التحليل 23-05-2014

التحليل:

تفنيد علمي لمزاعم الكيان

عن سلاح الشعاع الحديدي

        قد لا نأتي بجديد عند القول ان الكيان الصهيوني مسكون بهاجس أزمة وجودية أمنية واستراتيجية، وهوسه بالأمن والدفاع خير دليل على ذلك. ودشن الكيان مطلع العام الجاري بحملة اعلامية واسعة للترويج الى عزمه نشر سلاح درع صاروخية جديدة يعزز فعالية منظومة “القبة الحديدية،” يعرف باسم “الشعاع الحديدي Iron Beam” العام المقبل

نظريا، يعمل السلاح بتكثيف أشعة الليزر الحرارية وتسليطها لاعتراض وتدمير الصواريخ قصيرة المدى وقذائف الهاون – المورتر والطائرات من دون طيار – الدرونز.وارفق حملته بأنه يرمي الى الترويج رسميا للمنظومة في معرض الصناعات الجوية قبل انعقاده في سنغافورة نهاية شهر شباط الماضي، طمعا في البقاء على قائمة الدول المصدرة للاسلحة. التقنية المعلن عنها هي ذات التطور التقني المستخدم في مسلسل الخيال العلمي الشهير “حرب النجوم

        تقنية “القبة الحديدية،” المصممة للمديات القصيرة، تعمل باستشعار اجهزة الرادار لجسم ما وتطلق الصواريخ الموجهة بالتكامل مع نظام صواريخ “آرو 2” لاعتراض الصواريخ الباليستية في الغلاف الخارجي، والذي سيتم دمجه مع الجيل الاحدث للصواريخ “آرو 3،” ومقلاع داوود اللذين لا زالا في مرحلة الاختبار والتجربة. وتجدر الاشارة في هذا الصدد الى تباين احصائيات فعالية القبة الحديدية التي استخدمت بكثافة ابان العدوان على غزة، 2008/2009، والتي تراوحت بين 30% و 80% التي اصرت عليها القيادات العسكرية الصهيونية، وتزعم ايضا ان نسبة نجاح “الشعاع الحديدي” بلغت 90%، دون توفير ادلة حسية تدعم فرضياتها. كما ينبغي التنويه الى انخفاض كلفة تقنية الليزر والتكثيف الحراري لاعتراض وتدمير جسم ما مقارنة مع تحقيق نتيجة مشابهة باستخدام صواريخ اعتراضية

        بعد انقضاء زيارة وزير الدفاع الاميركي، تشاك هيغل، حديثا لفلسطين المحتلة، وبالتزامن مع انعقاد جولة المفاوضات النووية مع ايران المعقودة في باريس، اُعلن عن البدء في مناورات مشتركة يوم 18 أيار الجاري تستمر لخمسة ايام بين القوات العسكرية الاميركية وقوات “اسرائيلية،” اطلق عليها “كوبرا العرعر 2014،” استمرارا لسياق المناورات المشتركة بينهما منذ عام 2001

تدور المناورات في الفضاء الالكتروني لسلاحي الجو، اسهمت اميركا بوحدات عسكرية قوامها نحو 700 عنصر، يعززها “قوات اميركية اخرى،” تتبع القيادة الاميركية للدفاع الجوي والصاروخي من مقرها في المانيا، ونحو 6،000 عنصر من القيادة المركزية لاوروبا – يوكوم، ومدمرتين مزودتين بنظام ايجيس للصواريخ الموجهة الاعتراضية. هذا بالاضافة الى ترسانة صواريخ الباتريوت الاميركية المنصوبة في مناطق عدة من فلسطين المحتلة. تجري المناورات بشكل دوري، مرة كل سنتين، بغية “تعزيز مديات التلاحم والتناغم في عمل واداء القوات المسلحة للبلدين تأهباً ومحاكاةً لتعرض اسرائيل لهجوم بالصواريخ الباليستية

اجراءات التدريب والتحضير “لكوبرا العرعر 14” استغرقت نحو18 شهرا، بعد تأجيل المناورة السابقة التي كان من المقرر ان تجري عام 2012 عزاه البعض الى رغبة الولايات المتحدة في تهدئة سعار التوتر مع ايران، واستعاض عنه بتدريبات اخرى نهاية ذلك العام اطلق عليها مناورات “تحدي التقشف” الصاروخية، للدلالة على تخفيض الميزانية العسكرية في البلدين، نشرت على اثرها الولايات المتحدة بطاريات اضافية لصواريخ باتريوت حول القدس وتل الربيع

جدير بالذكر ان الولايات المتحدة اوكلت لقيادة قواتها المركزية في اوروبا، يوكوم، مهمة “الدفاع عن اسرائيل في حال الطواريء” اطلقت عليها خطة “اوبلان 4305،” كما وثقها الكاتب الاميركي ويليام آركن صاحب المؤلف المفصلي حول توزيع القوات والقواعد العسكرية الاميركية في العالم

  (“Code Names: Deciphering U.S. Military Plans, Programs and Operations.”)

ادعاءات فعالية الاوهام

        يدرك كل سويّ الفرق الشاسع بين الحقيقة والخيال في استخدام اسلحة تعمل باشعة الليزر والاغراءات التي توفرها المشاهد السينمائية بامكانية التوصل للنتائج المراد زرعها في الذهن البشري. اما تسخير التقنية للاستخدامات العسكرية فهي مقيدة بالقوانين العلمية الصارمة وبعزلة عن الرغبات الذاتية للبعض. من المعروف ايضا ان الولايات المتحدة سخرت جهودا وامكانيات مكثفة فاقت كلفتها كل جهود الدول الاخرى مجتمعة لتطوير اسلحة تعمل باشعة الليزر. والنتيجة، نموذج يتيم تم تحميله على متن سفينة حربية، سيما بالنظر الى حقيقة المعلومات الموثقة بتواضع ادائه وفعاليته مقارنة بما يدعي قادة الكيان العسكريين بانهم استطاعوا “تطويع التقنية للتطبيقات العسكرية بنجاح

        وعليه، ينبغي التعرف عن كثب على ما ينطوي عليه الزعم “الاسرائيلي” بتحقيق اختراق تقني في مجال الاسلحة العاملة باشعة الليزر، وربما الاقرب الى الحقيقة انه تم التوصل الى تطبيق عسكري لاشعة الليزر ينطوي عليه ثغرات كبيرة، تستدعي التدقيق والتمحيص العلمي وتكرار التجربة في مختبرات اخرى

        اشعة الليزر المشبعة بطاقة حرارية عالية ارست ارضية متفائلة للتطبيقات العسكرية الدفاعية، في المجال النظري، ورافقها تحدي لضرورة التغلب على عقبات حقيقية والتي بمجملها اعاقت القدرة على تطوير نموذج صالح للاستخدام خارج مراكز الابحاث العلمية. ما تم التوصل اليه علميا هو انتاج بلور عصا الليزر وشعاع ليزري ينتج عن تفريغ انبوب الغاز واللذين جاءت نتائجهما مخيبة للآمال المعقودة سيما لتدني الفعالية وما نتج عنها من تبديد معدل الطاقة الناجمة الى طاقة وحرارة منفلتة. وعليه، فان نجاح تجربة التوصل الى اشعة ليزرية مشبعة بطاقة عالية تنتج حرارة متبددة ربما تؤدي الى ابطال مفعول المعدات وتدميرها

        وتوصل العلماء الى اكتشاف واعد لشعاع ليزر ناتج عن عملية تفاعل كيميائية، والذي يقارب بالنتيجة عمل محركات صاروخية منه الى شعاع ليزر عادي قابل للتطويع. وتستند التقنية الى استخدام وقود دفع الليزر، ينتج عنه تفاعل واحتراق خليط من العناصر الكيميائية ينفث غازا كيميائيا عادما يتم تكثيف خروجه عبر فوهة انبوب او جهاز، من ضمن خصائصه احتوائه لجزيئات مشبعة بالطاقة الحرارية، والتي تستند طاقتها الاجمالية الى طبيعة وقود الدفع والعناصر الاخرى الاضافية المستخدمة في العملية ويجري تسخين الناتج الى حالة اعلى لانتاج شعاع الليزر. مقارنة مع تطبيقات المجهر – التلسكوب، عند وضع زوج من المرايا المترافقة على جانبي التيار العادم المنبعث، سينتج عنه عملية انتاج شعاع الليزر وتراقص جزيئات الكم الضوئي (الفوتون) بين المرايا، واستخراج الطاقة عبر التحكم بوضعية احدى المرايا

        هكذا ببساطة يتم التحكم بانتاج طاقة الليزر في المختبرات العلمية، والتي ينطوي عليها مستويات عدة معقدة ينبغي التغلب عليها قبل ان تصبح صالحة للتطبيقات العسكرية والتجارية. الطاقة الحرارية العالية الناتجة تصل ما بين 1000 الى 2000 درجة مئوية، تعتمد نتيجتها النهائية على مكونات خليط الوقود المستخدم. تكثيف الطاقة للمرور عبر فوهة انبوب او جهاز تتطلب جهود تحكم بالغة الدقة كي تكتمل دائرة انتاج الشعاع، وخاصة لخليط الغازات المنبعثة ومعدلات الضغط والانسياب المطلوبة. يذكر ان بعض الوقود الليزري وما ينتج عنه من غازات عادمة تتميز بدرجة عالية من السمية والتآكل. تثبيت المرايا المترافقة ينبغي ان يتم باقل معدل خسارة بصرية، اذ ان خسارة نسبة 1% في مجمل ميغاوات حراري ليزري يعادل خسارة 10 كيلواط من الطاقة المبددة على المرايا

        للمقاربة، فان هذه العملية بالغة التعقيد لانتاج شعاع ليزري بالتفاعل الكيميائي الذي يكمن في صلب “الشعاع الحديدي.” بعض ابتكارات الغرب العلمية ابتعدت عن انتاج شعاع ليزر فردي، واستخدمت سلسلة من اشعة الليزر ومرآة لانتاج شعاع بطاقة عالية

        تحلى الكيان الصهيوني بالحذر من توفير معلومات دقيقة حول الشعاع وألمح الى ان الليزر ناتج عن تفاعل الكتروني في حالة الصلب، أسوة بانتاج الشعاع الليزري الاول عام 1960. واخفق في توفير مزيد من المعلومات العلمية ربما لزرع الظن انه توصل الى اختراق تقني فريد في هذا المجال لم تقدر اي دولة اخرى على تكرار التجربة. بكلمة اخرى، ما رشح عن الكيان من معلومات هي اقرب الى تضليل الأمم الاخرى

        منذ التوصل الى اكتشاف اشعة الليزر في حالة الصلب المشار اليها، فان اهم عقبة تواجهها هي الكلفة العالية وتطويع التطبيق وتسخير الطاقة الناتجة في تطبيقات اخرى. التقنية “التقليدية” لانتاج شعاع الليزر تستغل نحو 10% كحد اقصى من الطاقة الناجمة وتحويلها الى شعاع؛ اي يبدد ما تبقى من 90% من الطاقة والتي قد تضر بالحالة الصلبة للصمامات الثنائية وتدمرها. “النموذج الليزري الاميركي،” سالف الذكر، سيتم وضعه على متن سفينة حربية في وقت لاحق من فصل الصيف القادم (الذي سيحل في 21 حزيران الشهر المقبل) بقوة تتراوح بين 15-50 كيلواط (اما الرقم الحقيقي فهو حبيس ادراج السرية). الفعالية الثابتة للنموذج هي في التصدي للطائرات الصغيرة او الزوارق سريعة الحركة المتجهة نحو السفينة

        يتضح اذا ان سلاح “الشعاع الحديدي” يتطلب طاقة حرارية اكبر من النموذج المذكور، سيما عند الاخذ بعين الاعتبار ان طاقة بقوة 100 كيلواط باستطاعتها تدمير اهداف صغيرة مثل طائرات الدرونز والزوارق الحربية الصغيرة. اما الاجسام والاهداف المتطورة مثل الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز، فتتطلب طاقة حرارية بعدة معدلات من الميغاواط. التقنية الراهنة المتوفرة لانتاج الطاقة بحالة الصلب، solid state، بعيدة كل البعد عن الاقتراب من المعدلات الحرارية المطلوبة

        ما يتبقى من خيارات علمية لانتاج الطاقة الليزرية يعيدنا الى الشعاع الناجم عن تفاعل كيميائي، الذي يوفر، نظريا، معدلات طاقة تقاس بالميغاوات.

        المعلومات المخبرية لشركة رافائيل “الاسرائيلية،” المنتجة “للشعاع الحديدي،” متوفرة للخبراء والاخصائيين. ويمكننا القول ان ما توصلت اليه ابحاث الكيان هو تقنية مشتقة من تقنية التكثيف الحراري التكتيكي بالليزر (THEL ذيل) التي توصلت اليها الجهود والابحاث المشتركة للولايات المتحدة و”اسرائيل

        رمت المؤسسة العسكرية الاميركية من وراء تقنية “ذيل” الى انتاج سلاح الاشتباك وتدمير الصواريخ قصيرة المدى، مثل الكاتيوشا والقذائف المدفعية والطائرات التي تحلق على علو منخفض – وهي اهداف تتماثل مع نظام “الشعاع الحديدي.” استنادا الى المعلومات المعلنة فان النظام ينطوي على توليد طاقة حرارية بمعدل ميغاواط واحد

        اجريت الاختبارات على نظام “ذيل” بين اعوام 2000-2004، وقيل انه استطاع تدمير صواريخ بعيارات عدة (28 و 122 و 160 ملم)، تحاكي صواريخ الكاتيوشا وراجمات الصواريخ وقذائف الهاون وهجوم بصليات من قذائف الهاون

خلفية علمية

        تذكر ادبيات وزارة الدفاع الاميركية انها عاكفة على تطوير ثلاثة نظم اسلحة شعاعية للتطبيقات في الفضاء الخارجي وما دون طبقة الغلاف الجوي، تستند كلها الى تفاعل خليط مواد كيميائية ينتج عنه شعاع ليزري. كما تدل تلك الادبيات الى ان انتاج وتطبيق سلاح ليزري في الفضاء الخارجي سيستغرق عقدين من الزمن، على الاقل. والنظم الثلاث التي تجري التجارب عليها: غاز فلوريد الهيدروجين؛ غاز فلوريد الديوتريوم؛ وغاز اكسجين اليود

        يتميز غاز فلوريد الديوتريوم بتفاعله على نسق نواة الفلوريد بخلاف فلوريد الهيدروجين التي تتم مرحلة التفاعل على مستوى جزيئات الهيدروجين، وذرات غاز الديوتريوم اكبر كثافة من ذرات الهيدروجين، مما يعني انه افضل على السير في الغلاف الجوي محتفظا بخصائصه. التجارب الاولى عليه اشارت الى قوة حرارية ناتجة بمعدل يفوق ميغاواط

        اما غاز اكسجين اليود والذي يعتقد انه يدخل في تطبيقات النظم الدفاعية ضد الصواريخ الباليستية، فان الطاقة تنتج عن تفاعل غازي الكلور وفوق اكسيد الهيدروجين مما يثير ذرات الاوكسجين التي تنقل طاقتها الحرارية الى ذرات اليود. يبلغ معدل طول الموجة الناجمة 1.3 ميكرون (جزء من المليون على المتر)؛ اي اقصر من الموجات المتولدة خلال التفاعلين الاخرين، بلغت طاقتها الحرارية عدة مئات من الكيلواط، اي الافضل مواءمة للاسلحة في الفضاء الخارجي

        تنبهت بعض الدول والهيئات العلمية المعتبرة مبكرا الى خطورة ادخال الاسلحة الى الفضاء الخارجي وتهديده على البشرية بأكملها، وتوصلت الى سن اتفاقية عام 1967 تحرم استخدام الاسلحة في الفضاء والتي تشمل سطح القمر ايضا. وتبنت الامم المتحدة الاتفاقية والمصادقة عليها عام 1999 بتوقيع 138 دولة عليها، وامتناع دولتين: الولايات المتحدة و”اسرائيل

سلاح الليزر بالتكثيف الحراري التكتيكي (THEL ذيل)

يعمل النموذج “ذيل” وفق تقنية غاز فلوريد الديوتريوم لانتاج الليزر، بخلاف التجارب السابقة العاملة بغاز فلوريد الهيدروجين، ينتج عن التفاعل موجة شعاع ليزري يتراوح طولها بين 3.6 – 4.2 مايكرومتر (تعرف ايضا بالاشعة الحرارية تحت الحمراء). يدخل في عملية الاحتراق غاز الايثيلين وغاز ثالث فلوريد النيتروجين، الذي يمزج بغازي الديوتريوم والهيليوم لانتاج غاز فلوريد الديوتريوم في حالة الهيجان. ثم يمرر الناتج الغازي عبر فوهات محكمة شبيهة بمثيلاتها في التفاعلات الكيميائية الاخرى المنتجة لشعاع الليزر

Untitled-1

The THEL prototype tested by Israel and the United States

نموذج نظام “ذيل” الذي اجريت عليه التجارب الاميركية و”الاسرائيلية” المشتركة

 

الغازات المنبعثة خلال عملية التفاعل سمية وبالغة الخطورة على الجنس البشري، ولذا ينبغي استحداث نظام متطور لتبديد الغازات وتحييد وامتصاص الغاز العادم لفلوريد الديوتريوم. الغازات العادمة تحتوي ايضا على طاقة حرارية مبددة والتي يعسر التغلب عليها في تجارب الاسلحة الليزرية السابقة

حجم النموذج التجريبي الاول كان كبيرا وشغل مساحة ثلاث مقطورات يصعب التحكم والسيطرة عليها. تزعم شركة رفائيل “الاسرائيلية” انها استطاعت التغلب على خاصية الحجم وانتجت نموذجا مصغرا للشعاع الحديدي يسهل تحريكه. بيد ان عقبة الحجم ليست الوحيدة التي تواجه نشر شعاع الليزر كسلاح. اقلعت الولايات المتحدة عن المضي في البرنامج واوقفت تمويله نظرا لعقبات متعددة واجهتها، بينما مضت “اسرائيل” في جهود تطويره بمساعدة اميركية، كما تشير بنود ميزانيات وزارة الدفاع الاميركية. استنادا الى المعلومات التقنية والتجريبية المتوفرة، من المرجح بقاء تلك العقبات دول حلول ناجعة

احدى تلك العقبات تتعلق بانتشار الطاقة الحرارية العالية  وتفاعلها كيميائيا مع الغلاف الجوي، وانتشار شعاع الليزر وطاقته الكامنة في المنطقة المحيطة به. لعل افضل اسلوب للتغلب على تلك الظاهرة توصل العلماء الى اصدار ومضات قصيرة من طاقة الليزر لتبديد الهدف قبل بدء تفاعل الانتشار. بالمقابل، ينطوي على هذه التقنية الحد من حجم الضرر الذي كانت ستتسبب به اشعة الليزر لجسم كبير الحجم

من خصائص شعاع الليزر انه قابل للامتصاص من قبل عناصر طبيعية متعددة: ذبيبات الغبار، بخار الماء، السحب، الضباب، الثلج، والمطر. اذ ان طول موجة الشعاع، 3.6 – 4.2 ميكرومتر، تمكنه من حرية الحركة عبر اجواء صافية وجافة، بينما يتأثر سلبا بالرطوبة مهما بلغت درجة تشبع الهواء بها وحرف الشعاع عن هدفه. كما ان الشعاع يتأثر سلبا بغاز ثاني اكسيد الكربون وعنصر الهيدروكربون اللذين يحدثا تحللا في تركيز الشعاع وافقاده مفعوله. وعليه، يصبح تطبيق شعاع الليزر افضل في المناطق والاجواء الجافة ذات كثافة سكانية شحيحة، التي تنطبق على بعض مناطق فلسطين المحتلة؛ بيد ان مفعوله يتناقص في المناخات الرطبة ومناطق الكثافة السكانية المقامة على طول الشريط الساحلي لفلسطين المحتلة

استنادا الى الحقيقة الثابتة ان بخار الماء يحد من فعالية شعاع الليزر، يصبح “الشعاع الحديدي” فعالا في مجال النظم الدفاعية حصرا، بحماية منطقة جغرافية ضيقة حول بطارية الصواريخ. اما الزعم بأنه صمم لاعتراض الصواريخ والقذائف المنهالة على الكيان من قطاع غزة، مثلا، يبدد سريعا امام المعلومات الموثقة لضعف ادائه في المناخات الرطبة، واقل كثيرا من المديات التي تدعيها شركة رفائيل المصنعة

عامل الكلفة الاجمالية ايضا يدخل ضمن حسابات اعتمماد السلاح، اي سلاح، خاصة عن الاخذ بعين الاعتبار الكلفة العالية للطلقة الواحدة. فالشعاع الحديدي يماثل الى حد كبير اشعة الليزر الناتجة عن تفاعل فلوريد الهيدروجين، التي يتراوح طول موجة الطاقة من 2.7 الى 2.9 ميكرومتر، وهي الموجة التي يمتصها الغلاف الجوي مما يضعف قوة الشعاع ويخفف من المسافة التي من المفترض وصوله اليها، الا في الحالات الاستثنائية التي قد يتم استخدامه في الفضاء الخارجي

تزعم شركة روفائيل انها استطاعت التغلب على تلك العقبة بادخال عنصر وقود باهظ الكلفة ونادر الوجود، باستخدام نظائر الهيدروجين النادرة حينها يستخدم غاز الديوتريوم عوضا عن الهيدروجين، والذي تبلغ طول موجة الطاقة الناجمة من 3.6 الى 4.2 ميكرومترا. في هذا الحالة من الخاصية الكيميائية، يصبح استخدام شعاع فلوريد الديوتريوم افضل حالا في النظم المضادة للصواريخ. اما الوقود النادر المذكور فكلفة انتاجه باهظة جدا (اذ يشكل الغاز نسبة 0.0156% من كافة غاز الهيدروجين في الكرة الارضية بأكملها، ومن هنا كلفته العالية وقد تبلغ عدة آلاف من الدولارات لكل طلقة، والنتيجة ليست مضمونة بأي حال. في عام 1980 اصدر مختبر الاسلحة لسلاح الجو الاميركي دراسة جاء فيها ان كلفة انتاج وقود الليزر قد تصل الى 1،000$ لكل ميغاواط في الثانية الواحدة. وتم تقدير كلفة شعاع الليزر لنظام “ذيل” بنحو 3،000$ للطلقة الواحدة

ومن هنا يتضح جملة عوامل اقلاع الولايات المتحدة عن استخدام مركبات غاز الفلورايد والديوتريوم واستبدالها بمضخات كهربائية لانتاج الشعاع

وكما اسلفنا في المقدمة، فان مزاعم “اسرائيل” بتحقيق قفزات نوعية واختراقات علمية في تطبيقاتها “الشعاع الحديدي” بحاجة ماسة الى دلائل حسية ومعلومات موثقة؛ ويرجح استخدامها لتقنية اميركية تخلت عنها الولايات المتحدة بدوافع الكلفة العالية والعقبات التقنية الاخرى ومنها ضرورة امداد عملية الاحتراق بعناصر كيميائية بالغة السمية للجنس البشري، وتحديات الفعالية التي تواجهها امام عوامل الرطوبة الطبيعية وقصر المديات النهائية

تندر البعض للكلفة العالية للشعاع الحديدي بانه ينبغي ان يطلق عليه شعاع البلاتين

التحليل 16-05-2014

:التحليل

 

عودة الرهان الاميركي على تسخين الجبهة الجنوبية لسورية

       تردد على السنة بعض “قادة” المعارضة السورية قولهم “ليوقف الرئيس بشار الأسد عملية الانتخابات (الرئاسية)، وستتوقف الهجمات من الشمال الى الجنوب،” في اقوى اشارة الى ان قرار ادارة المعارك المتواصلة في حلب وكسب في الشمال الى بعض مناطق غوطة دمشق يرتبط مباشرة بقوى اقليمية ودولية، عززها لقاء لندن نهاية الاسبوع الجاري “لاصدقاء سورية” الذي “ادان عقد الانتخابات الرئاسية” خشية على ما يبدو لما ستفرزه عملية حرية اختيار المواطن العربي في سورية من نتائج “تزعج” الداعمين الدوليين والاقليميين لمسلحي المعارضة، خاصة بعد سلسلة هزائم تكبدوها على ايدي القوات المسلحة والقوى الشعبية في حمص، التي اعدوها لتصبح “عاصمة الثورة،” ولفظتهم بقوة واصرار اهلها الذين عادوا الى اطلال منازلهم المدمرة بتصميم على اعادة البناء

        تجدر الاشارة الى تراكم مستويات الغضب من قبل الداعمين والممولين الاقليميين والدوليين للمعارضة المسلحة بعد نجاح سلسلة المصالحات الوطنية وتسليم المسلحين اسلحتهم للدولة السورية، ليس في حمص وريف دمشق فحسب، بل في “بلدة جاسم” المطلة جنوبا على تلال مدينة درعا مما ادى الى خروج “حوالي 2000 عنصر مسلح يتبعون جبهة النصرة والجيش الحر .. وتسوية وضع كل من يسلم نفسه خلال 48 ساعة، الا اذا كان مطلوبا بجرم او جناية” للدولة السورية. الممولون الخليجيون سبق وان اصدروا تهديدات لمقاتلي المعارضة، نيسان الماضي، تتوعد بمعاقبة قادة المعارضة العسكريين بالقتل والاغتيال ان لجأوا الى عقد تسوية مع الجيش العربي السوري

