التحليل 12-06-2014

:التحليل

نظرة استشرافية على سباق الرئاسة الاميركية: الحملة تنطلق

حظوظ آشتون كارتر لمصادقة الكونغرس على تسلمه وزارة الدفاع

سباق الحملة الرئاسية
انطلقت الاصطفافات السياسية وحملات التبرع المالية مبكرا في المشهد السياسي الاميركي، ويتسابق الراغبين لحجز مكان لهم في الانتخابات الرئاسية التي تتطلب تمويلا ماليا يصل الى عشرات ملايين الدولارات؛ دشنها السيناتور عن تيار حزب الشاي، تيد كروز، بعقده لقاءات مع ممولين يهودا لحملته الانتخابية؛ وكذلك فعل أخرون لضمان التمويل المالي. اضافة لذلك، تزاحم البعض الآخر لحشد الدعم الشعبي في ولايات جس نبض الانتخابات للحزبين، وفق التقليد الاميركي: الحزب الديموقراطي في ولاية نيو هامبشير، والجمهوري في ولاية ايوا، استعدادا للمؤتمر السنوي لكليهما العام المقبل
منذ انفضاض الانتخابات النصفية، تشرين الثاني/نوفمبر، دخل المشهد السياسي الاميركي مرحلة اطلاق العنان للمرشحين والطامعين في منصب الرئيس اطلق عليها “الفصل السفيه،” فضلا عن التقلب السريع في التنبؤ بابرز المرشحين عن الحزبين وحظوظهم. توقيت اعلان المرشحين عن دخولهم الرسمي ينطوي عليه جملة من الاعتبارات والحسابات المتشابكة، ليس اقلها الاستناد الى دعم مالي ثابت؛ والشروع في تشكيل لجان استكشافية لفحص مدى تقبل الجمهور الانتخابي تمتد لبضعة شهور قبل الغربلة الاولى والتدقيق في النتائج يليها اعلان الترشيح
الحزب الديموقراطي، من جانبه، يضم عددا محدودا من المرشحين والمحتملين: هيلاري كلينتون في المركز الاول، ينافسها كل من: السيناتور عن ولاية فرجينيا جيم ويب الذي عارض قرار غزو العراق ويحملها مسؤولية التصويت على القرار؛ السيناتور اليزابيث وورين المحسوبة على جناح يسار الحزب الديموقراطي؛ وربما الحاكم السابق لولاية ماريلاند مارتن اومالي. تجدر الاشارة الى ان نائب الرئيس جو بايدن “سيتردد قبل دخوله السباق مقابل هيلاري،” كما يسود الاعتقاد بين زعماء الحزب الديموقراطي
المشهد في جانب الحزب الجمهوري يعج بالطامعين من ذوي خلفيات متباينة وخليط من حكام ولايات حاليين وسابقين، واعضاء في مجلس الشيوخ، اذ بلغ العدد ما يناهز 10 مرشحين. من نافل القول ان البحث التالي سيركز على اهم المرشحين الحائزين على قدر ما من الاجماع وحظوظهم في السباق لحين انعقاد المؤتمر الحزبي واختياره احدهم
نظرا لكثافة عدد المرشحين داخل اوساط الحزب الجمهوري، وُصِف السباق المقبل بأنه الاغنى في عدد المرشحين يمثلون توجهات متعددة لا سيما تيار حزب الشاي الاشد تطرفا وعنصرية. ابرز المرشحين شقيق الرئيس جورج بوش الابن، جيب بوش، الذي شغل منصب حاكم ولاية فلوريدا بنجاح، ويحسب على التيار المعتدل في الحزب الجمهوري، ويتمتع بالارث السياسي لآل بوش ويحظى بتأييد كبرى شركات الطاقة وصناعة السلاح. في الجانب المقابل، يعرب عدد من المتنفذين في الحزب الجمهوري قلقهم من تجديد “سلالة آل بوش” ووراثة المنصب الرئاسي ولو بالانتخابات
وكعادة السياسيين والمخضرمين منهم بشكل خاص، يجهد المرشحون لعدم ارتكاب اخطاء بديهية تضر حملاتهم الانتخابية. ولم يشذ جيب بوش عن ذلك، اذ صرح مطلع الاسبوع ان حزبه بامكانه الفوز بمنصب الرئيس “دون الاستناد الى دعم التيار المحافظ داخله،” مما سيشكل شبحا يلاحقه وينذر بعزوف المحافظين عن دعم ترشيحه. على الرغم من تلك المخاطرة، يعد جيب بوش احد اوفر الحظوظ للسباق الانتخابي
ومن ضمن المرجح دخولهم السباق مرشح الحزب السابق ميت رومني، والذي يُعتقد بان لديه نية جدية لخوض السباق الرئاسي مرة اخرى، خاصة ان اخفق الحزب الجمهوري فرز مرشح يميل للاعتدال والوسطية
افرزت التجربة السياسية الاميركية عددا من المرشحين الاكفاء للمنصب الرئاسي من بين حكام الولايات. ومن الشخصيات المرجحة حاكم ولاية تكساس الجمهوري، ريك بيري، المحسوب على تيار يقع بين المعتدلين والمتشددين في الحزب، وشرع في التوجه لشريحة الاثرياء – خاصة في قطاع الطاقة – واستمزاجهم بغية ضمان تدفق الدعم المالي لحملته. جدير بالذكر انه خلف جورج بوش الابن في المنصب، منذ 14 عاما، وباستطاعته استغلال مستوى العيش الرغيد الذي تنعم به ولاية تكساس للدلالة على صوابية برنامجه الاقتصادي. ما يؤرق هذا النجم الصاعد الاتهام القضائي الجاري ضده باستغلال منصبه للتهديد باستخدام حق النقض – الفيتو؛ الذي يعتبرها مؤيدوه بان دوافعها سياسية بامتياز ترمي الى وضع حد لطموحاته الرئاسية
حاكم ولاية ويسكونسن، سكوت ووكر، ايضا لديه طموحات انتخابية سيما لتيقنه من ثقة الناخبين الذين جددوا انتخابه في المنصب مرتين وهو الجمهوري الذي يتربع على اعلى منصب في ولاية اغلبيتها من الديموقراطيين. يصنف ووكر في معسكر المحافظين المتشددين في الحزب عزز سمعته من خلال تصديه الحازم ورفض مطالب النقابات العمالية في الولاية والفوز عليها. من المرجح ان يبقى ووكر ضمن دائرة استهداف النقابات العمالية في طول وعرض الولايات المتحدة في اي جولة انتخابات مقبلة
الشخصية التي تحظى باهتمام اعلامي معتبر هي حاكم ولاية نيوجيرسي الجمهوري كريس كريستي، الذي يمثل التيار التقليدي الاوسع انتشارا في الحزب الجمهوري، ونال معارضة التيار المحافظ لعدم تأقلمه مع مطالب المتشددين. جدير بالذكر ان ولاية نيو جيرسي تصنف من اشد الولايات معارضة لحرية اقتناء السلاح الفردي، مما سيضع كريستي في عين عاصفة قطاع واسع من جمهور اقتناء السلاح الذي عادة يصوت لمرشح الحزب الجمهوري
من ضمن حكام الولايات المرجح ترشيحهم، وان بدرجة وصخب اقل، حاكم ولاية لويزيانا بوبي جيندال، ذو اصول هندية (اسيوية)، ربما كمرشح لنائب الرئيس كحد اقصى. دخول جيندال حلبة السباق يضعه في موقع استقطاب الناخبين ذوي الاصول الاسيوية، خاصة وان غالبيتهم فقد الامل بالرئيس اوباما
كما يرجح انضمام حاكم ولاية نيو مكسيكو الجمهورية، سوزانا مارتينيز، من اصول لاتينية، للسباق الرئاسي استنادا للدعم الواسع الذي تلقته من الغالبية الديموقراطية في الانتخابات الاخيرة لولايتها. مارتينيز ايضا مرشحة محتملة لمنصب نائب الرئيس، اسوة ببوبي جيندال
لم يتبقى سوى شخصيتين مثيرتين للجدل داخل الحزب الجمهوري: السيناتور راند بول عن ولاية كنتاكي؛ والسيناتور المتشدد عن ولاية تكساس، تيد كروز
يصنف بول، كما والده السياسي المتقاعد رون بول، بالميل للتيار “الليبرالي” وفق تعريفات الحزب الجمهوري، وهو من انصار الدعم الفاتر “لاسرائيل،” وينادي بتقليص حجم المؤسسات الحكومية المركزية. شعبيته تلقى صدى معتبر داخل اوساط الجيل الشبابي في الحزب الجمهوري. اهم نقاط الضعف لراند بول تتمثل في سطحية تجربته وخبرته السياسية التي ستصبح مادة دسمة للهجوم عليه
من ميزات راند بول قدرته على توسيع قاعدة الدعم لتضم عدد من التجمعات الديموقراطية والمستقلين، والاوساط الشابة والاقليات. يتعمد بول حضور لقاءات سياسية الطابع تبتعد عن الترحيب بممثل عن الحزب الجمهوري، ويتبنى بعض مطالب القاعدة الديموقراطية، الأمر الذي كلفه استعداء التيار التقليدي المؤسساتي في الحزب
اما تيد كروز المغرم بالاهتمام الاعلامي وهوس اثارة الفتن والقلاقل داخل مجلس الشيوخ، نال مقعده بدعم تيار حزب الشاي عام 2012، ويتعين عليه منافسة حاكم ولاية تكساس ريك بيري لكسب الناخبين. استطاع كروز استعداء التيار التقليدي والمؤسساتي في الحزب باكرا، لا سيما زعيم الاغلبية ميتش ماكونيل، مما قد يشكل ميزة تخدم اهواءه الانتخابية
السيناتور عن ولاية فلوريدا، مارك روبيو، ذو اصول كوبية، اعرب ايضا عن طموحه دخول السباق الرئاسي وكان على وشك الفوز بدعم تيار مؤثر داخل الحزب لحين اعلان اصطفافه جانب ادخال اصلاحات على قوانين الهجرة، الذي يرفض الحزب الجمهوري اخضاعه للنقاش. من المرجح ان روبيو سيواجه مرحلة قاسية لنيل رضى قيادة الحزب
الحاكم السابق لولاية اركنساس، مايك هاكابي، من ضمن المرشحين الاقل حظا بالبقاء طويلا في السباق الرئاسي، على الرغم من تأييد قاعدة المحافظين له. يشاطره المرتبة الطبيب بن كارسون الذي تنطح للرئيس اوباما علنا خلال مأدبة افطار جماعية اكسبته شهرة قصيرة الاجل. بيد ان موقفه المؤيد لفرض قيود على اقتناء السلاح الفردي سيضعه في دائرة استهداف التيارات المعارضة الاخرى داخل الحزب. العضو الآخر في تلك القائمة المرشح السابق لمنصب نائب الرئيس، بول رايان
فوز الحزب الجمهوري باغلبية مناصب حكام الولايات، وتجديد دماء القاعدة الانتخابية وحماس الناشئة سيؤدي الى دخوله السباق الانتخابي بنشاط وحيوية، لاختيار المرشح الافضل لمنافسة هيلاري كلينتون – كما يعتقد
الحزب الديموقراطي يمر في اوضاع صعبة لا يحسد عليها، ابتداء من خسارته عدد من مناصب حكام الولايات، وانتهاءاً بالتدهور المستمر لشعبية الرئيس اوباما التي اضحت عبئاً امام اي مرشح يطمح بالفوز باصوات شريحة المستقلين والمترددين من الناخبين. كما لا يجوز اغفال عامل عمر المرشح، اذ يفتقد الحزب الديموقراطي لعنصر فتي يستطيع الهاب حماس القاعدة الانتخابية. السيدة كلينتون، المرشح الاقوى، ستبلغ 69 عاما يوم الانتخابات المقبلة
عند الاخذ بعين الاعتبار قدرة كلينتون على حشد قطاع المرأة لتأييد ترشيحها، يبرز عدد من نقاط الضعف: قطاع الناخبين المستقلين لا يكن لها الود، دل عليه خسارة بعض المرشحين الذين دعمتهم علنا في الجولة الماضية. كما انها ضحية زلات لسانها المتعددة، خاصة اثناء جولتها لتسويق كتابها الجديد مطلع العام الجاري التي اعتبرت كارثة بطل المقاييس؛ ولم تعد قادرة على استقطاب سوى عدد محدود من الناشطين في حملاتها المتعددة
من بين ثوابت حملتها الانتخابية المرتقبة حضور مميز لزوجها الرئيس الاسبق بيل كلينتون المشهود له بمهاراته الخطابية وجاذبيته في استقطاب الجمهور، بيد ان اعباء سياساته السابقة، وفضائحه ايضا، ستفرض عليها ابقاءه بعيدا عن الانظار؛ فضلا عن نضج الناخبين السابقين قبل 20 عاما الذين ينظرون للزوجين كلينتون كجزء من الماضي وليس من طموح المستقبل المفروض
لا زال بعض الشخصيات المؤثرة داخل الحزب الديموقراطي غير راضين عن سجلها وادائها. احدهم حاكم ولاية ماساتشوسيتس الديموقراطي الاسود، ديفال باتريك، الذي وصف تلك الاعباء وحتمية ولوج هيلاري كلينتون حلبة السباق الرئاسي بأنها “تثير اشمئزاز الناخبين.” واوضح في مقابلة متلفزة ان “الجمهور الاميركي يطلب، بل ينبغي ان يطالب، مرشحيه نيل المنصب بعرق جهودهم .. واقناع الناخبين بأهلية ترشيحهم للمنصب في الوقت المناسب”
اشار عدد من استطلاعات الرأي الحديثة الى افول نجم وحتمية ترشيح الحزب الديموقراطي لكلينتون، بينما تفوقت على خصمها الجمهوري المفترض بنسبة ضئيلة لم تتعدى 4 نقاط مئوية. تستند المرشحة كلينتون في تسويق اهليتها لمنصب الرئاسة الى تجربتها “الغنية” في منصب وزيرة الخارجية لاربع سنوات، بيد انها لن تستطيع المجاهرة بانجازات حقيقية ملموسة
خصم كلينتون المحتمل، لكنه غير مرجح، هو نائب الرئيس جو بايدن الذي يبرز كخلف طبيعي للرئيس اوباما، سيما وان تاريخه حافل بالخبرة سواء اثناء عضويته الطويلة في مجلس الشيوخ او في منصبه الراهن. بايدن ايضا سيبلغ من العمر 73 عاما عشية الانتخابات الرئاسية المقبلة، ويشتهر بزلات لسانه المتكررة
لو اطحنا جانبا اهمية كلينتون وبايدن، كل بميزاته وعلاته، تتضح سطحية مشهد الحزب الديموقراطي السياسي . السيناتور المستقل المشاكس عن ولاية فيرمونت، بيرني ساندرز، يراوده حلم دخول السباق الرئاسي كمرشح مستقل غير تابع للحزب الديموقراطي. يعتنق ساندرز الفلسفة الاشتراكية ويحظى باحترام وتأييد واسع بين تيار اليسار في الحزب الديموقراطي، تدعمه قاعدة عريضة من الممولين الصغار، وربما لن يستطيع مجاراة ممولي حملتي جيب بوش وهيلاري كلينتون. التيار التقليدي المسيطر على الحزب الديموقراطي يتوجس من ساندرز وتوجهاته السياسية التي تنذر بخسارة مرشحه امام الحزب الجمهوري
من ضمن المصنفين على يسار الحزب الديموقراطي ايضا تبرز السيناتور اليزابيث وورين، سيما وانها تتمتع بالحيوية والنشاط وصغر السن مقارنة بكلينتون وبايدن. بحكم كونها امرأة ايضا من شأنها ايقاظ حماس قطاع المرأة العريض، بيد ان توجهاتها السياسية تماثل ساندرز في اعتدالها ومحاباة القطاعات الاجتماعية المسحوقة والمهمشة
لو جاءت نتائج الانتخابات النصفية مغايرة للنتائج الراهنة وفوز بعض مرشحي الحزب الديموقراطي لاصبح لزاما علينا ايلاء اهتمام كافي للسيناتور عن ولاية كولورادو، مارك يودال، المرشح الاقوى بعد كلينتون، الذي كان يعول عليه لتبوء منصب عالي
السيناتور عن ولاية فرجينيا، جيم ويب، ربما سيثبت انه المرشح الاقوى في السباق المقبل، سيما وانه يتمتع بسجل الخدمة العسكرية كضابط في سلاح مشاة البحرية، المارينز، ويعتبر من تيار المعتدلين في الحزب الديموقراطي. بيد ان القواعد الحزبية لا تشاطره توجهاته المتباينة مع الطموحات الشعبية
في خانة حكام الولايات يبرز الحاكم السابق لولاية ماريلاند، مارتن اومالي، الذي يتمتع بسجل ناصع من الانجازات ويحسب كاحد اقطاب التوجهات الليبرالية الصلبة في الحزب. خسارة مرشحه لخلافته في المنصب قد تقوض حظوظه بين اوساط القاعدة الديموقراطية والليبرالية
الحزب الديموقراطي في وضعه الراهن لا تنقصه المآزق والمتاعب المتراكمة، لعل ابرزها عزوف جمهور الناخبين عن دعم وتأييد الرئيس اوباما وقادة حزبه، فضلا عن ان معظم المرشحين المحتملين لسباق الرئاسة ساندوا الرئيس وبرامجه، لا سيما البرنامج الاشد اثارة للجدل برنامج الرعاية الصحية الشامل، اوباماكير
تداعيات المشهد السابق ستترك آثارها على الجيل الناشي من الناخبين والمرشحين على السواء، لا سيما اولئك الذين يراودهم احتمال دخول الحملة الانتخابية، بل قد يُدفع البعض الى اخلاء الساحة “لجيل مضاربي السياسة القدامى،” ومواجهة الخسارة امام مرشح الحزب الجمهوري. استنادا لذلك التوجه، يصبح لزاما على قادة الحزب افساح المجال لبروز جيل شاب لانتخابات الرئاسة الابعد عام 2020، والذي سيحظى بالضرورة بحظوظ نجاح اوفر من التركيبة الراهنة

2- حظوظ آشتون كارتر لمصادقة الكونغرس على تسلمه وزارة الدفاع
انفرجت اسارير الساسة والمتنفذين في واشنطن لترشيح الرئيس اوباما آشتون كارتر لمنصب وزير الدفاع، وانهالت عليه آيات الثناء والتبجيل لكفاءته العالية لا سيما خلفيته الاكاديمية في حقل الفيزياء النظرية، وكرسيه للتدريس في جامعة هارفاد العريقة، واختصاصه في مجال الاسلحة النووية، على الرغم من خلو سجله من الخدمة العسكرية بخلاف سلفه تشاك هيغل، وشح خبرته في شؤون الشرق الاوسط عوضها اختصاصه في الشؤون “السوفياتية” والاسلحة النووية بمجملها
شغل كارتر منصب نائب وزير الدفاع في عهد الرئيسين بيل كلينتون وباراك اوباما، ولا يزال مقربا من صناعات الاسلحة. تميز بمواقفه المتشددة ضد “الدول المارقة،” (اي الخارجة عن الطاعة لاميركا) فيما يتعلق بالاسلحة النووية، كوريا الشمالية وايران، وباستطاعته تنفيذ خطاب معسكر الصقور للعدوان على ايران ان تتطلب الأمر. ما يعزز هذا الاحتمال دراسة نشرها عام 2008 يحث فيها صناع القرار على “مواصلة البحث في امكانية شن غارات جوية ضد البنية التحتية النووية لايران.” ايضا شارك كارتر وزير الدفاع الاسبق، ويليام بيري، في دراسة عام 2006 طالبا فيها واشنطن بشن غارات جوية تستهدف صواريخ كويا الشمالية العابرة للقارات، من طراز تيبدونغ، باستخدام “صواريخ كروز تطلق من الغواصات” الاميركية
الدوائر السياسية والعسكرية النافذة في واشنطن لا يساورها شك في حتمية تباين اراء كارتر مع توجهات وسياسات الرئيس اوباما، لاسيما مع طاقم مجلس الأمن القومي، وثيق الصلة والولاء للرئيس اوباما، مما ينذر بتكرار تجربة الوزير المقال تشاك هيغل
تضخم طاقم مجلس الأمن القومي في عهد الرئيس اوباما، وصل الى الذروة ويضم زهاء 400 مستشار ومختص، الأمر الذي يلقي الضوء على هاجس الرئيس اوباما الاحتفاظ بالقرار النهائي بين يديه في عدد من الملفات والقضايا المتنامية، وتفادي تعدد الاراء والاهواء داخل هذا العدد الكبير من الاختصاصات
اكثر ما يقلق خصوم الرئيس اوباما في جانب همه “التحكم بمركزية صناعة القرار،” هو ادراك الحكومات الاخرى طبيعة التوازنات الراهنة ونزعها لتفادي العمل مع الاجهزة الاميركية الاخرى، بما فيها وزارة الخارجية، وحصر تحركاتها في الطاقم الاساسي لمجلس الأمن القومي طمعا في طلب ود الرئيس اوباما؛ على الرغم من عدم قدرة المجلس البنيوية التعامل بكفاءة مع ملفات وقضايا خارج اختصاصه
يشير الخصوم الى تجربة العام الماضي لمجلس الأمن القومي، المخول باجراء دراسات معمقة في البعد الاستراتيجي لمصالح الاميركية وتوفير قراءة مستقبلية للاجهزة الحكومية المعنية، فرض عليه تشتيت جهوده واغراق طاقمه بمهمة اصدار نحو 500 دراسة “عبثية” موجهة للصف الاول من طاقم مجلس الأمن القومي واعوانه اثناء انعقاد جلساته. يشار في هذا الصدد الى الدور المركزي لمستشاري الرئيس محدود العدد في المجلس والذين عادة يتحملون مسؤولية بلورة المواقف والتأثير على الرئيس اوباما تبني توصياته فيما يخص الأمن القومي برمته
جدير بالذكر ان المرشح كارتر عارض سياسة اوباما بانسحاب القوات الاميركية من العراق، وطالب بابقاء “قوات عسكرية معتبرة” بعد الانسحاب عام 2010. استمرار التوتر بين البيت الابيض ووزارة الدفاع “أمر حتمي،” كما يرجح العارفون بحقيقة العلاقة؛ لعل ابرز القضايا هدف الحرب الجارية على الاراضي السورية والعراقية، التي ستشغل بال وزير الدفاع للسنتين المتبقيتين من ولاية الرئيس اوباما
قبل اغلاق ملف النقاش بوزير الدفاع المرشح، تنبغي الاشارة الى الكشف عن توجهاته السابقة قبل هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، التي نسب اليه توقع حدوثها منذ عام 1998، بتفاصيل ومديات تواكب حقيقة ما جرى
نشرت دورية “فورين افيرز،” عام 1998 دراسة مشتركة لاشتون كارتر ونائب وزير الدفاع الاسبق، جون دويتش، ومستشار وزارة الخارجية الاسبق، فيليب زيليكو، تحذر فيه من “تعرض الولايات المتحدة لحادث ارهابي مفجع .. على غرار شبيه بحادثة الاعتداء على بيرل هاربر والذي من شأنه ان يشكل علامة فاصلة في التاريخ الاميركي لما قبل وبعد الحادث.” بل تنبأت الدراسة “بتدمير كامل وتام لمركز التجارة الدولي،” في نيويورك؛ وتوقعت اقدام الولايات المتحدة على تبني “اجراءات بالغة القسوة تهدد الحقوق المدنية العامة، وتفسح المجال لمراقبة واسعة للمواطنين، وتوقيف المشتبه بهم، واستخدام القوة الفتاكة” بحق المواطنين
)Keeping the Edge: Managing Defense for the Future . Editor (with John P. White) and author of three chapters. Cambridge, MA: The MIT Press, 2001. (
ايضا ساهم آشتون كارتر في كتاب صدر عن جامعة هارفارد عام 2001، جاء في القسم الخاص به: “.. تداعيات هجوم على ارض الوطن قد يصل الى درجة مخيفة ومفزعة تعادل العمل العدائي، ويتعين على حكومتنا الاعداد الفوري والتحضير لتهديد مستقبلي”
السؤال البديهي الذي يبرز تلقائيا: كيف كان بوسع كارتر واعوانه “التنبؤ” بدقة الهجمات والتداعيات قبل وقوعها بسنوات عدة؟

