التحليل 14-02-2014

 التحليل:

أوباما- اولاند : تجديد للتحالف أم تفاهم مصلحي مؤقت؟

هللت الاوساط الاميركية، ساسة واعلاميين، للزيارة الرسمية للرئيس الفرنسي لنظيره الاميركي وذهب البعض الى وصفها بأنها تشكل “علامة تحول فاصلة” في تاريخ علاقات الدولتين. الرئيس اوباما تفادى وصف العلاقة مع فرنسا بمفاضلتها على بريطانيا، قائلا ان الاثنتين اشبه بكريمتيه فهن “فائقتا الجمال والطيبة ولن اقدم يوما على  اختيار احداهن علن الاخرى.”

دشن الرئيسان الزيارة بنشر مقال بتذييل مشترك نشرته صحيفة واشنطن بوست اكدا فيه على “تجديد التحالف” الثنائي بينهما لما سيتركه من منفعة على العالم اجمع. من المفيد استذكار تصريح الرئيس الفرنسي، فرانسوا اولاند، عقب فوزه في الانتخابات الرئاسية، ايار 2012، اذ وعد الفرنسيين بانتهاج سياسة مستقلة “تحول دون وضع العقبات في وجه باراك اوباما.”

وزير الخارجية الاميركي، جون كيري، الذي يتحدث الفرنسية بطلاقة، وصف فرنسا بأنها “اقدم صديق للولايات المتحدة،” مما حدى بالاوساط البريطانية الى التعبير عن امتعاضها وعدم رضاها عن المكانة المتجددة لفرنسا، خصمها التاريخي، باعتبار التصريح “ازدراءً مقصودا لبريطانيا،” التي ذكرت الاميركيين سريعا بأنه عبر “السنوات المئة المنصرمة اضحى ارتباط الجانبين وعدم انفصامهما امرا مسلما به، اذ لا تذهب الولايات المتحدة الى شن حرب دون الارتكاز الى وقوف بريطانيا جانبها.”

ورجحت وسائل الاعلام البريطانية فتور العلاقة الراهنة مع الولايات المتحدة الى “عدم قبول بريطانيا انتهاج دور ذيلي لاميركا في الشأن السوري مما اصاب الولايات المتحدة بالصدمة والذهول،” وحفّز الادارة الاميركية على اطلاق العنان لتصريحات كيري لاعلان التقرب من فرنسا. لعل اللافت ايضا في هذه الزيارة الرسمية انها المرة الاولى منذ عام 1958 التي لم يدرج على جدول الاعمال القاء الرئيس الفرنسي الزائر خطابا امام جلسة مشتركة لمجلسي الكونغرس، كما درجت العادة مع اوثق حلفاء الولايات المتحدة.

بريطانيا غاضبة

واستدرك البريطانيون تذكير انفسهم بأن الاميركيين “لا يثقون بالجانب الفرنسي، بل تبلغ ثقتهم درجة ادنى من تلك مع بريطانيا، سيما وان (الاميركيين) دأبوا على وصف الفرنسيين بازدراء بانهم: محبون للأجبان ويستسلمون مثل القردة،” في اشارة الى دخول الاحتلال النازي لباريس دون مقاومة من الفرنسيين.

على الصعيد الشعبي الاميركي، يشار الى تأرجح مدى التأييد لفرنسا كنتيجة لاصطدامها بالسياسة الاميركية بشكل عام، والتي شهدت هبوطا حادا في جملة من المحطات، لا سيما ابان العدوان الاميركي على العراق ومناهضة فرنسا – شيراك للغزو، 2002-2004. وما لبثت ان شهدت انتعاشا في عهد الرئيس الفرنسي السابق، نيقولا ساركوزي، الذي يطلق عليه وصف “الرجل الاميركي” في فرنسا، توجت بجهد منسق مشترك لاستصدار القرار الأممي 1559 لاخراج القوات السورية من لبنان.

يذكر ان الاراضي الاميركية مرصعة بنحو 25 مدينة مأهولة تكنى “باريس،” بدءا بولاية مين في اقصى الساحل الشرقي ومرورا بلويزيانا وتكساس في الجنوب وايداهو في اقصى الشمال الغربي وكنتكي في الوسط؛ فضلا عن الآثار الحضارية والثقافية التي خلفها الوجود الفرنسي منذ ما قبل الحرب الاهلية الاميركية على البلاد.

عند هذا المنعطف يبرز تساؤلا مشروعا حول جهوزية الولايات المتحدة استبدال دور بريطانيا بفرنسا في نسق العلاقة الحميمية مع الشاطيء المقابل من المحيط الاطلسي، ام هي ثمة ضرورة فرضتها التحولات الراهنة، وحاجة كل من الرئيسين الاميركي والفرنسي لتجديد العلاقة لدوافع سياسية خاصة بهما.

اميركا كانت الحلقة المركزية في علاقة كل من بريطانيا وفرنسا نظرا لبعد الخلاف التاريخي بينهما، وتحيز المستعمرين الاوائل للتاج البريطاني واستنساخ تجربته السياسية مع بعض التعديلات. اما العلاقة مع فرنسا فكانت مشدودة بدوافع سياسية في تحالفاتها بغية تحييد النفوذ البريطاني في القارة الجديدة، وسارعت الاولى للاعتراف بالدولة الوليدة عام 1777 في اعقاب هزيمة القوات الملكية البريطانية على ايدي المستوطنين الجدد في معركة ساراتوغا. بالمقابل، آثرت الحكومة الاميركية الجديدة التزام الحياد في الحرب الفرنسية البريطانية بعد بدء الثورة الفرنسية، وتوجهت نحو الاسراع لعقد اتفاقية مشتركة مع بريطانيا لسحب قواتها من مناطق الشمال الغربي الشاسعة، والتي ادت سريعا لاندلاع جولة اخرى من الحرب الفرنسية الاميركية، التي اعتبرها الاب الروحي للعلاقات الفرنسية الاميركية، توماس جيفرسون، ضرورية لتحييد النفوذ الفرنسي على المناطق الجغرافية الواسعة لضفاف نهر المسيسيبي؛ الأمر الذي اسفر لاحقا عن عقد صفقة بينهما عام 1803 تقضي ببيع مقاطعة لويزيانا الفرنسية الى الحكومة الاميركية، ناهزت مساحتها 2 مليون كلم2، بثمن بخس قدره 15 مليون دولار اميركي، اي ما يعادل 3 سنتات (0.03$) للفدان.

تساوق الارث الاستعماري بين بريطانيا واميركا

شهد عقد الخمسينيات من القرن العشرين المنصرم تقاربا ملحوظا بين الحكومتين البريطانية والاميركية نابع من رغبة الطرفين اعادة تقييم علاقتهما مع فرنسا، في احد جوانبه، تخلله طلب الولايات المتحدة لفرنسا بتسديد ديونها الحربية ابان الحرب العالمية، رافقه مد وجزر متواصل لا سيما عند اعتلاء شارل ديغول منصب الرئاسة الفرنسية واصراره على انتهاج سياسة مستقلة عن الايعازات الغربية وحلف الناتو، بصرف النظر عن انضمام بلاده لدول الحلف. وصف بعض الاميركيين الظاهرة بأنها ثمة علاقات ثنائية “تتقلب سريعا، وربما لمديات خطيرة ..” واستمرت العلاقات في التوتر مع ولوج البشرية الى القرن الحادي والعشرين شملت جملة من المواضيع التي تخص آفاق السيطرة والتنافس على النفوذ الخاصة بطبيعة النظم الاستعمارية.

بالمقابل، رفعت الولايات المتحدة درجة علاقاتها دائمة التطور مع بريطانيا الى مرتبة فرادة “العلاقة الخاصة،” مع نهاية عقد الخمسينيات، لا سيما في تجديد التعاون بينهما في مجال الاسلحة النووية، والدور المحوري الذي لعبه رئيس الوزراء البريطاني آنذاك، هارولد ماكميلان، في صياغة انساق الاعتماد المتبادل بينهما في شتى المجالات، ووضع أسس الدور المطلوب من بريطانيا القيام به على مستوى القارة الاوروبية خدمة لمصالح البلدين. اشتهر ماكميلان بميله لانجاز يتسم بحجم ووزن هائل اطلق عليه “المشروع الاشمل،” لتجديد السيطرة ومناطق النفوذ البريطانية بالتفاهم مع الولايات المتحدة.

 راجعConstantine A. Pagedas, Anglo-American Strategic Relations and the French Problem, 1960-1963: A Troubled Partnership. (London: Frank Cass, 2000)

في الآونة الاخيرة، بعد ثبات هزيمة الولايات المتحدة في العراق وافغانستان، توجهت اميركا تدريجيا بثبات نحو فرنسا لاعانتها في بسط سيطرتها على عموم الشرق الاوسط، لا سيما منطقة الخليج العربي التي لا تزال تعاني من سلبيات علاقة تبعيتها لبريطانيا، عززها ايضا حاجة زعيمي البلدين الملحة لانتهاج خطوات سياسية ترفع شأنهما ورصيدهما السياسي داخل بلديهما.

اوضح نائب مستشار الرئيس اوباما لشؤون الأمن القومي والاتصالات الاستراتيجية، بن رودز، توجهات الرئيس ».. في السياسة الخارجية، لكي تكون مثالياً ينبغي أن تؤيّد التدخل العسكري،« في اشارة لتوصيف التحولات والمتغيرات الداخلية والاصطفافات السياسية في الاوساط الاميركية الحاكمة. واضاف ان ضلوع أوباما طويلا في «لعبة السياسة الخارجية تدعوه إلى إعادة تنظيم الفئات التقليدية للقوة والأيديولوجية الأميركية.»   (انظر مقابلة ديفيد رمنيك مع الرئيس اوباما، اسبوعية نيو يوركر، 27 كانون الثاني 2014).

يتشاطر الرئيسان الاميركي والفرنسي في تدني نسب شعبيتهما داخل بلديهما. فرنسيا، ارتفعت معدلات البطالة الى نحو 3.3 مليون عاطل، وتقلصت الاستثمارات الاجنبية في الاقتصاد بنحو 77% في العام الماضي. الرئيس الاميركي يعاني من اوضاع وتحديات لبرامجه شبيهة بنظيره الفرنسي: تدهور شعبيته الى ادنى المستويات والتحديات الماثلة امام الحزب الديموقراطي ومرشحيه في التشبث باغلبية مقاعد مجلس الشيوخ، فضلا عن قناعة شعبية سلبية جسدتها وسائل الاعلام المختلفة اضفت صبغة التردد في اتخاذ القرار المناسب والوهن الذي اصاب مسار سياساته الخارجية، بمعزل عن الظروف الموضوعية والذاتية التي ساهمت في بدء مسار تراجعي على عموم السياسة الخارجية الاميركية. ومن هنا برزت حاجة الطرفين الى الظهور البارز وتصدر الاخبار العالمية عل ّذلك يشكل رافعة مرحلية لمكانتهما وسياساتهما معا.

فرنسا على الخطوط الامامية لاميركا

ادرك الرئيس اوباما مبكرا أهمية بلورة الدور الفرنسي وتسخيره في انجاح سياساته في منطقتي الشرق الاوسط والدول العربية في افريقيا، نظرا لارثها الاستعماري تاريخيا هناك وامتدادها الى دول القارة الافريقية الاخرى. كما ادرك حيز المناورة المتاح للرئيس الفرنسي وقدرته على اتخاذ قرار بالتدخل العسكري بقيود اقل مما يواجه اوباما تضمنها الدستور الاميركي الى جانب بند فصل الصلاحيات بين السلطات الحاكمة.

للدلالة، تتيح السلطات الدستورية للرئيس الفرنسي استخدام موقعه لاصدار قرار يقضي بتزويد الجيش اللبناني باسلحة “خفيفة” دون العودة للجمعية الفرنسية (البرلمان) طلبا للموافقة – مما وسع هامش التحرك الفرنسي عسكريا في المنطقة العربية. اما الرئيس اوباما، بالمقابل، فهو مكبل بقيود تحد من حركته للتدخل العسكري دون الحصول على موافقة صريحة مسبقة من الكونغرس.

تعززت مكانة فرنسا في الحسابات الاميركية لانخراطها الفعلي وارسال قواتها الى منطقة الشمال الافريقية تحت بند مكافحة الارهاب، والتي تحتفظ بها بجملة من المصالح الاقتصادية والسياسية، ابرزها في دولة مالي التي اعتبرها الطرفين حيوية لازاحة الخلايا والمجموعات العسكرية من المنطقة، وتوسعت رقعة انتشار القوات الفرنسية لتشمل دولة جمهورية افريقيا الوسطى – بضوء اخضر اميركي.

وقياسا على ذلك، من المرجح ان تشهد فرنسا تطورا ملموسا في توسيع نطاق مهامها في المستقبل المنظور. تجدر الاشارة الى تصريحات وزير الدفاع الفرنسي، جان ايف لو دريان، خلال زيارته الاخيرة لواشنطن، اذ قال “نرمي الى زيادة فعاليتنا، وجهوزيتنا وانجاز قيادة عسكرية موحدة .. امامنا تحقيق مهمة تمتد لأمد طويل ستغطي المنطقة بأسرها عبر انشاء عدد من القواعد العسكرية. بالمجمل، نتطلع لتواجد نحو 3،000 جندي في تلك المنطقة بشكل دائم.” وعليه، ستنتشر القوات الفرنسية في مالي والنيجر وتشاد، وستتخذ قاعدة العمليات من ميناء ابيدجان في دولة ساحل العاج مقرا لها، بينما تتمركز قيادة القوات الخاصة في بوركينا فاسو التي تتوسط المسافة البرية بين ساحل العاج ومالي.

يقتصر دور الولايات المتحدة هناك على توفير سبل الدعم اللوجستي للقوات الفرنسية العاملة وتزويدها بالوقود وطائرات النقل الضخمة وبالمعلومات الاستخبارية، نظرا لما ورد سابقا من قيود تحول دون موافقة الرئيس اوباما على ارسال قوات مقاتلة اميركية دون المجازفة بالاصطدام مع الرأي العام الاميركي المناهض للعمليات الخارجية.

النزاعات باقية – والاتفاق على الاختلاف ايضا باقٍ

زيارة الرئيس الفرنسي للولايات المتحدة اضفت ابعادا ايجابية رافقها توقعات وردية في تطور علاقات البلدين، بيد ان جملة من العقبات الحقيقية قد تعكر صفو العلاقات وربما تؤدي بها الى الانزلاق والتدهور مجددا. احدى القضايا التي لم تحظى بتغطية اعلامية كافية تتلخص بمطالبة فرنسا بتحصيل ضرائب تقدر بمئات الملايين من الدولارات من شركات تقنية المعلومات مثل غوغل وغيرها، العاملة على اراضيها.

كذلك برزت مسألة العقوبات الاقتصادية على ايران، كما جاء في المؤتمر الصحفي المشترك، اذ حذر الرئيس اوباما اركان التجارة الدولية من مغبة المضي في عقد اتفاقيات تجارية مع الجانب الايراني قبل اعلان رسمي يقضي بتخفيف وطأة العقوبات السارية. وقال “قد يذهب قطاع التجارة الى مرحلة الاستكشاف للتوصل الى تحديد الفرص التي تتيح التحرك لتلك الاسواق عاجلا وليس آجلا ان تم التوصل ووضعت اسس اتفاقية حقيقية. دعوني اؤكد لكم انهم بذلك يغامرون وعليهم تحمل تبعات ذلك. وسنستخدم كافة السبل والاجراءات القاسية المتاحة والتي سيكون لها وقع سقوط طن من الطوب على رؤوسهم.”

اوباما كان يقصد نحو 100 من رجال الاعمال الفرنسيين الذين توجهوا لزيارة طهران الاسبوع المنصرم لحجز موقع متقدم لهم عند نضوج عملية التبادل التجاري. كما ارخت الزيارة ظلال الامتعاض والتقريع على اطقم وزارة الخارجية الاميركية ومسؤولي جهاز مجلس الأمن القومي الذين حذروا الوفد التجاري بأن زيارته ترسل اشارات خاطئة للجانب الايراني. كما ان الزيارة بحد ذاتها اعادت نكأ الجراح السابقة بين البلدين حينما اخفقت فرنسا الامتثال للطلب الاميركي بالمقاطعة.

الرئيس الفرنسي تمسك بمصالح بلاده، ورد بالقول “رئيس الجمهورية (الفرنسية) ليس رئيسا لنقابة رجال الاعمال في فرنسا، ولا يرغب بذلك بكل تأكيد.” واستدرك بالتوجه لقطاع رجال الاعمال وتذكيرهم بأن اجراءات المقاطعة لا تزال باقية في مكانها وينبغي عدم المضي بتوقيع اتفاقيات قبل التوصل لتوقيع اتفاقية نووية.

آفاق الارهاصات والتحركات العربية، او ما اطلق عليها “الربيع العربي،” شكلت ارضية تباين بين المصالح الفرنسية والاميركية، اذ اصطفت فرنسا الى جانب القوى العربية التي تعتبرها معتدلة بينما وقف الرئيس اوباما الى جانب تنظيم الاخوان المسلمين في مصر، ووقف الى جانب حركة النهضة في تونس وتأييد القوى الاسلامية الراديكالية في المغرب. فرنسا شعرت بالزهو والارتياح لابتعاد تونس عن سيطرة حركة النهضة على مرافق الدولة، وكذلك الأمر لحنكة العاهل المغربي تهميش القوى الاسلامية وتمسكه بالسلطة الحقيقية.

تصدرت سورية جملة القضايا الخلافية الاخرى بين الجانبين، اذ ذهبت فرنسا الى مديات ابعد وربما اخطر في مستويات دعمها المقدمة لقوى المعارضة السورية المسلحة، لا سيما في المراحل الاولية للتحركات مطلع عام 2011. وحسمت خياراتها الى جانب دول الخليج العربي والسعودية ووفرت الدعم السياسي المطلوب داخل مجلس الأمن الدولي “للجيش السوري الحر.”

حسمت فرنسا امرها بكل قوة الى جانب الرئيس اوباما منتصف العام الماضي عقب اعلانه عن نيته شن عدوان عسكري على سورية تحت ذريعة استخدامها اسلحة كيميائية. وسرعان ما اصيب اولاند وبلاده بخيبة أمل عميقة لتراجع الولايات المتحدة وعملها بالتنسيق سوية مع روسيا وتوصلهما الى صيغة حل سياسي. وبلغ الحنق الفرنسي على اميركا مبلغا شعرت به ان الرئيس اوباما تخلى عنها – الأمر الذي سيبقى حاضرا في الذاكرة الفرنسية مستقبلا وتذكيره بذلك عند طلبه مساعدة فرنسية مرات اخرى.

مناورة الرئيس اوباما في الشأن الايراني ادت الى سحب البساط من تحت اقدام فرنسا التي اصابها الذعر والدهشة في آن لسرعة اعلان الادارة الاميركية عن مبادرتها للتوصل الى حل المسألة النووية. ولجأت فرنسا الى التعنت والتصلب في مطالبها في الملف الايراني أسوة بمواقفها المتشددة حول سورية، ولم تبدِ قدرا من المرونة في ايهما الى ان وجدت نفسها محاصرة سياسيا برفقة معظم مشيخات الخليج امام التحولات الدولية المغايرة لسياساتها.

التباينات الفرنسية الاميركية تمتد ايضا لتطال الدول العربية في الشمال الافريقي، اذ اعلنت الولايات المتحدة نواياها عن ملاحقة “نواة القاعدة” الصلبة هناك، اي المجموعات التي عملت سويا مع بن لادن، وهي بذلك رسمت حدود وآفاق انخراطها العسكري. اما الرئيس الفرنسي واقطاب المؤسسة الحاكمة هناك يرمون الى طلب دعم اميركي لشن حرب على القاعدة ومتفرعاتها وتوابعها والعناصر المتشددة المرتبطة ايدولوجيا بها في منطقة جغرافية تعتبرها فرنسا بالغة الحيوية للمحافظة على مصالحها. الجانب الاميركي لم يبدِ تساوقه مع الاهداف الفرنسية ومن غير المرجح ان يذهب ابعد من الحدود التي رسمها مسبقا.

انكشاف التجسس الاميركي عبر وكالة الأمن القومي على فرنسا لا يزال حاضرا في محادثات الطرفين، كما دلت عليه ايحاءات اوباما التصالحية في المؤتمر الصحفي المشترك، واشارته الى ضرورة احترام خصوصيات الفرنسيين، بيد انه لم يتزحزح عن ما وصفه بحق وكالة الأمن القومي المضي في جهود المراقبة. يشار الى ان “العلاقة الخاصة” بين الولايات المتحدة وبريطانيا تشترط عدم قيام اي من الطرفين بجهود التجسس على الطرف الآخر، والتي لا زالت سارية المفعول. وجرت مسائلة اوباما خلال المؤتمر المشترك ما اذا كان ينوي تطبيق ذاك الشرط على فرنسا، واجاب بالنفي قائلا “لا تتوفر لدينا اي اتفاقية تقضي بعدم التجسس مع اي دولة. تدركون جميعا ان لدينا، كما لدى اي دولة اخرى، قدرات استخبارية، كما لدينا اطياف من علاقات الشراكة مع دول متعددة.”

مستقبل العلاقات الفرنسية الاميركية

تعدد وتباين مصالح الدولتين يقتضي تعرض علاقاتهما لبعض المد والجزر. وخلافا للعلاقة الاميركية المتشابكة مع بريطانيا، فان فرنسا تعتمد على حاجة الطرفين للتقارب المرحلي، ليس الا. فضلا عن الجذور الثقافية والاصولية العميقة لاغلبية الاميركيين مع بريطانيا بخلاف ما يجمعهم مع فرنسا.

وعليه، باستطاعتنا القول ان التقارب المرحلي الراهن يعود الى حاجة سياسية مشتركة بين الرئيسين الفرنسي والاميركي، سيما رغبتهما في التغلب المرحلي والعاجل على التحديات الداخلية التي يواجهانها وتعديل مستويات التأييد الشعبي المتدنية. وهنا يبرز العامل المشترك لمصالحهما في الشرق الاوسط كساحة لقاء آنية ربما تطول او تقصر. وفي الوقت عينه تجدر الاشارة الى حقيقة الدور الفرنسي في الاستراتيجية الكونية للولايات المتحدة والتي تراجعت اهميته نوعيا مقارنة بالدول الاوروبية الاخرى والاسيوية والاميركيتين. وعند الاخذ بعين الاعتبار النوايا الاميركية المعلنة بالاستدارة والتركيز على منطقة شرق آسيا (الصين وروسيا)، ليس من العسير الاستنتاج ان مكانة فرنسا في الاستراتيجية الشاملة ستضمحل وربما سريعا.

سيستمر الطرفين في انتهاج علاقة وثيقة، لكنها لن ترقى لمستوى افضل الاصدقاء، كما هو الأمر بين بريطانيا واميركا. فعناصر الاختلاف والتباعد السياسي ليست من اليسر القفز عليها او الغائها، وباستطاعتها تعريض العلاقات الثنائية الى انتكاسة وبرود سريع. كما ان الدلائل التاريخية للعلاقة الثنائية الممتدة لنحو 237 عام بينهما لا تحمل بين طياتها اي مؤشرات تقود الى الاعتقاد بأن فرنسا شارفت على حجز مكانة الحليف الاوثق او الأهم بالنسبة للولايات المتحدة.

التحليل 07-02-2014

التحليل:

ابعاد السجال الاميركي حول تنفيذ  خط انابيب النفط الكندي

بعد طول انتظار، اصدرت وزارة الخارجية الاميركية تقريرها حول الآثار البيئية المترتبة على انشاء خط انابيب يحمل النفط الرملي الخام من كندا الى مصافي اميركية في ولاية تكساس مطلة على مياه خليج المكسيك؛ اشاد به وزعم صلاحيته وعدم اضراره بالتوازن البيئي الأمر الذي تفنده وتعارضه منظمات اهلية ومراكز علمية متعددة. تدخل الخارجية الاميركية له صلة مباشرة بالابعاد الدولية نظرا لان الأمر يمس حقوق واراضي دولة مجاورة. امهلت الخارجية اصدار قرارها النهائي الى 7 آذار المقبل كي تتيح الفرصة للمواطنين التعبير عن ميولهم حول الأمر، بصرف النظر عن ان حصيلة التوجهات غير ملزمة لها.

يبلغ طول الخط، المكنى “كي ستون اكس ال – Keystone XL،” نحو 1179 ميلا (1898 كلم) تصل قدرته على حمل 830،000 برميل نفط يوميا، بكلفة اجمالية تقدر بنحو 5.4 مليار دولار. واذا ما اضيف اليه حجم النفط المستخرج من باطن الاراضي الاميركية فان المحصلة العامة تعد باستمرارية استقلال الاقتصاد الاميركي في مجال امدادات الطاقة لعدة عقود مقبلة.

التجاذبات والاصطفافات السياسية رافقت المشروع منذ ولادته، خاصة وانه سيمر وسط اراضي زراعية شاسعة تقع في منتصف الاراضي الاميركية التي تعد الخزان الغذائي، نباتيا وحيوانيا، للبلاد والتي تشهد نشاطا للمنظمات والهيئات المناهضة لاستغلال التوازن البيئي لخدمة اغراض الشركات الغذائية والصناعية الكبرى. التقنيات المتوفرة لاستخراج النفط الرملي والصخري، رغم حداثتها، لا توفي بالحدود الدنيا للحد من الغازات المنبعثة الملوثة للبيئة، خاصة وان كندا، الدولة المنتجة، ملزمة عالميا بتخفيض معدلات التلوث العام بنحو 17% مع حلول عام 2020.

في هذا السياق تجدر الاشارة الى ما افاد به احد المفتشين السابقين لخط الانابيب لصالح شركة “بكتل” العملاقة، مايك كلينك، والذي اوضح ان الشركة الكندية المشرفة على الخط، ترانس كندا، تختصر مراحل ومحطات الانشاء وتقلص النفقات مما يعرض الخط بأكمله الى “تراكم كارثي يقترب من لحظة الانفجار؛” عززه تقرير اميركي صادر في آب 2011 يحذر فيه من تلوث المياه الجوفية في ولاية نبراسكا نتيجة الانشاءات الضخمة للخط، فضلا عن تزايد الحوادث العرضية في الاراضي الكندية الناجمة عنه.

(http://journalstar.com/news/opinion/editorial/columnists/mike-klink-keystone-xl-pipeline-not-safe/article_4b713d36-42fc-5065-a370-f7b371cb1ece.html?mode=story)

في الشق المقابل، تعوِّل الاستراتيجية الاقتصادية الاميركية على المشروع كنقطة مركزية في بلوغها الاكتفاء الذاتي في مجال انتاج وتسويق الطاقة والاستغناء عن استيراد النفط من اسواق المنطقة العربية، بشكل اساسي. ومن المتوقع ان تتصدر مسألة “الاكتفاء الذاتي” في مجال الطاقة ستتصدر برامج الحملات الانتخابية المقبلة نهاية العام الجاري، بل ستشكل احد عوامل فوز اي من الفريقين السياسيين وسيطرته على مجلسي الكونغرس.

المدير المساعد لمنظمة “نادي سييرا” للحفاظ على البيئة، كيت كولاروللي، اوضحت ان المصادقة على انشاء خط الانابيب سيترك تداعيات سلبية على مرشحي الحزب الديموقراطي سيما وان الجدل الدائر “يوفر فرصة كبرى (للحزب) للترويج لسياسات من شأنها حماية التحولات المناخية وتعزز بنية القاعدة الانتخابية للحزب الديموقراطي في حال اقدم الرئيس اوباما على رفض المضي بمشروع كي ستون اكس ال.”