        تردد منذ مطلع العام الجاري ان “وزارة الخارجية الاميركية ابلغت معارضين سوريين في باريس .. ان قرارا سعوديا – اميركيا مشتركا قد اتخذ بفتح الجبهة الجنوبية مجددا .. بتنسيق سعودي – اردني – اميركي .. بعد زيارة العاهل الاردني لواشنطن وقبيل توجه الرئيس اوباما الى الرياض،” في 22 آذار الماضي، وصفت بانها “المعركة الاخيرة للسعودية للسيطرة على دمشق

سبق الاعلان المذكور توفير “اسرائيل” تسهيلات لوجستية وقتالية من مرابضها ومحطاتها المقامة على جبل الشيخ لقوات المعارضة لا سيما بالتشويش الالكتروني على اتصالات وحدات الجيش السوري. ومنذئذ تتالت “التسهيلات العسكرية والميدانية الاسرائيلية” لاحتضان وتوجيه ودعم تسليحي ومعالجة المصابين من مسلحي المعارضة في مشافي فلسطين المحتلة برفقة حملة دعائية واسعة

طبيعة المخطط “الاسرائيلي” اوجزه الباحث في “معهد واشنطن،” معقل اللوبي ليهود اميركا، ايهود يعاري، بالقول “اعتقدت دوما ان مفتاح الحل للأزمة سيكون في القطاع الجنوبي (من سورية) ويبدو انه يميل بذلك الاتجاه. النظر الى طبيعة انتشار تشكيلات الجيش السوري وحلفائه مثل حزب الله (في المنطقة) يقودنا للقول ان جبهة قد انفتحت على مصراعيها في الجنوب.” الجبهة المقصودة تمتد على طول الحدود السورية مع الاردن وفلسطين المحتلة، ولعلها ابلغ أهمية من الجبهات الاخرى، بعد استنزاف مجاميع المسلحين الدوليين وهزيمتهم وتكبدهم خسائر بشرية كبيرة في غوطة دمشق والقصير وحمص وكسب وحلب

اهمية الجبهة الجنوبية لسورية نابعة ايضا من عدة اعتبارات، ابرزها انها طريق الامداد الرئيس الآمن لكافة سبل الدعم العسكرية والتمويلية والتسليحية وممر عبور للمقاتلين بالنسبة للمملكة السعودية ودول الخليج الاخرى المنخرطة في مؤامرة تدمير الدولة السورية. ثانيا، انها تشكل قاعدة لمعسكرات تدريب تشرف عليها القوات الخاصة الاميركية والبريطانية والفرنسية، انطلاقا من الاراضي الاردنية. ايضا، اهميتها لتباين السيطرة والنفوذ للحكومة الاردنية على الشريط الحدودي مقارنة مع الجبهة الشمالية المسيطرة عليها من تركيا “الحرية والعدالة” والتي تعتبرها منطقة امتداد لعمقها وسيطرتها الاستراتيجية على الاقليم. العامل الابرز هو الدور “الاسرائيلي” الطامح في عزل جبهة الجولان وابقائها تحت السيطرة التامة للكيان الصهيوني، عبر توسيع نطاق شريط حدودي آمن على غرار جنوب لبنان قبل تحريره في 25 ايار 2000

لبلوغ الهدف المعلن، كثفت القوى الداعمة من جهودها بغية شن قوى المعارضة المسلحة هجمات متعددة مصدرها هضبة الجولان وتدمير مرابض الجيش السوري، وانشاء شريط عبور آمن يمتد من اراضي الهضبة المحتلة الى منطقة مدينة القنيطرة المحررة وطرق مواصلاتها التي لا تزال في قبضة الجيش السوري. الهجوم المدعوم “اسرائيليا” استهدف اللوائين المدرعين 61 و 91 التابعين للفرقة العاشرة السورية، المرابضين على هضبة الجولان، اذ لا تنسى “اسرائيل” الهزيمة الماحقة التي تعرضت لها فرقتها 90 المدرعة في 10 حزيران 1982 على ايدي اللواء السوري 91 المدرع في معركة السلطان يعقوب الشهيرة التي دامت ساعات ستة تكبدت “اسرائيل” خسارة 8 دبابات وحوالي 30 قتيلا “وفشلت في تدمير دباباتها المعطلة في ارض المعركة، من طراز ام-48 ايه 3،” والتي لا تزال تعرض احداها في متحف بانوراما حرب تشرين في دمشق. اللافت ايضا ان “اسرائيل” فقدت 3 جنود لم يعرف مصيرهم لليوم، احدهم “اسرائيلي-اميركي،” زخاري بوميل، ويهودا كاتس وتسفي فيلدمان، والذين اسرتهم القوات السورية وطافت بهم في شوارع دمشق محمولين على ظهر دباباتهم التي تم الاستيلاء عليها. لعل هذا ما يفسر شراسة الاشراف والدعم “الاسرائيلي” للهجوم على القوات السورية المذكورة، في تل الجابية والتل الاحمر، التي تراجعت قدرتها القتالية بشكل ملحوظ حسبما افادت الانباء الصحافية؛ بينما حافظت الفرقة السورية الثالثة على تماسكها وسيطرتها على الجزء الشمالي من مدينة درعا، ويسيطر المسلحون على مناطق اخرى من المدينة

البعد الاردني في معركة درعا

القوى الغربية المشرفة والمسيرة للقتال لاجل تدمير الدولة السورية، الغرب بقيادة الولايات المتحدة وادواتها الاقليمية من المملكتين السعودية والاردنية وتركيا وقطر، رعت منذ زمن فلول المنشقين عن الجيش السوري وفتحت لهم معسكرات تأهيل وتدريب في الاراضي الاردنية بادارة واشراف القوات الخاصة الاميركية والبريطانية والفرنسية. واتساقا مع خصخصة الحكومة الاميركية لبعض مهام التدخل العسكري، تم رصد عدد من قوات المرتزقة الاميركية المنخرطة تحت لواء “شركة بلاكووتر – او “اكاديمي” التعريف الذي اختارته بعد انفضاح دورها في العراق والامارات المتحدة امعانا في تضليل حقيقة دورها – في مراكز ومعسكرات التدريب الاردنية

برامج التدريب “استثنت” للحظة الصواريخ المضادة للطيران المتطورة، من طراز ستينغر، وشملت اسلحة رشاشة روسية: كلاشنيكوف بطبعتيه ايه كي 47 والاحدث 74، وقذائف صاروخية آر بي جيه، والرشاشات الروسية المضادة للدروع من عيار 14.5 ملم، وكذلك قذائف مضادة للطيران من عيار 23 ملم. اختيار الاسلحة روسية الصنع تم نظرا لتوفرها بوفرة في مخازن الجيش الليبي بعد اغتيال الزعيم معمر القذافي واحتلال ليبيا، وكذلك طمعا في الاستيلاء على بعضها من مخازن الجيش السوري، اضافة لتلك التي تسيطر عليها وكالة الاستخبارات المركزية وقامت بالاشراف على شحنها من ليبيا الى سورية مرورا بالاراضي التركية والاردنية سويا. تمتد فترة التدريب نحو اسبوعين من الزمن لعناصر لا يتعدى تعدادها 40 فردا لكل دورة

من المرجح ان القوى الداعمة للعناصر المسلحة اقدمت على تزويدها ببعض القذائف الصاروخية المحمولة روسية الصنع، من طراز ستريلا-2 او سام-7، والتي تمثل الجيل الاول من الصواريخ الروسية المحمولة المضادة للطائرات اذ دخلت الخدمة الميدانية عام 1968؛ واستخدمت بكثافة من قبل الجيش السوري في لبنان ضد الاجتياحات “الاسرائيلية” المتعددة، ويعتقد ان وكالة الاستخبارات المركزية سيطرت على مخزون كبير منها من الترسانة الليبية. بينما احجمت تلك القوى الداعمة عن توفير اسلحة متطورة اميركية الصنع يطالب بها المسلحون السوريون للشروط الاميركية المقيدة على تسليمها لطرف ثالث

كثفت وكالة الاستخبارات المركزية جهودها لعقود عدة للاحتفاظ بترسانة اسلحة سوفياتية وروسية الصنع بغية توفيرها للقوى المضادة للثورة والمؤيدة للمشاريع الاميركية في بلادها. الأمر الذي وفر لها “ذريعة” لنفي دورها في الصراعات الدموية التي اشرفت عليها، لا سيما في تسليحها للقوى الافغانية ضد الاتحاد السوفياتي في عقد السبعينيات من القرن الماضي؛ ودعم قوى الانفصال في جنوب السودان ومناطق اخرى من الوطن العربي واميركا الوسطى العالم

العدوان الغربي واحتلاله لليبيا وفر مخزونا هائلا من الاسلحة السوفياتية / الروسية للوكالة بشكل رئيس، فضلا عما سيطرت عليه من ترسانة بحوزة دول اوروبا الشرقية المنضوية في حلف وارسو سابقا. يمكننا القول ان الاستراتيجية الاميركية ارتكزت على تجنيد الآخرين لخوض حروبها باسلحة غير اميركية، بغية الحفاظ على عدم وقوعها بايدي قوى قد تنقلب عليها كما واجهته في القوى الافغانية بعد خروج الاتحاد السوفياتي من افغانستان

وربما فرضت التطورات الميدانية على الولايات المتحدة اعادة النظر في عدة ساحات بتلك الاستراتيجية يدل عليها مشاهدة موثقة لصواريخ اميركية مضادة للدروع، من طراز تاو-71، في ايدي قوى المعارضة المسلحة السورية. معروف ان القوات “السعودية” اشترت عددا كبيرا من تلك الصواريخ، بقاذفاتها ورؤوسها المتفجرة، من الولايات المتحدة كجزء من مشترياتها التسليحية الدورية، ومن المرجح انها وفرتها لقوى المعارضة السورية – بمعرفة الولايات المتحدة، كما تشترط اتفاقية شراء الاسلحة. ايضا، قوات الاحتلال “الاسرائيلية” تمتلك عددا لا بأس به من تلك القواذف والرؤوس استخدمتها بكثافة خلال عدوانها على لبنان عام 1982 في معركة استهدفت 11 مدرعة سورية دمرتها يوم 11 تموز 1982؛ كما رصد استخدام السلاح المذكور في العدوان الاميركي والغربي على العراق عام 2003

افادت المصادر الاميركية ان قواذف وصواريخ تاو سالفة الذكر شوهد استخدامها من قبل “حركة حزم” المرتبطة بالجيش الحر في سورية تحت إمرة الضابط المنشق سليم ادريس، والمشكلة من الناجين من “كتائب الفاروق” المنحلة. وتجهد المصادر الاعلامية الاميركية الى التمييز بين تلك المجموعة “المعتدلة” والقوى الاخرى “المتشددة” للدلالة على التزام الادارة الاميركية بتوفير الدعم للقوى المعتدلة حصرا. واوضحت التقارير الميدانية والاعلامية المتابعة للمعارك في الجزء الجنوبي من سورية ان تلك الاسلحة استخدمت بكثافة ضد المدرعات السورية وحققت اصابات مباشرة افقدتها بعض الاتزان وحرية الحركة لشن هجمات مضادة

واوضحت شبكة “فوكس نيوز” ان تلك الاسلحة سلمت “لحركة حزم” منذ شهر آذار الماضي بعد اضافة اجهزة تتبع ومراقبة متطورة تعمل باستشعار بصمة الاصابع للتعرف على هوية المستخدم قبل توجيه القذيفة. ومن المرجح ان تدخل تلك التقنية في قواذف وصواريخ ستينغر للتحقق من هوية مستخدميها والتيقن من عدم وقوعها في ايدي قوى غير مرغوب بها

الثابت في هذا الصدد ان القرار الاستراتيجي الاميركي اتخذ سلفا لتصعيد الموقف الميداني واستنزاف الجيش السوري عبر اسلحة اميركية متطورة، وتراجع المراهنة على عقد جولة جديدة لمؤتمر جنيف بغية التوصل لحل سياسي

 يشار ايضا الى ان الاستراتيجية الاميركية “المعدلة” التزمت تحشيد قوى المعارضة المدربة حديثا ضمن تشكيلات كبيرة من كتائب وألوية وادخالها الاراضي السورية خروجا عن الطور التقليدي بادخال مجموعات صغيرة مقاتلة. الأمر الذي يؤشر على بلورة اهداف اكبر للمعارضة، التي يعتقد ان قوتها تبلغ نحو 20،000 عنصر، وتمكينها من الاشتباك طويلا مع وحدات الجيش السوري

وقد رصد اشتباك تشكيلات كبيرة من هذه القوى مؤخرا في مواجهات على الجبهة الجنوبية لسورية، بانخراط لوجستي وتسليحي “اسرائيلي” مباشر، اسهم في اعاقة سيطرة اللوائين السوريين المدرعين، 61 و 91 على هضبة الجولان، بيد ان القوى المعارضة، على الرغم من تراكم الدعم الدولي والاقليمي وتعدده، لا تملك القوى البشرية الكافية المطلوبة لازاحة سيطرة الجيش السوري عن مدينة القنيطرة ومحيطها

موضوعيا، تعدد مهام المواجهة والتصدي المفروضة على الدولة السورية ادت الى نشر قواتها المسلحة على رقعة جغرافية اوسع، فضلا عن الخسائر البشرية في قواتها، مما ضاعف من بلورة مهام ومستويات مواجهة دفعتها لانخراط قوات الدفاع المدني لمديات اعلى مما ترغب به، وهي الادنى تدريبا وتسليحا من القوات النظامية، وبالتالي تنامي اعتمادها على الفرقة المدرعة التاسعة، لحماية المداخل الجنوبية للعاصمة دمشق، والمرابطة في الكسوة وقطنة وكناكر

العامل “الاسرائيلي”

الاسلحة “الاسرائيلية غير الفتاكة” المتطورة تصل “سرا” وبالعلن الى ايدي القوى المعارضة بشقيها “السياسي والعسكري،” ليس ادل على ذلك من تصريحات متتالية “لقادة” المعارضة للتبرع بالتخلي عن كامل هضبة الجولان للكيان الصهيوني مقابل مساعدته لهم تسلم السلطة في دمشق – بسذاجة متناهية – لم يدركوا بعد فشل مراهناتهم ومموليهم وداعميهم النيل من الدولة السورية رغم اثخان الوطن بجراح وتشريد وانقسام ودمار، وهو كل ما استطاعوا “انجازه

تبعد القنيطرة نحو كيلو متر واحد من “خط وقف اطلاق النار” الذي تم التوصل اليه بعد حرب تشرين 1973. نظرا لهذه الأهمية الاستثنائية ومرابطة القوات المسلحة السورية فيها وحولها فان اي جهد لابعاد شبح السيطرة السورية المركزية تبقى على رأس سلم اولويات حلم الكيان الصهيوني لتحييد الجيش السوري واستبداله بعناصر طيعة لا تطمح سوى لتحقيق مكاسب ذاتية مقابل تسليم الوطن لاعدائه

“اسرائيل” لم تكن غائبة يوما عن تصعيد الصراع المسلح في سورية، بصرف النظر عن التصريحات المعلنة بغير ذلك وتلميح الادارة الاميركية بخطورة دخولها المباشر على الخط. وينبغي استحضار تصريح ادلى به “ايهود يعاري،” سالف الذكر، بالقول “لن يكون خطأً الافتراض بوجود بعض الاتصالات بين الجيش الاسرائيلي وبعض المجموعات” الارهابية. يشار ايضا الى غياب اي تعليق ينفي ما جاء بهذا التصريح، سواء من تلك القوى المدعومة اقليميا ودوليا، او من مراكز القوى الفاعلة الساعية الى تفتيت كيان الدولة السورية

بل لم يشأ يعاري ان يعرض تصريحه للتأويل، وقال موضحا “تسعى تلك القوى للمحافَظة على عدم اثارة واستفزاز الاسرائيليين على الطرف المقابل من الحدود – كجزء من تطمينات اخرى – مع العلم ان اشتباكها مع الجيش السوري يتم على بعد بضعة أمتار فقط من الخط الفاصل” في الجولان المتفق عليه عام 1974. ويعتقد المراقبون العسكريين ان الجيش السوري النظامي يعاني من نقص في عدد القوات النظامية المطلوبة للحفاظ على مواقعه في الجزء الجنوبي للجولان الذي بات يشكل “الخاصرة الرخوة للنظام.” كما ان الاخير، كما يقال، غير راض عن جهوده لحشد مزيد من القوات المجندة حديثا لصد الهجوم الذي وعد به قادة المعارضة المسلحة، الذين يدركون جيدا ان ظهرهم الميداني مسنود بقوة من اسرائيل

وتشير التقارير الاعلامية من المنطقة الى “تسهيلات عدة يقدمها الجيش الاسرائيلي لهجمات المعارضة على مواقع ومرابض وتحصينات الجيش السوري في منطقة القنيطرة.” وليس ادل على ذلك الوضع من اعلان “اسرائيل .. منطقة الحدود المشتركة على الجولان منطقة عسكرية مغلقة ..” والتي شهدت نشاطا استخباريا وأمنيا مكثفا بالتوازي مع الاعلان المذكور

كما تفيد احدث التقارير الاعلامية الى تلقي نحو 1600 مقاتل من المعارضة السورية علاجا طبيا في مشافي فلسطين المحتلة، ورصد تقديم “اسرائيل” بعض “المساعدات الانسانية” لقوات المعارضة المتواجدة في قرى المنطقة الحدودية

يشار ان صحيفة “الوطن” الاماراتية افادت مؤخرا قيام “عملاء اسرائيليين بتوزيع معونات مالية كبيرة على فصائل المعارضة السورية،” استنادا الى معلومات زودها مصدر من داخل احد فصائل المعارضة في جنوبي سورية مؤكدا بدوره تسلم ثلاثة فصائل معارضة على الاقل مبالغ كبيرة بلغت عدة مئات الالاف من الدولارات قدمها عملاء اسرائيليون بحثا عن معلومات لتحديد هوية كافة المقاتلين الاسلاميين الذين انشأوا قواعد انطلاق خاصة بهم بالقرب من الحدود السورية مع فلسطين المحتلة

المرء ليس بحاجة الى دلائل مادية لتورط “اسرائيل” وانخراطها في تأجيج الصراع المسلح داخل سورية، سيما وانها تقر بأن دورها يقتصر على توفير “مساعدات انسانية.” بيد ان المراقبين يؤكدون وجود تعاون وطيد بين “اسرائيل” والاردن خاصة في مجالي الاستخبارات والمساعدات التقنية التي توفرها الاولى للاردن

ماذا يخبيء المستقبل لسورية

        لم يفاجأ احد بالتفاتة الولايات المتحدة الى الحل العسكري في سورية مرة اخرى والذي جاء في اعقاب سلسلة اخفاقات سياسية وعسكرية تكبدتها في الاقليم، وهزائم حلفائها ميدانيا هناك مما سيترجم سلبا في معادلتها السياسية؛ والتحولات الاقليمية بعد تراجع بيَّن لتركيا وقطر والمملكة السعودية، والدولية التي قامت واشنطن باشعال فتيل انفجارها في اوكرانيا وعدم تمكنها من السيطرة على تداعياتها وبلوغ مراميها لمحاصرة روسيا في حديقتها الخلفية كما ارادت. بل هي لم تتخلّ يوما عن خيار التصعيد العسكري في سورية الا للانتقال من معركة الى اخرى بذرائع متجددة

        الغائب الوحيد ربما في لهجة الخطاب الرسمي الاميركي هو القفز عن المطالبة السابقة بتنحي الرئيس الاسد، بعد اتضاح عُقم المطلب، وحماية لما تبقى لها من مصالح اقليمية بحاجة الى بعض الاهتمام المباشر كي لا تضطر لحرف بوصلتها المتجهة شرقا نحو آسيا لمحاصرة روسيا والصين في المياه الاقليمية هناك

        ولجأت مرة اخرى في تحشيد دعم الدول التقليدية، اوروبيا وعربيا واقليميا، ولم يتجاوز عددها 11 دولة صنفت نفسها من “اصدقاء سورية،” هوى العدد من 70 دولة عند التئامها في اسطنبول بتاريخ الاول من نيسان 2012. ولم يتمخض عن هذا الحشد سوى بيان مقتضب بنقطتين “لادانة قرار الحكومة السورية المضي بعقد الانتخابات الرئاسية” في موعدها المقرر؛ مقارنة بما كان يصدر عنها سابقا من تهديد ووعيد بأن الرئيس الاسد “لن يكون له موقع في صيغة الحل” المقبلة

وسعت لحفظ ماء وجهها ووجه قوى المعارضة السورية باستضافة رئاسة الائتلاف الوطني في واشنطن ومنحه مساحة اعلامية واسعة تخللتها ترتيب لقاءات متعددة مع مسؤولين في الحكومة الاميركية ومجلس الأمن القومي وعدد من قادة الكونغرس من الحزبين وبعض مراكز الابحاث، واطلاق العنان لتصريحات اعلامية بأنها ستضاعف من دعمها “غير الفتاك” لقوى المعارضة

        الترجمة الحقيقية للتصريحات الرسمية الاميركية جاءت  على لسان “قائد المجلس العسكري الاعلى المعَيّن عبد الاله البشير النعيمي،” اذ زعم ان الولايات المتحدة اوفت بوعودها في مضاعفة توريد اسلحة متطورة لبعض اركان الجيش الحر، مشيرا الى توفر صواريخ مضادة للطائرات من طراز “تاو” للتشكيلات التابعة لإمرته. زعم البشير (كما يشار اليه) ان “الهدف الرئيس لزيارة واشنطن يتمحور حول الحصول على اسلحة مضادة للطيران .. ويحدونا الأمل ان تستجيب الولايات المتحدة لطلب مساعدتنا وتحييد سلاح الجو” السوري

        وتصدر وزير الخارجية الاميركي جون كيري التصريحات الاعلامية لتوزيع اللوم على “المجتمع الدولي والذي اهدر سنة كاملة” وفشل في اتخاذ تدابير من شأنها الاطاحة بالرئيس الأسد. وقال كيري موجها كلامه لرئيس الائتلاف الزائر، احمد الجربا، في مؤتمر صحفي مشترك في وزارة الخارجية، ان دولا متعددة فشلت في تنسيق جهودها بفعالية لزمن طويل؛ مؤكدا ان غياب التنسيق بينها افضى الى تراجع الزخم الدافع باتجاه تنحية الرئيس الاسد “ومكافحة تنامي تهديد الارهاب في سورية

        استطاع الجربا لقاء مستشارة الأمن القومي، سوزان رايس، اذ وصف اللقاء بلغة ديبلوماسية معهودة بأنه كان “بناءا ومفيدا،” اي بعبارة اخرى لم ينطوي عليه مضمون جدي

        نقل عدد من الاوساط الاعلامية مدى الاحباط الذي ينتاب وزير الخارجية كيري نتيجة اخفاقات السياسة الاميركية في سورية، وتحول موقفه الى التأييد الثابت والهاديء لتوريد اسلحة فتاكة لقوى المعارضة السورية، خاصة بعد انهيار مفاوضات جنيف 2؛ وتدخل البيت الابيض مباشرة لاحباط ذلك المسعى بدعم وتأييد المؤسسة العسكرية

        بيان “اصدقاء سورية” سالف الذكر، الصادر من لندن، ينطوي على جملة من الدلالات تحدد معالم المرحلة المقبلة من المستقبل المنظور. امام عزم سورية التمسك باستحقاقات الدستور المحلي والمضي بعقد الانتخابات الرئاسية في موعدها، ستقابله الولايات المتحدة بالعزوف عن الحل السياسي من ناحية، وتصعيد حدة المعارك واستخدام الاسلحة “الجديدة” التي سلمتها لقوى المعارضة للتأثير على سلاسة العملية الانتخابية، من ناحية اخرى. اذ لا تملك واشنطن وحلفاءها الاقليميين والدوليين اي خيار متماسك من شأنه ان يشكل ارضية للبناء عليه لعقد جولة متقدمة من الحوار على غرار مؤتمر جنيف-2، وليس امامها سوى التعطيل والمزيد من الدمار واراقة الدماء، وهي تدرك جيدا ان هزيمة حلفائها في حمص تعد “خطوة تراجعية كبرى” في مخططاتها نحو سورية، وهزيمة للمخطط “السعودي” بعد اقصاء بندر بن سلطان عن ادارة المسلحين في سورية

        يضاف الى ذلك ما فرضته التطورات الميدانية لصالح الدولة السورية من تداعيات تجسدت في استقالة المبعوث الدولي الاخضر الابراهيمي بعد انتفاء الحاجة له ولدوره، بل لمهمته بأكملها، خاصة وان استقالته جاءت قبل انعقاد جلسة مغلقة لمجلس الأمن الدولي لمناقشة تقريره، وعدم تسمية المجلس خليفة له

