط تفاؤل بومبيو في تطورات الصراع العالمي، وبرز مصطلح توجه العالم “للإقلاع عن الغرب – Westless،” في أروقة المؤتمر، في محاولة لتحذير الضيف الأميركي فوق العادة.

من جملة ما أبلغ بومبيو الحلفاء أن بلاده “تقاتل إلى جانبكم لبسط السيادة والحرية” في العالم، مما استدعى رفض عدد من القادة الاوروبيين واعتراضهم على زعم واشنطن بصون “سيادة” الدول، وهم المعنيين بالدرجة الأولى للتخلي مكرهين عن سيادتهم.

وأضاف بومبيو في خطابه أن “الغرب الحر على أعتاب مستقبل أكثر سطوعاً مقارنة مع البدائل المناهضة لليبرالية. نحن ننتصر – وننجز ذلك سوياً.”

رصدت وسائل الإعلام تكرار بومبيو لمصطلح “ننتصر” ثماني مرات في خطابه القصير، نعته أحد الاوروبيين بأن بومبيو “كان أقرب إلى زوج يمارس العنف العاطفي ضد شريكته المعتدى عليها،” موضحاً أن اوروبا هي بمثابة الزوجة المعتدى عليها. (نشرة ديفينس وان، 21 شباط).

الاستراتيجية المتجددة لحلف الناتو أوضحها رئيس الحلف، شتولتنبيرغ، 15 كانون الثاني/يناير الماضي، بأن “الولايات المتحدة والناتو تعززان وجودهما العسكري في اوروبا” لمواجهة روسيا والصين. واستطرد مطمئناً أقرانه بأن أميركا تحتفظ بقوات عسكرية في دول أوروبا الحليفة “أكثر من أي وقت مضى منذ انهيار الاتحاد السوفياتي” عام 1991.

الحلف في المفهوم الرسمي الأميركي لم يعد يتلطى بمزاعم وجوده لأسباب “دفاعية،” كما درجت العادة خلال الحرب الباردة؛ بل ارتدى عباءة عسكرية عدوانية تحركها واشنطن لتقويض ومحاصرة روسيا، كما شهدنا بمشاركة بريطانيا وفرنسا في قصف أهداف داخل سوريا.

وأعلن الحلف عن البدء بمناورات عسكرية ضخمة غير مسبوقة، في آذار المقبل، تحت مسمى “المُدافع عن اوروبا – 2020” هي الأكبر والأشمل منذ 25 عاماً؛ ستشارك فيها الولايات المتحدة بقوات إضافية تستقدمها من قواعدها داخل أراضيها، قوامها 20،000 عنصر، تضاف للقوات الأميركية الموزعة في اوروبا ليصل الإجمالي الأميركي إلى نحو 37،000 عسكري، بينما مجموع القوى المشاركة سيبلغ نحو 40،000 عنصر أو أكثر.

القيادة العسكرية الأميركية لأوروبا أوضحت على موقعها الالكتروني الأهداف المضمرة للمناورات الضخمة بأنها “.. ستدعم الأهداف التي حددها حلف الناتو للارتقاء بالجهوزية داخل التحالف ولردع الخصوم المحتملين؛” أي الإعداد لحرب محتملة مع روسيا.

أوضح القادة العسكريون الأميركيون أنه من المرجح أن تصبح مناورت “المُدافع” طقساً سنوياً يعقد مرتين كل عام؛ يتم تدويرها بين أوروبا وفي المحيط الهاديء.

سارع رئيس الحلف شتولتنبيرغ لتبديد مخاوف روسيا بالزعم ان المناورات “..ليست موجهة ضد دولة محددة،” 3 شباط الجاري.

في اليوم التالي، 4 شباط، رد وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، بقوة موضحاً أن “المخاطر والتهديدات التي تواجهها البشرية بلغت ذروتها مستويات لم نشهدها من قبل خلال مرحلة ما بعد الحرب” العالمية.

وشدد لافروف على أن “روسيا سترد على المناورة العسكرية الأميركية في (اوروبا) .. لكنها ستعمد لتفادي أي مخاطر غير ضرورية.”

وزير الخارجية الصيني كان أشد حدة من نظيره الروسي إذ “أدان الغرب لعقليته الباطنية التي تنشد التفوق الحضاري.”

الرد الصيني القاسي كان موجهاً لوزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، لزعمه بأن “مفهوم الغرب لا يحدده مكاناً أو قطعة أرض معينة؛ بل أي دولة (أمة) تتبنى نموذج احترام الحريات الفردية والسوق الحر والسيادة الوطنية. إنها جزء من هذا الفهم للغرب.” مستطرداً أن مفهوم “السيادة يعزز عظمتنا (تفوقنا) الجماعية.”

التقرير الختامي لمؤتمر ميونخ للأمن جاء متسقاً مع توجهات واشنطن العدوانية عبر إشارته الصريحة إلى حق دول الحلف التدخل بالقول “.. في عصر ما بعد الحرب الباردة، تمتعت التحالفات التي يقودها الغرب بحرية التدخل في أي مكان تقريبا؛ وفي معظم الأحيان لقيت تأييداً من مجلس الأمن الدولي.”

ستجري مناورات حلف الناتو التي ستمتد لنحو شهرين بمحاذاة الحدود الروسية وروسيا البيضاء/بيلاروسيا، التي أعرب وزير دفاعها في مينسك، أندريه راكوف، عن قلق بلاده العميق نظراً “لتزايد الحضور العسكري للناتو في دول مجاورة وتضخمه 13 مرة خلال ست سنوات، ارتفع فيها عدد القوات من 550 عنصر إلى 7،000 عسكري، وتضاعفت المعدات العسكرية المختلفة خمس مرات ..”

ولفت وزير الدفاع إلى زيادة الانفاق العسكري لدول الحلف “المجاورة” لبلاده عما كانت عليه سابقاً، منها “بولندا بنسبة 30%، ليتوانيا مرتين ونصف، ولاتفيا ثلاثة أضعاف.”

في المثلث الاستراتيجي بين بولندا وليتوانيا تقع مقاطعة كالينينغراد الروسية، التي كانت جزءاً من أراضي الاتحاد السوفياتي السابق، يعتبرها حلف الناتو “بؤرة روسيا في اوروبا،” نظراً لعدم وجود حدود مباشرة لها مع روسيا الأم.

استضافت المقاطعة 4 مباريات لكأس العالم عام 2018، ويتخذ اسطول بحر البلطيق الروسي من كالينينغراد مقراً لقاعدته الحربية.

ارتبطت كالينينغراد تاريخيا بروسيا منذ عام 1758، ووافق الحلفاء على تبعيتها لروسيا مع نهاية الحرب العالمية الثانية.

تعرضت المقاطعة لاختراق أجوائها والتجسس على القاعدة البحرية الروسية من قبل مقاتلات وطائرات تتبع حلف الناتو “800 مرة خلال عام 2019،” نظراً لأهميتها القصوى واعتبار الناتو لها “تهديداً أمنياً” لأعضائه.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أعرب مراراً عن توجهه لبناء قوة عسكرية أوروبية، بديلة عن حلف الناتو الذي “مات دماغيا،” كانون الأول/ديسمبر الماضي. بيد أن الوقائع العملية تشير إلى ارتهان الموقف الفرنسي وتبعيته التامة لأميركا، أبرزها شن سلاح الجو الفرنسي غارات داخل سوريا دعماً للحليف الأكبر، وستشارك بلاده بفعالية، إلى جانب ألمانيا، في مناورات الحلف المذكورة.

تركيا من جانبها استثنيت من المشاركة في مناورات الحلف الذي تعمّد إشراك جارتها جورجيا في مناورات تجريها قوات المظليين على أراضيها. السبب، على الأرجح، تعبير واشنطن وألمانيا عن ضيق ذرعهما بابتزازات الرئيس التركي اردوغان وإبلاغه بأن الحلف قادر على اجراء مناوراته في المنطقة دون الحاجة لدعم تركيا.

أهداف واشنطن بمحاصرة روسيا وربما افتعال حرب معها لا تتسق بالضرورة مع مخاوف الأوربيين، لا سيما ألمانيا وفرنسا، والخشية الفعلية من انتهاج سياسة عدائية تجاه موسكو. بيد أن القرار النهائي يبقى رهينة لواشنطن وابتزازها الدائم لحلفائها المخلصين.

تجدر الإشارة إلى الطوق العسكري الأميركي المحكم ضد روسيا والصين قوامه 400 قاعدة عسكرية “منتشرة من شمالي استراليا مروراً بمياه المحيط الهاديء وانتهاء بأسيا الوسطى وشرقها؛” ودول أوروبا الشرقية السابقة، فضلاً عن القواعد الأميركية في تركيا.

روسيا أيضا كشفت نوايا الحلف بقيادة واشنطن لاستهداف الصين عبر تصريح للناطق بلسان وزارة خارجيتها، ماريا زاخاروفا، 16 شباط الجاري، محملة الحلف مسؤولية “تصنيف الصين كخطر يهدد البشرية جمعاء .. وتضمنت خطابات مؤتمر ميونخ نزعة لإحياء الطابع الاستعماري/الكولونيالي للغرب ..”

في هذا السياق، ينبغي العودة لجذور السياسة الخارجية الأميركية التي تبلورت مع نهاية الحرب العالمية، بنشر واشنطن “مبدأ ترومان،” عام 1948 الذي ينص على الارتكاز للقوة العسكرية الصرفة في تحقيق الأهداف الأميركية.

وأوضح مُعِد المبدأ ومدير التخطيط السياسي في وزارة الخارجية، جورج كينان، توجه بلاده “إذ ينبغي الإقلاع عن الحديث برفع مستوى المعيشة والدفاع عن الحقوق الإنسانية وتجذير الديموقراطية. الزمن الذي سنضطر فيه لتطبيق القوة العسكرية الصرف ليس بعيدا،” مناشداً صناع القرار بعدم “التقيد بشعارات مثالية.”

بعبارة أخرى، تسعى واشنطن لمنع تعدد القطبية الدولية، نتيجة التطورات الدولية والإقليمية في القرن الحالي؛ ويعتقد ترامب المهووس بعظمة اميركا أنّه سيتمكن من تكريس “القطب الواحد المهيمن على العالم” عبر القوة العسكرية المجردة.

2020-14-02-التحليل

التحليل

محنة الحزب الديموقراطي
قيادة تقليدية وقاعدة تقدمية تنشد التغيير

         دشن الحزب الديموقراطي بدء موسم الانتخابات الرئاسية بالاضطراب والبلبلة في واحدة من أصغر الولايات لناحية الكثافة السكانية، أيوا، تلاها اتهامات متعددة لقيادات الحزب المركزية لتدخلها في آلية ونتائج الانتخابات لترجيح كفة مرشحها الأفضل، بيت بوتيجيج على حساب المرشح، بيرني ساندرز، المناهض بشدة لهيلاري كلينتون.

         المؤرخون للانتخابات الأميركية يرجحون دخول الجولة الأولى من الانتخابات لعام 2020 في سجلات التاريخ تحت عنوان “كارثة أيوا الكبرى،” حيث لم تعلن النتائج الرسمية إلا بعد مضي بضعة أيام، مما ترك الباب واسعاً أمام التكهنات بالتلاعب بنتائجها والتي لها ما يبررها وفق المعطيات المتوفرة.

         سنسلط الضوء على الحلقة المركزية المغيبة في الصراع بين قيادات الحزب الديموقراطي وقواعده الغاضبة من سلسلة قرارات خاطئة وأحياناً كارثية، لا سيما في مسائل الحرب ودعم الأولى لموازنات عسكرية غير مسبوقة على حساب تقويض “دولة الرعاية الاجتماعية،” التي ميزت هوية الحزب منذ عقد الستينيات من القرن المنصرم، والموافقة على تمويل جدار ترامب العازل على الحدود المشتركة مع المكسيك.

         الحزب الديموقراطي يتراجع تسانده وسائل الإعلام التقليدية المؤيده له عن مواقفه التاريخية اجتماعياً واقتصادياً، ويتشبث بتوازن القوى الحاكمة بين الحزبين، كأولوية، حتى لو كلفه ذلك خسارة الانتخابات الرئاسية. قد تبدو تلك المسألة صادمة وقاسية، وهي كذلك، لكن هناك ما يبررها في سياق تاريخ الحزب.

         أضحى من ثوابت التاريخ الماضي القريب أن قيادات الحزب وقفت مراراً سداً منيعاً أمام مرشح ديموقراطي قوي يناهض الحرب والإنفاقات العسكرية وكذلك المغامرات الخارجية؛ أبرزها مرشح الحزب عام 1968 يوجين مكارثي الذي عارض استمرار حرب فيتنام بشدة وأسقطه الحزب في مؤتمره العام لصالح “المؤسساتي” ونائب الرئيس الأسبق هيوبرت همفري – وخسر الحزب الانتخابات لصالح الجمهوري ريتشارد نيكسون.

         في الجولة التالية لعام 1972، وفي أوج الاحتجاجات والمظاهرات الطلابية الشاملة ضد استمرار الحرب في فيتنام، تقدم السيناتور جورج ماكغفرن كمرشح للحزب بدعم شعبي كبير، أيضا وفق برنامج مناهض للحرب والخروج من فييتنام. خسر المرشح الانتخابات بنسبة عالية لخصمه نيكسون معبراً عن مرارة خداعه بالقول “فَتحتُ الأبواب على مصراعيها للحزب الديموقراطي، (وكوفئت) بمغادرة 20 مليون شخص،” في إشارة إلى التحاق وتسجيل أعداد كبيرة من الناخبين للحزب الديموقراطي وتأييدها برنامجه الانتخابي.

         في الجولة الراهنة، ضخت وسائل الإعلام كماً هائلاً من التحشيد السياسي لصالح مرشح مرغوب أُطلق عليه التصويت “لأي مرشح باستثناء بيرني” ساندرز؛ وجاءت النتائج المعلنة بالتساوق مع توجهات قيادات الحزب بأن فاز مرشحها بيت بوتيجيج في ولاية محافظة رغم مناهضة جماعيه هناك لميوله الجنسية، فضلاً عن ضحالة خبرته السياسية.

         توالت النتائج تباعاً لتضع بوتيجيج في المرتبة الأولى، وهو الآتي من فريق كبريات الشركات، ماكينزي للاستشارات؛ بينما أرجئت نتائج دوائر الكثافة السكانية الميالة لساندرز لوقت لاحق، لا سيما في محافظة العاصمة دي موين. وتضاربت النتائج لاحقاً مما حفز يومية نيويورك تايمز توصيف العملية الانتخابية التي أشرف عليها الحزب الديموقراطي بانها “مصابة بالتناقض والأخطاء .. ومزقتها الثغرات.”

         “التناقض والاخطاء” في إدارة العملية الانتخابية دفعت رئيس الحزب، توم بيريز، المختار شخصيا من الرئيس أوباما، إلى مطالبة لجان الولاية الحزبية “بإعادة الحسابات على الفور؛” ما لبث أن ناقض نفسه بعد نحو 10 ساعات قائلاَ أن ما يريده هو “إعادة تقييم جراحية للدوائر (الانتخابية) التي شهدت ثغرات.”

