التحليل 03-13-2015

:التحليل

تهور سياسي مُكلف يرتد على الجمهوريين
ويضعف معارضتهم للمفاوضات مع ايران
ايران تشعل فتيل أزمة داخلية
شكلت رسالة اعضاء مجلس الشيوخ من الحزب الجمهوري والموجهة للقيادة الايرانية ساحة احتراب وصراع سياسي اضافية بين الحزبين، الجمهوري والديموقراطي؛ وبشكل ادق بات صراع على الصلاحيات الدستورية بين السلطة التنفيذية ممثلة بالرئيس اوباما والسلطة التشريعية التي يتمتع الحزب الجمهوري باغلبية واضحة. اذ يزاحم الحزب الجمهوري الحكومة الاميركية في تطبيقها السياسة الخارجية وكل ما تقتضيه من ابرام اتفاقيات وتفاهمات دولية. المفاوضات النووية الجارية مع ايران تندرج تحت بند “الاتفاقيات،” اما ابرام معاهدات ملزمة فهي تتطلب موافقة الكونغرس ومصادقته عليها – كمعاهدة تخفيض الاسلحة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي
اهمية الرسالة لا تكمن في مفردات محتوياتها العدوانية فحسب، بل في البعد السياسي الصرف اذ رمت “مخاطبة دولة اجنبية بشأن مسألة في صلب صلاحيات السياسة الخارجية،” التي هي من اختصاص الرئيس الاميركي، بصرف النظر عن الحزب المنتمي اليه، وفق النصوص الدستورية. كما انها فاقمت المشادات والمزايدات السياسية بين الحزبين، وشكلت مؤشر على بنود “اجندة” الانتخابات الرئاسية المقبلة. ما يهمنا في هذا الصدد الاشارة الى عمق الخلاف بين قادة الحزب الجمهوري والرئيس اوباما شخصيا، والذي لا يجوز اغفال البعد العنصري له، على ضوء ما تردد من شعارات معادية خلال احداث فيرغسون بأنه لا يجوز لرئيس اسود ان يكمل ولايته الرئاسية
في بعد ردود الفعل الداخلية على الرسالة لوحظ شبه اجماع على “تهور وغطرسة” الموقعين، الذين ينتمي معظمهم للتيار الاشد تطرفا وعنصرية داخل الحزب، وهو التيار الذي يتصدر المشهد السياسي برمته. قلة من العقلاء داخل الحزب الجمهوري اعربت عن خشيتها من الارتدادات السياسية للرسالة التي اعتبروها وسيلة غير مناسبة للتعبير عن موقف سياسي معارض، فضلا عن تهديد راعيها، توم كوتون، لاحقا لايران بانه ينبغي عليها “الاستسلام او مواجهة هجوم عسكري”
لعل من اهم ردود الفعل ما جاء على لسان رئيس مجلس العلاقات الخارجية الرصين، ليزلي غيلب، محذرا من انشطار قرار السياسة الخارجية الاميركية. وقال ان نزعة العداء الشخصي للرئيس اوباما، بين اقطاب الحزب الجمهوري، “تفوق كراهيتهم لايران المسلحة نوويا.” ورفض غيلب “تبريرات” اقطاب الحزب الجمهوري وعلى رأسهم جون ماكين الذي زعم بأن المسألة “عديمة الأهمية .. وهي مجرد زوبعة في فنجان.” واوضح غيلب ان “الرسالة ستترك تداعيات مستدامة على الأمن القومي الاميركي”
جذر ازمة الرسالة ضاع في سيل ردود الفعل المكثفة وحملات الانتقاد والاتهامات المتبادلة بين الطرفين. اذ جاءت بعد ايام قلائل على القاء نتنياهو خطابه امام الكونغرس، وما سبقه ورافقه من حملات انتقاد لقادة الحزب الجمهوري لاصرارهم على اقحام “زعيم اجنبي” في قضية سياسية داخلية. وتعرض رئيس مجلس النواب وصاحب الدعوة، جون بينر، الى سلسلة انتقادات قاسية لم تنقطع بعضها اتهمه واقرانه بعدم جدارتهم بالقيادة السياسية واخلالهم بالاعراف والاصول الديبلوماسية، فضلا عن الاهانة الكبرى التي وجهوها “عن سابق اصرار” لمنصب الرئيس الاميركي
اصحاب الرسالة ومؤيديهم في المؤسسات الاعلامية المختلفة رفضوا الاتهامات الموجهة لهم بممارسة سياسة خارجية “موازية” للسياسة الرسمية، وتنامت انتقادات تصرفهم من قبل النخب المختلفة بعضها اتهمهم بارتكاب الخيانة، بل وضرورة تقديمهم للمحاكمة بتلك التهمة
البراءة بعيدة عن الحزبين
غني عن القول ان المساحة الاعلامية المتاحة امام الحزب الجمهوري والتيارات المتشددة في المشهد الاميركي كبيرة وتتميز بوفرة الامكانيات المادية الهائلة. بيد ان هذا لا يعني ان الطرف الآخر لا يملك شيئا ذو قيمة، بل ما يميزه هو سمة التردد وتقاسم مكاسب السلطة مع حليفه الخصم
في التاريخ الحديث، تجاوز كلا الحزبين صلاحيات الرئيس، بصرف النظر عن الحزب المنتمي اليه، ومارس سياسة خارجية مستقلة خدمة لتوجهاته. قيادة الحزب الجمهوري دافعت عن “تصرفها” الاخير بمخاطبة زعماء دول اجنبية بالاشارة الى الزيارة التي قامت بها رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي، عام 2007، لسورية واجتماعها بالرئيس الاسد “نكاية” بسياسة الرئيس جورج بوش الابن الرامية لمحاصرة سورية “ومعاقبتها لمساندة المقاومة العراقية” ضد الاحتلال الاميركي. كما عارضت بيلوسي قرار الرئيس بوش لغزو واحتلال العراق
نائب الرئيس السابق، ديك تشيني، وصف اجتماع بيلوسي “بالمسلك البغيض،” مذكرا الرأي العام الاميركي واعضاء الكونغرس على السواء ان “الرئيس هو المخول بتنفيذ السياسة الخارجية، وليس رئيسة مجلس النواب.” هيئة تحرير صحيفة “وول ستريت جورنال،” الحليف الطبيعي لادارة بوش وتسويق اداعاءاتها “بامتلاك العراق اسلحة دمار شامل،” وصفت الزيارة “بديبلوماسية غير قانونية،” وساقت اتهامات لبيلوسي بانها “ربما ارتكبت جرما بسفرها لدمشق .. ضد رغبات الرئيس، اذ تداولت قضايا تخص السياسة الخارجية مع الرئيس السوري بشار الاسد،” نيسان 2007. خلال زيارتها لدمشق صرحت بيلوسي ان “الطريق الى دمشق يقود لطريق السلام”
المرشح الرئاسي لعام 1968، ريتشارد نيكسون، اوفد واحدة من كبار مساعديه، آنا شينولت، لسايغون في مهمة سرية حثت فيها حكومة فيتنام الجنوبية على الانسحاب من محادثات السلام الى ما بعد نهاية الانتخابات في شهر تشرين الثاني من ذاك العام؛ قاطعا وعده للقيادة الفيتنامية بالتوصل “لاتفاق افضل” مما عرضه عليها الرئيس ليندون جونسون. كما تواصل الرئيس الجمهوري المرشح رونالد ريغان مع محتجزي الرهائن الاميركيين في طهران متوسلا عدم توقيع اتفاق مع الرئيس جيمي كارتر، والانتظار الى ما بعد فترة الانتخابات، ومن ثم كرت مسبحة “ايران غيت”
جدير بالذكر ان الساسة الاميركيين من الحزبين مسكونون بهاجس الاصطفاف الى جانب “الحكومة الاسرائيلية،” وتلبية احتياجاتها على الفور. في الظرف الحالي نشهد ممثلي الحزب الجمهوري يتسابقون لنيل رضى “الاسرائيليين،” ودفع السياسة الاميركية لمزيد من المغامرات العسكرية وسباق التسلح
الصلاحية لمن؟
المادة الثانية من الدستور الاميركي توكل مهمة السياسة الخارجية بمنصب الرئيس، وتحدد دور مجلس الشيوخ “بازداء المشورة والموافقة على المعاهدات، شريطة توفر ثلثي عدد اصوات الحاضرين.” ومارس اعضاء الكونغرس، على مر العصور، بعض مهام السياسة الخارجية على عاتقهم “احيانا،” واحيانا اخرى بتكليف رسمي غير معلن في الاغلب
يذكر ان السيناتور المناهض لحرب فييتنام، جورج ماكغفرن، قام بزياة كوبا والتقى مسؤوليها عام 1975؛ كما زار السيناتور (آنذاك) جون كيري نيكاراغوا عام 1985 وتفاوض مع الحكومة الساندانية وحظي “بوعد قطعه الرئيس دانيال اورتيغا معربا عن رغبته بقبول وقف اطلاق النار شريطة رفض الكونغرس تقديم الدعم للمتمردين” الكونترا. الامثلة على ذلك عديدة ومتشعبة، فضلا عن تتويج اي مرشح رئاسي محتمل حملته بزيارة للكيان “الاسرائيلي،” بصفته الرسمية كما فعل المرشح اوباما آنذاك. بيد ان الظرف القاطع في طبيعة المهمة هو الا تتجاوز “تبادل الاراء” مع الحكومات الاخرى وعدم التدخل بأي مفاوضات حساسة تجري على قدم وساق
في الجانب الدستوري الصرف، هناك فسحة ضبابية في تفسير الصلاحيات الواردة، والتي يستغلها كلا الحزبين للنيل من الآخر. استاذ القانون الدستوري في جامعة هارفارد الذي يعد مرجعية في حقله، جاك سميث، ادلى بدلوه في هذه المسألة بالقول ان اقطاب الحزب الجمهوري “لديهم صوابية في الادعاء بأن الرئيس لا يملك الصلاحية الدستورية للتفاوض على اتفاقية تندرج تحت باب قرارات رئاسية. ان معظم اتفاقيات الحد من الاسلحة جرى ابرامها كمعاهدات تحتاج موافقة من مجلس الشيوخ، باستثناء وحيد الا وهو معاهدة الحد من الاسلحة الاستراتيجية – سالت 1، التي نالت اتفاقا مشتركا بين الكونغرس والسلطة التنفيذية”
تجدر الاشارة الى قيام عدد من الرؤساء الاميركيين التوقيع على اتفاقيات مع دول اخرى “من طرف احادي – اي دون اللجوء لموافقة الكونغرس،” ابرزها “مبدأ مونرو،” لعام 1823، الذي ارسى أسس السياسة الخارجية للولايات المتحدة وفق قاعدة “حق كافة دول” الاميركيتين بالاستقلال عن “التدخل الغربي.” وما لبثت اميركا ان انقلبت عليه في عهد الرئيس ثيودور روزفلت الذي منح الولايات المتحدة حقا حصريا في التدخل بالدول الاميركية، بدءا بجمهورية الدومينيكان عام 1905، نيكاراغوا عام 1912 وهايتي عام 1915. واعاد وزير الخارجية جون كيري التأكيد على عدم صلاحية مبدأ مونرو، في خطابه امام منظمة الدول الاميركية في شهر تشرين الثاني / نوفمبر 2013. وعليه، لم يبالغ الجمهوريون بالادعاء بأن الرئيس المقبل سيتمكن من الغاء اي اتفاق يتوصل اليه الرئيس اوباما مع ايران
تربص الحزبين ببعضهما
تباين وجهات النظر بين الحزبين، وان اتسمت بالعمق والعداء، لا تفسد الود المتبادل بينهما في تقاسم السلطة ومكاسبها. بيد ان مسيرة الحزبين شهدت انعطافا حادا وانقساما عموديا في المجتمع الاميركي ابان فترة النهوض الشعبي المعارض للحرب الاميركية على فييتنام، على خلفية توجيه اتهامات بالفساد ومحاكمة الرئيس الجمهوري الاسبق ريتشارد نيكسون، والذي قدم استقالته قبل البدء بالاجراءات القانونية
انتهز الحزب الجمهوري فرصة فوزه الساحق بمقاعد مجلسي الكونغرس في عهد الرئيس بيل كلينتون، وبدافع الانتقام من اقصاء خصومه للرئيس نيكسون، وجه مجلس النواب بقيادته المتطرفة اتهاما للرئيس كلينتون ومقاضاته لثبوت ادلائه بشهادة كاذبة – فيما عرف بفضيحة مونيكا لوينسكي. بيد ان حنكة كلينتون السياسية افشلت مساعي الكونغرس واسقطت التهمة بعد احالتها لمجلس الشيوخ
الحزب الجمهوري، عقب نشوة انتصاراته الانتخابية الاخيرة، توعد باعاقة سياسات الرئيس اوباما، وذهب البعض للمطالبة بمحاكمته اسوة بالرئيس الاسبق بيل كلينتون. ونفذ الحزب وعوده بعدم البت في مشاريع وسياسات تتطلب موافقة الكونغرس عليها، ابرزها اغلاق الحزب للمرافق الحكومية بالكامل على خلفية خلافات بشأن بنود الميزانية
نزعة الانتقام لا زالت قائمة داخل الحزب الجمهوري، الأمر الذي حفز بعض قيادات الحزب الديموقراطي من تذكير خصومهم بأن النيل من شخص الرئيس اوباما لن يمر دون عواقب، وفي الخلفية ما اعتبروه اهانة مكانة الرئيس بدعوة نتنياهو القاء خطابه امام جلسة مشتركة للكونغرس
السياسي المخضرم والذي ينصت اليه بشغف في اروقة واشنطن السياسية، ليزلي غيلب، حذر اركان الحزب الجمهوري بوضوح قائلا “لا تظنوا ولو لبرهة ان الديموقراطيين سيغفرون لكم تلك الممارسات التي تقارب الغدر والخيانة لرئيس ينتمي لحزبهم عندما (تحين الفرصة) لاعتلاء رئيس جمهوري سدة الرئاسة.” واضاف بلهجة قاسية “لا تتوقعوا الديموقراطيين ان يصبحوا قديسين ونموذجا لضبط النفس على خلفية مسلك (رئيس مجلس النواب جون) بينر واولئك السبعة والاربعين عضوا عن الحزب الجمهوري.” (ديلي بيست الالكترونية، 10 آذار 2015)
تقنين السياسة الخارجية الاميركية
في ظل مناخ المفاوضات الجارية مع ايران، يمكن للمرء ان يتلمس ثلاثة اركان قانونية في السياسة الخارجية: الصلاحيات الرئاسية، الصلاحيات القانونية، وحقائق الوضع الراهن. ومنذ تأسيس النظام الاميركي سمح للمؤسسة الرئاسية التمتع بحيز مناورة كبير خاصة فيما يتعلق بالمداولات مع الدول الاجنبية – استنادا للنصوص الدستورية والاعراف القومية والسلطة القضائية مجتمعة. ودرجت العادة على الموافقة على الاتفاقيات التي تعقدها المؤسسة الرئاسية، منذ ان اعتلت الولايات المتحدة صدارة المشهد الدولي منذ ثمانية عقود من الزمن
وعليه، اضحت الاتفاقيات الرئاسية، كما يجري توصيفها، ملزمة قانونيا كاحدى اركان السياسة الخارجية في عهد الرئيس الاسبق فرانكلين روزفلت، الذي اعترف بالاتحاد السوفياتي عام 1933 مقابل تقديم بعض التعهدات. وعند مقاضاة قرار الرئيس اصطفت المحكمة العليا الى جانب الرئاسة بالقول “اقدام الرئيس على الاعتراف بالحكومة السوفياتية، والاتفاقيات المرفقة، تشكل عهدا دوليا اقدم عليه الرئيس بصفته “العنصر الوحيد” المخول بالاشراف على العلاقات الدولية الخاصة بالولايات المتحدة، وهو مخول بها دون العودة لاستشارة مجلس الشيوخ”
وحظيت المؤسسة الرئاسية بدعم اضافي متين في عهد الرئيس الاسبق جيمي كارتر الذي سحب اعتراف الولايات المتحدة بجمهورية الصين (تايوان – فرموزا) ومنح الاعتراف لجمهورية الصين الشعبية، والغى من جانب واحد معاهدة الدفاع المبرمة مع تايوان والتي نالت موافقة مجلس الشيوخ آنذاك
يستنتج من ذلك المسار اقرار السلطة القضائية بصلاحية الرئيس اوباما اجراء مفاوضات وتوقيع اتفاق مع ايران، في اللحظة الراهنة. واستدرك القضاء بالقول ان صلاحية الرئيس لتقرير السياسة الخارجية تنتهي حدودها على الشواطيء الاميركية، اذ تسود عليها القوانين والدستور الاميركي
اذن، صلاحيات السلطة التشريعية ممثلة بمجلسي الشيوخ والنواب تبدأ من عند انتهاء مفعول السياسة الخارجية قانونيا
في هذا الشأن، اقرت السلطة القضائية بان المعاهدات المبرمة لها صلاحية ومفعول القانون مرجعيتها النصوص الدستورية. وعليه، من اجل ان تحظى المعاهدات بشرعية سريان القانون الاميركي عليها، ينبغي مصادقة مجلس الشيوخ على نصوصها بأغلبية ثلثي الاعضاء الحاضرين
للدلالة على المسألة ينبغي الاشارة الى توقيع الولايات المتحدة على المعاهدة الدولية للحد من الاتجار بالاسلحة عام 2013، بيد انه مجلس الشيوخ لم يضفي عليها مشروعية واستثنائها من تطبيق بنودها داخل الاراضي الاميركية، بينما يسري مفعولها على الصعيد الدولي. يشار الى معارضة مجلس الشيوخ المصادقة عليها لاعتبارها تتعارض مع نصوص مادة التعديل الثانية من الدستور الاميركي بترخيص السلاح الفردي
غني عن القول ان المعاهدات الدولية تستدعي توفير ميزانيات مالية من جانب الدول الموقعة، والتي يتحكم مجلس النواب باقرار اي بند من بنود الميزانية الحكومية، بما فيها الاتفاقيات الرئاسية التي تخضع لشروط التمويل الاميركية واعتمادها وفق الاصول المتبعة
يشار الى تحذير موقعي الرسالة الموجهة لايران بامكانية ابطال مفعول الاتفاقية قيد البحث من قبل الرئيس المقبل، استنادا لفرضية فوز مرشح الحزب الجمهوري في الانتخابات الرئاسية، والتي سيتم ادراجها على جدول اعمال مجلس الأمن الدولي لاقرارها. المعارضون الجمهوريون يتسلحون بنص قانون فيدرالي اقر مشاركة اميركا في الهيئة الدولية، 20 كانون الاول / ديسمبر 1945، ينص على عدم حلول او صلاحية اي قرار أممي مكان الصلاحيات الدستورية الخاصة بالسلطة التشريعية بمجلسيها. بعبارة اخرى، القول الفصل هو للدستور الاميركي حتى لو تعلق الأمر بالامم المتحدة
الركن الثالث المكون للسياسة الاميركية هو الوضع السياسي الراهن، والذي قد لا يؤثر سلبا على المفاوضات الجارية، بيد انه ينبغي اخذه بالحسبان لحين مغادرة الرئيس اوباما منصبه وصلاحياته الرئاسية في 20 كانون الثاني / يناير 2017، فيما يخص سريان مفعول الاتفاق
القوى المناهضة للاتفاق مع ايران أحيت المشاعر الشعبية المعادية لايران، والتذكير بأزمة الرهائن الاميركيين. وعليه، اشارت جملة من استطلاعات حديثة للرأي قلق الاغلبية الساحقة من الاميركيين، 71%، من قدرة الاتفاق على لجم ايران من الحصول على اسلحة نووية، مقابل 24% أيدوا الاتفاق
استنادا الى هذه الخلفية، تجري اصطفافات مبكرة للمرشحين المرجحين لمنصب الرئاسة وتسابقهم على التنديد بالاتفاق واطلاق الوعود لابطال مفعوله بعد الفوز، كان من ابرزهم حاكم ولاية ويسكونسن، سكوت ووكر، الذي طالب الرئيس المقبل بعدم الانصياع لنصوص الاتفاق ان لم يحظى بموافقة الكونغرس
ديمومة الاتفاق النووي
من بين الثوابت المسلم بها ان الرئيس اوباما لديه الصلاحية السياسية والقانونية توقيع اتفاق مع ايران، شريطة عدم تعارضه مع الدستور والقوانين الوضعية سارية المفعول، ولم يكون بوسع مناوئيه في الكونغرس تعديل الأمر في المرحلة الحالية
بيد ان تلك الصلاحية لا تلغي تلقائيا الدور التقليدي لاعضاء الكونغرس بحق التواصل المباشر مع قيادات دول اخرى او الحد من تصريحاتهم المناوئة للاتفاق. وعليه، فان مستقبل الاتفاق يكتنفه الغموض على المدى الطويل، لا سيما في الشق القانوني، والذي ان اخفق بالحصول على موافقة مجلس الشيوخ سيبقى مدرجا ضمن “الاتفاقيات الرئاسية،” التي باستطاعة اي رئيس مقبل ابطال مفعولها بما فيها اعادة العمل بالعقوبات الاقتصادية التي قد يرفعها الرئيس اوباما
وذكّر ليزلي غيلب مناهضي الاتفاق للمرة الاخيرة، لا سيما الجمهوريين، بعدم جواز مقارنة الاتفاق المزمع بمعاهدة ميونيخ (لعام 1938 التي اجازت الدول الاوروبية لالمانيا النازية ابتلاع مساحات واسعة من اراضي تشيكوسلوفاكيا) او اعتباره تخلياً طوعيا من الرئيس اوباما عن التزامات دولية “كما بدأ يلحن له رئيس وزراء الاغتيالات الاسرائيلي امام الكونغرس”