        ايضا تسارع التطورات في اوكرانيا عزز من اتساع الهوة في الموقف بين روسيا والولايات المتحدة، مما يضعف احتمالات توصل الطرفين الى تفاهم مشترك “لانهاء” الصراع المسلح. وفي هذا الصدد، تبرز أهمية المراهنة على الدور “الاسرائيلي” في اشعال جبهة الجولان، وان جزئيا، لحرمان الدولة السورية ومواطنيها من الشعور بالأمن والاطمئنان، وتصدر حربة الاستراتيجية الاميركية باستنزاف سورية لفترة اطول، ان استطاعت بلوغ ذلك

التحليل 09-05-2014

:التحليل

 

اوكرانيا: اختبار لغلبة بوتين 

على محاولات الاستدراج والتطويق الاميركية

       يعد الديبلوماسي والمفكر الاستراتيجي الاميركي، جورج كينان، الاب الروحي لسياسة “الاحتواء،” التي انتهجتها الولايات المتحدة مع نهاية الحرب العالمية الثانية في مواجهة الاتحاد السوفياتي. واشتهر بالقول ان “.. الطبيعة الذاتية (للنظم) الديموقراطية تعيق قدرتها على بلورة استراتيجية واقعية ..” مطالبا باجراء مراجعة دائمة للاستراتيجية الكونية المعتمدة وتعزيز القدرات العسكرية باستمرار. كما طالب بجرأة في كتاب نشره عام 1993، The Cragged Hill،بتقسيم الولايات المتحدة الى “12 جمهورية صغرى لتيسير ادارتها

اتساقا مع النزعة الفكرية الاميركية المتأصلة في تحقيق ضالة التوسع والهيمنة المنشودة، انتقل مركز ثقل استراتيجيتها العالمية، بعد اعاقة تحقيق اهدافها في سورية، مباشرة الى الحديقة الخلفية لروسيا، اذ جرى تهيئة “الثورة البرتقالية” منذ افول الاتحاد السوفياتي لاطلاقها عند نضوج ظروف الصراع مع روسيا. ومشت الادارة حائرة بعد تصعيد لهجة خطابها السياسي والتهديد باجراءات المقاطعة الاقتصادية ضد روسيا التي لم تنكسر شوكتها وصعدت بالمقابل من اجراءاتها واستعدادها للمواجهة

       فوجئت الادارة الاميركية بحالة الانقسام الداخلي حول الوسيلة الانجع اتباعها في مواجهة روسيا، نظرا لتشبع الساسة  لثقافة المواجهة منذ ما ينوف عن نصف قرن من الزمن، جسدتها الخلافات الحزبية في الكونغرس بين الجمهوريين المطالبين بالمضي في فرض نظام عقوبات متشددة، ونظرائهم في الحزب الديموقراطي الذين تباينت اراءهم حول الأمر. السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام شدد على ضرورة “مقاطعة قطاع الطاقة الروسي، وقطاع المصارف المالية في روسيا، والعمل على الاطاحة بالاقتصاد الروسي .. كما العمل على توريد السلاح للشعب الاوكراني وتمكينه من الدفاع عن نفسه.” لا ينفك الثنائي المتشدد غراهام-ماكين عن حث الادارة الاميركية للانخراط مباشرة في الصراع الدائر في اوكرانيا. وهرعت صحيفة “وول ستريت جورنال” الى الاصطفاف لجانب طروحات الثنائي بالقول ان الاسلحة المقصودة لاوكرانيا هي “دفاعية لكنها فتاكة – تشمل الغام ضد الدروع والمدافع، وتوفير مزيد من العتاد الذي من شأنه رفع كلفة وخطورة التدخل” الروسي

        مستشار الأمن القومي الاسبق، زبغنيو بريجينسكي، اوضح في مقابلة مع شبكة (سي ان ان) للتلفزة ان الولايات المتحدة والدول الغربية الحليف خلقت ظروفا مؤاتية لضغط الرأي العام على قادتها “لتوفير معونات عاجلة لاوكرانيا، ربما ليس عبر تدخل عسكري مباشر، بل بمعدات تسليحية .. وانا اضيف بصراحة انه لا ينبغي علينا الاخفاق او التردد في تحقيق ذلك ..” مستدركا انه ينبغي تفادي اي تصرفات او ردود افعال “من شأنها الحط من مكانة الروس بل التقدم بعرض صفقة تتيح لاوكرانيا فرصة التحالف بحرية مع الاتحاد الاوروبي والابقاء على علاقة طبيعية مع روسيا في نفس الوقت .. اي وضع مثيل لما هو الحال عليه مع فنلندا.” (13 نيسان 2014)

رئيس لجنة العلاقات الخارجية عن الحزب الديموقراطي في مجلس الشيوخ، بوب مننديز، اوضح حجم الانقسام بين اعضاء لجنته على خلفية تقييم الموقف حول روسيا، بخلاف انسجام المواقف بين مننديز ونظيره الجمهوري بوب كوركر في اللجنة المذكورة عند مصادقتهما سوياً على قرار يجيز التدخل العسكري الاميركي في سورية، قبيل اندلاع الازمة الاوكرانية

يشار ايضا في هذا الصدد ان الرئيس الاميركي الاسبق، دوايت ايزنهاور، احجم عن تسليح “المعارضين في المجر،” ابان احداث عام 1956؛ كما احجم الرئيس ليندون جونسون عن تسليح المحتجين في “ربيع براغ” عام 1968 خشية الانجرار الى مواجهة اميركية مباشرة مع الاتحاد السوفياتي آنذاك

        وسارعت ادارة الرئيس اوباما الى حشد قواها للترويج لسياسة “الانخراط الاميركي” في الشؤون الدولية، مستبقة دعوات المطالبة بالانسحاب من الالتزامات الخارجية والالتفات لترميم الاوضاع الداخلية. في هذا السياق، برز وزير الدفاع الاميركي، تشاك هيغل، محاضرا مطلع الاسبوع الجاري امام حشد نخبوي “لمجلس شيكاغو للعلاقات الدولية” محذرا من خطورة دعوات الانكفاء التي “ستترك تداعيات قاسية من شأنها الحاق الضرر بالاميركيين انفسهم.” وسعى هيغل للتوفيق بين مهمة تعزيز القوة العسكرية الاميركية وهيبتها غير الكافية للجمع بين “الدفاع عن الأمن القومي الاميركي والنظام العالمي” في آن واحد

        تخفيض ميزانية الدفاع الاميركية رافقها تنامي مطالبتها لحلفائها في حلف الناتو بضرورة زيادة نسبة مساهماتهم في الميزانية العسكرية للحلف، بيد ان الاعضاء لديهم اولويات اخرى في ظل تردي اوضاع بلادهم الاقتصادية. يشار في هذا الصدد انه منذ عهد وزير الدفاع السابق، روبرت غيتس، درجت البنتاغون على “الترديد امام الحلفاء الاوروبيين عن ضيق ذرع اعضاء الكونغرس لاضطرارهم تعويض حصصهم الدفاعية في الحلف ضمانا للأمن الاوروبي.” واوضح عضو الكونغرس الجمهوري مايك تيرنر حجم الأزمة بأنه “يتعين على الاوروبيين الكف عن تحويل كلفة أمنهم الدفاعي الى الولايات المتحدة،” مستدركا ان متطلبات الأمن القومي الاميركي تستدعي توفير التدابير المطلوبة “لضمان ردع عدوان روسي

        مجلة “الايكونوميست” الرصينة عنونت غلاف عددها الاسبوع الجاري متسائلة “ماذا تنوي اميركا القتال لأجله؟” للدلالة على الاخفاقات المتتالية للاستراتيجية الاميركية في “شبه جزيرة القرم واوكرانيا وسورية،” كما اوضحت. واوجز المعلق السياسي المقرب من دوائر صنع القرار، فريد زكريا، مأزق الرئيس اوباما في مقال نشرته صحيفة واشنطن بوست، 9 ايار، قائلا مشكلة أوباما هو أنه يدلي بتصريحات هامة بشأن قضايا لا ينوي استخدام القوة الأمريكية فيها، وتعتبر سورية والربيع العربي الأمثلة الأوضح على ذلك. فقد أصبح الخطاب السياسي بديلاً عن العمل، وفي القضايا التي انخرطت فيها الولايات المتحدة – مثل أوكرانيا وآسيا – كانت تصريحاته صامتة بغرابة .. كان الرئيس يتحدث (أمام القادة الأوروبيين حول أوكرانيا) عن التدابير التي لن يتخذها بدلاً من تلك التي سينفذها بالفعل

        وما لبث الساسة الاميركيون ان تنفسوا الصعداء عقب اعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن نيته سحب القوات الروسية المرابطة بالقرب من الحدود مع اوكرانيا، واستمر الجدل الداخلي حول مغزى الخطوة ان كانت كافية “للتساوق مع مطلب الولايات المتحدة بنزع فتيل الازمة،” او”على الاقل اعطاء الدليل على ان روسيا تسعى لذلك،” كما جاهد معهد ستراتفور الاستخباري في سرديته لايجاد بارقة أمل للخروج من الازمة. وارفق اعلانه بمناشدة قادة “جمهورية دونيتسك الشعبية” تأجيل موعد استفتائهم لقياس دعم المواطنين للاستقلال عن الحكومة المركزية في كييف. رد قادة “الجمهورية” باعلان عزمهم المضي في اجراء الاستفتاء في موعده يوم الاحد 11 ايار الجاري “لخشيتهم من فقدان مصداقيتهم امام الجمهور ان استجابوا لطلب الرئيس بوتين

        مجلة “تايم” اعربت عن “ضيق ذرع الاستراتيجيين الغربيين لرزانة ودهاء الرئيس الروسي الواثق من نفسه .. والذين عكفوا على مراجعة شاملة لفرضياتهم السابقة حول الاستقراء والتنبؤ بالخطوات المستقبلية التي قد يقدم عليها .. والتي جاءت على نقيض استنتاجاتهم.” وبناء على ما تقدم، لا زالت مخاوف وهواجس عقلية الحرب الباردة مسيطرة على صناع القرار، سياسيين وعسكريين، وقد ينجم عنها التوصل الى تقديرات خاطئة وربما غير مسؤولة من شأنها ان تقود الى اتخاذ قرارات سياسية قاصرة

        لعل النظرة الادق والاكثر واقعية هي التوجه لرؤية القضايا الماثلة من منظار الطرف الذي يتحكم بزمام المبادرة، اي روسيا والرئيس بوتين

تباشير المستقبل في عيون بوتين

        الدور المركزي للرئيس فلاديمير بوتين في اعادة نبض الحياة الى روسيا وتعزيز هيبتها ليس محط جدل ونقاش، سيما في ظل الادراك الجمعي لدول وقادة العالم ان روسيا “تستعرض” عضلاتها العسكرية والاقتصادية لتحقيق مآربها في ظل ولاية الرئيس بوتين. بعض المكونات السابقة للاتحاد السوفياتي تنظر بقلق شديد لما يجري في اوكرانيا وامكانية تشظيها الى عدة مقاطعات متناثرة. ويكثر الحديث عن “نهضة الدب الروسي بعد سبات عميق” للدلالة على عمق القلق داخل اوساط بلدان اوروبا الشرقية آخذين بعين الاعتبار الفارق الزمني والجيوسياسي لما كان عليه الأمر ابان نفوذ الاتحاد السوفياتي السابق. فما تبقى لروسيا اليوم من نفوذ لا يقاس بسابقه الاتحاد السوفياتي، سيما لتقلص مساحة الجغرافيا وما ينجم عنها من تراجع في الموارد الصناعية، وبروز مؤسسات وهيكلة للدولة خالية من اجراءات الفساد السابقة، فضلا عن اقدمية العامل البشري. بالمقارنة، فان وضع حلف الناتو مميز بحجمه الاقتصادي والعسكري عند النظر الى الارقام والاحصائيات الجامدة. واستنادا الى القاعدة القائلة بأن القوة والهيبة العسكرية هي نتاج القوة الاقتصادية، فان حلف الناتو يتفوق على روسيا اليوم، خاصة عند الاخذ بعين الاعتبار ان عددا من دول حلف وارسو المنحل انتقلت الى عضوية حلف الناتو، بعداء واضح لروسيا

        يعتبر الخبراء العسكريين في الغرب ان روسيا لا تزال تسعى للحاق بالتقنية العسكرية الغربية، على الرغم من تنامي استثماراتها في هذا المجال، واقرارهم بأن روسيا حققت بعض التقدم على خصومها الغربيين في بعض الاسلحة كتقنية الطائرات المقاتلة والدفاعات الجوية وشؤون الفضاء، بيد انها لا تستطيع الضخ بمزيد من اموال الاستثمارات في مجالات اخرى. ويشير هؤلاء الى احدث مدرعة في سلاح البر الروسي، تي-90، وان الاقبال على شرائها بقي محدود مع تحويل الجيش الروسي اولوياته الى تطوير الجيل الجديد منها، تي-99، كعربة قتالية متعددة المهام من المقرر ان تدخل الخدمة الفعلية عام 2020

        تتفاقم جهود روسيا تحديث اسلحتها، وفق اولئك الخبراء، مع عدم قدرتها على التغلب على ارتفاع كلفة الانتاج وحال المصانع الحربية الراهنة. ويشيرون الى رغبة سلاح الجو الروسي بتحديث اسطوله من مقاتلات ميغ-29 الى النموذج الاكثر تطورا، ميغ-29 اس ام تي، والعقبات المالية التي واجهته لادخالها الخدمة ضمن الفترة الزمنية المنشودة. يشار ايضا الى ان تراكم عدد من التحديات اثناء فترة التصميم ومراقبة الجودة ادت الى تأجيل تسليم نحو 37 مقاتلة من طراز اس يو – 35 الى نحو سنتين اضافيتين، والتي لن تدخل ترسانة سلاح الجو الا عام 2016

        كما اضطرت روسيا الى النظر خارج اراضيها لاستيراد بعض الاسلحة المتطورة لجسر الهوة القائمة في تحديث تقنيتها، منها طائرات الدرونز من الكيان “الاسرائيلي،” وعربات مقاتلة خفيفة الحركة من طراز آيفكو الايطالية، وسفن ميسترال البرمائية من فرنسا. وقد تتضرر جداول تسليم تلك الاسلحة نتيجة الاحداث الاوكرانية والضغوط الاميركية على حلفائها الاوروبيين لمعاقبة روسيا

        يشار ايضا الى المتاعب الاضافية التي واجهت روسيا في عملية تحديث كافة مراحل الانتاج العسكري الناجمة عن خروج بعض المكونات السابقة للاتحاد السوفياتي عنها، والتي احتفظت بالبنى التحتية الحديثة للمصانع الانتاجية على اراضيها وحرمت روسيا من استغلالها، بينما احتفظت داخل اراضيها بالبنى القديمة لمصانع الانتاج. وشهدت تلك المرحلة بعد سقوط الاتحاد السوفياتي تقلصا كبيرا في ميزانية الدفاع الروسية، وبلغ احد ادنى مستوياتها في المشتريات العسكرية عام 1998 اذ لم تستطع شراء الا نحو ما معدله 10 مدرعات و 30 عربة ناقلة للجند في العام

        ذهب القسم الاكبر من طفرة الانفاقات العسكرية في السنوات الاخيرة الى القطاع البشري ضمن سعي روسيا الطموح لبناء جيش عصري محترف، مع بقاء ثغرة تحديث الاسلحة وعدم مواكبتها المتطلبات التسليحية. يذكر ان نسبة المجندين الذين يؤدون الخدمة العسكرية لمدة سنة واحدة تشكل نحو نصف تعداد الجيش الروسي برمته، الذي لم تجرب امكانياته وقدراته بشكل كامل منذ افول مرحلة الاتحاد السوفياتي، لا سيما القوات البرية

        تشارف الخدمة الالزامية للمجندين على نهايتها العام الجاري وعودتهم لنمط الحياة المدنية، مما قد يقلص نوعية القدرات القتالية لما تبقى من الجيش الروسي المرابط على الحدود المشتركة مع اوكرانيا. ويعتقد المسؤولون الغربيون ان هذ الوضع قد يضطر الرئيس بوتين الى القيام بأحد أمرين: شن هجوم على اوكرانيا في غضون الاسابيع القليلة المقبلة او الانتظار فترة اضافية لرفع القدرة القتالية للمجندين الروس، وادراكه للتحديات الاضافية التي يمثلها نقص المعدات وتدني الجهوزية القتالية لقواته

        ويضيف هؤلاء ان الرئيس الروسي يواجه ضعف اداء الاقتصاد الروسي، على الرغم من توفر موارد الطاقة وجاهزية الاوروبيين لشراء الغاز الروسي، يرافقه العقوبات الاقتصادية الغربية وتراجع قيمة الروبل وهروب الارصدة المالية من روسيا والتصنيفات المالية المتدنية للاقتصاد الروسي التي تفاقم قدرته على الاستقراض الخارجي لتمويل عجلة التحديث. ويخلص هؤلاء بالقول ان الرئيس بوتين يتطلع الى الاستيلاء على اوكرانيا باقل كلفة ممكنة

        نجح الرئيس بوتين، الى حد معتبر، في خلق حالة شلل سياسي لدى السلطات الاوكرانية في كييف، وعوضا عن التدخل المباشر لجأ الى شن حملة مضادة عبر المعارضة الشعبية في الشرق الاوكراني المناهض لسلطة كييف، والذي من شأنه تحقيق عدد من الاهداف، على رأسها “ابطاء حركة تحول اوكرانيا الى جانب حلف الناتو، وتوفير الغطاء السياسي الضامن لشل حرية حركة قادة حلف الناتو .. عبر الاتكاء على جهوزية عدد قليل من القوات الخاصة عالية التدريب عوضا عن القوات النظامية الروسية

        وبرزت نتائج الخطوة سريعا في تدني الكلفة الروسية وتوسيع هامش مناورتها السياسية والعسكرية ايضا وتوفير ارضية للمراجعة الشاملة استنادا على ما ستؤول اليه الاوضاع الميدانية. ومن شأن تلك الاستراتيجية اضعاف سيطرة السلطة المركزية في كييف واتاحة الفرصة لبروز سلطة مؤيدة لموسكو في الشطر الشرقي من اوكرانيا، وربما يؤدي الى انفصاله وتعميق الازمة لدى السلطة المركزية الموالية للغرب، فضلا عن اضعاف القدرة القتالية للقوات الاوكرانية المهددة بالانشقاق

        الاسلوب الراهن ينطوي ايضا على بعض المخاطر لروسيا لا سيما عند الاخذ بعين الاعتبار توتر العلاقات بينها وبين اوكرانيا في البعد التاريخي، مما قد يدفع سلطات كييف الى شن حرب وقائية ضد السكان الروس المقيمين على اراضيها بالاعتماد على القوات العسكرية تحت امرتها ودعم غربي متعدد الاوجه

        في هذا الصدد، اوضح معهد ستراتفور سالف الذكر للقادة الغربيين انه “من غير المرجح لجوء روسيا الى اجراء عملية عسكرية واسعة ابعد مما جرى في شبه جزيرة القرم؛” وبناء عليه يستبعد ايضا تدخل روسي مباشر لحماية الروس المقيمين في اوكرانيا. ومضى المعهد بتعزيز فرضيته ان السلطات الروسية اخذت علما بتجربة الاتحاد السوفياتي القاسية في افغانستان، وكذلك بالمأزق الاميركي في افغانستان والعراق ولن تقترف خطأ التدخل المباشر ضمن الظروف المرئية، وادراكها ايضا ان حلف الناتو يتوثب لاستدراجها لحرب تستنزف انجازاتها وقدراتها وتريح دول الحلف بنقل معركته الى الداخل الروسي

        في هذا السياق تجدر الاشارة الى دراسة اجراها مركز رازمكوف في مقره بكييف عام 2009، اوضح فيها ان المصانع الحربية في الشرق الاوكراني تنتج محركات طائرات تستخدمها روسيا لتشغيل ترسانتها من الطائرات المروحية العسكرية؛ اضافة لعدد من المعدات والمحركات التي تدخل في تشغيل روسيا لطائراتها المقاتلة وسفنها الحربية. وعلى سبيل المثال، فان شركة انطونوف للطيران ومقرها الرئيسي في كييف تصنع طائرات النقل الروسية من طراز ايه ان-70، والتي قد تصبح مصانعها عرضة لاعمال التخريب والانتقام من التوجهات السياسية للطرفين، وانخراط اوسع لحلف الناتو في اعمال المراقبة العسكرية على الشواطيء والحدود المشتركة لاوروبا مع روسيا، وما يتطلبه ذلك من زيادة دول الحلف انفاقاتها العسكرية لتحقيق توازن وتعادل في قوة الردع، واستدراج سباق تسلح بين الطرفين يضاعف مفاقمة الاوضاع الاقتصادية المتردية اصلا

        يذكر ان اسواق السلاح الفردي في الولايات المتحدة استوعبت اسلحة رشاشة روسية الصنع من طراز كلاشنيكوف ايه كي – 47، لعام 2013، اعلى من مشتريات الجيش الروسي وقوات الشرطة الروسية مجتمعين لذات السلاح. ومن الثابت ان الحكومة الاميركية ستلجأ لمقاطعة المنتجات الروسية لحرمانها من حصة السوق ومردودها المالي المعتبر

المستقبل بعيون حلف الناتو

        يراوح حلف الناتو في دائرة ردود الفعل في مسعاه للثبات على استراتيجية محددة للرد على التحركات الروسية، ولا تبدو عليه علامات الجهوزية للتضحية بالاستثمارات الاقتصادية والتقنية التي نسجتها مع روسيا لفترة طويلة استجابة للرغبة الاميركية بفرض اجراءات عقابية قاسية، اذ ان المصالح الاوروبية ستكون اول من يدفع الثمن، كما عبرت عنه الشركات الالمانية بامتعاض كبير، وهي التي تعي جيدا مدى اعتماد اقتصادياتها على توريدات الغاز الروسي لادامة دوران انتاجية المصانع. اما الولايات المتحدة فتعتمد بشكل رئيسي على التعاون مع روسيا وتقنيتها في شؤون الفضاء الخارجي لنقل الامدادات من والى محطة الفضاء العالمية. فضلا عن تعويل الولايات المتحدة على التعاون الروسي التام في توفير التسهيلات اللوجستية المطلوبة لانسحاب قواتها بسلام من افغانستان

        وعمدت الحكومة الاميركية على اظهار جانب التحدي لروسيا بارسالها اسراب من طائراتها المقاتلة، من طراز اف-15 و اف-16، للمرابطة في اجواء بولندا ودول البلطيق؛ ونشر قوات من مشاة البحرية والمظليين وطائرات النقل العملاقة، سي-130، في بولندا وقوات اقل عددا في رومانيا لطمأنة قيادات تلك الدول بجدية قراراتها؛ بدعم ومساهمة بريطانية وفرنسية ودانماركية، فضلا عن تحريك عدد من قطعها البحرية للمرابطة على شواطيء البحر الاسود. ويدرك الطرفين المتقابلين، حلف الناتو وروسيا، ان تلك القوات غير مؤهلة بحد ذاتها للدخول في مواجهة حقيقية، بل كعنصر يردع روسيا عن بسط نفوذها غرب حدودها الاقليمية

        نشرت الولايات المتحدة ايضا طائراتها من طراز الانذار المبكر المتطورة في عدد من دول اوروبا الشرقية لمراقبة حدودها، مما يوفر لها القدرة على تحريك سريع لقوات قتالية عند الحاجة؛ وابقت على موعد اجراء مناورات مشتركة بين قوات حلف الناتو والقوات الاوكرانية. الأهم ان الولايات المتحدة لم تتخلى او تتراجع عن استراتيجيتها بنشر نظام الدفاع الصاروخي على اراضي اوروبية بالقرب من الحدود الروسية، رغم رسائلها السابقة بالتطمين والعزوف عن ذلك؛ وفي ذات السياق قد تذهب ايضا لنشر منظومات مضادة للصواريخ الباليستية في اوروبا الشرقية ايضا

        الاستراتيجية الاميركية لمحاصرة روسيا استدعت “ترميم” علاقات دول حلف الناتو مع تركيا التي تمتلك اكبر جيش من حيث العدد بين دول الحلف، واستعادة وظيفتها ككيان ينغص الحياة على روسيا نيابة عن الولايات المتحدة يعززه استضافتها عدد من القواعد الاميركية العسكرية والجوية والبحرية كمنصة انطلاق ضد روسيا

        كما تستدعي الاستراتيجية الاميركية ابتعاد اعتماد اوروبا على مصادر الطاقة الروسية، والذي سيستغرق وقتا طويلا، في افضل التوقعات، والتأهب لتصدير موارد الطاقة المكتشفة حديثا في القارة الاميركية الى اوروبا، واستمرار تحكمها بمصادر وطرق تسويق الطاقة المدفونة في عمق الارض العربية

        الشق العسكري في الاستراتيجية الاميركية ما فتأ يطالب الحلفاء بزيادة حصصهم للانفاق على الشؤون الدفاعية تحت ذريعة “مكافحة ارهاب القاعدة ومشتقاتها،” والاستثمار في تحديث المعدات والاسلحة لتخفيف اعباء الدفاع عن الميزانية والقوات الاميركية واضطلاع الاوروبيين بمهمة حماية أمنهم. وسارعت بولندا الى استثمار الهواجس الاوروبية والاميركية من روسيا بتجديد طلبها لمرابطة قوة عسكرية من قوات الناتو قوامها كتيبتين قتاليتين على اراضيها بشكل دائم