         ستقترن سمعة ولاية أيوا ليس بالاضطراب والبلبة فحسب، بل بشركتي “آكرونيم و شادو Acronym & Shadow،” اللتان انتجتا وسوقتا البرنامج الالكتروني لنقل نتائج تصويت الدوائر الانتخابية عبر برنامج يطبق على الهاتف. والنتيجة “تعطل” شامل أصاب شبكتي الهاتف المحمول وبرنامج التطبيق معاً.

         تجدر الإشارة إلى أن تارا ماكغووان Tara McGowan، إحدى مؤسسي شركة “آكرونيم،” هي زوجة مايكل هالي، المستشار السياسي للمرشح بوتيجيج. ويضم مجلس إدارة الشركة المدير السابق لحملة الرئيس أوباما الانتخابية، ديفيد بلوف David Plouffe. أما شركة شادو فلديها عقد عمل مع حملتي بوتيجيج وبايدن الانتخابيتين منذ عام 2019.

         من ضمن ما أشّرت عليه تجربة ولاية أيوا ليس انكشاف آليات التزوير المتطورة والمعقدة فحسب، بل تقادم لوائح النظام الانتخابي التي بلورتها قيادات الحزب في عقد الثمانينيات من القرن الماضي، نتيجة هزيمتها المدوية بخسارتها الانتخابات أمام الجمهوريين رونالد ريغان وجورج بوش الأب لعقد ونيف.

         بلور “المجلس الديموقراطي القيادي” خطة عمل جديدة هي أقرب للتماثل مع برامج الحزب الجمهوري المنافس، وابتعاداً تدريجيا وحاسماً عن قيم الحزب الليبرالية وحماية العمال والأقليات.

طبقت بنود الخطة بمجرد نجاح الرئيس الأسبق بيل كلينتون، تجلت أبرز ملامحها في “.. قصم ظهر النقابات العمالية،” عبر اتفاقية “نافتا” للتجارة الحرة في أميركا الشمالية، التي صادقت عليها أميركا وكندا والمكسيك عام 1993، ودخلت حيز التنفيذ عام 1994.

كذلك طبق الحزب الديموقراطي سياسة “السجن الجماعي Mass Incarceration” وضغط باتجاه تشدد القضاء في قرارات الحجز والاعتقال، تيمناً ببرنامج الخصم الجمهوري تحت عنوان مخادع لمكافحة تصاعد موجات العنف في المدن الأميركية الكبرى. كما صادق الكونغرس عام 1994 على” قانون الإجرام،” أتبعه الرئيس كلينتون بالموافقة على تأسيس شركة عامة إعلامية ضخمة، كلير تشانيل، عبر قانون الاتصالات اللاسلكية لعام 1996، أولى نتائجها ترجيح كفة الخصخصة وخسارة عمال وموظفين لمصادر رزقهم.

يشار إلى أن الشركة المذكورة، ومقرها في سان أنطونيو بولاية تكساس، قدمت طلباً للحماية من الإفلاس وفق المادة 11 من قانون التصفية، في آذار 2018، بعد مراكمتها لجبل من الديون فاق 20 مليار دولار.

لعل الأبرز في خطة الحزب الديموقراطي الجديدة مصادقة البيت الأبيض في عهد الرئيس كلينتون على تعديل قانون إصلاح الرعاية الاجتماعية لعام 1996، عام انتخابات رئاسية أيضاً؛ مما قوّض شبكة الحماية والرعاية لذوي الدخل المحدود – وهو مطلب ثابت لدى الخصم الجمهوري.

استكمل الرئيس باراك أوباما هجوم حزبه على القيم الليبرالية للحزب الديموقراطي بانتشاله كبريات الشركات المصرفية والمضاربات المالية في وول ستريت من الإفلاس، 2008، تحت شعار مخادع “أنها شركات ضخمة لن يسمح بإفلاسها.”

جدير بالتذكير أن ولايتي الرئيسان الديموقراطيان، بيل كلينتون وباراك أوباما، شهدتا تصعيداً لعدوان وغزو عسكري أميركي متعدد الأوجه والساحات: العراق وحصاره الشهير ومن ثم تدميره، السودان، الصومال، ليبيا، سوريا واليمن؛ والانقلابات في تونس ومصر.

كما تميزت ولايتيهما بتعزيز “دولة الأمن القومي،” بزيادة الاستثمار في قوات الشرطة الداخلية وتسليحها تسليحاً حربيا، وإطلاق الرئيس أوباما العنان للتجسس الداخلي على الأميركيين، ضمن سياق محاباة الأجهزة الأمنية وتحكمها في مفاصل الحياة اليومية. وعلى الرغم من ذلك، لم يتوانى الرئيس أوباما ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون عن التشدق بالديموقراطية الأميركية، وتغيير الأنظمة غير الموالية لسياسات واشنطن.


ماذا بعد أيوا

نصت اللوائح الداخلية للحزب الديموقراطي على اعتماد 3،979 مندوباً كمجموع عام موزعون على كافة الولايات وفق حسابات الكثافة السكانية والتمثيل؛ ويحتاج المرشح تأييد 1،991 مندوباً، على أقل تعديل، للفوز بترشيح الحزب له.

يتضمن المجموع العام عدداً محدداً من المندوبين غير المنتخبين، وهم عبارة عن شخصيات نافذة ومسؤولين حاليين وسابقين، يجري التعامل معهم وفق توجهات الحزب المركزية لدعم مرشح بعينه.

تعتبر ولاية كاليفورنيا الجائزة الأكبر في عدد المندوبين، 494، بضمنهم 416 مندوباً منتخباً، والباقي تحدده لجنة الحزب المركزية في الولاية. وعليه، تتجه أنظار كافة المرشحين للتركيز عليها لأهميتها المحورية في رسم مسار النتائج المقبلة.

البيانات الأولية في كاليفورنيا تشير إلى تربع المرشح بيرني ساندرز في المرتبة الأولى، بتأييد نحو 29% من المجموع العام.

في سياق الانتخابات التمهيدية للحزب الديموقراطي دخل مصطلح الانتخاب الجماعي في يوم واحد، الثلاثاء سوبر، تم تحديده يوم 3 آذار المقبل، تعقد فيه 14 ولاية انتخاباتها لاختيار مندوبيها للمؤتمر العام، 1344 مندوب، بما يشكل نحو ثلث المجموع العام.

سردية الحزب الديموقراطي الراهنة صنفت المرشحين بين تيار “يسار متطرف أو اشتراكي” والتيار الوسطي العام. الأول يمثله بيرني ساندرز واليزابيث ووران، والثاني ممثل بالمرشحين بيت بوتيجيج، جو بايدن وآيمي كلوبوشار. يراهن الحزب على بيت بوتيجيج، كمرشح أول، والملياردير مايك بلومبيرغ، كمرشح احتياط.

ما يعزز تلك الفرضية تعديل اللجنة المركزي للحزب لوائحها الداخلية الصارمة حول استيفاء المرشح لشروط المشاركة في دورات النقاش العام بين المرشحين، وصياغتها الجديدة لتفتح مجال المشاركة أمام بلومبيرغ الذي باستطاعته إنفاق “4 – 5 مليار دولار” من ماله الخاص؛ وأنفق ما ينوف عن 300 مليون دولار للحظة على إعلانات متلفزة.

يشير التاريخ السياسي لانتخابات الحزب الديموقراطي إلى إمكانية عدم حصول مرشح معين على الحد الأدنى من مجموع المندوبين خلال انعقاد المؤتمر العام، مما يبرز تحدياً للمضي بجولات انتخابية متتالية لحين استيفاء شروط اللائحة الداخلية.

سبق للحزب أن خبر تجربة الجولات الانتخابية عام 1952، التي اسفرت عن فوز المرشح أدلاي ستيفنسن بعد ثلاث جولات.

يرجح المراقبون أن تتكرر تجربة عام 1952 في الجولة المقبلة، خاصة عقب بلبلة الجولة في ولاية أيوا؛ ولا يزال 11 مرشحاً للمنصب أحدثهم الملياردير مايك بلومبيرغ.

رئيس لجنة الحزب الديموقراطي السابق في ولاية نيو هامبشير، كريس سبيرو، أعرب عن خشيته من “اضطرابات” جديدة في المؤتمر العام “لا سيما وإن دخول (مايكل) بلومبيرغ الحلبة يعزز فرصة مؤتمر عام منقسم،” مما يضطره لعقد دورة انتخابية إضافية، وربما أكثر.

حينئذ، حسبما أوضح سبيرو، قد يتدخل الرئيس السابق أوباما، بصفته مندوباً فوق العادة، بالسعي للتوصل إلى إجماع مركزي حول مرشح بعينه.

2020-07-02-التحليل

التحليل

واشنطن: سلاح نووي جديد

يعزز إمكانية لجوئها للخيار النووي

خبر مقتضب صدر عن البنتاغون يؤكد تجديد واشنطن توجهها لسباق تسلح نووي، بتزويد غواصاتها سلاحاً نووياً “جديدا” اعتبرته حيوي لمواجهة  “التهديد الذي تشكله الترسانة الروسية؛” بينما العالم بأكمله يزداد اضطراباً وقلقاً.

أعلنت وزارة الدفاع الأميركية، 4 شباط الجاري، عن نشرها “سلاحا نوويا منخفض القوة” ينطلق من الغواصات، قوته نحو 5000 طن، يعادل تفجيره ثلث نطاق دمار القنبلة النووية التي أسقطتها واشنطن على مدينة هيروشيما في آب 1945.

وكيل وزارة الدفاع، جون رود، أوضح أن “البحرية الامريكية نشرت رأساً صاروخياً من طراز W76-2، السلاح النووي الجديد، نموذجاً معدلاً من الرأس الحربي W76-1 الموجود سابقاً،” يستخدم لتسليح غواصة تطلق صواريخ Trident II : D-5، وبالتالي فإن السلاح الجديد لا يضيف إلى إجمالي عدد الأسلحة النووية في الولايات المتحدة؛ وذلك بحسب تقرير لشبكة سي ان ان (5 شباط الجاري).

من أبرز خصائص “السلاح الجديد” قدرته العالية على “اختراق أهداف في عمق الأراضي التي لا تستطيع الطائرات (القاذفة) الحالية القيام بها باستخدام أسلحة نووية ذات مردود منخفض،” وفقاً للأستاذ في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، فيبين نارانغ Vipin Narang .

الترسانة الأميركية النووية المماثلة تتضمن صواريخ برؤوس حربية نووية أشد فتكاً ودماراً: نموذج W76-1 تبلغ قدرته التدميرية 90،000 طن؛ والنموذج W88 بقوة تدميرية تعادل 455،000 طن، لاستخدامه في استهداف التحصينات الأرضية.

كما تتضمن الترسانة “عدد كبير من الرؤوس النووية أحد مزاياها أنها منخفضة الطاقة – نحو 1000 رأس؛ تشمل صواريخ باليستية نووية تطلق من القاذفات الاستراتيجية ب-52، وقذائف ب-61 النووية الحرارية (دون جهاز توجيه) ومقاتلات تكتيكية.” (دراسة لاتحاد العلماء الأميركيين، 29 حزيران 2017).

إعلان وزير الدفاع يأتي ثمرة وثيقة أصدرتها البنتاغون، تقرير استعراض الموقف النووي لعام 2018، دعا فيها إلى “توسيع خيارات الولايات المتحدة النووية المرنة الآن، لتشمل خيارات منخفضة العائد، وهو أمر مهم للحفاظ على ردع موثوق به ضد العدوان الإقليمي. إنه سيساعد على ضمان ألا يدرك الخصوم المحتملون أي ميزة ممكنة في تصعيد نووي محدود”.

توسيع القدرات النووية المنخفضة القوة، كما في توصيات التقرير، تلاها سلسلة تصريحات تفيد بأن واشنطن ستجري تعديلا على عدد محدود من الرؤوس الحربية الموضوعة على متن صواريخ باليستية تنطلق من الغواصات بذخائر منخفضة القوة كجزء من برنامج مدته 5 سنوات بقيمة 50 مليون دولار، تحمل كل غواصة عدد قليل من هذه الصواريخ الجديدة، ومسلحة بشكل أساسي بصواريخ استراتيجية بعيدة المدى.

فريق إشعال الحروب في المؤسسة الأميركية يبرر وجهة نظره بأن تحميل تلك الذخيرة النووية، W76-2، على متن طائرات مقاتلة قد يعرضها للاعتراض قبل اختراقها نظم الدفاعات الجوية الروسية المتطورة؛ بيد إن نشرها على متن غواصات مزودة بصواريخ باليستية من طراز “ترايدنت Trident” في أعماق البحار يشكل ضمانة أعلى لوصول السلاح لأهدافه.

إن نشر رؤوس حربية نووية منخفضة القوة يشكل مدخلاً رئيساً في مفهوم ما يسمى بالحرب النووية الصغيرة، وفق علماء الطاقة والأسلحة النووية، والتي بموجبها يمكن للولايات المتحدة استخدام الأسلحة النووية ضد أي دولة في النزاعات المحلية.

أصدرت الهيئة الوطنية للأمن النووي، التابعة لوزارة الطاقة الأميركية، تقريرها للكونغرس بعنوان إدارة مخزون الترسانة وخطة الإدارة، تموز/يوليو 2019، شددت فيه على مزايا “الذخيرة النووية منخفضة الطاقة W76-2” بأنه سيكون “بالمستطاع تصميم رد يردع والتحكم به وفق التهديدات الناشئة .. وتوفير قدرات مضمونة (للولايات المتحدة) للرد بالمثل على أي نوع من هجوم بالأسلحة النووية منخفضة الطاقة.”

https://www.energy.gov/sites/prod/files/2019/07/f65/FY20SSMP.pdf

تجدر الإشارة إلى العقيدة العسكرية التي بلورتها واشنطن واستمرت التشبث بها قوامها “التصعيد لخفض منسوب التصعيد،” كجزء من استراتيجيتها الكونية ووحدانية القطبية، ورفضت بشدة مناشدة القوى الدولية التعهد “بعدم اللجوء لاستخدام الأسلحة النووية” كخيار أول. بينما أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عدم استخدام بلاده الأسلحة النووية في سياق حروب استباقية (محطة أوروبا الحرة الإذاعية، 19 تشرين الثاني/نوفمبر 2018).

بالمقابل، يدرك الطاقم الاستراتيجي الأميركي امتلاك كل من روسيا والصين مفاتيح علم الفيزياء الخاص بأسلحة نووية منخفضة الطاقة، وربما ذهبتا بعيداً في انتاجها. وعليه، وفق المنطق أعلاه، ينبغي بلورة رد أميركي رادع في حال استخدمت روسيا ذاك السلاح في سياق نزاع عالمي على ضوء عدم توفر سلاح مماثل في ترسانة واشنطن.

حينئذ، رسى الأمر على خيار نشر أسلحة نووية منخفضة الطاقة تطلق من على متن غواصات في أعماق البحار لخاصيتها في التخفي واستهداف مناطق استراتيجية لدى الخصم والتغلب على منظوماته المتطورة للدفاع الجوي.

خبراء الأسلحة النووية، في الجانب الأميركي، لا يستبعدون تسخير واشنطن تلك الترسانة في مواجهة أقل كلفة مع إيران وكوريا الشمالية “لا ينجم عنها اضراراً جانبية،” مقارنة بالخيار النووي التقليدي.

