2019-13-09 التحليل

التحليل

طرد بولتون لن يغطي على

خيبات السياسة الأميركية

 

          سرعة إقالة، أو استقالة، جون بولتون من منصبه كمستشار الرئيس للأمن القومي كانت مفاجئة في بعدها الزمني ليس إلا، إذ استبقها إعلان البيت الأبيض بشكل رسمي عن مؤتمر صحفي يعقد هناك، صباح يوم 10 أيلول/سبتمبر، بحضور الثلاثي وزيري الخارجية والخزانة ومستشار الأمن القومي. انعقد المؤتمر القصير بغيابه بعد قرار إقالته ببضع ساعات.

          التوقف لسبر أغوار ما جرى ليس بالأمر العسير نظراً لطبيعة التكتلات والاصطفافات والخلافات الحادة التي جسدها بولتون داخل المشهد السياسي بخيار القوة العسكرية الأميركية لغزو العالم والإطاحة بالنظم والدول المناوئة لسياسات بلاده.

          كما أنه ما برح يمثل الشرائح والمصالح الأميركية الأشد عدوانية الساعية لإزاحة المنافسين الدوليين عبر الاستثمار الهائل بالترسانة التسليحية، وقدرتها على تبني الدولة أضخم ميزانية عسكرية في تاريخها.

          بيد أن الحلول الأحادية التي تبناها واعتمدها بولتون والقوى الداعمة له في المؤسستين السياسية والاستخباراتية لم تؤت أكلها كما كان مراداً لها، بل ارتدت بنتائج مغايرة على هيبة ومصداقية البلاد؛ لا سيما في التحشيد الهائل ضد فنزويلا وكوريا الشمالية وسوريا وإيران، فضلاً عن سلسلة ملفات أخرى متصلة كالحرب على اليمن وأفغانستان.

          الاستراتيجية الأميركية الكونية أفصحت عن خطواتها المقبلة منذ أفول الحرب الباردة الممثلة بالتوجه شرقاً لمحاصرة الصين وروسيا، مما اقتضى التعديل في بعض الأولويات والتوجهات في ظل تشظي عدد من دول أوروبا الشرقية، يوغسلافيا وتشيكوسلوفاكيا، وخروج منطقة “الشرق الأوسط” تدريجياً عن سلّم الأولويات الأميركية، بانكفاء “إسرائيل” عن الجنوب اللبناني عام 2000، وهزيمتها عام 2006، وتراجع أهمية المخزون النفطي لصالح الإنتاج الأميركي.

          صلافة بولتون في تعامله الاستعلائي والعنصري ضد زعيم كوريا الشمالية، وتهديده له بأنه يتعين عليه حذو النموذج الليبي بتسليم واشنطن كافة ترسانته النووية والصاروخية والكيميائية، أسهم مباشرة في خلط الأوراق والأولويات الأميركية، بينما انشغل الرئيس ترامب في الانفتاح والتقارب وعقد لقاء قمة مع الزعيم الكوري في الوقت عينه.

          صمود بيونغ يانغ أمام التهديدات الأميركية وتحديها بالمضي في التجارب الصاروخية، بدعم وتأييد كل من الصين وروسيا، أرسل جملة رسائل مشفرة لصناع القرار بأن الحرب النووية التي تهدد بها واشنطن لن تكون محصورة في شبه الجزيرة الكورية وحدها، لا سيما في قواتها العسكرية المرابطة هناك والتي ستكون أول ضحايا المواجهة.

          لعل عامل القلق الجديد داخل الأوساط الأميركية هو تطوير بيونغ يانغ قدراتها العلمية لغزو الفضاء رصدتها المؤسسات الاستخباراتية ممثلة بإعلان كوريا الشمالية عن ضرورة الحفاظ على محطة الفضاء الدولية للأغراض السلمية، 13 أيلول/سبتمبر الجاري، حسبما أفاد به مركز أميركي لرصد تطورات كوريا الشمالية NKNews.org.

          أيقنت المؤسسة الحاكمة، الاستخباراتية والعسكرية، أنه آن الأوان لتغيير الحصان الخاسر وتحميله وحده مسؤولية الفشل المتواصل للسياسات الفجة المتبعة التي أدت لعزوف أقرب حلفاء واشنطن عن مشاطرتها سياساتها وتوجهاتها الخارجية، لا سيما في إيران والتجارة الخارجية مع الصين، وما لبثت أشد القيادات السياسية المفرطة في عنصريتها أن ابتعدت تدريجيا عن مسلك وحكمة مستشار الأمن القومي، وأيدت قرار اعفائه من مهامه على الفور.

          بولتون وفشله المتكرر في جملة ملفات متتالية جدد سيل الانتقادات الداخلية، أبرزها عزوف دول الاتحاد الأوروبي عن التراجع بالالتزام بالاتفاق النووي مع إيران، بالدرجة الأولى، وتعاظم قلقها من انسحاب واشنطن من المعاهدة النووية مع موسكو محذرة من نشر الأولى أسلحة صاروخية جديدة على أراضيها، بل إعلان أقرب حلفائها (ألمانيا بشكل خاص) عن رفضها الصريح لأي طلب أميركي محتمل لنشر أسلحة متطورة.

          علاوة على القلق الأوروبي الداخلي المشروع من سباق تسلح جديد على حساب دوله قاطبة، فقد أدرك قادته مبكراً الدور المحوري لجون بولتون لانسحاب بلاده من الاتفاق النووي من جانب واحد مما أسفر عن “.. تحشيد جهود أصدقاء وأعداء واشنطن لمناهضة محاولات الأخيرة لتفكيك وتدمير اتفاقية التزمت بها الأطراف الموقعة عليها، لا سيما إيران،” وفق توصيف ضابط الاستخبارات البريطاني الأسبق شارلز شوبريدج.

          وأبلغ الأوروبيون حلفائهم الأميركيين رسائل صريحة متكررة، وفق معلومات شوبريدج، بأن “.. مغامرات بولتون عرّت وعززت عوامل الضعف الأميركية وأسهمت في عزلتها الدولية؛ وضاعفت من منسوب الريبة والشك لاستدراجهم عنوة للمشاركة في حرب بقيادة واشنطن لن تعود عليهم إلا بكوارث جديدة.” بل لن تجد واشنطن من يؤيدها “.. سوى إسرائيل وربما بريطانيا التي تواجه عزلة مرئية بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي.”

          تضافر تلك العوامل والضغوط إن دل على مغزى معين قد حفز المؤسسة الأميركية بكامل أجنحتها والمصالح الاقتصادية الكبرى التي تمثلها على تعديل البوصلة، وإظهار تأييدها لسياسات الرئيس ترامب المتسقة مع وعوده الانتخابية بعض الشيء، وإنقاذ الحزب الجمهوري من حالة الترهل تمهيداً لإعادة انتخابه لولاية ثانية، مما يقتضي تحقيق بعض الإنجازات الملموسة لاستثمارها انتخابياً.

          باستطاعة المراقب الحصيف للمشهد السياسي الداخلي الأميركي رصد حالة الإحباط المنتشرة بين النخب السياسية والاستخباراتية على السواء من عدم تحقق نبوءاتها السابقة بأن السياسات المتشددة والإغداق السخي غير المسبوق على الترسانة العسكرية ستضاعف “الاستقرار الأمني” المنشود للولايات المتحدة؛ بل أدت لنتائج مخيفة وأسهمت في زيادة عزلتها ورفع شأن منافسيها الدوليين، لا سيما الصين وروسيا وإيران أيضاً.

إقصاء بولتون حظي بإجماع التيارين الرئيسيين في المؤسسة، ممثلاً بالحزبين الجمهوري والديموقراطي؛ مما وفرّ حيز مناورة مرحلية أوسع للرئيس ترامب في توجهاته لا سيما فيما يخص بالاستدارة مرة أخرى نحو إيران وقرب إفراجه عن جزء كبير من ثرواتها المحتجزة والمجمدة في المصارف الغربية والأميركية، تمهيداً للقاء يجمعه بالرئيس الإيراني على هامش أعمال الدورة السنوية للجمعية العمومية للأمم المتحدة.

تبادل ترامب وبولتون مفردات قاسية بعد إعفائه أعاد للواجهة بعض الشكوك الأولى بأن ذاك الثنائي استخدم بعناية فائقة على المسرح الدولي للعبة مزدوجة “الرجل القاسي والأخر المتعاطف” علها تخدم الاستراتيجية الكونية بأقل الخسائر الممكنة. خروج بولتون بالشكل المهين عزز المقولة بأنه استنفذ غرضه عند المؤسسة كشماعة تهديد لمناوئي الهيمنة الأميركية، وبات الرئيس ترامب متحرراً من سياسة “قيود العقائدية الجامدة – الدوغماتية” لانتهاج سياسة عالمية ظاهرها أكثر انفتاحاً لترميم هيبة ومكانة واشنطن.

مصير بولتون

 

 من غير المرجح أن يلتزم جون بولتون السكوت والهدوء بعد اقصائه وتأكيده على الفور “.. استقلت، بعدما عرضت ذلك ليلة أمس” على الرئيس. المقربون والمناوئون لبولتون يجمعون على نزعته لتسريب ما يشاء من معلومات ومواضيع تخدم أجندته المتشددة والقوى الداعمة له بين تيارات المحافظين واللوبي “الإسرائيلي.”

وأشار عدد من موظفي البيت الأبيض للصحافيين أن بولتون عمد الاتصال مباشرة مع معارفه وأصدقائه بينهم والتواصل عبر تغريدات ورسائل شخصية “للتوضيح بأنه لم يتم إعفاؤه، وانما خياره الخاص.” أمر لم تشهده واشنطن منذ عصر الرئيس الأسبق نيكسون وفضائح ووترغيت.

جردة سريعة لسجله “وانجازاته” في غضون الشهور التسعة الماضية تدل على نجاح تشويشه “بإفشال لقاء قمة هانوي بين الرئيسين الأميركي والكوري الشمالي، وتحفيز الأخير على التزام التشدد والحذر؛ الدعوة لشن غارات جوية على إيران، والتصرف الأحادي لإرسال قطع بحرية أميركية لمياه الخليج خارج القنوات المألوفة والمعتمدة؛ الفشل الذريع في إنجاز انقلاب عسكري في فنزويلا؛ إعتراض وإفشال خطة الرئيس ترامب بالانسحاب من سوريا؛ الدفع باتجاه تصعيد الوجود العسكري الأميركي في أفغانستان ..”

بيد أن حقيقة الأمر تدل على أن تصرفاته وأجندته لم تكن بدافع فردي، بل منسجمة ومتطابفة مع الأهداف الاستراتيجية العليا لصناع القرار في المؤسسة الحاكمة بكل تشعباتها، سياسياً وعسكرياً واستخباراتياً واقتصادياً.

للدلالة على تعارض أجندة المؤسسة مع “بعض” سياسات ترامب تنبغي الإشارة إلى قرار مجلس الشيوخ مطلع العام الجاري “بتوبيخ” الرئيس لإعلانه الانسحاب من أفغانستان وسوريا، بأغلبية عالية 68 صوتاً مؤيداً مقابل 22 معترضاً.

من سيخلف بولتون كمستشار مؤهل للأمن القومي ويحظى بدعم ترامب؟ تحقيق الشرطين في آن واحد يعد أمراً ينافي الواقع والمشهد الراهن نظراً لطبيعة تصرفات ترامب من جهة، ونفوذ المحافظين الجدد وأشد العنصريين ضراوة على التحكم بمراكز القوى.

بيد أن المتداول المرئي للحظة يشير إلى أن الرئيس ترامب لديه قائمة من المرشحين المفضلين، قيل إنهم تسعة وربما عشرة أفراد، يجمعهم الانتماء لذات التيار العنصري والمتشدد، مع بعض التباين البسيط، جلهم ذو خلفية عسكرية واستخباراتية؛ أحدهم هو العقيد دوغلاس ماكريغار والمؤيد للرئيس ترامب الذي طاف على عدد من المؤسسات الإعلامية مروجاً لسياسة أميركية تستند لتقليص الحضور العسكري الأميركي عبر العالم؛ ومنتقداً بولتون وسياساته، بل اتهمه بأنه يعد لمسرحية “خليج تونكين” جديد لاستدراج الولايات المتحدة لحرب أخرى مع إيران.

ذات التيار المتشدد سعى في الأيام القليلة الماضية للضغط على ترامب بتعيين وزير الخارجية مايك بومبيو لذاك المنصب مع احتفاظه بمنصبه الحالي، أسوة بما قام به وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر. والتقى بالرئيس على انفراد لمدة أربع ساعات متواصلة، لكن ترامب عدل عن تلك الفكرة في الوقت الراهن.

الاختيار المقبل لمنصب المستشار سيخضع لطبيعة التوجهات السياسية المنظورة للرئيس ترامب، مع حرصه على إرضاء المحافظين الجدد لهوية المرشح، عنوانها الأبرز سيؤشر على إذا ما كان إعفاء بولتون يشكل نقطة تحول حقيقية في استدارة الاستراتيجية الأميركية، أم امتداداً للمرحلة السابقة مع تعديل بالمفردات، أو عنواناً لإعادة توازن الاصطفافات بين المحاور الرئيسة داخل المؤسسة الحاكمة.

2019-07-09 التحليل

التحليل


الصين صعود فارق لنفوذ لاحق

         تجمع النخب السياسية والبحثية الأميركية على تراجع النفوذ الأميركي في العالم قاطبة ودخول الصين بقوة على المسرح العالمي واجتيازها مرحلة كونها “مستودع لإعادة تصدير بضائع” السوق الاستهلاكية الرأسمالية إلى مصاف القوى العالمية.

         من بين أبرز النخب الفكرية الأميركية كان معهد بروكينغز الذي حذر في دراسة له بعنوان “الهيمنة الغربية على الساحة العالمية تشرف على نهايتها – ونحن الآن ندخل عصر النفوذ الصيني،” (29 كانون ثاني/يناير 2017)؛ بعد استعراض شامل لإرهاصات تطور الصين ومعاناتها التاريخية من “.. غزوات أوروبية وإهانة ونهب ممنهج لخيراتها، لكنها تمسكت بسيادتها بقوة، واستطاعت استعادة السيطرة على مواردها مع نهاية القرن العشرين.”

         بيد أن الصين لا زال أمامها مشوار غير يسير لاستعادة كافة أراضيها، لا سيما هونغ كونغ وجزيرة فرموزا – تايوان والسيطرة على بحر الصين الجنوبي؛ مقارنة باستكمال الكيان السياسي الأميركي وسيادته على أراضيه منذ نهايات القرن الثامن عشر.

         دخول الصين عصر النهضة الراهن جاء تتويجاً لصعود رئيسها الحالي، شي جين بينغ، باعتقاد النخب السياسية الأميركية، والذي وعد شعبه بخطاب مطول في تشرين الثاني/نوفمبر عام 2012 بتحقيق “حلم الصين (الموحدة) … والتجديد العظيم للأمة الصينية التي عانت من مشقات وتضحيات بالغة .. ولم يستسلم شعبها أبدا، وواصل نضاله دون انقطاع، وفي النهاية فاز بتقرير مصيره بيده.”


الصين: الأولوية للسيادة

         من بين الدراسات الغربية الرصينة حول نفوذ الصين التصاعدي، تنبؤ الأستاذ الجامعي البريطاني، روبرت بيكرز Robert Bickers، في مؤلفه الصادر مطلع عام 2017 “خارج الصين: كيف أنهت بكين عصر الهيمنة الغربية،” باستعراضه عناصر الجذب والترابط والرفض التي ميزت تعامل الصين مع المراكز الغربية على الدوام؛ مؤكداً أن استحداث الصين “للنزعة القومية” جدير باستيعابها ومدى تجذرها في الوعي الشعبي، ماضياً وحاضراً .. والتي أضحت نتيجة منطقية ترافق القوة (الاقتصادية) المكتسبة بمشقة.”