التحليل 03-06-2015

:التحليل

معركة تكريت لاخراج داعش
تصميم حكومي عراقي ومساندة ميدانية لايران
“سذاجة” السياسة الاميركية
فشل سياسة الرئيس اوباما في العراق، وامتدادا في سورية، لم يعد مجرد ترف للتحليلات السياسية في المشهد الاميركي. سيل الاتهامات لم ينقطع كان احدثها ما جاء في صحيفة “نيويورك تايمز،” 5 آذار / مارس الجاري، بأن الرئيس اوباما “اصبح يعتمد بشكل متزايد على المقاتلين الايرانيين لاحتواء (تمدد) الدولة الاسلامية في العراق وسورية دون (المجازفة) بمشاركة قوات اميركية برية”
كما عكست “الاتهامات” مدى تذمّر الحكومة العراقية من المماطلة الاميركية بتسليم الاسلحة التي تم التعاقد عليها ودفع ثمنها مقدما، من ناحية، واعلان القيادة العسكرية الاميركية “دون مبرر او تنسيق مسبق” موعد الهجوم المحتمل ضد داعش، من ناحية اخرى؛ مما اسهم في بروز التوترات بين البلدين الى العلن “قد تفسد الود” بينهما
احد اهم المنابر المقربة من الادارة الاميركية، صحيفة “واشنطن بوست،” 6 آذار، اتهمت السياسة الاميركية “بالسذاجة .. بسماحها لايران تصدر المشهد العسكري المناهض لداعش في الحملة لاستعادة مدينة تكريت ومناطق اخرى من العراق.. وتهيئة الفرصة لايران للاقدام على خطوة تستبدل فيها (داعش) النظام الارهابي بآخر يلبي هيمنته الشريرة”
أهمية استرداد تكريت
استعرض “المرصد” في تحليل الاسبوع الماضي اعلان الاستعداد للبدء بالهجوم لاستعادة مدينة الموصل من قبضة داعش، والعقبات التي تعترض مهمة بذلك الحجم، لا سيما ضرورة استعادة السيطرة على عدد من المدن والبلدات الهامة على الطريق الرئيس بين بغداد والموصل، بغية انشاء مركز امداد وتموين آمن للقوات العراقية
عقب “تسريبات” القادة العسكريين الاميركيين عن موعد الاستعداد الهجوم، اعلنت الحكومة العراقية تأجيله من جانب واحد، وانطلقت لتحاصر وتستعيد تكريت – اولى المدن التي ينبغي استعادتها لتأمين طرق الامداد. في الجانب الاميركي، اتُهِمت الادارة الاميركية بأنها وقعت فريسة غطرستها واصابتها الدهشة لبدء الحملة على تكريت، مؤكدة في جملة من التصريحات المتلاحقة انها “لا تُجري تنسيقا للجهود مع ايران” في ذاك الشأن.
قادة البنتاغون اكدوا لصحيفة “نيويورك تايمز” انتظام اجراءات “مراقبة ومواكبة مكثفة للطيران الاميركي للجهود الايرانية في الحرب ضد الدولة الاسلامية .. عبر سلسلة من القنوات المتعددة والمتاحة.” وارجعت الصحيفة “نجاح الاستراتيجية الاميركية في العراق لحتى اللحظة بفضل ايران .. بدءاً من ضرب الحصار حول قوات داعش في آمرلي،” مرورا بنجاح الجهود لتحرير مدينة بيجي ذات الأهمية المركزية، وما نشهده راهنا من معارك واشتباكات مباشرة
حشود المعركة
لفت قادة عسكريون الانظار الى “تعديل” داعش لخطة انتشاره وخوض القتال وعدم التمركز. سعى داعش سريعا لاستغلال كثافة العنصر المدني في محيط مدينة تكريت واستخدامه درعا بشريا لحمايته، وذلك “بمداهمة مئات المنازل واختطاف اعداد كبيرة من ابناء العشائر العراقية المختلفة، وارغام الاهالي على تسليم هواتفهم النقالة.” عقب اطمئنانه للسد البشري الكبير، اصطحب نحو 100 شخص الى منطقة نائية وقام بالكشف عن كافة المكالمات المدونة ومقارنتها بكشوفات جاهزة لديه بغية التيقن من عدم اجراء اي منهم اتصالات مع عناصر يعتبرها معادية له
على الجانب العراقي، حشدت الحكومة قوة قوامها 30،000 عنصر يدعمها 3 كتائب من قوات الشرطة للطواريء وقوات الأمن ومنظمات “الحشد الشعبي،” بمساندة سلاح الجو ووحدات القوات الخاصة العراقية، استطاعت الدخول من حي القادسية شمالي مدينة تكريت والاشتباك مع عناصر داعش مكبدة التنظيم خسائر بشرية كبيرة، وخسارة المنظمات لثمانية عناصر وجرح نحو 42 آخرين. احد زعماء العشائر في محافظة صلاح الدين، وَنَس جبارة، اوضح ان نحو 4،500 مقاتل من ابناء محافظته يشتركون في القتال ضد داعش
العامل الايراني
الحضور العسكري الايراني المباشر في الحملة لاستعادة الموصل حفّز صحيفة “وول ستريت جورنال، 4 آذار، وصفه بأنه يشكل جزءاً من تحولات اشمل في السياسة الايرانية الخارجية،” كثمرة لتوتر العلاقات العراقية الاميركية “وازمة الثقة” بين الطرفين
من اليقين غياب الدعم الاميركي عن هذه الحملة، لاسباب متباينة بين الطرفين. الناطق باسم البنتاغون، ستيف وورين، اوضح غياب الدور الاميركي الى “مشاركة مكثفة من الايرانيين في الهجوم.” يومية “نيويورك تايمز” نقلت على لسان مسؤولين اميركيين كبارا قولهم ان الجانب العراقي “لم يطلب دعما اميركيا في تكريت؛” وربما كان الأمر كذلك نظرا لقناعة العراقيين بعدم استجابة الولايات المتحدة لذاك الطلب
اما الموقف الاميركي من نتائج المعارك فهو ملتبس في افضل الاحوال. نجاح القوات العراقية والقوى المساندة في الهجوم على تكريت واستعادتها السيطرة “تدريجيا” على بعض البلدات والمدن، ومن ثم الموصل، سيعزز من النزعة الاستقلالية عن الولايات المتحدة، وبدء هزيمة مشروعها للهيمنة عبر مناطق نفوذ تابعة ومقسمة عرقيا وطائفيا، بصرف النظر عما تراه قيادات اميركية عليا من تسخير الانجازات في خدمة استراتيجيتها العليا “حتى دون مشاركة اميركية مباشرة”
استفادة ايران من اي تقدم وانجاز في الحملة الراهنة غني عن التعريف، ولم يغفله الخطاب السياسي الاميركي الذي اعرب عن قلقه البالغ من انباء موثقة تشير الى مشاركة قائد قوات القدس في الحرس الثوري الايراني، قاسم سليماني، في ادارة المعركة. واعتبر قائد هيئة الاركان الاميركية، مارتن ديمبسي، مشاركة ايران “عامل ايجابي،” محذرا من تقويض الانجازات ان تغلب التوتر الطائفي. شهادته التي القاها مؤخرا امام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ جاءت بخلفية انباء تشير الى “اعدام 70 مواطنا” في محافظة ديالى بدوافع طائفية على ايدي “الميليشيات الشيعية
وفقا لتقارير الصحافة الاميركية فان امكانية الحشد لما يحسب على “الميليشيات الشيعية كبير، سيما وان التقديرات تشير الى الى انخراط نحو 800،000 عنصر تحت السلاح، وهو عدد اكبر من حجم القوات العراقية نفسها. المصادر العسكرية الاميركية ترجح ان نحو 60% من مجموع القوات المشاركة تعود للميليشيات؛ مشيرة الى تردد الدول الاقليمية المشاركة في تحالف واشنطن في الانخراط المباشر خشية من ان تؤدي المساهمة الى تعاظم النفوذ الايراني في العراق
من غير الجائز القفز على عوامل الاحتقان الطائفي بين “السنة والشيعة” في العراق نتيجة للاحتلال الاميركي، وما تشكله من تهديد حقيقي لسير الهجوم على مواقع داعش ان لم تحسن “الميليشيات الشيعية” تقليص اندفاعاتها بوحي الحساسيات الطائفية وتغليبها عن توظيف الزخم الجماعي في مواجهة التنظيم
اعطاء الاولوية للعامل الطائفي سيهدد خطوط الامداد الخلفية، لا سيما في المواقع التي تم استعادتها على طول الطريق بين بغداد والموصل، واضطرار القادة العسكريين تخصيص قوات مدربة كبيرة لمهام حراسة الطريق وقوافل الامداد على حساب المعركة الاساس؛ وما ستفرزه الظروف من تنامي مشاعر عداء المواطنين ضد الحكومة المركزية وربما الاصطفاف الى جانب تنظيم داعش نكاية بها
الموصل كانت ولا تزال بؤرة اطماع تركية وكردية على السواء، لا سيما ان “منطقة الحكم الذاتي” في كردستان العراق تتوثب للمشاركة في السيطرة على الموصل وحصد نتائج فورية، وفق منظور قياداتها المرتبطة تاريخيا بالقوى الاجنبية والمعادية للعراق والوطن العربي. في اسوأ الاحوال، تنتظر قيادة الاقليم الكردي مراكمة تنازلات اضافية من جانب الحكومة المركزية في بغداد، لا ترغب بها، لقاء الوقوف على الحياد في المعركة ضد داعش
الطريق لاستعادة الموصل لا تزال في مراحلها الاولى، يعزز المضي بها الانجازات التي تحرزها القوات العراقية والاخرى المشاركة. الانتصار الحقيقي هو خارج الدائرة العسكرية الصرف والقدرة على “استعادة ثقة” الاهالي كمواطنين وليس “كمكونات طائفية”

قراءة سريعة في خطاب نتنياهو
وصف اوباما اصرار نتنياهو على القاء خطابه في الكونغرس بأنه انحراف عن المسار الطبيعي للعلاقات الاميركية “الاسرائيلية،” ولكنه انحراف لن يؤدي الى الحاق ضرر او تدمير دائم. واضاف انه سبق لنتنياهو ان اخطأ في تقديراته حول المفاوضات في الملف النووي مشيرا الى التزام ايران بكل بنود الاتفاق المرحلية لعام 2013
نتنياهو في محاولة “غير صادقة” منه لرأب الصدع في علاقاته مع اوباما كرر امام اللوبي “الاسرائيلي” وكذلك في خطابه امام الكونغرس انه لا يقصد الاساءة او التقليل من احترام شخص او موقع الرئيس الاميركي
استبقت ادارة اوباما خطاب نتنياهو بتفنيد ما يمكن ان يسوقه من حجج ضد اتفاق محتمل مع الخمسة زائد واحدا وايران، بالتشديد على وضع الضوابط الصارمة والرقابة المعززة لضمان ان الاتفاق لن يمكّن ايران من السير نحو امتلاك السلاح النووي اذا رغبت ولعقد من الزمن على الاقل
التفنيد جاء على لسان مستشارة الأمن القومي سوزان رايس في خطابها امام مؤتمر اللوبي الاسرائيلي، رغم انها تملقت الحضور بنشر خطابها باللغة العبرية واستحضار ذكرياتها الحميمة خلال زيارتها الى فلسطين المحتلة
بدى خطاب نتنياهو امام الكونغرس على شكل مطالعة لادانة اي تقارب مع ايران او السعي لانجاز اي اتفاق معها. لا بل تشكيكا خالصا بالاتفاق المحتمل باعتباره اتفاقا سيئا لانه لا يلغي البنية التحتية للمشروع النووي الايراني، وسردية انه لا يمكن الوثوق بايران. كما قرن اي اتفاق بشرط التزام ايران مسبقا بوقف دعمها لما اسماه الارهاب في العالم وتدخلها في شؤون جيرانها وتهديداتها بالقضاء على “اسرائيل.” وطالب بعدم رفع العقوبات عن ايران حتى تغير من سلوكها الراهن
زعم نتنياهو ايضا ان البديل للاتفاق النووي، الذي يتم التفاوض عليه حاليا، ليس الحرب بل التوصل لاتفاق افضل منه. واعتبر ان التشدد مع طهران هو المقاربة الافضل لانها بحاجة ماسة للاتفاق وستخضع وتتنازل رغم تهديدها بترك المفاوضات
مصادر مقربة من البيت الابيض، في اول رد غير رسمي، عبرت عن استيائها الشديد والعميق من خطاب نتنياهو واعتبرته معسول الكلام خاليا من تقديم بدائل واقعية
للعديد من المراقبين في العاصمة الاميركية يبدو خطاب نتنياهو واصراره على القائه قبل الانتخابات “الاسرائيلية” بمثابة المحطة الانتخابية الداخلية، ولكن على بعد 6 آلاف ميل
قد ينشغل البعض في احصاء عدد المرات التي صفق فيها اعضاء الكونغرس وقوفا متأثرين ببراعة نتنياهو الخطابية، ويجرون المقارنة بالمرات السابقة، لكن الاختبار الحقيقي سيكون عدد الاصوات التي يمكن ان يكسبها في الانتخابات “الاسرائيلية” القادمة، في مجتمع يشهد منذ الثمانينيات المزيد من التشظي والانقسام والعجز عن تكوين حزب او ائتلاف وازن لاغلبية حاسمة تستطيع ممارسة الحكم بصورة مستقرة نسبيا

التحليل 02-28-2015

:التحليل

:كشف واشنطن لخطة استعادة الموصل
مزيج من التهور والارتباك الداخلي وتحذير الخصم
قلة من المراقبين لاحظت تجليات الارتبك والتباين بين الاجنحة المختلفة داخل الادارة الاميركية تبرز الى العلن، بشهادتين شبه متناقضتين لوزير الخارجية، جون كيري، ومدير الاجهزة القومية للاستخبارات، جيمس كلابر، امام لجان الكونغرس الساعية للتحقق من صدقية موقف الادارة “لخطورة تنظيم الدولة الاسلامية،” الذي اعتبرته اغلبية ساحقة من الشعب الاميركي، 84% في احدث استطلاع للرأي، بانه يشكل الخطر الاساس على الأمن القومي الاميركي
كيري اكد لنظرائه تراجع خطر داعش وتهديده اليومي “ضد الاميركيين والشعوب العالمية قاطبة،” وفي الخلفية آخر تحذير اصدرته سفارة بلاده لرعاياها في الاردن بتوخي الحيطة والحذر “وعدم ارتياد اماكن التسوق العامة.” بينما اوضح المسؤول الاول للاستخبارات ان “عام 2014 كان الاشد دموية وفتكا للارهاب العالمي منذ 45 عاما عند بدء جهود تدوين” العمليات الارهابية. واضاف كلابر انه تم رصد نحو 180 مواطن اميركي لضلوعهم بالتحضير للسفر والانضمام لداعش. مسؤول اجهزة الاستخبارات السابق، مايكل فلين، اصطف جانب خليفته كلابر، متهما كيري “بانفصاله عن الواقع، وعدم اصغائه (لتقارير) الاجهزة الاستخبارية بكاملها”
الناطق باسم البيت الابيض سارع لتفسير “التباين” بالقول ان وزير الخارجية “كان يقصد مدى نجاح (استراتيجية) تشديد الضغط على قادة داعش .. بيد ان ذلك لا ينبغي ان يعني انه تم القضاء على التهديد؛” مؤكدا عزم الادارة استمرار حملتها بالاغارة الجوية على مواقع داعش. الرئيس اوباما وخلال جولته الاخيرة على عدد من الولايات الاميركية اتهم “وسائل الاعلام” وآخرين بتضخيم خطر داعش
تجدر الاشارة الى ان الرئيس اوباما حمل الاجهزة الاستخبارية المختلفة مسؤولية صعود داعش، عقب احتلاله للفلوجة والرمادي في شهر شباط 2014، وجزه عنق مواطنيْن اميركيين؛ ووصف داعش بازدراء بانه “ثمة لاعب مبتديء” في المنطقة. آنذاك تعرض اوباما لحملات انتقادات قاسية من عدة جهات وتيارات سياسية، اتهمته بعدم استيعاب التحديات الماثلة
استاذ مادة القانون الدستوري في جامعة بروكلين، نيويورك، آندرو نابوليتانو، اوضح حينئذ قائلا “هل يظن (الرئيس اوباما) ان شلة مكونة من 25،000 عنصر متشدد وسيء التسليح يبعد عنا نحو 10،000 ميل، ليس لديها سلاح بحر او جو يذكر، باستطاعتها تهديد وتشكيل خطر على الولايات المتحدة؟” واضاف انه كان ينبغي على الرئيس اوباما اعفاء كلابر من منصبه بعد نكثه اليمين والادلاء بشهادة كاذبة امام لجنة للكونغرس، وليس مكافأته وابقائه في منصبه
كلابر في ظهوره وشهادته الاخيرة ادان تركيا متهما حكومتها بتقديم التسهيلات اللوجستية “لعبور نحو 60% من المقاتلين الاجانب لسورية،” مؤكدا لاعضاء السلطة التشريعية تباين الرؤية التركية مع الاميركية بالنسبة لداعش، والتي لا ترى فيها الاولى خطرا داهما. كلابر وزملاءه في معسكر الحرب يدركون جيدا ميل اعضاء الكونغرس للتهور والاستعداد للتدخل العسكري، وبرع في استغلال توتر الاجواء الأمنية غداة الكشف عن القاء القبض على ثلاثة افراد في مدينة نيويورك بتهمة السفر للانضمام للقتال مع داعش “الذي يشكل خطراً داهماً للولايات المتحدة” في ذهن معظم اعضاء الكونغرس
بلورة استراتيجية محددة المعالم للتصدي لداعش يبقى العنوان الابرز لمخططات الولايات المتحدة في الزمن الراهن، مما استدعى تكثيف الحركة السياسية وتهيئة المناخات العامة والجماهيرية في الاقليم لتقبلّ انخراط مباشر للتدخل في سورية والعراق، والتي يرى البعض ان مأساة أسر وحرق الطيار الاردني معاذ الكساسبة هي احدى تفاصيل المشهد وتوجيه بوصلة الرأي العام المحلي لانخراط عسكري اوسع
واشنطن اعلنت عن ارسالها نحو 1،000 جندي اميركي قوامها مستشارين ومدربين عسكريين لانشاء “قوة قتالية لغرض التدخل المباشر في سورية،” اما باقي تعداد القوة فسيأتي من الاردن بمؤازرة من قطر والسعودية ودول اقليمية اخرى، تركيا، وفق التصريحات الاميركية
وما ان لبث وزير الدفاع الجديد، آشتون كارتر، الفوز بتصويت الكونغرس على تعيينه حتى شد الرحال الى “الكويت .. ولقاء قادته المحليين والقيادات العسكرية الاميركية هناك،” ظاهر الحركة اعلام دول المنطقة بخطة التحرك الاميركية المقبلة “في سورية والعراق؛” الأمر الذي حدى بوزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، الادلاء بتصريح حاد يهدد فيه الولايات المتحدة من نواياها المبيتة للاعتداء على سورية واحتلال جزء من اراضيها
تركيا والاردن فكي كماشة مجددا
الخطة الاميركية الراهنة تجسد قناعة الشعب الاميركي عامة بخطورة الارهاب وتنظيم داعش كأولوية، 84%، بينما لوحظ تراجع “الخطر النووي الايراني” لنسبة 77%؛ وتم تسويقها بانشاء برامج تدريب “عناصر المعارضة السورية،” عززها توصل الجانب الاميركي والتركي الى “اتفاق” مؤخرا تخصص تركيا بموجبه اربعة قواعد لتدريب العناصر السورية على اراضيها مباشرة، التي سيتم استقطابها من “معسكرات اللاجئين السوريين في تركيا والاردن،” بالاضافة للقواعد العسكرية الاخرى في الاردن والسعودية وقطر. وصفت الخطة بأنها تجسيد “لواحد من اكبر التزامات الولايات المتحدة في سورية لتاريخه ”
بعد اطمئنان تركيا لدعم وغطاء اميركي متجدد بعد توقيع الاتفاق الثنائي، سارعت لانتهاك السيادة السورية ودخول كتيبة مدرعة تعززها قوات خاصة ومن المشاة، وعبرت لمسافة 30 كلم بحجة “حماية ونقل ضريح مؤسس السلطنة العثمانية، سليمان شاه،” واجلاء سرية حراسته من القوات التركية. الاحزاب المعارضة التركية اعتبرت “العملية” استعراضية لحدوثها في منطقة جغرافية لا يتواجد فيها الجيش العربي السوري، وتنتابها الخشية من نوايا اردوغان وتشكيلها “نموذجا لاقامة منطقة عازلة،” التي طالما طالبت بها انقرة
اوجز مركز “ستراتفور” الاستخباري التطورات الاخيرة بان الولايات المتحدة “خفضت حجم الدعم الذي تقدمه لقوى المعارضة المختلفة .. مقابل قيام تركيا توسيع انخراطها للعب دور متقدم،” سيما في اعقاب انشاء انقرة “تحالف الجبهة الشامية،” نهاية العام الماضي، ورغبتها في “تعزيز موقعها في التفاوض المحتمل مع شركائها حول صياغة مستقبل سورية
اما الاردن، وفق توصيفات “ستراتفور،” فدوره يتعاظم كلاعب رئيس في المنطقة “ويترقب دخوله الفعلي لدعم استراتيجية الحلفاء المقبلة في سورية .. لا سيما في توفيره التأييد لمسلحي الجبهة الجنوبية” لسورية. وحذر الولايات المتحدة من “التدخل المباشر في الأزمة السورية عبر القوات الجديدة المشكلة .. اذ من شأن نشوب قتال مع القوات الحكومية ان يهدد المفاوضات النووية الجارية مع طهران وهي في مرحلة متقدمة بالغة الحساسية”
لقاء الكويت لطمأنة حلفاء واشنطن
من نافل القول ان اي خطة عسكرية ناجعة تستدعي انخراط قوات برية سيتم اسثناء القوات الاميركية منها، وتحميل تبعاتها وخسائرها البشرية للدول الاخرى المنخرطة في “التحالف.” وفي هذا السياق، دأبت الاوساط العسكرية الاميركية على ايلاء الجيش العراقي اهمية ودور مركزي، وكيل المديح للخطوات التي اجتازها. بيد ان هذه الاشادة طابعها سياسي تنطوي على ثغرات عسكرية، سيما وانها تستند الى تجربة المواجهات الجارية في محافظة الانبار مع قوات الدولة الاسلامية، وقيام نحو 800 عنصر من القوات الأمنية العراقية بشن هجوم مضاد ضد داعش لاستعادة بلدة البغدادي على ضفاف نهر الفرات
القائد الاميركي جيمس تيري “لقوات التحالف الدولي” التي تخوض قتالا مع قوات الدولة الاسلامية اعرب عن تفاؤله لاداء القوات العراقية، وانه “يثق الى حد كبير بتلك القوات الكفؤة وبقدرتها على استعادة البلدة.” واوضح تيري مكامن الضعف التي يعاني منها الدولة الاسلامية، اذ “نلمس تنامي قدرات قوات الأمن العراقية، وفي الوقت نفسه نرى اهمية قصور داعش في عدم شنه هجمات مضادة واسعة.” اذ ان داعش “لا يستخدم التكتيكات والتقنيات والاجراءات التي شهدناها في المواجهات السابقة عند بدء المرحلة الراهنة” في فصل الصيف الماضي
اعلان الجانب الاميركي عن حشد القوات لشن هجوم بغية استعادة الموصل من براثن الدولة الاسلامية كان بمثابة حملة دعائية انطوت على ارتكاب اخطاء عسكرية كبرى. في هذا السياق تبرع القائد الاميركي تيري بالاشادة بالقوات الكردية لادائها الناجح في صد هجوم لداعش في تقاطع كيسيك، غربي مدينة الموصل، بدعم من القوات الخاصة الاميركية التي اشتركت في تنسيق الغارات الجوية مع القوة المهاجمة، مما كبد داعش مقتل 127 عنصر، على الاقل، كما ورد في الانباء الرسمية
ومضى تيري موضحا أهمية تقاطع كيسيك عسكريا ضمن الاعداد للمعركة المقبلة لاستعادة الموصل، اذ انه يتحكم بطرق الامداد الحيوية التي يعول داعش عليها لتحريك قواته وامدادها طيلة أمد المعركة.
معركة استعادة الموصل
تفاصيل خطط استعادة الموصل عسكريا لم تعد حبيسة الادراج، بل اعلنت الادارة الاميركية عن عزمها القيام بهجمات لاقتلاع داعش من الموصل، رمت من ورائها طمأنة الشعب الاميركي لا سيما خصومها السياسيين والاشادة بتصميم الرئيس اوباما على زيادة حجم التواجد العسكري الاميركي في العراق في المدى القريب
اعتبر بعض الخصوم ان الاعلان يشكل تهورا سياسيا مجانيا ويرسل رسائل تحذيرية لداعش بالعمل الفوري على تحصين مواقعه قبل بدء الهجوم. اداء وفعالية القوات العراقية ايضا كانا موضع تساؤل البعض دون حصولها على دعم اميركي معتبر. اشار هؤلاء الى تصريحات قائد هيئة الاركان، مارتن ديمبسي، الذي اوضح “امكانية الطلب من المستشارين (الاميركيين) مرافقة القوات المغيرة على الموصل”
من مصلحة القيادة العسكرية الاميركية ان تتصدر القوات العراقية الهجوم، التي لن تحقق نجاحا دون توجيه من قوات اميركية متقدمة مهمتها التنسيق مع سلاح الجو، فضلا عن رفدها ببضع آلاف من القوات الخاصة الاميركية، او مشاركة قوات اقليمية مجربة مثل ايران وسورية او قوات مشابهة. بالنظر الى معركتي الفلوجة، اللتين فشلتا في ازاحة داعش، فان الامر ينطوي على مغامرة سياسية للرئيس اوباما قد لا يستطيع النجاة من عواقبها في حال فشل الهجوم لاستعادة الموصل
يشار الى قرار الرئيس السابق جورج بوش الابن، نيسان 2004، ارسال قوات مشاة البحرية – المارينز لاستعادة مدينة الفلوجة بالرغم من معارضة القيادة العسكرية لذلك. بسالة المقاومة وضراوة المعارك دفعتا الرئيس بوش الطلب من قواته الانسحاب وهو في حالة غضب عارمة
انسحاب المارينز رافقه استعادة قوى المقاومة العراقية السيطرة على البلدة، مما استدعى القوات الاميركية اعادة الكرة مرة اخرى في شهر تشرين الثاني من ذات العام، بلغت حصيلتها تدمير نحو 18،000 بناية سكنية عبر شن 540 غارة جوية على المدينة، برفقة 16،000 قذيفة مدفعية؛ بلغت حصيلتها مقتل 70 من القوات الاميركية وجرح نحو 600 آخرين منهم
اشار بعض الخبراء العسكريين الاميركيين الى ضراوة ودموية المعركة المقبلة لاستعادة الموصل، نظرا لظروف التشابه مع “عملية حديقة السوق،” في اراضي هولندا قبل نحو 70 عاما، والتي ادت الى شبه تدمير كامل للفرقة الجوية الاولى البريطانية. نظريا، صممت الخطة على شن جناح عسكري هجوم عبر نهر الراين بالالتفاف على خط التعزيز “سيغفريد” الالماني واحتلال عدد من المدن الرئيسة في محيطه والتوجه شمالا في طريق معرض بالكامل للهجمات الالمانية. تقدم الفيلق 30 البريطاني الهجوم وباغتته ضراوة المقاومة الالمانية مما استدعى تدخل فرقتين جويتين اميركيتين لتوفير الحماية للفيلق المكشوف وصد الهجمات الالمانية المضادة
في هذه الخلفية تبدو الخطة الاميركية لاستعادة الموصل تكرارا لعملية حديقة السوق
البعد العسكري
تبعد الموصل نحو 420 كلم عن بغداد، تتوسط خمس مدن الطريق بينهما مما يقتضي سيطرة القوات العراقية عليها قبل مواصلة العملية، الأمر الذي يستدعي تبديل القوات وتوفير الامدادات المطلوبة تحضيرا لسلوكها طريق سريع وحيد مكشوف وعرضة للعبوات المتفجرة المزروعة على جانبية، وكذلك للهجمات الانتحارية. يقدر الخبراء ان ما يحتاجه الجيش من مؤن وذخيرة ووقود ومعدات تقدر بنحو 30,000 – 50,000 طن يوميا والتي ينبغي توفيرها للخطوط الامامية دون انقطاع، الأمر الذي يستدعي توفير قوات كبيرة اخرى لمهام حماية الطريق
المعركة المقبلة لن تكون اقل دموية من سابقتها في هولندا التي شهدت ابادة نحو 75% من فيلق نخبة القوات الجوية البريطانية، بل ربما اشد منها نظرا لحالة الاحتقان العالية بين السكان في تلك المنطقة وعزوفها عن توفير الدعم للقوات الحكومية، وغلبة عنصر القتال على التسليم لجيش يتهم باعتماده على العنصر الطائفي من لون واحد. علاوة على ان تنظيم داعش سيستخدم عشرات الآلاف من المدنيين كدروع حماية بشرية، وفرار مئات الآلاف من ساحة القتال الممتدة، وما ينتج عنها من حالات ارتباك وفوضى. يرجح الخبراء ايضا قيام عدد من عناصر الدولة الاسلامية الاختباء في نحو 150،000 بناية سكنية وشن هجمات مضادة وقنص من هناك
اللوحة الراهنة لا تبشر باستعادة سريعة وغير مكلفة بشريا للموصل، سيما وانها تمثل درة تاج الدولة الاسلامية التي ستنهار سمعتها في حال سقوط المدينة من قبضتها. في حال قررت الدولة الاسلامية التراجع والانتشار في محافظة الانبار، لادامة امد المعركة وتوسيع رقعتها الجغرافية، فاننا قد نكون امام مشهد شبيه بما جرى نهاية عام 2006 بتوفير السكان معلومات ميدانية عن اماكن تواجد عناصر داعش ومخابئه المتعددة؛ لا سيما على ضفاف نهر الفرات من المدينة التي يقطنها اغلبية كردية وسيطرة نزعة الثأر ضد كل ما يعتقد ان له صلة بداعش
جهوزية القوات العراقية لخوض معارك داخل احياء المدينة لا تبشر بالخير، مما يستدعي زيادة اعتمادها على دعم جوي اميركي مكثف من شأنة تسوية احياء بكاملها بالارض – على الرغم من خطل سياسة الغارات الجوية والارض المحروقة كما شهدت عليها تجربة الحرب العالمية الثانية وملحمة ستالينغراد، والحروب العدوانية الاميركية الاخرى، بما فيها خلال احتلالها المباشر للعراق
القوات العراقية “المستحدثة” لا يربطها التزام عقائدي صارم وخبرة عسكرية بعكس خصمها في الدولة الاسلامية سيما وان اي خيار بتراجع قوات داعش سيضعها مكشوفة امام حركة الطيران الاميركي للقضاء عليها وعلى معداتها وآلياتها، علاوة على ان حظوظ نجاة القوات المنسحبة سليمة تبدو ضئيلة في احسن الحالات
وفق ما تقدم من سيناريو مكثف لسير العمليات، فان معركة استرداد الموصل ستكون مكلفة ومرهقة بشريا للقوات العراقية، حتى وان تكللت بالنجاح فهو انتصار باهظ الثمن. اما العكس فسيشكل كارثة عسكرية لكل من العراق والولايات المتحدة على السواء. الفرضية الاخرى ان معركة استرداد الموصل ستدمي وتستنزف الجيش العراقي حديث النشأة مما يعرض تماسكه وترابطه للخطر، وقد يؤدي الى انهياره بشكل كامل لن يكون بوسع الولايات المتحدة وضع حد له. وربما هذا ما يدور بخلد الاستراتيجيين الاميركيين للعودة مجددا للعراق ووضعه تحت الاشراف الاميركي التام، وشن مواجهات بما تبقى من القوات البشرية العراقية دون منازع
العنصر الاساس في كافة قرارات الحرب هو الموازنة بين الكلفة والانجازات العسكرية والسياسية المرجوة، والتي شهدت معركة عين العرب – كوباني احدث تجسيد له، اذ اثبت داعش صلابة قتالية في حرب المدن. ويجري التداول راهنا بشأن فعالية التجهيزات البشرية والمعدات القتالية الضرورية لاستعادة الموصل مقابل الكلفة الهائلة المرئية
العبقرية العسكرية تستنبط خيارات بديلة لكل خطة تعدها، كما شهدت معارك الحرب الكونية الثانية ضد الجبهة اليابانية التي قررت القيادة الاميركية آنذاك الالتفاف عليها خارج نطاق قواعدها العسكرية ومحاصرتها بعيدا عن مراكزها وتركها تندب مصيرها والمجاعة التي تهددها
في الحالة العراقية، يشير بعض الخبراء الى ضرورة استهداف مواقع محددة لداعش، خاصة المكشوفة منها لغارات الطيران – عنصر القوة الرئيس في الجانب المناهض للدولة الاسلامية، يرافقه تكثيف الضغط لاحداث شرخ بينه وبين السكان المحليين يؤدي لتآكل البيئة الحاضنة والمؤيدة لداعش