التحليل 11-29-2014

:التحليل

أزمة اوباما في وزارة الدفاع والخيارات
هل لإقالة هيغل ابعاد اخرى
تراجع الاهتمام الاعلامي بخروج وزير الدفاع من منصبه لصالح حكم القضاء الذي برّأ الشرطي “الابيض” من اغتيال الشاب الاسود، في مدينة فيرغسون بولاية ميزوري. وزج حاكم الولاية بقوات أمنية كبيرة تعدت 2،200 من الشرطة والحرس الوطني، لمدينة بالكاد يبلغ تعداد سكانها 21,000 نسمة
كثر الحديث مؤخرا عن ازمة بين الرئيس اوباما ووزير دفاعه، تشاك هيغل. ولم يشكل قرار الاقالة او الاستقالة صدمة لأي من القوى والنخب السياسية؛ بل توجهت الانظار للبحث عن اكثر المرشحين حظا لخلافته في ما تبقى من ولاية الرئيس اوباما من زمن. ثم علت الصيحات مطالبة بتوفر عدد من المزايا والميول والمؤهلات في شخص وزير الدفاع القادم، اهمها التزام الحزم واستقلالية القرار وما ينبغي عليه فعله للتأثير على قرار الرئيس اوباما، مقابل صقور الحرب
تراجع الجدل والاهتمام بحقيقة الاقالة او الاستقالة عقب نشر توتر علاقات هيغل مع رئيسة مجلس الأمن القومي، سوزان رايس، التي تحظى بثقة اوباما العالية. وارجع البعض احد اهم الاسباب الى خلفية هيغل الحزبية مما قيّد جهوده الاقتراب من الرئيس واختراق الحلقة الضيقة المحيطة باوباما. بالمقابل، اخفق هيغل في طلب ود زملائه الجمهوريين في الكونغرس، لا سيما الثنائي جون ماكين وليندسي غراهام اللذين عاملاه بقسوة وجفاء منذ ترشيحه للمنصب، على الرغم من انه اول وزير دفاع خدم في السلك العسكري وبلغ رتبة رقيب ابان حرب فيتنام
زملاء هيغل من الجمهوريين في الكونغرس استشاطوا غضبا لعدم قيامه بالدور المنتظر والتكامل مع موقف العسكريين فيما يتعلق بالعراق، والسعي لابقاء القوات الاميركية هناك عبر اتفاقية تنظم العلاقة مع الحكومة العراقية ومحاباة الجانب الاميركي، بما يضمن عدم امتثال الاميركيين لأي مراقبة او مقاضاة في المحاكم العراقية – على غرار الاتفاقية المعقودة في افغانستان التي تسمح بتواجد القوات الاميركية لعام 2016
يذكر ان تشاك هيغل “اضطُرّ” للاعتذار العلني عن تصريحاته السابقة التي فضح فيها نفوذ اللوبي اليهودي الهائل ، كما وصفه، وهيمنته على ادارة وصنع القرار السياسي الاميركي. وفاز هيغل نتيجة ذلك بدعم عدد لا بأس به من الشخصيات القيادية والمؤثرة في المشهد السياسي الاميركي، ووصفوه بأنه “تحلى بالجرأة والشجاعة لطرح التساؤلات ومعارضة الطاقم المدمر من الحزبين للسياسة الخارجية”
الهوية الحزبية لهيغل الجمهوري كان لها الفضل الاول في اختياره للمنصب، اذ ساد اتفاق غير معلن بين الحزبين بأن وزارة الدفاع هي حصة الجمهوريين بصرف النظر عن الحزب الحاكم. أهلية هيغل للمنصب لم تكن محط جدل الكثيرين، سيما وانه حاز على ثقة كبار القادة العسكريين رافقت ترشيحه، من ضمنهم وزير الخارجية الاسبق كولن باول، اذ اعتبر هيغل “مؤهل بشكل ممتاز.” وانضم جون ماكين ايضا للدفاع عن هيغل عقب اقالته بالتأكيد على “تأهله وتمتعه بتمام الكفاءة”
مستشار الأمن القومي الاسبق، زبغنيو بريجينسكي، اثنى على هيغل عقب ترشيحه للمنصب كونه “سينفخ الروح في مسار سياستنا الخارجية ونحن بأمسّ الحاجة اليه،” موضحا ان المشهد السياسي يعاني من ازمة “استراتيجية .. نظرا لانشغاله في متاعب تؤدي بنا الى انزلاق بطيء وجمعي في وحولها”
اعتُبر هيغل من المقربين للرئيس اوباما، في البداية، لجهوزيته في دعم “حروب اوباما” اينما حلت. اقالة هيغل دلت على صحة التنبؤات السابقة بأنه اضحى على نقيض من توجهات الرئيس اوباما في السياسة الاميركية حيال سورية، وامتدادا توسع داعش. هناك شبه اجماع على دلالة الاقالة بأنها تجسد تمركز صنع القرار في البيت الابيض حصرا، وتهميش دور البنتاغون وآخرين في ادارته
اتهم هيغل طاقم البيت الابيض – لا سيما مجلس الأمن القومي – بالتخلي عن هدف الاطاحة بالنظام السوري مطالبا بتصويب البوصلة نحوه. كما جاء تصريح الناطق باسم البيت الابيض، جوش ايرنست، دالاً على عمق الازمة بقوله “وزير آخر ربما سيكون اكثر ملائمة للتصدي لتلك التحديات،” مشددا على مسألة خروج هيغل بانها ثمرة نقاش واتفاق ثنائي مع الرئيس اوباما
نقل عن هيغل امتعاضه الشديد من اعلان الرئيس اوباما قبوله العرض الروسي بشأن السلاح الكيميائي السوري، سيما انه توصل “لاتخاذ قراره خلال نزهة قصيرة مع رئيس طاقم موظفي البيت الابيض، دينيس مكدونو.” اما هيغل فقد تم ابلاغه بالقرار لاحقا
اوضح السيناتور المتشدد جون ماكين ان وزير الدفاع هيغل كان يعاني من حالة احباط شديدة نتيجة تهميش دوره واستثنائه من الجدل الدائر في مجلس الأمن القومي، الذي عادة ما يتبنى الرئيس اوباما توصياته للمواقف السياسية
وعليه، باستطاعة المرء التوصل لخفايا الاقالة: اذ تصاغ القرارات داخل الطاقم الضيق في مجلس الأمن القومي ويترتب على وزير الدفاع هيغل تنفيذها دون ان يحجز له دور للمساهمة في قضايا تصب في صميم عمل وزارته. واتهم رايس بفوضوية ادارتها لمجلس الأمن القومي، اسوة بانتقادات اسلافه بوب غيتس وليون بانيتا لآلية عمل البيت الابيض. وضمن اطار هذه الخلفية جاء “الاعلان” عن مذكرة هيغل شديدة اللهجة موجهة لمستشارة الرئيس لشؤون الأمن القومي، سوزان رايس، يحذر فيها من “اخفاق السياسة الاميركية حيال سورية نظرا لقصورها توضيح نوايا (الرئيس اوباما) بخصوص الرئيس بشار الاسد”
بعض النخب الفكرية شاطرت تشاك هيغل انتقاداته لسياسة الرئيس اوباما، ابرزها كان المستشار السابق لوزارة الخارجية في المفاوضات مع “اسرائيل،” ارون ديفيد ميللر. اذ اوضح ان الرئيس “اوباما يهيمن ولا يفوّض .. وربما اضحى اكبر المسيطرين على السياسة الخارجية منذ عهد الرئيس ريتشارد نيكسون”
المقارنة السابقة تظلم الطرفين خاصة ان الرئيس اوباما لا يتمتع بالحنكة والدهاء في ادارة السياسة الخارجية التي تحلى بها نيكسون؛ وبات يعاني من شح الانجازات في هذا المجال الحيوي ويظهر محاباة واضحة نحو مواليه من المساعدين والمستشارين وتهميش الاراء المتباينة
اكد بعض المطلعين عن كثب بعمل البيت الابيض ان اسلاف هيغل، بوب غيتس وليون بانيتا، “لم يواكبا القرار الرسمي وقوبلا بعدم رضى من طاقم (المستشارين في) البيت الابيض .. وانتهى بهما الأمر الى تقديم استقالتيهما من المنصب، والآن جاء الدور على هيغل”
حصر مسالة اتخاذ القرار باستبعاد مساهمة وزير الدفاع تطرح من جانبها ماذا بوسع اي وزير دفاع مقبل عمله للمشاركة والتأثير على قرارات وسياسات البيت الابيض
ما يخبؤه المستقبل
اختيار وزير الدفاع المقبل لن يطول بالنسبة للرئيس اوباما، خاصة في ظل تصاعد التوترات في ساحات عدة من اوروبا الشرقية والشرق الاوسط الى الصراع المتصاعد مع الصين في محيطها الاقليمي
المرشح المقبل سيمثل امام مجلس شيوخ تحت سيطرة الحزب الجمهوري وصقوره تحديدا، والذين يتدثرون بعباءة التهديدات للأمن القومي، سواء حقيقية او مبالغ فيها او مفتعلة. يشكل السيناتور جون ماكين رأس حربة الصقور في آلية التصويت على وزير الدفاع المقبل، والذي يكن عداء عميقا متأصلا للرئيس اوباما، ودائم الانتقاد لسياسة اوباما الخارجية ورؤيته لضرورة عسكرة تلك السياسة في المناطق الملتهبة من العالم. وسيستغل منصبه المحوري في رئاسة لجنة القوات المسلحة للتنديد بادارة الرئيس اوباما وسياساته الى اقصى مدى
نظرا لمكانة ماكين المقبلة في ترؤس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، سيلجأ لاحياء سلاح الطائرات الحربية المساندة من طراز A-10، الذي احاله البنتاغون للتقاعد “نظرا لعدم توفر اطقم الصيانة الضرورية له .. وتراجع احتمالات نشوب حرب بالمدرعات في اوروبا،” وذلك خلال عهد تشاك هيغل القصير. اسراب الطائرات المذكورة تتخذ من قاعدة في ولاية اريزونا، التي يمثلها ماكين، مقرا لها، مما يضاعف حوافزه لاعادة الحياة لتلك الطائرات. من المرجح ان تثمر جهود ماكين اعادة الاعتبار للسلاح المذكور بحكم قربه اللصيق بمصالح صناعة السلاح. يذكر ان القوات الاميركية استخدمت بنجاح تلك الطائرات في عملياتها الاخيرة ضد الدولة الاسلامية في العراق وسورية
كما يرجح استغلال ماكين للجدل حول الدولة الاسلامية الى ابعد الحدود، وهو الثابت على مواقفه بتعزيز الوجود العسكري الاميركي الى ابعد الحدود، بما فيها ما يقلق الشعب الاميركي من انخراط قواته في المواجهات الجارية؛ فضلا عن مناشدته توفير الدعم العسكري لاقليم كردستان العراق بمعزل عن وتجاوز دور الحكومة العراقية
مرشحو وزارة الدفاع
خيارات الرئيس اوباما لاختيار وزير دفاعه تتمحور حول ثنائية انتمائه اما الى طاقم التكنوقراط او السياسيين، وكل له مزاياه وعيوبه؛ ومن المستبعد اقدامه على ترشيح احد له خلفية عسكرية سيما وهو يسعى لتقييد هوامش حرية البنتاغون في بلورة القرار السياسي
الآتون من السلك السياسي يتمتعون بحظوظ اعتماد وموافقة افضل من الآخرين، لا سيما من يتميز بعضوية في مجلس الكونغرس، كما شهدنا الأمر مع وزير الخارجية جون كيري
لا يخفى صعوبة امر اختيار مرشح “توافقي” ليجسر ما تبقى من ولاية الرئيس اوباما القصيرة، يرافقه شبه انهيار لسياسة الرئيس الخارجية والدفاعية، كما يراها خصومه، ولن يتبرع احد مؤهل لشغر منصب في عين العاصفة ليس امامه الا نحو سنتين من الزمن لتعديل مسار مؤسسة هائلة بحجم وزارة الدفاع. المرشح المقبل سيجد نفسه/ا في مهمة اطفاء الحرائق الناجمة عن اخفاق السياسات عبر العالم، وفي نفس الوقت المحافظة على علاقة ودية مع كونغرس بزعامة الاغلبية الجمهورية. اما وان وقع الاختيار على مؤهل كفؤ يتميز بقوة الشخصية المطلوبة فمما لا شك فيه استطاعته تجاوز ازمة عدم الثقة مع الكونغرس ببعض النجاح
من بين المشرحين الذين يتمحور النقاش حول اهليتهم السينتور السابق جو ليبرمان، الصديق الحميم لجون ماكين وصقور الحزب الجمهوري، والذي من شأنه ضمان مصادقة مجلس الشيوخ بيسر سريع، فضلا عن مساندته القوية “لاسرائيل،” بل احد اقطابها الرئيسيين في الكونغرس. ونستدرك بالقول ان ليبرمان ليس بوسعه الانسجام مع سياسات الرئيس اوباما واولوياته فيما يتعلق بالتحديات الماثلة امام الأمن القومي الاميركي؛ بيد ان اختياره سيوفر للبيت الابيض حلقة اتصال ودية مع الكونغرس في مسائل الدفاع والأمن القومي. انسجامه الاشمل مع صقور الحرب، وهو منهم، سيعزز موقف جون ماكين ورفاقه في التحكم بقرارات وزارة الدفاع، لا سيما في تأجيج الصراع المسلح في سورية والعراق وتوفير اسلحة اميركية متطورة للمسلحين. كما سيفند اختياره مشاعر الاقصاء التي تلاحق اوباما ويشير الى عزمه الاصغاء الى رؤى ووجهات نظر من خارج طاقم المستشارين الضيق حوله
الخيار الآخر امام اوباما ترشيح شخصية متمرسة في شؤون البنتاغون وادارة اطقمها البشرية الهائلة بنجاح، رغم ما ينطوي على ذلك من متاعب في لجان الكونغرس، لكنه افضل من سينسجم مع توجهات الرئيس السياسية والأمنية
:في هذا السياق، برزت اسماء اربعة مرشحين
مساعد وزير الدفاع السابقة، ميشيل فلورنوي، التي تتمتع بتأييد وازن من المجمع الصناعي الحربي اذ يمول بالكامل مركز ابحاث ترأسه يدعى مركز أمن اميركا الجديدة – يصنف بميوله الليبرالية وفق التصنيفات الاميركية؛
نائب وزير الدفاع السابق، آشتون كارتر؛
نائب وزير الدفاع الحالي، روبرت وورك؛
رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ونائب وزير الدفاع الاسبق، جون هامري

ساد الاعتقاد ان ميشيل فلورنوي تتمتع بالحظ الاوفر لشغر المنصب، الى حين بضعة ايام باعلانها سحب ترشيحها من التداول؛ وهي التي كانت مدرجة على رأس قائمة المرشحين عقب استقالة ليون بانيتا الى ان وقع اختيار الرئيس اوباما على تشاك هيغل. عللت فلورنوي قرارها لاعتبارات صحية وعائلية
ينبغي الاشارة الى “مركز الدراسات” الذي ترأسه فلورنوي واصداراته المتعددة في شأن الأمن القومي والتي وجدت آذانا صاغية لها في ادارة الرئيس اوباما، مما يستدعي ضرورة دفاعها عن وجهات النظر تلك امام جمهور من الخصوم الجمهوريين يتمتعون بالسيطرة التامة على اقرار ميزانية وبرامج وزارة الدفاع، خاصة برامج حالات الطواريء، مما سيعيد تسليط الاضواء مجددا للنيل من سياسة الرئيس اوباما واخفاقاتها المتعددة
روبرت وورك، من جانبه، سبق وان شغل منصب مساعد وزير سلاح البحرية، وحاز على رتبة عقيد في سلاح مشاة البحرية – المارينز، وترأس ادارة مركز أمن اميركا الجديدة الى فترة قريبة قبل مصادقة مجلس الشيوخ على منصبه الراهن كنائب لوزير الدفاع في شهر نيسان من العام الجاري. يتمتع وورك بلصيق اصطفافه الى جانب سياسات الرئيس اوباما الأمنية
سيواجه وورك، ان تم ترشيحه، مأزق فلورنوي عينه في مواجهة مجلس شيوخ لا يتورع عن وضع سياسات الرئيس اوباما على المشرحة، ومنها بعض توصيات مركز الدراسات المذكور، وتبرير اولويات وزارة الدفاع المعتمدة التي يعارضها الحزب الجمهوري. وبحكم منصب وزير الدفاع، فانه يترأس مجموعة مراجعة قوة الردع النووية التي تعرضت مؤخرا لعدد من الفضائح شارك فيها كبار الضباط المسؤولين عن سلامة الترسانة النووية، بعد رصد جهود تزوير منظمة للكفاءات المطلوبة
آشتون كارتر ايضا كان من بين المرشحين الاوفر حظا لتسلم مهام وزير الدفاع بعد استقالة ليون بانيتا، ووقع الاختيار على تشاك هيغل. مؤهلاته تضعه في مرتبة تتوسط وورك وليبرمان فيما يتعلق بانسجام آليات العمل مع الطاقم الضيق حول الرئيس اوباما
ينبغي على المرشح المقبل التأقلم مع حرص البيت الابيض حصر القرارات السياسية بالطاقم المقرب من الرئيس اوباما، الذي من العسير اختراقه نظرا لصغر حجمه وولائه التام للرئيس. وعليه، فان التوجهات السياسية الراهنة للادارة لن تشهد تغيير مسارها بصرف النظر عن اهلية وكفاءة وزير الدفاع المقبل. في حال وقع الاختيار على ليبرمان سيكون بوسعه معارضة الرئيس علنا يسنده زملاءه في الكونغرس، بيد ان نتيجته لن تأتِ بأي تغيير اساسي ابعد مما سعى اليه هيغل باطلاق صرخات التحذير من السياسة الراهنة نحو الدولة الاسلامية
استعراض اللوحة السياسية كما سبق اعلاه لا يبشر بالخير لتوفر مرشح لوزارة الدفاع يتحلى بقوة الرأي والتأثير على صياغة قرار البيت الابيض النهائي؛ بل الاهم التقرب بسلاسة من الحلقة الضيقة المحيطة بالرئيس اوباما ونيل ثقتها وموافقتها كما تقتضي ضرورة العمل في مثل هذا المنصب بالغ الحساسية والأهمية
من المستبعد ايضا ان يطرأ اي تغيير ملحوظ على اولويات السياسة الاميركية المعلنة بشأن “تقويض وتدمير داعش

