التحليل 09-20-2014

:التحليل

داعش يرجح التصويت في الكونغرس الاميركي    تأجيـل المعركة الفاصلة الى نهاية العام

          ثمة اجماع في عاصمة القرار على ان الرئيس اوباما شد الرحال باتجاه معسكر الحرب وصقور السياسة، مما وفر له الدعم الميسر لسياسته المعلنة مؤخرا، بل “كوفيء” بمصادقة الكونغرس على توفير مبلغ 500 مليون دولار اضافي تنفق على تجهيز وتسليح قوى المعارضة السورية المسلحة. وصوت لصالح القرار عدد كبير من الاعضاء الجمهوريين، 159 مقابل 114 للنواب عن الحزب الديموقراطي، وعارضه 85 عضو من الحزب الديموقراطي مقابل 71 معارض من الحزب المنافس. محصلة الأمر ان فوز اوباما تحقق على ايدي النواب الجمهوريين

بعبارة اخرى تبنى الجمهوريون سياسة اوباما التصعيدية التي تكمل سياسات سلفه جورج بوش الابن، رغم لهجة الخطاب السياسي العلني في انتقاده، ومعارضة معتبرة من قبل حزبه الديموقراطي، نحو 40%. وجاء اوضح تصريح عقب التصويت على لسان رئيس مجلس النواب (الجمهوري)، جون بينر، قائلا “بصراحة اعتقد ان ما يطلبه الرئيس اوباما سويّ .. لا ارى اي عائق امامنا لرفض ما يطلبه منا الرئيس.” بينما اعرب احد اقطاب الحزب الديموقراطي المعتبرين، جيم ماكغفرن، عن عميق قلقه لشن غارات جوية في الاجواء العراقية واصفا ذاك القرار الرئاسي بأنه “مثير للسخرية”

يذكر ان اقطاب الحزب الجمهوري اشاعوا في البدء ضرورة توجه الرئيس اوباما للكونغرس لنيل تفويض لسياسته المعلنة في العراق، ومن ثم تراجع هؤلاء عن هذا الشرط. بل اوضح رئيس مجلس النواب ان “الرئيس هو المخول بتقرير التوجه للكونغرس للتصويت على ذاك التفويض من عدمه، والادارة لم تقدم على ذلك بعد”

تجدر الاشارة الى ان عددا كبيرا من نواب الحزبين في الكونغرس أتى من خلفية عسكرية وهمالذين عارضوا استراتيجية اوباما. وجاء على لسان النائب والعضو السابق في سلاح مشاة البحرية، المارينز، دانكان هنتر الذي قضى بعض خدمته في العراق وافغانستان، ان الاستراتيجية المعلنة “لا تساوي شيئا” ولا يمكنها تدمير الدولة الاسلامية. نظيره الديموقراطي تولسي غابارد، عن ولاية هوايي والذي خدم في العراق، وصف الاستراتيجية بأنها “غير واقعية .. وستستغرق زمنا طويلا قبل ان تلوح بوادرها في الافق”

الاجابة على تحول بعض موازين القوى في هذه المرحلة، دعم الجمهوريين للرئيس اوباما، تتعلق بالانتخابات النصفية المقبلة وعينهم على الفوز بأغلبية مجلس الشيوخ والاحتفاظ بأغلبية مجلس النواب، ولخشيتهم ان تؤثر معارضتهم الثابتة للرئيس اوباما على نتائج تلك الانتخابات. ولعل الادق ان ما تبقى من زمن لحين شهر الانتخابات، تشرين الثاني، ان اقطاب الحزب الجمهوري سحبوا البساط من تحت قادة الحزب الديموقراطي ورموا جانبا الاتهامات الموجهة لهم “بتعطيل الاداء الحكومي والتسبب في الطريق المسدود”

وأتت حملة التعبئة الاعلامية أكلها في الوعي العام، اذ اظهر احدث استطلاعات للرأي تنامي الدعم الشعبي لسياسة اوباما في العراق وسورية، 53% بعد خطاب الرئيس، مقابل 42% قبل ذلك. اي ان الكفة تميل لصالح معسكر الحرب الذي يتزعمه خطاب الحزب الجمهوري، ولا شك ان قادته قرأوا النبض الشعبي بدقة عقب حملة اعلامية وسياسية مكثفة ومدروسة

في هذا الصدد، اشار عدد من استطلاعات الرأي في الآونة الاخيرة الى تنامي الدعم الشعبي لخطاب اوباما المفعم بمفردات الحرب ضد داعش. واوردت شبكة (ان بي سي) للتلفزة ان التأييد بلغ 62%، وشخصته وكالة رويترز للانباء بنسبة 64%، ومعهد بيو بنسبة 53%. الملفت في تلك الحزمة من الاستطلاعات ان تأييد اوباما بين الجمهوريين بلغ 64%، بينما بين اوساط الديموقراطيين فقد بلغ 60%. وذهب استطلاع وكالة رويترز بالقول ان اغلبية الشعب الاميركي، 53%، يؤيد استراتيجية اوباما المعلنة حتى لو استغرقت سنتين او ثلاث، كما قدرها البيت الابيض

نتائج الاستطلاعات لفتت قادة الحزب الجمهوري الذين اعتادوا على افشال اي مشروع او اقتراح مقدم من السلطة الرئاسية، واثارت بعض القلق بين اوساطهم. وخياراتهم في هذه المرحلة الدقيقة احلاها مر: المضي بمعاداة ورفض توجه اوباما نحو الدولة الاسلامية، كما اعتادوا، ينطوي على مغامرة سياسية كبرى من شأنها توفير مزيد من ذخيرة الهجوم على الحزب الجمهوري من الرئيس اوباما وحزبه؛ او اعلان التأييد للرئيس مرة وحيدة والتطلع نحو الفوز بنسبة الاغلبية في الانتخابات المقبلة والسيطرة على مجلسي الكونغرس

بالطبع التجاذب بين الحزبين لن ينتهي بمجرد موافقة مجلس النواب على استراتيجية اوباما، وقادة الحزب الجمهوري يدركون تماما ان تصويتهم بنعم أجّل المعركة الفاصلة لشهر كانون الاول، بمنح الرئيس دعما ماليا لنهاية العام الجاري. احتمالات الربح والخسارة لدى الطرفين حاضرة في الاذهان. في حال نجاح خطة اوباما والتي وافق عليها الجمهوريون مكرهين سينالهم بعض آيات الثناء لدورهم الفعال. بالمقابل، نظرائهم من الحزب الديموقراطي الذين اعترضوا على خطة اوباما سيتركون يواجهون مصيرهم وحدهم من الانتقادات. اما احتمال الفشل، وهو المرجح، فانه سيوفر للجمهوريين زادا اضافيا للنيل من خصومهم بداء من الرئيس اوباما

معركة السيطرة على مجلس الشيوخ

لدى اقطاب الحزب الجمهوري تفاؤل كبير بالفوز بأغلبية المقاعد في شهر تشرين الثاني المقبل، على الرغم من استقطابات وتغيرات في الخارطة الانتخابية، وكل ما يحتاجونه هو الفوز بستة مقاعد على الاقل. اذ من بين ثوابت النظام السياسي الاميركي ان الحزب المسيطر على منصب الرئاسة سيخسر كثيرا في الانتخابات النصفية، يعززها تدني نسبة التأييد الشعبي للرئيس اوباما لحين اعلانه عن نواياه الحربية

بالمقابل، سيبذل الحزب الديموقراطي قصارى جهوده للاحتفاظ بالمقاعد التي فاز بها بشكل كاسح في الدورة الانتخابية الاخيرة لعام 2008. يحتفظ الديموقراطيون راهنا بثمانية (8) مقاعد يوشك على خسارتها تمثل الولايات التي صوتت لصالح المرشح الرئاسي الجمهوري، ميت رومني، قبل عامين. بالمقابل، لا ينطبق الوضع عينه على الحزب الجمهوري في مناطق تأييده، بل تشير استطلاعات الرأي الى تقدم بسيط لصالح مرشحي الحزب على خصومه الديموقراطيينفي 8 ولايات، اما باقي المقاعد فهي مضمونة النتائج لصالح الجمهوريين

جمهور الحزبين معالمه معروفة ومحددة لهما، اما ما يقلق الطرفين فهي شريحة اطلق عليها تسمية “المترددين” لحين اللحظة الاخيرة، وهي التي يراهن الطرفان على كسب جمهورها. تشكل المجموعة وزنا ذات ثقل معتبر في اي دورة انتخابية ومعظمها يعارض الرئيس اوباما وسياساته، بل اثبتت الدورات الانتخابية المتعاقبة ان اغلبية اصوات “المترددين” تذهب لصالح الحزب الجمهوري. للدلالة، نشرت جامعة كوينيبياك (بولاية كونتيكت) نتائج احدث استطلاعاتها للرأي تدل على على تردي شعبية الحزب الديموقراطي ويعتبر الناخب انه يصوت في الانتخابات النصفية ضد، او انتقاما من، الرئيس اوباما

واوضحت الجامعة ان مقعد ولاية كولورادو اضحى في خطر، وهي تصوت عادة لصالح الحزب الديموقراطي وترسل احد اباطرته الى الكونغرس، مارك يودال، الذي انخفضت نسبة تأييده الى 44% مقابل 50% لخصمه الجمهوري بسبب اصطفاف شريحة المتردين ضد الرئيس اوباما. بات الأمر يدعو الى القلق الشديد، سيما وان كولورادو محسومة تاريخيا للحزب الديموقراطي قد تذهب لصالح الخصم، ومقعد ولاية ايوا ايضا. ويمتد قلق الحزب الى الولايات المحسوبة في خانته تاريخيا، مينيسوتا وديلاوير ونيو جيرسي، انخفضت نسبة التأييد الشعبي لمرشحيه الى ما دون 50%، مما سيفتح الباب على مصراعيه امام الحزب الجمهوري للفوز بأغلبية المقاعد

وعزز القلق ايضا اصدار صحيفة “نيويورك تايمز” نتائج احدث استطلاع اجرته منتصف الاسبوع الجاري يدل على تقدم المرشحين الجمهوريين على خصومهم بنحو 6 نقاط مئوية، ونحو 9 نقاط بين صفوف الناخبين المستقلين. كما دل الاستطلاع على قلق العامة للقضايا الهامة وتأييد الاغلبية للحزب الجمهوري في مجالات متعددة: في حال الاقتصاد بلغ تقدم الجمهوريين 11 نقطة، قضية الارهاب 21 نقطة، السياسة الخارجية 12 نقطة؛ واسفر ايضا على تدني نسبة التأييد العام للرئيس اوباما الى 40%

هذا الاستعراض المفصل للخارطة الانتخابية كان ضروريا للاستدلال على دوافع الحزب الجمهوري وقادته في التصويت لصالح الرئيس اوباما مؤخرا، بعد طول عناء وثبات مواقفهم بتعطيل مشاريعه وافشال سياساته. وبرع هؤلاء في التقاط الفرصة المتاحة لا سيما في دعم ما يسمى “المعارضة السورية المعتدلة” بالرغم من سلسلة اعتراضات قدموها حول المسألة، والتي من شأنها سحب البساط الانتخابي من تحت اقدام الرئيس اوباما وتفنيد مقولته بأن الجمهوريين يعزفون عن العمل سوية معه

بالرغم من كل ما تقدم، فان الوقت لا يزال مبكرا وسابق لاوانه لترجيح كفة على اخرى، الا في حال تضافر عدد من العوامل تؤدي لفوز الحزب الجمهوري بنسبة كاسحة تمكنهم من اختراق المقاعد الثمانية المشار اليها ورفع اكاليل الغار

التحليل 09-13-2014

:التحليل

اوباما يستنجد بداعش لانقاذ رئاسته وحزبه من السقوط

وتحضير المسرح للعدوان على سورية

سبر اغوار خطاب الرئيس اوباما

          سورية، وان غاب حضورها، هي الهدف غير المعلن في خطاب الرئيس اوباما، وجموع التكفيريين من داعش واخواتها ومشتقاتها هم الادوات التي تنوي “الاستراتيجية” الاميركية استخدامها في اعادة رسم خارطة الوطن العربي والاقليم في طبعته الجديدة. داعش مجرد ورقة او وسيلة من وسائل الضغط تستخدم عند الحاجة، وتُركن جانبا عند انتفائها. السفير والمستشار الاميركي الاسبق لأقليم كردستان العراق، بيتر غالبريث، اوضح ان “الدولة الاسلامية تخدم الجهود (الغربية) في قتال نظامين مدعومين من ايران في العراق وسورية”

          في البعد المحلي الداخلي، شكل الخطاب بعد طول انتظار محاولة لمحاكاة الاعتبارات السياسية المحلية، في ظل مناخ الانتخابات القادمة، عبرت عنه احد الصحف الكبرى بعنونة افتتاحيتها “اوباما يعلن الحرب على نتائج الاستطلاع المتردية.” وهو يفسر ايضا مغزى تكرار الرئيس اوباما استخدام مصطلح “استراتيجية” في خطابه لتعديل تصريحه السابق بأن بلاده “لا يتوفر لديها استراتيجية” واضحة المعالم للتصدي لداعش

          دأبت استطلاعات الرأي المحلية، في الآونة الاخيرة، على ابراز تدني نسبة الدعم الشعبي للرئيس اوباما سيما وان “عددا كبيرا منهم لا يأخذ تصريحاته حول السياسة الخارجية على محمل الجد .. واعربت نسبة مذهلة منهم، 55%، عن حرجهم وارتباكهم من عدم توصل الرئيس اوباما لبلورة استراتيجية للتصدي للدولة الاسلامية لحين اللحظة.” تأييد الرئيس اوباما لم يتعدى نسبة 32% من الاميركيين، عشية القائه خطابه؛ وهو يدرك بوعي تام تداعيات ذلك على نتائج الحملة الانتخابية المقبلة

          خطاب اوباما تتضمن العديد من المفردات والمفاهيم المبهمة التي ستشوش الوعي العام الاميركي، بتركيزه على المصطلحات المتعددة لتنظيم داعش وهمجيته، بينما في الحقيقة كان يرمي لحشد الدعم الشعبي بكافة اطيافه لشن “جولة” جديدة من الحروب الدموية في المنطقة، يورثها لخليفته المقبل، بالتساوق لما ورثه عن سلفه جورج بوش الابن. الاستاذ الجامعي فيجاي براشاد اوجز الخطاب بأنه “مربك جدا وانطوى على لغة خطابية متقنة تخلو من مفاهيم استراتيجية” يمكن البناء عليها. ومضى موضحا ان “الدولة الاسلامية توفر مبررا بتوقيت مريح لشن غزو دموي آخر يتبعه عدد من سنوات الاحتلال والتدجين والترويض والمقاومة”

          حذر الرئيس اوباما الشعب الاميركي والغربي عموما من خطورة عدم التصدي لداعش. “هؤلاء الارهابيون باستطاعتهم تشكيل تهديد ينمو خارج حدود تلك المنطقة – ومن ضمنها الولايات المتحدة .. لن اتردد باتخاذ ما يلزم من اجراءات ضد الدولة الاسلامية في سورية، والعراق ايضا ..” بينما في الواقع ناقضه الرأي بعض اركان ادارته، احداهن جنيفر لاسلي، ضابط استخبارات في وزارة الأمن الداخلي، قائلة ان “الدولة الاسلامية لا تشكل خطورة على الولايات المتحدة في المدى المنظور،” في شهادة ادلت بها امام اللجنة الفرعية للأمن الداخلي في مجلس النواب. المفارقة ان شهادتها وشهادات مماثلة لآخرين جاءت قبل بضع ساعات من القاء اوباما خطابه المذكور

          وعليه، يمكننا القول ان الحرب العدوانية الثالثة على العراق قد اتضحت معالمها، وانعشت مرة اخرى احلام المحافظين الجدد بنسخة اوباما، لتقسيم العراق وفق محاصصة طائفية وعرقية. ما يعزز ذلك هو افصاح اوباما واركان ادارته بأن “الحملة ضد الدولة الاسلامية” ستستغرق بضع سنين، الى ما بعد انتهاء ولايته الرئاسية. جدير بالذكر ان دوائر صنع القرار، لا سيما في المعسكر الصناعي الحربي، روجت لاحتلال العراق منذ زمن باعتباره “منصة انطلاق تكتيكية” لخدمة اهداف اعادة رسم حدود منطقة الشرق الاوسط برمتها. (في هذا الصدد يرجى مراجعة اصدارات مؤسسة راند بتاريخ 6 آب 2002)

تردد وقلق في الغرب

          روج الرئيس اوباما وكافة الوسائل الاعلامية الاميركية للتحالف الدولي المزمع انشاؤه بمشاركة دول غربية وعربية واقليمية، تُوِّج بارسال وزير الخارجية جون كيري الى الرياض لجمع شمل الحلفاء المقربين؛ وسارعت كل من المانيا وتركيا في الاعلان عن عدم مشاركتهما جهود الرئيس اوباما، ونفي بريطانيا لتصريح وزير خارجيتها بعد اعلانه عدم مشاركة بلاده؛ بل اوضحت المانيا في خطوة غير مسبوقة انه لم يتم استشارتها بهذا الخصوص. وقال وزير الخارجية الالماني، فرانك-ولتر شتاينماير، “دعوني اقول بكل وضوح، انه لم يطلب استشارتنا” في المساهمة بالغارات الجوية ضد مواقع داعش “ولن نقوم بذلك ايضا”

          “استراتيجية حلف اوباما” اوضحها الرئيس في خطابه بالقول بانها “استراتيجية شاملة ومستمرة لمكافحة الارهاب .. تنطوي اولا على شن حملة ممنهجة من الضربات الجوية .. وسنوسع نطاق جهودنا الى ابعد ما تقتضيه حماية مواطنينا (هناك) المنخرطين في عمليات الاغاثة الانسانية ..” في ذات السياق، كرس الرئيس اوباما خطة تقسيم المنطقة في خطابه الاعلامي عبر تكرار مصطلحاته ان المجتمعات العربية ما هي الا ثمة تجمعات “طائفية تشمل السنة والشيعة من المسلمين، والمسيحيين واقليات دينية اخرى ..”  وتعمد تغييب الهوية الوطنية والقومية اتساقا مع الاستراتيجية الاميركية بعيدة المدى

آفاق نجاح “استراتيجية اوباما”

          ردود فعل حلفاء اميركا في حلف الناتو أهم مؤشر على حقيقة ما يمور خلف الكواليس وظهر الى العلن، وما اعلان اهم اقطاب حلف الناتو، المانيا وبريطانيا وتركيا،ـ عن عدم مشاركتهم في حملة الغارات الجوية على الاراضي السورية الا دليل على هشاشة “استراتيجية” اوباما في اطلاق “حرب جديدة على الارهاب.” استثناء اوباما لروسيا وايران من هذه التشكيلة تدل على حقيقة اهداف اميركا والقلق من نواياها المبيتة بانها تسعى لاسقاط الدولة السورية بتوظيفها داعش اداة وذريعة لتنفيذ غارات جوية على اراضيها. وما تعيين اوباما لجنرال الحرب في افغانستان، جون آلان، للتنسيق بين القوات الخاصة والارهابيين والغارات الجوية الا دليل آخر على ان الاستراتيجية تقتضي استهداف سورية، تحت ذريعة ملاحقة داعش،ولبنان ربما الذي يروج لعمليات اغتيالات ستجري على اراضيه

          في هذا الصدد، يشير بعض المراقبين في العاصمة الاميركية الى توقيت اعلان الاستراتيجية، 11 أيلول/سبتمبر، سيما وان “الصدف” التاريخية نادرا ما اثبتت انها حقيقة صدفة. اوجه التشابه ليست من باب الترف الفكري، سيما وان 11 ايلول 2001 لا تزال تحوم حوله الشبهات بأنه منصة انطلاق اسفرت عن تكريس استفراد اميركا بالعالم ودمرت واحتلت دولا عربية عدة، من العراق الى ليبيا واليمن والصومال، الى الحروب الاخرى المناطة بالكيان الصهيوني، الى الاغتيالات بطائرات الدرونز .. الخ. الحادي عشر من ايلول اضحى اعلانا بالعدوان المفتوح غير مقيد بفترة زمنية

          شبكة فوكس نيوز اليمينية اظهرت ارتياحا مشروطا باستراتيجية اوباما استخدام سلاح الجو الاميركي بكثافة “مدعوم بقوات برية موالية،” بيد انها حذرته من نتائج استطلاعاتها للرأي التي تشير الى اعتقاد الغالبية من الشعب الاميركي، نحو الثلثين، بان نجاح الاستراتيجية ينطوي على نشر قوات اميركية برية لتحقيق هدف الحاق الهزيمة بداعش مع استمرار القصف الجوي المكثف

          تنبغي الاشارة في هذا السياق الى ما اضحى ممارسة ثابتة في الاغتيالات وثقتها وسائل الاعلام الاميركية، اذ يصغي الرئيس اوباما صباح كل يوم ثلاثاء الى تقارير رؤساء اجهزة الاستخبارات يستعرضون معه لائحة “الاغتيالات” المرشحة للمصادقة عليها وتنفيذها على الفور. من غير المستبعد ان تشمل تلك الاجراءات سورية في ظل “الاستراتيجية” الجديدة

          يحضرنا في هذه المناسبة ما سبق الاشارة اليه فيما يخص الاسلحة الليبية المتجهة الى سورية. اذ اكدت شبكة (سي ان ان) للتلفزة العام الماضي، نقلا على لسان ممثلين في الكونغرس، ان حادثة البعثة الديبلوماسية الاميركية في بنغازي، 11 ايلول / سبتمبر 2012، التي اسفرت من مصرع السفير الاميركي كريستوفر ستيفنز وعدد من ضباط الاستخبارات الاميركية، كانت “عملية اعداد سرية لنقل صواريخ مضادة للطائرات متطورة من ليبيا، عبر تركيا، وتسليمها للمجموعات السورية المسلحة.” واضافت الشبكة ان موظفي السفارة الاميركية، في طرابلس وبنغازي، تعرضوا لسلسة اختبارات لاجهزة كشف الكذب وتلقوا تعليمات صارمة بعدم البوح بأي من تلك المعلومات