التحليل 02-21-2015

:التحليل

مؤتمر اوباما ضد التطرف: استعراض دعائي لتغطية وتبرير القصور الميداني ضد داعش
انتشار طائرات الدرونز الحربية في ظل سياسة “الحد من انتشار الاسلحة”

مؤتمر اوباما ضد التطرف
استعراض دعائي لتغطية القصور الميداني
اعلان الرئيس اوباما المفاجيء لعقد “مؤتمر قمة لمكافحة العنف والارهاب” لم يأتِ من فراغ في المشهد السياسي، بل لعزمه استثمار المناخ الدولي المناهض لتهديد الجماعات الارهابية ومساعيها لتجنيد مواطنين غربيين، مهد له بنشر مقال في صحيفة “لوس انجليس تايمز” عشية انعقاد المؤتمر يحذر من انتشار “اعمال العنف والارهاب” القادم من مجموعات اسلامية؛ بالتزامن مع ادراكه المبكر ان “تسوية” سياسية في اوكرانيا قادمة لا محالة وانها لن تلبي الاهداف الاميركية المعلنة، وعليه استنباط غطاء سياسي يحجب الانظار عن حجم “هزيمة” حلفائه
الغطاء، كما يعتقد، تجسد في دعوته عقد المؤتمر في مبنى البيت الابيض ومقر وزارة الخارجية، ومرونة خطابه السياسي حول الاسلام كديانة سماوية، “ورفضه استخدام مصطلح الارهاب” رديفا له، كما طالبه خصومه الجمهوريون واطراف معسكر الحرب. زعم البيت الابيض ان ما ينوف عن 60 بلدا مشاركا، وخلال انعقاده ارتفع العدد لنحو 70 وفدا، جزء منهم يمثل منظمات محلية ذات هوية اسلامية
قبل الدخول في حيثيات مؤتمر اوباما، نجد لزاما علينا الاشارة الى درس التاريخ القريب الذي ربما استقرأه باراك اوباما مبكرا لكنه كابر واعوانه لعل وعسى. يذكر تاريخ الحروب العالمية ادولف هتلر لقوته وشكيمته والتي ادت به الى “هستيريا” الهيمنة على العالم، وخاض حربا بالغة القسوة والدموية والتدمير ضد روسيا، التي تعد احد اسباب هزيمة المانيا النازية في الحرب العالمية الثانية. نستدرك بالقول ضمن هذه المقاربة بان الولايات المتحدة ليست على وشك الانهيار، بل ادركت ان استمرار القتال على ابواب روسيا لن يؤدي سوى لتعزيز دفاعاتها وهي التي دحرت النازية من قبل
مغامرات جورج بوش الابن في جورجيا، واندلاع مواجهة عسكرية مع روسيا، ادت الى بقائها خارج مظلة حلف الناتو؛ بل خسرت جزءا من اراضيها في اوسيتيا الجنوبية. اوباما رمى بفوزٍ موازٍ في اوكرانيا، والتي ايضا فقدت جزءا من اراضيها في شرقي البلاد، يغير خريطة المنطقة بيد ان حسابات البيدر لم تطابق حساب الحقل، وفضل الخروج بأقل الخسائر
لعل احد اهم المؤشرات على تراجع النفوذ الاميركي هو مكان انعقاد محادثات التوصل لوقف اطلاق النار في مينسك عاصمة بيلاروسيا، حليفة الكرملين، وليس اي مكان آخر. الطرف المنتصر هو من يفرض شروطه في نهاية المطاف. ويعتقد بعض المحللين ان اوباما ادرك في قرارة نفسه عزم القيادة الروسية، التي تتحرك بهدوء وتأني، اتخاذ ما يلزم من اجراءات والذهاب الى ابعد مدى “مهما كانت النتائج؛” ترجم في “تأني” وتردد الرئيس اوباما تلبية مطلب تسليح اوكرانيا باسلحة فتاكة التي لن تسهم في حسم المواجهة في نهاية الأمر
عودة للمؤتمر، اوضح البيت الابيض لاحقا انه كان من المقرر انعقاده العام الماضي وتم تأجيله لظروف داخلية تعلقت بنتائج الانتخابات النصفية المخيبة لآمال الرئيس وحزبه الديموقراطي، على الرغم من نفي البيت الابيض تأكيد دافع التأجيل. هذا التفسير لا يقدم ولا يؤخر في سياق الاستراتيجية الاميركية بعيدة المدى وسعيها الدؤوب للسيطرة على العالم. كما اعتبر البعض ان “تنامي وانتشار الارهاب والارهابيين” عبر العالم، والانتكاسات التي تعرض لها تنظيم الدولة الاسلامية في كل من العراق وسورية واليمن ايضا ساهم في انضاج انعقاد المؤتمر
وتقاطر الى واشنطن مسؤولون سياسيون واخصاء أمنيين (وزراء داخلية في بعض الدول) والأمين العام للهيئة الدولية وعدد من “اقطاب القطاع الخاص،” وبعض الشخصيات الاسلامية. تجب الاشارة هنا الى ان معظم المنظمات الاسلامية والعربية – الاميركية، بعضها تلقى دعوة بالحضور، اصدرت بيانا تقاطع فيه المؤتمر لكونه يرصد “التطرف الاسلامي” وليس ظاهرة التطرف وتجلياتها المختلفة – بما فيها ممارسات العنصرية والاقصاء في الداخل الاميركي. انعقد المؤتمر تحت مظلة ان “الانتماء الديني يحدد مدى ميل الفرد لارتكاب العنف”
في اطار التوازنات الداخلية، جاء انعقاد المؤتمر في سياق مذكرة قدمها البيت الابيض، آب 2011، تستند الى رؤيا “للحيلولة دون حدوث تجليات عنفية ومتطرفة في الولايات المتحدة،” تعزز الدور المحلي للسلطات والمنظمات والهيئات المدنية والدينية الفاعلة في المجتمع. وانضمت ثلاث مدن كبرى، بوسطن لوس انجليس ومينيابوليس – سان بول، الى نواة برنامج تجريبي “يدمج جملة من الكفاءات والخبرات التربوية والاجتماعية المحلية مع اجهزة الشرطة لاستنباط حلول لظاهرة العنف وتفشي الارهاب في المجتمع.” وانطلق الرئيس اوباما ومنظمي المؤتمر من تلك التجربة للبناء عليها والاقتداء بها، ليس في الولايات المتحدة فحسب، بل كمقدمة لفتح الاجهزة الأمنية في كافة الدول خزائن معلوماتها وتضعها في تصرف الاجهزة الاميركية
جريا على عادته كخطيب مفوه، التفت الرئيس اوباما الى “ضرورة” التذكير بتعاليم الاسلام السمحة ونافيا للاعتقاد السائد بأن الغرب يعادي الاسلام ويحاربه قائلا انها “كذبة سمجة؛” حاثاً القيادات الدينية والمدنية والسياسية على التحلي “بالتسامح” لمواجهة ظاهرة التطرف وتربية الاجيال الناشئة على “المحبة والسلام.” واكد مجددا ان بلاده والغرب بشكل عام “ليسا في حالة حرب مع الاسلام .. ونحن هنا اليوم بدافع توحدنا لمواجهة” انتشار التطرف والارهاب
في القضايا التفصيلية غاب عن المؤتمر وراعيه مجرد “اقتراح” او وعد بشن حملة عسكرية سريعة، كما توقع خصومه قبل مؤيديه، للقضاء على تلك التنظيمات الارهابية؛ والتزم العموميات والشعارات والقيم الانسانية النبيلة، وتسخير وسائط التواصل الاجتماعية كجزء من حملة التصدي ومنصة انطلاق، والتي تتطلب زمنا طويلا، فضلا عن استمرار عزم الاطراف المشاركة في المضي الى النهاية
خصوم الرئيس اوباما في المشهد الاميركي رحبوا بفتور لعقد المؤتمر وفي خلفية الاذهان “اخفاق” استراتيجية اوباما في “تقويض وتدمير” داعش، واعتبروا الجهد الاضافي لن يسفر عن استراتيجية حقيقية لمكافحة العنف والارهاب. واتهموا الرئيس اوباما بأنه كمن يقدم اسعافات اولية سياسية لازمة داهمة وحقيقية ومصدر قلق للشعب الاميركي. ولفتت بعض الصحف اليمينية، نيويورك بوست، النظر الى ان البيت الابيض لم يعلن عن قائمة المدعووين “ومعظم الوفود الذين التقاهم نائب الرئيس جو بايدن كانوا من الجالية الاسلامية”
وجاءت تصريحات “مسؤول رفيع في الادارة” قبل انعقاد المؤتمر تحقيقا للتوجس، اذ نقلت وكالة “اسوشيتدبرس” الاخبارية على لسان “المسؤول الرفيع” قوله ان جلسات المؤتمر “لن تركز بشكل حصري على التهديدات الصادرة عن مجموعة الدولة الدولة الاسلامية،” بل سيلقي الضوء على “الجهود المحلية والدولية لحرمان المتشددين ومؤيديهم من نشاطات التطرف وتجنيد الآخرين، وخاصة الجيل الناشيء المحبط .. وتبادل افضل السبل والاستراتيجيات المتبلورة بغية منع المتطرفين من ارتكاب العنف”
يشار الى ان وزير الأمن الداخلي، جيه جونسون، اعلن في شهر ايلول / سبتمبر الماضي، عن نية الادارة عقد مؤتمر حول الارهاب، وذلك في اعقاب توارد التقارير التي تشير الى عودة بعض “الجهاديين” لبلدان اقامتهم الغربية واستمرار تجنيد الدولة الاسلامية لعناصر جديدة داخل بعض البلدان الاوروبية وكندا والولايات المتحدة
يعزو البعض توقيت انعقاد المؤتمر الى الهجمات الاخيرة في باريس، شارلي ايبدو، التي حفزت الرئيس اوباما الاعلان عنه. ويشير خصومه الى سطحية رد فعل البيت الابيض “بل عدم اتزانه .. وتأثره بالتطورات؛” فضلا عن تعدد والهيئات المعنية وانتشارها داخل الاجهزة الرسمية “والتي لا تتحمل اي منها المسؤولية بمفردها
حلول اجتماعية ام وسائل اختراق للمسلمين
غلفت الادارة الاميركية، ممثلة بوزارتي العدل والأمن الداخلي، حقيقة سياساتها للتفاعل مع الجالية الاسلامية بمبدأ “التوجه الاجتماعي” كناية عن استنباط برامج استباقية تخاطب الجيل الناشيء وحفزه على عدم الانجرار نحو الخطاب المتشدد وربما التورط بارتكاب اعمال عنف. برنامج “التفاعل والاندماج” مع الاجهزة الأمنية سالف الذكر، بعد اختباره لعام كامل تجاهل مسألة عدم انتهاك الحقوق المدنية للافراد، والذي تبين للجالية الاسلامية في بوسطن انه “يستهدف الجالية الاسلامية في اميركا حصرا،” كما افادت صحيفة “بوسطن غلوب،” 18 شباط الجاري
طالب عدد من ممثلي المساجد الاسلامية في مدينة مينيابوليس، بولاية منيسوتا، المسؤولين الاميركيين الاخذ بجملة من التوصيات والاقتراحات لتحصين الجالية الاسلامية من التطرف والتشدد، وذلك بالتزامن مع انعقاد مؤتمر البيت الابيض. واوضح هؤلاء في مؤتمر صحفي ان من بين ابرز التوصيات المقدمة “ضرورة الحفاظ على استقلالية البرنامج من سطوة ونفوذ الاجهزة الأمنية، ومن بينها مكتب التحقيقات الفيدرالي، ووزارة العدل والمركز القومي لمكافحة الارهاب” والذي ترفضه الحكومة الاميركية بشدة
برامج ممولة رسميا
سعى الرئيس اوباما تطمين حضور المؤتمر ان برنامجه “لن يستهدف المسلمين فقط لمعتقداتهم الدينية .. ولن يستخدم كعباءة للمراقبة.” المدير التنفيذي “لمجلس العلاقات الاميركية-الاسلامية،” في منيسوتا، جيلاني حسين، اوضح استنادا للتجربة المذكورة “يوصم الجالية الاسلامية بالارهاب .. لم يعرف عن وزارة الأمن الداخلي توفيرها مساعدات مالية لبرامج تربوية تعقد بعد الدوام الرسمي؛ بل هناك منظمات اخرى مختصة تقوم بذلك”
واضاف جيلاني في المؤتمر الصحفي المذكور “لا نريد اجهزة الشرطة بشكل خاص تتولى الاشراف على البرامج التربوية مما يتناقض مع مهمتها في التحقيق .. كما انه ليس من مهامها مراقبة سير تلك البرامج” بعد انقضاء الدوام الرسمي
يسود القلق من سطوة الاجهزة الأمنية معظم اوساط الجالية العربية والاسلامية لتكرار التجارب في اختراق الاوساط الشعبية وتجنيد مخبرين وتلفيق اتهامات بارتكاب جرائم قبل حدوثها. يشير حقوقيون ومختصون بتعقب نشاطات مكتب التحقيقات الفيدرالي بأن عناصره “شوهدوا برفقة الموظفين المعنيين بالتواصل مع الجالية، او محاكاة برامج تواصل مع الجالية لاستغلالها في اغراض تجسسية؛” مستندين الى التجربة مع الجالية الصومالية في منسيوتا تحديدا “للاشتباه بتعاطفها مع ميليشيا الشباب” في بلادهم
استنادا الى الوثائق التي تم الحصول عليها من قبل مركز برينان الحقوقي في مدينة مينيابوليس – سان بول، فان خطة مكتب التحقيقات تستهدف شخصيات دعوية تتحدث اللغة الصومالية، المشتقة من العربية، وحفزها عقد لقاءات عامة يشارك فيها ابناء الجالية يتم فيها ارشاد الباحثين عن فرص عمل بالتوجه الى “عصبة البوليس الرياضية وبرامجها في جمعية الشابات المسيحية.” وتضيف الوثائق ان من مهام الفريق العامل “معرفة وتحديد الافراد المتطرفين، واعضاء العصابات، والمجرمين الذين يرفضون التعاون مع جهودنا”
وصف المحامي في مركز برينان الحقوقي، مايكل برايس، البرنامج بانه “مذهل في تفاصيله،” ودفع الافراد لخيار ثنائي: ان كنت لا ترغب في الانضمام لعصبة البوليس الرياضية فانك تبدو على استعداد للانضمام الى الشباب”
واضاف برايس انه تم توثيق سلسلة حوادث في السنوات الاخيرة تفيد بتواجد موظفي مكتب التحقيقات الفيدرالي في مدينتي سان فرانسيسكو وسان هوزيه، بولاية كاليفورنيا، في باحات المساجد الاسلامية ومشاركتهم حفلات الافطار الرمضانية “والاحتفاظ بسجل مفصل حول المشاركين.” بل ذهبت الحمية ببعض الاشخاص لتوجيه دعوة للموظفين لزيارتهم في منازلهم وتناول شرب الشاي او مشاركتهم الطعام ”
يشار هنا الى تجربة مساعد الرئيس السابق لجهاز الشرطة في سان بول، دينيس جينسين، الذي عمل لبضع سنوات مع او داخل الجالية الصومالية الكبيرة هناك، وانشائه برنامج اطلق عليه “برنامج التواصل والتنسيق مع المهاجرين الافارقة المسلمين،” تم تمويله بمبلغ 670،000 دولار لعام 2009 فقط من قبل وزارة العدل الاميركية
كما استفاد “مجمع المسلمين الاميركيين في منيسوتا” من التمويل الحكومي، وفق ما افاد به المدير التنفيذي للمنظمة، اسعد زمان، وعقده اجتماعات شهرية منتظمة للجالية بحضور “وسيط من جهاز الشرطة.” واضاف انه طُلب منه مراقبة حضور الاجتماعات وتسجيل قائمة بذلك. واوضح طلبت دائرة الشرطة “مني عدة مرات ان كان بامكاني تسليمها قائمة الاشخاص المنتسبين لبرامج التواصل،” زاعما انه لم يلبي الطلب رغم تلقي منظمته تمويلا مباشرا من الدائرة
المؤتمر: انجازات ام خيبات
جرى تصميم المؤتمر بحيث يغرق المشاركين والمراقبين على السواء بالشكليات والمراسم الديبلوماسية، وترديد الخطاب السياسي الاميركي حول خطورة انتشار الارهاب، وابتعد عن الخطط العملية والاجراءات التفصيلية، وهل كان بذهن الحضور الخروج بانجازات ام فرصة تذكارية مع المسؤولين الاميركيين ونظرائهم الآخرين في “التحالف،” وتأجيل المهام اليومية المتعددة في بلدانهم
اخفق المؤتمر في معالجة بعض المعطيات التي توقعها المشاركون والمراقبون
اولا، ابتعد المؤتمر عن مناقشة حقيقة التهديد الارهابي الماثل، داعش وماركتها التجارية في التطرف. عدم الخوض في التحديات يقود الى الاستنتاج ان الحلول المستنبطة لن تتضمن التصدي لداعش والحاق الهزيمة به؛ كما ان لا احدٍ لديه وهم بفعالية “البرامج الاجتماعية” وقدرتها على اعتراض اي من الهجمات الارهاربية الاخيرة
ثانيا، اخفق المؤتمر ايضا في تحديد مفهوم ملموس للتطرف ومضى لربط الظاهرة بالشق الاقتصادي وتضاؤل فرص العمل، رغم اهمية ذلك. وقفز عن الاشارة الى ان اسامة بن لادن كان من طبقة الاثرياء، بالاضافة الى انتساب عدد من عناصر التنظيمات الارهابية الى شريحة ميسوري الاحوال
ثالثا، خشية الاغلبية من جدية الحلول المتداولة سيما بعد التجربة الحية مع وزارة الأمن الداخلي ومكتب التحقيقات الفيدرالي التي لا تخرج عن كونها عمليات استخبارية بامتياز لاختراق الجاليات الاسلامية عموما، ووضعها في قفص الاتهام لتشكيلها خطراً على الأمن والسلم الداخلي. تجاوزات وانتهاكات رجال الأمن لحقوق وخصوصيات الافراد اكثر من ان تحصى، ولا تكترث الاجهزة للدوس على الحقوق الدستورية للجالية العربية والاسلامية
السعي للتوصل الى ما انجزه المؤتمر يقود الى نتيجة بارزة مفادها انه شكل فرصة لحرف الانظار عن تنامي ظاهرة الارهاب والاطراف الداعمة والممولة له والتي شارك بعضها في المؤتمر. الرئيس اوباما، من جانبه، رمى لاستغلال مناخ المؤتمر لتركيز انظار الداخل الاميركي على عزمه التصدي وبحزم وتوظيف ذلك في الموسم الانتخابي المقبل، ويتطلع اليه الحزب الديموقراطي بأمل معقود على الاشادة بسياسة الحزب الصارمة امام ظواهر التشدد والارهاب
كان لافتا ايضا غياب اي ذكر لدور السياسة الخارجية الاميركية، ولو بالاشارة، في التحريض على العنف واحتضان التطرف في المنطقة؛ وكذلك الأمر لوكلاء اميركا الاقليميين. ترتيب المؤتمر جاء بخلفية فكرية واستراتيجية لاستغلال التطرف والتنظيمات الارهابية لاعادة بناء الخارطة الاقليمية كي تلبي احتياجات اميركية صرفة اساسها الاطاحة بالنظم وهياكل الدولة والتعويل على اعادة توظيف “تنظيم الاخوان المسلمين” في هذا السياق، كما دلت زيارة وفد من الاخوان “وزراء سابقين في نظام الرئيس المعزول محمد مرسي” الى وزارة الخارجية الاميركية قبل بضعة اسابيع
حتى لا تبقى هذه الرؤية في حيز التكهنات، اوردت “مصادر غربية” انباءً خلال اعداد التقرير ان “الإدارة الأمريكية أبلغت السلطات المصرية وعددا من الأنظمة الخليجية الداعمة لها، أنها لا تعتبر أن “الإخوان بأي حال مثل داعش.” وناشد الرئيس اوباما العاهل السعودي الملك سلمان، خلال زيارته الاخيرة للسعودية، التوسط بين الحكومة المصرية وتنظيم الاخوان انطلاقا من موقفها بأن “الاخوان ليسوا مثل داعش بأي حال.” واضافت الانباء أن الولايات المتحدة تصر على عدم إقصاء الإخوان محذرة من “أن هذه المحاولات ستأتي بردود عكسية بما في ذلك تعزيز فكر داعش بأن لا مكان للإسلام السياسي الوسطي في الديمقراطية”. (المصدر: وكالات)