التحليل 11-21-2014

:التحليل

اسابيع حرجة في واشنطن: بين التعطيل والمواجهة يعاني النظام السياسي الاميركي الخاضع لاحتكار حزبين من عقدة تهدد تجميد عمل الكونغرس في الفترة الواقعة بين اعلان نتائج الانتخابات ويوم تسلم الفائزين مهام مناصبهم مطلع العام الجديد، نتيجة اعادة اصطفاف الحزبين اطلق عليها وصف “البطة الكسيحة او العرجاء،” للدلالة على توقف عمل السلطة التشريعية دون اعلان رسمي بذلك. وهي الفترة القصيرة التي يستغلها الرئيس، اي رئيس، لاتخاذ اجراءات معينة يخوله بها الدستور وتعتبر شائكة بالنسبة للطرف السياسي الخصم في الحالة الراهنة، الاغلبية الديموقراطية في مجلس الشيوخ ستعمد الى المصادقة او سن اكبر عدد ممكن من القوانين قبل تراجعها لمنصب الاقلية في كانون2 2015. لا تزال عدد من القضايا اسيرة ادراج الصراع السياسي بين الطرفين، خاصة المصادقة على الموازنة السنوية الرسمية المقدمة من السلطة التنفيذية؛ والتي ينطوي عليها عدد من برامج الانفاق المتعلقة بالسياسة الخارجية، لا سيما تمويل المعارضة السورية المسلحة المقترح؛ وداخليا خط انابيب النفط الكندي، كي ستون اكس ال، الذي تلقّى هزيمة تصويت مجلس الشيوخ بفارق صوت وحيد، ولعل القضية الابرز والأهم، بالنسبة للرئيس اوباما، نيل مصادقة الكونغرس على اي اتفاق يتم التوصل اليه مع ايران حول برنامجها النووي نظرة شاملة لآلية عمل مجلس الشيوخ في الايام الاخيرة المتبقية من الدورة الحالية تشير الى وضع بالغ التعقيد: لائحة طويلة من التعيينات والترشيحات الرئاسية لمناصب هامة في السلكين الديبلوماسي والقضائي ومناصب ادارية تتبع السلطة التنفيذية تنتظر مصادقة مجلس الشيوخ. استطاعت الاغلبية الديموقراطية المصادقة على عدد لا بأس به من الترشيحات، بينما اخفق العديد منها ولا يزال ما تبقى من مرشحين قيد الدرس وما يرافقه من تعطيل الاداء الحكومي في الاجهزة المعنية في هذا الشأن يدرك الرئيس اوباما صعوبة المهمة التي تنتظره عند تسلم الاغلبية الجمهورية مهامها في مجلس الشيوخ، والتي تكن له عداء مستفحلا واعلنت عن توجهاتها المناهضة في العلن. قبيل انتقال الاغلبية للطرف الآخر يلجأ الفريقين الى الاسراع في المصادقة على اكبر عدد ممكن من الشخصيات قبل انتهاء الدورة الحالية والدخول في موسم اعياد الميلاد المجيد الاغلبية الديموقراطية في مجلس الشيوخ سخرت موقعها في الفترة السابقة الى اقصاء او تعطيل البت في توصيات مقدمة من مجلس النواب، بزعامة الخصم الجمهوري، الأمر الذي يعفي الرئيس اوباما من استخدام حق الفيتو كما هو منصوص عليه دستوريا وما يتبعه من تجاذبات واتهامات متبادلة. تقاسم السلطة التشريعية فرض على الاغلبية الجمهورية في مجلس النواب التوصل لصيغة عمل توافقية مع الديموقراطيين اثمر اتفاقا مؤقتا لرفد الخزينة المركزية لغاية منتصف الشهر المقبل بالمقابل، يستغل الجمهوريون ميزة الاغلبية المقبلة لتأجيل البت في جملة من القضايا “الخلافية” لا سيما المصادقة على الميزانية السنوية ومشاريع القوانين المدرجة على جدول الاعمال. وعليه، يأمل الجمهوريون ابقاء تأجيل البت راهنا والتطلع للمصادقة على حزمة برامج اساسية بالنسبة لهم في الدورة المقبلة لا يساور الشك احدا لدرجة التعقيد والصعوبات التي تنتظر الرئيس اوباما مطلع العام الجديد، الذي ورغم سلسلة من التنازلات الجوهرية التي قدمها لخصومه الا ان ذلك لم يسعفه بنظرهم واستمرت مراهنتهم على التعطيل والتأجيل؛ فما بالك حينما تصبح السلطة التشريعية بكاملها تحت سيطرة الخصوم. الأمر الذي حفز الرئيس اوباما في نهاية المطاف الى التلويح باستخدام حقه الدستوري لاتخاذ اجراءات لها مفعول القانون، دشنها بقراره لاصلاح نظام الهجرة الراهن الذي يعارضه خصومه بشدة لا يشكل الرئيس اوباما حالة استثنائية في اصدار قرارات رئاسية ترضيه، بل يلجأ لاستخدام الصلاحية كافة الرؤساء بصرف النظر عن انتمائهم الحزبي. بيد ان الأمر ينطوي على مخاطر عدة، في حال اللجوء اليه. الرئيس اوباما امام معضلة نفاذ الميزانية المؤقتة المقررة في 11 كانون الثاني المقبل، وتنذر باغلاق اعمال الحكومة باكملها ان لم يتوصل الطرفين لاتفاق قبل نهاية المدة اعتبر الخصوم الجمهوريون اجراء الرئيس بتقنين المهاجرين الفاقدين للاوراق الرسمية انه تحدٍ للسلطة التشريعية بأكملها، وتوعدوه بسلسلة اجراءات انتقامية دشنوها بمقاضاته قانونيا مباشرة عقب اعلانه. مسألة المهاجرين ضمن التصنيف السابق شائكة وان لم تكن معقدة، ويبلغ تعدادهم الاجمالي ادنى من 4 مليون شخص، نصفهم من المكسيك والباقي من دول اميركا اللاتينية. الرئيس اوبما اوضح انه لا ينوي منح عفو عام لاولئك بل لتسوية اوضاعهم وتسهيل حصولهم على الاقامة الدائمة والجنسية، شريطة دفع غرامات مستحقة وفرز مرتكبي المخالفات والانتهاكات عن الغالبية الحريصة على تسوية اوضاعها وتستحق العفو بضوابط. اولى الآليات المباشرة التي سيلجأ لها الجمهوريون تسخير سيطرتهم على بنود الميزانية ورفض الانفاق الحكومي على اصدار تلك الوثائق، والمغامرة باغلاق المرافق الحكومية وتحمل المسؤولية لذلك. الخيار الآخر امام الجمهوريين موافقتهم على تمديد عمل القانون الراهن الخاص بالميزانية دون قيود وترحيل الازمة الى التركيبة الجديدة المقبلة، وعليه يصبح الرئيس اوباما طليق اليدين لغاية نهاية السنة المالية في تشرين الاول 2015. حينئذ باستطاعة السلطة التشريعية تحت سيطرة الجمهوريين بلورة صيغة قرار يلبي شروطها بادخال فقرة تلزم السلطات المعنية بعدم منح العفو لاولئك المهاجرين، مما يستوجب موافقة الرئيس اوباما او ممارسته حق استخدام الفيتو ضده، والدخول من ثم في دوامة تهديد فريق الخصم باغلاق المرافق الحكومية احتجاجا عند لجوء الجمهوريون لاشتراط بند عدم الصرف على وثائق الهجرة الرسمية يستطيع مجلس الشيوخ بتركيبته الراهنة (الاغلبية الديموقراطية) تعطيل المقترح المقدم، واطلاق العنان لمواجهة تسفر عن اغلاق المرافق الحكومية وتحميل الخصم الجمهوري تداعيات ذلك؛ او ادخال تعديل على المقترح يزيل القيود المفروضة على مسألة المهاجرين المجازفة باغلاق الحكومة ينطوي على كلفة عالية بالنسبة للحزب الجمهوري، ليس في بعد المعارضة الشعبية فحسب، بل لاعتبارات الانتخابات الرئاسية المقبلة التي يتوقع ان تشهد منافسة اشد من سابقاتها نظرا لحالة الاستقطاب الحادة الجارية وتردي الاوضاع الاقتصادية للطبقة الوسطى بشكل اساسي. وقد يلجأ قادة الحزب الى تبني والمصادقة على بنود الميزانية بالتقسيط ولكل وزارة على حدة، تحظى بقبول الرئيس اوباما. في هذا الحالة، ستتضمن ميزانية وزارة الأمن الداخلي بندا يشترط عدم استخدام اية اموال للصرف على تأهيل المهاجرين فاقدي الاوراق الرسمية او منحهم العفو العام. سيجد الرئيس اوباما نفسه مضطرا اما للموافقة على الاشتراط المذكور او نقض البند بمجمله مما سيهدد باغلاق الوزارة ابوابها – وضع استثنائي يحظى بدعم الغالبية الشعبية العظمى مصير التشريع في الفترة الكسيحة بعد شعور الحزب الجمهوري محقا بالزهو عقب الانتخابات كان اول بند على جدول اعماله طرح مشروع انبوب النفط الكندي للتصويت، وفشل بفارق صوت وحيد في مجلس الشيوخ، على ان يتأهب مجددا لطرحه في الدورة المقبلة. بالمقابل حقق انتصارا في اليوم عينه لافشال مشروع الحزب الديموقراطي تقنين عمل وكالة الأمن القومي وادخال بعض الاصلاحات عليها، اذ سقط المشروع بنسبة صوتين كشف ادوارد سنودن لتجسس وكالة الأمن القومي على الداخل الاميركي احدث هزة عميقة مناهضة حتى داخل الحزب الديموقراطي نفسه. وشرع رئيس لجنة القضاء في مجلس الشيوخ، باتريك ليهي، العمل الدؤوب على توحيد جهود الحزبين لضرورة تبني اصلاحات تفرض على عمل الوكالة، وحصل على موافقة العضو الجمهوري البارز في مجلس النواب، جيمس سنسنبرينر، لطرح مشروع قرار مشترك. رمى المشروع المقترح الى تقييد حركة الوكالة بشدة للحصول على معلومات الهواتف الشخصية. وعلى الرغم من الهزيمة التي تلقاها المشروع في المرحلة الاولى، فمن المرجح ان يعاد طرحه للتصويت مرة اخرى في الدورة المقبلة للكونغرس، بالتزامن مع انتهاء مفعول العمل ببعض بنود قانون “الباتريوت” سيء الصيت، في شهر حزيران المقبل، وهو الذي مهد الارضية لعسكرة الولايات المتحدة وبسط سيطرة الاجهزة الأمنية على الحياة اليومية التصويت المقبل لكلا القرارين سيترك تداعياته حتما على جولة الانتخابات الرئاسية المقبلة، 2016. ليس خافيا على احد توجه عدد من اعضاء الحزب الجمهوري وقادته الرافض لتقييد حرية حركة وكالة الأمن القومي، مقابل مطالبة فردية لاحد النواب الجمهوريين، راند بول، تبني صيغة تفرض قيودا متشددة على الوكالة. مما لا شك فيه ان المسألة ستخضع للتجاذبات السياسية والاصطفافات داخل الحزب الجمهوري نفسه، سيما وان احد ابرز اعضائه المحافظين، تيد كروز، الطامح لدخول حلبة السباق الرئاسي، يميل لكفة الوكالة واطلاق يديها باقل قدر ممكن من القيود الموقف من هذه المسألة قد يؤدي الى انشقاقات جديدة داخل الحزب الجمهوري، سيما وان تيار حزب الشاي المتطرف يؤيد موقف تيد كروز، بينما الجناح “الليبرالي،” الممثل براند بول، يقف على نقيض ذلك. ومن شأن هذا الانقسام المرئي ان يدفع للواجهة احد الاعضاء من غير المنتمين لأي من التيارين، من ابرزهم جيب بوش، شقيق الرئيس الاسبق، وتشجيعه للسعي نحو الفوز بترشيح الحزب في الجولة الرئاسية المقبلة اين سورية من جدل قرار التمديد استطاع الرئيس اوباما تثبيت بند تمويل المعارضة السورية المسلحة، الذي يحظى بدعم الحزب الجمهوري بشكل شبه مطلق؛ كما طالب الكونغرس المصادقة على ميزانية اضافية لمحاربة الدولة الاسلامية قيمتها 5.6 مليار دولار للعام المالي الراهن، يتضمن ايضا تحمل كلفة 1500 من الجنود الاميركيين المرسلين للعراق، او في طريقهم اليه. كما ثبّتت وزارة الدفاع بند عمليات الطواريء الخارجية في الميزانية قيمته 58 مليار دولار، للانفاق على العمليات في العراق وافغانستان ومناطق اخرى ملتهبة، ومن المرجح ان يصادق عليه الكونغرس بنسبة مريحة ويخرجه من التداول والتجاذب السياسي اما بند تمويل “الحملة العسكرية” ضد الدولة الاسلامية الذي طالب به الرئيس اوباما فقد دخل دوامة الجدل السياسي حول مسألة قرار التفويض بشن الحرب الذي يرجع للكونغرس دستوريا، ويطالب الرئيس التوجه اليه للحصول على تفويض صريح بشن الحرب. الحسم لا يلوح في الافق على الرغم من تصريحات الرئيس اوباما لاشراك الكونغرس في ما يعتبره من ضمن صلاحياته واختصاصه وما على الكونغرس الا المصادقة على الميزانيات المطلوبة يذكر ان الرئيس اوباما ألحق بند الصرف المؤقت المتعلق بكلفة الحرب على داعش في القرار “المؤقت” الاخير لاستمرارية الصرف لحين يوم 11 كانون الاول المقبل. ومن المرجح ايضا ان يتم التعامل معه بذات الصيغة التي ارست سابقة وارضية مشتركة لبنود الميزانية المتفق عليها بين الطرفين صقور الحزب الجمهوري المتوثبين لتبؤ مواقع المسؤولية في الكونغرس، جون ماكين في لجنة القوات المسلحة، وبوب كوركر في لجنة العلاقات الخارجية، يؤيدان تحديث قرار تفويض الحرب بل وتوسيع صلاحياته المسألة المبهمة في كل تلك التحركات تتمحور حول دخول القوات الاميركية للقتال في اي من ساحات المعارك الدائرة. الرئيس اوباما تعهد مرارا بعدم “وضع القوات الاميركية في ارض المواجهة،” وناور طويلا حول دقة التعبير لافساح المجال لعمل ما يقتضيه القادة العسكريون. في رحلته الاسيوية الاخيرة استنجد بتصريحات رئيس هيئة الاركان المشتركة، مارتن ديمبسي، للتهيئة لمثل تلك الخطوة التي يمقتها غالبيية الشعب الاميركي. وقال “نعم، سنواجه بعض الظروف التي تستدعي (الجنرال ديمبسي) للنظر بانتشار القوات الاميركية .. تلك هي مهمته، التهيئة والاعداد لمواجهة عدد من الطواريء. نعم، تواجه الولايات المتحدة دوما ظروفا تقتضي ربما نشر قوات اميركية برية” واستدرك اوباما مضمون تصريحاته لطمأنة المترددين بالتأكيد على ان قرار دخول القوات البرية ارض المعركة للقتال يتوقف على ظرف يتيم للتيقن من امتلاك الدولة الاسلامية السيطرة على قنبلة نووية. واوضح “في حال اكتشفنا وقوع سلاح نووي بايدي داعش، الامر الذي يستدعي شن عملية لاستعادته، حينئذ نعم (سنرسل قواتنا) وانا على اتم الاستعداد اتخاذ ذلك القرار” المفاوضات النووية مع ايران التوصل لاتفاقية حول البرنامج النووي، رغم الحاحه، يواجه معارضة شرسة من قوى سياسية تمثل مصالح التيارات الاشد تطرفا في المشهد الاميركي والمقربة من الليكود “الاسرائيلي.” من المرجح ان تشهد الايام المقبلة صراعا قويا بين الادارة من جهة وممثلي تلك التيارات في الكونغرس، لا سيما داخل الحزب الجمهوري وقد حذر مجلس الشيوخ ممثلا بالحزبين ادارة الرئيس اوباما من نيته استخدام حق النقض لتعطيل اتفاق نهائي مع ايران، والذي يستدعي مصادقته ليصبح ساري المفعول. بل طالب اعضائه بانزال المزيد من العقوبات على طهران، في مذكرة وجهوها للرئيس اوباما منتصف الاسبوع الجاري. يذكر ان نحو نصف عدد اعضاء مجلس الشيوخ وقعوا على المذكرة التي تتوعد برفض “اتفاق رديء وخطير” يجري التداول بشأنه لانجازه في الموعد المحدد يوم 24 من الشهر الجاري تزعم المذكرة، الموقعة من كامل اعضاء الحزب الجمهوري وعددهم 43 ممثلا، ان ادارة الرئيس اوباما على قاب قوسين او ادنى للتوقيع النهائي على اتفاقية “تسمح لايران المضي في الجوانب الاكثر اثارة للجدل في برنامجها النووي ويؤهل طهران انتاج سلاح نووي في المستقبل القريب” وهاجم اعضاء المجلس الرئيس اوباما بشدة واتهامه باغفال جهود الكونغرس للعب الدور الرقابي على الاتفاقية. وجاء في المذكرة “يبدو ان مفاوضيك طرحوا جانبا اعتبارات الكونغرس الواضحة والتي تشدد على ضرورة تضمين اتفاقيات تمتد لعدة عقود اشتراط ايران وقف جهودها لتخصيب اليورانيوم ونشاطات التحويلات بالكامل، وتفكيك بنيتها التحتية النووية المحاطة بالسرية، وضرورة كشفها عن جهودها الماضية للتسلح بالنووي .. لا نلمس اي مؤشرات على قيام مفاوضيك ممارسة ضغط على ايران للتخلي عن جهودها لتطوير صواريخ عابرة للقارات والتي من شأنها وصول مداها الى الاراضي الاميركية” تتداخل في هذا الصدد صلاحيات السلطة التشريعية والتنفيذية خلافا للنص الدستوري الذي يخول السلطة التنفيذية حصرا ابرام الاتفاقيات مع الاطراف الاجنبية، ويقتصر دور الكونغرس على توفير الموازنات الضرورية لتفعيل الاتفاقيات تسلح الرئيس اوباما بتوصيات دراسة داخلية اجرتها وزارة المالية تخوله تعليق العمل بمعظم العقوبات المفروضة على ايران دون الحاجة للحصول على موافقة الكونغرس، رغم الضجيج الاعلامي الذي يثيره الاخير. وعليه، يتم التغلب على احدى العقبات الرئيسة امام ايران لتوقيع الاتفاق نظرا لحصر مسؤولية الموافقة على الموازنات العامة بالسلطة التشريعية يستطيع الكونغرس (المقبل) تقييد تنفيذ اي اتفاقيات لا تنال رضاه عبر تعليق اقرار الموارد المالية اللازمة؛ كما باستطاعته معاقبة وزارة الخارجية بالاسلوب عينه، خاصة حين تأتي اللحظة المناسبة لافتتاح سفارة اميركية في طهران

التحليل 11-14-2014

:التحليل

الاغتيالات وسيلة حرب دائمة ومفتوحة

في الاستراتيجية “الاسرائيلية” والاميركية

توطئة

         تجدد عمليات اغتيال علماء الطاقة النووية السوريين، مطلع الاسبوع، هو محور الموضوع قيد التداول، وتسليط الاضواء من جديد على “سياسة اسرائيل (في) استخدام الاغتيالات لشن حرب بوسائل اخرى،” وعنصرا رافدا لسياستها الخارجية؛ فضلا عما تؤشر عليه من استهداف الكفاءات الفكرية والعلمية كأحد محطات الحرب غير المتماثلة، وما تتركه من تداعيات تغذي الحرب النفسية ضد الشعوب العربية والايرانية تمارسها عبر اجهزتها العسكرية والاعلامية على السواء، تلقى اصداءها في الاعلام العربي التابع

         تعرضت حافلة مدنية، يوم الاثنين 10/10/2014، تقل بضعة اشخاص في حي البرزة بدمشق الى اطلاق نار مكثف ادى لمصرع خمسة افراد، يعتقد انهم من علماء الطاقة النووية في سورية، سيما وان احدا لم يتبنى عملية الهجوم في منطقة تسيطر عليها الدولة السورية، مما يعزز الاعتقاد بمسؤولية “اسرائيل،” خاصة لما لها من تاريخ ممتد في اغتيال العلماء والكفاءات ليس في سورية وايران فحسب، بل كافة العلماء العرب من ذوي اختصاصات علمية رفيعة: العراق ومصر، ولم يسلم منها خبراء المان شاركوا مصر والعراق جهود التصنيع الوطني. كما انها ليست المرة الاولى التي تستهدف فيه سورية وكفاءاتها العلمية، بل سبقت بدء “الازمة السورية” وشهدت تصعيدا مركزا منذئذ

         جملة اسئلة يتم التطرق اليها في بعد اغتيال الكفاءات العربية والايرانية ايضا، لا سيما في سبر اغوار او تورط الولايات المتحدة في هذا الشأن، خاصة لاستهداف عدد من الكفاءات العربية جرى تغييبها داخل الاراضي الاميركية، واشهرها العالمة المصرية سميرة موسى التي قضت في “حادث مروري” مشبوه في ولاية كاليفورنيا في آب/اغسطس 1952. وستتم العودة لهذا البعد لاحقا في التقرير

الاغتيالات سياسة ثابتة “لاسرائيل”

         درجت القيادات الصهيونية المتعاقبة على ارتكاب جرائم الاغتيالات، منذ ما قبل اغتصاب فلسطين وطرد اهلها، وتسخيرها في خدمة سياساتها الخارجية. من ضحاياها آنذاك عرب فلسطين بالدرجة الاولى، وكذلك بعض مندوبي الاستعمار البريطاني، خلال عقد الاربعينيات من القرن الماضي، بغية ترسيخ الكيان في الارض العربية. بعض عمليات الاغتيال التي قام بها جهاز الموساد نالت “اعجاب” الوسط الاعلامي الغربي واضفت عليه صفة اسطورية التي فندتها سلسلة من الاخفاقات والفشل المذهل، وبروز المقاومة العربية المسلحة

         حالات نادرة هي التي استفاق فيها ضمير البعض من اليهود القادمين الى فلسطين من خارجها. في عام 1955 وجه استاذ الكيمياء العضوية وطب الاعصاب في الجامعة العبرية بالقدس، يشعياهو ليبوفيتز، مذكرة الى “رئيس الوزراء ديفيد بن غوريون،” يلفت نظره الى “مقتل فلسطينيين ابرياء خلال العمليات الاسرائيلية.” وجاءه الرد بصلافه “لا اوافقك الرأي”

         الكيان الصهيوني هو الوحيد من منظومة الدول الحديثة الذي اضفى الطابع المؤسساتي على الاغتيالات، في بداية عقد السبعينيات من القرن الماضي، دشنته “رئيسة الوزراء غولدا مائير،” باستحداث جهاز خاص بعمليات الاغتيال، “المجموعة اكس،” وتم رفدها لاحقا بـ “وحدة قيسارية” من جهاز الموساد لتنفيذ الاغتيالات

         الاهداف الصهيونية لم تقتصر على القادة والكفاءات العربية في فلسطين فحسب، بل امتدت لتصل الى العواصم العربية الرئيسة، تشهد عليها عمليات اغتيال الكفاءات المصرية والعلماء العراقيين ذوي اختصاصات متعددة لا سيما بعد الغزو الاميركي، وفي العواصم الاوروبية. ومدت اخطبوطها الى اغتيال العلماء الايرانيين في مجال الطاقة النووية. الفريق المختص بتصفية العلماء الايرانيين في جهاز الموساد يدعى “كيدرون،” او وادي الجوز بالقدس المحتلة، يقع مقره في صحراء النقب بالقرب من مفاعل ديمونا النووي

         نجاح عمليات الاغتيال، بالمجمل، لا يعفي تعاون عملاء في البلد المستهدف مع الاجهزة المعادية: منظمة “مجاهدي خلق” في ايران، والمعارضة السورية التي توفر الغطاء السياسي للمنفذ “الاسرائيلي.” في الحالة الايرانية تم القاء القبض على احد العملاء المحليين ويدعى مجيد جمالي فاشي، الذي اقر خلال التحقيق معه بالعمل لصالح الموساد لاغتيال الاستاذ الجامعي في جامعة طهران، مسعود علي محمدي، في كانون الثاني 2011، لقاء مبلغ 120,000 دولار تسلمها من مشغليه في جهاز الموساد

         اعلنت الحكومة الايرانية عن اغتيال ما مجموعه خمسة من افضل الكفاءات العلمية لديها، منذ عام 2007، على خلفية نشاطاتهم العلمية والريبة من اشتراكهم في برنامج ايران النووي

         يذكر ان تلك الاغتيالات لقيت ارتياحا واسعا لدى المؤسسات الاميركية، الرسمية والعامة على السواء، مما يؤشر على “ضلوع” وكالة الاستخبارات المركزية، بشكل او بآخر، في تصفية العلماء. وبلغت الصراحة العلنية درجة الصفاقة في تصريح السيناتور السابق عن ولاية بنسيلفانيا، ريك سانتورم، بوصفه الاغتيالات “رائعة” وترسل رسالة الى العاملين في البرنامج النووي الايراني بأن سلامتهم الشخصية مهددة

         واضاف سانتورم “اعتقد انه يتعين علينا ارسال رسالة بالغة الوضوح للعلماء في روسيا، او كوريا الشمالية، ام في ايران بان استمرارهم العمل في البرنامج النووي لانتاج قنبلة (نووية) لايران، سيسفر عن سلامة شخصية غير آمنة.” رئيس مجلس النواب الاميركي آنذاك، نيوت غينغريتش، شاطر سانتورم في قراءاته واستنتاجاته وتصريحاته

         افاد تحقيق نشرته صحيفة “نيويورك تايمز،” 10 تشرين الثاني 2014، ان وكالة الاستخبارات المركزية كانت على علم مسبق بعملية تفجير حافلة كانت تقل 11 عنصرا من الحرس الثوري عام 2007 اسفرت عن مصرعهم جميعا. استند التحقيق الى ملاحظة عابرة سبقت ذلك التاريخ عثر عليها في احد ملفات الوكالة تحذر من “حدث كبير على وشك الوقوع في ايران،” على ايدي مجموعة “جند الله،” وقادت الى صاحبها ضابط سابق في الاستخبارات

       واضاف التحقيق  ان مصدر الملف المذكور كان “ضابط استخبارات في هيئة مراقبة الموانيء لمدينة نيويورك ونيوجيرسي .. يدعى توماس ماكهيل، العضو في قسم مكافحة الارهاب في مكتب التحقيقات الفيدرالي،” تعرف على مخبر “بالوشي” “يتلقى راتبا شهريا من مكتب التحقيقات منذ عام 1996 ويقطن في منطقة نيويورك”

       واوضحت الصحيفة ان “ماكهيل .. اُرسل لافغانستان وباكستان بغية تنظيم مخبرين داخل قيادة جند الله والذين تم اخضاعهم تحت اشراف مشترك لمكتب التحقيقات ووكالة الاستخبارات المركزية .. ولاحقا استبدل مكتب التحقيقات بوزارة الدفاع الاميركية.” اللافت ان مجموعة “جند الله” تم ادراجها على قائمة المنظمات الارهابية من قبل الولايات المتحدة، بيد ان “التنسيق مع المخبرين بداخلها لم ينقطع .. واستمرت العلاقة قائمة حتى في ظل نفي متكرر من قبل الرسميين الاميركيين لأي علاقة” مع المجموعة الارهابية

       واردفت الصحيفة ان بضعة مسؤولين اميركيين سابقين وحاليين “اكدوا العلاقة القائمة بين الاجهزة الاميركية ومجموعة جند الله،” وفق توصيف تطور الاحداث اعلاه. اما المخبر البالوشي فقد كُلِّف بايصال ماكهيل الى شبكة اصدقائه وعائلته في اقليم بالوشيستان، الذي “يضم عائلة ريغي احدى كبريات عشائر البالوش” في الشطر الايراني من الاقليم؛ وتم تأسيس “جند الله عام 2003 للقتال ضد الحكومة الايرانية”

       ورغم نفي الاجهزة الامنية لأي علاقة مع ماكهيل، الا انه حصل على وسام تقدير من قسم العمليات الايرانية في وكالة الاستخبارات المركزية عام 2009

وتجدر الاشارة الى ان تحقيقا خاصا نشر في يومية “فورين بوليسي،” 13 كانون الثاني/يناير 2012، أكد اقدام الموساد على انتحال صفة منتدبين من وكالة الاستخبارات المركزية وحملوا جوازات سفر اميركية بغية تشغيل مجموعات من “جند الله” من الباكستانيين في لندن ضمن حملة الاغتيالات والتفجيرات التي ادارتها واشرفت عليها في ايران، اضافة لتقرير بثته شبكة (سي بي اس) الاميركية، في 2 آذار/مارس 2014، يفيد ان مسؤولين اميركيين وعبر قنوات سرية اعربوا “للاسرائيليين” عن رغبتهم بان تتوقف “اسرائيل” عن استهداف العلماء الايرانيين لافساح المجال للجهود الدبلوماسية أخذ مجراها لوقف البرنامج النووي الايراني؛ اعتبر الأمر تسريبا من داخل ادارة اوباما

قرأت بعض الاوساط هذه الخطوة كتعبير عن رغبة الرئيس اوباما تحقيق انجاز بالتوصل لاتفاق نووي مع ايران، وربما حفّزه ذلك على استخدام نفوذه بممارسة ضغط على “اسرائيل” لوقف مسلسل الاغتيالات كوسيلة لطمأنة الجانب الايراني وحثه على تقديم بعض التنازلات. كلفة الاغتيالات بالنسبة “لاسرائيل” باتت مرتفعة خاصة مع تطور وسائل القتال والمقاومة والتصدي الشعبي لها، وربما يفرض عليها ادخال بعض التعديلات للجم اندفاعة مسؤوليها في عمليات الاغتيالات

         يذكر ايضا ان “اسرائيل” عرّضت بعض حلفائها الاوروبيين للتورط في الاغتيالات نظرا لاستخدامها جوازات سفر من تلك البلدان لتيسير تحركات عملائها، فضلا عن كندا واستراليا. وعقب انكشاف أمر فريق اغتيالها المكون من 29 عنصرا في اغتيال الشهيد محمود المبحوح في فندق بدبي، 20/1/2010، واستخدامه جوازات سفر متعددة: بريطانية والمانية وايرلندية وفرنسية، طلبت منها عواصم تلك الدول التوقف عن عمليات الاغتيال والكف عن استخدام جوازات سفر بلدانها المزورة

         مساء يوم 23/3/1990، استفاق العالم على خبر اغتيال عالم كندي اميركي المولد ، جيرالد بول، امام بوابة منزله ببروكسيل، اتضح لاحقا انه من ألمع علماء الفيزياء الفلكية، واحد أهم الخبراء في تقنية المدافع طويلة المدى، قيل انه كان يعمل لحساب العراق في انتاج “المدفع العملاق.” كونه اميركي المولد يستدعي تدخل الاجهزة الأمنية الاميركية في التحقيق بمقتله، الا ان ذلك تم تجاهله من قبل مكتب التحقيقات الفيدرالي. الاغتيال نفذته “وحدة كيدرون،” وفق تحقيقات يومية “تليغراف” البريطانية، 17 شباط 2010

         جدير بالذكر ان القانون الدولي ينص على حظر الاغتيالات في ازمنة الحرب والسلام، فضلا عن مساسها بسيادة الدول وحقوق مواطنيها. تتحايل “اسرائيل” على النص القانوني بالزعم ان فلسطين ليست دولة ولا ينطبق عليها توخي الالتزام بالقانون الدولي فيما يخص الاغتيالات داخل فلسطين او ضد الفلسطينيين؛ بل اضافت بمفردها على النص ان لها الحق بملاحقة “كافة الاعداء الذين يقاتلون ضد اسرائيل، وكل ما ينطوي على ذلك

         ذاك الفهم والتفسير يتناقض مع لوائح كافة الدول، بما فيها الولايات المتحدة، التي تغض الطرف عن عمليات الاغتيال “الاسرائيلية،” بينما تطلق تصريحات في العلن على نمط “يتعين على اسرائيل الادراك ان الاغتيال المستهدف ضد الفلسطينيين لا يضع نهاية للعنف، بل يؤجج وضع متفجر اصلا مما يعقد جهود استعادة الهدوء.”