اوباما يراهن على استغلال الحملة الجديدة لمكافحة ارهاب داعش ليشيع الانطباع باعادة استلام زمام المبادرة السياسية خارجيا وداخليا بعد اتهامات قاسية له بغياب القدرة القيادية الضرورية لحماية المصالح الكونية الاميركية، ويدرك ان الاسابيع القليلة القادمة قد تكون الاكثر حراجة قبل الانتخابات النصفية لانقاذ ما يمكن انقاذه من تركة للتاريخ ومن وزن مهدد لحزبه الديمقراطي

التحليل 09-05-2014

:التحليل

نفخ اوباما في عضلات الناتو لا يخيف بوتين

                 تكرار ماثل لاخطاء معسكر الحلفاء قبل 7 عقود

اوكرانيا في عين العاصفة الاميركية

          بعيدا عن اي ضجيج اعلامي، اقر بعض الاستراتيجيين الاميركيين ان الهدف الابعد للاستراتيجية الاميركية لا يتمثل في “محاصرة روسيا على حدودها ونشر بضع صواريخ هناك،” رغم أهميته المعنوية والسياسية، بل يتجاوزه لانهاكها “للحيلولة دون بروز عالم متعدد الاقطاب.” في هذا السياق، حذر وزير الخارجية الاسبق هنري كيسنجر بلاده، في شهر تموز الماضي، من مفاقمة الازمة الاوكرانية والمضي في تحريضها الاعلامي “لشيطنة (الرئيس) فلاديمير بوتين،” مطالبا صناع القرار بالجلوس مع روسيا لطاولة المفاوضات (مقالة مطولة في صحيفة واشنطن بوست). ايضا السفير الاميركي الاسبق لدى موسكو، جاك ماتلوك، حث الشعب الاميركي محذرا من عدم “تفهم المصالح الروسية .. وعدم السماح بتوسيع حلف الناتو” ليضم اوكرانيا

          امعانا في توضيح مسؤولية الغرب والولايات المتحدة بشكل خاص وحالة الاحباط من الفشل، أنّب نائب وزير الخارجية الاسبق والسفير الاميركي لدى حلف الناتو، نيكولاس بيرنز، حلفاءه الاوروبيين “لاضاعتهم فرصة تعزيز اجراءات المقاطعة ضد روسيا.” ووبخهم قائلا “يؤسفني القول ان (الرئيس) بوتين تفوق ببراعة على (حلف) الناتو” لابقائه باب الحوار مفتوح خاصة مع المستشارة الالمانية، انغيلا ميركل، والرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند الذي تعرض لضغوط اميركية مكثفة لتعديل موقفه من موسكو يدعو التوصل لوقف اطلاق النار كأحد الشروط للمضي بتسليم حاملة طائرات مروحية “ميسترال” لروسيا قبل نهاية العام الجاري

العدد الاخير من فصلية “فورين افيرز،” الرصينة تصدره دراسة للاكاديمي المخضرم جون ميرشايمر يؤكد فيها ان “الازمة الاوكرانية هي من صنع الغرب .. الولايات المتحدة ومعظم حلفائها الاوروبيين يتحملون القسط الاوفر من مسؤولية الأزمة.” بعبارة اخرى، شهد شاهد من اهلها ان “حلف الناتو هو الطرف المعتدي” في الحالة الاوكرانية

توصيف الاوضاع الدولية الملتهبة بدقة وتحديد الاطراف المسؤولة عن اندلاع النيران هي وصفة ليست جديدة. لعل الجديد في الأمر ان التدهور يجري تحت سمع وبصر هيئة الأمم المتحدة “المنوطة بحفظ السلام العالمي،” ويؤشر على عجزها المرة تلو المرة في التخلص من تبعية قرارها للدول الغربية. كما يعزز سعي بعض الدول المتضررة، لا سيما في اميركا اللاتينية، الى انشاء منظمة دولية موازية او بديلة تمارس حقها في استقلالية القرار واداء رسالتها الرفيعة مدعومة بتوازنات جديدة تبشر بتعدد القطبية وكسر الاحتكار الجاري، في مستوياته المتعددة: سياسيا وعسكريا واقتصاديا وثقافيا .. الخ. كما لا ننسى المساعي الجارية لتفعيل وزن ودور دول البريكس

بعض اوروبا يتباعد عن اميركا

          حرص الرئيس اوباما على مشاركته الشخصية في قمة دول حلف الناتو، ويلز ببريطانيا، اتبعه بالاعلان عن زيارة يخصصها لدولة استونيا في بحر البلطيق والتزامه بارسال طائرات عسكرية للتحليق في اجواء دول البلطيق الثلاثة: ليتوانيا ولاتفيا واستونيا؛ امعانا منه في ممارسة سياسة استعراض القوة مع الرئيس الروسي بوتين، وارساء سقف سياسي للحوار المرتقب بتوسيع نطاق الحلف ليتمدد بالقرب من الاراضي الروسية، وفي محاولة مدروسة من مساعديه للرد على سيل الانتقادات لضعف قيادته في ادارة الشؤون الخارجية

          انفض لقاء قمة الناتو دون توصلها لبيان صريح وواضح بتوفير الدعم العسكري لاوكرانيا، كما روجت له حكومة كييف الموالية لواشنطن، واكتفى الحلف بالتأكيد على حق اوكرانيا استرداد كامل سيادتها على اراضيها. وسرعان ما أُعلن عن توصل الحكومة الاوكرانية والقوى المعارضة شرقي البلاد الى وقف لاطلاق النار. في هذا الصدد اجمع المراقبون للتطورات الاوكرانية ان حكومة كييف تلقت هزيمة كبيرة وستضطر لقبول شروط خصومها، او معظمها، المطالبين بصيغة سياسية كونفدرالية توفر لمناطقهم مساحة اوسع من الحكم الذاتي

          لخص معهد “ستراتفور” الاستخباري الموقف بالقول ان “حلف الناتو اخفق في توفير الدعم المطلوب لكييف .. وسيضطر (الرئيس الاوكراني) بوروشينكو الى التفاوض على حل للأزمة مع سيد الكرملين.” روسيا اوضحت موقفها مرارا بأنها تعارض بشدة تمدد حلف الناتو في حديقتها الخلفية، والتوصل الى صيغة سياسية تبقي على حياد اوكرانيا وعدم انضمامها للحلف، واعتمادها الصيغة الفيدرالية للحكم. جون ميرشايمر اوضح ايضا بقوله “ارتكبت الولايات المتحدة والقادة الاوروبيين خطأً فادحاً في توجههم لتحويل اوكرانيا الى معقل للغرب على حدود روسيا”

          يذكر ان المفكر الاستراتيجي الراحل، جورج كينان، وآخرين حذروا صناع القرار مبكرا من مغبة توسيع حلف الناتو طمعا في محاصرة روسيا، بيد ان التحذيرات ذهبت ادراج رياح الليبراليين والمحافظين الجدد، على السواء، الذين ليس بوسعهم التغافل عن ان استراتيجيتهم “اسفرت عن اطلاق صيحات بضمان الأمن لدول معظمها لا يقوى على حماية نفسه وستشكل عائقا أكبر للحلف في سعيه لنجدتها” من تهديد روسي محقق

          وصوبت يومية “فورين بوليسي” سهام انتقاداتها على تلك الفصيلة المتجانسة من “الليبراليين الجدد،” المحيطة بالرئيس اوباما وتدفعه لاتخاذ قرارات مغامرة “على شاكلة الامبراطورية البريطانية” التي اتخذت “قراراتها الحمقاء في غفلة من الزمن” باستنادهم الى “فرضية أن الضمانات المتعددة التي يعد بها الحلف لن ترى النور ابدا”

          الرئيس اوباما واعوانه، وبعض مؤيديه في الحلف “بريطانيا التابعة،” اسرفوا في التأكيد “لدول البلطيق والحلفاء في اواسط اوروبا” عن عزم حلف الناتو الهبة لنجدتهم والتسلح بنص المادة الخامسة من ميثاق الحلف التي تخول نشر قوات برية على اراضي دولة معرضة للاعتداء. وذهب اوباما للطلب من الكونغرس تخصيص مبلغ مليار دولار اضافي “لدعم مبادرة تطمين اوروبا” للانفاق على القوات الاميركية المتوجدة في الاراضي الاوروبية، والصرف على المناورات العسكرية المشتركة التي تجري دوريا مع عدد من الدول

          اميركا طالبت دول الحلف مجددا بزيادة معدلات ميزانياتها العسكرية والبدء في شراء المقاتلات الاميركية الحديثة، من طراز اف-35-ايه، ونموذجها القادر على حمل السلاح النووي تحديدا. كما تسعى الولايات المتحدة الى اعادة تثبيت قيمة اسلحتها النووية “التكتيكية،” التي تقدر بنحو 180 رأس نووي،مخزنة في خمس دول اوروبية: بلجيكا والمانيا وايطاليا وهولندا وتركيا

وفي التفاصيل، اعربت المانيا عن نيتها شراء المقاتلة بنسختها التقليدية خالية من التجهيزات والاسلحة النووية، لانها “لا ترى حاجة ماسة لتلك الاسلحة فضلا عن غياب الحماس لتحمل كلفتها الباهظة.” وثائق حلف الناتو تشير بوضوح الى اسراف الدول الاوروبية في الانفاق على التسلح بمعدل “يفوق اربعة اضعاف ما تنفقه روسيا سنويا،” وتتعرض لضغوطات شعبية واقتصادية لتخفيض الميزانيات العسكرية؛ وعلى الطرف الآخر تتعرض لضغوط اميركية مغايرة لزيادة معدلات الانفاق وهي حائرة بين الخيارين، يفاقمها الاوضاع الاقتصادية المتردية في معظم الدول وبعضها شارف على الافلاس

اغراءات اميركية في الزمن الضائع

سارعت الولايات المتحدة للاعلان عن اجراء مناورات عسكرية، الرمح الثلاثي السريع – رابيد ترايدنت- تعبيرا عن التزامها بدعم “البوابة الشرقية لحلف الناتو.” المناورات السنوية الاعتيادية تجري على اراضي بولندا، وبالقرب من الحدود المشتركة مع اوكرانيا. واضافت قيادة القوات الاميركية لاوروبا ان اميركا ستشارك بنحو 200 عنصر يعززهم نحو 1،100 من قوات الدول المشاركة: اوكرانيا، اذربيجان، بريطانيا، كندا، جورجيا، المانيا، لاتفيا، ليتوانيا، مولدوفا، النرويج، بولندا، رومانيا، واسبانيا

يضاف الى ذلك، تجهيز عربات مدرعة ونحو 600 عسكري لاتخاذ مواقعهم في بولندا ودول البلطيق للمشاركة في مناورات عسكرية مشتركة تجري في شهر تشرين الاول المقبل، في اعقاب انتهاء مناورات شاركت فيها قوات مسلحة من المظليين

روجت اميركا لتبني قمة الناتو اعلانها المسبق بتشكيل قوة عسكرية للتدخل السريع، قوامها لواء مسلح،  باستطاعته الانتشار والتمركز خلال 48 ساعة. اما ترسانة تسليحه فسيتم تخزين الاسلحة الثقيلة في دول “اوروبا الشرقية” ووضعها تحت تصرفه التام

واوضح الامين العام لحلف الناتو، اندرز فوغ راسموسن، نوايا المؤسسة بزيادة معدل البعد العسكري في مهامه بالقول ان الحلف يواجه تحديات متعددة “.. روسيا تتدخل بشكل سافر في اوكرانيا .. ازمات متعددة قد تنشب دون سابق انذار، والتحرك بسرعة فائقة تترك تداعياتها على أمننا الجماعي بطرق شتى. سنبلور قوة رأس حربة من ضمن قوة التدخل، مما يستدعي اقامة منشآت معينة في اراضي الحلف، وتخزين معدات ولوازم مسبقا، ووضع خبراء في شؤون القيادة والتحكم والاعمال اللوجستية تحت تصرفها “

قوة التدخل الحالية التابعة للحلف يستغرق تحركها نحو 5 أيام للوصول الى الميدان وباستطاعتها البقاء نحو 30 يوما دون الاضطرار للتزود بالامدادات. وقد اوكلت لها مهام التدخل 6 مرات في المدى القريب: توفير الحماية لدورة الالعاب الاولمبية  في اثينا عام 2004؛ وكذلك للانتخابات العراقية؛ المشاركة في العدوان على ليبيا عام 2011؛ الاشراف على اعمال الاغاثة الانسانية في افغانستان؛ والمشاركة ايضا في اعمال الاغاثة في اعقاب اعصار كاترينا في الولايات المتحدة؛ وتوفير الاغاثة الانسانية في اعقاب كارثة الزلزال الذي عصف بالباكستان

وعانت تلك القوة من تعدد الولاءات الوطنية لقواتها مما اضعف جهود التنسيق فيما بينها، كما شهدت عليه دورة الالعاب الاولومبية. اذ شارك فيها نحو 9،500 عنصر من كتيبة مظليين فرنسية وسرية من القوات الجوية المحمولة لليونان وسرية قوات خاصة من بلجيكا؛ توزعت غالبيتهم العظمى، 8،500، على القوات الجوية والبحرية، والمتبقي نحو 1،000 عنصر من القوات البرية

درس من التاريخ

بناء على ما تقدم، يبرز السؤال ان كان باستطاعة القوات الحديثة للحلف تشكيل قوة ردع يحسب لها حساب من قبل روسيا

الاجابة قد تقود المرء وقادة الحلف الى النظر باحداث التاريخ القريب التي جرت على اراضي بلجيكا وهولندا قبل نحو 70 عاما في مثل هذه الايام. آنذاك، شاركت قوة التدخل السريع للحلفاء اعتبرت الاكبر في حجم عمليات القوات المحمولة جوا في “عملية ماركت غاردن،” في الفترة الممتدة من 17 الى 25 أيلول 1944. كانت نتيجتها مأساوية اذ تعرضت الفرقة الجوية البريطانية الاولى المتمركزة في مدينة ارنام الهولندية الى ابادة شبه تامة

يدرك القادة العسكريون، القدامى والحاليون، القدرة المحدودة لقوات التدخل السريع لتنفيذ مهامها انطلاقا من طبيعة تشكيلها وتسليحها كقوة مشاة خفيفة الحركة، عادة ما يتم انزالها في مواقعها جواً. الميزة الاولى التي تتحلى بها تلك القوات هو برامج التدريب والتأهيل المكثفة التي تتفوق على ما يماثلها لتأهيل القوات البرية العادية

القوات الاميركية، بدورها، لديها الفرقة 82 المحمولة جوا وفوج الحرس الخامس والسبعين، واللتين من المرجح ان تنضمان لتعزيز قوة الناتو المعلن عنها، وباستطاعتهما اتخاذ مواقعهما خلال 18 ساعة من تلقي اوامر التحرك. القوتين مدربتين على مهام الاقتحام، الدخول عنوة الى اراضي الغير، والسيطرة على المرافق الحيوية. وشارك فوج الحرس المشار اليه في تأمين منصة انطلاق للجيش الاميركي في جزيرة باربادوس بالبحر الكاريبي ونجحت في مهمتها بأقل من 18 ساعة ممهدة الميدان لتعزيزات الفرقة 82 المحمولة

 مخازن الاسلحة الثابتة المعدة في اراضي دول اوروبا الشرقية ستكون هدفا للغارات الروسية لحرمان القوات الغازية من امكانياتها. وعليه، ستضطر قوة حلف الناتو الاعتماد شبه التام على ما تحمله معها من اسلحة ومعدات لتنفيذ مهامها، والتي ستتواضع انجازاتها بناء على ما لديها من امكانيات

مراهنة الحلف على الفرقة 82 المحمولة لاختراق اراضي الخصم محفوفة بمخاطر عدة. باستطاعة الفرقة انزال نحو 2،000 مظلي وعربات مدرعة ومدافع هاون من طراز 155 ملم على شريط يمتد نحو 5 كلم واستخدامه كنقطة تجمع للتعزيزات والامدادات، ومن ضمنها وحدات العربات المدرعة “سترايكر.” وينبغي على قادة حلف الناتو الاجابة الصريحة على المدى الجغرافي المنوط بقواته تأمينها بالنظر الى تواضع الاسلحة والمعدات المستخدمة

في ذلك الزمن القريب، اوكلت الفرقة 82 المحمولة مهمة السيطرة على جسر نيميغن في مدينة هولندية بذات الاسم، تقع على ضفاف نهر فال المتفرع من نهر الراين، عام 1944. وفشلت الفرقة في مهمتها على يد وحدة من المدرعات الالمانية، ولم تستطع التقدم الى ابعد من 400 متر من الجسر انجاز مهمتها الا بعد مضي بضعة ايام بدعم من القوات البرية التابعة للفيلق 30، بعدما تكبدت خسائر كبيرة

اما الشعبة الاولى البريطانية المحمولة فكانت خسائرها اعلى من نظيرتها الاميركية اذ فقدت منطقة الانزال التي سيطرت عليها سابقا، ونفذت ذخيرتها وامداداتها، ومن لم يقع في قبضة الالمان من رجالاتها فر هاربا. يذكر ان المعركة وثقتها هوليوود بفيلم  يحمل عنوان “جسر صعب المنال”

اشّرت “عملية ماركت غاردن” على عدد من الثغرات، آنذاك، والتي تجد صدى لها في الآونة الراهنة. اهمها عدم تناسق التوجيهات والاتصالات بين مجموعة غير متجانسة في اللغة والعادات، مع العلم ان القوات الاميركية والبريطانية على جسر نيميغن كانت تتكلم اللغة الانكليزية المشتركة، فما بالك ان تعددت اللغات المتداولة كما هي حال حلف الناتو لا سيما مع دول اوروبا الشرقية، ومآل مهام السيطرة المنوطة بالوحدات المختلفة في ظرف زمني قصير لا يحتمل اي فجوات او نواقص. باستطاعة قوات التدخل السريع للحلف القتال وصد هجوم روسي محتمل، لبضعة ايام، بيد انها ستواجه مخاطر نفاذ ذخيرتها وامداداتها. لعل الاهم، ما ينتظر القوات الرديفة والتعزيزات المتعددة من مهام اشد تعقيدا من القوات الخاصة في المسرح الميداني

ربما تطورت العلوم العسكرية في النظريات والتطبيقات والتكتيكات المتبعة، منذ ذلك الزمن. بيد ان الطبيعة البشرية وما تتطلبه من زمن لاستيعاب كل ما هو جديد ومتطور لا تستطيع تجاوز آفاق العقل البشري ليواكب سرعة الابتكار والتقنية

عند اقدام حلف الناتو على دخول معركة مع روسيا للسيطرة على بعض اراضيها في ظل غياب شبه تام للدعم الجوي فانه يجازف بارواح نحو 4،000 من جنوده فضلا عن الضحايا الآخرين

اذن، قوة حلف الناتو الموعودة ربما تجد مآلها في البعد السياسي كرسالة تطمين لاعضاء الحلف اكثر مما هي هي قوة حقيقية باستطاعتها تنفيذ مهام ذات طبيعة عسكرية ضمن سياق خسائر محسوبة تستطيع تعويضها. بعض التوجهات في حلف الناتو تنظر الى نشر قوات برية صغيرة الحجم بصورة دائمة في اراضي دول اوروبا الشرقية، استنادا الى توفر المعدات والامدادات المطلوبة في متناول اليد

سيد الكرملين وقادته العسكريون يدركون ذلك دون ريب. وقد يتريث قليلا لاعادة النظر بقوات حلف الناتو، لكن من المرجح ان يمضي قدما في مواجهاته دون حسابات تلجمه لتحقيق استراتيجية بلاده

التحليل 08-31-2014

:التحليل

اوباما وفانتازيا مواجهة داعش حتى اشعار آخر

داعش: لغز وهاجس

          اقرار الرئيس اوباما بخطورة “الدولة الاسلامية” وما تشكله من تهديد لمصالح الولايات المتحدة ينطوي على البعد السياسي يرافقه عامل الخطر الفعلي، على الرغم من تصريحاته السابقة المغايرة لذلك. واتى اقراره ثمرة لجملة تصريحات تحذيرية لمسؤولين حاليين وسابقين في الحكومة الاميركية، كان اخرهم المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية، مايكل مويل، اذ قال يتوفر “لدى قيادة وكالة المخابرات المركزية ومكتب التحقيقات الفيدرالي، ووزيري الخارجية والدفاع، كل الأدلة بأن داعش يمثل خطراً على الولايات المتحدة على وجه الخصوص، لأن المجموعة قد جذبت اهتمام الكثير من الغربيين للانضمام إلى صفوفها”

          كما جاء اقرار اوباما ترجمة حية لتوقعات المراقبين بانه سيتخذ قراره النهائي لتوسيع ساحة الحرب ضد قوات داعش نهاية الاسبوع الجاري، بعد طول تردد وتحذير الساسة والاجهزة الأمنية من “عدم توفر معلومات استخبارية دقيقة عن الاهداف المحتملة، والخشية من تفعيل سورية لدفاعاتها الجوية، فضلا عن احتمال توفر اسلحة مضادة للطائرات بين ايديداعش”

          وعليه، العامل السياسي يطغى على تصريحات الرئيس اوباما الذي “اضطر” لتعديل سياسة ادارته بشأن داعش في اعقاب مقتل الصحافي جيمس فولي وجز عنقه على ايدي الدولة الاسلامية. اوباما ادان عملية القتل من مقر اجازته السنوية، ومضى يستأنف ممارسة لعبة “الغولف” المفضلة لديه. وحصد اثر ذلك سلسلة انتقادات شديدة تتهمه بعدم المبالاة وتقليص مهام منصب الرئاسة، وذهب آخرون الى “عدم اكتراثه بخطورة تنظيم الدولة الاسلامية على الداخل الاميركي،” وخاصة في ظل تصاعد تصريحات مسؤولين عسكريين وسياسيين، آخرهم كان حاكم ولاية تكساس، ريك بيري، الذي اطلق صيحة تحذير بأن “اعضاء داعش رسوا على الاراضي الاميركية عبر الحدود المشتركة مع المكسيك”