         ويمضي مؤكداً على حتمية “قيام الصين القوية اقتصادياً بترجمة نفوذها وذاتها على العالم، والذي قد يستغرق زمناً قصيراً للتعود عليه، لكنه سيحدث حتماً.” وفي مكان آخر يشير إلى عزم الصين على التوصل “للاكتفاء الذاتي كعنصر أساسي لتعزيز حضورها بين الأمم وتجسيداً لمطالبها باستعادة السيطرة على أراضيها،  وعدم العودة مرة أخرة لمرحلة تهديدها بالقوة.”


الحرب التجارية

         احتدام التنافس التجاري والسيطرة على الأسواق، بين الأقطاب الاقتصادية الكبرى في مرحلة العولمة دفع بالصين إلى تصدر مكانة الإنتاج الأبرز في الاقتصاد العالمي، بصرف النظر عن طبيعة نظام الحكم الذي لا يزال يستند إلى تراث “الحزب الشيوعي الصيني” في شرعيته. الأمر الذي أثار حفيظة أميركا بشكل رئيس في العقدين الماضيين، استنهضت واشنطن كل ما لديها من أسلحة، حربية وناعمة وعدائية عنصرية، لمواجهة وتقليص تغلغل ونفوذ الصين في الأسواق العالمية.

         ما شهدناه مؤخراً من تبني واشنطن لتدابير وإجراءات “عقابية” على المنتجات الصينية، تبادل فيه الطرفان خطوات انتقامية أدت لزيادة الرسوم الجمركية على منتجات البلدين وارتفاع غير مبرر في أسعار السلع والمنتجات لا سيما عند بدء العام الدراسي في الولايات المتحدة وتحمل المواطن أعباء إضافية لا قدرة للسواد الأعظم عليها.

         وحملت يومية الاقتصاد والمال الأميركية وول ستريت جورنال سياسات البيت الأبيض العشوائية مسؤولية التدهور محذرة من “تفاقم مخاوف الاسواق من أن توقد النزاعات التجارية بين البلدين شرارة ركود في الاقتصاد الأميركي.”

وأوضحت ان النتائج الأولية الملموسة لتلك السياسات أسهمت في “فقدان الثقة بالشركات الأميركية الصغيرة .. نحو 670 مصلحة، بسبب رسوم فرضها ترامب؛ وإعاقة التبادل التجاري بين العمالقة الصناعيين في آسيا، وتضرر نشاط المصانع التي يقوم عملها أساسا على التصدير في الدول الأوروبية.” (5 سبتمبر الجاري).

         وأردفت أن “الرسوم الجمركية على السلع المستوردة تزيد من الضغوطات على الشركات المتعددة الجنسيات عندما يتعلق الأمر بالتكاليف، وهذا ما يجعلها تبحث عن طرق بديلة لتعويض خسارتها .. كما أشارت بعض الدراسات الاستقصائية إلى تراجع الأنشطة الصناعية في اليابان وتايوان وكوريا الجنوبية وإندونيسيا، مع نتائج متباينة في الصين. أما في أوروبا فقد سُجل انخفاض ملحوظ في الأنشطة الصناعية في ألمانيا، التي تعد المورد العالمي الرائد للآلات والمعدات التكنولوجية.”

         أبرز النزاع التجاري بين بكين وواشنطن عوامل صراع أشد بينهما كانت كامنة في معظمها لوقت قريب جذرها سياسي بأبعاد استراتيجية بالدرجة الأولى، لا سيما لعزم الصين الثابت في ممارسة سيادتها على أراضيها ومياهها الإقليمية، بمواجهة التعزيزات العسكرية الأميركية على مقربة منها؛ ومسؤولية الأمن الإقليمي في مياه بحر الصين الجنوبي، وخطة الصين الاستراتيجية في الانفتاح الاقتصادي المدمجة في “طريق الحرير” الجديد الذي سيصل أقصى مناطقها بكافة الدول الأوروبية براً، مروراً بكامل الجغرافيا الفاصلة بين الصين وألمانيا، وما هو أبعد.

         البيت الأبيض تشبث بقراراته السابقة بفرض الرسوم الجمركية تصاعدياً، على ما قيمته 550 مليار دولار من المنتجات الصينية، أخرها ستدخل حيز التنفيذ منتصف كانون الأول/ديسمبر من العام الجاري، بنسبة 15% على “الهواتف الخلوية وأجهزة الكمبيوتر المحمولة ولعب الأطفال والملابس” في ذروة التسوق احتفالاً بأعياد الميلاد والسنة الجديدة.

         في الوقت عينه، أكد البلدان على إدامة التواصل بينهما على مستويات رفيعة بغية التوصل لصيغة اتفاق ترضي الطرفين، على الرغم من تزايد منسوب القلق من نوايا بعضهما البعض؛ لكنها محاولة أميركية لترضية حلفائها الأوروبيين بالدرجة الأولى والإعلان عن التمسك بمعاقبة بكين فيما بعد. الأخيرة أعلنت أن وفدها الرسمي سيصل واشنطن منتصف شهر أكتوبر المقبل.

         استراتيجية الصين في التعامل مع النزعات الأميركية المتبدلة عنوانها الصمود والصبر والقدرة على التحمل، مع ادراكها العميق أن غالبية صادراتها، 80%، تذهب لأسواق الدول الأخرى خارج أميركا، مما يتيح لها قدراً أعلى من المناورة والخيارات البديلة.

         بالمقابل، تنظر واشنطن إلى ارهاصات ومظاهرات مقاطعة هونغ كونغ، المعادية لبكين، بعين العطف وتقديم الدعم للمحتجين، رغم انكارها الخجول، كوسيلة ضغط إضافية على المفاوض الصيني لتقديمه تنازلات قاسية. يشار إلى أن سيادة المقاطعة ستعود بالكامل لبكين عام 2047، وفق الاتفاقية المبرمة مع التاج البريطاني.

وفي الخلفية أيضاً سعي الدوائر الأميركية لإشعال التوترات في مقاطعة “شينغ يانغ” اقصى غربي الصين، التي تقطنها أقلية الإيغور القومية، وإدامتها هناك طمعاً في اقتطاعها عن البلد الأم على طريق تقسيم الصين، أسوة بجزيرة تايوان التي حرصت واشنطن مؤخراً على بيعها طائرات مقاتلة أميركية حديثة لتعميق الشرخ بينها وبين البلد الأم، ورسالة مفادها أن واشنطن ستفرد مروحة حمايتها للجزيرة عززتها بتحريك قطعها البحرية في مياه المضيق الفاصل بين الجزيرة والأراضي الصينية؛ فضلاً عن استمالة الدول الإقليمية بالقرب من الصين لصالحها وتجديد نزعة العداء التاريخي بينها وبين الصين؛ أحدثها فيتنام التي زودتها واشنطن بستة زوارق حربية لتعزيز حراستها لشواطئها.

تحافظ واشنطن أيضا على تأجيج العداء الإقليمي لاستراتيجية الصين “الحزام والطريق،” عبّر عنه المركز الأمني لأميركا الجديدة بالقول “تحت مظلة الحزام والطريق، تسعى بكين الترويج لعالم مترابط عبر شبكة للبنى التحتية ممولة صينياً .. لكن لها أبعاد أخرى فضلاً عن المبادرة الاقتصادية؛ أذ ما هي إلا وسيلة محورية لتعزيز طموحات الصين الجيو-سياسية.”

بالرغم من تلك الاستراتيجية الطموحة والسيولة المصرفية الهائلة لدى بكين، وسخاء استثمارها في بنى الدول الإقليمية التحتية – ومن ضمنها سوريا، لكنها تسير بحذر شديد في المرحلة الراهنة كي لا تستعدي واشنطن وتدخل في مواجهة مباشرة معها في ظل عدم نضوج استعداداتها لها.

ربما تلك الاستراتيجية الصينية توازي في مفارقتها السياسة الأميركية عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى، والتي جسدتها بالاستثمار في بنيتها التحتية الداخلية وفيما بعد بالبنى الأوروبية المدمرة. بيد أن نزعة واشنطن التوسعية المتأصلة استثمرتها بداية في السيطرة على القارة الجنوبية بتدخلها عسكريا في أميركا الوسطى منذ عقد العشرينيات من القرن الماضي، ما لبثت أن تبلورت ونضجت نواياها الاستعمارية للسيطرة على موارد وخيرات الكون بأكمله؛ بدء

2019-30-07 التحليل

 التحليل

واشنطن تجهز تقنية “الروبوت”

لاستخدامها في حرب الفضاء الجارية

 

       دخل الغاء الاتفاق النووي للأسلحة النووية المتوسطة، من الجيل القديم، بين موسكو وواشنطن، حيز التنفيذ رسمياً مطلع شهر آب الجاري؛ ومن ثم يستأنف الطرفان سباق تسلح نووي يسخر الفضاء الخارجي كساحة صدام مرتقبة وفق التصريحات الأميركية الحادة بمضامينها العدوانية، قابلتها روسيا بخطاب يستند إلى الكياسة الديبلوماسية لكنها ماضية في خططها لإدخال أسلحة من نماذج جديدة في الفضاء الخارجي، أسلحة مضادة للأقمار الإصطناعية.

       لم تعد الحرب الحديثة (الباردة) تقتصر على تكثيف جهود القرصنة عبر المنظومة الالكترونية، بالغة الأهمية والتعقيد لدى الطرفين، بل تنذر بتمدد الأسلحة إلى أنماط لم تعهدها البشرية من قبل بتسخير تقنية الروبوت، أو الحوامات الآلية الصغيرة لتنفيذ مهام متعددة وخطيرة نيابة عن العنصر البشري.

       سبق وأن تناول المركز في عدة تحاليل سابقة “حرب الفضاء” الجارية بين العواصم الكبرى عنوانها تقنية الأقمار الاصطناعية التي لم تعد حبيسة أدراج أفلام الخيال العلمي، بل أقرب إلى النضوج والإعداد لا سيما في أعقاب إعلان الرئيس ترامب، منتصف العام الماضي، عن تشكيل “قوة فضائية” كذراع مستقل في تشكيلة أسلحة القوات الأميركية موضحاً أن الهدف هو “ضمان الهيمنة الأميركية على الفضاء” الخارجي.

       بعبارة أخرى، تنوي واشنطن عبر هيمنتها المتخيلة في الفضاء تمديد وتعزيز سيطرتها أيضاً على الكرة الأرضية بأبعاد عسكرية وأمنية صرفة، مردودها العلمي والانساني مبهم في أفضل الأحوال، مما حدى بعدد من أرفع العلماء الأميركيين وصفها بالعبثية وتستنزف أموالاً وموارد دون جدوى.

استجابت فرنسا للضغوط الأميركية سريعاً بإعلان رئيسها مانويل ماكرون في احتفالات العيد الوطني يوم الباستيل، 13 تموز الماضي، “.. إنشاء قوة فضائية فرنسية ” للأغراض العسكرية “مهمتها الدفاع عن الأقمار الإصطناعية” الفرنسية؛ واكبه إعلان وزيرة دفاعه فلورانس بارلي عن خطة البدء بتطوير “.. أقمار اصطناعية بتقنية النانو (متناهية الصغر) مزودة بمدافع ليزر ورشاشات آلية؛ لمهاجمة وتعطيل أقمار إصطناعية أخرى؛” مقرها قاعدة جوية مستحدثة في مدينة تولوز، كلفتها الأولوية 700 مليون يور (778 مليون دولار) كجزء من ميزانية أشمل تبلغ 4.3 مليار يورو (4.8 مليار دولار) مع نهاية عام 2025.

وقالت في احتفال عقدته في قاعدة عسكرية بمدينة ليون، 26 تموز الماضي “يعكف حلفاونا وخصومنا العسكريين على عسكرة الفضاء الخارجي. ينبغي علينا اتخاذ المبادرة، والإبقاء على الجهوزية.”

في مسألة “الجهوزية القتالية” أفاد تقرير صدر حديثاً عن سلاح الجو الأميركي، نشرت أجزاء منه نسخة ايرفورس تايمز الالكترونية، 26 تموز الماضي، تضمن بيانات مقلقلة لحقيقة فعالية سلاح الجو الأميركي التي “.. استمرت في الانحدار منذ عام 2012” وللآن “بلغ معدل المقاتلات القادرة على الإقلاع وتنفيذ مهامها أقل من 70%.”

وأوضح التقرير أن 5،413 طائرة من مختلف الأنواع والمهام القتالية، وهي مجموع طائرات   سلاح الجو، “تقلص معدل جهوزيتها القتالية بشكل مضطرد .. ليصل 69.97% لعام 2018؛ مما يعادل انخفاضاً بنسبة 8% عن معدلات عام 2012.”

الصين بدورها ردت على نزعة “الهيمنة الأميركية” مؤكدة أن ” النظام والقاعدة للأمن الدولي يقوضهما تزايد الهيمنة وسياسة القوة والانفرادية والصراعات الإقليمية المستمرة والحروب .. الصين تؤمن إيماناً راسخاً بأن الهيمنة والتوسع محكوم عليهما بالفشل؛ السمة المميزة لحماية سيادة الصين لم تكن قط الهيمنة أو التوسع أو بسط النفوذ.” ضمنتها بوثيقة رسمية أطلقت عليها “الكتاب الأبيض” بشأن استراتيجيتها “للدفاع الوطني في العصر الجديد.” (24 تموز 2019).

في سياق سباق التسلح عينه، أعرب الرئيس ترامب (2 آب الجاري) عن ثقته بتوصل واشنطن لاتفاق نووي جديد مع روسيا والصين “.. الولايات المتحدة تريد ضم الصين في مرحلة ما؛ ناقشت الأمر مع الرئيس بوتين كما ناقشته مع الصين (وهي) متحمسة جداً لمناقشة هذه المسألة.”

في خلفية تصريحات الرئيس الأميركي يكمن توجه واشنطن للتوقيع على معاهدة الحد من الأسلحة النووية من “الجيل الجديد” تضم موسكو وبكين. أما “الجيل الجديد” من الأسلحة فقد أوضحته نشرة ديفينس وان، المختصة بالشؤون العسكرية، 30 تموز 2019، بأنه يستند على تطوير أسلحة مضادة لجهود “الصين وروسيا اللتان تهددان منظومة الأقمار الإصطناعية الأميركية لشؤون الدفاع والاتصالات .. باستحداثهما منظومة روبوتات تعمل في الفضاء الخارجي.”

يعود مصطلح الروبوت إلى اللغة التشيكية، robota، للتعبير عن العمل الجبار اي القيام بالأعمال الصعبة والخطيرة نيابة عن البشر.

عدد متزايد من القادة العسكريين والسياسيين الأميركيين يعربون عن شديد قلقهم من تمكن (روبوت اصطناعي) الاقتراب وشل حركة أحد الأقمار الأميركية، أو عدد منها، مما سيؤثر على “مساحة التحذير الزمني .. حتى ببضع ثواني معدودة؛” والتي ستنعكس طرداً على فاعلية أجهزة الإنذار الأرضية.

من أبرز تلك القيادات الأميركية كان جون هايتن، رئيس هيئة القيادة الاستراتيجية الأميركية الذي وصف التهديد المرئي “بالأقمار الانتحارية – كاميكازي،” نيسان 2019؛ أي تسخير خاصية القرصنة الالكترونية لاعتراض تدفق البيانات بين الأقمار الإصطناعية والمحطات الأرضية، خاصة في حال اندلاع حرب حقيقية ولو على نطاق محدود.