        والتقطت الولايات المتحدة فرصة تفاقم العلاقات مع روسيا لاستئناف العمل بنشر نظم مضادة للصواريخ الباليستية في اوروبا، دشنتها بالاعلان عن نشر بطاريات صواريخ اعتراضية من طراز ايجيس في بولندا تستكمل عام 2018، وربما تضغط الاحداث الجارية بتسريع الانتشار الى موعد اقرب من المقرر، سيما وان رومانيا ستستقبل بطارية اعتراض صاروخية عام 2015؛ والهدف المعلن روسيا وايران

        تتميز بولندا بامتلاكها احد اكبر الجيوش العسكرية عددا بين دول الحلف الاوروبية، قوامها 900 عربة مدرعة وما ينوف عن 100 طائرة مقاتلة، معظمها سوفياتية الصنع، وتمضي لتحديث ترسانتها بمدرعات ليوبارد الالمانية؛ وخصصت جزءا اكبر من موازنتها السنوية للشؤون العسكرية، فضلا عن مشاركة قواتها ضمن القوات الاجنبية في افغانستان ومناطق اخرى كما تقتضيه المصلحة الاميركية، ومشاركة قواتها في المناورات العسكرية المشتركة مع اوكرانيا. ومن المتوقع ان تلعب بولندا حجر الزاوية في استراتيجية حلف الناتو الدفاعية في دول اوروبا الشرقية

الخلاصة

        ينبغي لفت الانتباه الى تميز الازمة الاوكرانية الراهنة عن اجواء الحرب الباردة، التي يتوق اليها اقطاب معتبرة من صناع القرار السياسي الاميركي. اولها ان حلف الناتو لا يواجه “امبراطورية سوفياتية” مترامية الاطراف، بل روسيا “تغادر مواطن الضعف السابقة” في مواجهة خصم اكبر عددا وعتادا يضم معظم حلفائها السابقين في حلف وارسو المنحل، ويتفوق عليها اقتصاديا وعسكريا. غاب عن الصورة النموذج السابق لخشية اوروبا من “حشد هائل من المدرعات السوفياتية تجتاح اواسط اوروبا.”  واوضح الباحث في مكتب الدراسات العسكرية الاجنبية، التابع للقوات البرية الاميركية، يعقوب كيب، ان القوة السوفياتية كانت “ساحقة لديها القدرة على مراكمة نسق عسكري فوق آخر. وهذا ما كنا نخشاه في حلف الناتو: اي قوات عسكرية كبيرة مدربة ترابط على حدود المانيا ذات قدرة على تنظيم وحشد مجتمع باكمله للانخراط في حرب ذات كثافة علية ضد اهداف صناعية

        واضاف كيب ان روسيا اليوم “تفتقد قدرة الحشد العالية .. مما يعني انه في زمن نشوب الازمات العسكرية سيجد الكرملين نفسه في مواجهة خيارات غير جذابة

        الثابت في المعادلة الراهنة ان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عازم على تحديث الآلة العسكرية الروسية كوسيلة لبسط النفوذ على المستوى العالمي. وينقل عن الخبراء الغربيون قولهم ان بوتين يغامر بالمراهنة على قوات عسكرية غير مجربة خاصة وان اي فشل تواجهه سيترجم كارثة سياسية رئيسة

         ليس سرا ان حلف الناتو يجهد في ادراك حجم مواطن الضعف الروسي واستغلالها لصالحه، سيما لتقلبات الاوضاع الاقتصادية رغم فائض مخزون موارد الطاقة. من جانبه يدفع الرئيس بوتين حلف الناتو الى قراءة مخطئة لنواياه وحصرها بمعادلات الحرب الباردة بين خصمين متقاربين في القوة

        اسلوب ادارة الرئيس بوتين الحاسم للازمة مع اوكرانيا عزز موقعه وشعبيته في الداخل الروسي، وكذلك في الاوساط العالمية التواقة للخروج من سيطرة احادية للولايات المتحدة على مقدرات العالم. ويدرك بدقة حقيقة مواطن القوة لحلف الناتو، فرادى ومجتمعين، ويسعى بدوره لتوسيع شقة التباينات داخل صفوفه بالتقرب من المانيا التي لا زالت غاضبة من جهود التجسس الاميركية عليها وعلى مسؤوليها، كما اوضح ادوارد سنودن، وتبديد زخم الاندفاع الاميركي ولجمه

التحليل 02-05-2014

 

التحليل

تقرير خاص : اميركا من الداخل 

 

آفاق نشوب نزاع أهلي وتمرّد مسلح في أميركا

ملاحظة: نزولا عند رغبة القراء والعاملين بشؤون الابحاث السياسية والاستراتيجية، وتلقينا العديد من المقترحات بضرورة متابعة البحث في مسألة الوضع الداخلي المغمور في اميركا، نضع بين ايديكم الجزء الثاني من التقرير الخاص نستعرض فيه: امكانية نشوب اضطرابات أهلية وعصيان مدني نظرا لطبيعة التهديد التي تمثله كيانات الميليشيات المسلحة على الاستقرار الاجتماعي؛ ومديات ظواهر الانقسامات الافقية المتنامية في المجتمع؛ وسبر اغوار النتائج المحتملة

        تركيبة الدول الوطنية ومجتمعاتها عبر العالم تشترك بخاصية تجانس اعراقها المختلفة، باستثناء الولايات المتحدة التي تتشكل من بوتقة جامعة تجمع فيها اعراق عدة وثقافات مختلفة – وهنا لا نناقش الممارسات العنصرية البشعة التي لا زالت سائدة ضد الاميركيين من اصول افريقية بشكل خاص. كما ان النظام السياسي الاميركي لا يستند الى صيغة توارث الحكم ضمن “العائلة المالكة،” وطبّق مشاركة افراد المجتمع في انتخاب ممثليه تصاعديا الى منصب الرئيس وفقا لاحكام الدستور. اما بعض مثالب النظام القائم فهي تؤشر على تعدد منابع التوتر في المجتمع نظرا لتعظيم دور الفرد على حساب الجماعة، اذ يسعى كل من يستطيع الى تحقيق اهدافه الخاصة ضمن النظام الواحد، والذي ارسى اللبنة الاولى لنظام تتحكم شريحة ضيقة لا تتعدى 1% بالمقدرات والثروات الطبيعية

        المجتمعات الانسانية عامة لا تخلو من التوترات والتناقضات، والمجتمع الاميركي ليس استثناءاً لتلك القاعدة، بل شهد مصادمات ومواجهات مسلحة عبر مراحل تشكله منذ قدوم الاوروبيين الى القارة الجديدة، لعل اشدها قسوة كانت الحرب الاهلية الاميركية والتي تلاها عدد من الاشتباكات اتسمت بالعنف والتصفية الجسدية بين طرفي صراع، خاصة بين العمال وارباب العمل ابان تطور الثورة الصناعية وحاجتها لليد العاملة. ومن محطات الصدام الاخرى برزت حركة المهمشين والمستهدفين بالتمييز العنصري للمطالبة بحقوقهم المدنية، مطلع عقد الستينيات من القرن الماضي، توالت بعدها الاحتجاجات الواسعة ضد العدوان الاميركي على فيتنام، وتجلياتها الاخرى اهمها تفجير احد مقرات الحكومة الاتحادية في مدينة اوكلاهوما، ولا زالت الاشتباكات المسلحة تتجلى في المجتمع بين فينة واخرى لاسباب وتموضعات متعددة. هذه الاطلالة السريعة تستثني الاضطرابات الناجمة عن انقطاع التيار الكهربائي، مثلا، التي يظهر البعد الاقتصادي من اهم مسبباتها

        بعض الاشتباكات تؤدي الى التفاف الشرائح الاجتماعية وتضافر جهودها، والبعض الآخر ينجم عنها تشققات وانقسامات قد تكون حادة احيانا كما شهدت عليه المظاهرات ضد التمييز العنصري في الستينيات. وفي الوقت نفسه لا يجوز اغفال البعد العقائدي والاصطفاف السياسي وحتى الديني في اطلاق الشرارة الاولى للاحتجاجات، خاصة عند النظر الى ما آل اليه الوضع خلال المواجهة بين قوى الأمن الاتحادية وراعي البقر، كلايفن بندي، وصحبه، قبل تدارك السلطات المعنية واستيعابها لاصطفاف الميليشيات المسلحة وجاهزيتها للاشتباك مع الدولة الاتحادية

        بالمحصلة، تم ارجاء الاشتباك الى مرحلة قد لا تطول على الرغم من ظاهرها في غياب القوى الرسمية وبقاء فريق ضيق من الميليشيات مرابط بالقرب من بندي، وهي لا تزال تتلقى دعما لوجستيا متعدد الاوجه من انصارها ومؤيديها من مناطق اميركية متعددة

استقراء حالة عدم الاستقرار في المجتمع الاميركي

        من سمات عدم الاستقرار، بل تنامي وتيرتها، التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي ادت الى اعادة تموضع الثروة العامة وتركيزها في قبضة شريحة ضيقة لا تتجاوز 1% من كامل النشاط الاقتصادي، بدءا منذ عهد الرئيس الاسبق نيكسون – الذي ارسى توجهات السلك القضائي ممثلا بالمحكمة العليا نحو التيارات اليمينية؛ والرئيس الاسبق ريغان الذي بشّر عهده بازالة القيود وتخفيف تفعيل القوانين المركزية على شريحة الاثرياء واطلاق العنان لها في كامل النشاطات الاقتصادية؛ ومن ثم تنامي ظاهرة الارهاب الداخلي ممثلا بالميليشيات المسلحة وتعزيز سيطرة القوى الاشد محافظة على مقاليد السلطة في جزء كبير من الولايات المكونة للاتحاد الفيدرالي

        في الشق الاقتصادي، جذر الازمات والآفات الاجتماعية، برع عدد من الاخصائيين في التحذير من تراكم مصادر الثروة واقصاء الشريحة الوسطى تدريجيا عن ممارسة دورها الانتاجي. وجاءت مؤخرا شهادة مسؤول سابق في وزارة الخارجية الاميركية، بيتر فان بيورين، والذي شغل مناصب رفيعة منها ابان الاحتلال الاميركي للعراق، دلالة على اختمار بذور الاحتجاجات انتظارا لشرارة تدب النار في الهشيم. وقال فان بيورين: “تراكم النتائج الكارثية لعدة سنوات واكبها الاقلاع عن التصنيع والانتاجية، وتراجع سلم الاجور والرواتب، وتقلص الامتيازات والرعاية رافقها اضعاف ممنهج للنقابات العمالية، وارتفاع معدلات الاتجار بالمخدرات والكحول بين العامة والعاطلين، وخسارة جماعية عريضة لوظائف هامة، وانحدار شديد في معدلات المساواة” وتوزيع الثروة “اي تدمير ممنهج لنمط حياة المجموع لخدمة اهداف شريحة 1% ..” (اسبوعية “ذي نيشن” 1 أيار 2014)

        الروائي الاميركي الشهير، جون ستايبك، مؤلف ملحمة “عناقيد الغضب،” 1939، اوجز مشاهدته للفوارق والاختلال الاجتماعي بعد نشره روايته الشهيرة بالقول انه بات “مشحون بتجليات غاضبة ضد اناس يمارسون اضطهاد الآخري

        ما لم يمر عليه فان بيورين وآخرين هو تردي البنية التحتية في عموم الولايات المتحدة: شبكات الكهرباء وتوزيع المياه والمصارف الصحية والجسور .. الخ، بفعل جشع الشريحة الضيقة المسيطرة وقرارها بعدم الاستثمار في تطوير قطاعات الخدمات، باستثاءات معزولة لا تعدل الصورة العامة، ومراكمتها معدلات ارباح خيالية لعدة عقود خلت. ويعد هذا التردي في الاداء وعدم الوفاء بالالتزامات التنموية مصدرا اضافيا لحالة عدم الاستقرار، غالبا ما يتم القفز عليها واهمالها بالكامل

        سبق لمركز الدراسات ان تناول وضع الشبكات الكهربائية الاميركية وابراز خصائصها وتردي تجهيزاتها ومعداتها، واضحت البنية غير قادرة على تلبية تزايد الطلب على التيار الكهربائي دون انقطاع لفترات متعددة في المدن الصناعية الكبرى. يشار ايضا الى التقلص في امدادات محطات التوليد بوقود الفحم، لعدة اعتبارات منها المحافظة على البيئة وتقليص انبعاث الغازات السامة. والنتيجة، تنامي الطلب وتراجع الانتاج وارتفاع فترات انقطاع التيار الكهربائي، كما اسلفنا

        انقطاع التيار الكهربائي يتأثر سلبا به القطاعات والمراكز المدينية بحكم كثافة المؤسسات الانتاجية والاستهلاكية، والتي لا تضاهي امكانياتها تخزين الاغذية، مثلا، قدرات المناطق الريفية او الضواحي السكنية الاوسع انتشارا. وعليه، تشتد الحاجة لنقل الامدادات على طرق المواصلات. فانقطاع التيار الكهربائي، ولو عرضيا، يؤدي الى فساد الاغذية المحفوظة وارباك شبكة الامدادات. فالظروف المناخية القاسية، لا سيما انقطاع التيار بفعل العواصف الثلجية، الاعاصير والزوابع المدمر، تؤدي الى ازدياد الطلب على المواد الاستهلاكية والتي ينفذ بعضها سريعا، يرافقه صعوبة المؤسسات في اتمام العمليات المصرفية وادامة الاتصال مع المصارف والبنوك لسداد قيمة المواد الاستهلاكية الكترونيا

        تعثر امدادات المواد الغذائية والاستهلاكية للاسواق المدينية يرفع معدلات الاحتجاج والتي قد تتطور سريعا لاشتباك والوصول للمواد المطلوبة بطريق السرقة، وقد تتفاقم الاوضاع سلبا مع استمرار انقطاع التيار الكهربائي مما يعزز حتمية المواجهة والاشتباك مع قوات الأمن والحرس الوطني التي قد تجد صعوبة في السيطرة على الاوضاع، كما شهدت مدن لوس انجليس ونيويورك سابقا

        لعل ابرز مثال على تطور الاحتجاجات وصعوبة السيطرة  كان ما شهدته ولاية لويزيانا خلال “اعصار كاترينا” المدمر عام 2005، والذي اعتبر احد اشد الاعصارات القاسية التي ضربت الاراضي الاميركية طيلة تاريخ تكوين الدولة. واندلعت احداث السطو والاشتباك مباشرة عقب تراجع حدة الاعصار، 30 أب 2005، وسعي من تبقى من الناجين للبحث عن مواد غذائية ومياه شفه نادرة، وتعرضت بعض المتاجر للسرقة نظرا لعدم توفر المواد الحيوية بوسائل اعتيادية، واخفاق السلطات المركزية في توفير الاغاثة والامكانيات المطلوبة بالسرعة اللازمة

        وشهد منطقة مركز الاعصار في قطاع من مدينة نيو اورلينز اعمال سطو واغتيال مسلح وسرقة للسيارات وبعض احداث الاغتصاب كردود افعال على حجم الغضب والاحتقان الشعبي ضد تقصير السلطات، ليس ابان الاعصار فحسب، بل للتهميش والفقر المدقع والاهمال الذي اصاب تلك المناطق. تجدر الاشارة الى ان السلطات المركزية، للدولة الاتحادية والولاية على قدم المساواة، عمدت الى اخلاء تلك المنطقة ممن تبقى من سكانها واجبروهم على اللاعودة، ليتبين لاحقا ان هناك مخطط لاستثمار البقعة الجغرافية لصالح احد حيتان المال والنفوذ المحليين، والذي تربطه علاقة صداقة حميمية مع الرئيس السابق جورج بوش الابن آنذاك

        كما ان السلطات استدعت عشرات الالاف من الحرس الوطني والقوى الأمنية المدججة بالسلاح، اتوا من مناطق اميركية متعددة، بلغ تعدادها زهاء 46،838 عنصر ارسلوا على عجل “لحفظ الأمن” في تلك المنطقة الملتهبة. اتضح لاحقا ان جزءاً كبيرا من تلك القوى لم تتوفر له المعرفة التامة بحقيقة التوترات ودرجات الاحتقان. وعبرت حاكم ولاية لويزيانا آنذاك، كاثلين بلانكو، بصفاقة عن جهوزية القوة قائلة “لديها بنادق رشاشة من طراز ام-16 معدة وجاهزة للاطلاق. اعضاءها يحترفون اطلاق النار والقتل وتوقعاتي انها ستقوم بذلك.” واقر النائب في مجلس النواب عن الولاية، بيل جيفرسون، في تصريح لشبكة “ايه بي سي” للتلفزة بالقول ان القوة “اشتركت في اطلاق النار، وايضا في اعمال القنص

        ما دلت عليه تلك التجربة المكلفة بشريا وماديا هو عدم قدرة السلطات الاتحادية السيطرة على اندلاع اشتباكات عاجلة تهدد السلم الأهلي، بل ربما فاقمتها. ففي حال اعصار كاترينا، تردد ان السلطات الاتحادية كان لديها خطة باخلاء الناجين من الاعصار الى مراكز اكثر أمنا، منها ملعب كرة القدم الضخم، مهيأ لاستيعاب 800 فرد في احوال الطواريء بينما تدفق اليه حوالي 30،000 نازح

        هشاشة البنية التحيتية لشبكة توزيع الكهرباء لم تغب عن بال المسؤولين الحكوميين، وادراكهم ايضا لتداعيات انقطاع التيار لبعض الوقت مما قد يشعل هشيم العنف في معظم المناطق. وطالبوا بتطبيق بعض الاجراءات، لتبرز عقبة الانجاز بانها ستستغرق عدة سنوات بتكلفة اجمالية تقدر ببضع مليارات من الدولارات

        التقلبات المناخية الحادة تشكل احد اهم دواعي القلق فضلا عن خلل تقني ينال شبكة توزيع الكهرباء بالتتالي، مع الاخذ بعين الاعتبار ان الشبكة تبقى عرضة لاستهداف هجمات ارهابية، محلية او خارجية. ورصدت الاجهزة الرسمية حالتي هجوم على الشبكة العام الماضي؛ الاول استهدف المحطة النووية لتوليد الكهرباء في ولاية تنسي، والثاني استهدف محطة فرعية في ولاية كاليفورنيا عبر اطلاق نار من قبل مجموعة مجهولة الهوية، ادى الى تدمير 19 محولا كهربائيا. تم الحادث في ساعات متأخرة من الليل وهي فترة لا يكثر عليها الطلب وتم استدراك التداعيات واصلاح الخطوط قبل بزوغ ساعات الفجر. يشار الى ان الحادث الاخير لو وقع في وضح النهار اثناء ذروة الطلب على التيار الكهربائي، ربما لتسبب بانقطاع تام لمنطقة جغرافية واسعة. كما ان الفاعلين في كلا الحادثتين استطاعوا الافلات ولم يعثر عليهم. واخذت شركات التوليد عبرة سريعة بتعزيز اعمال الحراسة على المحطات الرئيسة والفرعية

        في الاحوال الاعتيادية، تشكل الاضطرابات الناجمة عن انقطاع التيار الكهربائي احد اكبر التهديدات التي تواجه النسيج الاجتماعي الاميركي. وتم رصد تنامي مضطرد لاحتمال وقوع اشتباك مسلح بين السلطة المركزية والمواطنين، تعزز بشكل اكبر خلال المواجهة مع راعي البقر، كلايفن بندي، تصدرتها الميليشيات المسلحة والوافدة على جناح السرعة لمنطقة الاشتباك المحتملة بدافع اختلافاتها مع سيطرة ونفوذ الدولة الاتحادية

        تشكيلات الميليشيات المتعددة تلتزم جانب السرية في اعمالها، وما يتوفر من معلومات دقيقة هو النذر اليسير. احدى اهم مكونات تلك المجموعات برز “حماة القسَم،” الذين يبلغ تعداد افرادها نحو 3،000 عنصر وسبق لبعضهم اداء الخدمة العسكرية او في اجهزة الشرطة، وعقدوا العزم فيما بينهم على عدم امتثالهم لاوامر الدولة التي يعتبرونها مناهضة للدستور

        برز تشكيل “حماة القسَم” بقوة في مواجهة القوات الاتحادية نظرا لاتخاذها من مدينة لاس فيغاس مقرا اساسيا لها واستطاعت حشد اعضائها على وجه السرعة وتوفير المساعدات اللوجستية للمرابطين في مزرعة بندي. التشكيل لا يعتبر نفسه ميليشيا مسلحة، بيد ان رصد اعضائه بكامل اسلحتهم في المنطقة سلط الاضواء عليه

        تعزز وجود “حماة القسَم” بفروع اخرى من الميليشيات المسلحة، والتي لم تعرف اعدادهم بدقة لكن يعتقد انها ادنى من سرية مشاة. وتجدر الاشارة الى الولايات المتعددة التي ارسلت “ميليشيات مسلحة” للمرابطة هناك، منها: تكساس، مونتانا، اوكلاهوما، اريزونا، ونيفادا. اما الاعداد الدقيقة فبقيت حيز التكهن. من المجموعات المسلحة الاخرى صعد “فرسان الجبل الغربي، حركة 912، ومجموعة 3%.” الاعتقاد السائد ان اعضاء تلك المجموعات لا تتجاوز اصابع اليدين، اما حجم المساعدات الراجلة والمعدات التي تموضعت في موقع الاشتباك المحتمل يدل على قاعدة عريضة من المؤيدين الملتزمين بتوفير المعونات اللوجستية

        من الخطأ اعتبار تلك الميليشيات المسلحة رديفة لقوة عسكرية حقيقية، بالرغم من خبرة بعض اعضائها في الاعمال الحربية كمجندين في القوات الاميركية المحتلة في العراق وافغانستان. وكل منها لديها هيكلية قيادية منفصلة عن الاخرى، ومن الطبيعي ان تتعرض صفوفها الى خلافات حول التكتيكات التي ينبغي اتباعها. كما ان تشكيلاتها تتباين في جملة الاهداف التي تسعى لتحقيقها، فالبعض هرع لتوفير الحماية لراعي البقر بندي ليس الا، والبعض الآخر لا يتورع عن الانخراط في اشتباك مسلح مع القوى الأمنية الاتحادية

        دلت المواجهة الاخيرة غير المكتملة على امكانية اشعال صاعق التفجير للتمرد في الاراضي الاميركية. وقد افصح عدد من عناصر الميلشيات المشاركة عن رغبتهم باندلاع المواجهة والتي من شانها اطلاق رصاصة التمرد ليعم كافة اراضي البلاد. القوى الأمنية بدورها، والتي تمتلك معلومات مفصلة عن التشكيلات المسلحة واهدافها عبر مخبريها داخلهم، تدرك خطورة الأمر مما دفعها الى التراجع المرحلي عن الاشتباك وانهاك اعضاء الميليشيات عبر المرابطة لفترة غير محددة وما سينتج عنها من عودتهم تدريجيا الى مناطقهم الاصلية

        مع مضي الزمن فقد “بندي” ومناصريه زخم التحرك والاستقطاب وتراجعت حدة الاشتعال التي مثلتها المواجهة قبل بضعة اسابيع. لكن التموجات داخل صفوف تلك العناصر تبقى قابلة للاشتعال مرة اخرى ردا على اي محاولة قمع قد تقدم عليها السلطات الاتحادية، وايقاع خسائر بالارواح

        في حال ساد التعقل وتم نزع فتيل الاشتعال مع “بندي” واعوانه سلميا، لا ينبغي غض الطرف عن التداعيات السياسية العميقة. فالتجربة التاريخية لنشوء الدولة المركزية تشير الى حوادث عدة مشابهة، وكان من شأنها احداث تغيرات بالغة في الخارطة السياسية افرزت حزبين سياسيين يتناوبان السلطة، منذ عهد انتخاب الرئيس توماس جيفرسون. وعرفت تلك المواجهة الحادة “بانتفاضة الويسكي،” عام 1794، في تحدي مزارعي الحبوب خاصة الذرة ومؤسسات تقطير الكحول سلطة الدولة بفرض ضرائب اضافية عالية على مشروب الويسكي، بلغت 25% من القيمة التجارية،  بغية تمويل عجز خزينة الدولة الناجم عن الحروب. ولخص احد المسؤولين الرافضين لسلطة الدولة آنذاك الأمر بالقول “ان نخضع لكافة اعباء الدولة والتمتع بصفر من المزايا العائدة للدولة هو وضع لن نخضع له ابدا

        يجدر الاشارة الى ان انتفاضة الويسكي كانت اشمل واوسع واكبر حجما مما جرى مع راعي البقر، بندي، وفي نفس الوقت ينبغي عدم اغفال الجوانب المشتركة المتعددة خاصة لهبة العديد من المعارضين وتشكيل جسم شبه متجانس مقاوم لاستخدام السلطة المركزية وسائل الضغط بالقوة غير المتناسبة. كما ان المواجهات كشفت اتساع تعدد الاراء السياسية المختلفة، خاصة للوافدين من المناطق الحضرية استعدادا للمواجهة