           في خطابه الاخير، رد اوباما على خصومه الداخليين بأن بلاده “لا تمتلك استراتيجية” واضحة المعالم بشأن داعش، داعيا الى بلورة تحالف دولي واقليمي “لتوفير الدعم الجوي المطلوب” في ملاحقة داعش – كلمة السر لشد الرحال الى الاراضي السورية. ما يعزز هذه الفرضية “الصراع الجاري داخل اوساط الادارة المختلفة بغية التوصل الى تعليل قانوني يخول الولايات المتحدة وحلفاءها شن غارات جوية داخل اراضي دولة لم تفصح حكومتها عن موافقتها للقيام بذلك.” جدير بالذكر ان الصلاحيات الدستورية الممنوحة للرئيس تخوله شن عمليات عسكرية على امتداد 90 يوما دون الحاجة للتوجه الى الكونغرس طمعا في اصطفافه خلف تلك السياسة. بل اوضح اوباما في هذا الشأن انه “من السابق لاوانه طرح خطة عسكرية امام الكونغرس اذ انها غير موجودة”

يتضح من تصريح الرئيس اوباما الاخير انه ينوي السير بحذر شديد من مغبة التهور او الانزلاق الى مغامرة عسكرية تتدحرج وتنمو، والتركيز على ما يمثله داعش من خطورة على الوضع الدولي، والتخفيف بالمقابل من خطورته على الداخل الاميركي، الأمر الذي يعكس حالة التخبط كما جاء فيتصريحات قادة الاجهزة الأمنية الداخلية وتقييمها لطبيعة المخاطر

          للدلالة على حالة التخبط المشار اليها نورد ما جاء على لسان مكتب التحقيقات الفيدرالي ووزارة الأمن الداخلي، يوم الجمعة 22آب الجاري، بأن كليهما لا تتوفر لديه معلومات محددة او موثقة من تهديدات ارهابية لداعش ضد الاراضي الاميركية. بالتزامن مع تلك التصريحات صدر ارشاد عن الاجهزة الأمنية موجه لقوى الأمن واجهزة الشرطة الداخلية يعرب فيه عن “قلق المسؤولين لاميركيين من امكانية لجوء مؤيدي داعش شن هجمات في مناطق اخرى من العالم دون سابق انذار”

          الاجهزة الامنية المختلفة رفعت درجة تأهبها ولاحقت منذ زمن الجاليات والتجمعات الاسلامية داخل الاراضي الاميركية، واعربت وزارة الأمن الداخلي عن قلقها من “الجاذبية التي تشكلها المجموعات المسلحة في سورية بالنسبة للمسلمين الاميركيين،” والذي جاءت ترجمته فعليا على ضوء مقتل مسلم اميركي الجنسية من اتباع داعش في سورية، دوغلاس ماكين، وتوارد انباء عن مقتل اميركي آخر هناك. يذكر ان بضع مئات من الاميركيين يشاركون المسلحين في سورية ويخشى عودتهم لبلادهم لمزاولة نشاطاتهم ضد الولايات المتحدة

          تعرض الرئيس اوباما الى سلسلة انتقادات جراء استخفافه بتهديد داعش لاميركا سابقا بتوصيفه للتنظيم مقارنة بالقاعدة بأنه مجموعة لاعبين هواة، وتنبيه البعض ان العدد الاكبر من مؤيدي التيارات الدينية المتطرفة لا زالوا يقيمون في الاراضي الاميركية. وقالت وزارة الخارجية انه ليس بوسعها تحديد دقيق لعدد الاميركيين الذين انخرطوا في القتال مع داعش، لكنها استطاعت التعرف على 12 منهم. ما تبقى من الارقام يقع ضمن باب التخمين والذهاب لتقدير اعداد المنتسبين بالمئات، نظرا “لقدرة الاستخبارات الاميركية المحدودة داخل سورية”

          جدير بالذكر انه بالاضافة الى اعداد المنتسبين من الاميركيين لصفوف داعش هناك فريق آخر ينضوي تحت لواء “جبهة النصرة؛” واشارت شبكة (سي بي اس) للتلفزة الاميركية ان عددا غير معروف من الاميركيين انضم ايضا للقتال في صفوف “الجيش السوري الحر؛” لم تشأ وزارة الخارجية الاقرار باعدادهم الحقيقية، بينما تتنامى مشاعر القلق لدى الاجهزة الأمنية الاخرى لتتبع تحركات مناصري الدولة الاسلامية، الذين “يشكلون مصدر التهديد الاكبر؛” وقدرت اعدادهم بنحو 7،000 عنصر اجنبي يقاتلون في سورية بالاضافة الى نحو 400 عنصر حامل لجواز السفر الاميركي يؤيدون التنظيمات المسلحة في سورية

          واوضح مسؤول اميركي لصحيفة “واشنطن تايمز” ان الولايات المتحدة “تدرك وجود بضع مئات من حملة جواز السفر الاميركي منخرطون في صفوف الدولة الاسلامية في سورية او العراق؛ ومن العسير التثبت من بقائهم في سورية ام انتقالهم الى العراق”

           اوساط وزارة الدفاع رسمت صورة اشد سوداوية للمخاطر التي تشكلها “المجموعات الارهابية وما تمثله من مستويات لم نعهدها من قبل.” يذكر ان شابا اميركيا بلغ من العمر 22 عاما، من سكان ولاية فلوريدا، نفذ عملية انتحارية في سورية في شهر أيار من هذا العام؛ ووجهت تهمة التآمر الشهر الماضي لامرأة اميركية من ولاية كولورادو بعد عرضها مساعدتها “لمنظمة ارهابية اجنبية في اعقاب اعتراف ادلت به لمكتب التحقيقات الفيدرالي بأنها كانت تنوي التوجه لسورية لمقابلة رجل ادعى انه محارب في صفوف داعش.” كما ترصد السلطات الأمنية وسائط التواصل الاجتماعي، بمختلف تنوعاتها، وتتبع ما ينشر عليها من ادبيات تفيدبتواجد عناصر داعش في مدن اميركية مثل شيكاغو ولاس فيغاس. وتيقظت الاجهزة تلك الى المظاهرات الحاشدة التي شهدتها مؤخرا مدينة فيرغسون بولاية ميزوري، والتي رفع فيها احدهم شعار “داعش هنا”

          اوضح وزير العدل الاميركي، اريك هولدر، المخاطر امام مؤتمر دولي في النرويج الشهر الماضي ان الأمر ينطوي على “ازمة عالمية بحاجة الى حلول دولية. اذ حولت الازمة السورية المنطقة الى مهد للتطرف العنفي.” وأنب المجتمع الدولي على مهادنته لاولئك “وليس بوسعه الركون جانبا وترك الظاهرة تستشري وتصبح وجهة لتدريب مواطنينا يعودون في اعقاب ذلك لشن هجماتهم ضدنا”

          مسؤولون اميركيون عدة انضموا لحملة التهويل من مخاطر شن داعش هجمات في الداخل الاميركي، اذ حذر عضو لجنة القوات المسلحة الجمهوري في مجلس الشيوخ، جيم اينوفي، الادارة الاميركية والاجهزة الأمنية المتعددة من “سعي داعش الحثيث لتطوير قدرته ويظفربتفجير مدينة اميركية باكملها.” واضاف ان الولايات المتحدة “اضحت في وضع اشد خطورة اليوم عليه عما عهدناه في السابق؛” محملا المسؤولية لتوجهات الادارة في تقليص ميزانيات وزارة الدفاع

          الناطق باسم البنتاغون، الادميرال جون كيربي، اوضح ايضا خطورة تنظيم داعش، بالتوازي مع تصريحات وزير الدفاع تشاك هيغل. وقال كيربي لشبكة (سي ان ان) للتلفزة “هناك خشية حقيقية من استيعاب اولئك (داعش) دروس ما تدربوا عليه .. والعودة للبلاد وشن هجمات ارهابية”

          في سياقٍ موازٍ، اوضح عدد من جنود القوات الخاصة الاميركية والذين شاركوا في العدوان الاميركي على العراق ان الهوية الاسلامية المتشددة لداعش لن تقف حائلا او عائقا امامه لعقد تحالفات مع قوى لا تشاطره عقيدته المتطرفة طمعا في تعزيز فعاليته القتالية. وزعم احد عناصر وحدة “القبعات الخضر” في القوات الخاصة ان داعش يسخر الاموال التي استولى عليها من البنوك والمصارف لاستقطاب كفاءات تقنية من خارج صفوفه خاصة اطقم الصيانة والخاصة باعادة تأهيل المعدات العسكرية التي استولى عليها من القوات العراقية والسورية. واضاف ان “داعش” اصبح محطة يقصدها ضباط سابقون في الجيش الوطني العراقي، منهم من كان عضو في حزب البعث الحاكم، مما وفر لداعش مهارة عسكرية معتبرة

          التهويل من تواجد داعش داخل الاراضي الاميركية ربما فيه بعض المبالغة لاسباب واعتبارات محلية بحتة. بيد ان الاجهزة الأمنية “الساهرة” على حماية أمن البلاد تذهب لتحديد بعض الاهداف المرشحة لهجوم داعش الذي “سيسعى لاستهداف اكبر تجمع عام لتحقيق اقصى قدر من الدعاية على غرار امثاله في الهند وكينيا.” وقد تشكل “الملاعب الرياضية والاسواق التجارية والمطارات والمدارس والفنادق والمستشفيات ودور العبادة” اهدافا موآتية

          التهويل من داعش وحشد الجمهور لتأييد جولة اخرى من حرب عدوانية ذهب لابعاد متطرفة في توقعاتها ايضا، ومضى بعض المسؤولين، ومن ضمنهم السيناتور جيم اينوفي، الى التحذير من امتلاك داعش تقنية قنبلة اشعاعية ينوي تفجيرها في اميركا “مستغلا توفر بعض المواد المشعة لديه والتي سرقت مؤخرا من مختبر ابحاث عراقي للطاقة النووية”

مستقبل قاتم للعراق، وسورية تعود للصدارة

          بعدما تحقق للولايات المتحدة اقران العراق بداعش ومشتقاتها من التنظيمات المسلحة، تمضي قدما في استمالة “زعماء العشائر السنية والاكراد” لتحقيق اهدافها في تقسيم وتشظي العراق، التي تبنتها بشكل رسمي على لسان نائب الرئيس جو بايدن. واوضحت اسبوعية “نيوزويك،” 28 أب، على لسان الضابط السابق في وكالة الاستخبارات المركزية، باتريك سكينر، انه ربما يترتب الأمر على “قطع واشنطن تعهدا للاكراد بدعم استقلالهم عن الحكومة المركزية في بغداد .. ويتعين على ادارة الرئيس اوباما الاقرار بأن جغرافية العراق التي رسمتها بريطانيا في القرن الماضي لم تعد موجودة الآن، اذ اضحى ثمة مجموعة خطوط رسمت على الخريطة.” واضاف سكينر اننا امام “لوحة تضم انهيار دولتين”

          في الشق القانوني البحت، تتيح المادة 51 من ميثاق الامم المتحدة استخدام الدول القوة العسكرية كحق مشروع للدفاع عن النفس، كما باستطاعتها طلب المساعدة المسلحة من دول اجنبية لذات الغرض، كما في حال العراق. في هذا الصدد حذرت الحكومة السورية، على لسان وزير خارجيتها وليد المعلم، بانها ستعتبر اي تدخل عسكري اميركي في اراضيها “عمل عدائي” ان لم يتم بالتنسيق والاستشارة مع بلاده

واوضح استاذ القانون الدولي في جامعة نيويورك، رايان غودمان، مأزق الولايات المتحدة لشن غارات جوية “دون الحصول على موافقة سورية قد ينطوي على تعقيدات” جمة.  وعليه، يفيد الضالعون بالقانون الدولي ان الولايات المتحدة تواجه معركة شاقة مع حلفائها لاقناع بعضهم بالارضية القانونية للقيام بطلعات جوية فوق الاراضي السورية

بالاضافة للعامل القانوني، الذي لا تعيره اميركا كثيرا من الاهتمام كما يشهد احتلالها للعراق، فان تأكيد الرئيس اوباما على عدم نيته التوجه للكونغرس للحصول على تفويض باستخدام القوة “بعد” ربما جاء لاعتبارات داخلية وانتخابية بحت، وتنفس بعض المشرعين من الحزبين الصعداء لحساسية ودقة تأثير مثل هذا الأمر على التوازنات الانتخابية المقبلة

على المستوى الدولي، اتهم وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، الغرب بازدواجية المعايير وقصر النظر لرفضه التعاون مع سورية في مكافحة الارهاب

          تجليات السياسة الاميركية المقبلة في الاقليم مع الافتراض انها ستهدف الى القضاء على تنظيم الدولة الاسلامية تستدعي بروز طرف او اطراف اخرى “من قوى السنة” لملء الفراغ الناجم عن غياب داعش، وما اصرارها على انشاء تحالف اقليمي من السعودية ودول مجلس التعاون الا دليل على مراميها في المدى المنظور “لانشاء كيان سياسي من السنة باستطاعته ادعاء تمثيل طائفته وتمكينه عسكريا للتصدي للدولة الاسلامية والقاعدة والنظام السوري والشيعة” ايضا

          وهذا ما يفسر اصرار السياسة الاميركية على افساح دور اكبر لاقليم الاكراد في العراق، عززته باعلانها عن توريد الاسلحة له مباشرة، فضلا عن نشرها لنحو 150-300 عنصر من قواتها الخاصة في كردستان، التي بفضلها استطاعت قوات البيشمرغة الكردية تسندها الغارات الجوية الاميركية في التصدي لقوات داعش

لا يبدو اوباما مستعجلا لمواجهة داعش ابعد من المسرح العراقي في المدى المنظور، وكان ملفتا في تصريحه الاخير ان يعود الى نغمة تعزيز ما اسماه بالقوى المعارضة المسلحة المعتدلة في سورية لكي لا يكون الخيار بين النظام وداعش. اوباما نفسه اعترف منذ اشهر قليلة بان الحديث عن وجود معارضة معتدلة هو نوع من الفانتازيا – ضرب من الخيال. كما انه يدعو الآن الى تشكيل تحالف دولي واقليمي لمواجهة داعش يكون عماده الاقليمي الدول التي شجعها ل3 سنوات  خلت على تسليح ودعم الجماعات المسلحة في سورية لاسقاط النظام، ويتهمها الآن بانها عملت على تحقيق مصالحها الخاصة بدعم هذه الجماعات وعليها ان تكون جدية في مواجهة التطرف

لا تبدو هذه الدول المعنية مستعدة للتراجع عن مغامراتها او اوهامها في مقاربتها للوضع الراهن في سورية رغم شعورها بخطر داعش  الداهم على ابواب عروشها وطالما ان مساعي تشكيل تحالف لمواجهة خطر داعش يستثني ايران وسوريا من دائرته سيبقى أقرب الى الوصف الذي اطلقه اوباما نفسه ضربا من ضروب الفانتازيا

التحليل 08-23-2014

:التحليل

انتفاضة فيرغسون والمواجهة في مزرعة بندي

غليان اميركي تحت الاستقرار المخادع

ظاهرة عسكرة اجهزة الشرطة

          “تجييش اجهزة الشرطة،” او عسكرتها كما اطلق عليها، لم يأتِ عابرا ودون تخطيط. بل كانت الظاهرة ثمرة للعدوان الاميركي واحتلال العراق، 2003، تجسدت عبر اقرار الكونغرس في دوراته المتعاقبة تدفق “ميزانيات غير محددة السقف لشؤون الأمن الداخلي،” مباشرة عقب احداث الحادي عشر من ايلول 2001، فضلا عن حثه البنتاغون “للتبرع” بفائض الاجهزة والمعدات والذخائر، التي بقيت في حوزته بعد انسحابه المتتالي من افغانستان والعراق، لاجهزة الشرطة وخاصة في المدن الكبرى، بصرف النظر ان “توفرت الحاجة لذلك ام لا.” رافق المعدات العسكرية الحديثة المتاحة لاجهزة الشرطة غياب مراقبة حقيقية لتوغل الاجهزة الأمنية مما زاد من معدلات “اعتداء القوات الخاصة للشرطة (طواقم سوات) بمعدل 137 حادث في اليوم .. فريق من قوات الاقتحام يعتدي على بيت آمن ويغرق قاطنيه والاحياء المحيطة بالارهاب،” ثبت في عديد من المناسبات انه ارتكب فعلته ضد عنوان وهدف خاطيء

          للدلالة على الميزانيات الهائلة المرصودة، اوضحت صحيفة “لوس انجليس تايمز،” 28 آب 2011، ان “الاجهزة الأمنية المحلية والفيدرالية تنفق ما معدله 75 مليار دولار سنويا على شؤون الأمن الداخلي.” منظمة “الاتحاد الاميركي للدفاع عن الحريات المدنية” اصدرت تقريرا لها في هذا الشأن في شهر حزيران 2014، تحذر فيه من “تجييش” الاجهزة الأمنية اذ “اضحت الولايات المتحدة في هذه الايام لوحة مفرطة في العسكرة، عبر رصد برامج انفاق على الصعيد الرسمي من شأنها ايجاد الحوافز لاجهزة الشرطة المحلية وتلك التابعة للولايات لاستخدام اسلحة هجومية غير مبررة وتكتيكات استنبطت للتطبيق في ميدان المعارك العسكرية”

          نشر عدد من الصحف الاميركية (نيويورك تايمز وكريستيان ساينس مونيتور) مؤخرا تقارير متتالية نقلا عن احصائيات وزارة الدفاع، البنتاغون، توضح فيها “بعض” الاسلحة التي تلقتها اجهزة الشرطة منذ عام 2006، التي بلغت”435 عربة مدرعة، 533 طائرة، 93,763 بندقية هجومية، و432 شاحنة مدرعة مقاومة للالغام .. مركبات برية وبحرية وطائرات .. اسلحة ومعدات للرؤية الليلية واجهزة الكمبيوتر، البزات الواقية من الرصاص والاقنعة الواقية من الغاز، وبضع مئات من معدات كواتم الصوت، و 200,000 طلقة رصاص من عيارات مختلفة.” وذلك في اعقاب مصادقة الكونغرس على برنامج لنقل المعدات العسكرية الثقيلة من ثكنات الجيش الى اجهزة الشرطة، بلغت قيمتها نحو 4.3 مليار دولار. في الجانب الاقتصادي، يقدر الخبراء ان “الشركات والمصانع والموردين والمنتفعين” من تلك “الهبة” سيرتفع معدل حجم سوق تبادلها التجاري ليبلغ نحو 31 مليار دولار مع نهاية العام الجاري

          الجهاز الفيدرالي المختص بالاشراف سنويا على تسليح اجهزة الشرطة المدنية الاميركية، مكتب دعم اجهزة تطبيق القانون – ليسو، اوضح في نشرته نهاية عام 2011 حجم المعدات التي نقلها من وزارة الدفاع الى اجهزة الشرطة بالقول “مثّل عام 2011 سنة قياسية لمعدل نقل ملكية المعدات من مخزون القوات العسكرية الاميركية الى اجهزة الشرطة المنشرة في البلاد،” تجاوزت قيمتها 500 مليون دولار للعام المذكور

          ظاهرة العسكرة ليست وليدة اجواء ايلول 2001، بل هي نتاج هاجس الدولة بكافة اجهزتها “لبسط الأمن والنظام” التي ولدتها المظاهرات والاحتجاجات الشعبية لنيل المساواة والحقوق المدنية والقضاء على الممارسات العنصرية في عقد الستينيات من القرن الماضي؛ واتخذت عناوين متعددة منذئذ “الحرب على المخدرات،” و “مكافحة الفقر” ابان عهد الرئيس الاسبق رونالد ريغان التي لم تسفر الا عن زيادة معدلات الفقر وتوسيع الهوة الاجتماعية بين شريحة الاثرياء والمحرومين. المحصلة العامة ادت الى عسكرة العقلية الاميركية وتوجيه كافة اسلحتها وممارساتها “ضد الاقليات والمناطق الفقيرة بصورة لا تتناسب مع حجمها الاجتماعي” وابعاد ارهاصاتها واحتجاجاتها عن التداول العام

          واوجز الصحافي الشهير، غلين غرينوولد، الظاهرة الأمنية الاميركية بالقول ان “شبكة التجسس والأمن الداخلي الهائلة، والحواجز الاسمنتية واجهزة التدقيق في الهوية بالغة التطور اضحت أمرا واقعا وباقية في حياتنا اليومية .. على غرار المجمع العسكري الصناعي الذي تبلور الى ظاهرة ثابتة وقوية في المشهد الاميركي”

شراكة وثيقة بين اجهزة الأمن الاميركية و”اسرائيل”

          تم الكشف مؤخرا عن العلاقة العملية الوثيقة بين جهاز الشرطة في مدينة فيرغسون و”اسرائيل” التي استضافت رئيس قسم شرطة المدينة، تيموثي فلينتش، لحضور دورة “لمكافحة الارهاب .. واستيعاب الاساليب القاسية التي تطبقها اجهزة الشرطة هناك،”  وقام الصحفي الشهير غلين غرينووالد بنشر نص الدعوة الموجهة بتاريخ 25 آذار 2011

الترابط بين اساليب بالغة القسوة لشرطة مدينة فيرغسون وممارسات جيش الاحتلال الصهيوني لم تغب عن بال الاهالي والمراقبين واصحاب الضمائر الحية، الذين وصفوها بأنها “تعيد الى الذاكرة مشاهد ما يحدث في غزة،” اي ان اجهزة الشرطة “تفكر وتتصرف وترتدي زي جيشٍ غازٍ محتل مدجج بالسلاح” يواجه مواطنين عزلا خرجوا للتظاهر سلميا احتجاجا على اوضاعهم الاقتصادية المزرية، بالدرجة الاولى، وعلى تهميشهم اجتماعيا. واشاد العديد منهم على مواقع التواصل الاجتماعي بارشادات الفلسطينيين في قطاع غزة يشاركونهم خبرتهم في كيفية التغلب على عبوات القنابل المسيلة للدموع

          وجاء في الوثائق ان جهازي الشرطة في مدينة سانت لويس الكبرى (العاصمة) تلقيا تدريباتهما من قبل “القوى الأمنية الاسرائيلية،” واللذين تصدت قواتهما للمتظاهرين السلميين منذ البداية بقسوة وبشاعة حفزت المراقبين على تسليط الاضواء على البعد “الاسرائيلي” في عسكرة الاجهزة الأمنية الاميركية، فضلا عن اعتداءات شرطة ميزوري على اطقم الصحافيين دون مبرر – كما يجري معهم في فلسطين المحتلة