تاريخ الاغتيالات الاميركية

         يعزو بعض المؤرخين تاريخ بدء عمليات الاغتيالات في اميركا الى زمن الحرب الأهلية باغتيال الرئيس ابراهام لينكولن، 14 نيسان 1865، ربما محقا في تأريخ البعد السياسي للاغتيال. بيد ان اغتيال اميركا للكفاءات العلمية في مناطق متعددة من العالم، بما فيها داخل الاراضي الاميركية، تكمن في بطون كتب التاريخ في اغلب الاحيان

         حدد مجمع العلماء النوويين في اميركا تاريخ اغتيال العلماء والعاملين في النشاطات النووية عبر العالم الى ما قبل حقبة ظهور الاسلحة النووية على المسرح الدولي (نشرة المجمع 1/12/2012). وجاء في نشرته عقب اغتيال 4 من علماء الطاقة النووية في ايران ان “.. دوافع وهوية الاشخاص والذين يقفون خلف عمليات الاغتيال مبهمة، بيد ان حقيقة حصولها أمر لا يمكن انكاره”

         واوضح المجمع ان “استهداف علماء الطاقة النووية يسبق بروز الاسلحة النووية .. ويعود الى علماء المانيا النازية لانتاج قنبلة نووية” الذين سعت الولايات المتحدة لاستقطابهم او تصفيتهم ان لم تنجح الاولى، مؤكدا استهداف الاجهزة الاميركية “لعالم الفيزياء الالماني الفذ فيرنر هايزنبيرغ.” ورد على لسان خبير فيزيائي وزميل لهاينزبيرغ، فيكتور وايزكوف، قوله “اعتقد ان افضل السبل في هذا الحال ترتيب عملية اختطاف لهايزنبيرغ اثناء زيارته لسويسرا.” ومن ثم تطورت العملية الى اغتيال فاضح بعد عام ونصف على كتاب وايزكوف المذكور

         الابرز في الوعي العام هو الاغتيالات السياسية التي قامت بها الولايات المتحدة عبر العالم، مما حدى بمدير وكالة الأمن القومي ابان عهد الرئيس ريغان، ويليام اودوم، الى القول “نظرا لأن لدى الولايات المتحدة عينها سجل طويل في دعم الارهابيين واستخدام اساليب ارهابية، فشعارات اليوم المنادية بالحرب على الارهاب تضع الولايات المتحدة في موقف المنافق في نظر العالم كافة.” ووصفت صحيفة “واشنطن بوست” الولايات المتحدة بأنها “دأبت ولزمن طويل على تصدير الارهاب ..” (26/8/2010)

         المسؤول السابق في وزارة الخارجية والمختص بالتاريخ العسكري، ويليام بلوم، يرجح ان الولايات المتحدة مسؤولة عن نحو “50 محاولة اغتيال لزعماء احزاب سياسية” عبر العالم منذ الحرب العالمية الثانية، منها ما نجح كاغتيال المناضل باتريس لومومبا في الكونغو، وفشل اجهزة الاستخبارات الاميركية في 8 محاولات لاغتيال الزعيم الكوبي فيديل كاسترو. واضاف في مؤلفه الاخير “وأد الأمل،” ان وزارة الخارجية “اقرت في شهر كانون الاول (2013) بتفويض من الرئيس الاسبق دوايت ايزنهاور لعملية اغتيال لومومبا، ووفر مدير وكالة الاستخبارات المركزية آلان دالاس مبلغ 100,000 دولار لانجاز مهمة الاغتيال”

         واثر تداول مسؤولية الولايات المتحدة عن عدد من عمليات الاغتيال في وسائل الاعلام، شكل الكونغرس “لجنة تشيرتش” (السيناتور فرانك تشيرتش)، 1975، لعقد جلسات عامة والسماع لشهادات المسؤولين والخبراء، “لدراسة عمليات الحكومة الرسمية الخاصة بالنشاطات التجسسية.” افضت الى اصدارها توصية تطالب الحكومة الاميركية وقف استخدامها للاغتيالات كوسيلة وجزء من السياسة الاميركية. وما لبثت تلك السياسة ان استعادت حرارتها في ظل اجواء الترهيب عقب تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر 2001. وجاء في تقرير لاسبوعية “ذي اتلانتيك،” 18/7/2012، ان الرئيس جورج بوش الابن “وافق على السماح لوكالة الاستخبارات المركزية انشاء وحدة اغتيالات بالغة السرية لتحديد مكان واغتيال نشطاء تنظيم القاعدة.” واضافت ان برنامج الاغتيالات تم حجبه عن لجان واعضاء الكونغرس لنحو 7 سنوات،” 2009، لحين عقد جلسة استماع لمدير وكالة الاستخبارات آنذاك ليون بانيتا الذي “كشف عن قيام وكالته بتوظيف شركة الأمن الخاصة بلاكووتر للمساعدة في تنفيذ المهام.” الأمر الذي شكل “المرة الاولى التي تقوم بها الحكومة الاميركية الاستعانة بشركة خاصة لتنفيذ الاغتيالات السرية”

         بعبارة اخرى، أمِلَ جورج بوش تشكيل درع لحماية نفسه من المسائلة، في حال الفشل، واودع المسؤولية بيد وكالة الاستخبارات لتقرر هي من سيتم اغتياله. واضاف تقرير “ذي اتلانتيك” ان بعض المتعاقدين مع شركة بلاكووتر، واعضاء سابقين في جهاز القوات الخاصة، اوضحوا “قيام الشركة بتنفيذ عمليات الاغتيال في افغانستان منذ عام 2008”

         ورث الرئيس اوباما وحدة الاغتيالات المذكورة، وتدخل عام 2010 لدى القضاء الاميركي بعدم المضي في مقاضاة بعض مسؤولي “بلاكووتر” بتهم الاتجار بالاسلحة “خشية تعريض الأمن القومي للخطر.” ومضى اوباما على خطى سلفه وصادق على عقد جديد مع الشركة قيمته 250 مليون دولار “لتأدية خدمات غير محددة لوكالة الاستخبارات المركزية.” كما شهدت تلك الفترة من حقبة اوباما الاستعانة بشكل مكثف بطائرات الدرونز لرفد عمليات الاغتيال التي اضحت “نموذجا طبيعيا جديدا” في ثوابت السياسة الاميركية

         كما اقتدى الرئيس اوباما بسياسات سلفه لتقنين سياساته المثيرة للجدل، وتحايل على القانون العام الساري الذي يحظر الاغتيالات، كما اسلفنا. واستنجد بوزارة العدل ايضا التي اصدرت كتابا يحدد “المبررات القانونية لاغتيال مواطنين اميركيين في الشرق الاوسط،” في اعقاب استهداف انور العولقي في اليمن ونجله من بعده، واللذين يحملان الجنسية الاميركية. وجاء في “تبرير” وزارة العدل انه يحق للرئيس اصدار امر لشن عملية تفتك بمواطن (اميركي) ثبت التيقن من موقعه “كـزعيم عملياتي كبير” في تنظيم القاعدة او المجموعات المنتسبة اليها

حرب غير متماثلة تستهدف الموارد البشرية للآخرين

         تتماثل سياسات الولايات المتحدة والكيان الصهيوني في شراكة التخلص الجسدي من الكفاءات العلمية والقيادات الواعدة للشعوب، لا سيما في الوطن العربي وكل من لا يمتثل لهما. وتفوقت الولايات المتحدة على “شريكتها” لاستنزاف الكوادر العلمية عبر تقديم عروض مغرية بالهجرة والاقامة في اراضيها. وتشهد استقطاب العلماء الالمان عقب الحرب العالمية الثانية على الدور الرئيس والمميز “للمهاجرين” في صنع التقدم التكنولوجي لاميركا، التي تبذل كل ما بوسعها لحرمان بلادنا من خيرة العقول والكفاءات

         واضحت عملية الاستقطاب ركيزة ثابتة في السياسة الاميركية، لا سيما في استهداف ذوي المواهب العلمية الواعدة من خارج اراضيها، الذين يرجع لهم الفضل الاوفى في “مجالات البحوث العلمية والنظرية بمستوى يفوق اي بلد آخر على نطاق العالم”

         وجاء في تقرير صادر عن “المؤسسة الوطنية للعلوم” ان الجزء الاكبر من العاملين في حقول العلوم والهندسة بكافة اشكالها في الولايات المتحدة “مواليد خارج الاراضي الاميركية.” اذ ان “عملية المقارنة لسوق العاملين حملة الشهادات الجامعية في كافة المعاهد التعليمية .. تشير الى اختلال لصالح المواليد الاجانب.” واشارت نتائج دراسة مسحية للمجتمع الاميركي اجريت عام 2011 الى ان نسبة العاملين في حقول الهندسة والعلوم من الاجانب تفوق 26% من مجموع حملة الشهادات الجامعية في عموم الولايات المتحدة. كما اوضحت ان ما ينوف عن 43% من المنتسبين لتلك الحقول والحاصلين على شهادات دكتوراه متقدمة هم من المواليد الاجانب ايضا

         تخصص الحكومة الاميركية موارد مالية معتبرة لتمويل هجرة العلماء من الدول الاجنبية، وتعتبرها احد اولوياتها، وتوفر التسهيلات القانونية لتيسير الهجرة. واستثمرت الحكومة مبالغ طائلة خلال العقود الستة الماضية في مجال الابحاث الاكاديمية، مما انعكس على تميز معاهدها العلمية في استقطاب افضل العقول والمواهب في كافة ارجاء العالم. بعد نجاح هجرة هؤلاء تمضي الحكمة الاميركية في توفير مزيد من التسهيلات والاغراءات لهجرتهم الدائمة الامر الذي استفاد منه نحو 2/3 مجموع العلماء والمهندسين الاجانب وانخرطوا في المجتمع الاميركي كمواطنين

         الظروف الاقتصادية الصعبة في بلادنا العربية وسوء توزيع الثروة وشح الاستثمارات العلمية حفزت اعداد متوالية من طلبة العلم والمتفوقين على التوجه غربا يقصدون الولايات المتحدة، ويحرم بلادنا من الاستفادة من ادمغة مثقفيها، في اغلب الاحيان. وعند فشل اسلوب الترغيب تستخدم “اسرائيل” سلاح الاغتيال للكفاءات. انها حرب دائمة مستدامة لكن كلفتها اقل دموية

