التحليل 28-03-2014

التحليل:

اوباما في الرياض: لتنظيم الافتراق ام تجديد الضمانات

(خلال اعداد التقرير الذي بين ايديكم، وردت او رشحت بعض المعلومات مصدرها مسؤولين كبارا في الادارة الاميركية نشرتها صحيفة واشنطن بوست، في نسختها الالكترونية، تشير الى قيام الرئيس اوباما باتخاذ بعض التدابير “لاسترضاء” السعودية “وتهدئة مخاوفها” في اللحظة الاخيرة قبل وصوله الرياض، قوامها “توسيع نطاق البرنامج السري لدعم وتدريب عناصر الجيش السوري الحر .. في قواعد ومعسكرات تنتشر في الاردن والشمال من الاراضي السعودية وقطر .. بمعدل 600 متدرب في الشهر، باشراف وكالة الاستخبارات المركزية .. وامداد القوة بصواريخ مضادة للطيران (م/ط)، “مانباد،” اذ تم تسليم الدفعة الاولى المكونة من خمس منصات اطلاق .. وعرض قطر بتمويل الخطة والذي قد تصل تكلفتها الى عدة ملايين من الدولارات .. كما سيرمي برنامج الامداد الموسع الى انشاء ممرات آمنة (داخل سورية) لايصال المساعدات الانسانية.” واوضحت الصحيفة ان “الرأي السائد ينطوي على قناعة بأنه من اجل التوصل الى تسوية ديبلوماسية للازمة السورية، من الضروري تصعيد المواجهة العسكرية .. وهو يشكل ارضية الموقف السعودي الذي يبدو ان اوباما لجأ اليه مضطرا.”)

اما زيارة اوباما فطابعها المعلن هو “تهدئة الخواطر” الذي بات الوصف الادق لجولة الرئيس الاوروبية وتتويجها بلقاء رسمي في الرياض، بخلاف لقاءات القمة المعتادة بين اي دولتين على قاعدة اعلان “تعزيز العلاقات الثنائية وسبل التعاون المشترك.” يذكر ايضا تخلف عدد من رؤساء دول الخليج اللقاء مع الرئيس الاميركي الذي ارادوه ثنائيا كل منهم على حدة بعيدا عن سيطرة ونفوذ الرياض، وهو رآه جماعيا بحضرة “الاخ الاكبر،” كما صرحت بذلك مستشارة الرئيس لشؤون الأمن القومي، سوزان رايس.

توقيت الزيارة جاء على خلفية “تحدي الرئيس الروسي لباراك اوباما،” كما وصفته صحيفة “كريستيان ساينس مونيتور” والاخفاقات المتعددة للاستراتيجية الاميركية في عدد من مناطق العالم، لا سيما في الوطن العربي، والنجاحات الميدانية المتتالية التي يحققها الجيش العربي السوري، وانخراط الدول الغربية في مفاوضات سياسية مع ايران حول ملفها النووي؛ على ضوء ما وصفته صحيفة “نيويورك تايمز” من مصادرها الموثوقة في دوائر صنع القرار بأن “الولايات المتحدة قررت تقليص دورها العسكري في المنطقة بعد حرب العراق.” الأمر الذي جرى ترويجه اعلاميا “باستدارة الاستراتيجية الاميركية واولوياتها نحو آسيا” ومياهها المطلة على الصين وروسيا.

لم يعد سرا ما يخبئه المستقبل المجهول لمصير وراثة الحكم في الجزيرة العربية و”خشية الرياض من مصيرها” في الاولويات الأمنية الاميركية “لما سيترتب عليه من سياسات وتدابير جراء توقيع الاتفاق النووي مع ايران وانسحاب الولايات المتحدة من المنطقة.” كما لم تعد تلك القراءة حبيسة التكهنات والتحاليل السياسية، فيما وصفته “نيويورك تايمز” بأنه “تحول (وجهة) المسارات” السياسية الاميركية، وتنامي شعور القلق داخل الاسرة الحاكمة “وحاجتها للانفصال وانتهاج سياسة مختلفة” عن التبعية لاميركا في الملفات الاقليمية؛ فضلا عن مخاوف الرياض المعلنة من التهديدات الماثلة لمصير النظم والحكومات العربية “المؤيدة للغرب.” صحيفة “الغارديان” البريطانية اطلقت وصف “الخلاف العدائي” على العلاقة بين الرياض وواشنطن.

عديدة هي مصادر القلق داخل الاسرة الحاكمة في الرياض من اميركا، سيما وان ما توخته من نتائج عن “الربيع العربي” أتت بغير ما تشتهيه السفن. وشكل دعم الولايات المتحدة لتنظيم الاخوان المسلمين وصعودهم مبكرا في مصر احد مصادر المخاوف الخليجية بشكل عام، على الرغم من رعاية الرياض تاريخيا لتنظيم الاخوان لمحاربة تجذر القومية العربية ومسيرة القائد الخالد عبد الناصر نحو التخلص من التبعية الاجنبية. كما ترسخت المخاوف ومشاعر القلق من واشنطن لعدم وفائها بوعودها لدول الخليج العربي بانها عازمة على شن حرب على سورية، وتراجع القوى الحليفة للسعودية من متطرفين وتكفيريين ورهانها على تشكيل قطب محلي يوازي الدولة السورية لتقسيمها والتحكم بسيادتها. وكذلك الامر لاخفاق الولايات المتحدة تحجيم واحتواء ايران وتقليص برنامجها النووي، الامر الذي فسره زعماء الرياض والدول الخليجية الاخرى بأنه “رضوخ” الرئيس اوباما لايران واستمرارها في تطوير برنامجها النووي.

مسؤول الملف السوري (السابق) في الاسرة الحاكمة في الرياض، الامير بندر بن سلطان، صرح علانية نية دائرة صنع القرار وعزمها على “اتخاذ تحول اساسي” في مجمل العلاقات التي تربطها بالولايات المتحدة، تعبيرا عن الأرق الداخلي ورفض حالة “السكون وعدم اتخاذ المبادرة” اميركيا حيال سورية. وسمع الاميركيون مرارا عدة ترديد “امراء” الاسرة الحاكمة بأن “الولايات المتحدة لا يعوّل عليها .. وسيتم طرق ابواب اخرى بديلة بغية تعزيز امنها.” ونقلت صحف بريطانية عن المدير السابق لجهاز الاستخبارات السعودية، تركي الفيصل، قوله ان سياسة الرئيس اوباما في سورية “يرثى لها؛” والاتفاق حول ترسانة سورية من الاسلحة الكيميائية “غدر صارخ” ويعزز بقاء الرئيس بشار الاسد في موقعه.

تواترت تعبيرات غضب الرياض في وسائل الاعلام المختلفة، ونقلت وكالة “رويترز” للانباء عن الامير بندر قوله ان “السعودية غير راغبة لتجد نفسها في وضع يحتم عليها الاعتماد” حصرا على الآخر، وانه “يتطلع لتقليص النشاطات اليومية المشتركة مع الولايات المتحدة،” على خلفية احجامها عن التدخل في سورية، ورفع “دفء علاقاتها مع ايران ..”

في سياق المعارضة السورية افادت صحيفة “وول ستريت جورنال،” 28 آذار الجاري، عن لقاء عقده المعارض السوري هادي البحرة مع “اعضاء مجلس الأمن القومي وممثلين من الكونغرس،” بحث فيه مسألة تزويد اميركا قوات المعارضة المسلحة باسلحة متطورة مضادة للطائرات والمدرعات (مانباد)؛ تلتها زيارة وزير الدفاع السعودي، سلمان بن سلطان، التقى فيها الاسبوع المنصرم مع مدير وكالة الاستخبارات المركزية، جون برينان، ووزير الدفاع الاميركي، تشاك هيغل، للبت في تسليح المعارضة السورية تمهد للزيارة الرسمية للرئيس اوباما للرياض.

واضافت الصحيفة ان شحنة معتبرة من الاسلحة المضادة للطيران والدروع، دفعت ثمنها السعودية تتواجد في مخازن عدة منتشرة على الاراضي الاردنية بانتظار “موافقة اميركية” لتسليمها لقوى المعارضة المسلحة؛ مع اقرار “الرياض بعدم قدرة المعارضة تحقيق انتصار” في الميدان، وادراكها ان تعزيز القدرة الدفاعية، لا سيما المضادة للطيران، سيقوي موقعها التفاوضي في المرحلة المقبلة.

مسألة الطاقة وتراجع مكانة مخزونات النفط في الجزيرة العربية، نظرا للاكتشافات الحديثة واستخدام تقنية تسييل النفط الصخري، شكلت بعدا اضافيا للمحطات الخلافية بين الرياض وواشنطن، وخشية الاولى من تقلص اعتماد اميركا والغرب عموما عليها في مراحل الانتاج والتسويق لموارد الطاقة، والذي سيترجم سياسيا ايضا. اعتادت الرياض على فرادة مكانتها في الاستراتيجية الاميركية، خاصة بعد انهيار نظام الشاه التي وصفها وزير الخارجية الاسبق هنري كيسنجر بأن الطرفين لديهما مصالح استراتيجية مشتركة، وسعي الرياض الحثيث لتبوأ موقع “الحليف الاساسي” لاميركا في المنطقة. وعليه، تتعاظم مخاوف الرياض ودول الخليج الاخرى من اي بوادر انتعاش في العلاقات الاميركية مع ايران والتي ستتم على حسابها ومكانتها ايضا، كما تعتقد.

ابتعاد السياسة السعودية عن الرعاية الاميركية

اكتشفت الرياض متأخرة ان تبعيتها ودورانها في فلك السياسة الاميركية قلص خياراتها في زمن الازمة الراهنة، رغم طرقها ابواب عدة دول كبرى لدعم مسافة ابتعادها عن املاءات السياسة الاميركية.

الساحة السورية باتت الشغل الشاغل لسياسة الاسرة الحاكمة، بعد تراجع دور قطر في الازمة وليس انهاؤه. لعل من أهم الاسباب وراء ذلك سعيها لمنافسة ايران على الموقع الاول في منطقة الخليج العربي، فضلا عن عدائها التاريخي المتأصل للقومية العربية وتعبيراتها في سياسة الكيان السوري الرسمي خاصة معاداته للكيان الصهيوني في فلسطين. يضاف لذلك بالطبع المنافسة السعودية لما تعتقده سعي ايران للسيطرة على لبنان كساحة صراع ونفوذ، وعداء الاولى للانتصار العسكري الذي سجله حزب الله على العدوان “الاسرائيلي” عام 2006.

في خطوة نادرة، نشرت الاسرة السعودية قواتها المسلحة، خارج اراضيها، في البحرين لضمان سيطرتها على الحكومات الموالية، بالاضافة الى توفير الدعم المادي والعسكري الهائل لحركات “الربيع العربي،” وخشيتها من انفراط عقد الاخوان المسلمين وخروجهم من سيطرة عباءتها مما حفزها على دعم القوى المناهضة لحكم الرئيس المصري المعزول، محمد مرسي. تطلعت الرياض من وراء ذلك تحقيق هدفها الاوسع في “كبح النفوذ الايراني” في المنطقة.

سياسات الرياض الثابتة في التبعية للسياسة الاميركية حرمتها من ممارسة دور تستطيع فيه تشكيل تحالفات خاصة بها. السفير الاميركي الاسبق لدى الرياض، روبرت جوردان 2001-2003، اشار الى اتكال الاسرة المالكة الكلي على الولايات المتحدة بانها “الوحيدة المؤهلة لحماية حقول نفط بلادها .. ولن نرى حلول يوم نراهم يقفزون خارج السرب.”

الدور النامي لروسيا في ملفات المنطقة، لا سيما في سورية، ودعمها ايران في مفاعل بوشهر النووي ساهم في تعزيز طموحات ايران بدخولها نادي الدول النووية. تطلع الرياض لنسج علاقة اوثق او بديلة مع موسكو يعتريه عدد من العقبات يصعب تجاوزها، ليس اقلها ما يتردد من دعم الرياض لقوى الاسلام السياسي في دول القوقاز وشن عمليات مسلحة ضد الدولة الروسية؛ فضلا عن تميز الاقتصاد الروسي بوفرة مخزونه من النفط والغاز.

والامر سيان بالنسبة للصين التي وقفت الى جانب ايران ورفضت تأييد قرار الامم المتحدة لحظر الاسلحة عن ايران، عام 1980، وامتنعت ايضا عن التصويت لصالح تطبيق عقوبات اميركية ضد ايران في وقت لاحق. تتميز الصين بانها احد الموردين الاساسيين للصواريخ وتقنيتها الى ايران، والتي نشرتها الاخيرة في مضيق هرمز على الجانب الايراني كسلاح يهدد تدفق النفط “السعودي” عبر مياه الخليج، كما يعتقد.

من بين ما تبقى من الدول الكبرى تبرز فرنسا كأحد اكبر الاطراف المستفيدة من تأزم العلاقة الاميركية السعودية. وبادرت الرياض لفتح مجالات التنسيق مع باريس خاصة في سورية ولبنان والملف النووي الايراني، وضخت اموالا كبيرة للاستثمار في فرنسا واقتصادها على مدى زمن طويل. وشكلت تلك العلاقة احد العوامل الرئيسة لاتخاذ فرنسا موقفا متشددا حيال توقيع اتفاق نووي غربي مع ايران، الى جانب رعايتها للكيان الصهيوني وطموحاته في كافة الوطن العربي. برزت فرنسا ايضا كأحد مصدري السلاح الرئيسيين للمملكة السعودية منذ عدة عقود.

عرضت فرنسا قدراتها العسكرية لتوفير الحماية المطلوبة لمنابع النفط في الجزيرة العربية، مع ادراكها ان قوتها لا تضاهي التقنية والامكانيات الاميركية، وشكلت قوة عسكرية للتدخل السريع مهمتها دخول ارض الجزيرة العربية في اقصى سرعة ان تطلب الأمر. وجاءت تجربة تدخل القوات الفرنسية في عدد من الدول الافريقية لتعزز اطمئنان الاسرة الحاكمة على ترجمة الفرنسيين تدخلهم لصالح حلفائهم بصورة اسرع من الاميركيين.

علاقة بريطانيا مع كافة اركان الاسرة الحاكمة في الرياض تعود الى التاريخ البعيد وسابقة على كل ما عداها ولا تزال تحتفظ بعدد من المصالح الحيوية في المنطقة العربية، وتعود اهميتها الى تشكيلها قوة عسكرية سريعة الحركة لذات الغرض بالتدخل السريع لحماية مصالحا ومصالح حلفائها.

على الرغم من توفر تلك الميزات مجتمعة، لدى فرنسا وبريطانيا، الا ان الولايات المتحدة بامكانياتها العالية تتفوق على حلفائها الآخرين وتمكنها من تخطي مرحلة الخلاف والتباين السياسي الراهنة مع الحكومة السعودية؛ فضلا عن تبعية السياسة الخارجية للسعودية للسياسة الاميركية. اما امكانية اجراء تعديل في تحالفات الرياض الراهنة والابتعاد عن واشنطن، فمن المرجح الا تترك آثارا ضارة بالعلاقة الراهنة.

الرياض غير مهيئة حاليا للابتعاد عن السياسات الاميركية، بصرف النظر عن مدى اعتراضها وعدم رضاها منها، وربما تلجأ للمراهنة على عامل الزمن لتخطي الاضطرابات الحالية وتتطلع للرئيس الاميركي المقبل لاستمرار دعمها وسياساتها الاقليمية. في هذا الصدد ينبغي لفت الانتباه لعدد من تصريحات مسؤولي الاسرة السعودية، خاصة تركي الفيصل، الذين يحملون الرئيس اوباما شخصيا مسؤولية تباين السياسات، وليس لدائرة صنع القرار الاميركي سيما وتحتفظ اركان الاسرة الحاكمة بعلاقات وثيقة للغاية مع اقطاب الحزب الجمهوري وتعول على فوزه جولة الانتخابات الرئاسية المقبلة. كما نقل عن العاهل السعودي الملك عبدالله عدم ثقته بالرئيس اوباما واصفا الاخير “بالتردد” في سياسته حيال سورية.

“تحول مسارات” الاستراتيجية الاميركية لا تشي بأي تعديل قد يتخذه الرئيس اوباما على مسار سياسته الشرق اوسطية، والذي اثبتت سيرته الرئاسية ميله للتمسك بسياساته المعلنة، في بعدها الايديولوجي والعقائدي، بصرف النظر عن نواقصها التي تثبت تطورات الاحداث بطلانها – كما تجلى في مواقفه وتصريحاته حول اوكرانيا، وبرنامج الرعاية الصحية الشامل، اوباماكير.

وانطلاقا من ارضية هذا الفهم، يعتقد بعض عقلاء السياسة والرأي الحصيف ان مصلحة الاسرة السعودية تقتضي التريث وانتظار نهاية الولاية الرئاسية الحالية للرئيس اوباما المتخمة بالثغرات والاخفاقات وعدم رضى الناخب الاميركي عن مسارها، والمراهنة على عدم تقييد حركة الرئيس المقبل بارث الرئيس اوباما.

من المرجح استمرار سلوك السياسة السعودية الناحية الصدامية مع الدول الاقليمية الاخرى، وسعيها لجني مكاسب استثماراتها  في القوى التكفيرية والمتطرفة، لا سيما في سورية، والمضي ايضا في معاداة ايران والسعي لتشكيل تحالفات وتجمعات اقليمية تخدم تلك الاهداف. لذا ستجنح لتكثيف علاقاتها مع بعض القوى الاوروبية لتأييد معارضتها لايران بشكل خاص، بالتوازي مع تحركاتها المنسقة، خلف الكواليس، مع “اسرائيل” ومناهضتها لكل تعبيرات القومية العربية كما كان الرهان عليها منذ بدء عقد الخمسينيات من القرن الماضي.

الاضطرابات السياسية وعدم الاستقرار تصب في عكس اهداف السياسة الاقليمية للحفاظ على التقسيمات الراهنة. ولذا من المرجح ان تظهر السياسة “السعودية” بعض تجليات الاستقرار في الاقليم، حفاظا على مستقبل الاسرة الحاكمة واستمرار نفوذها المالي والمصرفي لتحقيق اهدافها السياسية، ولو تطلب الأمر بعض الاستدارة عن المألوف، كما يجري في دعمها الراهن لمصر التي بدون ترويضها ستتعثر “السيطرة السعودية” اقليميا وما سيترتب عليها من انعكاسات سلبية لها على المستوى الدولي.

التحليل 21-03-2014

التحليل:

صراخ اوباما في اوكرانيا

هل يخفف الألم في نوفمبر

كثفت الولايات المتحدة تهديداتها لاستخدام القوة العسكرية منذ منتصف القرن العشرين، لا سيما ضد الدول والكيانات الناشئة المتطلعة لنيل الحرية والاستقلال وعدم التبعية. في الازمة الاوكرانية الراهنة لا يزال العالم مشدوها الى ما ستؤول اليه التهديدات الاميركية والغربية لروسيا لحملها على التراجع عن تثبيت شراكتها في معادلة توازن نظام عالمي متعدد الاقطاب.

في الماضي القريب، 27 تموز 1956، توصل الرئيس الاميركي ايزنهاور ورئيس الوزراء البريطاني انثوني ايدن الى خطة مشتركة اطلقت النذير ضد مصر مبنية على “ان الضغط السياسي والاقتصادي وحدهما قد لا يكفيان لردع جمال عبد الناصر .. ولا بد من وضع احتمال تدخل عسكري،” بدءا بضغوط اقتصادية واسعة تُوِّج بالعدوان الثلاثي.

راهنا، ارتفعت معدلات التصعيد للولايات المتحدة وحلفائها الغربيين لتطبيق ضغوط اقتصادية على روسيا وتكثيف التواجد العسكري الاميركي في الدول المجاورة لروسيا، دول البلطيق ورومانيا وبولندا وتموضع المدمرة تراكستن في مياه البحر الاسود، في اعقاب الاستفتاء الشعبي لشبه جزيرة القرم وموافقة الاغلبية الساحقة من المواطنين في العودة الى حضن الدولة الام، روسيا.

هيئات اوروبية ودولية متعددة اشرفت على الاستفتاء مؤكدة نزاهته وخلوه من اعمال العنف او ممارسة الضغوط. الاستراتيجيون الاميركيون مولعون بقواعد رقعة الشطرنج، كما اوضحها مرارا زبغنيو بريجينسكي. وربما جاءت نتائج استفتاء اهالي القرم لتشكل حركة “محاصرة الملك” اوباما الذي اعلن انه ليس بوارد الاشتباك عسكريا مع روسيا. وبعد حركة المحاصرة هذه، وتورط اميركا وحلفائها الغربيين بالتدخل السافر، تبلورت نواة معارضة داخلية في اميركا وتشقق في مواقف الدول الاوروبية والتي ترتبط بعلاقات اقتصادية وثيقة مع روسيا وعدم رغبتها في المجازفة للسير خلف واشنطن.

برز السفير الاميركي الاسبق في موسكو، ابان دولة الاتحاد السوفياتي، جاك ماتلوك (1987-1991)، من بين المعارضين للتدخل الاميركي، والذي لا يزال يحتل مكانة مرموقة بين الخبراء والاستراتيجيين في الشأن الروسي، وتباينت اراؤه مع اصرار الادارة بالتحرش والتدخل. واوضح بما لا يدع مجالا للشك دور الولايات المتحدة المباشر في دعم الثورة البرتقالية وتواجد “عدد لا بأس به من الاجانب والاميركيين لتعبئة وحشد المتظاهرين” في كييف؛ وقال “ينبغي علينا الاقرار بأن قسما كبيرا من اعمال العنف في ساحة ميدان كانت تتم على ايدي العناصر اليمينية المتطرفة.”  واعرب عن اعتقاده بأن “ردة فعل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (لاستعادة مجد بلاده) جاءت كرد اعتبار لمشاعر العداء الآتية من الولايات المتحدة .. التي تجاهلت المصالح الروسية وعاملتها كطرف خاسر منذ نهاية حقبة الحرب الباردة.”

وافصح ماتلوك عن لقاءاته الخاصة بقادة دول بحر البلطيق بعد اعلانها الاستقلال عن الاتحاد السوفياتي وطلبها مساعدة اميركية مباشرة، قائلا “كنت عازم على تنبيههم للتشبث باستخدام الاساليب السلمية، وعند تعرضهم للقمع ليس ما بوسعنا ما نفعله من اجلهم. لن نتمكن من التواجد لحمايتهم.”

بالمقابل، هزأ السيناتور الجمهوري جون ماكين من روسيا خلال تواجده في ساحة ميدان في العاصمة كييف برفقة وفد من نواب الكونغرس، قائلا انها “مجرد محطة للتزود بالوقود متنكرة برداء دولة .. تتلذذ بالسرقة، انها كومة فساد ودولة تعتاش على عائدات النفط والغاز لتسيير اقتصادها.” وحث خصمه السياسي الرئيس اوباما على “ارسال اسلحة ومعدات عسكرية اخرى لاوكرانيا.”

الموظفة السابقة في الخارجية الاميركية والمختصة بالشأن الروسي، توبي غاتي، حذرت معسكر انصار الحرب من الانزلاق وتجديد مناخ الحرب الباردة، وذكّرت بسقوط “الحلم” الاميركي لانبثاق اوروبا موحدة وحرة بعد سقوط الاتحاد السوفياتي. وقالت في الازمة الاوكرانية، استنادا الى موقعها الرسمي ابان عهد الرئيس بيل كلينتون، ان “اوروبا حرة ومنفتحة لاي طرف كان. (والولايات المتحدة) لا تدري ما يتعين عليها فعله، ولا تحسن التحكم بالسردية بعد الآن.”

مستشار الأمن القومي الاسبق، ستيفن هادلي، ابان عهد الرئيس بوش الابن، كان اشد وضوحا في اطلاق العنان للحرب الباردة مجددا، واتهام الرئيس الروسي بوتين “برفضه اسس النظام العالمي الذي انشيء بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.”

تلازم مساري السياسة الداخلية وتوجهات السياسة الخارجية اضحى أمر مسلم به في قيادة القطب الواحد، يتأثر كليهما سلبا او ايجابا بمتانة الحالة الاقتصادية، التي تتجلى في ابهى صورها بالميزانية السنوية العامة وبنود صرفها وانفاقها ومخصصاتها. . وتبدو لهجة اوباما المتشددة ضد روسيا لدى معالجة ازمة اوكرانيا وكأنها محاولة اضطرارية لاغلاق ابواب انتقادات لضعف قيادته المتنامية من الحزب الجمهوري المتربص على مفرق الانتخابات الفرعية القادمة، يزيد من غضب الرئيس وتوتره بوادر تململ في اوساط حزبه تتخوف من خسارة الحزب في انتخابات نوفمبر.

قدم الرئيس اوباما ميزانية مقترحة الى الكونغرس، مطلع الشهر الجاري، للمصادقة عليها او تعديلها. الأمر اللافت ان اوباما خصص مبالغ عالية للانفاق على ترسانة الاسلحة النووية، تصميما وصيانة وانتاجا، قاربت 9 مليارات دولار (8.608)، ليقفز على مستويات كل ما انفقه الرئيس الاسبق رونالد ريغان في هذا المجال عام 1985، وهو العام الذي يحتل علامة فارقة في معدلات الانفاق العسكرية الاميركية المرتفعة على الاسلحة النووية – كما افادت دراسة صادرة حديثا عن “مجموعة دراسات لوس الاموس،” المدينة التي تحتضن احد اهم واكبر المفاعلات ومركز تجارب وابحاث الاسلحة النووية في ولاية نيو مكسيكو.

في هذا السياق تجدر الاشارة الى اتضاح معالم المعركة الانتخابية المقبلة، اواخر العام الجاري، والتي لا تبشر خيرا بالنسبة للحزب الديموقراطي واتضاح امكانية خسارته لاغلبية مقاعد مجلس الشيوخ؛ والتداعيات المرتقبة للنهج السياسي للرئيس اوباما، داخليا وخارجيا.

تلقى الحزب الديموقراطي، الاسبوع المنصرم، صفعة قاسية في انتخابات مبكرة جرت في ولاية فلوريدا على مقعد في مجلس الشيوخ والذي ذهب لصالح الحزب الجمهوري، سبقه اعلان عدد من نواب الحزب الديموقراطي نيتهم بعدم تجديد ترشيحهم، مما ينبيء بسيطرة الحزب الجمهوري على مجلسي الكونغرس وما يحمله من عقبات تعيق الرئيس اوباما تمرير سياساته وبرامجه المرجوة. الدائرة الانتخابية في فلوريدا تتميز بغالبية بسيطة تؤيد الحزب الجمهوري، بيد انها صوتت لصالح الرئيس اوباما في ولايتيه الرئاسيتين.

وكرت سبحة الانباء السيئة لاوباما بنشر شبكة (ان بي سي) للتلفزة نتائج استطلاع للرأي العام يشير الى تدني شعبية الرئيس اوباما بين الناخبين لمعدلات مقلقة، له وللحزب الديموقراطي معا، من 43% الى 41%، ليقترب حثيثا من مستويات عدم الرضى عن سلفه جورج بوش الابن الذي حصد 38% من نسبة المؤيدين. وعند سؤال الناخبين اذ كانوا يميلون للتصويت لصالح مرشح يدعمه الرئيس اوباما، جاءت النتائج مخيبة وتقلصت شعبيته من 44% الى 22%.

في موضوع السياسة الخارجية اعربت اغلبية الناخبين، 53%، عن امتعاضها من اسلوب الرئيس اوباما في ادارة الشؤون الخارجية؛ ومن المرجح تزايد تلك النسبة سوءا نظرا لان الاستطلاع اجري قبل اعلان انضمام شبه جزيرة القرم لروسيا وتصاعد الاتهامات للرئيس اوباما بأنه لم يحسن استخدام النفوذ الاميركي لردع الاجراء الروسي.

المستشار الاسبق للرئيس جورج بوش الابن، كارل روف، اعرب عن اعتقاده بتفاقم الازمة السياسية لدى الرئيس اوباما والحزب الديموقراطي سيما وان مساعيه “لترميم صورته كزعيم معتبر تنهار، بل يبدو ضرب من المستحيل بذل جهود لاعادة الاعتبار لها.”

في لغة الارقام لمقاعد نواب الكونغرس، سيخضع 20 مقعدا يشغلها نواب عن الحزب الديموقراطي للانتخاب، ومن المستبعد ان يفوز الحزب باغلبها ناهيك عنها كلها. اما الحزب الجمهوري فهو بحاجة الى الفوز بستة (6) مقاعد فقط ليتسلم زمام اغلبية مقاعد مجلس الشيوخ ويبسط نفوذه على السلطة التشريعية بأكملها. بيد انه يخشى من خسارة مقعدين واللذين ليس من اليسير للحزب الديموقراطي كسبهما في ظل موجة الارتداد والعزوف عن تأييد الرئيس اوباما، لا سيما في الولايات الجنوبية المحافظة.