ويرجحون أيضاً امتلاك “إسرائيل” أسلحة نووية رديفة لما توفره من إغراء ناجم عن قدرة تفجيرية محدودة نسبياً وانتشار اشعاعات نووية أقل نطاقاً.

احتمالات الخطأ

أجهزة الرصد والاستشعار للأسلحة النووية، عند القوتين العظميين، تخفق في التمييز بين مقذوف نووي “منخفض الطاقة” أو رأس نووي تقليدي أشد تدميراً. مناوئو الخيار النووي في الولايات المتحدة يستندون إلى الحقيقة التقنية أعلاه للدلالة على ارتفاع منسوب اشتباك الدولتين نتيجة سوء تقدير يحتم على الخصم الروسي إطلاق هجوم معاكس كبير يؤدي إلى كارثة بشرية غير مسبوقة.

ضابط الأسلحة النووية في سلاح الجو الأميركي السابق، بروس بلير، وبحكم عمله ومعارضته لاستخدام الأسلحة النووية حذر من “حملة التضليل الذاتي مفادها استسهال استخدام الأسلحة النووية منخفضة الطاقة في نزاع مقبل (مشدداً على أن) أي استخدام لذاك السلاح المنصوب في عباب البحار سيعزز اشعال نار الصراعات وتصعيد وتيرتها الى حرب نووية شاملة.”

وناشد بلير صناع القرار بالإحجام عن الرد بالمثل النووي، ان تعرضت القوات الأميركية لعدوان، واللجوء عوضاً عن ذلك إلى تسخير ترسانة الأسلحة التقليدية الهائلة وقدراتها التدميرية الفائقة.

تدرك الولايات المتحدة أن إدامة هيمنتها ونفوذها على العالم لا يتأتى إلا بالقوة العسكرية الصرفة والتهديد بها؛ والعالم بأجمعه أضحى متيقناً أنه ليس بوسعها معالجة التحديات العالمية بالوسائل السياسية ودوماً تلوح باستخدام أسلحة دمار شامل. السلاح النووي هو ما جربته سابقاً وقد تلجأ إليه في مرحلة وظروف معينة، ضد أهداف استراتيجية محمية بشدة في باطن الأرض؛ لذا طوعت العلم لتطوير ذخيرة نووية منخفضة الطاقة بوسعها تدمير التحصينات، أدنى مرتبة من شن حرب نووية شاملة – نظرياً. لكنها تخشى الرد، ليس من روسيا فحسب بل الصين وكوريا الشمالية وربما إيران.

2020-24-01-التحليل

التحليل

عين الأسد نموذجا: انكشاف التضليل

والتستر على الخسائر الأميركية  

“البنتاغون والبيت الأبيض يزيفان واقع الحرب (الأفغانية) لعقدين من الزمن،” هو ما جاء في عنوان صادم لصحيفة واشنطن بوست، 9 كانون الأول/ ديسمبر 2019، على خلفية تقرير مطول لها استند إلى “مخزون هائل من الوثائق العسكرية السرية” حصلت عليها الصحيفة ضمن ما أطلقت عليه “أوراق أفغانية،” تيمناً بوثائق فيتنام السرية التي سربها تباعاً موظف البنتاغون دانييل ألسبيرغ، حزيران 1967، لصحيفة نيويورك تايمز.

          وكشف التقرير الصحفي عن تواطؤ القيادات العسكرية العليا بالضغط على “القادة الميدانيين لكتابة تقارير تركز على نجاح (الغزو) وتقليل عدد القتلى الأميركيين وزيادة أعداد قتلى طالبان.”
منذ القصف الصاروخي الذي تعرضت له القوات الأميركية في قاعدة عين الأسد، 8 يناير الجاري، لحين إعداد التقرير بين أيديكم، 24 يناير، قفز عدد “الجنود المصابين” تدريجياً “9، 11، 18 إلى 34” يتلقون العلاج في مستشفيات عسكرية متخصصة عقب تعرضهم لما وصف بإصابات الدماغ الرضيّة. تبجّح ترامب بعد انتظار بأن القصف الصاروخي الإيراني لقاعدة عين الأسد  أسفر عن أضرار مادية طفيفة  و بأن قواته “لم تتعرض لخسائر بشرية،” وبعد اضطرار البنتاغون للاعتراف بإصابات، أصرّ ترامب بأن تلك الإصابات هي “أوجاع بالرأس .. ليست جدية بالمرة.”

         وسارع وزير الدفاع، مارك اسبر، للجزم بعد القصف الصاروخي بأنه “لم يسفر عن أي خسائر بشرية، أو خسائر في صفوف القوات الصديقة، سواء كانوا جزءاَ من التحالف الدولي أو المتعاقدين وما شابه.”

         نكران الرئيس ترامب يتماشى مع السياق التاريخي للاعتداءات الأميركية على الدول الوطنية عبر العالم، يعبر عن تقليد مركزي متبع للمؤسسة العسكرية وامتداداتها الإعلامية لاعتبارات حساسية الرأي العام الأميركي، بالدرجة الأولى، لضمان تأييده للحروب ورفدها المتواصل بالعنصر البشري المطلوب. وفي البعد الاستراتيجي، تمارس المؤسسة التضليل لإبقاء الصناعات العسكرية ومشتقاتها تستفيد من استمرار الحروب التي تدر عليها أرباحاً مالية.

         خلال الحرب والعدوان الأميركي على فيتنام، ومن ثم أفغانستان والعراق، دأبت المؤسسة الإعلامية الضخمة التمسك بالسردية الرسمية والإكثار من “الانتصارات الميدانية،” لضمان الدعم الشعبي وأفراد القوات المسلحة على السواء. الخسائر الرسمية في فيتنام، مثلاً، اقتصرت على “بضعة آلاف،” ما لبث أن تكشفت الأرقام الحقيقية التي بلغت 30،000 قتيل أسهمت حينئذ الإطاحة بالرئيس جونسون عام 1968؛ وارتفع عدد القتلى إلى نحو 60،000 جندي قبل أن تضع الحرب أوزارها.

         الجنرال الفيتنامي الأسطوري، فو نوين جياب، أوضح أن بلاده خسرت ما لا يقل عن 500،000 جندي، بين الأعوام 1964 -1969، على طريق تحرير البلاد، والتي تخللها “هجوم تيت” الشهير بخسارة صافية للقوات الأميركية ارتكبت على أثرها مذبحة في “قرية ماي لاي،” التي راح ضحيتها 504 من سكانها المدنيين.

         بالعودة “لتصنيف” الرئيس ترامب المخالف للقواعد العلمية، اعتمدت المؤسسة العسكرية أسلوب النكران ووسم المشتكي من أعراض الإصابات الدماغية بأوصاف مهينة يضطر لكتم معاناته أمام زملائه والتي سرعان ما تتفشى وتتفاقم، دفعت لارتفاع معدلات الانتحار إلى نحو 20 مجنداً يومياً، وفق احصائيات وزارة المحاربين القدماء لعام 2018.

         أوضحت دراسة أُجريت على أفراد القوات المسلحة، 2017، أن المؤسسة العسكرية لم تتخذ خطوة واحدة باتجاه اجراء فحص روتيني للكشف عن طبيعة الإصابات الدماغية، وتركت حرية التصرف بيد “القيادات الميدانية لتحديد موعد عودة الجندي للخدمة الفعلية، عوضاً عن تقييم الطواقم الطبية المختصة.” وعليه، لم تدون العديد من الإصابات بين صفوف المجندين في الحال.

         كُشف مؤخراً عن حجم المصابين بالصداع أو الارتجاج الدماغي بأزيد من 400،000 مصاب منذ بدء “الحرب على الإرهاب،” 2001. وأوضحت النشرة العسكرية المختصة ميليتاري تايمز، 22 يناير الجاري، أن الأرقام الحقيقية “على الأرجح أعلى من ذلك بكثير.”

         يشار على أن البيانات والإحصائيات الرسمية لا تشمل قتلى المتعاقدين مع القوات العسكرية، بعضهم طمعاً في الحصول على الجنسية الأميركية، إضافة لموظفي الشركات المحلية والمقاولين الذين يوفرون خدمات خاصة كتوريد الطعام وطهيه وأمور لوجستية أو خدماتية أخرى.

         وأوردت النشرة ملخص رسالة الكترونية لزوجة أحد المصابين، بلير هيوز، قولها “أن من جملة الإصابات التي تعرض لها زوجي (جندي مشاة في العراق) فإن متلازمة رضْخ الدماغ (الارتجاج) لها أكبر الأثر في تغيير نمط حياتنا اليومية .. القيادة العسكرية أخطأت في تشخيص حالته منذ 12 عاماً ودأبت على إعادة إرساله للميدان المرة تلو الأخرى؛” ظهرت أعراضها بتغيير سلوكي ملحوظ وفقدان الذاكرة وصعوبات التأقلم مع متطلبات الحياة اليومية.

         المؤسسة البحثية الأميركية المرموقة، مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها، اعتمدت تعريفاً نموذجياً لارتجاجات الدماغ بأنها “تعطيل لوظائف الدماغ العادية التي قد تسببها عثرة أو ضربة أو هزة للرأس، أو إصابة تخترق الرأس.”

         الأهمية المعلقة على التصنيف العلمي لتلك الإصابات أنها ستفرض نفسها على آليات التعاطي ومعالجة المؤسسة العسكرية ومشتقاتها، وزارة المحاربين القدامى، بوتيرة أكثر جدية وإن ليس بشرط تسريع سبل المعالجة.

         الارتفاع التدريجي للإصابات بين القوات العسكرية الأميركية لم تحفز البنتاغون لتقديم سردية مغايرة لروايتها الأولى حول إصابات عين الأسد، وبررت تصريحاتها الأولى بأنها “كانت نتيجة تقييم القيادات الميدانية آنذاك. عوارض الارتجاج ظهرت بعد عدة أيام من الحادث وتم معالجة المصابين بدافع الحذر الشديد.”

         الإعلان الأميركي شبه الفوري بعدم وقوع إصابات بشرية بين صفوف قواته وفر للرئيس ترامب مساحة ضيقة للمناورة السياسية وتهدئة نزعات الثأر والعدوان المتأصلة في البنى السياسية والعسكرية، والتي كادت أن تقود لاندلاع حرب مع إيران، ومنحته أيضاً “ذخيرة سياسية” لتهميش تهديد إيران الصاروخي للمصالح الأميركية.

         المؤسسة العسكرية الأميركية ومصالحها المتشعبة الضخمة ثابرت على الضخ بمعلومات هادفة لتضخيم “الخطر الإيراني،” لا سيما في العراق. أحد إصدارات البنتاغون، 4 نيسان 2019، زعم أن إيران تسببت في مقتل “603 جنود أميركيين على الأقل .. ما يعادل قتيل من بين ستة قتلى خلال العمليات العسكرية في العراق؛ أي 17% من مجموع القتلى الأميركيين بين أعوام 2003-2011.”

         “نحن لا نغزو بلداناً فقيرة لكي تغتني،” كانت جزءاً من تصريح للمبعوث الرئاسي الأميركي لأفغانستان، جيمس دوبينز، 11 يناير 2016، مخاطباً المفتش الحكومي العام لأفغانستان.

         ومضى الديبلوماسي المخضرم موضحا “المهمة الأميركية” في العالم “بأننا لا نغزو دولاً استبدادية لبسط الديموقراطية عليها. بل نغزو دولاً تتسم بالعنف لتعزيز التعايش السلمي ..”

         المحرك الأساسي للدعم الشعبي لاستراتيجيات الغزو الأميركية المتتابعة كان ينصب على تحديد “مصدر تهديد مباشر لأمن” البلاد؛ والذي أسهم في التحاق وانخراط أعداد كبيرة من الشباب المقاتل في صفوف القوات المسلحة، إثر أحداث تفجيرات 2001.

         وعددت يومية نيويورك تايمز، 2002، مزايا الخلفيات الثقافية والاجتماعية للمنتسبين بتوفر “مستوى تعليم ابتدائي عالي الجودة” أثرى المهام القتالية المعقدة.

         بعد توافد جثث الجنود الأميركيين من العراق، لا سيما عام 2005، اعترفت المؤسسة العسكرية بتراجع كبير في الكفاءات والاعداد البشرية للمتطوعين، وسمحت القيادات السياسية انضمام مهاجرين لم يستوفوا شروط الإقامة “القانونية” والالتحاق بالقوات المسلحة مقابل مرتبات مالية مجزية ووعود بتسوية أوضاعهم القانونية، وقلصت الشروط التعليمية المطلوبة كوسيلة إغراء إضافية.

         لا تزال المؤسسة العسكرية تعاني من نقص بشري لرفد قواتها العاملة مما دفع يومية يو اس ايه توداي، أب 2017، التعليق بأن تلك المعضلة حفزت المسؤولين العسكريين اللجوء لحيل مختلفة منها فتح باب التجنيد أمام من له “تاريخ جنائي أو المعاناة من اضطراب ثنائي القطب والاكتئاب وتعاطي المخدرات والكحول ..” وأوضح عدد من المنابر الإعلامية الأميركية سوء الحالة الصحية للقادمين من الولايات الجنوبية، بسبب تدني الدخل، وتدهور فترة التدريب على القتال وزيادة معدلات الجرائم بين صفوف الجنود.

         عند الأخذ بعين الاعتبار بعض العوامل المذكورة أعلاه، والبيانات الرسمية التي يتم تسريب بعضها بين آونة وأخرى، عن تدني الحالة والجهوزية القتالية، وانكفاء المؤسسة العسكرية عن الوفاء بالتزاماتها لأهالي وأسر المجندين، يستطيع المرء فهم الاساليب الملتوية المعتمدة للتغطية على الأوضاع المأساوية الحقيقية دون إنجازات تذكر، والافراج عن أعداد الضحايا “بالتقسيط” خشية ردود فعل شعبية غاضبة.

الكشف عن معلومات حول مقتل أفراد من القوات العسكرية العاملة في الخارج يشكل تهديدًا للبنتاغون التي تنتشر وتنفذ عمليات في مختلف أنحاء العالم، لا سيما بين صفوف القوات الخاصة الموكلة بمهام سرية منذ عام 1952.

2020-17-01-التحليل

التحليل

نظرة على مسار الانتخابات

التمهيدية للحزب الديموقراطي

         نشطت الجهود الانتخابية لكافة المرشحين عن الحزب الديموقراطي، فيما يعرف بسلسة انتخابات تمهيدية، مع مطلع العام الجديد، يميزها مرشحين إثنين من كبار الأثرياء، المليارديرين توم ستاير ومايكل بلومبيرغ؛ واكبها استمرار تدفق “التبرعات” المالية لمعظم المرشحين.

         تجري مهرجانات الانتخابات التمهيدية وفق لوائح الحزب الديموقراطي بالاتساق مع قوانين الولايات المختلفة، وليس وفق نصوص دستورية، للوصول إلى مرشح بمفرده يقع عليه الاختيار في المؤتمر العام للحزب، 16 تموز/يوليو المقبل.