النائبة في الكونغرس عن الحزب الديموقراطي لولاية اريزونا، ماري لاندرو، التي سيخترق خط الانابيب اراضي ولايتها اصطفت مبكرا الى جانب فريق اتمام الخط بالزعم ان “الوقت قد حان لانجازه،” مؤكدة سلامته وصداقته للبيئة دون تقديم المبررات الموضوعية. مؤشرات المناخ الانتخابي في الولاية تشير الى تراجع شعبية لاندرو امام خصمها المرشح عن الحزب الجمهوري الذي تفوق عليها بنسبة 44% مقابل 40%.

شركات النفط الكبرى، ومن خلال عدد من المنظمات المحسوبة عليها، مثل تحالف مستهلكي الطاقة، اوعزت لعدد من الممثلين الجمهوريين في الكونغرس اصدار مذكرة تحث فيها الاوساط السياسية على دعم المشروع بالزعم ان “اغلبية الشعب الاميركي – نحو 56% كما ورد في احدث استطلاع للرأي اجرته يومية يو اس ايه تودايه” تؤيده. (28 كانون الثاني 2014) الاحصائيات الاولية تشير الى ان حجم الفريق المناهض للخط لا يتعدى نسبة 35% من الاميركيين والذي يجاهر بمخاوفه من الاضرار البيئية المترتبة عن حوادث سكب النفط والغازات الضارة المنبعثة.

في الجانب القانوني الصرف، برزت مسألة أحقية الدولة في مصادرة الممتلكات الخاصة لاغراض المنفعة العامة، الاراضي الشاسعة التي سيمر بها خط الانابيب، واقدم عدد من المواطنين على مقاضاة الدولة، خاصة في ولاية تكساس، مما حدا بالمرجعيات القضائية الطلب من شركات الانشاء تقديم مزيد من الوثائق والحجج دعما لاستيلائها على الاراضي قيد البحث، الأمر الذي ينذر باطالة أمد الحصول على موافقة نهائية قريبا.

واصدر عدد من الهيئات المدنية ومراكز الابحاث الجامعية دراسات متعددة تفند فيها مزاعم شركات انشاء الخط القائلة بتوفير فرص عمل كبيرة، اذ اشارت دراسة اصدرتها جامعة كورنيل ان “تقديرات الشركة لم تكن دقيقة” في هذا الصدد، وستسفر عن توفير عدد متواضع من فرص العمل الدائمة. الفريق المؤيد للمشروع ما فتيء يردد ان توقعاته تشير الى انشاء نحو 42،100 فرصة عمل في مجالات متعددة، وعوائد صافية للخزينة الاميركية تقدر بنحو 2 مليار دولار.

البعض يلفت النظر الى تدفق السيولة المالية على الاقتصاد كنتيجة مباشرة للمشروع، والبعض الآخر يعتبره فرصة سانحة لرفد خزائن التمويل والتبرعات من انصار حماية البيئة. وصرحت احدى الخبراء بالشؤون المالية، بيتسي تايلور، بالقول ان “الفرص الكبرى السانحة تشير الى تدفق مزيد من الاموال،” بل ان احدهم استعد بتحمل تكاليف النقل والمواصلات لحافلات تقل نشطاء مناهضين لقرار الحكومة للتظاهر في واشنطن. كما ان “نادي سييرا” المذكور استطاع جمع مبلغ معتبر ينوف عن مليون دولار في ظرف زمني لم يتجاوز ستة (6) اسابيع لدعم حملة نشاطاته المناوئة لانشاء الخط؛ فضلا عن انضمام اعداد كبرى من المواطنين للقوائم البريدية الخاصة بالمنظمات البيئية المتعددة.

سبر اغوار تقنية استخراج النفط الصخري، حديثة العهد، تستدعي التعرف على كنه كل ما يتعلق بعملية الاستخراج وتحقيق مستويات الاحتياط المطلوبة، وتوافقها مع مزاعم تعزيز استقلالية الاقتصاد الاميركي عن استيراد النفط التقليدي، لا سيما من منطقة الخليج العربي.

مخزون النفط من المصدر الكندي

تتميز الصخور الكندية باحتوائها خليط من الرمل والطين والماء مشبعة بطبقة نفطية شديدة اللزوجة تشبه القطران، بكميات كبيرة، كما هو الامر ايضا في اراضي كازاخستان وروسيا. مصر الفرعونية، على سبيل المثال، استخدمت مادة القطران المذكورة لحفظ المومياء؛ وشاع استعمالها في منطقة بلاد الرافدين وحضارتي السومريين والبابليين ايضا.

تنبهت مبكرا شركة “سنكور” الكندية (شركة استخراج النفط الاصطناعي) لآفاق العوائد الاقتصادية من المخزون النفطي، وشرعت في الاستثمار مبكرا في تقنيات متطورة استغلتها لاستخراج مخزون مقاطعة البرتا مترامية الاطراف وتبلغ مساحتها نحو 140،000 كلم2؛ وللشركة الفضل في تصدر الدور الريادي في هذا المجال. الشركات النفطية التقليدية، ان صح التعبير، اقلعت عن الاستثمار في التقنية المذكورة نظرا للكلفة الاضافية المترتبة على استخراج النفط الصخري/ الرملي وتسييله مقارنة بالمخزون المتوفر عالميا الذي يقدر بنحو 2 تريليون برميل من النفط الفحمي – من مركب الهيدروكربون. تشير التقديرات الاولية الى ان حجم الاحتياط العالمي من النفط الصخري يعادل نحو 100 مليار برميل.

توصل العلماء الى اكتشاف النفط الصخري/ الرملي منذ قرنين من الزمن، عام 1719، بيد ان استنباط تقنيات ملائمة لاستخراجه لم تتوفر الا حديثا، والتي تستند الى تقنية الحقن بالبخار لتسييل العنصر اللزج وفصله عن حبيبات الرمل، مما يؤدي الى انبعاث غازات اضافية في البيئة تعادل 12 ضعفا لانتاج برميل واحد من النفط الحفري. وتم انتاج ما يعادل نحو 450 برميل نفط صخري يوميا خلال الحرب العالمية الثانية، بعد توصل عالم الكيمياء كارل كلارك الى وسيلة استخراج النفط عام 1925 خلال عمله البحثي في مقاطعة البرتا الكندية، مسجلا براءة اختراعه في العام 1929.

احدى ميزات تقنية استخراج النفط الصخري بالوسائل الحديثة هي قدرتها على عزل عنصر الكبريت الضار خلال العملية، مما يضفي نقاءً على مادة النفط اعلى من المعدلات المتوفرة في النفط الحفري.

استخراج النفط الصخري تقتضي الحفر بطريقة افقية وضخ البخار المكثف على درجة حرارة عالية للوصول الى المكونات اللزجة المطلوبة كي تنساب الى ابار اخرى عميقة حيث يجري تجميعها وضخها عموديا عبر انابيب توصلها الى المنشآت الخاصة بذلك. الترسبات الترابية والرملية تبقى حبيسة في مكانها الاصلي مما يخفف من كلفة التخلص منها اثناء اعمال التنقية.

تدل التقديرات الراهنة على ان الاحتياط الكندي من النفط الصخري/ الرملي يضعه في المرتبة الثانية عالميا بعد مخزون شبه الجزيرة العربية. ومع التقدم المطرد لتقنيات الاستخراج، قد يرتفع معدل الاحتياط الكندي الى ما يعادل 300 مليار برميل؛ وبلوغ الانتاج اليومي معدل 5 مليون برميل مع حلول عام 2030.

تستند معارضة المنظمات البيئية لخط الانابيب الى انبعاثات عالية من غازات الكربون من الاراضي الكندية، اكدت وزارة الخارجية الاميركية صدقية مخاوفها بذكرها تزايد معدلات انبعاث الغازات الضارة الناجمة عن الوقود الصخري بنسبة 17% مقارنة بالوسائل الاخرى. ولم يخفِ تقرير الخارجية نية الحكومة الاميركية في المضي قدما باستخراج النفط بمنآى عن قرارها بالموافقة على انشاء خط الانابيب من عدمه. الدراسات العلمية المتعددة تشير الى ان استخراج النفط من الصخور الكندية سيزيد معدلات انبعاث غاز الكربون بنسبة 0.01% على المستوى العالمي؛ اي بكلمة اخرى ان حجم الغازات الاضافية ضئيل وذو مستوى متدني.

تقرير وزارة الخارجية سالف الذكر يشير الى ان معارضة انشاء الخط ستزيد من معدلات انبعاث الغازات الضارة نظرا لاستخدام وسائل نقل بديلة، بالقطارات والسفن، تفوق النسب والتقديرات الناجمة عن خط الانابيب.

تكسير الصخور لاستخراج النفط

ادى تطور تقنية استخراج النفط الى التعرف على مصدر اضافي للطاقة يكمن في معدلات الزيت الصخري او الرملي، لاسيما في بواطن جبال ولايتي داكوتا الشمالية والجنوبية الغنية بالزيت. وتعوّل شركات النفط الاميركية على استخدام خط انابيب “كي ستون” لايصال استيرادها لمصافي النفط المطلة على خليج المكسيك.

تعود جهود استخراج واستخدام الزيت الصخري الى القرن السابع عشر، بعد التعرف على المكونات العضوية وتسخيرها لانتاج الطاقة، ابتداء بصناعة النفط المستحدثة في سكوتلندا، عام 1859، بالتزامن مع بدء الحفر في بئر النفط الاولى في ولاية بنسلفانيا الاميركية، وجهود اخرى متعددة. استخراج الوقود الحجري استمر مطلع القرن الثامن عشر، ومع حلول عام 1881 بلغ مجمل انتاج الوقود الحجري نحو مليون طن سنويا، وهبط معدل الانتاج تدريجيا في سكوتلندا، باستثناء سنوات الحرب العالمية الثانية، الى ان توقف نهائيا عام 1962. على الشاطيء المقابل من المحيط الاطلسي، واصلت كندا جهود استخراج الوقود الحجري منذ منتصف القرن الثامن عشر في مقاطعة نيو برنزويك المحاذية للحدود الاميركية وايضا في مقاطعة اونتاريو المجاورة. في العصر الراهن، تبرز استونيا في بحر البلطيق من الشطر الشمالي للقارة الاوروبية كأحد اكبر منتج ومستهلك للوقود الحجري.

جهود الولايات المتحدة لاستخراج الوقود الحجري واجهت بعض الصعوبات في الازمنة الغابرة، ولقيت بعض النجاح مع حلول القرن العشرين الذي شهد بروز عدد من شركات النفط واستخراج المخزون من الوقود الحجري لثبوت ترسبات من خليط النفط والماء بالقرب من نهر كولورادو الشهير. واسفرت عن مردود متواضع استمر منذ عام 1980 لحين عام 1991 عندما اقفلت شركة “يونوكول” ابوابها بعدما بلغ ضآلة ما استخرجته نحو 4.5 مليون برميل طيلة الفترة الزمنية.

استخراج النفط من الوقود الحجري يتم عبر وسيلتين: التعدين والاكسدة العالية. التعدين ينطوي على التنقيب في باطن الارض وتحطيم الصخور الكبرى وحرقها في افران معدة لدرجات عالية من الحرارة خالية من عنصر الاكسجين بغية التخلص من الغازات وتكثيف مادة الزيت، وتكريرها.

في حال الاكسدة، يتم تكسير الصخور المشبعة بالزيوت الهشة بطبيعتها بوسائل الضغط العالي، هيدروليك، ينتج عنها شفط الزيوت وتكريرها. يعارض تلك العملية نشطاء ومنظمات الحفاظ على البيئة نظرا للترسبات الناجمة عن انحلال عناصر كيميائية متعددة وتسربها الى مخزون المياه الجوفية، بيد ان الصخور المشبعة بالزيوت تحول دون ذلك. هشاشة الطبقة الصخرية تُيسِّر عملية التكسير وتخفف من معدلات الضغط العالية وتأثيراتها على الطبقات المجاورة. تجدر الاشارة الى تباعد الطبقات الصخرية المشبعة بالزيوت عن طبقة المياه الجوفية، اذ توجد الاولى في اعماق سحيقة تبلغ بضع الاف الامتار بينما تقع المياه الجوفية في مديات لا تتعدى مئات الامتار.

انضمت الادارة الاميركية الى جهود الترويج للتكسير الصخري واستخراج النفط مؤخرا، اذ صرح وزير الداخلية (البيئة) كين سالازار، منتصف الاسبوع، ان عملية التكسير بالضغط الهيدروليكي تعتبر آمنة، مناشدا شركات النفط والطاقة بذل جهود لتوعية الرأي العام بسلامة العملية وخلوها من المخاطر.

احتياط الولايات المتحدة الثابت من الوقود الصخري يبلغ نحو 62% من مجمل الاحتياط العالمي، مما يعادل ما ينوف عن 600 مليار برميل من النفط المستخرج؛ مقارنة بنحو تريليون برميل من مخزون النفط العالمي. هذه الارقام تدفع الى القول ان الولايات المتحدة مقبلة قريبا على تبوأ مرتبة منتج اساسي للنفط في المدى المنظور.

النفط المستخرج من الفحم

مكانة الولايات المتحدة المتقدمة في مخزون الطاقة يعززها ايضا الاحتياط الهائل من الفحم الحجري، والذي تتيح التقنية المتطورة الراهنة استخراج النفط من داخله بيسر وكلفة متدنية.

وسائل استخلاص النفط من الفحم الحجري توصل اليها العالمين الالمانيين فراز فيشر وهانز تروش في العقد العشرين من القرن المنصرم. يتلخص جهد فريق الثنائي الالماني بالقدرة على تحويل خليط الهيدروجين واكسيد اول للكربون الى سائل عضوي بعد اخضاعه لعملية تفاعل كيميائية. الاراضي الالمانية تحتوي على احتياطي كبير من الفحم الحجري، مما وفر للبلاد مصدرا داخليا لانتاج الطاقة استغلته ابعد استغلال في بناء مرافق الدولة وصناعاتها المتميزة.

واثبت الوقود الاصطناعي المستخرج اهميته وحيويته خلال الحرب العالمية الثانية، اذ وصلت معدلات انتاجه لما ينوف عن 124،000 برميل نفط ينتجه 25 مصنعا، فضلا عن معدلات زيوت التشحيم المرافقة للوقود.

لم يغفل الجانب الاميركي الانجاز الالماني في استخراج الوقود الاصطناعي، وعقد العزم على استنساخ التقليد اميركيا بغية تقليص حجم الاعتماد على مصادر الطاقة الاجنبية. واستُغِلت الكفاءات العملية الالمانية لانتاج وقود الديزل في منشأة بولاية داكوتا الشمالية، عام 1949. وتصاعد معدل الانتاج باضطراد للسنوات الخمس المقبلة ليصل الناتج الى 1،5 غالون تلبية لمتطلبات الجهود الحربية. وقد اغلقت المنشأة عقب اكتشافات النفط الخام في ولاية تكساس فيما بعد، نظرا لتدني كلفة انتاجه بالمقارنة.

اقامت الولايات المتحدة بضعة مصانع تجريبية لاستخراج الوقود من الفحم الحجري، بيد ان جهودها  اللازمة اخفقت في استغلال القدرات التقنية، الامر الذي يعزز مخاوف المتشككين باستمرارية اعتماد الولايات المتحدة على مصادر الطاقة الاجنبية.

مستقبل قطاع الطاقة الاميركي

خط انابيب “كي ستون” بمفرده لن يحسم مكانة الولايات المتحدة المتقدمة في انتاج الطاقة نظرا لتعدد عناصر الموارد الطبيعية لديها والتطورات التقنية المتصاعدة التي ستؤدي لتقليص كلفة الانتاج مستقبلا.

الاطراف الاميركية المتضررة من الموارد الجديدة تشمل الشركات النفطية الكبرى، التي استثمرت مواردا وطاقات ضخمة في استخراج النفط من المنطقة العربية، والتي اخفقت في التقاط اللحظة المناسبة للاستثمار اميركيا واستخراج الوقود الصخري على الرغم من وفرة المعلومات لديها. وتشمل قائمة المتضررين من خط انابيب “كي ستون” احد اكبر المستثمرين، وارين بافيت، الذي استثمر نحو 34 مليار دولار عام 2009 لامتلاك شبكة خطوط نقل السكك الحديدية العملاقة، بيرلينغتون نورذرن سانتا فيه، التي تنقل حاليا امدادات النفط الكندي وانتاج ولايتي داكوتا الى المصافي الاميركية، ولا يبدي بافيت حماسا لتبني وسيلة نقل منافسة لممتلكاته.

استطلاعات الرأي تشير بوضوح الى تأييد اغلبية الاميركيين لانشاء خط الانابيب المذكور بالرغم من اعتراض القوى المعنية بالمحافظة على البيئة، والتي تمثل اقلية بالنسبة لمجموع القوى الاخرى.

مسألة مستقبل قطاع الطاقة يعد جذر اهتمام الجمهور في المدى البعيد، ويتجاوز ثمة اعتراضات وتباينات حول استكمال انشاء انبوب لنقل النفط. الموارد الاميركية الذاتية لامدادات الطاقة معززة بكميات معتبرة من النفط الكندي تفرض تراجع معدلات اعتماد الولايات المتحدة على نفط الخليج العربي، والتي كانت “السعودية” تحتل المرتبة الثانية في مستوردات الطاقة الاميركية، ويشكل عنصرا ضاغطا لها لايجاد اسواق جديدة بديلة للسوق الاميركية. وهنا تبرز الصين والهند كاكبر الاسواق للنفط المستورد من منطقة الخليج التي تتجه سياسات دوله بثبات الى الاسواق الاسيوية لتعويض تراجع الاسواق الغربية التقليدية.

تقليص اعتماد الولايات المتحدة على نفط الخليج يترجم ايضا بتراجع اهتمام السياسة الاميركية في مجمل المنطقة العربية، ولا نقول انسحابها من هناك، بل سيستمر القلق الاميركي من مستقبل الملف النووي الايراني خشية امتلاكه تقنية انتاج اسلحة نووية. كما ستستمر السياسة الاميركية في وتيرة انخراطها الراهنة للابقاء على تدفق النفط عبر مضيق هرمز دون توقف.

في هذا الصدد، سيطغى عنصر المقاربات العامة المشوبة بالحذر في السياسة الاميركية التي تتجه انظارها نحو الشرق الاسيوي مع احتفاظها بمستوى التزاماتها الراهنة للحيلولة دون اندلاع اشتباكات من شأنها زعزعة استقرار اسواق واسعار الطاقة على المستوى الدولي. بيد ان الثابت في السياسة يشير الى تراجع اولويات انغماس اميركا في قضايا المنطقة نتيجة تقلص مستوى الحاجة الملحة لنفط الشرق الاوسط.

التحليل 10-01-2014

التحليل:

القضاء الاميركي يتدخل للفصل في خلاف دستوري بين اوباما والكونغرس

تجدد الجدل والاستقطاب بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في النظام السياسي الاميركي بتسليط الضوء على فعالية الصلاحيات الدستورية الممنوحة للرئيس، وسعي دؤوب لكلا الطرفين تحدي الآخر. الدستور الاميركي منذ ولادته تضمن نصوصا بدت صريحة وواضحة بآفاق السلطات، خشية تغلب احداهما على الاخرى بفعل التجاذبات والتطورات الزمنية.

للرئيس الاميركي، مثلا، صلاحية تعيين ما يراه مناسبا في السلك القضائي والديبلوماسي ولقادة عسكريين واعضاء حكومته والمناصب الادنى في السلطة التنفيذية شريطة تقدمه “لاستشارة وموافقة مجلس الشيوخ.” واخذت النصوص الاولى بعين الاعتبار الفوارق الزمنية بين تواجد اعضاء السلطتين الفعلي في مقر القرار، سيما وان اعضاء مجلس الشيوخ يذهبون في عطل سنوية متعددة تدوم بضعة أشهر عائدين الى دوائرهم الانتخابية، بينما يمكث الرئيس في موقعه يمارس صلاحياته. واعتبرت هذه الخاصية مدخلا للسماح للرئيس تعيين الشخصيات التي يراها في مناصب محددة اثناء العُطل المتكررة لمجلس الشيوخ درءا للفراغ الاداري لا اكثر.

في الظروف العادية تستدعي ترشيحات الرئيس مصادقة او مباركة من مجلس الشيوخ. اما في غياب انعقاد المجلس قد يقدم الرئيس على تعيينه كفاءات مشروطة لفترة زمنية محددة الى حين “موافقة” مجلس الشيوخ لاحقا. المبرر الاساسي للنص الدستوري كان بحكم القيود المفروضة على حركة الممثلين السياسيين في الزمن الغابر التي كانت تتم مشيا على الاقدام او عربات تجرها الخيول، قبل دخول عصر المواصلات السريعة كالقطارات والطائرات.

سعى كلا الطرفين في السلطتين استغلال النص لاسناد وجهة نظره ضد الآخر على مر العقود، وتفاقم الصراع منذ عقد الثمانينيات من القرن الماضي، في عهد الرئيس رونالد ريغان الذي استغل الصلاحية افضل استغلال لتعيين اعوانه في مواقع حساسة خلال فترة اجازة مجلس الشيوخ؛ وفعلها ايضا بكثافة الرئيس السابق جورج بوش الابن، وجاء الدور الآن على الرئيس باراك اوباما. وادى تعيينه لثلاثة مرشحين خلال عطلة اعياد الميلاد، في 4 كانون الثاني 2012، “لمجلس علاقات العمل القومي،” ومرشح رابع لهيئة حماية اموال المستهلكين، الى ردة فعل قاسية من خصومه الجمهوريين ونذروا انفسهم لمقاضاته. واصدرت محكمة الاستئناف العليا قرارها آنذاك ببطلان صلاحية التعيينات التي تمت “خلال فترة انعقاد مجلس الشيوخ عوضا عن اجازته” المقررة، وفق النصوص الدستورية.

استمعت المحكمة العليا مطلع الاسبوع الى مرافعة للطرفين تمحورت حول “تعريف العطلة او استراحة مجلس الشيوخ،” ومن يحددها، واعادت المسألة الى السلطتين وحثهما معا في التوصل الى ارضية فهم مشتركة، مما اشار الى عدم رغبة القضاء الدخول في دهاليز سياسية خارج نطاقه، ومن جانب آخر تفادي المحكمة العليا تغليب وجهة نظر اي من الفريقين.

اللافت ان المحكمة العليا لم يسبق لها النظر بالمادة الدستورية للتعيينات التنفيذية التي تتم خارج انعقاد دورة مجلس الشيوخ. البت في المسألة سيترك تداعيات طويلة الاجل على حالة التوازن الدستوري الراهنة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. اذ ان الحكم ضد السلطة التنفيذية سيقوض نطاق صلاحيات الرئيس المعمول بها لما ينوف عن قرنين من الزمن؛ والحكم لصالح الرئاسة سيخل بالتوازنات الراهنة ويعزز صلاحيات الرئيس امام السلطة التشريعية.

وصف الكساندر هاميلتون، احد المؤسسين وعضو لجنة صياغة الدستور، التعيينات خارج جلسات الانعقاد العادية بانها ثمة “وسيلة تعيين مكملة .. او مساعدة” لسيرورة العمل في الحالات التي يتعذر فيها التعيين وفق الشروط العادية. واضاف موضحا “تحصر صلاحية التعيين العادية بمنصب الرئاسة ومجلس الشيوخ سويا، وعليه لا يجوز تطبيقها الا في حال انعقاد مجلس الشيوخ، بيد انه من غير اللائق الزام المجلس عينه بالانعقاد المستدام للبت في تعيينات المرشحين عند توفر وظائف شاغرة خلال العطل، مما قد يكون ضروريا اتخاذ قرار بملئها دون تأخير.”

استند معظم الرؤساء الى الثغرات الكامنة في غياهب تلك الصياغة لتعيين اعوانهم واقرانهم خاصة في الحالات التي يملك حزب الخصوم اغلبية مجلس الشيوخ.

وسريعا تنبه الرئيس جيمس منرو، عام 1832، الى تسخير النص لتوسيع نطاق صلاحياته عبر وزير العدل آنذاك، ويليام ويرت، الذي اعتبر جواز ملأ الرئيس لمكان شاغر خلال فترة عطلة مجلس الشيوخ ان لم يستطع القيام به من قبل؛ وهي القاعدة التي استند اليها الرؤساء المتعاقبون منذ ذلك التاريخ، لنحو 190 عاما.

وانتفض مجلس الشيوخ في عام 1863 للحفاظ على حيز صلاحياته بعدم التعامل مع التعيينات التي تمت في غيابه لحين مصادقته عليها بعد التئام جلساته. وانتقل بندول الحركة ثانية الى الناحية الاخرى عام 1940 عندما اقر مجلس الشيوخ بدستورية الاجراء المتخذ في عهد الرئيس منرو ووزير العدل ويرت.

جرت العادة استغلال النص من قبل الرؤساء المتعاقبين لتطويع الأمر بما يخدم برامجهم الخاصة، يشهد على ذلك الرؤساء ثيودور روزفلت، ورونالد ريغان وجورج بوش الابن الذي طبقه زهاء 20 مرة خلال سنتين من بدء ولايته الرئاسية الاولى. كما استخدمه الرئيس اوباما ايضا في ولايته الرئاسية الاولى بالرغم من سيطرة حزبه الديموقراطي على اغلبية مقاعد مجلس الشيوخ.

لدى مجلس الشيوخ عدد من الخيارات باستطاعته اللجوء اليها لحرمان الرئيس من دستورية تعييناته. اولها الاستمرار في دورة الانعقاد الرسمي – وهو ما لجأ اليه رئيس المجلس الديموقراطي هاري ريد في نهاية عهد الرئيس السابق جورج بوش الابن؛ واعلانه عن عقد جلسات صورية متكررة كل ثلاثة ايام مدركا في الوقت عينه غياب معظم اعضاء المجلس وتواجدهم في دوائرهم الانتخابية كي يحرم الرئيس بوش من المضي في تعييناته.

مع العلم ان مجلس الشيوخ يخضع لسيطرة الحزب الديموقراطي راهنا، فان مجلس النواب لديه بعض الصلاحيات الاخرى من شانها افشال التعيينات خارج انعقاد جلسات المجلس. منها، ما تنص عليه الفقرة الخامسة من المادة الاولى للدستور بانه لا يجوز لأي من مجلسي الكونغرس الانفضاض ورفع جلساته لمدة تفوق ثلاثة أيام دون الحصول على موافقة المجلس الرديف. وعليه، لم يصادق مجلس النواب على رفع جلسات مجلس الشيوخ لمدة الثلاثة ايام المنصوص عليها في نهاية عام 2012، مما يفسر دعوات رئيس مجلس الشيوخ، هاري ريد، المتكررة لانعقاد مجلسه امتثالا للقيود الدستورية.

في حال تعيينات الرئيس اوباما المشار اليها، اوضح انه اقدم عليها لادراكه نصوص صلاحياته المستندة الى ان انعقاد جلسات مجلس الشيوخ الصورية، كل ثلاثة ايام، لا يمكن التعويل عليها اذ انها وباقرار المجلس عينه لم تكن تعقد لرغبة الاعضاء البت في الاجراءات العادية. واوضح مستشار البيت الابيض للشؤون القانونية ان “باستطاعة الكونغرس حرمان الرئيس من اتخاذ اجراءات لتعيين (ما يريده من شخصيات) خلال فترة عطلته عبر آلية بقائه منعقدا في حالة مستمرة والبت في الترشيحات المقدمة، ليس بوسعه المضي بذلك عبر آلية جلسات انعقاد صورية خلال تلك المدة.”