التحليل 11-08-2014

:التحليل

قراءة في الانقلاب الانتخابي الجمهوري
والفرصة الاخيرة لاوباما
عوامل عديدة تكم الاداء الباهر للحزب الجمهوري في جولة الانتخابات الاخيرة، اعداد قادته المتقن وطويل الاجل لخوض الجولة، وافلاح جهوده لاعادة تقسيم الدوائر الانتخابية بما يضمن وصول مرشحيه للمناصب المطلوبة، منذ عام 2010؛ والاعتماد المكثف على دور المال السياسي في حسم العديد من المنفسات الانتخابية المتقاربة وفق ما كانت استطلاعات الرأي العام توفره
راهن الحزب الجمهوري محقا على توظيف عدد من مزايا خصمه خدمة لبرنامجه: ضعف اداء معظم مرشحي الحزب الديموقراطي، وبؤس توزيع موارد الحزب المالية المطلوبة للحملات الدعائية، فضلا عن غياب حماس القاعدة الانتخابية لتبني خطاب الحزب الديموقراطي ثمرة حملة منظمة بتمويل وفير من الحزب الجمهوري لشيطنة الرئيس اوباما وتحميله مسؤولية الاخفاقات السياسية، داخليا وخارجيا
ذهب البعض للمجاهرة بأن قواعد اللعبة الانتخابية تم تزويرها منذ البداية لصالح الحزب الجمهوري. شبكة “ان بي سي” للتلفزة وصفت فوز الحزب الجمهوري بأنه “واسع وعميق، كئيب للبعض وربما مخيف بعض الشيء.” اسبوعية “رولينغ ستون” نشرت تحقيقا موسعا عنونته “كيف يزيف الجمهوريون المشهد،” عدد 11 تشرين الثاني 2013، اوضحت فيه الالاعيب التي يلجأ اليها قادة الحزب “لتزييف الانتخابات، وقمع الناخبين واللجوء الى الحيل والخداع لاستغلال الثغرات القانونية” لتثبيت اجندتهم. الحزب الديموقراطي، في المقابل، ليس بريئا بالكامل كما انه ليس الضحية، وهو المشارك مشاركة تامة بتقاسم مغانم اللعبة السياسية واقصاء اي توجهات او تيارات اخرى قد تهدد امتيازات الحزبين
للدلالة على ما تقدم من عبث واستخفاف، نستعرض المشهد الانتخابي في ولاية بنسيلفانيا التي تعرضت لحملة تقسيم قاسية لدوائرها الانتخابية بدافع محاباة الناخبين الجمهوريين: اسفرت نتيجة الانتخابات الاخيرة عن تفوق مرشحي الحزب الديموقراطي بنحو 83،000 صوتا تمثل نسبة 44% من مجموع اصوات الناخبين، بيد ان نتائج الفوز اشارت الى نيل الديموقراطيين 5 مقاعد في مجلس النواب من مجموع 18 مقعدا في مجلس النواب مخصصة لها وفق الدستور. بعبارة اخرى، ترجمت النسبة المعتبرة الى اقل من 28% من مجموع المقاعد، وهكذا يتم التحايل على الارادة الشعبية عبر تقسيمات مغرضة للدوائر الانتخابية لتخدم حزبا دون آخر. الأمر عينه تكرر في عدد آخر من الولايات “الهامة والمحورية” بنظر الحزبين: بنسلفانيا، نورث كارولينا، جورجيا، فلوريدا، تكساس، لويزيانا، اريزونا، تنسي ومناطق اخرى
تحديات ومناكفات دستورية في الافق
انقلاب موازين القوى في المشهد الراهن سبق وان تكرر ابان ولاية الرئيس الديموقراطي الاسبق بيل كلينتون، اذ فاز الجمهوريون بمجلسي الكونغرس، تحت زعامة نيوت غينغريتش. بيد ان الرئيس تصرف بحنكة ومهارة عالية حاز فيها على دعم السلطة التشريعية لسن قوانين اصلاحية وتحقيق التوازن في الميزانية
الرئيس اوباما يفتقد الى الحنكة والبراعة التشريعية التي تمتع بها بيل كلينتون، فضلا عن العامل العنصري لدى نسبة غير بسيطة من اعضاء الحزب الجمهوري، لا سيما الاشد محافظة في تيار حزب الشاي. الامر الذي يؤشر على عسر المهمة التي تنتظره في كسب ثقة الكونغرس للتعاون المشترك وتحقيق مساومات ونيل موافقته بالمصادقة على عدد من المشاريع الهامة للرئيس
بالمقارنة مع الرئيس كلينتون، فان اوباما لا يبدي ميلا للمساومة والتوصل لحلول وسطية. تجسد ذلك في مؤتمره الصحفي الاخير غداة هزيمة الحزب الديموقراطي مؤكدا عزمه المضي لتحقيق اجندته. وقال “.. انا على يقين بانني ساقدم على اتخاذ بعض الاجراءات التي لا يحبذها بعض اعضاء في الكونغرس.” يذكر ان الرئيس اوباما لم يحالفه الحظ بذلك ابان سيطرة حزبه على اغلبية مجلس الشيوخ
امام هذه العقبة، يخول الدستور الاميركي الرئيس اصدار “قرارات تنفيذية” تحل مكان قرارات الكونغرس، والتي سعى الرئيس اوباما لتطبيقها في عدد من الحالات. اعتاد الرئيس اوباما على ممارسة حزبه بموقع الاغلبية في مجلس الشيوخ لابطال وافشال مشاريع وميزانيات مقترحة صادق عليها مجلس النواب بزعامة الجمهوريين
انقلاب موازين القوى الاخير سيفرض تحديات مضاعفة على الرئيس اوباما، لا سيما لعدم قدرة الاقلية في مجلس الشيوخ تعطيل اي قرارات، خاصة تلك التي تستدعي موافقة اغلبية بسيطة من الاعضاء، 51%. وسيستغل خصومه الجمهوريون نفوذهم الجديد للمصادقة على قرار “اعادة التوازن للميزانية” وقرار “اعادة النظر بعمل الكونغرس لعام 1996” واللذين باستطاعة الاغلبية البسيطة المصادقة عليهما، الأمر الذي سيترك تداعيات سلبية على صلاحيات وقرارات الرئيس اوباما
القانون الخاص بالميزانية يخول الكونغرس سن قرار تمويل الحكومة دون حق اللجوء لاستخدام سلاح التعطيل، الذي ابطل مفعوله سابقا. استغل رئيس مجلس الشيوخ الديموقراطي، هاري ريد، ذاك الاجراء للمصادقة على قرار الرعاية الصحية الشاملة الذي تعرضت جلسات مناقشاته لخطابات مطولة اشهرها للسيناتور تيد كروز الذي بقي يتحدث لمدة 24 ساعة متواصلة بغية تعطيل الاجراء.
ما يقلق الرئيس اوباما في هذا القرار تحكم الكونغرس بآلية الصرف والانفاق من قبل السلطة التنفيذية. اذ باستطاعة طاقم الكونغرس الجديد تحديد السقف الاعلى للرئيس للصرف على بند “العفو عن الهجرة غير الشرعية” وحصر الكلفة بمبلغ مقطوع لكلفة طلبات الحصول على الهجرة. كما يخشى استغلال الحزب الجمهوري للبند المتعلق بآلية صرف اي هيئة حكومية وحرمانها من الانفاق على جهود تطبيق القوانين المعمول بها
لدى الرئيس صلاحية استخدام حق الفيتو لابطال اي مشروع مقدم لا يناسبه، اما الغاء الفيتو فيتطلب نسبة الاغلبية المطلقة، ثلثي الاعضاء، لدحضه. يدرك الرئيس اوباما ان لجوءه لتلك الصلاحية اجراء محفوف بالخطر سيما وان الجولة الانتخابية القادمة ستعقد عام 2016 وما ستتركه من تداعيات على جمهور الناخبين. من المرجح ان يلجأ الجمهوريون لتحديد مجالات تقليص الانفاق الفيدرالي، كبرنامج الرعاية الصحية، طمعا في نيل رضى القاعدة الانتخابية، بالاضافة الى الخشية من انضمام بعض الممثلين عن الحزب الديموقراطي لجانب خصومهم لاستكمال نسبة الثلثين، سيما وان عددا منهم ينوي اعادة ترشيحه للمجلس
الحيل السياسية الطامعة في تقييد سلطات الرئيس وفيرة ولا تنضب عند خصومه، منها مصادقة الكونغرس على عدم المساس ببعض برامج الرعاية، مثل الرعاية الاجتماعية، من جانب، وفي الجانب الآخر ابطال مفعولها باستحداث قرار جديد يتطلب مصادقة الرئيس يتضمن مجالات تقليص الانفاق. في حال استخدام الرئيس صلاحيته بقرار الفيتو سيترك تداعيات سلبية على هيئات حكومية ضرورية للحزب الديموقراطي يناهضها الاعضاء الجمهوريون مثل هيئة حماية البيئة ووزارة التربية وهيئة الاشراف على الاغذية والادوية
قرار “اعادة النظر بعمل الكونغرس لعام 1996” ينص على حق مجلسي الكونغرس مراجعة ونقض اي اجراء حكومي جديد، محصنا بعدم جواز تعطيله او تأجيله في اروقة مجلس الشيوخ. في ظل هذا “الانقلاب الدستوري” باستطاعة الرئيس اوباما استخدام حقه في نقض القرارات التي تتطلب موافقته لسنها، وهو ما لا يرجحه المراقبين. خطورة هذا القرار تكمن في تخويل مجلسي الكونغرس بزعامة الحزب الجمهوري تجاهل وتعطيل اي قرار لا يعد مناسبا وعدم ادراجه على جدول الاعمال لمناقشته، فضلا عن ممارسة حق نقض فيتو الرئيس. من المرجح ان يستخدم الجمهوريون الاساليب المذكورة لتعطيل فعالية الرئيس اوباما فيما تبقى له من زمن ولايته الثانية
السياسة الخارجية تحت المقصلة ولكن
تزامن مع اعداد التقرير تسريب عن رسالة سرية موجهة من اوباما لمرشد الثورة الايرانية اية الله خامنئي، ويبدو انه ارسلها كبادرة حسن نوايا ومجاملة دبلوماسية بمناسبة خضوع المرشد لعملية جراحية وتهنئة بنجاحها. وبقطع النظر عن التأويلات المختلفة لتوقيت التسريب والجهة التي اقدمت عليه تؤشر هذه الرسالة على رغبة شديدة لدى اوباما بان ينجز اختراقا واتفاقا مع ايران حول الملف النووي. امام اوباما فرصة لكي يحقق انجازا شبيها بما حققه نيكسون – مع الصين – الذي كان يعاني وضعا ضعيفا مشابها لاوباما على الصعيد الداخلي، وقد يكون تحقيق ذلك الانجاز الاساسي لحقبة اوباما والذي يمكن ان يدخل التاريخ مجددا منه
هذه الفرصة محدودة زمنيا لموعد استلام الجمهوريين لزعامة مجلسي الكونغرس في يناير 2015 ويبقى السؤال هل سيجرؤ على الاقدام وهل ستمكنه المرونة الايرانية من احداث الاختراق الذي سيكون تاريخيا ومفصليا تجاه مستقبل منطقة الشرق الاوسط وملفاتها الشائكة
السلطة التنفيذية هي المخولة دستوريا تطبيق السياسة الخارجية او العسكرية، بيد ان الخصوم من الجمهوريين سيفعلوا كل ما بوسعهم للمزاحمة والتضييق على سلطات الرئيس، نظرا لأن اقرار الميزانيات هي بيد الكونغرس حصرا، كما يحتفظ مجلس الشيوخ بحق المصادقة على التعيينات الرئاسية لمناصب ديبلوماسية والموافقة على المعاهدات
وسارع عدد من الطامحين من قادة الحزب الجمهوري الى البوح صراحة بالتوجهات السياسية المطلوبة، اهمها جون ماكين الذي يرجح تبوئه منصب رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، والداعي الى تسليح المعارضة السورية والطاقم الحاكم في اوكرانيا. وسيستغل منصبه الجديد افضل استغلال لتحقيق اجندة معسكر الحرب ومصالح الشركات الكبرى كممثل وفي لها
في هذا الصدد، ارسل الرئيس اوباما رسالة تصالحية لخصومه بانه قد يتوجه للكونغرس للحصول على تفويض جديد يخوله محاربة داعش، وما ينطوي عليه من تخصيص ميزانيات معينة خارج بنود الميزانيات المقررة سلفا. نادى خصومه باستمرار انه يتعين عليه التوجه للسلطة التشريعية طمعا في التفويض يعينه على تنفيذ استراتيجيته طويلة الأمد في “محاربة داعش” واعادة اصطفاف القوات الاميركية في المنطقة بعد “خروجها” من العراق
وبدا لاول وهلة ان الرئيس اوباما يتبنى خطاب خصومه الجمهوريين فيما يخص الحرب الدائرة في سورية والعراق. واوضح ان بلاده تواجه “عدو من نوع مختلف والاستراتيجية المطلوبة ايضا مختلفة.” واضاف في ما بدى استمالة خطاب خصومه بالقول “منطقي بالنسبة لنا التيقن من هدف تفويض الكونغرس كانعكاس لادراك ما نراه استراتيجية ينبغي المضي بها لفترة شهرين او ثلاثة أشهر .. بل صلب استراتيجية تخولنا المضي قدما”
تتقاطع رؤى السلطيتين التنفيذية والتشريعية حيال سورية وداعش بعض الشيء، بيد ان الصراع يطبع رؤيتيهما فيما يتعلق بالتوصل الى اتفاق مع ايران حول ملفها النووي، وليس مستبعدا ان يلجأ الكونغرس الجديد استغلال سلطته لاقرار التمويل لابطال تطبيق بعض بنود الاتفاقية
ومن هنا تبرز أهمية نجاح الرئيس اوباما في التوصل لاتفاق مع ايران في الموعد المحدد، 24 الشهر الجاري، او قبله، لدرء تقييد حريته مطلع العام المقبل عند بدء الكونغرس الجديد ولايته الرسمية. وليس مستبعدا ان يلجأ الجمهوريون عقب تسلم مهامهم الجديدة لطرح الاتفاق على بساط البحث بغية احراج عدد من الاعضاء الديموقراطيين في التصويت ضد الرئيس اوباما او الاصطفاف الى جانب رفع القيود عن اجراءات المقاطعة، خاصة اولئك الذين سيخوضون جولة الانتخابات التجديدية المقبلة عام 2016
من نافل القول ان التركيبة الجديدة لمجلسي الكونغرس تتميز بتحيزها “لاسرائيل” وميل طاقمها للموافقة على مزيد من الهدايا والعطاءات الاميركية
الاجندة الداخلية
فوز الجمهوريين سينعكس مباشرة على عدد من القضايا والملفات الخلافية الداخلية: برنامج الرعاية الصحية، رفع الحد الادنى لمستوى الاجور، تسهيل قروض التعليم، تشديد قوانين الهجرة باتجاه تضخيم الاجهزة الأمنية لمواجهة المهاجرين القادمين من الجارة الجنوبية تحديدا، والمصادقة او تعطيل المصادقة على مرشحي الرئيس لمناصب ديبلوماسية وقضائية
اوباما وحلفاؤه يدركون تماما ما ينتظرهم من متاعب مقبلة، وسيسعى الرئيس بكل ما اوتي من عزم لانجاح بعض القضايا الهامة مستغلا ما تبقى من ولاية الاغلبية الديموقراطية في مجلس الشيوخ. اولى بوادر الاجراءات اعلانه نهاية الاسبوع الجاري مرشحته لمنصب المدعي العام الفيدرالي خلفا لاريك هولدر الذي يكن له معظم الجمهوريين عداءً بيناً
من اهم بؤر الخلافات بين السلطتين مسألة اصلاحات قوانين الهجرة الراهنة، ومطالبة القاعدة الشعبية لا سيما لدى الحزب الديموقراطي بمنح المصنفين “غير شرعيين” عفوا عاما يؤهلهم الاندماج التام في النسيج الاجتماعي وما ينطوي عليه من حقوق وواجبات، لا سيما في دفع الضرائب المتراكمة
واوضح الرئيس اوباما في مؤتمره الصحفي الاخير عزمه العمل مع الكونغرس “لسن مشروع اصلاحي شامل لقوانين الهجرة” مؤكدا عزمه على “بذل كل ما بوسعه من صلاحيات دستورية لاتخاذ اجراءات قانونية من شأنها تطوير قوانين الهجرة المعمول بها.” وحذر خصومه بأنه لا ينوي “الانتظار” بل سيلجأ للمبادرة سريعا، مدركا في الخلفية قيود الميزانية التي سيلجأ اليها خصومه لتقييد حرية حركته المنصوص عليها دستوريا. وسارع عدد من اعضاء مجلس الشيوخ المتشددين عن الحزب الجمهوري توجيه كتاب تحذيري لرئيس المجلس، هاري ريد، ينذرون “بأزمة دستورية” في حال لجوء الرئيس اوباما استخدام صلاحياته الدستورية لاقرار اجراءات لها قوة القانون
كما انذر الموقعون رئيس المجلس بنيتهم تعطيل المشروع الجاري لتمويل الحكومة الفيدرالية الى ما بعد فترة 11 من كانون الاول المقبل في حال اخفاقه “التصدي لتجاوزات السلطة التنفيذية،” وكذلك اللجوء الى “الوسائل الاجرائية” المتاحة لفرض نقاش المسألة على جلسات مجلس الشيوخ بغية “حسم الازمة الدستورية التي تسبب بها الرئيس اوباما في قرار العفو المناهض للقانون”
على رأس سلم اولويات الحزب الجمهوري المصادقة العاجلة على انشاء انبوب نقل النفط الكندي الى السواحل الجنوبية للولايات المتحدة “كي ستون اكس ال،” ترجمة لتعهداته بمحاباة كبريات شركات النفط والطاقة. عمدت ادارة الرئيس اوباما الى تأجيل البت في المصادقة عليه نظرا لجملة معطيات، اهمها معارضة قوية من قوى اجتماعية متعددة في ولايات الوسط التي سيمر بها خط الانابيب، فضلا عن معارضة شرسة لانصار البيئة لما ينطوي عليه من مخاطر “انبعاث غاز المناجم والمستنقعات – الميثان، وتلوث الابار الجوفية ..” يذكر ان عددا من اعضاء الحزب الديموقراطي يدعمون قرار المصادقة على الخط، الأمر الذي سيستغله القادمون الجدد في الدورة المقبل
من اولويات الفريق القادم ايضا “تقليص” العمل ببرنامج الرعاية الصحية الشامل – اوباما كير، الغاء الضريبة المفروضة على المعدات الطبية وايقاف العمل بالزام ارباب العمل توفير التغطية الصحية للعاملين في حده الادنى
جدير بالذكر في هذا الصدد تراجع الرئيس اوباما عن تعهداته لقواعده الانتخابية، في ولايتيه الرئاسيتين، خدمة لمصالح رؤوس الاموال والشركات الكبرى وممثليها في الكونغرس من الحزبين: وافق اوباما على مقايضة تخفيض معدلات الرعاية الاجتماعية ورواتب التقاعد والرعاية الطبية مبكرا مقابل موافقة الفريق الآخر على “مبدأ” اعادة النظر بنظام الضرائب المفروض على الشركات وكبار الاثرياء؛ فضلا عن تعزيزه اركان الدولة البوليسية والاستخباراتية ممثلة بتجسس وكالة الأمن القومي على الداخل والخارج؛ واستئناف مراكمة الترسانة النووية التي، للمفارقة، اقدم الرئيس ريغان على تقليصها، بكلفة تقدر بما ينوف عن تريليون (الف مليار) دولار.
آفاق الانتخابات الرئاسية المقبلة
من المفيد استعادة الدوافع الرئيسة التي حفزت الناخبين للتصويت لصالح الرئيس اوباما في ولايته الاولى، وفريق حزبه في الكونغرس، لعل اهمها جاء على خلفية نبذ السياسات الاقصائية ومغامرات المحافظين الجدد وانصارهم الليبراليين الجدد في التدخل والعدوان خارج الاراضي الاميركية، وما ترتب عليها من ازمة اقتصادية لا زالت اصداؤها تتردد للزمن الراهن، فاقمها الرئيس اوباما بانحيازه لجانب رأس المال والشركات المصرفية الضخمة في وول ستريت، شريحة 0.01%، على حساب الغالبية الساحقة من الشعب؛ وتبنيه للحروب الدائمة والشاملة في العالم العربي والمنطقة المحيطة.
يشير عدد من كبار المختصين بتحليل نتائج الانتخابات الى تصاعد ونمو ودور العامل العنصري في الانتخابات الاخيرة، ساهم الى جانب عوامل موضوعية اخرى، في مفاضلة وبروز التيارات الاشد محافظة بين الفريقين. واوضحت اغلبيتهم انه يتعين على القوى والتيارات الاميركية “الاعتراف بدور عامل العنصرية كتيار محوري في البنية السياسية الاميركية .. والدوافع العنصرية للنتائج التي اسفرت عنها انتخابات عام 2014 ” الى جانب استغلال القوى المؤثرة لعامل “الخوف والذعر” الذي رسخته السياسات المتلاحقة في الذهن الشعبي، تجسدت في “المبالغة في خطر وتهديد الدولة الاسلامية، وغزو اطفال اميركا الوسطى، وفيروس ايبولا القادم من افريقيا.”
الثابت في نتائج الانتخابات انها ابرزت عدد من الطامحين سياسيا بين الفريقين، واطاحت بآخرين ليس بسبب عزوف الناخبين عن الادلاء باصواتهم فحسب، بل لتراجع ثقة العامة في جدوى الانتخابات التي سجلت ادنى نسبة في تاريخ الانتخابات الاميركية، اقل من 36% شاركوا في الانتخابات. المفارقة تكمن في ادانة المسؤولين الاميركيين لنتائج الانتخابات في شرقي اوكرانيا، دونيتسك ولوهانسك، التي شهدت نسبة مشاركة عالية اكثر من 60% من الناخبين على الرغم من تهديد القصف المتواصل لقوات حكومة كييف.
الخسارة الاكبر لفريق الحزب الديموقراطي كان في مناصب حكام الولايات التي عوِّل على عددم منها لتعديل كفة الانتخابات المقبلة، وجاءت بعض النتائج صادمة للجميع، اهمها في ولاية ماريلاند، الملاصقة للعاصمة واشنطن، التي فضلت مرشح جمهوري على سياسي مخضرم من الحزب الديموقراطي. يلعب حكام الولايات في الانتخابات الاميركية دورا محوريا هاما، ليس في بعد تسخير الامكانيات العامة لصالح فريق محدد، بل في اعلاء شأن فريق مفضل عبر سن قوانين محلية، كما شهدنا في ولاية فلوريدا التي “رجحت” فوز الرئيس الاسبق جورج بوش على خصمه آل غور على الرغم من رجحان كفة الاصوات لصالح الاخير.
عزوف عدد من المرشحين الديوقراطيين عن الظهور العلني بجانب رئيس الحزب ورئيس البلاد اثبت عقم الاجراء للتقرب من الشرائح المعارضة للرئيس وسياساته، وربما سيسعى استراتيجيو الحزب الاستفادة من تلك “السقطة” في الجولة المقبلة. الفريق الفائز في هذه الدورة سيواجه عدة متاعب في الجولة المقبلة عام 2016، أهمها اتضاح نزعة السيطرة والنفوذ السياسي على حساب الاعتبارات والمصالح الشعبية، واخفاقه في معالجة عدد من التحديات، بل التراجع عن بعض المكتسبات للشريحة الكبرى من المجتمع: برامج الرعاية الصحية ورواتب المتقاعدين مثالا.
دور المال السياسي””الرشوة السوداء المقننة”
جولة الانتخابات الحالية تعد الاولى التي تحررت من القيود المفروضة للحد من تضخم التبرعات لمرشح معين، ثمرة لقرار المحكمة العليا عام 2010 الذي “فتح باب التبرعات على مصراعيه” دون اي قيود او ضوابط تذكر. وعليه، برز دور الممولين الكبار بشكل علني لم يسبق له مثيل في تمويل الحملات الانتخابية والدعائية التي تضخمت لمستويات غير مسبوقة في تاريخ الانتخابات الاميركية. وقدر كلفة الحملات من الطرفية بنحو 4 مليار دولار جاءت نتيجتها مطابقة لتوقعات مصادر الدعم، على رأسها امبراطوريات المال العائدة “للاخوين كووك، وشيلدون اديلسون.”
برز تأثير قرار المحكمة العليا في مجالات شتى بعيدة عن اجراءات الرقابة والمحاسبة والشفافية، واستدخل مصطلح “الاموال السوداء،” مجهولة المصدر والحجم، لتمويل الحملات الانتخابية المتعدة. في السابق، عمد كلا الحزبين ومؤيديهم على استنساخ بعضهم بانشاء صناديق مالية لدعم الانتخابات ذات تفرعات متشعبات متعددة، ليس بدافع تنويع مصادر الدعم فحسب، بل للتحايل على القيود المفروضة.
في الجولة الانتخابية الراهنة، تجسدت مصادر “الاموال السوداء” في عدد من السباقات الانتخابية المحورية، لا سيما نورث كارولينا، التي بلغ معدل الدعايات المتلفزة بث واحدة كل 50 ثانية، في الايام الاخيرة للسباق، الاعلى كلفة في تاريخ السباقات الانتخابية الاميركية لمنصب عضو مجلس الشيوخ. وقدرت الكلفة الاجمالية بما ينوف عن 100 مليون دولار.
في ولاية كنتاكي، تبنت مجموعة مجهولة “تحالف الفرص لكنتاكي” نفقات الصرف على “12،000” دعاية متلفزة لمرشحها المفضل، ميتش ماكونل. يزعم “التحالف” في الوثائق الرسمية استقلاليته عن اي من المرشحين، بيد ان السجلات الرسمية اشارت الى ادارة المجموعة من قبل “مساعد سابق لميتش ماكونل” كأحد فروع حملته الانتخابية.
ايضا، استعاد ثلاثي اباطرة تمويل الحزب الجمهوري بريقه ودوره المحوري في هذه الجولة، ممثلا بـ “كارل روف وشيلدون آديلسون والاخوين كووك،” عبر مؤسسات مستحضرة لهذا الغرض. وحصد الاول 6 مقاعد من مجموع 10 انفق عليها في عدد من الولايات وقد يحصد مقعدين اضافيين في ولايتي الاسكا ولويزيانا اللتين لن تحسم نتائجهما الا مطلع العام المقبل. حصيلة مماثلة سجلها الاخوين كووك، اذ فاز 5 مرشحين من مجموع 9 تم دعمهم بكثافة.
بالمقابل، ممول حملات الحزب الديموقراطي الاكبر، توم ستيير، انفق نحو 73 مليون دولار دعما لمرشحين موالين لاجندته “التقدمية،” وحصد نتائج متواضعة نسبة لحجم الانفاق: استطاع الاطاحة بمرشحين للحزب الجمهوري ومرشح آخر لمنصب حاكم الولاية – توم كوربيت في ولاية بنسيلفانيا، واخفق في ولايتي فلوريدا وماين.
تجدر الاشارة الى ان تركيبة مجلس الشيوخ الراهنة تضم العضو الوحيد المصنف مستقلا عن الحزبين، بيرني ساندرز، الذي ادان علنا “مصالح اصحاب المليارات” في تحديد نتائج الانتخابات. وقال عشية الانتخابات انه يتعين على الجمهور الاميركي بلورة اجندة تصادمية لاقصاء “شريحة المليارديرات” عن التحكم بالعملية الانتخابية، مطالبا بتعزيز العرف السابق “بالتمويل العام العلني للانتخابات كي لا يستطيع اولئك شراء الانتخابات.” ساندرز لم يهمل عامل “الشركات الكبرى” وتبرعاتها الضخمة لصالح مرشحين من الحزبين اذ دأبت على المراهنة على الطرفين سوية، وان بنسب متفاوتة.

التحليل 10-31-2014

:التحليل

هواجس اوباما السياسية وراء قرار تشديد الاجراءات الامنية
يؤكد المسؤولين الاميركيين وباستمرار ان بلادهم لا تعاني من تهديد ارهابي حقيقي، وعلى الرغم من ذلك الاقرار اعلنت الادارة الاميركية، عبر وزارة الأمن القومي، عن تشديد الاجراءات الأمنية على كافة المرافق الحكومية في طول البلاد وعرضها، شملت نحو 10،000 مبنى رسمي ومقرات للمحاكم. واوضح الاعلان على لسان وزير الأمن، جيه جونسون، ان “هيئة الوقاية الفيدرالية” مكلفة بتوفير الأمن وتشديد الحماية على “واشنطن وبعض المدن الاميركية الكبرى.” تزامن الاعلان مع حادثة اطلاق النار في البرلمان الكندي “من قبل شخص بمفرده”
التبرير الرسمي للاجراءات الأمنية بدى واهياً وغير متماسك، اذ اعتبرها “احترازية” وليس بدواعٍ أمنية – او بناء على توفر معلومات حسية ومادية تشير الى تهديد يلوح في الافق. واوضح وزير الأمن ان الاجراءات اتخذت “.. نظرا لتنامي الضغط الشعبي وخشيته من (ترجمة) المجموعات الارهابية تهديداتها باسهتداف اراضي البلاد ومناطق اخرى، بما فيها الاجهزة الأمنية ومسؤولين رسميين”
توقيت اعلان الاجراءات مريب ايضا، اذ مضى على حادثة كندا بضعة ايام وكانت فردية ومحدودة ولا تشكل مبررا بحد ذاتها. لعل العامل الأهم هو مناخ الانتخابات النصفية القريب طمعا في تأجيج المشاعر الشعبية كي تصب في خدمة مرشحي الحزب الديموقراطي، سيما وهو يواجه تحديا حقيقيا ينذر بخسارته لاغلبيته في مجلس الشيوخ. يشار ايضا الى ثبات نتائج استطلاعات الرأي حول تدهور ثقة الناخبين بالرئيس اوباما وسياساته، مما حفز كل من الرئيس ونائبه جو بايدن تكثيف جولاتهم في طول وعرض البلاد لدعم المرشحين الديموقراطيين. في المقابل، يسخّر الحزب الجمهوري اموالا طائلة من خزينته للصرف على المقاطعات الميالة للحزب الديموقراطي واينما بزغ بريق أمل في النجاح
تردي الاوضاع الاقتصادية في نظر معظم القواعد الانتخابية لا تزال تحتل رأس سلم الاولويات، اضيف اليها مسألتي الارهاب والسياسة الخارجية، اللتين تشكلان الخاصرة الرخوة للحزب الديموقراطي. واوضحت نتائج احد استطلاعات الرأي اجرته صحيفة “واشنطن بوست” بالتعاون مع شبكة “ايه بي سي” للتلفزة ان 60% من المستطلعة اراءهم “لا يثقون بالحكومة الفيدرالية” على معالجة التحديات الراهنة، وهي ذات النسبة التي اعترضت فيها القواعد الانتخابية على اغلاق مرافق الدولة العام الماضي فضلا عن ” فشل تطبيق” برنامج الرعاية الصحية – اوباما كير، لحظة انطلاقته
ازمة الثقة في الاداء الحكومي في تدهور مستمر، خاصة فزع الشعب بأكمله من انتشار فيروس ايبولا، بعد رصد حالات عدوى متعددة، بالاضافة الى “تهديدات داعش.” الاستطلاعات المختلفة تشير الى ارتفاع نسبة الذعر بين المواطنين، بمعدل 3 الى 1، الذين يلقون اللوم والاخفاق على عاتق الرئيس اوباما والحزب الديموقراطي بدلا من حالة الشلل العملياتي الناجمة عن تشدد ممثلي الحزب الجمهوري
الاخفاق الاكبر للرئيس اوباما بين الناخبين يتعلق بقدرته على مواجهة تحدي الارهاب، سيما وان اغلبية معتبرة من الشعب الاميركي اعربت عن عدم رضاها من آليات الرئيس لمعالجة تهديدات ارهابية متنوعة، كما اوضحت صحيفة “نيويورك تايمز” مؤخرا. واسفرت نتائج الاستطلاع الذي نفذته الصحيفة عن عدم رضى 50% من الناخبين لاداء الرئيس في معالجة “التهديدات الارهابية،” مقارنة مع تأييد 41% للرئيس. يشار الى ان نسبة الاخفاق من اداء الرئيس هي الادني منذ تسلمه مهام منصبه الرئاسي قبل 7 سنوات. الاخفاق ايضا لقي صدى في احدث استطلاع اجرته وكالة “اسوشيتدبرس” الذي اسفر عن خشية 53% من الناخبين من ارتفاع خطر هجوم ارهابي داخل الولايات المتحدة، مقابل 12% يصنفونه بخطرٍ متدني
كما يرصد المراقبون ارتفاع الكلفة السياسية للرئيس اوباما على خلفية عدم رضى الاغلبية لادائه. واوضحت يومية “وول ستريت جورنال” انها تقدمت بسؤال للناخبين حول تداعيات حادثة كندا واحتمالات تكرارها ضد مراكز شرطة في مدينة نيويورك، وايضا هل سيؤثر انتشار فيروس ايبولا داخل اميركا على اصواتهم. النتيجة، كما افادت، لم تكن مريحة سواء للرئيس اوباما او للحزب الديموقراطي
واوضحت الصحيفة ان 53% من الناخبين اعرب عن نفوره من تأييد الحزب الديموقراطي، بينما نال الحزب الجمهوري عدم رضى بنسبة 40%. كما اشار نحو 35% من الناخبين الى دور اجهزة الاعلام وتغطيتها للاحداث في صناعة المزاج العام وانهم يميلون للتصويت لصالح الحزب الجمهوري ومرشحيه، في حين يميل نحو 25% للتصويت للحزب الديموقراطي. في انتخابات عام 2010، مثلا، تقدم الحزب الجمهوري تقدما طفيفا على خصمه الديموقراطي بنقاط سبعة بين الناخبين ومفاضلته على تولي قيادة مجلسي الكونغرس
في احدث صفعة يواجهها الحزب الديموقراطي شرع المرشح عن الحزب في ولاية ساوث داكوتا، ريك ويلاند، الى توزيع عريضة بين زملائه المرشحين الديموقراطيين يطالب بتنحية زعيم الاغلبية الديموقراطية في مجلس الشيوخ، هاري ريد، عن منصبه واستبداله بكفاءة اخرى نظرا لان جولة الانتخابات الراهنة هي “صراع على قيادة جديدة في الكونغرس” تتميز بوضوح موقفها من المال السياسي “وابعاده عن (التأثير) على الكونغرس”
محاصرة الرئيس اوباما والابتعاد عنه امام الجمهور ليست ظاهرة عابرة، سيما عند الاخذ بعين الاعتبار ان عددا لا بأس به من المرشحين الديموقراطيين يتبعون دوائر انتخابية كانت محسومة التوجه لصالح الرئيس في السابق. في ولاية هاوايي، مسقط رأس اوباما، فاز بها بنسبة 70% ابان الدورة الانتخابية السابقة. راهنا يصارع المرشح الديموقراطي، مارك تاكاي، للبقاء امام خصمه الجمهوري المتطرف والمحسوب على تيار حزب الشاي
تجسد تيار الابتعاد عن اوباما وصل لفئة الشباب من الناخبين ايضا، الذين عادة ما يجري تصنيفها كخزان احتياطي لمستقبل الحزب الديموقراطي. في احد استطلاعات الرأي الذي رعته جامعة هارفارد العريقة، بين فئة 18-29 العمرية، اوضح ان نسبة 51% منهم يفضلون الحزب الجمهوري ومرشحيه مقابل 47% تؤيد الحزب الديموقراطي. ايضا في الجولة الانتخابية عام 2010، اعربت اغلبية 55% من الناخبين عن تفضيلها للحزب الديموقراطي مقابل 43 للحزب الجمهوري
مع اقتراب يوم الاقتراع ووضوح توجهات فئة المترددين من الناخبين والمرجح ميل اصواتهم للحزب الجمهوري، فرضت تعديلات اساسية في استراتيجية الحزب الديموقراطي الانتخابية. الصيغة السابقة كانت متواضعة وتطمح للاحتفاظ بسيطرته على مجلس الشيوخ، وفي حال تعادل تمثيل الطرفين يدلي رئيس مجلس الشيوخ، نائب الرئيس جو بايدن، بصوته لحسم الجدل. اجواء المزاج الشعبي تدل راهنا على ترجيح كفة الحزب الجمهوري ربما بأغلبية ضئيلة في مجلس الشيوخ؛ بيد ان انتخابات عام 2016 المقبلة ستسفر عن خسارتهم مكانتهم القيادية، على الارجح، نظرا للمنافسة الشديدة على مقاعد التمثيل. يذكر في جولة الانتخابات المقبلة ستشهد تجديد الترشيح لمقاعد 7 ممثلين في مجلس الشيوخ عن الحزب الجمهوري الذين فازوا بدوائر انتخابية عادة ما تميل للحزب الديموقراطي، وفاز بها الرئيس اوباما ولايتيه الرئاسية
في تلك الحالة، سيتكيف الحزب الديموقراطي للتركيز على النيل من الممثلين الجمهوريين الجدد في دوائر الحزب الانتخابية؛ بينما كان التصور السابق ينصب على تسخير مكانة الرئيس الديموقراطي المقبل، كما يعتقد، لاعادة عقارب ساعة سيطرة حزبه على مجلس الشيوخ.
بيد ان المؤشرات الراهنة تدل على عكس تلك التوقعات، اذ يعتقد البعض ان فوز الجمهوريين سيكون بمعدل 55 مقعدا، مع الاخذ بعين الاعتبار اصطفاف ممثلين اثنين عن الخصم الديموقراطي الى جانبه: ماتشين عن ولاية ويست فرجينيا، وكينغ عن ولاية ماين
ما يتبقى لاستراتيجية الحزب الديموقراطي، لانقاذ ماء وجهه، يستند الى خيارين متواضعين: مشاركة واسعة النطاق من قواعده الانتخابية التي دخلت في سبات عميق راهنا ولديها تحفظات على سياسات الرئيس اوباما؛ تفادي ارتكاب اي اخطاء قبل يوم الاقتراع من شأنها تأجيج قواعد الحزب الجمهوري تسهم في استقطاب اعداد اضافية من شريحة المستقلين لصالح الخصم. وعليه، يتبين ان اقصى ما يطمح اليه الحزب الديموقراطي في الايام القليلة الحرجة هو احباط اي هجوم ارهابي جديد قبل ادلاء الناخبين باصواتهم وحرمان الخصم الجمهوري من حشد القواعد الانتخابية للديموقراطيين لصالحه
واستنادا الى جملة المعطيات الواردة، باستطاعتنا القول انها مجتمعة اسهمت في التوصل لقرار تعزيز الحماية الأمنية للمرافق الحكومية وتسخيرها لخدمة اغراض حزبية، مقرونة بتأرجح عدد من مقاعد التمثيل للحزب الديموقراطي وانتقالها للخصم. فوز مرتقب للحزب الجمهوري يرافقه هجوم ارهابي سيفرز اجواء مضطربة ومفاجآت غير سارة بالنسبة للرئيس اوباما
لدى بدء الفرز واغلاق صناديق الاقتراع قد تدل المؤشرات المبكرة لولايتي نورث كارولينا ونيو هامبشير، اللتين يعاني مرشحي الحزب الجمهوري فيهما من اختلال التوازن لصالح الخصم الديموقراطي، على فوز الحزب الجمهوري، كما ان الحملة الدعائية المكثفة راهنا تشير الى تعديل النسب لصالح الحزب الجمهوري. في حال مالت رياح النتائج الانتخابية لصالح الجمهوريين في الولايتين وفي وقت مبكر من مساء يوم الانتخاب سيدل على تعزيز حظوظ الحزب الجمهوري للفوز بأغلبية مقاعد مجلس الشيوخ. ايضا، ان استطاع المرشحين الجمهوريين الفوز في ولايتي فرجينيا ونيو جيرسي، او احراز شبه تعادل، فان عصر الجمهوريين بدأ يتشكل على الرغم من مخاوف الحزب الديموقراطي في عقر داره
ايضا وبنفس الأهمية ينبغي مراقبة نتائج الانتخابات على صعيد حكام ولايتي ويسكونسون ونيومكسيكو، سكوت واكر وسوزانا مارتينيز على التوالي، عن الحزب الجمهوري، واللتين يمتمتع الحزب الديموقراطي باغلبية بيّنة. في حال فوزهما المرتقب فان كليهما سيتحول الى مرشح محتمل لمنصب الرئيس عن الحزب في انتخابات عام 2016. يذكر ان ووكر ربح الجولة ضد نقابة المعلمين الذين طالبوا بحقوقهم، مما مهد له الفوز بالمنصب. مارتينيز من اصول اسبانية وتشكل مرشحا مرحبا به في الحزب الطامح للتقرب من قطاع المرأة من تلك الاصول ايضا
اخيرا، سيخصص المرصد حيزا واسعا من اصداره لتناول نتائج الانتخابات وتجلياتها