طائرات الدرونز الحربية في الاسواق
واميركا تدعو للحد من انتشار الاسلحة
اعلنت وزارة الخارجية الاميركية مطلع الاسبوع المنصرم “موافقة” الحكومة الاميركية على تسويق طائرات مسلحة دون طيار “لبعض الدول الحليفة، بعضها في الشرق الاوسط” خدمة لاستراتيجية محاصرة تنظيم الدولة الاسلامية والحد من تمدده وانتشاره خارج الاطار المرسوم
القرار الاميركي اتى تتويجا لمساعي قطاع صناعة الاسلحة والمعدات العسكرية، وعلى رأسها شركة “نورثروب غرومان،” التي كثفت جهودها الضاغطة على صناع القرار لادراج طائرات الدرونز على قائمة الاسلحة المسموح الاتجار بها وتصديرها وفق الضوابط المعمول بها. كما اتى القرار تتويجا لتوصيات دراسة اجراها معهد “خدمات الكونغرس للابحاث،” عام 2012، يحذر فيها من تراجع الصناعات الاميركية مقارنة مع الدول الاجنبية المنتجة لطائرات الدرونز
وناشدت الدراسة الصادرة مطلع عام 2012 الكونغرس عدم التلكؤ في سن قرار يحاكي “ازدهار مرتقب في سوق (الدرونز)، اذ ان فشل الصناعات الاميركية للفوز بنصيب كبير في هذا السوق الواعد سيؤدي لتقدم وحلول الصناعات الاوروبية والروسية والاسرائيلية والصينية او حتى شركات من جنوب افريقيا محلها”
هللت صحيفة “وول ستريت جورنال،” 18 شباط الجاري، للقرار الرسمي الذي من شأنه “ارساء الاسس لتبني العالم سلاحا افضى يلعب دورا هاما في الحرب ضد المتطرفين في منطقة جغرافية تمتد من الصومال الى سورية.” واوضحت ان الصناعات العسكرية الاميركية حثت الحكومة الاميركية، منذ زمن بعيد، على السماح لها دخول السوق العالمي لبيع طائرات درونز للاغراض العسكرية، في سياق استشعارها لخفض ميزانية الانفاق العسكرية الاميركية.” ورأت الصحيفة ان سوق سلاح الدرونز سيرتفع حجمه من 5 مليار دولار حاليا الى نحو 12 مليار خلال العقد المقبل
يذكر ان الرئيس اوباما القى خطابا عام 2013 اعلن فيه نية الحكومة الاميركية وضع قيود على استخدام طائرات الدرونز من قبل القوات الاميركية، “بيد ان تسارع التطورات الميدانية في الشرق الاوسط وشمال افريقيا، وصعود الدولة الاسلامية بشكل خاص، حفزا القيادة العسكرية الاميركية اعادة النظر بخططها المعدة.” كما يشار الى ان وزارة الدفاع الاميركية خصصت ميزانية بلغت 800 مليون دولار “على الاقل لعام 2016 .. لشراء 29 طائرة من طراز بريداتور،” مما يمثل ارتفاعا “طفيفيا” عن المعدلات الحالية
القرار الرسمي المذكور ينطبق على “طائرات درونز باستطاعتها التحليق لمدى يبلغ 300 كلم بحمولة 500 كلغم،” وفق المواصفات المتفق عليها دوليا المتعلقة باتفاق تقنين مدى وحمولة نشر الصواريخ وتشمل طائرات الدرونز الحاملة لقنابل موجهة باشعة الليزر وصواريخ “هيل فاير”
من بين الدول المرشحة لاستضافة الدرونز الحربية تبرز الاردن، كحليف موثوق للولايات المتحدة في الحرب الدائرة ضد سورية، واستطرادا لتقليص تمدد تنظيم داعش في المنطقة. طلب الاردن للتسلح لقي صدىٍ واسعا في اعقاب اقدام داعش باعدام الطيار الاردني معاذ الكساسبة حرقا، توج بمذكرة ارسلها النائب الجمهوري وعضو لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب، دانكان هنتر، يناشد فيها الرئيس اوباما “توفير ما يحتاجه الاردن من اسلحة يطلبها، والتي تخدم مصالحنا المشتركة في مواجهة الدولة الاسلامية”
دخول طائرات الدرونز المسلحة ترسانة “الدول الحليفة في المنطقة” من شأنه تعزيز وتيرة الغارات الجوية “مستهدفة مواقع داعش،” خاصة في ظل تداعيات أسر واعدام الطيار الاردني، واعلان دولة الامارات تعليق مشاركتها الجوية وتعريض طياريها لخطر مماثل. نشرت الولايات المتحدة طواقم من القوات الخاصة في المناطق الحدودية مع سورية كجزء من خطة لانقاذ من يقع في الاسر من الطيارين لطمأنة حلفائها
يشار ايضا الى تجدد طلب اوكرانيا لتزويدها بطائرات درونز للاغراض العسكرية في سياق مواجهتها مع روسيا والفصائل المتمردة في شرقي البلاد
تشغيل طائرات الدرونز بفعالية يستند الى توفر طواقم ارضية مختصة وحسنة التدريب، الأمر الذي اقرت وزارة الدفاع الاميركي بمعاناتها نقصا بشريا في هذا المجال نظرا لتزايد الطلب وحجم المهام المطلوب تنفيذها. توفير الدرونز لحلفاء اميركا قد يسد بعض النقص البشري، كما يعتقد، ويعفي الطواقم الاميركية من المهام الروتينية وتركيز جهودها على استهداف مواقع حساسة وقيادات مركزية
بعض الدول الاقليمية، ومنها وكلاء مخلصين للولايات المتحدة، تتطلع لاقتناء طائرات درونز للاغراض العسكرية، ودقت ابواب اسواق اخرى، لا سيما المملكة السعودية التي وقعت اتفاقا مع الصين لشراء طائرات مسيّرة قادرة على التحليق في ارتفاعات متوسطة لمدة زمنية طويلة، من طراز وينغ لوم. من شأن القرار الاميركي الأخير ان يقوض صفقات واتفاقات مماثلة والحد من تمدد ونفوذ السلاح الروسي والصيني في المنطقة

التحليل 02-13-2015

:التحليل

الابعاد السياسية الداخلية لطلب التفويض بالتدخل العسكري
تستمر وتتصاعد وتيرة العمليات العسكرية الاميركية ويتعزز الاعداد لها، لا سيما في العراق وسورية واليمن واماكن اخرى من العالم، ويسقط الضحايا دون عناء تحمل المسؤولية، بينما تنشغل المؤسسة الحاكمة في ادارة جدل حول سن قرار جديد يتناول التفويض القائم للسلطة التنفيذية حق استخدام القوات العسكرية في عمليات عدوانية خارجية، بدواعي فرض قيود تحد من استغلال الرئاسة للثغرات القائمة تورط البلاد في حروب قد تطول
تجاوب الرئيس اوباما مع “مطالب” قادة الكونغرس من الحزبين، الذين امطروه بسلسلة ضغوط وتهديدات بغية “اشراك” السلطة التشريعية في التحكم بقرارات مصيرية ناجمة عن “ممارسة الرئيس لسلطته الدستورية في تطبيق السياسة الخارجية.” وارسل مشروعه المقترح، بعد انقضاء نحو ستة اشهر على شن اميركا غارات جوية في العراق وسورية، لمناقشته والتصويت عليه تحت عنوان محاربة تمدد الدولة الاسلامية في العراق والشام، يحدّث التفويض السابق لسلفه الرئيس جورج بوش الابن، 16 تشرين الاول 2002، بغزو واحتلال العراق؛ ويستثني تفويض الكونغرس لعام 2001 الخاص بتعقب ومحاربة الارهاب والارهابيين
اللافت ان مشروع التفويض لا ينص على فترة زمنية تحدد انجاز مهمته، والذي يمكّن الرئيس اوباما، والرئيس المقبل، الاستناد اليه كما هو للاستمرار في المغامرات العسكرية الخارجية لما ينطوي عليه من غموض وابهام وثغرات تحجب مساعي استبداله. فترة السنوات الثلاث المذكورة في التفويض وفرت فرصة لمناهضي التدخل داخل الحزب الديموقراطي للمطالبة باخضاع قرار التفويض لعام 2001 ايضا لنهاية متزامنة، كما دعت زعيمة الاقلية الديموقراطية في مجلس النواب، نانسي بيلوزي
طالبت قيادات الحزب الديموقراطي مرارا بالغاء “تفويض بوش” المذكور، لاسيما في الفترة الزمنية بين حزيران 2011 وآب 2014، والذي تبناه الرئيس اوباما معلنا نيته “انهاء التورط بحرب العراق؛” وطالب بالمقابل استصدار تفويض جديد “يتضمن اطر وصلاحيات قانونية لاستمرار العمليات العسكرية الجارية، ويلبي احتياجات المرحلة بيد انه تباطأ في صياغة مسودته خشية تحمل تبعاته المتعددة، وترحيل المسؤولية لخصومه في تركيبة الكونغرس الجديد
وسرعان ما واجه المشروع انتقادات حادة ليس من خصومه الجمهوريين فحسب، بل من قادة في الحزب الديموقراطي عينه، كل لدوافعه واعتباراته الخاصة. رئيس مجلس النواب جون بينر قال إنه وزملائه الجمهوريين يريدون منح “القيادة العسكرية المرونة والصلاحية الكافية لهزيمة التنظيم المتشدد أينما وجد،” مشيدا تضمن النص تعهدا انه لا يرمي لتورط “طويل الأمد” للقوات العسكرية الاميركية. واضاف بينر السياسة الاميركية بحاجة “لصياغة استراتيجية عسكرية شاملة وتفويض متين لا يفرض قيودا على خياراتنا” المتاحة؛ متوجها بانتقاد الرئيس اوباما “لعدم التيقن من ان استراتيجيته المقدمة ستنجز المهمة الذي طالب بها الرئيس”
محور انتقاد “صقور” الحزب الجمهوري ان مسودة المشروع “تضع قيودا متعددة على شن عمليات عسكرية.” وتطوع رئيس مجلس النواب جون بينر للتشكيك مرة اخرى باهداف الرئيس الذي “يرمي لتفكيك وتدمير داعش، ولم ارى خطة استراتيجية للحظة اعتقد انها باستطاعتها تحقيق ذلك”
بعض زعماء الحزب الديموقراطي اعتبر المشروع “فضفاضا” ينطوي على جملة ثغرات قد تؤدي بالبلاد الى الانزلاق في حروب شبيهة بالحرب على فييتنام، اذ ان الصيغة النهائية للمشروع قد لا تضع اي قيود او اشتراطات على مغامرات عسكرية، بل تمهد الاجواء للمضي في حروب مفتوحة الامد؛ خاصة وان الصيغة الاولية تفوض الرئيس “استخدام قوات برية في ظل ظروف محددة،” لمدة 3 سنوات، بما فيها استخدام القوات الخاصة والقيام بعمليات انقاذ. مشروع التفويض خلا من اي قيود جغرافية تحد من تمدد رقعة الانتشار ضد “افراد او قوات مرتبطة” بالدولة الاسلامية؛ مما يعيد الى الاذهان “تفويض بوش .. لملاحقة اي كان له علاقة بهجمات 11 ايلول”
الصديق الوفي للرئيس اوباما وعضو مجلس الشيوخ عن ولاية فيرجينيا، تيم ماكين، اصدر بيانا عاجلا اعرب فيه عن “قلقه من ابعاد وغموض استخدام القوات البرية الاميركية،” كما نصت مسودة المشروع والتي تتعهد بعدم السماح “للقوات البرية تنفيذ عمليات هجومية مستدامة؛” المصطلح الذي اثار حفيظة العديد من المسؤولين لضبابيته
المستشار القانوني السابق لوزارة الخارجية، هارولد كول، اوضح ان استناد الرئيس اوباما الى التفويض السابق “يخالف وعوده بانهاء الحروب مفتوحة الأجل.” بعد انقضاء نحو 13 عاما على التفويض الاساس، لا زالت القوات الاميركية تشن حروبها في افغانستان وباكستان واليمن والصومال ومالي وتشاد، فضلا عن العراق وسورية. العضو الديموقراطي في لجنة الاستخبارات التابعة لمجلس النواب، آدم شيف، اوضح ان الغموض المقصود يسمح للرئيس “امداد نحو 100،000 جندي للتدخل في سورية ويبرره بأنه “تدخل غير مستدام”
وصفت صحيفة “نيويورك تايمز” مشروع التفويض المقدم بان غموض المضمون كان مقصودا وشكل “حلاً وسطاً لتهدئة خواطر اعضاء الكونغرس في معسكري رفض التدخل الخارجي وانصار التدخل ”
جدير بالذكر ان “السيناتور اوباما” انذاك وجه انتقادات حادة للكونغرس لميوله اصدار “شيك مفتوح” للرئيس جورج بوش الابن شن عدوان على العراق، استنادا الى نص التفويض المذكور (2002). مسودة اوباما تنطوي على جملة “استثناءات” لتوسيع نطاق العمليات العسكرية، من بينها اخراج مجموع القوات الاميركية الراهنة في العراق، 3،000، من الامتثال للنص؛ وباستطاعته ايضا نشر قوات عسكرية اضافية في صيغة “مستشارين، وقوات خاصة، ووحدات تحكم مشتركة لاسناد الغارات الجوية وطواقم البحث والانقاذ
يأخذ الجمهوريون على الرئيس اوباما ميله الاقلاع عن صياغة “حازمة او هجومية” تفوق صيغة التفويض الراهن. واوضح احد قادة الحزب الجمهوري عشية تقديم المشروع انه “استنادا الى جلسة مناقشة خاصة، فان البيت الابيض يستخدم تفسيرات تقيد بشدة مصطلح “عمليات هجومية مستدامة” ابعد مما كان متوقعا، الأمر الذي يشكل عقبة كبيرة محتملة.” غني عن القول ان المصطلح الفضفاض ايضا يثير قلقا داخل اوساط الحزب الديموقراطي ليس لعدم دقته فحسب، بل لمضمون الأمد المفتوح
التفويض والمناكفات الحزبية
الابعاد والتداعيات السياسية للتفويض دائمة الحضور في المشهد السياسي لاسيما والحملة الانتخابية على الابواب. ان استطاع الرئيس اوباما استصدار موافقة الكونغرس عليه بصيغته الحالية، وهو امر مستبعد، فان الرئيس المقبل سيجد نفسه مقيدا في شن حرب برية ضد الدولة الاسلامية لحين انتهاء مفعوله عام 2018، على الاقل
اولى التداعيات، استنادا لتلك الفرضية، ستصيب المرشحة المحتملة للرئاسة هيلاري كلينتون وخفض حظوظ نجاحها الى الحد الادنى، اذ سيستمر العمل بالسياسة الراهنة “والاستراتيجية غير الفاعلة” لنحو عام بعد مغادرة الرئيس اوباما. في هذا الصدد يشار الى ادراك البيت الابيض مبكرا مواطن ضعف المرشحة كلينتون لا سيما تدني شعبيتها امام عدد من خصومها في الحزب الجمهوري
الجمهوريون الطامعين في الترشح لمنصب الرئيس سارعوا بانتقاد مسودة التفويض نظرا “لهشاشته والقيود التي يفرضها على اي اجراء محتمل” يتطلب قرارا رئاسيا للتدخل العسكري؛ وتوجيه اللوم للرئيس اوباما لخلو المسودة من خطوات واضحة مفصلة لشن الحرب “بغية الفوز بها”
المرشح المتشدد تيد كروز اوضح امام جمع في مركز السياسة الأمنية انه “يأمل ان يؤدي الجدل حول المسودة الى الضغط على الادارة لصياغة ادق واوضح للاهداف والاجراءات التي تنوي تحقيقها.” واضاف ان السؤال البديهي يتمحور حول طلب الادارة “استصدار تفويض من اجل ماذا، ماذا ينبغي فعله وآلية تحقيق ذلك.” وشدد كروز على ان الرئيس اوباما اخفق في ترك انطباع “بجدية الهدف”
وكعادة الساسة الاميركيين تحديدا في ازدواجية الاراء والمعايير، طالب تيد كروز بلاده بتسليح اكراد (العراق) على الفور؛ واستدرك محذرا اقرانه في الكونغرس من ضرورة التوجس بمنح القائد الاعلى للبلاد “تفويضا مفتوحا” لشن الحرب. ويسخر كروز من خصومه الديموقراطيين معتبرا السياسة الخارجية هي ثمة ثلاثية “اوباما وكيري وكلينتون”
في الطرف المقابل، معسكر صقور الحرب، اوضح السيناتور ليندزي غراهام – عضو لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، انه يتعين على الكونغرس المصادقة على “تفويض لا لبس فيه” للرئيس اوباما لمحاربة مسلحي داعش
يشار عادة الى العلاقة الوطيدة بين الثنائي “جون ماكين وليندزي غراهام،” وتطابق مواقفهما السياسية المتشددة من مجمل القضايا الداخلية والعالمية. اعتبر جون ماكين ان زميله غراهام سيصعد نجمه في السياسة الخارجية “اضطرادا مع تردي الاوضاع” وازدحام المشهد الانتخابي، ممهدا بذلك لاحتمال دخول غراهام السباق الرئاسي عن الحزب الجمهوري
سياسات غراهام المتشددة وميله للتدخل العسكري لقي امتعاضا من مرشحين محتملين للانتخابات، اذ قال السيناتور راند بول انه “غير متحمس” لارسال قوات اميركية للشرق الاوسط، ويطالب الكونغرس بتقييد التفويض لشن الحرب لسنة واحدة. يدرك بول وآخرين عزوف الجيل الناشيء عن دعم سياسات الحزب وجهوزيته للتدخل العسكري، متوسلا تأييد ذلك الجيل باعلانه “لست من انصار اعلان حرب عبر العالم .. اناهض اعادة 100،000 جندي الى الشرق الاوسط”
في الطرف المقابل والمقامر يبرز السيناتور المتشدد ماركو روبيو اعلان جهوزيته “لاسال قوات برية لتلك المنطقة، ان تطلب فوز المعركة ذلك.” روبيو يشاطر غراهام سياساته وتطلعاته، بيد ان ما يفصلهما عن بعضهما البعض “الخبرة الطويلة،” التي يتمتع بها غراهام، كما اشار ماكين
الحزب الديموقراطي ايضا يواجه امتحانا قاسيا لو تمت المصادقة على التفويض بشن الحرب. وعمدت السيناتور اليزابيث وورين، المعروفة بميولها الليبرالية، الى الابتعاد المبكر عن سياسات الرئيس اوباما وخصمها المحتمل هيلاري كلينتون اذا دخلت السباق الرئاسي. وقدمت مشروع قرار في الكونغرس يلغي التفويض السابق للعدوان على العراق الشهر الماضي. واوضحت وورين ان الغاية من “المشروع هي للتذكير بتفويض الكونغرس لاستخدام القوات العسكرية وان العمل العسكري ينبغي ان يلجأ اليه كخيار أخير” امام الرئيس
قاعدة الحزب الديموقراطي تشاطر وورين معارضتها للحروب، مقارنة مع ميل هيلاري كلينتون للخيار العسكري، لا سيما في العدوان على ليبيا اثناء توليها منصب وزير الخارجية. التصويت لصالح المشروع سيكلف المرشح خسارة قاعدة انتخابية معتبرة
استطلاعات الرأي التي اجريت حديثا اشارت الى تفوق وورين على كلينتون في “ولايتي جس النبض الانتخابي،” ايوا ونيو هامبشير، على الرغم من تصريحات وورين العلنية والحازمة بانها لا تنوي دخول السباق الرئاسي
ايضا من بين “الاقلية” المناهضة للحرب في الكونغرس يبرز السيناتور المستقل بيرني ساندرز والذي صوت ضد قرار التفويض عام 2002. واوضح ساندرز لجمع في معهد بروكينغز للابحاث ان “هناك بعض الزملاء في الكونغرس يحبذون الحرب اللامتناهية. انني غير راغب في رؤية حرب مفتوحة الآفاق في الشرق الاوسط؛” لكن ساندرز لم يفصح عن وجهة تصويته المقبلة
جدير بالذكر ان التفويض الراهن ساري المفعول يخول الرئيس اوباما المضي في حربه وفق المستويات الحالية، واشد ما يخشاه زعماء الحزب الجمهوري ان تصبح الحرب ضد داعش متلازمة معه (اي الكونغرس) بدلا من توصيفها بحرب الرئيس اوباما. كما يجتاح القلق الطامعين في الترشح لمنصب الرئيس خاصة في حال تدهور الحرب الى الاسوأ، مما يتعين على المرشح الجمهوري الذي صوت لصالح التفويض الشعور بالحرج والتزام موقف الدفاع
كما من شأن مصادقة الاغلبية الجمهورية على قرار التفويض ترك تداعيات سلبية على عدد من اعضاء الكونغرس المرشحين لدخول السباق الرئاسي، لا سيما وان اوفرهم حظا يتبوأ منصب حاكم ولاية ويوفر لهم مادة لانتقاد المشروع دون الخشية من تداعياته – كما هو الحال مع المرشح جيب بوش وحاكم ولاية ويسكونسن، سكوت ووكر
في نهاية المطاف، وبعد انقشاع ضباب الجدل والمزايدة بين الحزبين، سيجد الرئيس اوباما اقلية من النواب تؤيد مشروع اقتراحه. وعليه باستطاعتنا القول ان غرض الرئيس اوباما ليس في الحصول على تفويض جديد، بل لاستخدامه كغطاء سياسي يمتد لما بعد انتهاء ولايته الرئاسية يرث تداعياتها الرئيس المقبل. عقلاء الحزب الجمهوري يرون انه لا لزوم للمشروع المقدم خاصة وانه لا يتميز عما هو ساري المفعول به لتنتفي ضرورة المصادقة عليه بأكملها؛ فضلا عن ان مستقبل مرشحيهم السياسي يعتمد كليا على كيفية ادارة الرئيس اوباما للحرب، اذ ان فشلها سيتحمل مسؤوليته المرشحين الجمهوريين الذين صوتوا ضد المشروع وحكام الولايات المرشحين لتفاديهم المشروع برمته
الحزب الديموقراطي ايضا امام مأزق التفويض اذ سيسعى مرشحيه للقفز عن المسألة بالكامل طمعا باسترضاء القاعدة الانتخابية المناهضة للحرب. يدرك الحزبان جيدا، خاصة النخب السياسة في كليهما، انه من غير المرجح ان يحالف النصر الرئيس اوباما في الحرب ضد داعش، وهم ليسوا في عجالة للمصادقة في المرحلة الحرجة الراهنة
بالنظر الى “احتمال” المصادقة المطلوبة، تجدر الاشارة الى ان الأمر سيستغرق فترة زمنية قد تطول، مع امكانية خضوع المسودة لتعديلات واضافات من الطرفين بعد عقد جلسات مناقشة في الكونغرس، وتشاطر الحزبين في تفادي المحظور قبل الانتخابات المقبلة