التحذير لا ينفك من “هجمات القرصنة الجارية في الزمن الراهن.” يشار إلى تعرض المحطة الأرضية لوكالة الفضاء الأميركية، ناسا، في النرويج لاعتراض تسبب في تأخير وصول البيانات لنحو “12 دقيقة،” عام 2008، والتي كانت ترصد النشاطات الروسية والصينية في الفضاء الخارجي.

وفي وقت لاحق من العام ذاته تمكن قراصنة من التحكم بقمر الرصد “تيرا إيرث” التابع لوكالة ناسا أيضا والسيطرة التامة عليه “واختاروا عدم المساس بمنظومته وحركاته.”

عند هذا المنعطف يشار إلى المعاهدة الدولية الخاصة بالفضاء الخارجي (لعام 1967) التي أرست “بعض” الضوابط لحركة الأقمار الإصطناعية متعددة الأهداف، مما يجعل بصعوبة من مكان استهداف مركبة فضائية لأخرى شبيهة دون ترك بصمات هويتها، الأمر الذي يعد “عملاً عدائيا،” شبيها بالحرب التقليدية.

كما أن طبيعة القوانين الفيزيائية الضابطة لحركة الأقمار الإصطناعية وتثبين دورانها في مدار معروف مسبقا تعيق حركة المناورة في التنفيذ والإفلات من رد فعل الخصم، وهي بحاجة لمصدر طاقة ذاتية هائل لتنفيذ المناورة وتعديل مدارها، فضلاً عن طبيعة الوقود السائل المطلوب الذي يعسر توفيره بانتظام في الفضاء الخارجي.

الخبير الأميركي والأستاذ بجامعة بيركلي بولاية كاليفورنيا، دانيال درو، أوضح الشق العلمي والعملياتي لتلك (الروبوتات – الطائرات الأيونية) “المعادية” بأنها حوامات صغيرة صامتة، ذاتية القيادة، تعتمتد على محركات دفع أيونية (مصدر كهربائي لتسريع الأيونات الموجبة) وتوليد قوة الدفع.

أحد النماذج الأميركية تم عرضه عام 2017 متناهي الصغر، لا يتعدى قطره 2 سم،” أي ما يقارب قطر قطعة معدنية من فئة ربع دولار.” (نشرة سبكترم الصادرة عن المعهد الأميركي للمهندسين الكهربائيين والالكترونيين ، 5 شباط 2019)

ويضيف أن النماذج الحالية المتوفرة تستدعي ارتباط الروبوت بمصدر طاقة متواصل، لكن الأبحاث والتطورات العلمية تعد بتغيير أساسي في تلك الخاصية مما سيعطب الروبوتات قدرة أشمل على التطبيق منها الاستكشاف في الفضاء الخارجي.

تتعاظم أهمية تقنية الروبوتات الفضائية، ليس لتواضع كلفة انتاجها مقارنة مع طاقاتها الراهنة والمستقبلية، بل كأحد البدائل العلمية للحد من ذروة الحركة للأقمار في المدارات الأرضية.

يصل عدد الأقمار الاصطناعية للدول العالمية المختلفة نحو 5،000 قمر يدور حول فضاء كوكب الأرض، ومن المتوقع ازديادها لنحو 40،000 جسم مع حلول عام 2025؛ ودخول دول جديدة على سباق المنافسة في الفضاء فضلاً عن انضمام “القطاع الخاص،” لا سيما الأميركي، الذي يتوقع أن يطلق وحده ما لا يقا عن 12،000 قمر اصطناعي في السنوات الخمس المقبلة.

الأمر الذي دفع “مركز الفلك الدولي” لإطلاق صيحات التحذير نهاية شهر تموز الماضي من حدوث “أزمة مرورية” لتلك الأقمار بعد إطلاق نحو 60 قمراً اصطناعياً في الأسبوع الأخير من الشهر الماضي فحسب، فضلاً عن النفايات والقطع المعدنية (الخردة) السابحة في الفضاء التي يقدر عددها بنحو نصف مليون قطعة.

وكالة الفضاء الروسية، روس كوسموس، أعلنت عن قرب أطلاقها لروبوت روسي، سكي بوت اف-850 ، في 22 الشهر الجاري، للالتحاق بمحطة الفضاء الدولية واخضاعه لتجارب تهيؤه لمهمات استكشاف الفضاء الخارجي.

المركز الألماني “لأبحاث الذكاء الإصطناعي،” مقره مدينة بريمن، يجري تجارب لتقنيات حديثة على روبوتات في صحراء المغرب العربي “لتهيئتها القيام بمهام فضائية مستقبلا.” (دويتشي فيله 13 ديسمبر 2018).

الولايات المتحدة ستطلق جملة من الأقمار الجديدة المطورة والمزودة بمعدات ضد التشويش لأغراض عسكرية، أبرزها “أن تي أس-3” لتحديد المواقع العالمي، لعام 2022، ميزته ذاتية الحركة واستقلاليته في العمل في حال عطل يصيب اشاراته مع المراكز الأرضية.

الأدبيات الأميركية بهذا الشأن تشير إلى اعتماد الخبراء الروس طرق اتصالات بديلة في الفضاء الخارجي أيضا، منها موجات الراديو القصيرة الصادرة عن مركز فضائي يعرف “يو في بي-76” يبث على موجة طولها 4.625 ميغاهيرتز، ويمكن الاستماع إليها في أي مكان على الكرة الأرضية.

جدير بالذكر أن تقنية موجات الراديو القصيرة كانت المصدر الرئيس للاتصالات العسكرية قبل اكتشاف ميزات الأقمار الاصطناعية؛ وتتميز محطاتها الأرضية بسرعة تبديل مواقعها وتغيير موجات التقاطها تباعاً لتفادي تشويش الأطراف المعادية، ولخاصيتها في مقاومة القرصنة والتشويش.

الجهود الأميركية، بالمقابل، تستثمر موارد وطاقات عالية “.. لتعزيز الاستخدامات العسكرية في الفضاء، والتحليق التجاري، وتنويع مصادر الاتصالات؛ من أجل عدم إتاحة الفرصة لخصومنا أبداً بمعرفة كيفية طرق مواصلاتنا” الالكترونية، وفق ارشادات رئيس هيئة القوات الاستراتيجية الأميركية، جون هايتن.

2019-19-07 التحليل

 التحليل

الحرب الالكترونية جارية

تصاعد مخاوف اميركية من خسارتها

          من خصائص السياسة الأميركية في المرحلة الراهنة استمراءها اللعب على حافة الهاوية وتصعيد حالات الاستقطاب والاستعداء، تعبيراً عن نفوذها وسيطرتها على مقدرات العالم؛ مدعومة بشكل شبه مطلق من المجمع الصناعي العسكري والمالي الذي يرسم ملامح وتوجهات استراتيجياتها الكونية منذ الحرب الباردة.

          من بين جدول الأولويات والتحديات الأميركية برزت مسألة القرصنة الالكترونية، كوسيلة حرب “كانت” واشنطن تتفوق تقنياً على كافة خصومها لزمن ليس ببعيد، مما اثار قلق الخبراء والاخصائيين الأميركيين في شؤون الأمن الالكتروني معربين عن خشيتهم من “تراجع مكانة الولايات المتحدة في هذا المضمار وخسارتها الشق الدفاعي من الحرب الالكترونية.”.

          في هذا الصدد، حثت مؤسسة راند، الذراع الفكري لمجمع الصناعات العسكرية، في أحدث دراسة لها، مراكز القرار الأميركي على تصعيد مرتبة “الحرب الالكترونية في الفضاء الإلكتروني” إلى نظرية و”مبدأ عسكري،” يستدعي موازنات وطواقم خاصة ومختصة.

          وأوضحت المؤسسة أنه يتعين على “.. حلف الناتو الإبقاء على جهوزيته للتعامل مع التهديدات الالكترونية التي مصدرها أي مكان في العالم؛ والعمل على تثقيف اعضاء الحلف حول شن عمليات في الفضاء الخارجي، التخطيط العملياتي للحرب الالكترونية، برامج التدريب، واجراء تجارب لانشاء “ذاكرة عضلية” ضرورية.” (حزيران 2019).

          بجملة واحدة، انها دعوة للقوات المسلحة الأميركية بالاستمرار في تنفيذ عمليات الكترونية متعددة ضد الدول الأخرى، والتي حذر منها احد ابرز خبراء الأمن الالكتروني الأميركي، الاستاذ بجامعة كولومبيا، جيسون هيلي، معرباً عن قلقه من “انزلاق” بلاده نحو شن حرب الكترونية مستدامة؛ دشنتها البنتاغون باعتماد استراتيجية الفضاء الالكتروني، 2018، عمادها مبدأ “الدفاع المتقدم.”

          بالتوازي مع مأسسة واشنطن للقرصنة الالكترونية، جاء في تقرير لإسبوعية دير شبيغل الألمانية، منتصف آب 2018، أن وزيرة الدفاع الألمانية، اورسولا فان دير لاين، أعلنت عن تأسيس “جيش الكتروني لحماية نظم الأسلحة وتكنولوجيا المعلومات” للقوات الألمانية للحصول على أسلحة الكترونية بالغة التطور. تسلمت فان دير لاين منذ بضعة أيام رئاسة الإتحاد الاوروبي بدعم أميركي.

في منتصف عام 2010 أعلنت ألمانيا أنّها كانت ضحية عمليات تجسس بالغة التعقيد من قبل الصين وروسيا استهدفت القطاعات الصناعية والبنى التحتية الحساسة من بينها شبكة الكهرباء.

          تعرضت شبكة الكهرباء في مركز المال العالمي بنيويورك إلى عطل الاسبوع الماضي شل كافة مناحي الحركة التجارية، من بين الأسباب المحتملة تعرضها لإجراءات قرصنة؛ وصادف التاريخ ما خبرته المدينة عام 1977 من انقطاع تام للتيار الكهربائي لفترة زمنية غير قصيرة.

          اجراءات التحصين وحماية شبكات الطاقة الأميركية في حالة لا تسر صديق، وفق تصريحات الخبراء المعنيين، إذ أن أحد أهم الأسباب يكمن في الملكية الخاصة لتلك المرافق، سواء طاقة كهربائية أو شبكات توزيع المياه، وغياب العناية اللازمة من قبل الشركات الكبرى لتطبيق اجراءات الحماية كونها تعد انفاقاً وهدراً للميزانية.

          مستشار البنتاغون للأمن الالكتروني في سلاح البحرية، مايكل باير، شكل صورة قاتمة بالقول “أعتقد اننا بصدد حرب الكترونية معلنة؛ تستهدف مجمل اركان المجتمع والدولة. اعتقد بأننا نخسر تلك الحرب.”

          شهادة المستشار المذكور جاءت في اعقاب “اكتشاف” السلطات الأميركية قرصنة واسعة قامت بها الصين عام 2018 لعديد من أجهزة وشبكات الكمبيوتر الخاصة بمجموعة من كبار المتعاقدين والشركات لدى البنتاغون، احتوت على معلومات سرية دقيقة تتعلق بالصواريخ المضادة للسفن، ومدى المعلومات الأميركية المتوفرة الخاصة بقدرات الصين البحرية.

          وكشفت اجراءات التحقيق في الحادث عن “تعرض نظم أسلحة رئيسة لقرصنة الكترونية بعضها كان نتيجة عدم التقيد باجراءات الحماية واستخدام التشفير .. أو لعدم إغلاق خوادم الكمبيوتر.” واضافت لجنة التحقيق أن الأعمال اللوجستية للقوات العسكرية بمجملها معرضة للتدخل الخارجي، لا سيما في توزيع المياه والغذاء والذخيرة ومصادر الطاقة، أو على أقل تعديل تأجيل تسلمها في المواعيد المقررة وحتى تحويلها ألى وجهة أخرى عبر برامج كمبيوتر ضارة.

          اخصائيي الأمن الالكتروني في المعهد الدولي للأمن السيبيري أعربوا عن اعتقادهم بوجود رابط بين الحادثة الأخيرة في نيويورك وتصاعد التوتر بين واشنطن وطهران في مجالات عدة، ابرزها القرصنة الالكترونية. وعزز الاعتقاد ما نشرته يومية نيويورك تايمز مؤخراً تؤكد فيه “قيام الولايات المتحدة بزرع برامج الكترونية ضارة في شبكة توزيع التيار الكهربائي في روسيا؛” وبأن واشنطن ماضية في مراقبة نظم الطاقة الروسية منذ عام 2012. (18 حزيران الماضي)

يشار في هذا الصدد إلى التفويض الرئاسي الصادر عن البيت الأبيض عام 2018، يسمح بموجبه لطواقم الحرب الالكترونية الأميركيين القيام “بنشاط عسكري سري” دون العودة للحصول على إذن مسبق بذلك، ناقضاً القيود التي وضعها سلفه الرئيس اوباما ملزماً القرار لمجموعة من الأجهزة الاستخباراتية والأمنية.

وصرح مستشار الرئيس ترامب لشؤون الأمن القومي، جون بولتون، مزهواً بعد صدور اقرار الرئاسي بأن “السياسة الرئاسية (منذ اللحظة) تسير بعكسن القيود السابقة .. واي دولة لديها نشاطات الكترونية تستهدف الولايات المتحدة، عليها أن تتوقع ردنا هجومياً ودفاعياً.”

تغاضى بولتون عن حقيقة بنود صرف ميزانية الدفاع التي تذهب بمعظمها إلى نظم تسليح وموارد ملموسة، كالطائرات والسفن بانواعها، وما تتضمنه الميزانية السنوية “المعلنة” من موارد مالية للصرف على الحرب الالكترونية لا يتعدى 2% من المجموع العام.

أعرب عن ذلك بوضوح تام رئيس اللجنة الفرعية للقوات المسلحة للاستخبارات والتهديدات المقبلة في مجلس النواب، جيم لانغفين، بقوله “نحن بحاجة لمزيد من القاذفات والمقاتلات والصواريخ كي نضمن الدفاع عن بلادنا في نزاع تقليدي، بيد أنه ينبغي علينا مواجهة الحقيقة والنزاعات الرمادية الدائرة الآن والتي ستستمر في المدى المنظور.”

أشد ما يقلق الرئيس الأميركي تعرض الولايات المتحدة لهجوم الكتروني دون توفر سلاح مضاد فعال باستثناء الأسلحة النووية.

القيادات العسكرية المتعددة أدركت حجم الثغرات في استراتيجيتها التسليحية بفرط اعتمادها على نظام تحديد المواقع، جي بي أس، والتحكم بتوجيه الأسلحة المختلفة عبر الأقمار الاصطناعية. أهم مثالبها  تعرض نظم (الجي بي اس) لقرصنة الكترونية مما قد يشل الحركة بكاملها.

الأمر الذي سيفرض على قادة القطع البحرية اتقان معرفة الإبحار بالأجهزة الفلكية، والتي كانت أحد المواد المقرر اجتيازها بنجاح قبل ثلاثة عقود سابقة.

توصيات الخبراء الأميركيين في الشقين العسكري والسياسي ترجح استخدام الحرب الالكترونية كسلاح هجومي مفضل للقرن الحادي والعشرين، وتراجع أهمية الحسم بالأسلحة النووية.

الظروف الدولية الراهنة تؤشر بوضوح تام على بدء “حرب باردة” الكترونية تتسابق فيها معظم الدول، وهي على درجة عالية من التعقيد لا تنطوي على وسائل دفاعية مضادة أو ثوابت كابحة كما هو الأمر في الحروب العادية بالاسلحة التقليدية؛ ومن هنا خطورتها على العالم قاطبة والحياة البشرية كما نعرفها.