التحليل 10-24-2014

:التحليل

خريطة الاتجاهات الراهنة والتحولات المرتقبة عشية الانتخابات الاميركية
الحزب الجمهوري يتوثب للسيطرة على الكونغرس
الشائع بين الجمهور الانتخابي الاميركي، بشكل خاص، انه يدلي باصواته نتيجة تطابق وعود المرشحين لقضايا اجتماعية واقتصادية وسياسية ولمدى انسجامها مع تركيبته الثقافية وطموحاته الفردية. بيد ان الحقيقة تدل على اسدال “قوى معينة” ستارا كثيفا على عوامل مؤثرة عدة تحجب ما هو اهم من ذلك، لا سيما دور المال السياسي في الاستقطاب والتعبئة الاعلامية لقضايا محددة تخدم مصالح واجندات تلك القوى؛ وتتبخر المعطيات التاريخية وعامل الالتزامات السياسية امام “سياسة الباب الدوار” لاصحاب رؤوس الاموال الهائلة وانتقائهم لمرشحين يعوّل عليهم لسنوات قد تطول. القضايا ذات الاهتمام “تقاس بالنتائج وليس بمضمونها”
ايام عشرة تفصلنا عن نتائج الانتخابات النصفية المقبلة يميزها حالة الاستقطاب الحادة بين الحزبين الرئيسيين وترجيح الطرف الاوفر تنظيما وقدرة وامكانيات، الحزب الجمهوري، على الفوز بمجلسي الكونغرس وما سيشكله من شل حركة العملية السياسية الرسمية عبر الصدام مع ومحاصرة السلطة التنفيذية
لا يجوز اغفال عامل العنصرية المتجدد في تقرير نتائج الانتخابات، وحضوره الطاغي في كافة مناحي الحياة اليومية وان بدرجات متفاوتة بين منطقة جغرافية واخرى. فبعض الولايات في الساحل الشرقي تتمتع بحس ليبرالي اوسع ساهم في تراجع حدة التفرقة العنصرية، مقارنة بالولايات الجنوبية، بشكل خاص، التي لا تزال تعيش في اجواء استقطابات الحرب الاهلية، والدليل الاكبر ما جرى من استقطاب في مدينة فيرغسون بولاية ميزوري عقب اغتيال شاب اسود البشرة على يد رجل شرطة ابيض وتفاعلاتها الممتدة ليومنا هذا. بعبارة ادق، فان سياسة المصالح الكبرى المسيطرة على القرار السياسي “تتجلى في تعزيز الفروقات الاجتماعية المصطنعة” بين فئات الشعب الاميركي
كما يرصد ارتفاع وتيرة “الاتهامات” السابقة مستهدفة الرئيس اوباما وادارته من قبل الدوائر المحافظة التي تضمر حقدا عنصريا ضد اول رئيس اسود البشرة لتحويل الانظار عن القضايا الجوهرية، اسوة باتهام “اسرائيل الآخرين بمناهضة السامية لنحو عقود ستة بغية اسكات اي انتقادات توجه لسياساتها؛” وحشد العامة ضد بعض اوجه سياساته التي تقارب “ترسيخ البرامج الاجتماعية والرعاية الصحية العامة” التي تتعارض مع المصالح الاقتصادية لفئة ضيقة من فاحشي الثراء. يذكر ان باكورة برامج الرئيس اوباما “الرعاية الصحية” الشامل تم صياغته من قبل السيدة ليز فاولر، “نائب رئيس شركة جونسون آند جونسون،” احدى كبريات شركات الادوية ومنتجات الرعاية الصحية، مما يدحض زعم الادارة ومؤيديها بأن البرنامج يخدم مصالح العامة بشكل اساسي
ذات الأمر ينطبق على المواقع الرسمية الاخرى لمناصب حكام الولايات وسلطاتها التشريعية الداخلية، وينذر بتكرار تجربة “المد والجزر” في الاستقطاب السياسي الحاد لعام 2006، عندما استعاد الحزب الديموقراطي سيطرته على مجلسي الكونغرس آنئذ. السيطرة على (مجلسي) الكونغرس تبشر “ملء خزائن الحزب الفائز بالتبرعات المالية من الشركات الكبرى،” كما اوجز الأمر مدير طاقم موظفي البيت الابيض الاسبق، رام عمانويل
ويزداد الامر وضوحا عند الاخذ بعين الاعتبار ان المرشحين المحليين، لكافة المناصب، يتطلعون للعب دور سياسي اكبر على الخارطة القومية، وتراود بعضهم رغبة الترشح للمنصب الرئاسي للجولة المقبلة عام 2016، وامعانهم في تجديد الالتزام ببرامج اقتصادية “نيو ليبرالية” خدمة للمصالح الاقتصادية الكبرى، اهمها “سياسة الخصخصة” على المستوى المحلي لموارد الولاية المعنية ومحاصرة او الغاء برامج الدعم الاجتماعية السارية
في هذا الصدد، تجدر الاشارة الى عامل التمايز بين سياسات الرئيس اوباما وسلفه جورج بوش الابن الاقصائية والذي يكمن في حجم وكثافة طلاء التجميل للنظام السياسي والحزبي، وليس خلافا على الجوهر. فكليهما ابرز ولاءه التام لعصب النظام الرأسمالي، وول ستريت، والشركات الضخمة العابرة للقارات والحدود الاقليمية، وانتهاج سياسة “الحق الحصري المنفرد في اغتيال اي كان في اي مكان” من الكرة الارضية، وتسخير الموارد الهائلة لشن حروب لامتناهية خدمة لمصالح الشركات الكبرى: قطاعات النفط وصناعة الاسلحة؛ وايضا في ادامة وتكريس قيم “النيو ليبرالية” في بسط سيطرتها على مقدرات العالم عبر انماط متعددة “لاقتصاد السوق وعقد اتفاقيات تجارية” تخدم مصالح الشركات الاميركية حصرا. ولم تشفع لاوباما سياسته بالاصطفاف الى جانب كبريات شركات الاستثمار المالي في “وول ستريت” ابان الازمة الاقتصادية والهزة المالية عام 2008-2009 الناجمة عن استشراء الجشع في مصادر التحكم بالثروة الذين “اصطنعوا الازمة” والاطاحة بما تبقى من القيود والضوابط القانونية لضمان السيطرة وازاحة المنافسين
آفاق الخارطة الانتخابية لعام 2014
استعراض تاريخ الانتخابات الاميركية يدل بوضوح الى تعثر فوز حزب الرئيس في الانتخابات النصفية، كما رأينا عام 2006 ابان حقبة الرئيس جورج بوش الابن؛ والرئيس اوباما لن يكون استثناءاً، سيما مع تدهور شعبيته بين اوساط الناخبين يفاقمها بؤس الاداء الاقتصادي وتعثر سياسته الخارجية في ساحات عدة: الحرب ضد داعش، اصلاح قوانين الهجرة، وانتشار وباء ايبولا التي اضحت مجتمعة مادة ثابتة في اهتمامات الناخب العادي
اضافة لتلك المسائل يسود شبه اجماع بين قواعد المستقلين وبعض اعضاء الحزب الديموقراطي وغالبية من الحزب الجمهوري مفاده ان الرئيس اوباما فقد صلته بالواقع، فضلا عن تضخم الهيكل الحكومي وما يشكله من عبء على نوعية الاداء، الامر الذي يصب في مصلحة الحزب الجمهوري وتبركه بتعويذة “جهاز حكومي ضئيل.” الامر الذي حفز عدد من المرشحين من الحزب الديموقراطي تفضيل الابتعاد عن الرئيس وسياساته: احدهم السيناتور مارك بريار من ولاية اركنساس الذي عبر عن حرجه من اسلوب الرئيس في معالجة وباء ايبولا، وكذلك الأمر مع المرشحة عن ولاية كنتاكي أليسون لاندرين غرايمز التي ترفض الافصاح عمن صوتت له للرئاسة عام 2012
تلك هي بعض المشاهد التي تحول دون تقرب اي مرشح من اعلان تأييده للرئيس.
احد استطلاعات الرأي الحصيفة اشار الى تفوق الحزب الجمهوري بنسبة 60% على خصمه للفوز بأغلبية مجلسي الكونغرس، بيد ان بعض التطورات غير المرئية في ولايات جورجيا وساوث داكوتا وكانساس اسفرت عن تقدم المرشحين عن الحزب الديموقراطي، مما يعيد خلط الاوراق من جديد. بلغة الارقام الراهنة، لغاية 20 تشرين الاول الجاري، تتساوى حظوظ الحزبين في مجلس الشيوخ، بنسبة 45 مقعد لكل منهما، و10 مقاعد غير محسومة للحظة. اما مجلس النواب، يرجح ان تستقر النسب على الآتي: 188 مقعد للحزب الديموقراطي، 229 للحزب الجمهوري، و 18 مقعد يتبارى الحزبين للفوز باعلى نسبة منها
كما اشار استطلاع آخر للرأي الى اولوية بند الرعاية الصحية على ما عداه من برامج، بما فيها الأمن القومي وحال الاقتصاد والحروب الخارجية، التي عادة تشكل مادة الصمغ اللاصقة لمرشحي الحزب الجمهوري، تجسيدا لمفاضلته “القانون المحمي بالقوة،” والمفرطة احيانا
اظهرت نتائج التصويت المبكر في عدد من الولايات الميالة للحزب الديموقراطي تنافسا شديدا اسفر عن الحد من نسبة تفوق المرشح الديموقراطي. في ولاية ايوا، التي تعد محورية في الخارطة الانتخابية، اشارت نسبة التصويت المبكر الى تأييد 43% للحزب الديموقراطي، مقابل 40% للحزب الجمهوري مقارنة مع نسبة متدنية عام 2012 الني بلغت 32%. استنادا الى التحولات السابقة من المرجح ان يفوز الحزب الجمهوري في ولاية ايوا
نتائج مماثلة ايضا رصدت في التصويت المبكر لحكام الولايات، خاصة في ولاية فلوريدا، التي اسفرت عن تقدم الحزب الجمهوري بنسبة 48% مقابل 35% لخصمه الديموقراطي، على الرغم من الضخ المالي والمعنوي الهائل للحزب الديموقراطي هناك. المرشح الجمهوري ريك سكوت يتطلع ايضا الى الانتخابات الرئاسية عام 2016 كأحد مرشحي حزبه
ورصدت صحيفة “واشنطن بوست” حالات مشابهة لم تقدم تجري في ولايات محورية اخرى قائلة أن اداء “الديموقراطيين في كل من ولاية ايوا ونورث كارولينا اسوأ بكثير عما اشارت اليه الاستطلاعات في مطلع الشهر” الجاري مقابل تقدم ملحوظ للحزب الجمهوري. واضافت انها رصدت نتائج التصويت المبكر في ولايات نيفادا وكاليفورنيا وكولورادو، التي اسفرت عن قياس تفوق اداء المرشحين عن الحزب الجمهوري
الشريحة المهملة او المستثناة من التصويت المبكر، في الولايات سالفة الذكر، هي المستقلين وغير المنتسبين للحزبين، والتي ربما ستقلع عن المشاركة بالكامل او المشاركة بنسبة ضعيفة. الامر الذي يترتب عليه بذل جهود اضافية لكلا الحزبين للتودد لاولئك وحثهم على تأييد مرشحيهم
النتائج المشار اليها قبل ايام معدودة من اجراء الانتخابات اقلقت الرئيس اوباما الذي كان يتطلع للعب دور المخزون الرئيسي للحزب باعلان تأييده لمرشحين بعينهم. نجح الرئيس في حملات التبرعات المالية لخزينة حزبه، بينما احجم عدد من المرشحين عن الظهور العلني معه، وهو اسلوب يتناوب على تطبيقه ساكن البيت الابيض في جولات الانتخابات النصفية
في حال الحزب الديموقراطي، آثر الرئيس اوباما الانكفاء عن الترويج لمرشح حزبه في الولايات المحورية، مستغلا حضوره الى جانب مرشحيه في ولايات تعد شبه محسومة لصالح الحزب الديموقراطي: ايلينوي وماريلاند وكونتيكت. يذكر ان حضوره في ولاية ماريلاند “الليبرالية” دفع بعض الحضور الى الخروج من القاعة خلال القائه خطابه
بعض القادة الطامحين في تعديل سياسة الحزب الديموقراطي يبذل جهودا عالية لقيادة دفة الحزب بعيدا عن سياسات الرئيس اوباما وتبني مواقف اكثر اعتدالا ووسطية؛ اسوة بتجربة الرئيس الاسبق بيل كلينتون الذي انتهز فرصة بروز الحزب الجمهوري آنذاك وتبنى بعض سياساته ومواقفه مما مكنه من ديمومة رمزيته المحورية. الامر الذي يدل على عودة الرئيس كلينتون ليلعب دورا متجددا في قيادة وجهة الحزب الديموقراطي خلال ما تبقى من ولاية الرئيس اوباما، التي يطلق عليها “البطة الكسيحة” نظرا لتراجع دوره امام سيطرة الحزب المنافس على مجلسي الكونغرس
بروز الرئيس كلينتون يتم تحت سمع وبصر الاقطاب السياسية المعنية. ووصفت يومية “ذي هيل،” المعنية بشؤون الكونغرس، جهود كل من “بيل وهيلاري كلينتون وتوظيف جاذبيتهما الساحرة لتأييد مرشحين يمثلون تيار الوسط كما في ولايتي كينتاكي واركنساس،” بيد ان رصيديهما لم يؤتِ ثماره اذ تشير الاستطلاعات الى تراجع كلا المرشحين اما خصميهما من الحزب الجمهوري. وعلقت “ذي هيل” على تعثر المرشحين الديمواطيين بالقول ان “حظوظهم بالفوز بالانتخابات تتضاءل باضطراد.”
المؤشرات الانتخابية الراهنة تدل على عزم هيلاري كلينتون الترشح لمنصب الرئاسة عن الحزب الديموقراطي، عام 2016، مما يتطلب منها اثبات قدرتها ومهارتها بايصال مرشحين ديموقراطيين في الجولة الانتخابية بعد بضعة ايام. اما وان لم يسعفها الحظ بذلك، سيترجم سلبا على حظوظها المقبلة وبروز منافسين آخرين يمثلون التيارات المعتدلة والمحسوبة على يسار الحزب الديموقراطي
مجلس الشيوخ
يستميت الحزبين الرئيسيين في الفوز بنسبة اغلبية ممثلي مجلس الشيوخ، نظرا لتقارب تعادل التمثيل الراهن بينهما. في حال فوز الحزب الجمهوري، كما ترجح استطلاعات الرأي وتوقعات العناصر النافذة في الحزبين، سيستغل انتصاره بحجب تمويل برامج الرئيس اوباما، السابقة والمقبلة، مما سيترجم بتقليص نفوذ الرئيس وتراجع سياساته
يحتاج الحزب الجمهوري الى الفوز بمقاعد ستة اضافية، ويتوثب للفوز بنسبة تتراوح بين 6 الى 9 مقاعد يعززه تحول شريحة المترددين للتصويت لصالحه، على الارجح. فالولايات المحورية، اوهايو نموذجا، تشير الى ميلها للتصويت لصالح الحزب الجمهوري او الثبات على نسبة اغلبية تأييدها الراهنة لصالحه
يجمع المراقبون على ترجيح كفة الحزب الجمهوري على الرغم من بعض العقبات الراهنة: مرشح الحزب في ولاية نورث كارولينا، توم تيليس، حافظ على تراجعه امام السيناتور كاي هيغان لفترة قريبة، واستطاع “تلويث” سمعتها بنظر الناخبين بوصفها قريبة من سياسات الرئيس اوباما لا سيما في ادارته لخطر الدولة الاسلامية ووباء ايبولا. ايضا المرشح الجمهوري عن ولاية كولورادو، كوري غاردنر، استطاع الابقاء على نسبة تفوق على خصمه تتراوح بين 2 و 6 نقاط مئوية في كافة استطلاعات الرأي التي اجريت خلال شهر تشرين الاول الجاري. وكذلك الامر في ولاية ايوا وتعادل مرشحي الحزبين في ولاية نيو هامبشير، على الارجح؛ نظرا الى البيئة الانتخابية المعادية للحزب الديموقراطي في معظم انحاء البلاد
المقاعد الستة التي يحتاجها الحزب الجمهوري اضحت في متناول اليد: فمرشحي الحزب يتفوقون في 3 ولايات – مونتانا وساوث داكوتا وويست فرجينيا؛ وهو نصف العدد المطلوب قبل بدء الانتخابات. وربما سيتلقى الحزب هزيمة مرشحه في ولاية ساوث داكوتا بيد ان استطلاعات الرأي لا تشير الى حسم المسألة قبل يوم الانتخاب
المقعد الرابع، للجمهوريين، هو ولاية اركنساس الذي يتقدم مرشحه، توم كوتن، بنسبة 8 نقاط مئوية. المقعد الخامس هو لولاية الاسكا التي لم يسجل تراجع مرشح الحزب الجمهوري منذ بدء الاستطلاعات في شهر آب الماضي
المقعد السادس المرشح هو في ولاية كولورادو على الرغم من اشارة استطلاعات الرأي الى تقدم المرشح عن الحزب الديموقراطي، مارك يودال، بنسبة مريحة 9 نقاط مئوية معظمها في قطاع المرأة، وهو بحاجة ماسة الى احراز تقدم بين الناخبين الذكور لتعديل كفة خصمه كوري غاردنر الراجحة بينهم. احدث استطلاعات الرأي اشارت الى تأييد 37% من الناخبين للمرشح الديموقراطي، مقابل 52% من المعارضين، مما يدل على امكانية عالية لهزيمته
من المقاعد المرجحة الاخرى لصالح الحزب الجمهوري هي ولاية ايوا التي اشارت استطلاعتها الى ثبات تقدم المرشحة الجمهورية جوني ايرنست في خمسة استطلاعات متتالية، وتعادلها مع خصمها الديموقراطي في الاستطلاع السادس والاخي
تجدر الاشارة الى مقاعد الحزب الديموقراطي المهددة: لويزيانا التي تتراجع نسبة تأييد مرشحتها ماري لاندرو الى نسبة 36% امام خصمها بيل كاسيدي؛ نورث كارولينا وهي التي سجل فيها ثبات تقدم السيناتور الحالي عن الحزب الديموقراطي، كاي هيغان، لكنها نسبة ضئيلة، وضخ الحزب الجمهوري نحو 6 ملايين دولار خصصها للدعاية والاعلان التلفزيوني لصالح مرشحه؛ ولاية نيو هامبشير التي تصارع المرشحة عن الحزب الديموقراطي، جين شاهين، المحافظة على نسبة تقدمها الراهنة
يعول الحزب الديموقراطي على الفوز بمقعد داخل تمثيل الحزب الجمهوري لتعديل خسارته المرتقبة في الولايات الاخرى، مع ترجيح العكس. فالحزب لا يزال يراهن على كسب مقعد ولاية كانساس من خصمه الجمهوري بات روبرتس، الذي اشارت استطلاعات الرأي الى تفوقه في 3 استطلاعات من مجموع 4، بنسبة 52% مقابل 35% للمرشح الديموقراطي. تميل نسبة معتبرة من المترددين، 48% مقابل 25%، الى التصويت لصالح الحزب الجمهوري في كانساس في الجولة القادمة
راهن الحزب الديموقراطي طويلا على ازاحة ممثل الاقلية في مجلس الشيوخ عن ولاية كنتاكي، ميتش ماكونل، بيد ان مرشحته أليسون لاندرغن غرايمز بدأت تتعثر في نسب التاييد اذ تقدمت في استطلاع واحد من مجموع 15 استطلاعات رجحت فوز ماكونل.
ولاية جورجيا ربما تمثل افضل الحظوظ للحزب الديموقراطي، بيد ان قانون الولاية يقتضي حصول الفائز(ة) على نسبة 50% من الاصوات، والا الدخول في جولة انتخابية ثانية مطلع العام المقبل. الاستطلاعات الراهنة تشير الى اخفاق المرشحة الديموقراطية ميشيل نان الفوز بتلك النسبة وتسجيل اقتراب خصمها من النسبة المطلوبة بثبات
وعليه، واستنادا الى المعطيات الراهنة، يرجح فوز الحزب الجمهوري بأغلبية مقاعد مجلس الشيوخ
سباقات انتخابية اخرى
الجولات الانتخابية على الصعد المحلية للولايات اساسية نظرا لتلازم مسارها مع الانتخابات القومية والرئاسية، انسجاما مع قواعد وأسس النظام السياسي الفيدرالي في اميركا. السباق الانتخابي الراهن سيفرز حضور عدد من حكام الولايات، من الحزبين الرئيسيين، على الساحة القومية، بعضهم لديه مطامح الترشح لمنصب الرئيس في الجولة المقبلة
بلغة الارقام، عدد مقاعد المرشحين عن الحزب الجمهوري يقارب ضعف عدد المرشحين الديموقراطيين الذين يعانون من وطأة اخفاق سياسات الرئيس اوباما. بيد ان الانتخابات المحلية، لمنصب حاكم الولاية، عادة ما تأخذ بعين الاعتبار اداء المرشح في منصبه وليس بمعيار قربه او بعده عن ساكن البيت الابيض. في هذا السياق، من المرجح ان يتعرض الحزب الجمهوري لخسارة بعض مناصب حكام الولايات، خاصة في ولاية بنسلفانيا؛ وكذلك الأمر بالنسبة للحزب الديموقراطي الذي يدرك تراجع مرشحه لمنصب حاكم ولاية كولورادو. بالمحصلة، يبلغ عدد المقاعد المهددة للحزب الجمهوري 7 مقاعد، مقابل 6 مقاعد للخصم الديموقراطي
تجدر الاشارة الى ان اغلبية من تناوب على منصب رئاسة الولايات المتحدة جاء بخلفية حاكم ولاية من احدى الولايات: ريغان، كارتر، كلينتون
الطامحين في المنصب الرئاسي عن جانب الحزب الديموقراطي يتقدمهم حاكم ولاية نيويورك، اندرو كومو، الذي تتعلق حظوظه بنجاح هيلاري كلينتون في حشد القاعدة الانتخابية
محورية انتخابات عام 2014
في اسوأ الاحوال ستبقى معادلة شبه تعادل التمثيل قائمة بين الحزبين. بينما في حال فوز الحزب الجمهوري، كما ترجح استطلاعات الرأي، سيسعى لاحداث تغييرات جوهرية لصالح المصالح الاقتصادية التي يمثلها. على الجانب الآخر، في حال اخفاق الجمهوريين، ستبقى الاحوال على ما هي عليه راهنا
جولة الانتخابات عام 2010 اعتبرها الحزب الجمهوري محورية اذ فاز بمقاعد ستة اضافية في مجلس الشيوخ، واغلبية 63 مقعد في مجلس النواب، و8 مناصب حكام ولايات، فضلا عن نحو 660 مقعد في اللسلطات التشريعية المحلية للولايات. وحقق فوزا في بعض المقاعد التي كانت تحسب لصالح الحزب الديموقراطي في العادة، مثل ويسكونسن وبنسلفانيا وايلينوي
الحصيلة لم تكن صافية لصالح الجمهوريين، اذ خسروا مقاعد ممثلين في نيفادا وكولورادو، وتراجع مرشحيهم لمنصب حاكم ولاية كاليفورنيا. في انتخابات ولاية نيويورك، فاز الجمهوريون ببعض المقاعد بينما خسروا منصب حاكم الولاية وبعض المقاعد في مجلس الشيوخ المحلي. بالمقابل، حافظ الحزب الديموقراطي على فوز مرشحيه لمجلس الشيوخ عن ولايات اوريغون وفيرمونت وواشنطن واريزونا ومونتانا ونورث داكوتا، واخفق في فوز مرشحه بوب كيري عن ولاية نبراسكا
جولة انتخابات عام 2012 افرزت فوزا للحزب الديموقراطي اعتبره محوريا، لا سيما مع فوز الرئيس اوباما بولاية ثانية؛ رافقه خسارة مرشحيه على المستوى المحلي في ولايتي نيفادا واريزونا
مسار الانتخابات الاميركية يشير الى وهن الزعم بان نتائجها تدل على الغلبة الكاسحة للحزب الفائز، وينبغي تركيز الانظار على الفائز بأغلبية مقاعد السلطة التشريعية بمجلسيها، الشيوخ والنواب