من المرجح ان يذهب مقعد ولاية اركنساس، مهد الرئيس الاسبق بيل كلينتون، لصالح الحزب الجمهوري بالنظر الى التحولات الديموغرافية والسياسية الكبرى التي طرأت على الخريطة الانتخابية هناك منذ تقلص نفوذ الرئيس كلينتون وحزبه في الدوائر الانتخابية المحلية، اذ صوتت الولاية لصالح المرشح الجمهوري للرئاسة، ميت رومني، بنسبة 20% اعلى مما حصده المرشح اوباما عام 2012. اصدر مركز سياسي مقرب من الحزب الديموقراطي نتائج استطلاع اجراه حديثا في الولاية، اشار الى تراجع نسبة دعم الممثل الديموقراطي الراهن، مارك براير، لنحو 42% مقابل 51% لصالح خصمه الجمهوري، توم قطن، الذي بالكاد يمكن المرء التعرف اليه. واستنادا الى مسار نتائج الانتخابات السابقة التي يلعب فيها المستقلون دورا مركزيا لدعم المرشح الخصم للراهن الديموقراطي، بفعل عدم رضاهم عن الرئيس اوباما، فان النتيجة النهائية تبدو شبه محسومة سلفا لمقعد الولاية.

مأزق الحزب الديموقراطي يتكرر ايضا في ولاية لويزيانا، التي نالت ممثلتها في مجلس الشيوخ، ماري لاندرو، مكانتها بادراجها على لائحة المقاطعة الروسية. اغلبية ناخبي الولاية غير راضين عن اداء الرئيس اوباما، الأمر الذي سينعكس سلبا على مستقبل السيناتورة لاندرو، التي فازت بمقعدها سابقا بنسبة ضئيلة. منافس لاندرو هو طبيب بالمهنة ومن اشد الرافضين لبرنامج الرعاية الصحية الشاملة – اوباماكير. تجدر الاشارة الى ان ولاية لويزيانا تصنف في مصاف الولايات المنتجة والمصدرة للطاقة، واحجمت عن التماثل مع سياسات الادارة لتحقيق مستويات متدنية من الغازات المنبعثة، بل تتربص للانقضاض على سياسات الرئيس اوباما ومؤيديه.

النائبة الديموقراطية عن ولاية نورث كارولينا، كاي هيغن، تبذل قصارى جهدها للابتعاد عن الرئيس اوباما وسياساته في حملتها الانتخابية، على الرغم من تفوقها بنسبة 45% مقابل 41% لصالح خصمها الجمهوري، توم تيليس.

المأزق الانتخابي وتراجع مكانة الحزب الديموقراطي يتكرران ايضا في عدة ولايات: كولورادو؛ الاسكا؛ مونتانا؛ ويست فرجينيا؛ ساوث داكوتا؛ ايوا؛ ونيو هامبشير. ولاية متشيغان قد تشكل احدى المفاجآت القاسية للحزب الديموقراطي نظرا لاعلان ممثلها كارل ليفن عن نيته للتقاعد في ظل مناخ تعزيز الحزب الجمهوري لمواقعه هناك والتي تبشر بنتائج مرضية له، يضاف لذلك تنامي شعبية حاكم الولاية عن الحزب الجمهوري، ريك سنايدر، والذي سيسخّر كافة قدراته وامكانياته لدعم حزبه.

تتمتع ولاية نيوهامبشير بوضع انتخابي فريد: تدني شعبية الرئيس اوباما الى نسبة 45%، وارتفاع شعبية السيناتورة جين شاهين عن الحزب الديموقراطي لنحو 50% بين الناخبين. استطلاعات الرأي تضع نسبة تفوقها من 3% الى 13% مقابل خصمها الجمهوري، سكوت براون. الميل الليبرالي العام لسكان الولاية يعزز فرص نجاح الحزب الديموقراطي دون لجوء مرشحته للابتعاد عن الرئيس اوباما.

مأزق الحزب الجمهوري الانتخابي، بالمقابل، يتمثل بمندوبي ولاية كينتكي وجورجيا اللتين يراهن الحزب الديموقراطي على الفوز بهما، نظرا لأن الاولى تمثل معقل زعيم الاقلية الجمهورية في مجلس الشيوخ، ميتش ماكونيل، الذي يواجه منافسة قاسية من مرشح متطرف من حزبه، مات بيفينز، والذي ينخر في قاعدة دعم ماكونيل خاصة بين المحافظين رغم هشاشة ادائه العام. اما ماكونيل فتشير الاستطلاعات الاولية الى تقارب نسبة تأييده من خصمه المرشحة الديموقراطية، اليسون غرايمز.

اما ولاية جورجيا فتواجه قرار مندوبها، ساكسبي تشامبليس، للتقاعد، وبروز مرشحة واعدة عن الحزب الديموقراطي، ميشيل نان، والتي تحظى بنسبة تقدم تتراوح بين 2 الى 4% عن منافسها المحتمل عن الحزب الجمهوري. يذكر ان ميشيل هي كريمة السيناتور السابق سام نان، الذي لا يزال يتمتع بشعبية واسعة بين مواطنيه نظرا لفترة خدمته الطويلة وخدماتة الواسعة المقدمة للولاية.

الانتخابات النصفية، الواقعة بين انتخابات ولايتين رئاسيتين، عادة ما تشكل مؤشرا على شعبية او تراجع الرئيس، اي كان انتماؤه السياسي. في الواقع الراهن، فاز المرشح الجمهوري للرئاسة ميت رومني بكلتا الولايتين عام 2012، ومصيرهما مقلق للحزب الديموقراطي بشكل خاص، لو قررت القاعدة الانتخابية من الديموقراطيين العزوف عن المشاركة يوم الانتخابات تعبيرا عن مدى عدم الرضى.

عند هذا المفصل، تتعاظم اهمية الولايتين بالنسبة للحزب الجمهوري في ظل مؤشرات تفيد بميل خمس ولايات لدعمه، هي: اركنساس، نورث كارولينا، ساوث داكوتا، ويست فرجينيا. وعليه، يبقى المطلوب الفوز بمقعد واحد من الولايات غير المحسومة للحظة: الاسكا، ايوا، لويزيانا، او متشيغان.

في حال استطاع الحزب الديموقراطي الفوز بولايتي جورجيا وكنتكي، كما هو مرجح ، حينها تتعسر فرص الحزب الجمهوري للسيطرة على مجلس الشيوخ.

استشراف مجلس الشيوخ بأغلبية من الجمهوريين

من غير المتوقع ان يطرأ اي تغيير جوهري على المشهد السياسي العام في ظل سيطرة الحزب الجمهوري على مجلسي الكونغرس، نظرا لحالة الشلل العام السائدة والمناكفات السياسية بين السلطتين، التشريعية والتنفيذية، وتوفر اغلبية مؤيدة للحزب الجمهوري والتيارات المحافظة في هيكلية المحكمة العليا. في الشق التنفيذي، قد نلمس استصدار تشريعات وقرارات متتالية من الكونغرس لكنها ستصطدم بحائط صلاحية الفيتو المخولة للرئيس. الفارق في هذا الحال شكلي، اذ بدل ان يُفشل مجلس الشيوخ توصيات ومشاريع مجلس النواب سيقوم البيت الابيض بتلك المهمة.

ربما الفارق النوعي الذي ستشهده الساحة السياسية سينطوي على طبيعة الترشيحات التي سيقدم عليها الرئيس اوباما، لتفادي معارضة الكونغرس عليها. وفي ظل غياب توفر اغلبية داعمة للرئيس اوباما فقد يضطر الى ترك بعض المناصب شاغرة او تعديل بعض مرشحيه لنيل موافقة رسمية من مجلس الشيوخ.

قادة الحزب الديموقراطي يدركون مأزق السلطة القضائية، ويبذلون جهود مشتركة لاقناع عضو المحكمة العليا، روث بادر غينزبيرغ، ذات الميول الليبرالية الى اعلان تقاعدها المهني قبيل موعد الانتخابات النصفية، تشرين الاول المقبل، كي يتسنى للرئيس اوباما ترشيح عضو/ة بديل/ة بميول مماثلة ويحظى بموافقة من مجلس الشيوخ بتركيبته الحالية قبل ولوج الحزب الجمهوري واستلام مركز الاغلبية فيه.

امام قتامة هذه اللوحة السياسية للحزب الديموقراطي، نذكر بما اتى عليه المستشار الاسبق للرئيس جورج بوش الابن، كارل روف موضحا ان الناخب الاميركي اذ ما استقر رأيه “على ضعف اداء الرئيس في الشؤون الخارجية، ستطغى على توجهاته المقبلة لتقييم زعامة الرئيس في الشأن الداخلي.”

التحليل 14-03-2014

التحليل:

مشروع اميركي لتوسيع مظلة الدفاع الصاروخي “الاسرائيلية” نحو دول الطوق

افصحت المؤسسة العسكرية الاميركية مطلع الاسبوع الجاري عن نيتها مد نطاق منظومة الدفاع الصاروخي في فلسطين المحتلة وتوسيع رقعة انتشارها لتشمل الاراضي الاردنية والمصرية بغية “تعزيز القدرة الدفاعية لاسرائيل ورفدها بطبقة دفاعية اضافية ..” جاء العرض على لسان الملحق العسكري في السفارة الاميركية بتل ابيب، العميد جون شابلاند. من جهتها التزمت السلطات الاردنية والمصرية السكوت المطبق حيال الخطة الاميركية المعلنة لحماية “اسرائيل” والتي تتضمن منظومة جيلي الصاروخ آرو 2 و 3، المنوي دخولها الخدمة الفعلية عام 2016.

الاعلان الاميركي، غير الرسمي، رافقه تحويل الولايات المتحدة مبلغ 429 مليون دولار “اضافيا” بصورة فورية لدولة الاحتلال “تلبية لاحتياجات تصنيع وشراء بطاريات القبة الحديدية.” تجدر الاشارة الى ان مجموع البطاريات تحت الخدمة الفعلية في جيش الاحتلال  يبلغ تعداده 7 بطاريات، ويتطلع لنشر ما مجموعه 14 بطارية مع نهاية العام المقبل.

اثر اعلان الملحق العسكري الاميركي، اوضح المدير السابق “لهيئة الدفاع الصاروخية الاسرائيلية،” ارييه هيرتزوغ، عام 2000 – 2012، ان مسألة توسيع نطاق الحماية الصاروخية ليشمل الاردن كانت مطروحة على جدول البحث خلال فترة ولايته بغية “توفير الحماية للاردن ان تطلب الأمر.”

المدير الحالي للهيئة المذكورة، يائير راماتي، رحب بالعرض الاميركي الذي يأتي اتساقا مع رغبة المؤسسة العسكرية “الاسرائيلية للتعاون الدائم مع دول المنطقة، والتي تشمل الدول المذكورة،” كما جاء على لسانه.

تغطي مظلة منظومة صاروخ آرو-2 الحالية “نطاق الاراضي الاردنية بما فيها العاصمة عمان .. اما منظومة الجيل المتطور آرو-3 فيمتد نطاقها الى مسافة اوسع داخل الاراضي العراقية .. بينما منظومة القبة الحديدية لا تتعدى دائرة اعتراضها 6 أميال (9.6 كلم)” وفق المعلومات العسكرية المتوفرة. اما منظومة الدفاع الجوي الصاروخية الاميركية، باتريوت، فيبلغ مداها الاقصى 70 ميلا (112.7 كلم) تم نشرها حديثا في الاراضي الاردنية المتاخمة لسورية.

انتشار المنظومة المضادة للصواريخ الباليستية

تعج منطقة “الشرق الاوسط” بتعدد منظومات الصواريخ المضادة، خاصة وان دولة الكيان تحتفظ في ترسانتها بعدة نظم مختلفة، كل له اغراضه واهدافه المحددة. وشرعت الولايات المتحدة في نشر سفنها الحربية في المنطقة لها القدرة على توفير مظلة حماية متنقلة من الصواريخ المضادة، بالاضافة الى بطاريات صواريخ الباتريوت الثابتة المنتشرة في مناطق عدة. ونجحت في ترويج المخاوف لدى دول مجلس التعاون الخليجي باعتبار ايران تشكل تهديدا لوجودها، مما حفز قادة دول المجلس الى النظر بنشر منظومة مضادة للصواريخ الباليستية على اراضيها. في السياق الجغرافي – السياسي، عززت الهند جهودها الدفاعية للتعاون مع “اسرائيل” لتطوير نظام دفاعي يحميها من الصواريخ الصينية والباكستانية.

في هذا الصدد، سمحت الولايات المتحدة للصناعات “الاسرائيلية” لعب دور ريادي لتصدير النظم الصاروخية، بعضها لا يزال تحت التطوير، تجتمع كلها تحت مظلة “حوما،” اي الجدار باللغة العبرية. حقيقة الأمر ان هذا “الجدار” اضحى محطة للجدل في اوساط الخبراء العسكريين “الاسرائيليين،” الذين يجمعون على عدم قدرة المنظومة الراهنة اعتراض كافة الصواريخ الايرانية الموجهة، في حال اتخذت ايران قرارها باطلاق وابل كثيف من الصواريخ في آن واحد.

ما يتوفر في ترسانة “حوما” راهنا هو صاروخ آرو-2 للتصدي واعتراض الصواريخ الباليستية ذات المديات المتوسطة والطويلة، ومواجهة الصواريخ الايرانية من طراز شهاب 3 و 4 وصواريخ سجيل. منظومة آرو تتبع ثلاثة اجيال متعاقبة: النموذج الاول كان لاغراض التجارب، والثاني دخل الخدمة الفعلية، والثالث في مرحلة التطوير ليدخل الخدمة في المسقبل القريب.

يشكل جهاز الرادار المرافق لآرو المكون الاساس وبالغ الحساسية للتعرف على كنه النظام وفعاليته. من ميزات الرادار التقنية قدرته التغلب على محاولات التشويش عليه وباستطاعته تعقب نحو 200 هدف على بعد 500 كلم في آن واحد. ولديه القدرة على التحكم واطلاق 14 صاروخا اعتراضيا مرة واحدة.

الجيل الثاني، آرو-2، يتميز بتغطية مدى 100 كلم على ارتفاع اقصى يصل الى 50 كلم، مما يتيح له القدرة على اعتراض وتدمير الصواريخ الموجهة في مسافات بعيدة عن الهدف المقصود، وتقليص حجم الاضرار الجانبية الناتجة عنه – على الاقل نظريا.

لدى المؤسسة العسكرية “الاسرائيلية” عدد من النظم الاخرى للدفاعات قصيرة المدى؛ منها نظام الباتريوت الاميركي المعدل من الجيل الثالث، باك-3، المضاد للصواريخ الباليستية للمديين القصير والمتوسط، التي تندرج تحتها النماذج القديمة لصواريخ سكود وتفرعاتها مثل شهاب 1 و 2. كما اسلفنا، تم نشر بطاريات الباتريوت على الحدود الاردنية السورية للتصدي لاي رد صاروخي مصدره الاراضي السورية على فلسطين المحتلة.

من مثالب نظام الباتريوت قدرته المحدودة على تعقب اهداف متعددة والتي لا تتعدى 100 هدف على بعد 100 كلم، مقارنة بنظم اشد تطورا وفعالية. باستطاعة الباتريوت تدمير صواريخ نجحت في اختراق منظومة آرو-2، وفق المعلومات العسكرية المتوفرة. اما نظام القبة الحديدية، الذي لا زال يثير سجالات واسعة حول ادعاءات عالية بفعاليته التي قفزت من زهاء 50% الى نحو 90% دون توفير دليل مقنع وفق المعايير العسكرية المتبعة، فقد دخل الخدمة الفعلية منذ ثلاث سنوات، بغية التصدي للقذائف والصواريخ قصيرة المدى. بينما لا يزال نظام آرو-3 في طور التجربة ولم يدخل ارض المعركة لفحص فعاليته النظرية.

كرس جيش الكيان جهودا وموارد مكثفة للترويج لمنظومة القبة الحديدية، لطمأنة الواقع الداخلي لمستوطنيه من ناحية، وابرازه على الساحة الدولية كسلاح فعال تتسابق على حصوله الدول الاخرى. عند استشعار المنظومة هدف قادم تطلق صاروخا محملا برأس متفجر موجه بموجات الرادار يجري تفجيره في دائرة قريبة من الهدف المرصود، سواء كان مقذوف هاون او صاروخ، وذلك نظرا لطبيعة تصميمه لتعقب واصطياد اهداف ضمن فترة زمنية قصيرة ادنى مما يتوفر لدى نظم الباتريوت او آرو. تزعم المؤسسة العسكرية “الاسرائيلية”: ان نسبة نجاح عمل المنظومة يصل الى 90%، بينما يرجح معظم خبراء الشؤون العسكرية ان الزعم مبالغ به ولا تتجاوز فعاليته نسبة 66%؛ بل ان البعض منهم يطرح الزعم جانبا برمته.

الصواريخ المعترضة برؤوسها المتفجرة باهظة الثمن. ويزعم مروجو المنظومة ان جهاز الرادار الخاص بها، يصل مداه لنحو 70 كلم، يستطيع تمييز الهدف النهائي للقذيفة او الصاروخ القادم واصدار اشارات التصدي ان كانت الوجهة مناطق مأهولة بالسكان او تجاهل اعتراضه كليا ان تم التعرف على الوجهة بأنها مناطق مكشوفة. وعليه، يمضي المروجون، باستطاعة المنظومة الاقتصاد في اطلاق الرؤوس المتفجرة وتوجيهها بعيدا عن الاراضي المأهولة.

في الشق النظري، توفر مروحة النظم المختلفة للجيش “الاسرائيلي،” آرو-2 وباتريوت والقبة، حماية متعددة التراتبية، وتنكب قياداته على الاستثمار الواسع لتطوير فعالية منظومة الدفاعات المضادة للصواريخ الباليستية. من هذا المنطلق يبرز الاستثمار المشترك مع الولايات المتحدة في تطوير الجيل الثالث من صاروخ آرو، لاعتراض الصواريخ الباليستية في الفضاء البعيد ومواجهتها والارتطام بها على ارتفاعات عالية قبل اقترابها من اهدافها. وذلك بخلاف الجيل الحالي، آرو-2، الذي ينشط ضمن ارتفاعات الغلاف الجوي للكرة الارضية حاملا رؤوسا متفجرة، بغرض تشكيل خط دفاع ثاني مكمل لآرو-3 بالتصدي لقذائف نجحت في اختراق مجال حماية آرو-3.

جدير بالذكر ان عمر منظومة باتريوت المضادة للصواريخ الباليستية بلغ 30 عاما والتي جرى تصميمها لمواجهة جيل الصواريخ السوفياتية التكتيكية العائدة لعقد الثمانينيات من القرن المنصرم؛ ويجري تعديل المنظومة من قبل المؤسسة العسكرية “الاسرائيلية” تحت تصنيف جيل “مقلاع داوود.” الميزات التقنية المتوفرة عنه ضئيلة وغير كافية، ورشح انه سيكون باستطاعة المنظومة مماثلة قدرات نظم الباتريوت في التصدي واعتراض القذائف والصواريخ الموجهة وتوفير تداخل بعض مهام الحماية والقدرات التقنية المتاحة لمنظومتي آرو والقبة الحديدية. في مستوى نطاق عمل “المقلاع،” يجري تداول دائرة فعالية قطرها نحو 300 كلم.

بعض نقاط الضعف في منظومة “مقلاع داوود” تم التعرف عليها تتمركز في الفارق الزمني بين وصول الصواريخ الموجهة لاهدافها قبل تفعيل اجهزة المنظومة، مما حفز قادة الكيان طلب المساعدة من المؤسسة العسكرية الاميركية لتطوير اسلحة تعمل باشعة الليزر لسد هذه الفجوة بالغة الخطورة، تكنى بالشعاع الحديدي والذي يقال انه اقترب من مرحلة الانجاز. وعليه، تعول المؤسستين الاميركية و”الاسرائيلية” على ادخاله الخدمة كنواة صلبة في طبقة الحماية، نظرا لنطاق عمله في اعتراض اجسام واهداف على ارتفاعات قصيرة تشمل الطائرات دون طيار والصواريخ وقذائف الهاون التي عادة لا تمكث طويلا في التحليق قبل وصولها اهدافها متفادية استشعارها من قبل القبة الحديدية. جرى الاعلان عن بعض المواصفات التقنية للمنظومة خلال معرض للطيران اقيم في سينغافورة في شهر شباط الماضي.

وزعمت شركة رفائيل للصناعات المتطورة المنتجة للمنظومة ان احصائيات التجارب الحية تشير الى نسبة نجاح تفوق 90% للشعاع الليزري في تدمير الاهداف. اما من ناحية الكلفة، فان الاشعة الليزرية تتمتع بخاصية تدني تكلفتها الاجمالية في استهداف الصواريخ الموجهة مقارنة بالصواريخ الاعتراضية المتفجرة.

سبق اعلان رفائيل قيام سلاح البحرية الاميركية تجهيز احدى سفنه المقاتلة وناقلة الجند البرمائية، بونسي، بنموذج سلاح يعمل باشعة الليزر العام الماضي ومن المتوقع رسوّها في موانيء الشرق الاوسط الصيف المقبل. سلاح الليزر يسلط شعاعا ضوئيا يعمل بسرعة الضوء تحت درجة حرارة عالية على هدف تم اختياره دون توليد تفجير، باستطاعته تسبيب العمى لاجهزة المنظار والعين البشرية وحرف اجهزة الاستشعار المركبة على قذائف عن مسارها. من ضمن مهام “بونسي” توفير الدعم لقوات القيادة المركزية الاميركية، سنتكوم، والاسطول الاميركي الخامس في مياه الخليج العربي.

لدى الترسانة الاميركية ايضا نظم دفاعية اخرى مضادة للصواريخ الباليستية في مناطق متعددة من منطقة الاشتباك في الشرق الاوسط، او بالقرب منها. وحركت البحرية الاميركية احدى سفنها المدمرة الاربعة من طراز ايجيس، دونالد كوك، الى مسرح عملياتها في ميناء روتا الاسباني، الشهر الماضي، بغية توفير منصة اطلاق للصواريخ المضادة والمشاركة في تدريبات حماية الملاحة البحرية لقوات الناتو. يذكر ان القاعدة البحرية الاميركية في روتا الاسبانية تشكل محطة لوجستية حيوية للاسطول البحري الاميركي في مياه البحر المتوسط، وترابط على بعد ابحار مسافة يومين عن موانيء الشرق الاوسط. السفن الثلاثة الاخرى من ذات فصيلة ايجيس من المقرر نشرها في المنطقة خلال العامين المقبلين.

ورحب السكرتير العام لحلف الناتو، اندرز فوغ راسموسين، بالسفينة الاميركية بونسي قائلا “لاول مرة، ترسو سفينة بشكل دائم في اوروبا تابعة لسلاح البحرية الاميركية محملة بنظام ايجيس المضاد للصواريخ الباليستية.”

هاجس انعدام الأمن وعدم الاستقرار لدى دول الخليج، وتغليبها  عامل استعداء ايران عوضا عن التعاون، حفزها لتبقى اسيرة التسلح وزبونا دائما للصناعات التسليحية الغربية، والاميركية بشكل خاص، وتبني الخشية الاميركية من تطور قدرة ايران العسكرية، وسعيها للتماثل مع جيش الاحتلال “الاسرائيلي” في امتلاك نظم دفاعية مضادة للصواريخ الباليستية. الحكومة الاميركية بدورها خففت من قيود الشروط المفروضة على بيع تقنية اسلحتها المضادة للصواريخ بحيث يتسنى لدول الخليج العربي شراء اسلحة اميركية، سعيا من الاخيرة لطمأنة تلك الدول التزام الولايات المتحدة بحمايتها، بينما تمضي في الوقت عينه للتوصل الى عقد اتفاقية مع ايران بشأن برنامجها النووي.

التدابير والتسهيلات الاميركية لقيت ترحيبا واسعا داخل اوساط شركات الاسلحة، والتي تلقت عدة طلبات بشراء معداتها، منها شركة راثيون المصنعة لصواريخ باتريوت حصلت على عقد بيع منظومتي باتريوت للكويت؛ ووقعت دولة الامارات عقدا مع شركة لوكهيد مارتن لشراء منتوجها من منظومة الدفاعات الجوية للارتفاعات العالية – ثاد.

توفر تلك الاسلحة لدول الخليج لا يعفيها من مخاطر التعرض لتهديدات صاروخية متعددة، سيما حين الاخذ بعين الاعتبار التواجد العسكري الايراني في مياه مضيق هرمز وعلى بعض الجزر المتنازع عليها، مع دولة الامارات، ولديها القدرة على اطلاق صواريخ ارض-ارض تصل الى الاراضي الاماراتية. الصواريخ المذكورة تصنف ضمن الصواريخ قصيرة المدى والتي تقع خارج دائرة فعل منظومة “ثاد،” وستبقى مصدر قلق وتوتر لتلك الدول.

سباق التسلح لدى الدول العربية، والخليجية بشكل خاص، طبع المنطقة بخصوبة نظم الدفاعات المضادة للصواريخ الباليستية على اراضيها، تهدئة لهواجسها من ايران، كما يعتقد. وينبغي النظر الى نشر تلك النظم المتعددة في سياق الصيرورة المشتركة لجهود دول الخليج بالتساوق مع النظم الدفاعية المكثفة “لاسرائيل،” التي تصل شبكة تغطيتها اراضي مصر والاردن ومنطقة الحجاز، يعززها نشر بطاريات صواريخ باتريوت الاميركية في تركيا والاردن، فضلا عن النظم الدفاعية المتحركة المضادة للصواريخ الباليستية المنصوبة على متن سفن البحرية الاميركية، مما ادى لتغطية مساحات واسعة من الارض العربية ضمن مظلة دفاعية مضادة للصواريخ.

كما اسلفنا سابقا، فان التكلفة العالية للقذائف الصاروخية المضادة في المنظومة الدفاعية المتكاملة تثير تساؤلات مشروعة حول فعاليتها عند الحاجة، ويضفي ظلالا من الشك حول قيمتها الفعلية.

الضربة الاولى وغموض النتائج

يجمع الخبراء العسكريون على عدم اهلية الحصول على نسبة 100% من فعالية التصدي للصواريخ القادمة، بالاشارة ايضا الى ان الاهمية الاستراتيجية تكمن في تقليص الى الحد الاقصى عدد القذائف الموجهة ووصولها الى اهدافها، ورفع معدل عدم اليقين للطرف المبادر باطلاق الصواريخ.

للاضاءة على هذا الجانب، باستطاعة ايران، مثلا، اطلاق وابل كثيف من الصواريخ الموجهة نحو “اسرائيل” وقناعتها بأن نسبة 20% منها قد تستطيع التملص من شبكات الدفاعات الجوية المنصوبة وتصل الى اهدافها مباشرة وما سينتج عنها من اضرار ودمار واسع النطاق. على الجانب الاخر من النظرية، قد لا تستطيع ايران التيقن من اصابة الاهداف المقصودة او حجم الصواريخ التي ستعترض خلال مرحلة انطلاقها؛ فهل تستطيع استهداف المنشآت الحيوية في تل ابيب او مرابط صواريخ اريحا المحملة برؤوس نووية؟ وما هي توقعاتها حينئذ لردات الفعل الانتقامية، والتي قد تشكل عنصرا رادعا بحد ذاته للحيلولة دون القيام بالمهمة.

بل تشير المعلومات المتوفرة ان ذلك ما كان يدور بخلد القيادتين العسكريتين الاميركية والسوفياتية قبل دخول المنظومة المضادة للصواريخ الباليستية الخدمة بدافع ما يشكله عامل عدم اليقين لدى الطرف المبادر بالهجوم وما سيصاحبه من ردود افعال قاسية.

لن يمضي وقت طويل قبل ان تجد منطقة الشرق الاوسط نفسها خاضعة لواقع شبيه بما سلف. قدرة ايران على انتاج ونشر عدد هائل من الصواريخ ستواجه بسلسلة متصلة من النظم الدفاعية في المنطقة مما يعقد الحسابات العسكرية في شن الضربة الاولى.

ويبقى السؤال مطروحا: هل يأتي هذا المشروع في سياق مد حبل النجاة لمساعي كيري في فرض اتفاقية الاطار؟

التحليل 28-02-2014

التحليل:

قراءة في تداعيات الميزانية العسكرية الاميركية المقترحة

شهد مطلع الاسبوع اعلان الولايات المتحدة، على لسان وزير الدفاع تشاك هيغل، عن نيتها خفض ميزانيات وزارة الدفاع، البنتاغون، وتقليص حجم ونفقات القوات المسلحة العاملة بنحو 80,000 عنصر، بحيث يبلغ تعدادها الى مستويات ما كانت عليه قبل اعلان الحرب العالمية الثانية. ذهب هيغل بعيدا في تعليل التخفيضات مصوبا الجدل بأنه باستطاعة القوات العسكرية تقليص حجم الانفاقات وتخفيض اعداد الجنود دون المس برقعة الانتشار الكونية الواسعة للعسكرية الاميركية. واضاف انه لا يرى حاجة للابقاء على حجم القوات المسلحة راهنا والتي لا زال باستطاعتها القتال في ساحتي حرب معا، كما اردف، في ضوء انتهاء الحرب (الاميركية) على العراق منذ سنتين ونيف، كما ان الحرب في افغانستان تتراجع حدتها منذ زمن.