ستعقد الجولة الأولى من الانتخابات التمهيدية في 3 شباط/ فبراير المقبل، في ولاية أيوا وسط البلاد، وما ستسفر عنه من انتخاب مندوبي الولاية للمؤتمر العام. وهذا ما يفسر طول الحملة الانتخابية نسبياً، منذ الآن ولحين موعد الانتخابات العامة في شهر تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.

         يتسم المشهد الراهن ببروز أربعة مرشحين “عاديين،” وإثنين من فاحشي الثراء مع تباين حجم ونوع القاعدة الانتخابية الداعمة لكلا الفريقين.

         يتصدر الفريق الأول نائب الرئيس السابق، جو بايدن، يليه المرشحين الليبراليين، بيرني ساندرز، واليزابيث ووران؛ ويتميز بخاصية حسن التنظيم والتدبير والخبرة. أما الآتي بقوة غير معهودة، بيت بوتيجيج، فأقلهم خبرة وتمرساً في المناصب العامة والسياسة الخارجية؛ وآخرين يتوقع انسحابهم سريعاً من السباق.

         الفريق الثاني يضم توم ستاير ومايكل بلومبيرغ، يميزهما ضعف وسطحية الدعم الشعبي وميل العامة لاستبعاد أي مرشح يشبه الملياردير الرئيس ترامب.

         يعد المرشح جو بايدن، 76 عاماً، من المفضلين لآلية وهيكلية الحزب الديموقراطي لخبرته السياسية الطويلة وفرط ولائه للتيار الليبرالي / الوسطي داخل الحزب؛ رغم تقدمه في السن وظهور أعراض الشيخوخة عليه أمام الجمهور، لا سيما النسيان والادلاء بتصريحات محرجة تفتقر للكياسة الديبلوماسية وعمق التفكير؛ بل شوهد أكثر من مرة يمارس “هوايته” باحتضان النساء دون موافقتهن.

         ليس مستبعداً أن يصل مؤتمر الحزب العام إلى طريق مسدود وعدم توصله لمرشح في جولة التصويت الأولى؛ وعند هذه المحطة سيبرز بايدن كأفضل مرشح يدعمه الحزب للفوز بجولة ثانية من أصوات المندوبين نظراً لكل المزايا السابقة.

         على الناحية المقابلة، لا سيما تسليط الحزب الجمهوري الأنظار على نجل بايدن، مرة أخرى، فيما يتعلق “بفضيحة أوكرانيا غيت،” قد يضطر بايدن الأب للإدلاء بشهادته أمام محكمة العزل التي ستعقد مطلع الأسبوع المقبل، وما سيرافقها من انكشاف حجم “الفساد” الذي يمارسه جو بايدن وتوظيف ذلك ضده في الحملة الانتخابية.

         اللافت أن ثلاثة من منافسي بايدن عن الحزب الديموقراطي، أعضاء مجلس الشيوخ: بيرني ساندرز، اليزابيث ووران، وآيمي كلوبوشار؛ سيشاركون إجراءات المحاكمة وستكون على حساب حملتهم الانتخابية، وربما سيطرقون أبواب مثلب الفساد للنيل وتعرية بايدن وربما إسقاطه.

         بيرني ساندرز: استطاع المحافظة على نبل سيرته أمام الناخبين وأدائه المميز في الجولة السابقة، 2016، والذي كان على أعتاب الفوز بترشيح الحزب أمام منافسته هيلاري كلينتون؛ لكن مراكز القوى الرئيسة داخل الحزب الديموقراطي تهابه وتسعى للحفاظ على مسافة منه لسياساته الاجتماعية ومناهضته للحرب.

         وحظي ساندرز، البلغ 77 عاما، بشهادة من المرشح الجمهوري آنذاك، دونالد ترامب الذي أقر بأن ساندرز لو فاز بترشيح الحزب الديموقراطي ربما كان سيهزمه في الانتخابات العامة.

         يتميز ساندرز، ومنذ الجولة السابقة، بصفاء توجهاته الاجتماعية والاستثمار في البنى التحتية ومناهضة الحروب؛ وحظي بدعم واسع ولا يزال من الجيل الشاب لتعهده بمجانية التعليم العالي، ورفع مستوى الحد الأدنى من الأجور، والأهم توفير الرعاية الصحية الشاملة دون قيود. وعليه، لا يزال الدعم المالي من تلك الأوساط سخياً لحملته وتوجهاته.

         ويحظى كذلك بدعم قاعدة واسعة من التيارات التقدمية داخل الحزب الديموقراطي والمستقلين، دون التفاتها لتقدمه النسبي في السن. أما مفاصل القوى في الحزب الديموقراطي فهي تعبر عن قلقها من توجه مؤيدي ساندرز للتصويت لصالح ترامب، نكاية بقيادات الحزب في حال فشل الأول الفوز بترشيح المؤتمر العام.

         اليزابيث ووران: هي الأقل خبرة سياسية بين المرشحين المخضرمين، بايدن وساندرز، وأصغرهم سناً، 69 عاماً. اكتسبت شهرتها بدفاعها الحثيث عن صغار المودعين أمام تسلط كبريات المصارف المالية، وميلها لفرض قيود على المعاملات المالية في “وول ستريت.”

         ونظراً لخلفيتها الليبرالية فقد تبنت شعار “إعفاء الطلبة الجامعيين من ديون الرسوم بالكامل،” وتتقاطع في البرامج الاجتماعية والرعاية الصحية مع بيرني ساندرز، لا سيما في تغيير السياسة الأميركية الراهنة من الانبعاثات الحرارية؛ وكان ملفتا في المناظرة الأخيرة دعوتها لسحب القوات الاميركية من منطقة الشرق الأوسط.

         بيد أن علاقتها الشخصية مع ساندرز يشوبها الجفاء على خلفية الكشف أحدهم عن محادثة في عام 2018 اشار فيها الى أن ترامب لن تهزمه إمراة مرشحة عن الحزب الديموقرطي  وعندما نفى ساندرز ذلك تولدت حالة استياء ووابتعاد بينه وبين ووران. من غير المرجح أن تعكر تلك المسألة الخلافية علاقة المرشحين، وتوجهما المشترك لتسليط الضوء على ضرورة إسقاط الرئيس ترامب في الانتخابات.

         بيت بوتيجيج: المرشح الأصغر سناً والأقل خبرة بين المجموع، وأول مثلي يشارك في السباق الرئاسي، ويتمتع بعلاقات جيدة مع شركات الأسلحة والمصالح الكبرى.

         وقال مخاطباً جمهوراً من قيادات اليهود الأميركيين حديثاً إن “رحلة قام بها مؤخرا إلى إسرائيل مع “اللجنة اليهودية الأمريكية” عززت علاقته مع الدولة اليهودية.”  موضحاً ولاؤه بالزعم أن “محاربة معاداة السامية، مثل محاربة جميع أشكال الكراهية، يجب أن تكون قضية غير حزبية.”

         دخول بوتيجيج حلبة السباق الرئاسي رغم يفاعة سنه وانعدام الخبرة السياسية عنده تثير جملة تساؤلات حول الحكمة من وجوده، لا سيما وهو لا يزال يتلقى دعماً مالياً لا بأس به، تفوق فيه أحياناً على التبرعات الواردة لحملة بيرني ساندرز؛ كما يحظى بدعم قيادات الحزب الديموقراطي. وربما قد يحالفه الحظ لاختياره لمنصب نائب الرئيس.

         آيمي كلوبوشار عضو مجلس الشيوخ عن ولاية منيسوتا تدرك أن فوزها بالترشيح تبدو ضئيلة إلى معدومة وتطمح أيضاً لاختيارها كنائب للرئيس في مؤتمر الحزب، لا سيما إن وقع الاختيار على بايدن أو ساندرز.

فريق الأثرياء:

         مايكل بلومبيرغ، عمدة مدينة نيويورك السابق لعقد من الزمن ويبلغ 77 عاماً، تقدر ثروته 54 مليار دولار، ويعد من بين أغنى 10 أثرياء عالمياً؛ أعلن عن رفد حملته الانتخابية بـ 31 مليون دولار خصصها لإعلانات متلفزة؛ مما دفع منافسيه في الحزب الديموقراطي اتهامه بمحاولة “شراء الانتخابات؛” وهو الآتي من صفوف الحزب الجمهوري سابقاً.

         اتسم عهد بلومبيرغ في بلدية نيويورك بسياسته المعادية للأقليات والمهاجرين بتطبيقه مبدأ “فتش واعتقل” للشرطة في المشتبه بهم، خلافاً للقوانين السارية التي تشترط توفر أمر قضائي لتنفيذ حملة تفتيش.

         توم ستاير نال شهرته بالتبرع من ماله الخاص لتمويل محاكمة الرئيس ترامب على طريق عزله؛ موجهاً انتقادات لنفوذ كبريات الشركات في الحملات الانتخابية؛ من ضمن أولوياته السياسية التحول المناخي وآفة انتشار المخدرات بشكل غير مسبوق.


حظوظ مرشح الحزب

         ضمن اللوحة الراهنة لموازين القوى في قواعد الحزب الديموقراطي، وقبل بدء إجراءات محاكمة الرئيس ترامب وإمكانية تعرية جو بايدن، فإن أفضل المرشحين للفوز في المؤتمر العام هو الثلاثي: جو بايدن، بيرني ساندرز، واليزابيث ووران؛ خاصة عند الأخذ بعين الاعتبار توزيع المندوبين على الفائزين الأوائل بنسب موازية للحصيلة النهائية، وفق لوائح الحزب الديموقراطي، وذلك بخلاف لوائح الحزب الجمهوري التي تعطي الفائز الأول كافة المندوبين وإقصاء الآخرين.

         محطة الانتخابات التمهيدية المقبلة في ولاية أيوا ستفرز بعض المؤشرات الأقوى على تراتبية الأوفر حظاً كونها تعتبر مقياس اختبار للرأي العام، لا سيما وأن الثلاثي المذكور يحافظ على نسبة تأييد شعبية تتراوح بين 20 – 30% لكل منهم.

         المحطة الرئيسة التالية ستعقد في ولاية نيوهامبشير، 11 شباط/فبراير المقبل، التي ستفضي إلى استنتاجات تشكل بوصلة التوجه الشعبي العام والاستعداد للجائزة الأكبر، ولاية كاليفورنيا، في آذار/مارس المقبل.

         من المرجح أن يحافظ بيرني ساندرز على الزخم ومنسوب التأييد الراهن ليحتل المرتبة الأولى أو الثانية بعد بايدن في المحطات الأولى. تضعضع قاعدة تأييد اليزابيث ووران ستصب في صالح بيرني ساندرز نظراً لتقاطع الخطوط المشتركة بين جمهورهما وبرامجهما، بعيداً عن بايدن.

         من السابق لأوانه التكهن بما ستؤول إليه موازين القوى في المؤتمر العام للحزب، لناحية توصله لمرشح من الجولة الأولى أو اضطراره للذهاب لجولة تصويت ثانية يتخللها مناورات ووعود من الطامعين في المنصب لمراكز القوى الأساسية. واذا استمرت حالة توزع اصوات الناخبين من الحزب على عدة مرشحين رئيسيين قد لا يتم حسم مرشح الحزب الا حين عقد المؤتمر العام.

         لعله من المفيد عند هذه المحطة تعداد أبرز مثالب المرشحين الثلاثة والتي ستلاحقهم لنهاية السباق الرئاسي، استناداً إلى معلومات موثقة متداولة.

         بايدن سريع الانفعال وسلس الوقوع في مطبات ضارة، وقد يواجه استحقاقات “أوكرانيا غيت” قريباً.

         ساندرز تم دمغه بوسم “الاشتراكي” وميله لتعزيز القطاع العام والحد من سيطرة وتغول الشركات الكبرى. المجتمع الأميركي بشكل عام مناهض للتوجهات الاشتراكية، على الرغم من أن الرئيس أوباما طبق حلولاً اشتراكية لأزمة الشركات الرأسمالية عام 2008، بضخه تمويلات من الميزانية العامة لإنقاذ صناعة السيارات والمضاربات المالية.

         اليزابيث ووران وقعت في سلسلة مبالغات لسيرتها بزعمها انتمائها لأصول الأميركيين الأصليين في الجولة الانتخابية السابقة، ولا زالت تهمة التلاعب والادعاء بالنسب هذه تلاحقها ويتم استغلالها بكثافة من قبل الرئيس ترامب.

2020-10-01-التحليل

التحليل

بعد اغتيال سليماني والرد الإيراني

حرب الاستنزاف تؤجل الحرب المفتوحة

         فشل رهان صناع القرار السياسي في واشنطن في اخضاع وترهيب ايران باقدامها على اغتيال قائد قوة القدس، قاسم سليماني، واستنزاف إيران عبر جرها لحرب مباشرة “نظراً لحنكة الجانب الإيراني ورده المدروس .. وعدم تكبد خسائر بشرية كبيرة،” في صفوف الأميركيين كما يشاع في واشنطن.

         وثبت بالدليل الملموس أن المحفز الرئيس لقرار الاغتيال وإشعال الحرب في المنطقة كان الثنائي نائب الرئيس مايك بينس، ووزير الخارجية مايك بومبيو، تجسيداً لمسار مبرمج منذ تسلم الأخير رئاسة وكالة الاستخبارات المركزية وتفعيله “مركز شؤون ايران،” صيف عام 2017، هدفه إحياء هدف “تغيير النظام،” التي تخلت عنها الادارة السابقة، وفق سردية المحافظون الجدد.

السؤال الجوهري المتجدد في مفاصل القرار السياسي الأميركي هو لماذا أقدم الرئيس ترامب على قراره باغتيال سليماني ورفاقه في ظل تردد كل من سبقوه إلى البيت الأبيض اتخاذ قرار مشابه “لخشيتتهم من اندلاع حرب جديدة،” وفي ظل وجود قوات عسكرية أميركية منتشرة في عموم المنطقة ستتعرض للاستهداف.

         الإجابة متشعبة ذات أبعاد داخلية أميركية صرفة، جذرها العداء المؤسساتي المتأصل لإيران والرغبة بالانتقام منها بدءاً بحتجازها طواقمها الديبلوماسية في طهران، وانتهاء باعتبارها مسؤولة عن مقتل الأميركيين على امتداد مسرح العمليات الإقليمي، والأهم البعد “الإسرائيلي” وما يمثله من نفوٍذ طاغٍ عبر جماعات الضغط – اللوبيات.

         سنتناول بقدر ماهو متاح من تفاصيل البعد “الإسرائيلي” المسكوت عنه، سياسياً وإعلامياً؛ ورصد المواقف والشخصيات الأميركية التي هيأت الظروف لعملية اغتيال، لا سيما وأن السياسة الأميركية الرسمية لا تتبنى الاغتيالات عقب سلسلة فضائح سابقة لوكالة الاستخبارات المركزية اضطر الكونغرس التدخل لوقفها.

         في أعقاب القصف الايراني على قاعدتين عسكريتين أميركيتين في العراق والتزام الجانب الأميركي لهجة “التهدئة” رسمياً سنتعرض أيضاَ للخيارات العسكرية الأميركية الواقعية وليس الاستعراضية.