          في التفاصيل ايضا، رعى “المعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي – جينسا،” وهو منظمة اميركية، سلسلة دورات تدريبية لاجهزة الشرطة وارسال اطقمها الى “اسرائيل” للتدرب، كان احدهم مساعد رئيس جهاز الشرطة في فيرغسون، جوزيف موكوا، في شباط 2008، والذي اعتلى منصب رئيس الجهاز في مدينة سانت لويس لاحقا قبل اضطراره للاستقالة بعد الكشف عن تورط جهازه وقرينته في استخدام السيارات المصادرة لاغراضهم الشخصية

          واوضحت نشرة صادرة عن “المعهد اليهودي” المذكور طبيعة برامج التدريب التي بدأت منذ عام 2002 “شارك فيها نحو 100 من رجال الشرطة،” قائلة ” راقب الاميركيون الاساليب والتقنيات التي تسخدمها قوات الشرطة الاسرائيلية في الحيلولة دون وقوع عمليات انتحارية والتفاعل معها ومع انماط اخرى من الارهاب تضمنت سبل ابطال مفاعيل المتفجرات، الطب الشرعي، السيطرة على الحشود الجماهيرية، وتنسيق الخطاب مع الاجهزة الاعلامية وعموم الشعب”

          ويمتد اخطبوط الاختراق “الاسرائيلي” للاجهزة الأمنية الاميركية ليشمل “عصبة مكافحة التشهير اليهودية،” اذ اوضحت ان رئيس جهاز شرطة مدينة سانت لويس سالف الذكر، تيموثي فلينتش، استجاب لدعوة العصبة والمشاركة في “الندوة  القومية لمكافحة الارهاب” التي امتدت طيلة اسبوع كامل “حضره عدة رؤساء لاجهزة الشرطة الاميركية للتعرف عمليا على التكتيكات والاستراتيجيات الاسرائيلية مباشرة من قادة كبار في جهاز الشرطة الاسرائيلية، وخبراء آخرين في اجهزة الاستخبارات والأمن الاسرائيلية، وجيش الدفاع الاسرائيلي” ايضا، حسبما افاد موقع العصبة الالكتروني. اضافة لما تقدم، “يدعى” ضباط عسكريون “اسرائيليون” لتقديم المساعدة والمشورة لاجهزة الأمن في المطارات ومراكز التسوق الاميركية

بعد الكشف عن التكتيكات “الاسرائيلية” التي اعتمدها جهاز شرطة مدينة سانت لويس، اصدر حاكم الولاية، جاي نيكسون، اوامره بسحب المسؤولية من الشرطة وايكالها لشرطة الطرقات السريعة التي تتبع امرته مباشرة

          عضو الكونغرس الجمهوري المشاكس عن ولاية ميتشيغان، جستين أماش، علق على الممارسات القمعية “الاسرائيلية” في فيرغسون قائلا “المشاهد والتقارير الواردة من فيرغسون مرعبة. هل هي ساحة حرب ام مدينة اميركية؟ الحكومة (المركزية) تصعد وتيرة التوترات القائمة باستخدامها معدات وتكتيكات عسكرية.” (13 آب 2014). كما اوضحت “مؤسسة حرية الصحافة” الرصينة ان الاساليب العسكرية المطبقة “لا تستهدف المتظاهرين فحسب، بل اولئك الذين ينقلون الصورة اعلاميا ايضا”

          السؤال البديهي الذي يتبادر الى الذهن هو كيف استطاعت الاجهزة الامنية “الاسرائيلية” اختراق وممارسة نفوذها على المؤسسة الأمنية الاميركية

          بداية، التسيق بين الطرفين لم يكن وليد اللحظة، بيد ان المهام المضاعفة المترتبة على اجهزة الشرطة عقب هجمات الحادي عشر من ايلول 2001 شكلت حافزا للجانب الاميركي التوجه نحو دول اخرى ومنها “اسرائيل” لاكتساب مهارات في “مكافحة الارهاب.” واستغل “المعهد اليهودي – جينسا” و”عصبة مكافحة التشهير” هاجس الاميركيين للأمن وفرصة لتوددهما لدى الاجهزة الأمنية الاميركية المختلفة، ووفرتا رحلات مجانية “لزيارة اسرائيل” لشريحة كبار الضباط في تلك الاجهزة، فضلا عن عقد مؤتمرات ذات طابع أمني في الولايات المتحدة تتحملان كامل تكلفتها من سفر واقامة وتعويضات

          وتدريجيا جرى نسخ الطبائع “الاسرائيلية” من قبل المدعوين، لا سيما قاعدة تمييز وفصل قوات الشرطة عن محيطها السكاني وعدم انتمائها له، والتصرف وفق ما تتطلبه قوة احتلال من افراط في القسوة لتوفير الهدوء بصرف النظر عن الكلفة المرافقة. تعزز هذا الفهم الملتوي لدى اجهزة الشرطة في مدن واحياء تعج بالاقليات والافارقة الاميركيين، مثل مدينة فيرغسون، التي يقطنها اغلبية من السود بينما جهاز الشرطة غالبيته العظمى من البيض

          المنظمات الاهلية ولجان الحقوق المدنية رصدت منذ زمن ارتفاع معدلات قسوة ووحشية قوى الشرطة في تعاملها مع الفئات والاحداث المختلفة، فضلا عن تنامي مشاعر عدم ثقة المواطنين باجهزة الشرطة والأمن، مما يجسد “الاساليب الاسرائيلية العدائية التي تدربوا عليها. وجاء في احدث استطلاع للرأي، اجري في الفترة من 11 الى 14 آب الجاري، جاءت النتيجة بنسبة 43% تدين ارتفاع معدلات استخدام قوى الشرطة للاسلحة الفتاكة، مقابل معارضة 32%

تفسخ نسيج المجتمع الاميركي

السمعة المشوهة لاجهزة الشرطة ليست الا واحدة من جملة ازمات يعاني منها المجتمع الاميركي، لتنضم الى مشاعر القلق وعدم الثقة من اداء الحكومة الاميركية باكملها. واوضح استطلاع للرأي اجرته شبكة (سي ان ان) للتلفزة، مطلع الشهر الجاري، ان نسبة لا تتعدى 13% من الاميركيين يضعون ثقتهم بالحكومة المركزية، وهي ادنى نسبة مسجلة منذ نصف قرن من بدء الاهتمام بذلك البعد الشعبي. واضافت نتائج الاستطلاع ان نحو 10% من الاميركيين لا يثقون مطلقا بالحكومة، وهي اعلى نسبة للآن، بينما عبر نحو 76% من المستطلعة اراؤهم عن بعض الارتياح ومشاعر الثقة النسبية بعض الاحيان، والتي جاءت في المرتبة الثانية منذ بدء التوثيق

ادرك الرئيس اوباما تدهور الاوضاع الاقتصادية وتجلياتها على مجمل السياسة الاميركية، وتراجع تحقيق “الحلم الاميركي” في تحقيق الازدهار والنمو كما اطلق عليه. وقال في مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز، منتصف شهر تموز 2013، ان “التدهور مستمر منذ نحو 20 او 30 عاما، وقبل وقوع الازمة المالية” عام 2008. واضاف ان “اتساع الهوة وعدم مساواة الدخل فضلا عن التداعيات التي خلفتها الازمة المالية قد اسهمت جميعها في تهتك النسيج الاجتماعي وتقويض حلم الاميركيين بالفرص الممنوحة”

المجتمع الاميركي منهك بفعل ثقل هموم الحياة اليومية، وتزداد معدلات الاستقطاب والتطرف، لا سيما “في وجهات النظر السياسية والمعتقدات الدينية.” بل قفز عامل تراجع الدخل الى مرتبة اعلى من العامل العرقي في التجمعات التي تمارس الفصل العنصري، كما هو الحال في معظم الولايات الجنوبية

اضافة لما تقدم، لا يزال المجتمع يعاني من ارتفاع معدلات البطالة، وبطء الاداء الاقتصادي، وتقلص الطبقة الوسطى، وتعاظم مشاعر المواطنين بأن بلدهم “يديرها حفنة ضئيلة من النخب السياسية والاقتصادية.” اما الفصل العنصري وسوء معاملة السود من قبل اجهزة الشرطة المختلفة فحدث ولا حرج. اذ جاء في تقرير لمكتب التحقيقات الفيدرالي عام 2012، جرى على امتداد سبع سنوات، ان معدل قتل مواطن اسود البشرة على يد رجل شرطة ابيض بلغ مرتين في الاسبوع

جدير بالذكر ان التقارير الصادرة عن هيئات حكومية ومنظمات شبه رسمية ينبغي النظر اليها بحذر شديد لتحيزها وتغاضيها عن التصريح والالمام بكافة جوانب الحدث، لا سيما “في عدد الضحايا السود العزل من السلاح.” وجاء في تقرير نشرته اسبوعية “مذر جونز،” 15 آب 2014،شككت فيه بكافة التقارير الرسمية قائلة “لسنا على يقين من قيام اي هيئة (حكومية) تقصي حوادث اطلاق الشرطة النار والتي تؤدي لمقتل المدنيين العزل بصورة منتظمة وشاملة.” وجاء في دراسة صادرة عن منظمة حقوقية للسود بتاريخ 13 نيسان 2014، “حركة مالكولم اكس الشعبية،” ان معدل مقتل شاب/ة من السود على يد رجال الشرطة من البيض بلغ ضحية واحدة كل 28 ساعة، استنادا الى احصائيات عام 2012 الذي شهد مقتل 313 مواطن اسود

فيرغسون ومزرعة بندي في نيفادا

الغالبية العظمى من المتظاهرين في مدينة فيرغسون هم من السود – الافارقة الاميركيين، يميلون للتيارات السياسية الليبرالية؛ بينما مؤيدو المزارع بندي، نيسان 2014، غالبيتهم الساحقة من البيض ينتمون للتيارات السياسية المحافظة والمتشددة – باستثناء الحارس الشخصي الاسود لبندي. في كلتا الحالتين، ارتدى رجال الشرطة بزاتهم العسكرية القتالية وامتشقوا الاسلحة المعدة لقتال الجيوش

يحفل التاريخ بأمثلة وقوع حدث ما يشعل النار في الهشيم، يطلق ثورة اجتماعية في بعض الاحيان. في فيرغسون، تضامن عدد من التيارات السياسية الليبرالية واليسارية مع المحتجين وشاركوهم “صحوتهم” ضد السلطة؛ بينما مؤيدو بندي جلهم جاء من صفوف الميليشيات اليمينية الذين يتقاسمون العداء الفطري للسلطة المركزية وكانوا على اهبة الاستعداد للدخول في مواجهة عنيفة مع الاجهزة الأمنية الفيدرالية

تنامي مشاعر عدم الثقة من الحكومة المركزية، بكافة تجلياتها، وازدياد وتيرة المواجهات قد تدخل الاحتجاجات في دوامة عنف يصعب السيطرة عليها خاصة اذا حظيت بامتداد ودعم شعبي اوسع، مما ينذر بامكانية ان تجد السلطات نفسها في مواجهة اضطرابات مدنية رئيسة في المستقبل المنظور. لا يستطيع احد التنبؤ بزمن ومكان اشتعال فتيل المواجهة او القوى المنخرطة، بيد لا ينبغي التغاضي عن الحجم الواسع للمتضررين من السلطة المركزية، عند الاخذ بعين الاعتبار التمثيل العرقي الواسع والامتداد الجغرافي وتبلور الوعي السياسي لدى فئات شعبية واسعة

تسارع الاضطرابات في فيرغسون معطوفة على مشاركة قوى شعبية كبيرة من خارج المنطقة الجغرافية اذهل السلطات المركزية التي بذلت كل ما بوسعها لاحتواء الازمة واعادته الى المربع المحلي، وحققت نجاحا آنيا في هذا الشأن. التنازلات الشكلية التي قدمتها، دور اكبر للسلطة المركزية في اجراءات التحقيق والتلميح الى دخولها طرفا في الادعاء القضائي، حالت دون تكرار المشهد في مدن ومراكز سكانية كبيرة تقطنها اعداد معتبرة من الافارقة الاميركيين: فيلادلفيا، شيكاغو، بلتيمور، لوس انجليس، ونيويورك. ادركت السلطة قبل خصومها انها لو تركت الامور على عواهنها فان رقعة الاحتجاجات ستشتعل سريعا كالنار في الهشيم يصعب السيطرة عليها او احتوائها

القوى المهمشة والاقليات المتضررة قد تلجأ للمشاركة في الاحتجاجات التي تجد ارضيتها الخصبة في طيف واسع من القوى السياسية والعرقية، لا سيما بعد توغل التيارات الرسمية اليمينية والليبرالية في اقصاء الاقليات و”المهاجرين غير الشرعيين” دون وازع، واطلاقها العنان للقوى العنصرية والميليشيات اليمينية اخذ زمام المبادرة ضد القوى الاخرى. حينها، سيلجأ الرئيس اوباما الى تعبئة شاملة لقوى الحرس الوطني المختلفة “لمساعدة” الاجهزة الأمنية المختلفة – التي شهدت فيرغسون اولى تجلياتها. قد يعلن ايضا حالة الطواريء في المناطق المشتعلة، كما شهدته فيرغسون، بيد ان ما يحول دون ذلك الخيار هو الثمن السياسي المرتفع وامكانية مفاقمة الامور ودفعها الى حافة الانفجار عكس ما يريد

القانون الاميركي يساوي بين اعلان الاحكام العرفية وحق الفرد المثول امام القضاء والدفاع امام ظروف الاعتقال، مما يدخل عامل القضاء في النظر باحقية ومشروعية الاعتقال. كما ان الدستور الاميركي يخول السلطة المركزية تعليق العمل بحق مثول المتهم امام القضاء، الفقرة التاسعة من المادة الاولى للدستور، “لا يجوز تعليق حق المثول امام المحكمة، الا في حالات التمرد او الاعتداء على السلامة العامة كما يقتضى ذلك.” اي ان الدستور يجيز اعتقال السلطات لأي كان واحتجازه دون توفر الدلائل على خرقه للقانون

المساعي التي بذلها الرئيس اوباما واركان حكومتة، لا سيما في ايفاده وزير العدل شخصيا للاشراف على التهدئة لا ينبغي ان يقودنا الى الاستنتاج بأن الامور عادت الى وتيرتها السابقة؛ فالاضطرابات قد تشتعل في منطقة اخرى في اي لحظة نظرا لأن عوامل التفجير متأصلة في البنية السياسية ذاتها. اضافة لنضوج الظروف الموضوعية لعوامل الانفجار، هناك ايضا بلورة للظروف الذاتية للقوى المتضررة، وان تبدو هامشية للبعض: التشكيلات المختلفة بين السكان الافارقة الاميركيين، خاصة اعادة انتاجها لتنظيم “الفهود السود الجديد” في مدن الكثافة السكانية الكبرى ولديها اسلحة خفيفة؛ والقوى الفوضوية التي برزت بقوة اثناء احتجاجاتها المتكررة والعنفية احيانا ضد سيطرة رأس المال والبنك وصندوق النقد الدوليين، اغلب اعضائها من الفاشيين البيض اختصاصها المظاهرات والعصيان المدني لا سيما امام مؤتمرات الدول الصناعية الثمانية ويتقنون ميزة التعامل مع وسائل التقنية الحديثة اذ قاموا بشن هجمات الكترونية ضد مواقع مدينة فيرغسون الرسمية؛ والميليشيات اليمينية المدججة بالاسلحة. كل من تلك القوى تشكل تحديا بحد ذاتها للسلطة المركزية، حتى وان لم تتشارك او تتقاسم الاهداف فيما بينها

ربما تشكل الميليشيات اليمينية اكبر تهديد للسلطات المركزية نظرا لاعدادها الكبيرة واتساع رقعة انتشارها في عموم الولايات المتحدة، والاسلحة المتعددة التي بحوزتها، سيما وان عددا لا باس به من اعضائها يتقنون استخدام السلاح بكافة انواعه والتكتيكات العسكرية  نظرا لخبرتهم اثناء فترة ادائهم الخدمة العسكرية. اجراءات التحقيق في احداث المواجهة مع السلطة المركزية في محيط مزرعة بندي اشارت الى ضلوع قناص محترف من صفوف الميليشيات والذي اشترك في العدوان على العراق واكتسب مهارة معتبرة، وقام بتوزيع عدد من القناصة تحت امرته على اماكن عدة من المزرعة. الاساليب القتالية التي اظهرتها المجموعة تفوقت على القوة المركزية المنوطة بالسيطرة على الاحداث هناك، مما دفع بالمشرفين في السلطة المركزية الى التراجع وسحب رجالاتهم خشية تطور الاوضاع الى الاسوء

في هذا الصدد، حمل مسؤولون رسميون تلك الميليشيات مسؤولية التعرض لشبكة توزيع الكهرباء في كاليفورنيا، العام الماضي، والذي لا يزال التحقيق جارٍ فيه من قبل مكتب التحقيقات الفيدرالي، والذي استنتج ان الفعلة طبقت عن سبق اصرار وتصميم ونفذت بحرفية عالية

الازمة الاجتماعية تعرّي العنصرية الاميركية الممنهجة

التباينات والاختلافات الجوهرية بين تلك القوى المتضررة من السلطة المركزية قد تجد قاسما مشتركا للتعاون فيمابينها لتحقيق مآربها مع احتفاظ كل منها باستقلاليته عن الآخر. التاريخ البشري حافل بمشاهد وامثلة عديدة لتقاطع المصالح والاهداف بين قوى متضادة في الجوهر والبنية والاسلوب

من نافل القول ان الاجهزة الامنية الاميركية راكمت تجربة معتبرة في تصديها للاضطرابات المدنية، بصرف النظر عن الاساليب القاسية المستخدمة، لا سيما منذ اندلاع الاحتجاجات الشعبية بكثافة في عقد الستينيات من القرن المنصرم. وتجدر الاشارة في هذا الصدد الى اصدار سلاح الجيش الاميركي كراسا بعنوان “تكتيكات الجيش الاميركي: الاضطرابات المدنية، في شهر نيسان من العام الجاري؛ والذي يفصل التجهيزات والتدابير المنوي اتخاذها في حال اندلاع “اعمال شغب واسعة النطاق” في الولايات المتحدة مما يستدعي تدخل القوات العسكرية “لاستخدام اسلحة فتاكة” والتعامل مع الحشود المكثفة للمحتجين. اللافت ايضا في نصوص الكراس انها تلقي جانبا “بالحقوق الدستورية للمواطنين الاميركيين التي تعتبر لاغية وباطلة في ظل حالة الطواريء”

محصلة النظرة الموضوعية بعد كل ما تقدم تشير بقوة الى ان الاوضاع الداخلية الاميركية لا زالت تنعم بالاستقرار النسبي، والاحتجاجات التي اندلعت في فيرغسون تم السيطرة عليها وحالت دون انتشارها لمناطق اخرى، للحظة، لكنها لا زالت تشكل بؤرة اشتعال يصعب التنبؤ بمآلاتها. تلك الاحداث الشعبية، وهي كذلك في فيرغسون، تحاكي ما شهده الاتحاد السوفياتي السابق من احتجاجات توسعت بسرعة واطاحت بالنظام السياسي برمته. ايضا كانت يوغوسلافيا واحة من الاستقرار ومحطة مفضلة يقصدها السياح من كل اماكن المعمورة، لكنها انزلقت سريعا وشهدت اضطرابات مدنية في عقد التسعينيات من القرن المنصرم، اذكاها عنصر التدخل الخارجي من حلف الناتو حتى استطاع من تقسيمها وتشظيها

عند استحضار هذه الخلفية، يمكننا القول ان اندلاع مواجهات واضطرابات واسعة النطاق، بين المواطنين بمختلف توجهاتهم وانتماءاتهم والاجهزة الحكومية في الشق الغربي من الولايات المتحدة هو امر في طريق التطور، وينذر بتشكيل تهديد اضافي للنسيج الاجتماعي الاميركي

التحليل 08-16-2014

:التحليل

 

الموقف الاميركي: عرقلة واحتواء داعش وانقاذ الحلفاء الاكراد

        بعد طول ترقب وانتظار لسبر اغوار مخططات “داعش” لم تحرك فيها الولايات المتحدة ساكنا خاصة للمجازر الموثقة التي ارتكبها في الموصل ومحيطها، وما لبثت ان سارعت اميركا استحضار الخيار العسكري عندما لاح خطر تهديد داعش للسيطرة على مدينة اربيل، تاج المخطط الصهيوني لتقسيم العراق الى كانتونات متعددة؛ وبات على بعد 50 كلم من تخومها. وشكل تقدمه واندفاعه “نكسة استراتيجية” لمشروع فصل اقليم كردستان عن الوطن الأم، سيما لتوارد معلومات تفيد بأن داعش لديه خلايا نائمة في اقليم كردستان

        في خطوة اخرى ذات دلالة، تزامن اعلان الرئيس اوباما شن غارات جوية متواصلة في العراق مع توزيع “داعش” منشورات باللغة الانكليزية في قلب العاصمة البريطانية وعلى بعد امتار قليلة من مقر السفارة الاميركية في لندن. الاعلان وزع بكثافة في شارع “اكسفورد” الشهير والمركزي، وبالقرب من حديقة “هايد بارك،” مبشرا بقيام دولة “الخلافة الاسلامية” داعيا الجمهور الى شد الرحال والهجرة الى هناك اذ ان “فجر عصرٍ جديدٍ بدأ بالفعل.” المنشورات المذكورة قد لا تكون ذات تأثير كبير في السياق العام للحرب الدائرة على وحدة ما تبقى من العراق، الا انها مؤشر على جرأة وعمق تأييد القاعدة الشعبية التي يتمتع بها داعش في الغرب

        برر الرئيس اوباما اعلانه بدء الغارات الجوية على العراق، الذي قد يستغرق “بضعة أشهر،” بانه ضروري “لحماية المصالح الاميركية” هناك. المغيب في اعلانه هو تحديد ماهية المصالح الممثلة في امتيازات شركات النفط الاميركية الكبرى، اكسون موبيل وشيفرون، واستثماراتها الضخمة في اقليم كردستان في تحدي سافر لحكومة بغداد. الناطق باسم البنتاغون، جون كيربي، اوضح اهداف الغزو الاميركي المتجدد بالقول “القوات العسكرية الاميركية ستمضي في مهامها بالمواجهة المباشرة ضد داعش اينما نجده يهدد قواتنا ومنشآتنا”