        تشكلت حينئذ عدة هيئات ومنظمات على ارضية الولاء للوطن، اطلق عليها “الجمعيات الجمهورية والديموقراطية” التي اعتبرت مناوئة وهدامة للدولة الاتحادية. وحذر الرئيس الاميركي الاول جورج واشنطن من تلك الظاهرة المتبلورة قائلا “.. ان لم يتم مواجهة تلك الجمعيات .. ستلجأ لهز الاسس التي تقوم عليها الدولة.” وسارع واشنطن برفقة وزير خزانته آنذاك، الكساندر هاميلتون، تشكيل وترؤس قوة عسكرية ضخمة بمقاييس ذلك الزمن، انطلقت من مقر العاصمة الاتحادية، فيلادلفيا، الى بؤرة التمرد في المناطق الريفية الواقعة في الشطر الغربي من ولاية بنسلفانيا لاخماد حركة التمرد بنجاح. المناوئين للحكومة اطلقوا على القوة المتشكلة “جيش البطيخ” تندرا (واطلاق التسمية مرده ان الجنود كانوا يرتدون بذلات عسكرية خضراء تغطي قمصانهم الحمراء تحتها، أي اخضر من الخارج أحمر من الداخل مثل البطيخ)، والتي استطاعت القاء القبض على نحو 30 فردا منهم دون مقاومة، بيد ان التداعيات السياسية لتلك الخطوة كانت بالغة

        عودة لظاهرة “بندي” وما كرسته من تفاعلات وآفاق في المدى المنظور، ورغبة في وضعها ضمن سياقها الحقيقي بعيدا عن الرغبات والمبالغات الاعلامية، نستدرك اوصاف وسائل الاعلام اليمينية وعلى رأسها شبكة “فوكس نيوز” التي جاهدت واستمرت في ابراز الدور البطولي لراعي البقر ورفعه الى مكانة “الاباء المؤسسين” للدولة الاتحادية ومساواة فعلته بمواجهتهم آنذاك لسطوة التاج الملكي البريطاني. بعد انقضاء “السكرة وحلول الفكرة،” ثبت ان التحدي المشار اليه لم يكن معزولا عن دعم وتحريض التيارات اليمينية وعلى رأسها الممول الثنائي الاخوين كوك، اللذين تبلغ ثروتهما مجتمعة عدة مليارات من الدولارات، والذي وصف بأنه “نموذجا رائعا لحماقة ارتكبها التيار اليميني،” في رهانه على شخص “منزوع الدسم،” في المقياس السياسي والايديولوجي، لتنفيذ اجندة اكبر من حجمه وقدراته الفردية، بل اكبر من طاقات مؤيديه من الميليشيات

        من المفارقة والسخرية في آن ان “بندي” ومناصريه اقاموا خيمة استقبال على بوابة مزرعته لاستيعاب الميليشيات المسلحة تحت يافطة اضرت باللغة الانكليزية لما تضمنته من سوء املائي جاء على الشكل التالي “MILITA SIGHN IN,”خطء قد يرتكبه طالب بثقافة المرحلة الابتدائية، مما يدل على سطحية ثقافة الميلشيات المسلحة من ناحية

        دعم الاخوين كوك لحركة “بندي” الهزلية غير قابل للجدل، وشكل منصة انطلاق لتشكيلات ومجموعات اخرى تناهض الدولة. تراجع الدعم المعلن عقب ارتكابه خطايا تصريحاته المفعمة بالعنصرية والتي شكلت احراجا كبيرا لهذين الممولين “لمواجهة مع السلطة المركزية انتظراها نحو عقدين من الزمن،” كما افاد مقربون منهما. محصلة اجندة الاخوين هي سعيهما لنزع ملكية الدولة عن الاراضي العامة وتحويلها الى السلطات المحلية في الولايات المعنية، كي يتسنى لهما الفوز بعقود مجزية لاستثمار اراضي شاسعة بثمن بخس، ان وجد، مستغلين نفوذهما التجاري عبر شبكة استثمارات متشعبة تدر دخلا لبعض الولايات عن طريق الضرائب من الصعب الاستغناء عنها، مهما بلغت بسيطة

في غضون ذلك، النشاط التجاري للاخوين كوك يشمل التنقيب عن المعادن والنفط وتقنية تكسير الصخور التحتية لاستخراج النفط، وتجارة الاخشاب. يدرك الاخوين بدقة ان استغلال الاراضي المشار اليها ضمن الظروف الراهنة مقيد بقوانين الحماية من الدولة المركزية، ويتضح مدى حرصهما على ركوب موجة الغضب التي رمز لها في البداية “منزوع الدسم” بندي بغية توسيع حجم استثماراتهما. بعبارة اخرى، شكل بندي “حصان طروادة” لمشاريع الاخوين كوك لحين افصاحه عن توجهات عنصرية احرجت اقرب المقربين اليه. وما مراهنتهما على “بندي” الا امتداد لتاريخ المراهنة على “الجمعيات الوطنية” في التاريخ الاميركي الرسمي، ذات الافق الضيق والتي يسهل تسييرها من قبل المتنفذين، على قاعدة صراع ثنائية بين فريق يطالب بدور اكبر للدولة المركزية وآخر ينادي بتكثيف السلطات في المجالس المحلية

اما آفاق المواجهة المذكورة فينبغي النظر اليها في سياق معارك متصلة تعلو وتنخفض حدتها، وتترك خلفها آثارا سلبية في البنى الاجتماعية، ليس اقلها تسليط الضوء على سطوة شريحة الاثرياء (1%) سالفة الذكر، وتنامي فالق توزيع الثروة وتقلص شريحة الطبقة الوسطى تباعا، وتداعي البنى التحتية، مما سيؤدي الى مزيد من المواجهات التي لن تكون نهاياتها بسلاسة نهاية المواجهة مع راعي البقر

التحليل 25-04-2014

 

التحليل:

تقرير خاص : اميركا من الداخل

اميركا امام مشهد “ربيع دموي وتمرد مسلح”

والشرارة من نيفادا

شهد منتصف الشهر الجاري مواجهة نادرة بين قوى الأمن الاتحادية وبعض المواطنين بالقرب من مدينة لاس فيغاس، كادت ان تتطور الى تبادل اطلاق النار يصعب التكهن بعواقبه الخطيرة. السلطات الأمنية ارسلت نحو 200 عنصر من رجالها مدججين بكافة انواع الاسلحة “لفرض هيبة الدولة” على راعي بقر اعتاد ولفترة طويلة الرعاية والانتشار لقطيعه في اراضٍ تعود ملكيتها للحكومة الفيدرالية.

يملك مربي الماشية كلايف بندي نحو 300 رأس من الابقار ورفض مرارا اوامر الهيئات الرسمية بالكف عن “استغلال” الاراضي العامة لمنفعته الخاصة. وجدت بعض الجماعات المتشددة عادة في رفض توسع وهيمنة السلطة الفيدرالية فرصتها لتبني قضيته ودقت الميليشيات اليمينية المسلحة ناقوس الخطر واستقدمت عدد من المواطنين رعاة البقر المتضامنين معه لنجدته، بعضهم امتطى ظهور الخيل والبعض الآخر اتى شاهرا سلاحه. ولم تمتثل الجموع لتحذيرات القوى الفيدرالية المتكررة بالانتشار والابتعاد، وشارف الفريقان على تبادل اطلاق النار، وسرعان ما تداركت القوى الأمنية خطورة الوضع وقررت الانسحاب دون خسائر للجانبين.

كادت المواجهة ان تفلت من تحت السيطرة، واي اطلاق للنار كان سيتم الرد عليه باطلاق نار مماثل، وحشود رعاة البقر على اهبة الاستعداد والعزم للاشتباك مع القوى الأمنية، مما كان ينذر بحرب أهلية ضروس تشبه الى حد كبير اطلاق الرصاصة الاولى ضد القوات الملكية البريطانية عام 1775، والتي اشعلت حرب استقلال المستعمرات الاميركية عن التاج البريطاني.

العامل الغائب والمغيب عن المواجهة “المؤجلة” يتعلق بالثروة الباطنية لتلك الاراضي ومصيرها والاطراف المستفيدة منها، اذ تشير الدراسات الرسمية الى ان بداخلها مخزون هائل من النفط والغاز. وصفت هيئة البث التلفزيوني الكندية حجم المخزون بأن “النفط سيتدفق بسلاسة الماء.” الموقع الالكتروني الرسمي “لهيئة ادارة الاراضي” الاتحادية اوضح ان الهيئة “مسؤولة عن ادارة نحو 48 مليون فدان (194 مليون دونم) من الاراضي العامة الواقعة في ولاية نيفادا، والتي تشكل نسبة 67% من مجمل مساحة الولاية.”

كما اشارت دراسة حديثة اصدرتها هيئة “خدمة الكونغرس للابحاث” الى انخفاض اعمال التنقيب عن النفط في الاراضي المملوكة للدولة الاتحادية طيلة خمس سنوات مضت، رافقها بطء في الاجراءات الحكومية لمنح تراخيص التنقيب على اراضيها للقطاع الخاص بنسبة 1 الى 10 تقريبا. واوضحت الدراسة ان هيئة ادارة اراضي الدولة استغرقت معدل 307 أيام للبت في اصدار الترخيص.

1

BLM agents facing protestors

 

على خلفية المواجهة المذكورة لا يستطيع المرء الا استحضار اجواء الحرب الأهلية الاميركية، نظرا لتنامي الانقسامات الحادة في المجتمع واستعراض مناهضي السلطات المركزية اسلحتهم جهارا مما يؤشر على نضوج بعض عوامل الانفجار وربما باتت اقرب مما يعتقده البعض. يشار في هذا الصدد بشكل خاص هبّة الميليشيات المسلحة على وجه السرعة توافدوا من مناطق متعددة من الولايات المتحدة لتوفير الدعم لراعي البقر كلايف بندي. ورابطت قواها المسلحة بالقرب منه متأهبة للاشتباك مع اي قوة أمنية مركزية قد تأتي مجددا، وهو الأمر المرجح، معززة بقوة اكبر واوفر تسليحا

ردود الافعال المختلفة للمواجهة كانت متباينة وأشرت على مكامن الصدع في المجتمع الاميركي. ارض المواجهة كانت ولاية نيفادا، ممثلها في مجلس الشيوخ، هاري ريد، وصف الميليشيات المسلحة بأنها “مجموعة من الارهابيين المحليين.” بالمقابل، ممثل الولاية عن الحزب الجمهوري، دين هيلر، وصفهم بـالوطنيين الابرار”

يشار ايضا الى اطلاق النائب عن ولاية اريزونا المجاورة، بول غوسار، تصريحات مغايرة لقوى الأمن المركزية عقب زيارته مزرعة بندي والتي تتداخل حدودها مع اراضي ولايته. وشدد غوسار على ان موطن القلق للسلامة العامة مصدره القوى الأمنية الاتحادية المشتركة التي هرعت لمواجهة المزارع/المربي، الذي يعتبره غوسار ضحية لهيمنة السلطات المركزية على اراضٍ شاسعة في تلك المنطقة من اميركا. واتهم غوسار الحكومة المركزية بالتمادي “والسيطرة ومصادرة الاملاك الخاصة .. وهي عديمة الثقة بمواطنيها

التدقيق في الجدل المثار حول القضية المذكورة يشير الى ابعاد اوسع من قضية تخص فرد يربي الماشية وبعض مسلحي ميليشيات القوى اليمينية. فالمواجهة احيت الجدل المكبوت حول مصير الاراضي الشاسعة في الشطر الغربي من البلاد الخاضعة لسيطرة الدولة المركزية، عززه قدوم وفود “رسمية” من ولايات اخرى في المنطقة الغربية، اريزونا واوريغون، للتضامن مع راعي البقر بندي والتواجد على اراضي مزرعته. وحفزت المواجهة نحو 50 مسؤولا من 9 ولايات في الشطر الغربي الى عقد لقاء قمة في عاصمة ولاية يوتاه المجاورة، سولت ليك سيتي، نهاية الاسبوع المنصرم. رمزية مكان اللقاء ذات دلالة واضحة سيما وان نحو 67% من تلك الاراضي الشاسعة مصنفة في ملكية الدولة المركزية، وسبق لاولئك المسؤولين ان اصدروا احكاما مرتين بتقليص دور السلطة المركزية، واشنطن، وهيمنتها على الاراضي

لقاء القمة المذكور جرى التحضير له مسبقا، وساهم توقيت تحرك القوى الأمنية في تسليط الضوء مجددا على مسألة الملكية في الشطر الغربي المترامي الاطراف. في ذات السياق، تملك الدولة المركزية 62% من اراضي ولايتي الاسكا وايداهو، وما ينوف عن 81% من اراضي ولاية نيفادا، 48% من اراضي كاليفورنيا، 35% لولاية نيو مكسيكو، 42% لولاية اريزونا، 53% لولاية اوريغون، 29% لولاية واشنطن (اقصى غرب البلاد)، ونحو 48% من اراضي ولاية وايومنغ المجاورة. دأبت سياسة الدولة المركزية، منذ نحو 150 عاما مضت، على تسليم تدريجي للاراضي تحت سيطرتها وتعيدها للولايات المعنية، او للقطاع الخاص، او حتى بعض الافراد. على ضوء الخلفية السابقة، يستطيع المرء تلمس مدى امتعاض وعمق درجة الاحتجاج لدى الولايات الغربية ومواطنيها

مزرعة بندي في عين العاصفة

توخيا للدقة والموضوعية سنعمد الى تحييد القضايا القانونية البحتة المتعلقة بالمواجهة على اراضي مزرعة بندي، والاكتفاء بالاشارة الى ان موقف كل من راعي البقر والقوى الأمنية المركزية اسهم في تأجيج المشاعر والتمترس خلف مواقفهما. اقر بندي من جانبه بأنه احجم عن دفع اية رسوم مالية للدولة لقاء بحث قطيعه من البقر عن الكلأ في تلك الاراضي. في الجانب القانوني البحت، ان ارادت الجهات المركزية تحصيل الرسوم المستحقة لها تلجأ عادة الى اصدار أمر قانوني بالحجز على الممتلكات لحين تسوية القضية، وليس باللجوء الى ارسال قوى أمنية مدججة بالسلاح.

يشار في هذا الصدد الى استصدار قوى الأمن الاتحادية قرارا قضائيا قبل بضعة اعوام يجيز لها التدخل واقصاء قطيع الابقار المملوك لبندي عن الاراضي الاتحادية. في الخامس عشر من آذار الماضي ابلغت القوى الأمنية الاتحادية السيد بندي عزمها بحجز قطيعه بالكامل تحت بند التعدي على ملكية الغير. واقدمت يوم 27 من آذار على اغلاق نحو 322،000 فدانا (1,300,000 دونم) امام الاستخدام العام بغية حجز القطيع بكامله. رد بندي بسرعة اتصاله باعوانه ومؤيديه المنتشرين في عدة مناطق اميركية.

مؤيدو راعي البقر ينظرون بخفة الى النصوص القانونية، ويعتبرون ما اقدموا عليه يندرج تحت حقهم في العصيان المدني، ربما اقتداء بالمناضل الاسود مارتن لوثر كينج والمهاتما غاندي واحتجاجات “الربيع العربي.” واوضح عدد من اولئك المؤيدين لبندي ان فعلتهم تشكل بدء “ربيع اميركي،” اسوة بما روجته وغذته الولايات المتحدة من مواجهات دموية وتدميرية في الوطن العربي.

في الحيثيات، باشرت قوى الأمن الاتحادية اجراءاتها باغلاق الاراضي وحجز القطيع يوم 5 نيسان، سرعان ما تنادى مؤيدو بندي الى مساعدته والوقوف بجانبه في اليوم التالي. في 9 نيسان اندلعت اشتباكات بين الطرفين اتسمت بالعنف، سعى المناوئون الى توثيقها بالصوت والصورة، وبث المشاهد على شبكات التواصل الاجتماعي، مما اسهم في انتشارها بشكل واسع ضاعف من عدد المؤيدين لبندي وحضورهم بالمئات الى محيط المزرعة. وما لبثت الجموع ان اقامت بعض الخيام وانشاء مركز احتجاج على الطريق العام المؤدي للمزرعة.

اندلعت المواجهة المباشرة الاولى يوم 12 نيسان. وفي وقت لاحق من صباح ذلك اليوم اعلنت قوى الأمن الاتحادية عن نيتها تعليق جهود حجز القطيع واعادة فتح الاراضي المعنية لاستخدام العامة. بندي، من جانبه، شعر بقوة حلفائه ورفض تراجع القوة الأمنية مطالبا اياها باخلاء المنطقة بالكامل والافراج عن قطعانه من الابقار. القوة الرسمية آثرت عدم الرد على بندي مباشرة مما دفعه واعوانه من رعاة البقر الى امتطاء احصنتهم وامتشاق اسلحتهم والتوجه نحو مقر القوة الأمنية.

شاهدو عيان وصفوا لحظة المواجهة تلك بانها اشبه بمقطع من فيلم كاوبوي، اي بعض رعاة البقر يواجهون قوة أمنية رسمية والضغط عليها للتراجع واخلاء المكان. حذرت القوة الأمنية مرارا الرعاة الآتين اليها بأنها مسلحة بقرار قضائي خطي ولن تتورع عن اطلاق النار ان استمر الرعاة بالتقدم. تجاهل الرعاة التحذير ومضوا باتجاه البوابة التي احتجز القطيع خلفها وتتواجد القوة الأمنية هناك ايضا. وتصاعدت حدة التوترات بين الطرفين لفترة وجيزة تأهب فيها الطرفين الى مواجهة قادمة لا محالة.

2

Ranchers on horseback, protesters, and militia members in foreground faceoff against BLM agents under bridge

وما لبث ان انتصر العقل والمنطق لحقن الدماء وتراجعت القوة الأمنية ونزلت عند الطلب باخلاء الموقع والافراج عن القطيع. نقل شهود عيان عن عناصر القوة الأمنية بأن بعضهم ساورته الشكوك والخشية من اطلاق النار على مواطنين عاديين، فضلا عن مواجهتهم جمع بشري مسلح باستطاعته تبادل اطلاق النيران، وادراكهم ان تفاصيل اللحظة يجري توثيقها بالفيديو وتبث مباشرة على شبكة الانترنت.

تجدون ادناه رابطين مستقلين لتلك اللحظات الحرجة في المواجهة واطلاق سراح قطيع البقر:

http://www.youtube.com/watch?v=bD61YFxUga4

http://www.youtube.com/watch?v=8ADdToI9Akw

لم يتم حسم المواجهة، للحظة اعداد التقرير، بل امتدت لفترة اطول بالاشارة الى اعلان هيئة ادارة الاراضي عن نيتها التوجه مجددا للقضاء واستخدام السبل القانونية لازاحة قطيع الابقار عن تلك الاراضي. اما بندي ومؤيديه فقد حافظوا على مواقفهم السابقة معززين بقدوم محموعة اضافية من الميليشيات المسلحة لتوفير الحراسة والأمن.

الثورة تختمر

ما يفصل الطرفين عن الاشتباك المباشر هو مجرد وقوع أي خطأ أو حادث ليشكل صاعق التفجير، كما تدل التجارب التاريخية ان الامور تتدهور بسرعة نتيجة اطلاق السلطات المركزية النار على مواطنين. في الحالة الاميركية الراهنة، ربما ستشكل المواجهة مع بندي ذلك الصاعق الذي يقود الى التفجير، مع التشديد ان بندي ومؤيديه بعيدون كل البعد عن المضي باطلاق ثورة حقيقية.

المواجهة الجارية مع بندي ومؤيديه ما هي الا حلقة ضمن مجموعة حلقات مواجهة تجري في الشطر الغربي من البلاد، سبقها راعي بقر طاعن في السن في نيفادا ايضا، ريموند يوويل 84 عاما، ينتمي للسكان الاصليين شغل منصب شيخ قبيلة “شوشوني” التي تقطن تلك المنطقة. آنذاك، استطاعت هيئة ادارة الاراضي الاتحادية الاستيلاء على كامل القطيع، والاستيلاء ايضا على قطعان اخرى مملوكة لعدد من عائلات القبيلة المذكورة كانت ترعى في اراضي “محميتهم” المغلقة ولا يجوز التعدي عليها – وفق تصنيف الدولة الاتحادية. كما ان تراث قبائل السكان الاصليين لا يكترث بالحدود المقامة والارض باتت ملكية جماعية لمنفعة الكل.

نكث السلطة المركزية بوعودها وتعهداتها للقبائل الهندية  بات أمر يعاني منه كافة السكان الاصليين منذ وطأ المستعمر الاوروبي ارض “القارة الجديدة.” وفي العام 1979 اصدرت المحكمة العليا قرارها بتأييد الدولة قائلة ان اراضي “المحميات الهندية” هي مناطق في عهدة الدولة، وبالتالي يسري عليها قوانين واجراءات هيئة ادارة الاراضي. يجادل السكان الاصليين، ومنهم قبيلة شوشوني، ان المعاهدات المبرمة مع الحكومة الاتحادية وصادق عليها الكونغرس بمجلسيه، تعطيهم الحق برعي ماشيتهم على تلك الارض. واضافت القبيلة انها لم تتخلى عن حقها في تلك الاراضي يوما ما.

جاهد شيخ القبيلة “يوويل” للدفاع عن حق اتباعه، توجه للسلطة القضائية ونجح في استصدار أمر يوقف بموجبه تعدي هيئة ادارة الاراضي على قطعانه، بينما قضت محكمة الاستئناف الفيدرالية لاحقا ببطلان قرار محكمة البدايات، وتوجه للمحكمة العليا اثر ذلك، ووقف امامها للطعن في قرار الاستئناف والتشديد على ان الهيئة تصرفت باخلاء قطعان الماشية دون سند قانوني وانتهاكا لعدد من الاتفاقيات المعقودة.

في المواجهة الاخيرة، اعرب الشيخ يوويل عن “اوجه الشبه” بين صراعه مع الدولة وصراع الراعي بندي، مضيفا ان حقه في الارض يستند الى اتفاقية “روبي فالي” المعقودة عام 1863 التي اعترفت لقبائل الشوشوني رسميا بحقهم في استصلاح اراضي شاسعة بلغت مساحتها نحو 60 مليون فدان (243 مليون دونم) ممتدة في ولايات نيفادا وايداهو ويوتاه وكاليفورنيا. واضاف “هناك سياق واضح لما يجري في الغرب بدءا من عقد التسعينيات، وربما اواخر عقد الثمانينيات، يدفعني للقول ان الاستيلاء على قطعان الماشية مناهض للقانون .. (وتجربة بندي) هي آخر مثال في تلك السلسلة.”

3

The Bundy cattle at the center of the standoff being herded by cowboys after being released.

كما اوضحت مجموعة من مربي الماشية في ولاية نيفادا انه في سياق بلورة نيفادا بصيغة ولاية، خلال الحرب الاهلية الاميركية، تم الدفع بها على وجه السرعة الى مرتبة الاولوية لتنضم الى السلطة المركزية رافقها استصدار قرار فيدرالي تعد بموجبه الحكومة بيع فائض الاراضي المتبقية بعد تحديد المساحات المخصصة لانشاء القواعد العسكرية وسواها. استعجال الدولة في ضم ولاية نيفادا كان بدافع سيطرتها على مناجم الفضة الواسعة في نيفادا. وبناء عليه، يمضي اولئك، فان وضع هيئة ادارة الاراضي يدها على مساحات شاسعة في نيفادا يعد انتهاكا للنصوص القانونية.

اعتادت هيئة ادارة الاراضي على ممارسة وسائل الترغيب والتهديد بالقوة، وما جرى في نيفادا هو احد الامثلة. وردت انباء مؤخرا تدل على نية الهيئة مصادرة نحو 90،000 فدانا (364،000 دونم) تمتد على الحدود المشتركة لولايتي تكساس واوكلاهوما مملوكة ملكية خاصة. هب المدعي العام لولاية تكساس، غريغ آبوت، شكك بصلاحية هيئة الاراضي الاقدام على ما تنوي القيام به، مهددا برفع علم الولاية على السارية كرسالة لتذكير الهيئة ورمزيته باستقلال الولاية، وقاتلت لاجل ذلك عام 1835 وجهوزيتها لاعادة الكرة مرة اخرى.

 تجدر الاشارة الى ان آبوت سيترشح لانتخابات حاكم الولاية، وقد ارسل خطابا شديد اللهجة لمدير الهيئة، نيل كورنز، يطالبه بالرد على بضعة استفسارات تتعلق بمصادرة الاراضي. وحمل آبوت ادارة الرئيس اوباما مسؤولية التوترات قائلا “انها تنتهك القوانين الوضعية في هذا البلد .. وتجاوزت الخط الاحمر بحضورها لولاية تكساس والزعم بأن اراضي تكساس مملوكة للحكومة الاتحادية.” واضاف انه بموجب منصبه “كمدعي عام لتكساس لن اسمح ان يمر ذلك.”

وانضم حاكم ولاية تكساس عن الحزب الجمهوري، ريك بيري، الى حملة محاصرة هيئة الاراضي مطمئنا المواطنين انه “ياخذ على عاتقه وعدا بالتصدي والدفاع عن حقوق الملكية الخاصة في عموم ولاية تكساس.”

تشتهر تكساس بانها موطن الكاوبوي ويتصرف مواطنيها بذات العقلية، مزيج من الغطرسة والاعتزاز بالذات، مما ينذر بصدام محتمل مع الاخذ بعين الاعتبار ان سلطة الهيئة مقيدة باستصدار أمر قانوني للقيام بمصادرة الاراضي.