2019-05-07 التحليل

 التحليل

بعد انهيار المعاهدة النووية المتوسطة :
كيف يمكن وقف سباق تسلح نووي جديد

          اهتمت أوساط عديدة بمتابعة لقاء القمة بين الرئيسين الأميركي والروسي خلال قمة الدول الصناعية، في اوساكا باليابان، بانتظار بروز دلائل ومؤشرات قد تقود إلى انفراج في العلاقات الثنائية، أم إلى مزيد من التوتر والصدام.

          من بين القضايا التي بحثها الطرفان: نظام الحد من الأسلحة، التجارة بينهما، ايران، فنزويلا، سوريا واوكرانيا. لكن البيانات الصادرة لم تُشر إلى نوايا اتفاقات جديدة أو عزمهما على متابعة اللقاءات فيما بعد.

صدر عن الجانب الروسي مواقف إعلامية متباينة: مساعد الرئيس للشؤون الدولية يوري اوشاكوف، أبلغ الصحافيين أن عامل الزمن داهم الجانبين مما حرمهما من “نقاش عدد من المسائل بعمق.” بعبارة اخرى، لم يتوصل الرئيسان إلى ما يمكن وصفه بالاختراق في العلاقات الدولية.

الناطق الإعلامي باسم الرئاسة الروسية، ديميتري بيسكوف، طمأن جمهوره عبر التلفزيون الرسمي بأن موسكو “لمست مؤشرات مشجعة من (الرئيس) ترامب خلال اللقاء .. والذي أظهر بوضوح رغبته  لإعادة تنشيط الحوار.”

          لعل القراءة السريعة لتلك التصريحات تقود المرء لمربع الجزم بعدم تحقيق انفراج بين العظميين النوويين، بيد أن الأحداث المتسارعة وردود الفعل الأميركية بشكل خاص دلت ربما على عكس تلك الأجواء.

          سرت أنباء عن عقد مجلسي الأمن القومي في كلا البلدين جلسات طارئة شبه متزامنة قبل ايام معدودة، استدعي فيها نائب الرئيس الأميركي، مايك بينس، وهو في طريقه بالطائرة للعودة الفورية لواشنطن وحضور الاجتماع؛ أمر غير مسبوق بالإعلان عنه لدى الإدارة الحالية.

          المعلومات الموثقة حول حقيقة ما جرى بين الطرفين يغلب عليها طابع التكهن والتحليل، وعليه فمن غير المستبعد أن لقاء الرئيسان القصير نسبياً في اليابان أسفر عن جملة ترتيبات لا ترضي بعض الجهات في دوائر المؤسسة الأميركية الحاكمة، لا سيما العسكرية والاستخباراتية، سعت بنشاط لتقويض أي ترتيبات قد تنشأ عن لقاء القمة؛ منها تحريض تل ابيب بشن غارات متزامنة على ريفي دمشق وحمص وما رافقها من غموض حول طبيعة “الجسم الحربي” الذي سقط في الأراضي القبرصية، أن كان لبقايا صاروخ سوري إس-200  أم لمقاتلة “اسرائيلية” حديثة.

ما يعزز سردية صراع مراكز القوى الأميركية ايضاً “مسرحية” لقاء الرئيس ترامب برئيس كوريا الشمالية لبرهة وجيزة، بعد انفضاض قمة العشرين، وما يجري تداوله في أروقة واشنطن السياسية بأن ترامب راغب في التوصل لاتفاق جديد مع نظيره الكوري كيم جونغ اون يسمح بموجبه للأخير الاحتفاظ ببعض الأسلحة النووية؛ وما إبعاد مستشاره للأمن القومي جون بولتون عن ذلك اللقاء إلا دليل آخر على توجه ترامب.

سياسة موسكو نحو واشنطن هي منافستها في النفوذ العالمي لكن دون الاصطدام معها، وتقديم بعض التنازلات عند الضرورة. أوجزها نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي ريابكوف، في شهرية موسكو الرصينة الشؤون الدولية، مطلع العام الجاري بأن عمادها هو “الصبر الاستراتيجي .. في المدى المنظور.”

بعد اختتام لقاء قمة مجموعة العشرين أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن موسكو وواشنطن ستباشران محادثات حول مسألة الحد من الأسلحة النووية “كلفنا وزيرينا للشؤون الخارجية ببدء مشاورات بهذا الصدد. لكن لا يمكننا القول بعد إن ذلك سيؤدي إلى تمديد” اتفاقية “ستارت” للحد من الأسلحة النووية الاستراتيجية.

في 3 تموز الجاري، أعلن الكرملين عن “توقف روسيا الالتزام” باتفاقية الاسلحة النووية المتوسطة، INF، رداً على قرار واشنطن الإنسحاب من المعاهدة المبرمة بينهما عام 1987؛ أرفقه مباشرةً بأمر لوزير الدفاع بتطوير نماذج جديدة من الصواريخ المتوسطة خلال عامين.

          وحذر بوتين خلال المنتدى الاقتصادي في سان بطرسبرغ، مطلع حزيران الماضي،

من التداعيات المحتملة إذا جرى التخلي عن اتفاق “ستارت الجديدة” بما أن البديل سيكون تأجيج سباق تسلح نووي بين البلدين؛ وأنه “لن تكون أي أدوات تحد من سباق التسلح، مثل نشر الأسلحة الفضائية .. هذا يعني أن الأسلحة النووية ستكون موجهة فوق رأس كل واحد منا كل الوقت.”

وشدد بوتين خلال اللقاء على أن بلاده “تجاوزت منافسيها في مجال صناعة الأسلحة المتفوقة.”

          وفي السياق عينه حذرت يومية واشنطن بوست، شباط 2019، من عدم توصل الطرفين “البيت الأبيض والكرملين لاتفاق تمديد العمل بمعاهدة “نيو ستارت” مما سيعيدنا إلى الزمن الذي كانت فيه واشنطن وموسكو تمتلكان أسلحة نووية دون قيود متفق عليها؛ أي المغامرة بالعودة إلى سباق تسلح نشط على غرار الحرب الباردة.”

          وشاطرها الرأي عدد من النخب الفكرية والسياسية الأميركية بالإعراب عن القلق من “انهيار معاهدة الأسلحة النووية المتوسطة الذي يعد بمثابة إظهار للحرب الباردة علناً، إيذانا برسم معالم للحرب الساخنة، وما سيترتب عليها من سباق تسلح غير مقيّد من الطرفين.”

          باعتقاد تلك النخب الأميركية فإن المسارات السياسية لدى مراكز صناع القرار في واشنطن تمضي باتجاه “إعادة ترتيب الأوراق الأميركية وفق معايير لاتفاقيات جديدة تراها الإدارة الراهنة بأن سابقاتها لا تخدم المصالح الأميركية؛” جسدته بالخروج من الاتفاق النووي مع ايران ومعاهدات المناخ الدولية، على سبيل المثال.

          الخبير الأميركي المختص بشؤون الأمن الدولي، جوزيف سيرينسيوني، أوضح مراراً أن سياسات الإدارة المتشددة في القضايا العالمية يمثلها مستشار الرئيس لشؤون الأمن القومي، جون بولتون، الذي “يعتقد بأنه يتعين على الولايات المتحدة التحلي بأقصى قدر من المرونة وتوفر خيارات عسكرية متعددة لصيانة أمنها والحفاظ على مصالحا عبر العالم، وليس التمسك بالمعاهدات التي يعتبرها تقيّد القوة الأميركية ..”

          يشار في هذا الصدد إلى تبني الكونغرس، ممثلاً بمراكز قواه الرئيسة، توجهات الإدارة للتحلل من المعاهدات الدولية ورصده ميزانيات إضافية، عام 2017، للبنتاغون لتطوير أسلحة وخيارات إضافية في مجال الصواريخ الباليستية متوسطة المدى القادرة على حمل رؤوس نووية؛ إيذاناً بنية عدم الموافقة على تجديد أو تمديد العمل بمعاهدة “نيو ستارت” المبرمة عام 2010، في عهد الرئيس اوباما، والتي سينتهي مفعولها عام 2021.

          المعاهدة المذكورة حددت عدد بطاريات اطلاق الصواريخ الاستراتيجية المسموحة لكل من الطرفين، دون المس بالترسانة النووية أو ما يمكن أن تحمله منها المقاتلات والقاذفات الاستراتيجية من طراز اف-35، اف-16 واف-15.

          حلفاء اميركا الاوروبيون قلقون بشدة من سباق التسلح بين العظميين النووين، وخاصة ألمانيا لخشيتها الحقيقية من عودة سباق التسلح إلى “زيادة فرضية المواجهة النووية مرة أخرى في الفضاء الاوروبي .. وما شهدته أراضيها من احتجاجات كبيرة متواصلة ضد سباق التسلح” في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.

          وزير الخارجية الألماني هايكو ماس دعا “المجتمع الدولي” لتبني مبادرة جديدة لنزع الأسلحة النووية “ليس بين الولايات المتحدة وروسيا فحسب، بل ينبغي أن يشمل دولاً أخرى مثل الصين،” مجلة دير شبيغل 2 شباط 2019؛ متعهداً بأن “الحكومة الألمانية ستعمل من أجل وضع قواعد عمل جديدة للتعامل مع التقنية الحدديثة لمنظومة الأسلحة الجديدة.”

          الدعوة الألمانية للحظر من سباق تسلح يفضي إلى الاقتتال بالأسلحة النووية سبقه توقيع كل من روسيا والصين على “مسودة معاهدة مشتركة” لمنع سباق للتسلح في الفضاء الخارجي قبل عقد من الزمن، أعلن عنها وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في منتدى دولي عقد بجنيف في شهر شباط 2018، لاستشعار الدولتين خطورة تطور تقنية الأسلحة، من بينها نظم تعمل باشعة الليزر، تتخذ من الفضاء الخارجي مسرحاً جديداً بين القوى العظمى.

          الرد الأميركي، آنذاك، جاء برفض الانضمام للمقترح الروسي على لسان مساعدة وزير الخارجية الأميركي لشؤون الحد من التسلح، إليم بوبليت، 14 آب 2018، مؤكدة “انزعاج واشنطن من سعي روسيا التسلح بتقنيات فضائية .. والمعاهدة التي تقترحها موسكو لن تمنع نشر مثل تلك الأسلحة ولن تمنع أيضاً اختبار أو تخزين أسلحة مضادة للأقمار الاصطناعية.”

          لم تعد هيئة الأمم المتحدة تمارس دورها المنوط بها للحد من انتشار الأسلحة المحرمة، كيميائية أو نووية أم الكترونية؛ إذ لا تزال معاهدة حظر استخدام اسلحة الدمار الشامل خارج مدار الكرة الأرضية سارية المفعول “لكنها لا ترتقي لمستوى حظر حرب في الفضاء،” أمام التطورات التقنية الاستراتيجية مثل الإنذار المبكر والاتصالات الآمنة وجمع المعلومات الاستخباراتية والقيادة والسيطرة في الفضاء، حسب دراسة لمجموعة “علماء الذرة” الأميركية، 5 حزيران 2015.

          قائد سلاح الجو الأميركي، ديفيد غولدفاين، طالب صناع القرار في واشنطن “الإعداد لمعركة تدور خارج (مدار) كوكب الأرض .. إنها مسألة وقت قد تحدث في غضون سنوات.” (اكتوبر 2018).

          كما حذر تقرير لمكتب المحاسبة الحكومي، GAO، صدر يوم 9 اكتوبر 2018، من تعرض “جيل كامل من نظم الأسلحة الأميركية للقرصنة الالكترونية .. التي توصل خبراء البنتاغون لاكتشاف نقاط ضعف الكترونية خطيرة” في جميع الأسلحة قيد التطوير، ووزارة الدفاع “لا تعرف آفاق نقاط الضعف في نظم الأسلحة التي يمكن أن تؤثر على أنظمة الأسلحة النووية الأميركية بنتائج كارثية.”

          عرضت شبكة (سي أن أن) للتلفزة الأميركية، 25 حزيران 2019، تقريراً يشير إلى ما تمتلكة الولايات المتحدة من أسلحة حديثة وغير تقليدية: الكترونية – سيبرانية، كهرومغناطيسية، وبيئية – ايكولوجية؛ جرى استخدامها في ساحات متعددة استهدفت البنى التحتية والمرافق الحيوية لخصومها، بالدلالة على ما تعرضت له ايران من “زلازل طبيعية،” وفنزويلا باستخدام السلاح الكهرومغناطيسي لقطع الكهرباء، واسلحة أخرى لم يكشف النقاب عنها.

دعوة الوزير الألماني ينبغي تطويرها لتبني اتفاقية دولية لمنع التسلح “داخل الفضاء الإلكتروني .. وخلوه التام من الأسلحة، والامتناع عن استعمال الأسلحة الإلكترونية أو التهديد باستعمالها ضد دول أخرى أقل شأناً، والزام كافة الدول الفاعلة في هذا المجال احترام الفضاء الإلكتروني مرفقاً دولياً يشكل تهديده تأثيراً على الأمن العالمي قاطبة،” وفق ما يطالب به خبراء القانون الدولي، والزام الدول المتقدمة تقنياً بمعاهدات صارمة تضمن عدم انتهاكها لواجباتها في استخدام الفضاء الخارجي للأغراض السلمية.

          بالعودة لنظرية “الصبر الاستراتيجي” لروسيا في تعاملها مع الولايات المتحدة، أعرب خبراء اميركيون بالشأن الروسي عن اعتقادهم بأن مراهنة الكرملين طويلة الأجل تستند إلى ركيزتين: الأولى، قراءته للمناخ التحريض والاستقطاب السياسي الأميركي المعادي لروسيا بأنه سيفقد زخمه مع مرور الزمن، مما سيمهد لبروز “إجماع داخلي” مختلف حول كيفية التعامل بين البلدين وضرورة السعي لتطبيع العلاقات بينهما. والركيزة الثانية تتمثل بحتمية قبول واشنطن “في السنوات الخمسة إلى العشرة المقبلة” بأنها لن تستطيع مواجهة مزدوجة في ىن واحد لكل من روسيا والصين، مما سيحفز مراكز القوى الجديدة على تحسين علاقاتها مع موسكو. (اسبوعية  ذي ناشيونال انترست، 2 تموز 2019).

كما ان تنامي القدرة على انتاج اسلحة نووية تكتيكية محدودة الحجم والقدرة التدميرية، يفرض ضرورة اعادة النظر بالإتفاقيات السابقة حول الأسلحة الإستراتيجية ومناقشة تطوير اتفاقيات جديدة تشمل الأجيال الجديدة من الأسلحة النووية.

 

2019-29-06 التحليل

 التحليل

خيارات أميركا في الحرب على إيران

بعد سقوط وحيازة طهران لطائرتها الشبح

         بات التكهن بوقوع حرب بين إيران والولايات المتحدة مسألة تؤرق مصداقية كافة الأطراف المنخرطة، لا سيما مراكز صنع القرار الحساسة لدى واشنطن، بدءاً بعدم المراهنة على صوابية الرئيس ترامب وسرعة انقلابه، ومناخ المزايدات السياسية للحملة الانتخابية التي بدأت، فضلاً عن البعد الدولي الرافض ظاهرياً لتصعيد التوتر يرافقه خشية من ردود فعل الإدارة الراهنة.

         نظرة هادئة لحيثيات الصراع وتداعياته الإقليمية والدولية تشير بوضوح إلى عدم ترجيح النخب الفكرية والسياسية الأميركية اندلاع اشتباك مسلح في المدى المنظور، اللهم إلا إذاّ ارتكب أحد الطرفين أو من ينوب عنهما في الإقليم خطأً يدفعهما للانزلاق بعيداً عن حافة الهاوية.