أميركياً

         العداء الأميركي لإيران وبسط الهيمنة عليها تجسد منذ عقد الخمسينيات من القرن الماضي، بدءاً بترتيب واشنطن انقلاباً على رئيس الوزراء الوطني محمد مصدق، وزادت حدته وشموليته منذ الثورة الإيرانية عام 1979 وما رافقها من إغلاق السفارة الأميركية واحتجاز ديبلوماسييها.

         تستحضر واشنطن نظرية وزير خارجيتها الأسبق، هنري كيسنجر، في تقييمه لإيران متسائلاً “هل ايران دولة وطنية أم قضية،” أي دولة تتقوقع داخل حدودها أم ذات رسالة ظاهرها ثوري وتجديدي. أما الملف النووي، مركز ثقل السياسة الأميركية والغربية نحو ايران، فقد تحقق فيه انجاز اتفاق دولي (انسحب من ترامب) رغم تحفظات ايران ورؤيتها لأميركا “الشيطان الأكبر.”

         من الناحية العملية، تبنت واشنطن على مدى العقود الأربعة الماضية سلسلة توجهات وسياسات متباينة نحو ايران، تتمحور حول “احتوائها أم إشراكها أو شن عدوان” عليها لتركيعها، واضيف عليها لفظاً مهذباَ نسبيياً “تغيير طهران لسلوكها.”

         الحصيلة العملية لتلك السياسات عبر الادارات المتعاقبة والتمهيد “الديبلوماسي” للإطاحة بالنظام الحالي، عبر شيطنته واعتباره جزءاً من “محور الدول المارقة،” واستبداله بنظام شبيه بنقيضه الشاهنشاهي يعيد الولايات المتحدة للسيطرة على موارد ومستقبل البلاد.

         فيما يتعلق بقرار اغتيال قاسم سليماني، يمكننا القول أن هناك إجماعاً داخل مفاصل المؤسسة الحاكمة حول الدور المحوري لوزير الخارجية مايك بومبيو لخلفيته المتشددة وسجله الطويل في خدمة الاستراتيجية العليا للبلاد: العداء لروسيا والصين وإيران، وكذلك فنزويلا وحركات التحرر في أميركا اللاتينية؛ وكوفيء بترؤس وكالة الاستخبارات المركزية لفترة زمنية محدودة استطاع خلالها احداث تغييرات بنيوية مفصلية تحابي توجهات المحافظين الجدد.

         وينسب لبومبيو أيضاً  تدخله في جملة تعديلات طرأت على قمة الهرم العسكري في البنتاغون، وترشيحه لموظف شركة لوكهيد السابق، مارك اسبر، لمنصب وزير الدفاع. اللافت أن سعر أسهم تلك الشركة ارتفع بشكل حاد “قبل يومين من اغتيال سليماني.”

وشكل ذاك الثنائي رأس الحربة بالتناغم مع الصقور داخل الإدارة، نائب الرئيس مايك بينس ومستشار الأمن القومي جون بولتون وآخرين بعضهم “اسرائيلي الهوى” تربع على منصب محوري في مجلس الأمن القومي.

         بومبيو “تحدث مع الرئيس ترامب عدة مرات” يوميا خلال الاسبوع الذي سبق عملية الاغتيال، وفق ما نقلته يومية واشنطن بوست، 5 يناير الجاري. وأضافت أن القرار جاء ثمرة مسييرة “إلحاح بومبيو ونائب الرئيس بينس.”

         ضباط استخبارات متقاعدون يسوقون حالة الإحباط التي رافقت بومبيو عقب حادثة إسقاط إيران الطائرة الأميركية المتطورة المسيّرة، لتراجع ترامب عن توجيه “ضربة عسكرية” لإيران، وصفه مرافقوه بأنه خرج “متجهم الوجه” من لقاءاته في البيت الأبيض. كما أنه عرض على الرئيس ترامب “اغتيال سليماني” منذ بضعة أشهر ولم يلقى استجابة ليس من الرئيس فحسب، بل من قادة البنتاغون.

         أما دور القيادات العسكرية الأميركية، ممثلة بالبنتاغون ورئاسة الأركان، في رسم أو تعزيز السياسات الأميركية فقد تعرضت لتقلبات وتجاذب منذ صدمة هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2011. وقد أوجزت يومية نيويورك تايمز أزمة سلة الخيارات المتاحة لبلورتها أمام الرئيس كي يتخذ قراره بناء على معلومات موثقة قائلة “وفر قادة البنتاغون للرؤساء خيارات عملياتية بعيدة المنال كي تبدو الخيارات الأخرى مستساغة؛” واصيبت البنتاغون بالصدمة من قرار الرئيس ترامب بالمصادقة على عملية الاغتيال (4 يناير الجاري).

         من بين الخيارات التي صاغتها البنتناغون للرئيس ترامب، عقب حادثة السفارة الأميركية في بغداد، شن غارات جوية ضد سفن أو منشآت صاروخية لأيران، أو استهداف مواقع “للميليشيات الشيعية” في العراق.

         ووفق مصادر عسكرية أميركية شملت قائمة خيارات البنتاغون “استهداف قاسم سليماني،” بغية ترجيح الخيارات الأخرى. وعندما اختار ترامب الاغتيال أصيبت القيادات العسكرية بالذهول والصدمة معربين عن قلقهم لمصير وسلامة القوات الأميركية في المنطقة “ولم يكن واضحاً ما إذا بذل (مارك) ميللي أو (مارك) أسبر جهوداً لثني الرئيس عن قراره.” (نيويورك تايمز).

استغل فريق بومبيو ومؤيدوه في مراكز القرار من المحافظين الجدد تلك الحادثة للتحريض ضد ترامب الذي أضحى متردداً وضعيفاً، وفق تفسير اولئك، بالتساوق مع بعض التعديلات التي طرأت على هيكلية فريق الأمن القومي لتصعيد الخطاب السياسي والإعداد لمواجهة مع ايران، ووقع الاختيار على قاسم سليماني نظراً لمكانته المحورية ليس لإيران فحسب، بل “لمحور المقاومة” المناهض للهيمنة الأميركية.

         في البعد الاستراتيجي، رمى فريق التصعيد الأميركي أيضاً توجيه ضربة لروسيا باختيار توقيت الاغتيال مباشرة بعد انتهاء المناورات العسكرية الثلاثية المشتركة، ايران وروسيا والصين، من أجل ترجيح كفة “القطب الأوحد” في المنطقة والعالم.


البعد “الاسرائيلي”

         جهود التنسيق والتكامل بين الكيان “الاسرائيلي” والولايات المتحدة لا تستثني أي نشاط من نواحي الحياة، لا سيما في المستوى الاستخباراتي والعسكري والاقتصادي؛ فضلاً عن الدور المرسوم لتل أبيب كقاعدة أميركية متقدمة في المنطقة.

         ما يهمنا في هذا السياق الجهود المشتركة للطرفين ضد ايران، وهوة ما سنسلط الضوء عليه لدعم فرضية ان الاغتيال كان قراراً مشتركاً بينهما منذ زمن.

         بعد اشهر معدودة من تولي الرئيس ترامب مهام منصبه، أبرم الطرفان الأميركي و”الاسرائيلي” مذكرة تفاهم تلزمهما بالتعاون الوثيق لتصديهما للمشروع النووي الإيراني، في أعقاب انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي، 13 اكتوبر/تشرين الأول 2017؛ وبعد انعقاد سلسلة من “اللقاءات السرية في البيت الأبيض.”

         وقعت المذكرة في الببيت الأبيض يوم 12 ديسمبر/ كانون أول 2017، بين فريقي الطرفين برئاسة مستشاريهما لشؤون الأمن القومي، اتش آر ماكماستر، عن الجانب الأميركي، ونظيره مائير بن شباط.

         تناقلت وسائل إعلامية أميركية متعددة نبأً قبل نحو سنتين بأن “.. الولايات المتحدة أعطت اسرائيل الضوء الأخضر لاغتيال سليماني .. نتيجة اتفاقهما أن أنه يشكل تهديداً” للطرفين. وأوضحت أن مصدرها كان صحيفة تصدر في الكويت، الجريدة، والتي “.. في السنوات الأخيرة تنشر أخباراً من مصادر اسرائيلية حصراً.” (الجريدة، 1 يناير 2018)

         وتضيف الصحيفة الكويتية أن الولايات المتحدة أفشلت عملية اغتيال لسليماني مشابهة قبل نحو ثلاث سنوات (2015)‘ في دمشق، مما “أثار جدلاً خلافياً حاداً” بين جهازي الأمن للطرفين.

         رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية، الموساد، يوسي كوهين صرح لصحيفة تتبع الارثوذكس اليهود، 10 اكتوبر 2019، بأن اغتيال سليماني “ليس أمراً مستحيلاً .. (مستدركاً) انه لم يرتكب الخطأ الأمني” الذي يعرضه للانكشاف والاستهداف.

         كما أشارت يومية نيويورك تايمز، 2 حزيران 2017، إلى الاجراءات التي استحدثها مدير السي آي ايه، مايك بومبيو، عززت منحى العمليات السرية والاغتيالات؛ مؤكدة أن وكالة الاستخبارات المركزية “بالتعاون مع الموساد استخدمت سيارة متفجرة لاغتيال (عماد) مغنية في دمشق،” بتاريخ 12 شباط/فبراير 2008.

         اذ استثنينا جانباً تجنيد الموساد والسي آي ايه لعملاء ايرانيين، لا سيما مجموعة مجاهدي خلق، لاغتيال 5 علماء ايرانيين في مجال الطاقة النووية داخب ايران؛ ينبغي لفت الأنظار للعمليات العسكرية “الاسرائيلية” داخل العراق منذ توقيع “مذكرة التفاهم المشتركة” مع الولايات المتحدة.

         هل نسقت واشنطن مع تل ابيب اغتيال قاسم سليماني؟ الصحافة الأميركية وفرت علينا الجواب ايجاباً.

         يومية لوس انجليس تايمز، 4 يناير الجاري، أكدت أنه كان لتل أبيب إشعار مسبق بالخطة الأميركية نقلاً عن مصدر عسكري “اسرائيلي” رفيع. الصحافي المقرب من الأجهزة الأمنية في تل أبيب، باراتك رافيد قال “تقييمنا هو أن الولايات المتحدة أبلغت اسرائيل بهذه العملية في العراق، على ما يبدو قبل بضعة أيام.” (قناة الحرة الأميركية، 4 يناير).


الخيارات الأميركية

         التزمت واشنطن الرسمية شح الكلام والتعليق في الساعات الأولى لإصابة الصواريخ الإيرانية قواعدها في العراق، واستنفذت اجتماعين عاجلين لمجلس الأمن القومي قبل ظهور الرئيس ترامب في رسالة متلفزة للأمة محاطاً بطاقمه من المستشارين والوزراء، مشدداً على أن بلاده لم تتكبد خسائر بشرية جراء الهجوم.

         كانت تلك إشارة بأن واشنطن لن ترد على الفور وترجمة لكتاب وجهه للكونغرس مفاده بأن الرد الأميركي على ايران مشروط “بمهاجمتها أي شخص أو هدف أميركي .. وسيكون الرد سريعاً وبشكل كامل وربما بطريقة غير متناسبة.”

         عند هذا المنعطف، وبعد فشل بومبيو ومؤيديه جر الولايات المتحدة لحرب مباشرة مع ايران سيتعين عليه استنباط حيلة وذريعة أخرى لإشعال حرب، مع الأخذ بعين الاعتبار موسم السباق الانتخابي.

         “إعادة انتشار” القوات الأميركية في سوريا والعراق دليل آخر على “تراجع” الولايات المتحدة في المرحلة الراهنة، وإبقاء بوصلتها مصوبة شرقاً باتجاه الصين وروسيا.

         عديد القوات الأميركية المنتشرة في المنطقة، برية وجوية وبحرية ومشاة البحرية – المارينز، تندرج تحت عناوين ثلاثة عريضة.

         القوات المقاتلة: قوات مدربة على مهام الاقتحام والالتنحام مع الخصم وحماية المواقع الأميركية، ونشر وحدات صغيرة مدربة لتحقيق مهام محددة، ومعظمها يتواجد في أفغانستان.

         الفنيين: فرق من الجنود المدربين على صيانة نظم التسليح المتعددة، كالطائرات المقاتلة ونظم الدفاع الجوي وشبكات الرادار. تقتصر مهامهم على الدفاع وحماية المواقع، وليس القيام بعمليات هجومية أو اشتباك مع الخصم.

         القوات المساندة: تشمل فرق الإغاثة والطبية والقيام بمهام الإمداد والنقل، لكنها غير ملائمة لخوض معارك حربية.

         باستثناء بعض الفرق الصغيرة من مشاة البحرية والمرابطة في الكويت فإن معظم القوات الأخرى تندرج مهامها في حماية وصيانة نظم التسليح المتعددة: المقاتلات الحربية، نظم الدفاع الصاروخية، صواريخ كروز، والطائرات المسيرة. مجموعة محدودة من المارينز اتجهت من الكويت لبغداد لتوفير حماية للسفارة الأميركية.

         ارسلت البنتاغون نحو 2،200 جندي من مشاة البحرية، وحدة 26 الاستكشافية، للمغرب للمشاركة في التدريب، وسيرابطون على متن السفن الحربية.

         كما أرسلت مجموعة من الفوج 75 للحرس لتعزيز مهام الحماية في المنطقة.

         ويتأهب اللواء القتالي 173 المحمول جواً الذهاب للمنطقة يرجح أنه سيقوم بحماية السفاترة الأميركية في بيروت.

         أما مجموع القوات الأميركية العاملة في المنطقة فيبلغ نحو 80،000 عسكري، معظمها لمهام قتالية، وفق بيانات البنتاغون، موزعة كالتالي:

         افغانستان – 14،000 جندي؛ الكويت وقطر – 13،000 لكل منهما؛ البحرين – 7،000؛ العراق – 6،000؛ السعودية – 3،000؛ الأردن – 5،000؛ الأردن – 5،000؛ وسوريا – 800.

         القوات البحرية العاملة في المنطقة يبلغ تعدادها 5،000 عسكري.

         كما تحتفظ الولايات المتحدة بترسانة عهالية من الأسلحة والذخائر مخزنة في مناطق متعددة باستطاعتها نشرها في أي وقت يستدعي ذلك.

         سلاح صواريخ كروز المنطلقة من البحر سيكون له دور بارز في أي مواجهة محتملة مع ايران، وكذلك مئات من الطائرات المقاتلة، سواء في القواعد البرية في الخليج أو في عرض البحر.

         المواجهة الأشد ترجيحا بين ايران والولايات المتحدة هي في مجال القرصنة الالكترونية والتي يستخدمها الطرفان دون إعلان في أغلب الأحيان؛ وكذلك في مضيقي هرمز وباب المندب حيث تتواجد حاملات الطائرات الأميركية وبوارجها الحربية.

         أما القوات الإضافية التي تستعد واشنطن لإرسالها للمنطقة فهي لساحة العراق لاعتقاد الأولى أن القوى الشعبية المسلحة ستسهدف القواعد الأميركية هناك، وتقتصر مهامها على تعزيز سبل الحماية للمنشآت والمؤسسات الأميركية هناك.