لم يرق التفسير للاعضاء الجمهوريين فحسب، بل اعرب بعض الاعضاء الديموقراطيين عن امتعاضهم من القفز على صلاحياتهم، ووجه السيناتور الديموقراطي ماكس بوكاس، عن ولاية مونتانا، نقدا للبيت الابيض للتعيينات التي اقدم عليها خلال العطلة دون الحصول على موافقة من الكونغرس. وقال “موافقة مجلس الشيوخ على ترشيحات الرئيس هي آلية ضرورية منصوص عليها دستوريا وترمي الى تعزيز اجراءات المكاشفة لصلاحيات السلطة التنفيذية وحماية كافة الاميركيين عبر ضمان مساءلة المرشحين في القضايا الحاسمة – والحصول على اجاباتهم.”

السلك القضائي لم يشاطر الرئيس اوباما تفسيره ومبرراته المقدمة، وابطلت محكمة الاستئناف الفيدرالية التعيينات المذكورة لاسباب لا تتعلق باستخدام الانعقاد الصوري لجلسات المجلس. واوضحت المحكمة ان آلية رفع الجلسات المشار اليها تمت وفق جلسة رسمية لمجلس الشيوخ، ولا ينطبق عليها تفسير “تعليق الجلسة” المتضمن في الفقرة الدستورية الخاصة بذلك. بل اعرب اغلبية القضاة عن رأيهم بأن المراكز الشاغرة لم تأتِ من وحي فترة العطلة، وعليه لا يجوز ان تُسدْ استنادا الى النص الدستوري المشار اليه.

المؤشرات الراهنة لتوجهات المحكمة العليا لا تدل على ارتياحها للاصطفاف الى جانب السلطة التنفيذية في تبريراتها، بل اكدت احدى قضاة المحكمة ايلينا كاغان، التي عينها اوباما للمنصب، ان الحل سياسي وليس قضائي، “فالأمر من اختصاص مجلس الشيوخ للبت فيه” عندما ينوي تعليق جلساته، والذي باستطاعته حينئذ التحكم بامكانية اقدام الرئيس او متى سيقدم على تعيينات مماثلة.

زميل كاغان المحافظ في المحكمة، انتوني سكاليا، هاجم الرئيس اوباما بشدة قائلا ان تعييناته خارج نطاق مجلس الشيوخ “تتناقض تماما مع النص الصريح للدستور،” مضيفا ان ذرائع الادارة “مستندة الى فرضية ضبابية النص وتصب في خدمة مصلحة ذاتية للرئيس.”

مستقبل الرئاسة الاميركية

لا تخلو اي نصوص دستورية من ثغرات تفرضها دورة التطور الانساني والمجتمعي، ومن الطبيعي ان تسعى اي من السلطات السياسية للنفاذ من خلالها لتعزيز حيز الصلاحية والنفوذ لمصلحتها. وكان المستفيد الاول من ذلك السلطة التنفيذية عبر تاريخ الولايات المتحدة في القرنين الماضيين، على حساب السلطات التشريعية والقضائية المكبلة بقيود نصوص اشد وضوحا. ولا يخشى الرؤساء تجاوز حدود الصلاحيات الممنوحة التي يبررونها لاعتبارات الأمن القومي – الأمر الذي نادرا ما يلقى مساءلة من الكونغرس، وعادة تؤيد السلطة القضائية الذريعة المقدمة في حال تطور المسألة بالتسلسل.

اما التبريرات الرئاسية المستندة الى صلاحيات دستورية فهي عادة ما تثير الجدل، ومن شأن تعيينات الرئيس اوباما سالفة الذكر تقويض نطاق الصلاحيات الرئاسية على الامد البعيد وتآكل القدرة على المضي بالتعيينات المستقبلية التي لا تحظى باجماع مجلس الشيوخ.

كثيرا ما يلجأ الرؤساء لاصدار قرارات رئاسية نافذة المفعول، كاحدى الصلاحيات، عوضا عن اللجوء الى التراتبية القضائية لاقرارها. بل ذهب الرئيس اوباما الى ابعد من ذلك وسعى لتعديل نصوص قانونية تمنحه ميزة الاقرار واختيار النصوص التي ينبغي تطبيقها دون غيرها.

اجراء اوباما اوجد سابقة قانونية “لرفض التعيينات المخلة بالدستور،” وربما حفز السلك القضائي التجرؤ على تقييد حيز الصلاحيات الممنوحة في المدى المنظور. من مفارقات القدر ان سعي السلطة التنفيذية لتنمية وتوسيع نطاق صلاحياتها قد يأتي بنتائج معاكسة تحد منها. في حال اقدمت المحكمة العليا على التلويح بأن السلطة التنفيذية تخطت حدود صلاحياتها الدستورية، فقد ينعش الجدل بروز قضايا اخرى مماثلة للمحكمة العليا البت بها واضعاف صلاحيات الرئيس.

الامثلة متعددة على تبلور احكام قضائية تحد من سلطات الرئيس، اي كان. احدثها جاء قرار بالاجماع من محكمة الاستئناف الفرعية لواشنطن العاصمة مطلع الاسبوع لابطال مفعول القيود التي تنوي الحكومة الاميركية، عبر هيئة الاتصالات الفيدرالية، فرضها على خدمات شبكة الانترنت – حيادية الشبكة- استنادا الى عدم موافقة الكونغرس عليها. بعبارة اخرى، الحق القرار القضائي ضربة بجهود الرئيس لتقنين خدمات شبكة الانترنت واقصاء بعض الخدمات المقدمة من التداول العام لتطوير الشبكة للعقود المقبلة.

في خطوة ملفتة للنظر، تقدم ممثلون عن الحزبين في الكونغرس يوم 16 كانون الثاني الجاري بمبادرة مشتركة تؤسس لقرار يحجّم صلاحيات الرئيس لشن الحروب الخارجية واستبدال القانون السابق الصادر عام 1973 ابان الحرب على فييتنام، شارك فيها السيناتور الديموقراطي تيم كين والجمهوري جون ماكين. المبادرة الجديدة ترمي الى الزام الرئيس بالحصول على موافقة مسبقة من الكونغرس  قبل الانخراط في عمل عسكري يستغرق اكثر من 7 ايام – خلافا للصيغة الاولى التي تمنح الرئيس فرصة 60 يوما قابلة للتجديد قبل الذهاب للكونغرس لابلاغه بالعمليات العسكرية الدائرة. يشار الى ان البرلمان البريطاني افشل قرار حكومته بمشاركة الولايات المتحدة وفرنسا شن عدوان على سورية، الامر الذي دفع الرئيس اوباما تعليق جهوده ورغبته في الذهاب للكونغرس للحصول على موافقته آنذاك.

المبادرة تنص ايضا على ضرورة ابلاغ الرئيس الكونغرس عن عمليات عسكرية سرية جارية في غضون 3 أيام بعد بدء العملية، وتقديمها لتصويت الكونغرس ان استغرقت اكثر من 7 ايام. الرئيس اوباما والرؤساء السابقين من امثاله غير مرتاحين للقيود التي فرضها القانون الاصلي “سلطات الحرب” سيما وانه يقيد صلاحيات الرئاسة في استخدام الخيار العسكري، بينما اعتبره الرأي العام انه يوفر مرونة كبيرة للرئيس للذهاب الى الحرب اينما ومتى شاء.

قرار المحكمة العليا سلبا بشأن التعيينات الرئاسية قد لا يترك اثارا مغايرة للرئيس اوباما بحكم سيطرة الحزب الديموقراطي على مجلس الشيوخ آنيا. اما ان تعدلت موازين القوى واستلم الجمهوريون رئاسة المجلس الى جانب مجلس النواب، باستطاعة اي ممثل جمهوري عندئذ تعطيل البت في تعيينات قد يقدم عليها الرئيس اوباما وابقاء الأمر معلقا. ولحين عقد وبروز النتائج الانتخابية النهائية، 4 تشرين الثاني المقبل، بامكان الرئيس اوباما الطلب من اولئك الذين فازوا بمصادقة مجلس الشيوخ تقديم استقالتهم، او بعضهم، كي يتمكن من تعيين من يرغب بهم في مكانهم، على ان يعيد الكرة مرة اخرى مع مجلس الشيوخ عند انعقاده بعد نتائج الانتخابات.

التحليل 10-01-2014

التحليل:

البنك المركزي الاميركي:

مخاطر سيطرة حكومة ظل لادارة الاقتصاد العالمي

في خطوة “اجرائية” متوقعة، اعلن البيت الابيض قراره بتعيين ستانلي فيشر نائبا لرئيسة البنك المركزي (الاحتياطي الفيدرالي)، جانيت يلين، التي حازت على موافقة مجلس الشيوخ تعيينها في المركز الاول مطلع الاسبوع، وسيخضع فيشر لمصادقة مجلس الشيوخ ايضا دون معارضة تذكر. تراجع البيت الابيض عن ترشيح نصيره الوفي لورانس سامرز بسبب المعارضة الشديدة له داخل الاوساط السياسية. فيشر ذو جنسية مزدوجة، “اسرائيلية” – اميركية، ولد وترعرع في ظل النظام العنصري الابيض في زيمبابوي (روديسيا سابقا)، وعمل مديرا لبنك “اسرائيل” المركزي.

الرئيس اوباما اثنى في اعلانه الرسمي على كفاءته قائلا “فيشر .. متعدد المواهب يحضر معه خبرة قيادية لعقود عدة، منها صندوق النقد الدولي وبنك اسرائيل. من المسلم به على نطاق واسع انه احد الشخصيات الرائدة عالميا ذو كفاءة معتبرة في السياسة الاقتصادية.”

قبل الولوج في تركيبة واهمية ودور البنك المركزي الاميركي في الاقتصاد العالمي، ومادته اللاصقة الاقتصاد الاميركي، نجد لزاما التعريج على هذه الشخصية “الفذة” للسيد فيشر، التي كان لها دورا محوريا في تصفية القطاع العام لروسيا ابان عهد بوريس يلتسين؛ وتطبيق العقوبات الدولية على ايران؛ والاشراف على “الاصلاحات البنيوية” لاقتصاديات اندونيسيا وتايلند وكوريا الجنوبية، عام 1997، والتي شهدت فقدان زهاء 24 مليون فرصة عمل وتدمير الشرائح الوسطى من الطبقات الاجتماعية في تلك البلدان.

فيشر مرشح الرأسمال الصهيوني

فيشر هو الطفل المدلل للوبي اليهودي الاميركي “ايباك،” تمت ترقيته الى منصب مدير البنك المركزي “الاسرائيلي” من قبل اريئيل شارون عام 2005، عقب توصية من السفير “الاسرائيلي” لدى الامم المتحدة عام 2004. “اصرّ فيشر على التحدث بالعبرية امام الصحافيين عند قبوله المنصب، بل رفض التحدث بالانكليزية.” اشرف فيشر على استحداث قسم “الارهاب والاستخبارات المالية” في وزارة المالية الاميركية وعهد ادارته الى احد اتباعه، ستيوارت ليفي. المعلومات الموثقة تشير الى ان القسم “استحدث عقب محاولات ضغط مكثفة من مجموعة ايباك الذين التقوا فيشر في اسرائيل جنبا الى جنب مع رئيس الوزراء ووزير الخارجية ورؤساء جهازي الموساد والشين بيت بغية تعزيز اجراءات العقوبات الدولية (على ايران) وكيفية تفادي معارضة كل من روسيا والصين.” (شبكة بي بي سي، نشرة 5 آذار 2007).

الكاتبة الصحافية الليبرالية، نعومي كلاين، اوردت في “عقيدة الصدمة: صعود رأسمالية الكوارث،” مؤلفها الشهير، ان فيشر من خلال منصبه في الصندوق الدولي “حث (بوريس) يلتسين على المضي قدما ودون تلكؤ لبيع اصول الشركات والمؤسسات العامة والموارد الطبيعية في اسرع فرصة ممكنة .. مما اسهم مباشرة في اعلاء دور بارونات المافيا الروسية – رأسمالية المافيا.” (الطبعة الانكليزية حزيران2008، الطبعة العربية ايلول 2008).

مخاوف من مزدوجي الولاء “لاسرائيل” في قمة الهرم الاقتصادي

تم اسكات بل وقمع الاصوات المحذرة من استشراء مزدوجي الولاء في المؤسسات الحكومية الاميركية والمناصب العليا. تربع على رئاسة البنك المركزي منذ انشائه عام 1914، خمسة عشر فردا، من ضمنهم حديثة التعيين جانيت يلين، تم تعيينهم جميعا بقرار للرئيس الاميركي. ومنذ مطلع عام 1970، “صادف” تداول رئاسة البنك ستة من الاميركيين التابعين للديانة اليهودية، ولم تتوفر معلومات قاطعة بازدواجية جنسياتهم جميعا بيد ان الشبهات تحوم حول خمسة منهم على الاقل. بالمقابل، ذهب منصب وزارة المالية الاول الى ذات العينة من الاميركيين اليهود بوتيرة بارزة في كافة العهود الرئاسية، سيما كلينتون وبوش الابن واوباما – الذي عين “جاك لو،” كأول يهودي متدين في منصب وزير للمالية. بيد ان الامر لا ينحصر في المنصب الاول، ويمتد تاريخيا الى مناصب اخرى هامة واساسية في هيئات وزارة المالية النافذة.

يذكر ان الرئيس اوباما دشن ولايته الرئاسية الاولى بتعيين “اخلص اصدقائه اليهود” في مناصب حساسة: رام عمانويل وديفيد اكسيلرود كمستشارين سياسيين؛ لورانس سامرز كرئيس لمجلس المستشارين الاقتصاديين؛ بنجامين بيرنانكي في منصب مدير البنك المركزي. الأمر الذي حدا باحدى الشخصيات اليهودية المؤثرة الاشارة الى نفوذ اليهود المتنامي في الحياة السياسية والاقتصادية الاميركية والتبجح بأنهم شريحة “الواسب الجدد،” (New WASPs) دلالة على سيطرة ونفوذ العرق الابيض من اصول انغلو-ساكسونية الممثل للنخب الحاكمة لاميركا.

في هذا الصدد، حذرت الصحافية الشهيرة في صحيفة نيويورك تايمز من اصول ايرلندية، مورين داود، 29 آذار 2009، من حصر مسؤولية الازمة الاقتصادية آنذاك بعنصر “الانغلو ساكسون،”  اذ ان يهودا من امثال “لورانس سامرز وروبرت روبين وآلان غرينسبان لعبوا ايضا دورا في تلك الكارثة .. وموريس غرينبيرغ رئيس شركة AIG للتأمين العملاقة وشركة استثمارات غولدمان ساكس وآخرين.” مسترشدة ايضا بالدروس التاريخية التي لعب فيها العنصر اليهودي المصرفي دوره في مفاقمة الازمات المالية جنبا الى جنب مع “نخبة الانغلو ساكسون.”

المؤلف ومدير مركز ابحاث السياسة الشرق اوسطية، غرانت سميث، قال ان تعيين فيشر مزدوج الجنسية والولاء “يعد نقطة تحول .. سيما وان ابواب الحكومة الفدرالية بقيت مشرعة على مصراعيها لفترة طويلة امام انصار اللوبي الاسرائيلي .. (تستثمر) في خدمة مصالح دولة اجنبية، وهم الذين عادة ما يحافظون على سرية ازدواجية جنسياتهم.” واوضح ان “السبب الرئيس لاحجام ايباك ونجومها من المشاهير مثل (ستانلي) فيشر عن عدم تحديد المنافع العائدة لاميركا جراء “علاقتها الخاصة” مع اسرائيل .. هو انه ببساطة خلوها التام” من اية مزايا حسية.

قلة من اليهود الليبراليين يؤيدون ما ذهب اليه سميث من تحذير لسيطرة مزدوجي الجنسية على مقاليد السياسة والمال. وقال فيليب وايس على مدونته “لا اطمح لرؤية مواطن اسرائيلي في موقع القرار للسياسة الاميركية ..” خشية تداعياتها على المدى المنظور على عموم الجالية اليهودية. وشاطره غرانت سميث بقوله “على المدى المرئي القصير، يستطيع الاميركيون مواجهة نفوذ اللوبي الاسرائيلي الطاغي .. عبر حملات ضغط شعبية واسعة لمطالبة ممثليهم في مجلس الشيوخ رفض ترشيح ستانلي فيشر.” (حديث سميث جاء قبل بضعة ايام من ترشيح البيت الابيض رسميا لستانلي فيشر).

من الواضح ان مناهضة سميث واقرانه لتعيين فيشر لا ينبع من كفاءته العلمية او العملية، بل لآرائه الاقتصادية المثيرة للجدل والتي تشجع اقتصاد السوق وادخال الاصلاحات الاقتصادية على الدول الاخرى لتتساوق مع وصفات البنك الدولي الكارثية في اللبرلة الاقتصادية. الصحافية نعومي كلاين ايضا اوضحت ان سياسات البنك المركزي الاميركي “خاصة في عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن المنصرم .. كان لها الفضل في الضغط على المصارف الاميركية وتحويل نشاطاتها لموائمة مصالح اسرائيل” بعيدا عن اي اجراء قد يفسر بأنه “يواكب المقاطعة الاقتصادية العربية” لها.

في هذا الصدد، يشار الى الاخفاقات التي رافقت السياسة المصرفية للادارة الاميركية، عبر البنك المركزي، لحفز النمو الاقتصادي على الرغم من اتخاذه  سلسلة اجراءات تشجيعية اعتبرها ضرورية لذلك عبر السنوات الخمس الماضية.

البنك المركزي او الاحتياطي الفيدرالي

انشيء نظام البنك المركزي بقرار من الرئيس وودرو ويلسون في 23 كانون الاول 1913 كنظام مصرفي ذو ملكية خاصة، بمعارضة بينة من نواب الحزب الجمهوري في مجلسي الكونغرس آنذاك. يتكون النظام من هيئة عليا كمجلس ادارة، مجلس الاحتياط الفيدرالي، تضم سبعة اعضاء يعينهم رئيس الولايات المتحدة مباشرة، مقرها في واشنطن وتخضع لمصادقة مجلس الشيوخ على اعضائها؛ ومصارف مركزية موزعة على 12 مقاطعة جغرافية اميركية، لكل منها بنك مركزي خاص يسمى ايضا بنك الاحتياط المركزي يتبع المدينة الرئيسة للمقاطعة، مملوكة للمصارف المحلية. السياسة المالية والمصرفية يقررها اعضاء مجلس الادارة السبعة، الذين يعملون “بسرية عالية .. خاصة في عهد الآن غرينسبان المفرط الثقة بالنفس ..” غرينسبان انتقل للبنك المركزي من هيئة “مورغان ستانلي” المصرفية.

يطلق عدد من الخبراء الاقتصاديين على الفيدرالي وصف “دولة داخل الدولة،” للنفوذ الواسع الذي يتمتع به في صياغة السياسة المالية بعيدا عن اجراءات الرقابة من الكونغرس والشفافية المطلوبة. بل ان اصول نظام البنك المركزي تملكها مجموعة من المؤسسات المصرفية والصناعية والتجارية. هيئة مجلس الادارة، بعد المصادقة على تعيين اعضائها، تتمتع باستقلالية عالية ولا يملك الرئيس صلاحية استبدال اعضائها. الهيئة الادارية غير ملزمة قانونيا باخطار السلطة التنفيذية بقراراتها او نواياها للاجراءات والتدابير المصرفية.

البنك المركزي عبارة عن المصرف الاكبر بين المصارف المالية المتعددة: وزارة المالية الاميركية لديها حساب خاص بها لدى المصرف، تمر به عائدات الضرائب المختلفة وتصرف منه الاموال المقررة للانفاق الحكومي. الحكومات والمصارف الاجنبية ايضا تتمتع بالخدمات التي يوفرها الاحتياطي المركزي، اسوة بوزارة المالية الاميركية، بغية تسهيل معاملاتها التجارية داخل الولايات المتحدة، ومنها ايداع ضماناتها المالية لديه. مصاريف المركزي الادارية توفرها البنوك الاعضاء المكونة له، وليس من قبل الكونغرس كما يعتقد البعض.

تعود ملكية البنك المركزي وفروعه الاثنا عشر الاخرى للمصارف المالية التالية، حسبما جاء في كتاب “اليهود والمال،” Jews and Money: The Myths and the Reality, Gerald Krefets, 1984:

§                 بنك روتشيلد – لندن

§                 بنك واربيرغ – هامبورغ

§                 بنك روتشيلد – برلين

§                 بنك الاخوة ليمان – نيويورك

§                 بنك الاخوة لازار – باريس

§                 بنك كون لوب – نيويورك

§                 مصارف اسرائيل موسيس سيف – ايطاليا

§                 مصرف غولدمان ساكس – نيويورك

§                 بنك واربيرغ – امستردام

§                 بنك تشيس مانهاتان – نيويورك

يؤكد الاقتصادي والمؤلف الاميركي من اصول صينية، سونغ هونغ بينغ، صاحب “حرب العملات،” (Currency Wars, Song Hongbing, 2007) ان البنك المركزي الاميركي يخضع لسيطرة تامة من قبل خمسة من كبار البنوك، احدها سيتي بانك. واورد المؤلف مقابلة للرئيس السابق للبنك المركزي، بول فولكر، اقر فيها ان المركزي الاميركي ليس مملوكا للحكومة الاميركية بنسبة 100%، نظرا لوجود مساهمين كبار في رأس ماله؛ اي انه خليط من القطاعين العام والخاص.

البنك المركزي لنيويورك، احد مكونات الاحتياط الفيدرالي، هو اكبرها واهمها على الاطلاق، وعادة ما تلجأ اليه وزارة المالية لتنفيذ سياساتها والتزاماتها نحو الدول والهيئات الاجنبية. لعل من ابرز المهام التي يضطلع بها مركزي نيويورك هي حفظ مخزون الذهب العالمي، اذ ان حجما لا باس به من خزائن الذهب وجد طريقه اليه عقب نهاية الحرب العالمية الثانية بناء على رغبة عدد من الدول حفظ مخزونها الرسمي من الذهب في مكان آمن. وتضاعف مخزون الذهب اضطرادا منذئذ وشهد ذروته عام 1973، بعد وقت قصير على قرار الولايات المتحدة وقف نظام تثبيت سعر الذهب كأساس للتبادل المالي مع الدول الاخرى. بلغ الذروة اثناءها مجموع احتياطي الذهب لدى مركزي نيويورك نحو 12،000 طن، ووصل المخزون الى 530،000 سبيكة ذهبية عام 2012 بلغ وزنها 6،700 طن.

المركزي الفيدرالي مفوّض بانتهاج سياسات مالية من شأنها الحفاظ على تدني مستويات البطالة واستقرار اسعار السلع الاساسية، ويتم ذلك عبر الهيئة الموازية له، اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة. تتكون اللجنة من عضوية كامل اعضاء مجلس الادارة السبعة ورؤساء المصارف الاقليمية الاثنا عشر الذين يسمح لخمسة منهم فقط الادلاء باصواتهم، منهم رئيس مركزي نيويورك كعضو ثابت واربعة آخرين يتناوبون العضوية لسنة واحدة. قرارات النظام المركزي مستقلة عن السلطات التنفيذية والتشريعية ولا تخضع لموافقة الرئيس الاميركي مسبقا او لاحقا؛ وكما ورد سابقا لا يتلقى المركزي تمويلا يقرره الكونغرس. ولاية خدمة اعضائه قد تمتد لعدة ولايات رئاسية ومثيلاتها لممثلي الكونغرس.

يتمتع الفيدرالي المركزي بسلطة التأثير على سير العملية الاقتصادية برمتها عبر آلية اللجنة الفيدرالية المذكورة، لعل اشهرها العمليات المتحكمة بالسوق المفتوحة الخاصة بشراء وبيع اوراق الضمانات للخزينة للسيطرة على مصادر القروض الحكومية واسعار الصرف. على سبيل المثال، عند رغبة المركزي بتحفييز الاقتصاد والتبادل التجاري يلجأ الى شراء سندات مالية لرفع قيمتها وخفض اسعار الفائدة على السندات. وعند رغبته بابطاء النمو الاقتصادي، يقدم الفيدرالي على بيع السندات المالية بغية تعزيز الامدادات وتخفيض الاسعار ورفع معدلات الفائدة على القروض.

كما ان للفيدرالي دور في تحديد معدل الاموال المركزية والتي تستخدمها المصارف المختلفة في التداول فيما بينها للقروض قصيرة الأجل التي تشكل معدلات على الفوائد تحدد على المستهلكين. باستطاعة الفيدرالي بلوغ معدلات الاموال المطلوبة عبر ثلاث اجراءات: عمليات السوق المفتوحة، حجم الحسم، ومتطلبات الاحتياط.

كما ان الفيدرالي مخول بتحديد سعر الخصم المصرفي الذي يواكب معدل الاقتراض الفيدرالي جنبا الى جنب. فالمصارف التجارية تدفع سعر الحسم المحدد على الاموال المقترضة من البنوك المحلية والبنك المركزي، وعند ارتفاع معدل الخصم ينعكس ارتفاعا بصورة تلقائية على ما ستدفعه لقاء الاموال المقترضة وتنحو باتجاه تقليص حجم الاقتراض، مما يرفع معدلات الفائدة المتداولة ويخفض كمية الاموال المتداولة. بالمقابل، عند انخفاض معدلات الخصم المصرفي، تتمتع المصارف التجارية بحرية اكبر للاقراض وضخ كميات مالية اضافية في السوق طمعا في خفض معدلات الفائدة على الاموال العامة.

دأب الفيدرالي على تنفيذ اجراءاته المتبعة منذ ولادته قبل قرن من الزمن والتي اسست للنظام المصرفي الاميركي لما هو عليه اليوم. وعمد في السنوات الخمس الماضية الى اعتماد اجراءات وتدابير مبتكرة – اثبتت انها مثيرة للجدل ولم تفلح في احداث التغييرات المطلوبة في الاقتصاد الاميركي سوى بمعدلات متواضعة. بل ان رئيس الفيدرالي النتهية ولايته، بيرنانكي، اوضح في شهر آب عام 2012 ان تلك الاجراءات غير التقليدية “قد تعيق سير عمل اسواق الاوراق المالية، وتقلص ثقة العامة بقدرة الفيدرالي للخروج بسلاسة من سياساته التسهيلية، وتنشيء مخاطر على طريق الاستقرار المالي، وقد تؤدي الى تحميل الفيدرالي خسائر مالية.”

التدابير “غير التقليدية” المقصودة تتضمن تسهيل الحصول على اموال الائتمان، وتسهيلات نوعية، ومؤشرات مستقبلية. ففي اموال الائتمان، باستطاعة مصرف ما شراء اصول القطاع الخاص، بغية تعزيز السيولة المالية وتطوير سبل الوصول الى مصادر الاقتراض.

التسهيلات النوعية تشمل شراء معدلات محددة من الاصول المصرفية للمدى البعيد من المصارف التجارية والمؤسسات الخاصة الاخرى، لتوسيع قاعدة الدعم المالي وتقليص العائد على الاصول المالية. وتختلف عن التدابير التقليدية لشراء وبيع السندات الحكومية بغية ابقاء معدلات الفائدة ضمن التوقعات المفضلة.

المؤشرات تستخدم لتقليص توقعات الاسواق المالية لمعدلات الفائدة المستقبلية. على سبيل المثال، طرح الفيدرالي مؤشرا على عزمه تخفيض معدلات الفائدة ابان الازمة المالية لعام 2008 لفترة زمنية ممتدة.

بيد انه بصرف النظر عن تنبي السبل التقليدية لتحديد السياسة المصرفية الى جانب السبل المستحدثة كالتسهيلات النوعية، فقد تعثر اداء الاقتصاد الاميركي، مما عزز التساؤلات حول “خطل سياسات الفيدرالي المتبعة،” الذي يشكل المدخل الاول لولوج الثنائي يلين – فيشر على قمة الهرم المالي.