         تتميز بعض اوساط تلك النخب برؤيا بلورية صافية ليس في بعد الاستراتيجية الأميركية فحسب، بل في تداخل جملة من العوامل والمصالح لمراكز قوى متعددة. وأضحت أكثر جرأة في تقييمها ومواجهتها “الفكرية” للرئيس ترامب معتبرة أنها جردته من أمضى أسلحته: غموضه وعدم القدرة على التنبؤ بخطواته المقبلة باتت قابلة للتكهن، حسب وصف يومية واشنطن بوست، 28 حزيران.

         تلقي تلك النخب مسؤولية تدهور الأزمة والتهور نحو حرب قد تتطور نووياً على عاتق “سياسة الإدارة الأميركية التي حشرت إيران في زاوية قاسية من العقوبات مما اضطرها للرد،” وفق توصيف اسبوعية ذي ناشيونال انترست.

         النخب الفكرية “الليبرالية،” ممثلة بدرّة انتاجها فورين أفيرز، تعتقد أن السياسة الأميركية للإدارة الحالية، بكافة أركانها، قد تم “اختطافها من قبل دعاة الحرب .. وفي ما يتعلق بالسياسة الشرق أوسطية فقد تعاقدوا مع اسرائيل والسعودية وربما الإمارات؛” اللواتي تسارع الخطى لحرف بؤر التوتر الإقليمية وتموضعها بمواجهة إيران.

         البعد المالي بنظر أولئك يتمحور حول دعم ذوي الثراء الفاحش والمتشددين سياسياً للرئيس ترامب، أبرزهم الميلياردير شيلدون آديلسون وبول سينغر وبيرنارد ماركوس، الذين أرفدوا حملة ترامب الرئاسية، 2016، ومرشحي الحزب الجمهوري بنحو 259 مليون دولار “تبرعات،” وينتظرون ترجمة الإدارة لتوجهاتهم السياسية المعادية لإيران بالدرجة الأولى.

         آديلسون من ناحيته حث بصريح العبارة المرشح دونالد ترامب على استخدام الخيار النووي ضد ايران، وسخّر نفوذه السياسي لاحقاً لتعيين جون بولتون في منصب مستشار الأمن القومي.

         ترامب لم يشذ عن “توقعات” داعميه ومؤيديه من عالم المال والاستثمارات، إذ وعد أيران بحرب “إبادة تمحوها عن الوجود،” عشية مغادرته لقمة الدول الصناعية، رداً على تصريحات الرئيس الإيراني، حسن روحاني، برفض بلاده عرض التفاوض تحت التهديد وعزمها المضي بجهودها للقفز عن معدلات تخصيب اليورانيوم المنصوص عليها في الاتفاق النووي.

         وحدد ترامب آفاق الحرب الموعودة مع ايران، في مقابلة مع شبكة فوكس نيوز، 27 حزيران الجاري، بأنها لن تتطلب انخراط قوات برية أميركية “.. لن تدوم طويلاً، والاشتباكات المباشرة ستكون محدودة.” هل يعتبر ذلك تلويحا ياستخدام الخيار النووي “التكتيكي” كما تروج له صناعات الأسلحة الأميركية.

         رئيس مجلس العلاقات الخارجية، السياسي المخضرم ريتشارد هاس، حذر صناع القرار الأميركي من أهوال حرب مقبلة مع ايران “نتيجة تصاعد الضغوط الاقتصادية الأميركية عليها .. والتي لن تتشابه مع سابقتها حرب الخليج عام 1991. بل ستخوضها ايران بالقتال على امتداد مناطق جغرافية متعددة، بوسائط عدة، وقوات مختلفة؛” في ظل مناخ غضب حلفاء واشنطن من سياساتها التصعيدية.

         روبرت كابلان، الذي يعد أحد أهم الركائز الفكرية المميزة لدى المؤسسة الحاكمة حذر من عامل الجغرافيا الإقليمية الذي ستستغله إيران لأقصى حد لا سيما ولديها الكثير من “الخلجان والمداخل والتجاويف البحرية والجزر .. التي تعد مواقع مثالية لإخفاء نظم أسلحة مختلفة على مسافة قريبة من قطع البحرية الأميركية” العاملة في الخليج.

         على الطرف المقابل، يناور دعاة الحرب لايجاد المبررات لرد أميركي صاعق، تكون هي البادئة به لضمان عامل الصدمة والاستمرار بسياسة “ممارسة أقصى الضغوط؛” بالاستناد إلى تقييمهم لفعل العقوبات الاقتصادية على ايران مما حرم قواتها العسكرية من مزايا التحديث وتطوير الدعم اللوجستي الحيوي خلال المعارك.

         ويقر اولئك بأن ايران اكتسبت خبرة قتالية في الحرب غير المتماثلة، معظمها في سوريا واليمن عبر أسلوب حرب العصابات، لكنها غير مؤهلة لمواجهة قوة عسكرية عظمى مدججة بأحدث الأسلحة؛ كما أن “سلاح طيرانها المحتفل باسقاط الطائرة الأميركية المسيّرة هو أقل قوة وكفاءة مما يبدو عليه للبعض.”

         بناء على ذلك، وفق منطقهم ومبرراتهم، فإن الأجواء مهيأة لاختراق المقاتلات الأميركية وشن عمليات عسكرية في ظل عدم قدرة نظم الدفاع الجوية الإيرانية مواجهتها أو ايقافها.

         جدير بالذكر ما ينقله أولئك من تفسير حول اسقاط طائرة الدرونز الأميركية بالإقرار أن القوات المسلحة الأميركية كانت على دراية تامة بأنها تحلق فوق الأجواء الإيرانية، والتي تعد مقبولة في ظروف السلم التي تحدد المياه الإقليمية بمدى لا يتجاوز ثلاثة أميال بحرية، لكنها لم تتوقع الرد الإيراني الفوري الذي يعزى “لعامل المفاجأة وليس بفعل التقنية المتطورة.”

         العامل المغيب عند دعاة الحرب هو التداعيات الناجمة عن سياسة “أقصى الضغوط” أبرزها التهديد طويل الأجل على المصالح الأميركية في المنطقة و”الاستقرار الإقليمي،” كما يحاجج مناهضوا الحرب؛ فضلاً عن تصدع العلاقات الأميركية مع حلفائها الاوروبيين “وتعزيز النفوذ الروسي في المنطقة.” كما يتفادى اولئك تنامي منسوب الاستياء العالمي من السياسة الأحادية الأميركية، في عهد ترامب، والتي بدأت تلقي ظلال أضرارها على المواطن الأميركي ومستوى حياته اليومية.

الخيارات العسكرية: يسيل حبر وفير لترويج تفوق الترسانة العسكرية الأميركية، وهو أمر تقر به دول العالم قاطبة. كما أن المراكز المختصة والخبراء بالشؤون العسكرية عرضوا سيناريوهات لبوادر حرب استناداً إلى مناخ التصعيد الأميركي ضد إيران.

         في هذا الصدد بالذات، ينبغي تسليط الضوء على التداعيات الاقتصادية على الولايات المتحدة، من وجهات نظر علمية متوازنة، والتي تتفادى المؤسسة الحاكمة ومعظم الوسائل الإعلامية الخوض فيها بشكل مفصل.

         الاستثناء العلمي لتلك القاعدة كانت يومية بوسطن غلوب، 24 حزيران الجاري، بدراسة مفصلة لإحدى أشهر خبراء الاقتصاد الاميركي، الاستاذة الجامعية في هارفارد ليندا بلايمز وآخرين.

         سنستعرض أدناه أبرز ما تناولته دراسة الخبراء الذين تنبؤا بدقة كلفة الحرب على العراق آنذاك، وتمت محاصرتهم والتشهير بهم من قبل نائب الرئيس ووزير الدفاع، ديك تشيني ودونالد رامسفيلد، على التوالي. تقول الدراسة:

         كلفة الحرب على ايران ستتراوح بين 60 ملياراً إلى 2 تريليون، في الأشهر الثلاثة الأولى فقط.

         الحرب حصراً لن تؤدي لتغيير النظام، أي نظام. نشوب حرب مع إيران لتحقيق تغيير النظام ستكون طويلة الأمد، مكلفة مادياً، وكارثية على الاقتصاد الأميركي والعالمي.

         استشهدت بتصريح لوزير الدفاع الأسبق، روبرت غيتس، بقوله “إن اعتقد البعض أن الحرب على العراق كانت صعبة، فالهجوم على ايران، من وجهة نظري، ستكون كارثية.”

         ارتفاع سعر برميل النفط إلى مستويات غير مسبوقة قد تصل لنحو 250 دولاراً للبرميل.

         الاقتصاد الأميركي في حالته الراهنة مشبع بالعمالة، وأي ارتفاع حاد في الانفاق العسكري سينتج تضخماً اقتصادياً يحول دون تنفيذ مشاريع إعادة البناء وترميم البنى التحتية الداخلية المتهالكة.

         وختمت الدراسة بالقول أن المؤسسة الحاكمة، ومنذ حرب فييتنام، تفادت فرض “ضريبة حرب” على المنتجات والمبيعات مما رسخ في أذهان المواطن ان الحرب تخاض بكلفة زهيدة أو معدومة؛ مما عزز تقويض الجدل العام حول ضرورات خوض الحروب، كسياسة واستراتيجية أميركية.

 

2019-15-06 التحليل

التحليل

 

العلاقات الأميركية التركية أمام

منعطف خطير يهدد بتجميد عضوية أنقرة في الناتو

        تتزايد المخاوف لدى كل من حلف الناتو وتركيا على خلفية اقتراب موعد تسلمها منظومة دفاع صاروخي روسية الصنع، وتلويح واشنطن بفرض حزمة عقوبات على أنقرة. لعل اشد ما يقلق مركز حلف الناتو، الولايات المتحدة، هو التحدي الماثل أمام ديمومة هيمنتها على قرار دول الحلف، وما سيترتب على امتلاك تركيا لسلاح روسي من انعكاسات استراتيجية تقوّض أحادية القطبية لواشنطن في الشأن العالمي.

        بعض الدول الأوروبية المنضوية تحت عباءة الحلف لا تشاطر واشنطن المخاوف عينها في الشق العسكري الصرف. وجاء في تقرير لوكالة الأنباء الألمانية، 1 حزيران الجاري، نقلاً عن مسؤول عسكري رفيع في قيادة الحلف أنه “لا يمكن للحلف إجبار تركيا على عدم شراء (المنظومة الروسية) .. التي ستنشر على الحدود المشتركة مع سوريا، لكن إذا قررت أنقرة المضي بها فقد يترتب عليها تداعيات تطال تبادل المعلومات الاستخباراتية وصفقات دفاعية أخرى.”

        في سياق تشديد الضغوط الأميركية على تركيا، شكل إعلان الأخيرة عن البدء في عمليات التنقيب عن الغاز في مياه البحر المتوسط قبالة جزيرة قبرص مادة خلافية جديدة في العلاقات الثنائية ومصدر “استفزاز للغاية وتزيد من التوترات في المنطقة.”

        وجاء على لسان الناطقة باسم الخارجية الأميركية، مورغان اورتاغوس، 6 حزيران الجاري، أن “الولايات المتحدة تشعر بقلق عميق إزاء نوايا تركيا المعلنة لبدء عمليات الحفر البحرية في منطقة تطالب بها جمهورية قبرص باعتبارها منطقتها الاقتصادية الخالصة”.

        وجاء إعلان أنقرة نهاية العام الماضي عن إنشائها قاعدة بحرية في الشطر الشمالي من جزيرة قبرص، صادماً لدول حلف الأطلسي التي أدانت الخطوة بشدة وما رافقها من مضاعفة حدة التوترات بين تركيا اليونان.

        الضغوطات الأميركية على تركيا تتخذ أوجهاً متعددة: اقتصادياً، في الحرب على قيمة عملتها وإلغاء نظام التعامل التجاري التفضيلي معها؛ عسكرياً، التهديد بتقليص وتعليق التعاون المتبادل وفك ارتباط مصانع لانتاج قطع غيار للمقاتلات الأميركية إف-35، وتجميد تدريب فرق الطيارين الأتراك في القواعد الأميركية على المقاتلة الأحدث لديها؛ وسياسياً، عبر ترقب الانتخابات البلدية المقبلة في اسطنبول والسعي لإفشال مساعي الرئيس التركي بإعادة انتخاب مرشحه لعمدة البلدية، والترويج المسبق لعمليات عنف ترافق الانتخابات.

        وبلغ الأمر أقصاه بإقدام  العميد الأميركي تود كانتربيري، المسؤول عن تدريب طاقم من ستة طيارين أتراك في قاعدة لوك الجوية بولاية اريزونا ليس بوقف برامج التدريب فحسب، بل بتقييد حركتهم داخل القاعدة العسكرية وحظر مشاركتهم معلومات وبيانات سرية تخص المقاتلة اف-35.

        وزارة الدفاع الأميركية التزمت الوضوح الحاد في رسالتها لتركيا عبر الناطق الرسمي، مايك آندروز، عقب تيقنها من سفر طواقم عسكرية تركية لروسيا للتدرب على منظومة إس-400، قائلاً “إن لم تُقدم تركيا على تغيير سياستها، سنمضي في العمل المشترك مع حليفتنا حول تقليص متدرج لمشاركتها في برنامج إف-35 .. وزارة الدفاع على علم بأن الطيارين الأتراك في قاعدة لوك الجوية لن يحلقوا.”

        جدال التصعيد العلني بين الطرفين ماضٍ على قدم وساق. الرئيس التركي اردوغان رفض جملة الرسائل الأميركية مؤكداً قبل بضعة ايام، 12 حزيران الجاري، أن بلادة أتمت صفقة المنظومة الروسية مع موسكو وستتسلمها في شهر تموز/يوليو المقبل، والتي اشترتها “بسعر وشروط أفضل مقارنة بنظيرتها الأميركية باتريوت .. تشتريها مع إمكانية تطويرها بالشراكة من أجل تصديرها مستقبلاً، وهي ميزة لا يمكننا الحصول عليها من أي دولة من أعضاء حلف الناتو أو حتى الولايات المتحدة.”

وزير خارجيته مولود جاووش أوغلو عزز ايقاع التصعيد العلني، 13 حزيران، بالتأكيد على أن بلاده “لن تتراجع عن قراراتها .. ولا يمكن لأحد توجيه انذارات” لأنقرة، وأن بلاده “سترد بالمثل” على اي عقوبات قد تفرضها واشنطن عليها.

أردوغان من جانبه يعلق آمالاً على احتواء تداعيات الخلاف مع واشنطن خلال قمة المجموعة الصناعية المقبلة في اليابان ولقائه الرئيس الأميركي “.. عبر ديبلوماسية الهاتف.” موضحاً أن بلاده “ليست زبوناً فقط لمقاتلات إف-35 الأميركية، بل شريك لانتاجها في نفس الوقت.”

        علاوة على ما تقدم، تعرب عدد من النخب السياسية والفكرية والإعلامية التركية عن شديد امتعاضها من موقف واشنطن الذي يدل على “وجود قضايا أشد عمقاً في علاقات البلدين؛ إذ أن الولايات المتحدة كانت دائماً هي الطرف الذي لم يلتزم بتعهداته تجاه تركيا عبر عضويتها بحلف الناتو، بل أخلّت واشنطن بمسؤولياتها بشكل صريح.”