2019-20-12-التحليل

التحليل

انصار ترامب يهددون
بحرب اهلية لحمايته من العزل

         تجدد التهديد بنشوب حرب أهلية في الآونة الأخيرة لقطع الطريق على الحزب الديموقراطي المضي “دستورياً” بالمحاكمة على طريق عزل الرئيس ترامب؛ والسلطات الأمنية ومراكز القرار السياسي تنظر للمسألة بجدية عالية لتوفر ظروفها وآلياتها ووفرة السلاح وقرار البدء بها من قبل جزء لا بأس به من مؤيدي الرئيس ترامب.

         المحرض الأبرز لاندلاع حرب أهلية ليس سوى الرئيس ترامب الذي “غرد” منذراً بها، 29 أيلول / سبتمبر الماضي، قبيل بدء جلسات مجلس النواب بالقول “.. في حال نجح الديموقراطيون بعزل الرئيس .. سنشهد اندلاع حرب أهلية من شأنها تقسيم بلادنا لن تستطيع التغلب عليها.”

         مجموعة منظمة من مؤيدي الرئيس تدعى حراس القسم، تضم نحو 24 ألف عنصر، أبلغت أعضاءها ذات اليوم بتوجه الرئيس ترامب وما ينبغي عليهم الإعداد له “نحن على أعتاب حرب أهلية حامية الوطيس .. تيار اليمين لديها صفر ثقة أو احترام لأي فعل يصدر عن اليسار، اللاشرعي.”

         نائبة وزير العدل السابقة لشؤون الأمن القومي، ماري ماكورد، حذرت من نزعة الاستهتار وتهميش اليمين المسلح إذ “سيكون ضرباً من الجنون الاستهتار وبخس تقدير قوة وفعالية تصريحات ترامب بمطالبته الميليشيات المارقة التأهب للعمل، خصوصاً إن اتخذ قرار بعزله.”

         وأضافت ماكورد أن ميليشيا حراس القسم، تضم بين صفوفها جنوداً سابقين مجربين في ساحات القتال وأفراد شرطة، ذكرت عناصرها حديثاً بساعة الصفر “.. كل ما ينتظرنا هو إشارة من الرئيس، وسنلبي نداءه،” واستعراضها بالفيديو لسلاحها الحربي المفضل، إيه آر 15 “المصون دستوريا وفق مادة التعديل الثانية.”

عضو الكونغرس عن الحزب الجمهوري، ستيف كينغ، أنذر معارضي الرئيس ترامب بأن مخزون الأسلحة المتوفرة في الولايات “الحمراء،” التي تميل لتأييد الحزب الجمهوري بغالبية مريحة، تشمل “8 تريليون طلقة؛” أي 8،000،000،000،000 طلقة.

في سياق انتشار الأسلحة، صدر تقرير عن الوكالة الفيدرالية لتنظيم “الكحول والتبغ والاسلحة الفردية،” جاء فيه أن من يملكه الشعب الأميركي من “اسلحة فردية  تصل لـ 423 قطعة، ومليارات مخازن الذخيرة .. تشمل 17.7 مليون بندقية آلية حديثة من طراز إيه آر 15 وكلاشينكوف 47” محذرة صناع القرار بأن تلك الترسانة تشكل “خطراً جاداً” على الأجهزة الأمنية وسلامة الشعب الأميركي.

تلقى التيار المحافظ والمتشبث بحمل السلاح هزيمة صافية في ولاية فرجينيا مؤخرا، والتي كانت لوقت قريب أحد أركان أجندته الموثوقة، بفوز شخصية ديموقراطية لمنصب حاكم الولاية، يسانده مجلس تشريعي يسيطر عليه حزبه.

التركيبة السياسية الجديدة في الولاية تنظر في استصدار قانون يحد من اقتناء السلاح الفردي ونوعيته، بخلاف السياقات السابقة؛ في تحدي ما يقرب من 90% من مواطني الولاية الذين يتسلحون بنص مادة التعديل الدستوري الثانية لصون الحق في التسلح.

في ظل الصراع الحاد الجاري بين الفريقين حول اقتناء السلاح، تبنت نحو 95 مقاطعة وبلدية في عموم الولايات المتحدة تشريعات جديدة لحماية “حق اقتناء السلاح الفردي” وعدم فرض قيود عليه.

المستشار السابق للرئيس للشؤون الاستراتيجية، ستيف بانون، أنذر من جانبه كل من يهمه الأمر بأن “عام 2019 سيثبت أنه الأشد قسوة في التاريخ السياسي الأميركي منذ الحرب الأهلية،” في سياق ترتيبات مجلس النواب لعقد جلسات استماع لمحاكمة وعزل الرئيس (مقابلة متلفزة مع شبكة سي بي أس، 24 شباط الماضي).

مركز الأبحاث والمنظمة الأميركية الأبرز للتدخل “الديموقراطي” في شؤون الدول الأخرى بيت الحرية حذرت صناع القرار من أن “عام 2018 شهد تآكلاً متسارعاً لمعايير الديموقراطية الأميركية داخل بلادنا أكثر من أي زمن مضى على الإطلاق.”

الرئيس ترامب وافق على نبوءة وتحليل بيت الحرية، الممول من الحكومة الأميركية منذ عام 1941، لحسابات مغايرة في آب 2017، على خلفية الاشتباك الدموي بدوافع عنصرية في مدينة شارلوتسفيل، قائلاً “من المحزن مشاهدة تاريخ وحضارة بلادنا العظيمة وهي تتعرض للتمزيق..”

تعززت احتمالات اندلاع صدامات مسلحة، حرب أهلية باردة، في الأيام المعدودة الماضية عقب رسالة الرئيس ترامب المطولة والغاضبة لرئيسة مجلس النواب، نانسي بيلوسي، عشية التصويت على لائحة اتهام ضده، يقر فيها بمحاكمته لكنه لن يستسلم بسهولة، مؤكداً أن “مسار المحاكمة والعزل” سيخدمه في نهاية المطاف؛ وهي نتيجة تجد أصداء واسعة لعدم توفر أعداد الأصوات الضرورية لعزله في مجلس الشيوخ.

النائب الجمهوري عن ولاية تكساس، لووي غومرت، حذر خلال مداخلته في مجلس النواب للتصويت على القرار من نشوب “حرب أهلية محتملة .. التجارب التاريخية تشير إلى أن الأسلحة تدخل ساحة المعركة في الشوط الأخير من حرب أهلية.”

آخرون لفتوا الانتباه إلى تجذر “حركات انفصالية منظمة في بعض الولايات مثل كاليفورنيا وتكساس وماريلاند وكولورادو.”

الجمعية الوطنية للدراجات النارية صدى العاصفة، المنتشرة في طول وعرض البلاد وتضم نحو 300،000 عضو، أعربت عن جهوزيتها لدخول جماعي منظم للعاصمة واشنطن “لحماية ترامب” من تداعيات قرار العزل. كما أن التجهيزات للتحرك بين صفوف تيار المسيحيين الانجيليين في حالة متقدمة، يغذيه وعاظ الكنائس في معظم الولايات الجنوبية

في معسكر الرئيس ترامب، شن مؤيدوه وحملة انتخابه المقبلة حملة دعائية مكثفة ضد الحزب الديموقراطي وحصدوا تبرعات إضافية بعشرات ملايين الدولارات بعد تبني شعار “التصويت المسبق – صندوق الدفاع  ضد العزل.”

المرحلة أو الأيام المقبلة

من أبرز نتائج قرار مجلس النواب لصالح ترامب أن رئيسة المجلس استنفرت آليات الحزب الديموقراطي الضخمة للحيلولة دون الوصول لنتيجة تصويت نهائية “محصورة بتأييد حزب بمفرده؛” وخابت الآمال بإقناع أي ممثل عن الحزب الجمهوري للتصويت ضد الرئيس، الأمر الذي كان سيقوي صلاحية القرار أسوة بقرار شبيه مدعوم من الحزبين لمحاكمة الرئيس الأسبق بيل كلينتون. بل خسر الحزب الديموقراطي أحد أعضائه بنقل ولائه للخصم الجمهوري والتصويت ضد القرار.

المواد الدستورية الخاصة بقرار العزل تنص على مبادرة مجلس النواب تسليم القرار النهائي لمجلس الشيوخ، المكلف بإعداد ترتيبات المحاكمة العلنية برئاسة رئيس المحكمة العليا وعضوية كافة أعضاء المجلس.

في اللحظات الأخيرة وعقب نجاح التصويت أعلنت رئيسة مجلس النواب، نانسي بيلوسي، أنها ستحتفظ بالقرار لحين “الحصول على ضمانات من رئيس مجلس الشيوخ بعدالة سير المحاكمة.”

ما انطوى على تلك الخطوة “التكتيكية” أن قرار مجلس النواب يفقد زخمه إن بقي حبيس أدراج المجلس، وعملياً لن يسجل في البيانات الرسمية صدور قرار ضد الرئيس ترامب، خلافاً لرغبة ومطلب ممثلي الحزب الديموقراطي.

وعليه، ان استمرت حالة الجذب بين رئاسة المجلسين دون أفق لحل قريب، سيفقد القرار مفعوله ويصبح باستطاعة الرئيس ترامب الادعاء بأنه لم يتخذ قرار عزل ضده – وبعض المراقبين يعوّل على هذه الجزئية كمخرج يحفظ ماء وجه الطرفين والحيلولة دون الاشتباك اللفظي مجددا وربما طويلا، وإبعاد شبح مسار آخر ينذر بمثول مسؤولين كباراً في الأجهزة الأمنية ورأس الهرم السياسي السابق، الرئيس اوباما ونائبه جو بايدن ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون.

الرئيس ترامب، المتهم أمام المحكمة، من حقه طلب استدعاء أي كان يراه مناسبا للدفاع عن نفسه؛ وصرح مراراً بأنه ينوي استدعاء ومثول جو بايدن ورئيس وكالة الاستخبارات المركزية الأسبق، جون برينان، والمدير الأسبق لمكتب التحقيقات الفيدرالي، جيمس كومي؛ وآخرين.

من غير المتوقع أن يمضي صناع القرار السياسي في المؤسسة الحاكمة، بكافة أركانها السياسية والعسكرية والأمنية والاعلامية والمصرفية، عقد جلسات محاكمة تستوفي الشروط المطلوبة لخشيتها بل قلقها الحقيقي من الكشف عن مزيد من التورط في الفساد المالي والأمني والسياسي لن يتورع ترامب عن التشهير بهم، فرادا وجماعات، لإنقاذ نفسه وسمعته وإرثه السياسي.

2019-15-11-التحليل

التحليل

قراءة في أبعاد
قمة ترامب واردوغان

    في ظل إجماع المؤسسة الأميركية الحاكمة بمعاقبة تركيا ومناشدتها الرئيس ترامب التراجع عن دعوته نظيره التركي، زار الرئيس رجب طيب اردوغان البيت الأبيض، 13 الشهر الجاري، وفي جعبته جملة ملفات ثنائية وإقليمية، من بينها مسألة العقوبات المفروضة عليه بعد غزوه للشمال السوري (9 أكتوبر الماضي) ومطاردة وحصار الكرد، وصفقة منظومة الدفاع الجوي الروسية، اس-400 ومجمل العلاقة الودية مع روسيا، وترتيب المسرح بعد مقتل أبو بكر البغدادي.

        أغلبية من قيادات الحزبين في الكونغرس أعربت عن معارضتها الصريحة للزيارة وناشدت الرئيس ترامب الغاءها في مذكرة رسمية ترجمة لما يعتبرونه أن سياسة تركيا الراهنة تتراوح بين كونها “أسوأ صديق أو أفضل عدو لأميركا.”

        للتوقف عند قرار ترامب بمعاندته قيادات حزبه بالدرجة الأولى نستطيع القاء الضوء على مسألتين مغيبتين عن التداول والمتابعة المطلوبة: دوافع كل من ترامب واردوغان للقاء في الموعد المحدد سلفا، والمتغيرات التي أدخلها ترامب على بلورة السياسة الخارجية الأميركية لا سيما اقتدائه بإرشادات وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر.

        بداية بإمكاننا رصد حيز التشابه بين إصرار قيادات الكونغرس على معارضة تركيا – اردوغان، وهي التي عادة تسترشد وتمتثل لتوجهات اللوبي “الإسرائيلي،” وبين معارضة “إسرائيل” لتركيا نظراً لتقويضها استثمار الأولى التاريخي بالقيادات الكردية وتشجيعها على الانفصال، في العراق وسوريا تحديداً.

        في البعد الكردي تحديداً، برزت نداءات متعددة داخل الكيان “الإسرائيلي” تنديداً بالغزو التركي للشمال السوري وملاحقة التنظيمات الكردية، مجمعة على مطالبة قياداتها السياسية “بالتصدي لتركيا من أجل حماية حلفائنا الكرد .. الذين عقدنا معهم تحالفاً استراتيجياً منذ عقد الخمسينيات ودعمناهم عسكرياً وسياسياً،” في إشارة إلى مبدأ “التحالف التاريخي والاستراتيجي مع القوى غير العربية في الشرق الأوسط،” الذي أرساه ديفيد بن غوريون.

        وفي مطلع عام 2017، أعلن رئيس الوزراء “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو عن دعم حكومته “إنشاء دولة كردية مستقلة” في الشمال السوري.

        أما قادة الكونغرس، فقد استنهضواً مشروعاً طالما بقي حبيس الأدراج طيلة العقود الماضية وصادقوا على قرار يعترف بالمجزرة الأرمنية على أيدي الإمبراطورية العثمانية، بالأغلبية المطلقة في مجلس النواب، 29 أكتوبر، وهي المرة الأولى منذ 35 عاماً الذي يقر فيه الكونغرس مصطلح “الإبادة الجماعية للأرمن،” على أعقاب قرار العقوبات ضد أنقرة، وتوطئة لزيارة اردوغان.

        يشار إلى أن المحاولات المتعددة السابقة لإصدار قرار مشابه في الكونغرس تعثرت جميعها بفضل ضغوط اللوبي “الإسرائيلي.” إذ تشير وثيقة رسمية لوزارة الخارجية في تل أبيب لعام 1987 دعمها التام “لتركيا في الضغط على الكونغرس الأميركي لإفشال تصويت على قرار يعلن يوم 24 نيسان/إبريل، من كل عام، يوماً للتضامن مع المذبحة الأرمنية.”

        قبل بضعة أيام من بدء لقاء الرئيسين أُفرج عن مضمون مذكرة داخلية في وزارة الخارجية الأميركية تتهم تركيا “بارتكاب جرائم حرب وتطهير عرقي” ضد الكرد في الشمال السوري (صحيفة نيويورك تايمز، 9 نوفمبر الجاري).

        صاغ المذكرة نائب المبعوث الخاص لسوريا والسفير الأميركي الأسبق لدى البحرين، ويليام روباك، قدمها لرئيسه جيمس جيفري، ينتقد فيها “تراخي” السياسة الأميركية مع تركيا والتي ينبغي أن تتميز بالتشدد الديبلوماسي وإنزال عقوبات قاسية عليها.

        حِرْص الرئيس ترامب على المضي بلقاء نظيره التركي جاء بالتزامن مع تصميم قادة الحزب الديموقراطي في مجلس النواب المضي في إجراءات التحقيق والاستماع لشهادات مسؤولين في الإدارة تمهيداً لمحاكمته وعزله.