مستقبل السياسة النقدية

التعرف الى السياسة النقدية للفيدرالي للمرحلة المقبلة امر ليس باليسير، سيما وان جانيت يلين اوضحت في عام 2011 ان “انتهاج سياسة نقدية (معينة) لا يشكل دواء لكل داء.” والآن اضحت تتحكم بمجمل السياسة النقدية الاميركية. اما نائبها المرشح ستانلي فيشر فقد ابدى تأييده لجهود البنك المركزي لضخ اموال في الاقتصاد الاميركي للحفاظ على معدلات متدنية للفائدة.

وعليه، يشكل توجه فيشر مؤشرا على تحكمه المقبل في مجمل السياسة النقدية، بينما يلين التي تتمتع بسمعة اكاديمية معتبرة تبرز ابهر مواهبها في توفر حيز التخطيط الدقيق للمستقبل؛ اذ لا يعرف عنها مهارتها في ادارة الازمات.

فيشر، بالمقابل، استطاع الانخراط سريعا بادارة الازمات المالية، سيما ابان خدمته في صندوق النقد الدولي في عقد التسعينيات ومركزه في ادارة البنك المركزي “الاسرائيلي،” خلال الازمة المالية العالمية 2008-2009. ماهية السياسات النقدية التي ينبغي على الفيدرالي اتباعها لا تحظى باجماع الاقتصاديين والخبراء الماليين، وتنقسم اراؤهم بين فريقي المتفائلين والمتشائمين.

ينقل عن جانيت يلين قلقها من قدرة المصرف المركزي ادخال التأثير المطلوب على الحالة الاقتصادية الراهنة، سيما وان التدابير التقليدية المعتمدة لها حدودها وهناك خشية من تدهور الاقتصاد الى حالة من “فخ السيولة،” مع الاخذ بعين الاعتبار المعدلات المتدنية للفوائد على القروض والتي تسبق فعالية اي نية للتدخل من المركزي لضخ سيولة مالية قد لا تفيد لانعاش الاقتصاد.

على الطرف الآخر في معسكر المتشائمين، يبرز لاري (لورانس) سامرز، المستشار الاقتصادي الاسبق للرئيس بيل كلينتون، المرشح الاول (المنسحب) للرئيس اوباما لتبوأ منصب رئاسة البنك المركزي. سامرز قال ان الازمة الاقتصادية لا تزال بيننا ولم تشارف على نهايتها، ويعزو بطء النمو الاقتصادي على مدى العقد الماضي الى تعديلات بنيوية اساسية، اذ هبطت معدلات الفائدة السنوية بعد احتساب معدلات التضخم الى ما دون الصفر – وربما الى ادنى منه بنقطتين او ثلاثة مئويتين – “للابد.” واوضح سامرز ان الامر يعود الى تخمة الاستثمارات المصرفية القادمة من الدول الاسيوية وتقنية الكمبيوتر التي اسهمت في انهيار كلفة السلع الاساسية وتقليص الحاجة للاستثمار.

المعضلة الماثلة امام السياسة النقدية للمركزي هي ان معدلات الفائدة المتدنية على القروض، صفر وما دونه، تحيل اجراءات الفيدرالي لعمليات السوق المفتوحة غير فاعلة او مؤثرة؛ وتؤشر على ان الولايات المتحدة مقبلة على نمو اقتصادي بطيء على المدى الطويل. العلاج ينبغي ان يستنبط من اعتماد سلسلة معالجات نقدية للتعامل مع الحالة الاقتصادية.

الاقتصادي الاميركي الحائز على جائزة نوبل، بول كروغمان، حث الحكومة المركزية على زيادة معدلات الانفاق على البرامج الحكومية، ملفتا النظر “لعدم صلاحية قلق البعض من تزايد العجز في ميزان المدفوعات حتى على المدى الطويل،” جراء ذلك كما يزعمون. واوضح انه بعد استشراء الازمة المالية اتجه اولئك الى التخلي عن المطالبة بايجاد فرص عمل والعزف على وتر هاجس العجز “والذي اثبتت استطلاعات الرأي ان تلك النظرة تخص اولويات الاثرياء والميسورين، وليست لعامة الناخبين. كما ان الاصرار على اهمية تقليص المعونات الحكومية لا تخص سوى شريحة 1%” من فاحشي الثراء.

ومضى كروغمان موضحا انه يتفهم اجواء القلق السائدة بين المستثمرين الدوليين وتقلص مستويات توقعاتهم للسيطرة على معدلات اعلى من المديونية الاميركية، مما سيؤدي الى انخفاض حاد في قيمة الدولار الاميركي، وزيادة الصادرات الاميركية. واكد ان الاهتمام ينبغي ان يبتعد عن تداعيات الدين العام للمدى الطويل والتمحور حول الانكماش المالي طيلة السنوات الثلاثة الماضية والتي حرمت الاداء الاقتصادي من الطلب اللازم.

مدير قسم الابحاث والاحصائيات في الفيدرالي المركزي، ديفيد ويلكوكس، اعرب عن قلقه من تأثير حدة ومدة الانكماش الاقتصادي، بدءا من نهاية عام 2007، مما ادى الى تدهور مضطرد لاسهم رأس المال وحجم ومهنية قوة العمل المتوفرة. وعليه، فان تباطؤ الانتاج وتقلص النمو الاقتصادي كان نتيجة مباشرة للازمة المالية، وليس لاسباب تغيرات بنيوية كما يزعم لاري سامرز، فضلا عن ان الحفاظ على معدلات متدنية لاسعار الفائدة لن تفي بالغرض بحد ذاتها. ويلكوكس يحبذ الابقاء على المعدلات المتدنية للقروض مواكبة لارتفاع معدلات البطالة، مما يؤشر على توجهاته باستمرار نسق التسهيلات للسنة الجديدة.

القطاع المصرفي قلق لتطبيق التسهيلات النوعية خاصة لناحية زيادة المركزي حصته من الاصول المصرفية الى 3.7 تريليون دولار نظرا لتأثيره على “حرمان الفيدرالي المركزي من مصادر مالية اخرى او تعزيز الاحتياط لديه .. ولم يبقي امامه من خيار سوى طباعة مزيد من الاوراق المالية الجديدة بقيمة 85 مليار دولار شهريا، تجد طريقها الى النقد المعروض في السوق.” ويحذر اولئك من استنساخ تجربة المانيا لعقد العشرينيات من القرن الماضي، عقب نهاية الحرب العالمية الاولى، ونتيجتها في ارتفاع معدلات التضخم، وانهيار الاقتصاد الالماني، وصعود النازية للحكم.

في ظل التجاذبات الحادة، من المرجح ان يمضي الفيدرالي المركزي بالسير على سياسة وسطية، سيما وان ستانلي فيشر يميل الى تطبيق الحلول التقليدية والتقيد بالوسائل والادوات الراهنة؛ اما السعي للنظر في ادوات جديدة، كما سبق، فمن شأنه المحافظة على تدني معدلات الفائدة على القروض على المدى الطويل. بعض الوسائل الاخرى المتاحة للجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة السعي للتاثير على اسعار صرف العملات، واسعار الاصول وسوق العقارات وقنوات الاقتراض.

هاجس الرئيس اوباما الاقتصادي هو استعادة الاقتصاد لحيويته المعهودة بصرف النظر عن الآليات المتبعة، وحبذا لم تم ذلك قبل التحضير للانتخابات النصفية في شهر تشرين الثاني القادم. وعليه يعول اوباما واركان ادارته على ستانلي فيشر للنهوض بالاداء الاقتصادي، استنادا الى تجربته السابقة التي اسهمت في تعزيز فرص ترشيحه للمنصب. كما لا ينبغي صرف النظر عن ولائه المزدوج للتحكم في وجهة سير البنك المركزي الاميركي وما يشكله من توجه لنيل تأييد “الرأي العام الاسرائيلي.” المقبل من الزمن سيكون الفيصل لاثبات الوجهة الحقيقية لولاء فيشر.

التحليل 03-01-2014

 التحليل:

أردوغان اسير الفشل الاقليمي والفساد الداخلي

توقفت مسيرة صعود تركيا بوتيرة سريعة لم تتجاوز السنتين كلاعب اقليمي يعول عليه ، ترنحت تحت وطأة تعظيم دور مصطنع  ورسم استراتيجيات رغبوية واستحضار امجاد افُلَت منذ زمن، وهي التي تحددت سياساتها بقدر ما تخدم السياسات الاميركية، وعلى رأسها تعميم نموذجها الاسلامي المتصالح مع الكيان الصهيوني ونسج اوثق العلاقات معه. بؤرة التحرك المركزية تمحورت حول الثنائي المتهور اردوغان – داوود اوغلو اللذين بشّرا بمرحلة هانئة مزدهرة “صفرية المشاكل،” لتنقلب الى استراتيجية خاطئة انهارت معها كافة علاقات تركيا الاقليمية، وانتقال الصراع الى داخل النخبة السياسية عينها في “حزب الحرية والعدالة،” سيما بعد انكشاف الاوهام الداخلية بمستقبل باهر واستقرار آمن.

ما اصاب التوأم الحاكم من اوهام تعود جذوره الى آفة غطرسة القوة التي تدفع باصحابها الى انتهاج تصرفات تستهتر بالخصوم وتبالغ في محورية موقعها، كما شهدت نظم سياسية عدة ابتداء من ريتشارد نيكسون وفضائحه في ووترغيت، مرورا بالدول الاوروبية المختلفة، وكان صاعق التفجير في معظمها نزعة الاستبداد والمحاباة وانتشار الفساد.

منذ تسلمه مقاليد السلطة في تركيا قبل احد عشر عاما، انتقل اردوغان الى ترسيخ مراكز القوة بين يديه متحديا نفوذ وهيبة “البقرة الاتاتوركية المقدسة،” مجسدة بالمؤسسة العسكرية والاجهزة الأمنية، وحقق بعض النجاحات ضد سيطرتها. انتشى اردوغان باكاليل النصر عقب كل مرحلة من مراحل الانتخابات الثلاث التي اعادته للسلطة بنسبة اعظم مما سبقها، مما دفعه للمجازفة في التمدد الاقليمي واحياء مشروع مؤدلج يستند الى نموذج حزبه في تطبيق ما يسمى الحكم الاسلامي بوصفة تركية مقبولة اوروبيا واميركيا، تنسج اوثق العلاقات مع حليفتيهما “اسرائيل.” بيد ان اردوغان استند بشكل اوسع على قاعدة الدعم الذي قدمه “المرشد الاسلامي” لحزبه، فتح الله غولن، الذي غادر تركيا عام 1999 طوعا وانتقل للاقامة في الولايات المتحدة.

غطرسة وطموحات اردوغان الاقليمية دفعت به الى التباين وربما التصادم مع الراعي الاميركي، الذي راهن (في بداية عهد اوباما) على دور وظيفي متميز له في الاقليم، واندفع اردوغان في الترويج لهذا الدور الذي بدا حتى العقد الاول من القرن انه على وشك الفوز به ونيل المكافآت عليه. واستمر نهج الغطرسة بمحاولة رعاية صفقة في بداية الازمة السورية تضمن حصة وازنة لحلفائه الاسلاميين في السلطة جوبهت برفض وتحد من القيادة السورية، وانقلب لموقف التركي بعدها الى التآمر المكشوف على سورية.  كما تجسد بشكل جلي مع سقوط الاخوان المسلمين في مصر وثبات اردوغان على معاداة السلطات المصرية الجديدة. يعتقد بعض المراقبين ان الثنائي اردوغان – داوود اوغلو بالغا في قراءة مدى التعويل الاميركي على تركيا في الاقليم، وان حزب العدالة والتنمية اضحى “مسكون بهاجس تحقيق اهداف ذاتية قصيرة الأجل .. على حساب الاهداف الكبرى، والاصرار على السير في ذاك المسار الذي عادة ما يسبب التعارض مع المصالح الاميركية في المنطقة.”

سياسة الثنائي التركي حيال مصر، على سبيل المثال، تسببت في احداث شرخ يصعب ردمه في القريب العاجل مع حكومتها الانتقالية ادت “الى طرد السفير التركي من القاهرة” على خلفية تدخل اردوغان المستمر لصالح الرئيس المعزول محمد مرسي “لاسباب تركية داخلية بحتة على الارجح.” في المقابل، تفاعلت الولايات المتحدة على مضض مع السلطات المصرية الجديدة للحد من حجم خسائرها بخلاف حزب العدالة والتنمية الرافض للتكيف مع المعطيات المتجددة.

ايضا، اثارت حكومة اردوغان حنق الادارة الاميركية، وفق التصريحات الاعلامية، لتوفيرها معلومات أمنية جليلة لايران ادت الى كشف الاخيرة عن اوكار وخلايا استخبارية “اسرائيلية” ضالعة في اغتيال كفاءاتها العلمية؛ ومن ناحية اخرى اصرارها على الاستمرار بتوفير ممر آمن للمقاتلين متعددي الجنسيات لاجتياز الحدود مع سورية في تحد صارخ لاجواء الانفراج النسبي بين روسيا واميركا في هذا الخصوص. كما يرى البعض الآخر ان اردوغان ذهب بعيدا في “التطاول” على السياسة الاميركية اثر توجهه للصين لعقد صفقة اسلحة لمنظومة دفاعات جوية، ودولته عضو في حلف الناتو.

هذه المقدمة كانت ضرورية لالقاء الضوء على حقيقة ما يعتمر داخل السلطة التركية الحاكمة وانكشاف عمق حجم الفساد والمحاباة لاردوغان وصحبه مما ادى الى استقالة بعض وزرائه واعتقال انجال بعضهم، وانتظار القسم الباقي لتداعيات الكشف عن اختلاس وابتزاز الاموال وفساد النخبة الحاكمة، التي يقال ان خلافا حادا بين غولن واردوغان ادى الى كشف الاول عن ملفات انتهاكات وتجاوزات سكت عنها طويلا لحين تيقنه من سيطرة اتباعه على بعض مفاصل الدولة – منها جهازي الشرطة والقضاء، وتداعياتها على مستقبل السياسة الاقليمية لحزب العدالة والتنمية. وعليه، ينتظر نجلي اردوغان، بلال وبوراك، الى جانب آخرين نتائج التحقيق في ضلوعهما بملف الفساد.

في سياق صراع غولن – اردوغان عينه، يرجح قيام الاول بالكشف عن شحنة الاسلحة المتطورة المنقولة على شاحنة تابعة لهيئة الاغاثة الانسانية (الموالية لاردوغان) المتجهة للاراضي السورية قبل بضعة ايام، لتزيد معدلات الضغط على اردوغان وصحبه للاستقالة بعد انكشاف ازدواجية مواقفه المغايرة للتوجهات الاقليمية. ايضا، يمكن الاستنتاج بدور خفي تلعبه الولايات المتحدة عبر “غولن” المقيم على اراضيها والذي يزهد بالتصريحات الاعلامية لدرجة الاقلاع التام. في ازمة ميدان تقسيم، قبل بضعة اشهر، تباينت مواقف غولن واردوغان بصورة لا تقبل الجدل، اذ انضم الاول لدعم مطالب المحتجين والحث على ايجاد حل يرضي الطرفين، بينما سار اردوغان “المشاكس” وراء اهوائه السياسية بتصعيد الازمة واستخدام الحل العسكري لفك الاعتصامات والاحتجاجات مما اوقع عدد من الضحايا بين صفوف المتظاهرين.

في عهد الثنائي اردوغان – داوود اوغلو احتلت تركيا مركز الصدارة الاول في العالم بمعاقبة الصحفيين وسجلت اكبر عدد من المعتقلين بين صفوفهم على الاطلاق. بل ان صدر الثنائي لم يعد يتسع لسماع وجهة نظر متباينة من داخل صفوف حزبه. يذكر ان وزير الشؤون البيئية المستقيل والحليف الاوثق لرئيس الوزراء، اردوغان بيرقدار، تمت محاصرته خلال مقابلة متلفزة مباشرة اثناء انتقاده حليفه السابق وازيلت العبارات الاصلية الخاصة باردوغان من على موقع شبكة (ان تي في). بل اقدم رجب اردوغان على اتخاذ اجراءات مناهضة لاحد أهم حلفائة وهمزة الوصل بينه وبين الاتحاد الاوروبي، ايغمن باجس، والذي قد يكون ضالعا في ما نسب اليه من تلقيه رشاوى مالية ضخمة، في محاولة لاحتواء الازمة وابعاد شبحها عن نفسه. اللافت ايضا ان مدير البنك المركزي “حالك بنك” التركي، سليمان اصلان، المقرب من اردوغان وجهت اليه اتهامات بتلقي “رشاوى للتحايل على اجراءات العقوبات الاقتصادية على ايران .. وتهريب كميات من الذهب لايران ثمنا لشراء النفط والغاز.” الشرطة التركية اضافت انها عثرت في منزل اصلان على كميات كبيرة من الاموال تقدر بنحو “4.5 مليون دولار مخبأة في صناديق احذية كرتونية.”

لذا فان الازمة الراهنة اعمق مما تلوح به اتهامات الفساد، وتصيب شخص رجب طيب اردوغان، الذي لجأ الى سلاحه المعهود بتحميل المسؤولية للآخرين و”مهددا بطرد السفير الاميركي” من انقرة، مما دفع الناطق الرسمي لوزارة الخارجية الاميركية، ماري هارف، القول يوم الجمعة ان ما يجري داخل “تركيا هو شأن داخلي .. لكننا ندعو الى احترام عمل المؤسسات القضائية والتزام اجراءات الشفافية في التحقيقات،” مما قد يعطي دليل آخر على ضيق ذرع الولايات المتحدة من استمرار اردوغان في السلطة، وليس بالضرورة اسقاطه بل ابقائه جريحا في منصبه للفترة المقبلة.

تركيا مقبلة على جولات انتخابات بلدية في شهر آذار المقبل، ومنها بلدية اسطنبول المعقل التقليدي لاردوغان التي يتقدم فيها خصمه مصطفى ساريغول مرشح حزب الشعب الجمهوري؛ وايضا انتخابات رئاسية مباشرة لأول مرة، في شهر آب 2014، والتي راهن عليها اردوغان طويلا وطموحه ليكون الرئيس الاول للجمهورية المنتخب جماهيريا.

هناك شبه اجماع بين المراقبين ان اردوغان اصابه الذعر والهلع من حجم ما كشف من تصرفات فساد داخل حكومته، واضحى ينتهج سياسة انتقائية وانتقامية من خصومه، اصدقاء الامس: القاء التهم الجاهزة على “قوى خارجية،” في اشارة للولايات المتحدة؛ وأمره باعفاء نحو 500 عنصر من الدرك – جهاز الشرطة، المعنيين بالتحقيقات درءا لنفوذ غريمه غولن على بنية وولاء الجهاز؛ كذلك اصدر امرا لجهاز الشرطة يدعوه فيها الى عدم الامتثال لقرارات السلك القضائي .. الخ. في المحصلة العامة، لن تصب تلك الاجراءات في صالح اردوغان، نظرا لاتساع رقعة المتضررين من سياساته وتبلور معارضة عابرة للولاءات الحزبية. للدلالة، وجه نصيره ووزيره السابق للشؤون البيئية، اردوغان بيرقدار، عقب اقالته اتهاما محددا لاردوغان بالضلوع في فساد صفقات العقار الضخمة ابان عهده كعمدة بلدية اسطنبول، حاثا اياه على الاستقالة الفورية.

قبل بضعة اشهر كان محور الجدل من سيقع عليه ترشيح اردوغان ليخلفه في منصب رئاسة الوزراء، يقينا انه سينجح في الانتخابات الرئاسية. تدهور الامور بالسرعة العالية اعاد السؤال الى منبته: هل سيستطيع اردوغان البقاء في منصبه والاحتفاظ بلحمة حزبه ومنع الانقسامات الداخلية، سيما وهو الذي يمقت ويشمئز من الاقرار بالخطأ الذاتي؟ التعرف على مصير ومستقبل اردوغان يمر من خلال ما  ستفضي اليه التوازنات الداخلية في حزبه، والذي لا يميزه كثيرا عن مؤيدي غولن، الذي قد يرمي في النهاية الى السيطرة على مفاتيح حزب العدالة والتنمية بدعم ضمني من الرئيس الحالي عبد الله غول. وربما الأهم، كما يقترح البعض، هو انتظار نتائج انتخابات اكبر بلدية في تركيا، بلدية اسطنبول، التي ستشكل مؤشرا قويا على وجهة السياسة ولاعبيها للمرحلة المقبلة، يسميها البعض مرحلة “ما بعد حزب العدالة والتنمية.”

احد نواب البرلمان السابقين، ايرتوغرول غوناي، استقال من الحزب برفقة برلمانيين اخرين اوضح ان حزب العدالة والتنمية اضحى يمثل صراعا بين كتلتين: الزعماء من جانب، والسواد الاعظم من الاعضاء المضطهدين الذين ينظرون بريبة شديدة من مضي الشريحة القيادية في مسلكها المتغطرس، وهي قاربت على نهايتها في هذه المرحلة؛ مسترشدا بجنوح اردوغان الى الاعتماد على اوفياء مؤيدين له يعينهم في مواقع المسؤولية يأتمرون بإمرته مباشرة. للدلالة على غطرسة اردوغان يشار الى تعيينه مستشاره السياسي الوفي، ايفكان علاء، وزيرا للداخلية دون مؤهلات كافية والذي ينسب له حث اردوغان على انتهاج سياسات متشددة واتخاذ اجراءات قاسية ضد المتظاهرين والمحتجين في حديقة جيزي بميدان تقسيم منتصف العام المنصرم.

لعل من بين اوهام حزب العدالة والتنمية التي تبخرت التباهي بازدهار الاوضاع الاقتصادية التي واجهت انتكاسة بعد اخرى، كان احدث تجلياتها هبوط التداول التجاري في سوق البورصة المالية وتخفيض قيمة الليرة التركية 5% في شهر كانون الاول المنصرم، غير عابئة بتدخلات المصرف المركزي لتثبيت سعر الصرف دون انجازه ذلك. يشار الى ان تركيا تعتمد بشكل واسع على تدفق الاستثمارات ورؤوس الاموال الاجنبية، التي تتوجس وتضطرب من عدم استقرار المشهد السياسي، والاتهامات بالفساد تلاحق النخبة السياسية الحاكمة. الفوائد على القروض المالية الى تصاعد مما سيؤثر سلبا على مجمل الاداء الاقتصادي، الذي سيترك آثاره ايضا على مستقبل حزب العدالة والتنمية في الانتخابات القادمة.

غولن، عبر مؤسساته الاجتماعية والتعليمية المتعددة، لا سيما “التحالف من اجل القيم المشتركة،” يحظى بدعم ثابت في القاعدة الشعبية والانتخابية على السواء؛ اصدر بدوره بيانا ينتقد فيه سياسات رئيس الوزراء اردوغان جاء فيه “عوضا عن تبني نهج مناسب للمعالجة اسوة بما يتعين على الحكومات الديموقراطية اتخاذه، حمّلت الحكومة الحالية االمسؤولية لقوى خارجية او لبعض المجموعات. المجتمع التركي بمجموعه ينظر الى تلك الاجراءات بأنها محاولة لصرف الانظار عن جوهر المسألة .. الاجراءات تلك مناهضة للديموقراطية ترتكبها القيادة السياسية التي تستحق الادانة.”

اصرار اردوغان على تحميل العناصر الخارجية مسؤولية ما لحق به وبحزبه يقوض علاقات بلاده مع الولايات المتحدة، وهو الذي اتهمها ضمنيا بالوقوف وراء الاحداث. ويعول على استثمار اتهاماته لتعزيز مستويات التأييد عند مؤيدية من القاعدة الانتخابية الذين ينظرون بعين الشك للسياسات الاميركية.

بوسع اردوغان ان يخطو نحو الشفافية والمهنية في اجراءات التحقيق، لو اراد، وتحمل التداعيات السياسية في المدى المنظور، ويهيء نفسه لخوض جولة انتخابات متسلحا بعناصر قوة معنوية. بيد ان غطرسته ورعونته تحول دون تبنيه موقف مسؤول. كما بوسعه ايضا زعزعة المسار السياسي القائم واستخدام اساليب هدامة لضمان الفوز السياسي في اي انتخابات مقبلة بصرف النظر عن تداعيات الفساد والرشاوى.

جذر القضية، كما اسلفنا، يتخطى حدود الاتهامات بالفساد وتهريب الذهب. انه شديد الارتباط بما تبقى من القوة لدى اردوغان والى اي مدى سيكافئه او يعاقبه الناخبون الاتراك.

التحليل 27-12-2013

التحليل:

جردة حساب لانحدار زعامة أوباما …. هل يشهد 2014 سقوطا الى الحضيض ؟!

سطع وهج الارث السياسي للرئيس اوباما العام الماضي مدشنا فترة مشرقة ارفقها بوعود بهية: اذ اعيد انتخابه لولاية رئاسية ثانية؛ وسجل حزبه الديموقراطي بعض التقدم السياسي في انتخابات الكونغرس؛ وشرع في ارساء الاسس لاعادة انتاج الولايات المتحدة بحلة اكثر قابلية عقب ما واجه هيمنتها من معارضة ورفض دوليين؛ بل ذهب بعض انصاره في الكونغرس بعيدا نحو بلورة صياغة مادة لتعديل الدستور تتيح له الترشح للمنصب لفترة رئاسية ثالثة.

باقتراب العام الحالي من نهايته وجد اوباما نفسه في موقع ملاصق لنقطة الحضيض القمري في سياق مستقبل وفعالية حكومته وادارته، لاسيما درة سياساته “برنامج الرعاية الصحية الشامل؛” وهبوط سريع ملحوظ لمدى شعبيته وصلت معدلات ادنى من سلفه جورج بوش، لذات الفترة الزمنية من الولاية الرئاسية. برامجه الوردية التي اعلن عنها عشية بدء ولايته، في رسالته عن حال الأمة، بقيت حبيسة الادراج: سياسة تطوير البرامج التربوية، اصلاح قوانين الهجرة، الحد من استشراء وتقنين السلاح الفردي، سن قوانين للحد من معدلات الاحتباس الحراري، برامج لتشغيل اليد العاملة، تطوير البنى التحتية، اصلاح القوانين الضرائبية، ورفع معدل الحد الادنى من الاجور.

استنادا الى سجل الرئاسة الاميركية منذ بداياتها فان فترة الولاية الرئاسية الثانية اثبتت انها الاشد تحديا ومشبعة بالعقبات. اذ عادة ما تضيق القاعدة الانتخابية ذرعا بذات الوعود والسياسات للحزب الحاكم، وتطلق على الرئاسة وصف “البطة العرجاء” في زمن مبكر، للدلالة على عدم اكتراثها بانجاز برامجها اذ اصبحت لا تتهيب من محاسبتها في الانتخابات المقبلة، في حين يمضي قادة الحزب الحاكم في البحث عن شخصيات قيادية مؤهلة لتولي المسؤولية في المرحلة المنظورة. في حال الرئيس اوباما، معظم الضرر الذي اصاب سياساته وشخصه كان بفعل ذاتي، وان كان لا اراديا.

من بين العقبات برزت مبالغته في حجم التأييد والتفويض الشعبي الذي حصل عليه للمضي في تطبيق سياساته: نسبة فوزه في الانتخابات الرئاسية تقلصت الى ما دون ما فاز به في فترة ولايته الرئاسية الاولى – الأمر الذي يعد استثنائيا لسجل معظم الرؤساء الفائزين بولاية ثانية. ترجمة النتائج تلك تشير الى اقلاع بعض القوى الاجتماعية الموالية عن تأييده مقارنة بما فعلت في الفترة الاولى، واضحت اقل قابلية للتماهي مع سياساته، كما يشهد اخفاقه بتحقيق وعده باغلاق معتقل غوانتانامو، مثلا.