التخفيضات المقترحة ستطال كافة اذرع القوات المسلحة: مشاة البحرية – المارينز؛ سلاح البحرية؛ وسلاح الجو التي بمجملها ستتأثر بخسارة بضعة آلاف من القوات المقاتلة. اما القوات البرية، الجيش، والذي يعد من اضخم الاذرع العسكرية، سيطاله القسم الاكبر من معدلات التخفيض. اذ ستتراجع اعداده من المستويات الراهنة 522،000 جندي يحمل السلاح الى ما يتراوح بين 440,000 الى 450,000 عنصر؛ كما سيجري تخفيض حجم قوات الحرس الوطني من 205،000 عنصر حاليا الى 195،000. التخفيضات البشرية سيرافقها تقليص ايضا في نوعية الميزات والمكافآت ورواتب القوى العاملة.

من بين ضحايا تقليص النفقات تبرز الاسلحة التالية: طائرات التجسس من طراز يو-2، والتي ستعوض طائرات الدرونز المهام التجسسية الموكلة لها؛ طائرات من طراز A-10 المصممة لتعزيز قتال القوات البرية ضد سلاح الدروع “السوفياتي” في اوروبا ابان عصر الحرب الباردة. اما سلاح الطائرات المقاتلة من طراز F-35، التي ارتفعت كلفتها الى ازيد من 400 مليار دولار، فلم يشملها التخفيض. يذكر ان تلك المقاتلات لا تزال تعاني من ثغرات تقنية متعددة الجوانب وادت التدريبات عليها الى اصابة عدد من الطيارين بالغثيان ونقص في كمية الاوكسجين داخل مقطورة القيادة. تقليص عدد الطرادات البحرية؛ وكذلك لعدد عربات مقاتلة لسلاح البر في طور التصميم. يشار الى ان التخفيضات التي ستطال عديد الحرس الوطني الذي ينضوي تحت سلطة الولايات المختلفة اغضبت عدد من حكام تلك الولايات، من الحزبين الرئيسيين، وانعشت التوتر القائم بين سلطات الحكومة المركزية وتلك لدى الولايات المكونة (وجرى تناول تلك المسألة بالتفصيل في تقرير الاسبوع الماضي – 14 شباط).

التخفيضات المقترحة بمجملها تعكس النمط السائد في تفكير الحكومة المركزية التي لجأت ولعقود متتالية الى الاقتراض من المؤسسات الخاصة والحكومات الاجنبية لتمويل الانفاق المتعاظم على الاسلحة والنظم العسكرية، كما تؤشر على كارثة تدابير الاقتراض ورفع سقف الميزانية العسكرية باضطراد لعقود متعددة، واعادة النظر بحجم الديون الهائلة المتراكمة على الدولة لتمويل نفقاتها.

سعى وزير الدفاع هيغل ايضا الى تبرير نية تقليص القوات المسلحة بانه الثمن الضروري الذي ينبغي التضحية به بغية بلوغ وتسيّد مرحلة “التفوق التقني” والتركيز على قوات العمليات الخاصة وتخصيص الموارد اللازمة لكافة جوانب مهام تجري في الفضاء الالكتروني. وقال “اننا نعيد ترتيب اوضاعنا ونرمي لتسليط الضوء على التحديات والفرص الاستراتيجية التي من شأنها تحديد وجهة مستقبل الأمة، وتخصيص الموارد المطلوبة في مجالات: التقنيات الجديدة، مراكز القوة المتبلورة (عالميا)، لعالم اضحى اشد تقلبا، يتعسر فيه التنبؤ بالنتائج، بل في بعض الحالات يشكل تهديدا اكبر للولايات المتحدة.”

اولويات الاستراتيجية اقتضت التخفيضات

حجم التخفيضات المقترحة غير مسبوق في مداه. على سبيل المثال، شكلت ميزانية الدفاع 4.7% من الناتج القومي عام 2011؛ وستتقلص العام الجاري الى 2.7%. بلغت ميزانية وزارة الدفاع لعام 2011 705.6 مليار دولار لتتقلص الى 496 مليار حاليا؛ اي ما يعادل تخفيض بنسبة 30% تقريبا.

التقلص المضطرد في حجم ايرادات الخزينة العامة دفع ادارة الرئيس اوباما الى ضرورة خفض الانفاقات في كافة المجالات الى ان اتى الدور على وزارة الدفاع. اما عوامل تقليص الايرادات فهي تعود في القسم الاكبر منها الى عهد الرئيس الاسبق رونالد ريغان، وما تبعه من رؤساء جمهويين، بوش الاب والابن، الذين خفضوا حجم الضرائب المفروضة على الاثرياء والميسورين، وكذلك اعفاء غالبية نشاط التبادل المصرفي اليومي الهائل في وول ستريت من الضرائب المستحقة على المصارف الكبرى، وزيادة ثابتة في ميزانيات البنتاغون. وفي حيز الانفاقات الحكومية، اوضح جهاز الاشراف على الانفاق الحكومي التابع للكونغرس ان المبالغ المقررة للبرامج الصحية ورواتب التقاعد ستشهد ارتفاعا في معدلاتها بمبلغ 85 مليار دولار اضافي، ليبلغ مجموعها نحو 2.1 تريليون دولار للعام الجاري.

عند احتساب الفوائد المترتبة على القروض الحكومية تزداد الصورة قتامة، اذ من المتوقع ارتفاع معدلاتها بنسبة 14% سنويا، وربما تبلغ اربعة اضعاف المستويات الراهنة للفترة الزمنية بين 2014 و2024. واوضح رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب، باك ماكيوان، ان البلاد “مقبلة على ارتفاع في معدلات الصرف على الفوائد المترتبة على الديون خلال السنتين القادمتين تفوق الانفاقات الراهنة على بند الدفاع الوطني.”

يمكن للمرء رصد خط بياني واضح في تخفيض الانفاقات الدفاعية الاميركية بعد انتهاء كل جولة من الحروب، يتناسب مع متطلبات ورؤية الاستراتيجيين وصناع القرار السياسي. اذ بلغ معدل الانفاقات الاميركية في السنوات الاخيرة من الحرب العالمية الثانية، 1943-1944، نحو 43.6% من الناتج القومي العام؛ وانخفضت عام 1945 الى 14.3% من الناتج القومي. وتكرر مسار الخط البياني في الانفاق على شؤون الدفاع، صعودا وهبوطا، بعد نهاية الحرب على فييتنام والحرب الباردة على التوالي.

المعسكر الرافض للتخفيضات العسكرية

سارعت شخصيات بارزة في الحزب الجمهوري للاعراب عن شديد معارضتها لخطة الادارة الاميركية، على رأسها نائب الرئيس السابق ديك تشيني، مهندس حرب تدمير العراق، بوصفه الاستقطاعات المقترحة “خطيرة بالمطلق .. ومدمرة.” واوضح في حديث صحافي “لم أصنف ضمن المؤيدين بشراسة (للرئيس) باراك اوباما. بيد ان هذه المسألة فاقت كافة التوقعات اذ من شأنها انزال ضررا هائلا طويل الأمد في قواتنا المسلحة.”

وشاطره الرأي السيناتور الجمهوري جون ماكين قائلا لشبكة (سي ان ان) للتلفزة “باعتقادي ان ثمة ارسالنا اشارة عن نيتنا بخفض الانفاقات العسكرية، في ظل وضع عالمي بالغ الخطورة، هي خطأ فادح .. مع الاقرار انه بالامكان السعي لتوفير بعض النفقات في الشأن العسكري، بيد ان الامر ينصب على بلوغ معدلات تخفيض بهذا الحجم (الكبير)، مما يقلقني بشدة خاصة بالمقارنة مع زيادة  حجم الانفاقات على القضايا الداخلية.”

تداعيات تقليص الانفاقات العسكرية

التجليات الفورية ستظهر على نطاق الرواتب والمكافآت والميزات للقوات المسلحة، والتي تقدر بعدة مليارات من الدولارات. فمنذ نهاية الحرب على فييتنام سلطت الولايات المتحدة انظارها على اعادة تأهيل قواتها المسلحة والتركيز على المهنية والاحتراف لعناصرها واستيعابهم للتقنية العسكرية المتطورة، عارضة عليهم رواتب مجزية تسمح للقيادة العسكرية اختيار من تراه مناسبا من قدرات وطاقات للانضمام اليها.

كما ان القيادة العسكرية ستخفض حجم المساعدات المخصصة لشؤون الاسكان يرافقها تقليص اموال دعم اسعار المواد الاستهلاكية المخصصة لاعضاء القوات المسلحة، اذ ان اسعارها المخفضة تشكل دعما اضافيا لدخل العناصر من كافة الرتب العسكرية. ايضا، سيتأثر قطاع الرعاية الصحية وسيتعين على كافة افراد الاسر دفع مبالغ اعلى عما ذي قبل عند تلقيهم الخدمات الصحية. رواتب القوات المسلحة بكامل عديدها ستشهد زيادة طفيفة بنسبة 1%، والتي لا تواكب معدلات التضخم.

عند احتساب قيمة التخفيضات الشاملة، سيبلغ معدل تقلص الراتب السنوي بنحو 1,000 دولار لكل عنصر في القوات المسلحة، وما سيتركه من انعكاسات تخفض اعداد المجندين عبر سياسة الاستنزاف. كما لا ينبغي اغفال المجالات التي ستتعرض للتقلص وما يرافقه من تراجع في مستوى الجهوزية.

تقلص اعداد القوات المسلحة سينعكس على حجم شريحة الضباط والرتب الادنى، اذ انها بطبيعتها قد انجزت المتطلبات الضرورية للانضمام للخدمة العسكرية لكن عناصرها لم يقدموا على احتراف الانتظام في المؤسسة العسكرية لسنوات طويلة. يمتلك اعضاؤها قدرا لا بأس به من الخبرة العملية، ويشرفون على ادارة المهام اليومية للمؤسسة العسكرية.

مؤسسات القطاع الخاص، لاسيما الشركات الكبرى، تطمح لانضمام تلك الشريحة المدربة الى صفوفها وتعرض عليها مكافآت مجزية ومشجعة بغية انكفائها عن الانضمام للقوات المسلحة. وبحكم حداثة السن لمعظم الاعضاء فان الرواتب العالية تشكل عاملا مساعدا لاتخاذ القرار وتعزيز رعايتهم لاسرهم الناشئة، والتمتع باوقات عمل محددة. ما يتبقى في القوات المسلحة، بعدئذ، سيكون متوسط الكفاءة للاضطلاع بمهام تؤهله للترقية.

تداعيات التغيير في العنصر البشري ستأخذ بعض الوقت، يرافقها تدني مضطرد في نوعية تنفيذ المهام اليومية والتي قد تفرض على المؤسسة العسكرية تخصيص مبالغ اضافية لشؤون التدريب والتخصص لتعويض الكفاءات المهاجرة من صفوفها.

القوات البرية – الجيش

من الثابت ان ىالقوات البرية ستشهد القسم الاكبر من معدلات التخفيض، كما يستنتج من تصريح وزير الدفاع عند قوله “الحجم الراهن للقوات البرية هو اعلى من المطلوب لتنفيذ متطلبات استراتيجيتنا الدفاعية .. كما انه اعلى كلفة مما يمكننا تحمله للحفاظ على معدلات التحديث والجهوزية العسكرية.” واستدرك بالقول ان القوة الجديدة سيتاح لها التمتع بكافة المجالات التقنية الحديثة كي تؤهلها لالحاق هزيمة مؤكدة لاي عدوان في الحرب “وفي نفس الوقت المحافظة على قدراتها للدفاع عن الوطن الام وتوفير الدعم المطلوب لسلاحي الجو والبحر المنخرطة في عمليات قتالية ضد الخصوم.”

تجدر الاشارة الى ان التخفيضات المعنية لا تقتصر على جانب الارقام المجردة، اذ ان بعضها سيطال قدرة القوات البرية على شن عمليات قتالية متواضعة في منطقة الشرق الاوسط. اجراءات التخفيض وتقليص النفقات جارية على قدم وساق لعمليات جهاز رأس الحربة في القوات البرية الموكل اليه تنفيذ المهام القتالية في العراق وافغانستان ومناطق اخرى حول العالم، الذي يعرف بـ “المنظمة المشتركة لافشال العبوات المتفجرة المبتسرة – جيدو.” يبلغ طاقم المنظمة نحو 3,000 عنصر والذين سيطالهم التخفيض ليصل الى 1,000 عنصر مع نهاية السنة المالية الجارية (ايلول 2014)، وربما ستخضع لمزيد من التخفيض المقرر بحيث لا يتجاوز العدد 400 عنصر في المدى المنظور.

مقص التخفيض نال ايضا برنامج انتاج عربة قتالية مدرعة للقوات البرية الذي الغي بالكامل، نظرا لعدة عوامل اهمها تنامي العقبات التقنية التي واجهت جهود انجاز عربة خفيفة الحركة، اذ اضحت اثقل وزنا مما ينبغي وما يشكله ذلك من اعاقة ايضا على سبل نقل العربات بطائرات عسكرية الى مواقع قريبة من ساحات الاشتباك، اضافة لعدم توفر حركة المناورة المطلوبة لها في بيئة جغرافية ادنى تطورا في مناطق العالم النامي.

السيطرة على قوات الحرس الوطني المنتشرة في عموم الاراضي الاميركية كانت احدى بؤر التوتر بين الولايات المحلية من ناحية ووزارة الدفاع من ناحية اخرى، التي عمدت لنقل سلاح الطائرات المروحية من طراز اباتشي الى سيطرة القوات البرية، واستبدال الاسطول عينه بمروحيات من طراز بلاك هوك. الاجراء يوفر للقوات البرية قوة نارية اضافية دون تحمل اعباء نفقات اضافية، بيد ان تداعياته تصب في تقييد حركة المناورة في ميدان الاشتباكات وكذلك اعاقة القدرة على توفير الدعم المطلوب للقوات في الخطوط الامامية. في المحصلة، يؤدي الاجراء الى اعاقة سرعة الحركة المطلوبة من القوات البرية، وتعزيز الوحدات المتقدمة في خطوط الاشتباك، او توفير سبل الدعم والامداد بالسرعة المطلوبة كما كان الامر عليه في كل من العراق وافغانستان.

لعل المفارقة تكمن ايضا في تداعي مستزويات الدعم المطلوبة لقوات حفظ السلام المنضوية تحت لواء القوات البرية الاميركية – سيما لجهود الاغاثة من الكوارث التي تستند بشكل رئيس على القدرة لنقل المعونات المطلوبة لمناطق نائية بسرعة. في الشق التقني، من ميزات مروحيات اباتشي قدرتها على مواجهة افضل لسلاح الدروع، والتي لم يعد لها ضرورة ملحة في مثل هذه الظروف.

في الجوانب الايجابية، استطاع سلاح القوات البرية الفوز بزيادة حجم القوات الخاصة، من 66,000 الى 70,000 عنصر، والمكلفة بانجاز مهام قاسية محددة كما برز في عملية الهجوم على معقل اسامة بن لادن. الامر الذي يؤشر على حقيقة توجهات الادارة الاميركية واقرارها بأن بعض الاشتباكات الحربية لا ينبغي خوضها باعداد كبيرة من الجنود والتشكيلات العسكرية التقليدية، بل عبر الاعتماد على مجموعات صغيرة الحجم حسنة التدريب باستطاعتها شن هجمات ناجحة في اراضي الخصم بأقل التكاليف والخسائر.

تلك الوجهة نحو ايلاء اهمية اعلى للقوات الخاصة هي ما توجته معامل هوليوود وتظهير عامل الرعب والهيبة من نتائج خارقة تحققها القوات الخاصة. بينما حقيقة الأمر ان طبيعة تركيبة تلك القوات تندرج تحت بند قوات مشاة خفيفة الحركة والتسليح تنجز مهامها المطلوبة باقصر زمن ممكن وهي غير مهيئة لخوض معارك تمتد لايام ولو معدودة كما هو الحال مع القوات البرية التقليدية.

تجدر الاشارة الى خصوصية وانتقاء برامج التدريب التي تخضع لها القوات الخاصة والمعايير العالية المطلوب توفرها مما يستغرق فترات زمنية اطول لرفد صفوفها بعناصر جديدة او بديلة. الاحصائيات الاميركية الرسمية تشير الى فترة زمنية تعادل سنتين من الزمن لتجنيد وتدريب الفرد الواحد بكلفة 2 مليون دولار. الاحصائيات لا تأخذ بعين الاعتبار عوامل السقوط والاستنزاف للقوى البشرية بين المجندين، اذ تصل معدلات الانسحاب الى نحو 90%. وعليه، ستبلغ كلفة الزيادة العددية المقترحة للقوات الخاصة نحو 2 مليار دولار تمتد لسنتين على الاقل، كما ان الرغبة سالفة الذكر لا تحاكي آلية وكيفية تجنيد 4،000 عنصر جديد، وهل تضطر القيادة العسكرية للقبول بتدني مستوى المعايير المطلوبة.

ديمومة انخراط عناصر القوات الخاصة هي ايضا احدى التحديات التي تواجه القيادة العسكرية، وتتعاظم اهميتها على ضوء زيادة الطلب من المؤسسات الخاصة على تجنيد عناصر خبيرة بعمل القوات  الخاصة، لاسيما مؤسسات توفر الحماية للافراد والمرافق، وعامل الرواتب والمكافآت المجزية التي يوفرها القطاع الخاص. في ظل تدني مضطرد للخدمات والميزات الصحية وخفض مستوى الرواتب في عموم القوات المسلحة، من المرجح ان يلجأ عدد اكبر من عناصر القوات الخاصة للعمل خارج مؤسسة الجيش، اذ تصل بعض معدلات الرواتب نحو عشرة اضعاف ما هي عليه في صفوف القوات المسلحة.

سلاح البحرية

سيحتفظ سلاح البحرية بحاملات الطائرات الاحدى عشر (11) في ترسانته، بيد ان التحدي يكمن في القوات والسفن الاخرى الضرورية لحماية الحاملات ضمن التشكيلة البحرية. ويخشى قادة السلاح احالة نحو نصف الحاملات خارج الخدمة الفعلية نظرا لعمليات التحديث المطلوبة لهياكلها واجهزتها.

مهمة الطرادات العاملة في سلاح البحر تشكيل منصات دفاعية لحماية الحاملة المعنية. اجراءات تخفيض عدد الحاملات العاملة سيترك تداعيات مباشرة على قوة الحماية التي سيواجه افرادها انفسهم امام اطالة فترة الخدمة في عرض البحر، مما سينعكس سلبا على مسألة الاحتفاظ بالخبرات المطلوبة بالغة الحساسية، او مواجهة النقص المترتب عن خفض قوات الحماية في تصديها لهجمات جوية معادية. يذكر ان المدمرات المرافقة لحاملات الطائرات يتوفر لها بعض القدرات للدفاعات الجوية، بيد ان زيادة الاعتماد على تلك الخاصية سيأتي على حساب قدرتها كسلاح مضاد للغواصات في زمن الاشتباك.

ننوه بتصريحات الرئيس اوباما بأن الاستراتيجية الاميركية الراهنة تحولت للتركيز على آسيا. من المفارقات ان عدد من الدول المقصودة في الاستراتيجية الجديدة تطل على المحيط الهاديء، وهي منطقة لها خبرة طويلة في ايلاء الاولوية للقوات البحرية لحماية مصالحها عوضا عن القوات البرية. وهنا يبرز تحديا آخرا للسياسة الاميركية التي ستضطر لتعويض التخفيضات المقترحة لقواتها المسلحة بامكانيات بديلة من العسير توفيرها وفق الرؤيا المطروحة.

سلاح الجو

ستفقد ترسانة سلاح الجو طائرات التجسس من طراز U-2 وكذلك طائرات دعم القوات البرية من طراز A-10، وسيتم استبدال مهام الاولى بطائرات الدرونز والثانية بمقاتلات حديثة من طراز F-35 في بدايات العقد الثالث من القرن الحالي. وعلق هيغل على الاجراء بالقول “طائرة A-10 عمرها اربعون (40) عاما، صممت لهدف احادي للانقضاض على مدرعات العدو في ارضية اشتباك عصر الحرب الباردة. وليس باستطاعتها الاستمرار للعمل بفعالية امام مقاتلات ونظم دفاعية متطورة.”

تجدر الاشارة الى ان تبرير وزير الدفاع باقدمية الطائرات ينطبق ايضا على مروحيات اباتشي التي سيجري سحبها من سلاح الحرس الوطني لتعود الى ترسانة وزارة الدفاع، اذ جرى تصميمها وادخالها الخدمة الفعلية منذ نحو نصف قرن من الزمن للقيان بمهام رديفة للاخرى – كسلاح مضاد للدروع على الاراضي الاوروبية. بل جرى استخدامها في اغراض تحديد الاهداف المطلوبة كي تقوم طائرات A-10 بقصفها في العراق وافغانستان. كما ان الطائرات المذكورة كانت عرضة وهدفا مباشرا لقوات المقاومة في البلدين والتي استطاعت اسقاط بعض منها.

اعتبر قادة سلاح الجو طائرة A-10 سلاحا متدنيا لانجاز المهام المطلوبة، والذين اعطوا الاولوية للمقاتلات المتطورة وسحر ميزة تفوقها لتأدية المهام ودعم القوات البرية. وعلى الرغم من اقدمية ذلك الجيل من الطائرات المقاتلة، الا انها اثبتت فعاليتها في الفتك بالقوات البرية في كل من العراق وافغانستان، سيما وانها مزودة بمدفع رشاش عيار 30 ملم سريع الطلقات.

مبدأ العسكرية الاميركية يستند الى حد بعيد على توفير الحماية الجوية للقوات البرية ويعتبر احد الركائز الاساسية. نظرا لطبيعة تسليح القوات البرية الاميركية ببنادق من طراز M-4 قصيرة المدى، تتعاظم اهمية دعم طائرات A-10 للعمليات البرية خاصة تلك التي تفوق مدى اصابة البنادق المذكورة، او في الحالات التي يتفوق فيها الخصم على اعداد القوات الاميركية. بالنتيجة، سيلجأ سلاح البر الى الاعتماد المكثف على سلاح المدفعية، ذات المدى المحدود، او ادخال المروحيات المقاتلة من طراز اباتشي بكل ما يرافقها من مثالب عملياتية، او ان يجد نفسه في اوضاع يتفوق فيها الخصم عليه بالكثافة النارية.

الحرس الوطني

تتعاظم حدة التوترات بين الحكومة المركزية، الفيدرالية، والولايات المحلية، بدءا بنطاق الصلاحيات وتداخلها واولويات كل منها، ومرورا بالتخفيضات المقررة لسلاح الحرس الوطني المقيم على اراضي الولايات المختلفة والتي تستند اليه في تنفيذ عديد من المهام خاصة في اعمال الاغاثة ومعالجة الكوارث الطبيعية.

خطة التخفيض المقترحة تستدعي اقتطاع نسبة 4% من هيكل الحرس الوطني وقوات الاحتياط. اذ اوضح وزير الدفاع الامر بالقول “مع الاقرار ان قوات الاحتياط اقل كلفة خلال فترة عدم انتشارها، الا ان دراساتنا الخاصة تشير الى تقارب كلفة الاحتفاظ بوحدات الاحتياط مقارنة بمثيلتها في القوات العاملة وهي في وضع التعبئة والانتشار.”

تجدر الاشارة الى ان كلفة قوات الحرس الوطني تتحملها وزارة الدفاع بالكامل، بينما تخضع لسيطرة الحكومات المحلية عند الطلب لاعمال الاغاثة والكوارث الطبيعية. يشغل حاكم الولاية المعنية منصب القائد الاعلى لقوات الحرس المنتشرة في ولايته. وهنا تتفوق سلطة الدولة المركزية في تقرير مصير قوات الحرس الوطني، اذ باستطاعتها تفعيل خدمة عناصر الحرس لدعم القوات العسكرية دون العودة للسلطات المحلية، والتي عادة ما يتم استشارتها بالامر.

في لقاء قمة جمع الرئيس اوباما وحكام الولايات اعضاء “الجمعية الوطنية للحكام،” اعرب عدد منهم عن عميق قلقه من ردة فعل الرئيس عند استيضاح مدى التخفيضات الخاصة بالحرس الوطني. حاكم ولاية ساوث كارولينا، نيكي هيلي، قالت ان الرئيس اوباما اظهر ضيق ذرعه وغلب نبرة “التحدي” في معرض اجابته مما “ادخل جوا من البرودة داخل القاعة.” في هذا الخصوص، تنص الخطة المركزية على تحريك 24 طائرة اباتشي مقاتلة المرابطة في اراضي ساوث كارولينا للخدمة الفعلية في اماكن اخرى، واستبدالها بعشرين (20) مروحية قتالية من طراز بلاك هوك.

حاكم ولاية تكساس، الجمهوري ريك بيري، الذي لا يخفي طموحه للترشح لمنصب رئيس الولايات المتحدة عن حزبه عام 2016، شاطر زميلته هيلي قائلا “ارجح عدم اقدامنا على ارتكاب خطأ مأساوي في بلادنا عبر اجراءات تفرغ قوات الحرس الوطني المرابطة في اراضينا من مهامه والتخفي وراء خطاب سياسي مفاده كلكم سيواجه الاذى المترتب، اذ ان ذلك بالضبط هو ما سمعته اليوم من رئيس الولايات المتحدة.”

البعض يتوقع بعض التداعيات على استراتيجية القوات البرية، التي سلمت واستندت بقوة في السابق الى مساندة الحرس الوطني وادخاله الخدمة الفعلية، وتعزيز القوات البرية في الظروف الاستثنائية، كما جرى في العدوان على العراق وافغانستان. الرؤيا الجديدة لدور الحرس الوطني تستدعي تطوير بعض التكتيكات المتبعة وايلاء اوسع لمهام الدعم اللوجستي واعتماد اقل عليه للمشاركة ودخول مسرح العمليات القتالية.

الدوافع السياسية

لا يستبعد عدد من حكام الولايات المحلية ان استراتيجية التخفيضات لها دوافع سياسية، خاصة عند النظر الى الولايات التي يسيطر عليها الحزب الجمهوري، تكساس واريزونا وساوث كارولينا، والتي تشهد مجتمعة معدلات اعلى من التخفيض. مروحيات A-10، مثلا ستترك تداعيات مباشرة ثقيلة الوطأة على ولاية اريزونا التي تستضيف على اراضيها مراكز وقيادة التدريب على تلك الطائرات. وكذلك الأمر في الولايات الاخرى المذكورة التس تستضيف منشآت عسكرية اساسية.

بالمقابل، الولايات التي ستجري فيها منافسة قوية على منصب الممثل في مجلس الشيوخ، تشرين الاول المقبل، نجت من اجراءات التخفيض، منها قاعدتي القوات البرية بولاية نورث كارولينا، فورت براغ وفورت كامبل؛ والامر عينه في ولاية كنتكي التي ستنجو من الاجراءات.

الخلاصة

استراتيجية تخفيض القوات المسلحة المقدمة من البنتاغون ينبغي ان تحظى بموافقة من الكونغرس، الذي ستشهد اروقته ساحة جدال مفتوحة من ممثلي الحزبين لتجنيب مناطقهم من التخفيضات المقترحة. في هذا الصدد، خضعت مروحية A-10 الى ظروف تقلص مشابهة وقدم لها الكونغرس طوق النجاة. كما يتوقع ان ينبري الممثل عن الحزب الديموقراطي لولاية اريزونا، رون باربر، للدفاع المستميت عن مقر قيادة التدريب على الطائرة اذ انه يقع ضمن دائرته الانتخابية المباشرة.

تخفيض معدلات الانفاق الحكومي لم تلقى ترحيبا يوما ما من قبل الدوائر الانتخابية المعنية، وتتفاقم المعضلة في ظل تدني مستمر لشعبية الرئيس اوباما. الأمر الذي من المرجح ان يدفع ببعض الممثلين عن الحزب الديموقراطي الى الابتعاد عن الرئيس بغية الحصول على ااكبر عدد من اصوات التأييد في الانتخابات المقبلة العام الجاري.

في حال نجاح استراتيجية التخفيض كما هو منصوص عليها، ستطرأ تعديلات هامة على هيكلية ومهام القوات العسكرية الاميركية برمتها. اذ من المستبعد انخراطها مجددا في حروب تتطلب مشاركة قوات عسكرية كبيرة لفترات زمنية مفتوحة، كما في العراق وافغانستان. وتستدعي الضرورة خفض سقف العمليات الى مهام قصيرة الاجل، كما هو الحال في الكويت. وافصحت الولايات المتحدة عن نيتها اشراك قوات عسكرية محلية في المهام القتالية، بينما يقتصر الدور الاميركي على مهام الدعم اللوجستي والاستخباري – كما يجري حاليا مع القوات الفرنسية في القارة الافريقية. ستتراجع ايضا ميزة القوات المحمولة والجاهزة للتدخل في اي مكان، وليس الغاءها بالمطلق.

من المفيد النظر الى الخاصية الثنائية للعسكرية الاميركية التي تشهد تغيرات هيكلية في احد تجلياتها، بينما دور الولايات المتحدة في التدخل بشؤون الامم الاخرى لم يتغير ليواكب الاولى. التحدي الاكبر امامها يكمن في قدرتها المستقبلية على الانخراط القتالي كقوة عسكرية عظمى في العقود المقبلة.