        للدلالة، يتم الاستدلال بتصريح واضح المعاني لأحد قادة سلاح الجو التركي من المتقاعدين، كاركوش أردوغان، قائلاً لعدد من الوسائل الإعلامية “.. كانت تركيا تخطط مسبقاً للحصول على نظام دفاع جوي صيني الصنع. لكن الأميركيين تدخلوا لعرقلة العملية، وتم الغاء الصفقة مع الصين. والآن تحاول الولايات المتحدة بكل الوسائل الحيلولة دون حصولنا على المنظومة الروسية .. وهذه المرة تظهر الحاجة لتعزيز التعاون بين تركيا وروسيا.” (11 حزيران الجاري).

        في الخلفية الخلافية أيضاً الملف الكردي ومراوغة واشنطن في التعاطي معه ممثلاً بنزعها تصنيف “حزب العمال الكردي، كمجموعة إرهابية بعد تعديله مسماه إلى “وحدات حماية الشعب.” ” بل سجلت أنقرة معارضتها لإقدام واشنطن على “وهب أسلحة دون مقابل (لوحدات حماية الشعب في سوريا) لم توافق على بيعها لتركيا منها 7 آلاف شاحنة و 2000 شحنة أسلحة نقلتها طائرة الشحن العسكرية الأميركية، وهو ما يشكل تهديداً صريحاً ضد تركيا.” (صحيفة ياني شفق، 1 حزيران)

        من غير المرجح أن تدفع تركيا بمديات الخلاف مع أميركا لحد القطيعة أو الخروج من حلف الناتو؛ فلديها مهمات “تاريخية” لا زالت مطلوبة منها في خدمة الحلف وبسط الهيمنة الغربية على المنطقة ولن يغامر الطرفان بحالة القطيعة بينهما.

        ربما النموذج الأقرب للعلاقة المستقبلية بين واشنطن وأنقرة مثال فرنسا الديغولية، مع اختلاف الظروف الدولية والإقليمية، إذ بقيت فرنسا عضوا في حلف الناتو وسحبت قواتها العسكرية من المشاركة في مهام الحلف بقرار من الرئيس شارل ديغول، 21 حزيران 1966؛ مما أسهم في تمايز السياسات الفرنسية عن نظيراتها الاوروبية في تبعيتها لواشنطن خلال الحرب الباردة.

        ترتب على ذلك سحب مقر القيادة الأوروبية لحلف الناتو من فرنسا إلى ألمانيا، وما رافقه من صعوبات لوجستية وكلفة مادية، وتعديل مسار كافة خطوط الاتصالات العسكرية عبر مقرها الجديد في بروكسيل.

        وبذلت واشنطن جهوداً عالية لاحتواء تداعيات قرار ديغول. وعلق السفير الأميركي لدى الحلف، روبرت إلزوورث، منتشياً “خروج فرنسا من الحلف جاء بقرار من ديغول لتدمير حلف الناتو، لكنه لم يفلح بذلك .. في الحقيقة وعند تسلمي مهامي هناك عام 1969، شهدنا مشاركة مكثفة وتعاوناً بين القوات العسكرية الفرنسية وقوات حلف الناتو ..” عادت فرنسا لممارسة عضويتها التامة في حلف الناتو بعد نهاية الحرب الباردة، عام 2009.

        أما الخلافات التركية الروسية فلها جذور ضاربة في التاريخ البعيد، منذ أيام الامبراطوريتين العثمانية وروسيا القيصرية، والتي لولا تطوع الدول الاوروبية السريع لنجدة الباب العالي في اسطنبول لانتهت السيطرة العثمانية على معظم ولاياتها، وربما تغير مجرى التاريخ الحديث.

        الخلافات السياسية الراهنة بين موسكو وأنقرة تتصدر عدد من الملفات: سوريا، كوسوفو، إقليم ناغورنو قره باخ (في أرمينيا)، وحركة المرور البحرية عبر مضيق الدردنيل. لعل أبرز القضايا ما اتفق الطرفان على تأجيله هو إسقاط تركيا لمقاتلة روسية من طراز سوخوي-24، في 24 تشرين2/نوفمبر 2015، وما ترتب عليه من فرض موسكو عقوبات اقتصادية وتجارية على جارتها التركية؛ واغتيال السفير الروسي لدى أنقرة، آندريه كارلوف، نهاية عام 2016.

        في المفهوم السياسي الروسي الراهن تشكل تركيا حلقة في سياق الصراع الاستراتيجي على النفوذ مع الولايات المتحدة، ينبغي استخدامها لدق إسفين إضافي في نزعة الهيمنة والسيطرة الأميركية، وتعزيز بروز تعدد القطبية العالمية؛ علاوة على ما تقدمه الخلافات التركية مع حلف الناتو من خدمات مميزة لتقويض نفوذ الحلف الذي نشر قواته بالتماس على الحدود الروسية عبر دول اوروبا الشرقية سابقاً.

        في هذا السياق، وقع الرئيسان الأميركي والبولندي الزائر، 12 حزيران الجاري، اتفاقاً يقضي بموجبه إرسال واشنطن قوة عسكرية إضافية لبولندا قوامها 1000 عسكري، لمساندة القوة الراهنة التي يبلغ تعدادها 4،000 جندي؛ وموافقة بولندا على شراء نحو 35 طائرة مقاتلة أميركية من طراز إف-35. يشار إلى أن بولندا تأتي في المرتبة الثانية بعد روسيا من حيث عدد القوات المسلحة في القارة الأوروبية.

        استناداً لجملة التطورات المذكورة، وبعض التسريبات العسكرية التركية، يعتقد أن مكانة بولندا ستسخرها واشنطن كبديل عن تركيا في ميزان الأهمية والأولوية الأميركية، كما تجسد في تهديد البنتاغون بأنها “تبحث” عن ساحة بديلة عن تركيا لانتاج قطع اغيار الخاصة بالمقاتلة إف-35؛ يعززها المستوى الأكثر تطوراً، تدريباً وتقنية، للقوات البولندية عن نظيرتها التركية.

        هل بوسع المرء الذهاب لاستنتاج تشكل تحالفات جديدة بين القوتين العظميين، تركيا لجانب روسيا وبولندا لجانب أميركا؟

        من السابق لأوانه الذهاب لتلك النتيجة المنطقية والمتسرعة، نظراً لجملة من العوامل والأثقال التاريخية التي تحكم تحركات كافة الأطراف، خاصة إذا نجحت الجهود الأميركية في إبعاد أردوغان عن الساحة السياسية، ولو بعد حين، يصبح المشهد السياسي التركي ممهداً للقادة الجدد بالعودة لحضن حلف الناتو وممارسة المهام التاريخية المنوطة بأنقرة مصدر إزعاج وعرقلة للنفوذ الروسي على أقل تعديل.

        العين الأميركية لا تفارق روسيا أوجزها تقرير لوكالة الأنباء الألمانية بالقول “.. منذ تدخلها العسكري في الأزمة السورية، تمكنت روسيا، وفي ظرف وجيز، من التحول إلى لاعب أساسي ومؤثر في التوازنات الاستراتيجية التي تحكم الشرق الأوسط. وبهذا الشأن توظف موسكو صناعتها الحربية المتطورة لتكريس نفوذها في المنطقة.” (الأول من آذار/مارس 2018).

2019-07-06 التحليل

التحليل

 

حيازة الصين للمعادن النادرة

أداة التهديد الاقتصادي لهيمنة واشنطن

          دشن الرئيس ترامب ولايته بافتعال جملة مشاكل مع الصين وروسيا، أوضحها كان في المجال الاقتصادي، وتذكيره المستدام للصين بأن نهضتها الصناعية قائمة على انتقال التقنية والمصانع الأميركية إليها سعيا وراء نسب مرتفعة من الأرباح. وسرعان ما تصاعد حجم العجز الأميركي في ميزان التبادل التجاري مع الصين على الرغم من أن نسبة صادراتها لأميركا تتأرجح بحدود 20% من مجمل صادراتها العالمية.

تجسدت تباشير تلك المعركة مع الصين إبان سلفه الرئيس باراك اوباما، وتبلورت الخشية من تفوق الصين بين صناع القرار في واشنطن لاعتقادهم بأن التقنية المتطورة والذكاء الإصطناعي “باتا مرشحين للإنتقال” إلى الشرق، عززها تخصيص بكين ميزانية عالية للإنفاق على صناعة التقنية والذكاء الاصطناعي بلغت 150 مليار دولار

          دقت وسائل الإعلام الأميركية، بالتزامن مع نزعات الإدارة العدائية للصين، ناقوس الخطر من تخلف الولايات المتحدة عن السيطرة على المواد الخام المصنفة استراتيجية، والتي تعرف بالأتربة أو المعادن النادرة التي تعد الصين أهم منتج لها وتوفر الجزء الأكبر من الإنتاج العالمي لهذه المعادن، مما يعطي بكين احتكارًا فعليًا لسوق الأتربة النادرة.

          جاء ذلك أيضاً في سياق كشف وزارة التجارة عن استكمالها تقرير قدمته للبيت الأبيض بناء على طلب الرئيس ترامب عام 2017 لدراسة “آليات وصول الولايات المتحدة لاستخدام الأتربة النادرة،” التي تشمل 17 عنصراً تقع في أسفل الجدول الدوري الكيميائي للمعادن (4 حزيران الجاري).

          وأضاف التقرير محذراً أن “الولايات المتحدة تعتمد بشكل كبير عل استيراد المعادن النادرة .. في حال قررت الصين أو روسيا إيقاف تصديرها للولايات المتحدة وحلفائها لفترة زمنية طويلة – مشابهة للحظر الذي طبقته الصين على تصدير انتاجها عام 2010 – فأن أي عرقلة طويلة للإمدادات قد تتسبب بهزات ملحوظة؛” استناداً إلى دور تلك المعادن “المحوري والاستراتيجي في الاقتصاد العالمي.”

          وزير التجارة ويلبر روس أوضح أهمية تقرير وزارته قائلاً “تلك المعادن بالغة الأهمية عادة ما يتم التغاضي عنها .. التوصيات المتضمنة في التقرير تشير إلى أن الحكومة الفيدرالية ستأخذ اجراءات وتدابير غير مسبوقة لضمان استمرارية تدفق تلك المعادن الحيوية للولايات المتحدة.”

المعادن النادرة قليلة التركيز في التربة بخلاف باقي المعادن بل بنسب جد ضئيلة وهو ما يجعل استخراجها مكلف. أول من اكتشف تلك المعادن كان العالم السويدي كارل أكسل أرينيوس، 1787، في منجم قرب ستوكهولم.

توصيفها بالمعادن النادرة مرده جملة حقائق، منها انعدام القدرة البشرية عن استخراجها ومعالجتها حتى عقد الاربعينيات من القرن الماضي، بعد أن تم تطوير تقنيات متطورة لاستخراجها وانتاجها بكميات كبيرة.

المعادن النادرة هي: سكانديوم، الإيتريوم، وخمسة عشر اللانثانيدات (اللانثانم، السيريوم، البراسيوديميوم، النيوديميوم، بروميثيوم، السمريوم، اليوروبيوم، الجادولينيوم، التيربيوم، الدسبروزيوم، هولميوم، الأربيوم، الثوليوم، الإيتربيوم، اللوتيتيوم).

Including: europium, praseodymium, neodymium, lanthanum, samarium, cerium and gadolinium

          بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية والتقدم العلمي الذي حققته البشرية في مجال الإلكترونيات، دخلت تلك المعادن في صلب الصناعات المتطورة والاستراتيجية، الأسلحة والدفاع، لوائح الطاقة الشمسية، رقائق الهواتف المحمولة وشرائح الكمبيوتر، توربينات توليد الطاقة من الرياح.

          على سبيل المثال، دخل عنصر (يوروبيوم) في تصنيع “لوحات الكريستال السائل” لشاشات الكمبيوتر والتلفزيون؛ والنيوديميوم في صناعة اقراص الكمبيوتر الصلبة وبطاريات السيارات الهجينة.

          في التطبيقات العسكرية تحتل تلك المعادن حيزاً محوريا في اجهزة الليزر والاستشعار بالرادار أو “سونار” الغواصات،  نظم الصواريخ الموجهة، نظم التحكم في المصفحة الأميركية “آبرامز-1،” الأجهزة الإلكترونية على متن المدمرات الأميركية من طراز DDG-51، الاقمار الاصطناعية، “القنابل الذكية،” أجهزة الرؤيا الليلية، وأجهزة التحكم بالطيران المدني.


مواطن الانتاج

          تراجعت مكانة وقدرة الولايات المتحدة عن تبوأ المصدر الأساس لاستخراج وتسويق تلك المعادن، واحتلت الصين مركز الصدارة منذ عقد التسعينيات من القرن المنصرم.

          وقررت واشنطن إعاد فتح والعمل بأكبر منجم لتلك المعادن، عام 2013، في “ماونتين باس” بولاية كاليفورنيا، وكانت تعتمد عليه منذ دخوله الخدمة عام 1949، واستطاعت تحقيق معدل اكتفاء ذاتي لفترة طويلة من الزمن، مكنها من تصدر صناعة شاشات العرض الملونة في عقد الستينيات من القرن الماضي، بفضل عنصر يوروبيوم.

          تزايد اهتمام الدول المختلفة باستخدام تلك المعادن حفز العلماء على الاكتشافات والتنقيب الدؤوب عنها، وحققت الصين مخزوناً معتبراً منها وأضحت تشكل 70% من الانتاج العالمي لتلك المعادن، ألامر الذي دفع مشغلي المنجم الأميركي المذكور لتنقية ما تم استخراجه في الصين، وتدريجياً تراجعت القدرة والتقنية الأميركية عن عمليات التنقية المكلفة مادياً وما ينجم عنها من تلويث للبيئة باطلاق غازات سامة.

          بيد أن كمية من ينتجه منجم “ماونتين باس” لا يكفي ليسد حاجة وزارة الدفاع الأميركية، لا سيما تخلفه عن انتاج عنصري “تيربيوم و ديسبروزيوم،” إذ يدخل الأول في صناعة البطاريات النقالة ونظم السونار البحرية، والثاني في صناعة الليزر وعواميد التحكم النووية والأقراص الصلبة والمدمجة.

          واكتشفت الولايات المتحدة منجماً أخراً في ولاية أيداهو، داياموند كريك، تقدر محتوياته بنحو 13 مليون طن من المعادن النادرة، وفق تقديرات هيئة الجيولوجيا الأميركية؛ وفي مناطق أخرى متفرقة من الولايات المتحدة. كما أن الشركة الأميركية الوحيدة المنتجة لتلك المعادن، إم بي ماتيريالز، درجت على تصدير استخراج مناجمها إلى الصين بسبب عدم توفر القدرة الداخلية على تنقية المعادن.

          بيد أن الصين درجت على الاستثمار في التنقيب واستخراج المعادن النادرة في عدة دول أخرى حول العالم، وخصصت مصادر مالية لتمويل تلك العمليات بما فيها داخل الولايات المتحدة نفسها، في ولاية ميزوري، وامتلكت حصة قدرها 17% من موارد الشركة الأميركية المالكة لمناجم منطقة “آيرون هيلز” بولاية كولورادو.

          وعلقت دول أخرى آمالها على استخراج تلك المعادن، منها كندا واستراليا وجنوب افريقيا وفرنسا واستونيا واليابان.


التنين الصيني

          الولايات المتحدة قلقلة من تقدم الصين لجملة من العوامل، لا سيما من ابحاثها في التطبيقات المتطورة لتوسيع مروحة استخدام تلك المعادن، خاصة في المجال الدفاعي الذي تسعى البنتاغون بكل الوسائل لعرقلة جهود الصين إن أمكن.