التحليل 10-17-2014

:التحليل

 تباين اميركي تركي يهدد تحالف واشنطن تضارب الاولويات في المسرح السوري

:اميركا تهدد وتركيا تبتز اطلق نائب وزير الدفاع الاميركي، جون كيربي، تهديدا مبطنا لتركيا نهاية الاسبوع الجاري خلال سريان المحادثات المشتركة رفيعة المستوى في كل من انقرة وواشنطن، اذ قال: الاتراك “ليس لديهم مصلحة فحسب، بل هناك دور ينتظرهم” داخل ائتلاف واشنطن، مستدركا انه “تم ممارسة ضغط عليهم للعب دور” مميز الموقف الاميركي اتى ثمرة لقاء عقد في واشنطن ليوم واحد ضم قادة عسكريين كبارا لـ 22 دولة مشتركة في الائتلاف، لبحث توحيد الرؤيا والجهود “لمحاربة الدولة الاسلامية في سورية، ترأسه قائد هيئة الاركان الاميركية، مارتن ديمبسي، كما حضر جلسة الافتتاح الرئيس باراك اوباما. لم يفلح اللقاء في زحزحة موقف تركيا التي تسعى للضغط على واشنطن انشاء منطقة عازلة داخل الاراضي السورية – مما يتيح لانقرة حرية الحركة وترحيل معظم اللاجئين السوريين اليها قسرا. بل ذهبت انقره الى اطلاق تمايز موقفها عن موقف واشنطن، التي بلورت نظرة مختلفة استنادا الى مصالحها الممتدة عبر العالم توقعات الولايات المتحدة من اللقاء كانت شديدة التواضع. اذ اوضح الناطق الرسمي باسم قائد هيئة الاركان ان اميركا لا تتوقع ان يسفر عنه اتخاذ قرارات جديدة او التزامات متوقعة من الاطراف المشاركة. وقال ان الهدف “لقاء بعضنا البعض للبحث في الرؤيا والتحديات ومعالم المسيرة المقبلة” الرئيس اوباما ايضا استبعد التفاؤل وصرح بجملة لا تنم عن ترتيبات ينبغي اتخاذها داخل اللقاء. وقال “طبيعة الحملة ستكون طويلة الامد .. سنشهد فترات نحقق فيها انجازات واخرى تميزها الانتكاسات.” كما جاء التوضيح على لسان مسؤولي ادارته بأن الاستراتيجية الاميركية الراهنة تنصب على “العراق اولا” الرئيس التركي رجب طيب اردوغان كان اشد وضوحا من نظيره الاميركي، اذ صرح امام طلبة جامعة مرمرة في اسطنبول ان اكبر تهديد تواجهه تركيا مصدره “لورانسات العرب الجدد” الساعين لزعزعة الاستقرار في الاقليم. واوضح ان “الصراع في هذه المنطقة تم تصميمه قبل قرن من الزمن .. وواجبنا يستدعي ايقافه.” رمى اردوغان للفت انتباه كل من يعنيهم الأمر بأن بلاده تنوي العودة الى حدود وترتيبات الحرب العالمية الاولى – قبل تقسيمات سايكس – بيكو، واحياء حلم هيمنة الامبراطورية العثمانية لخص معهد كارنيغي أس الخلاف الاميركي – التركي المعلن بالقول ان “يتبنى اعضاء الائتلاف مفاهيم متباينة فيما يخص آلية استتاب الاستقرار في الاقليم، بل لا تتوفر ارضية مشتركة بينهم حول تعريف التهديد الاساس” الذي ينبغي التركيز عليه. واضاف “لدينا كل هؤلاء اللاعبين الذين يتطلعون لتحقيق اهداف مختلفة وفي بعض الحالات تبرز مشاعر الكراهية العميقة بين طرف وآخر” بعد اشتداد حدة القتال في مدينة عين العرب – كوباني، نأت تركيا بنفسها عن التدخل لرغبتها في توفير الظروف المناسبة لمسلحي داعش السيطرة على المدينة وازاحة الكرد من موقع مميز بالقرب من الحدود المشتركة مع سورية. بيد ان صمود وعزم القوى الكردية واستماتتها في الدفاع عن مدينتهم مكنها من صد وتراجع المسلحين من معظم احياء المدينة ومشارفها من السابق لاوانه الجزم بصدقية وفعالية القصف الجوي للمقاتلات الاميركية والتحقق من ادعاءات الحاقها خسائر كبيرة بمسلحي داعش. بيد الثابت ان القوات الاميركية لم تضع مساندة القوى الكردية نصب اعينها منذ بدء الهجوم على المدينة نظرا للوجود الطاغي لحزب العمال الكردي وتشكيلاته الرديفة ممثلة في وحدات حماية الشعب في المنطقة، مقارنة مع تحركها العاجل ضد داعش في مشارف اربيل في العراق عين العرب – كوباني لم تكن ضمن اولويات السياسة الاميركية التي عبر عنها وزير الخارجية، جون كيري، بقوله ان المدينة “لا ترتقي الى هدف استراتيجي” ضمن اطر السياسة الاميركية. اما الغارات الجوية الاميركية في محيط المدينة استدعتها التطورات الميدانية لابقاء داعش ضمن الحدود المرسومة له كأداة هدم الدول الوطنية وتقسيم المجتمعات العربية وفق اسس طائفية ومذهبية الحرب التي تقودها الولايات المتحدة، في سورية والعراق، لم تحقق نتائج ملموسة ضد الدولة الاسلامية في البلدين، بل ساهمت في زيادة حدة التوتر في عموم المنطقة والذي من شأنه اشعال الحرب في عموم المنطقة. واقرت وزارة الدفاع الاميركية بعسر تحقيق الاهداف عبر الحملة الجوية، مما يعزز موقع ودور تركيا في الحملة الراهنة مضت تركيا في ترتيب اولوياتها بمعزل عن الاهداف الاميركية، بما فيها الانخراط المباشر في الازمة السورية، مما وضعها في موقع مغاير لائتلاف واشنطن في هذا الظرف بالذات، وسعت لابتزاز الاخيرة بأنها على استعداد لدخول الحرب وانقاذ عين العرب – كوباني شريطة التزام الولايات المتحدة بهدف تدمير ليس الدولة الاسلامية فحسب بل نظام الرئيس السوري بشار الاسد استندت تركيا في قراءتها السياسية الى طبيعة فهمها لديناميات الجانب الاميركي، واعتقادها ان الولايات المتحدة غير جادة وينقصها العزم الضروري لشن حملة ناجحة في المنطقة، فضلا عن ضيق ذرع الادارة بقضايا الاقليم وتفضيلها بذل الجهود على المشهد الداخلي الاميركي في الفترة القصيرة المقبلة كما تدرك تركيا محورية دورها في المعركة الحالية واشد ما تخشاه تحملها للجزء الاعظم من القتال ضد الدولة الاسلامية فيما لو انصاعت لرغبة واشنطن؛ فضلا عن تداعيات المعركة التي ستصب في صالح الدولة السورية ويحفزها استعادة السيطرة على اراضٍ فقدتها، الى جانب ادراكها استغلال سورية الاوضاع وتقديم الدعم لاكراد تركيا في قتالهم ضد انقرة “انتقاما” لدعم تركيا قوى المعارضة السورية استشعرت تركيا غياب تماسك الاستراتيجية الاميركية حيال الدولة الاسلامية، وتشير تصرفاتها الى عدم الثقة بوجهة الاستراتيجية الاميركية التي تأرجحت في السنوات الثلاث الماضية بين هدف الاطاحة بالرئيس الاسد الى التكيف مع بقائه في السلطة، ومن توفير الدعم لقوى المعارضة السورية الى تفضيلها بقاء هياكل الدولة السورية على حالها الرؤيا الاميركية، بالمقابل، اوجزتها صحيفة “واشنطن بوست” حديثا انه “باستطاعة تركيا القيام بالمزيد. بل هي تريد من الولايات المتحدة حضورها وانجازها للمهمة” نيابة عنها. بينما حقيقة الأمر تدل على حث الادارة الاميركية لتركيا على الانخراط وانجاز المهمة بالتساوق مع استراتيجية الرئيس اوباما المعلنة، وليس استنادا الى ما تقتضيه المصالح التركية سورية بقيت في عين العاصفة الاميركية ليس في بعدها المحلي فحسب، بل في بعد تحالفها مع ايران ودأب الاستراتيجية الاميركية على احداث الشرخ بينهما، او على الاقل ابعاد سورية عن دائرة النفوذ الايراني وترجيح كفة النظم العربية الموالية لواشنطن القراءة الاميركية المفرطة في تسطيح المعادلة السورية اتى عليها بالفشل، واستطاع الرئيس الاسد كسب تأييد متنامي من الشعب السوري، وبالمقابل تضييق ساحة المناورة والدعم لقوى المعارضة السورية. وتدرجت حدة الحرب لتشمل اطرافا دولية هامة مثل روسيا ودول البريكس في مواجهة الصلف الاميركي الخطاب السياسي الاميركي ادخل مصطلح “المعارضة السورية المعتدلة” عقب سلسلة هزائم تعرضت لها تشكيلات “الجيش الحر” وجبهة النصرة، والتنافس الحاد داخل صفوف المعارضة والدول الخليجية الداعمة، لضمان استمرارية دعم الشعب الاميركي للسياسة الرسمية في هذا الشأن باستطاعتنا القول ان السياسة الاميركية حيال سورية مرت في عدة مراحل: المراهنة على “الجيش الحر” في البداية؛ استحضار القاعدة ومن ثم داعش لتقويض سورية والعراق معا؛ بقاء المراهنة على تركيا وشهيتها لتقويض الدولة السورية واطماعها في ارض العراق؛ ومرحلة ربما قادمة تشير الى صيغة البلقنة في المنطقة. هذه “التطورات” فرضت نفسها على السياسة الاميركية التي لم تُسقط تشظي سورية من حساباتها، بل ادخلت تعديل على سبل واطر التعامل المطلوبة لتحقيق مصالحها العليا يجمع الطرفين الاميركي والتركي على عدم التعرض لتنظيم داعش بغية القضاء عليه، فهو يخدم اجندة الطرفين في ابقاء فتيل الاشتعال ملتهبا وتوظيفه كادة ضغط على النظم والدول المعارضة للهيمنة الاميركية. ضمن هذا المنظار تتباين الرؤيا التركية مع واشنطن اذ لا تزال الاولى تضع اسقاط الدولة السورية على رأس سلم اولوياتها، بينما الاخرى اقضت مصالحها الآنية “التركيز على العراق اولا” لضمان استمرار الكيان الكردي باستقلالية عن الدولة المركزية – بصرف النظر عن هويتها الطائفية. استطاع تنظيم داعش وروافده التمدد مجددا في العراق، لا سيما محافظة الانبار المحورية، وبات يهدد مشارف العاصمة بغداد ومطارها الدولي. كما فاز التنظيم بمزيد من المعدات العسكرية والذخائر اميركية الصنع من الجيش العراقي. رغبة عدد من الاطراف وقف تمدد التنظيم تتطلب اتخاذ اجراءات وتدابير صارمة، تشمل خطوط الامداد الخلفية في تركيا وتدمير معداته باستخدام مكثف للطائرات المقاتلة، والأهم “اقناع” تركيا بفتح حدودها امام تدفق المتطوعين للدفاع عن عين العرب

تقرير خاص وحصري اميركا والسعودية تشتركان بانشاء سلاح جو للمعارضة السورية افادت مصادر موثوقة في واشنطن ان الولايات المتحدة تقوم بتدريب “طيارين من دول الشرق الاوسط” واعدادهم كنواة سلاح جوي مقاتل يتخذ مهامه في الاراضي السورية التي تستطيع المعارضة التحرك فيها بحرية خارج سيطرة الدولة. اجراءات التدريب تتم بسرية تامة ولا تخضع لقيود اتفاقيات بيع الاسلحة وتدريب الطواقم التقنية لدول اخرى تجري التدريبات في حقل للرمايات تابع لسلاح مشاة البحرية في صحراء ولاية اريزونا بموازاة الحدود المشتركة مع المكسيك، يكنى بحقل “باري غولدووتر لرمايات سلاح الجو” للتدريب على عمليات قصف جو – ارض، باستخدام طائرات مقاتلة من طراز A-10 مقاتلات بريطانية الصنع من طراز “سترايك ماستر،” تستخدم لمهام التدريب بشكل حصري، والتي دخلت ترسانة سلاح الجو للسعودية ودول الخليج الاخرى بكثافة “وقد يتم تسليمها لاطقم طياري المعارضة السورية” في مرحلة لاحقة كجزء من سلاح الجو الذي يجري اعداده يشرف على برامج التدريب طاقم من “المتعاقدين المدنيين مع وزارة الدفاع،” يمتلك الخبرة المطلوبة لقيادة تلك المقاتلات، قام بتوفير خوذات وبذلات عسكرية لا تحمل علامات تحدد هويتها للمتدربين الطيارين “الشرق اوسطيين،” الذين يقومون بطلعات جوية مساندة للمقاتلات الاميركية، في المرحلة الحالية (مرفق صورة للمقاتلة البريطانية على مدرج حقل الرمايات المذكور

BAC Strikemaster light attack aircraft

تعج معظم المدن الاميركية، الصغرى والمتوسطة، بمطارات خاصة بها تستخدم لاغراض التدريب وممارسة هواية الطيران على متن طائرات صغيرة مدينة توسون بولاية اريزونا تضم “مطار رايان الجوي،” استخدم في السابق كأحد مراكز التدريب للطيارين خلال الحرب العالمية الثانية. وتجددت أهمية المطار حاليا والذي اصبح يستخدم للتدريب على مهام الدعم الجوي، وهي مهام مطلوبة لسلاح الجو الاميركي في غاراته المتعددة في كل من سورية والعراق، كما جاء في ادبيات شركة التدريب التي استقينا منها المعلومات المفصلة ادناه

Ryan Airfield صورة جوية لمدرج المطار متعهد التدريب شركة محلية اوكلت مهام التدريب على الدعم الجوي لشركة خاصة محلية في اريزونا، بلو اير تريننغ Blue Air Training، والتي تعرف عن نفسها في موقعها الالكتروني بانها “رائدة في توفير التدريب على اعمال الدعم الجوي عن قرب في الولايات المتحدة .. تتميز اطقم تدريب الطيارين بالخبرة القتالية في افغانستان او العراق” الدورات التدريبية للدول الحليفة للولايات المتحدة تجري وفق ترتيبات معلنة مع سلاح الجو الاميركي. “الطيارين السعوديين،” مثلا، يجري تدريبهم في قاعدة ماونتين هوم بولاية ايداهو. اما “الطيارين من الشرق الاوسط يشرف على تدريبهم متعاقدين مدنيين مع وزارة الدفاع دون وضع علامات محددة على الخوذات او البذلات الخاصة بهم .. ونظرا لالتزام الولايات المتحدة بتدريب العناصر المعتدلة في المعارضة السورية، فالاحتمالات المرجحة انه يتم اعدادهم للقيام بمهام تشن اما في سورية او العراق” هناك 5 طائرات تدريب متوفرة لدى الشركة المذكورة من طراز “سكاي ماستر .. كانت ملحقة بسلاح الجو السعودي والنيوزيلندي سابقا .. وجرى استخدامها على نطاق واسع في الشرق الاوسط”

التحليل 10-10-2014

:التحليل

60 يوما على “تحالف الاوهام” الجوي لاوبام
هل تبدأ تعديلات الاستراتيجية من البوابة التركية