التحليل 21-02-2014

التحليل:

بلقنة أميركا : نار التمرد والانفصال تحت السقف الفيدرالي

العنوان اعلاه قد يصدم البعض ويعبتره نوع من الاثارة والتشويق، نظرا لعدم تلمس وادراك دقيق لما يمور تحت السطح من ارهاصات وتحركات واحتجاجات متعددة في المجتمع الاميركي، وانضاج ظروف بعض العوامل الذاتية التي من شأنها ان تحدد وجهة مساراتها المقبلة، وتحديدا لتزايد اتساع الهوة بين شريحة فاحشة الثراء، 1%، والشرائح الاجتماعية الاخرى والمهمشة منها بشكل خاص. كما انه ليس استعارة لنبوءات الاستاذ الجامعي الروسي، ايغور بانارين، الذي اعرب عن اعتقاده في منتصف عقد التسعينيات بحتمية انفراط عقد الكيان الاميركي الموحد وتشظيه الى عدة تجمعات، والذي لم يعطى حقه من النقاش آنذاك وانتظر عقدا كاملا من الزمن قبل ان تظهر نظريته للعلن.

وحتى لا نبقى في اطار ترف النظريات الاكاديمية، نلفت النظر الى ما تنبأ به احد أهم رؤساء الولايات المتحدة قبل نحو قرن من الزمن، ثيودور (تيدي) روزفلت، محذرا من تهميش واقصاء قطاعات كبيرة في المجتمع من المساهمة في ارساء بنيان الدولة المركزية. وقال “العنصر الثابت والمؤكد لتركيع البلاد وهلاكها المحقق .. هو بلوغها مرحلة العداوة والشجار بين الاثنيات” المختلفة ونادى بالاندماج التام “وعدم السماح القاطع بازدواجية الولاء او اللغة.”

التقط البوصلة مبكرا السيناتور الراحل تيدي كنيدي عام 1965 بتبنيه مشروع قرار لادخال اصلاحات واسعة على قوانين الهجرة السارية، مما اتاح دخول نحو مليون مهاجر سنويا الى الاراضي الاميركية واعتبره الخصوم بانه “محاولة شريرة” اسفرت عن دخول “مواطنين ينتمون للعوالم الثالث والرابع ولا زالوا يتخذون من الاكواخ العشبية ملاذا لهم،” مما يسهم في تصدع البنيان الاميركي. (مؤسسة “مركز الحرية 21”).

النائب الجمهوري عن ولاية فلوريدا، آلان ويست، اتهم خصومه “الليبراليين الذين يمضون بنا الى مسار التفرقة والهلاك .. ويتعين علينا جميعا دون استثناء التنعم والتغريد لنمط الحياة الاميركية.” (3 تموز 2012) ومضى ويست موضحا لمن لم يفهم اشارته واثارته للنعرات بالقول “.. ان لم نمتلك مشاعر العزة الكافية لانشاد النشيد الوطني الاميركي باللغة الانكليزية .. فاننا ذاهبون للجحيم ..” (2 شباط 2014) في تعليقه على دعاية لشركة كوكا كولا الاميركية برز فيها مواطنون حديثي الجنسية ينشدون الكلمات بعدة لغات على ذات الانغام الاصلية.

تضافرت عوامل عدة حديثا تنذر بحالة تشظي الكيان الاميركي، بلقنته، اذ لم يعد سرا حالة الاحباط العامة السائدة بين افراد المجتمع واقلاعهم عن المشهد السياسي وتصارع اقطابه فيما بينهم دون تلبية ابسط الحقوق الشعبية المطلوبة، وكذلك تردي الاوضاع الاقتصادية واتساع الفجوة والاستقطاب السياسي والاجتماعي.

وبرزت تدريجيا حملات وحركات اجتماعية متعددة تنادي بالتقوقع الاقليمي وتقسيم اراضي الولايات، كولورادو وكاليفورنيا مثالا، الى عدة كيانات اكثر تجانسا وأُلفة. وشهدت الانتخابات المحلية نهاية العام المنصرم بروز حملات جادة لاستمزاج اراء الناخبين في الانفصال بولاية كولورادو، بصرف النظر عن الهزيمة التي تلقتها الحملة لحداثة تاريخها ربما.

احدث الحملات جاءت من ولاية نيويورك الاسبوع الجاري التي نادى بعض مواطنيها بالتقسيم الاداري للولاية يفضي الى فصل توجهات الاغلبية الليبرالية في محيط مدينة نيويورك عن المناطق المحافظة في اعالي مناطق الولاية. كما ان ولاية ميريلاند المجاورة للعاصمة واشنطن شهدت حراكا مثيلا اذ نادى مواطنون في الشق الغربي الريفي والمحافظ من الولاية الى الانفصال عن الاقسام الليبرالية الاخرى من اراضي الولاية.

ولاية كاليفورنيا، السلة الغذائية والتقنية المتطورة لاميركا، اقدمت على التهديد بالانفصال عن المركز نظرا للازمة الاقتصادية الحادة والعجز العالي في ميزانيتها. وطالب هؤلاء بانشاء خمسة اقاليم اشد تجانسا فيما بينها تفصل الكثافة السكانية الليبرالية على الشواطيء الساحلية، التي تتحكم بمفاصل السلطة، عن المناطق الريفية في الداخل.

ولا يجوز انكار نزعة الانفصال الحاضرة دوما في ولاية تكساس مترامية الاطراف، والتي تشهد راهنا نموا اقتصاديا ملحوظا. وتعددت مطالب بعض اهليها للانفصال عبر تاريخ الولاية المضطرب والتي غذتها اكتشافات النفط من جانب، ووجود مصافي وتكرير النفط الاميركية على اراضيها وبالقرب منها على شواطيء خليج المكسيك.

استطلاعات الرأي المتعددة تشير الى تنامي الفجوة الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع الاميركي، ومن اليسير التنبؤ بميل المناطق الريفية بشكل عام الى التوجهات المحافظة اجتماعيا وتأييد التيار اليميني سياسيا، وعدم رضاها وارتياحها للبرامج السياسية على المستوى القومي، مقارنة مع المناطق المدينية التي تميل الى تأييد الرئيس اوباما، ولو بتفاوت، بشكل عام. القطاع الصناعي التفت مبكرا الى خزان اليد العاملة والقوانين المحافظة السائدة في المناطق الريفية ووطد اقدامه فيها بحثا عن مضاعفة حجم الارباح وتواطؤ صناع القرار السياسي للضغط على العمال وتحجيم مكتسباتهم وحقوقهم.

في العام 2008 خلال عهد الرئيس السابق جورج بوش الابن، اعلن الاستاذ في الاكاديمية الديبلوماسية التابعة لوزارة الخارجية الروسية، ايغور بانارين، عن اطروحته السابقة متنبئاً ان الولايات المتحدة مقبلة على مواجهة اضطرابات اقتصادية تعصف بكيانها السياسي الراهن، ويصيبه التشظي والانقسام السياسي مع حلول عام 2010، يعززه معدلات البطالة المرتفعة وتدهور القدرة الشرائية وحجم المدخرات للاميركيين.

توقعاته بدأت تعود الى التداول تدريجيا، سيما مع الازمة المالية الحادة التي شهدتها الاسواق الاميركية عام 2008، ابرزها تدني معدلات الاتجار وقيمة الاسهم في وول ستريت واعلان عدد من كبريات الشركات حتمية افلاسها ان لم يتم التدخل لانقاذها عاجلا. النبض الشعبي حافظ على وتيرة الاحباط وعدم الرضا لما وصلت اليه الاوضاع، وتشبث ببعض الوعود البراقة ابان حملة الانتخابات الرئاسية آنذاك والتي ظهر فيها باراك اوباما كمنقذ للشرائح الاكثر تضررا، وسرعان ما انجلى غبار الوعود وهشاشتها للعامة.

مسح الغبار عن نظرية الاستاذ الروسي بانارين يوحي ببطلانها اذ لا يزال الكيان السياسي الاميركي راسخا موحدا، او هكذا يبدو من بعيد. وسرعان ما لمس المرء اعادة تداول وسائل الاعلام بنظرية بانارين للانقسام، وان ببعض عناء البحث.

اعراض الازمة

التوزيع الديموغرافي والتنوع الاقتصادي والسياسي ايضا اضحى بمجمله معطوف وملازم لمعدلات نمو قاعدة الانتاج الاقتصادية. والقلق حاضر في الاذهان لوجهة انتقال صناعات الاسلحة الضخمة من مناطقها التقليدية الى مناطق اخرى بديلة نكاية بالرئيس اوباما وسياساته الاقتصادية.

اعلنت شركة “رمينغتون” للاسلحة الخفيفة والذخيرة مطلع الاسبوع عن نيتها انشاء مصنع انتاج في ولاية الاباما الجنوبية مما سيؤدي الى انتقال قاعدة الانتاج الراهنة من مدينة ايليون في ولاية نيويورك، التي استضافت الشركة منذ عام 1816، الى منافستها الجنوبية. اشتهرت الشركة بانتاجها بنادق قناصة دقيقة الاصابة، اى جانب المسدسات الخفيفة، وكذلك بندقية الرمي الميدانية المستخدمة في القوات المسلحة البولندية.

تفوقت الدوافع السياسية لقرار الشركة على الاعتبارات الاقتصادية البارزة، خاصة عند الاخذ بعين الاعتبار تطور المزاج الشعبي في ولاية نيويورك، بشكل عام، مناهضا لصناعة وانتشار الاسلحة. اما ولاية الاباما، في هذا النموذج، برزت في مقدمة المناطق والولايات المؤيدة لانتشار الاسلحة الفردية وانعكاس ذلك على قوانينها سارية المفعول. بالمقابل، سنت ولاية نيويورك قانونا صارما، العام الماضي، يحظر اقتناء عدد من الاسلحة الخفيفة لخطورتها على السلم الاجتماعي، والتي تصنعها شركة “رمينغتون.” انسجام الميل الشعبي ادى لاستصدار القانون المذكور، مما حفز شركة الاسلحة على التفكير بنقل مركزها الانتاجي الى ولاية بديلة لاول مرة منذ نحو قرنين من الزمن.

رمينغتون ليست فريده بقرار النزوح والهجرة لاعتبارات سياسية. اذ احتلت ولاية كاليفورنيا والى وقت قريب المركز الاول لصناعات الطيران والفضاء ومشتقاتهما، واضحت الآن تعاني من انتقال بعض عمليات الانتاج الى مناطق جغرافية بديلة، ابرزها شركة راثيون العملاقة لصناعة الاسلحة والتي تنتج نظم الصواريخ الموجهة. احتلت راثيون المرتبة الخامسة من بين كبريات شركات الاسلحة العالمية، عام 2012، والمرتبة الرابعة في تراتبية شركات الاسلحة الاميركية المتعاقدة مع وزارة الدفاع وهيئات حكومية اخرى. يتضمن انتاج راثيون صواريخ “ستينغر” المحمولة على الكتف، قذائف تاو وتوماهوك وسايدويندر وجافلين. اتخذت الشركة من حزام كاليفورنيا الجنوبي مقرا لمنشآتها، ونقلتها تدريجيا الى ولاية اريزونا المجاورة.

هروب الصناعات المتطورة من ولاية كاليفورنيا تجاوز صناعات الاسلحة. اذ اعلنت شركة النفط اوكسيدنتال عن نيتها نقل مقراتها من مدينة لوس انجليس الى مدينة هيوستون بولاية تكساس، والتي كانت تضخ مبالغ كبيرة لخزينة الولاية.

ايضا، شركة بوينغ الضخمة، الاولى في صناعة الطائرات المدنية والثانية في الصناعات الجوية الحربية، اعلنت عن نقل بعض مصانعها ومنشآتها الاساسية الى ولاية ساوث كارولينا والى ولايات يوتاه وميزوري ومناطق متعددة. يذكر ان بوينغ نقلت مقرها الرئيسي من ولاية واشنطن الى مدينة شيكاغو قبل وقت قريب، وحازت على رشوة اقتصادية من ولاية واشنطن قيمتها 8.7 مليار دولار كحوافز واعفاءات ضرائبية مقابل الابقاء على احد مصانعها في الولاية ينتج طائرات مدنية من طراز 777.

بدأت ظاهرة التحولات في القاعدة الانتاجية وتوزعها على مناطق جغرافية ميزتها وفرة اليد العاملة وقوانين مشجعة لمراكمة الارباح تتبلور منذ زمن، والتي شكلت ولاية تكساس باكورة هجرة الصناعات المتطورة. واعلنت شركة “آبل” للكمبيوتر عن توسيع قاعدتها الانتاجية في مدينة اوستن بولاية تكساس، التي ستستضيف نحو 3،600 عامل وموظف، بالتزامن مع اعلان استثمارها بنحو 5 مليار دولار في مقراتها الرئيسة الواقعة بمدينة كبرتينو بولاية كاليفورنيا.

يتضح من هذا السرد المقتضب تراجع اهمية ولاية كاليفورنيا كوجهة تقصدها الكفاءات والقوى العاملة طمعا في الرواتب العالية نسبيا. وانحدرت معدلات الدخل الاسري لمستويات ادنى مما هو عليه الحال في ولايات لا تضاهي اوضاعها. وبلغ متوسط دخل اسرة مكونة من ثلاثة افراد 67,401 دولار في ولاية كاليفورنيا، و 68,848 دولار لولاية بنسلفانيا و 73,688 دولار لولاية وايومنغ؛ والاخيرتين يسيطر عليهما الحزب الجمهوري وتتمتعان بمستوى معيشة منخفض قياسا على ولاية كاليفورنيا. كذلك تبرز ولاية تكساس كاحدى اهم الاسواق المنافسة لاستقطاب القطاع الصناعي من كاليفورنيا والتي تنعم بمستوى معيشى ادنى من مثيلتها الاصل.

ابرز تجليات نزوح الشركات الصناعية لاعتبارات سياسية كانت حال شركة “باريتا” للاسلحة الخفيفة التي عزمت على نقل مقراتها من ولاية ماريلاند (ذات الاغلبية الليبرالية) الى ولاية فرجينيا المجاورة (ذات التوجه المحافظ بشكل عام). وفجأة ارجأت قرارها بالرحيل عقب فوز الديموقراطي تيري ماكاليف بمنصب حاكم الولاية والذي فاز بنسبة معتبرة لوعوده بالسعي للحد من انتشار الاسلحة الخفيفة. ومن ثم لجأت الشركة الى ولاية تنسي الجنوبية التي رحب بها حاكم الولاية الجمهوري، بيل هاسلام، وكافأه نائب رئيس الشركة بكلمات الاطراء والثناء والتأكيد على بعد النظر في استقطاب قطاع الصناعة، مدركا في الوقت عينه ميل اغلبية مواطني الولاية الى اقتناء السلاح والمزيد منه، الذي سيعود بالخير والبركة على خزينة الولاية، كما اشيع.

يشار الى ان هروب وانتقال مقار ومصانع شركات كبرى الى مناطق جغرافية بديلة ينطوي عليه كلفة مادية عالية، فضلا عن التحولات التي تفرض نفسها على اطقم الصناعات والكفاءات المهنية وما يترتب عليها من بدائل قد تضر بنوعية الانتاج والمنتج. اللافت ان الولايات الليبرالية التقليدية، نيويورك وماريلاند وكونتيكت، بشكل خاص، استضافت اراضيها قاعدة صناعية معتبرة منذ عقود طويلة، ومنها صناعات الاسلحة – سميث آند ويسون؛ روغر وباريتا – ومشهود لها بسن قوانين متشددة ضد انتشار الاسلحة الخفيفة. توفر الكفاءة المهنية العالية كانت احد اهم العوامل التي حالت دون نزوح تلك الصناعات الى مناطق بديلة وتعويض تلك الخبرات دون الاضرار بالمنتج والسمعة الرفيعة في سوق الاسلحة.

تباين نصوص القوانين الضرائبية وسعي التيارات السياسية اليمينية لخفض معدلات الضرائب على القطاع الاقتصادي الحق شديد الضرر بخزائن الولايات المالية، واطلق العنان لتسابق الولايات الاقل تطورا على المنافسة لاستقطاب بعض منها والتبرع بتوفير حزمة من المحفزات الاقتصادية والاعفاءات الضريبية. والتقط القطاع الصناعي أس المعادلة بحثا عن توسيع حجم الارباح التي لن تتأتى الا عبر الاستثمار في مناطق اقامة بديلة.

من انصع الامثلة على تلك المعادلة الاوضاع التي آلت اليها شركة “كولت” العريقة في تصميم وانتاج المسدسات الخفيفة والتي حافظت على مقراتها الانتاجية الاصلية في ولاية كونتيكت، ذات القوانين شديدة الصرامة على اقتناء السلاح. وانقلبت معادلة التصدير وما تدره من ارباح مع دخول الترتيبات حيز الفعل بين “كولت” وشركة “كاراكال” الاماراتية التي فاقت معدلات صادراتها من الاسلحة الخفيفة للولايات المتحدة مثيلاتها لدى “كولت.”

كما لا ينبغي اغفال أهمية عوامل الاستقطاب السياسي واتساع الهوة الاقتصادية اللذين اسهما بشكل مباشر في تحديد ملامح موجة الهجرة الاقتصادية، طاقات وكفاءات بشرية ووجهة جغرافية على السواء.

المناطق الميسورة والاوفر حظا تميل الى مناهضة حمل السلاح الفردي، ويتجلى ذلك الأمر في القوانين الناظمة الاكثر تشددا في تلك المناطق من غيرها الريفية. موقف الفئتين يطال امورا سياسية واجتنماعية واقتصادية اشمل من ثمة خلاف حول السلاح الفردي، ونظرة كل منهما الى التعامل مع الاحداث والتحديات العالمية.

في هذا الصدد، تجدر الاشارة الى أهمية تصويت عمال مصانع فولكس فاغن، في ولاية تنسي، برفضهم الانضمام الى نقابة عمال السيارات القومية نتيجة ضغوط هائلة مارسها الساسة المؤيدين للحزب الجمهوري، وتهديد بعض نواب الكونغرس الاميركي عن الولاية للشركة بأنها ستواجه اجراءات وتدابير مالية قاسية ان لم تستجب لرغبة القوى السياسية المحافظة. كما ان تدني مستوى الوعي النقابي بين اوساط اليد العاملة في مناطق الجنوب الاميركي، والميل العام للتصويت لصالح الحزب الجمهوري، شكل احد الحوافز الاساسية لبعض الصناعات، ومنها صناعة السيارات، التوجه جنوبا والهروب من الشمال الصناعي الاوفر تطورا ووعيا.

في صدد شركة فولكس فاغن، من الضروري الاشارة الى تأييد الشركة لمطالب العمال وحقهم بتشكيل نقابة تدافع عن مصالحهم، اسوة بوضاع الشركة الأم في المانيا؛ بل ذهبت لتقييد حرية الاقطاب اليمينية لاستقطاب العمال لصالحها. ومع ذلك، صوت العمال ضد مصالحهم، مرة اخرى، مما اصاب الاوساط السياسية في واشنطن بدهشة كبيرة لما تنذر به من تحولات اجتماعية في الموسم الانتخابي المقبل لصالح التيار اليميني والتوجهات المحافظة.

وامتدادا، تتأثر الاستقطابات والاصطفافات السياسية بانقسامات مماثلة لا سيما في مسألة تجسس وكالة الأمن القومي على المواطنين والساسة الاميركيين. بل تشهد الساحة السياسية تحركات لم تكن في الحسبان لناحية تضافر جهود قطبي الاصطفاف السياسي ضد سلطة الدولة المركزية. يذكر في هذا الصدد انضمام ولاية ماريلاند الليبرالية وولاية يوتاه المحافظة الى حملة ناشئة تتبلور في اوساط مجالس الولايات المحلية بغية استصدار قرارات تقيد حرية حركة وكالة الأمن القومي على اراضيها، وفصل الخدمات الاساسية من كهرباء ومياه عن مقراتها ان لم تمتثل لطلبها. من المبكر استشراف وجهة هذه الحملة الوليدة، بيد ان الدولة المركزية ليست غافلة عن ابعادها وتأثيرها واتساع مساحة الرفض الشعبي لتقييد الحريات.

المسببات

تفاقم الازمات الاجتماعية والاقتصادية اسهم في انضاج ظروف الصدام والاشتباك والانقسام في الداخل الاميركي، لمستويات حادة لم يشهدها من قبل. رأس الهرم السياسي القيادي هو احد اسباب الاستقطاب والانقسام لا ريب، مما انعكس على تدني نسبة شعبيته الى مستويات مقلقة. وتكفي الاشارة الى تحكم غالبية خصومه من الحزب الجمهوري في منصب حكام الولايات، 29 مقابل 21 للحزب الديموقراطي، برفقة 27 من مجالس الولايات المحلية تقع تحت سيطرة الحزب الجمهوري مقابل 17 مجلس لصالح الحزب الديموقراطي.

في المشهد المركزي، الفيدرالي، تزداد حدة قلق الحزب الديموقراطي والرئيس اوباما، سيما وان مجلس الشيوخ اضحى قاب قوسين او ادنى لسيطرة اغلبية الحزب الجمهوري، في اعقاب جولة الانتخابات المقبلة؛ وبذلك تصبح السلطة التشريعية بمجلسيها، النواب والشيوخ، تحت رحمة الخصوم. آفاق وضوابط السلطة السياسية تفرض على الرئيس اوباما، في مثل هذا الحال، تقديم تنازلات اضافية قاسية لخصومه اسوة بما قام به الرئيس الاسبق بيل كلينتون عام 1994. للتخفيف من وطأة ذلك، يسعى الرئيس اوباما لتوسيع حيز المناورة المتاح باستخدام واسع لصلاحياته الرئاسية في تعيين الاطقم البشرية لادارة مرافق الدولة دون اللجوء للحصول على موافقة السلطة التشريعية، كما يقتضي الدستور في بعض نصوصه.

بوادر التمرد على الصعد المحلية

في ظل تسيد حالة الاحباط في اوساط القاعدة الانتخابية، وضيق ذرعها من الوسائل القانونية المتاحة لاحداث التغييرات المطلوبة، اتجهت الانظار لادخال تعديلات على مستويات سياسية اوفر حظا  صعد مجالس الولايات المحلية. وهنا يمكن رصد تنامي ردود الفعل الحادة ضد السياسات الراهنة، بشكل عام، والشلل السياسي بين الحزبين في المشهد القومي. من المفيد الاشارة في هذا المجال الى تنامي المعارضة الشعبية لاستخدام الرئيس اوباما صلاحياته الدستورية في ملء المناصب الشاغرة بنسبة الثلثين، واستطرادا تدعم توجهات المجالس المحلية المناهضة للرئيس اوباما.

يشار ايضا الى اتساع حجم الهوة بين الولايات في مواقفها من مسألة الاسلحة الشخصية. اذ بينما نجح خليط من الولايات، نيويورك وكنتيكت وماريلاند وكولورادو، بتشديد القيود المفروضة على انتشار السلاح الفردي، لجأ البعض الآخر الى تدابير تسهيل متعمدة، بل ذهب البعض منها الى ابطال مفعول القوانين المركزية، الفدرالية، على اراضيها. مثالا، برزت ولاية كانساس الريفية في سن قانون يلغي اولية القانون المركزي في شهر نيسان الماضي، ويخول مواطنيها انتاج وتسويق الاسلحة الاوتوماتيكية في الولاية بمعزل عن اي رقابة او قانون مركزي آخر.

وسعت المجالس المحلية في ولايتي ميزوري واريزونا على محاكاة مثال كانساس وسنت قوانين تتيح للسلكات الأمنية والشرطة المحلية عدم الامتثال للقوانين المركزية، بل اصطفت المحكة العليا في البلاد الى جانبها باصدارها حكما قضائيا مؤيدا لمثل تلك الخطوات، في قضية شهيرة عام 1997، استنادا الى ارضية قانونية صلبة تعرف بمناهضة التجنيد بالاكراه. ووفقا لتفسير العليا، لا تستطيع الحكومة المركزية اكراه الولايات على تطبيق تدابير او ارشادات مركزية – بصرف النظر عن امتثالها للنصوص الدستورية.

استطرادا، لا يقتصر حكم العليا على قضية اقتناء السلاح. وعليه، استند نواب المجالس المحلية في ولاية ماريلاند الى خلفية ذلك القرار لتحريض زملائهم باستصدار قرار يحرم على الولاية تقديم تسهيلات وخدمات اساسية للمقر الرئيس لوكالة الأمن القومي، الواقع على اراضيها على مقربة من العاصمة واشنطن. ايضا، ينظر المجلس المحلي لولاية يوتاه بجدية للانضمام الى حملة واسعة بين الولايات “لحماية مادية التعديل الرابعة من الدستور” الاميركي، التي تحظر على الولاية، اي ولاية، توفير الدعم المادي او المشاركة او توفير التسهيلات العملية لأي هيئة حكومية تعمل في نطاق جمع معلومات الكترونية دون الحصول على قرار قضائي مسبق يبرر العمل دون ادنى جدل. للدلالة على جدية تأثير قرار ماريلاند، نذكر ان منشأة وكالة الأمن القومي في ولاية يوتاه تستهلك نحو 1,7 مليون غالون من المياه يوميا لتبريد اجهزة الكمبيوتر العملاقة.

ذلك انضمت كل من ولاية اريزونا وكاليفورنيا وتنسي وواشنطن الى جهود ماريلاند ويوتاه لمواجهة سلطة وكالة الأمن القومي، لاقرار الاجراء على المستوى المحلي، في اعقاب اعلان الرئيس اوباما انه سيستخدم حقه في الفيتو ضد اي قرار مركزي يعيق صلاحيات وكالة الأمن القومي.

تزامنت تلك الاجراءات والتصريحات المضادة مع معارضة معتبرة داخل مجالس الولايات المحلية لبرنامج اوباما في الرعاية الصحية الشاملة، الذي مثل تمرينا حيا لتضافر الجهود المحلية المناهضة لقرارات الدولة المركزية. وجاءت النتيجة مقلقة للرئيس اوباما اذ انضمت مجالس نحو 22 ولاية الى مناهضته واستصدارها قرارات واتخاذ تدابير لمقاومة سيطرة الدولة في هذا الشأن، او التصويت لصالح عدم الانضمام اليه وتضحيتها بخسارة اي دعم مالي مركزي ينتج عنه.

مع دخول عامل سياسة الاغتيالات بطائرات الدرونز في الخارج وللمراقبة والتجسس في الداخل وما يرافقها من جدل واسع اعطى معارضة السياسة المركزية ذخيرة اضافية لمناهضة السيطرة عن بعد، واتخذت عشرة (10) ولايات تدابير محلية مناهضة للسياسة المركزية ومقاومة السماح للطائرات التحليق في اجوائها بصرف النظر عن الاهداف المرجوة، فضلا عن قرب انضمام ولايات اخرى لهذه الحملة. كما شكلت مسألة الدرونز وانتهاكها لخصوصيات المواطنين والسلطات المحلية على السواء ارضية مشتركة لتلاقي جهود الحزبين السياسيين على المستوى المحلي في مناهضة سبل التجسس المركزية. كما تجدر الاشارة الى تعدد السبل والتدابير التي تقدم على اتخاذها السلطات المحلية في مواجهة الحكومة المركزية، وننوه الى قائمة الارشادات الصادرة عن “معهد غولدووتر” تفصل الخطوات المتاحة امام المجالس المحلية في الولايات لاعاقة التدابير المركزية، ومن ضمنها مبادرة المسؤولين المحليين في الامتناع عن المشاركة او استقبال اي من المسؤولين الحكوميين.

التمرد عالي الوتيرة الذي اظهرته تحركات المجالس المحلية في الولايات اعاد الى الاذهان حركة احتجاج قديمة كانت تنادي بتثبيت حقوق الولايات امام سيطرة الدولة المركزية، والتي اعتبرها البعض انه تم دفنها تحت انقاض التحولات الاقتصادية منذ 50 عاما مضت. وسجلت المجالس المحلية في الولايات المختلفة، ليبالية ومحافظة على السواء، مقاومة ملحوظة وقدرة على تحييد القرارات المركزية لاول مرة منذ منتصف القرن الماضي.

الحلول البديلة

اضحى يسيرا استحضار نبوءة بانارين مبشرا بحالات تمرد وانقسام في النسيج الاجتماعي الاميركي. اصطفافات القوى الاقتصادية مجددا تسهم في افقار بعض الولايات واثراء اخرى على حسابها، دون ان يعني ذلك تعديل في توزيع الثروة، بل تمركزها بصورة ابشع في ايدي قلة من الافراد. ويتجلى ذلك بشكل كريه في اتساع الهوة الاجتماعية وما يرافقها من تدهور الاوضاع على كافة المستويات. بالمقابل، تتجه ارهاصات المجالس المحلية وحركة التمحور الشعبية المناهضة لتلك التوجهات الاقتصادية الى قبول نزعة الانفصال وتوسيع هامش الحكم الذاتي بعيدا عن السيطرة المركزية.