صحيفة نيويورك تايمز لمحت الى حجم “المصالح” الهائلة بالاشارة الى تواجد “عدة آلاف من الاميركيين،” في اربيل، ولا شك ان عددا لا بأس به منهم ضباطا في وكالة الاستخبارات المركزية. صحيفة الغارديان البريطانية علقت بالقول ان الاميركيين “لم يستطيعوا البقاء خارج (العراق). بالكاد مضى عامين على انسحاب القوات الاميركية من العراق، والآن عادوا للقتال مرة اخرة. وجاء الرئيس اوباما في المرتبة الرابعة على التوالي من الرؤساء الاميركيين الذين صادقوا على العمليات العسكرية في العراق” بمعزل عن تفويض من الامم المتحدة. (عدد 13 آب الجاري)

بعبارة اخرى، جاء تطبيق “سياسة الحرب الكونية على الارهاب” مفتوحة الأجل استكمالا للمخططات السابقة لفرض السيطرة الاميركية المطلقة على موارد المنطقة، وهذا يدحض مزاعم اركان الادارة الاميركية، لا سيما سفيرتها لدى الامم المتحدة، سامانثا باور، التي ما برحت تردد تقديس “مبدأ مسؤولية الحماية” للاميركيين اولا، دون ان يرف لها جفن على حجم الضحايا الابرياء الذين تسببت السياسات الاميركية بابادتهم، صغارا وكبارا

القتال في العراق والعين على سورية

مجلة “الايكونوميست” الرصينة عنونت غلاف عددها الأخير “العودة الى العراق،” معلنة تأييدها السافر لتجدد الغارات الاميركية لعرقلة تقدم “داعش،” وبعد نجاحها قد تجد “الولايات المتحدة مهمتها تختزل في تنفيذ غارات جوية متباعدة لمعاقبة واحتواء داعش.” وحثت زعماء الدول الغربية قاطبة “على ضرورة تهيئة الرأي العام في بلدانهم لخوض عمليات عسكرية طويلة الأجل في ذاك الجزء من العالم”

الاخطر ان تقرير المجلة يمهد الارضية لاستكمال الغارات الجوية في سورية، قائلة “من غير المرجح ان تتمكن الولايات المتحدة من تدمير او احتواء الظاهرة الجهادية، في المدى البعيد، دون اعداد نفسها للتدخل في سورية؛” بحجة ملاحقة تشكيلات داعش. جاء ذلك بالتساوق مع تصريحات وزيرة الخارجية السابق هيلاري كلينتون التي تصر في تصريحاتها الاخيرة انه كان يتعين على الولايات المتحدة قصف الاراضي السورية قبل العراق. واضافت الايكونوميست “عاد الاميركيون للقتال البري، وستطول اقامتهم لفترة مقبلة”

النخب الفكرية الاميركية ممثلة بأحد اهم اركنها، مجلس العلاقات الخارجية، حث رئيسه ريتشارد هاس الادارة الاميركية على “القيام بشن غارات متواصلة ضد داعش في كل من العراق وسورية. الحدود القائمة ليست ذات أهمية .. الهدف هو وقف (اندفاع) داعش وايضا انجازه بوسيلة من شأنها تفادي ان تصبح ايران هي المستفيدة.” (مقال نشرته يومية “فاينانشال تايمز” البريطانية في 12 آب)

ما تقدم من عرض كان ضروريا للدلالة على النوايا الحقيقية المبيتة للادارة الاميركية، ليس في العراق فحسب، بل ابقاء سورية في صلب دائرة استهدافها. ضمن هذا السياق ينبغي قراءة تأجيج الخلافات الداخلية لنظام ارست الولايات المتحدة أسس المحاصصة الطائفية، ورمت بعرض الحائط نتائج الانتخابات “الديموقراطية” الاخيرة التي صدعت العالم بها واصرت على الاطاحة برئيس الوزراء نوري المالكي لتصفية حسابات سابقة معه وعلى رأسها: اصراره على رحيل كافة القوات الاميركية من العراق عام 2011، ورفضه عرضا اميركيا لبقاء قوات عسكرية في العراق قوامها 10 آلاف عسكري على الاقل؛ وموقفه المؤيد لسورية وحكومتها في محاربة قوى المعارضة السورية المسلحة المدعومة اميركيا. كما ان البعد الاقتصادي لم يكن غائبا عن اللوحة لا سيما في “العطاءات النفطية” التي اقدم عليها العراق والتي “لم تحفظ لواشنطن حصة الاسد” لشركاتها كما رغبت

هذا الصراع الخفي بين نوري المالكي، بصفته الرسمية وفق صلاحياته كرئيس للوزراء كما صاغها الدستور الذي وضعته اميركا، ينبغي اخذ عناصره بعين الاعتبار للتوقف على حقيقة التوجه الاميركي في تشظي العراق والحيلولة دون تحقيق شبح سقوط الاقليم الكردي، وتسليحه ودعمه برا وجوا

هشاشة الوضع العسكري للاكراد

 اقرت صحيفة “نيويورك تايمز” في تقرير مطول، 14 آب، بحرفية قوات داعش “اذ تتسم الجماعة بالدهاء والتطور ولديها بنية تحتية فاعلة قد تستمر لسنوات قادمة.” واضافت ان الغارات الجوية المكثفة التي تشنها الولايات المتحدة “قد توقف توسع داعش لكنها لن تلحق به الهزيمة”

واكد عقم القصف الجوي مدير العمليات في هيئة الاركان المشتركة، الفريق ويليام مايفيل، بالقول ان “المأزق يشير الى انتفاء الفعالية من الغارات الجوية المحدودة كالتي شنت في الايام القليلة الماضية لوقف اندفاع داعش وتوغله عميقا داخل الاراضي الكردية.” (تصريح لصحيفة “ستارز آند سترايبس” للشؤون العسكرية)

واضاف مايفيل ان بلاده “تنوي توفير اسلحة فعّالة والتي باستطاعتها تدمير العربات العسكرية الاميركية ومعدات ثقيلة اخرى” استولى عليها داعش، اذ ان “قادة القوات الكردية اشتكوا ان الاسلحة الخفيفة لدى قواتهم عاجزة عن اختراق المدرعات الاميركية.” ومضى بالقول ان المعدات الاميركية وحدها لن تفي بالغرض سيما وان قوات البيشمرغة الكردية تستخدم صواريخ مضادة للدروع روسية الصنع، من طراز 14.5 و 12.5 ملم، مما “يتعين على الولايات المتحدة الاستعانة بحلفاء اقليميين مثل مصر لتوفير ذخائر اضافية روسية الصنع”

لا يساور القادة العسكريون الاميركيون الشك في تواضع فعالية الدعم الاميركي للاكراد بالاسلحة والذخيرة، بل يدركون انه يتعين عليهم نشر مزيد من القوات الخاصة في المناطق الكردية في تباين فاصل مع وعد الرئيس اوباما بأنه “لن يرسل قوات تنخرط في القتال البري” هناك؛ ومقاربة مديات الدعم المطلوب دون المجازفة بدخول قوات عسكرية غربية لانجاز المهمة، سيما وان تجربة التدخل في العراق عام 2003 لا تزال ماثلة حية التي استوجبت تدخل قوات اميركية خاصة كثيفة في الجانب الكردي آنذاك، عقب تراجع تركيا توفير اراضيها كقاعدة انطلاق للغزو الاميركي. الجهد القتالي الاكبر كان من نصيب القوات الاميركية والغربية، لا سيما الكتيبة الثالثة للقوات الاميركية الخاصة، وسخرت قوات البيشميرغة الكردية لمهام تطهير حقول الالغام ودعم القوات

في اثناء المواجهات مع الجيش العراقي آنذاك، اشتبكت القوات الخاصة الاميركية مع القوات المدرعة العراقية، لا سيما وحدات “القبعات الخضر” التي استخدت قذائف مضادة للدروع من طراز “جافلين” بدعم من سلاح الجو؛ بينما بقيت قوات البيشميرغة في الخلف تنتظر انتهاء الاشتباك. واصدر القادة العسكريون اوامرهم لبعض عناصر القوات الخاصة التراجع خلف الخطوط لاعانة القوات الكردية والتي استهدفت بغارة جوية اميركية عن طريق الخطأ

الاداء العسكري المتواضع للاكراد امام داعش، حفز الولايات المتحدة لتبؤ مركز صدارة التصدي المباشر. تجد القوات الاميركية نفسها تكرر تجربة الماضي القريب بالاعتماد المتزايد على تشكيلات قواتها الخاصة في هذا الشأن، عوضا عن القوات التقليدية المجهزة لتلك المهام. تلك هي المعضلة التي تواجه الرئيس اوباما وصناع القرار: الالتزام العلني بعدم انخراط القوات البرية في القتال، ومأزق التصدي الفعال لداعش والاحتفاظ بالسيطرة على الارض وهي من مهام القوات التقليدية. بل ان افضل ما تسطيع الولايات المتحدة تحقيقه في المواجهة ضد داعش هو التوصل لحالة تجميد الاوضاع كما هي عليه، بيد ان تلك المغامرة ليست مضمونة النتائج

اللوبي الكردي في واشنطن

منذ زمن بعيد وظف اقليم كردستان موارد كبيرة لانشاء ما يسمى “باللوبي الكردستاني” في واشنطن، لاستدرار عطف صناع القرار ودعم مآربه في تحقيق استقلال الاقليم والتحكم بموارده النفطية. في هذا السياق برز اسم السفير الاميركي الاسبق في بغداد بعد الاحتلال، زالماي خليل زاد، برفقة المستشار الاسبق لمجلس الأمن القومي الجنرال جيمس جونز، كثنائي معتبر للترويج لمصالح اقليم كردستان لدى الدوائر الاميركية. بالاضافة للثنائي المذكور، دأبت قيادة اقليم كردستان على الاستثمار في عدد من الشركات والمؤسسات الاميركية المختصة بالعلاقات العامة وذات النفوذ في اروقة الكونغرس، من أهمها مكاتب محاماة ضخمة، “باتون بوغز،” تنفق عليها بضع ملايين من الدولارات سنويا (راجع تقرير يومية “فورين بوليسي” عدد 13 آب الجاري)

واوضح التقرير المذكور ان جهود اللوبي “اثمرت في اعلان البيت الابيض بدء حملة قصف جوي في مناطق الاقليم” ضد قوات داعش، “ونتيجة مباشرة للعلاقات الخاصة التي تربط واشنطن بقادة دولة كردستان المستقلة عمليا ..” بل “بدأت الحكومة الاميركية الوفاء بالتزاماتها بتسليح الاكراد .. الذين يتمتعون بدعم عدد من الاصدقاء المؤثرين في واشنطن.” من هؤلاء “الاصدقاء” يبرز عضوي الكونغرس الجمهوري جو ويلسون، ولاية ساوث كارولينا، والممثل السابق عن ولاية تنسي لينكولن دايفيس، اللذين اسسا “التجمع الكردي الاميركي،” عام 2008 كحاضنة لاستقطاب دعم “مسؤولين سابقين في الحكومة الاميركية تشمل وزارتي الخارجية والدفاع ووكالة الاستخبارات المركزية، اضافة لمسؤولين سابقين في الحزبين الجمهوري والديموقراطي”

لم يعد سرا ان خليل زاد يمتلك استثمارات نفطية واقتصادية اخرى في اقليم كردستان، اضافة لرفيقه جونز. بل ان عددا من كبار القادة العسكريين السابقين “يحتفظون بمصالح واستثمارات مباشرة في حقول النفط الكردية .. او تسجيلها عبر زوجاتهم” تفاديا للاحراج والمسائلة القانونية، وفق ما اوضحه المسؤول السابق في البنتاغون مايكل روبين

واضاف تقرير “فورين بوليسي” انه اكتشف لاحقا ضلوع السفير الاميركي السابق لدى بغداد، بيتر غالبريث “في استثمارات ضخمة في احد آبار النفط الكردية عبر شركة نفط نرويجية،” ويشغل حاليا منصب “مستشار رئيسي في شركة استشارات يملكها خليل زاد، اضافة لمنصب المدير التنفيذي “للمجلس الاميركي الكردي التجاري”

اميركا تطيح بالمالكي ليصعد مساعده العبادي

كلف البرلمان العراقي بتوفير المسوغات القانونية للاطاحة بزعيم الكتلة الاكبر فيه، نوري المالكي، برفضه ترشيحه لولاية ثالثة جديدة لمنصب رئاسة الوزارة، وأتى بمساعده حيدر العبادي كحل مفضل روجت له واشنطن. واسفر التجاذب والصراع المتصاعد الى قبول المالكي تنحيه لصالح مساعده كي يجنب حزبه والبلاد ازمة سياسية هي في غنى عنها سيما وان الاولوية الراهنة تنصب على حشد الجهود لمواجهة داعش

وسارع الرئيس اوباما واركان ادارته الى تهنئة العبادي، وتلاه تهاني جاءت من طهران على لسان رئاسة مجلس الأمن القومي. وارفق اوباما وحكومته رسائله بالتشديد على ضرورة توسيع هامش آلية الحكم وافساح المجال امام مشاركة اقوى “للسنة والاكراد،” عملا بنصوص الدستور الطائفي. الثابت ان القوى الكردية فقدت حوافز انخراطها في الحكومة بشكل اوسع على ضوء التطورات الاخيرة واحياء طموحات قادتهم بالاستقلال واعلان الدولة. اما “السنة” ممثلين بالعشائر العراقية التي دعمت داعش في بداية الأمر، نكاية بحكومة المالكي، فمن المرجح تبديلهم لمواقعهم بعد رفضهم لنمط حكم داعش الاستبدادي

نظريا، ستحظى حكومة العبادي بدعم اميركي، ليس لمصلحة العراق بالضرورة، بل لارساء مظاهر الاستقرار في البداية، كما اوضح وزير الخارجية جون كيري بقوله ان بلاده “على اتم الاستعداد للنظر بتوفير دعم سياسي واقتصادي وأمني لمساعدة الحكومة العراقية الجديدة”

في الشأن العسكري استدرك كيري موضحا ان الولايات المتحدة “ستراقب ما سيطلب منها مستقبلا من وسائل الدعم من الحكومة وستنظر فيها تباعا،” مستبعدا انخراط مزيد من القوات العسكرية الاميركية. هذا التوجه يقود الى الاستنتاج ان الولايات المتحدة لن تترك العراق “يعيد ترتيب اوضاعه سلميا” في اطار الدستور “الفيدرالي” الذي صاغته له، بل الثابت ان اميركا ليست معنية بالحفاظ على وحدة العراق وضمان سيادته على اراضيه

خصوم الرئيس اوباما من الحزب الجمهوري، بشكل خاص، وبعض اركان الحزب الديموقراطي يتهمونه بأن سنوات ولايته “شهدت تراجعا جديا للقوة (العسكرية) الاميركية عبر العالم .. وضروة اعادة الاعتبار لقوة وهيبة الولايات المتحدة. اسبوعية “تايم” حرضت قراءها على ان “الرئيس اوباما يميل للتردد بعوضا عن اللجوء لاستخدام القوة العسكرية، والنتيجة ازمات متلاحقة.” وكأن التدخلات العسكرية والاقتصادية والاغتيالات بطائرات الدرونز هي اوجه “التراجع

تلك القوى، وهي مؤثرة ولها اوزان معتبرة، ما برحت تستعيد اخفاق السياسة الاميركية في سورية، وترى ان الغارات الجوية ضد داعش ما هي الا وسيلة الرئيس اوباما لاستعادة هيبة اميركا في العراق، “واضحت بديلا عن فشله في سورية”

التحليل 08-09-2014

:التحليل

قراءة اولية في الجوانب العسكرية للعدوان على غزة

          هل انتصرت المقاومة الفلسطينية؟ الاجابة مدوية برسم اميركا وبريطانيا، كما سيتضح لاحقا، وعودة نتنياهو منكسرا يجر ذيول الخيبة وانحسار الغطرسة وحالة من الارتباك والتخبط

قبل الاعلان عن هدنة وقف اطلاق النار لمدة 72 ساعة، ساد قلق معلن بين الاوساط الاميركية، في المؤسسة الحاكمة والنخب الثقافية والسياسية والاعلامية على السواء، لحجم الخسائر العسكرية “الاسرائيلية” وتواضع اداء القبة الحديدية وعدم قدرة الكيان الصهيوني على حسم نتيجة عدوانه على قطاع غزة ضمن المهلة الزمنية القصيرة الممنوحة، حتى بعد تمديدها، ودخول قوات “النخبة” من قواته الخاصة والمفاجآت الميدانية التي تكبدتها على ايدي المقاومة الفلسطينية

          جريدة “نيويورك تايمز” قالت بصريح العبارة ان المقاومة “حققت نصرا كبيرا،” عدد 6 آب الجاري. واوضحت ان صواريخ المقاومة اغلقت مطار اللد “شريان الحياة للعالم الخارجي،” لأول مرة دون ان تستطيع “اسرائيل” الرد ميدانيا سوى تدمير منازل المدنيين والحاق مزيد من الخسائر البشرية بينهم، مما “يؤكد على قدرة المقاومة الحاق اضرارا اقتصادية باسرائيل”

         النشرة العسكرية الاسبوعية المتخصصة، جينز، اشارت في عنوان مقالها الى “المقاومة الفلسطينية تكبد القوات الاسرائيلية خسائر بالغة في غزة،” عدد 1 آب الجاري، وان نحو 40% من جنودها القتلى لقوا حتفهم نتيجة اصابتهم بالقذائف الصاروخية المضادة للدروع “بالرغم من تكتم الناطق العسكري على كيفية مقتل الجنود” (عدد 30 تموز). واوضحت ان العامل الحاسم في الاداء المقاوم “يعود الى تطبيق تكتيكات حزب الله اللبناني .. واستخدام اساليب واسلحة متطورة نسبيا لتوريط القوات الاسرائيلية في قتال يجري على مسافات قريبة واستطاعت تكبيد (الغازي) خسائر كبيرة”

وكشفت ايضا ان المقاومة الفلسطينية اطلقت 3،712 قذيفة صاروخية، بمعدل 128 صاروخا يوميا على امتداد 29 يوما قبل استئناف المعركة، منها نحو 356 صاروخ اطلقت على القوات البرية المتوغلة في قطاع غزة؛ وان القبة الحديدية  “اعترضت نسبة صواريخ اقل من جولة عامود السحاب،” عام 2012.  واضافت ان زخم اطلاق الصواريخ في المواجهة السابقة آنذاك سجل معدلات اعلى اذ بلغت اطلاق 188 صاروخا في اليوم

         وفندت الاسبوعية المختصة، جاينز، اداعاءات “اسرائيل” بان خططها الحربية حققت اهدافها مشيرة الى اضطرارها تعديل تعريفها للاهداف المقصودة: القضاء على حركة المقاومة المسلحة، ثم تدمير الانفاق التي لم ترد في الخطاب السياسي كهدف للعدوان. بل إن صمود المقاومة في غزة لفترة طويلة لم يكن متوقعاً لدى أوساط صناع القرار.ونُقل عن احد القادة العسكريين “الاسرائيليين” قوله ان هدف القضاء على المقاومة المسلحة “سيتطلب بقاء (اسرائيل) في القطاع نحو سنتين،” مع ما يرافقه من تراكم سيل الخسائر بين صفوف الجنود الذين سيصبحون هدفا سهلاً لحرب العصابات، فضلا عن الخسائر المادية في جانب العربات المدرعة وناقلات الجند، مما اضطر الكيان الصهيوني الى سحب ناقلة الجند المدرعة اميركية الصنع من طراز M-113 من ارض المعركة في وقت مبكر من “حربه البرية” عقب الفتك باحداها ومصرع جنديين احدهما يحمل الجنسية الاميركية. (راجع تقرير المركز بتاريخ 25 حزيران 2014)

         الآلة الاعلامية “الاسرائيلية” وامتداداتها الغربية كرست صورة “الجيش الذي لا يقهر” في الزمن الغابر، منذ بداية الاعتداءات على قطاع غزة في خمسينيات القرن المنصرم، واعتماده استراتيجية القوات المدرعة القادرة على تدمير كل شي في طريقها، مرورا بعدوان عام 1967 والاجتياحات المتتالية للجنوب اللبناني، وانتهاء بانكفائه عن ارض الجنوب وانتصار المقاومة في 25 أيار 2000؛ وبدء عصر الانكسارات والهزائم “الاسرائيلية” في كافة المواجهات التي تلتها: 2006، 2008/2009، 2012 و2014

         جهد الخبراء العسكريون، خاصة في الدول الغربية، الى تبرير تعثر القوات البرية “الاسرائيلية” المدرعة في رمال قطاع غزة بأنه يعود الى استراتيجيتها المستندة الى القتال بالمدرعات في بيئة رملية مفتوحة بدلا من حرب المدن

         يشير اولئك القادة العسكريون الى “عدم استيعاب القوات الاسرائيلية لدروس الحروب السابقة، بينما اثبت المقاتل الفلسطيني تكيفه مع الظروف المستجدة واتقان الدروس المستفادة من تاريخ المواجهات .. لا سيما في مجالات التدريب واستخدام الاسلحة الخفيفة التقليدية.” كما اقر هؤلاء باتخاذ المقاومة الفلسطينية زمام المبادرة في الميدان وعدم انتظار العدو ليأتي اليها، بخلاف ما كان عليه الأمر في عدواني الرصاص المصبوب (2008/2009) وعامود السحاب (تشرين الثاني 2012). في الاخير، نالت الغارات الجوية الصهيونية من نائب قائد كتائب القسام، احمد الجعبري، واغتالته مبكرا. اما في العدوان الراهن فقد تحصن القادة العسكريون بالانفاق عميقا تحت الارض وحافظوا على السيطرة والتحكم في سير العمليات والتوجيهات العسكرية، عززها سبل الحماية التي وفرتها الوحدات اللوجستية استعدادا لخوض معركة طويلة الأمد