تواضع حصاد الغارات الجوية
هناك اجماع شبه تام بين القادة العسكريين والسياسيين الاميركيين بأن الغارات الجوية ضد مواقع الدولة الاسلامية اسفرت عن نتائجة متواضعة لا تذكر، بعد “مضي 60 يوما على حرب الائتلاف الاميركي الجوية ضد داعش” الذي يعزز مواقعه ويحقق انجازات على الارض، في سورية والعراق، واصبح على بعد نحو 10 كلم من محيط مطار بغداد الدولي، كما اكدت شبكة سي بي اس الاميركية للتلفزة، واحتل بعض احياء مدينة عين العرب السورية
دخول داعش مدينة عين العرب ينذر “بمجزرة رهيبة قادمة،” كما يحذر الزعماء الاكراد ويرون ان داعش ستقدم على “الفتك بنحو 5,000 مدني خلال 24 – 36 ساعة” من دخوله المدينة، والتي ستتفوق بشاعتها على المجزرة السابقة للاقلية الايزيدية في العراق
شبكة (سي ان ان) للتلفزة وصفت تواضع الانجازات “الغارات الجوية للائتلاف دمرت دبابتين لداعش، وجرافة وعربة عسكرية اخرى.” هزالة الانتصارات اضحت مصدر تندر عند معظم وسائل الاعلام، اذ قالت يومية “انفستر بيزنس ديلي،” لشؤون الاستثمار والاموال، ترسل اميركا “مقاتلات متطورة باهظة الثمن لاطلاق اسلحة موجهة بالليزر لاصطياد جرافات ثابتة. امر مثير للشفقة”
حرب مفتوحة لمدة 30 عاما
اضحت استراتيجية الرئيس اوباما، لتقويض واحتواء داعش، اثرا بعد عين، كما وصفتها صحيفة “الاندبندنت” البريطانية، ونالت قدرا واسعا من الانتقاد من كافة الاطياف السياسية، مؤيدين ومعارضين، كان آخرهم وزير الدفاع الاسبق ليون بانيتا. في كتابه الصادر حديثا، “معارك جديرة،” شن بانيتا سلسة انتقادات لسياسة اوباما في العراق وسورية والتي ادت الى بروز الدولة الاسلامية، كما افاد
تنبأ بانيتا بحرب طويلة تشنها الولايات المتحدة “ضد الارهاب” تمتد لثلاثة عقود، خلافا للسنوات الثلاث التي وعد بها الرئيس اوباما. وقال في تصريح لصحيفة “يو اس ايه تودايه،” 7 تشرين الاول الجاري: “اعتقد اننا امام حرب مدتها 30 عاما .. والتي ستمتد بالضرورة لتشمل مناطق ابعد من تلك المسيطر عليها من داعش وتتضمن تهديدات بارزة في نيجيريا والصومال واليمن وليبيا ومناطق اخرى.” بعبارة موجزة يعدنا “الناطق بلسان معسكر الحرب” بحرب مفتوحة الافاق الزمنية والمكانية؛ سياسة اميركية خارجية عمادها الرئيس حروب مفتوحة “تدر ارباحا طائلة على شركات الاسلحة نظرا لارتفاع ملحوظ في النزاعات العسكرية عبر العالم”
المستفيد الاكبر من الحرب المفتوحة هي “صناعات القذائف والصواريخ وطائرات الدرونز واسلحة اخرى تستخدمها الولايات المتحدة لاستهداف مقاتلي الدولة الاسلامية في سورية وفي العراق،” كما نقلت شبكة “بلومبيرغ” الاخبارية عن شركة لوكهيد مارتن، 7 تشرين الاول الجاري. واشارت الشبكة ايضا الى استخدام مقاتلي داعش اسلحة وذخيرة اميركية الصنع، مما يسيل لعاب تلك الشركات التي تزود كافة الاطراف المنخرطة في “صراع مفتوح الاجل .. يغيب فيه تحديد ملموس للطرف العدو وتبرير لا ينضب للحرب”
في معرض تفسير قصور الغارات الجوية قالت صحيفة “واشنطن بوست،” وما تمثله من قوى ومصالح، والتي اسفرت عن نتائج “شبيهة بالحملة الجوية ضد طالبان عام 2002،” اوضحت ان الفارق الاساس بين التجربتين يكمن في طبيعة سلاح الجو “اذ ليس بوسع اطقم المقاتلات الاميركية الاعتماد على استطلاع القوات الخاصة لتحديد الاهداف، في ظل استبعاد الرئيس اوباما نشر مثل تلك القوات براً على الرغم من طلب القادة العسكريين بذلك”
اميركا قلقة ايضا من سرعة اندفاع “داعش” نحو بغداد وتمركزه على تخومها بمسافات قصيرة تمكنه من استهداف المطار الدولي بقذائف المدفعية، مما دفع وزارة الخارجية مؤخرا لطمأنة الشعب الاميركي بخطل الانباء التي تحدثت عن تعرض “المنطقة الخضراء” الى قصف بقذائف الهاون من قبل داعش. بيد ان التنظيم توسع واستقر في مناطق اخرى من العراق، منذ الاعلان عن بدء الغارات الجوية، شملت مدينة هيت على ضفاف نهر الفرات، ومحاصرته لمناطق مجاورة في الرمادي عاصمة محافظة الانبار
الغارات الجوية “للائتلاف” كانت نتائجها “عقيمة تماما،” على الرغم من الحملة الاعلامية المكثفة لترويجها. واقرت وزارة الدفاع الاميركية ضمنيا بفشل الغارات الجوية في العراق من تحقيق اغراضها باعلانها عن ادخال طائرات الاباتشي المروحية لساحة القتال كعنصر اضافي يعزز المرونة في شن العمليات العسكرية، مما حدى ببعض الساسة والمعلقين القول ان استدخال الاباتشي يؤشر على تعاظم نية الادارة نشر قوات برية بصيغة اخرى
اعادة تصويب الاستراتيجية
في العرف الاميركي من النادر ان يقوم رئيس الدولة بزيارة وزارة الدفاع اذ يلتقي بالقادة العسكريين والاطقم الداعمة لهم في مكتبه بالبيت الابيض. بيد ان الرئيس اوباما اعلن مسبقا منتصف الاسبوع الجاري عن نيته التوجه للبنتاغون والتحدث مباشرة مع قادة القوات والقادة الميدانيين؛ الأمر الذي يدل على توفر النية لديه لادخال بعض التعديلات على استراتيجيته المعلنة ضد الدولة الاسلامية، سيما والزيارة تمت في ظل تنامي مطالب قطاعات مختلفة بالنظر في ادخال قوات برية تعوّض قصور انجازات الحملة الجوية
اوباما، ومع حلول موسم الانتخابات النصفية والتحالفات الحادة، يحسب كل خطوة يمكنه الاقدام عليها ويضعها في ميزان تفاعلاتها وتداعياتها مع ارتفاع او انخفاض نسبة شعبيته، وبالتالي مرشحي حزبه الديموقراطي. في هذا الاطار، رفض الرئيس اوباما في شهر ايار الماضي طلب رئيس الوزراء العراقي آنذاك، نوري المالكي، لطائرات الدرونز او المقاتلات الاميركية شن غارات على مواقع داعش بعد ان نال تأييد قائد القيادة المركزية، لويد اوستن. اهمل الرئيس اوباما الطلب لعدم اقتناعه بالمردود السياسي
تنامى الضغط الداخلي من القادة العسكريين والساسة واعضاء الكونغرس “للنظر بخيار نشر قوات برية” مما اوعز اوباما لارسال اشارات تدل على نيته اتخاذه اجراءات وتدابير مغايرة لسياساته المعلنة. اما وزارة الخارجية، بطبيعتها وتفضيلها التحرك الديبلوماسي، فقد رفضت الخيار العسكري المنشود، وصرح وزير الخارجية جون كيري في منتصف الاسبوع ان “الحيلولة دون سقوط مدينة كوباني السورية بايدي الدولة الاسلامية لا يعد هدفا استراتيجيا للولايات المتحدة،” في تباين واضح مع سلفه هيلاري كلينتون التي كانت تحبذ استخدام القوة لدى استعصاء الحلول السياسية
وحث كيري جميع الاطراف الاميركية المعنية “باتخاذ خطوة تراجعية بغية استيعاب الهدف الاستراتيجي .. لمراكز التحكم والسيطرة والبنى التحتية للدولة الاسلامية، وحرمانها القدرة على شن هجمات ليس في كوباني فحسب، بل في عموم الاراضي السورية وامتدادا الى العراق”
ولفت كيري النظر الى تعاطفه مع فكرة “انشاء منطقة عازلة بين سورية وتركيا .. انها فكرة جديرة للاخذ بها بعين الاعتبار ..” بالمقابل، يسعى “حلفاء” اميركا من الدول الاوروبية استدراج الرئيس اوباما لنيل موافقته على المنطقة العازلة، كما جاء على لسان الرئيس الفرنسي فرانسوا اولاند.
وزير الخارجية البريطاني، فيليب هاموند، ايضا ايدها بحذر قائلا “ينبغي بحثها مع حلفائنا وشركائنا” والاستقرار على مفهوم موحد لما تعنيه المنطقة العازلة “بيد انني لا استثني ذلك في المرحلة الحالية”
يرتكز الجدل داخل الاوساط الاميركية على التدابير التي بوسع الولايات المتحدة اتخاذها لانقاذ مدينة عين العرب – كوباني، وحيثيات الاستراتيجية التي يمكن ان يقدم عليها الرئيس اوباما لوقف اندفاع وتمدد داعش. ليس بوسع اميركا الآن او في المدى المنظور استخدام قواتها البرية في حرب اخرى بعد النتائج الكارثية لسياساتها في افغانستان والعراق، التي لا يزال يتردد صداها في اذهان الشعب الاميركي الرافض لمزيد من الانخراط العسكري الفاعل في مناطق اخرى
وعليه، الخيار المتوفر للولايات المتحدة يستند الى حشد وتدريب قوات محلية للتصدي لداعش، الامر الذي سيستغرق فترة زمنية طويلة نسبيا؛ وربما هذا بالضبط ما يمكننا استخلاصه من تصريح ليون بانيتا بالحرب المفتوحة “ولمدة 30 سنة”
عقبات عدة تعترض نضوج قوات الجيش العراقي، الذي راهنت عليه اميركا طويلا، لاستلام زمام الامور والتصدي لداعش بغية استعادة سيطرة الدولة على مدينة الموصل. جاء ذلك على لسان منسق الائتلاف الدولي، الجنرال جون آلان، لصحيفة نيويورك تايمز مطلع الاسبوع الجاري موضحة ان ذلك “يدل على التحديات الهائلة التي تواجهها القيادة العسكرية العراقية وشركائها الدوليين كذلك”
تطمح الولايات المتحدة الى “انشاء جيش سوري جديد” بديل لكل التشكيلات المسلحة الحالية، بما فيها الجيش الحر، قوامه 15,000 عنصر ينبغي التدقيق في خلفية وولاء كل منهم على حدة، والذي سيوكل بمهمة “القوات البرية” البديلة عن القوات الاميركية، ويتطعم بالعقيدة القتالية الاميركية، كما ورد على لسان القادة العسكريين في البنتاغون. تدريب وتسليح العناصر سيستغرق نحو 12 شهرا، في المعدل، يتم اعدادها لمرحلة لاحقة
اما في المرحلة الراهنة فان الطرف المرشح للاسهام بقوات برية، كما ترغب البنتاغون، فهو تركيا التي يدخل في حساباتها الاعتبارات الاقليمية والتوازنات الدقيقة، والتي لحد اللحظة لم تتجاوز اجراءاتها التصريحات الكلامية. وكما اشرنا سابقا، فان الاهداف الاميركية والتركية غير متطابقة بالكامل فيما يتعلق بسورية بعد مضي قرابة اربعة اعوام على الصراع المسلح. هدف تركيا الرئيس “اسقاط الرئيس الاسد،” اما الولايات المتحدة فقد اثبتت الوقائع السياسية والميدانية ترجعها عن هذا الهدف واعلاء “تقويض الدولة الاسلامية” في المرتبة الاولى. كما ان الولايات المتحدة لا تمانع قيام كيان كردي في المناطق السورية، مما يثير ذعر انقرة التي ترفض رفضا مطلقا اي تعبيرات او تجليات تؤكد على الهوية الكردية
الرئيس التركي اردوغان اعلن مرارا رغبته بانشاء “منطقة عازلة” داخل الاراضي السورية وفرض حظر الطيران في اجوائها كشرط مسبق لدخول قوات برية تركية ارض المعركة. كما يبدي ارتياحا بينا لسقوط مدينة عين العرب الحدودية باغلبيتها الكردية في ايدي الدولة الاسلامية دون ان يحرك ساكنا
الجانب الاميركي يعتبر اشتراط اردوغان تبريرا لعدم دخول تركيا النشط، اذ ان الغارات الجوية فوق مدينة كوباني ادت الى حظر حركة الطيران السورية هناك. وعلق مسؤول رفيع المستوى في البيت الابيض لصحيفة نيويورك تايمز على تردد تركيا بأنها “تخلق اعذارا لعدم المبادرة وتفادي كارثة انسانية اخرى.” واضاف موبخا انقرة “هذا التصرف لا يعكس آلية عمل حليف للناتو بينما تفتح ابواب الجحيم على بعد مرمى حجر من حدوده”
اقتصر دور تركيا الفعلي، في المرحلة الراهنة، على الانضمام لجهود الائتلاف حرمان الدولة الاسلامية من عائداتها المالية، اذ تعبر شاحنات نقل النفط الاراضي التركية وتصدر عبر موانئها ايضا. وقد فرضت حجرا على استخدام داعش الاراضي التركية، كما اوردت وسائل الاعلام المختلفة، وفرضت قيودا اخرى للحد من قدرة داعش شراء ذخيرة وقطع غيار للمعدات الثقيلة التي استولى عليها
لجأ اكراد تركيا الى التظاهر والاحتجاج في المدن الرئيسة تنديدا باغلاق تركيا المنافذ الحدودية مع مدينة عين العرب – كوباني المهددة بالسقوط، ومنعت الامدادات البشرية والمتطوعين من الهبة لنجدة اقرانهم عبر الحدود. استخدمت الحكومة التركية قوات الشرطة والجيش للتصدي وقمع الاحتجاجات مما ادى لسقوط ما لا يقل عن 19 قتيلا وجرح 145 في المظاهرات التي عمت الاراضي التركية، وفرضت حظر التجول على مدن ماردين وسييرت وباتمان وفان
تجلت تداعيات ازمة كوباني في انخفاض قيمة الليرة التركية سبقتها تخفيض مكانة الاقتصاد التركي من قبل الشركات المالية الاميركية، الأمر الذي اثار قلق المستثمرين الاجانب وكذلك هاجس تدخل تركيا في سورية. توفر السيولة المالية العالمية امر حيوي للاقتصاد التركي، نظرا لنسبة العجز العالية في ميزان المدفوعات والذي “تضطر” الحكومة التركية للاقتراض من الاسواق العالمية مرة تلو اخرى لتغطية نفقاتها. نائب رئيس الوزراء التركي، علي بابكان، اقر في 8 تشرين الاول ارتفاع معدل التضخم في الاقتصاد التركي الى نسبة 9.4%، بما يقرب من ضعف التوقعات السابقة بنسبة تضخم 5.3% للعام الجاري
احد المخارج للحكومة التركية يكمن في عدم قيامها بالتدخل وتأزيم الاوضاع الاقليمية، وهو ما قد يلجأ اليه الرئيس اردوغان وحكومته للتكيف مع مطالب المؤسسات الاقتصادية الكبرى في البلاد. ان امتنعت تركيا عن المشاركة الفعالة في التصدي لداعش عسكريا فما يتبقى هو خيار الغارات الجوية واستمرارها للدول المشاركة في الائتلاف، وربما بعض العمليات الموكلة للقوات الخاصة القيام بها
خيارات الرئيس اوباما
يتضمن الاستعراض السابق بعض العوامل الضاغطة والتي تدفع بالرئيس اوباما اعادة النظر في استراتيجيته المعلنة وادخال تعديلات مطلوبة، سيما لادراكه تنامي معارضة الشعب الاميركي لسياساته المعلنة عززها حادث جز عنق امرأة اميركية في ولاية اوكلاهوما مؤخرا. الأمر الذي يستدعي بلورة سياسة اوضح نحو داعش تسهم في تراجع التهديد الارهابي للداخل الاميركي وللحلفاء ايضا
لا تبدي المؤسسة الحاكمة حماسا لانخراط قوات برية اميركية، كما اسلفنا، مما يستدعي الرئيس اوباما تقديم بعض التنازلات لارضاء تركيا تتضمن تطبيق محدود لمنطقة عازلة، مقرونة ببعض الاجراءات لمنطقة محدودة لحظر الطيران، وربما تجديد التزامه باسقاط الدولة السورية والرئيس الاسد. ويبدو ان التفاهم الذي توصل اليه الجنرال الاميركي المنسق للتحالف مع الجانب التركي حول تدريب وتسليح ما يسمى بالمعارضة السورية المعتدلة يشكل حلا مُرضيا وسطيا يؤجل التباين حول ترتيب الاولويات في المسرح السوري
تردد العامل الاميركي في الائتلاف، برفد قوات برية مهمتها تطبيق الاهداف المعلنة، يضاعف الاعتماد على قوات الجيش التركي، مع الاخذ بعين الاعتبار تباين اهداف الطرفين المباشرة، وعدم نضوج تشكيلات قوات المعارضة ودخولها كعامل مساعد. الأمر الذي يقود الى الاستنتاج بأن الازمة ستطول وربما لن تسير على هوى الرغبات الاميركية

التحليل 10-03-2014

:التحليل

هل تنجح مناورة اردوغان لتسويق الدور البرّي الغائب في “تحالف واشنطن”؟
تقاطع الاهداف في الحرب على داعش
في زمن اشتعال الحروب تعيد القوى والدول المختلفة اصطفافاتها وتتقاطع تحالفاتها مرحليا، وتتضافر جهودها امام عدو مشترك، كما شهدت الحرب العالمية الثانية بتحالف نظم سياسية واقتصادية متناقضة، الاتحاد السوفياتي وبريطانيا والولايات المتحدة. مرحلة التنسيق وتوحيد الجهود آنئذ غابت تماما عن اللوحة الراهنة في محاربة داعش وتجلياتها في الاقليم
بيد ان التحالف وتقاطع المصالح ليست ظاهرة ثابتة ومرشحة الى التبدل والتغيير والتعارض والتناقض في مرحلة اخرى. القاسم المشترك الجامع “لتحالف واشنطن” هو الرغبة لدى البعض لوقف اندفاعة وتحجيم داعش وليس القضاء عليه، كما يزعم الخطاب السياسي الاميركي، في سورية بؤرة الصراع الراهن. اما الاداة الاوفر حظا للقيام بتلك المهمة فيبدو انها اوكلت لتركيا، عضو حلف الناتو النشط المفرط بحماس التدخل، والتي اخرجت الصيغة المطلوبة دون عناء عبر برلمانها الذي يسيطر عليه حزب اردوغان “العدالة والتنمية.”
تقدم داعش بسرعة ملفتة للانتباه في شمالي سورية، ووصل بقرب الحدود التركية الى مسافة لا تتعدى 5 كلم، عند مدينة عين العرب – كوباني. تركيا مثلت الحاضنة والداعمة للعناصر المسلحة بكافة اطيافها وتلاوينها بغية تقويض واسقاط الدولة والكيان السوري. وقد اوضحت صحيفة “واشنطن بوست” مؤخرا ابعاد القرار التركي اذ “ابلغ نائب رئيس الوزراء بولنت آرينك الصحافيين ان الاقتراح (الحكومي) المقدم للبرلمان سيتضمن مروحة واسعة من الخيارات، بما فيها فتح القواعد التركية امام الجيوش الاجنبية والقوات التي في طريقها للانتشار واقامة ملاذات آمنة لللاجئين داخل الاراضي السورية. ترغب الحكومة في نتيجة تصويت واسعة لتفادي اللجوء مرة اخرى للحصول على تفويض برلماني للعمل العسكري”
لتركيا حسابات اضافية تميزها عن الدول المنضوية في “تحالف واشنطن” سيما وعينها على “احباط” عرى الترابط الوثيق بين اكراد تركيا والاكراد في سورية، في الدفاع عن مدينة عين العرب المهددة بالسقوط بايدي داعش. ضرب داعش حصارا على المدينة ادى لفرار ما لا يقل عن 160،000 من سكانها باتجاه الاراضي التركية القريبة، ارفقه باطلاق بعض القذائف التي سقطت داخل الاراضي التركية. استثمرت تركيا اللحظة وحشدت بعض قواتها المقاتلة بكامل تجهيزاتها العسكرية لافشال تبلور وحدة ميدانية بين القوى الكردية بالدرجة الاولى، وادراكها ان داعش لا يضمر نوايا بالاستيلاء على اراضي تركية
دأبت تركيا وبثبات على “المطالبة بانشاء منطقة حظر جوي فوق الاراضي السورية” الحدودية للنيل من السيادة السورية، واتاحة الفرصة لمخططاتها بقضم اراضي عربية جديدة سيما وان قوى المعارضة السورية المسلحة مدينة لها بالكامل. يذكر ان الهدف المذكور ايضا نادت به الولايات المتحدة طويلا على امتداد الازمة، وبرز بقوة عام 2013 على خلفية ازمة الاسلحة الكيميائية السورية وتوثب اميركا لشن عدوان مباشر على الاراضي السورية قبل احباطه ببراعة من اصحاب الشأن
في المستجدات الاخيرة، وبالنظر الى تواضع عدد القطعات البحرية الاميركية المتوفرة في المنطقة، اضحى انشاء تلك المنطقة امرا مستبعدا مقارنة بما كان عليه الوضع العام الماضي وارتفاع سعير العدوان على سورية. حرصت الولايات المتحدة على تفادي الاشتباك مع القوات العربية السورية مسخرة عدد من الاطراف تحمل رسائل لطمأنة دمشق بأنها لن تنقض عليها وعلى الاخيرة العمل بالمثل. ووصفت عمل شبكات اجهزة الرادار السورية بانها “ساكنة” خلال طلعات الاغارة، بيد انها لا تبدي تعاونا معها، وبالتالي لوحظ غياب المسألة من التداول الاعلامي اليومي ولم يسجل اي شكوى من الطرفين
فرض منطقة حظر جوي سيواجه بتحرك عدد من الاطراف على الصعيد الدولي والديبلوماسي، ويقين البعض ان سورية سترسل احتجاجا لدى الامم المتحدة بدعم من روسيا والصين وايران ودول البريكس الاخرى، مما سيعرض الخطوة الاميركية الى مزيد من العزلة على الاقل
الخيار المتاح امام الولايات المتحدة في هذا الشأن هو طمأنة تركيا بأن سورية لن تتعرض لقواتها في محاربة داعش، والافضل مواجهتها هناك بعيدا عن الاراضي التركية. تعي تركيا وتخشى بأس سلاح الجو والدفاعات الجوية السورية، سيما بعد اسقاطه احدى طائراتها المقاتلة في عرض البحر قبالة الشواطيء السورية، 22 حزيران 2012؛ واي مواجهة غير محسوبة بدقة ستأتي بنتائج عكسية لاهدافها في تقويض واسقاط الدولة السورية. وتدرك ايضا ان تحركها في تلك المنطقة الحدودية، ان تم، سيصطدم بالوجود الكردي على جانبي الحدود والذي من شأنه تعزيز مكانة القوة الكردية المسلحة، ليس اقلها غريمها الاساس حزب العمال الكردستاني الذي حذر رئيسه المعتقل لديها، عبد الله اوجلان، الحكومة التركية من مغبة التدخل العسكري بحجة محاربة داعش
عند هذا المنعطف، تتباعد الاهداف الاميركية والتركية. اذ شنت الولايات المتحدة غاراتها الجوية ضد داعش دعما للقوى الكردية في العراق بالدرجة الاولى والتي لها المصلحة الاكبر في ابطاء تقدم داعش. توضح بيانات وزارة الدفاع الاميركية ان ما يربو على نصف مجموع الغارات الجوية، الاميركية والبريطانية، كانت لدعم القوات الكردية ومكنتها من اتخاذ زمام المبادرة وشن هجمات لاستعادة عدد من البلدات العراقية بعد سقوطها بايدي داعش
تتمحور الاستراتيجية الاميركية الراهنة حول استدراج اكبر عدد من مقاتلي داعش من الاراضي العراقية باتجاه الاراضي السورية وابعادها عن “تهديد اربيل،” وحصر نشاطها ما امكن داخل سورية. في هذا الصدد، نقلت شبكة “فوكس نيوز” عن مصادر خاصة بها داخل وكالة الاستخبارات المركزية تفيد بأن ضباطها يترددون بالمغامرة في ارسال عناصر استخباراتية اميركية داخل الاراضي السورية خشية مفاقمة الاوضاع بما فيها تعرضهم للاعتقال
اما “حلفاء” اميركا من دول الخليج العربي فقد بدأت تستشعر خطورة داعش على أمنها خاصة في الجزيرة العربية والاردن، وقلقون ايضا من ان تؤتي الغارات الجوية أكلها وتسهم في اضعاف داعش في الاراضي العراقية لخشيتهم من تعزيز دور ايران وحلفائها في المنطقة. وعليه ابدوا حماسة منقطعة النظير لشن غارات جوية واخرى ميدانية داخل الاراضي السورية طمعا في تحقيق مطالبهم بتقويض الدولة السورية
اميركا غارقة في التردد
تعاني الولايات المتحدة من غياب الاجماع الشعبي والسياسي حول سياسة الانخراط مجددا في حرب مفتوحة ليس لها افق “تستمر لعدة سنوات.” فقواعد الحزب الديموقراطي المناهضة للحرب اسمعت صوتها لاوباما وقادة الحزب بان اقصى ما يمكنها التأقلم معه هو ضربات عسكرية ضد داعش دون التفكير بنشر اي قوات برية سواء في العراق او سورية. وتفاقمت الازمة الداخلية عقب اقدام شخص اعتنق الاسلام جز عنق زميلته في العمل في ولاية اوكلاهوما الاسبوع الماضي على نسق اسلوب داعش
من الثابت ان تطورات “الشرق الاوسط” بكل تجلياتها وتنوعاتها ستسهم في نتائج جولة الانتخابات النصفية المقبلة، وما يراه البعض تراجع قدرة الحزب الديموقراطي الاحتفاظ بأغلبية مقاعد مجلس الشيوخ. في هذا السياق، اتهم الحزب الجمهوري عضو لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ عن الحزب الديموقراطي، كاي هاغان، بالتغيب عن نحو نصف عدد الجلسات التي عقدتها اللجنة؛ فضلا عن سكوتها المطبق حول سياسات الرئيس اوباما السابقة حول الارهاب “.. واخفقت في رؤية وتلمس تنامي شبح الدولة الاسلامية.” اذن هي بداية السباق والمزايدة الانتخابية
وكذلك الامر في شيطنة النواب عن الحزب الديموقراطي في ولاية نيو هامبشير، مثلا اذ اتهم خصم النائبة جين شاهين والرئيس اوباما سوية “بالذهول والحيرة” حيال خطر الدولة الاسلامية على الاراضي الاميركية. الخطاب السياسي للرئيس اوباما الموجه للعامة لم يحقق مراميه، اذ ينظر اليه جزء كبير من الناخبين بان رده يتسم بالضعف، وعند بدئه الغارات الجوية اعتبرها معظم المعنيين من الخبراء بأن فعاليتها محدودة
امام هذا التناقض لجأ اوباما لالقاء اللوم على الاجهزة الاستخبارية بتقصيرها في لفت انتباهه مبكرا، مما استدعى ردود افعال غاضبة فورية واتهامه “بعدم الاكتراث للتقارير الاستخبارية المقدمة للبيت الابيض،” واضطرت للكشف عن بعضها، لعام 2012، دون تعريض تصنيف السرية للخطر
استدرك اوباما التداعيات المحتملة سريعا واعلن عن ارساله نحو 2000 عنصر من قوات سلاح مشاة البحرية، المارينز، الى الكويت كمحطة انطلاق لنشاطاتها المختلفة في عموم المنطقة، يعززها تجهيزات عسكرية خاصة بها تشمل طائرات النقل الضخمة من طراز سي-130 وطائرات عمودية هجومية
من بين المهام الاساسية الموكلة لتلك القوة انجاز عملية اجلاء الرعايا الاميركيين من بغداد ان استمر داعش في اندفاعه بالقرب من بغداد، سيما وانها تضم الفوج الثامن في سلاح المارينز الذي انجز اجلاء ما ينوف عن 150 فرد من الرعايا الاميركيين بطرابلس في حزيران الماضي، ونقلهم براً لتونس في رحلة استغرقت نحو 6 ساعات على متن 40 سيارة ذات دفع رباعي، برفقة طائرات مقاتلة: اف-16، ام في-22ب اوسبري، وناقلة نفط من طراز كيه سي-130 ج. يذكر ان السفيرة الاميركية دبوره جونز احجمت عن استخدام الطائرات العمودية من طراز ام في-22 في عملية الاجلاء بدافع الخطورة
تعول الاستراتيجية الاميركية على تلك القوة من المارينز، والتي سيتم رفدها بمزيد من القوات والتجهيزات تباعا، للدفاع عن دول الخليج ان تعرضت لتهديد داعش. اتخاذ الكويت مقرا لها اتى بدافع ضمان عدم وقوع حقول النفط في الجزيرة العربية بايدي داعش، ولطمأنة الدول الخليجية القلقة من تنامي النفوذ الايراني
يجمع اطراف “حلف واشنطن” على ضرورة التصدي لداعش وتتباين المواقف في العداء والقضاء عليه. فالدول الخليجية كانت دوما جاهزة لتمويل مغامرات واشنطن وترمي لتوظيف التنظيم او مشتقاته وتفرعاته لانجاز هدفها المركزي في تقويض الدولة السورية، وهو الهدف الاوحد الذي يحقق اجماع كافة اطراف الحلفبعض الدول الاوروبية المشاركة، الدانمارك وفرنسا وبلجيكا وهولندا، توفر مساندة ودعم للقوات الاميركية فوق اجواء العراق حصرا، في تباين واضح مع دول الخليج المشاركة والاردن ايضا. دخول تركيا المتأخر وانضمامها للحلف يفاقم حالة الانقسام بين الاطراف المتعددة. نواة تحرك تركيا وهاجسها هو التصدي والحد من تطلعات الاكراد وتحجيم داعش وادامة دوره في خاصرة سورية للحيلولة دون نهوضها وابقائها ممزقة وضعيفة. تركيا ايضا تطمح للعب دور اقليمي بارز الامر الذي يتباين مع تطلعات آل سعود للعب الدور الاكبر
من نافل القول ان الرئيس اوباما يدرك بتمايز خطابه السياسي عن سياساته العملية، وهو الذي فاز بالانتخابات لمعارضته لشن الحروب والتزامه بانهاء حربي افغانستان والعراق، وما لبث ان وجد نفسه امام غالبية غاضبة من الشعب الاميركي لانزلاق الاوضاع في المنطقة الى مديات خطيرة؛ فضلا عن معارضة قواعده الانتخابية بشدة لمغامرات عسكرية جديدة في العراق وسورية. من شأن اي زلة سياسية من قبله ان تطيح بسيطرة حزبه الديموقراطي على مجلس الشيوخ وما سيترتب عليه من تجميد لاي مبادرة او اجراء قد يتخذه بعد موسم الانتخابات في تشرين الثاني المقبل
فيما يخص “داعش” فان التحالف الذي انجزته واشنطن بالتهديد والترغيب لا يستند على اسس متينة وعلاقات اطرافه هلامية باستثناء الحلفاء الاوروبيين والاستراليين التقليديين. ويبقى عرضة للانهيار جراء التطورات المتسارعة