بالمقابل، تشهد حركة التمسك بالسلطة المركزية تراجعا بيِّنا واقلاع خليط من الحزبين السياسيين عن مواجهة النبض الشعبي المناهض لذلك، ومضي السلطات المحلية في انتهاج سياسة مستقلة حتى لو تعارضت مع السلطات المركزية، كما تشير اليه بوضوح مسائل عدة بدءا بحق امتلاك السلاح الفردي مرورا ببرنامج الرعاية الصحية الشامل وانتهاءاً بجهود التجسس المكروهة لوكالة الأمن القومي.

ويمكننا القول ان العقبات والصعوبات التي يواجهها الرئيس اوباما على الصعد الداخلية هي امتداد لسلسلة من الفشل السياسي الاميركي في المنطقة العربية والاقليم بشكل عام، ولم يقدم على التسليم بحق المجالس المحلية للولايات في السيادة على اراضيها وطبيعة علاقاتها مع الولايات المجاورة. ولجأ كما هو معهود لكل سلطة مستبدة الى فرض ارادته الممثلة بالسلطة المركزية على الآخرين، وحصد بذور الفرقة والفتنة. سياساته الخارجية اضحت مثيرة للجدل الداخلي ومنبت انقسامات عمودية وافقية، بعضها ثابت وينمو باضطراد، والكشف عن جهود التجسس الداخلي لوكالة الأمن القومي اضاف رصيدا آخرا لخسائره الشعبية.

تفرض هذه التحولات صعوبات جديدة امام الرئيس اوباما الذي يتعين عليه تقديم بعض التنازلات للمجالس المحلية في كافة الولايات الخمسين، ربما مذلة في بعض جوانبها، حفاظا على تسيد ونفوذ الحكومة المركزية. في هذا الصدد، تعدد وتباين مصالح الولايات يحفز سلطاتها التنفيذية، ممثلة بحكام الولايات، تدفعهم الى السعي للوصول لحلول مرضية في تجديد مجالات التعاون مع الحكومة المركزية، كما يدل عليه تاريخ متواصل وثابت في هذا المجال لنحو نصف قرن من الزمن.

تلكؤ او اخفاق اوباما في هذا الصدد يدفع بنبوءات بانارين الى الواجهة والتجسد، وينزع زمام الميادرة من يد الحكومة المركزية للحيلولة دون تشظي وانقسام البلاد.

تجدر الاشارة الى ان السلطات المحلية في كافة الولايات اضحت العين الساهرة على تطبيق القوانين المركزية على اراضيها، نظرا لوفرة الموارد البشرية بشكل خاص. اذ اشار مكتب التحقيقات الفيدرالي، اف بي آي، في عام 2009 الى طاقم متواضع من موظفيه لا يتعدى 13،412 موزعين على كافة ارجاء الاراضي الاميركية. بالمقابل، بلغ مجموع الاطقم البشرية للاجهزة الأمنية المركزية المختلفة نحو 110,00 ألف، منهم نحو 75% يخضعون لسلطة وزارة الأمن الداخلي.

طواقم الاجهزة الأمنية والشرطة في الولايات المختلفة بلغ تعدادها نحو 1.1 مليون لعام 2008، ضمت زهاء 765،000 ضابط مسؤول. وعليه تتضح الصورة لمدى اعتماد الحكومة المركزية على طواقم السلطات المحلية في تطبيق قوانينها وبسط سيطرتها؛ الأمر الذي يشير الى جدية تهديد السلطات المحلية للحد من نفوذ المركز، مدعومة بقرار المحكمة العليا.

امام اصرار المجالس المحلية على ممارسة اوسع لحقوقها، يضيق نطاق الخيارات المتاحة للرئيس اوباما ومن سيخلفه في المنصب لاحقا. اللجوء لزيادة تعداد الاطقم البشرية للاجهزة الأمنية المختلفه يقتضي طلبه بزيادة الضرائب لتمويل الاجراء مما يضعه في مواجهة حتمية مع الكونغرس الذي يرفض بشدة زيادة معدلات الضريبة. فضلا عن ان التحولات البنيوية المرتقبة في مجلسي الكونغرس ستضاعف من تعقيد الأمر بالنسبة للرئيس اوباما وتقيد مجال المناورة السياسية المتاح امامه.

ما يتبقى من خيارات للرئيس اوباما ينحصر في أمرين: اما المضي في استخدام صلاحياته الدستورية لاقرار ما يراه مناسبا وما يرافقه من استقطابات ومعارضات جديدة، او اللجوء الى استخدام القوة العسكرية بغية تخويلها بتطبيق القرارات الرئاسية، الأمر الذي يعد انتهاكا صارخا للدستور الاميركي، وخطا أحمرا لمعظم مكونات المجتمع الاميركي لاقحام القوات العسكرية في قضايا داخلية، وربما وصفة تقارب تجدد الحرب الاهلية. تجدر الاشارة في هذا الصدد الى ان ما يتوفر من قوات عسكرية لا يتجاوز تعدادها نصف مليون فرد منتشرة داخل قواعدها في اميركا ودول اجنبية متعددة، والتي لا تضاهي تعداد القوى الأمنية المختلفة المتوفرة لدى السلطات المحلية، كما ورد سابقا.

الاغلبية من الولايات الخاضعة لسيطرة الحزب الجمهوري ستعارض استخدام القوات العسكرية بشدة، دون ان يعني ذلك قبول الولايات الاخرى التي يتحكم بها الحزب الديموقراطي؛ وهي معادلة خاسرة بكل المقاييس.

نزوح صناعات الاسلحة الى الولايات الجنوبية المحافظة، ومناهضة مواطنيها بالفطرة للسلطات المركزية، يوفر المكونات والبنى الصناعية التحتية الضرورية لتلك المناطق لانعاش مشاعر الانتماء الاقليمي والابتعاد عن الحكومة المركزية، ويعيد الى الاذهان اجواء الحرب الأهلية الاميركية قبل قرن ونصف من الزمن. فهل سيقدم اي مسؤول سياسي على المجازفة باستعداء سكان الجنوب والذين توفرت لديهم تدريجيا بنية تحتية للتقنية الحديثة تضاهي وتنافس الولايات الميسورة التقليدية في الشطر الشمالي من البلاد.

الخلاصة

المقدمات السالفة تقودنا الى القول ان مسار “بلقنة” الولايات المتحدة قد بدأ، وغيابه عن التداول العلني لا يعني عكس ذلك بالضرورة. الخلافات السياسية والاجتماعية وما يترتب عليها من تحولات في المجتمع الاميركي ماثلة وحاضرة بقوة، وما يشد كافة اطراف البلاد لبعضها واضفاء اللحمة عليها هو سطوة الحكومة المركزية والامكانيات الواسعة المتاحة لديها.

احدى خصائص عهد الرئيس اوباما هو سعيه لمفاضلة نفوذ الدولة المركزية ضاربا بعرض الحائط اهتمامات وطموحات الولايات ومجالسها المحلية، سيما تلك الخاضعة لسيطرة الحزب الجمهوري. وعليه، لجأت تلك المجالس الى مقاومة ورفض الوصفات المركزية لادارة شؤونها، مسلحة بقرار المحكمة العليا لحماية حقوقها.

بالنظر الى الخيارات المتاحة امام السلطة المركزية، مع فرضية تشبث الولايات ومجالسها المحلية بمطالبها ومواقفها الراهنة، نستطيع القول ان الرئيس اوباما مقبل على تقديم بضعة تنازلات لخصومه في الحزبين احدها زيادة حجم المعونات والاغاثة المقدمة للولايات بغية ثنيها عن المضي في مسار التمرد الراهن على السلطة المركزية. ومن بين الخيارات ايضا مضي الرئيس اوباما في سياسته الحالية باغفال وتجاهل مطالب الولايات، مما سيترتب عليه ردود فعل قاسية قد تعصف بنفوذ السلطة المركزية، ويمنح الولايات حيزا اوسع لادارة شؤونها الذاتية الأمر الذي لم يشهده النظام الاميركي منذ تجربة الحرب الاهلية الدموية. في آخر سلم الخيارات يجد اوباما امكانية اللجوء لبسط سيطرة ونفوذ الدولة المركزية بالقوة، وما يرافقه من مجازفة عالية وانتهاكا للنصوص الدستورية.

من العسير التحكم بكافة العناصر والعوامل التي تؤدي لتشظي كيانات سياسية محددة، خارج دائرة التدخل العسكري الخارجي. فالاتحاد السوفياتي لم تبرز عليه عوارض الانقسام وتعرضه للخطر في مطلع عام 1989، وسرعان ما انكشف المستور في غضون بضعة اشهر بدءا بازالة جدار برلين. الرئيس المصري الاسبق حسني مبارك ايضا لم تظهر عليه عوارض انهيار حكمه بل اعتقد ان نظامه سيستمر الى زمن، لحين اندلاع موجات الاحتجاج البشرية التي اطاحت به. الاتحاد اليوغسلافي بقي موحدا الى حين ما بعد وفاة مؤسسه الرئيس جوزيف بروس تيتو. الشعور المفرط بالثقة من صلابة النظام السياسي ينطبق ايضا على الحالة الاميركية، فمؤشرات الانقسام قريبة من السطح وتبرز بقوة في ظروف الاستقطاب الحاد وتنتظر تبلور حدث معين من شأنه التسريع في عملية التشظي. اما حقيقة حدوث ذلك قبل نهاية الفترة الرئاسية لاوباما تندرج في خانة التخمين والاعتقاد الراجح.

التحليل 14-02-2014

 التحليل:

أوباما- اولاند : تجديد للتحالف أم تفاهم مصلحي مؤقت؟

هللت الاوساط الاميركية، ساسة واعلاميين، للزيارة الرسمية للرئيس الفرنسي لنظيره الاميركي وذهب البعض الى وصفها بأنها تشكل “علامة تحول فاصلة” في تاريخ علاقات الدولتين. الرئيس اوباما تفادى وصف العلاقة مع فرنسا بمفاضلتها على بريطانيا، قائلا ان الاثنتين اشبه بكريمتيه فهن “فائقتا الجمال والطيبة ولن اقدم يوما على  اختيار احداهن علن الاخرى.”

دشن الرئيسان الزيارة بنشر مقال بتذييل مشترك نشرته صحيفة واشنطن بوست اكدا فيه على “تجديد التحالف” الثنائي بينهما لما سيتركه من منفعة على العالم اجمع. من المفيد استذكار تصريح الرئيس الفرنسي، فرانسوا اولاند، عقب فوزه في الانتخابات الرئاسية، ايار 2012، اذ وعد الفرنسيين بانتهاج سياسة مستقلة “تحول دون وضع العقبات في وجه باراك اوباما.”

وزير الخارجية الاميركي، جون كيري، الذي يتحدث الفرنسية بطلاقة، وصف فرنسا بأنها “اقدم صديق للولايات المتحدة،” مما حدى بالاوساط البريطانية الى التعبير عن امتعاضها وعدم رضاها عن المكانة المتجددة لفرنسا، خصمها التاريخي، باعتبار التصريح “ازدراءً مقصودا لبريطانيا،” التي ذكرت الاميركيين سريعا بأنه عبر “السنوات المئة المنصرمة اضحى ارتباط الجانبين وعدم انفصامهما امرا مسلما به، اذ لا تذهب الولايات المتحدة الى شن حرب دون الارتكاز الى وقوف بريطانيا جانبها.”

ورجحت وسائل الاعلام البريطانية فتور العلاقة الراهنة مع الولايات المتحدة الى “عدم قبول بريطانيا انتهاج دور ذيلي لاميركا في الشأن السوري مما اصاب الولايات المتحدة بالصدمة والذهول،” وحفّز الادارة الاميركية على اطلاق العنان لتصريحات كيري لاعلان التقرب من فرنسا. لعل اللافت ايضا في هذه الزيارة الرسمية انها المرة الاولى منذ عام 1958 التي لم يدرج على جدول الاعمال القاء الرئيس الفرنسي الزائر خطابا امام جلسة مشتركة لمجلسي الكونغرس، كما درجت العادة مع اوثق حلفاء الولايات المتحدة.

بريطانيا غاضبة

واستدرك البريطانيون تذكير انفسهم بأن الاميركيين “لا يثقون بالجانب الفرنسي، بل تبلغ ثقتهم درجة ادنى من تلك مع بريطانيا، سيما وان (الاميركيين) دأبوا على وصف الفرنسيين بازدراء بانهم: محبون للأجبان ويستسلمون مثل القردة،” في اشارة الى دخول الاحتلال النازي لباريس دون مقاومة من الفرنسيين.

على الصعيد الشعبي الاميركي، يشار الى تأرجح مدى التأييد لفرنسا كنتيجة لاصطدامها بالسياسة الاميركية بشكل عام، والتي شهدت هبوطا حادا في جملة من المحطات، لا سيما ابان العدوان الاميركي على العراق ومناهضة فرنسا – شيراك للغزو، 2002-2004. وما لبثت ان شهدت انتعاشا في عهد الرئيس الفرنسي السابق، نيقولا ساركوزي، الذي يطلق عليه وصف “الرجل الاميركي” في فرنسا، توجت بجهد منسق مشترك لاستصدار القرار الأممي 1559 لاخراج القوات السورية من لبنان.

يذكر ان الاراضي الاميركية مرصعة بنحو 25 مدينة مأهولة تكنى “باريس،” بدءا بولاية مين في اقصى الساحل الشرقي ومرورا بلويزيانا وتكساس في الجنوب وايداهو في اقصى الشمال الغربي وكنتكي في الوسط؛ فضلا عن الآثار الحضارية والثقافية التي خلفها الوجود الفرنسي منذ ما قبل الحرب الاهلية الاميركية على البلاد.

عند هذا المنعطف يبرز تساؤلا مشروعا حول جهوزية الولايات المتحدة استبدال دور بريطانيا بفرنسا في نسق العلاقة الحميمية مع الشاطيء المقابل من المحيط الاطلسي، ام هي ثمة ضرورة فرضتها التحولات الراهنة، وحاجة كل من الرئيسين الاميركي والفرنسي لتجديد العلاقة لدوافع سياسية خاصة بهما.

اميركا كانت الحلقة المركزية في علاقة كل من بريطانيا وفرنسا نظرا لبعد الخلاف التاريخي بينهما، وتحيز المستعمرين الاوائل للتاج البريطاني واستنساخ تجربته السياسية مع بعض التعديلات. اما العلاقة مع فرنسا فكانت مشدودة بدوافع سياسية في تحالفاتها بغية تحييد النفوذ البريطاني في القارة الجديدة، وسارعت الاولى للاعتراف بالدولة الوليدة عام 1777 في اعقاب هزيمة القوات الملكية البريطانية على ايدي المستوطنين الجدد في معركة ساراتوغا. بالمقابل، آثرت الحكومة الاميركية الجديدة التزام الحياد في الحرب الفرنسية البريطانية بعد بدء الثورة الفرنسية، وتوجهت نحو الاسراع لعقد اتفاقية مشتركة مع بريطانيا لسحب قواتها من مناطق الشمال الغربي الشاسعة، والتي ادت سريعا لاندلاع جولة اخرى من الحرب الفرنسية الاميركية، التي اعتبرها الاب الروحي للعلاقات الفرنسية الاميركية، توماس جيفرسون، ضرورية لتحييد النفوذ الفرنسي على المناطق الجغرافية الواسعة لضفاف نهر المسيسيبي؛ الأمر الذي اسفر لاحقا عن عقد صفقة بينهما عام 1803 تقضي ببيع مقاطعة لويزيانا الفرنسية الى الحكومة الاميركية، ناهزت مساحتها 2 مليون كلم2، بثمن بخس قدره 15 مليون دولار اميركي، اي ما يعادل 3 سنتات (0.03$) للفدان.

تساوق الارث الاستعماري بين بريطانيا واميركا

شهد عقد الخمسينيات من القرن العشرين المنصرم تقاربا ملحوظا بين الحكومتين البريطانية والاميركية نابع من رغبة الطرفين اعادة تقييم علاقتهما مع فرنسا، في احد جوانبه، تخلله طلب الولايات المتحدة لفرنسا بتسديد ديونها الحربية ابان الحرب العالمية، رافقه مد وجزر متواصل لا سيما عند اعتلاء شارل ديغول منصب الرئاسة الفرنسية واصراره على انتهاج سياسة مستقلة عن الايعازات الغربية وحلف الناتو، بصرف النظر عن انضمام بلاده لدول الحلف. وصف بعض الاميركيين الظاهرة بأنها ثمة علاقات ثنائية “تتقلب سريعا، وربما لمديات خطيرة ..” واستمرت العلاقات في التوتر مع ولوج البشرية الى القرن الحادي والعشرين شملت جملة من المواضيع التي تخص آفاق السيطرة والتنافس على النفوذ الخاصة بطبيعة النظم الاستعمارية.

بالمقابل، رفعت الولايات المتحدة درجة علاقاتها دائمة التطور مع بريطانيا الى مرتبة فرادة “العلاقة الخاصة،” مع نهاية عقد الخمسينيات، لا سيما في تجديد التعاون بينهما في مجال الاسلحة النووية، والدور المحوري الذي لعبه رئيس الوزراء البريطاني آنذاك، هارولد ماكميلان، في صياغة انساق الاعتماد المتبادل بينهما في شتى المجالات، ووضع أسس الدور المطلوب من بريطانيا القيام به على مستوى القارة الاوروبية خدمة لمصالح البلدين. اشتهر ماكميلان بميله لانجاز يتسم بحجم ووزن هائل اطلق عليه “المشروع الاشمل،” لتجديد السيطرة ومناطق النفوذ البريطانية بالتفاهم مع الولايات المتحدة.

 راجعConstantine A. Pagedas, Anglo-American Strategic Relations and the French Problem, 1960-1963: A Troubled Partnership. (London: Frank Cass, 2000)

في الآونة الاخيرة، بعد ثبات هزيمة الولايات المتحدة في العراق وافغانستان، توجهت اميركا تدريجيا بثبات نحو فرنسا لاعانتها في بسط سيطرتها على عموم الشرق الاوسط، لا سيما منطقة الخليج العربي التي لا تزال تعاني من سلبيات علاقة تبعيتها لبريطانيا، عززها ايضا حاجة زعيمي البلدين الملحة لانتهاج خطوات سياسية ترفع شأنهما ورصيدهما السياسي داخل بلديهما.

اوضح نائب مستشار الرئيس اوباما لشؤون الأمن القومي والاتصالات الاستراتيجية، بن رودز، توجهات الرئيس ».. في السياسة الخارجية، لكي تكون مثالياً ينبغي أن تؤيّد التدخل العسكري،« في اشارة لتوصيف التحولات والمتغيرات الداخلية والاصطفافات السياسية في الاوساط الاميركية الحاكمة. واضاف ان ضلوع أوباما طويلا في «لعبة السياسة الخارجية تدعوه إلى إعادة تنظيم الفئات التقليدية للقوة والأيديولوجية الأميركية.»   (انظر مقابلة ديفيد رمنيك مع الرئيس اوباما، اسبوعية نيو يوركر، 27 كانون الثاني 2014).

يتشاطر الرئيسان الاميركي والفرنسي في تدني نسب شعبيتهما داخل بلديهما. فرنسيا، ارتفعت معدلات البطالة الى نحو 3.3 مليون عاطل، وتقلصت الاستثمارات الاجنبية في الاقتصاد بنحو 77% في العام الماضي. الرئيس الاميركي يعاني من اوضاع وتحديات لبرامجه شبيهة بنظيره الفرنسي: تدهور شعبيته الى ادنى المستويات والتحديات الماثلة امام الحزب الديموقراطي ومرشحيه في التشبث باغلبية مقاعد مجلس الشيوخ، فضلا عن قناعة شعبية سلبية جسدتها وسائل الاعلام المختلفة اضفت صبغة التردد في اتخاذ القرار المناسب والوهن الذي اصاب مسار سياساته الخارجية، بمعزل عن الظروف الموضوعية والذاتية التي ساهمت في بدء مسار تراجعي على عموم السياسة الخارجية الاميركية. ومن هنا برزت حاجة الطرفين الى الظهور البارز وتصدر الاخبار العالمية عل ّذلك يشكل رافعة مرحلية لمكانتهما وسياساتهما معا.

فرنسا على الخطوط الامامية لاميركا

ادرك الرئيس اوباما مبكرا أهمية بلورة الدور الفرنسي وتسخيره في انجاح سياساته في منطقتي الشرق الاوسط والدول العربية في افريقيا، نظرا لارثها الاستعماري تاريخيا هناك وامتدادها الى دول القارة الافريقية الاخرى. كما ادرك حيز المناورة المتاح للرئيس الفرنسي وقدرته على اتخاذ قرار بالتدخل العسكري بقيود اقل مما يواجه اوباما تضمنها الدستور الاميركي الى جانب بند فصل الصلاحيات بين السلطات الحاكمة.

للدلالة، تتيح السلطات الدستورية للرئيس الفرنسي استخدام موقعه لاصدار قرار يقضي بتزويد الجيش اللبناني باسلحة “خفيفة” دون العودة للجمعية الفرنسية (البرلمان) طلبا للموافقة – مما وسع هامش التحرك الفرنسي عسكريا في المنطقة العربية. اما الرئيس اوباما، بالمقابل، فهو مكبل بقيود تحد من حركته للتدخل العسكري دون الحصول على موافقة صريحة مسبقة من الكونغرس.

تعززت مكانة فرنسا في الحسابات الاميركية لانخراطها الفعلي وارسال قواتها الى منطقة الشمال الافريقية تحت بند مكافحة الارهاب، والتي تحتفظ بها بجملة من المصالح الاقتصادية والسياسية، ابرزها في دولة مالي التي اعتبرها الطرفين حيوية لازاحة الخلايا والمجموعات العسكرية من المنطقة، وتوسعت رقعة انتشار القوات الفرنسية لتشمل دولة جمهورية افريقيا الوسطى – بضوء اخضر اميركي.

وقياسا على ذلك، من المرجح ان تشهد فرنسا تطورا ملموسا في توسيع نطاق مهامها في المستقبل المنظور. تجدر الاشارة الى تصريحات وزير الدفاع الفرنسي، جان ايف لو دريان، خلال زيارته الاخيرة لواشنطن، اذ قال “نرمي الى زيادة فعاليتنا، وجهوزيتنا وانجاز قيادة عسكرية موحدة .. امامنا تحقيق مهمة تمتد لأمد طويل ستغطي المنطقة بأسرها عبر انشاء عدد من القواعد العسكرية. بالمجمل، نتطلع لتواجد نحو 3،000 جندي في تلك المنطقة بشكل دائم.” وعليه، ستنتشر القوات الفرنسية في مالي والنيجر وتشاد، وستتخذ قاعدة العمليات من ميناء ابيدجان في دولة ساحل العاج مقرا لها، بينما تتمركز قيادة القوات الخاصة في بوركينا فاسو التي تتوسط المسافة البرية بين ساحل العاج ومالي.

يقتصر دور الولايات المتحدة هناك على توفير سبل الدعم اللوجستي للقوات الفرنسية العاملة وتزويدها بالوقود وطائرات النقل الضخمة وبالمعلومات الاستخبارية، نظرا لما ورد سابقا من قيود تحول دون موافقة الرئيس اوباما على ارسال قوات مقاتلة اميركية دون المجازفة بالاصطدام مع الرأي العام الاميركي المناهض للعمليات الخارجية.

النزاعات باقية – والاتفاق على الاختلاف ايضا باقٍ

زيارة الرئيس الفرنسي للولايات المتحدة اضفت ابعادا ايجابية رافقها توقعات وردية في تطور علاقات البلدين، بيد ان جملة من العقبات الحقيقية قد تعكر صفو العلاقات وربما تؤدي بها الى الانزلاق والتدهور مجددا. احدى القضايا التي لم تحظى بتغطية اعلامية كافية تتلخص بمطالبة فرنسا بتحصيل ضرائب تقدر بمئات الملايين من الدولارات من شركات تقنية المعلومات مثل غوغل وغيرها، العاملة على اراضيها.

كذلك برزت مسألة العقوبات الاقتصادية على ايران، كما جاء في المؤتمر الصحفي المشترك، اذ حذر الرئيس اوباما اركان التجارة الدولية من مغبة المضي في عقد اتفاقيات تجارية مع الجانب الايراني قبل اعلان رسمي يقضي بتخفيف وطأة العقوبات السارية. وقال “قد يذهب قطاع التجارة الى مرحلة الاستكشاف للتوصل الى تحديد الفرص التي تتيح التحرك لتلك الاسواق عاجلا وليس آجلا ان تم التوصل ووضعت اسس اتفاقية حقيقية. دعوني اؤكد لكم انهم بذلك يغامرون وعليهم تحمل تبعات ذلك. وسنستخدم كافة السبل والاجراءات القاسية المتاحة والتي سيكون لها وقع سقوط طن من الطوب على رؤوسهم.”

اوباما كان يقصد نحو 100 من رجال الاعمال الفرنسيين الذين توجهوا لزيارة طهران الاسبوع المنصرم لحجز موقع متقدم لهم عند نضوج عملية التبادل التجاري. كما ارخت الزيارة ظلال الامتعاض والتقريع على اطقم وزارة الخارجية الاميركية ومسؤولي جهاز مجلس الأمن القومي الذين حذروا الوفد التجاري بأن زيارته ترسل اشارات خاطئة للجانب الايراني. كما ان الزيارة بحد ذاتها اعادت نكأ الجراح السابقة بين البلدين حينما اخفقت فرنسا الامتثال للطلب الاميركي بالمقاطعة.

الرئيس الفرنسي تمسك بمصالح بلاده، ورد بالقول “رئيس الجمهورية (الفرنسية) ليس رئيسا لنقابة رجال الاعمال في فرنسا، ولا يرغب بذلك بكل تأكيد.” واستدرك بالتوجه لقطاع رجال الاعمال وتذكيرهم بأن اجراءات المقاطعة لا تزال باقية في مكانها وينبغي عدم المضي بتوقيع اتفاقيات قبل التوصل لتوقيع اتفاقية نووية.

آفاق الارهاصات والتحركات العربية، او ما اطلق عليها “الربيع العربي،” شكلت ارضية تباين بين المصالح الفرنسية والاميركية، اذ اصطفت فرنسا الى جانب القوى العربية التي تعتبرها معتدلة بينما وقف الرئيس اوباما الى جانب تنظيم الاخوان المسلمين في مصر، ووقف الى جانب حركة النهضة في تونس وتأييد القوى الاسلامية الراديكالية في المغرب. فرنسا شعرت بالزهو والارتياح لابتعاد تونس عن سيطرة حركة النهضة على مرافق الدولة، وكذلك الأمر لحنكة العاهل المغربي تهميش القوى الاسلامية وتمسكه بالسلطة الحقيقية.

تصدرت سورية جملة القضايا الخلافية الاخرى بين الجانبين، اذ ذهبت فرنسا الى مديات ابعد وربما اخطر في مستويات دعمها المقدمة لقوى المعارضة السورية المسلحة، لا سيما في المراحل الاولية للتحركات مطلع عام 2011. وحسمت خياراتها الى جانب دول الخليج العربي والسعودية ووفرت الدعم السياسي المطلوب داخل مجلس الأمن الدولي “للجيش السوري الحر.”

حسمت فرنسا امرها بكل قوة الى جانب الرئيس اوباما منتصف العام الماضي عقب اعلانه عن نيته شن عدوان عسكري على سورية تحت ذريعة استخدامها اسلحة كيميائية. وسرعان ما اصيب اولاند وبلاده بخيبة أمل عميقة لتراجع الولايات المتحدة وعملها بالتنسيق سوية مع روسيا وتوصلهما الى صيغة حل سياسي. وبلغ الحنق الفرنسي على اميركا مبلغا شعرت به ان الرئيس اوباما تخلى عنها – الأمر الذي سيبقى حاضرا في الذاكرة الفرنسية مستقبلا وتذكيره بذلك عند طلبه مساعدة فرنسية مرات اخرى.

مناورة الرئيس اوباما في الشأن الايراني ادت الى سحب البساط من تحت اقدام فرنسا التي اصابها الذعر والدهشة في آن لسرعة اعلان الادارة الاميركية عن مبادرتها للتوصل الى حل المسألة النووية. ولجأت فرنسا الى التعنت والتصلب في مطالبها في الملف الايراني أسوة بمواقفها المتشددة حول سورية، ولم تبدِ قدرا من المرونة في ايهما الى ان وجدت نفسها محاصرة سياسيا برفقة معظم مشيخات الخليج امام التحولات الدولية المغايرة لسياساتها.

التباينات الفرنسية الاميركية تمتد ايضا لتطال الدول العربية في الشمال الافريقي، اذ اعلنت الولايات المتحدة نواياها عن ملاحقة “نواة القاعدة” الصلبة هناك، اي المجموعات التي عملت سويا مع بن لادن، وهي بذلك رسمت حدود وآفاق انخراطها العسكري. اما الرئيس الفرنسي واقطاب المؤسسة الحاكمة هناك يرمون الى طلب دعم اميركي لشن حرب على القاعدة ومتفرعاتها وتوابعها والعناصر المتشددة المرتبطة ايدولوجيا بها في منطقة جغرافية تعتبرها فرنسا بالغة الحيوية للمحافظة على مصالحها. الجانب الاميركي لم يبدِ تساوقه مع الاهداف الفرنسية ومن غير المرجح ان يذهب ابعد من الحدود التي رسمها مسبقا.