وتجدر الاشارة ان الاتفاقية الموقعة بين “جمهورية تكساس” المستقلة والدولة المركزية التي بموجبها انضمت الى كنف الدولة نصت على تسليم كافة الاراضي العامة الى الولاية كشرط لانضمامها. كما ان توجهات انفصال تكساس عن الدولة المركزية تبرز بين الفينة والاخرى والتي ستتعزز قواها ان تمادت الدولة ونقضت الاتفاقية.

يمتد القلق من سلطات الدولة المركزية على حساب الولايات الى عدد من ولايات الشطر الغربي: اوريغون، وايومنغ، يوتاه، وكاليفورنيا؛ وكل منها تشهد نضوج الظروف الذاتية لاطلاق صاعق تحركاتها.

تباينات الدولة الاتحادية في تطبيق القوانين تثير خشية تتسع بين عموم المواطنين. على سبيل المثال، يرفض الرئيس اوباما بشدة الامتثال لبعض القوانين كقانون حماية الحدود، بينما يسارع الى تطبيق الاجراءات الخاصة بهيئة ادارة الاراضي. قانون حماية الحدود يهم ولايتي تكساس واريزونا، لصد اليد العاملة المتدفقة من المكسيك واميركا الوسطى، وكذلك كاليفورنيا. السلطات المركزية تعمد الى تطبيق انتقائي للقوانين والاجراءات السارية، مما يضع تماسكها محط تساؤل.

الاجواء العامة المشحونة في الولايات المتحدة، واتساع الفجوة الاقتصادية بين الشرائح الاجتماعية وتقلص حجم الشريحة الوسطى، هي عوامل بمجموعها قد تسهم في اطلاق صاعق انفجار الحرب الأهلية. اذ دلت احدث استطلاعات الرأي، اجراه معهد راسموسن، عقب تبلور المواجهة المركزية مع مربي الماشية، ان 54% من المواطنين يعتبرون الدولة المركزية مصدر تهديد لحرياتهم الشخصية بدلا من حمايتها، مقابل 22% يؤيدونها، وهي نسبة تشكل انخفاضا بنحو 30% عما كانت عليه الاوضاع في شهر تشرين الثاني من العام الماضي.

ومما فاقم نتائج الاستطلاع ان نسبة 37% من الناخبين المسجلين اعربت عن خشيتها من سطوة الحكومة الاتحادية، بينما اعتبر 67% منهم ان الدولة اختزلت دورها واضحت احدى مجموعات الضغط الخاصة، اللوبي، تسعى لتلبية مصالحها. بالمقابل، انخفضت نسبة المؤيدين لدور الدولة الى 19%. كما اتسعت الهوة بين اداء الدولة المركزية والتزامها بالاسس والقوانين الناظمة، اذ اعرب نحو 71% من الناخبين عن رأيهم بانه لو قدر “للآباء المؤسسين” العودة فنظرتهم للحكومة المركزية ستقول انها بيروقراطية كبيرة مترهلة.

صاغ معهد راسموسن احد الاسئلة بحنكة مستندا الى الى النص الوارد في اعلان الاستقلال، الذي ورد فيه مصطلح “رضى المحكومين،” وطالب السؤال تعبير المستطلع عن رأيه/ا ان كانت الحكومة الاتحادية تحظى برضى محكوميها، واجاب نحو 66% منهم بالنفي. كما ورد في صياغة اعلان الاستقلال اشارة الى ما يتعين على المحكومين الاقدام عليه بممارسة حقهم في الغاء والقضاء على الدولة عند تيقنهم من سياستها المدمرة.

في هذا الصدد، ينبغي الاشارة الى ان النتائج المذكورة تطابقت مع استنتاجات مؤسسات اخرى لاستطلاع الرأي. وافاد معهد غالوب الشهير ان استطلاعه قبل نحو خمسة اشهر جاء بنسبة 72% من الاميركيين عبروا عن رأيهم بأن تضخم جهاز الدولة الاتحادية يشكل تهديدا اكبر لمستقبل الولايات المتحدة مقارنة بالعلاقة الثنائية المضطربة بين ارباب العمل والعمال. واوضح المعهد ان تلك النسبة بلغت اعلى مدى بين المواطنين منذ نحو نصف قرن من بدء طرح السؤال عينه كجزء من اسئلة الاستطلاع.

ما تقدم يدل بوضوح على عمق وحجم الاضطرابات الداخلية في اميركا، يفاقمها اداء اقتصادي مترهل عكس حالة الركود على الطبقة الوسطى من الشعب بينما لم تتضرر شريحة النخبة الحاكمة. البعد الاقتصادي هو حجر الزاوية في الاحتجاجات الجماعية كما تشهد بذلك التجربة التاريخية.

بروز الميليشيات المسلحة وتشبث نسبة معتبرة من الشعب الاميركي باقتناء السلاح، بما فيه اسلحة ومعدات مسرحها ميدان المعارك، يشكل ضلع المثلث المتبقي لانضاج صاعق التفجير. تشير التقديرات الرسمية لقطع الاسلحة المتوفرة بين ايدي المواطنين انها بنسبة 1:1 تقريبا. امام هذا المشهد يستطيع المرء التكهن بقتال شرس عند اندلاع الاشتباكات والتي قد تؤدي الى ضعضعة هيبة الدولة المركزية.

4

Militia stationed near Bundy Ranch

السلطات الفيدرالية تدرك انها امام حشد من الميليشيات المدربة جيدا مقارنة بالماضي القريب. واخذت علما بالسرعة التي حشدت فيها تلك الميليشيات قواها وتقاطرها الى نقطة الصدام، سيما وان بعض وحداتها تحتفظ بعلاقة وطيدة مع عناصر ذات خبرة عسكرية، لا سيما ممن خدم في العراق وافغانستان. لدى الميليشيات اجهزة اتصال متطورة ومعدات لوجستية تكفيها لإدامة الاشتباكات.

الميليشيات تبالغ باعدادها لا ريب، وتزعم ان لديها الآلاف من الاعضاء، بينما لا يتبقى منها مرابط بالقرب من مربي الماشية، بندي، لا يتعدى 50 فردا. بالمقابل، لا يجوز الاستهانة بسرعة تواجدها اينما تطلب الأمر.

 5

Crowd advances on BLM agents

الخشية الرسمية الاكبر ليس مصدرها تلك الميليشيات بحد ذاتها، بل للاعداد الضخمة من المواطنين التي تمتلك اسلحة بعضها مرخص به، والذين قد يهبوا على جناح السرعة لدعم اي حركة تمرد على الدولة. والاجابة على التساؤل ماذا بعد اندلاع الاشتباك لا تبعث على اطمئنان الاجهزة الرسمية. اما وان تتدهورت الاوضاع فهل سيلجأ المحتجون بالنزول الى الشوارع، اسوة بالتحركات الشعبية في بعض البلدان العربية، مضاف اليها قدرة نارية هائلة قد تطغى على ما يتوفر للحكومة.

مربي الماشية بندي استدرج، بوعي او بدونه، للافصاح عن هويته العنصرية خلال مقابلة صحفية اجرتها معه “نيويورك تايمز،” مؤخرا استخدم فيها مصطلحات مهينة فيها احتقار واذلال للسود الاميركيين، مما احرج بعض مناصريه ودفعهم الى الابتعاد عن تلك التصريحات، وربما يغادر بعضهم مكان الاعتصام في الايام المقبلة.

اما مصير مسألة ملكية الاراضي فبقيت مؤجلة دون حل، والتاريخ كفيل بتوفير الاجابة بأن اندلاع الاشتباكات أمر وارد لا محالة.

التحليل 18-04-2014

:التحليل

اوباما واغتيالات الدرونز

 

القضاء يتواطأ ويوفر الغطاء لاستمرارالاغتيالات

“استراتيجية الدرونز الفتاكة اضحت ركنا اساسيا في السياسة الاميركية لمكافحة الارهاب .. واقصت (الادارة) الابعاد والاطر الاستراتيجية الحقيقية” عن التداول العام، “وحصرت محور التداول في اضيق نطاق حول فعالية (الاغتيالات) .. وهل تحصد ارواحا كبيرة من المدنيين.” الكلام السابق موجز اجماع آراء مراكز الابحاث والمعنيين، يتصدره معهد “مشروع الأمن الاميركي،” في مسعاه لاشراك اكبر قطاع ممكن من الرأي العام والمختصين والتصدي للسلطات الاضافية التي اقرها الرئيس اوباما العام الماضي.

اصدرت ادارة الرئيس اوباما في شهر ايار 2013 مذكرة اسمتها “بالكتاب الابيض،” لاضفاء اطر  قانونية وتدابير معينة “تضبط” سياسة الاغتيالات بالدرونز عقب تصاعد الجدل الشعبي واتضاح حجم ضحاياها من المدنيين، قوامها حصر مسؤولية استخدام الدرونز بوزارة الدفاع بعيدا عن سيطرة وكالة الاستخبارات المركزية كسلاح فتاك يخدم الاهداف الاستراتيجية الاميركية، مع الاشارة الى السرية المطلقة التي تحيط بطبيعة الاهداف والمستهدفين وآلية الاختيار. وسعى الرئيس اوباما طمأنة الرأي العام المعارض الى “. عدم اللجوء لشن غارات بطائرات الدرونز ضد اي مشتبه به .. الا في حال تعذر اعتقال المشتبه به، وعند توفر حالة شبه اليقين بعدم تعرض المدنيين” لعواقب الاجراء كجرحى او قتلى.

في الخلفيات، تلبدت الاجواء السياسية في واشنطن مطلع العام الجاري عقب اعلان الادارة الاميركية عن نيتها “للمصادقة على شن غارة جوية فتاكة تستهدف مواطن اميركي يقطن في باكستان ..،” وهي المرة الاولى التي ينطق بها مسؤول اميركي بصراحة اللسان “المضي باغتيال مواطن اميركي” يقطن خارج الاراضي الاميركية منذ اصدار الادارة “كتابها الابيض” لتقنين عمليات الاغتيال بطائرات الدرونز.

يذكر ان المرة الاولى (المعلنة) التي اقدمت فيها ادارة الرئيس اوباما على اغتيال مواطن اميركي كانت في شهر ايلول 2011، استهدفت انور العولقي في اليمن، الذي يحمل الجنسية الاميركية. كما اقرت ادارة الرئيس اوباما نهاية العام الماضي بمسؤوليتها عن اغتيال “اربعة مواطنين اميركيين” منذ تسلم الرئيس اوباما مهام ولايته الرئاسية. واوضحت صحيفة “نيويورك تايمز،” 10 شباط 2014، حملة الانتقادات الشديدة الصادرة عن الممثل الجمهوري رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس النواب، مايك روجرز، الموجهة للرئيس اوباما والمناهضة لما اسماه ميل الرئيس “لتقييد حرية سياسة الاغتيالات” ومعارضته سحب مسؤولية الاشراف على عمليات الاغتيالات من وكالة الاستخبارات المركزية ووضعها تحت مظلة وزارة الدفاع.

وسرعان ما اتسعت دائرة الانتقادات والمعارضة للرئيس اوباما لاخفاقه تطبيق سياسته المعلنة على خلفية جملة من المعطيات، لعل اهمها ان “سياسة الدرونز اشد خطورة كونها تغذي سباق تسلح جديد بلغت تكلفته عدة مليارات من الدولارات،” سيما وان هناك ثلاث كيانات سياسية استخدمت طائرات الدرونز للاغارة المسلحة: اميركا وبريطانيا و”اسرائيل؛” والاخيرة تعد “في المرتبة الاولى” عالميا لتصدير طائرات الدرونز المسلحة، تليها الولايات المتحدة في المرتبة الثانية.

ورصدت منظمة “هيئة التحقيقات الصحفية” المستقلة حصيلة ضحايا اغتيالات طائرات الدرونز التي تراوحت بين 2،296 و 3،178 فرد ثلثهم من المدنيين (مع الاشارة الى انعدام توفر احصائيات دقيقة). ويشير الخط البياني للاغتيالات الى تصاعد ثابت على امتداد بضع السنوات الاخيرة، ادى تزايد الطلب الرسمي لتطبيقها الى “نقص في الطواقم البشرية لادارتها، بالزعم ان الاطقم ضئيلة التدريب مما يتسبب في وقوع مزيد من الضحايا.”

استفاق العالم في شهر كانون الاول من العام الماضي على اخبار غارة لطائرات الدرونز استهدفت حفلة زواج في اليمن، ذهب ضحيتها نحو 12 فردا وجرح 15 آخرين من بينهم العروس. وزعمت كل من الحكومة الاميركية واليمنية ان الضحايا هم اعضاء فاعلين في تنظيم القاعدة في الجزيرة العربية، فندته شهادات شهود العيان واقارب الضحايا جمعتها منظمة “هيومان رايس ووتش” لحقوق الانسان؛ والتي أتت في تناقض صارخ مع بيان ادارة الرئيس اوباما  بأن السياسة الاميركية تقتضي قدرا من “التيقن يقترب من اليقين” بعدم تعريض المدنيين للاصابة في تلك الغارات.

في الشاطيء المقابل من المحيط الهاديء، صوّت مجلس الاتحاد الاوروبي باغلبية ساحقة، 534 الى 49، للمصادقة على قرار يطالب الدول الاعضاء “مناهضة وحظر سياسة الاغتيالات خارج نطاق القضاء،” ومطالبتها ايضا “بعدم ارتكاب اغتيالات غير قانونية او توفير تسهيلات لاغتيالات تقوم بها دول اخرى؛” بغية مضاعفة الضغوط على بعض الدول الاوروبية لوقف عملية انتاجها واستخدامها لطائرات الدرونز المسلحة، خاصة بريطانيا والمانيا وايطاليا وفرنسا، والضغط لوقف تعاونها مع سياسة الدرونز الاميركية.

الصدى الاوروبي انعكس اميركيا تمثل باعلان اكبر تجمع كنسي اميركي، مجلس الكنائس العالمي، معارضته لاستخدام طائرات الدرونز في بيانه الصادر في 13 شباط 2014. واوضح بيان المجلس ان استخدام طائرات الدرونز في عمليات الاغتيال يشكل “تهديدا جادا للانسانية” جمعاء، وادان بشكل خاص الاغتيالات التي تقوم بها الولايات المتحدة في باكستان.

النقابة الاميركية للحريات المدنية (ACLU) وصفت سياسة الدرونز بانها كمن يعيش في “منطقة آمنة من عواقب الدستور Living in a Constitution-free Zone” وما يترتب عليها من متطلبات. وانضم “مجلس الامم المتحدة لحقوق الانسان” لجهود المعارضة باصداره تقريرا قبل بضعة اسابيع يناشد الادارة الاميركية اجراء مراجعة لسياسة الدرونز المعتمدة والكشف عن العوامل التي تعينها في تحديد اهداف اغتيالاتها. واوضح التقرير انه يتعين على الولايات المتحدة بذل جهود مضاعفة للكشف عن معلوماتها المتوفرة الخاصة بآلية قرارها تحديد ما اذا كان عنصر ما “يشكل تهديدا وشيكا” لمصالحها في العمليات السرية الجارية على الاراضي الباكستانية والافغانية واليمينة والصومالية ودول اخرى. وطالبتها ايضا “مراجعة موقفها حيال التبريرات القانونية الخاصة باستخدام الاسلحة الفتاكة في هجمات طائراتها من الدرونز،” واجراء تحقيق لتبيان الانتهاكات وتعويض اهالي الضحايا.

في هذا السياق تزعم السلطات الاميركية ومؤيديها في وسائل الاعلام بأن مسألة الاغتيالات بطائرات الدرونز “لا تثير موجة غضب شعبية او تعاطف مع الحركات الارهابية” في الدول المستهدفة اراضيها، باكستان واليمن، “استنادا لتقارير الاستقصاء الصحافية المقدمة ممن زاروا البلدين.” غياب المعلومات الدقيقة والغموض المتعمد الذي يلف مسألة الاغتيالات يسهم في اضفاء بعض عناصر”الموضوعية” الصحفية لتلك المزاعم، سيما عند الاخذ بعين الاعتبار ما جاء في تفسير “مكتب التحقيقات الصحفية Bureau of Investigative Reporting ” المستقل الذي أكد “قدرته على توثيق كل غارة اميركية شنت بطائرات الدرونز، بيد ان ما ينقصه هو التفاصيل ..  فالتفاصيل الحرجة تستدعي تحديد هوية من لقي حتفه” من ضحاياها.

تقرير معهد “مشروع الأمن الاميركي،” الذي يرأسه المرشح الديموقراطي الرئاسي السابق غاري هارت، يشاطر المكتب الصحفي فيما ذهب اليه، موضحا ان “عددا من الدراسات (التحقيقات) العلنية تناقض بعضها بعضا او تنشر معلومات يستحيل التوفيق فيما بينها . نظرا  لعدم الجزم بدقة المعلومات المتوفرة حول الدرونز.”

تعكف بعض الدول اثارة سياسة الاغتيالات الاميركية على مستوى هيئة الامم المتحدة، تتصدرها الباكستان لاستصدار قرار أممي يشترط انشاء هيئة تحقيق مستقلة للوقوف على غارات الدرونز الاميركية وانتهاكاتها لحقوق الانسان، توّج بتناول مجلس حقوق الانسان النظر في طلب باكستان للمرة الثالثة كان آخرها يوم 19 آذار الماضي. كما ترمي الباكستان تضمين القرار معلومات اكثر تفصيلا لاعداد الضحايا الناجمة عن الدرونز. المعارضة الاميركية لاي دور للهيئة الاممية اوضحته نشرة “فورين بوليسي،” التي طالبت بعدم اتاحة الفرصة لمجلس حقوق الانسان “بسط ولايته القضائية” على انتهاكات حقوق الانسان الناجمة عن الغارات، اتساقا مع نظرة كافة المؤسسات الاميركية الرافضة التعرض لسلوك الولايات المتحدة، التي “تعهدت بالتعاون مع المجلس” في اعلان انضمامها له عام 2009، ورفضت الافصاح عن اي تفاصيل تتعلق بالامر.

ونقلت “فوريسن بوليسي” عن مسؤول رفيع في وزارة الخارجية الاميركية قوله ان الولايات المتحدة “لا تعتبر مجلس حقوق الانسان اطاراً مناسباً للنقاش في مسألة ضيقة الافق تتمحور حول نظام تسليح احادي.” وعليه، تستطيع الولايات المتحدة تجاهل كل ما يصدر عن المجلس من توصيات وقرارات بالاحجام عن حضور جلساته.

في البعد الداخلي الاميركي، من غير المرجح تبلور حملة محلية واسعة للضغط باتجاه تعديل سياسة الدرونز، خاصة بعد تساوق السلطة القضائية ممثلة بالمحاكم الاتحادية المتعددة مع ادارة الرئيس اوباما ومنحها الغطاء القانوني للمضي في تسيير الاغتيالات بالدرونز.

في هذا الصدد، رفضت محكمة اتحادية برئاسة القاضية روز ماري كوليير، قبل نحو اسبوعين، دعوى مقدمة من ناصر العولقي، احد اقارب انور العولقي ونجله الاميركيين اللذين قضيا في غارات الدرونز باليمن والباكستان، على التوالي. المدعي العام الاميركي، اريك هولدر، زعم ان انور العولقي له دور شخصي مباشر في “التخطيط المتواصل وتنفيذ هجمات ارهابية تستهدف اراضي الولايات المتحدة.” وروجت الادارة باتهام العولقي في محاولة لتفجير طائرة مدنية متجهة الى ديترويت ابان فرصة اعياد الميلاد عام 2009، وكذلك الزعم بضلوعه في حادث اطلاق النار داخل القاعدة العسكرية الاميركية، فورت هود، عام 2009 ايضا.

استدركت المحكمة المذكورة قرارها “بامكانية” انتهاك السلطات القضائية لحقوق العولقي المدنية المنصوص عليها في المادة الخامسة من الدستور الاميركي، القاضية بضرورة تقيّد السلطات بحق المتهم في اجراء محاكمة عادلة وفق الاسس المنصوص عليها. وسرعان ما تراجعت القاضية عن تعليلها  ورفضت النظر بالقضية استنادا الى عدم توفر آليات مناسبة للمعالجة. قرار المحكمة ينطوي على تسجيل سابقة خطيرة لشرعنة برنامج الاغتيالات للايحاء المتضمن بعدم توفر فرصة قانونية يلجأ لها من يتعرض للهجمات.

 

مستشارة الشؤون القضائية السابقة للجنة الاستخبارات الخاصة بمجلس الشيوخ، فيكي ديفولي، علقت على “تواطؤ” السلطة القضائية بالقول ان “المدعي العام استند الى نص قانوني هزيل، غير موجود بالمطلق او انه بحاجة لتوفير تضليل كي يتسق مع المعطيات المقدمة.” واضافت “لم نعهد اي رئيس (اميركي) سابق .. استهدف مواطنين اميركيين بالغارات العسكرية.”

سعى “بعض” ممثلي الكونغرس مساءلة الادارة الاميركية وتبريرها للاغتيالات ومدى اتساقها مع النصوص الدستورية، كان من ابرزهم رئيس اللجنة الدستورية في مجلس الشيوخ، باتريك ليهي، الذي اخفق في مواصلة جهوده  لملاحقة الارضية القانونية لسياسة الادارة والتي رفضت بحزم توفير اي معطيات قانونية تدعم مزاعمها.

 

واوضحت ديفولي ان الادارة مغتبطة لدخول المحاكم الاتحادية على الخط لحل الازمة الناجمة عن تحديد الصلاحيات والميل لجانبها رغم ادراكها ان صلاحياتها لا تخولها الحسم في مسائل ذات بعد سياسي. واستدركت بالقول ان الرئيس اوباما بحكم مهنته السابقة كاستاذ جامعي لمادة القانون الدستوري “يدرك بعمق حدود الصلاحيات” المنصوص عليها، ويستغل كل ما يتوفر من ثغرات لتبرير سياساته “حتى وان تعارضت مع الدستور .. ومن المفارقة ان النصوص الراهنة المعتمدة تتيح للكونغرس والمحاكم الاتحادية التدخل للحد من تجاوزات الرئيس (للحقوق المدنية) .. لكنها تستثني دورها في التدخل عند مقتل مواطنين اميركيين.”

 

عضو مجلس الشيوخ “المشاكس،” رون وايدن،” اتهم الرئيس اوباما وادارته بتعطيل جهود الكشف عن ملابسات الصلاحيات الدستورية المتعلقة بالاغتيالات. وقال ان “الصلاحيات المتاحة للرئيس، لا سيما في زمن الطواريء، تخوله تطبيقها في السر دون ادنى جهد للرقابة او المساءلة .. الامر باطل وضار بالمصالح العامة.”

 

توخى “الكتاب الابيض” الصادر عن الادارة الاميركية توضيح “السياسة الراهنة للسلطة التنفيذية” بالزعم ان الرئاسة “مخولة بتعقب وقتل مواطنين اميركيين في الخارج والذين يشكلون تهديدا داهما والقيام بهجمات ارهابية” ضد الولايات المتحدة. قرار المحكمة الاتحادية بشأن اغتيال العولقي تناول مطابقته للشرط المذكور آنفا، بالقول “في الحقيقة انور العولقي كان عضواً فاعلاً وعدواً خطراً للولايات المتحدة.” بيد ان المحكمة اغفلت “امكانية” انتهاك السلطة لحقوق العولقي المدنية باجراء “محاكمة مطابقة للاجراءات” باستنادها الى ما جاء في نصوص “الكتاب الابيض” ذات الستة عشر صفحة من ادعاء متواصل بتوفر الشروط لمقاضاته.

 

بوسع مصطلح “محاكمة مطابقة للاجراءات” ايجاد ارضية واسعة للجدل نظرا لمرونة تفسيره، اذ ان وزارة العدل، نيابة عن السلطة التنفيذية، ترى تنفيذه مرتبط بجملة من المصالح الخاصة المنظور بها: اي ان مقياس استبعاد فرد يأخذ بعين الاعتبار المصالح التي تعتبرها الحكومة ضرورية لحماية سلامة المواطنين الاميركيين. الجهاز القضائي ينظر بعين العطف عادة للشروط والتوصيات المدرجة من قبل المدعي العام “كي ينطبق شرط الاسراع في استيفاء عوامل بدء محاكمة الفرد المستهدف،” التي تكمن بؤرتها في مدى أهمية الموضوع المتناول، وليس بالاتساق مع توفر الاجراءات القانونية. وعليه، فسّرت وزارة العدل مسار التقييم المتضمن في “الكتاب الابيض” بانه “يخضع لتقييم مسؤول حكومي رفيع المستوى ومطلع على الحقائق وتقديم استنتاجه بأن الفرد المستهدف يشكل تهديدا ماثلا” للولايات المتحدة. اما تعريف مصطلح “مسؤول رفيع المستوى” فلم يستحق التناول لتحديد منصبه الرسمي في المذكرة.

 

 تجدر الاشارة الى ان تفسير الادارة لفهمها الوارد اعلاه لا يحظى بالاجماع، بل جرّت على نفسها حملة انتقادات من كافة الاطياف السياسية. القاضي المحافظ بالمحكمة العليا، انتونين سكالِيا، انتقد بشدة ميوعة التفسير عام 2004 ابان الجدل حول تطابق المادة مع الاعتقالات التي تجري في زمن الحرب.