تقلص قاعدة الدعم الانتخابية بدت مؤشراتها تتبلور  قبل احتفالات التنصيب الرئاسية الثانية، فاقمتها مبكرا مجزرة المدرسة الابتدائية، ساندي هوك، بولاية كونيكتكت مع افول عام 2012، كمؤشر على اخفاق سياسته للحد من انتشار السلاح الفردي وتقنينه. اذ سرعان ما اكتشف الرئيس اوباما حقيقة المزاج الشعبي بأن فوزه الانتخابي لم يسهم في تعديل تطلعات الشعب الاميركي حيال مسألة السلاح امام نفوذ القوى والمصالح على الضفة المقابلة. بل حافظ بعض الساسة من الحزب الديموقراطي على نزعة الانتهازية بالقفز من مركب الرئيس واتخاذ مسافة بعيدة عنه مع بداية ولايته الثانية مما اعطى الخصوم في الحزب الجمهوري رصيدا صافيا وتوجيه رسالة الى نظرائهم في الحزب الديموقراطي بأن البقاء في مركب الرئيس اوباما له كلفته السياسية وعليهم التفكير باللحاق مبكرا او مواجهة الخسارة في الانتخابات النصفية المقبلة، لعام 2014.

ما المطلوب

امام هذه المؤشرات المبكرة، ماذا يتعين على الرئيس فعله؟ استقراء توجهات بعض الساسة مثل الرئيس الاسبق بيل كلينتون تشير الى انه كان سيقدم على تعديل مواقفه والتحرك باتجاه اليمين الوسط ، في حين ان الرئيس اوباما استهلك رصيدا ثمينا من ارثه الرئاسي للدفع ببرامجه السياسية داخل اروقة الكونغرس، مع ادراكه التام بأن خصومه الجمهوريين لن يألوا جهدا لافشال توجهاته وتوجس بعض اركان حزبه الديموقراطي من تبديد طاقاتهم السياسية بينما اعينهم مسلطة على الانتخابات المقبلة. فاصلاح قوانين الهجرة، على سبيل المثال، لاقى شعبية واسعة في القاعدة الانتخابية للحزب الديموقراطي، سيما بين الاقليات العرقية، بيد ان النبض الاميركي العام لم يعره اية أهمية وسعى لافشاله قبل انطلاقه.

في الشق المالي وتخصيص بنود الموازنة، اثبت اوباما انه لم يقرأ خارطة التحالفات والمعارضة بشكل دقيق فيما يخص الاستقطاعات التي ستأخذ مفعولها بشكل تلقائي مع بدء العام المالي الجديد. وسعى لتطبيق بعض تجليات تخفيض الميزانية على مرافق البيت الابيض، بتخفيض عدد وحجم دورات الزوار مع تقليص الموارد البشرية المطلوبة لتنفيذ ذلك، والقيام بالمثل في بعض المرافق الحكومية الاخرى (كالمتاحف) معلقا الأمل على ان يؤدي ذلك الاجراء الى تحميل خصومه في الحزب الجمهوري المسؤولية لسيطرتهم على قرار الصرف المالي، في مجلس النواب، واثارة القاعدة الشعبية ضدهم. في النتائج، لم تسعف وجهة الرياح ابحار السفن وسلطت الوسائل الاعلامية الضوء على طلعات الرئيس لممارسة رياضة الغولف واستضافته لفرق موسيقية تحيي احتفالات خاصة بأسرته في البيت الابيض.

الاخفاقات والفضائح

اداء اوباما في السياسة الخارجية لم يختلف نوعيا عما سبق ذكره، وهي الحقل الاوفر حظا بالنسبة له، وادى تعثره في تنفيذ تهديده لشن عدوان عسكري على سورية الى تضعضع مكانته ومصداقية بلاده لدى حلفائه من الدول العربية والاوروبية والبعض في آسيا التي راهنت على ثبات سياسته المعادية لسورية. وجاءت صفقة السلاح الكيميائي لتشكل الصاعق الذي اظهر الكم الهائل للخلافات والتباينات الى السطح، خاصة من دول تابعة وهامشية في سياق الاستراتيجية الاميركية الكبرى.

لاحقت الفضائح السياسية الرئيس اوباما في ولايته الثانية ، وارضيتها نابعة من ممارسته غطرسة القوة والمحافظة على سرية النوايا وكتمان التحركات، والتي لا تشكل شذوذا عن القاعدة العامة لاسلافه من الرؤساء في ولاياتهم الثانية. برزت اولى تجلياتها في استهداف مصلحة الضرائب المركزية للقوى والخصوم السياسيين، خاصة المؤيدة لتيار حزب الشاي، والتي اسهمت بشكل مباشر في انخفاض نسبة فوزه في الانتخابات الرئاسية. وسرعان ما ادت وثائق ادوارد سنودن الى تدحرج كرة الفضائح لتدل بالوثائق على عمق جهود التجسس الاميركية، داخليا والتي كان يتم نفيها على الدوام، وخارجيا ايضا طالت قادة لاهم حلفاء الولايات المتحدة.

الحلقة الاخيرة في مسلسل الفضائح كانت في تعثر اطلاق برنامج الرعاية الصحية الشامل وما رافقه من موجات غضب شعبية غذتها القوى الكبرى المتضررة واخفاق التقنية المعتمدة لاعداد انطلاقة سلسة كما كان يرجى. وهبطت نسبة الدعم الشعبي الى مستويات خطيرة بنحو 38 نقطة جراء ذلك، ليبلغ معدل الرضى الشعبي عن اداء الرئيس اوباما الى 57%؛ اسوة بالنسب المنخفضة التي خبرها المشهد السياسي الاميركي في انتخابات عام 2006 التي اطاحت بسيطرة الحزب الجمهوري عن مجلسي الكونغرس.

اذن، لا جدال بأن عام 2013 حمل اخبارا وتطورات غير سارة او مريحة للرئيس اوباما وحزبه الديموقراطي. فهل سيتغير المشهد للعام المقبل بنحو دراماتيكي؟ النظرة السريعة لا تبعث على الارتياح، سيما وان التاريخ السياسي للرئاسة الاميركية يدل بشكل جلي على تدهور اكبر في معدلات رضى القاعدة الشعبية في الفترة الرئاسية الثانية.

التطلع الى عام 2014

لعل التحدي الاكبر الذي يواجه الرئيس اوباما العام المقبل هو الاحساس الشعبي بأنه لا يحسن الاصغاء ويعتبر “اصماً” للمتطلبات السياسية الشعبية. بخلاف الرئيس الاسبق كلينتون الذي تمتع بقدرته على اعادة انتاج مساره وخياراته السياسية، فان الرئيس اوباما يلجأ الى التشبث بمواقف ايديولوجية مسبقة ويجنح نحو الالتزام بها. ويعتقد اصحاب الشأن في السياسة الاميركية ان هذه الخاصية ستعود على الرئيس بالضرر، لا سيما في علاقاته الداخلية مع زعماء حزبه الديموقراطي خاصة اولئك المقبلون على خوض الانتخابات لعام 2014، والأرق الذي يطبع توجهاتهم في المفاضلة بين اثبات الدعم للرئيس او الاقلاع عن برامجه السياسية.

من صلاحيات الرئيس الدستورية حقه في اصدار “اوامر رئاسية” عوضا عن استصدار قرارات معينة من الكونغرس، الامر الذي سيفسح مجال المناورة امام الرئيس اوباما، رغم ما ينطوي عليه من ارتفاع في معدلات الاحباط بين معارضيه تحديدا؛ كما سيوفر ذخيرة هجومية يستغلها خصومه الجمهوريون في الحملة الانتخابية.

مقارنة بهذا المناخ الاجرائي تجدر الاشارة الى ثبات تدهور شعبية الرئيس اوباما في اوساط القاعدة الانتخابية، اذ اشار احد احدث استطلاعات الرأي، معهد كوينبيك، الى تراجع ملحوظ بين الناخبين المستقلين بلغ نحو 62% في اقصاه، و64% بين الذكور، و49% بين الاناث، ونسبة مرتفعة مقلقة بين الناخبين البيض بلغت 65%. بل الاشد قلقا هو تراجع نسب الدعم بين القواعد التقليدية في الجالية اللاتينية (اميركا الجنوبية) الى 43%، والناخبين السود الى 9%.

ينبغي الاخذ بعين الاعتبار مفاصل اللوحة السياسية المذكورة كمقدمة على استشراف نتائج الانتخابات المقبلة، تشرين الثاني 2014، والتي تدل على اضمحلال حظوظ الحزب الديموقراطي في الفوز بأغلبية مقاعد مجلس النواب او الامساك بنسبة الغالبية الحالية في مجلس الشيوخ. النبض الشعبي الراهن يدل على ان نسبة 41% سيجنحون للتصويت الى الحزب الجمهوري مقارنة بنسبة 38 لصالح الحزب الديموقراطي، وهي المرة الاولى التي يغلب فيها دعم الحزب الجمهوري على خصمه الحزب الديموقراطي للعام الجاري. النسبة الكبرى في التحول جاءت من قاعدة الناخبين المستقلين الذين يميلون راهنا لدعم الحزب الجمهوري بأغلبية 41% مقابل 28% لصالح الحزب الديموقراطي؛ بل اعربت اغلبية 47% منهم مقابل 42% عن ارتياحها لرؤية مجلسي الكونغرس تحت سيطرة الحزب الجمهوري.

في اليوم التالي ليوم عيد الميلاد المجيد، نشرت شبكة (سي ان ان) للتلفزة نتائج احدث استطلاعاتها التي افادت باغلبية من الناخبين، 55%، يرجحون الادلاء باصواتهم لصالح مرشحين للكونغرس ممن يناهضون سياسات الرئيس اوباما، مقابل 40% سيؤيدونه. علاوة على ذلك، يضاف عامل غياب  الحماس لدى القاعدة الانتخابية، 22% للديموقراطيين مقابل 36% للجمهوريين، مما سيسهم في تضخيم نسبة الناخبين لصالح الحزب الجمهوري.

مصير قاسٍ ينتظر اوباما

ما سبق استعراضه يمثل اطلالة شمولية على واقع المشهد الانتخابي الاميركي مطلع العام الجديد.

ان صدقت التوقعات بفوز الحزب الجمهورية باغلبية مجلسي الكونغرس، فان ما تبقى للرئيس اوباما من سنتين اثنتين في ولايته الرئاسية ستشهدا وضعا بالغ الصعوبة والألم واللوم. يتميز الوضع الراهن بغالبية للحزب الديموقراطي في مجلس الشيوخ والذي استطاع توفير الحماية المطلوبة لبرامج الرئيس في الانعطافات السياسية الحساسة، والحد من غيلاء وتهور الحزب الجمهوري في مجلس النواب. خسارة اغلبية مجلس الشيوخ سيفرض على الرئيس اوباما استخدام حق الفيتو بوجه خصومه في الكونغرس ضد تشريعات لا يحبذها، وقد يكون بعضها له صدىً ورضىً  جماهيري، على الاقل ظاهريا. بل الاسوأ سيواجه معارضة حتمية من خصومه لترشيحات قد يقدم عليها لملء مناصب في سلكي القضاء والديبلوماسية.

ما سيتبقى له من خيارات لا تتجاوز الثنائية المفروضة قسرا: اما ان يلجأ الى ادخال تعديلات جوهرية على سياساته ودعم مرشحيي الحزب لما تبقى له من ولاية رئاسية؛ او الابقاء على السير في الاتجاه الراهن وما يحمله من مخاطر تهدد مدى القبول الشعبي لاركان حزبه وتنزل هزيمة بينة بمرشحي الحزب العام المقبل.

اللافت للحظة ان الرئيس اوباما يتجنب التعامل مع نتائج استطلاعات الرأي بصورة مباشرة، وربما له اسبابه المحقة سيما وان الاستطلاعات تشكل نافذة زمنية قابلة للتعديل نظرا لتغير الظروف. وكما اثبت معظم اسلافه من الرؤساء، فقد يلجأ للاستعانة بالسياسة الخارجية وما يعتبره من انجازات في هذا الصعيد يستغلها في المشهد الداخلي لصالحه. وعلى رأس تلك الانجازات، ربما المصيرية بالنسبة لمستقبل الولايات المتحدة، تبرز التسوية النووية مع ايران بصرف النظر عما يعتريها من عقبات لمصادقة الكونغرس عليها في الزمن المرئي.

هنا تبرز الاهمية الاستثنائية للدعم الشعبي الذي سيحتاجه اوباما في تأييد الاتفاق النووي، وهو المدرك بدقة ان معركته في الملف الايراني نواتها الدعم الشعبي الذي ضاق ذرعا من سياسات شن الحروب في مواجهة ممثلي قوى الضغط المتضررة من الاتفاق ممثلة باعضاء الكونغرس من الحزبين. ان صدقت استطلاعات الرأي في الشأن الايراني، فانها تشير حاليا الى شبه انقسام عامودي على الصعيد الشعبي: 44% مؤيد للاتفاق مقابل 46% معارض له، رافقه صعود في نسبة عدم الرضى العام عن اداء الرئيس اوباما من 40 الى 48%.

ما يفاقم مستقبل الاتفاق النووي ايضا معارضة بعض النواب عن الحزب الديموقراطي له لحسابات سياسية داخلية واقتداء بولائهم المطلوب “لاسرائيل،” وخاصة اولئك المقبلين على خوض الانتخابات لاعادتهم لمواقعهم في الكونغرس؛ اعرب بعضهم دون وجل عن عزمه لاستصدار تشريع جديد يشدد العقوبات الاقتصادية. ايران، بدروها، هددت اعضاء الكونغرس بالانسحاب من مفاوضات الملف النووي كليا في حال المضي بسن تشريع عقوبات جديدة، مما سيضاعف الكلفة السياسية للفريق الاميركي المعارض – في مستوى المكانة الدولية على الاقل. بالمحصلة، قد لا يحالف النجاح جهود الرئيس اوباما لمصادقة الكونغرس على الاتفاق ليصبح فاعلا، في المدى المرئي، بيد ان ذلك لن يعني بالضرورة عدم مضي الطرفين الى نهاية طريق المفاوضات والمراهنة على تعديل موازين القوى الداخلية الاميركية في فترات لاحقة.

التسوية في “الشرق الاوسط”

في ملف السياسة الخارجية للرؤساء الاميركيين، يحضر دوما بند التوصل “لاتفاق سلمي للصراع في الشرق الاوسط،” تم اختزاله تدريجيا الى “صراع فلسطيني – اسرائيلي،” مما افقده العمق والرعاية والدعم العربي الاشمل. وبرح كل رئيس اميركي، منذ عقد الستينيات مرورا بالزمن الراهن، الى استدخال تلك  العبارة في الخطاب السياسي للدلالة على انخراط البلاد في “حماية اسرائيل،” وتغاضي تام عن حقيقة الجهود الضرورية  لتسوية وضع الضحية من الشعب الفلسطيني باكمله. لا يجوز لأي متابع للسياسة الاميركية استبعاد عنصر الانتخابات الداخلية كمعيار يحتذي به الرؤساء دون استثناء. ومن هذه الزاوية الضيقة يمكننا الاشارة الى دوافع وزير الخارجية الاميركية، جون كيري، لحث الخطى بين طرفي الصراع، بعد نزع وعزل البعد العربي، للتوصل الى صيغة تسووية قبل موسم الانتخابات الاميركية – كي تتمكن الادارة من استثمارها في البازار الانتخابي.

من المستبعد ان يتم التوصل الى اتفاق على هوى الرئيس اوباما وجون كيري بحكم الاستقطابات السياسية الداخلية، وقدرة اللوبي اليهودي على حرف المسار وافشاله في الكونغرس بالاتساق مع “السياسة الاسرائيلية” التي لن تستسلم بسهولة لهزيمتها في الملف الايراني. لا يخفي ذاك الفريق نواياه للصدام المباشر مع الادارة الاميركية، ان تتطلب الأمر، بصرف النظر عن بنود تقيد اي اتفاق مقبل؛ اذ لا يقبل اركانه اي مساس باستراتيجية الضم والهيمنة “الاسرائيلية” على ما تبقى من فلسطين ارضا وموارد طبيعية. الطرف الاميركي المقابل يشحذ عناصر قوته وامتداداته بالتحذير من “انفجار انتفاضة فلسطينية ثالثة” موجهة للرأي العام “الاسرائيلي” والاميركي على السواء. للدلالة، نشير الى مقالة مترجمة لوزير التعليم العالي السابق في “السلطة الفلسطينية،” على الجرباوي، نشرتها يومية “نيويورك تايمز،” قبل بضعة ايام، قائلا “لا يستغربن احدكم لو اندلعت انتفاضة جديدة في الاشهر القليلة المقبلة .. نظرا لانسداد الافق السياسي” امام السلطة “المهددة بالانهيار جراء الضغط الاميركي للقبول باتفاقية خيانية” تتنكر للمباديء.

بديهي ان اي اتفاق مرتقب سيأتي ثمرة لجهود تدخل اميركية وينبغي حصوله على موافقة ومصادقة الكونغرس ليصبح نافذ المفعول. عند هذا المفصل بالذات تبرز اهمية ونفوذ اللوبي اليهودي واعضاء الكونغرس المؤيدين “لاسرائيل” لتعطيله، ان رأوا فيه ما يلحق بها الضرر، وابتعاد النواب الديموقراطيين عن الرئيس اوباما وتجديد الولاء “لاسرائيل” كضمانة للفوز في الانتخابات وتدفق الدعم المالي. وعليه، تضخّم حجم ونفوذ “اسرائيل” على الادارة الاميركية وتلعب دورا بارزا في تقرير مصير الطرف الفائز في الانتخابات النصفية المقبلة؛ سيما ان تم الاخذ بعين الاعتبار عامل الدور الاكبر للكونغرس في السياسات الداخلية، يعززه عامل اخفاق الرئيس اوباما في كسب ود الممثلين.

صراع السلطتين التنفيذية والتشريعية

يبرر البعض خطأَ انسداد الافق لتعاون سياسي بين السلطتين التنفيذية والتشريعية بجنوح الرئيس اوباما لتخطي هيكلية الكونغرس. اذ ان بعض السياسات التي يروج لها اوباما لا تحظى باجماع شعبي منذ البداية، كموضوع اصلاح قوانين الهجرة. وينسحب الامر ايضا على الاتفاق النووي مع ايران الذي يلقى معارضة وازنة من اعضاء في الحزبين السياسيين، فضلا عما فعلته وسائل الدعاية والاعلام من تجهيل الانسان العادي فيما يتعلق بهذا الشأن. واضطر البيت الابيض الى استغلال قدر لا بأس به من الرصيد السياسي المدخر في التواصل مع زعامات حزبية في مجلسي الكونغرس وحثها على التريث وعدم استباق التوجهات الرئاسية بشأن ايران وتحذيرها مما ستؤول اليه جهودها من انزال انتكاسة في هيبة الولايات المتحدة وموقع رئيسها.

اوباما لن يشذ عن القاعدة للرؤساء الذين لجأوا لاستخدام صلاحياتهم الدستورية لاصدار قرارات رئاسية نافذة المفعول، والتي عادة ما ينظر اليها بأنها اسلوب ينم عن موقع ضعف، ولا يتساوق مع الشفافية الديموقراطية في استصدار القرارات عبر السلطة التشريعية. من مخاطر تلك الاجراءات، لو اقدم عليها اوباما، انه سيفسح المجال لخصومه السياسيين في الحاق الهزيمة به داخل اروقة الكونغرس دون دفع ثمن ذلك سياسيا في الانتخابات نظرا لضعف موقعه. كما ان القرارات الرئاسية مهددة باعلانها مخلة بالدستور من قبل السلطة القضائية، او الغائها كليا من قبل الرئيس المقبل، وهي من ضمن الصلاحيات المتاحة.

وعد الرئيس، بصرف النظر عن انتمائه الحزبي، بتخصيص بعض جهوده لحملة دعائية لمرشح معين هي اسمى ما يطمح اليه المرشح، وتؤتي أكلها في الدوائر الانتخابية المؤيدة للرئيس في تلك الفترة الزمنية. في الازمنة التي يعاني منها الرئيس من هبوط في شعبيته، يصبح حضوره الى جانب اي من المرشحين عبئا سياسيا يصعب تجاوزه، بل يتفاداه المرشحون بأي ثمن، كم حصل في عهد الرئيس السابق جورج بوش الابن. اوباما في الفترة الراهنة امام اختبار اعادة تجربة سلفه بوش كعبءٍ سياسي بدل ان يكون رصيدا يمكن التعويل عليه، خاصة بين المستقلين من الناخبين الذين هبط مدى شعبيته عندهم الى نسبة مقلقة، 30%. وجسد استطلاع شبكة (سي ان ان) تلك المخاوف اذ اشار الى ان نسبة الاغلبية من الناخبين، 55%، يتطلعون للادلاء باصواتهم لصالح مرشح يناصب الرئيس اوباما العداء.

في شق تمويل الحملات الانتخابية، لا زال امام الرئيس اوباما فرصة لدعم مؤيديه في حملاتهم الانتخابية، نظرا لمحافظته على استمرار علاقاته مع كبار الممولين؛ بيد ان الوضع الراهن يشير الى عكس ذلك المنطق. اذ بدى على اوباما علامات التخبط واخفاق جهوده لرفد خزائن الحزب الديموقراطي بارصدة مالية عالية، وعدم تحقيق مستويات النجاح المطلوبة لحشد الصالات بالقوى المرشحة للتبرع المالي.

السائد ايضا ان يقدم الرئيس اوباما، اسوة باسلافه، على عرض عمل لعضو كونغرس مؤيد له تلقى هزيمة انتخابية. ما تبقى من زمن قصير للولاية الرئاسية الراهنة يشير الى تراجع فعالية الوعد الرئاسي (كما تجلى في تعيين كريمة الرئيس كنيدي في منصب السفير الاميركي في طوكيو)، خاصة لاشتراط مثول المرشح لمنصب حكومي رفيع امام لجنة مختصة في مجلس الشيوخ، المهدد بخسارته الاغلبية الديموقراطية. وعليه، تضمحل العوامل المغرية لتعاون مرشحين مهددين بخسارة مناصبهم مع الرئيس اوباما.

المحصلة العامة لذاك السيناريو الواقعي تدل على صعوبة مسعى الرئيس اوباما في الدفع قدما باجندته السياسية لاقرارها من الكونغرس. مع افول العام الحالي، بكل ما فيه وعليه من تحديات، تبدو المتاعب والعقبات التي تنتظر الرئيس اوباما مع انبلاج عام جديد شاحبة مقارنة بما سبق.

العقبات التي واجهها اوباما في العام الجاري الذي شارف على نهايته لم تسفر عن تداعيات قاسية، اذ خلا عام 2013 من حملات انتخابية، باستثناء قلة من مناصب حكام الولايات لاسباب تخصها وحدها، وحافظ وحزبه الديموقراطي السيطرة على البيت الابيض ومجلس الشيوخ. الضرر الاكبر لحق سمعته وهيبته وشعبيته لدى السواد الاعظم من الشعب الاميركي.

خيارات اوباما محدودة

امام هذا الواقع، فان خيارات اوباما لرأب الصدع في المشهد الداخلي تبقى محدودة، بل محدودة جدا. كما سبق واسلفنا، فان الجمهور عادة ما يصل مبكرا الى نهاية شوط تأييده للرئيس مع نهاية السنة السادسة من مجموع ولايتيه الرئاسيتين. قد يفلح اوباما في تعديل بعض نسب الدعم لبضعة اشهر قادمة يستغلها في تعزيز مواقع الحزب الديموقراطي، ان لم يتجاوزها، بيد ان المؤشرات الراهنة تدل على عدم القدرة على تخطي النسب المطلوبة لذلك.

في مجال السياسة الخارجية، التي عادة ما تشكل حصان الرهان الاساسي لتعزيز الموقع الرئاسي، اضطر اوباما لاستهلاك قدر لا بأس به من رصيده لانقاذ صفقة الاتفاق النووي مع ايران امام سد من معارضة تتبلور من اعضاء الحزبين.

التحدي الآخر الذي يواجهه اوباما هو انسداد الافق امامه لاحداث نقلة نوعية في منحى السياسات الداخلية والتي باستطاعتها رفده بالدعم المطلوب لتجاوز عقبة تضاؤل الدعم الشعبي، نظرا لضرورة تنسيق جهوده مع الكونغرس ان اراد تجسيد سياساته، في حين تشير الدلائل الحسية الى ازمة حقيقية بينه وبين زعامات الحزب الجمهوري للتوصل الى صيغ عمل توافقية.

في العام الجديد ليس مستبعدا ان يبدد الحزبين السياسيين جهودا ثمينة لتحديد معالم وبرامج وتحالفات الطرف الآخر في مسعى لشحن قاعدتهما الانتخابية، والابتعاد مجددا عن آفاق العمل سوية لاجترار حلول بقيت مستعصية. كما ان لجوء الرئيس اوباما لاتخاذ قرارات رئاسية، رغم ما سيرافقها من تبريرات، لها تداعياتها لا تستثني المفعول العكسي، كما ورد سابقا.

احتدام الصراع السياسي بين الحزبين سيفرز شخصيات بعضها حديث الخبرة والتجربة، وتقوقع الرئيس اوباما “كبطة عرجاء او كسيحة” لا يقوى على اتخاذ قرارات مصيرية، وغير قادر على تقديم العون السياسي المطلوب لمرشحي الحزب الديموقراطي. على خلفية هذا المشهد القاتم، يتطلع قادة الحزب الديموقراطي الى شخص الزعيم الجامع في مكان آخر، وهنا تبرز وزيرة الخارجية السابق هيلاري كلينتون كأحد اقوى المرشحين لتبوأ ذاك الدور، واصطفاف بعض الطامعين الاخرين للعب الدور عينه

الحزب الجمهوري، في المقابل، يواجه تصدعات وصراعات داخلية   برز معظمها للعلن، لكنه يزهو بامكانية فوزه بالسيطرة على مجلسي الكونغرس لضخ بعض اللحمة والحماس بين صفوفه. اعرب بعض قادته مبكرا عن نيته استشراف امكانية خوض الانتخابات الرئاسية المقبلة، 2016، من بينهم مرشح تيار حزب الشاي، تيد كروز، وراند بول وبعض حكام الولايات الحاليين كحاكم ولاية نيوجيرسي كريس كريستي، المتهم بالتوجهات الليبرالية من اقطاب حزبه. وعلى المراقب ترصد حركة الساسة الطامعين في المنصب الذين سيهبون لبدء جولاتهم الاستكشافية في ولايتي ايوا ونيوهامبشير، كما تقتضي لوائح الحزب الجمهوري.

ينذر عام 2015 بمتاعب اضافية للحزب الديموقراطي، واضطرار مرشحي الرئاسة خوض الحملة الانتخابية بالابتعاد عن الارث السياسي للرئيس اوباما، كما شهدنا سابقا في حال الرئيس جورج بوش الابن. مع كل يوم يمضي، يخسر الرئيس اوباما قبول مرشحين عرضه لمناصب حكومية شاغرة في مختلف الاجهزة والدوائر، ونزوع العدد الاكبر للابتعاد عن التماهي مع سياساته وموقعه.

منصب رئيس الولايات المتحدة هو الأهم والاقوى سلطة في العالم اجمع، كما خبره الرئيس اوباما وكل اسلافه من قبله. ويتعين عليه التأقلم مع الشق الآخر من مهنة الرئاسة وما يرافقها من احباطات وتعثر وكوابح قد لا ترد في الحسبان.

التحليل 20-12-2013

التحليل:

ماذا يعني تشكيل قيادة عسكرية مشتركة لدول مجلس التعاون الخليجي؟

اعلن البيت الابيض حديثا عن عزمه تزويد مجلس التعاون الخليجي معدات وخدمات دفاعية معللا أن الخطوة ستعزز السلام العالمي وتوفر الأمن للولايات المتحدة. سيتم التركيز مبدئيًا على تصدير أنظمة الدفاع الصاروخية ومعدات لتأمين الحدود والملاحة البحرية ومكافحة الإرهاب.