انكشاف التجسس الاميركي عبر وكالة الأمن القومي على فرنسا لا يزال حاضرا في محادثات الطرفين، كما دلت عليه ايحاءات اوباما التصالحية في المؤتمر الصحفي المشترك، واشارته الى ضرورة احترام خصوصيات الفرنسيين، بيد انه لم يتزحزح عن ما وصفه بحق وكالة الأمن القومي المضي في جهود المراقبة. يشار الى ان “العلاقة الخاصة” بين الولايات المتحدة وبريطانيا تشترط عدم قيام اي من الطرفين بجهود التجسس على الطرف الآخر، والتي لا زالت سارية المفعول. وجرت مسائلة اوباما خلال المؤتمر المشترك ما اذا كان ينوي تطبيق ذاك الشرط على فرنسا، واجاب بالنفي قائلا “لا تتوفر لدينا اي اتفاقية تقضي بعدم التجسس مع اي دولة. تدركون جميعا ان لدينا، كما لدى اي دولة اخرى، قدرات استخبارية، كما لدينا اطياف من علاقات الشراكة مع دول متعددة.”

مستقبل العلاقات الفرنسية الاميركية

تعدد وتباين مصالح الدولتين يقتضي تعرض علاقاتهما لبعض المد والجزر. وخلافا للعلاقة الاميركية المتشابكة مع بريطانيا، فان فرنسا تعتمد على حاجة الطرفين للتقارب المرحلي، ليس الا. فضلا عن الجذور الثقافية والاصولية العميقة لاغلبية الاميركيين مع بريطانيا بخلاف ما يجمعهم مع فرنسا.

وعليه، باستطاعتنا القول ان التقارب المرحلي الراهن يعود الى حاجة سياسية مشتركة بين الرئيسين الفرنسي والاميركي، سيما رغبتهما في التغلب المرحلي والعاجل على التحديات الداخلية التي يواجهانها وتعديل مستويات التأييد الشعبي المتدنية. وهنا يبرز العامل المشترك لمصالحهما في الشرق الاوسط كساحة لقاء آنية ربما تطول او تقصر. وفي الوقت عينه تجدر الاشارة الى حقيقة الدور الفرنسي في الاستراتيجية الكونية للولايات المتحدة والتي تراجعت اهميته نوعيا مقارنة بالدول الاوروبية الاخرى والاسيوية والاميركيتين. وعند الاخذ بعين الاعتبار النوايا الاميركية المعلنة بالاستدارة والتركيز على منطقة شرق آسيا (الصين وروسيا)، ليس من العسير الاستنتاج ان مكانة فرنسا في الاستراتيجية الشاملة ستضمحل وربما سريعا.

سيستمر الطرفين في انتهاج علاقة وثيقة، لكنها لن ترقى لمستوى افضل الاصدقاء، كما هو الأمر بين بريطانيا واميركا. فعناصر الاختلاف والتباعد السياسي ليست من اليسر القفز عليها او الغائها، وباستطاعتها تعريض العلاقات الثنائية الى انتكاسة وبرود سريع. كما ان الدلائل التاريخية للعلاقة الثنائية الممتدة لنحو 237 عام بينهما لا تحمل بين طياتها اي مؤشرات تقود الى الاعتقاد بأن فرنسا شارفت على حجز مكانة الحليف الاوثق او الأهم بالنسبة للولايات المتحدة.

التحليل 07-02-2014

التحليل:

ابعاد السجال الاميركي حول تنفيذ  خط انابيب النفط الكندي

بعد طول انتظار، اصدرت وزارة الخارجية الاميركية تقريرها حول الآثار البيئية المترتبة على انشاء خط انابيب يحمل النفط الرملي الخام من كندا الى مصافي اميركية في ولاية تكساس مطلة على مياه خليج المكسيك؛ اشاد به وزعم صلاحيته وعدم اضراره بالتوازن البيئي الأمر الذي تفنده وتعارضه منظمات اهلية ومراكز علمية متعددة. تدخل الخارجية الاميركية له صلة مباشرة بالابعاد الدولية نظرا لان الأمر يمس حقوق واراضي دولة مجاورة. امهلت الخارجية اصدار قرارها النهائي الى 7 آذار المقبل كي تتيح الفرصة للمواطنين التعبير عن ميولهم حول الأمر، بصرف النظر عن ان حصيلة التوجهات غير ملزمة لها.

يبلغ طول الخط، المكنى “كي ستون اكس ال – Keystone XL،” نحو 1179 ميلا (1898 كلم) تصل قدرته على حمل 830،000 برميل نفط يوميا، بكلفة اجمالية تقدر بنحو 5.4 مليار دولار. واذا ما اضيف اليه حجم النفط المستخرج من باطن الاراضي الاميركية فان المحصلة العامة تعد باستمرارية استقلال الاقتصاد الاميركي في مجال امدادات الطاقة لعدة عقود مقبلة.

التجاذبات والاصطفافات السياسية رافقت المشروع منذ ولادته، خاصة وانه سيمر وسط اراضي زراعية شاسعة تقع في منتصف الاراضي الاميركية التي تعد الخزان الغذائي، نباتيا وحيوانيا، للبلاد والتي تشهد نشاطا للمنظمات والهيئات المناهضة لاستغلال التوازن البيئي لخدمة اغراض الشركات الغذائية والصناعية الكبرى. التقنيات المتوفرة لاستخراج النفط الرملي والصخري، رغم حداثتها، لا توفي بالحدود الدنيا للحد من الغازات المنبعثة الملوثة للبيئة، خاصة وان كندا، الدولة المنتجة، ملزمة عالميا بتخفيض معدلات التلوث العام بنحو 17% مع حلول عام 2020.

في هذا السياق تجدر الاشارة الى ما افاد به احد المفتشين السابقين لخط الانابيب لصالح شركة “بكتل” العملاقة، مايك كلينك، والذي اوضح ان الشركة الكندية المشرفة على الخط، ترانس كندا، تختصر مراحل ومحطات الانشاء وتقلص النفقات مما يعرض الخط بأكمله الى “تراكم كارثي يقترب من لحظة الانفجار؛” عززه تقرير اميركي صادر في آب 2011 يحذر فيه من تلوث المياه الجوفية في ولاية نبراسكا نتيجة الانشاءات الضخمة للخط، فضلا عن تزايد الحوادث العرضية في الاراضي الكندية الناجمة عنه.

(http://journalstar.com/news/opinion/editorial/columnists/mike-klink-keystone-xl-pipeline-not-safe/article_4b713d36-42fc-5065-a370-f7b371cb1ece.html?mode=story)

في الشق المقابل، تعوِّل الاستراتيجية الاقتصادية الاميركية على المشروع كنقطة مركزية في بلوغها الاكتفاء الذاتي في مجال انتاج وتسويق الطاقة والاستغناء عن استيراد النفط من اسواق المنطقة العربية، بشكل اساسي. ومن المتوقع ان تتصدر مسألة “الاكتفاء الذاتي” في مجال الطاقة ستتصدر برامج الحملات الانتخابية المقبلة نهاية العام الجاري، بل ستشكل احد عوامل فوز اي من الفريقين السياسيين وسيطرته على مجلسي الكونغرس.

المدير المساعد لمنظمة “نادي سييرا” للحفاظ على البيئة، كيت كولاروللي، اوضحت ان المصادقة على انشاء خط الانابيب سيترك تداعيات سلبية على مرشحي الحزب الديموقراطي سيما وان الجدل الدائر “يوفر فرصة كبرى (للحزب) للترويج لسياسات من شأنها حماية التحولات المناخية وتعزز بنية القاعدة الانتخابية للحزب الديموقراطي في حال اقدم الرئيس اوباما على رفض المضي بمشروع كي ستون اكس ال.”

النائبة في الكونغرس عن الحزب الديموقراطي لولاية اريزونا، ماري لاندرو، التي سيخترق خط الانابيب اراضي ولايتها اصطفت مبكرا الى جانب فريق اتمام الخط بالزعم ان “الوقت قد حان لانجازه،” مؤكدة سلامته وصداقته للبيئة دون تقديم المبررات الموضوعية. مؤشرات المناخ الانتخابي في الولاية تشير الى تراجع شعبية لاندرو امام خصمها المرشح عن الحزب الجمهوري الذي تفوق عليها بنسبة 44% مقابل 40%.

شركات النفط الكبرى، ومن خلال عدد من المنظمات المحسوبة عليها، مثل تحالف مستهلكي الطاقة، اوعزت لعدد من الممثلين الجمهوريين في الكونغرس اصدار مذكرة تحث فيها الاوساط السياسية على دعم المشروع بالزعم ان “اغلبية الشعب الاميركي – نحو 56% كما ورد في احدث استطلاع للرأي اجرته يومية يو اس ايه تودايه” تؤيده. (28 كانون الثاني 2014) الاحصائيات الاولية تشير الى ان حجم الفريق المناهض للخط لا يتعدى نسبة 35% من الاميركيين والذي يجاهر بمخاوفه من الاضرار البيئية المترتبة عن حوادث سكب النفط والغازات الضارة المنبعثة.

في الجانب القانوني الصرف، برزت مسألة أحقية الدولة في مصادرة الممتلكات الخاصة لاغراض المنفعة العامة، الاراضي الشاسعة التي سيمر بها خط الانابيب، واقدم عدد من المواطنين على مقاضاة الدولة، خاصة في ولاية تكساس، مما حدا بالمرجعيات القضائية الطلب من شركات الانشاء تقديم مزيد من الوثائق والحجج دعما لاستيلائها على الاراضي قيد البحث، الأمر الذي ينذر باطالة أمد الحصول على موافقة نهائية قريبا.

واصدر عدد من الهيئات المدنية ومراكز الابحاث الجامعية دراسات متعددة تفند فيها مزاعم شركات انشاء الخط القائلة بتوفير فرص عمل كبيرة، اذ اشارت دراسة اصدرتها جامعة كورنيل ان “تقديرات الشركة لم تكن دقيقة” في هذا الصدد، وستسفر عن توفير عدد متواضع من فرص العمل الدائمة. الفريق المؤيد للمشروع ما فتيء يردد ان توقعاته تشير الى انشاء نحو 42،100 فرصة عمل في مجالات متعددة، وعوائد صافية للخزينة الاميركية تقدر بنحو 2 مليار دولار.

البعض يلفت النظر الى تدفق السيولة المالية على الاقتصاد كنتيجة مباشرة للمشروع، والبعض الآخر يعتبره فرصة سانحة لرفد خزائن التمويل والتبرعات من انصار حماية البيئة. وصرحت احدى الخبراء بالشؤون المالية، بيتسي تايلور، بالقول ان “الفرص الكبرى السانحة تشير الى تدفق مزيد من الاموال،” بل ان احدهم استعد بتحمل تكاليف النقل والمواصلات لحافلات تقل نشطاء مناهضين لقرار الحكومة للتظاهر في واشنطن. كما ان “نادي سييرا” المذكور استطاع جمع مبلغ معتبر ينوف عن مليون دولار في ظرف زمني لم يتجاوز ستة (6) اسابيع لدعم حملة نشاطاته المناوئة لانشاء الخط؛ فضلا عن انضمام اعداد كبرى من المواطنين للقوائم البريدية الخاصة بالمنظمات البيئية المتعددة.

سبر اغوار تقنية استخراج النفط الصخري، حديثة العهد، تستدعي التعرف على كنه كل ما يتعلق بعملية الاستخراج وتحقيق مستويات الاحتياط المطلوبة، وتوافقها مع مزاعم تعزيز استقلالية الاقتصاد الاميركي عن استيراد النفط التقليدي، لا سيما من منطقة الخليج العربي.

مخزون النفط من المصدر الكندي

تتميز الصخور الكندية باحتوائها خليط من الرمل والطين والماء مشبعة بطبقة نفطية شديدة اللزوجة تشبه القطران، بكميات كبيرة، كما هو الامر ايضا في اراضي كازاخستان وروسيا. مصر الفرعونية، على سبيل المثال، استخدمت مادة القطران المذكورة لحفظ المومياء؛ وشاع استعمالها في منطقة بلاد الرافدين وحضارتي السومريين والبابليين ايضا.

تنبهت مبكرا شركة “سنكور” الكندية (شركة استخراج النفط الاصطناعي) لآفاق العوائد الاقتصادية من المخزون النفطي، وشرعت في الاستثمار مبكرا في تقنيات متطورة استغلتها لاستخراج مخزون مقاطعة البرتا مترامية الاطراف وتبلغ مساحتها نحو 140،000 كلم2؛ وللشركة الفضل في تصدر الدور الريادي في هذا المجال. الشركات النفطية التقليدية، ان صح التعبير، اقلعت عن الاستثمار في التقنية المذكورة نظرا للكلفة الاضافية المترتبة على استخراج النفط الصخري/ الرملي وتسييله مقارنة بالمخزون المتوفر عالميا الذي يقدر بنحو 2 تريليون برميل من النفط الفحمي – من مركب الهيدروكربون. تشير التقديرات الاولية الى ان حجم الاحتياط العالمي من النفط الصخري يعادل نحو 100 مليار برميل.

توصل العلماء الى اكتشاف النفط الصخري/ الرملي منذ قرنين من الزمن، عام 1719، بيد ان استنباط تقنيات ملائمة لاستخراجه لم تتوفر الا حديثا، والتي تستند الى تقنية الحقن بالبخار لتسييل العنصر اللزج وفصله عن حبيبات الرمل، مما يؤدي الى انبعاث غازات اضافية في البيئة تعادل 12 ضعفا لانتاج برميل واحد من النفط الحفري. وتم انتاج ما يعادل نحو 450 برميل نفط صخري يوميا خلال الحرب العالمية الثانية، بعد توصل عالم الكيمياء كارل كلارك الى وسيلة استخراج النفط عام 1925 خلال عمله البحثي في مقاطعة البرتا الكندية، مسجلا براءة اختراعه في العام 1929.

احدى ميزات تقنية استخراج النفط الصخري بالوسائل الحديثة هي قدرتها على عزل عنصر الكبريت الضار خلال العملية، مما يضفي نقاءً على مادة النفط اعلى من المعدلات المتوفرة في النفط الحفري.

استخراج النفط الصخري تقتضي الحفر بطريقة افقية وضخ البخار المكثف على درجة حرارة عالية للوصول الى المكونات اللزجة المطلوبة كي تنساب الى ابار اخرى عميقة حيث يجري تجميعها وضخها عموديا عبر انابيب توصلها الى المنشآت الخاصة بذلك. الترسبات الترابية والرملية تبقى حبيسة في مكانها الاصلي مما يخفف من كلفة التخلص منها اثناء اعمال التنقية.

تدل التقديرات الراهنة على ان الاحتياط الكندي من النفط الصخري/ الرملي يضعه في المرتبة الثانية عالميا بعد مخزون شبه الجزيرة العربية. ومع التقدم المطرد لتقنيات الاستخراج، قد يرتفع معدل الاحتياط الكندي الى ما يعادل 300 مليار برميل؛ وبلوغ الانتاج اليومي معدل 5 مليون برميل مع حلول عام 2030.

تستند معارضة المنظمات البيئية لخط الانابيب الى انبعاثات عالية من غازات الكربون من الاراضي الكندية، اكدت وزارة الخارجية الاميركية صدقية مخاوفها بذكرها تزايد معدلات انبعاث الغازات الضارة الناجمة عن الوقود الصخري بنسبة 17% مقارنة بالوسائل الاخرى. ولم يخفِ تقرير الخارجية نية الحكومة الاميركية في المضي قدما باستخراج النفط بمنآى عن قرارها بالموافقة على انشاء خط الانابيب من عدمه. الدراسات العلمية المتعددة تشير الى ان استخراج النفط من الصخور الكندية سيزيد معدلات انبعاث غاز الكربون بنسبة 0.01% على المستوى العالمي؛ اي بكلمة اخرى ان حجم الغازات الاضافية ضئيل وذو مستوى متدني.

تقرير وزارة الخارجية سالف الذكر يشير الى ان معارضة انشاء الخط ستزيد من معدلات انبعاث الغازات الضارة نظرا لاستخدام وسائل نقل بديلة، بالقطارات والسفن، تفوق النسب والتقديرات الناجمة عن خط الانابيب.

تكسير الصخور لاستخراج النفط

ادى تطور تقنية استخراج النفط الى التعرف على مصدر اضافي للطاقة يكمن في معدلات الزيت الصخري او الرملي، لاسيما في بواطن جبال ولايتي داكوتا الشمالية والجنوبية الغنية بالزيت. وتعوّل شركات النفط الاميركية على استخدام خط انابيب “كي ستون” لايصال استيرادها لمصافي النفط المطلة على خليج المكسيك.

تعود جهود استخراج واستخدام الزيت الصخري الى القرن السابع عشر، بعد التعرف على المكونات العضوية وتسخيرها لانتاج الطاقة، ابتداء بصناعة النفط المستحدثة في سكوتلندا، عام 1859، بالتزامن مع بدء الحفر في بئر النفط الاولى في ولاية بنسلفانيا الاميركية، وجهود اخرى متعددة. استخراج الوقود الحجري استمر مطلع القرن الثامن عشر، ومع حلول عام 1881 بلغ مجمل انتاج الوقود الحجري نحو مليون طن سنويا، وهبط معدل الانتاج تدريجيا في سكوتلندا، باستثناء سنوات الحرب العالمية الثانية، الى ان توقف نهائيا عام 1962. على الشاطيء المقابل من المحيط الاطلسي، واصلت كندا جهود استخراج الوقود الحجري منذ منتصف القرن الثامن عشر في مقاطعة نيو برنزويك المحاذية للحدود الاميركية وايضا في مقاطعة اونتاريو المجاورة. في العصر الراهن، تبرز استونيا في بحر البلطيق من الشطر الشمالي للقارة الاوروبية كأحد اكبر منتج ومستهلك للوقود الحجري.

جهود الولايات المتحدة لاستخراج الوقود الحجري واجهت بعض الصعوبات في الازمنة الغابرة، ولقيت بعض النجاح مع حلول القرن العشرين الذي شهد بروز عدد من شركات النفط واستخراج المخزون من الوقود الحجري لثبوت ترسبات من خليط النفط والماء بالقرب من نهر كولورادو الشهير. واسفرت عن مردود متواضع استمر منذ عام 1980 لحين عام 1991 عندما اقفلت شركة “يونوكول” ابوابها بعدما بلغ ضآلة ما استخرجته نحو 4.5 مليون برميل طيلة الفترة الزمنية.

استخراج النفط من الوقود الحجري يتم عبر وسيلتين: التعدين والاكسدة العالية. التعدين ينطوي على التنقيب في باطن الارض وتحطيم الصخور الكبرى وحرقها في افران معدة لدرجات عالية من الحرارة خالية من عنصر الاكسجين بغية التخلص من الغازات وتكثيف مادة الزيت، وتكريرها.

في حال الاكسدة، يتم تكسير الصخور المشبعة بالزيوت الهشة بطبيعتها بوسائل الضغط العالي، هيدروليك، ينتج عنها شفط الزيوت وتكريرها. يعارض تلك العملية نشطاء ومنظمات الحفاظ على البيئة نظرا للترسبات الناجمة عن انحلال عناصر كيميائية متعددة وتسربها الى مخزون المياه الجوفية، بيد ان الصخور المشبعة بالزيوت تحول دون ذلك. هشاشة الطبقة الصخرية تُيسِّر عملية التكسير وتخفف من معدلات الضغط العالية وتأثيراتها على الطبقات المجاورة. تجدر الاشارة الى تباعد الطبقات الصخرية المشبعة بالزيوت عن طبقة المياه الجوفية، اذ توجد الاولى في اعماق سحيقة تبلغ بضع الاف الامتار بينما تقع المياه الجوفية في مديات لا تتعدى مئات الامتار.

انضمت الادارة الاميركية الى جهود الترويج للتكسير الصخري واستخراج النفط مؤخرا، اذ صرح وزير الداخلية (البيئة) كين سالازار، منتصف الاسبوع، ان عملية التكسير بالضغط الهيدروليكي تعتبر آمنة، مناشدا شركات النفط والطاقة بذل جهود لتوعية الرأي العام بسلامة العملية وخلوها من المخاطر.

احتياط الولايات المتحدة الثابت من الوقود الصخري يبلغ نحو 62% من مجمل الاحتياط العالمي، مما يعادل ما ينوف عن 600 مليار برميل من النفط المستخرج؛ مقارنة بنحو تريليون برميل من مخزون النفط العالمي. هذه الارقام تدفع الى القول ان الولايات المتحدة مقبلة قريبا على تبوأ مرتبة منتج اساسي للنفط في المدى المنظور.

النفط المستخرج من الفحم

مكانة الولايات المتحدة المتقدمة في مخزون الطاقة يعززها ايضا الاحتياط الهائل من الفحم الحجري، والذي تتيح التقنية المتطورة الراهنة استخراج النفط من داخله بيسر وكلفة متدنية.

وسائل استخلاص النفط من الفحم الحجري توصل اليها العالمين الالمانيين فراز فيشر وهانز تروش في العقد العشرين من القرن المنصرم. يتلخص جهد فريق الثنائي الالماني بالقدرة على تحويل خليط الهيدروجين واكسيد اول للكربون الى سائل عضوي بعد اخضاعه لعملية تفاعل كيميائية. الاراضي الالمانية تحتوي على احتياطي كبير من الفحم الحجري، مما وفر للبلاد مصدرا داخليا لانتاج الطاقة استغلته ابعد استغلال في بناء مرافق الدولة وصناعاتها المتميزة.

واثبت الوقود الاصطناعي المستخرج اهميته وحيويته خلال الحرب العالمية الثانية، اذ وصلت معدلات انتاجه لما ينوف عن 124،000 برميل نفط ينتجه 25 مصنعا، فضلا عن معدلات زيوت التشحيم المرافقة للوقود.

لم يغفل الجانب الاميركي الانجاز الالماني في استخراج الوقود الاصطناعي، وعقد العزم على استنساخ التقليد اميركيا بغية تقليص حجم الاعتماد على مصادر الطاقة الاجنبية. واستُغِلت الكفاءات العملية الالمانية لانتاج وقود الديزل في منشأة بولاية داكوتا الشمالية، عام 1949. وتصاعد معدل الانتاج باضطراد للسنوات الخمس المقبلة ليصل الناتج الى 1،5 غالون تلبية لمتطلبات الجهود الحربية. وقد اغلقت المنشأة عقب اكتشافات النفط الخام في ولاية تكساس فيما بعد، نظرا لتدني كلفة انتاجه بالمقارنة.

اقامت الولايات المتحدة بضعة مصانع تجريبية لاستخراج الوقود من الفحم الحجري، بيد ان جهودها  اللازمة اخفقت في استغلال القدرات التقنية، الامر الذي يعزز مخاوف المتشككين باستمرارية اعتماد الولايات المتحدة على مصادر الطاقة الاجنبية.

مستقبل قطاع الطاقة الاميركي

خط انابيب “كي ستون” بمفرده لن يحسم مكانة الولايات المتحدة المتقدمة في انتاج الطاقة نظرا لتعدد عناصر الموارد الطبيعية لديها والتطورات التقنية المتصاعدة التي ستؤدي لتقليص كلفة الانتاج مستقبلا.

الاطراف الاميركية المتضررة من الموارد الجديدة تشمل الشركات النفطية الكبرى، التي استثمرت مواردا وطاقات ضخمة في استخراج النفط من المنطقة العربية، والتي اخفقت في التقاط اللحظة المناسبة للاستثمار اميركيا واستخراج الوقود الصخري على الرغم من وفرة المعلومات لديها. وتشمل قائمة المتضررين من خط انابيب “كي ستون” احد اكبر المستثمرين، وارين بافيت، الذي استثمر نحو 34 مليار دولار عام 2009 لامتلاك شبكة خطوط نقل السكك الحديدية العملاقة، بيرلينغتون نورذرن سانتا فيه، التي تنقل حاليا امدادات النفط الكندي وانتاج ولايتي داكوتا الى المصافي الاميركية، ولا يبدي بافيت حماسا لتبني وسيلة نقل منافسة لممتلكاته.

استطلاعات الرأي تشير بوضوح الى تأييد اغلبية الاميركيين لانشاء خط الانابيب المذكور بالرغم من اعتراض القوى المعنية بالمحافظة على البيئة، والتي تمثل اقلية بالنسبة لمجموع القوى الاخرى.

مسألة مستقبل قطاع الطاقة يعد جذر اهتمام الجمهور في المدى البعيد، ويتجاوز ثمة اعتراضات وتباينات حول استكمال انشاء انبوب لنقل النفط. الموارد الاميركية الذاتية لامدادات الطاقة معززة بكميات معتبرة من النفط الكندي تفرض تراجع معدلات اعتماد الولايات المتحدة على نفط الخليج العربي، والتي كانت “السعودية” تحتل المرتبة الثانية في مستوردات الطاقة الاميركية، ويشكل عنصرا ضاغطا لها لايجاد اسواق جديدة بديلة للسوق الاميركية. وهنا تبرز الصين والهند كاكبر الاسواق للنفط المستورد من منطقة الخليج التي تتجه سياسات دوله بثبات الى الاسواق الاسيوية لتعويض تراجع الاسواق الغربية التقليدية.

تقليص اعتماد الولايات المتحدة على نفط الخليج يترجم ايضا بتراجع اهتمام السياسة الاميركية في مجمل المنطقة العربية، ولا نقول انسحابها من هناك، بل سيستمر القلق الاميركي من مستقبل الملف النووي الايراني خشية امتلاكه تقنية انتاج اسلحة نووية. كما ستستمر السياسة الاميركية في وتيرة انخراطها الراهنة للابقاء على تدفق النفط عبر مضيق هرمز دون توقف.

في هذا الصدد، سيطغى عنصر المقاربات العامة المشوبة بالحذر في السياسة الاميركية التي تتجه انظارها نحو الشرق الاسيوي مع احتفاظها بمستوى التزاماتها الراهنة للحيلولة دون اندلاع اشتباكات من شأنها زعزعة استقرار اسواق واسعار الطاقة على المستوى الدولي. بيد ان الثابت في السياسة يشير الى تراجع اولويات انغماس اميركا في قضايا المنطقة نتيجة تقلص مستوى الحاجة الملحة لنفط الشرق الاوسط.

التحليل 10-01-2014

التحليل:

القضاء الاميركي يتدخل للفصل في خلاف دستوري بين اوباما والكونغرس

تجدد الجدل والاستقطاب بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في النظام السياسي الاميركي بتسليط الضوء على فعالية الصلاحيات الدستورية الممنوحة للرئيس، وسعي دؤوب لكلا الطرفين تحدي الآخر. الدستور الاميركي منذ ولادته تضمن نصوصا بدت صريحة وواضحة بآفاق السلطات، خشية تغلب احداهما على الاخرى بفعل التجاذبات والتطورات الزمنية.

للرئيس الاميركي، مثلا، صلاحية تعيين ما يراه مناسبا في السلك القضائي والديبلوماسي ولقادة عسكريين واعضاء حكومته والمناصب الادنى في السلطة التنفيذية شريطة تقدمه “لاستشارة وموافقة مجلس الشيوخ.” واخذت النصوص الاولى بعين الاعتبار الفوارق الزمنية بين تواجد اعضاء السلطتين الفعلي في مقر القرار، سيما وان اعضاء مجلس الشيوخ يذهبون في عطل سنوية متعددة تدوم بضعة أشهر عائدين الى دوائرهم الانتخابية، بينما يمكث الرئيس في موقعه يمارس صلاحياته. واعتبرت هذه الخاصية مدخلا للسماح للرئيس تعيين الشخصيات التي يراها في مناصب محددة اثناء العُطل المتكررة لمجلس الشيوخ درءا للفراغ الاداري لا اكثر.

في الظروف العادية تستدعي ترشيحات الرئيس مصادقة او مباركة من مجلس الشيوخ. اما في غياب انعقاد المجلس قد يقدم الرئيس على تعيينه كفاءات مشروطة لفترة زمنية محددة الى حين “موافقة” مجلس الشيوخ لاحقا. المبرر الاساسي للنص الدستوري كان بحكم القيود المفروضة على حركة الممثلين السياسيين في الزمن الغابر التي كانت تتم مشيا على الاقدام او عربات تجرها الخيول، قبل دخول عصر المواصلات السريعة كالقطارات والطائرات.

سعى كلا الطرفين في السلطتين استغلال النص لاسناد وجهة نظره ضد الآخر على مر العقود، وتفاقم الصراع منذ عقد الثمانينيات من القرن الماضي، في عهد الرئيس رونالد ريغان الذي استغل الصلاحية افضل استغلال لتعيين اعوانه في مواقع حساسة خلال فترة اجازة مجلس الشيوخ؛ وفعلها ايضا بكثافة الرئيس السابق جورج بوش الابن، وجاء الدور الآن على الرئيس باراك اوباما. وادى تعيينه لثلاثة مرشحين خلال عطلة اعياد الميلاد، في 4 كانون الثاني 2012، “لمجلس علاقات العمل القومي،” ومرشح رابع لهيئة حماية اموال المستهلكين، الى ردة فعل قاسية من خصومه الجمهوريين ونذروا انفسهم لمقاضاته. واصدرت محكمة الاستئناف العليا قرارها آنذاك ببطلان صلاحية التعيينات التي تمت “خلال فترة انعقاد مجلس الشيوخ عوضا عن اجازته” المقررة، وفق النصوص الدستورية.