التحليل 02-06-2015

:التحليل

لماذا الكشف عن الدور الاميركي في اغتيال القائد مغنية؟
المردود العكسي للاغتيالات
في اجراء غير معهود، اعترفت وكالة الاستخبارات المركزية بمسؤوليتها “المشتركة مع الموساد” في اغتيال المسؤول العسكري في حزب الله، عماد مغنية، عام 2008. وجاء الاعتراف عبر نشر رواية متزامنة في صحيفة “واشنطن بوست،” 30 كانون الثاني 2015؛ واسبوعية “نيوزويك،” 31 كانون الثاني؛ تقاطعت روايتيهما بالعديد من المحطات والتفاصيل سيما وان المشترك بينهما هو المصدر عينه. جاء ذلك دون مسبقات او تطورات ظاهرية في الفترة الراهنة تستدعي الكشف عن مسؤولية الاغتيال، وهما الجهازين الابرز عالميا بعمليات القتل والاغتيال
ما يهمنا في سردية الرواية اقرار الوكالة بأنها مسؤولة عن اجراء التجارب على العبوة الناسفة في الاراضي الاميركية وتسليمها لمحطة الاستخبارات في المنطقة “مرورا بالاراضي الاردنية.” اما ما تبقى من تفاصيل وادعاءات فلا يعدو يندرج تحت باب التكهنات والحرب النفسية، حتى وان تتضمن معلومات تبدو واقعية ومقنعة للوهلة الاولى. ومنها ما نُقل عن نائب الرئيس الاميركي السابق، ديك تشيني، باجراء مكالمة هاتفية مع رئيس الوزراء “الاسرائيلي” السابق، ايهود اولمرت، لتهنئته “والاشادة بتعاونه لانجاح العملية” فور الاغتيال
الرسائل الكامنة
من البديهي طرح جملة تساؤلات تتعلق بالدافع او جملة الدوافع التي استدعت الوكالة للكشف عما يعتقد واثبتت التحقيقات والدلائل المادية مسؤولية الطرفين فيها بامتياز؛ خاصة في ظل حادثتين بارزتين: الاولى، المفاوضات النووية مع ايران والحرب الاستخبارية الباردة معها؛ والثانية، عملية حزب الله العسكرية في مزارع شبعا ضد دورية عسكرية “اسرائيلية،” وما رافقها من تصريحات للامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، وابرز ما اشارت اليه وسائل الاعلام الغربية بشكل خاص ان “ما قبل العدوان الاسرائيلي في الجولان ليس كما بعده .. ونهاية ما كان يعتبر قواعد الاشتباك؛” وما تناقلته الاوساط المحلية بأن الحزب تعهد “بملاحقة العدو اينما كان وكيفما كان وفي اي مكان،” مستحضرا مقولة القائد الفلسطيني وديع حداد “وراء العدو في كل مكان،” اذ تشير بعض الروايات الى تمكن الموساد من اغتياله بدس السم في نوع مفضل له من الحلوى او الشوكولاته، وقضى يوم 28 آذار/مارس 1978
يذكر ايضا ان الفترة الراهنة تشهد “تراشقا علنيا بين واشنطن وتل ابيب،” على خلفية ما اعتبره البيت الابيض “حشر نتنياهو نفسه في المشاحنات الداخلية الاميركية،” اي الصراع العلني بين البيت الابيض والكونغرس، والتي يعتبرها البعض مبالغا في التفسير انها احد العوامل التي دفعت الوكالة للاعلان. توتر العلاقات بين اوباما ونتنياهو ليس جديدا، ولا ينبغي تضخيمه لدرجة تصويره أزمة مستعصية تهدد العلاقة العضوية مع الكيان “الاسرائيلي”
الالتزام الصارم بالاسلوب العلمي للتحليل يقتضي البحث في القضايا والابعاد غير البارزة، ومقاربتها بما يحدث من اجل التوصل الى استنتاجات حقيقية تقترب من جوهر المسألة بعيدا عن التهويل والايحاء والادعاء
قبل الولوج في الدوافع البينة والمستترة لاعلان الوكالة، تجدر الاشارة الى جملة من المعطيات المرتبطة مباشرة بسياق الصراع الاستراتيجي في المنطقة بين المشروع الاميركي وادواته واعوانه المحليين، وبين الفئات الشعبية المناهضة له والمسحوقة وهي الاغلبية
ابعاد مكتومة
اولى تلك المعطيات ما كشفته “ويكيليكس” من وثائق سرية تتعلق باختراق الاجهزة المركزية لمعهد “ستراتفور” الاستخباري الاميركي، عام 2011، حول ابعاد التدخل العسكري والاستخباري الاميركي في المنطقة، وما دلت عليه من ردود فعل لاعلان “حزب الله” كشفه عن اعتقال خلية تجسسية تتبع وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية، والتي وصفها بانها “جزءاً يسيراً” مما لديه،” 10 كانون الاول 2011. واوضح المعهد ان حزب الله “رمى ابلاغ رسالة قاسية لوكالة الاستخبارات بأنه يتعين عليها الكف عن اللعب بالساحة اللبنانية.”
شبكة التلفزيون الاميركية، ايه بي سي، 20 تشرين الثاني 2011، اوضحت حجم الضرر الذي اصاب محطة وكالة الاستخبارات بالقول “تبين ان كان هناك (في لبنان) حلقتي تجسس منفصلتين استهدفتا ايران وحزب الله .. واللتين كشف امرهما بصورة منفصلة بيد انهما تسببتا بانتكاسة هامة لجهود الولايات المتحدة تتبع نشاطات ايران النووية وعمليات حزب الله المناهضة لاسرائيل.” واضافت نقلا على لسان مسؤولين اميركيين ان “الضرر الناجم عن شبكة التجسس في لبنان كان اشد من المعتاد .. الضرر اصاب سر المهنة في مقتل”
الحرب الاستخبارية بين الولايات المتحدة وايران لم تهدأ، واستطاعت ايران تعقب واعتقال عدد من المتهمين بالتجسس لصالح وكالة الاستخبارات المركزية، بمن فيهم عناصر اميركية اشهرها “عنصر مكتب التحقيقات الفيدرالي روبرت لفينسون .. الذي اختفى اثره” في ايران في شهر آذار عام 2007؛ فضلا عن آخرين من اصول ايرانية القي القبض عليهم. نشرت وكالة “اسوشيتد برس” الاميركية للانباء تقريرا يوم 12 كانون الاول 2013، يوضح علاقة لفينسون بوكالة الاستخبارات المركزية، تبعتها صحيفة نيويورك تايمز باستعراض تاريخ علاقته المطول لصالح الوكالة. بالمقابل، استطاعت الاجهزة الاميركية “بمساعدة الموساد، كما يعتقد” النيل من العلماء الايرانيين في شى المجالات النووية والعلوم الطبيعية
في باب المعطيات الداخلية الاميركية، نشير الى حادثتين لا ترابط بينهما في البدء، لكنهما تكملان المشهد الداخلي ودوافعه.
الدور التقليدي للوكالة
الاولى، اصدار المحكمة الفيدرالية حكما يدين ضابط الاستخبارات السابق، جيفري ستيرلنغ، 27 كانون الثاني 2015، بالكشف غير المرخص عن معلومات تتعلق بالأمن القومي “سربها للصحافي في جريدة نيويورك تايمز، جيمس رايزن،” كما ورد. وجهت التهمة بالبداية الى الصحافي المذكور للضغط عليه بالكشف عن مصادره التي استقى منها معلوماته المنشورة، وواجه بشجاعة تهديدا قضائيا بسجنه 18 شهرا ان لم يمتثل للكشف عن مصادره، واستمر بالرفض الذي رافقه حملات تضامن مكثفة لحماية حقوقه في التعبير المنصوص عليها دستوريا
نواة الاتهام الممزدوج تتعلق بمعلومات ضمنها رايزن في كتابه “حالة حرب: التاريخ السري للسي آي ايه وادارة (الرئيس جورج) بوش” الابن، اصدار 2006، تتعلق بالعمليات السرية ضد ايران وتمرير رسم بياني “ملغوم” للمكونات النووية عبر عنصر روسي سلمها لعميل اميركي في ايران تبين فيما بعد انه عميل مزدوج والذي سلمها بدوره للسلطات الايرانية. وصف رايزن المشرفين على العملية في مقر وكالة الاستخبارات بانهم ارفقوا الرسومات المشار اليها تفاصيل اخرى “قد تستخدم في الكشف عن هوية كافة جواسيس الوكالة تقريبا داخل ايران.” واوضح انه بناء على ما تقدم استطاعت السلطات الايرانية اعتقال كافة عناصر شبكة التجسس داخل ايران
الحادثة الثانية تمت باعلان الرئيس اوباما، يوم السادس من شهر كانون الثاني الماضي، عن اختياره ديفيد كوهين لمنصب نائب مدير وكالة الاستخبارات المركزية، والذي شغل منصبا رفيعا في وزارة المالية كمساعد الوزير “لشؤون الارهاب والاستخبارات المصرفية،” ولعب دورا محوريا في تطبيق سياسة العقوبات الاميركية على كل من روسيا وايران. كما شارك كوهين في “عدد من الاجتماعات رفيعة المستوى في البيت الابيض تناولت مسائل متعددة شملت سورية واوكرانيا وايران وجهود مكافحة الارهاب،” وفق تصريحات نائب مستشار الأمن القومي، بن رودس.
اللافت في هذا التعيين ردود فعل وابتهاج اللوبي اليهودي و”اسرائيل،” التي اوضحت ان طاقم وكالة الاستخبارات المركزية كان “يشغله الواسب منذ تأسيسها،” في اشارة الى “البيض من الانغلو ساكسون البروتستانت.” واضافت الصحف “الاسرائيلية” ان المدير السابق لمحطة الوكالة في تل ابيب كان يهوديا؛ بالاضافة الى مدير الوكالة اليهودي الاسبق، جون دويتش، 1995-1996
كوهين اضحى اليهودي الثاني في تراتبية اهم المناصب داخل الادارة الاميركية، بعد مسؤوله السابق وزير المالية جاكوب لو. وجاء في احد التعليقات للصحافي “الاسرائيلي” يوسي ميلمان ان كوهين عمل بشكل وثيق مع “جهاز الأمن الاسرائيلي – الشين بيت، في سياق توقيف تدفق المال لحركة حماس، وبشكل اخص في الجهود المشتركة لتعقب آلية تمويل حزب الله ومحاولات ايران للتملص من العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها”
رسائل سياسية متعددة الاطراف
في العودة للتوقف عند الدوافع المعلنة، نشير الى ما تناقلته الصحف “الاسرائيلية” وشاطرتها وسائل الاعلام الاميركية بأن “الكشف رمى توصيل رسالة قاسية لحزب الله وايران ..” للحد من تنامي نفوذهما في الاقليم “عبر الاشارة الى اليد الطولى للاستخبارات”
ايضا، يجمع عدد كبير من خبراء الأمن والسياسة الاميركيين ان “ادارة الرئيس اوباما تقف مباشرة وراء التسريب ..” نظرا للعلاقة المتوترة مع بنيامين نتنياهو، احد اهدافها ربما توجيه تهديد مبطن بأن “حاجته للولايات المتحدة لا يقدر على التضحية بها وعليه التزام التهدئة،” كما يتعين عليه التذكر بأنه “الشريك الاصغر في تحالف تقوده دولة عظمى.” يشير “مسؤولون اميركيون” بشدة الى الدور المركزي والمميز لوكالة الاستخبارات المركزية في اغتيال القائد عماد مغنية، بينما “لعب الموساد دورا مؤازرا ”
كما يذهب البعض الى القول ان الرسالة الاخرى لنتنياهو ان الولايات المتحدة لديها كم هائل من الاسرار التي من شأن الكشف عنها الحاق الضرر بنتنياهو ان لم يرتعد عن اتخاذ مواقف “تحرج” الرئيس اوباما
من ضمن احتمالات الدوافع ايضا النزعة العدوانية لعدد من كبار مسؤولي اجهزة الاستخبارات الاميركية، والذين ينسقون خطواتهم على وقع تأزيم التوترات الراهنة في المنطقة. لكن نظرة سريعة على سجل الرئيس اوباما في تعقب وملاحقة ومقاضاة اي موظف حكومي ضالع في تسريب معلومات “محرجة سياسيا،” يستبعد ذلك البعد كما تبين اعلاه في مقاضاة الثنائي رايزن – ستيرلنغ بصورة مهينة تنم عن حقد دفين. كما تجدر الاشارة الى ان اغتيال عماد مغنية تم في عهد الرئيس جورج بوش الابن، ومن ثم فان المعلومات المسربة ذات الطبيعة الاستخبارية لا ينطوي عليها توريط ادارة الرئيس اوباما – بل تشير الى عمق العلاقة العضوية والعملية لجهازي الوكالة المركزية والموساد
استراتيجية الاغتيالات وثمارها
تعود الاغتيالات الى عمق تاريخ البشرية كوسيلة مكملة لسياسات وقوى ومصالح قائمة. والاغتيالات السياسية لاحقت سياسة الولايات المتحدة، منذ الحرب العالمية الثانية بصعودها على المسرح الدولي، ووفرت الغطاء اللازم لحليفتها “اسرائيل” في التمادي بتوسيع ساحة الاغتيالات الى مناطق متعددة من العالم دون رقيب او محاسبة. ودخول عامل طائرات الدرونز ضمن قائمة الموارد المتاحة للاغتيالات اكبر دليل على ادراك الطرفين باستمرار مسلسل الاغتيالات لعناصر وقيادات وكفاءات في مختلف الاختصاصات الرامية للارتقاء بالحياة الانسانية الى مستويات ارفع
تبرز بين الحين والآخر صيحات تنادي بمراجعة سياسة الاغتيالات نظرا لما تلحقه من ضرر بسمعة الولايات المتحدة ومردودها المادي على الطرف الفاعل. واشارت بعض وثائق ويكيلكس الى مذكرات داخلية لوكالة الاستخبارات، مؤرخة يوم 7 تموز / يوليو 2009، تتساءل عن مدى نجاح سياسة “الاهداف ذات القيمة العالية،” او اغتيال يستهدف عناصر محددة عبر العالم تنوي التخلص منها. وورد في اخدى تلك الوثائق ما توصلت اليه الوكالة من استنتاج بأن محاولات الاغتيال التي مارستها القوى الاستعمارية والنظم الاستبدادية لم تفلح في اخماد ثورات الشعوب العالمية؛ فضلا عن ان الاعتماد المكثف بشن غارات جوية على اهداف منتقاة عادة ما تفشل في تحقيق الاهداف المرجوة.
استعرضت دراسة الوكالة التي قامت بها “مؤسسة راند” التجارب الثورية ومقاومة الاحتلالات في: افغانسان 2001-2009؛ الجزائر 1954-1962؛ كولومبيا 2002-2009؛ العراق 2004-2009؛ فلسطين المحتلة 1972-منتصف التسعينيات، ومن ثم لشهر حزيران 2009؛ البيرو 1980-1999؛ ايرلندا الشمالية 1969-1998؛ وسري لانكا 1983-2009. كما تضمنت المشهد في كل من الشيشان وليبا والباكستان وتايلند
توصيات الدراسة اتت برسالة تحذيرية من مردود الاغتيالات على المدى الابعد “اذ بوسعها زيادة مستويات دعم الشعب للحركات” المسلحة، لا سيما عند وقوع ضحايا من المدنيين العزل. واقرت الدراسة بدور العمل النفسي للحركات المسلحة وتراجع اهمية دور طرفي الصراع امام مدى ادراك المزاج الشعبي لما يجري من احداث.
في الشق المتعلق بالاغتيالات في فلسطين المحتلة، اوضحت الدراسة “تعزيز اواصر اللحمة” في صفوف المسلحين “ورفعت منسوب الدعم الشعبي للقادة المتشددين، حسبما افاد مسؤولون في القنصلية الاميركية في القدس وقسم اعداد التقارير السرية.” يتضح ان الوجهة لا تحبذ استمرار برنامج الاغتيالات
فيما يخص الثورة الجزائرية اوردت الدراسة ان “هدف جبهة التحرير الوطني الجزائرية استفزاز ردة فعل الفرنسيين الذين عاقبوا عموم الشعب الجزائري، وادى تزايد عدد ضحايا المدنيين الى ترسيخ شعبية الجبهة ..” واستعرضت الدراسة لجوء الاحتلال الفرنسي لاعتراض طائرة مدنية كانت تقل الرئيس الاسبق احمد بن بيلا “المعتدل نسبيا بين صفوف القادة،” واربعة قياديين آخرين مما “تسبب في تعزيز نفوذ قيادات الداخل الجزائري المتشددين.” وخلصت بالقول ان “الاجراءات الفرنسية القاسية .. اسهمت في تراجع التأييد داخل فرنسا وكذلك التأييد العالمي، مما ادى لتحقيق الجزائر استقلالها عام 1962”
تحذيرات تم تجاهلها
ادرجت الدراسة المشار اليها عددا من التوصيات في سياق اعتماد الاغتيالات كحل سريع في مواجهة القوى الشعبية، محذرة من العقبات المواكبة للحل. منها، على سبيل المثال، افراط “الاعتماد عليها يؤدي الى فقدان الدولة البعد الاستراتيجي للصراع او التغاضي عن قضايا هامة في عملية مكافحة التمرد.” مضي ادارة الرئيس اوباما في اعتماد الاغتيالات يدل على اخفاق المسؤولين في أخذ التحذيرات الواردة محمل الجد
الرئيس اوباما يتحكم مباشرة باصدار قرار الاغتيال من عدمه، وفق التوصيات الواردة له كل “يوم ثلاثاء” من الاسبوع من قبل الاجهزة الأمنية
من ضمن التوصيات ايضا، التحذير من استخدام الاغتيالات بكثافة والتي من شأنها تعديل هيكلية المجموعات المسلحة واعتماد وحداتها على ابراز عناصر قيادية اكثر تشددا؛ كما تشهد عليه المجموعات المتوالدة من تنظيم القاعدة في اليمن وسورية والعراق والصومال وشمال افريقيا
من المفارقة ان تقرير وزارة الخارجية الاميركية حول الارهاب للعام الماضي حذر من تحديات شبيهة بما سبق، وقال “خسارة قادة القاعدة في باكستان .. سارعت في اتخاذ المجموعة قرار اللامركزية في العمل وادى لبروز فصائل اخرى تابعة لشبكة القاعدة لكنها مستقلة في عملياتها وتحصر جهودها لتحقيق اهداف محلية واقليمية.” بالامكان القول ان التوصيات تنطبق ايضا على تشكيلات الدولة الاسلامية، واسهمت سياسة اوباما في الاغتيالات في رفع منسوب الدعم لداعش بدل القضاء عليها
اعتماد الاستراتيجية الاميركية على عنصر الاغتيالات بطائرات الدرونز، في عهدي بوش الابن واوباما، لم تثمر نتائج ملموسة ولم تخلّص العراق من تهديد داعش. وارتفعت معدلات الشك بفعالية عمليات وكالة الاستخبارات المركزية خاصة في ظل تعاونها الصارخ مع الموساد لاغتيال عناصر قيادية

ترميم الميزان المعنوي
تبقى العمليات الأمنية والاغتيالات وسيلة مفضلة للكيان الصهيوني، الوكيل للأصيل الاميركي، مع تراجع قدراته على ردع واستنزاف اطراف معسكر المقاومة، في ظل انكشاف عجزه عن تحقيق اهدافه في الحروب التي يشنها وخاصة منذ ارغامه على الانسحاب من معظم أراضي الجنوب اللبناني المحتلة في عام 2000
ويمكن الاستنتاج في حالة الصراع العربي– الصهيوني، وتحديدا في حالة المجابهة مع حزب الله، ان العمليات الأمنية والاغتيالات تشكل وسيلة لترميم ما يعتبره القادة “الاسرئيليون” انكسارا او انهيارا في ميزان الحرب النفسية والمعنوية كلما سجلت المقاومة صمودا او نجازا ميدانيا او اطلق قائدها السيد حسن نصر الله تحديا جديدا او تهديدا تعتبره وجوديا لها
ومع كل جولة مواجهة بين معسكر المقاومة والكيان المحتل وداعميه يبدو تماسك الحاضنة الشعبية للمقاومة أقوى واكثر استدامة قياسا بقلق وتوتر واهتزاز ثقة مستوطني الاحتلال بمستقبلهم ومصير كيانهم
لا شك ان فقدان معسكر المقاومة قادة وكفاءات مجربة (أمثال الشهيد عماد مغنية) يشكل خسارة مادية ومعنوية كبرى، ولكن التجربة تثبت ان المعسكر يخرج من حالة الاحباط وألم الخسارة ويتجاوز عمليات الغدر الجبانة
في معسكر المقاومة نجد قوافل القادة المتمرسين تتجدد، وفي معسكر الاحتلال يتجدد الخوف والقلق، وخاصة بعد اعلان قائد المقاومة في لبنان وباسم معسكر المقاومة الغاء قواعد الاشتباك القائمة لتاريخه