        أتى حرصه على خلفية رغبته لصرف الأنظار، ولو قليلاً، عن إجراءات التحقيق الجارية، وهو أمر منطقي.

        بيد أن المستشار السابق لشؤون الأمن القومي، جون بولتون، أضاف أبعاداً أخرى لقرار الرئيس ترامب، خلال خطاب له مطلع الشهر الجاري أمام مجموعة (مورغان ستانلي) المصرفية في مدينة ميامي بولاية فلوريدا (شبكة أن بي سي للتلفزة، 12 نوفمبر الجاري).

        نقلت الشبكة عن بعض الحاضرين مباشرة قولهم إن بولتون “يعتقد بتوفر علاقة شخصية أو حتى عملية تتحكم بموقف ترامب من تركيا، لا سيما وأن لا أحد من مستشاريه (الحاليين) يشاطره الرأي في هذه المسألة.”

        إمعاناً في توضيح تداخل البعد الشخصي بالعملي بين ترامب واردوغان، نشرت صحيفة نيويورك تايمز، 12 نوفمبر، تقريراً مطولاً للعلاقة الحميمية بين الرئيسين والتي عهدا لتطبيقها إلى صهريهما، جاريد كوشنر وبيرات البيرق – زوج كريمة اردوغان ووزير ماليته، منوهة إلى المصالح التجارية العائدة لمجموعة ترامب في استانبول. البيرق من جانبه، وفق التقرير، أشاد بعلاقته المتينة مع كوشنر لتسهيل كافة القضايا ذات الاهتمام المشترك بين الرئيسين عبر “ديبلوماسية الأبواب الخلفية.”

        كما وأشار التقرير إلى “تقارب” ترامب مع اردوغان بخلاف توصيات “مستشاريه وقادة الكونغرس عن الحزب الجمهوري،” في مناسبتين: الأولى خلال مكالمتين هاتفيتين، 9 أكتوبر الماضي، وإبلاغه بانسحاب القوات الأميركية من الشمال السوري؛ والثانية، 7 أكتوبر، مؤيداً قرار تركيا بغزو المنطقة وزعزعة سيطرة الكرد عليها.

        وتحلى الرئيس اردوغان بحماسة مماثلة للقاء ترامب بغية ترميم علاقة بلاده. وأوضح السيناتور الجمهوري المقرب من ترامب، ماركو روبيو، أجندة من أربعة أركان تشكل هاجساً للرئيس التركي: تخفيف حدة العقوبات المفروضة على بلاده؛ الفوز بتسلم غريمه فتح الله غولن؛ وقف الدوريات العسكرية الأميركية المشتركة مع القوات الكردية في الشمال السوري؛ وإيصال رسالة شديدة الوضوح عن عزم تركيا التخلص من القائد العسكري لقوات قسد، مظلوم عابدي.

        الأجهزة الأمنية الأميركية أعربت للرئيس ترامب عن عدم رضاها لمساعي تركيا السيطرة على أبو بكر البغدادي، قبل تنفيذ القرار الأميركي باغتياله قصفاً. وأشارت لمقربيها في بعض وسائل الإعلام بأن البغدادي قصد الأراضي التركية قبل بضعة أيام من الغارة الأميركية لبحث ما تردد أنه يسعى لترتيب إقامته وعائلته هناك، مشددة على “تساهل واسترخاء” جهاز الاستخبارات التركي أمام البغدادي وعناصر داعش.

المتغيرات السياسية عند ترامب

أثنى الرئيس ترامب، خلال المؤتمر الصحفي المشترك مع اردوغان، على تركيا “كحليف رائع داخل الناتو وشريك استراتيجي للولايات المتحدة حول العالم.”

للوهلة الأولى لا يبدو ما يدعو للقلق أو الذهول من تصريح ترامب مصطحباً معه بعض قادة الكونغرس من الحزب الجمهوري للقاء اردوغان على انفراد، في خطوة غير مسبوقة مع رئيس دولة أجنبية زائر.

عند التمحيص فيما هو أبعد من ثمة إشارة عابرة لحليف تاريخي للمخططات الأميركية في المنطقة، نستحضر شبح وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر دائم الزيارة المنفردة للبيت الأبيض في بلورة توجهات ترامب، التي يكتنفها الغموض والتقلب في معظم الأحيان؛ بل هي رسائل قوية لأركان المؤسسة الحاكمة بأن السياسة “الحكيمة” تقتضي تفادي نزعة إشعال الحروب لزعزعة استقرار الأقاليم، وأن المطلوب إنجازه هو “توازن القوى.”

كيسنجر يشدد على تفوق الولايات المتحدة على الصين الصاعدة بقوة للمسرح الدولي، وروسيا التي يعتبرها بانها ضعيفة، لكن ضرورة التعايش معهما على قاعدة بينة من توازن القوى.

في النموذج “الكيسنجري” لا ضير من علاقة تقارب بين تركيا وكل من روسيا وإيران في الوقت الراهن، في الإقليم، ويتعين على الولايات المتحدة استغلال ذلك لمنع أي منهما من ترسيخ قدميها كقوى كبرى في الشرق الأوسط.

ويضيف النموذج عينه أن العنصر الأهم في سياسات الدول القوية هو توفر قيادة مركزية لديها قدرة على ممارسة المرونة في المواقف وعقد تحالفات بغية تصويب بوصلتها طمعاً في تحقيق توازن القوى، الذي سيبنى عليه سلام مقبول في المنطقة.

نظرياً، إن استمر الرئيس ترامب في تبني “النموذج الكيسنجري” لتوازن القوى في الشرق الأوسط، ينبغي عليه المحافظة على الانفتاح والتواصل مع اردوغان وآخرين وتسليط الجهود المشتركة لتحقيق التوازن المرجو.

الأمر الذي يؤشر بقوة على توجه الرئيس ترامب بعد انفضاض لقائه بالرئيس التركي، من خلال سرديته وتأييده للقضايا المشتركة، وإحالة أو ترحيل القضايا الخلافية لفرق متخصصة دون اسنادها ببرنامج زمني ناظم.

2019-08-11التحليل

التحليل

دلالات نتائج الانتخابات

الأميركية المحلية على السباق الرئاسي

          شهد مطلع الشهر الجاري سلسلة احداث في الأميركيتين، الشمالية والجنوبية، أشرت على تراجع التيارات اليمينية الحاكمة مقابل فوز منافسيها في القارتين.

الأرجنتين شهدت تحولاً ملحوظاً بفوز مرشح اليسار (تيار بيرون) ألبيرتو فرنانديز ونائبته الرئيسة السابقة كريستينا فيرنانديز دي كوشنر، خصوم واشنطن، شارك فيها “أكثر من 26 مليون ناخب .. فاز مرشحوه بالأغلبية الساحقة في مجلس الشيوخ” الذي ستترأسه نائبة الرئيس كريستينا.

كما فاز الرئيس البوليفي وحزبه “الحركة الاشتراكية” المناهض بشدة لهيمنة واشنطن بولاية رئاسية ثانية، 24 أكتوبر، ولجأت الولايات المتحدة لإسقاطه عبر انقلاب لم يكتب له النجاح، تبعه هبوط طائرته المروحية اضطرارياً في أعالي جبال الأنديز وسط تكهنات بمسؤولية أعوان واشنطن في الجيش بمحاولة لاغتياله.

وفي الاوروغواي، جنوبي الحدود البرازيلية، فاز مرشح “الجبهة العريضة” للرئاسة، دانيال مارتينيز، ذو برنامج الاشتراكية الشعبية، بنسبة مريحة.

لعل العنصر الأهم كان أثناء إعداد التقرير وهو إفراج المحكمة الفيدرالية العليا في البرازيل عن الرئيس السابق المحتجز لولا دي سيلفا، أحد أركان دول البريكس. عقب مغادرته السجن ألقى كلمة أمام حشد لمؤيديه دعاهم فيها للتظاهر ضد الفاشية الحاكمة، وسيقوم بجولة في مختلف انحاء البرازيل لاستعادة زمام المبادرة التي حُرم منها لنحو عام ونصف خلف القضبان بتهم فساد ملفقة.

مطلع الشهر الجاري أيضاً أجريت انتخابات محلية في بعض الولايات الأميركية لعدد محدود من المناصب، منها حكام الولايات ومجالس الكونغرس المحلية، اسفرت نتائجها عن خسارة كبيرة للحزب الجمهوري ومؤيديه في ولاية فرجينيا، مما حفز التكهنات الانتخابية للعام المقبل بصعود مرشحي الحزب الديموقراطي في مراكز حيوية. كما حقق الحزب الديموقراطي فوزاً بمجلسي الولاية، الهيئة التشريعية، لأول مرة منذ عقد التسعينيات من القر ن المنصرم.

من العلامات الفارقة في الانتخابات المحلية لولاية فرجينيا فوز مرشحة “مسلمة من أصول هندية” لمقعد في مجلس نواب الولاية، مما حمل يومية نيويورك تايمز على وصفها بأنها “علامة فارقة .. تعكس زيادة انخراط المرأة المسلمة في السياسة.” الفائزة بالمنصب غزالة هاشمي هاجرت للولايات المتحدة برفقة والديها وهي بعمر 4 سنوات، حصلت على شهادة الدكتوراه في اللغة الإنكليزية.

الولاية الحيوية الأخرى هي كنتاكي معقل رئيس مجلس الشيوخ الجمهوري ميتش ماكونيل، إذ فاز المرشح الديموقراطي (آندي بيشير) بمنصب حاكم الولاية، والذي شغل والده منصب آخر حاكم ديموقراطي للولاية لفترتين متتاليتين. يشار إلى أن الرئيس ترامب فاز بأصوات الولاية بفارق 30 نقطة مئوية في جولة الانتخابات الرئاسية لعام 2016.

اللافت في نتائج هذه الولاية، التي تميل بغالبيتها للحزب الجمهوري، برنامج الفائز بيشير الذي ركز على سياسات الرئيس ترامب بتقليص حجم الخدمات الصحية ورواتب التقاعد للمسنين؛ بينما حافظ مجلسي كونغرس كنتاكي على أغلبية للحزب الجمهوري.

ولاية الميسيسيبي، أقصى الجنوب، حافظت على تأييدها لمرشحي الحزب الجمهوري، في ظل حرص الرئيس ترامب على زيارتها في الحملات الانتخابية لتأييد مرشحي حزبه.

وحقق الحزب الجمهوري تقدماً ملحوظاً بعد فوز مرشحيه لمناصب مجلسي ولاية نيو جيرسي، بيد أن أغلبية المقاعد لا تزال تصب في صالح خصومه الديموقراطيين. الفوز المحقق كان محدوداً في منطقة جغرافية جنوبي الولاية تميل بغالبيتها للتيارات المحافظة.

انتخابات مدينة سياتل بولاية واشنطن، أقصى الشمال الغربي، شهدت منافسة حادة بين رؤوس الأموال الضخمة التي ضختها شركة أمازون تقدر بعدة ملايين من الدولارات لدعم مرشحها لمجلس البلدية ضد العضو “الاشتراكية” كشاما سوانات التي عارضت بشدة التسهيلات المقدمة للشركات الكبرى حلال توليها منصبها.

كما شهدت مدينة هيوستون بولاية تكساس انتكاسة أخرى للمرشح الديموقراطي لمنصب عمدة المدينة، بفارق بسيط بين المرشحين مما سيضطرهما إعادة جولة الانتخابات الشهر المقبل، وفق قوانين الولاية الناظمة للعملية الانتخابية.

عند السعي لاستقراء النتائج الأولية لتلك الانتخابات المحدودة من العسير البناء على استنتاجات تؤيد الحزب الديموقراطي بشكل خاص، لا سيما إذا أخذنا بعين الاعتبار تعدد المشارب والعوامل التي أدت لفوز مرشحيه، بعضها يعود للآلية الحزبية المنظمة وبعضها الأخر لطبيعة المرشح، كما شهدت ولاية كنتاكي.

المحصلة العامة لنتائج الانتخابات في هذه المرحلة المبكرة لا تدل على تحول كبير في المزاج العام من مسار التحقيقات الجارية في مجلس النواب لعزل الرئيس ترامب، على الرغم من توجيه بعض معاونيه السابقين تفسيرات تدعم التهم الموجهة إليه فيما عُرف بفضيحة “أوكرانيا غيت.”

أحدث استطلاعات الرأي ايضاً لا تدعم فرضية عزله، إذ جاء في استطلاع أجرته شبكة فوكس نيوز أن 51% تؤيد مسار التحقيق لعزله، وهي أعلى نسبة سجلت في هذا الصدد، لكنها لا تؤشر على أغلبية ساحقة كما يرغب الحزب الديموقراطي.

وأشار استطلاع موازٍ أجرته جامعة مونماوث، بولاية نيوجيرسي، إلى فقدان ثقة الأغلبية المطلقة من المستطلعة آراؤهم، 73%، في مسارات التحقيق؛ بينما أعرب نحو 60% من الديموقراطيين عن رغبتهم بإزاحة ترامب بصرف النظر عن طبيعة الحقائق والملابسات. في قراءة أخرى لتلك النتائج، نستطيع القول إن أغلبية الآراء تشير إلى مقارعة الرئيس وهزيمته في الانتخابات المقبلة.

تلك النتائج ينبغي أن تنعكس على إجراءات التحقيق الجارية في مجلس النواب، في ظل مناخ ديموقراطي سليم. بيد أن تشبث الحزب الديموقراطي بالتحقيق بغية العزل لا يمثل النبض العام من ناحية، ويضعه في مغامرة العزل وما يرافقها من انقسامات واصطفافات حادة داخل المجتمع بأكمله، عوضاً عن تحشيد الإمكانيات الانتخابية لهزيمة الرئيس ترامب في الانتخابات المقبلة.

إصرار قادة الحزب الديموقراطي المضي بإجراءات التحقيق يعود للرغبة في التوصل لبعض التفاصيل التي يمكن البناء عليها لإقصائه، وهي مغامرة غير محسوبة النتائج بدقة لعدم توفر أدلة تدعم تلك الرغبة بعد مضي نحو ثلاث سنوات على مساعي الإطاحة بالرئيس ترامب. بل أن قراءة واقعية لنتائج استطلاعات جامعة مونماوث، أعلاه، تقود المرء للاستنتاج بأن الغالبية الشعبية لا تثق بتصرفات وخطط الحزب الديموقراطي في مجلس النواب.

أما المرشح “الأقوى” لدى الحزب الديموقراطي، نائب الرئيس السابق جو بايدن، أضحى يعاني من صعوبات متعددة وهفوات في الأداء أسهمت في تراجع نسبة التأييد الشعبي من ناحية، وتقلص حجم التبرعات المالية من مصادر مؤيدة للحزب بشكل عام.

الدخول المحتمل لعمدة نيويورك السابق، مايكل بلومبيرغ، لحلبة السباق الرئاسي يؤشر على تبلور قناعة شبعه قاطعة داخل مراكز القرار في الحزب الديموقراطي بأن المرشح بايدن في طريقه ليصبح عبأً علية وينبغي انقاذ ما يمكن إنقاذه بعيداً عن تأييد المركز للمرشحيْن البارزين، بيرني ساندرز واليزابيث وارين.