استمعت المحكمة العليا مطلع الاسبوع الى مرافعة للطرفين تمحورت حول “تعريف العطلة او استراحة مجلس الشيوخ،” ومن يحددها، واعادت المسألة الى السلطتين وحثهما معا في التوصل الى ارضية فهم مشتركة، مما اشار الى عدم رغبة القضاء الدخول في دهاليز سياسية خارج نطاقه، ومن جانب آخر تفادي المحكمة العليا تغليب وجهة نظر اي من الفريقين.

اللافت ان المحكمة العليا لم يسبق لها النظر بالمادة الدستورية للتعيينات التنفيذية التي تتم خارج انعقاد دورة مجلس الشيوخ. البت في المسألة سيترك تداعيات طويلة الاجل على حالة التوازن الدستوري الراهنة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. اذ ان الحكم ضد السلطة التنفيذية سيقوض نطاق صلاحيات الرئيس المعمول بها لما ينوف عن قرنين من الزمن؛ والحكم لصالح الرئاسة سيخل بالتوازنات الراهنة ويعزز صلاحيات الرئيس امام السلطة التشريعية.

وصف الكساندر هاميلتون، احد المؤسسين وعضو لجنة صياغة الدستور، التعيينات خارج جلسات الانعقاد العادية بانها ثمة “وسيلة تعيين مكملة .. او مساعدة” لسيرورة العمل في الحالات التي يتعذر فيها التعيين وفق الشروط العادية. واضاف موضحا “تحصر صلاحية التعيين العادية بمنصب الرئاسة ومجلس الشيوخ سويا، وعليه لا يجوز تطبيقها الا في حال انعقاد مجلس الشيوخ، بيد انه من غير اللائق الزام المجلس عينه بالانعقاد المستدام للبت في تعيينات المرشحين عند توفر وظائف شاغرة خلال العطل، مما قد يكون ضروريا اتخاذ قرار بملئها دون تأخير.”

استند معظم الرؤساء الى الثغرات الكامنة في غياهب تلك الصياغة لتعيين اعوانهم واقرانهم خاصة في الحالات التي يملك حزب الخصوم اغلبية مجلس الشيوخ.

وسريعا تنبه الرئيس جيمس منرو، عام 1832، الى تسخير النص لتوسيع نطاق صلاحياته عبر وزير العدل آنذاك، ويليام ويرت، الذي اعتبر جواز ملأ الرئيس لمكان شاغر خلال فترة عطلة مجلس الشيوخ ان لم يستطع القيام به من قبل؛ وهي القاعدة التي استند اليها الرؤساء المتعاقبون منذ ذلك التاريخ، لنحو 190 عاما.

وانتفض مجلس الشيوخ في عام 1863 للحفاظ على حيز صلاحياته بعدم التعامل مع التعيينات التي تمت في غيابه لحين مصادقته عليها بعد التئام جلساته. وانتقل بندول الحركة ثانية الى الناحية الاخرى عام 1940 عندما اقر مجلس الشيوخ بدستورية الاجراء المتخذ في عهد الرئيس منرو ووزير العدل ويرت.

جرت العادة استغلال النص من قبل الرؤساء المتعاقبين لتطويع الأمر بما يخدم برامجهم الخاصة، يشهد على ذلك الرؤساء ثيودور روزفلت، ورونالد ريغان وجورج بوش الابن الذي طبقه زهاء 20 مرة خلال سنتين من بدء ولايته الرئاسية الاولى. كما استخدمه الرئيس اوباما ايضا في ولايته الرئاسية الاولى بالرغم من سيطرة حزبه الديموقراطي على اغلبية مقاعد مجلس الشيوخ.

لدى مجلس الشيوخ عدد من الخيارات باستطاعته اللجوء اليها لحرمان الرئيس من دستورية تعييناته. اولها الاستمرار في دورة الانعقاد الرسمي – وهو ما لجأ اليه رئيس المجلس الديموقراطي هاري ريد في نهاية عهد الرئيس السابق جورج بوش الابن؛ واعلانه عن عقد جلسات صورية متكررة كل ثلاثة ايام مدركا في الوقت عينه غياب معظم اعضاء المجلس وتواجدهم في دوائرهم الانتخابية كي يحرم الرئيس بوش من المضي في تعييناته.

مع العلم ان مجلس الشيوخ يخضع لسيطرة الحزب الديموقراطي راهنا، فان مجلس النواب لديه بعض الصلاحيات الاخرى من شانها افشال التعيينات خارج انعقاد جلسات المجلس. منها، ما تنص عليه الفقرة الخامسة من المادة الاولى للدستور بانه لا يجوز لأي من مجلسي الكونغرس الانفضاض ورفع جلساته لمدة تفوق ثلاثة أيام دون الحصول على موافقة المجلس الرديف. وعليه، لم يصادق مجلس النواب على رفع جلسات مجلس الشيوخ لمدة الثلاثة ايام المنصوص عليها في نهاية عام 2012، مما يفسر دعوات رئيس مجلس الشيوخ، هاري ريد، المتكررة لانعقاد مجلسه امتثالا للقيود الدستورية.

في حال تعيينات الرئيس اوباما المشار اليها، اوضح انه اقدم عليها لادراكه نصوص صلاحياته المستندة الى ان انعقاد جلسات مجلس الشيوخ الصورية، كل ثلاثة ايام، لا يمكن التعويل عليها اذ انها وباقرار المجلس عينه لم تكن تعقد لرغبة الاعضاء البت في الاجراءات العادية. واوضح مستشار البيت الابيض للشؤون القانونية ان “باستطاعة الكونغرس حرمان الرئيس من اتخاذ اجراءات لتعيين (ما يريده من شخصيات) خلال فترة عطلته عبر آلية بقائه منعقدا في حالة مستمرة والبت في الترشيحات المقدمة، ليس بوسعه المضي بذلك عبر آلية جلسات انعقاد صورية خلال تلك المدة.”

لم يرق التفسير للاعضاء الجمهوريين فحسب، بل اعرب بعض الاعضاء الديموقراطيين عن امتعاضهم من القفز على صلاحياتهم، ووجه السيناتور الديموقراطي ماكس بوكاس، عن ولاية مونتانا، نقدا للبيت الابيض للتعيينات التي اقدم عليها خلال العطلة دون الحصول على موافقة من الكونغرس. وقال “موافقة مجلس الشيوخ على ترشيحات الرئيس هي آلية ضرورية منصوص عليها دستوريا وترمي الى تعزيز اجراءات المكاشفة لصلاحيات السلطة التنفيذية وحماية كافة الاميركيين عبر ضمان مساءلة المرشحين في القضايا الحاسمة – والحصول على اجاباتهم.”

السلك القضائي لم يشاطر الرئيس اوباما تفسيره ومبرراته المقدمة، وابطلت محكمة الاستئناف الفيدرالية التعيينات المذكورة لاسباب لا تتعلق باستخدام الانعقاد الصوري لجلسات المجلس. واوضحت المحكمة ان آلية رفع الجلسات المشار اليها تمت وفق جلسة رسمية لمجلس الشيوخ، ولا ينطبق عليها تفسير “تعليق الجلسة” المتضمن في الفقرة الدستورية الخاصة بذلك. بل اعرب اغلبية القضاة عن رأيهم بأن المراكز الشاغرة لم تأتِ من وحي فترة العطلة، وعليه لا يجوز ان تُسدْ استنادا الى النص الدستوري المشار اليه.

المؤشرات الراهنة لتوجهات المحكمة العليا لا تدل على ارتياحها للاصطفاف الى جانب السلطة التنفيذية في تبريراتها، بل اكدت احدى قضاة المحكمة ايلينا كاغان، التي عينها اوباما للمنصب، ان الحل سياسي وليس قضائي، “فالأمر من اختصاص مجلس الشيوخ للبت فيه” عندما ينوي تعليق جلساته، والذي باستطاعته حينئذ التحكم بامكانية اقدام الرئيس او متى سيقدم على تعيينات مماثلة.

زميل كاغان المحافظ في المحكمة، انتوني سكاليا، هاجم الرئيس اوباما بشدة قائلا ان تعييناته خارج نطاق مجلس الشيوخ “تتناقض تماما مع النص الصريح للدستور،” مضيفا ان ذرائع الادارة “مستندة الى فرضية ضبابية النص وتصب في خدمة مصلحة ذاتية للرئيس.”

مستقبل الرئاسة الاميركية

لا تخلو اي نصوص دستورية من ثغرات تفرضها دورة التطور الانساني والمجتمعي، ومن الطبيعي ان تسعى اي من السلطات السياسية للنفاذ من خلالها لتعزيز حيز الصلاحية والنفوذ لمصلحتها. وكان المستفيد الاول من ذلك السلطة التنفيذية عبر تاريخ الولايات المتحدة في القرنين الماضيين، على حساب السلطات التشريعية والقضائية المكبلة بقيود نصوص اشد وضوحا. ولا يخشى الرؤساء تجاوز حدود الصلاحيات الممنوحة التي يبررونها لاعتبارات الأمن القومي – الأمر الذي نادرا ما يلقى مساءلة من الكونغرس، وعادة تؤيد السلطة القضائية الذريعة المقدمة في حال تطور المسألة بالتسلسل.

اما التبريرات الرئاسية المستندة الى صلاحيات دستورية فهي عادة ما تثير الجدل، ومن شأن تعيينات الرئيس اوباما سالفة الذكر تقويض نطاق الصلاحيات الرئاسية على الامد البعيد وتآكل القدرة على المضي بالتعيينات المستقبلية التي لا تحظى باجماع مجلس الشيوخ.

كثيرا ما يلجأ الرؤساء لاصدار قرارات رئاسية نافذة المفعول، كاحدى الصلاحيات، عوضا عن اللجوء الى التراتبية القضائية لاقرارها. بل ذهب الرئيس اوباما الى ابعد من ذلك وسعى لتعديل نصوص قانونية تمنحه ميزة الاقرار واختيار النصوص التي ينبغي تطبيقها دون غيرها.

اجراء اوباما اوجد سابقة قانونية “لرفض التعيينات المخلة بالدستور،” وربما حفز السلك القضائي التجرؤ على تقييد حيز الصلاحيات الممنوحة في المدى المنظور. من مفارقات القدر ان سعي السلطة التنفيذية لتنمية وتوسيع نطاق صلاحياتها قد يأتي بنتائج معاكسة تحد منها. في حال اقدمت المحكمة العليا على التلويح بأن السلطة التنفيذية تخطت حدود صلاحياتها الدستورية، فقد ينعش الجدل بروز قضايا اخرى مماثلة للمحكمة العليا البت بها واضعاف صلاحيات الرئيس.

الامثلة متعددة على تبلور احكام قضائية تحد من سلطات الرئيس، اي كان. احدثها جاء قرار بالاجماع من محكمة الاستئناف الفرعية لواشنطن العاصمة مطلع الاسبوع لابطال مفعول القيود التي تنوي الحكومة الاميركية، عبر هيئة الاتصالات الفيدرالية، فرضها على خدمات شبكة الانترنت – حيادية الشبكة- استنادا الى عدم موافقة الكونغرس عليها. بعبارة اخرى، الحق القرار القضائي ضربة بجهود الرئيس لتقنين خدمات شبكة الانترنت واقصاء بعض الخدمات المقدمة من التداول العام لتطوير الشبكة للعقود المقبلة.

في خطوة ملفتة للنظر، تقدم ممثلون عن الحزبين في الكونغرس يوم 16 كانون الثاني الجاري بمبادرة مشتركة تؤسس لقرار يحجّم صلاحيات الرئيس لشن الحروب الخارجية واستبدال القانون السابق الصادر عام 1973 ابان الحرب على فييتنام، شارك فيها السيناتور الديموقراطي تيم كين والجمهوري جون ماكين. المبادرة الجديدة ترمي الى الزام الرئيس بالحصول على موافقة مسبقة من الكونغرس  قبل الانخراط في عمل عسكري يستغرق اكثر من 7 ايام – خلافا للصيغة الاولى التي تمنح الرئيس فرصة 60 يوما قابلة للتجديد قبل الذهاب للكونغرس لابلاغه بالعمليات العسكرية الدائرة. يشار الى ان البرلمان البريطاني افشل قرار حكومته بمشاركة الولايات المتحدة وفرنسا شن عدوان على سورية، الامر الذي دفع الرئيس اوباما تعليق جهوده ورغبته في الذهاب للكونغرس للحصول على موافقته آنذاك.

المبادرة تنص ايضا على ضرورة ابلاغ الرئيس الكونغرس عن عمليات عسكرية سرية جارية في غضون 3 أيام بعد بدء العملية، وتقديمها لتصويت الكونغرس ان استغرقت اكثر من 7 ايام. الرئيس اوباما والرؤساء السابقين من امثاله غير مرتاحين للقيود التي فرضها القانون الاصلي “سلطات الحرب” سيما وانه يقيد صلاحيات الرئاسة في استخدام الخيار العسكري، بينما اعتبره الرأي العام انه يوفر مرونة كبيرة للرئيس للذهاب الى الحرب اينما ومتى شاء.

قرار المحكمة العليا سلبا بشأن التعيينات الرئاسية قد لا يترك اثارا مغايرة للرئيس اوباما بحكم سيطرة الحزب الديموقراطي على مجلس الشيوخ آنيا. اما ان تعدلت موازين القوى واستلم الجمهوريون رئاسة المجلس الى جانب مجلس النواب، باستطاعة اي ممثل جمهوري عندئذ تعطيل البت في تعيينات قد يقدم عليها الرئيس اوباما وابقاء الأمر معلقا. ولحين عقد وبروز النتائج الانتخابية النهائية، 4 تشرين الثاني المقبل، بامكان الرئيس اوباما الطلب من اولئك الذين فازوا بمصادقة مجلس الشيوخ تقديم استقالتهم، او بعضهم، كي يتمكن من تعيين من يرغب بهم في مكانهم، على ان يعيد الكرة مرة اخرى مع مجلس الشيوخ عند انعقاده بعد نتائج الانتخابات.

التحليل 10-01-2014

التحليل:

البنك المركزي الاميركي:

مخاطر سيطرة حكومة ظل لادارة الاقتصاد العالمي

في خطوة “اجرائية” متوقعة، اعلن البيت الابيض قراره بتعيين ستانلي فيشر نائبا لرئيسة البنك المركزي (الاحتياطي الفيدرالي)، جانيت يلين، التي حازت على موافقة مجلس الشيوخ تعيينها في المركز الاول مطلع الاسبوع، وسيخضع فيشر لمصادقة مجلس الشيوخ ايضا دون معارضة تذكر. تراجع البيت الابيض عن ترشيح نصيره الوفي لورانس سامرز بسبب المعارضة الشديدة له داخل الاوساط السياسية. فيشر ذو جنسية مزدوجة، “اسرائيلية” – اميركية، ولد وترعرع في ظل النظام العنصري الابيض في زيمبابوي (روديسيا سابقا)، وعمل مديرا لبنك “اسرائيل” المركزي.

الرئيس اوباما اثنى في اعلانه الرسمي على كفاءته قائلا “فيشر .. متعدد المواهب يحضر معه خبرة قيادية لعقود عدة، منها صندوق النقد الدولي وبنك اسرائيل. من المسلم به على نطاق واسع انه احد الشخصيات الرائدة عالميا ذو كفاءة معتبرة في السياسة الاقتصادية.”

قبل الولوج في تركيبة واهمية ودور البنك المركزي الاميركي في الاقتصاد العالمي، ومادته اللاصقة الاقتصاد الاميركي، نجد لزاما التعريج على هذه الشخصية “الفذة” للسيد فيشر، التي كان لها دورا محوريا في تصفية القطاع العام لروسيا ابان عهد بوريس يلتسين؛ وتطبيق العقوبات الدولية على ايران؛ والاشراف على “الاصلاحات البنيوية” لاقتصاديات اندونيسيا وتايلند وكوريا الجنوبية، عام 1997، والتي شهدت فقدان زهاء 24 مليون فرصة عمل وتدمير الشرائح الوسطى من الطبقات الاجتماعية في تلك البلدان.

فيشر مرشح الرأسمال الصهيوني

فيشر هو الطفل المدلل للوبي اليهودي الاميركي “ايباك،” تمت ترقيته الى منصب مدير البنك المركزي “الاسرائيلي” من قبل اريئيل شارون عام 2005، عقب توصية من السفير “الاسرائيلي” لدى الامم المتحدة عام 2004. “اصرّ فيشر على التحدث بالعبرية امام الصحافيين عند قبوله المنصب، بل رفض التحدث بالانكليزية.” اشرف فيشر على استحداث قسم “الارهاب والاستخبارات المالية” في وزارة المالية الاميركية وعهد ادارته الى احد اتباعه، ستيوارت ليفي. المعلومات الموثقة تشير الى ان القسم “استحدث عقب محاولات ضغط مكثفة من مجموعة ايباك الذين التقوا فيشر في اسرائيل جنبا الى جنب مع رئيس الوزراء ووزير الخارجية ورؤساء جهازي الموساد والشين بيت بغية تعزيز اجراءات العقوبات الدولية (على ايران) وكيفية تفادي معارضة كل من روسيا والصين.” (شبكة بي بي سي، نشرة 5 آذار 2007).

الكاتبة الصحافية الليبرالية، نعومي كلاين، اوردت في “عقيدة الصدمة: صعود رأسمالية الكوارث،” مؤلفها الشهير، ان فيشر من خلال منصبه في الصندوق الدولي “حث (بوريس) يلتسين على المضي قدما ودون تلكؤ لبيع اصول الشركات والمؤسسات العامة والموارد الطبيعية في اسرع فرصة ممكنة .. مما اسهم مباشرة في اعلاء دور بارونات المافيا الروسية – رأسمالية المافيا.” (الطبعة الانكليزية حزيران2008، الطبعة العربية ايلول 2008).

مخاوف من مزدوجي الولاء “لاسرائيل” في قمة الهرم الاقتصادي

تم اسكات بل وقمع الاصوات المحذرة من استشراء مزدوجي الولاء في المؤسسات الحكومية الاميركية والمناصب العليا. تربع على رئاسة البنك المركزي منذ انشائه عام 1914، خمسة عشر فردا، من ضمنهم حديثة التعيين جانيت يلين، تم تعيينهم جميعا بقرار للرئيس الاميركي. ومنذ مطلع عام 1970، “صادف” تداول رئاسة البنك ستة من الاميركيين التابعين للديانة اليهودية، ولم تتوفر معلومات قاطعة بازدواجية جنسياتهم جميعا بيد ان الشبهات تحوم حول خمسة منهم على الاقل. بالمقابل، ذهب منصب وزارة المالية الاول الى ذات العينة من الاميركيين اليهود بوتيرة بارزة في كافة العهود الرئاسية، سيما كلينتون وبوش الابن واوباما – الذي عين “جاك لو،” كأول يهودي متدين في منصب وزير للمالية. بيد ان الامر لا ينحصر في المنصب الاول، ويمتد تاريخيا الى مناصب اخرى هامة واساسية في هيئات وزارة المالية النافذة.

يذكر ان الرئيس اوباما دشن ولايته الرئاسية الاولى بتعيين “اخلص اصدقائه اليهود” في مناصب حساسة: رام عمانويل وديفيد اكسيلرود كمستشارين سياسيين؛ لورانس سامرز كرئيس لمجلس المستشارين الاقتصاديين؛ بنجامين بيرنانكي في منصب مدير البنك المركزي. الأمر الذي حدا باحدى الشخصيات اليهودية المؤثرة الاشارة الى نفوذ اليهود المتنامي في الحياة السياسية والاقتصادية الاميركية والتبجح بأنهم شريحة “الواسب الجدد،” (New WASPs) دلالة على سيطرة ونفوذ العرق الابيض من اصول انغلو-ساكسونية الممثل للنخب الحاكمة لاميركا.

في هذا الصدد، حذرت الصحافية الشهيرة في صحيفة نيويورك تايمز من اصول ايرلندية، مورين داود، 29 آذار 2009، من حصر مسؤولية الازمة الاقتصادية آنذاك بعنصر “الانغلو ساكسون،”  اذ ان يهودا من امثال “لورانس سامرز وروبرت روبين وآلان غرينسبان لعبوا ايضا دورا في تلك الكارثة .. وموريس غرينبيرغ رئيس شركة AIG للتأمين العملاقة وشركة استثمارات غولدمان ساكس وآخرين.” مسترشدة ايضا بالدروس التاريخية التي لعب فيها العنصر اليهودي المصرفي دوره في مفاقمة الازمات المالية جنبا الى جنب مع “نخبة الانغلو ساكسون.”

المؤلف ومدير مركز ابحاث السياسة الشرق اوسطية، غرانت سميث، قال ان تعيين فيشر مزدوج الجنسية والولاء “يعد نقطة تحول .. سيما وان ابواب الحكومة الفدرالية بقيت مشرعة على مصراعيها لفترة طويلة امام انصار اللوبي الاسرائيلي .. (تستثمر) في خدمة مصالح دولة اجنبية، وهم الذين عادة ما يحافظون على سرية ازدواجية جنسياتهم.” واوضح ان “السبب الرئيس لاحجام ايباك ونجومها من المشاهير مثل (ستانلي) فيشر عن عدم تحديد المنافع العائدة لاميركا جراء “علاقتها الخاصة” مع اسرائيل .. هو انه ببساطة خلوها التام” من اية مزايا حسية.

قلة من اليهود الليبراليين يؤيدون ما ذهب اليه سميث من تحذير لسيطرة مزدوجي الجنسية على مقاليد السياسة والمال. وقال فيليب وايس على مدونته “لا اطمح لرؤية مواطن اسرائيلي في موقع القرار للسياسة الاميركية ..” خشية تداعياتها على المدى المنظور على عموم الجالية اليهودية. وشاطره غرانت سميث بقوله “على المدى المرئي القصير، يستطيع الاميركيون مواجهة نفوذ اللوبي الاسرائيلي الطاغي .. عبر حملات ضغط شعبية واسعة لمطالبة ممثليهم في مجلس الشيوخ رفض ترشيح ستانلي فيشر.” (حديث سميث جاء قبل بضعة ايام من ترشيح البيت الابيض رسميا لستانلي فيشر).

من الواضح ان مناهضة سميث واقرانه لتعيين فيشر لا ينبع من كفاءته العلمية او العملية، بل لآرائه الاقتصادية المثيرة للجدل والتي تشجع اقتصاد السوق وادخال الاصلاحات الاقتصادية على الدول الاخرى لتتساوق مع وصفات البنك الدولي الكارثية في اللبرلة الاقتصادية. الصحافية نعومي كلاين ايضا اوضحت ان سياسات البنك المركزي الاميركي “خاصة في عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن المنصرم .. كان لها الفضل في الضغط على المصارف الاميركية وتحويل نشاطاتها لموائمة مصالح اسرائيل” بعيدا عن اي اجراء قد يفسر بأنه “يواكب المقاطعة الاقتصادية العربية” لها.

في هذا الصدد، يشار الى الاخفاقات التي رافقت السياسة المصرفية للادارة الاميركية، عبر البنك المركزي، لحفز النمو الاقتصادي على الرغم من اتخاذه  سلسلة اجراءات تشجيعية اعتبرها ضرورية لذلك عبر السنوات الخمس الماضية.

البنك المركزي او الاحتياطي الفيدرالي

انشيء نظام البنك المركزي بقرار من الرئيس وودرو ويلسون في 23 كانون الاول 1913 كنظام مصرفي ذو ملكية خاصة، بمعارضة بينة من نواب الحزب الجمهوري في مجلسي الكونغرس آنذاك. يتكون النظام من هيئة عليا كمجلس ادارة، مجلس الاحتياط الفيدرالي، تضم سبعة اعضاء يعينهم رئيس الولايات المتحدة مباشرة، مقرها في واشنطن وتخضع لمصادقة مجلس الشيوخ على اعضائها؛ ومصارف مركزية موزعة على 12 مقاطعة جغرافية اميركية، لكل منها بنك مركزي خاص يسمى ايضا بنك الاحتياط المركزي يتبع المدينة الرئيسة للمقاطعة، مملوكة للمصارف المحلية. السياسة المالية والمصرفية يقررها اعضاء مجلس الادارة السبعة، الذين يعملون “بسرية عالية .. خاصة في عهد الآن غرينسبان المفرط الثقة بالنفس ..” غرينسبان انتقل للبنك المركزي من هيئة “مورغان ستانلي” المصرفية.

يطلق عدد من الخبراء الاقتصاديين على الفيدرالي وصف “دولة داخل الدولة،” للنفوذ الواسع الذي يتمتع به في صياغة السياسة المالية بعيدا عن اجراءات الرقابة من الكونغرس والشفافية المطلوبة. بل ان اصول نظام البنك المركزي تملكها مجموعة من المؤسسات المصرفية والصناعية والتجارية. هيئة مجلس الادارة، بعد المصادقة على تعيين اعضائها، تتمتع باستقلالية عالية ولا يملك الرئيس صلاحية استبدال اعضائها. الهيئة الادارية غير ملزمة قانونيا باخطار السلطة التنفيذية بقراراتها او نواياها للاجراءات والتدابير المصرفية.

البنك المركزي عبارة عن المصرف الاكبر بين المصارف المالية المتعددة: وزارة المالية الاميركية لديها حساب خاص بها لدى المصرف، تمر به عائدات الضرائب المختلفة وتصرف منه الاموال المقررة للانفاق الحكومي. الحكومات والمصارف الاجنبية ايضا تتمتع بالخدمات التي يوفرها الاحتياطي المركزي، اسوة بوزارة المالية الاميركية، بغية تسهيل معاملاتها التجارية داخل الولايات المتحدة، ومنها ايداع ضماناتها المالية لديه. مصاريف المركزي الادارية توفرها البنوك الاعضاء المكونة له، وليس من قبل الكونغرس كما يعتقد البعض.

تعود ملكية البنك المركزي وفروعه الاثنا عشر الاخرى للمصارف المالية التالية، حسبما جاء في كتاب “اليهود والمال،” Jews and Money: The Myths and the Reality, Gerald Krefets, 1984:

§                 بنك روتشيلد – لندن

§                 بنك واربيرغ – هامبورغ

§                 بنك روتشيلد – برلين

§                 بنك الاخوة ليمان – نيويورك

§                 بنك الاخوة لازار – باريس

§                 بنك كون لوب – نيويورك

§                 مصارف اسرائيل موسيس سيف – ايطاليا

§                 مصرف غولدمان ساكس – نيويورك

§                 بنك واربيرغ – امستردام

§                 بنك تشيس مانهاتان – نيويورك

يؤكد الاقتصادي والمؤلف الاميركي من اصول صينية، سونغ هونغ بينغ، صاحب “حرب العملات،” (Currency Wars, Song Hongbing, 2007) ان البنك المركزي الاميركي يخضع لسيطرة تامة من قبل خمسة من كبار البنوك، احدها سيتي بانك. واورد المؤلف مقابلة للرئيس السابق للبنك المركزي، بول فولكر، اقر فيها ان المركزي الاميركي ليس مملوكا للحكومة الاميركية بنسبة 100%، نظرا لوجود مساهمين كبار في رأس ماله؛ اي انه خليط من القطاعين العام والخاص.

البنك المركزي لنيويورك، احد مكونات الاحتياط الفيدرالي، هو اكبرها واهمها على الاطلاق، وعادة ما تلجأ اليه وزارة المالية لتنفيذ سياساتها والتزاماتها نحو الدول والهيئات الاجنبية. لعل من ابرز المهام التي يضطلع بها مركزي نيويورك هي حفظ مخزون الذهب العالمي، اذ ان حجما لا باس به من خزائن الذهب وجد طريقه اليه عقب نهاية الحرب العالمية الثانية بناء على رغبة عدد من الدول حفظ مخزونها الرسمي من الذهب في مكان آمن. وتضاعف مخزون الذهب اضطرادا منذئذ وشهد ذروته عام 1973، بعد وقت قصير على قرار الولايات المتحدة وقف نظام تثبيت سعر الذهب كأساس للتبادل المالي مع الدول الاخرى. بلغ الذروة اثناءها مجموع احتياطي الذهب لدى مركزي نيويورك نحو 12،000 طن، ووصل المخزون الى 530،000 سبيكة ذهبية عام 2012 بلغ وزنها 6،700 طن.

المركزي الفيدرالي مفوّض بانتهاج سياسات مالية من شأنها الحفاظ على تدني مستويات البطالة واستقرار اسعار السلع الاساسية، ويتم ذلك عبر الهيئة الموازية له، اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة. تتكون اللجنة من عضوية كامل اعضاء مجلس الادارة السبعة ورؤساء المصارف الاقليمية الاثنا عشر الذين يسمح لخمسة منهم فقط الادلاء باصواتهم، منهم رئيس مركزي نيويورك كعضو ثابت واربعة آخرين يتناوبون العضوية لسنة واحدة. قرارات النظام المركزي مستقلة عن السلطات التنفيذية والتشريعية ولا تخضع لموافقة الرئيس الاميركي مسبقا او لاحقا؛ وكما ورد سابقا لا يتلقى المركزي تمويلا يقرره الكونغرس. ولاية خدمة اعضائه قد تمتد لعدة ولايات رئاسية ومثيلاتها لممثلي الكونغرس.