         من الثابت ايضا ان المقاتلين الفلسطينيين طبقوا الخبرة المستفادة لأهمية سلامة نظم القيادة والتحكم اثناء المعركة، وبقيت على ما هي عليه لا يمسها سوء بالرغم من اشتداد القصف “الاسرائيلي” برا وجوا وبحرا، بل حافظت المنظومة على تماسكها وابقاء شبكة الاتصالات فيما بينها صالحة للعمل وادامة الاتصال مع الوحدات الصاروخية والقوات الخاصة؛ واستطاعت شن هجمات ناجحة خلف خطوط القوات المعتدية في ظل القصف المكثف، وكبدتها خسائر عالية لم تعهدها من قبل

         في هذا الصدد، نقلت نشرة “جاينز” المذكورة على لسان احد القادة العسكريين السابقين من الفلسطينيين، برتبة لواء شارك في معارك عام 1982، قوله ان ما حققته المقاومة في قطاع غزة من اصابات في صفوف العدو فاق ما تكبدته “القوات الاسرائيلية” في كافة المواجهات التي دارت في الجنوب اللبناني مع الفلسطينيين وحلفائهم مجتمعة

         ابداع المقاتل الفلسطيني تجسد في الاستفادة القصوى من انشاء الانفاق التي سبقه اليها المقاتل الفيتنامي واللبناني، واضحت جزءاً لا يتجزء من منظومة الدفاع عن ارض وشعب وكرامة القطاع. وشاع بين الاوساط الاعلامية والاستخبارية نبأ “اعتراض القوات الاسرائيلية” لمجموعة من المقاتلين في منتصف شهر تموز الماضي بعد خروجهم من احد الانفاق مما ادى الى استعجال القيادة العسكرية للدخول في حرب برية

         قيل حديثا عقب تطور حرب المدرعات في الحرب العالمية الثانية ان افضل وسيلة لالحاق الهزيمة بهجوم مدرع هو في انجاز دفاع في العمق باستطاعته استدراج العربات المدرعة الى مناطق الفناء المحقق. الأمر الذي طبق نبوءته بامتياز المقاتل الفلسطيني في العدوان الجاري. في المقابل لم يستوعب القادة “الاسرائيليون” الأهمية التكتيكية التي توفرها شبكة الانفاق للمقاتل، اسوة باستخفاف القيادة الاميركية من عبقرية وابداعات المقاتل الفيتنامي، ووجدت عرباته المدرعة نفسها مطوقة بوابل من النيران المباشرة في مساحة جغرافية ضيقة تعسر عليها المناورة والالتفاف. ووجد قادة العدوان انفسهم امام معادلة تراكم الخسائر البشرية وتحول مدرعاته الى توابيت حديدية مما دعاهم الى اتخاذ قرار بالانسحاب من جانب واحد

         برع الفلسطينيون في التكيف مع ظروف حرب العصابات، وشكلت الصليات الصاروخية المتتالية للمستعمرات والمنشآت “الاسرائيلية” نصرا معنويا ونفسيا هائلا، بيد ان فعالية السلاح في الشق العسكري كانت متواضعة، اذ الحق خسائر بشرية طفيفة قياسا بحجم ووتيرة القصف التي لم تتوقف. بل سجلت قذائف الهاون قصيرة المدى نجاحا في الاراضي المغتصبة المحيطة بالقطاع افضل مما سجلته الصواريخ متوسطة المدى. وفاجأت المقاومة باستراتيجيتها الصاروخية عدوها، لا سيما عند اطلاقها لصواريخ آر-160 التي هرع على اثرها المستعمرون الصهاينة في وسط وشمال فلسطين المحتلة الى الملاجيء. يتميز ذلك الجيل من الصواريخ “غير الموجهة” بعدم الدقة في اصابة الهدف، بيد ان تلك الخاصية المتواضعة كان لها اثرا نفسيا معنويا هائلا في صفوف “الاسرائيليين” واربك نمط حياتهم المعتادة. ولعل اهم النتائج برهنه المقاتل الفلسطيني واستراتيجيته القتالية في التصدي الفعال “لاسرائيل” في حرب غير متكافئة، وصمود غير متوقع اربك القيادات السياسية والعسكرية وخلط الاوراق

         كما سجلت استراتيجية المقاومة نصرا مؤزراً في مواجهة “القبة الحديدية،” التي استطاعت التغلب عليها باطلاق صليات كثيفة دفعة واحدة من الصواريخ اربكت نظم التحكم والاطلاق المرافقة لها. وذهبت الى اقصى مدى في التحدي باعلانها ان صواريخها ستنطلق باتجاه المدن والتجمعات الصهيونية في ساعة معينة، 9:00 مساء، غير آبهة بالقبة الحديدية، ووصلت اهدافها دون اي معوقات تذكر – كما شهد بذلك معظم المراقبين والمراسلين الصحفيين

         اطاح الخبراء في الاستراتيجية والاسلحة العسكرية بمزاعم “اسرائيل” حول فعالية القبة الحديدية، كما سبق وتناولها تقرير المركز بتاريخ 18 تموز. وجاء على لسان استاذ العلوم والتقنية في معهد ماساتشوستس التقني – إم آي تي – المرموق، تيد بوستول، قوله ان “معدل اعتراض صواريخ القبة الحديدة كان متدنيا جدا – وربما بحدود 5% او أقل.” ومضى موضحا ان المهمة المنوطة بأي منظومة صاروخية تكمن في “تصدي الصاروخ المعترض للرأس الامامي المتفجر للصاروخ القادم وتدميره. اما وان اصطدم رأس الصاروخ المعترض بالجزء السفلي من الصاروخ القادم، فكل ما يستطيع انجازه هو الحاق الضرر بانبوب المحرك الصاروخي، الذي هو عبارة عن انبوب فارغ .. وعمليا ليس له اي تأثير على حصيلة المواجهة” بين الجسم المتفجر والجسم المعترض

         تشير تقديرات الجانب “الاسرائيلي” للترسانة الصاروخية للمقاومة، بكل انواعها، الى امتلاكها نحو 10 آلاف صاروخ، حسبما جاء في تقرير عسكري بتاريخ 5 آب الجاري؛ اطلق “او تم تدمير” نحو الثلث منها – 3,356 مقذوف. واضاف ان شبكة الانفاق استهلكت نحو 1,800 طن من الاسمنت المسلح غطت مساحة بطول 3 كلم؛ وزعم تدمير 32 نفقا امتد 14 منها الى داخل اراضي فلسطين المحتلة، ونفقين يقعان على بعد 500م من الشريط الحدودي

مؤشرات على الجولة المقبلة من الحرب

         يجمع الخبراء العسكريون على ان استراتيجية الانفاق ادخلت عنصرا اضافيا في المعركة وضاعفت من صراع الارادات: الطرف المعتدي سيمضي في جهوده للتحقق منها وتدميرها؛ والطرف المقاوم سيزيد من مرونة حركته وتكتيكاته كي يبقي تهديده قائما ضد القوات البرية الغازية والنيل من معنوياتها، على اقل تعديل، واستدراجه باستمرار لخوض معارك يحسن اختيار مكانها وزمنها والسيطرة على نتائجها لا سيما فيما يتعلق بأسر مزيد من الجند والاحتفاظ بجثث قتلاه

         في الحرب ضد الانفاق، التي جربها الاميركيون في فيتنام وفشلوا في القضاء عليها رغم عدم التكافؤ في القوات والمعدات والتقنيات، ستخصص “اسرائيل” امكانيات تقنية اضافية للقضاء عليها، بدءا باستخدام الانسان الآلي، الروبوت كما يروج له اعلاميا،  وتطوير سلاح “قنبلة الباريوم الحرارية،” التي تعمل على تكثيف عنصر الاوكسجين المتوفر في المحيط لاحداث موجة متواصلة من الانفجارات الضخمة شديدة الحرارة، من شأنها الفتك بكل ما يتواجد في دائرة الانفجار من بشر ومعدات، وتفريغ المحيط من الاوكسجين بالكامل

         استمرار المواجهة المباشرة في قطاع غزة لن ينحصر على نطاق القطاع فحسب، بل بدأت شراراته تمتد الى الضفة الغربية والتي وضعتها فصائل المقاومة ضمن سلم اولوياتها لاشعال مواجهات اخرى بشّر البعض بها بانها ستكون الانتفاضة الشعبية الثالثة تستنزف قوات الاحتلال، النظامية والاحتياط، وتضطره للانتشار والاشتباك على جبهتين مفتوحتين في آن واحد. بصرف النظر عن الوجهة التي ستتخذها المواجهات المرتقبة في الضفة الغربية، محدودة ام شاملة، فانها ستضاعف من مأزق الكيان الصيهوني المسكون بهاجس الأمن الوجودي، وعدم غض الطرف عن انتقال المواجهات الى المحتل من فلسطين عام 1948

         في المدى الاقليمي الابعد، تدرك “اسرائيل” ان عليها الاخذ بعين الاعتبار الترسانة الصاروخية الاكبر لدى المقاومة في لبنان وتحت تصرف حزب الله، والتي تقدرها الاستخبارات الغربية بان تعدادها يبلغ نحو 100،000 صاروخ – اي عشرة اضعاف ما يتوفر في قطاع غزة، فضلا عن نوعية ودقة اصابة افضل

         حقائق المواجهة مع حزب الله في تموز 2006 لا تزال ماثلة في اذهان القادة والمؤسسات العسكرية الغربية و”الاسرائيلية.” اطلق الحزب آنذاك نحو 4,200 صاروخ بمعدل 100 صاروخ يوميا معظمها من طراز كاتيوشا الذي يحمل رأسا متفجرا زنته 30 كلغم، ويبلغ مداه نحو 40 كلم. اصاب ما نسبته 22% منها المدن والتجمعات السكانية في شمال فلسطين المحتلة، والباقي انفجر في مناطق خالية. واستخدم الحزب اضافة لتلك الترسانة صواريخ متوسطة المدى من طراز فجر-3 ورعدد-1، اللذين يعملان بالوقود السائل من صنع ايران

         تقديرات الاستخبارات “الاسرائيلية” المستحدثة تشير الى ان حزب الله يمتلك نماذجا اكثر تطورا من هذين الصاروخين، فجر-3 وفجر-5، تصل مدياتها الى 60 كلم و 100 كلم، على التوالي؛ اضافة لعدد كبير من الصواريخ وقاذفات الهاون عيار 107 ملم و 122 ملم التي يصل مداها الى 25 كلم على الاقل، باستطاعتها الوصول الى عدد من المدن والتجمعات السكنية في شمالي فلسطين المحتلة. اما اعتماد “اسرائيل” على القبة الحديدية لمواجهة ذلك فيتطلب منها اعادة انتشار بطارياتها بالقرب من الحدود الشمالية والمجازفة بتخفيف عدد البطاريات المنشورة بالقرب من قطاع غزة

التحليل 08-01-2014

:التحليل

العدوان على غزة

في حسابات واشنطن السياسية والانتخابية

          تبرز فعالية السياسة الخارجية للولايات المتحدة، او تراجعها، عند كل نقطة انعطاف او أزمة دولية من شأنها ان تترك بصماتها على ملفات اخرى، والعدوان الصهيوني على قطاع غزة ليس استثناء عند الغوص في حيثيات ومقومات تجليات السياسة الاميركية، ليس من زاوية الميل لاطلاق احكام على ثوابتها في معاداة الأمة العربية وتطلعات شعوب العالم التواقة للتحرر، بل رصد العوامل والمتغيرات، ان وجدت

          صمود المقاومة الفلسطينية وتوحد ادائها ميدانيا، بكافة فصائلها، نزع الكثير من الاقنعة عن الانظمة والقوى الاقليمية وزاد في وتيرة تعريتها وتبعيتها وانقيادها لقرار السياسة الاميركية المعادية لطموحات شعوبها. وعلى الرغم من أهمية تسليط الاضواء في هذه الايام على العدوان الصهيوني وادواته المحلية والاقليمية، في ظل تسجيل المقاومة انتصارات جديدة ومفاجآت ميدانية لم ترد في عقول واذهان الدِّ اعدائها، الا ان متطلبات التحولات السياسية المرتقبة في المشهد السياسي الاميركي تستدعي ايضا بعض الاهتمام لمعاونة المهتمين في هذا الشأن على استكمال ادوات التحليل الموضوعية في المرحلة المقبلة

          درجت العادة اعتبار مرحلة سيطرة المحافظين الجدد برئاسة جورج بوش الابن بانها شكلت “القفاز الحديدي” لتجليات السياسة الخارجية؛ وفاز الرئيس اوباما بولايتيه الرئاسيتين لتوجهه في استخدام “القفاز الحريري،” او القوة الناعمة، بعد كل ما لحق السياسة الاميركية من عثرات وهزائم وتراجعات على ايدي سلفه. اما المحصلة العامة للحقبتين فتشير بقوة الى انكماش الدور التقليدي للسيطرة الاميركية عبر العالم، وبروز قوى واطراف تتمتع بعناصر القوة الاقتصادية والعسكرية المنافسة، وعزمها على تحدي هيمنة “القطب الواحد”

          يدرك صناع القرار في الاستراتيجية الاميركية ما آل اليه الأمر على المستوى الدولي، يتبادلون الاتهامات بين اقطاب الحزبين الحاكمين، من جانب، وداخل اقطاب كل مجموعة مؤثرة من صقور وحمائم، وتشكيل اجماع حول عدم المساس بهيبة الآلة العسكرية واتخاذ التدابير الكفيلة بضرورة تكيّف عناصر القوة، في المؤسسات العسكرية والاستخباراتية والأمنية، مع متطلبات الازمة المالية. فضلا عن الاجماع بعدم المساس بالميزانيات المقررة والطارئة للكيان الصهيوني، لعل ابرزها موافقة مجلس الشيوخ “بالاجماع” على منح “اسرائيل” مبلغا اضافيا بقيمة 225 مليون دولار، في الساعات الاخيرة قبل انفضاض جلساته يوم الأول من آب وذهاب اعضائه الى قضاء اجازتهم السنوية

          ومن ناحية اخرى، تبرز مسألة السياسة الخارجية مجددا كأحد ساحات الاستقطاب في الخطاب السياسي اليومي، سيما وان المجتمع الاميركي على عتبة خوض انتخابات ممثليه في مجلسي الكونغرس، انتخابات نصفية، في شهر تشرين الثاني / نوفمبر المقبل

          في هذا الصدد، نود التوكيد على ان نتائج الانتخابات المقبلة سيكون لها انعكاس مباشر على السياسة والعلاقات الاميركية في عموم الوطن العربي. في البعد الشعبي الاميركي، تعاظمت درجة اهتمامه في الشؤون الخارجية منذ غزو الولايات المتحدة لكل من افغانستان والعراق، وتبلور في مطالبته بتراجع الولايات المتحدة عن دورها الأمني كشرطي حماية منتشر في عموم الكرة الارضية

          كما اعرب قطاع واسع من الشعب الاميركي عن امتعاضه واحباطه من سياسات الرئيس باراك اوباما التي اعتبرها “امتداد لسياسات الحرب المفتوحة على الارهاب،” التي دشنها سلفه جورج بوش الابن. مشاعر الاحباط الواسعة جاءت نتيجة وعود قطعها المرشح الرئاسي اوباما في مناهضته الحروب العدوانية، وبادله الجمهور بتأييده على قاعدة تميزه عن سياسات بوش، والتي سرعان ما تبنى نقيضها. وتنامت حدة المعارضة العلنية للرئيس اوباما تدريجيا لتبنيه ورعايته شن الحرب على الآخرين بطائرات الدرونز، وانكشاف المدى التجسسسي الذي تمارسه الاجهزة الحكومية على المواطنين الاميركيين، فضلا عن الحلفاء الاوربيين

          حالة الانقسام المشار اليها اعلاه ستفرض على مرشحي الرئاسة لعام 2016 تخفيف وطأة السياسات الخارجية الكارثية، في حال بوش الابن، في الخطاب السياسي، وتنامي مشاعر الكثيرين بعدم الثقة بالمؤسسات السياسية ونخبها على ضوء سياسات الرئيس اوباما، واصطفاف بعض المؤهلين للترشيح الرئاسي، هيلاري كلينتون مثالا، الى فريق المعارض لسياسات اوباما “في سورية وروسيا؛” وصفها بعض العارفين في قيادة الحزب الديموقراطي بأنها “تطمح لرسم دور وسطي بين سيرتي (الرؤساء) بوش الابن واوباما .. تمكنها من اطلاق سهامها نحوهما بالتساوي.” وفي الجانب الآخر، الطامع للترشيح عن الحزب الجمهوري، راند بول، “يلقي الاتهامات على الرئيسين .. اللذين حافظا على المضي بسياسات خارجية فاشلة”

انتخابات تنذر بهزيمة

          هذه المقدمة كانت ضرورية للاشارة الى ان الانتخابات النصفية المقبلة ستجري على قاعدة استفتاء على سياسة القاطن في البيت الابيض، بصرف النظر عن انتمائه السياسي؛ وعليه فهي تنذر بنتيجة قاتمة للحزب الديموقراطي وحرصه للاحتفاظ باغلبية الاصوات في مجلس الشيوخ. ودرجت العادة ان يعطي الناخبون اصواتهم للحزب البديل في ظل الظروف السائدة، او النأي بانفسهم عن المشاركة بمجملها

          وعليه، فان لب المعركة الانتخابية ستجري وفق قاعدة السيطرة على احد مجلسي الكونغرس، في الحد الادنى لكل فريق، بيد ان توجهات القاعدة الانتخابية حافظت على ثباتها بتأييد الحزب الجمهوري ووضعه في موقع مريح للاحتفاظ باغلبية المقاعد في مجلس النواب، وربح صافي مرتقب لنحو 6 مقاعد اضافية في مجلس الشيوخ، مما يؤهله التحكم بالسلطة التشريعية بأـكملها

مفاصل النظام السياسي الاميركي

من المفيد بمكان التذكير بعمل السلطات المختلفة المكونة للنظام السياسي الاميركي الذي يستند الى اتمام العمل بفصل السلطات عن بعضها، ويعرف بالتمثيل الديموقراطي؛ اذ يخول الدستور الكونغرس بمجلسيه سن القوانين والشرائع، السلطة التشريعية؛ اما الرئيس – السلطة التنفيذية – فمهمته تقتصر على تطبيق السياسات المتفق عليها. وعليه، الرئيس لديه صلاحية المصادقة على قرارات الكونغرس، بعد فوزها باغلبية الاصوات، كي تصبح سارية المفعول. ايضا يملك الرئيس صلاحية الغاء مشروع القرار المقدم باستخدام حق الفيتو عليه، مفسحا المجال امام مجلسي الكونغرس اعادة النظر بالصياغة المطلوبة كي تنال موافقة الرئيس

          في ابعاد قرارات التحكم بمفاصل النظام السياسي الاميركي يبرز دور شريحة فاحشة الثراء، 1%، ممثلة للمصالح الاقتصادية والاحتكارات الكبرى، الاوليغارك، وتمارس نفوذها عبر آليات متعددة، احداها يعرف بجماعات الضغط، اللوبي، التي تمارس دورا مرئيا على اعضاء الكونغرس لسن تشريعات وقوانين مرضية لها. ومن بين الآليات ايضا سياسة “الباب الدوار” التي تلغي الفوارق بين ممارسة النشاط السياسي والارتهان لارباب العمل، ليصبح الممثل في الكونغرس من صنع الشريحة الاشد نفوذا في العملية الاقتصادية ويتم توجيهه وفق ما تقتضيه مصالحها الخاصة، لا سيما فيما يخص تبني سياسات اقتصادية ومصرفية محددة والتي عادة تأتي على حساب مصالح 99% مما يتبقى من الشرائح الاجتماعية، ونهب الموارد العامة تحت غطاء الخصخصة والسوق الحرة

الشريحة الضيقة المتحكمة، تستغل ثراءها الفاحش رشوة للسياسيين، وتقف بالمرصاد امام بروز تيارات سياسية جادة خارج صيغة “تبادل الحزبين مقاليد الحكم،” ولا تتورع عن استخدام ما لديها من امكانيات هائلة لتهميش صعود قوى جذرية او ليبرالية تناصبها العداءوسن قوانين جديدة لحرمانها من الحصول على نسبة معتبرة في الانتخابات تمكنها من ارسال ممثليها الى الكونغرس، كما جرى مع “حزب الخضر” وتجمعات سياسية اخرى تمثل المهمشين والاقليات العرقية

فيما يخص اللحظة الراهنة والتوازنات السياسية بين الحزبين، اسهمت سيطرة الحزب الديموقراطي على اغلبية مجلس الشيوخ باستصدار قوانين وتشريعات موازية لاهداف الرئيس اوباما، والتي لولاها لانحصرت خياراته اما في استخدام صلاحية “الفيتو” ضدها او المصادقة عليها بكل ما ينطوي عليها من ثغرات سعى لتفاديها. ويتجلى التراشق بين سلطات الرئيس ومناهضيه في الحزب الجمهوري بحرمانه من المصادقة على تعيينات للتمثيل الديبلوماسي بات يشكو منها علانية

نظرة على انتخابات نوفمبر

تجمع احصائيات استطلاعات الرأي على توثب الحزب الجمهوري لتحقيق نسبة تمثيلية اعلى في مجلسي الشيوخ والنواب، في الدورة الانتخابية المقبلة. يتمتع الجمهوريون بوضع مريح في ولايات ثلاث: ساوث داكوتا، مونتانا، وويست فرجينيا؛ وتفوق نسبي في خمس ولايات اخرى: اركنساس، لويزيانا، نورث كارولينا (التي فاز بها المرشح الرئاسي ميت رومني 2012)، ايوا وميتشيغان

نسبة الاحباط بين الشعب الاميركي لسياسات الرئيس اوباما في ازدياد مضطرد، مما يضاعف التحديات امام الحزب الديموقراطي في الاحتفاظ بأغلبية مقاعد مجلس الشيوخ الراهنة. واسهم استطلاع للرأي اجرته شبكة (سي ان ان) للتلفزة في الدلالة على حجم واتساع قاعدة المعارضة الشعبية للرئيس اوباما وسياساته، اذ اعرب غالبية بلغت 53% تأييدهم لسؤال افتراضي بأنهم سيصوتون لميت رومني في الظرف الراهن. يذكر ان الرئيس اوباما فاز بنسبة 52% من مجموع الاصوات الشعبية في جولة الانتخابات الرئاسية الاخيرة