في مواجهة تلك اللوحة في معسكر الحزب الديمقراطي، لا تزال قاعدة مؤيدي الرئيس ترامب تحافظ على تماسكها وتأييدها له، على الرغم من سيل الاتهامات والانتقادات الموجهة له. بل تميل قاعدة مؤيديه إلى “إهمال” الحملات المناوئة له وتبني سرديته بأنها ثمة “أنباء مفبركة.”

عند الأخذ بتلك المعطيات بعين الاعتبار، يمكننا القول أن قادة ومراكز قرار الحزب الديموقراطي أقلعت عن المنافسة الانتخابية الصرفة نتيجة “ضعف” مرشحيها المفضلين، واعتمدت أسلوب التحقيق والمضي به إلى النهاية كاستراتيجية بديلة.

يبدو أن الحزب الديموقراطي غير عابيء بنتائج التحقيق الحقيقية، خاصة وأن مسار ثلاث سنوات متواصلة لم يكشف عن انتهاكات صارخة قام بها الرئيس تستدعي اقصاءه، بل يمضي في إهمال ما يمكن أن تنجزه أغلبيته العددية في مجلس النواب وتركيز جهودها لسن تشريعات تحظى بتأييد العامة وتدعم حظوظ مرشحيه، وهي الخطة “السرية” لكسب الانتخابات كما يدل المسار التاريخي للانتخابات الأميركية.

الانطباعات الراهنة حول توقعات المراقبين لنتائج الانتخابات المقبلة تدعم فوز الرئيس ترامب نظراً لتماسك قواعده الانتخابية، مقابل انقسامات متعددة داخل صفوف خصومه، خاصة اذا لم تبرز فضائح او انتهاكات جديدة دامغة تطاله، فضلاً عن دروس التاريخ السابقة التي تشير إلى نجاح الرئيس بولاية ثانية في معظم الانتخابات الرئاسية الأميركية، باستثناء حالتي الرئيسين جيمي كارتر وجورج بوش الأب.

2019-28-10 التحليل

التحول الاستراتيجي الأميركي

لنزاع محتمل في بحر الصين

لوحظ مؤخرا اقدام فروع القوات المسلحة الأميركية على اجراء مناورات عسكرية مكثفة تحاكي بشكل خاص امكانية الاشتباك في بحر الصين الجنوبي وكان آخرها سلاح البحرية والمارينز.

رغم التركيز الإعلامي، الأميركي والدولي، حول المخاطر والتهديدات بنشوب حرب اقليمية في منطقة الخليج او الشرق الوسط عموما ، وخاصة مع استمرار حالة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران إثر انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي، يمضي الرئيس ترامب في إصراره على التذكير بضرورة الانسحاب العسكري من المنطقة وفي الوقت عينه ارساله قوات محدودة للسعودية او نقل تموضع بعض القوات في الأراضي السورية.

تتلاقى رغبة ترامب مع توجهات ودعوات عالية النبرة من داخل اجنحة المؤسسة الحاكمة بضرورة التحول شرقا وجنوبا في الاستراتيجية الكونية للولايات المتحدة. تم الترويج لهذه التوجهات في عهد اوباما ويعاد التركيز على الاستعداد للمواجهة الإستراتيجية مع روسيا والصين في كل الوثائق الهامة التي صدرت عن الإدارة الحالية والمتعلقة بالأمن القومي الأميركي.

          في مثل هذه الأيام من شهر تشرين الأول عام 2014، استندت البنتاغون في بلورة توجهاتها إلى وثيقة مطولة أطلقت عليها “الاستراتيجية العليا للولايات المتحدة،” أعدتها “جامعة الدفاع الوطنية،” مؤكدة فيها على العناصر والمكونات الأساسية للرؤى الاستراتيجية والتي “حافظت على تماسكها على مر العقود؛” أبرزها تجديد التأكيد على “مبدأ (الرئيس) مونرو” بتشريع التدخل العسكري في شؤون الدول الأخرى، وخاصة في أميركا الجنوبية والوسطى.

          أُدخل عليها تباعاً تعديلات تخص التحولات الإقليمية والدولية “.. والابتكارات التقنية والمؤسسات الملحقة بها (معتمدة) مبدأ الحرب الكونية على الإرهاب .. ونشر الديموقراطية، والسيطرة على منابع وتصدير الطاقة” وعناوين مماثلة، لتجد الآلة العسكرية نفسها منهكة عقب سلسلة حروب شنتها منذ عقدين من الزمن ولا زالت مشتعلة، مما أسهم ايضاً في مراجعة مراكز القرار الأساسية لبعض الاستراتيجيات المعتمدة.

          تدهور النزعة القتالية الأميركية حذر منها وزير الدفاع السابق، جيمس ماتيس، في شهادته أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، نيسان 2018، قائلا “التداعيات السلبية على الجهوزية العسكرية مصدرها الانخراط في أطول مرحلة متواصلة من المعارك في تاريخ البلاد، أسفر عنها بنية عسكرية تمددت فوق طاقتها بموارد أقل” مما تقتضيه المواجهات.

          يشكو بعض العسكريين من الأعباء الإضافية الملقاة على عاتق القوات الأميركية المنتشرة في مختلف أنحاء العالم. قائد سرب القوات البرمائية، لانس ليشر، أوضح في ندوة استضافها معهد سلاح البحرية الأميركية، منتصف الشهر الجاري، حجم المعاناة بأن قواته “ترابط في مياه الخليج العربي منذ زمن بعيد .. الآن وفي ظل تنافس القوى العظمى، فإن مهمتنا لا تقتصر على مسرح عمليات بحد ذاته؛ بل إننا نتوجه للانتشار في أي مكان في العالم وعلينا تنفيذ كافة تلك المهام.”

          تقارير ضباط الاستخبارات المتعددة أشارت إلى “تبديد الولايات المتحدة لموارها على مكافحة” المقاومات المحلية في أفغانستان والعراق عبر عقود من الزمن، بينما مضى خصوم واشنطن في تعزيز وتطوير ترساناتهم العسكرية المختلفة بكلفة أقل على رأسها “الصين وروسيا وإيران،” التي استغلت بمجموعها مواطن الضعف الكامنة في سلاح البحرية الأميركي “وشرعت في انتاج تقنية صاروخية أسرع من الصوت.”

          خصوم الولايات المتحدة، وفق شهادة وزير الدفاع السابق جيمس ماتيس، قد “استغلوا تلك المدة (انشغال واشنطن في الحروب) للاستثمار في تنمية القدرات العسكرية الهادفة لتطويق التفوق الأميركي في تقنية الأسلحة المتطورة،” بضمنها تقنية الشبح.

          في هذا المجال حذر خبراء الأمن القومي الأميركي من تخلف التقنية الأميركية في القرن الحالي، جسده عنوان لافت في أسبوعية فورين بوليسي “سلاح البحرية الأميركية غير جاهز لمواجهة إيران،” في معرض تناولها لطبيعة الرد الأميركي على إسقاط طهران لأحدث طائرات الدرونز التابعة للبنتاغون فوق مياه الخليج. (30 أيلول/سبتمبر 2019).

          وأضاف تحذير النشرة بأن واشنطن كانت على مستوىً عالٍ من الثقة في المراحل السابقة باعتمادها لعقود طويلة على “تفوقها في سلاح الجو والتحكم بمياه البحار.. اكتفت بأرسال حاملات طائرات أو فرقاطات على متنها صواريخ كروز لأي منطقة نزاع محققة إنجازات عاجلة دون ان تضطر لإطلاق حممها.” بينما الآن، وفق التقرير أعلاه، فإن “قدرة الولايات المتحدة على استعراض قوتها في مياه الخليج .. ليست بالقدر الذي اعتادت عليه في السابق.”

يشار أيضاً في هذا الصدد إلى أطروحة ضابط سلاح حرس الشواطيء الروسي السابق، والمقيم في الولايات المتحدة، أندريه مارتيانوف، في كتابه بعنوان “الثورة الحقيقية في الشؤون العسكرية” (أيلول/ سبتمبر 2019) بأنها تكمن في “تطوير روسيا لنظم أسلحة جديدة .. ليس بوسع الولايات المتحدة التغلب عليها فحسب بل لا يتوفر لديها منظومات بديلة.”

ويستنتج الكاتب الذي ينقل عنه نظراءه الأميركيون بأن “تداعيات الثورة العسكرية (الروسية) أدت لخسارة الولايات المتحدة تفوقها الجيو- سياسي .. وإعادة ترتيب العالم وفق نظام تعدد القطبية.”

          من بين نواقص الترسانة البحرية الأميركية نجاح كل من الصين وروسيا في تطوير “سلاح غواصات جديد يعمل بمحركات ديزل لا تصدر ضجيجاً،  وتقدم في الألغام البحرية وتقنية متطورة لزوارق الطوربيد .. مما أسفر عن تعقيد المهام أمام حاملات الطائرات الأميركية التي لم تعد تتمتع بخاصية التحصين من الاستهداف المعادي.”

          والسلاح الأقوى لدى روسيا والصين هو “قاتل حاملات الطائرات،” وهو صاروخ مضاد للسفن من طراز DF-21 يبلغ مداه 1،000 ميل “وبهذا يتفوق على أي مدى للطائرات المقاتلة على متن الحاملات” الأميركية الحديثة، فضلاً عن سرعته الفرط صوتية.

          حرصت الصين على إبراز أحدث ما لديها في عرضها العسكري بمناسبة الذكرى السبعين لتأسيس الجمهورية كان أبرزها الجيل الثالث من الصاروخ المشار إليه، DF-41، أشركت نحو 16 صاروخاً في العرض، وهو منظومة محمولة يبلغ مداه 15،000 كلم، أي 9،400 ميلاً، باستطاعته حمل وإطلاق “10 رؤوس حربية موجهة لعدة أهداف في آن واحد.”

          تقييم الخبراء العسكريين لدى البنتاغون أن أبرز مزايا ذاك الصاروخ المحمول هو الفترة الزمنية القصيرة التي يحتاجها للإعداد والانطلاق نحو الهدف “وسيكون صعباً اعتراضه وهو جاثم على الأرض.” بل فإن “.. معظم نظم الأسلحة المشاركة في العرض العسكري كانت من النوع المحمول على عربات .. وفي حال نشوب نزاع يتعين على سلاح البحرية الأميركية إخلاء المنطقة بالكامل،” أي بحر الصين الجنوبي.

          من ضمن استنتاجات أولئك الخبراء أن تقنية الأسلحة الفرط صوتية، لدى الصين وروسيا، تحيل “نظم الدفاع الصاروخية (الأميركية) عديمة الفائدة على الأغلب.” استند ذاك الاستنتاج إلى نجاح إصابة منشآت أرامكو في السعودية، 14 أيلول/سبتمبر الماضي، واكتشاف “.. السعودية بأن الترسانة الأميركية لا تضم منظومة للدفاعات الجوية قادرة على التصدي للصواريخ الباليستية وطائرات الدرونز.”

          ورد في التقرير السنوي المقدم من وزير الدفاع للكونغرس حول قوات الصين العسكرية، 2 أيار/مايو 2019، أن قادة الصين “استفادوا من .. الفرصة الاستراتيجية في العقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين لتطوير الداخل ونشر مفهوم “القوة الوطنية الشاملة” للصين،” والاستثمار في “تحديث ترسانتها العسكرية وتطوير التعليم والقوى البشرية وتوظيفها في البنى التحتية .. طمعاً في الوصول إلى مرحلة التفوق الإقليمي والبناء عليها لبسط نفوذها على المستوى العالمي.”

          بالتوازي مع تقرير وزير الدفاع حول الصين، ارتفع منسوب مطالبة العسكريين وأنصارهم في الكونغرس بزيادة حجم الإنفاقات العسكرية وتصويب الثقل العسكري للأمن القومي الأميركي باعتماد سردية بأنه لم يبقى للولايات المتحدة من خيار سوى “إعادة تنظيم القوات المسلحة وتوجيهها للدخول في مرحلة منافسة بين الدول العظمى .. أنها منافسة استراتيجية طويلة الأجل.”

          كذلك أشارت وثيقة البنتاغون المحورية “استراتيجية الدفاع الوطنية للولايات المتحدة،” 2018، إلى طبيعة الصراع الدولي بين القوى العظمى كونه “ردع أو إلحاق الهزيمة بدول عظمى معتدية يختلف بطبيعته بشكل كبير عن تحديات المواجهات الإقليمية التي تضم دولاً مارقة ومنظمات متطرفة تستخدم العنف والتي واجهناها عبر 25 سنة الماضية.”

          معدل إنفاق الولايات المتحدة اليومي على الشؤون العسكرية يبلغ 2.75 مليار دولار، وفق بنود الميزانية الدفاعية لعام 2020، وذلك عند احتساب ميزانيات البنود الأخرى الملحقة بها مثل “وزارة الأمن الداخلي، 52 مليار؛ ميزانية الطوارئ الخارجية، 26 مليار) حسبما أفادت الميزانية المقدمة في شهر نيسان من العام الجاري، والتي يبلغ مجموعها الإجمالي 989 مليار دولار، يشكل بند البنتاغون المعلن 576 ملياراً لشراء وتطوير حاملات طائرات وأسلحة مختلفة.

          واكب تلك الزيادات غير المسبوقة استثمارات بحجم القوات الخاصة، لا سيما في عهد الرئيس السابق باراك أوباما، وإمدادها بنظم تسليح خفيفة لتنفيذ مهام التدخل السريع. بيد أن عديدها الذي يقدر ببضعة آلاف لا يستطيع الصمود أمام “مئات الآلاف من القوات الروسية او الصينية؛” فضلاً عن أن أحدث العربات العسكرية المدرعة المضادة للألغام من طراز “سترايكر،” المستخدمة بكثرة في أفغانستان، غير فعالة أمام الأسلحة الرشاشة الحديثة للخصوم الروس والصينيين، كما أثبتت تجارب أفغانستان.

          يتضح مما تقدم أن بوصلة التحرك العسكري الأميركي هي باتجاه السيطرة أو الاشتباك في بحر الصين الجنوبي، مع تذكير بعض قادة البنتاغون بتقنية الصين المتطورة، لا سيما الفرط صوتية، مما “يحيل منظومات الدفاع الجوي الأميركية على متن السفن الحربية عديمة الفعالية.”

للتعويض عن ذلك، منح سلاح القوات البرية الأميركية، مطلع شهر أيلول الماضي، مجموعتين مستقلتين من الصناعات العسكرية عقداً لتطوير “صواريخ فرط صوتية” للحاق بالتفوق الروسي والصين، وسط تحذيرات خبراء نظم الصواريخ بأن أطلاق روسيا أو الصين لذاك السلاح فائق السرعة من على غواصة يستغرق مدة لا تتعدى 60 ثانية لتصل إلى البيت الأبيض أو البنتاغون؛ وذلك حسب مدى اقتراب الغواصات من الأهداف الأميركية.

تستطيع الصين بصاروخها الجديد المتطور أن تستهدف اراضي الولايات المتحدة خلال 30 دقيقة يطلق من قواعده في الأراضي الصينية.