التحليل 01-31-2015

:التحليل

:ايران وراء الحرَدْ السعودي و”الاسرائيلي” على واشنطن

مأزق حليفين مدلليْن
ايران هي كلمة السر بامتياز في توجهات السياسة الاميركية الراهنة على الصعيد الاقليمي، جسدها الرئيس اوباما بتوعد خصومه الجمهوريين انه لن يتوانى عن استخدام حق الفيتو لابطال مشروع من الكونغرس يفرض عقوبات جديدة على ايران في ظل مناخ استمرار المفاوضات النووية، مسترشدا ايضا بصلاحياته الدستورية في ادارة دفة السياسة الخارجية
لم تمضِ سوى سويعات قليلة على خطاب الرئيس اوباما السنوي وتصريحاته باستخدام الفيتو حتى فاجأ رئيس مجلس النواب، جون بينر، كافة الاوساط باعلانه عن استضافة بنيامين نتنياهو لالقاء خطاب امام جلسة مشتركة لمجلسي الكونغرس حول ايران والمفاوضات النووية. اعتبرت الدعوة “خارج سياق الاصول والاعراف الديبلوماسية،” كلمة السر ايضا في تدخله بما لا شأن له به، مما استدعى رداً قاسيا، وان مبطنا في البدء، من البيت الابيض ووزارة الخارجية معاً
الحزب الجمهوري وقادته اصابتهم “نشوة كأس الانتصار الانتخابي،” واعتقدوا لوهلة انهم قادرون على محاصرة الرئيس اوباما وسياساته وابطال مفعولها متى شاؤوا، سيما وان اغلبيتهم تعارض المفاوضات النووية مع ايران؛ وذهبوا للاستنجاد بالغريق الآخر نتنياهو لحشد الرأي العام ضد المفاوضات، فيما رأى هو فيها فرصة فريدة لتعزيز اسهمه قبل الانتخابات العامة في الكيان الشهر المقبل
نتنياهو الانتهازي يقحم نفسه
اثبت رئيس مجلس النواب، جون بينر، وقادة الحزب الجمهوري الآخرين انهم ذاهبون للمواجهة بدعوة نتنياهو للتدخل في شأن داخلي بحت، واقراراً منهم ربما بعجزهم عن صياغة موقف يتعارض مع استحقاقات الاستراتيجية الاميركية الشاملة وانكاراً لما اصاب القوة الامبراطورية من هزات خارجية فرضت عليها التراجع في بعض المواقع. نتنياهو من جانبه التقط الفرصة بسرعة وابرق قبوله الدعوة
دب الجدل بين المؤسستين التنفيذية والتشريعية عن تعدي احداهما على صلاحيات الأخرى واستقواء احداها بعامل اليهود الانتخابي على الرغم من التداعيات الداخلية لخطوة غير مسبوقة بالشكل والتوقيت والرسالة المراد ايصالها. رد البيت الابيض جاء سريعا ومتدرجا ايضا، بدءاً باعتبار الدعوة “خارج السياق .. وتمت دون تنسيق وتشاور مسبق،” اتبعه بتصريح يؤكد فيه عدم نية الرئيس اوباما لقاء نتنياهو خلال زيارته المنتظرة – التي تم تأجيل موعدها من شهر شباط الى آذار المقبل – حتى لا تستغل في الانتخابات “الاسرائيلية،” كما اوضح البيان. ايضا، اعلنت وزارة الخارجية وبالتزامن مع البيت الابيض عن عدم نية جون كيري لقاء نتنياهو
من المفارقة في هذا الصدد ان احدى اهم المنشورات المؤيدة للتيار المحافظ داخل الحزب الجمهوري، ناشيونال ريفيو، اوضحت ان دعوة اي زعيم اجنبي ليلقي خطابا في الكونغرس تتم حصرا عبر دعوة يصدرها رئيس البلاد
ومضى البيت الابيض في تصعيد اجراءاته على خلفية “التحدي،” بنقد علني للسفير “الاسرائيلي” لدى واشنطن، رون ديرمر، نسبت لمسؤول رفيع المستوى عبر صحيفة “نيويورك تايمز،” 28 كانون2، لدوره “الفاعل في ترتيب الدعوة، وكان باستمرار يضع مستقبل نتنياهو السياسي كاولوية على القضايا التي تربط علاقة اسرائيل والولايات المتحدة.” وعلقت الصحيفة بالقول ان “الانتقادات العلنية الموافق عليها رسميا لديبلوماسيين من دول حليفة اساسية أمر استثنائي”
نقلت وسائل الاعلام المختلفة ايضا اجزاء من تصريحات مسؤول رفيع في وزارة الخارجية الاميركية قوله “.. تمكن بيبي (نتنياهو) من مفاجأتنا نحن ايضا،” الذين نتعامل معه باستمرار ومنذ زمن، وينبغي “عليه ان يتذكر ان الرئيس اوباما لديه نحو عام ونصف متبقية من ولايته الرئاسية، وسيتحتم دفع الثمن” على التدخل الارعن في الشؤون الداخلية الاميركية
جدير بالذكر ان ديرمر من مواليد الولايات المتحدة وشغل منصب مساعد احد استراتيجيي الحزب الجمهوري، فرانك لانتز، خلال انتخابات عام 1994 التي فاز بها الجمهوريون بمجلسي الكونغرس. لانتز درّس ديرمر في جامعة بنسلفانيا قبل قراره بتشغيل الاخير معه عام 1993
اللافت في المسألة ايضا ان الانتقادات تواصلت من بعض المسؤولين السابقين واعلام الجالية اليهودية. اذ قال السفير الاميركي السابق لدى تل ابيب، دانيال كيرتزر، ان ما فعله ديرمر “لا يمكن القبول به بالمطلق من زاوية الاصول الديبلوماسية .. فهو ناشط سياسي، وليس سفيراً حقاً.” المحرر السابق في “ايباك،” ام جيه روزنبيرغ، حذر مؤخرا قادة ونواب الحزب الديموقراطي توخي الحذر من نفوذ “ايباك” وعدم الاستكانة لاساليب تهديداته وابتزازته
شبكة “فوكس نيوز” للتلفزة، وهي احد اهم اركان المحافظين الجدد شنت ايضا نقدا لاذعا لصاحب الدعوة والمستلم، بينر ونتنياهو، “اللذين استهدفا تقويض الرئيس اوباما”
صحيفة “واشنطن بوست،” المقربة من البيت الابيض ووزارة الخارجية، صبت جام غضبها على صاحب الدعوة والضيف معاً واتهامهما بالتآمر قائلة “رئيس مجلس النواب، جون بينر، ورئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو ارتكبا خطأً فادحاً بتآمرهما سوياً من خلف ظهر الرئيس اوباما، وارتدت الخطوة عليهما معاً.” واضافت ان كان “هدف بينر حشد دعم لمسألة العقوبات (على ايران)، فانه فشل بصورة مدهشة .. ودون تخطيط منه تحول الجدل الى شخص بينر الذي اضطر لقضاء بقية الاسبوع تبرير فعلته ولماذا قام بها من خلف ظهر الرئيس”
في الشق الدستوري الصرف، اعتبر استاذ القانون في جامعة سان دييغو، مايكل رامسي، ان الدعوة تعتبر انتهاكاً واضحاً للدستور الذي حصر دعوة واستقبال زعماء دول آخرين بالرئيس. اسبوعية “اتلانتيك” وبخت رئيس مجلس النواب بشدة مذكرة بأنه “ليس القائد الاعلى” للبلاد
توتر العلاقات بين الرئيس اوباما ونتنياهو ليست وليدة اللحظة، وانما برزت علانية منذ تولي الرئيس اوباما مهام ولايته الرئاسية الاولى. استضاف الكونغرس منذئذ نتنياهو مرتين لالقاء خطاب في جلستين مشتركتين، ويحظى بدعم الغالبية العظمى من اعضائه
بيد ان مفاوضات الملف النووي الايراني فاقم العلاقة اليومية، اذ ذهبت واشنطن للمفاوضات بناء على احتياجاتها الاستراتيجية وليس منة منها على ايران. تقدم طرفي التفاوض لتوقيع اتفاق نهائي برز اكثر من مرة لا سيما في الاشهر القليلة الماضية، واستخدم نتنياهو كل ما يستطيع تسخيره من دعم لافشال او ابطاء التوصل الى اتفاق، سواء في اروقة الكونغرس او الجانب الفرنسي. ونجح في تأجيج الخلافات الداخلية بين صلاحيات السلطة التنفيذية لابرام الاتفاقيات والسلطة التشريعية لاقرارها، وتوعد الكونغرس الرئيس اوباما بانه وحده من يملك صلاحية المصادقة على اي اتفاقيات خارجية
وتوصل الطرفين، البيت الابيض والكونغرس، الى اتفاق وسط بعد جهود مضنية كادت ان تطيح بالود المتبادل، وصوتت لجنة شؤون المصارف المالية في مجلس الشيوخ على قرار يقضي بفرض عقوبات اضافية على ايران على ان سريانها لن يدخل حيز التنفيذ الى بحلول 30 حزيران / يونيو المقبل. في ظل هذه الاجواء، كان باستطاعة نتنياهو وحضوره امام الكونغرس تعقيد الامور مرة اخرى بين السلطتين، سيما وقادة الكونغرس من الحزبين جاهزون دوما للمصادقة على مزيد من الدعم الاميركي “لاسرائيل،” عسكريا وماليا. وخشي البعض ان يستغل نتنياهو المنبر للمطالبة بمزيد من الدعم المالي لبرنامج الحماية من الصواريخ الباليستية.
نتنياهو على اعتقاد راسخ بأن الرئيس اوباما لم يعد يحسب له حساب في رسم السياسة الخارجية للولايات المتحدة، ولا يعول البتة على تلطيف الاجواء مع البيت الابيض قبل مغادرة الرئيس اوباما؛ ومن هنا باستطاعة المرء فك طلاسم تصرفات نتنياهو المتهورة تجاه البيت الابيض، ومراهنته على نسج علاقة مباشرة مع مجلسي الكونغرس. حقيقة الأمر ان نتنياهو يدرك ايضا حدود الضغط الاميركي الذي قد يمارسه الرئيس ووزير خارجيته “لتلطيف” غلواء السياسة “الاسرائيلية”
يقينا سعى نتنياهو توتير المناخ السياسي في الجولان السوري المحتل، بعملية الاغتيال الصاروخية لعناصر المقاومة اللبنانية وضابط ايراني برتبة عميد. الادارة الاميركية ليست في وارد اشعال حرب قد تتطور الى مواجهة شاملة في الفترة الراهنة على الاقل، سيما وان الانتخابات “الاسرائيلية” على بعد بضعة اسابيع وقد تطيح بنتنياهو دون حاجة البيت الابيض للتدخل بغية اسقاطه. وعليه، يمكن الاستناد الى تصريحات الادارة الاميركية عقب عملية حزب الله النوعية في مزارع شبعا المحتلة، اذ اكتفت بمطالبة الاطراف التزام التهدئة وعدم التصعيد. بعبارة اخرى، نتنياهو خسر الرهان للحصول على ضوء اخضر اميركي، كما تعود الكيان عليه منذ زمن، لشن عدوان جديد غامض النتائج
مستقبل غامض للسعودية
حضور وفد اميركي كبير يضم الرئيس اوباما وكبار اعوانه ومسؤولين سابقين من الحزبين في الرياض حفز جهود التيارات السياسية الاخرى التي ما لبثت تطالب بتغيير السياسة السعودية في بعض تجلياتها، لا سيما في مجال “حقوق الانسان” وحقوق المرأة. وتقاطرت مطالب عدد من النخب السياسية والفكرية بضرورة مراجعة العلاقة الثنائية بين واشنطن والرياض بعد رحيل الملك عبد الله، كي تتساوق بشكل افضل مع السياسات الاميركية في المنطقة والعالم قاطبة
حجم الوفد ومشاركة اعلى المسؤولين الاميركيين فيه بداعي “تقديم العزاء” رمى لطمأنة المملكة السعودية بأن الولايات المتحدة لا تزال ملتزمة بالتفاهمات الأمنية التي ارست في لقاء الرئيس السابق روزفلت مع الملك عبد العزيز، على متن الطراد كوينسي في البحيرات المرة بقناة السويس. عرضت اميركا توفير الحماية لمملكة آل سعود مقابل منحها حقوق التنقيب وتسويق النفط. تسعير النفط الخام والمكرر كان حصرا بيد الجانب الاميركي عبر شركة “ارامكو،” واجهة شركة ستانداردر اويل اوف اميركا
عكف الجانب الاميركي منذئذ على ربط مصير المنطقة بمصالحهم الكونية ونسج سلسلة احلاف عسكرية: مبدأ ايزنهاور بحجة مناهضة الشيوعية؛ وحلفي بغداد والسينتو؛ ومباديء نيكسون وكارتر الذي انشأ “قوات التدخل السريع” الاميركية لمنطقة الخليج حصرا “لحماية تدفق مصادر الطاقة.” وعليه، ارتبطت السياسة السعودية عضويا بالمخططات الاميركية، وفتحت عوائد النفط الضخمة لتمويل ما تراه واشنطن من معارك: افغانستان، نيكاراغوا، الحملات الانتخابية في عدد من الدول الاوروبية “للحد من فوز الاحزاب الشيوعية واليسارية،” وتدمير الدول العربية منذ عام 2011 في ليبيا وتونس وسورية والعراق واليمن والبحرين
الدور السعودي المباشر في تهديد أمن واستقرار الدول العربية والاقليمية تحديدا تم الكشف عنه في شهر ايار/مايو 2007 في صيغة قرار اصدره الرئيس السابق جورج بوش الابن “يخول وكالة الاستخبارات المركزية تنفيذ عمليات ارهابية ..” واضاء القرار على “تعاون سعودي – اميركي تنفيذ اعمال ارهابية وتخريب في لبنان تستهدف بنية وجمهور حزب الله.” (محاولة اغتيال السيد محمد حسين فضل الله في بيروت، 8 آذار 1985، ذهب ضحيتها نحو 80 مدنيا وجرح 200 منهم). وكشفت صحيفة “واشنطن بوست” في تقرير جديد، 31 كانون2 /يناير 2015، عن ان عملية اغتيال القائد العسكري لحزب الله عماد مغنية كانت عملية مشتركة اميركية –اسرائيلية
الكاتب الاميركي المخضرم ذو الخبرة الواسعة في المنطقة العربية، توماس ليبمان، فند مزاعم الساسة الاميركيين لاستمرار الرهان على مملكة آل سعود. وجاء في مقال نشره يوم 27 من الشهر الجاري ان “السياسة الخارجية للملك السعودي الراحل كانت حافة بالاخفاقات،” وغرض زيارة الوفد الرسمي الاميركي جاء “للتأكيد على استمرار الشراكة الاستراتيجية (بينهما) وحاجة كل منهما للآخر.” وذكّر الجانب الاميركي بأن “السعوديين يتحملون قدرا من المسؤولية عن اعمال العنف والاضطرابات المنتشرة امتدادا من ليبيا الى اليمن؛” واعتبر ليبمان ان “سورية شكلت ابرز اخفاقات سياسة الملك عبد الله .. فضلا عن فقدان السعودية لاي نفوذ سياسي او اقتصادي فعلي في العراق،” مما حفز ايران لملء تلك الفجوة، وفق رأيه
ايران ومفاوضات الملف النووي تشكلان “اصعب اختبار سيواجه الملك السعودي الجديد،” حسب رؤية ليبمان، اذ “يخشى القادة السعوديون نجاح المفاوضات قد يؤدي إلى انفراجة أوسع بين واشنطن وطهران على حساب المصالح السعودية”
تأزمت علاقة المملكة السعودية بواشنطن منذ مطلع عهد الرئيس اوباما الذي انصب جهده الاساس على ترتيب انسحاب مبرمج للقوات الاميركية من المنطقة، وما استدعته متطلبات الاستراتيجية من عقد تفاهمات مع الخصوم الاخرين، ايران تحديدا. في الشق الاقتصادي ايضا، اسهمت التقنية المتطورة لاستخلاص النفط من الترسبات الصخرية في الولايات المتحدة في تحول اميركا الى دولة مصدرة للنفط، بل اكبر دولة منتجة للنفط، وتراجع اعتمادها على النفط “السعودي.” بيد ان تلك التطورات لا تستدعي انتفاء حاجة واشنطن لدور المملكة السعودية، في المدى المنظور على الاقل، بل تأثره بمتطلبات واستحقاقات الاستراتيجية الكونية والتي لا تستطيع المنظومة السعودية التأقلم مع حقائقها بوتيرة مرضية
في الشق الاقتصادي الصرف، تجدر الاشارة الى تراجع الترتيبات التي اطلقها وزير الخارجية الاميركي الاسبق، هنري كيسنجر، بفرض الاتجار بالنفط بالدولار الاميركي واعتماده كعملة وحيدة؛ وتدوير العائدات النفطية “العربية” في المصارف الاميركية. بروز اقطاب عالمية اخرى مؤثرة، دول البريكس، وما تختزنه من امكانيات اقتصادية وعسكرية لا يجوز القفز عليها. وشرعت كل من روسيا والصين وايران تشكيل محور تجاري لا يستند الى التبادل بالدولار الاميركي، بل بالعملات الوطنية، ممهدا الطريق لانضمام دول اخرى لا سيما فنزويلا وبوليفيا والبرازيل
نصيحة من حليف لاميركا
استشراف مستقبل العلاقات الاميركية مع السعودية لا يوحي برؤية تغيرات جذرية او تكتيكية في المدى المنظور نظرا “لبقائهما في مركز المأزق الاقليمي الذي شاركتا بانشائه،” وفق توصيفات توماس ليبمان؛ والذي يشاطره عدد من الساسة الاميركيين، من الحزبين، لا سيما ان مرشحي الحزب الجمهوري الطامحين لمنصب الرئاسة سيواصلون السير على ذات النهج الراهن: تعزيز العلاقات مع الرياض وربما اخضاع بعض اوجهها لتطورات تقتضيها متطلبات المرحلة والتحولات الاقليمية
في الشق الاستراتيجي والحسابات بعيدة المدى، تجدر الاشارة الى نصائح رئيس الوزراء الاسترالي الاسبق، مالكولم فريزر، الذي اعتبر الولايات المتحدة “حليفا خطرا،” يؤذي كل اتباعه. جاء ذلك في كتاب نشره مؤخرا بعنوان “حلفاء خطيرين،” محذرا من استمرار اعتماد بلاده على علاقات التبعية للولايات المتحدة وتنفيذ سياساتها في التدخل بشؤون الدول الاخرى، والتي بالنسبة لاستراليا “ستقود حتما الى مواجهة مباشرة مع الصين.” التاريخ الحديث مليء بتجارب حلفاء اميركا الذين تخلت عنهم، لا سيما في وطننا العربي، انتصارا لسياساتها ومصالحها دون ادنى اعتبار للآخرين. لعل صرخة فريزر تدق في جدران خزان التبعية مطلقة صيحة استقلالية حقيقية