الاعلان أتى ثمرة انعقاد الدورة  الرابعة والثلاثين (34)  لقمة دول مجلس التعاون الخليجي، الاسبوع الماضي في الكويت، والتي تلت انعقاد مؤتمر أمني عربي – اسلامي في ابوظبي، مطلع الشهر الجاري، حضره زهاء 29 وزير خارجية ومسؤولين عربا ووزراء خارجية ماليزيا واندونيسيا وبنغلادش؛ تحدث اليه محاضرا رئيس الكيان الصهيوني شمعون بيريز عبر الفيديو من القدس المحتلة وخلفه علم كيانه الغاصب. الصحف “الاسرائيلية” وصفت الخطاب بأنه “حدث تاريخي،” لافتة النظر الى “عدم مغادرة اي من الوزراء المشاركين .. وحضور نجل العاهل السعودي” لسماع الخطاب.

عودة سريعة لمرحلة تأسيس “مجلس التعاون” ككيان ناظم، في عام 1981، والذي كان بتوجيه آل سعود، الاسرة المالكة في الجزيرة العربية، التي ما برحت تبحث عن أطر ووسائل واشتقاقات لاستبدال اواصر العروبة وروابطها واطرها وما تبقى من تجلياتها، وتوصلت لمخرج يفضي بانشاء مجلس التعاون الخليجي. اللافت تاريخيا ايضا ان التبريرات الرسمية آنذاك، على لسان مسؤولي الاسرة المالكة، أن المجلس ليس جزءاً من الجامعة العربية، بصرف النظر عن هوية وفاعلية تلك المؤسسة من عدمه.

تبلور الاستراتيجية الاميركية في منطقة الخليج

النقلة النوعية في الاستراتيجية الاميركية لتكثيف تواجدها في منطقة الخليج العربي تعود الى عام 1974، تبلورت في خضم أزمة امدادات النفط ابان فترة ولاية الرئيس الاسبق ريتشارد نيكسون. وتشير الاوراق الخاصة لوزير الخارجية الاسبق، هنري كيسنجر، الى تقديم عرض “ثنائي بالاشتراك مع الرئيس نيكسون” الى العاهل السعودي الملك فيصل يقضي “باقامة علاقة خاصة ومميزة (بين اميركا والسعودية) .. مقابل استئناف ضخ النفط باسعار معقولة” للاسواق الدولية. ويتضمن العرض، حسب توثيق كيسنجر في ملفاته المفرج عنها حديثا، التزام الولايات المتحدة بتوفير “سبل العون للحكام في السعودية لسحق المعارضة السياسية في الداخل والخصوم الايديولوجيين في الخارج ..” اي ان الولايات المتحدة ستنخرط مباشرة في حماية النظام الملكي في السعودية. وسرعان ما وصل فريق تابع لوزارة الدفاع الاميركية، البنتاغون، للرياض لوضع اسس استراتيجية عسكرية اميركية – سعودية مشتركة “لضمان أمن المملكة.” (وثيقة كيسنجر مذيلة بتاريخ 11 آذار 1974، أتى ذكرها في مؤلف آندرو سكوت كوبر “ملوك النفط،” 2011، ص 158، 161). وتصاعد الدور الاميركي خلال عهد الرئيس جيمي كارتر في عقد الثمانينيات وتشكيله القوات المركزية للتدخل السريع في منطقة الخليج.

الاعلان الاميركي الرسمي الاخير أتى ايضا على خلفية مفاوضات جنيف النووية مع ايران، والذي اثار الاتفاق المعلن معها خيبة أمل كبيرة وتعبيرات غاضبة لدى الأسرة المالكة وبعض الدويلات التابعة في فلكها في الاقليم، رافقها ايضا خيبة أمل قادة الكيان الصهيوني. في هذا السياق، يشار الى حضور وزير الدفاع الاميركي، تشاك هيغل، منتدى “حوار المنامة في البحرين، 7 كانون الاول الجاري، اذ اوضح ان الولايات المتحدة تنظر الى بيع اسلحة اميركية للدول الاعضاء في المجلس باعتبارها “منظمة واحدة وليس على اساس فردي فقط،” كما كان الأمر عليه في السابق؛ وحثه الدول الاعضاء على “انشاء حلف عسكري .. والعمل بطريقة منسقة” لترتيب تسلمها الاسلحة الاميركية الموعودة التي بلغت تكلفتها المعلنة للحظة زهاء 70 مليار دولار.

وزير الدفاع هيغل من جانبه طمأن هواجس الدول الخليجية بتوجهات بلاده لتعزيز تواجدها العسكري بصرف النظر عن استدارتها وتوجهها نحو الشرق الاقصى كأولوية استراتيجية. واضاف ان الولايات المتحدة ستبقي على نحو 35،000 من القوات العسكرية مرابطة في منطقة الخليج تشمل زهاء 40 قطعة بحرية من ضمنها مجموعة حاملات للطائرات ونظم الدفاع الجوي وشبكات الرادار وطائرات مقاتلة واخرى من الدرونز “التي باستطاعتها الاغارة على اهدافها في فترة زمنية قصيرة.”

سبق اطراء هيغل ببضع سنوات ترويج المملكة السعودية، في عام 2006، لاعتماد مجلس التعاون “قيادة مركزية وقوات لا مركزية،” تساهم فيها كافة الدول الاعضاء؛ اقدمت اثر ذلك بحل “قوات درع الجزيرة،” التي كان تعدادها زهاء 10،000 جندي. واثمرت الجهود السعودية في عام 2009 بانشاء قوة مشتركة للتدخل السريع لدول المجلس، لمواجهة “الاخطار الأمنية” توجتها بالتدخل العسكري المباشر في البحرين مطلع عام 2011.

لاحقا، اوضحت المتحدثة باسم مجلس الأمن القومي الاميركي، برناديت ميهن، طبيعة الأسلحة الاميركية والتي ستشمل معدات “للدفاعات المضادة للصواريخ وأخرى للأمن البحري ولمحاربة الإرهاب.” وتوقفت للقول أن هذا الإجراء يعكس “التزام الولايات المتحدة المتين تجاه دول مجلس التعاون الخليجي، ورغبتها في العمل مع الشركاء في الخليج من أجل تعزيز الاستقرار والأمن في المنطقة على المدى الطويل؛” مستغلة هاجس قلق دول المجلس من تنامي الحضور الايراني في المنطقة. بكلمة اخرى، ان اميركا ستقدم الاسلحة لدول المجلس أُسوة بمعاملتها حلفائها في حلف الناتو لتوريد المعدات العسكرية المتطورة.

تطوير جهود التعاون العسكري بين دول المجلس

نظرا لندرة العامل البشري لجأت الدول الخليجية الى الاعتماد على وسائل التقنية الحديثة لتعويض النقص في عديد القوات المدربة؛ ورصدت ما مجموعه نحو 130 مليار دولار للانفاق العسكري وشراء المعدات الحديثة منذ عام 2012، استثمرت اهمها في نظم الدفاع الجوي والسفن الحربية والطائرات المقاتلة. في هذا الصدد تنبغي الاشارة الى تعاظم دور القوات الباكستانية المسلحة في المملكة السعودية، لتدعيم قوات الاخيرة في الخبرات القتالية، كان احد مؤشراتها لقاء مغلق عقده السفير السعودي في اسلام أباد، عبد العزيز بن ابراهيم الغدير، مع قائد القوات الجوية الباكستانية، الماريشال طاهر رفيق بوت، في مقر قيادة القوات الجوية يوم 6 حزيران من العام الجاري.

لا يسعنا في هذا الصدد الا الاشارة الى الدور التاريخي للمؤسسة العسكرية الباكستانية كأداة تنفيذ تأتمر بأمرة الدول الغربية، بريطانيا سابقا واميركا لاحقا، للتدخل ان تطلب الأمر لحماية النظم الملكية والأسرية في المنطقة، كما تشهد عليه معارك ايلول 1970 في الاردن، بقيادة الجنرال محمد ضياء الحق، الذي كرمه النظام الاردني باطلاق اسمه على احدى الجادات الرئيسة في العاصمة عمان.

تركيز الولايات المتحدة على تزويد دول المجلس بنظم دفاعية ترمي من ورائه الى دمج تلك النظم المتعددة في نظام مركزي لتعزيز قدرات نظم الانذار المبكر واطلاق الصواريخ الدفاعية بشكل اكبر فعالية من النظم الفردية المتناثرة. وعليه، سيزداد الاقبال على شراء نظم دفاعية متطورة من طراز باتريوت / ثاد (نظام الدفاع الجوي للمديات المرتفعة).

آلية شراء الاسلحة قد تعترضها بعض العقبات المتأصلة في رغبة كل دولة على حدة شراء ما تراه مناسبا لسياساتها من النظم المطلوبة، سيما وان مهام مكافحة الارهاب وحماية الممرات المائية لا تستند الى المعدات العسكرية الكبيرة، بقدر ما ترتبط بشكل وثيق بجهود تعاون الهيئات المختلفة فيما بينها. وعليه، فان بلوغ الدول الخليجية مرحلة قيادة متكاملة لادارة العمليات سيعزز آفاق التنسيق فيما بينها؛ واتاحة الفرصة لها، نظريا على الاقل، في توسيع نطاق مهامها واختصاصاتها للافادة المشتركة.

لتحقيق أمن الملاحة الاقليمية ينصح بعض الخبراء العسكريين الغربيين بأنه يتعين على دول المجلس بلورة استراتيجية اوسع نطاقا تفضي بحماية الاقتصادات المحلية بدلا من مجرد حماية الشواطيء الى تسيير دوريات بحرية لحماية التجارة المائية المارة بمحاذاة شواطئها والتصدي للتهديدات الايرانية المحتملة في مضيق هرمز، ورصد ومراقبة التواجد الايراني في مياه الخليج، ونشر سيادتها عبر استعراض قوتها المشتركة على طول شواطيء الخليج ومنصات استخراج النفط في مياهه.

من الثابت ان تسيير دوريات لحماية القوافل البحرية يستدعي جهودا تنسيقية مكثفة، والتي اولت دول الخليج اهتماما ملحوظا فيها عبر انشائها “قوات الحماية البحرية – 152” لهذا الغرض. بالمقابل لن يكون بوسع تلك القوات التصدي لأي ردات فعل انتقامية تصدر عن ايران في حال اقدامها على تعطيل الملاحة البحرية في مياه الخليج اذا تعرضت لهجمات معادية. الامر الذي يتطلب فحص كافة امكانيات قطع الاسطول التابع لدول مجلس التعاون للتيقن من تطوير سبل القيادة والتحكم، واخضاعها لتدريبات تعزز قدراتها على المناورة، كي تتمكن من انجاز مهمة مرافقتها للقوافل البحرية وحمايتها من اي اعتداء. وبهذه الخلفية تمضي دول المجلس في تكثيف مستويات اعتمادها على القطع البحرية الاميركية والتي تمتلك الخبرات والقدرات المطلوبة لتلك المهام.

مهام حماية النقل البحري هي مهام دفاعية بالدرجة الاولى، اما وان رغبت دول المجلس تطوير اساليبها فينبغي عليها الارتقاء الى مرحلة تستطيع فيها تحييد الصواريخ الايرانية المضادة للسفن، وخاصة المنصوبة في جزر تعتبرها الامارات محتلة: ابو موسى وطنب الكبرى والصغرى. تلك كانت الاهداف من التدريبات التي جرت العام المنصرم في مناورات “جزر الولاء” التي اشترك فيها اكثر من اربعين دولة بقيادة الولايات المتحدة تضمنت التدريب على اكتشاف الالغام البحرية وازالتها، وحماية السفن بغية حماية تدفق النفط دون عرقلة حركة الملاحة في الخليج. يضاف الى ذلك انتظام التدريبات السنوية لاسلحة البحرية الخليجية لنزع ومكافحة الالغام البحرية، تعاونها في المهمة نحو 24 دولة اخرى بقدرات مماثلة، تسندها مركبات غواصة مستقلة باحجام متعددة، واخرى اصغر مسيرة عن بعد.

وعليه، كي تبلغ جهود الدول الخليجية مراميها فهي بحاجة ماسة لبلورة نظام فعال لتبادل المعلومات فيما بينها، وانتهاج وسائل ووسائط تعد بالغة الحيوية للحفاظ على الممر المائي خاليا من الالغام قبل نشوب الاشتباكات.

مثالب البنية العسكرية الراهنة في دول الخليج

تدرك دول المجلس عمق الثغرات الاستراتيجية في بنيتها العسكرية ومنظومتها من الاسلحة البحرية المختلفة التي ان أُحسن استخدامها باستطاعتها توفير “قدرة اطول على البقاء” واستدامة الانخراط في عباب البحر وتوفير قاعدة انطلاق برمائية توفر معدات عسكرية ثقيلة، بخلاف القوات الجوية التي تستند الى الهجمات السريعة والخروج الاسرع من مرمى النيران المعادية. الخبراء العسكريون الاميركية اشادوا مرارا بالمعدات والخبرات البرمائية لدولة الامارات، وانها الافضل بين نظرائها من اسلحة دول المجلس خاصة لتنفيذ مهام الانزال لرفد العمليات الحربية. كما يزعم اولئك الخبراء ان سلاح البحرية الاماراتي لديه القدرة على انزال ضربة مدمرة في البنية التحتية لتصدير النفط الايراني، عبر استثماره في التسلح بصواريخ كروز.

لعل البعد اللوجستي هو الأهم في اي استراتيجية عسكرية والتي تعاني دول مجلس التعاون من خلل وتعثر وعقبات في هذا الشأن، الأمر الذي شكل احد المزايا الاساسية لحلف الناتو ابان الحرب الباردة، وعمل الحلف على توحيد اعيرة الذخيرة في مجال الاسلحة الصغيرة، وكذلك الامر في توحيد النظم اللوجستية لتخزين الاسلحة والذخائر بحيث اتاحت الفرصة لوحدة عسكرية اميركية التزود بما تحتاجه من معدات مماثلة من النظام اللوجستي البريطاني، على سبيل المثال، باعتماد العلامات واوصاف البيانات المعتمدة لديها.

تسليح دول مجلس التعاون استند الى التزود بنظم اسلحة كبرى مختلفة وتراجع اهتمامها بالذخيرة المطلوبة لابقائها قيد الخدمة لفترة طويلة. للدلالة، عمدت المملكة السعودية الى شراء زهاء 800 وحدة من صواريخ جو – جو، قبل سنوات ثلاث، عززتها بنحو 1،000 صاروخ دفاعي مضاد للطيران، و 4،000 قنبلة موجهة والتي استخدمتها في قتالها مع “الحوثيين” على الحدود المشتركة مع اليمن في صيف 2009؛ بيد انها استدعت عونا اميركيا عاجلا لاعادة امدادها بما تحتاجه من الاحتياطي في مستودعات القوات الاميركية. بموازاة ذلك، اشترت دولة الامارات ما ينوف عن 400 صاروخ جو- جو يعززه 2،800 قنبلة موجهة، في الفترة من 2007 الى 2011.

النزعات المتنامية لدول المجلس للتسلح تجلت مؤخرا بشراء كميات عالية، اميركية المنشأ، من القذائف والصواريخ المضادة للدروع. واخطرت هيئة التعاون الأمني التابعة للبنتاغون الكونغرس بموافقتها على بيع المملكة السعودية نحو 14،000 وحدة من منظومة “تاو” للصواريخ، اضافة لمعدات تسليحية اخرى بلغت كلفتها نحو 1.1 مليار دولار. كما سيتم تسليم القوات السعودية بما ينوف عن 1،700 قذيفة مماثلة، مما يدل على نيتها لتعزيز مخزونها من الذخائر.

وكما كان متوقعا، فقد حرص الخبراء العسكريون الاميركيون على تجسيد مبدأ الشبكة اللوجستية المتكاملة مما سيوفر القدرة على تحويل الذخائر المطلوبة الى مخزون مركزي لدول المجلس، بسرعة قياسية. كما ان تسلح دول المجلس بذخائر من عيارات متماثلة قد تفسح المجال لطلبات شرائية اكبر حجما واقل كلفة، فضلا عن جهوزيتها عند الحاجة.

وحث الطرف الاميركي دول المجلس على بذل مزيد من جهود التنسيق العسكري فيما بينها كي يتسنى لها معالجة اطياف متعددة من التهديدات، بدءا باعمال ارهابية وامتدادا الى التهديد الماثل من ايران النووية، بالرغم من عدم واقعيته.

التهديدات الماثلة امام قيادة عسكرية متكاملة لدول المجلس

حماية المرافق الاقتصادية: تتربع دول مجلس التعاون على بعض اهم الاهداف الاقتصادية العالمية في المنطقة، تتراوح بين المراكز المصرفية وامتدادا الى منشآت انتاج النفط. فالتهديد لها لا ينحصر في دول خارجية او اقليمية، بل هي هدف موائم للقوى الارهابية التي تسعى لانزال اكبر الضرر وتعطيل التبادل الاقتصادي ان استطاعت الوصول الى مرحلة اغلاق صناعة النفط برمتها.

في هذا السياق، تبرز المنشآت النفطية في المملكة السعودية كأحد اهم الاهداف، لا سيما تلك الواقعة في ميناء رأس التنورة لتصدير النفط، ومصفاة عبقيق الضخمة. وهنا تبرز أهمية توصل دول المجلس الى صيغة تعاون متطورة في مكافحة الارهاب، سيما وهي تنسق مع اجهزة الاستخبارات الاميركية والاوروبية بدرجة عالية في هذا الشأن.

توفير الحماية للمرافق الاقتصادية، من زاوية عسكرية بحتة، تستدعي تطوير وتنسيق كفاءات القوات الخاصة المحمولة في مكافحة الارهاب. تجدر الاشارة الى تحقيق دول المجلس بعض النجاحات في هذا المضمار، اذ اخضعت عناصرها لبرامج تدريب مكثفة اشرفت عليها القوات الخاصة الاميركية والبريطانية على السواء. اما جهود التخصص والتميز وتنسيق جهود الوحدات المختلفة فمن شأنها اعاقة مناخ التوسل للآخر السائد راهنا. للاضاءة على ما سبق، بالامكان توزيع المهام بين دول المجلس بحيث يركن للقوات السعودية الخاصة، مثلا، حماية المنشآت النفطية وبسط سيطرتها عليها، بينما يوكل للقوات الاماراتية ذات الخبرة الاوسع في المهام البحرية حماية واستعادة المنشآت والمنصات النفطية في عرض البحر.

نظم الدفاعات الجوية: تحظى تلك النظم بكل تنوعاتها باهتمامات عالية، وخاصة في سياق الجهود لتكامل الاسلحة. ففي مطلع عام 2006 ارسى نائب وزير الدفاع والطيران السعودي، خالد بن سلطان، منطلقات التوجهات السعودية نحو نظم الصواريخ الايرانية التي اعتبرها بانها تشكل التهديد الاخطر للمملكة السعودية قائلا ان مصدر التهديد “لن يتجسد بسلاح الجو او البحر الايرانيين، او السفن والقوارب البحرية، بل في مجال الصواريخ.”

الثابت ان الاستراتيجية الاميركية تستوجب انخراطا مباشرا، وخاصة في مجال الدفاعات ضد الصواريخ الباليستية، سيما وعند الاخذ بعين الاعتبار تصريحات وزير الدفاع الاميركي، تشاك هيغل، مطلع الاسبوع المنصرم بأن البنتاغون “تعزم على تحقيق دمج افضل لدول مجلس التعاون بغية تعزيز الدفاعات الصاروخية في المنطقة .. وستستمر الولايات المتحدة في تبني وجهة النظر القائلة بأن التوجه المتعدد الاطراف هو الانسب للدفاعات الصاروخية.”

مع التذكير بان سلاح البحرية الاميركية ينشر عدة قطع من الطرادات المسلحة بمضادات للصواريخ في مياه الخليج.

التهديد الايراني المتخيل: منذ زمن صدرت تصريحات متعددة لمسؤولين خليجيين بأن أس العداء يكمن في التهديد النووي الايراني، وليس “اسرائيل،” مما يصب في لب الاستراتيجية الاميركية للمنطقة، ليس في الشق النووي فحسب، بل للأمن الاقتصادي للمجلس ان قررت ايران اغلاق مضيق هرمز وتهديدها للملاحة التجارية. ومن زاوية حساب حداثة الاسلحة الكلاسيكية المتوفرة لدول مجلس التعاون فانها تتفوق على ترسانة ايران. اما في الشق العملياتي فيتعين على دول المجلس اخضاع الاسلحة المشتركة الى قوة متماسكة ان ارادت التصدي لايران بفعالية واستقلالية عن الراعي الاميركي.

المعلومات الاستخبارية الغربية، لا سيما الاميركية والبريطانية، تشير الى نقص المعدات الحديثة المتوفرة لدى سلاح البحرية الايرانية، وان المعدات والامكانيات الاشد حداثة وفتكا، خاصة الزوارق السريعة، هي تحت امرة قوات الحرس الثوري الذي سيلجأ الى كثافة قواته ومعداته لاشغال اسلحة البحرية الخليجية.

ووفق ذات المصادر، فإن ترسانة دول المجلس البحرية تتمتع بمعدات حديثة ذات قدرات عالية باستطاعتها توسيع نطاق مسرح العمليات والبقاء لفترة زمنية اطول في مياه الخليج؛ بعد استثمارها في الحصول على احدث ما يتوفر من سفن الدوريات البحرية سريعة الحركة ومسلحة جيدا، مزودة باجهزة الاستشعار الليلية وقذائف خفيفة دقيقة التصويب ومدافع آلية عديمة الارتداد. وتضيف بأن اسلحة الجو لدول المجلس باستطاعتها توفير مظلة حماية وازنة للقطع والاسلحة البحرية، فضلا عن ميزة الخبرة المكتسبة من خلال المناورات المشتركة مع الاساطيل البحرية الاميركية والبريطانية والفرنسية مجتمعه.

وتجمع المصادر عينها ان ما لدى ترسانة دول مجلس التعاون لا يجوز الاستهانة به “ان توفرت مدارك المعرفة لطواقمها واستخدامها بفعالية.” اذ لديها القدرة على شن عمليات انزال بحرية متواضعة الحجم ضد اهداف ايرانية على طول شاطيء الخليج، فضلا عن امكانية اغارة سلاح الطيران وقصف البحرية لاهداف ومنشآت بحرية ايرانية.

نجاح مواجهات من هذا القبيل تعتمد على توفر الارادة السياسية لاتخاذ قرار حاسم في الوقت المناسب، يسبقه جهود فعالة لدمج القوات والاسلحة المختلفة تحت قيادة موحدة ونظم اسلحة متكاملة.

في هذا الشأن، ينظر بايجابية الى اعلان دول الخليج بلورة قيادة عسكرية مشتركة تسخر طاقاتها مجتمعة للدفاعات الجوية، وبلورة استراتيجية بحرية مناسبة، وحشد الجهود لمكافحة الارهاب – حتى من باب تحديد الاولويات. عوامل الاعاقة لبلوغ ذاك الهدف متعددة، ليس اقلها النزعة الاستعراضية والدعائية لامتلاك اسلحة متطورة وفي تشبث الاطراف المختلفة بالكبرياء الوطني لكل منها مما يحول دون استغلال طاقاتها مجتمعة.

 

التحليل 13-12-2013

التحليل:

دبلوماسية كيري: استرضاء “اسرائيل” اولاً

ضمانات اميركية وترتيبات أمنية من ايران الى فلسطين

            اعلنت الولايات المتحدة، منذ زمن “بعيد” بدءا من عهود الرؤساء روزفلت وترومان وايزنهاور، ان مفهوم الأمن القومي الاميركي يمتد الى الشرق الاوسط بأكمله، اي الهيمنة السياسية والاقتصادية والعسكرية، مفصله الاساسي حماية المشروع الصهيوني لتمزيق بلاد العرب وكياناتها السياسية، ويؤسس لخروج العرب من التاريخ بتقسيم جغرافيتهم الى “امارات اسلاموية،” يجسدها المشهد السياسي الراهن في القرن الحادي والعشرين.

في الاستراتيجية الاميركية

            امعانا في توضيح الاستراتيجية الاميركية وصف احد اهم العقول الاستراتيجية الاميركية، زبغنيو بريجينسكي، الوطن العربي بأنه اقرب ما يكون الى ساحة استقطاب وتسويات وصراع ارادات، بين الدول الاقوى في العالم. (لمزيد من التوضيح  يرجى مراجعة كتابه الصادر عام 1998 بعنوان “رقعة الشطرنج الكبرى The Grand Chessboard” واسهاماته اللاحقة في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية). أهمية بريجينسكي انه لا يزال يعد “الاب الروحي” ومصدر الهام لسياسات الرئيس اوباما واركان ادارته حول العالم قاطبة. بل اعتبر احدهم ان “اوباما صبي بريجينسكي.”

            على ضوء هذه الخلفية الضرورية يمكننا النظر الى الجولة الاخيرة في الرحلات المكوكية لوزير الخارجية الاميركي، جون كيري، واعلانه عما اصطلح على تسميته “مبادرة كيري،” سبقتها مبادرات اميركية اخرى لم تنقطع في جوهر مراميها واهدافها: جون فوستر دالاس، دين راسك، ويليام روجرز، ويليام سكرانتون، هنري كيسنجر، هارولد ساوندرز .. الخ. كيري غلف “مبادرته” للترتيبات الأمنية، التي سنتناولها لاحقا، بالموافقة على انشاء مطار فلسطيني “لكن على الاراضي الاردنية،” يرافقه وضع “اسرائيل” محطات انذار مبكر على كل المرتفعات في نواحي “الضفة الغربية” من فلسطين المحتلة. وحتى لا يبقى تفسير “مبادرة كيري” في باب العموميات والديباجات اللغوية، اوضح “قائد المنطقة الوسطى في قوات الاحتلال الاسرائيلي الجنرال نيتسان الون” في تصريح نشرته الصحف “الاسرائيلية” ان مطالب وادعاءات الفلسطينيين بالسيادة “عبارة عن هراء وتفاهة ..” بل الأهم انه يفند دعوة كيري عينها لصيغة تسوية تفضي الى “دولة فلسطينية.”

مبادرة كيري: الابقاء على أمن “اسرائيل”

            شدد كيري في نهاية جولته التفاوضية على عزم الطرفين، “اسرائيل” والسلطة الفلسطينية، التوصل الى اتفاق حول الحل النهائي في غضون شهر نيسان المقبل “يتناول القضايا الرئيسية، مثل الأمن، ومستقبل القدس، ومصير اللاجئين ..” يشار الى ان الجنرال جون الآن، المكلف حديثا بالترتيبات الأمنية، حضر محادثات كيري مع رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس. وطبقا لمصادر فلسطينية عليمة بلقاء كيري، فان الجنرال الاميركي انجز مسودة خططه الأمنية “بحيث تتيح سيطرة عسكرية اسرائيلية مستمرة للسنوات العشرة المقبلة على منطقة الاغوار – بمحاذاة الحدود الشرقية لأي كيان فلسطيني” مسمى دولة. ودأب الجانب الفلسطيني على ترديد معادلة كيري التي طرحها المتمثلة بعقده “مقاربة بين أمن اسرائيل وسيادة فلسطينية.”