 

السيناتور الديموقراطي “المشاكس،” رون وايدن، ايضا وجه انتقاده للادارة متسائلا “هل هناك من قيود جغرافية امام سعي الرئيس لاغتيال اناس عبر طائرات الدرونز؟ بصيغة اخرى، هل يستطيع الرئيس اصدار امر لطائرة درونز مسلحة بصواريخ “هيل فاير” باغتيال مواطنين اميركيين في منازلهم على الاراضي الاميركية؟”

 

على ضوء قرار المحكمة الاتحادية الصادر المشفوع بتنامي استخدام الحكومة طائرات الدرونز لمراقبة الاجواء الاميركية، تشكل السرية المرافقة لتطبيق الاجراءات القانونية مصدر قلق لعدد من الهيئات الحقوقية والمسؤولين على السواء، لقناعتهم ان حق المتهم الامتثال لمحاكمة عادلة منصوص عليه في الدستور الاميركي، والذي رمى لتقييد الحكومة من اصدار احكام سرية وتعريض المواطنين لخسارة ممتلكاتهم وحرياتهم، وربما ارواحهم.

 

وسائل الاعلام الاميركية سلطت الضوء في الآونة الاخيرة على استخدام الحكومة المركزية طائرات الدرونز لتتبع واعتقال مواطنين اميركيين، وقع ضحيته الاولى المواطن توماس بروسارت، عام 2011 في ولاية نورث داكوتا، بعد اعتقاله لرفضه اعادة بعض رؤوس الماشية من الابقار التي قادها مسار البحث عن الكلأ الى ارضه. اعتادت اجهزة الشرطة الاميركية المتعددة والمنتشرة على طول وعرض الاراضي الاميركية استخدام طائرات الدرونز لاغراض المراقبة.

 

اعربت النقابة الاميركية للحريات المدنية (ACLU) عن قلقها العميق من مصير المعلومات، اذ ” تقودنا الحيلة للقول اننا بحاجة الى نظام يستند الى قواعد محددة كي نضمن امتلاكنا ميزات تقنية الدرونز دون الوصول الى مرتبة مجتمع يخضع للمراقبة الدائمة.” واردفت ان ما تطالب به هو “حجب قدرة الدرونز على الرقابة الجماعية وفي نفس الوقت اتاحة الفرصة لاجهزة الشرطة استخدامها في حالات المخالفات.”

 

اتساقا مع وعود الرئيس اوباما الوردية، الزم نفسه العام الماضي ببلورة سياسة جديدة توضح اسس استخدام طائرات الدرونز، ولم يكترث قيد انملة للادانة العالمية الواسعة لسياساته، بل من المرجح استمراره في الاعتماد على طائرات الدرونز كسلاح. فضلا عن ان قرار المحكمة الاتحادية المشار اليه مؤخرا سيمهد الارضية السياسية للادارة ومؤيديها بالاستمرار في سياسة الاغتيالات.

التحليل 11-04-2014

التحليل:

تداعيات تحول مركز ثقل السياسة الاميركية نحو آسيا على المنطقة العربية

اعلن الرئيس اوباما عن نيته زيارة عدد من الدول الاسيوية بعد مضي نحو ستة أشهر على “ارجائه” زيارته الماضية، مما ضاعف قلق الدول التابعة للوصاية الاميركية من جدية الالتزامات المعلنة باستدارة زخم الاستراتيجية المقبلة نحو آسيا لمواجهة صعود كل من الصين وروسيا، والتغيرات التي ستلحق بالشرق الاوسط نتيجة ذلك.

الدول المدرجة في جدول زيارة اوباما: اليابان، كوريا الجنوبية، الفيلبين، وماليزيا والتي تصدرت كل منها التغطية الاعلامية مؤخرا، سيما للطائرة المدنية الماليزية المفقودة في مكان ما من البر او المياه الاسيوية وما استدخلته من تنامي ارتباك وازعاج لسلامة الطيران المدني في المنطقة. كوريا الجنوبية انشغلت  بتبادل لقذائف المدفعية مع جارتها الشمالية؛ اما اليابان والفليبين تترنحان تحت وطأة تعزيز انفاقاتهما العسكرية ونشر قواتهما لمواجهة “تمدد الصين في مياه بحر الصين الجنوبي،” مع الاشارة الى عدم رصد تبادل لاطلاق النار مع الصين للحظة.

لا يجادل احدا في تلبد الاجواء ومخاطر اندلاع مواجهات عسكرية منذ العام الماضي. للدلالة اعلنت اليابان مؤخرا عن تنفيذ عدد من طائراتها المقاتلة نحو 415 طلعة جوية لحماية اجوائها من الطيران الحربي الصيني الذي حلق لمسافة قريبة من الاجواء اليابانية العام الماضي، والذي قفز عما سبق رصده من طلعات حربية بلغت 306 طلعة لعام 2012، على خلفية ملكية جزر ديايو (الصين) او سينكاكو بالنسبة لليابان، او تياويوتاي بالنسبة لتايوان التي تزعم ايضا ان لها حصة من الجزر الواقعة في بحر الصين الشرقي.

كما ان تمدد الصين لبسط سيطرتها على بحر الصين الجنوبي يثير خشية الفيليبين سيما بعد حادث اعاقة الصين الشهر الماضي حركة سفنا فليبينية تنقل الامدادات الى الرصيف المرجاني المتنازع عليه والذي يخضع لسيطرة الفيليبين راهنا. وتحركت الولايات المتحدة بتقديم وزارة خارجيتها احتجاجا لدى الصين وصفت الاجراء “بالاستفزازي،” فيما ردت الصين بان سيادتها الاقليمية تشمل تلك الشعاب المرجانية. كذلك اعربت ماليزيا عن جزعها من الوضع القانوني لمياه بحر الصين الجنوبي اذ انها تزعم سيادتها على بعض مناطق الحوض المائي.

ما يعزز تلك المخاوف لدى كافة الدول المتشاطئة ايضا اهمية المنطقة كممر بحري رئيسي لتجارتها جميعا في طوق المحيط الهاديء، وتعتبر ان بسط الصين سيادتها العملية على المنطقة تمثل خطرا على تبادلاتها التجارية فيما بينها ومع باقي دول العالم.

لا تغفل الاطراف مجتمعة الثروات الطبيعية التي تختزنها المنطقة، وبدأت تتصدر توترات العلاقات الاقتصادية، خاصة عقب اعلان شركة “فايلكس للمناجم” الفليبينية، مطلع الاسبوع الجاري، عن تعليق مفاوضاتها الجارية مع شركة الصين الوطنية للنفط للقيام بتنقيب مشترك في مياه بحر الصين الجنوبي. اعلان الشركة الفيليبنية القى مسؤولية التعليق على الجانب الصيني.

الفيليبين تعلق امالا كبرى على استكشافات الغاز الطبيعي في اعماق بحر الصين الجنوبي، وما يفاقم مأزقها عدم توفر سيولة الاموال الضرورية لدى شركات القطاع الخاص للمضي باستكشافاتها بصورة مستقلة؛ وكانت تتطلع للمشروع المشترك مع الصين بايجابية كبيرة مما قد يؤدي الى تسوية مشتركة قريبة للنزاع الحدودي بينهما.

 من المرجح ان تسفر زيارة الرئيس اوباما للفليبين عن توصل الطرفين لاتفاقية دفاع مشتركة، سيما وان القوات الاميركية كانت مرابطة في الاراضي الفليبينية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية الى ان تم سحب معظمها عام 1992 عقب نهاية الحرب الباردة. تجدر الاشارة الى ان متاعب الفليبين الناجمة عن الركود الاقتصادي حال دون اقدامها على زيادة نفقاتها العسكرية بعد انسحاب اميركا من اراضيها. لهذا يتعين عليها البقاء في حلبة اللحاق عسكريا بجيرانها خشية استغلال الصين لوضعها الهش.

تعتبر القوات المسلحة الفليبينية من اضعف القوات العسكرية الاقليمية، وتخلو من اي طائرات حربية مقاتلة، مما دفع بها الى شراء نحو 12 مقاتلة من كوريا الجنوبية من طراز FA-50، بكلفة اجمالية تبلغ 421 مليون دولار، وتتطلع لتسلم اول طائرتين منها العام المقبل؛ يرافقها تخصيص الحكومة مبلغ 1.6 مليار دولار للانفاق على تحديث عتاد القوات العسكرية تتضمن نظم رادار استكشاف جوية مصدرها “اسرائيل.”

بالمقارنة، تبدو كوريا الجنوبية افضل حالا لناحية القوة العسكرية بيد انها تواجه توترات مضطردة مع جارتها الشمالية، اذ رصد تبادل اطلاق مئات من قذائف المدفعية بينهما الاسبوع الماضي، عقب اصدار كوريا الشمالية تحذيرا انها بصدد اجراء تجربة نووية جديدة، وذلك في اعقاب انجاز تجربتها السابقة واطلاقها صاروخين باليستيين ذات مدى متوسط رافقه تهديد اليابان باطلاق النار على اي صاروخ مصدره كوريا الشمالية، التي ردت بانها “لا تستبعد” اجراء تجربة جديدة على رأس نووي.

وزارة خارجية كوريا الشمالية اصدرت بيانا جاء فيه انها “لا تستبعد اجراء تجربة نووية بشكل جديد بغية تعزيز قوة الردع النووية (للبلاد) .. وينبغي على الولايات المتحدة التوقف عند هذا الاجراء ووقف تصرفاتها المتهورة.” لكن بيان الخارجية خلا من تفسير كوريا الشمالية لما اسمته “شكل جديد” من التجارب، وسارعت جارتها الجنوبية بالقول انها لم ترصد اي مؤشرات على اجراء تجربة نووية في الشطر الشمالي.

اميركا ترد

على الرغم من انشغال الولايات المتحدة بتطورات الازمة الاوكرانية، وجدت نفسها في وضع يحتم عليها الرد على التدابير الصينية. وارسلت وزير الدفاع، تشاك هيغل، الاسبوع الماضي لزيارة الصين لايصال رسالة واضحة لقادتها بأن الولايات المتحدة تقف الى جانب حلفائها، مما اثار امتعاض المضيف الصيني.

تنوي الولايات المتحدة ايضا تعديل نصوص اتفاقية تحالفها العسكري مع اليابان، تجسد بابلاغ البيت الابيض الحكومة اليابانية عزمه على تعزيز العلاقات الثنائية. يذكر ان المعاهدة المبرمة تمت المصادقة عليها منذ 17 عاما دون تعديل، ويشكل اعلان البيت الابيض قلقا ماثلا امام الرئيس اوباما حول الوضع الاقليمي في المياه الاسيوية. المعاهدة الثنائية مع اليابان تأتي بخلاف صيغة الاطار الأمني لدول متعددة اعضاء في حلف الناتو الذي لا يتواجد في منطقة المحيط الهاديء، وينظر لها كحجر الاساس لمواجهة التحركات الصينية.

تتمحور التحديات المستجدة امام اتفاقية الدفاع المشتركة حول منح اليابان حق الدفاع عن النفس، سيما وان الدستور الياباني يحظر ذلك، وتبلورت وجهة نظر الحكومة اليابانية برئاسة شينزو آبي للنظر بعين العطف للتحديات والميل لتعديل ميثاق البلاد. التحدي الابرز هو آلية تعريف “الدفاع الذاتي” وتطبيقاتها. ومن شأن الصياغة الجديدة للمعاهدة التركيز على هيكلية القيادة المشتركة للطرفين وتشخيص الظروف والاوضاع التي تستدعي ردا اميركيا يابانيا مشتركا.

الاتفاقية الثنائية ابرمت عام 1978، وتم تعديل نصوصها عام 1997 ابان ولاية الرئيس بيل كلينتون كرد رمزي على اجراء الصين تجارب صاروخية متعددة في المياه القريبة من تايوان؛ وانتهت المواجهة المحتملة سريعا عقب ارسال الولايات المتحدة حاملتي طائرات للمنطقة وتراجعت الصين عن “استفزاز” المحمية الاميركية.

بعد الانتشار والتمدد العسكري الاميركي منذئذ قد تبرز صعوبة في ارسال حاملة طائرات واحدة للمنطقة، فما بالك حاملتي طائرات، نظرا لتعزيز الصين قدراتها العسكرية ومواجهة الآلة الاميركية باسلحة صاروخية وغواصات متطورة ان قررت الاقتراب من المناطق السيادية.

عند النظر الى القوة العسكرية المشتركة لكل من اليابان واميركا في المنطقة، باستطاعة المرء استنتاج تشكيلها قوة ردع رئيسة امام القوة العسكرية الصينية في المنطقة، ولا يجادل بتفوق القوة المشتركة على خصمها الصينية، بيد ان الاخيرة تتمدد وتتعزز باضطراد.

الخطر الصيني

تجمع الاوساط العسكرية ان تعزيز الصين لقواتها ومعداتها العسكرية يأتي خدمة لنشر قوتها وهيبتها بعيدا عن اراضيها، ويشار الى زيادة نفقاتها العسكرية بنسبة 12.2% في العام الجاري لتبلغ نحو 132 مليار دولار، للسنة الرابعة على التوالي التي تخصص فيها زيادة الميزانية معدلات تفوق 10% من مجمل الناتج المحلي. يعتقد ان سلاح البحرية الصيني سيكون الرابح الاكبر من زيادة الميزانية العسكرية تعزيزا لمهمة نشر الهيبة في البحار القريبة.

يشار ايضا الى بلورة الصين قوة بحرية متميزة باستطاعتها القتال في المياه العميقة والبعيدة عن شواطئها، يكنى بسلاح المياه الزرقاء البحري. كما اعلنت عن انجازها بناء حاملة طائرات بجهود محلية، والتي ستنضم الى الحاملة لياونينغ سوفيتية الصنع بعد تجديدها وتحديث تسليحها – وهي الحاملة التي استقبل على متنها وزير الدفاع الاميركي تشاك هيغل في زيارته الاخيرة. كما تخصص الصين جهودا وامكانيات اضافية لتعزيز سلاحها الجوي لاسيما في مجال بناء طائرات الشبح الخفية عن اجهزة الرادار وباستطاعتها اختراق الدفاعات الجوية اليابانية / الاميركية المشتركة الحامية للقوات البحرية.

البحرية الصينية تهدف للسيطرة على “سلسلة جزر الارخبيل الاولى،” الممتدة من اراضي جزيرة اوكيناوا وحتى بحر الصين الجنوبي؛ لتواصل سيطرتها فيما بعد على السلسلة الثانية من جزر الارخبيل الممتدة شرقا من طوكيو الى جزر غوام (تحت السيطرة الاميركية راهنا). تواجد البحرية الصينية المكثف في سلسلة الجزر الاولى تضع عراقيل امام حرية عمل قطع البحرية الاميركية؛ فضلا عن تلمس ارسالها قطعا بحرية بالقرب من شواطيء جزر هاوايي لرصد التحركات الاميركية.

ردود الافعال الاميركية تجسدت في نشر وزارة الدفاع، 4 آذار، تقريرها لمراجعة الاستراتيجية التي تتم مرة كل اربع سنوات والذي يطالب في نشر مزيد من القطع البحرية في المحيط الهاديء، وكذلك تحويل نحو 60% من ارصدة سلاح البحرية الاحتياطية الى مياه المحيط الهاديء واستكمالها مع حلول عام 2020، التي تشكل 50% من المستويات الراهنة. القوة البحرية الاميركية المحدودة قد لا تكون كافية للتصدي لما يسمى “التهديد الصيني” بحد ذاته، لكن من شأنها مواجهة محاولات حرمانها من عبور عباب البحار المحيطة من قبل البحرية الصينية هناك.

تأثيرات الاستدارة الاسيوية على منطقة الشرق الاوسط

المتطلبات الدولية على الاستراتيجية العسكرية الاميركية ستنعكس آثارها على حضور القوة الاميركية في الشرق الاوسط برمته، لعوامل متعددة: الاول، الاحتياطي الاكبر للقطع الحربية الاميركية يقع في مياه المحيط الهندي والخليج العربي، خارج الشواطيء الغربية للمحيط الهاديء، والتي سينقل بعضها او جزء كبير منها الى بحر الصين الجنوبي في حال تصاعد التوترات في المنطقة. ثانيا، تحويل الموارد والقدرات العسكرية الاميركية باتجاه آسيا سيأتي على حساب قواتها المتواجدة في المحيط الهندي والبحر المتوسط واروبا ايضا، وهي التي عادة ما يقع الاختيار عليها لتعزيز التواجد العسكري الاميركي عند تصاعد وتيرة النزاع في الشرق الاوسط.

ينبغي لفت النظر الى الوعود المتتالية التي اطلقها الرئيس اوباما بان العسكرية الاميركية تتجه للتمركز في آسيا، حصدت نتائج متواضعة، وقد تتكرر التجربة مرة اخرى. وفي الوقت عينه، ينبغي عدم الافراط بالتوقعات من قدرة القوة العسكرية النامية للصين تشكيل تهديد حقيقي للعسكرية الاميركية او لحلفائها في مياه المحيط الهاديء.

يبلغ طول مساحة الشواطيء الصينية نحو 5000 كلم، بيد انها تعرف تاريخيا ككتلة برية متجانسة محاطة بعدد من الامم والاعراق التي تنافسها، مما يعرقل جهودها لتحويل موارد كافية لبلوغها مرتبة متقدمة في سلاح البحرية، كما تفيد بذلك التجارب التاريخية عند مقارنة بين طموح الأمم المائية بتلك العروفة باراضيها الواسعة. الحدود الصينية البرية تشاركها فيها 14 دولة مما يتطلب حشد قوات كبيرة لحمايتها ومراقبتها. يبلغ تعداد الجيش الوطني الصيني نحو 1,6 مليون مليون فرد مما يضعه في المرتبة الاولى عالميا. حدودها المشتركة مع الهند شهدت توترات ومواجهات عدة في الماضي القريب، كما توكل لجيشها مهمة الحفاظ على الأمن والاستقرار في مقاطعات الحكم الذاتي في زينجيانغ وويغور.

التجارب التاريخية تدل بعقم سياسة توجه بلد ذو مساحة شاسعة الى قوة بحرية، كما تشير تجارب القرنين الثامن والتاسع عشر لتجربة فرنسا كي تصبح قوة بحرية كبيرة، والتي فشلت في مواجهة عدد متدني من قطع الاسطول البريطاني في موقعة الطرف الاغر. كذلك جربت المانيا حظها في القرن التاسع عشر والقرن العشرين بغية مواجهة سيطرة البحرية البريطانية على حرية الابحار، لتجد نفسها تراجعت لميناء انطلاقها عقب معركة جوتلاند ابان الحرب العالمية الاولى. حديثا، كرر الاتحاد السوفياتي التجربة عينها ليجد نفسه امام سخاء انفاق الولايات المتحدة على اساطيلها الحربية.

بسط القوة والسيطرة البحرية تأتي نتاج لعدد حاملات الطائرات العاملة والقدرة على حسن استخدامها. القوى الغربية الثلاث بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة تتميز بتاريخ وتجارب طويلة ممتدة لنحو 80 عاما؛ اما الصين فلا تستطيع التقرب من المقارنة اذ تخلو من خبرة مماثلة.

تشير الوثائق التاريخية المفرج عنها الى توفر قناعة عند القيادة السوفياتية ابان الحرب الباردة بحجم التعقيدات التي واجهته في انشاء وبناء حاملات طائرات تمخر عباب البحر باطمئنان مستندة الى فعالية حمولتها. اما القطع التي ادخلها الاتحاد السوفياتي آنذاك فكانت تحمل على متنها قاذفات قنابل تطلق عموديا ذات فعالية متدنية. بعد طي صفحة الحرب الباردة، كانت تلك القطع على رأس القائمة للسفن التي خرجت من الخدمة.

العقبات التي اعترضت بلوغ القوى المشار اليها تطوير ترسانتها البحرية، خاصة المانيا والاتحاد السوفياتي، تنسحب ايضا على طموح الصين. تحيط بشواطئها سلسلة جزر تعود ملكيتها لدول اخرى وتنظر بعين الريبة والحذر من توجهات الصين. بالمقابل، السلاح الجوي لدولة ذات مساحة جغرافية واسعة باستطاعته انزال الهزيمة بسلاح البحر، كما خبرت بريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية.

باستطاعة الصين السيطرة على سلسلة الجزر التي تطمع لضمها لو احسنت استخدام تكتيك سلاح البحرية الاميركية في الحرب العالمية الثانية، بشن غارات برمائية مكثفة على الاهداف. لكن السيطرة على الجزر المحيطة باليابان استغرقت ثلاث سنوات تخللها دخول القوات البرمائية وسلاحي الجو والبحرية قبل الاطمئنان الى السيطرة الكاملة. تملك الصين قدرات لا بأس بها من القوات والقدرات البرمائية، لكن النتيجة ليست في متناول اليد او مضمونة سيما عند الاخذ بعين الاعتبار افتقارها الى قدرات لوجستية عسكرية كبيرة تتطلبها مهمة السيطرة على تلك الجزر وامدادها بما تحتاجه من موارد.

حضور الصين كقوة عالمية قد لا يتحقق في المدى القريب سيما لو ثبتت الولايات المتحدة عند التزاماتها المعلنة بحماية حلفائها الاقليميين. واستطرادا قد يؤدي ذلك الوضع الى استمرار الولايات المتحدة كقوة كبيرة الحضور في منطقة الشرق الاوسط وتسخير اقل ما يمكنها من موارد للتحرك شرقا بصورة دائمة.

التحليل 04-04-2014

التحليل:

كيف يشتري مال القمار الصهيوني البيت الابيض؟

 

اموال الاثرياء ومباركة القضاء يصنعان الرئيس المقبل

حدثين متتاليين، وان ليس مترابطين، قفزا الى صدارة اهتمامات الاميركيين هذا الاسبوع  ومن شأنهما ترك تداعيات طويلة الأجل على المشهد السياسي والانتخابي لعدة عقود مقبلة؛ وقد تركا بصمات جلية تفيد بسيطرة شريحة شديدة الثراء وقليلة العدد على النتائج الانتخابية والمستقبل السياسي القريب من ناحية، وتعميق معاناة القوى الشعبية والمهمشة تحت وطأة هيمنة رأس المال المصرفي على مراكز صنع القرار.

الحدث الاول، اصدار المحكمة العليا الاميركية قرارا قضائيا يرفع فيه كافة القيود الموضوعة على حجم التبرعات الفردية المسموح بها لاي مرشح لمنصب سياسي؛ وعليه يصبح بوسع الاثرياء التبرع بمبالغ ضخمة غير مسبوقة والتي كانت محددة بنحو 2،600 دولارا للفرد، و 10،000 للحزب او متفرعاته من اللجان السياسية والداعمة.

القرار أتى انعكاسا لسيطرة ونفوذ التيار المحافظ على المحكمة، منذ عهد الرئيس الاسبق نيكسون، واستطرادا على التوجهات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الاميركية، باغلبية 5 ومعارضة 4 قضاة. وعلل رئيس المحكمة العليا وزعيم الاغلبية المحافظة، جون روبرتس، القرار المفصلي بالقول ان “انفاق مبالغ كبيرة متصلة بالعملية الانتخابية .. لا يعزز مفهوم الفساد السائد والمنفعة المتبادلة .. دور المال في السياسة قد يبدو احيانا كريه ومثير للاشمئزاز عند البعض، وينطبق ذلك ايضا على كم من محتويات ونصوص مادة التعديل الدستورية الاولى التي تسعى بقوة لحماية” حرية التعبير. الفريق القضائي المعارض في العليا وصف القرار بأنه “ينتزع القيود القومية والقوانين الناظمة لتمويل الحملات الانتخابية.”

وزارة العدل الاميركية اعربت عن قلقها البالغ للتداعيات المستقبلية الناجمة عن القرار “المصيري” في بيان اصدره النائب العام قائلا، بعد اليوم “سيصبح في متناول مجموعة يقل عددها عن 500 فرد تمويل كلفة الحملات (الانتخابية) بالكامل. هناك خطر حقيقي ماثل قد يؤدي الى سيطرة تلك المجموعة على كافة مرافق الدولة وادارتها” خدمة لمصالحها. قرار العليا من شأنه قطع الفواصل المسلم بها لمفهوم حرية التعبير المقدسة واعلاء شأن تمويل الحملات الانتخابية كنمط من انماط حرية التعبير.

الحدث الثاني يتعلق بالاصطفاف المبكر لمرشحي الرئاسة المرتقبين عن الحزب الجمهوري وتقربهم من مصادر التمويل الضخمة لدى الجالية اليهودية الاميركية. ففي 29 آذار المنصرم استضاف الملياردير اليهودي شيلدون اديلسون اربعة مرشحين محتملين عن الحزب الجمهوري في مركز نشاطاته الاقتصادية، كازينو “فينيشيان” للقمار في مدينة لاس فيغاس. تمت الدعوة تحت رعاية مجموعة تدعى “تحالف الجمهوريين من اليهود،” يمولها كبار الاثرياء، ينصتون للمرشحين وهم يكيلون آيات الاطراء والتغني “باسرائيل” والتسابق على مدى الالتزام بدعمها وتأييدها في سياساتهم المقبلة. يدرك المرشحون لمنصب الرئيس ان الفوز بتبرعات اديلسون السخية مرهون بالتماثل مع مطلبه الثابت والرئيس: مدى التزام الرئيس المقبل الفعلي بدعم “اسرائيل.”