التحليل 01-23-2015

:التحليل

:خطاب اوباما
براعة بلاغية لتغطية الاخفاقات السياسية

الخطاب السنوي للرئيس الاميركي “واجب دستوري” دأب على تطبيقه كافة الرؤساء الاميركيين في مناسبة سنوية فريدة تجمع السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية الاميركية تحت سقف مجلس النواب، يستعرض فيها ما آلت اليه احوال الأمة على الصعد الداخلية والخارجية، ويرسم آفاق السياسة المقبلة للعام التالي والمرحلة المقبلة. من النوادر هذه السنة تغيب ثلاثة من قضاة المحكمة العليا عن الحضور، والتقاط صورة لقاضٍ آخر غافيا خلال الجلسة
خطاب الرئيس اوباما، الذي نحن بصدده، سلك ذات الدرب لاسلافه ورسم صورة مشرقة وواعدة لما يجري وسيجري؛ والذي عادة يسجل له بلاغته واقتراب خطاباته من نص أدبي راقي، تخلله “اقتراحات” لاجندة تشريعية يطمح في تحقيقها خلال ما تبقى له من ولاية رئاسية
بعد تعديل موازين القوى السياسية لصالح خصومه الجمهوريين، يعتمد مدى نجاح الرئيس اوباما في تطبيق اجندته السياسية، او الجزء الأهم منها، على اسلوبه وبراعته في التعامل مع الخصوم المتوثبين لتقويض اية انجازات تصب في صالح الرئيس وحزبه الديموقراطي؛ وايضا على مدى فعاليته في ردم الهوة التي تزداد اتساعا بين الحزبين
الجزء الاكبر من المراقبين اتهم الرئيس اوباما بالغطرسة ولهجة التحدي، وقليل من حكمة التعامل المشترك – في الجانب الشكلي. اما في المضمون فجاء خطابه متساوقا مع طموحاته والتصرف بالحقائق السياسية والمتغيرات الدولية بما يخدم رؤيته ورؤية المؤسسة الحاكمة الساعية دوما لبسط سيطرتها وهيمنتها على العالم اجمع، بمقدراته وثرواته البشرية والطبيعية
في الشق الداخلي، تفادى الرئيس اوباما الخوض في نتائج الانتخابات النصفية التي اسفرت عن خسارة مدوية لحزبه الديموقراطي، ولم يفصح عن اي مؤشر يفيد بتغيير السياسات المتبعة ملوحا مرارا باستخدام حق النقض (الفيتو) لافشال اي مشروع يصر عليه خصومه ويحد من “انجازاته” السابقة
في بعد السياسة الخارجية، وتحديدا ما يتعلق “بالشرق الاوسط،” اثبت الخطاب بعد المسافة بين الواقع والتنميات، وخاصة فيما يتعلق بما يسمى محاربة الارهاب. يذكر ان الرئيس اوباما اثنى قبل اشهر معدودة على تعاون الحكومة اليمنية في محاربة الارهاب وسماحها لشن غارات جوية بدون طيار على مواقع مشبه بعودتها لتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، بيد انها حصدت اعدادا مرتفعة من الضحايا المدنيين. وسرعان ما انهارت الحكومة اليمنية تحت وطأة فشل سياساتها وتبعيتها واخفاقها في وضع حد لتدهور الاوضاع الاقتصادية
الارهاب رديف السياسة الخارجية
في مواجهة تنظيم الدولة الاسلامية، زعم الرئيس اوباما ان “قيادة اميركا للعمليات العسكرية في العراق وسورية اوقفت تقدم وتمدد الدولة ..” مؤكدا على نجاح الجهود في نهاية الأمر عبر “استخدام مزيد من القوة” ضد التنظيم. اما زعمه “بمطاردة الارهابيين،” فقد فندته وقائع المشهد الباكستاني في الهجوم الدموي على مدرسة ذهب ضحيتها بضع مائة من الطلاب والطاقم التدريسي والمعاونين المدنيين
اما اشادته بفعالية دور التحالف الذي تقوده واشنطن فقد نال قسطا وافيا من التندر والفكاهة بين اوساط المحللين والاعلاميين على السواء، خاصة بدفاعه عن عدم الانخراط مجددا “وبدل ان نغرق في حرب جديدة على الارض في الشرق الاوسط، نقود ائتلافا واسعا يضم دولا عربية، من اجل اضعاف هذه المجموعة الارهابية وصولا الى تدميرها.” وعبرت شبكة (ان بي سي) الاميركية للتلفزة عن صدمتها من ادعاء الرئيس بصوابية وفعالية استراتيجية “لوقف تمدد الدولة الاسلامية،” بينما تثبت الاخيرة قدرتها على المرونة والتكيف مع الظروف
واشارت الشبكة الى هجمات باريس وتدهور الاوضاع الأمنية في العراق وسورية كمؤشر على “تنامي حضور الدولة الاسلامية والمجموعات الارهابية الاخرى .. وتصوير الأمر بأنه انجاز يجافي الحقيقة، وربما مراوغ ومخادع.” واضافت الشبكة ان الرئيس اوباما “بعيد عن الحقيقة. نعم انشأ تحالف دولي لكنه لم يوضح معالم استراتيجية” للتصدي الفعال. وذهبت الى مطالبة الادارة اجراء “تعاون غير رسمي مع ايران نظرا لمتطلبات المصالح السياسية المشتركة .. في مواجهتما ضد الدولة الاسلامية”
لوحظ غياب اي اشارة في خطاب اوباما – ولو عابرة – الى مصير الجهود الاميركية حول ما يطلق عليه التسوية السلمية او لرعاية التفاوض بين السلطة الفلسطينية والحكومة “الاسرائيلية ”
بالغ الرئيس اوباما، اعلاميا، في ادعاء “وقف تقدم البرنامج النووي الايراني والحد من المخزون النووي، لأول مرة منذ عقد من الزمن،” نظرا لسياساته الراهنة في التفاوض؛ ومضى محذرا قيادات الكونغرس الجديد من تقييد حركته وسن تشريع يقضي بتشديد العقوبات الاقتصدية على ايران التي “ستطيح حتما بالجهود الديبلوماسية – وعزل الولايات المتحدة عن حلفائها، أمر لا نجد معنى له.” وهدد خصومه “باستخدام حق الفيتو ضد اي قانون عقوبات جديد يهدد احباط هذا التقدم
من نافل القول ان السياسة الاميركية المعادية لايران لم يصبها اي وهن بحكم عامل الزمن، بل تتجدد تجلياتها بين فترة واخرى خاصة في مواسم الانتخابات الرئاسية، التي كان ابرز اقطابها، المرشح للرئاسة آنذاك والسيناتور الحالي، جون ماكين في مداعبته الجمهور الانتخابي “اقصف، اقصف ايران.” انتقال مركز ثقل السلطة السياسية في الكونغرس الى الحزب الجمهوري ساهم في تعزيز معارضة اقطاب الحزب الديموقراطي ايضا. اذ اتهم رئيس لجنة السياسة الخارجية السابق في مجلس الشيوخ، روبرت مننديز، الرئيس اوباما بتبني الخطاب السياسي الايراني وتصوير ايران “بالضحية .. بينما في حقيقة الأمر هي التي كانت ترفض الافصاح عن برنامجها النووي منذ 20 عاما”
الشق الايراني في خطاب اوباما حفز الحزب الجمهوري لشحذ سهام معارضاته، لجملة ما ورد لا سيما ذكر الرئيس ان “امامنا فرصة للتفاوض تنتهي مع الربيع والتوصل لاتفاق شامل يمنع ايران من امتلاك سلاح نووي ويضمن أمن الولايات المتحدة وحلفائها بمن فيهم اسرائيل ..” واستشاط غضبا رئيس مجلس النواب جون بينر، الفاقد للكياسة الديبلوماسية، ورد بتوجيهه دعوة لبنيامين نتنياهو لالقاء كلمة امام جلسة مشتركة لمجلسي الكونغرس، متجاوزا كافة الاعراف والاصول الديبلوماسية سارية المفعول والتي تحصر دعوة اي زعيم آخر بالسلطة التنفيذية ووزارة الخارجية، ومن ثم يجري ترتيبها وفق الاصول
البيت الابيض بدوره لم يتأخر بالرد العاجل اذ وصف دعوة بينر بانها “خروج على اصول البروتوكول،” اتبعه لاحقا ببيان صريح ينفي فيه نية الرئيس لقاء الضيف الذي أُجلت زيارته من شباط/فبراير الى الثالث من آذار القادم، تلاه بيان لوزارة الخارجية يفيد بعدم نية لقاء الوزير كيري مع الضيف ايضا
بعض معارضي نتنياهو، خاصة في الاجهزة الأمنية، ابلغوا المعنيين في مجلس الشيوخ عن عدم موافقتهم نية الكونغرس فرض مزيد من العقوبات الاقتصادية على ايران في الوقت الراهن، والذي ستتخذ مفعول “القاء قنبلة متفجرة على المفاوضات الجارية.” ما يضاعف الأمر تعقيدا ايضا الغارة “الاسرائيلية” في الجولان واستشهاد مقاومين من حزب الله وأحد الضباط الايرانيين الكبار، مما قد يستدعي “رد رادع” للغطرسة “الاسرائيلية” قد يفاقم الاوضاع ويهدد بنشوب حرب اخرى اشد قسوة، والتي ستحتاج “اسرائيل” الى دعم وتأييد وامداد اميركي خارج سياق المفاوضات النووية
بالعودة لخطاب الرئيس اوباما، اتى على ذكر ظاهرة “الارهاب” بتفصيل ملحوظ، لم يقرنه بتنظيم القاعدة التي تجنب ذكرها بالاسم عند قوله “نقف صفا واحدا مع كل الذين استهدفهم ارهابيون في جميع انحاء العالم، من مدرسة في باكستان الى شوارع باريس .. سنواصل مطاردة الارهابيين وتدمير شبكاتهم ونحتفظ بالحق في التحرك من بصورة منفردة مثلما نفعل منذ انتخابي (رئيسا) لتصفية ارهابيين يشكلون خطرا مباشرا علينا وعلى حلفائنا.” وشدد اوباما على حاجة بلاده “لمساعدة دول مثل اليمن وليبيا والصومال .. ونقل المعركة المشتركة الى عرين الارهابيين مثلما نفعل في مالي”
اخفاقات في ساحات متعددة
اشادة الرئيس اوباما “بانجازاته عزل روسيا” لم تمر مرور الكرام، وتنطح لتفنيدها سياسيون واعلاميون على السواء. اذ قالت شبكة (ان بي سي) الاميركية للتلفزة مع الاقرار بتراجع اداء الاقتصاد الروسي، فان “المعارك تستمر في (مقاطعة) دونيتسك، ولم نفلح بعد في تحديد اهدافنا في اوكرانيا .. العقوبات الاقتصادية لم تؤتِ ثمارها، واوكرانيا بحاجة لمزيد من شحنات الاسلحة”
تحسن اداء الاقتصاد الاميركي يرافقه انخفاض اسعار وقود الطاقة ربما هو الانجاز الحقيقي الذي ينبغي حسبانه في خانة الانجازات للرئيس اوباما. المفارقة ان اغلبية معتبرة من الشعب الاميركي، 60%، تعتقد ان الحالة الاقتصادية “ليست على ما يرام .. او ضعيفة.” فرص العمل لا زالت تتقلص والاجور لم تشهد تحسنا منذ سنوات طويلة، وفق احصائيات وزارة العمل الاميركية. الامر الذي دفع وزير العمل عينه، توماس بيريز، الى حث الادارة على “تكثيف الجهود لمعالجة الانخفاض الحقيقي في نمو مؤشر الاجور”
تجدر الاشارة الى ان الحملة الاعلامية المكثفة التي سبقت الخطاب روجت لعزم الرئيس اعادة الاعتبار للطبقة الوسطى وترميم سياسة تقليص الانفاق وزيادة الاستثمار في قطاعي التربية والتعليم وتحديث البنى التحتية. سياسة الحزب الجمهوري الثابتة بمناهضة اي برامج وسياسات انفاق على الرعاية الاجتماعية والصحية لقيت صداها في المجتمع، اذ اشار احد احدث استطلاعات للرأي، اجراه معهد راسموسن، الى دعم نحو 68% من الناخبين ضرورة التفاتة الرئيس اوباما لانجاز برامج قابلة للتطبيق فيما تبقى له من ولايته الرئاسية. اما نسبة دعم برامجه الطموحة فلم يدعمها سوى 17% من جمهور الناخبين
استنادا الى معارضة الاغلبية لسياسات الانفاق الحكومي، يمكننا القول ان ادعاءات الادارة تحقيق انجازات في السياسة الخارجية لا تستند الى حقائق موضوعية، يعززها احجام غالبية اكبر عن مشاهدة ومتابعة الخطاب الرئاسي
الانتخابات الرئاسية المقبلة
الاطار العام لخطاب الرئيس اوباما أخذ بعين الاعتبار السباق الرئاسي ومرشحي حزبه الديموقراطي، ومن ثم اغلب ما ورد فيه كان يرمي لخدمة خطاب المرشحين المقبلين، سيما لذكره مرارا ما ينوي انجازه في السنتين المقبلتين. ورمى الرئيس اوباما لصياغة وترتيب اولويات عناصر الاجندة المقبلة وتسخيرها في خدمة الحزب الديموقراطي، مستندا بشكل رئيس على تحسن الاداء الاقتصادي – كما تراه النخبة الحاكمة. ان شئنا التدقيق في مفردات الاجندة لوجدنا انه لا ينوي العمل مع الكونغرس وفق ارضيتها، بل استخدامها كاطار لاطلاق حملة المرشحين الديموقراطيين؛ ومن هنا يمكننا سبر اغوار الجمل الرنانة حول تحقيق طموحات الطبقة الوسطى، بينما غابت مفردات عدم المساواة واشراك الطبقة الوسطى في توزيع الثروة
البرامج او الخطط المقترحة، جلها في نطاق الرعاية الاجتماعية والصحية والتربوية، هي عناصر مماثلة لاجندته الانتخابية في المرتين السابقتين، والتي من شأنها اعادة تصويب النقاش العام حول اهمية رفع مستوى المعيشة للطبقة الوسطى بشكل خاص. تجزئة “الاجندة” بغية تهميشها واثبات عقم تطبيقها هي من الامور التي سيسلط عليها الحزب الجمهوري جهوده البارعة في تشويه صورة الخصم، خاصة في بنود الرعاية الصحية الشاملة – اوباما كير، التي اضافت قوانين واجراءات اضافية ينبغي التزام ارباب العمل بها
دولة الرعاية وبرامجها المتطورة برزت في ظل اوضاع محلية ودولية يعتقد الحزب الجمهوري انه آن الاوان لاعادة النظر بها والغائها، تحت ظل مقولة “تقليص حجم الدوائر الحكومية واطقمها المنفلتة من عقالها.” نجاح الحزب الجمهوري في الانتخابات الرئاسية المقبلة تلوح في الافق، حسبما تفيد استطلاعات الرأي المختلفة، معظمها على ارضية معارضته لشخص الرئيس اباما ومن يدعمه امتدادا. “ازمة” الحكم تتجدد كل دورة انتخابية، والعام المقبل ليس استثناءاً للقاعدة الاميركية

التحليل 01-17-2015

:التحليل

تجليات الاستنفار الامني الاميركي بعد هجمات باريس
ارتباك واخفاقات الاجهزة الأمنية الاميركية حفزت صناع القرار السياسي على النظر بتشديد مزيد من القيود على الحريات العامة، ليس لتداعيات هجمات باريس فحسب بل بعد افصاح القيادة الوسطى للقوات العسكرية الاميركية عن اختراق قراصنة “الخلافة الالكترونية” لحساباتها الخاصة على وسائط التواصل الاجتماعي، واجهزة رسمية اخرى. يذكر ان تداعيات وثائق ادوارد سنودن حول تجاوزات وكالة الأمن القومي مهدت المناخ السياسي ورفعت سقف المطالب الشعبية، لبعض الوقت، لحشد الجهود لكبح نشاطاتها التجسسية على المواطنين الاميركيين. وما لبثت الدوائر “المعنية” ان اقرت تدريجيا باختراق اجهزة الكترونية لعدد من الاجهزة الحكومية والقطاع الخاص، متاجر “تارغيت” و “هوم ديبو” وشركة سوني للانتاج التلفزيوني وآخرين، مما اعاد وتيرة النقاش الى المربع الأمني المتشدد
استغل الرئيس اوباما تلك الاجواء افضل استغلال لتعزيز قبضة الأجهزة والدولة الأمنية. دشنها بزيارات متعددة لمناطق اميركية عدة للترويج لمشروعه السابق الذي طالب فيه الكونغرس العام الماضي اصدار سلسلة قوانين وتشريعات “تضبط” النشاط الالكتروني للجميع، وتخصيص الموارد المالية اللازمة لخوض سباق غير مسبوق ضد عدو مبهم في افضل الاحوال. وغطى اهدافه الحقيقية بسياسة الجزرة زاعما انه يشجع تطوير وسائل اتصالات العامة لافضل واحدث ما تنتجه التقنية. لقاءه المشترك مع رئيس الوزراء البريطاني، ديفيد كاميرون، في البيت الأبيض، ايضا كرس توجه الطرفين لتشديد المراقبة الأمنية
الأولوية للدولة الأمنية
ردد اوباما هدف خطته الالكترونية الجديدة بانها ترمي “لتشجيع شركات القطاع الخاص المشاركة وتبادل معلوماتها الالكترونية على اجهزتها المركزية والخاصة مع وزارة الأمن القومي،” وجهازها المستحدث “مركز توحيد الاتصالات والأمن الالكتروني القومي.” واوضح في حملته الاعلامية امام الهيئة الناظمة للاتصالات، مفوضية التجارة الفيدرالية، تلازم الاتصالات بجهود الحماية
كذلك استغل اوباما لقاء البيت الابيض مع كاميرون للاعلان عن عدد من الاتفاقيات من ضمنها “تعزيز التعاون الثنائي في الفضاء الالكتروني.” وجاء في البيان الرسمي الاميركي ان الطرفين يعتبران “تهديد القرصنة الالكترونية احد التحديات الخطيرة للاقتصاد والأمن القومي” للبلدين، مما يستدعي “توطيد جهود الابحاث الالكترونية وعلى اعلى المستويات الاكاديمية .. لتدعيم الدفاعات الالكترونية ”
سبق بيان البيت الابيض اعلان نائب الرئيس جو بايدن عن منحة دراسية قيمتها 25 مليون دولار “لانشاء مجمع ابحاث اكاديمي مشترك لشؤون الأمن الالكتروني،” خلال زيارته لاحدى الجامعات في ولاية فيرجينيا
ضجيج حركة البيت الابيض، بدعم قادة الكونغرس الاشد تطرفا، والعزف على وتر هاجس الأمن القومي تصدر كل الجهود والدعوات السابقة التي ما زالت تطالب بوضع قيود قانونية على اجهزة الأمن القومي، لا سيما وكالتي الاستخبارات المركزية والأمن القومي
الرئيس الجمهوري الجديد للجنة الأمن الداخلي في مجلس النواب، مايك ماكول، اعلن بحزم انه يتوقع حدوث “المزيد” من الهجمات المماثلة لهجمات باريس عبر العالم، سواء ينفذها “مقاتلين اجانب .. او عبر استغلال امكانيات متطورة توفرها شبكة الانترنت.” وقام قادة الحزب الديموقراطي ايضا بالعزف على ذات الوتر الحساس اذ زعمت الرئيسة السابقة للجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، دايان فاينستاين، ان هناك “خلايا نائمة، ليس في فرنسا فحسب بل في بلدان اخرى بالتأكيد، وايضا في وطننا؛” مناشدة زملاءها الجدد في الكونغرس “تخصيص الموارد المالية المطلوبة لعمل اجهزة الاستخبارات المتعددة ”
وزارة الأمن الداخلي اصدرت تقريرها مؤخرا حول سبل حماية وأمن المعلومات المطبقة في الاجهزة والدوائر الحكومية زعم فيه “شيوع ضعف سبل واجراءات حماية المعلومات في عموم مرافق الدولة المركزية والتي تشكل ثغرة خطيرة قد يتم اختراقها من قبل الاعداء، مما سيفتح المجال لتهديد الأمن القومي والشعب الاميركي معا”
من جملة التفاصيل المقلقة، اتى تقرير الوزارة على ذكر اختراق شبكة تخص سلاح المهندسين في الجيش الاميركي، عام 2013، وتفاصيل “بالغة الحساسية لمفوضية الرقابة النووية تخص اجراءات الأمن المتبعة في المفاعلات النووية،” فضلا عن اختراقات وقرصنة استهدفت مراكز تتبع البيت الابيض. اما اختراقات التدابير الأمنية المشددة في المطارات الاميركية فهي تتكرر منذ عام 2001 ولا يعلن عن معظمها
مواطن الأزمة الأمنية
قلة من المعارضين السياسيين لاوباما، من داخل الحزب الديموقراطي تحديدا، اعربت عن تشكيكها بفعالية استراتيجية تشديد الاجراءات الأمنية التي “تناقض الحريات الدستورية” المنصوص عليها، وتعتبر ان جذر الازمة يكمن في البعد السياسي والاستراتيجيات الراهنة بعيدا كل البعد عن مجرد تخصيص موارد وامكانيات اضافية لحماية اهداف ومنشآت اميركية معرضة للتهديد
الثابت مؤخرا ان بعض الدراسات الرصينة اشارت الى ترابط السياسات الاميركية الراهنة بالتعبيرات المتشددة والمجموعات المتطرفة “مثل الدولة الاسلامية والقاعدة ومشتقاتها في سورية .. بل شجعتها ودعمتها،” تمويلا وتسليحا وتسهيلات. تعبيرات الحملة الناقدة للسياسات الاميركية كانت اقل من المطلوب في المستوى الاستراتيجي، اذ تركزت على تبيان “عدم وضوح سياسة الرئيس اوباما في سورية وخلوِّها من اهداف محددة، ابعد من مجرد المطالبة بتنحي (الرئيس) الاسد.” فضلا عن الجدل الذي اثارته سياسة الرئيس اوباما بتنفيذ الاغتيالات عبر طائرات الدرونز وارتفاع عدد الضحايا الابرياء بشكل مضطرد
من ضمن المعضلات التي يواجهها الرئيس اوباما ودوائر صنع القرار تكرار عدد من المسؤولين مقولة ان “هجمات باريس تشكل تهديدا حقيقيا” للأمن القومي، مما يستدعي الاقرار بفشل سياسة مكافحة الارهاب المعلنة؛ والمفارقة الناجمة عن تصريحات الرئيس اوباما الاخيرة بأن “تنظيم القاعدة في اليمن قد تم الحاق الهزيمة به بنجاح،” بينما يمضي التنظيم باعلان مسؤوليته على الملأ عن التخطيط وتنفيذ هجمات باريس
الخيار الأول: تشديد القيود
سارع البيت الابيض لالتقاط اللحظة وتصدر التغطية الاعلامية ضد الارهاب باعلانه عن استضافة مؤتمر قمة سياسية ضد المتطرفين، يعقده يوم 18 شباط/ فبراير المقبل، بغية مناقشة سبل التصدي والكف عن جهود تجنيد الاميركيين من قبل المجموعات الارهابية المتطرفة – داعش والقاعدة
وزير الأمن الداخلي، جيه جونسون، ايضا سعى لتطمين الاميركيين لتشديد حملة الاجراءات الأمنية، لا سيما بعد ظهوره العلني المتكرر عقب حادث اطلاق النار على مبنى البرلمان الكندي، تشرين الاول/اكتوبر الماضي. واكد جونسون عزم وزارته والاجهزة الأمنية الاخرى “تبادل المعلومات” الاستخبارية مع فرنسا والحلفاء الآخرين والخاصة “بتهديدات الارهابيين، الافراد المشتبه بهم، والمقاتلين الاجانب” في سورية والعراق؛ ومشاركته في القمة الأمنية المذكورة
يتوجس المسؤولون الاميركيون من تعرض شبكة الانفاق والسكك الحديدية والمواصلات لخطر التهديد، ليس في البعد الأمني الصرف فحسب، بل لتقادم وتردي البنية التحتية التي كشفت بعض الحوادث الاخيرة عن مواطن ضعف حقيقية يصعب التغلب عليها في الوقت المنظور: حادث احتراق كهربائي وتصاعد دخان كثيف في شبكة انفاق واشنطن للنقل الداخلي مطلع الاسبوع، اسفر عن وفاة امرأة واصابة 84 راكبا بعوارض استنشاق الدخان؛ وحادث حريق داخل محطة القطارات المركزية في مدينة نيويورك، “بين ستيشن،” استدعى معالجته نحو 150 عنصرا من اطفاء الحرائق
حادثتي الحريق في ظرف يومين متتاليين ضاعفتا قلق المواطن الاميركي من سبل واجراءات السلامة المتبعة، وكذلك تدابير وزارة الأمن الداخلي بعيدا عن الحملات الدعائية. التوجس له ما يبرره من مخاوف عقب الكشف عن سلسلة تهديدات موجهة لشبكة المواصلات من “عناصر ارهابية:” نيويورك – 2010؛ لندن – 2005؛ كندا – 2014؛ واخفاق الاجهزة الأمنية المخولة بالحماية، لا سيما “ادارة أمن المواصلات” المركزية، بتعزيز وثبات اجراءاتها لفحص البنى التحتية كما هو منوط بها
في تقرير صادر عن “مكتب المحاسبة العام،” خاص بسلامة شبكات المواصلات أنّب ادارة أمن المواصلات لعدم فحص بعض البنى التحتية للسكك الحديدية لنحو 18 شهرا، عام 2012، “.. شملت عددا كبيرا من شبكات المدن الرئيسة.” وزارة الأمن الداخلي “تبنت” التوصيات المذكورة في التقرير الموسع، بيد انها لم تقم بتحديد فترة زمنية لمعالجة الثغرات المذكورة
حوادث اختراق الاجراءات الأمنية طالت ايضا قاعدة طيران للحرس القومي في ولاية ديلاوير؛ مما دفع مكتب التحقيقات الفيدرالي بالتعاون مع قيادة سلاح الجو وجهاز لجنة العمل المشتركة للتصدي للارهاب البدء في التحقيق لخمسة حوادث “على الاقل” لجس نبض اجراءات حماية محيط القاعدة المذكورة، الاسبوع المنصرم وحده. نائب الرئيس جو بايدن، الذي ينحدر من ولاية ديلاوير، يستخدم القاعدة عينها للاقلاع والوصول باستمرار
تقنين الرد الأمني
يستعد الرئيس اوباما لالقاء خطاب رئيسي موجه للأمة، الاسبوع المقبل (مساء الثلاثاء،) يتضمن قسطا كبيرا من معالجة الاختراقات الأمنية وجهود القرصنة الالكترونية – كما يعتقد؛ وتجديد اعلانه عن خطة عمل سبق وطرحها عام 2011 تطالب الكونغرس باصدار تشريعات جديدة من شأنها معالجة ثغرات الأمن الالكتروني وتفصيل العقوبات الخاصة بالمخالفين والقراصنة. الخطة والتشريعات المقترحة “تتناقض جملة وتفصيلا” مع الحقوق المدنية شبه المقدسة لدى الاميركيين والمكرسة دستوريا، مما ينذر بجولة صدام جديدة بين الحكومة والمنظمات الحقوقية التي شارفت على خسارة زخم المطالب الشعبية بتقييد حركة المؤسسات الأمنية
تتضمن خطة اوباما بندا يطمئن المترددين ينص على “حماية” المستهلك من تداعيات القرصنة وانتحال شخصيته، وفرض شروط معينة على القطاع الخاص تلزمه “ازالة المعلومات الشخصية” قبل تبادلها مع الاجهزة الأمنية. المنظمات الحقوقية ايضا سارعت في جهودها للتصدي ومعارضة الخطة لاعتقادها انها “تعزز اجراءات المراقبة الحكومية” على المواطنين، مطالبين اقرار اصلاحات تخص وكالة الأمن القومي اولا وقبل النظر في تفاصيل تبادل المعلومات، وهي “مسألة تتفادى الادارة التطرق لها” في العام الجديد
تجدر الاشارة الى ان “تبادل” المعلومات مع الاجهزة الأمنية “يطبق منذ زمن،” بدافع الحد من التهديدات الأمنية. توجس المنظمات الحقوقية له ما يبرره سيما ان الرئيس اوباما “لم يفصل الثغرات القانونية الراهنة التي ينبغي صدها والتخلص منها” في مشروعه المقدم تحت عنوان قانون التحايل واساءة استخدام الكمبيوتر
في بعد النص القانوني الصرف، من شأن مشروع الرئيس اوباما ابطال مفعول واستبدال نصوص نحو 38 من القوانين السارية الناظمة للاختراق الالكتروني، وانزال عقوبات اشد بالمشتبه بهم، خاصة عند الاخذ بعين الاعتبار “حاجة بعض الاخصائيين .. شن هجمات (مقصودة) لرفض الخدمة” تستخدم ضد “نظم استبدادية وشبكات معينة”
يذكر ان قراصنة ينشطون تحت مسمى “انونيموس” طالبوا الرئيس اوباما العام المنصرم اعتبار “الهجمات المقصودة لرفض الخدمة” عمل احتجاجي يحميه القانون “شبيه باحتجاجات دعونا نحتل” وول ستريت
في سياق صراع الاجنحة والتيارات السياسية الاميركية، برز “لوبي” اقتناء السلاح الفردي كأحد اهم المدافعين عن الحق المنصوص عليه في المادة الثانية من التعديلات الدستورية، يروج لانتشار السلاح الفردي الذي يتم الزعم ان توفره الوفير “قد يحمي اميركا من هجوم مثيل” لهجوم باريس