“مبادرة” السيد كيري لم تأتِ بجوهر جديد يستوجب عناء البحث والتدقيق والتمحيص، اذ انها تستند الى الاهداف الاميركية و”الاسرائيلية” المعلنة منذ زمن، نقطة ارتكازها “الاعتراف الفلسطيني والعربي بيهودية الدولة .. وشرعنة المستعمرات “الاسرائيلية،” واقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح.” اما جذورها وفواصلها ونقاط حروفها فقد اشتقت من “اتفاق عباس – بيلين” المعقود عام 1995، والذي تبلور ليصبح “مرجعية المفاوضين السياسيين لمرحلة الحل النهائي،” كما ورد في المصطلحات والتفاهمات السياسية المتتالية منذئذ. وثيقة “عباس-بيلين” وما تبعها من ترتيبات، سميت تفاهمات، تلاها اتفاق آخر اجراه ياسر عبد ربه مع يوسي بيلين عينه، عرفت باتفاق جنيف وتضمنت “المباديء الاساسية للحل النهائي بعلم كل من السيد ياسر عرفات واسحق رابين،” كما اوردته صحيفة “هآرتس” في عددها الصادر يوم 23 شباط 1996.

            واوضح الباحث الفلسطيني، حلمي حنون، ان الوثيقة مكونة من “سبع عشرة صفحة اضافة الى ثلاث ملاحق تتضمن خمس خرائط بيانية تفصيلية بالتعديلات التي تقترحها على حدود عام1967م وعلى حـدود بلدية القـدس الكبرى المنصوص عليها كعاصمة أبدية لإسرائيل، إلى جانب حدود بلدية القدس العربية المسـتحدثة (أبو ديـس وجوارها) كعاصمة إدارية للسلطة الفلسطينية يطلق عليها اسـم “القـدس”، وخارطة تتعلق بالمستوطنات ذات الكثافة السـكانية، وأخرى بمصادر المياه المشتركة.” هآرتس ذهبت ابعد من ذلك قائلة ان الوثيقة تنص على إقرار الطرفين بأن اتفاقيتي أوسـلو(1) و(2) هما الأسـاس الذي يقوم عليه الحل النهائي” المحددة معالمه في هذه الوثيقة. (التشديد في الأصل)

            ومضى جون كيري في توضيح الثابت من توجهاته ومبادرته، نهاية الاسبوع الجاري، ان “أمن اسرائيل” يشكل اولوية قصوى للولايات المتحدة في جولات المفاوضات النووية مع ايران ومع الفلسطينيين. واضاف لمن لم يقرأ تصريحاته بدقة، “لا استطيع اضفاء مزيد من التشديد على ان أمن اسرائيل في جولة المحادثات الراهنة (مع ايران) على رأس سلم جدول اعمالنا .. أمن اسرائيل يعد الركن الاساسي لهذه المفاوضات.”

            أهمية “اسرائيل” بالنسبة للولايات المتحدة لخصها مستشار الأمن القومي الاسبق، وليم كوانت، في عهد الرئيس جيمي كارتر، 1977-1980، بالقول “ان التعامل مع اسرائيل هو بمثابة التنبؤ بربع قرن قادم امامنا، اما التعامل مع العرب فهو تعامل مع سياسة اللحظة الراهنة .. اسرائيل هي الحليف الوفي للولايات المتحدة في المنطقة؛” اكدته ايضا صحيفة “عل همشمار” في عددها الصادر يوم 29 نيسان 1986 بأن “اسرائيل جعلت من جيشها الذراع المستقبلية المحتملة للولايات المتحدة الاميركية.”

ربما المتغير الجديد في “السياسة الاسرائيلية” هو اولوية ايران وبرنامجها النووي مقابل تراجع ملحوظ للمضي في “مفاوضات التسوية” مع السلطة الفلسطينية. الأمر الذي حدا بها الى اطلاق صرخات الاستغاثة العالية لدى عواصم الدول الغربية بضرورة محاصرة تطور البرنامج النووي الايراني، وعدم التوقف عن التهويل بالخيار العسكري ضد المنشآت النووية وغيرها. وكما جرت العادة، فان توجه الكونغرس بمجلسيه نحو المصادقة ودعم اتفاق بهذا الشأن يرتبط عضويا برضى وموافقة “اسرائيل؛” ولا ينتقص منه معارضة الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات “الاسرائيلية،” يوفال ديسكين، الذي انتقد بشدة ايلاء الاولوية لايران على حساب التوصل لتسوية مع السلطة الفلسطينية.

            استنادا الى جملة من المعطيات، باستطاعتنا القول ان “لاسرائيل دور تنفذه من خلف الستار” في المفاوضات النووية الجارية تجسد نظرتها لما تعتبره “قيود مقبولة” تفرض على مستقبل البرنامج النووي برمته. واوضحت يومية “هآرتس” الدور الخفي والاساسي بالقول ان “اسرائيل تبقي على اتصال مستمر بطواقم التفاوض (5+1) .. بغية ادخال الصيغة المقبولة لها في تعديلات الاتفاق، ودرءا للتنازلات التي قد تقدم لايران فيما يتعلق بمفاعلها للمياه الثقيلة في اراك ..”

ترتيبات أمنية مقترحة من كيري لمصلحة “اسرائيل”

            المبعوث الامريكي السابق لـ “عملية السلام” الجنرال جيمس جونز استكمل الترتيبات الأمنية التي بدأها سلفه الجنرال كيث دايتون، الذي ارسى مفاهيم جديدة لعقيدة “قوى الأمن الفلسطينية” محورها “المحافظة على أمن اسرائيل” والمستعمرين اليهود. في عهد جون كيري تم تعيين الجنرال جون آلان في مهمة “المبعوث الاميركي الخاص لقضايا أمن اسرائيل،” لبلورة الاطار النهائي للحل الاميركي. على رأس مهامه، وفق توصيف كيري، مهمة “تقييم التهديدات المحتملة التي تواجه اسرائيل، والمنطقة، وضمان ترتيبات واجراءات أمنية .. لتوفير اعلى مستوى من الأمن لاسرائيل.”

وما لبث جون كيري ان اوضح مجددا مراميه في حديث ادلى به في منتدى صابان، التابع لمعهد بروكينغز، من تعيين الجنرال الآن بالقول: سيرافق الجنرال طاقم كبير من الخبراء يصل عددهم نحو 160 فردا يضم “خبراء عسكريين، ضباط استخبارات وآخرين في نطاق تحليل المعطيات لبلورة تصور في منتهى الجدية يطرح على طاولة المفاوضات.” ويدعم طاقم الجنرال الآن “خبراء ومسؤولين عسكريين يعملون في بضع عشرات من الاجهزة في الولايات المتحدة، تضم مكتب وزير الدفاع؛ وكالة التعاون والأمن (في البنتاغون)؛ وكالة خفض التهديد؛ وهيئة البنتاغون للابحاث العلمية – داربا التي لها الفضل في انشاء شبكة الانترنت؛ عدا عن قيادة هيئة الاركان المشتركة واسلحة القوات البرية والبحرية والجوية ومشاة البحرية – المارينز .. والذين يجرون تنسيقا عاليا مع جيش الدفاع الاسرائيلي .. والشين بيت والموساد .. وكذلك مع الفلسطينيين ..”

مبادرة وتوضيحات كيري، في الشق الفلسطيني والملف الايراني، تثبت مجددا ان ما يهم اميركا في اي تسوية او تفاق مرتقب هو الاتساق مع المطالب “الاسرائيلية،” بصرف النظر عن تصريحات مسؤولين “اسرائيليين” سابقين تدغدغ عواطف الرأي العام، كتصريحات ديسكين مثلا.

“اسرائيل” محور التسويات الاميركية

تدرك “اسرائيل” بدقة، استنادا لتقارير الاجهزة الاستخبارية الغربية، ان ايران تخطت حاجز القدرة على تخصيب اليورانيوم؛ بيد ان الاولى ترغب في تقييد جهود التطوير المقبلة. الأمر الذي يشي “باستيعاب اسرائيل” لقدرة ايران انتاج الجيل الأول من القذائف النووية، وترمي الى حرمانها من التوصل لانتاج الجيل الثاني المتطور. تقنية الجيل الأول للقذائف النووية تستند الى عنصر اليورانيوم 235، والذي من العسير تحميله كرأس حربي على الصواريخ الايرانية بعيدة المدى نظرا لوزنه الثقيل نسبيا (قنبلة هيروشيما الاميركية بلغ وزنها 4.5 طن وطولها 3 أمتار، وقوة الانفجار الناجم عنها عادل 12.5 الف طن من مادة تي ان تي، امتد انتشاره على دائرة قطرها من 3 الى 5 كلم ليفتك بكل ما تواجد على القشرة الارضية، من انسان وجماد.)

وعليه، فان مفاعل اراك للمياه الثقيلة يشكل المنصة لأي رغبة محتملة لايران للدخول في صلب مشروع الاجيال المتطورة للقذائف النووية، نظرا لدوره في انتاج عنصر البلوتونيوم الضروري لانتاج قذائف اصغر حجما واشد فتكا واقل وزنا من الجيل الأول. لهذا السبب، تعارض “اسرائيل” السماح لمفاعل اراك المضي في دورة الانتاج. تقلق “اسرائيل” وعينها على اجهزة التفجير النووية المتطورة والتي يمكن تفعيل صواعقها بسهولة نسبية. فعنصر البلوتونيوم يتعرض لتفجير داخلي باستخدام صواعق ومواد تفجيرية متطورة ليصل الى الكتلة الحرجة المطلوبة. للبلوتونيوم خاصية اخرى تتعلق بتطويع مكوناته لانتاج قذائف بالتفجير الحراري صغيرة الحجم والوزن، مما يعزز من اهميته في تحميل الرؤوس المتفجرة على صواريخ قاذفة. ومن هنا يمكن الاستدلال على كنه القلق “الاسرائيلي” لجهود تخصيب اليورانيوم القائمة في ايران، ومطالبتها الدول الغربية بموقف متشدد من جهود ايران كي تتسق مع تحويل مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة 20% (190 كلغم) الى اوكسيد اليورانيوم الذي لا يدخل في تطوير وصناعة الاسلحة النووية.

سيناريو “اسرائيل” الخيالي لهجوم عسكري

اضافة لما تقدم، يبقى هاجس “اسرائيل” بشن هجوم عسكري على ايران يراود صناع القرار كوسيلة ابتزاز للدول الغربية، وعلى رأسها اميركا، بعد ارجائها للخيار العسكري ضد ايران. وتطمح “اسرائيل” للحصول على تطمينات “سرية” اميركية تنص على السماح لها بشن هجمات عسكرية ضد المنشآت النووية الايرانية، في حال الفشل بالتوصل الى اتفاق مع ايران، وفي نفس الوقت تعتبر موافقتها الضمنية بالغة الاهمية لاتفاق يتوصل اليه الاميركيون مع الطاقم الايراني المفاوض.

من غير المستبعد حصول “اسرائيل” على موافقة اميركية بهذا الشأن سيما وانها لن تشكل سابقة لضوء اخصر اميركي للجوء الى الخيار العسكري نيابة عنها. ومن المرجح ان تطالب “اسرائيل” بضمانات عدة من واشنطن، منها عدم تعرضها لاجراءات مقاطعة تقودها الولايات المتحدة نتيجة للهجمات العسكرية، وكذلك حماية الدول “الخليجية” والاخرى الميسرة لمرور سلاحها الجوي فوق اراضيها؛ وضمان “تجاهل” القوات الاميركية المتعددة في منطقة الخليج لتنفيذ عدوانها ضد ايران؛ واخيرا ضمان وصولها لاستخدام اسلحة اميركية جد متطورة، مثل القنابل الخارقة للتحصينات.

تطوير العلاقات العسكرية المشتركة بين “اسرائيل” والولايات المتحدة ليس امرا او مطلبا طارئا، بل ستطالب الاولى بالمزيد من المعدات والاجهزة واجراءات التنسيق، للمحافظة على مكانتها كقاعدة عسكرية متقدمة ومتطورة تقوم بمهام الولايات المتحدة نيابة عنها. ومن المجالات البارزة في هذا الشأن، منظومات الدفاع الصاروخية ضد القذائف قصيرة المدى والمديات البعيدة، الامر الذي تعتبره “اسرائيل” مقدمة لموافقتها على تحسين نطاق معاملتها للسلطة الفلسطينية.

“التسوية” الفلسطينية تمر عبر نفق طهران وجنيف

 الاصرار بتوفير الضمانات الاميركية “لأمن اسرائيل” يشكل العنصر الطاغي في مكونات سياسة الادارة الاميركية في الشرق الاوسط. تخلف “اسرائيل” عن دعم اتفاق مع ايران، ولو ضمنيا، سيفرض الفشل لاي مساعي لاتفاق بهذا الشأن، لا سيما اذ نظرنا الى دخول عامل الكونغرس بمجلسيه لتلبية متطلبات الاولى والذي ابدى جهوزيته لانزال عقوبات اقتصادية متشددة ضد ايران مما سيبطل مفعول اي اتفاقية واعاقة الجهود التالية لاحراز تقدم في التوصل لحل ديبلوماسي للأزمة السورية.

عقد توازن بين مطالب ايران و”اسرائيل” هي أس مهمة كيري الديبلوماسية، بحيث يتاح لايران القدرة على تخصيب اليورانيوم على اراضيها، ووعيه لعزم “اسرائيل” حرمان ايران من تطوير جهودها لاقتناء الاجيال التالية من المعدات والصواعق النووية.

يدرك كيري والرئيس اوباما سويا ان موافقة “اسرائيل” على الاتفاق النووي مع ايران مشروطة بابقاء الخيار العسكري قيد التداول برغم معارضة الرئيس اوباما لشن الاولى هجوم عسكري على ايران، بل ستلح على “حقها في اللجوء اليه.” خلافا لذلك، من شبه المؤكد ان تمضي “اسرائيل” في جهودها لتقويض الاتفاق عبر حلفائها الكثر في مجلسي الكونغرس.

من مصلحة “اسرائيل” مطالبة اميركا تكثيف تواجدها العسكري في المنطقة لمستويات ابعد من الحالة الراهنة، على ضوء العلاقات الثنائية المتوترة بين اوباما ونتنياهو. اذ يعتقد الاخير ان مزيدا من عسكرة المنطقة ستدفع ايران الى التفاوض للتوصل الى اتفاق، ويتيح في الوقت نفسه الفرصة للتوصل الى ترتيبات أمنية مع السلطة الفلسطينية.

السياسة الاميركية في المنطقة في عهد كيري تستدعي التوصل الى اتفاق نووي مع ايران ثمرة لمفاوضات جنيف، بحيث تصبح مقبولة لدى ايران و”اسرائيل،” التي تطالب بترتيبات أمنية اضافية مع فريق السلطة الفلسطينية. الزمن كفيل بالاجابة على مدى فعالية وحنكة جون كيري التوصل الى ذلك من عدمه.

التحليل 06-12-2013

التحليل:

على نتنياهو ان يقلق أكثر …

تحولات الصوت اليهودي في اميركا

ابتزاز اللوبي “الاسرائيلي” للساسة والسياسيين الاميركيين امر مسلم به، بل يذهب الى مديات مهينة في بعض المحطات. السيناتور اليهودي عن الحزب الديموقراطي شاك شومر، يتقدم كنصل السهم محاولات تخريب الاتفتاح الاميركي على ايران، ثمرة للمتغيرات الدولية ومساعي اميركا تقليص خسائرها الكونية، من موقعه المؤثر وبالغ الأهمية في عضويته بلجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ ونفوذه الوسع في اوساط الجالية اليهودية. ثمة من ينكر ذاك الواقع والتحولات بالتزامن مع صعود قوى اقليمية، وتنامي قلقلها لا سيما دول الخليج العربي، التي فرضتها “استدارة” الاستراتيجية الاميركية الكونية بعيدا عن سياسة القطب الاوحد والاملاءات السياسية السابقة.

التهويل من قدرات ايران المتنامية اضحى “العفريت” الذي يؤرق القوى الاقليمية، سيما وان الكيان الصهيوني يدرك بدقة انشغال سورية في محنتها الداخلية، ومصر تشهد ايضا تحولات جارية تعيق قدرتهما معا على التحدي الفعال للهيمنة “الاسرائيلية” في المدى المنظور، بصرف النظر عن برود الالتزام باتفاقيات كامب ديفيد. ايران بالنسبة “لاسرائيل” هي العدو الماثل، عززها تصريحات متتالية لبعض اركان الاسرة السعودية بذات المضمون.

تصدعات في مسلمات سابقة

يدرك قادة “اسرائيل” وجهة التحولات الداخلية في الساحة الاميركية، وما تشكله من زعزعة الاعتماد والاستناد التلقائي على دعم لا محدود، شعبيا ومؤسسات حكومية. وبرز في الآونة الاخيرة بعض الامتعاض العلني داخل صفوف الجالية اليهودية نتيجة “استعداء وتحدي” بنيامين نتنياهو الادارة الاميركية بعيدا عن الكياسة الديبلوماسية وتنكرا لدور التابع للاستراتيجية الاميركية في الاقليم، كما يعتقد البعض. وقد اصاب الفرضية والمسلمات السابقة بعض الاهتزاز، سيما وان اصطفاف ودعم الجالية اليهودية والحزب الديموقراطي للسياسة “الاسرائيلية” بدى عليها بعض التصدع، ولا نقول نهائي.

 ادرك الرئيس اوباما مبكرا ان المضي في ابرام اتفاق “مؤقت” مع ايران سيسبب له متاعب داخلية، بعضها من تيارات داخل الحزب الديموقراطي جنبا الى جنب مع معسكر الحرب والمحافظين الجدد، وما يمثلونه من مصالح ونفوذ. اللافت ان الاتفاق المؤقت لم يثر ردة فعل معارضة شاملة ومنظمة داخل اوساط الجالية اليهودية، كما درجت العادة، بل شكل فالقا لشق معارضتها على الرغم من رفض نتنياهو وحكومته للاتفاق جملة وتفصيلا.

اضحى الاستخفاف والاحتقار المتبادل بين الرئيس اوباما ونتنياهو مادة دسمة للصحافيين ومتابعين الشأن العام، والتي برزت على الملأ منذ بضع سنوات في احدى زيارات بنيامين نتنياهو لواشنطن، رافقها رصد بعض المراقبين مغادرة اوباما لقاءه المقرر مع نتنياهو والانصراف لتناول الطعام مع عائلته، بغض النظر عن دقة الرواية، الا انه ينطوي عليها مؤشرات ستطبع علاقتهما المضطربة لاحقا. بعد بضعة اشهر على تلك الحادثة، “ثأر نتنياهو” بوقاحة فاقعة بازداء النصح لاوباما في لقاء صحافي مشترك بالبيت الابيض مذكرا مضيفه بسياسة “اسرائيل” الثابتة حول الاستمرار ببناء المستوطنات وان “عمق اسرائيل قبل عام 1967 لم يتعدى 9 أميال (14.5 كلم) والتي لم تكن حدودا لارساء السلام، بل لشن حروب متتالية.”

وتدنت العلاقة الثنائية مجددا في اواخر عام 2011 حينما نقل عن الرئيس الفرنسي السابق، نيكولا ساركوزي، قوله لاوباما “لا استطيع استساغة نتنياهو؛ فهو كذاب ومراوغ،” ورد اوباما عليه بالقول “انا مضطر للتعامل معه بوتيرة اكبر مما كان عليك القيام به.”

انتقاد قادة “اسرائيل” لا يعني خسارة تلقائية في الانتخابات الاميركية

في ازمنة سابقة، كان نقد زعيم “اسرائيلي” علنا كفيل بترك تداعيات سياسية على مستقبل الرئيس الاميركي وخسارته لجولة الانتخابات المقبلة. اما الرئيس اوباما فقد فاز بولاية رئاسية ثانية بجدارة امام مرشح عن الحزب الجمهوري، ميت رومني، تربطه صداقة شخصية متينة بنتنياهو. وتفوق اوباما على رومني آنئذ بالفوز باصوات الولايات التي تقطنها جاليات يهودية كبرى: نيويورك، فلوريدا وبنسلفانيا.

يجدر التوقف امام ظاهرة انتقاد اوباما لبنيامين نتنياهو والفوز باغلبية الاصوات اليهودية في آن معا

عدة عوامل تتحكم بذلك ذات ابعاد سياسية واجتماعية، لعل اهمها التحولات التي أثرت على اصوات الناخبين اليهود والجالية اليهودية بشكل أعم. من المفارقة ان الناخبين المؤيدين “لاسرائيل” يتواجدون بكثافة داخل اوساط الكنائس الانجيلية في الولايات الجنوبية تحديدا الاشد انحيازا “لاسرائيل” مما قد يجده المرء داخل مراكز التجمع والتعبد اليهودية – كما اشار عدد من استطلاعات الرأي في رصد تلك الظاهرة، ابرزها معهد “بيو” الذي افاد ان تطورا ما طرأ على مشاعر “اليهودي الاميركي العادي .. باستثناء اليهود الارثوذكس” من مختلف قضايا الشرق الاوسط.

ومضى الاستطلاع بالقول ان اليهودي الاميركي يعاني ازمة هوية “يهوديته،” واضحى منخرطا في البوتقة الاميريكية بصورة اكبر من انتمائه كيهودي. واضاف استطلاع “بيو” ان نحو 71% من اليهود من غير الارثوذوكس يتزاوجون باقران من غير اليهود، وزهاء 65% منهم لا يلتزمون بالشعائر اليهودية وارتياد الكنس؛ مما يؤشر على تباين واضح في “دعمهم الاعمى لاسرائيل.”

وفيما يتعلق بآراء اليهود الاميركيين من “اسرائيل،” افاد “بيو” ان نحو 61% من اليهود يعتقدون بفعالية حل الدولتين “تعيشان بسلام جنبا الى جنب،” بينما اعرب نحو 54% من اليهود عن اعتقادهم بثبات معدلات الدعم “لاسرائيل” كدولة يهودية؛ وانتقاد زهاء 31% منهم الولايات المتحدة لما يعتقدونه بفتور دعمها “لاسرائيل.” الارقام المشار اليها تشكل صدمة للمشاعر السابقة طيلة عقود متتالية “بالدعم الاعمى واللامحدود لاسرائيل،” والتي شهدت اشبه ما يكون بالتماهي بين السياسات “الاسرائيلية” وتوجهات الغالبية الساحقة من اليهود الاميركيين، والذي من بين مزاياه واعتباراته تحدر غالبية اليهود في اميركا من اصول اوروبية، اواسط وشرق اوروبا بالتحديد، على غرار معظم المستعمرين اليهود في فلسطين المحتلة. يذكر ان عددا لا باس به من يهود اوروبا هاجر الى فلسطين بهدف استعمارها منذ نهاية القرن الثامن عشر، اتوا من اراضي الامبراطورية الروسية القيصرية.

من ضمن العوامل التي ادت الى بعض التحولات الكبرى في العقدين الماضيين تباعد الفجوة بين اليهود السفارديم، الآتين من البلدان العربية، واليهود الاشكناز المهاجرين من دول اوروبية واميركية، وتشدد الاراء في المعسكرين. فالمسألة الدينية والتفسير اللغوي لها ومواكبتها مع متطلبات العصر ساهمت في اتساع الهوة بين الطرفين. فاليهودي الاميركي جنح بعيدا عن الالتزام الثابت بالتقاليد اليهودية القائمة على الانعزال والتشدد، مقابل تزمت وتشدد قادة “اسرائيل” وتمسكهم بحرفية النصوص الدينية. استطلاع معهد “بيو” افاد ان ميل اليهود الاميركيين نحو عدم الايمان والتشكيك بوجود بالخالق بلغ نحو ثلاثة اضعاف ازاء الفرد الاميركي العادي من المسألة عينها.

أثر السرديات التوراتية والاسقاطات الدينية

ثبات نفوذ المتشددين المتدينين من اليهود في الحكومات “الاسرائيلية” المتعاقبة اسهم في ابتعاد العلمانيين من اليهود الاميركيين عن السرديات التوراتية الكلاسيكية، ربما بفضل اسهامات المؤرخ شلومو ساند في كتابه “اختراع الشعب اليهودي،” (اصدار 2010) وكتاباته اللاحقة بذات المغزى ولماذ لم يعد يشعر بيهوديته، سبقه العلماني “اسرائيل شاحاك” في كتاباته الناقدة للاساطير اليهودية وخرافتها؛ وكذلك روجيه غارودي في كراسه “الاساطير المؤسسة للسياسة الاسرائيلية؛ “وتوكيدا على مقولة كارل ماركس في اسهامه “حول المسألة اليهودية،” 1843 ، نقتطف اشهر ما ورد فيه:  “لا يجب أن نبحث عن سر اليهودي في دينه، بل فلنبحث عن سر الدين في اليهودي الواقعي … ما هو الأساس العملي لليهودية؟ المصلحة العملية والمنفعة الشخصية…،” ويضيف الكراس: “المال هو إله إسرائيل المطماع… هذا هو الإله الحقيقي لليهود… وقومية اليهودي الوهمية هي قومية التاجر، قومية رجل المال.”

تيار اليهود العلمانيين اقترب اكثر من سياسة مرنة تبناها بعض اقطاب الحزب الديموقراطي حول مسائل الشرق الاوسط، التي لا تبتعد عن جوهر السياسة الاميركية الثابة واولويتها في حماية “اسرائيل،” واثمر تنظيم مواز للوبي “اسرائيلي” تحت مظلة “جي ستريت،” يدين بالولاء “لاسرائيل،” ويحبذ انتهاج توجهات اكثر حرفية من المتشددين، وفاز بدعم اوساط يهودية معتبرة.

التحول اليهودي نحو الحزب الجمهوري

من خصائص الحزب الديموقراطي ان تراثه التاريخي يضعه في سياق متسامح وعلماني اكبر مقارنة مع خصمه الحزب الجمهوري – مع التأكيد ان الحزبين يتنافسان على تمثيل مصالح ذات الطبقة الرأسمالية بحماس منقطع النظير. ورأى البعض في امتعاض مندوبي مؤتمر الحزب الديموقراطي، 2012 لاعادة ترشيح الرئيس اوباما، من محاولة الزام المؤتمر بنقل السفارة الاميركية من مقرها في تل ابيب الى القدس مؤشرا على نفاذ صبر القاعدة الحزبية من سيطرة الخطاب الموالي “لاسرائيل،” وابتعادا عن روحية انفتاح الحزب – مقارنة بنقيض ذلك داخل اروقة المؤتمر العام للحزب الجمهوري الذي انعقد في فترة زمنية قريبة.

التقرب من كنه المستويات الحالية المؤيدة “لاسرائيل” تشير الى انها تجد ارضيتها الخصبة بين اوساط اليهود الارثوذوكس، لاسباب عقائدية واساطير تلمودية – والذين ربما يميلون الى دعم الحزب الجمهوري بوضوح اكبر؛ وكذلك بين الانجيليين من المسيحيين البروتوستانت الذين يمثلون حجر الرحى في دعم “اسرائيل” على الساحة الاميركية.

 وقد دلت احصائيات معهد “بيو” على توفر نسبة دعم من بين البيض الانجيليين تمثل “ضعف مثيلتها بين اوساط اليهود،” 82% مقابل 40%، سيما لناحية الاعتقاد بأن “الرب منح الارض لاسرائيل.” ويضيف “بيو” ان تلك الارقام تدل ايضا على تدني نسبة الايمان بالخالق بين اوساط اليهود 72%، مقارنة مع ايمان كافة الانجيليين تقريبا بوجود الخالق. واردف المعهد انه فيما يخص اعتقاد البعض بمنح الرب الارض “لاسرائيل،” فان نسبة اليهود متدنية ايضا اذ بلغت 55% مقابل 82% بين اوساط الانجيليين.