          في هذا الصدد، قدم أحد علماء المعادن الأميركيين، كارل شنايدر، والعامل في أحد معامل وزارة الطاقة، تقريراً لعدد من أعضاء الكونغرس يحذر فيه من تدني جهود الابحاث والتنقيب واستخراج المعادن الثمينة في بلاده إلى مستوى “يقرب من الصفر.”

          ردت الصين على اجراءات العقوبات الأميركية والرسوم الباهظة التي فرضتها إدارة الرئيس ترامب على منتجاتها بحظر تصدير المعادن الثمينة للولايات المتحدة، التي وكما غيرها من الدول الصناعية تحتفظ بنسبة احتياط معتبرة تمكنها الاستمرار في تصنيع منتجاتها إلى حين.

          المعادن النادرة، كما أسلفنا، تدخل في العديد من المنتجات والاجهزة اليومية التي تزين رفوف المنازل الأميركية، خاصة في تصاعد الطلب على الهواتف المحمولة المصنعة بمعظمها في الصين. بيد أن الأولوية لاستخدامها تذهب للقطاع الحربي وفق الاستراتيجية العسكرية المعتمدة.

          أمام رفع الصين أسعار تلك المعادن، عام 2010، وارتفاع كلفة الأجهزة المنزلية وغيرها دفع الولايات المتحدة لتكثيف الجهود على استخلاص وتدوير مخزونها من تلك المعادن، لكن أهم عقبة تواجهها هي شح توفر العدد الكافي من المصانع لتنقية الشوائب، وهي عملية تستغرق زمناً طويلاً نظراً لطبيعة المعادن وندرتها قبل وبعد تنقيتها. كما أن تقنية التنقية المتوفرة لديها أقدم من نظيرتها الصينية في هذا الخصوص.

          ما تقدم يلقي ضوءاً على تداعيات العقوبات الأميركية والاجراءات الصينية المقابلة لها، والتي ستجد صداها في إبطاء تقدم المجهود العسكري الأميركي وصدارة مكانته ومنتجاته في الاسواق العالمية على وجه الخصوص.

 

2019-31-05 التحليل

التحليل


بيان موللر:

إدانة مبطنة لترامب

          بضع دقائق استغرقها المحقق الخاص روبرت موللر لرمي كرة الثلج الملغومة أمام الكونغرس لممارسة مهامه والتحقيق “مجدداً” بالنتائج التي توصل إليها تقريره، مضيفاً كماً غير يسير من التساؤلات المتداولة حول إحجام الهيئات الرسمية المتعددة تنفيذ ما يترتب على تهمة “عرقلة العدالة والتدخل في سير التحقيق” للرئيس ترامب.

          ولعل من بين الزوايا الحادة لانتقاداته المبطنة بلغة قانونية صرفة إعلانه عدم المثول أمام لجان الكونغرس كون التقرير المقدم يتضمن “أدلة تكفي” للسلطة التشريعية، ممثلة بمجلسي الشيوخ والنواب، يمكم البناء عليها واتخاذ ما يلزم – دون أن يتلفظ بمفردات مقاضاة وعزل الرئيس.

          وربما لأول مرة يتعرف المواطن على سقف اجراءات التحقيق الذي أعدته وزارة العدل لقيامه وفريقه بالمهمة،  موضحاً أن تعليمات وزارة العدل “تمنع اصدار اتهام يدين رئيس لا يزال على رأس العمل.”

          بالمقابل، كانت استنتاجات تقرير “المحقق المستقل” كنيث ستار شديدة الوضوح بإدانة الرئيس الأسبق بيل كلينتون، 11 أيلول 1998، والبدء باجراءات عزله وفق مقتضيات النصوص والصلاحيات الدستورية لدى السلطة التشريعية.

          أمام تناقض تلك الثنائية في الكيل بمكيالين، كلينتون يدان ويحاكم بتهمة الكذب وترامب ينجو من تقديمه للقضاء بحكم ممارسته مهامه الرئاسية، انساقت وسائل الإعلام الرئيسة، لا سيما التي تكن لترامب عداءً متأصلاً وعلى رأسها صحيفتي نيويورك تايمز وواشنطن بوست، لتحييد تهمة عرقلته للقضاء وإخراج “اجراءات العزل” من التداول، تدريجيا.

          يومية واشنطن بوست استنتجت في تقرير مفصل لها أن “فريق المحقق الخاص موللر اعتقد بأن أي ايحاء بتوصية للكونغرس بعزل الرئيس تندرج ايضاً تحت بند توجيه اتهام للرئيس بارتكابه جناية.” (29 أيار/مايو 2019)

          الصحيفة واخواتها سعت لتبرير موقفها غير الحاسم باقتباس جملة جوهرية مليئة بالايحاءات من المؤتمر الصحفي الذي عقده روبرت موللر، سالف الذكر، بقوله “لو توفر لدينا قدر كافٍ من الثقة بأن الرئيس لم يرتكب جناية، لذكرنا ذلك.”

          وأضاف موضحاً “.. ليس من العدالة بشيء توجيه تهمة محتملة لفرد بارتكابه جناية أن لم تتوفر آلية لحسم التهمة،” سواء تيقن القضاء من ارتكابها ام عدمه.

          ضبابية تفسير النصوص الدستورية تعين طرفي الجدل، الحزبين الجمهوري والديموقراطي، على التزام سردية كل طرف. المدعي العام الجمهوري السابق لولاية نيويورك، آندرو ماكارثي، أدلى بدلوه لزيادة منسوب الضبابية حول التهم الموجهة للرئيس ترامب قائلاً “ارشادات (وزارة العدل) لا تشير إلى أنه لا يمكن توجيه تهمة للرئيس وهو في منصبه أبداً. بل تنص على أن الرئيس وهو في منصبه لا يجوز اتهامه. ولذا فإن المدعي العام (المحقق الخاص) بعد تسلمه مهمة التحقيق لديه صلاحية الإقرار بذلك ..”

          واضاف ماكارثي “موضحاً” ما اعتقده تفسير منطقي لتحقيقات موللر “.. لو تم الإقرار بأن هناك أرضية لتصعيد القضية (وفق السبل والقنوات المعتمدة) وإن رغبت وزارة العدل تطبيق صلاحية الارشادات التي تم إعدادها بأنه لا يجوز توجيه تهمة لرئيس لا يزال في منصبه، فليكن. بيد أن مهمة موللر، كما أعتقد، كانت البحث حول توفر قضية تستدعي إقامة دعوى أم لا.”

          غاب عن الجدل حقيقة سقف التحريات الممنوحة لكل من “كنيث ستار وروبرت موللر” التي لم تعد في وارد الاهتمام العام، بل تغاضت عنها معظم وسائل الإعلام الرئيسة. ستار من جانبه تم تعيينه من قبل الكونغرس بدافع التحقيق على أرضية عزل الرئيس التي روجها مجلس النواب آنذاك، بزعامة نيوت غينغريتش، وجاءت النتائج مطابقة للأحكام المسبقة. أما موللر فقد تم تعيينه من قبل وزارة العدل ومرجعيته النائب العام، ويليام بار، الذي عينه الرئيس ترامب في منصبه؛ وهو الجهة المخولة قانونياً تسلم تقرير فريق التحقيق والبناء عليه.

          في العودة للنصوص القانونية الأميركية السارية، في الشق الجنائي الصرف، مهمة المدعي العام/المحقق التيقن من حصول جريمة تستدعي توجيه اتهام أو عدمه، وليس تبرئة المتهم، فتلك تقع ضمن صلاحيات قضاة المحاكم حصراً.

الدب الروسي في الغرفة

          التهمة الرئيسة الموجه للرئيس ترامب وحملته الانتخابية ارتكزت على تورطه مع روسيا في التأثير على نتائج الانتخابات الرئاسية؛ وإشارة تقرير موللر إلى أن “.. تم توجيه تهمة التدخل في انتخابات 2016 لبعض الأفراد الروس.” واستدرك تقرير موللر بالجزم أنه “لا يتوفر أي دليل (قاطع) على تورط حملة ترامب الانتخابية مع روسيا ..” مما يضاعف ضبابية المسؤول، جهة أو أفراداً، عن ترويج ذاك الاتهام.

          من نافل القول، أن الشخصية المعلنة في صلب تلك التهم كان عميل الاستخبارات البريطانية السابق، مايكل ستيل، الذي قدم ملفاً معتبراً لحملة هيلاري كلينتون يتهم فيها ترامب وحملته بجملة قضايا فحواها التواطؤ مع الاجهزة الروسية، الأمر الذي استدعى حملتها (والحزب الديموقراطي) التوجه للمحكمة الفيدرالية الخاصة بالتحقيق في شؤون التجسس   (FISA)  والحصول على تفويض بالتجسس على حملة ترامب الانتخابية، وما رافقها من جدل واسع واتهامات متبادلة بينهما.

الأمر اللافت أن حملة كلينتون تحملت الكلفة المادية لمجريات “التجسس.” الأمر الذي دفع المرشح آنذاك لمنصب وزير العدل، ويليام بار، إبلاغ الكونغرس في شهادته بأن مكتب التحقيقات الفيدرالي، إف بي آي، قام بالتجسس على حملة ترامب الانتخابية.

          دشن بار صلاحياته القضائية بتعيين محقق خاص من داخل وزارة العدل للتحقيق في ملابسات حملة التجسس التي نفذها جهاز الأف بي آي، وما قد يترتب عليها من تطورات تتقدم السباق الرئاسي المقبل.

          السجالات والاتهامات المتبادلة بين الفريقين، بالتركيز على “تدخل روسيا” في الشأن الداخلي سحب من التداول سجل الولايات المتحدة اللامتناهي في تدخلاتها بدول العالم قاطبة، بما فيها الدول الأوروبية “الحليفة.”

          رصدت الاستاذة الجامعية ليندسي اورورك أبعاد التدخلات الأميركية في عهود الرؤساء الأميركيين خلال حقبة الحرب الباردة، 1947 إلى 1989. وقالت في كتابها سياسة تغيير النظم السرية، الصادر عام 2018 أن كافة الرؤساء في تلك الحقبة أشرفوا على عدة محاولات للتدخل بهدف تغيير “اما النظم أو نتائج الانتخابات،” أقلها كان في عهد الرئيس السبق جيرالد فورد الذي سجل ثلاث محاولات فقط نظراً لأزمة ووتر غيت واستقالة سلفه الرئيس رئيتشارد نيكسون.

          وأوضحت في سجل رصدها: 30 محاولة إبان عهد الرئيس دوايت آيزنهاور؛ 21 محاولة لسلفه هاري ترومان؛ 19 محاولة في عهد ليندون جونسون؛ 16 محاولة في عهد الرئيس رونالد ريغان؛ 15 محاولة في عهد الرئيس جون كنيدي؛ و 10 محاولات في حقبة الرئيس ريتشارد نيكسون.

          بالمقابل، رصد الاستاذ الجامعي الأميركي، دوف لفن، المتخصص بدراسة التطورات الانتخابية بين الحزبين قائلاً في دراسة قدمها بتاريخ 7 ديسمبر 2018 “.. عقب بحث متواصل لنحو عقد من الزمن لظاهرة التدخل لكل من الولايات المتحدة وروسيا (وقبلها الاتحاد السوفياتي) استطيع القول .. من المرجح حدوث تواطؤ (حملة ترامب مع روسيا) في سير الانتخابات؛ ومن غير المستبعد أن يتوصل تحقيق (فريق) موللر إلى دلائل قاطعة تثبت ذلك.”

          تقرير موللر يشكل مقدمة لبدء حملة منافسة واتهامات متبادلة جديدة بين أقطاب صناع القرار في واشنطن، أفراداً ومؤسسات، كل يتشبث بموقفه وثنائية العزل من عدمها. الاستاذ الجامعي ومدير مكتب وزير الخارجية الأسبق كولن باول، لاري ويلكرسون، أوضح موقفه كعضو في الحزب الجمهوري قائلا أنه “يثمن الموقف الشجاع للنائب جاستين أماش (عماش) ويضم صوته للمطالبة والبدء باجراءات عزل الرئيس ترامب.” (31 أيار الجاري.)

          واستدرك ويلكرسون معبراً عن احباطه وعدم ثقته بقيادات الحزب الديموقراطي اغتنام الفرصة وتنفيذ الاجراءات قائلا “.. لم أرى في حياتي مجموعة عاجزة وجبانة وغير كفؤة بدءاً بشارلز شومر وانتهاء بنانسي بيلوسي بين كافة اعضاء الكونغرس .. لا تتوفر لديهما الجرأة أو الشجاعة” للقيام بما يتطلبه ضمير الشعب المطالب بعزل الرئيس لانتهاكاته الجسيمة.

ينقسم الحزب الديموقراطي على الخطوة المقبلة رغم تنامي الدعوات في صفوفه وخاصة من بعض المرشحين للرئاسة للبدء بفتح ملف عزل ترامب؛ ولاتزال قياداته في مجلس النواب حذرة وتخشى أن يستفيد ترامب انتخابيا من تحشيد قاعدته بلعب دور الضحية أمام انصاره.

 

2019-24-05 التحليل

التحليل

تراجع الجهوزية القتالية

يلجم النزعات العدوانية الأميركية

خيارات ومناورات القوات الأميركية في الخليج

          حتى العقد الأخير اعتادت الولايات المتحدة على استخدام فائض القوة العسكرية لشن الحروب واختلاق الذرائع والاعداء، سواء حقيقيين أو متخيلين، وكانت تمضي غير آبهة بالمعارضات الداخلية والخارجية لجولاتها الدموية المقبلة؛ فبنيان نظامها الاقتصادي “الحر” يرتكز على بسط  هيمنة واشنطن على المستوى الكوني و”حماية مصالحها المستغِلة للثروات الطبيعية” عبر الآلة العسكرية.

          لكن العشرية الأخيرة شهدت تراجعا اضطراريا في شن الحروب  يعكس انخفاضا ملفتا في الجهوزية القتالية للقوات الأميركية يتم التستر عليه بما يمكن وصفه ب”الهوبرة” والتصريحات النارية، ويساعد في التستر على العجز الميداني إصرارها على ارتفاع متصاعد في إنفاقاتها العسكرية. فميزانية البنتاغون للعام الجاري، 2019، بلغت 715 مليار دولار، وصادقت لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، الأسبوع الجاري، على مشروع ميزانية للعام المقبل تبلغ 750 مليار دولار – وربما سيضاف لها بنود تبرر زيادة بعض الميزانيات المخصصة، في سعار سباق تبادل المصالح بين قادة الكونغرس.

          التموضع العسكري الأميركي المكثف بالقرب من منابع الطاقة في المنطقة العربية، تجسد بإرسال واشنطن احدى أكبر حاملة طائرات في ترسانتها وقاذفات استراتيجية أيضاً بالإضافة لقواتها وترسانتها المتواجدة أصلاً في عموم المنطقة – من المحيط إلى ما بعد الخليج.

          ثلاثية الاستراتيجية الأميركية الذهبية: الحرب، الاحتواء أو التفاوض قلبته المؤسسة الحاكمة، لا سيما الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، رأساً على عقب بإقرارها فشل سياسة احتواء إيران على مدى عقود أربعة، سواء بالترهيب أو الترغيب؛ وتحاجج أنها ترمي لفرض خيار “التفاوض” على إيران بالقوة العسكرية.

          قرار الحرب، على الشق المقابل من المعادلة ينطوي على آلية خاصة به، من الإعداد وتشكيل التحالفات لمحاصرة وعزل الخصم وصولاً لساعة الصفر. وهذا ما ننوي تسليط الضوء عليه لسبر أغوار الخطوات الأميركية التصعيدية خاصة الأوضاع الذاتية للقوات العسكرية الأميركية إن كانت مهيئة لخوض حرب “مفتوحة،” كما يحذر منه كبار القادة العسكريين في واشنطن وحلف الناتو، خارج سياق القوة العسكرية الصرفة التي باستطاعتها احداث تدمير هائل في غضون ساعات قليلة لكن ليس بوسعها حسم نتائج الميدان بذات السرعة أو الرغبة.