التحليل 01-10-2015

:التحليل

ماذا ينتظر اميركا في عام 2015

نظرة استشرافية

بزوغ عام جديد ينطوي النظر اليه وجملة احداثه في سياقها الموضوعي وكجزء من التطورات العالمية الشاملة، ابرز عناصره احتدام الصراع بين الولايات المتحدة، كمركز النظام الرأسمالي والهيمنة العالمية، والدول الصاعدة ممثلة باقطاب دول البريكس المتجهة نحو بناء نظام مغاير للمنظومة الغربية. صراع رافقه رسائل تهدئة اميركية “مؤقتة” لكل من ايران وكوبا، وشحذ سهام العقوبات الاقتصادية ضد روسيا هذه المرة وتجنيد وكلائها الاقليميين من دول النفط الخليجية لشن معركة خفض اسعار النفط – بقرار سياسي وليس وفق معادلات السوق “الحرة”

“التنبؤ” باحداث العالم المقبلة مسألة تختص بها المؤسسات الاعلامية والرسمية الساعية للتضخيم والمبالغة؛ ما نرمي اليه هو استشراف التطورات الاميركية الداخلية وانعكاساتها عالميا، في ضوء تفاقم الصراع الداخلي بين المؤسسة الرئاسية والمؤسسة التشريعية، على ضوء “اختلال” موازين القوى لصالح التيارات الاشد محافظة وعدوانية في المجتمع الاميركي، دشنه الرئيس اوباما باصداره “اجراءات تنفيذية” تكتسب الشكل القانوني حسب تفويض الدستور، متحديا الهيكلية الجديدة وسيطرة الحزب الجمهوري على مجلسي الكونغرس

قطاع الاقتصاد

الحالة الاقتصادية هي محور اهتمام غالبية الشعب الاميركي، اذ اثبت نتائج الانتخابات النصفية وهزيمة مرشحي الحزب الديموقراطي صحة الفرضية، ولا زالت المعاناة اليومية قائمة على خلفية تراجع الاداء الاقتصادي. بارقة الأمل الوحيدة التي برزت مؤخرا هي انخفاض اسعار الطاقة، بنحو 50% لوقود السيارات، وانتعاش قطاع الاستهلاك نتيجة لذلك. بعيدا عن الابعاد والدوافع السياسية لذلك الاجراء، في معادلة صراع الولايات المتحدة مع روسيا وايران وفنزويلا، فمن شأنها تعديل انهيار نسب شعبية الرئيس اوباما وسياساته بشكل عام

الاحصائيات الاقتصادية الرسمية تشير الى تراجع معدلات البطالة، بيد ان اليد العاملة خارج سوق العمل تشهد ارتفاعا مضطردا مما يرسي ظلالا من الشك حول توقعات تعافي الاقتصاد. سوق الاسهم، عصب النظام الرأسمالي، يشهد نموا وارتفاعا نظرا لانخفاض معدلات الفائدة الى نسب متدنية من قبل “الاحتياط الفيدرالي.” على الرغم من انتعاش سوق الاسهم، الا ان حالة من القلق تسود اوساط المستثمرين لخشيتهم من انتكاسة اقتصادية جديدة، ربما اشد قسوة من عام 2008

ويلاحظ انتهاز اوباما لفرصة تحسن بعض المؤشرات الاقتصادية للقيام بجولة على بعض الولايات للترويج الدعائي لنفسه مقابل الحزب الجمهوري ولاظهار بعض الانجازات الخاصة به مع اقتراب موعد خطابه السنوي امام الكونغرس حول حال الامة

آلية عمل الرئيس اوباما مع خصومه الجمهوريين

استبق الرئيس اوباما نتائج فوز الحزب الجمهوري للاعلان عن نية لتقديم التنازلات ولمدة محددة. واوضح مرارا انه ينوي استخدام حق الفيتو لابطال مفعول مشاريع قرارات لا تروق له يرسلها اليه الكونغرس حتى وان ايدها بعض النواب الديموقراطيين.

يدرك الرئيس اوباما تحرره من القيود الانتخابية في ما تبقى له من ولايته الرئاسية؛ وينتظر ان يصدر سيل من “الاجراءات التنفيذية” للالتفاف على معارضة الكونغرس خاصة في المسائل الخلافية بينهما: اجراءات لحماية البيئة، مزيد من قرارات لتقييد اقتناء السلاح الفردي، وتفعيل قوانين ناظمة للقطاع الخاص، وتقييد حرية قطاع الاتصالات

بيد ان طريق الاجراءات التنفيذية احادية الجانب لا تخلو من العقبات، سيما عند الاخذ بعين الاعتبار تحكم مجلس النواب باقرار بنود وصرف الميزانيات واستغلالها لابعد الحدود لافشال مخططات الرئيس اوباما. على سبيل المثال، تم اقرار ميزانية وزارة الأمن الداخلي لنهاية شهر شباط المقبل فقط، كما يتعين على الكونغرس اصدار موافقته لرفع سقف الدين العام في الاشهر القليلة المقبلة كي يتم التوصل لاقرار الميزانية السنوية مع نهاية شهر ايلول المقبل

غني عن القول ان الرئيس اوباما يسير على خطى من سبقوه لارساء تركه وارث سياسي خاص به على الحياة العامة، وهو بحاجة ماسة لانجاز ايجابي في مجال السياسة الخارجية بشكل خاص. كان من المفترض ان يشكل برنامج الرعاية الصحية الشامل نواة الارث المطلوب داخليا، لكن الكونغرس بطبعته الجديدة سيسعى للقضاء عليه واللجوء للمحكمة العليا (الموالية للجمهوريين والمحافظين) ان تتطللب الأمر ذلك

تحقيق طموح الرئيس اوباما يتطلب ارسائه علاقة عمل ودية على الاقل مع الكونغرس، الامر الذي لم يفلح فيه للحظة حتى في ظل سيطرة الحزب الديموقراطي على مجلس الشيوخ. استصدار اجراءات تنفيذية قد يؤسس للتغيير المطلوب مع ادراك الثغرة القانونية الكامنة ان الرئيس المقبل باستطاعته تعديل او الغاء الاجراءات بكاملها

مجال السياسة الخارجية هو المرشح الاكبر كي يحقق الرئيس اوباما بعض الانجازات طويلة الأجل، سيما وانها من اختصاص الرئاسة دستوريا. تعددت وتشعبت الانتقادات لسياساته الخارجية، خاصة حيال ايران والدولة الاسلامية وكوبا وروسيا، مما ينذر بتقويض فعاليتها. وقف تدهور التأييد لسياساته الخارجية يستوجب منه تغيير البوصلة بغية كسب تأييد بعض الجمهوريين لجانبه، او الاقدام على مبادرات جريئة تخفف من حدة التوتر القائم مع روسيا وبوتين

تركيبة الكونغرس الجديدة

المكاسب السياسة ترافقها عادة بعض الاخفاقات، خاصة فيما يتعلق بسيطرة الحزب الجمهوري على مجلسي الكونغرس. من ناحية، باستطاعة الكونغرس الضغط على المؤسسة الرئاسية للموافقة على بعض القوانين، كما شهدنا في اقرار الميزانية العامة نهاية العام المنصرم. وتجدر الاشارة الى قدرة الكونغرس تحييد فعالية “فيتو” الرئيس عبر آلية سن قوانين من شأنها كسب تأييد العامة وابتزاز المندوبين عن الحزب الديموقراطي في ثنائية قاسية: اما التمسك وتأييد قرار فيتو الرئيس وما يرافقه من تداعيات لدى القواعد الانتخابية، او التصويت مع نظرائهم لابطال الفيتو بنسبة الثلثين من المندوبين

بالمقابل، تنطوي استراتيجية الجمهوريين لتقييد المؤسسة الرئاسية على ثغرات قاسية منها اضطرارهم لتحمل مسؤولية الحفاظ على استمرارية عمل المؤسسات الحكومية دون تهديد انقطاع التمويل، وما يرافقه من التفاف على احد الاهداف السياسية بتقليص حجم الجهاز الحكومي واللجوء للاقتراض ورفع سقف الدين العام الذي ترفضه قاعدتهم الانتخابية

لا يعرف عن الحزب الجمهوري التحلي بالكياسة والحنكة السياسية، لا سيما قياداته الراهنة التي ما برحت تزايد على بعضها في ابعاد التشدد ومعاداة الآخر. نخبة الحزب القيادية ادخلت نفسها في مأزق قد لا تستطيع الخروج منه دون خسائر بينة: السير بروية وتمعن بين خيار اقفال المؤسسات الحكومية والضغط على الرئيس اوباما لنيل توقيعه ومصادقته على قرارات تتضمن بنود خلافية بينهما

الحزب الديموقراطي ايضا ينقصه الانسجام الداخلي، خاصة بعد اشتداد التموضع بين القطب اليساري، ممثلا بالسيناتور اليزابيث وارين، والقيادة التقليدية المتأرجحة دوما بين اقطاب رؤوس الاموال والطبقة الوسطى التي تتغنى بالدفاع عن مصالحها، بينما تمضي في عقد صفقات سياسية واقتصادية مع الجمهوريين من شأنها تقويض تلك الشريحة الاجتماعية

الانتخابات الرئاسية المقبلة تؤشر على مزيد من الانقسامات والاستقطاب داخل الحزبين، وسعي الساسة لاسترضاء الجمهور الغاضب وربما التوصل لحلول وسطية بدء العام الجاري والذي قد تتغير ظروفه للاسوأ قبل افوله وبدء الموسم الانتخابي

الانتخابات الرئاسية

سيشهد العام الجاري سباق اعلان المرشحين نيتهم دخول سباق الحملة الانتخابية، التي ستتوج بمؤتمر الحزبين السنويين صيف 2016

الحزب الديموقراطي في حالة انتظار طويلة للتيقن من اعلان السيدة هيلاري كلينتون عن نيتها بالترشح من عدمه. طول الانتظار قد يتسبب بكلفة عالية تؤثر على مسار الترشيح على الرغم من تمتعها بدعم شعبي واسع داخل قطاع المرأة بشكل خاص، والتيارات المحافظة في الحزب، رغم ان الترشح لا يقود للفوز بالضرورة. تلكؤ السيدة كلينتون في الاعلان رسميا عن ترشحها يضغط على المرشحين المحتملين للبقاء خارج التداول وحرمانهم من المضي في حملات التبرعات المالية الضرورية لاجتياز السباق الرئاسي

خارطة مرشحي الحزب الجمهوري زاخرة بالطامعين، تتضمن جيب بوش؛ مايك هاكابي؛ سكوت ووكر؛ ريك بيري؛ راند بول وربما ميت رومني. كما ان اخرين ينتظرون بشغف دخول السباق. انضمام جيب بوش لقائمة المرشحين يثير تحفظ وعدم رضى اجنحة الحزب الاخرى نظرا لخطورة ما يرونه من ارساء ارث سلالة حاكمة في النظام الجمهوري. اما في حال اجتيازه المحطات الانتخابية بنجاح وفاز بترشيح الحزب ستصطف القاعدة الانتخابية وراءه بصرف النظر عن التحفظات السابقة

الشرق الاوسط

بوسع المراقب للسياسة الاميركية تلمس واستشعار التخبط والمناورة في الساسة الاميركيين، خاصة عند الاخذ بعين الاعتبار الوعود الانتخابية التي ادت لفوز الرئيس اوباما في ولايته الاول تعهد فيها باعادة القوات الاميركية من العراق وافغانستان. بيد ان الدلائل تشير الى تنامي انخراط القوات الاميركية في شؤون المنطقة، فضلا عن الحضور الدائم لسلاح الجو الاميركي في شن غارات وهجمات يذهب ضحيتها مزيد من الابرياء يوميا

صعود القادة الاشد تطرفا في الحزب الجمهوري الى دفة القيادة، السيناتور جون ماكين مثالا، سيترك اثارا سلبية على تجليات السياسة الخارجية الاميركية التي ستشهد انخراطا مباشرا اوسع في القتال “ضد الدولة الاسلامية،” وتوفير مزيد من الدعم التسليحي المباشر لقوى المعارضة السورية

قادة الكونغرس الجدد افصحوا مبكرا عن نواياهم للحيلولة دون التوصل لاتفاق نهائي مع ايران حول الملف النووي، مع ادراكهم ان الرئيس اوباما باستطاعته تطبيق صلاحياته الدستورية وتخفيف العقوبات الاقتصادية المفروضة على ايران. بالمقابل يحتفظ الكونغرس بحقه في “ابطاء” الموافقة على تخصيص الميزانيات المطلوبة لاعادة فتح البعثات الديبلوماسية الاميركية في ايران، والمصادقة على تعيين سفير اميركي كسلاح اضافي في وجه المؤسسة الرئاسية. سيبقى الملف النووي الايراني وامكانية التوصل الى تسوية في المفاوضات الجارية المؤشر الحاسم على قدرة اوباما على تحقيق اختراق وانجاز في السياسة الخارجية ، ويبدو ان لديه رغبة في ذلك ولكنه لم يظهر المرونة والجرأة الكافية حتى الآن لتحقيق مثل هذا الانجاز النوعي

اما المفاوضات بين السلطة الفلسطينية و”اسرائيل” فمن غير المرجح ان تشهد تقدما ذات مغزى في ظل التجاذب بين المؤسستين ومحاباة قادة الكونغرس للسياسات “الاسرائيلية” لتقييد المؤسسة الرئاسية الاميركية، خاصة لادراك الطرفين تدني مصداقية كل من الرئيس اوباما ووزير الخارجية جون كيري لدى “الاسرائيليين” والفلسطينيين على السواء

وتجدر الاشارة في هذا الصدد الى تزامن هجمات باريس مع ادراج الكونغرس تجديد التصويت لتفعيل قانون “الباتريوت،” الذي واجه انتقادات شتى في الفترة السابقة تطالب الحد من سلطاته وسيطرته عقب الكشف عن تجسس وكالة الأمن القومي على الداخل الاميركي. وتسارعت الدعوات عقب الهجوم لتحذير اعضاء الكونغرس من التعرض للقانون وتحث على مزيد من التشدد ومعارضة تقييد ايدي الاجهزة الامنية

روسيا

تصعيد حالة التوتر مع روسيا مسألة تجد صدىً لها بين الطرفين، الرئيس اوباما والكونغرس. المؤسسة الروسية الرسمية وصفت تعزيز الناتو لقواته على ابواب روسيا بانه يشكل اكبر تهديد لاستقرار البلاد. ولاول مرة سمحت العقيدة القتالية الروسية لنفسها استخدام اسلحة دقيقة “في سياق تدابير الاستراتيجية الردعية،” دون تقييد صناع القرار في الكرملين بتفاصيل قد تنال من حرية قرار التصدي والمواجهة

العداء المتأصل لروسيا وكل ما تمثله من ثقل وازن على المسرح الدولي مسألة تتقاطع فيها رؤى المؤسسة الرئاسية وقادة الكونغرس، خاصة السيناتور جون ماكين، مما سيوفر هامش مناورة ومرونة للرئيس اوباما لطبيعة الرد العسكري على روسيا. فمن ناحية، لن يواجه اعتراضا او ابطاءا في تمويل سياساته المقبلة لنشر مزيد من القوات الاميركية في دول اوروبا الشرقية، فضلا عن جهوزية الكونغرس لتمويل اجراءات اضافية تتضمن تطوير هيكلية الوحدات العسكرية التي تراجعت عددا وتدريبا في السنوات الماضية

في جعبة اوباما ايضا اسلحة ضغط اضافية ضد روسيا والرئيس بوتين: تخفيض اسعار النفط بقرار سياسي ترك تداعيات سلبية على المشهد الروسي بشكل عام، وربما ساهم في تأجيل الرد العسكري الروسي، كما كان مفترضا، واضر بنفوذ روسيا لدى دول اوروبا الشرقية التي تعتمد على مصادر الطاقة الروسية لتشغيل اقتصادياتها؛ الأمر الآخر هو استدارة اوباما لتطبيع العلاقات مع كوبا على خلفية تراجع اسعار النفط مما قد يخفف من قدرة روسيا على ممارسة نفوذها التقليدي في الحديقة الخلفية لاميركا – على افتراض ان القيادة الكوبية ستثق بالتوجهات الاميركية بعد تاريخ طويل من التآمر والعداء والعدوان على اراضيها

محصلة الامر ان الولايات المتحدة فاقمت حدة الصراع مع روسيا عبر تخفيض اسعار النفط وتعزيز تواجد قوات حلف الناتو على حدود روسيا مما يستدعي مراجعة روسية قد تفضي الى تقديم بعض التنازلات، والذي قد يصب في مصلحة “انجازات السياسة الخارجية” للرئيس اوباما

كما لا يجوز استبعاد اضطرار اوباما الى اظهار مرونة في التعامل مع روسيا لتخفيف التوتر حرصا على توقه لتحقيق ارث خاص به قبل نهاية عهده. الاختبار سيكون في اوكرانيا واذا عجز عن احداث تفاهم مع بوتين في الاشهر القليلة القادمة سيصبح امر تحقيق درجة من الانفراج مع روسيا بعيد المنال

الاحتجاجات المدنية

تجسدت في السنوات الاخيرة حدة الصراع بين الفئات الشعبية والمؤسسة الرسمية بتصاعد موجة الاضطرابات المدنية والمواجهة مع اجهزة الأمن المحلية في مناطق متعددة من الولايات المتحدة. يذكر ان بداية العام 2014 لم يسجل اي مظاهرات او اشتباكات مع اجهزة الشرطة ذات أهمية

تبدل المشهد بسرعة انطلاقا من حادثة اغتيال شاب اسود على ايدي رجل شرطة ابيض في مدينة فيرغسون، وامتدت المظاهرات سريعا كالنار في الهشيم، مما يدل على نضوج ارهاصات كامنة داخل المجتمع كانت بانتظار شرارة لاشعالها. واندلعت المواجهات في المدن الاميركية الكبرى: نيويورك، اوكلاند ولوس انجيليس بولاية كاليفورنيا، وشيكاغو. باستطاعة المراقب ان يشهد “تراجعا” في حدة الاحتجاجات مؤخرا، وذلك مرده للاحوال الطبيعية وموجات البرد القارصة التي تجتاح اميركا الشمالية من اقصى الغرب الى السواحل الشرقية، بيد ان المواجهات شبه اليومية لم تنقطع وان كانت محصورة في بعض الاماكن العامة

ما تقدم يوفر دليل لتنامي موجة الاحتجاجات والصدامات في العام الجديد يعززه الحضور البارز لقوى اجتماعية وسياسية كانت الى وقت قريب اما مهمشة او غائبة، لا سيما “حزب الفهود السود الجديد،” بعد اعادة تشكيله، والذي برز بوضوح خلال المواجهات المستمرة في مدينة فيرغسون. رُصد ايضا مناشدة الحزب للمواطنين السود الاقبال على اقتناء السلاح والتدريب على استخدامه “تهيئة للاضطرابات المدنية” المقبلة. الاجهزة الأمنية الاميركية تزعم توفر دلائل مادية لديها تخص تجنيد الدولة الاسلامية لعناصر محلية في مهمات مقبلة

بموازاة حزب الفهود السود الجديد، حملت الاجهزة الأمنية مسؤولية مقتل رجلي شرطة في نيويورك الى مجموعة “الغوريلا السوداء،” الناشطة في مدينة بلتيمور بالقرب من واشنطن العاصمة. مفوض جهاز الشرطة في بلتيمور، انثوني باتس، اعرب عن تنامي قلق المؤسسة الأمنية حديثا زاعما ان “عصابة منظمة في مدينة بلتيمور ارسلت مشتبه به مسلح داخل مقرنا لجس نبض الاجراءات الأمنية واختبار جهوزيتها. الأمر ينذر بالخطر بالنسبة لنا

المجموعات اليمينية والعنصرية المتطرفة ايضا تعد نفسها لمواجهات مقبلة مع الاجهزة الأمنية الاميركية، ابرز دليل عليها تصريحات منسوبة مؤخرا لاحد قادة “ميليشيات” ولاية متشيغان محذرا ان عام 2015 سيشهد انفجار موجات العنف مناشدا اعضاء مجموعته الاقدام على شراء مزيد من الاسلحة والذخائر

على الرغم من الجهود الحثيثة التي بذلتها المؤسسات السياسية لتعزيز وتحصين اجهزة الشرطة، بشكل خاص، من المساءلة الحقيقة، الا ان حدة المواجهات ادت حدوث شرخ في العلاقات بين المسؤولين السياسيين المحليين ورجال الشرطة، في مدينة نيويورك مثلا، مما ينذر بتطور الامور الى الاسوأ قد تطال مدنا اخرى. يذكر ان اجهزة الشرطة المحلية الاميركية تأتمر للقيادات السياسية المنتخبة محليا، ومن شأن اي توتر في العلاقات بين الطرفين ان يثير القلق مما قد تحملة الايام المقبلة

انحسار المواجهات نتيجة الاجواء الطبيعية القاسية سيعوضه دفء الاشهر المقبلة، خاصة فصل الصيف، كما تدل كل المؤشرات

آفاق عام 2015 – للافضل ام للاسوأ؟

الاشهر القليلة المقبلة ستشهد بدء سباق الانتخابات الرئاسية واصطفاف القوى والمصالح المختلفة للتحضير للجولات الاولى في ولاية نيوهامبشير، بالنسبة للحزب الديموقراطي، وولاية أيوا للحزب الجمهوري. المرشحين الاقوى للحزبين، هيلاري كلينتون وجيب بوش، سيطوفان على مموليهم بالدرجة الاولى على الرغم من ان دخول السيدة كلينتون لا يزال ينتظر اعلانا رسميا بذلك

الاوضاع الاقتصادية حبلى بتغيرات متعددة، اقلها تقلب اسواق الاسهم، وثبوت ارتفاع معدلات البطالة وبلوغها مستويات مقلقة. من المرجح ان يتم التفاف السياسيين على المسألة عبر الاشارة الى انخفاض اسعار الطاقة وانعكاساته بتحفيز انفاق المستهلكين

الصراع التاريخي بين المؤسستين الرئاسية والتشريعية سيشهد مطالبات القوى المختلفة لضرورة انسجام خطوات المؤسستين، خاصة فيما يتعلق بضرورة التوصل لصيغة توافقية تفضي الى تمويل الاجهزة الحكومية وعملها بصورة اعتيادية. غني عن القول ان قضايا الاختلاف بين المؤسستين لا تطال الرؤى والاهداف الاستراتيجية العامة، وتخضع لايقاعات الاستراتيجية بعيدة المدى

تتشارك المؤسستين بالقلق من الاضطرابات المدنية وابعادها، خاصة للجهود المضنية التي بذلت سوية لاحتواء الصراعات الاجتماعية خلال العقود الخمسة الماضية، على الاقل، والتي تهدد باندلاعها مجددا وربما تضطران لتقديم بعض التنازلات الحقيقية عوضا عن الاشعار بالمشاركة الشكلية للقطاعات المهمشة. آفاق التوصل لسيناريو يرضي الطرفين لا تلوح في الافق القريب نظرا لحدة الانقسامات الاجتماعية وشح الفرص الاقتصادية وتنامي معدلات الفقر والبطالة، وتركيز اعلى للثروة العامة بين ايدي فئة عددية متدنية. ايضا، تجميد المؤسستين لخلافاتهما الايديولوجية في ظل التحولات الاخيرة يبدو بعيد المنال، حتى لو توفرت النوايا الصادقة بذلك، يفاقمه تنامي نزعة التشدد والعنصرية داخل صفوف الحزب الجمهوري