وعليه، استنادا الى استطلاعات “بيو” باستطاعة المرء استنتاج تأييد عدد اكبر من الانجيليين البيض البروتوستانت (69%) لسياسة اميركية تحابي “اسرائيل” أعلى من تلك بين اوساط اليهود الاميركيين (54%)

 تداعيات الهجوم على مركز التجارة العالمي، 11 سبتمبر 2001، اسهمت في ميل المزيد من الانجيليين البروتوستانت البيض لتأييد سياسة اميركية مناهضة للعرب والمسلمين، لاعتقادهم ان الاعتداءات التي قيل ان تنظيم القاعدة وراءها كانت اعتداء على الهوية المسيحية بقدر ما كانت اعتداءا على الاراضي والمعالم الاميركية. وعزز خطل هذا الرأي هجمات قام بها متشددون من الجماعات الاسلامية المختلفة ضد المسيحيين في كل من مصر وسورية، مما فسح المجال مجددا “لاسرائيل” استغلال تلك الفجوة لصالحها وتعزيز اواصرها بمجموع المسيحيين الانجيليين.

ولاء الحزام الانجيلي اقوى

 في المستوى السياسي، يتم ترجمة وتجسيد تلك المشاعر الى تأييد وجهة نظر “اسرائيل” دون مناقشة في اغلب الاحيان، سيما وان غالبية الانجيليين يظهرون نظرة اخف تفاؤلا من اليهود فيما يتعلق بآفاق التسوية السياسية للقضية الفلسطينية. واعربت اقلية من الانجيليين البيض، 42%، عن اعتقادها بقيام تعاون ما بين دولة فلسطينية و”اسرائيل،” مقابل اعتراض 50% منهم؛ ودعم نحو 61% من اليهود لحل الدولتين.

 تلك الارهاصات والتحولات الاجتماعية لم تغب عن اهتمامات القيادات “الاسرائيلية،” يجسدها الحفاوة النسبية التي يتلقاها بنيامين نتنياهو في ترحاله اينما حل على الولايات المتحدة وتصدر شبكة البث المسيحية للتلفزيون لاجراء مقابلات معه، مما يوفر له منصة لمخاطبة قاعدة مؤيديه من الانجيليين. يضاف الى ذلك عامل نشأته في الولايات المتحدة واتقانه مخاطبتها بسلاسة والتواصل مع القيم والعادات الاجتماعية السائدة.

 في المحصلة العامة، يمكننا القول ان تحولا قد طرأ على المشهد السياسي الاميركي نحو “اسرائيل.” في السابق رافق المواقف السياسية العلنية المؤيدة “لاسرائيل” امتيازات سياسية لا سيما في ولايات اساسية: نيويورك، فلوريدا، بنسلفانيا، نيوجيرسي وولايات اخرى في الساحل الشرقي. في المقابل، حظيت تلك المواقف المؤيدة “لاسرائيل” بدعم وتأييد القاعدة الانتخابية في ولايات الوسط الشمالي الزراعية والولايات الجنوبية، معقل العنصرية سابقا والنفوذ الانجيلي راهنا.

 هذا لا يعني بالضرورة ان سياسة تأييد الانجيليين البيض “لاسرائيل” هي ملاصقة للسياسات “الاسرائيلية،” بقدر ما كانت توجهات اليهود الاميركيين السياسية مرتبطة بالسياسة “الاسرائيلية” او ارتباط سياسة الحزب الديموقراطي بالسياسة الاسرائيلية. ما ينطوي على هذا التحول هو الاقرار بان النظرة الخارجية للسياسة الاميركية ينبغي عليها ادراك نقاط التقاطع والاختلاف بين القضايا التي تهم الانجيليين المسيحيين والسياسة “الاسرائيلية.”

 

التحليل 22-11-2013

مراكز الأبحاث الاميركية
نشرة دورية تصدر عن مرصد مراكز الابحاث
مركز الدراسات الأميركية والعربية

11/22/2013

22 /تشرين الثاني/‏ 2013

التحليل:

ماذا يجري داخل مجلس الأمن القومي الاميركي: كيري يخطف الاضواء والمواقف من فريق الأمن القومي

برز الى العلن مؤخرا تباين في وجهات النظر داخل فريق اوباما الرئاسي على خلفية وجهة السياسة الخارجية الاميركية نحو مصر، اعتبرها البعض انها تشكل انعطافا في السياسة الرسمية ليمضي ويبني عليها فرضيات مفرطة في التفاؤل، سيما وان وزير الخارجية وصف تنظيم الاخوان المسلمين بانه “سرق الثورة المصرية” من اصحابها الحقيقيين.

بداية، تباين وجهات النظر بين فريقي وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي ليس جديدا او مقصورا على الادارة الراهنة، ولا ينبغي النظر الى جزئية محددة في مجمل الاستراتيجية تناسب بعض الاطراف لتمعن في تعميم الظاهر من الخلاف واسقاطه على السياسة الخارجية برمتها.

الشق الآخر والابلغ أهمية يكمن في تلمس الاستراتيجية الاميركية وجهتها وتحديد معالمها في مرحلة اعادة اصطفافها وترتيب انكفاءاتها من المسرح الدولي باقل الخسائر الممكنة. لعل المرء يجد ادق تعبير عن ذلك في ذات الخطاب الذي القاه وزير الخارجية، جون كيري، مطلع الاسبوع المنصرم امام مؤتمر لمنظمة الدول الاميركية، والذي ركز على “رغبة الولايات المتحدة في اعادة انخراطها” في الاميركيتين في الظرف الراهن؛ من جانب، ومن جانب آخر اكد كيري على “نهاية عصر مبدأ مونرو،” الذي صاغه الرئيس الاسبق جيمس مونرو نهاية عام 1823، يجرّم فيه الدول الاوروبية لتدخلها في شؤون “الاميركيتين.”

بعبارة اخرى، منحت الولايات المتحدة لنفسها احتكار السيطرة على شعوب القارتين في ظل ظروف تراجع وافول نجم الاستعمارين الاسباني والبرتغالي في اميركا الجنوبية (اللاتينية)؛ بل في ظرف شارفت مستعمراتهما السابقة على نيل استقلالها من نير احتلاليهما. تشير الوثائق التاريخية الثابتة لذاك العصر الى “تواطؤ الولايات المتحدة وبريطانيا لاقصاء الدول الاوبية الاخرى من التوغل في القارة الجنوبية.” الاعتقاد الرائج بين شعوب القارة اللاتينية يفيد بأن “مبدأ مونرو” وضع حجر الاساس لهيمنة الولايات المتحدة على شعوب القارة، تارة تحت عنوان “حماية الدول الصغرى،” واخرى بالاخضاع المباشر كما تشهد عليه الحرب الاميركية على المكسيك واحتلال كوبا ونيكاراغوا مع مطلع القرن العشرين، ومساندتها لتفتيت كولومبيا وانسلاخ بنما عنها، فضلا عن ادارتها ورعايتها للانقلابات العسكرية المتعددة.

في هذا السياق، ينبغي النظر الى تصريح وزير الخارجية جون كيري الواعد “بالاقلاع عن مبدأ مونرو” للتدخل. باستثناء الولايات المتحدة فالدول الاخرى لا شأن لها في التدخل المباشر وغير المباشر للسيطرة على شعوب وموارد القارة الجنوبية. وعليه، فان تصريح كيري لا يعدو كونه وعدا زائفا لا يلبي طموحات شعوب القارة، التي تعاني بشدة من فرض الولايات المتحدة على حكوماتها الطيعة تسخير موارد بلدانها لخدمة اهداف السياسة الاميركية، بدل استثمارها في النمو والازدهار الاقتصادي، تحت عناوين متعددة: مكافحة المخدرات ومواجهة موجات الهجرة الجماعية الناجمة عن تضاؤل الفرص الاقتصادية بسبب اختلال ميزان توزيع الثروة.

فيما يخص السياسة الاميركية نحو مصر، نطق جون كيري بتسعة عشر كلمة اعتبرها البعض اقلاعا وربما تحديا “لتوجيهات” مجلس الأمن القومي برئاسة سوزان رايس التي حثت كيري على التشدد في التعامل مع القيادة الجديدة في مصر وطرح مستقبل الرئيس المعزول محمد مرسي ومحاكمته على بساط البحث؛ وتجاهل كيري للأمرين معا وذهابه بعكس ما كان متوقعا له. في حمأة التصريحات والتصريحات المضادة، تراجع أهمية أمر التطور الاوسع والاشمل: انفتاح مصر وروسيا على بعضهما البعض توجت بزيارة تاريخية لوزيري الدفاع والخارجية على رأس وفد كبير بيده سلطة اتخاذ قراراته على الفور، وما يمثله ذلك من توجهات استقلالية، او اكثر استقلالية بشكل ادق، لمصر بعد ثورة 30 يونيو/تموز، بل تخفيف غول الاعتماد الحصري على الولايات المتحدة.

ما قاله كيري ضمن سياق اشمل لمعالم السياسة الخارجية الاميركية هو “.. وعندئذ تم سرقتها (الثورة) على يد المجموعة الوحيدة الافضل تنظيما في البلاد، التي كانت الاخوان.” اقرار كيري المتأخر زمنيا جاء في اعقاب اخفاق المحاولات الاميركية المتكررة للنيل من القيادة الجديدة في مصر واعادة عقارب الساعة الى الوراء لصالح الاخوان المسلمين. واستخدمت اميركا سلاح العصا منذ اللحظة الاولى، حتى السيناتور المعادي للحقوق العربية جون ماكين وتوأمه السياسي ليندسي غراهام اطلقا تصريحات في القاهرة تطالب بعودة الرئيس المعزول. بعض الردود المصرية جاءت على لسان صحيفة الاهرام شبه الرسمية التي اشارت الى “تواطؤ الحكومة الاميركية مع تنظيم الاخوان ومرسي لتقسيم البلاد وتشظيها الى محميات صغيرة متناثرة،” وكذلك الى العلاقات التاريخية التي تربط الاخوان كوكيل محلي لتنفيذ الاجندات الغربية. وعليه، فان اقرار كيري بواقع مسلم به لا يشي بتغيير جوهري في مجمل السياسة الاميركية، بل سعي لضبط الايقاعات وتخفيف الاعباء والاضرار التي لحقت وقد تلحق بالمصالح الاميركية في مصر والمنطقة.

خروج كيري عن النص المعد له في اروقة مجلس الأمن القومي لا شك اغضب رئيسة المجلس المستشارة سوزان رايس التي تحظى بعلاقة وطيدة وثقة كبيرة من الرئيس اوباما، وتدل في الجانب الآخر على حرص اوباما اطلاق يد وزير خارجيته في بعض الملفات الاقليمية عملا بأولوية الديبلوماسية عن المواجهة العسكرية غير المضمونة الآفاق والنتائج. مجلس الأمن القومي يحتكم الى التوازنات والاصطفافات الداخلية ويميل عادة الى النهج المتشدد، كما شهدت على ذلك الادارات الرئاسية المتعاقبة. وليست هي المرة الاولى التي ينتصر فيها الرئيس الاميركي لصالح فريق على آخر، وفق ما يرتئيه من ميول سياسية واعتبارات داخلية تعزز اجندته.

من اسطع الامثلة على ذلك دور هنري كيسنجر كرئيس لمجلس الأمن القومي في عهد الرئيس الاسبق نيكسون، ومن ثم توليه رئاسة وزارة الخارجية ايضا، ومفاضلته موقعه اينما حل على الاعتبارات المهنية: تغليب وجهة نظر مجلس الأمن القومي في البداية، واستبعاد دور وزارة الخارجية في صياغة السياسة الاميركية، ومن ثم انتقل مركز الثقل الى وزارة الخارجية عند انتقال كيسنجر اليها.

اما الرئيس اوباما فقد ارجأ دور وزارة الخارجية الى المرتبة الثانية في ولايته الرئاسية الاولى واستنبط عددا من المناصب الموازية لدور وزير الخارجية (كلينتون) لادارة ملفات محددة – اي تهميش دور الخارجية لصالح فريقه الجديد المنتقى بعناية. يذكر ان جون كيري لم يكن المرشح الأول لاوباما في ادارة دفة وزارة الخارجية اذ روج لسوزان رايس، سفيرته في الامم المتحدة، لتولي المنصب لحين مواجهتها معارضة شديدة داخل مجلس الشيوخ على خلفية تصريحاتها “المغايرة” لوقائع ما جرى في حادثة الهجوم على البعثة الديبلوماسية الاميركية في بنغازي.

كيري في وزارة الخارجية

من خصائص جون كيري قاعدته السياسية العريضة بحكم خدمته الطويلة في مجلس الشيوخ عن ولاية ماساتشوستس، وخوضه غمار الانتخابات الرئاسية عام 2004، وتراكم رصيده السياسي على ضوء ذلك. ويدرك جيدا ان باستطاعته العودة متى يشاء الى ولايته ودخول الانتخابات لاستعادة منصبه كممثل عنها في مجلس الشيوخ، فضلا عن الكلفة السياسية العالية للرئيس اوباما ان قرر معاقبته على خلفية تضاد الاراء بينهما.

كما يعي الطرفين، اوباما وكيري، ان اي تصعيد للخلافات بينهما سيعود سلبا على الرئيس اوباما نظرا لحتمية دخول مجلس الشيوخ على المسالة وعقد جلسات استماع لزميلهم السابق الذي سيعتبر انه لحقه الاذى من الرئيس – لو تم ذلك. تضاؤل شعبية الرئيس اوباما بالتساوق مع تعثر برامجه داخل مجلسي الكونغرس تصب في خدمة الطرف الآخر، ويعطي كيري حافزا افضل ومجال مناورة اكبر في تخطي املاءات البيت الابيض استنادا الى قاعدة دعم لا بأس بها بين زملائه اعضاء الكونغرس بمجلسيه.

فريق السياسة الخارجية في البيت الابيض

يتردد ان مستشارة الرئيس، فاليري جاريت، تستحوذ على درجة عالية من ثقة الرئيس اوباما وتتمتع بصلاحيات واسعة تؤثر في صياغة السياسة الخارجية الاميركية، حتى ان البعض اطلق عليها “راسبوتين اوباما،” بل ان رئيس مكتب موظفي البيت الابيض السابق، رام عمانويل، تشاحن معها مرات عدة وشبهها بعدي صدام حسين لما لها من نفوذ واسع.

يذكر ان صداقة جاريت مع الرئيس اوباما وعقيلته تعود الى نحو عقدين من الزمن، قبل صعود نجمه السياسي. وفي مجال توصيف اوباما لها اعتبرها بمثابة “احدى شقيقاته .. جديرة بثقته التامة.” على ضوء تلك الخلفية، تتمتع جاريت بميزة “الوصول غير المقيد او المحدود، هو اشبه بالتصوف” طلبا للرئيس اوباما متى شاءت.

يذكر ان جاريت ولدت في شيراز بايران، عام 1956، لابويين غربيين من عرق مختلط، ابيض واسود، كما هي خلفية الرئيس اوباما، مما دفع البعض اتهامها بالتحيز لصالح ايران وانتهاج رؤية لينة وناعمة في مسألة برنامجها النووي. تتربع جاريت على رأس طاقم كبير من موظفي البيت الابيض يناهز 30 فردا، وتشرف على اتخاذ قرارات بعدد من المسائل التي تخص آلية عمل البيت الابيض: تحديد قائمة المدعويين لعشاء البيت الابيض، واختيار الهدايا المقدمة للزعماء الاجانب، واستعراض المرشحين لمنصب في المحكمة العليا، وتعيين شخصية بمرتبة سفير في موقع شاغر، وتحديد المستحقين لنيل وسام الحرية الرئاسي. وعليه، فان سلطتها طاغية تغيب خصومها بسرعة وتبقي الموالين لها. يعتقد ان السر وراء بقاء وزيرة الخدمات الانسانية، كاثلين سيبيلياس، في منصبها هو بسبب علاقتها الحميمية مع جاريت، على خلفية اخفاقات وزارتها في ادارة برنامج الرعاية الصحية الشامل وما رافقه من تداعيات ادت لايقاف العمل به مؤقتا.

كما لجاريت الفضل في بقاء سوزان رايس وسمانثا باور، سفيرة الولايات المتحدة في الهيئة الدولية، في منصبهن وتعزيز دورهن داخل طاقم البيت الابيض للسياسة الخارجية، وضمان ولائهن المباشر للرئيس اوباما بخلاف وزير الخارجية جون كيري الذي يستند الى قاعدة دعم واسعة من خارج اسوار البيت الابيض. في صياغة السياسة الخارجية، تتشاطر رؤيتي رايس وباور مما يضفي بعدا جديدا على التباينات الموسمية بين البيت الابيض وطاقم وزارة الخارجية.

لسوزان رايس وجون كيري اسلوبهما المستقل عن الآخر، سيما وان تجربة كيري الطويلة في اروقة الكونغرس استندت الى التوصل لارضية مشتركة مع الاطراف الاخرى والاستئناس والتآلف معها، والتحلي بالكياسة الديبلوماسية. اما رايس فتشتهر بشخصية صدامية مع الآخرين دون اعتبار لمواقعهم، منهم على سبيل المثال مشاحنتها مع المبعوث الرئاسي الخاص للسودان سكوت غريشن. بل تتميز “رايس بمزاج حاد بحاجة الى ترويض،” كما وصفها رئيس مجلس العلاقات الخارجية المرموق، ليسلي غيلب. واضاف انها “سريعة الانفعال واطلاق الاحكام، مما يترتب عليها التمترس خلف مواقفها. ويتعين عليها العد للمئة – بل للألف – قبل توصلها لقرار معين، وفي ذات الوقت يتعين عليها الاصغاء بعناية الى اراء الآخرين.”

بالنسبة للرئيس اوباما فان سوزان رايس شديدة الولاء له، اذ كانت خياره الأول لمنصب مستشار الشؤون السياسية منذ حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2008، فضلا عن علاقتها الحميمية الخاصة مع اوباما وعقيلته ميشيل. لذا يمكن اعتبار رايس من ضمن الدائرة الخاصة بالرئيس اوباما، تحظى بصداقة شخصية معه – وليس لامتلاكها خبرات بارزة في مجال السياسة الخارجية. خلال فترة خدمتها في منصب سفير الولايات المتحدة في الهيئة الدولية حافظت على متانة علاقتها مع الرئيس، واستطاعت ان تمضي فترات زمنية في واشنطن بالقرب منه اطول من اسلافها السابقين.

كانت رايس المرجعية الاعلامية الاولى ابان حادث الاعتداء على البعثة الديبلوماسية الاميركية في بنغازي مما جر عليها متاعب جمة نالت من مصداقيتها لاصرارها على ان الحادث نجم عن احتجاجات تلقائية وعفوية تعبيرا عن الغضب الشعبي لشريط الفيديو المعادي للمسلمين. ورأى فيها خصوم الرئيس ذريعة سهلة للنيل منه، مما دفعه لسحب ترشيحه لها لمنصب وزير الخارجية – مما يقتضي موافقة مجلس الشيوخ بعد جلسات استجواب قاسية تنكأ الجراح. وتوصل الرئيس الى عرض منصب مستشار الأمن القومي عليها، والذي لا يشترط موافقة مجلس الشيوخ.

في ظل ادارة الرئيس اوباما، تعاظم دور مجلس الأمن القومي في ملف السياسة الخارجية على حساب طاقم وزارة الخارجية، مما دفع البعض الى توصيفها “بتركيز القوة بين يديها – اي ان كافة القضايا تمر عبر قناة مجلس الأمن القومي.”

وينظر الى سجل وزير الخارجية جون كيري انه يتحلى بالواقعية والبراغماتية، مقارنة بسوزان رايس الاداة الوفية للرئيس اوباما وترجمة رؤيته عبر تطبيقات السياسة الخارجية للولايات المتحدة. اذ وصفتها صحيفة نيويورك تايمز بأن تعيين رايس في رئاسة مجلس الأمن القومي “يلوح بدخول طاقم يتحلى بالمثالية واستخدام القوة العضلية لبلورة السياسة الخارجية لاوباما.”

كما لا يجوز اغفال الدور المحوري الذي تلعبه سمانثا باور، المندوب الاميركي الدائم في الأمم المتحدة، في التاثير على صياغة القرارات للحلقة الضيقة المحيطة بالرئيس اوباما، سيما وان اسهاماتها المنشورة ادت الى نيلها جائزة بوليتزر عام 2003، مما يضفي عنصر “المصالح الانسانية” في بلورة المصالح الاستراتيجية الاميركية، الأمر الذي تجلى بوضوح في الخطاب السياسي الاميركي خلال احداث ما اطلق عليه “الربيع العربي.”

باور لعبت ايضا دورا محوريا في صياغة سياسة الادارة الاميركية نحو سورية، ولم يؤثر عليها تغيبها عن حضور جلسة خاصة للأمم المتحدة حول الاسلحة الكيميائية السورية، في شهر آب المنصرم، بسبب غيابها لزيارة عائلية خاصة في ايرلندا، موطنها الاصلي. دلالة الأمر ان باور معنية بالبعد الايديولوجي في السياسة على حساب الواقعية السياسية وما تتطلبه من توازنات وتحالفات على الطريق، ويضعها على تعارض مع متطلبات مهمتها الاممية لحشد الدعم الدولي لصالح وجهة النظر الاميركية.

يمكننا القول ان خطاب الرئيس اوباما الاخير حول سورية، قبل نحو شهرين، طغى عليه رؤية واراء السيدة باور السياسية، سيما وان الشطر الاساسي فيه استند الى تحقيق اهداف انسانية، مقابل اشارة عابرة وغير مؤثرة للتهديدات التي تواجهها المصالح الاميركية في المنطقة. المحور الاساسي في اراء السيدة باور يدور حول ادراكها “لامتناع صناع السياسة الخارجية الاميركية عن المغامرة” لتحقيق اهداف انسانية، ومحاسبة نقدية للزعماء الاميركيين لتخليهم عن “ضخ مزيد من الامكانيات لصالح القوات المسلحة” الضرورية لدرء وقوع مزيد من المجازر. واوضحت في ادبياتها ان المسؤولين الاميركيين عادة ما “يهولون من عقم وضلالة وتهور اي تدخل مقترح.”

من المفارقة ان سوزان باور عارضت التدخل العسكري في سورية ومنطقة الشرق الاوسط، على الرغم من اسهاماتها الادبية المؤيدة لنقيض ذلك عبر ما تسميه “التدخل الانساني،” موضحة ان هناك “عدد من المصالح التي ينبغي اخذها بعين الاعتبار،” اذ من شأن استخدام العامل العسكري في المنطقة التاثير على اسعار النفط ومن ثم على مجمل الاقتصاد الاميركي. وقالت “ليس من بيننا ما قد يدعي اننا في الادارة اسرى لقضية منفردة.”
تباينات السياسة الخارجية بين البيت الابيض ووزارة الخارجية

من الثابت ان الارضية الفلسفية لتباين الاراء بين الفريقين قد طبعت السياسة الخارجية في عهد الرئيس اوباما، اسوة بالادارات السابقة. اذ بذل جون كيري جهودا ثابتة في بداية تسلمه مهام منصبه لترميم العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا، والبناء عليها كمنصة انطلاق للبحث عن حلول سياسية لمسالة لملف النووي الايراني والحرب الدائرة في سورية. واستند كيري الى العلاقة المتبلورة بينه وبين نظيره الروسي، سيرغي لافروف، واستغلالها للتوصل الى تفاهمات حول عدد من القضايا بين البلدين. بالمقابل، فان سوزان رايس تبادلت الاتهامات العلنية مع نظيرها الممثل الروسي في الامم المتحدة على خلفية ذات القضايا الخلافية.

فيما يخص الملف السوري، نقل المقربون من سوزان رايس انها في اللقاءات الداخلية ايدت انشاء منطقة حظر للطيران فوق الاجواء السورية، واعربت عن خشيتها من تسليح القوى المصنفة ليبرالية داخل المعارضة السورية. وعليه، فانها لا تثق الا باستخدام القوة العسكرية الاميركية لتحقيق الاهداف المرجوة.

كيري بالمقابل، بذل جهودا طويلة مع الجانب الروسي بغية التوصل لحل سياسي دولي للأزمة السورية، مرتكزا الى حد كبير للعلاقة الوثيقة التي ترعرت بينه وبين نظيره الروسي، واقصاء الخيار العسكري مرحليا على الاقل.

التغيرات المتسارعة في مصر شكلت ارضية خلافية بين فريقي الخارجية ومجلس الأمن القومي، ولم تكن وليدة لحظة بروزها الى السطح مؤخرا، بل ثمرة تباين وخلاف في وجهتي النظر وأحقية دور كل منهما في رسم السياسة الخارجية في المنطقة. عمدت الادارة الى اجراء مراجعة شاملة لعلاقاتها مع مصر، وتبين ان كلا من وزيري الدفاع والخارجية بذلا جهودهما للابقاء على برامج الدعم القائمة لمصر، بينما اصرت سوزان رايس على تعليق معظم المساعدات العسكرية الاميركية لحين تلمس تحقيق الحكومة المصرية تقدما في الوفاء بوعودها لتطبيق خطة الطريق المقترحة، ورغبتها في اقصاء القوات المسلحة عن دورها في السياسة المصرية.

ووصف احد المقربين من الادارة الاميركية حالة الانقسام بشأن مصر ان “هناك خلافات حقيقية تتمحور حول هوية التوجه بشأن مصر بين سوزان رايس وجون كيري .. ولم نكن لنشهد اي تعليق للمساعدات المقررة لو كان الأمر بيد جون كيري وتشاك هيغل” وزير اللدفاع.

كما ان طبيعة تكوين الطاقم الرئاسي لاوباما، الذي يضع مسألة الولاء على راس الاولويات، ساهم في تراجع تعدد الاراء داخل الدائرة الضيقة له. ويشار الى خروج ثلاثة من اهم صقور الحرب من الولاية الرئاسية الثانية: هيلاري كلينتون وروبرت غيتس وديفيد بيترايوس، مما ضيق هامش تباين وتعدد الاراء. ويسجل لجون كيري انه ربما الشخصية الوحيدة داخل الادارة لديها الحنكة والعزم السياسي لطرح وجهة نظر مغايرة للثلاثي الموالي للرئيس: فاليري جاريت وسوزان رايس وسمانثا باور.

سياسة الادارة نحو مصر تجلت في ارسال اشارات متناقضة للمسؤولين المصريين نتيجة تعدد الاراء وعدم انسجامها في لحظات محددة، ادت الى حيرة الجانب المصري في كيفية صياغة الرد المناسب على الاجراءات الاميركية الاخيرة. ومنها على سبيل المثال، تخلف الادارة عن تحديد ما تراه مطلوب من مصر اتخاذه بغية استعادة المساعدات المعلقة، ولو جزئيا، حسبما اوضحت مصادر الحكومة المصرية.

للتذكير، فان خلفية سمانثا باور هي في المجال الفلسفي النظري تروج للاعتبارات الانسانية في صياغة السياسات عوضا عن النظر بمنظار المصالح الاستراتيجية؛ وسوزان رايس هي الاداة التنفيذية لتلك الرؤى عبر موقعها الحساس في رئاسة مجلس الأمن القومي. اما فاليري جاريت، المحامية بالمهنة، فتوفر الغطاء السياسي للتوجهات باستغلال علاقاتها الوثيقة مع الرئيس اوباما للفوز بموافقته على توصياتها، وامتدادا تحييد وجهات النظر المغايرة.

مصالح الدول مهما بلغ شأنها ومقامها تأخذ في الاعتبار الابعاد الاستراتيجية لتحقيق اهدافها بعيدة المدى، غير مقيدة بفريق سياسي معين في السلطة، مما يضع فريق وزير الخارجية جون كيري في عين العاصفة يراكم انجازاته ويبنى عليها للفريق المقبل بعد انتهاء ولاية الرئيس اوباما. اما السياسات المبنية على تحقيق اهداف آنية تعود بنتائج سريعة، باستغلال البعد والاعتبارات الانسانية، فمن شأنها ترجيح كفة الثلاثي المذكور عند الرئيس اوباما وتسخيرها في خدمة خطابه السياسي في مواجهة خصومه الكثر.