يدرك قادة الحزب الديموقراطي ومسؤوليه عن استراتيجية الحزب الانتخابية عمق المأزق المشار اليه، وامكانية خسارتهم لبعض المقاعد، لكنهم يبذلون جهودهم لتقليص حجم الخسارة الى خمسة مقاعد صافية في مجلس الشيوخ، الأمر الذي يتيح لهم الاحتفاظ باغلبية ضيقة فيه. وهذا يتطلب حشد الجهود والامكانيات الانتخابية وتوظيفها في خدمة المرشحين المرجح فوزهم، وربما انتهاج خطاب انتخابي يشير الى تعارض المرشح المعني مع الرئيس اوباما، وهي استراتيجية مجربة من قبل الحزبين تؤتي اكلها في معظم الحالات، وتتطلب قدرا عاليا من الحذر لعدم الانجرار الكامل وراء النبض الشعبي المعارض. اذ تشير اللوحة الانتخابية الراهنة الى 10 ولايات معارضة لسياسات الرئيس بصورة صارخة، ويركز قادة الحزب الديموقراطي جهودهم على خمسة منها: ساوث داكوتا، مونتانا، ويست فرجينيا، الاسكا واركنساس

انخرط الرئيس اوباما في جولة لجمع التبرعات للحزب الديموقراطي شملت 11 محطة في مناطق متعددة من الولايات المتحدة، بينما حضر نائب الرئيس جو بايدن 5 حملات تبرع، وشاركت زوجة الرئيس، ميشيل اوباما، في حملتين؛ فضلا عن رسائل الدعم السياسي والظهور العلني للرئيس لدعم مرشحين معينيين لا سيما في ولايات اركنساس وكولورادو ونورث كارولينا

بروز زوجة الرئيس في الحملات الانتخابية يؤشر على سياسة الحزب الديموقراطي في اعادة تجييش القاعدة الانتخابية لا سيما بين قطاع المرأة، واستغلال الفوارق الاجتماعية والاقتصادية لما اصبح يعرف بحملة الخصوم في “الحرب على المرأة،” و “المساواة الاقتصادية،” او توزيع عادل للموارد الاقتصادية. يضاف الى ذلك جهود الرئيس والحزب الديموقراطي في محاباة “المهاجرين غير الشرعيين،” وجلهم من دول اميركا اللاتينية، وحل الوضع الشاذ لعدة ملايين منهم واتاحة الفرصة لهم للمشاركة في الانتخابات المقبلة

انضمام بضعة ملايين من الاصوات الانتخابية المرجح ذهابها لصالح الحزب الديموقراطي اثار حفيظة خصومه في الحزب الجمهوري مهددين برفع دعوى قضائية ضد الرئيس وتوجيه تهمة التقصير في اداء مهامه المنصوص عليها دستوريا. المضي بالدعوى سلاح ذو حدين، اذ من شأنه استنهاض القواعد الشعبية المناهضة لسياسات الحزب الجمهوري ومشاركتها بقوة اكبر في الجولة المقبلة

ساكن البيت الابيض، في سرّه، يرحب بارتكاب خصومه تلك الحماقة التي ستضخ دعما اضافيا في تعزيز مواقع الحزب الديموقراطي. علنا، علق احد مستشاري الرئيس للشؤن الانتخابية، دان فايفر، قائلا لصحيفة لوس انجليس “اي خطوة (قضائية) بهذا الشأن ستثير صداما كبيرا مع الحزب الجمهوري وممثليه في الكونغرس .. وستضاعف من ردود الفعل الغاضبة ضد الجمهوريين.” عقلاء الحزب الجمهوري، وهم قلة، يميلون لتوخي الحذر من الاقدام على المضي قدما بالتهديد، مدركين للتوازنات السياسية والانقسامات الراهنة في مجلسي الكونغرس، وتشتيت جهودهم الانتخابية بافتعال معركة جديدة خاسرة سلفا

انعكاسات فوز الحزب الجمهوري على المنطقة

السيناريو التالي يستند الى فرضية فوز الحزب الجمهوري باغلبية مقاعد مجلسي الكونغرس، النواب والشيوخ، في الجولة الانتخابية المقبلة. من المرجح ان تدفع هزيمة الحزب الديموقراطي الى اصطفاف قادته في الكونغرس الى جانب اللوبي المؤيد “لاسرائيل” وبلوغه مديات اعلى مما هي عليه راهنا – ان كان باستطاعة المرء ادراك ذلك، وابراز مشاعر عدائية اوسع ضد الفلسطينيين تحديدا. في هذا الصدد، يبرز السيناتور اليهودي عن ولاية نيويورك، تشاك شومر، الذي يحتل المرتبة الرابعة في صفوف قادة الحزب الديموقراطي، ولديه فرصة واقعية كبيرة لشغل منصب زعيم الاقلية الديموقراطية في مجلس الشيوخ

زعيم الاغلبية الديموقراطية الحالي، هاري ريد، قد لا يحتفظ بمنصبه او موقعه ويغادر الساحة السياسية، مفسحا المجال لتبوأ شومر منصب المركز الاول في التراتيبية القيادية؛ بل سيصبح اليهودي الارفع منصبا في الحكومة الاميركية. شومر، بدوره، ارسل مذكرة للرئيس اوباما، بدعم عدد آخر من زملائه في مجلس الشيوخ، يناشده التحلي بصلابة الموقف ضد الفلسطينيين. وجاء فيها “لا يمكننا تحمل التهديدات الناجمة عن الصواريخ وشبكة الانفاق التابعة لحركة حماس ذات هدف اوحد وهو قتل واختطاف الاسرائيليين، وينبغي اطلاق قدرات اسرائيل اتخاذ ما تراه ضروري لازالة تلك التهديدات .. اي صيغة لوقف اطلاق النار يتم التوصل اليها تستدعي انشاء وضع يشعر فيه المواطنين الاسرائيليين بانهم غير معرضين لمواجهة الهجمات الارهابية الفظيعة”

في بعد الاصطفافات السياسية، ابدى زعماء الحزب الجمهوري معارضتهم الصارخة لسياسات الرئيس اوباما نحو مصر وقيادتها الجديدة، على وجه الخصوص، وابدوا تأييدهم لاستمرار تدفق الدعم والاعانة للحكومة المصرية الجديدة. في حال فوز الحزب الجمهوري باغلبية مقاعد مجلس الشيوخ، سيصعد السيناتور جون ماكين تلقائيا لمنصب رئيس لجنة شؤون القوات المسلحة، وسيستغل صلاحياته الموسعة للدفع باتجاه توفير مزيد من الوسائل القتالية لقوى المعارضة السورية المسلحة. بالاضافة الى ممارسة قيادة الجمهوريين السيطرة والتحكم بالمصادقة على تعيين ممثلين ديبلوماسيين للولايات المتحدة، كما تقتضي صلاحياتها الدستورية، والدخول فيمواجهة جديدة مع مرشحي الرئيس اوباما في هذا الشأن – الأمر الذي تحدث به الرئيس بمرارة في الاول من آب الجاري

اما في درجة الميل لدعم “اسرائيل” فمن غير المرجح ان ينافي الجمهوريون سياساتهم السابقة، بل الثابت ان الكونغرس في ظل القيادة الجديدة سيحافظ على سياسات الولايات المتحدة الداعمة “لاسرائيل” بلا حدود، واستمرار دعم الحكومة المصرية الراهنة وفق ما تقتضيه اتفاقيات كامب ديفيد بغية المحافظة على سريان مفعولها قائما

أفاق المواجهة المقبلة بين اوباما والكونغرس

استنادا الى التجارب السابقة بين الحزبين، ليس مستبعدا ان تشهد التجاذبات والاصطفافات المتجددة التهديد باغلاق عمل المرافق الحكومية، مرة اخرى، ثمرة لتضاد رأي الحزبين في توزيع الميزانية السنوية العامة، وسيتسلح الجمهوريون بالنصوص الدستورية التي تعطي الحق للكونغرس لاقرار بنود الميزانية واتخاذ ما يراه مناسبا من قيود وتدابير للتيقن من آليات الصرف كما ينبغي

ومن المرجح ايضا ان يقدم مجلس النواب سن تشريعات جديدة تحد من نفوذ الرئيس الرئيس اوباما في مجالات متعددة: صلاحيات تجسس وكالة الأمن القومي، برنامج الرعاية الصحية الشامل، تحديد صلاحيات هيئة الضرائب؛ وسترسل الصيغ المقرة الى الرئيس للمصادقة عليها ووضعه في موقف حرج ليس امامه من خيار الا الانصياع او استخدام صلاحية الفيتو. بالمحصلة، ستتعطل المرافق الحكومية، باستثناء وزارة الدفاع والاجهزة الأمنية والاستخبارية، كما اسثنيت في التجارب السابقة

جبان البيت الابيض مشارك في مذابح قطاع غزة

          لا نجد ضرورة في ابراز الثوابت لمعاداة الولايات المتحدة تطلعات الشعب الفلسطيني والامة العربية في التحرر والتخلص من التبعية والوكلاء المحليين. الرئيس الاميركي، منذ بدء العدوان، اصطف الى جانب العدو الصهيوني كما هو متوقع، وبالاتساق مع ركائز السياسة الاميركية. استعادة جملة التصريحات الرسمية الاميركية والاجراءات الميدانية، لا سيما لناحية التسليح والتمويل والدعم السياسي للعدو الصهيوني، لن يقدم جديدا  في هذا الشأن

موقف حلفاء الولايات المتحدة الاقليميين يفضح اصطفافهم لجانب قوى العدوان ويدل على حقيقة الموقف الاميركي، لمن لا يزال يكابر ويجافي الحقيقة. لعل ادق توصيف لضلوع اولئك وتواطؤهم في العدوان جاء في تعليق الصحافي البريطاني في يومية “الغارديان،” ديفيد هيرست، مؤخرا واصفا ردود فعل المسؤولين السعوديين بانها بمثابة “دموع التماسيح”

          وتجدر الاشارة الى ما نوه له عدد ضئيل من اصحاب الضمير باثارة البعد الاقتصادي في العدوان على غزة، نستعرضها من باب الاستزادة والتذكير

          سواحل قطاع غزة تحوي بداخلها مخزونا هائلا من احتياطات النفط والغاز لطبيعي، سبق لشركة بريطانية، بي جي جي، الحصول على موافقة من السلطة الفلسطينية، عام 1999، وان فازت بعقود التنقيب عن الغاز لمدة تصل 25 عاما. واسفرت اعمال التنقيب الاولى للشركة عن التوصل الى تقديرات لحجم المخزون بمعدل 1،600 مليون متر مكعب من الغاز الطبيعي؛ ولم تحسن السلطة الفلسطينية استغلال الأمر لتعزيز الاكتفاء الذاتي في الجانب الاقتصادي، وابقت المخزون رهينة تجاذبات القوى الكبرى والاقليمية ومن بينها “اسرائيل”

          بروز حركة حماس بعد الانتخابات النيابية دفعها لرفض شروط الاتفاقية الموقعة مع الشركة البريطانية، مما اثار حفيظة اطراف كثيرة تضررت من ذاك الاجراء: فلسطينية واقليمية ودولية. وفي هذا الصدد يستطيع المرء تفهم اجراء “اسرائيل” بحرمان الصيادين في قطاع غزة من الابحار خارج دائرة ضيقة حددتها باقل من 3 كلم؛ واطلاق العنان لاستغلال الثروة الطبيعية المكتشفة لصالحها

          يضاف لذلك البعد ما ورد في الاسبوع الرابع من العدوان الصهيو-اميركي على غزة من سماح الادارة الاميركية “لاسرائيل” التزود بذخائر من المخزون الاستراتيجي الاميركي المقام على اراضي فلسطين المحتلة، المعروف “المخزون الاحتياطي للذخير الحربية – اسرائيل،” منذ عقد التسعينيات من القرن المنصرم ويتبع قيادة القوات الاميركيةفي اوروبا. يتضمن المخزون “قذائف صاروخية وعربات مدرعة وذخائر مدفعية،” وغيرها من الاسلحة والذخائر غير المعلنة. الاجراء يدل على ضراوة المعارك والغارات الجوية والبرية والبحرية على قطاع غزة، من ناحية، وحقيقة الدرو الاميركي في ادامة أمد العدوان وتكبيد مزيد من الخسائر البشرية، في الجهة المقابلة

التحليل 07-25-2014

:التحليل

العدوان على غزة الصامدة

نتنياهو في مأزق وكيري يجهد لانقاذه من الهزيمة

          نجحت المقاومة الفلسطينية، بكافة تشكيلاتها، في استراتيجيتها لاستدراج جيش الاحتلال الصهيوني الى حرب برية وفق قوانين “حرب العصابات،” وكبدته خسائر بشرية ومادية لا يستهان بها، سيما عند الاخذ بالحسبان ان جيش الاحتلال دفع بافضل قوات النخبة لدية، لواء غولاني للقوات الخاصة. وفرضت عليه التراجع مكرها عن غطرسته المعهودة والاعلان عن خسارته “34” عسكريا (والرقم في ازدياد متسارع)، فضلا عن اقراره بباكورة انجاز المقاومة وتدميرها عدد من احدث مدرعاته، الميركفاة، والابرز أسر احد جنوده كما وعدته المقاومة قبيل العدوان، وارباك حركة الملاحة الجوية من والى مطار اللد

          التحقق من حجم الخسائر البشرية في جانب جيش الاحتلال سابق لاوانه، مع دخول العدوان يومه الثامن عشر، مع الاشارة الى ان مصادر المقاومة تؤكد مقتل ما لا يقل عن 80 جنديا ونحو 360 جندي من الجرحى في الحد الادنى، قيل انها الاكبر في خسارته اليومية العسكرية ميدانيا منذ حرب تشرين 1973. الخسائر البشرية بين الشعب الفلسطيني هائلة بكل المقاييس نظرا لأن العدو “الاسرائيلي” يدرك ان المدنيين هم الخاصرة الرخوة في المسيرة الشاملة لحرب التحرير. لكن عزم الشعب الفلسطيني، بقواه ومؤيديه، على المضي في التصدي للعدوان يدفعه للقول ان ضحاياه هم جزء من ضريبة التحرير ويتمنى نيل الشهادة

          عند كل مواجهة حقيقية مع جيش الاحتلال، منذ تحرير الجنوب اللبناني في أيار 2000 وامتدادا لسلسلة المواجهات المتعددة، يلاحظ مبادرة قيادته السياسية والعسكرية السعي للتوصل لوقف اطلاق النيران، خلافاً لمواجهاته السابقة التي كان العرب هم الطرف الذي يستجدي وقف العدوان، يجري طلبه تارة بوساطة “عربية” وتارة بدخول اطراف دولية اخرى وهذه المرة سينتهي به الأمر الى التسليم بالعناصر الاساسية لشروط قوى المقاومة،واهمها فك الحصار بشكل فوري ونهائي

          وضع الجبهة الداخلية عند العدو الصهيوني لا يطمئن مؤيديه، قياسا على ما اعتاد عليه من صلف وغرور واستهانة بالعرب. اذ سريعا ما اعلن عدد من الجنود والطيارين امتناعهم الخدمة والمشاركة في هذا العدوان، بعضهم قدم للمحاكمات العسكرية، وهم من تربى على عقيدة عسكرية ترمي لحسم سريع للمعركة الأمر الذي اخفق فيه، وتتصاعد الاصابات البشرية بين صفوفه. ويدرك جمهور المستعمرين حجم الاصابات التي تلقاها في مؤسساته ومنشآته، ولم تسلم من التهديدمنشآته النووية كرسالة سياسية غير مسبوقة. ومما فاقم المأزق عند قادة الكيان استهتار المؤسسة العسكرية بمصير الجندي الاسير لدى المقاومة الفلسطينية، برفضه الاعتراف بذلك في بداية بالأمر ومن ثم الاقرار بأنه مفقود الى ان تلقى صفعة معنوية من ذوي الاسير الذين اقروا بوقوعه في قبضة المقاومة

من شأن جملة العوامل التي وردت اعلاه الاسهام في تنامي قلق جمهور المستعمِرين من مستقبل ومصير المواجهة الراهنة، والضغط على “بقرته المقدسة” في المؤسسة العسكرية بوقف العدوان حتى يتسنى له العودة لممارسة حياته الطبيعة بدلا من المكوث في الملاجيء ونزوح عدد لا بأس به من مستعمريه في منطقة النقب الى مناطق اخرى، وتقطع سبل العودة للذين قصدوا السياحة خارج فلسطين المحتلة

مناورات مغلفة بهدنة انسانية

          في المستوى الدولي، استجابت ادارة الرئيس اوباما لاستجداءات قادة الكيان من سياسيين وعسكريين، وباشرت منذ اليوم السادس عشر لبدء العدوان على غزة “اعادة صياغة المبادرة المصرية .. ومعالجة البعد الاقتصادي في غزة شريطة وقف اطلاق الصواريخ؛” وسارعت بارسال وزير الخارجية جون كيري للمنطقة سعيا للتوصل لوقف اطلاق النار. تعثرت المساعي السياسية على الفور برفض قوى المقاومة شروط الاستسلام المطروحة، والاصرار الجمعي على فك شامل للحصار وفتح المعابر توطئة لأي جهد وساطة

          وعليه، جل المشروع الاميركي في هذا الصدد ينصب على انتزاع موافقة قوى المقاومة لوقف اطلاق النار، اوضحه وزير الخارجية في مؤتمره الصحفي المشترك مع وزير خارجية مصر، ويستند الى عاملين: وقف اطلاق النار لدوافع انسانية تمتد من 5 الى 7 أيام، يليها عقد لقاءات منفصلة بين الجانبين في مصر لمناقشة المطالب الاخرى خلال 48 ساعة

الآلة العسكرية تستمر بالتدمير

          زجت “اسرائيل” بحوالي 5 ألوية قتالية في عدوانها على قطاع غزة، معززة بغارات سلاح الطيران وقصف مدفعي من البوارج الحربية في عرض البحر، وطواقم اسلحة المدرعات والهندسة المنوطة بمهمة تحديد وتدمير الانفاق. واجهت قوى العدوان مقاومة شرسة مدروسة وفق اسس عسكرية يغلب عليها طابع الاحتراف، واوقعت ولا تزال خسائر بشرية مباشرة بين صفوفه، ودفعته للمراوحة في الحيز الجغرافي المفتوح في محيط القطاع وابطاء حركة طواقم قوات الهندسة في التقدم ولجوئها لتدمير المباني السكنية تميهدا لتقدم قوات المشاة

            M-113 العربات المدرعة باتت احد الاهداف المفضلة لقوى المقاومة، سيما ما يستخدمه جيش الاحتلال من نماذج عربات قديمة لنقل الجنود هي من صنع اميركي، طراز  التي فتك بها ثوار فييتنام في عقد الستينيات من القرن المنصرم. هيكل العربة مكون من مادة الالومنيوم لخفة استخدامها في الانزالات الجوية وباستطاعتها مقاومة ذخيرة الاسلحة الخفيفة،لا تصلح لقتال حرب الشوارع ولا تستطيع الصمود امام القذائف الصاروخية او الاسلحة المضادة للمدرعات

          لفتت وسائل الاعلام الاميركية انظار الجمهور الى حصيلة مواجهة قتال الشوارع التي دارت رحاها في غزة مع المقاومة الفلسطينية بعد اصابةاحدى عرباته المدرعة اصابة مباشرة بقذيفة مضادة للدروع ادت لمقتل 7 جنود صهاينة كانوا على متنها لشن العدوان، اثنين من جنودها كانوا من حملة مزدوجي الجنسية “الاميركية الاسرائيلية.” يشار الى ان حدثا شبيها جرى في قطاع غزة عام 2004 تم فيه تدمير عربات مدرعة لنقل الجند اسفر عن مقتل 11 جنديا صهيونيا دفعة واحدة

          جدير بالذكر ان طبيعة الاصابات التي استهدفت العربة M-113 جاءت من اتجاهات متعددة، من الخلف والجوانب، مما يؤشر على قدرة رجال المقاومة نصب طوق ناري حول عدد من الوحدات الصهيونية الغازية

          اولى نتائج تدمير عربة الجند المدرعة تجسدت في رفض نحو 30 عنصرا من جنود الاحتياط الصهاينة اعتلاء عربة M-113 ان كانت وجهة سيرها نحو غزة، مما حدا بقادته العسكريين اخراج كافة نماذج تلك العربة من ساحات القتال عاجلا. وعلق قائد الجبهة الجنوبية لجيش الاحتلال، سامي ترجمان، قائلا ان جيشه “كان على علم بالثغرات التقنية في عربة M-113 لكنه لم يحصل على الموارد اللازمة لتوفير حماية تامة لكل جندي ينخرط في قتال غزة.” وتتالت في اعقاب ذلك طلبات وتوسلات المؤسسة العسكرية لتخصيص الحكومة مزيد من الموارد المالية الاضافية لشراء عربات قتالية احدث

          بعد خروج عربات مدرعة ناقلة للجند من ارض القتال عمد قادة جيش الاحتلال الى تعويض مفعولها بتكثيف اشد للغارات الجوية والقصف المدفعي والبحري باستهداف منازل المدنيين واتساع الرقعة لتشمل احياء سكنية باكملها، ورمي الحمم النارية على المشردين مما يفسر ارتفاع هائل في عدد الشهداء والجرحى بلغت نحو 6500 مدني، مع بدء اليوم التاسع عشر للعدوان، ومحاصرة بلدة خزاعة بعد ارتكاب سلسلة مجازر فيها

          بيد ان قوات الاحتلال لم تستطع التقدم او التوغل داخل حدود قطاع غزة بالرغم من الكتلة النارية الهائلة وتسخير الموارد البرية والجوية والاقمار الاصطناعية لتيسير تقدم مخططاتها المتعثرة، واستغلال قوات المقاومة مناطق التدمير والانقاض كدروع حامية لاستمرار الاشتباك مع الوحدات الغازية. واكتشف قادة العدو ضراوة المقاومة وابتكارها اساليب متجددة واضطر للاقرار بفعالية شبكة الانفاق وصعوبة اكتشافها وتدميرها