يتمتع الفيدرالي المركزي بسلطة التأثير على سير العملية الاقتصادية برمتها عبر آلية اللجنة الفيدرالية المذكورة، لعل اشهرها العمليات المتحكمة بالسوق المفتوحة الخاصة بشراء وبيع اوراق الضمانات للخزينة للسيطرة على مصادر القروض الحكومية واسعار الصرف. على سبيل المثال، عند رغبة المركزي بتحفييز الاقتصاد والتبادل التجاري يلجأ الى شراء سندات مالية لرفع قيمتها وخفض اسعار الفائدة على السندات. وعند رغبته بابطاء النمو الاقتصادي، يقدم الفيدرالي على بيع السندات المالية بغية تعزيز الامدادات وتخفيض الاسعار ورفع معدلات الفائدة على القروض.

كما ان للفيدرالي دور في تحديد معدل الاموال المركزية والتي تستخدمها المصارف المختلفة في التداول فيما بينها للقروض قصيرة الأجل التي تشكل معدلات على الفوائد تحدد على المستهلكين. باستطاعة الفيدرالي بلوغ معدلات الاموال المطلوبة عبر ثلاث اجراءات: عمليات السوق المفتوحة، حجم الحسم، ومتطلبات الاحتياط.

كما ان الفيدرالي مخول بتحديد سعر الخصم المصرفي الذي يواكب معدل الاقتراض الفيدرالي جنبا الى جنب. فالمصارف التجارية تدفع سعر الحسم المحدد على الاموال المقترضة من البنوك المحلية والبنك المركزي، وعند ارتفاع معدل الخصم ينعكس ارتفاعا بصورة تلقائية على ما ستدفعه لقاء الاموال المقترضة وتنحو باتجاه تقليص حجم الاقتراض، مما يرفع معدلات الفائدة المتداولة ويخفض كمية الاموال المتداولة. بالمقابل، عند انخفاض معدلات الخصم المصرفي، تتمتع المصارف التجارية بحرية اكبر للاقراض وضخ كميات مالية اضافية في السوق طمعا في خفض معدلات الفائدة على الاموال العامة.

دأب الفيدرالي على تنفيذ اجراءاته المتبعة منذ ولادته قبل قرن من الزمن والتي اسست للنظام المصرفي الاميركي لما هو عليه اليوم. وعمد في السنوات الخمس الماضية الى اعتماد اجراءات وتدابير مبتكرة – اثبتت انها مثيرة للجدل ولم تفلح في احداث التغييرات المطلوبة في الاقتصاد الاميركي سوى بمعدلات متواضعة. بل ان رئيس الفيدرالي النتهية ولايته، بيرنانكي، اوضح في شهر آب عام 2012 ان تلك الاجراءات غير التقليدية “قد تعيق سير عمل اسواق الاوراق المالية، وتقلص ثقة العامة بقدرة الفيدرالي للخروج بسلاسة من سياساته التسهيلية، وتنشيء مخاطر على طريق الاستقرار المالي، وقد تؤدي الى تحميل الفيدرالي خسائر مالية.”

التدابير “غير التقليدية” المقصودة تتضمن تسهيل الحصول على اموال الائتمان، وتسهيلات نوعية، ومؤشرات مستقبلية. ففي اموال الائتمان، باستطاعة مصرف ما شراء اصول القطاع الخاص، بغية تعزيز السيولة المالية وتطوير سبل الوصول الى مصادر الاقتراض.

التسهيلات النوعية تشمل شراء معدلات محددة من الاصول المصرفية للمدى البعيد من المصارف التجارية والمؤسسات الخاصة الاخرى، لتوسيع قاعدة الدعم المالي وتقليص العائد على الاصول المالية. وتختلف عن التدابير التقليدية لشراء وبيع السندات الحكومية بغية ابقاء معدلات الفائدة ضمن التوقعات المفضلة.

المؤشرات تستخدم لتقليص توقعات الاسواق المالية لمعدلات الفائدة المستقبلية. على سبيل المثال، طرح الفيدرالي مؤشرا على عزمه تخفيض معدلات الفائدة ابان الازمة المالية لعام 2008 لفترة زمنية ممتدة.

بيد انه بصرف النظر عن تنبي السبل التقليدية لتحديد السياسة المصرفية الى جانب السبل المستحدثة كالتسهيلات النوعية، فقد تعثر اداء الاقتصاد الاميركي، مما عزز التساؤلات حول “خطل سياسات الفيدرالي المتبعة،” الذي يشكل المدخل الاول لولوج الثنائي يلين – فيشر على قمة الهرم المالي.

مستقبل السياسة النقدية

التعرف الى السياسة النقدية للفيدرالي للمرحلة المقبلة امر ليس باليسير، سيما وان جانيت يلين اوضحت في عام 2011 ان “انتهاج سياسة نقدية (معينة) لا يشكل دواء لكل داء.” والآن اضحت تتحكم بمجمل السياسة النقدية الاميركية. اما نائبها المرشح ستانلي فيشر فقد ابدى تأييده لجهود البنك المركزي لضخ اموال في الاقتصاد الاميركي للحفاظ على معدلات متدنية للفائدة.

وعليه، يشكل توجه فيشر مؤشرا على تحكمه المقبل في مجمل السياسة النقدية، بينما يلين التي تتمتع بسمعة اكاديمية معتبرة تبرز ابهر مواهبها في توفر حيز التخطيط الدقيق للمستقبل؛ اذ لا يعرف عنها مهارتها في ادارة الازمات.

فيشر، بالمقابل، استطاع الانخراط سريعا بادارة الازمات المالية، سيما ابان خدمته في صندوق النقد الدولي في عقد التسعينيات ومركزه في ادارة البنك المركزي “الاسرائيلي،” خلال الازمة المالية العالمية 2008-2009. ماهية السياسات النقدية التي ينبغي على الفيدرالي اتباعها لا تحظى باجماع الاقتصاديين والخبراء الماليين، وتنقسم اراؤهم بين فريقي المتفائلين والمتشائمين.

ينقل عن جانيت يلين قلقها من قدرة المصرف المركزي ادخال التأثير المطلوب على الحالة الاقتصادية الراهنة، سيما وان التدابير التقليدية المعتمدة لها حدودها وهناك خشية من تدهور الاقتصاد الى حالة من “فخ السيولة،” مع الاخذ بعين الاعتبار المعدلات المتدنية للفوائد على القروض والتي تسبق فعالية اي نية للتدخل من المركزي لضخ سيولة مالية قد لا تفيد لانعاش الاقتصاد.

على الطرف الآخر في معسكر المتشائمين، يبرز لاري (لورانس) سامرز، المستشار الاقتصادي الاسبق للرئيس بيل كلينتون، المرشح الاول (المنسحب) للرئيس اوباما لتبوأ منصب رئاسة البنك المركزي. سامرز قال ان الازمة الاقتصادية لا تزال بيننا ولم تشارف على نهايتها، ويعزو بطء النمو الاقتصادي على مدى العقد الماضي الى تعديلات بنيوية اساسية، اذ هبطت معدلات الفائدة السنوية بعد احتساب معدلات التضخم الى ما دون الصفر – وربما الى ادنى منه بنقطتين او ثلاثة مئويتين – “للابد.” واوضح سامرز ان الامر يعود الى تخمة الاستثمارات المصرفية القادمة من الدول الاسيوية وتقنية الكمبيوتر التي اسهمت في انهيار كلفة السلع الاساسية وتقليص الحاجة للاستثمار.

المعضلة الماثلة امام السياسة النقدية للمركزي هي ان معدلات الفائدة المتدنية على القروض، صفر وما دونه، تحيل اجراءات الفيدرالي لعمليات السوق المفتوحة غير فاعلة او مؤثرة؛ وتؤشر على ان الولايات المتحدة مقبلة على نمو اقتصادي بطيء على المدى الطويل. العلاج ينبغي ان يستنبط من اعتماد سلسلة معالجات نقدية للتعامل مع الحالة الاقتصادية.

الاقتصادي الاميركي الحائز على جائزة نوبل، بول كروغمان، حث الحكومة المركزية على زيادة معدلات الانفاق على البرامج الحكومية، ملفتا النظر “لعدم صلاحية قلق البعض من تزايد العجز في ميزان المدفوعات حتى على المدى الطويل،” جراء ذلك كما يزعمون. واوضح انه بعد استشراء الازمة المالية اتجه اولئك الى التخلي عن المطالبة بايجاد فرص عمل والعزف على وتر هاجس العجز “والذي اثبتت استطلاعات الرأي ان تلك النظرة تخص اولويات الاثرياء والميسورين، وليست لعامة الناخبين. كما ان الاصرار على اهمية تقليص المعونات الحكومية لا تخص سوى شريحة 1%” من فاحشي الثراء.

ومضى كروغمان موضحا انه يتفهم اجواء القلق السائدة بين المستثمرين الدوليين وتقلص مستويات توقعاتهم للسيطرة على معدلات اعلى من المديونية الاميركية، مما سيؤدي الى انخفاض حاد في قيمة الدولار الاميركي، وزيادة الصادرات الاميركية. واكد ان الاهتمام ينبغي ان يبتعد عن تداعيات الدين العام للمدى الطويل والتمحور حول الانكماش المالي طيلة السنوات الثلاثة الماضية والتي حرمت الاداء الاقتصادي من الطلب اللازم.

مدير قسم الابحاث والاحصائيات في الفيدرالي المركزي، ديفيد ويلكوكس، اعرب عن قلقه من تأثير حدة ومدة الانكماش الاقتصادي، بدءا من نهاية عام 2007، مما ادى الى تدهور مضطرد لاسهم رأس المال وحجم ومهنية قوة العمل المتوفرة. وعليه، فان تباطؤ الانتاج وتقلص النمو الاقتصادي كان نتيجة مباشرة للازمة المالية، وليس لاسباب تغيرات بنيوية كما يزعم لاري سامرز، فضلا عن ان الحفاظ على معدلات متدنية لاسعار الفائدة لن تفي بالغرض بحد ذاتها. ويلكوكس يحبذ الابقاء على المعدلات المتدنية للقروض مواكبة لارتفاع معدلات البطالة، مما يؤشر على توجهاته باستمرار نسق التسهيلات للسنة الجديدة.

القطاع المصرفي قلق لتطبيق التسهيلات النوعية خاصة لناحية زيادة المركزي حصته من الاصول المصرفية الى 3.7 تريليون دولار نظرا لتأثيره على “حرمان الفيدرالي المركزي من مصادر مالية اخرى او تعزيز الاحتياط لديه .. ولم يبقي امامه من خيار سوى طباعة مزيد من الاوراق المالية الجديدة بقيمة 85 مليار دولار شهريا، تجد طريقها الى النقد المعروض في السوق.” ويحذر اولئك من استنساخ تجربة المانيا لعقد العشرينيات من القرن الماضي، عقب نهاية الحرب العالمية الاولى، ونتيجتها في ارتفاع معدلات التضخم، وانهيار الاقتصاد الالماني، وصعود النازية للحكم.

في ظل التجاذبات الحادة، من المرجح ان يمضي الفيدرالي المركزي بالسير على سياسة وسطية، سيما وان ستانلي فيشر يميل الى تطبيق الحلول التقليدية والتقيد بالوسائل والادوات الراهنة؛ اما السعي للنظر في ادوات جديدة، كما سبق، فمن شأنه المحافظة على تدني معدلات الفائدة على القروض على المدى الطويل. بعض الوسائل الاخرى المتاحة للجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة السعي للتاثير على اسعار صرف العملات، واسعار الاصول وسوق العقارات وقنوات الاقتراض.

هاجس الرئيس اوباما الاقتصادي هو استعادة الاقتصاد لحيويته المعهودة بصرف النظر عن الآليات المتبعة، وحبذا لم تم ذلك قبل التحضير للانتخابات النصفية في شهر تشرين الثاني القادم. وعليه يعول اوباما واركان ادارته على ستانلي فيشر للنهوض بالاداء الاقتصادي، استنادا الى تجربته السابقة التي اسهمت في تعزيز فرص ترشيحه للمنصب. كما لا ينبغي صرف النظر عن ولائه المزدوج للتحكم في وجهة سير البنك المركزي الاميركي وما يشكله من توجه لنيل تأييد “الرأي العام الاسرائيلي.” المقبل من الزمن سيكون الفيصل لاثبات الوجهة الحقيقية لولاء فيشر.

التحليل 03-01-2014

 التحليل:

أردوغان اسير الفشل الاقليمي والفساد الداخلي

توقفت مسيرة صعود تركيا بوتيرة سريعة لم تتجاوز السنتين كلاعب اقليمي يعول عليه ، ترنحت تحت وطأة تعظيم دور مصطنع  ورسم استراتيجيات رغبوية واستحضار امجاد افُلَت منذ زمن، وهي التي تحددت سياساتها بقدر ما تخدم السياسات الاميركية، وعلى رأسها تعميم نموذجها الاسلامي المتصالح مع الكيان الصهيوني ونسج اوثق العلاقات معه. بؤرة التحرك المركزية تمحورت حول الثنائي المتهور اردوغان – داوود اوغلو اللذين بشّرا بمرحلة هانئة مزدهرة “صفرية المشاكل،” لتنقلب الى استراتيجية خاطئة انهارت معها كافة علاقات تركيا الاقليمية، وانتقال الصراع الى داخل النخبة السياسية عينها في “حزب الحرية والعدالة،” سيما بعد انكشاف الاوهام الداخلية بمستقبل باهر واستقرار آمن.

ما اصاب التوأم الحاكم من اوهام تعود جذوره الى آفة غطرسة القوة التي تدفع باصحابها الى انتهاج تصرفات تستهتر بالخصوم وتبالغ في محورية موقعها، كما شهدت نظم سياسية عدة ابتداء من ريتشارد نيكسون وفضائحه في ووترغيت، مرورا بالدول الاوروبية المختلفة، وكان صاعق التفجير في معظمها نزعة الاستبداد والمحاباة وانتشار الفساد.

منذ تسلمه مقاليد السلطة في تركيا قبل احد عشر عاما، انتقل اردوغان الى ترسيخ مراكز القوة بين يديه متحديا نفوذ وهيبة “البقرة الاتاتوركية المقدسة،” مجسدة بالمؤسسة العسكرية والاجهزة الأمنية، وحقق بعض النجاحات ضد سيطرتها. انتشى اردوغان باكاليل النصر عقب كل مرحلة من مراحل الانتخابات الثلاث التي اعادته للسلطة بنسبة اعظم مما سبقها، مما دفعه للمجازفة في التمدد الاقليمي واحياء مشروع مؤدلج يستند الى نموذج حزبه في تطبيق ما يسمى الحكم الاسلامي بوصفة تركية مقبولة اوروبيا واميركيا، تنسج اوثق العلاقات مع حليفتيهما “اسرائيل.” بيد ان اردوغان استند بشكل اوسع على قاعدة الدعم الذي قدمه “المرشد الاسلامي” لحزبه، فتح الله غولن، الذي غادر تركيا عام 1999 طوعا وانتقل للاقامة في الولايات المتحدة.

غطرسة وطموحات اردوغان الاقليمية دفعت به الى التباين وربما التصادم مع الراعي الاميركي، الذي راهن (في بداية عهد اوباما) على دور وظيفي متميز له في الاقليم، واندفع اردوغان في الترويج لهذا الدور الذي بدا حتى العقد الاول من القرن انه على وشك الفوز به ونيل المكافآت عليه. واستمر نهج الغطرسة بمحاولة رعاية صفقة في بداية الازمة السورية تضمن حصة وازنة لحلفائه الاسلاميين في السلطة جوبهت برفض وتحد من القيادة السورية، وانقلب لموقف التركي بعدها الى التآمر المكشوف على سورية.  كما تجسد بشكل جلي مع سقوط الاخوان المسلمين في مصر وثبات اردوغان على معاداة السلطات المصرية الجديدة. يعتقد بعض المراقبين ان الثنائي اردوغان – داوود اوغلو بالغا في قراءة مدى التعويل الاميركي على تركيا في الاقليم، وان حزب العدالة والتنمية اضحى “مسكون بهاجس تحقيق اهداف ذاتية قصيرة الأجل .. على حساب الاهداف الكبرى، والاصرار على السير في ذاك المسار الذي عادة ما يسبب التعارض مع المصالح الاميركية في المنطقة.”

سياسة الثنائي التركي حيال مصر، على سبيل المثال، تسببت في احداث شرخ يصعب ردمه في القريب العاجل مع حكومتها الانتقالية ادت “الى طرد السفير التركي من القاهرة” على خلفية تدخل اردوغان المستمر لصالح الرئيس المعزول محمد مرسي “لاسباب تركية داخلية بحتة على الارجح.” في المقابل، تفاعلت الولايات المتحدة على مضض مع السلطات المصرية الجديدة للحد من حجم خسائرها بخلاف حزب العدالة والتنمية الرافض للتكيف مع المعطيات المتجددة.

ايضا، اثارت حكومة اردوغان حنق الادارة الاميركية، وفق التصريحات الاعلامية، لتوفيرها معلومات أمنية جليلة لايران ادت الى كشف الاخيرة عن اوكار وخلايا استخبارية “اسرائيلية” ضالعة في اغتيال كفاءاتها العلمية؛ ومن ناحية اخرى اصرارها على الاستمرار بتوفير ممر آمن للمقاتلين متعددي الجنسيات لاجتياز الحدود مع سورية في تحد صارخ لاجواء الانفراج النسبي بين روسيا واميركا في هذا الخصوص. كما يرى البعض الآخر ان اردوغان ذهب بعيدا في “التطاول” على السياسة الاميركية اثر توجهه للصين لعقد صفقة اسلحة لمنظومة دفاعات جوية، ودولته عضو في حلف الناتو.

هذه المقدمة كانت ضرورية لالقاء الضوء على حقيقة ما يعتمر داخل السلطة التركية الحاكمة وانكشاف عمق حجم الفساد والمحاباة لاردوغان وصحبه مما ادى الى استقالة بعض وزرائه واعتقال انجال بعضهم، وانتظار القسم الباقي لتداعيات الكشف عن اختلاس وابتزاز الاموال وفساد النخبة الحاكمة، التي يقال ان خلافا حادا بين غولن واردوغان ادى الى كشف الاول عن ملفات انتهاكات وتجاوزات سكت عنها طويلا لحين تيقنه من سيطرة اتباعه على بعض مفاصل الدولة – منها جهازي الشرطة والقضاء، وتداعياتها على مستقبل السياسة الاقليمية لحزب العدالة والتنمية. وعليه، ينتظر نجلي اردوغان، بلال وبوراك، الى جانب آخرين نتائج التحقيق في ضلوعهما بملف الفساد.

في سياق صراع غولن – اردوغان عينه، يرجح قيام الاول بالكشف عن شحنة الاسلحة المتطورة المنقولة على شاحنة تابعة لهيئة الاغاثة الانسانية (الموالية لاردوغان) المتجهة للاراضي السورية قبل بضعة ايام، لتزيد معدلات الضغط على اردوغان وصحبه للاستقالة بعد انكشاف ازدواجية مواقفه المغايرة للتوجهات الاقليمية. ايضا، يمكن الاستنتاج بدور خفي تلعبه الولايات المتحدة عبر “غولن” المقيم على اراضيها والذي يزهد بالتصريحات الاعلامية لدرجة الاقلاع التام. في ازمة ميدان تقسيم، قبل بضعة اشهر، تباينت مواقف غولن واردوغان بصورة لا تقبل الجدل، اذ انضم الاول لدعم مطالب المحتجين والحث على ايجاد حل يرضي الطرفين، بينما سار اردوغان “المشاكس” وراء اهوائه السياسية بتصعيد الازمة واستخدام الحل العسكري لفك الاعتصامات والاحتجاجات مما اوقع عدد من الضحايا بين صفوف المتظاهرين.

في عهد الثنائي اردوغان – داوود اوغلو احتلت تركيا مركز الصدارة الاول في العالم بمعاقبة الصحفيين وسجلت اكبر عدد من المعتقلين بين صفوفهم على الاطلاق. بل ان صدر الثنائي لم يعد يتسع لسماع وجهة نظر متباينة من داخل صفوف حزبه. يذكر ان وزير الشؤون البيئية المستقيل والحليف الاوثق لرئيس الوزراء، اردوغان بيرقدار، تمت محاصرته خلال مقابلة متلفزة مباشرة اثناء انتقاده حليفه السابق وازيلت العبارات الاصلية الخاصة باردوغان من على موقع شبكة (ان تي في). بل اقدم رجب اردوغان على اتخاذ اجراءات مناهضة لاحد أهم حلفائة وهمزة الوصل بينه وبين الاتحاد الاوروبي، ايغمن باجس، والذي قد يكون ضالعا في ما نسب اليه من تلقيه رشاوى مالية ضخمة، في محاولة لاحتواء الازمة وابعاد شبحها عن نفسه. اللافت ايضا ان مدير البنك المركزي “حالك بنك” التركي، سليمان اصلان، المقرب من اردوغان وجهت اليه اتهامات بتلقي “رشاوى للتحايل على اجراءات العقوبات الاقتصادية على ايران .. وتهريب كميات من الذهب لايران ثمنا لشراء النفط والغاز.” الشرطة التركية اضافت انها عثرت في منزل اصلان على كميات كبيرة من الاموال تقدر بنحو “4.5 مليون دولار مخبأة في صناديق احذية كرتونية.”

لذا فان الازمة الراهنة اعمق مما تلوح به اتهامات الفساد، وتصيب شخص رجب طيب اردوغان، الذي لجأ الى سلاحه المعهود بتحميل المسؤولية للآخرين و”مهددا بطرد السفير الاميركي” من انقرة، مما دفع الناطق الرسمي لوزارة الخارجية الاميركية، ماري هارف، القول يوم الجمعة ان ما يجري داخل “تركيا هو شأن داخلي .. لكننا ندعو الى احترام عمل المؤسسات القضائية والتزام اجراءات الشفافية في التحقيقات،” مما قد يعطي دليل آخر على ضيق ذرع الولايات المتحدة من استمرار اردوغان في السلطة، وليس بالضرورة اسقاطه بل ابقائه جريحا في منصبه للفترة المقبلة.

تركيا مقبلة على جولات انتخابات بلدية في شهر آذار المقبل، ومنها بلدية اسطنبول المعقل التقليدي لاردوغان التي يتقدم فيها خصمه مصطفى ساريغول مرشح حزب الشعب الجمهوري؛ وايضا انتخابات رئاسية مباشرة لأول مرة، في شهر آب 2014، والتي راهن عليها اردوغان طويلا وطموحه ليكون الرئيس الاول للجمهورية المنتخب جماهيريا.

هناك شبه اجماع بين المراقبين ان اردوغان اصابه الذعر والهلع من حجم ما كشف من تصرفات فساد داخل حكومته، واضحى ينتهج سياسة انتقائية وانتقامية من خصومه، اصدقاء الامس: القاء التهم الجاهزة على “قوى خارجية،” في اشارة للولايات المتحدة؛ وأمره باعفاء نحو 500 عنصر من الدرك – جهاز الشرطة، المعنيين بالتحقيقات درءا لنفوذ غريمه غولن على بنية وولاء الجهاز؛ كذلك اصدر امرا لجهاز الشرطة يدعوه فيها الى عدم الامتثال لقرارات السلك القضائي .. الخ. في المحصلة العامة، لن تصب تلك الاجراءات في صالح اردوغان، نظرا لاتساع رقعة المتضررين من سياساته وتبلور معارضة عابرة للولاءات الحزبية. للدلالة، وجه نصيره ووزيره السابق للشؤون البيئية، اردوغان بيرقدار، عقب اقالته اتهاما محددا لاردوغان بالضلوع في فساد صفقات العقار الضخمة ابان عهده كعمدة بلدية اسطنبول، حاثا اياه على الاستقالة الفورية.

قبل بضعة اشهر كان محور الجدل من سيقع عليه ترشيح اردوغان ليخلفه في منصب رئاسة الوزراء، يقينا انه سينجح في الانتخابات الرئاسية. تدهور الامور بالسرعة العالية اعاد السؤال الى منبته: هل سيستطيع اردوغان البقاء في منصبه والاحتفاظ بلحمة حزبه ومنع الانقسامات الداخلية، سيما وهو الذي يمقت ويشمئز من الاقرار بالخطأ الذاتي؟ التعرف على مصير ومستقبل اردوغان يمر من خلال ما  ستفضي اليه التوازنات الداخلية في حزبه، والذي لا يميزه كثيرا عن مؤيدي غولن، الذي قد يرمي في النهاية الى السيطرة على مفاتيح حزب العدالة والتنمية بدعم ضمني من الرئيس الحالي عبد الله غول. وربما الأهم، كما يقترح البعض، هو انتظار نتائج انتخابات اكبر بلدية في تركيا، بلدية اسطنبول، التي ستشكل مؤشرا قويا على وجهة السياسة ولاعبيها للمرحلة المقبلة، يسميها البعض مرحلة “ما بعد حزب العدالة والتنمية.”

احد نواب البرلمان السابقين، ايرتوغرول غوناي، استقال من الحزب برفقة برلمانيين اخرين اوضح ان حزب العدالة والتنمية اضحى يمثل صراعا بين كتلتين: الزعماء من جانب، والسواد الاعظم من الاعضاء المضطهدين الذين ينظرون بريبة شديدة من مضي الشريحة القيادية في مسلكها المتغطرس، وهي قاربت على نهايتها في هذه المرحلة؛ مسترشدا بجنوح اردوغان الى الاعتماد على اوفياء مؤيدين له يعينهم في مواقع المسؤولية يأتمرون بإمرته مباشرة. للدلالة على غطرسة اردوغان يشار الى تعيينه مستشاره السياسي الوفي، ايفكان علاء، وزيرا للداخلية دون مؤهلات كافية والذي ينسب له حث اردوغان على انتهاج سياسات متشددة واتخاذ اجراءات قاسية ضد المتظاهرين والمحتجين في حديقة جيزي بميدان تقسيم منتصف العام المنصرم.

لعل من بين اوهام حزب العدالة والتنمية التي تبخرت التباهي بازدهار الاوضاع الاقتصادية التي واجهت انتكاسة بعد اخرى، كان احدث تجلياتها هبوط التداول التجاري في سوق البورصة المالية وتخفيض قيمة الليرة التركية 5% في شهر كانون الاول المنصرم، غير عابئة بتدخلات المصرف المركزي لتثبيت سعر الصرف دون انجازه ذلك. يشار الى ان تركيا تعتمد بشكل واسع على تدفق الاستثمارات ورؤوس الاموال الاجنبية، التي تتوجس وتضطرب من عدم استقرار المشهد السياسي، والاتهامات بالفساد تلاحق النخبة السياسية الحاكمة. الفوائد على القروض المالية الى تصاعد مما سيؤثر سلبا على مجمل الاداء الاقتصادي، الذي سيترك آثاره ايضا على مستقبل حزب العدالة والتنمية في الانتخابات القادمة.

غولن، عبر مؤسساته الاجتماعية والتعليمية المتعددة، لا سيما “التحالف من اجل القيم المشتركة،” يحظى بدعم ثابت في القاعدة الشعبية والانتخابية على السواء؛ اصدر بدوره بيانا ينتقد فيه سياسات رئيس الوزراء اردوغان جاء فيه “عوضا عن تبني نهج مناسب للمعالجة اسوة بما يتعين على الحكومات الديموقراطية اتخاذه، حمّلت الحكومة الحالية االمسؤولية لقوى خارجية او لبعض المجموعات. المجتمع التركي بمجموعه ينظر الى تلك الاجراءات بأنها محاولة لصرف الانظار عن جوهر المسألة .. الاجراءات تلك مناهضة للديموقراطية ترتكبها القيادة السياسية التي تستحق الادانة.”

اصرار اردوغان على تحميل العناصر الخارجية مسؤولية ما لحق به وبحزبه يقوض علاقات بلاده مع الولايات المتحدة، وهو الذي اتهمها ضمنيا بالوقوف وراء الاحداث. ويعول على استثمار اتهاماته لتعزيز مستويات التأييد عند مؤيدية من القاعدة الانتخابية الذين ينظرون بعين الشك للسياسات الاميركية.

بوسع اردوغان ان يخطو نحو الشفافية والمهنية في اجراءات التحقيق، لو اراد، وتحمل التداعيات السياسية في المدى المنظور، ويهيء نفسه لخوض جولة انتخابات متسلحا بعناصر قوة معنوية. بيد ان غطرسته ورعونته تحول دون تبنيه موقف مسؤول. كما بوسعه ايضا زعزعة المسار السياسي القائم واستخدام اساليب هدامة لضمان الفوز السياسي في اي انتخابات مقبلة بصرف النظر عن تداعيات الفساد والرشاوى.

جذر القضية، كما اسلفنا، يتخطى حدود الاتهامات بالفساد وتهريب الذهب. انه شديد الارتباط بما تبقى من القوة لدى اردوغان والى اي مدى سيكافئه او يعاقبه الناخبون الاتراك.