          قبيل أفول عام 2018 أعلن الرئيس ترامب عن حتمية “عودة كافة القوات العسكرية” من سوريا؛ ما لبث أن ناقضه مستشار الأمن القومي جون بولتون، مطلع العام الجاري، بالتأكيد على بقاء القوات الأميركية في سوريا لفترة أطول، وتناغم الرئيس الأميركي مع ذلك مسنوداً بقراره للإبقاء على “400” عسكري هناك لبعض الوقت.

          بعض القيادات العسكرية الأميركية لم يروقها تخبط تلك القرارات التي “تزيد من أعباء القوات والموارد الأميركية” في مستنقعات الشرق الأوسط على حساب ساحات مواجهة أخرى هي بحاجة ماسة لتلك القوات.

          وأعرب قائد القوات الأميركية في المحيط الهاديء، فيليب دافيدسون، عن خشيته من تبديل الإدارة الأميركية للأولويات الاستراتيجية ممثلة بالتصدي “لصعود الصين وروسيا” وتسخير موارد ضرورية لمنطقة الشرق الأوسط.

          وأوضح أمام حشد لجمعية القوات البرية الأميركية في هواوي، 23 أيار الجاري، أن بلاده “.. تواجه تهديدات جدية، لا سيما من قبل جمهورية الصين الشعبية.” واستعرض دافيدسون تناغم كل من روسيا والصين على تقييد حركة الولايات المتحدة في مياه الشواطيء الاسيوية وبأنهما “تسعيان لإنتاج نظام دولي جديد .. حيث تُخضع الدول الصغيرة والكبيرة سيادتها لمصالح دولة واحدة.” وفي شهادة له أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، 12 شباط 2019، أضاف دافيدسون كوريا الشمالية إلى قائمة التهديدات التي تواجهها بلاده في آسيا.

          وشدد دافيدسون في شهادته المذكورة على أن الصين غافلت الولايات المتحدة واضحت “تسيطر بالكامل على بحر الصين الجنوبي .. وفي كافة سيناريوهات المواجهة في تلك المنطقة دون الدخول في حرب مباشرة” مع واشنطن.

ما ورد سالفاً هو جزء يسير من تحذير القيادات العسكرية الأميركية المتمرسة من توسيع رقعة انتشار القوات الأميركية وتبديل صناع القرار للأولويات الاستراتيجية لاعتبارات بحت سياسية ، أي الإبقاء على “ردع” روسيا والصين ومنع تمددهما.

          وفي ذات الفترة الزمنية صدرت دراسة معمقة لمعهد السلام الأميركي، الملحق بوزارة الخارجية، تشرين الثاني/نوفمبر 2018، شارك فيها كبار القادة الاستراتيجيين في المستويين السياسي والعسكري، حذرت من “تآكل التفوق العسكري الأميركي لدرجة مقلقة .. وقدرة أميركا في الدفاع عن حلفائها وشركائها وحتى مصالحها الحيوية أضحت مبعث شك متصاعد.”


قوات أميركية إضافية

          في أحدث خطوة تصعيدية أعلن البيت الأبيض عن إرسال 1،500 عسكري أميركي إضافي لتعزيز التواجد العسكري في مياه الخليج والدول القريبة من إيران؛ أرفقها بموافقته على بيع السعودية والإمارات صفقات أسلحة جديدة تبلغ قيمها   نحو 8 مليارات دولار.

          فبالإضافة لحاملة الطائرات آبراهام لينكولن والقطع البحرية الأخرى المرافقة لها، أجرت القوات الأميركية مناورات عسكرية في مياه الخليج بالقرب من السواحل العُمانية، شارك فيها سلاح مشاة البحرية، المارينز، بقوات ومعدات برمائية، وسرب من السفن البرمائية، ووحدة سلاح استكشاف المارينز الثانية والعشرين؛ لصقل المهارات العسكرية “في حال طُلب منها التعامل مع أزمة متبلورة في الخليج،” حسبما أفاد أدميرال مجموعة المدمرة لينكولن، جون ويد.

          وإمعاناً في تهيئة الأجواء والمناخات العسكرية، أبحرت مدمرتان أميركيتان، ماكفول و غونزاليس، بذخيرتهما من الصواريخ الموجهة، عبر مضيق هرمز دون ان تتعرضا “لمضايقة إيرانية .. فرسالة الردع المتضمنة ماضية بشكل جيد،” حسبما أفاد مسؤول عسكري أميركي ليومية وول ستريت جورنال.

          سعت “دولة الإمارات” استغلال مناخ التصعيد العسكري الأميركي بعرض تقدمت به للولايات المتحدة لاستخدام غير مشروط لأراضيها وأجوائها ضد ايران، والمساهمة في “استعادتها جزيرة أبي موسى” التي تنازل عنها حكام الإمارات لشاه ايران عام 1971,


حال القوات الأميركية

          التحركات الأميركية المكثفة وترسانات الأسلحة المختلفة وتموضعها بالقرب من السواحل الإيرانية هي رسالة “لردع إيران،” أوتهيئة لاشتباك مسلح يسعى الطرفان لتفاديه بينما يمضيان قدماً في الإعداد لخوضه.

          وربما السؤال المحوري هو السعي للإجابة على مدى جهوزية وقابلية الجيش الأميركي خوض حرب جديدة في منطقة لا تزال ملتهبة وقابلة للاشتعال لأي سبب أو خطأ حسابات أحد الأطراف المباشرة وغير المباشرة.

عند استعراض حقيقة القابلية الأميركية لخوض حرب أو “مواجهة محدودة،” مع ايران، نستعيد تشخيص دراسة مركز السلام الأميركي، سالف الذكر، محذراً من “الخطر الماثل أمام القوات الأميركية وامكانية اندحارها في حال اضطرارها للقتال على جبهتين أو اكثر في نفس الوقت.”

بل ذهب في تحذيره لمستويات خطرة قائلاً “قد تتعرض القوات العسكرية الأميركية لعدد كبير من الخسائر وفقدانها لموارد كبيرة أساسية” في المعركة المقبلة.

وشاطره الرأي وصراحة التوصيف ضابط المخابرات المركزية السابق ديفيد جيو David Gieo بقوله “الولايات المتحدة ليست مستعدة للانخراط في حرب أخرى .. وقواتنا المسلحة تتمدد على رقعة أكبر من قدرتها على التحمل، بل هائمة على نفسها.” (17 نيسان 2019).

          وأضاف أن القوات العسكرية تعاني من جملة تحديات أبرزها “ديمومة التجنيد،” بإقرار البنتاغون أن جهودها لتجنيد مزيد من المنتسبين “فشلت في تحقيق احتياجاتها للسنة المالية 2018، وحتى بعد اضطرارها لخفض سقف الشروط.” واستنتج بالقول أن فشل الجيش في رفد صفوفه بانتظام يعني أنه “لم يعد يصلح لنشره” في ساحة سيشهد قتالاً حقيقيا فيها.

          يشار أيضاً إلى شهادة نائب وزير الدفاع لشؤون الأفراد والجهوزية، روبرت ويلكي، أمام لجان الكونغرس منتصف شباط/فبراير 2018، معلناً أن “نحو 14% من مجموع القوات العسكرية لا تستطيع الخدمة في ساحات أخرى،” مفسراً أن ذلك يؤدي لفقدان نحو 300،000 عسكري وإداري عند الحاجة لخدمتهم.

          بيانات ومذكرات داخلية للبنتاغون تثير جملة أسئلة إضافية حول جهوزية قواتها العسكرية، واتساع الهوة بين الدعم الشعبي ورؤى القيادات العسكرية لرفد القوات البشرية بصورة دائمة.

          مساعدة وزير الدفاع لشؤون التواصل مع الجمهور، آمبر سميث، أقرت في مؤتمر صحفي، مطلع عام 2018، صعوبة المسألة “.. استناداً لبياناتنا الداخلية نستطيع التوصل لخلاصة اتساع متنامي بين طموحات القيادات العسكرية ومدى تجاوب الشعب بكافة قطاعاته؛ مما يشكل تهديداً حتمياً لاستمرارية وديمومة قوات عسكرية قوامها الانتساب الطوعي.” (نشرة ستارز آند سترايبس، 18 كانون الثاني/يناير 2018).

          واضافت أن الانطباع السائد بين العامة لا يحبذ الجيل الشاب على الانتساب الدوري، وترى أن الحياة العسكرية تسهم في “عزل وإرباك الحياة العائلية .. ومدى المعاناة التي يواجهها العائدون من ساحات القتال التي تسبب لهم أضراراً بدنية ونفسية وعاطفية، فضلاً عن المتاعب التي يواجهونها في العودة لنمط الحياة العادية.”

          ومضت مساعدة وزير الدفاع بوصف حالة التدني بين صفوف الأجيال الشابة التي انخفضت نسبة انتسابها إلى نحو 15% مقارنة مع انتساب نحو 40% في العقود السابقة ولغاية عام 1995. للدلالة، فشل سلاح الجيش عام 2005 برفد احتياجاته البشرية بما لا يقل عن 80،000 شاب وشابة.

          بيانات البنتاغون المشار إليها تدل على نسبة بطالة مرتفعة، 28%، بين زوجات الجنود اللواتي تعودن على البقاء في سوق العمل والمساهمة في تحمل كلفة معيشة الأسرة؛ مقارنة مع نسبة 3% من البطالة بين النساء في باقي المجتمع.

          وزير الدفاع الأميركي السابق جيمس ماتيس سعى لاستنباط آلية لنشر القوات أسماها “ديناميكية تسخير القوات،” والتي ترمي لاتباع القادة العسكريين إجراءات أفضل لنقل وتبديل محدود للقوات الأميركية بسرعة في أي مكان من العالم –  بحسب وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأميركي لعام 2017 التي أقرتها ادارة الرئيس ترامب قبل عامين.

          واشارت الوثيقة إلى أن الآلية المقترحة “.. لن تكفي لتجسيد الحضور الأميركي المطلوب لردع التهديدات الماثلة أمام المصالح الأميركية” في المنطقة العربية؛ بل إن “القوات الأميركية بوضعها الراهن ليس بوسعها الاستجابة لمتطلبات الدفاع عن كافة المصالح الكونية.”

          كلفة الحروب الأميركية تستمر في التصاعد للأعلى. إذ توصلت دراسة أجراها معهد واتسون للشؤون الخارجية والعامة بجامعة براون أن ميزانيات الحروب لغاية السنة المالية الحالية، 2019، بلغت نحو 6 تريليون دولار.

          وزير الدفاع السابق، ماتيس، وكبار القادة اعسكريين والاستراتيجيين يدركون حقيقة حدود سلاح الجو وحده في حسم أي معركة؛ بل لم يثبت أي سلاح جو قدرته على حسم نتيجة معركة بمعزل عن القوات البرية وروافدها، مشاة البحرية والقوات الخاصة، لفوز سريع قليل الكلفة.

          قد يجادل البعض بمجريات حرب حزيران 1967 التي بدأت بتدمير المقاتلات الحربية المصرية في مهابطها، لكن المعركة استمرت لخمسة أيام متتالية على كافة الجبهات. أما تحليلها والدروس المستفادة منها فهي في عهدة التاريخ وكشفه عن وثائق حساسة تتعلق بسير المعارك والساعات الأولى للضربة الجوية.

          استناداً إلى ما تقدم، خاصة التوصيات الواردة في وثيقة استراتيجية الأمن القومي، نستطيع القول أن هاجس القيادة العسكرية الأميركية في منطقتنا هو الحفاظ “على الوضع الراهن،” وعدم الإنزلاق لمواجهة ولو محدودة، اتساقاً مع أبرز أركان أهدافها الاستراتيجية المتثملة باستقرار الأوضاع بما يخدم المصالح الأميركية.

          بعبارة أخرى، المواجهة العسكرية هي نقيض الاستقرار المنشود. وقد أوجزتها دراسة أجرتها مؤسسة هاريتاج تحث الإدارة الراهنة على انتهاج “نمط متوازن مضبوط الحركة” في عموم المنطقة لمواجهة “تمدد إيران .. وفي نفس الوقت إشراك عدد أكبر من الشركاء الإقليميين لرفد جهود تطبيق حلول أمنية مستدامة” في المنطقة (التحضير لاستراتيجية أمن قومي لأميركا لعام 2020 وما بعد – 23 أيار 2019).

بالإضافة إلى أنها تعتبر هدفاً بعيد المنال بالنسبة للغواصة التي تهاجمها الطوربيدات. (أدبيات عسكرية متعددة).

في مجال الحرب المضادة للغواصات في المياه الضحلة ، بالتركيز على أشعة السونار النشط، تشير دراسة أميركية أخرى بأن  أربع دول اقليمية لديها غواصات من تلك الفئة: مصر وإيران و”إسرائيل” والجزائر؛ فيما لاتزال مصر وإيران والجزائر تعتمد على غواصات تعود إلى فترة الحرب الباردة من إنتاج شرقي من فئتي ( روميو ROMEO ) و ( كيلو KILO ) ، بينما تمتلك “إسرائيل” ثلاث غواصات من فئة ( دولفين Dolphin ) ، وهي بإنتظار إثنتين أخريين.

الغواصات الموجودة لدى بلدان الشرق الأوسط ، تتميز عن غواصات القوى العظمى في فترة الحرب الباردة، ببصمات صوتية منخفضة جداً، بحيث أضحى السونار الخامد الذي صمم للمياه الزرقاء عديم الفائدة في البيئة الساحلية لإكتشاف هذه الغواصات. وقد تمكن الباحثون من إيجاد وتطوير نظام ( سونار الصفيف )، النشط المقطور ذي الترددات المنخفضة جدا، مما وفر حلا جديدا لكشف الأجسام البحرية في المياه الضحلة على مديات بعيدة. (المجلة العسكرية سالفة الذكر، نقلاً عن الخبير الأميركي في تقنية السونار البحرية ستيف جاكوبز).

تطبيقاً لمقولة فيلسوف الحرب الصيني، سان تسو، بأن “المعرفة تسبق النصر، والجهل يسبق الهزيمة،” ليس من المستبعد توصل دوائر صنع القرار الأميركي، لا سيما المؤسسات العسكرية والاستخباراتية إلى نتائج تفيد بأن ايران أحرزت تقدماً نوعياً لا يمكن تجاهله في مجال التقنية الحربية في عرض البحر وما قد ينجم عن أي مواجهة محتملة من أضرار تلحق بهيبة الترسانة الأميركية؛ إذ أن “.. الحرب ما هي إلا استمرار للسياسة بوسائل أخرى،” وفق الاستراتيجي العسكري كلاوزفيتز.

بعض المراقبين والخبراء العسكريين في واشنطن المحوا لنشرة “المونيتور” باللغة الانكليزية في محادثات استقصائية خاصة أن هناك من يوجه أصابع الإتهام لإيران  بمسؤوليتها عن الإنفجارات التي تعرضت لها حاملات النفط قبالة ميناء الفجيرة. وتسود التكهنات ان العملية تمت بواسطة مجموعات تسللت عبر الغواصات الإيرانية مستخدمة التقنية التي تخفيها عن  رادارات الإكتشاف. لو صحّت هذه التكهنات تكون طهران قد ارسلت رسالة استباقية تحذيرية رادعة لمعسكر التحريض على شن الحرب عليها.