احد الصحافيين الصهاينة تندر بتلك الشبكة قائلا ان “غزة استطاعت التمدد ببناء طابق تحت الارض .. انها غزة السفلى،” وشبهتها صحيفة “وول ستريت جورنال” الاميركية بانها “كشبكة مترو انفاق تحت الارض تربط شبكة اخرى من منشآت تصنيع الاسلحة وممرات اسفل الحدود البرية مع اسرائيل على بعد حوالي 2 ميل.” زعم قادة الكيان العسكريين انهم تعرفوا على 10 فتحات انفاق فقط في حي الشجاعية

صعوبات التقدم الميداني الناجمة عن وجود شبكة الانفاق فرضت على “قادة اسرائيل” اعادة النظر باساليبهم الراهنة لاكتشاف الانفاق. واوضحت صحيفة “تليغراف” البريطانية ان “نخبة من القوات الخاصة من وحدة تلبيوت (حي تل البيوت في القدس المحتلة) عكفت على تطوير نظم لاستشعار الانفاق، بلغت كلفتها نحو 59 مليون دولار، واجرت تجارب عملية عليها” في تل الربيع. واستدركت ان “النظام فائق التطور يستخدم مجسات خاصة واجهزة ارسال لا يزال في طور الابحاث والتطوير، وان نجحت كافة التجارب فبالامكان دخوله الخدمة خلال عام من الزمن”

من بين المؤسسات “الاسرائيلية” العاملة في هذا المجال، برزت شركة “ماغنا” التي تصنِّع اجهزة مراقبة يجري نشرها على الحدود مع مصر، وكذلك تزود بها المنشآت النووية اليابانية. وحثت الشركة قادة الكيان على حفر نفق بطول 70 كلم على امتداد الحدود مع غزة مزود بنظام انذار حساس من شأنه “توفير اخطارات اولية لاي نشاطات حفر تتقاطع مع النفق، ان كان اسفله او اعلاه”

ردود الفعل الاميركية

اصدرت قوى المقاومة مذكرة تحذير لحركة الطيران المدني الدولية المتجهة من والى مطار اللد، منذ بدء المواجهة دشنتها بقصف عاصمة الكيان الصهيوني، تل الربيع، بعدة صواريخ. في مرحلة لاحقة من اشتداد العدوان اطلقت صاروخا وقع على بعد مسافة قريبة من محيط المطار مما دفع بهيئة الطيران الفيدرالية الاميركية اصدار اخطارعاجل لشركات الطيران الاميركية المسيرة لرحلات مباشرة الى مطار اللد بتدهور الاوضاع الأمنية، واقتداء معظم شركات الطيران الاوروبية بالمثل؛ بيد ان الرحلات المتجهة من عدة مطارات عربية، عمان والقاهرة والدوحة، الى مطار اللد لم تطبق اجراءات السلامة المقترحة. يشار في هذا الصدد الى ان يعض الشركات الاميركية طبقت اجراءات احترازية بعدم الوصول لمطار اللد قبل اصدار هيئة حماية سلامة الطيران انذارها

على الفور تحرك نتنياهو حاثا ذراع “اسرائيل” المتمثل بمنظمة ايباك ممارسة نفوذها والتدخل العاجل لالغاء قرار هيئة الطيران المدني نظرا لما يمثله من مخاطر سياسية واقتصادية ومعنوية على بنية الكيان بأكمله. الرئيس الاميركي اوباما ليس في عجله من امره لاثارة مسألة الغارات الجوية مع نتنياهو لادراكه ان الاخير يتكيف مع سياسته في الاغتيالات بطائرات الدرونز، التي لا تزال تحصد الارواح البريئة؛ في آخر حصيلة لها اغتالت 26 مدنيا في باكستان في غضون ايام معدودة

“استخدام القوة المفرطة” اصبح اتهاما بدون معنى توجهه واشنطن نحو خصومها، وتطبقه بحذافيره الى جانب حليفتها “اسرائيل” بتكرار الاغارة على ذات المواقع الآهلة بالسكان المدنيين لايقاع اكبر عدد من الاصابات بينهم. ولم تصمد الادارة طويلا امام المطالب بضرورة انتقادها لانتهاكات “اسرائيل” نظرا لادراكها انها تنفذ اسلوب الاغتيالات الخسيس عينه في مناطق متفرقة من العالم

تراكم كلفة العدوان “الاسرائيلي” على غزة حفز قادة الكيان على طلب مساعدات مالية عاجلة بقيمة 225 مليون دولار، اضافة لمبلغ 621 مليون دولار صادق عليها مجلس الشيوخ يوم 17 تموز الجاري؛ ويبدو انها الصيغة المضمرة لتسديد نفقات العدوان من قبل “الوسيط النزيه”

في مستوى الحركة السياسية، افلحت جهود وزير الخارجية جون كيري باعادة تغليف عناصر “المبادرة المصرية،” وعقد مؤتمرا صحفيا في القاهرة بمشاركة وزير الخارجية المصري، سامح شكري، قدم فيه عرضا بوقف اطلاق النار بدءاً من الساعة 7:00 صباح يوم السبت، لمدة 12 ساعة نزولا عند طلب “هدنة انسانية.” والحقه ببند اضافي يقضي بعقد اجتماع دولي في باريس لبحث تفاصيل وقف اطلاق النار

فور انفضاض المؤتمر الصحفي المشار اليه ابلغ بنيامين نتنياهو لكيري “موافقته،” ومعارضة طاقم حكومته، لا سيما كتلة وزرائه الموصوفون بالمتطرفين والتي تسعى لاعلاء الحل العسكري واعادة احتلال قطاع غزة. وهذا يعزز ما ورد سابقا بأن العدو الصهيوني درج على استجداء طلب وقف اطلاق النار في كل مواجهة منذ اندحاره عن الجنوب اللبناني، ويكرره الآن في قطاع غزة مما يلفت النظرلفشل مخططاته في انزال ضربة قاصمة بالمقاومة الفلسطينية. الاوساط السياسية الصهيونية وصفت المقاومة الفلسطينية بأنها “غير معنية بالامتثال لوقف اطلاق النار” كونها تحقق نجاحات ميدانية، وان مديات “صواريخها يصل الى عمّان،” اي ابعد مدى من مدينة طبريا. تريثت قوى المقاومة قليلا قبل ان تعلن موافقتها على “هدنة 12 ساعة برعاية هيئة الامم المتحدة”

اجتماع باريس “الشكلي” ستحضره الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا والمانيا وقطر وتركيا، وستغيب عنه مصر (صاحبة المبادرة). اعلان كيري من القاهرة جاء بمثابة التفاف على “المبادرة المصرية،” رغم اقتادئه بعناصرها، وتحجيم دور مصر اقليميا عبر استبعادها واستبعاد المقاومة الفلسطينية – هدف المبادرة والاجتماع

من ضمن ما تؤشر عليه حركة كيري، ولعله الأهم في كافة محطات جولته، هو تيقن الولايات المتحدة من عدم قدرة “اسرائيل” تحقيق اهدافهما الاقليمية – تحجيم والقضاء على المقاومة – وان قوتها التدميرية لا تحقق النصر المنشود بل تراكم الضحايا والقنابل الموقوتة المعادية لسياستها. وربما فقدت اميركا الثقة بوكيلتها واسرعت وتيرة حركتها “لانجاز ما عجزت عن تحقيقه اسرائيل عسكريا” قبل فوات الاوان، سيما لانشغالها في ملفات اخرى ملتهبة، واعادة الاعتبار لمسار المفاوضات الذي ما يلبث ان ينطلق الا وسرعان ما يتعثر ويتراجع

التحليل 07-18-2014

:التحليل

حروب المعتدي لن تحل ازماته

قراءة اولية في خيار الحرب البرية على قطاع غزة

دشنت الحكومة الاميركية هاجسها الدائم “دعم اسرائيل” بطلب مجلس الشيوخ، 17 تموز، تخصيص مبالغ اضافية “عاجلة” قيمتها 621 مليون دولار تحت سقف تعزيز وتطوير اداء منظومة الدفاع الصاروخي – القبة الحديدية؛ تلاه اعلان “اسرائيل” عن بدء “الاجتياح البري لقطاع غزة بقصف مدفعي ثقيل شاركت فيه قوات مشاة ومدرعاتوهندسة ومدفعية واستخبارات بإسناد جوي وبحري .. العملية ستستمر من أسبوعإلى 10 أيام تقريباً ..” وتضمن “تعليمات لضرب الانفاق (..) التي تتوغل من قطاع غزة  .. والتسلل الخطير الى اراضي اسرائيل..”  كما جاء في البيان الرسمي الصادر في القدس المحتلة مساء ليلة الخميس، 17 تموز الجاري

           ما نحن بصدده هو اماطة اللثام عن اسراف التوقعات ولي عنق الحقائق والمبالغة، في الجوانب السياسية والعسكرية، خاصة في ضوء حالة الاسترخاء والتخلذل الرسمي، عربيا واقليميا ودوليا، وميل وسائل الاعلام لتلقف كل ما يصدر من تضخيم كما يحدث في كل الحروب دون استثناء

    منذ بدء العدوان “الاسرائيلي” على قطاع غزة هللت وسائل الاعلام الاميركية و”الاسرائيلية” الى فعالية منظومة القبة الحديدة في اعتراض الصواريخ المتجهة لمواقع وتجمعات المستعمرين الصهاينة والمؤسسات الرسمية؛ تخللها اشارات باهتة تفند تلك المزاعم، ابرزها جاء على لسان استاذ العلوم والتقنية في معهد ماساتشوستس التقني – إم آي تي – المرموق، تيد بوستول، اذ قال ان “معدل اعتراض صواريخ القبة الحديدة كان متدنيا جدا – وربما بحدود 5% او أقل”

          واضاف بوستول في احدث دراسة له نشرها يوم 15 تموز الجاري انه سيثبت صدقية ما توصلت اليه ابحاثه السابقة، عام 2012 بعد العدوان على غزة، وكذلك نتائج مماثلة للعدوان الجاري، 2014، التي بمجموعها تدل على ان “اداء القبة الحديدية بعد عام ونصف تقريبا ربما لم تتحسن؛” مستدركا ان ابحاثه لا زالت جارية. واوضح ان المهمة المنوطة بأي منظومة صاروخية تكمن في “تصدي الصاروخ المعترض للرأس الامامي المتفجر للصاروخ القادم وتدميره. اما وان اصطدم رأس الصاروخ المعترض بالجزء السفلي من الصاروخ القادم، فكل ما يستطيع انجازه هو الحاق الضرر بانبوب المحرك الصاروخي، الذي هو عبارة عن انبوب فارغ .. وعمليا ليس له اي تأثير على حصيلة المواجهة” بين الجسم المتفجر والجسم المعترض

          الخبير العلمي في شؤن الطاقة النووية، جون مكلين، ذهب ابعد من زميله بوستول بالقول ان “القبة الحديدة عبارة عن سلاح لحملات العلاقات العامة،” اذ ان كلتاهما يستند الى احدث ما تنتجه التقنية الحديثة من وسائل وابتكارات. واضاف ان تلك الحملة من شأنها “تحويل مجرى الاهتمام (العالمي) بعيدا عن الكلفة البشرية للغارات والقصف الاسرائيلي لقطاع غزة”

          الصحف الصادرة في الكيان الصهيوني صباح الثامن عشر من شهر تموز الجاري اوردت الاحصائيات “المخيفة” التالية: عدد الصواريخ التي اطلقته المقاومة الفلسطينية بلغ 1,344 صاروخا؛ رصد 263محاولة اعتراض. اي ان النسبة “القصوى” لا تتعدى 19.56% وهي نسبة ادنى بشدة من زعم الاجهزة الرسمية بانها تراوحت بين 84 و 90%

          في ذات اليوم، حذرت صحيفة “هآرتس” الحكومة بأن عليها “التفكير مرتين، عشر مرات، مئة مرة (قبل ان تقرر) دخول قوات برية الى قطاع غزة ..” في اعقاب استدعاء الحكومة الصهيونية لمزيد من قوات الاحتياط، 8,000 عنصر، ليبلغ مجموعها نحو 70,000 جندي تحت السلاح

          وجاء في معظم تقارير الصحف المذكورة ان القيادة العسكرية للكيان الصهيوني “تقدر بأن العملية (البرية) ستؤدي الى تصعيد اطلاق الصواريخ على اسرائيل في المدى القصير .. ضباط الجيش الاسرائيلي الكبار هم اقل الناس رغبة في الحرب “

          في البعد السياسي، تم الترويج للغزو البري “المحدود” للقطاع بأنه ثمرة رفض حركات المقاومة الفلسطينية لما سمي بالمبادرة المصرية لوقف القتال، والتي وافقت عليها “اسرائيل” فور الاعلان عنها وسعيها لوضع خصومها في مواجهة الجانب المصري، الذي قيل انه يتحرك بمباركة اميركية. الرفض الفلسطيني القاطع للمبادرة جاء لخلوها من اي ضمانات توقف العدوان وتردعه مستقبلا، وتهميش المطالب المطروحة من ضرورة فتح جميع المعابر وزانهاء الحصار على القطاع، فضلا عن اعادة “اسرائيل” كافة المعتقلين الذين تحرروا بصفقة شاليط، وعدم العودة لصيغة “الهدوء مقابل الهدوء” تعين المعتدي وتخلو من ضمانات حقيقية

          البعد المستحضر في “المبادرة” هو اعادة الاعتبار الى السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس، ليقطف ثمار صمود وتضحيات غيره واستعادة بعض اوجه سلطته على القطاع ابرزها وضع طواقم قواته الأمنية على معبر رفح “فيلادلفي” المشترك مع مصر

          كذلك لا يجوز اغفال البعد السياسي والاعتبارات الداخلية في مصر التي لا زالت تواجه تجليات “التنظيم الدولي للاخوان المسلمين،” ومقره في تركيا بدعم وتأييد من امارة قطر اللتين تجهدان لاستعداة “مجد” سلطة حكم الاخوان القصيرة، من جانب، والاهم ان الاثنتين تحتفظان بعلاقات مميزة وعلنية مع “اسرائيل” وتسوقان نفسيهما كاطراف باستطاعتها لعب دور الوسيط بين “حركة حماس واسرائيل،” سيما وان رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، خال مشعل، يقيم في قطر ويكن وداً جماً لحزب الحرية والعدالة الحاكم في تركيا، ويجهد هو الآخر نيابة عن “التنظيم الدولي للاخوان” لانتزاع ورقة المقاومة واحتضانها من مصر “واحراج نظام السيسي شعبيا واعلاميا واقليميا،” طمعا في تكريس “السيطرة الفعلية لحماس على قطاع غزة”

          قوى المقاومة استبقت كل تلك المؤشرات الرامية الى وأد تضحياتها واتخذت زمام المبادرة ونجحت في اقصاء كل من تركيا وقطر، للحظة، ورفضت اختزال المقاومة بفصيل بمفرده، ، وتصر على دور اساسي لمصر لاعتبارات عدة لا يجوز اغفالها او القفز عليها

          في هذا الصدد نشير الى ما صرح به الناشط والباحث الدكتور ابراهيم علوش: “.. ما سبق قد يضع أنصار المقاومة ومناهضي الصهيونية في معضلة سياسية، فهم لا يمكن أن يؤيدوا إغلاق معبر رفح أو حصار غزة بطبيعة الحال، ولا يمكن أن ينجروا خلف المشروع “الإخواني”-القطري-التركي في الإقليم، ولا يمكن أن يرضوا بأن يدفع الشعب العربي الفلسطيني مجدداً ثمن الصراعات الإقليمية، ولا بأن يتعرض أمن مصر أو أي دولة عربية للتهديد، ولا بأن تُشن حملات ضد جميع الفلسطينيين في بعض وسائل  الإعلام المصرية دون أي تمييز.. فالموقف المبدئي يجب أن يكون أولاً وقبل كل شيء دعم المقاومة ومناهضة العدو الصهيوني بلا تحفظ، كثابت لا محيد عنه، وهو ما يمثل مصلحة قومية عليا تصغر أمامها كل التناقضات الأخرى.   كذلك لا بد من الإصرار على وقف التطبيع وإغلاق السفارات وإعلان بطلان المعاهدات مع العدو الصهيوني، ومنها معاهدة كامب ديفيد، ولا بد من التعامل مع الصراع مع العدو الصهيوني كمسالة أمن وطني مصري لأن كل ما يجري في الإقليم من صراعات وفتن وتفكيك وقلاقل يخدم العدو الصهيوني.  ولا بد من تقديم كل وسائل الدعم للشعب العربي الفلسطيني في مواجهة العدو الصهيوني، في غزة وفي غيرها، ومن ذلك تسهيل حركة الأشخاص والبضائع عبر معبر رفح وغيره طالما العدوان الصهيوني مستمر”

          وحذر من ان “الموقف المبدئي يجب أن يكون أولاً وقبل كل شيء دعم المقاومة ومناهضة العدو الصهيوني بلا تحفظ، كثابت لا محيد عنه، وهو ما يمثل مصلحة قومية عليا تصغر أمامها كل التناقضات الأخرى. كذلك لا بد من الإصرار على وقف التطبيع وإغلاق السفارات وإعلان بطلان المعاهدات مع العدو الصهيوني، ومنها معاهدة كامب ديفيد، ولا بد من التعامل مع الصراع مع العدو الصهيوني كمسألة أمن وطني مصري لأن كل ما يجري في الإقليم من صراعات وفتن وتفكيك وقلاقل يخدم العدو الصهيوني. ولا بد من تقديم كل وسائل الدعم للشعب العربي الفلسطيني في مواجهة العدو الصهيوني، في غزة وفي غيرها، ومن ذلك تسهيل حركة الأشخاص والبضائع عبر معبر رفح وغيره طالما العدوان الصهيوني مستمر”

حيثيات العدوان على غزة

          زفت الدقائق الاولى من صباح السبت، 19 تموز، ثمرة اشتباكات عنيفة دارت مع قوات “الجيش الذي يقهر ويذلّ،” وبدء حرب عصابات حقيقية ضد قوات غازية، امام عدو لم يحصد سوى المزيد من الضحايا المدنيين، اطفالا وشيوخا، نساء ورجالا، وافناء عائلات بأكملها. وحمل بيان صادر عن سرايا القدس، الذراع العسكري لحركة الجهاد الاسلامي، ما يلي: “سرايا القدس تستولي على رشاش الدبابة المستهدفة (ميركفاه بصاروخ مضاد للدروع) في بيت حانون واعتراض مكالمة لاسلكية تؤكد وجود قتلى بين الجنود” من القوة الغازية؛ كما استولت على عتاد عسكري يعود لعدد من الجنود الصهاينة في احد محاور الاشتباك؛ وفجرت دبابة ميركافاة ثانية في بيارة “ابو رحمة” ببيت حانون شمال القطاع. سبق البيان سلسلة صليات من صواريخ قوى المقاومة على تجمعات ومستعمرات فلسطين المحتلة

          كما تواترت تصريحات قادة الكيان الصهيوني، ساسة وعسكريين، تتوعد سكان القطاع بالويل والثبور وعظائم الامور، بأن “الهجوم البري قد يمتد بشكل اوسع ..” الصحف الصهيونية الصادرة عشية التوغل البري اشارت الى حالة الانقسام والارتباك في الصف القيادي قائلة “كل من (رئيس الوزراء بنيامين) نتنياهو، (ووزير الحرب موشيه) يعلون ورئيس الاركان (بيني) غانتس لم يرغبوا الدخول في عملية برية، لكنهم انجروا اليها ..” وحثت “هآرتس” حكومة نتنياهو اسراع الخطى “للبحث عن شريك (فلسطيني) شجاع للتسوية .. اذ ان افضل شريك للتسوية هو مروان البرغوثي”

          يجمع الخبراء العسكريون الغربيون على ان زخم الاندفاع “الاسرائيلي” سيأتي على منطقة بيت لاهيا، في الشمال من القطاع، والتي انطلقت منها الكمية الاكبر من الصليات الصاروخية طمعا في القضاء عليها او تحديد قدرتها، وتوسيع المسافة الجغرافية الفاصلة بين مصدر الاطلاق والهدف في المستعمرات المحيطة بقطاع غزة. ما يجهله ويقر به هؤلاء واقرانهم في الجانب الصهيوني هو مواقع التصنيع وتخزين صواريخ المقاومة، والتي عجزوا عن الفتك بها او تحديد مواقعها بشكل دقيق

          ولجأ الاعلام الصهيوني، كعادته، الى التطمين المخادع لمستوطنية بانه قضى على نحو 60% من مخزون وورشات تصنيع الصواريخ، وزعم ان قدرة المقاومة الفلسطينية لا تتعدى انتاج 30 صاروخا شهريا،” والتي وفق اعلاناته باطلاق 1,344 صاروخا؛ اي ان تعويضها ذاتيا سيستغرق نحو 44 شهرا!

          احدث اعلان صادر عن كتائب القسام، الذراع العسكري لحركة حماس، اوضح ان الصناعات العسكرية الفلسطينية اعدت نحو ربع مليون قنبلة يدوية وضعت تحت تصرف “فتيان الشعب الفلسطيني ليرجموا بها العدو.” واضاف الاعلان انه تم تعويض كافة خسائر العتاد منذ بدء المواجهة بالكامل، مما يرسل خطابا صريحا الى كل المعنيين بأن العدوان واجه الفشل تلو الفشل، والمعركة البرية التي بدأت وتنتظرها قوى المقاومة سيحد من فعالية سلاح الطيران الى حد كبير

          في المحصلة، رفضت كافة فصائل المقاومة بشدة ما يروج لتفعيل الهدنة، بصيغتها عام 2012، واصرت على حقها في الزام الطرف المعتدي وحلفائه بشروط المقاومة، محذرة من تجاوز دورها والقفز على تلبية المطالب الانسانية

استجابت دولة الاكوادور الصديقة سريعا الى نداءات الشعب الفلسطيني واستدعت سفيرها من تل الربيع احتجاجا على العدوان “الاسرائيلي” على الشعب الفلسطيني فور بدء “الاجتياح البري؛” وتتصاعد موجة الاحتجاجات والتظاهرات المؤيدة لفلسطين عبر العالم، والدول الغربية بشكل خاص، يقابلها صمت مروع في الدول الاقرب جغرافيا لفلسطين