الحدث اثار اعتراض صحيفة نيويورك تايمز التي جاءت افتتاحياتها بتاريخ 31 آذار بغضب وتهكم تحت عنوان “الوقوف بالصف لتقبيل قدمي اديلسون،” موضحة ان مجموعة التحالف صاحبة الدعوة هي “احدى الهيئات المملوكة بالكامل لاديلسون .. اذ اصطف امامه مرشح تلو الآخر .. بغية نيل رضاه …” كما لفتت الافتتاحية النظر الى خطورة انتشار ظاهرة “محبي السامية،” كنقيض لمعاداة السامية، بين اقطاب الحزب الجمهوري لمحاباة منابع التمويل المصرفي.

يصنف اديلسون بانه واحد من 10 شخصيات مفرطة الثراء على المستوى العالمي، وتقدر ثروته بنحو 47 مليار دولار العائدة من ملكيته وادارته سلسلة من كازينوهات القمار؛ انفق ما ينوف عن 150 مليون دولار على حملة دعم المرشحين الجمهوريين وفي مقدمتهم المرشح الجمهوري السابق، ميت رومني، عام 2012.

اصطف امام اديلسون “لتقبيل قدميه،” حكام ثلاث ولايات عن الحزب الجمهوري، اسوة بما فعل سابقا نيوت غينغريتش وميت رمني: كريس كريستي عن ولاية نيوجيرزي؛ سكوت ووكر عن ولاية ويسكونسن؛ جون كيسيك عن ولاية اوهايو؛ وحاكم ولاية فلوريدا السابق جيب بوش، شقيق الرئيس السابق جورج بوش الابن. الولايات المذكورة وقع عليها الاختيار بعناية نظرا لحجم الجاليات اليهودية الفاعلة فيها وثقلها السياسي في حسم النتائج الانتخابية، والتي صوتت لصالح المرشح اوباما عام 2012.

من العسير عدم تيقن الحضور من المرشحين للقضايا والمخالفات القانونية التي تلاحق اديلسون، لا سيما التهمة الثابته بقيامه توزيع رشاوى مالية على مسؤولين سياسيين “اجانب؛” الامر الذي اثارته عدد من وسائل الاعلام الرئيسة، واخيرا معارضة اديلسون لمشروع قانون يجيز لعب القمار على شبكة الانترنت.

المتحدث الاسبق باسم البيت الابيض في عهد الرئيس جورج بوش الابن، آري فلايشر، وعضو تحالف الجمهوريين من اليهود، وصف اللقاء بدقة قائلا انه بمثابة “انتخابات تمهيدية هامة لشيلدون (اديلسون).. كل من يسعى للفوز بترشيح الحزب الجمهوري (لمنصب الرئيس) يرغب في طلب ود شيلدون واصطفافه الى جانبه.” ما لم يقله فلايشر ان اديلسون يسعى الى التعلم من اخطائه السابقة في مراهناته الخاسرة على غينغريتش (15 مليون دولار) وميت رومني.

قائمة المستثنيين من دعوة اديلسون

قبل الولوج في بعض تلك الاسماء تجدر الاشارة الى توقيت ومغزى قرار المحكمة العليا برفع القيود عن حجم التبرعات للمرشحين والاحزاب السياسية. في الجولة الانتخابية السابقة، ساهم بعض فاحشي الثراء عن الحزب الجمهوري، الاخوين كوك، بتشكيل تيار حزب الشاي ممثلا للتوجهات المحافظة سياسيا واجتماعيا واقتصاديا. وما لبث التيار ان فقد بريقه السياسي سريعا بفعل الاحداث والتطورات السياسية، وكذلك لسلسلة من المطبات السياسية التي ارتكبها بعض اشهر رموزه: السيناتور تيد كروز، مثالا.

وعليه، قرأ الاخوين كوك ونظرائهما الاثرياء المحافظين الخريطة السياسية بدقة ورغبتهم بالابتعاد عن دعم تيار او مجموعة بعينها بعد ان زالت كافة العقبات القانونية لدعم اي مرشح محدد. وستشهد الخريطة السياسية المقبلة تجاوز تيار حزب الشاي وامثاله سريعا، وربما تلاشيه قبل بدء الجولة الانتخابية.

في هذا السياق، استثنى شيلدون اديلسون بعض اهم رموز الحزب الجمهوري من الدعوة: السيناتور تيد كروز، الذي ذهب في تصريحاته المتشنجة مديات ابعدته عن قاعدته الجمهورية رغم تأييده ودعمه “لاسرائيل؛” السيناتور راند بول، الذي يتنقد احيانا السياسة الاميركية في دعم “اسرائيل” ويحظى بشعبية ثابتة في قاعدة الحزب الجمهوري؛ حاكم ولاية تكساس ريك بيري؛ الحاكم السابق لولاية اركنساس والمرشح الرئاسي السابق مايك هاكابي؛ وسارة بيلين. كل له مثالبه وسقطاته السياسية بالنسبة لبرنامج الحزب الجمهوري الاستراتيجي.

يتميز رون بول على الآخرين بجاذبية خطابه وقدرته على استقطاب حشود من خارج دائرة الحزب الجمهوري، بل مخاطبة بعض معاقل دوائر الحزب الديموقراطي الانتخابية، وسعيه الثابت للتقاطع وايجاد نقاط مشتركة مع التيارات الليبرالية واليسارية، لا سيما فيما يخص مناهضته لسيطرة وكالة الأمن القومي وتجسسها على كافة مناحي الحياة اليومية وانتهاكها الصارخ للحقوق الفردية والجماعية.

السيناتور تيد كروز حجز مقعدا مبكرا له في قائمة المحيِرين والمربِكين من بين المرشحين عن التيار المحافظ، رغم تصريحاته المتكررة عن صدق دعمه الثابت “لاسرائيل،” بوتيرة تفوّق فيها على كل منافسيه الآخرين. بيد ان ميوله للتيار الاشد محافظة لم يلقَ اذانا صاغية لدى اديلسون؛ وكذلك الامر مع كل من هاكابي وحاكم ولاية تكساس المحافظ ريك بيري وسارة بيلين.

من بين المدعوين الاربعة على مائدة اديلسون، برز حاكم ولاية ويسكونسن، سكوت ووكر، الذي يتمتع بشعبية معتبرة داخل قواعد الحزب الجمهوري والتي لا تكن احتراما كبيرا للسلالات العائلية وانتماء جيب بوش لتلك الفصيلة، خاصة مع تنامي اعتراضاتهم على امكانية دخول هيلاري كلينتون حلبة الترشيحات الرئاسية وتكرار تجربة السلالات الرئاسية.

كريستي، حاكم ولاية نيوجيرزي، بدأ سباقه الرئاسي بفضيحة سياسية تمثلت بدوره المزعوم في اصدار أمر لسلطة المرور باغلاق جسر رئيسي يربط ولايته بمدينة نيويورك ابان ذروة الازدحام ليعاقب منافسه السياسي الذي سيلحقه اللوم من ازمة السير باعتباره المسؤول المباشر عن تلك المنطقة، فضلا عن مواقفه المتقاربة من النبض الشعبي العام المؤيد لفرض قيود مشددة على اقتناء السلاح الفردي مما جعله يغرد خارج سرب المحافظين في الحزب الجمهوري. اما جون كيسيك فقد اغضب قاعدته الحزبية في ولاية اوهايو لدعمه برنامج الرعاية الصحية الشامل، اوباما كير، ومطالبته اقرانه بتوسيع نطاق تغطيته.

اللافت في لقاء التحالف غياب اديلسون عن خطاب سكوت ووكر، الصاعد بقوة، مقارنة بمحاباته الآخرين، مما يؤشر على عدم تيقن الممولين اليهود ومن بينهم اديلسون من فوز احدهم وقد يجدون انفسهم منفردين بدعم مرشحين لا يحظون بتأييد القاعدة الانتخابية للحزب الجمهوري.

حيثيات لقاء تحالف الجمهوريين من اليهود

استضافة المرشحين الطامعين بالمنصب الرئاسي والطلب من الآخرين بالحضور كان بغرض الاستدلال واستشراف حظوظ كل منهم قبل ان يقع القرار على تأييد احدهم بشكل جدي. كما ادرك اصحاب الدعوة، بالاضافة الى اديلسون، ان الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري ستكون اقصر من غيرها في الجولة المقبلة، سيما وان ولايات اربع ستجري انتخاباتها مبكرا في شهر شباط 2016؛ تتبعها عدة ولايات تعقد جولة انتخاباتها في الاشهر المقبلة: آذار ونيسان وأيار. مؤتمر الحزب الجمهوري العام سيعقد في فترة اواخر شهر حزيران او اوائل تموز 2016، الامر الذي يقتضي وضع استراتيجية تمويل مبكرة.

ربما هذه الخاصية ساهمت في دغدغة مشاعر اديلسون لادراكه ان فصلا قصيرا من الانتخابات التمهيدية يؤدي الى ثبات مرشح يضح تحت تصرفه اموال كبيرة والفوز بترشيح الحزب، مما حدى باديلسون دخول الحلبة مبكرا وحجز مقعد المرشح الاوفر حظا – وفق رؤيته السياسية بالضرورة.

من سوء حظ اديلسون تجديد الحزب الجمهوري العمل بالقوانين السابقة الناظمة لهوية حضور المؤتمر العام، واعادة القرار النهائي الى القواعد الحزبية وتحديد ممثليهم داخل المؤتمر؛ الأمر الذي قد يثير قلقا لدى اديلسون لعدم ممارسته اقصى نفوذه لترجيح مندوب معين للمؤتمر العام قد لا يحظى بدعم اللجان المحلية للحزب.

وتضاعفت الاخبار السيئة لاديلسون اذ اعتادت ولاية نيفادا، مقر اقامته واعماله التجارية، على عقد انتخاباتها التمهيدية مبكرا وميل الهيئات الحزبية الى سحب تلك الميزة واستبدالها بولاية اخرى تقع في المنطقة الغربية من البلاد، نظرا لتنامي نفوذ الحزب الديموقراطي فيها. القرار النهائي سيتم البت فيه عند انعقاد اللجنة المركزية للحزب الجمهوري في شهر ايار المقبل، ويرجح ان تفوز به ولاية اريزونا.

في الحيثيات، حظي جيب بوش برعاية مميزة من اديلسون وعقيلته اللذين استضافاه على عشاء خاص قبل المؤتمر بيومين، مدركين حث القوى المؤثرة في الحزب الجمهوري لجيب بوش دخول حلبة الترشيحات الرئاسية. وحاضر في اللقاء السفير الاميركي الاسبق لدى الأمم المتحدة، جون بولتون، الذي افرد حيزا واسعا من كلمته لانتقاد السيناتور راند بول “حول اسرائيل.” من بين المتكلمين ايضا برز جون كيسيك، اوهايو، كاكبر متذللٍ لاديلسون موجها كلمته له بالاسم مرحبا باستثمارات الاخير في ولاية اوهايو.

كريستي نال القدر الاعظم من التغطية الاعلامية “لزلة” لسانه امام اديلسون قائلا انه صعد على طائرة مروحية وطار في اجواء “الاراضي المحتلة،” ابان زيارته، مما اثار غضب اليهود من الحضور لا سيما صاحب الدعوة اديلسون. بل طالبه رئيس “المنظمة الصهيونية الاميركية،” مورتون كلاين، بضرورة تفسير قصده من “الاراضي المحتلة.” ولم يكتفي كلاين بتفسير كريستي اذ علق لاحقا بالقول “اما ان كريستي لا يفهم المسألة، او انه معاد لاسرائيل.” وشرع كريستي لعقد لقاء خاص مع اديلسون لاحقا لتقديم اعتذار شخصي عما ورد، والتأكيد على “دعمه اللامحدود لاسرائيل.”

اما راند بول، فلم يشأ ان يبقى خارج السرب واوضح لاحقا  لعدد محدود من اكبر ممولي الحزب الجمهوري رغبته في “بلورة” رؤيته في السياسة الخارجية “لا سيما فيما يتعلق باسرائيل؛” وعزم على التقرب من الممولين اليهود تعبيرا عن صدق نواياه. بعض اعضاء التحالف المذكور اعرب عن عدم ثقته بموقف راند بول وعقد النية لهزيمته في الانتخابات التمهيدية. الامر عينه ينطبق على اديلسون الذي لا يروق له مرشح سياسي يغلب المصالح القومية الاميركية على ما عداها امام جمهور الناخبين، وخاصة ان نسبة كبيرة من “الوطنيين” الاميركيين يذكّرون انفسهم واقرانهم بمقولة منسوبة لمؤسس الدولة، جورج واشنطن، محذرا من التقارب مع دولة معينة قائلا “الترابط الانفعالي والحماسي لدولة نحو اخرى ينجم عنه عدد من الشرور.”

الفائز بمقاسات اديلسون ودلالاته

اديلسون ونظرائه من الممولين اليهود لم يرسوا على قرار بدعم مرشح بعينه، ربما لأن الوقت غير مناسب راهنا. توقع البعض ان يتصدر كريس كريستي قائمة المرشحين، بيد ان زلة لسانه المذكورة حول “الاراضي المحتلة” وتحديد مسؤوليته في فضيحة اغلاق جسر المرور قد ركنتاه جانبا الى حين. ان صحت هذه التوقعات فان الساحة تصبح ممهدة امام جيب بوش الذي لا يزال بعيدا عن حسم توجهاته بدخول حلبة السباق الرئاسي، ويدرك بعمق مديات عدم الرضى داخل قواعد الحزب الجمهوري لاستحداث سلالته سياسيا من جديد.

دور المال في السياسة لا يشكل العامل الحاسم والحصري لفوز مرشح يستند الى تمويل كبير، كما اثبتت تجربة وزيرة الخارجية السابق هيلاري كلينتون ابان ترشحها للانتخابات الرئاسية عام 2008. اديلسون وثروته الضخمة العائدة من صناديق القمار لا يبشر بنيته، برفقة نظرائه الاخرين، دعم مرشح عن الحزب الجمهوري يتمتع بدعم قاعدة شعبية معتبرة، بل صعود مرشح يواكب توقعاته السياسية.

نظرة اديلسون الضيقة بتفصيل مرشح على مقاسه يؤيد “اسرائيل” بشدة لنيل تمويل الحملة قد تنعكس عليه سلبا، ويبدو انه يجنح لتأييد مرشح ينتمي لصلب المؤسسة السياسية وليس على الهامش مثل تيد كروز وراند بول.

العلاقة اللصيقة بين دور رأس المال والنفوذ السياسي ليست وليدة اللحظة، بيد انها في المشهد الاميركي تمضي بعيدا عن اي جهود لكبح تداعياتها او التخفيف من تجلياتها؛ بل التجارب التاريخية للنظام السياسي الاميركي تشير بصورة جلية ان المستفيد الاكبر من الثنائي هو الممول وسوق المصارف وخاصة نتيجة البرامج الحكومية الضخمة كتلك التي تبنتها الدولة ببناء البنى التحتية وتحديث العجلة الانتاجية بعد الحرب العالمية الثانية.

يشار في هذا الصدد الى ان قائمة تضم اكبر 20 ممولا لمسيرة الرئيس اوباما السياسية تضم رؤساء مصارف واستثمارات مالية ضخمة، غولدمان ساكس و جي بي مورغان، واللتين ثبت تواطؤهما في صنع الازمة المالية التي عصفت بالولايات المتحدة 2007 – 2008، واستطاعتا الافلات من اي ملاحقة قانونية حقيقية.

بالنظر الى قرار المحكمة العليا بتحريرها القيود المفروضة على حجم ووجهة التبرعات وتمويل الحملات الانتخابية المختلفة، فان انعكاساته تأتي لتتناغم مع رغبة فاحشي الثراء ابقاء سيطرتهم والتحكم بالمركز الاول في صنع القرار، بصرف النظر عن توجه المرشح السياسي ايا يكن.

التحليل 28-03-2014

التحليل:

اوباما في الرياض: لتنظيم الافتراق ام تجديد الضمانات

(خلال اعداد التقرير الذي بين ايديكم، وردت او رشحت بعض المعلومات مصدرها مسؤولين كبارا في الادارة الاميركية نشرتها صحيفة واشنطن بوست، في نسختها الالكترونية، تشير الى قيام الرئيس اوباما باتخاذ بعض التدابير “لاسترضاء” السعودية “وتهدئة مخاوفها” في اللحظة الاخيرة قبل وصوله الرياض، قوامها “توسيع نطاق البرنامج السري لدعم وتدريب عناصر الجيش السوري الحر .. في قواعد ومعسكرات تنتشر في الاردن والشمال من الاراضي السعودية وقطر .. بمعدل 600 متدرب في الشهر، باشراف وكالة الاستخبارات المركزية .. وامداد القوة بصواريخ مضادة للطيران (م/ط)، “مانباد،” اذ تم تسليم الدفعة الاولى المكونة من خمس منصات اطلاق .. وعرض قطر بتمويل الخطة والذي قد تصل تكلفتها الى عدة ملايين من الدولارات .. كما سيرمي برنامج الامداد الموسع الى انشاء ممرات آمنة (داخل سورية) لايصال المساعدات الانسانية.” واوضحت الصحيفة ان “الرأي السائد ينطوي على قناعة بأنه من اجل التوصل الى تسوية ديبلوماسية للازمة السورية، من الضروري تصعيد المواجهة العسكرية .. وهو يشكل ارضية الموقف السعودي الذي يبدو ان اوباما لجأ اليه مضطرا.”)

اما زيارة اوباما فطابعها المعلن هو “تهدئة الخواطر” الذي بات الوصف الادق لجولة الرئيس الاوروبية وتتويجها بلقاء رسمي في الرياض، بخلاف لقاءات القمة المعتادة بين اي دولتين على قاعدة اعلان “تعزيز العلاقات الثنائية وسبل التعاون المشترك.” يذكر ايضا تخلف عدد من رؤساء دول الخليج اللقاء مع الرئيس الاميركي الذي ارادوه ثنائيا كل منهم على حدة بعيدا عن سيطرة ونفوذ الرياض، وهو رآه جماعيا بحضرة “الاخ الاكبر،” كما صرحت بذلك مستشارة الرئيس لشؤون الأمن القومي، سوزان رايس.

توقيت الزيارة جاء على خلفية “تحدي الرئيس الروسي لباراك اوباما،” كما وصفته صحيفة “كريستيان ساينس مونيتور” والاخفاقات المتعددة للاستراتيجية الاميركية في عدد من مناطق العالم، لا سيما في الوطن العربي، والنجاحات الميدانية المتتالية التي يحققها الجيش العربي السوري، وانخراط الدول الغربية في مفاوضات سياسية مع ايران حول ملفها النووي؛ على ضوء ما وصفته صحيفة “نيويورك تايمز” من مصادرها الموثوقة في دوائر صنع القرار بأن “الولايات المتحدة قررت تقليص دورها العسكري في المنطقة بعد حرب العراق.” الأمر الذي جرى ترويجه اعلاميا “باستدارة الاستراتيجية الاميركية واولوياتها نحو آسيا” ومياهها المطلة على الصين وروسيا.

لم يعد سرا ما يخبئه المستقبل المجهول لمصير وراثة الحكم في الجزيرة العربية و”خشية الرياض من مصيرها” في الاولويات الأمنية الاميركية “لما سيترتب عليه من سياسات وتدابير جراء توقيع الاتفاق النووي مع ايران وانسحاب الولايات المتحدة من المنطقة.” كما لم تعد تلك القراءة حبيسة التكهنات والتحاليل السياسية، فيما وصفته “نيويورك تايمز” بأنه “تحول (وجهة) المسارات” السياسية الاميركية، وتنامي شعور القلق داخل الاسرة الحاكمة “وحاجتها للانفصال وانتهاج سياسة مختلفة” عن التبعية لاميركا في الملفات الاقليمية؛ فضلا عن مخاوف الرياض المعلنة من التهديدات الماثلة لمصير النظم والحكومات العربية “المؤيدة للغرب.” صحيفة “الغارديان” البريطانية اطلقت وصف “الخلاف العدائي” على العلاقة بين الرياض وواشنطن.

عديدة هي مصادر القلق داخل الاسرة الحاكمة في الرياض من اميركا، سيما وان ما توخته من نتائج عن “الربيع العربي” أتت بغير ما تشتهيه السفن. وشكل دعم الولايات المتحدة لتنظيم الاخوان المسلمين وصعودهم مبكرا في مصر احد مصادر المخاوف الخليجية بشكل عام، على الرغم من رعاية الرياض تاريخيا لتنظيم الاخوان لمحاربة تجذر القومية العربية ومسيرة القائد الخالد عبد الناصر نحو التخلص من التبعية الاجنبية. كما ترسخت المخاوف ومشاعر القلق من واشنطن لعدم وفائها بوعودها لدول الخليج العربي بانها عازمة على شن حرب على سورية، وتراجع القوى الحليفة للسعودية من متطرفين وتكفيريين ورهانها على تشكيل قطب محلي يوازي الدولة السورية لتقسيمها والتحكم بسيادتها. وكذلك الامر لاخفاق الولايات المتحدة تحجيم واحتواء ايران وتقليص برنامجها النووي، الامر الذي فسره زعماء الرياض والدول الخليجية الاخرى بأنه “رضوخ” الرئيس اوباما لايران واستمرارها في تطوير برنامجها النووي.

مسؤول الملف السوري (السابق) في الاسرة الحاكمة في الرياض، الامير بندر بن سلطان، صرح علانية نية دائرة صنع القرار وعزمها على “اتخاذ تحول اساسي” في مجمل العلاقات التي تربطها بالولايات المتحدة، تعبيرا عن الأرق الداخلي ورفض حالة “السكون وعدم اتخاذ المبادرة” اميركيا حيال سورية. وسمع الاميركيون مرارا عدة ترديد “امراء” الاسرة الحاكمة بأن “الولايات المتحدة لا يعوّل عليها .. وسيتم طرق ابواب اخرى بديلة بغية تعزيز امنها.” ونقلت صحف بريطانية عن المدير السابق لجهاز الاستخبارات السعودية، تركي الفيصل، قوله ان سياسة الرئيس اوباما في سورية “يرثى لها؛” والاتفاق حول ترسانة سورية من الاسلحة الكيميائية “غدر صارخ” ويعزز بقاء الرئيس بشار الاسد في موقعه.

تواترت تعبيرات غضب الرياض في وسائل الاعلام المختلفة، ونقلت وكالة “رويترز” للانباء عن الامير بندر قوله ان “السعودية غير راغبة لتجد نفسها في وضع يحتم عليها الاعتماد” حصرا على الآخر، وانه “يتطلع لتقليص النشاطات اليومية المشتركة مع الولايات المتحدة،” على خلفية احجامها عن التدخل في سورية، ورفع “دفء علاقاتها مع ايران ..”

في سياق المعارضة السورية افادت صحيفة “وول ستريت جورنال،” 28 آذار الجاري، عن لقاء عقده المعارض السوري هادي البحرة مع “اعضاء مجلس الأمن القومي وممثلين من الكونغرس،” بحث فيه مسألة تزويد اميركا قوات المعارضة المسلحة باسلحة متطورة مضادة للطائرات والمدرعات (مانباد)؛ تلتها زيارة وزير الدفاع السعودي، سلمان بن سلطان، التقى فيها الاسبوع المنصرم مع مدير وكالة الاستخبارات المركزية، جون برينان، ووزير الدفاع الاميركي، تشاك هيغل، للبت في تسليح المعارضة السورية تمهد للزيارة الرسمية للرئيس اوباما للرياض.

واضافت الصحيفة ان شحنة معتبرة من الاسلحة المضادة للطيران والدروع، دفعت ثمنها السعودية تتواجد في مخازن عدة منتشرة على الاراضي الاردنية بانتظار “موافقة اميركية” لتسليمها لقوى المعارضة المسلحة؛ مع اقرار “الرياض بعدم قدرة المعارضة تحقيق انتصار” في الميدان، وادراكها ان تعزيز القدرة الدفاعية، لا سيما المضادة للطيران، سيقوي موقعها التفاوضي في المرحلة المقبلة.

مسألة الطاقة وتراجع مكانة مخزونات النفط في الجزيرة العربية، نظرا للاكتشافات الحديثة واستخدام تقنية تسييل النفط الصخري، شكلت بعدا اضافيا للمحطات الخلافية بين الرياض وواشنطن، وخشية الاولى من تقلص اعتماد اميركا والغرب عموما عليها في مراحل الانتاج والتسويق لموارد الطاقة، والذي سيترجم سياسيا ايضا. اعتادت الرياض على فرادة مكانتها في الاستراتيجية الاميركية، خاصة بعد انهيار نظام الشاه التي وصفها وزير الخارجية الاسبق هنري كيسنجر بأن الطرفين لديهما مصالح استراتيجية مشتركة، وسعي الرياض الحثيث لتبوأ موقع “الحليف الاساسي” لاميركا في المنطقة. وعليه، تتعاظم مخاوف الرياض ودول الخليج الاخرى من اي بوادر انتعاش في العلاقات الاميركية مع ايران والتي ستتم على حسابها ومكانتها ايضا، كما تعتقد.

ابتعاد السياسة السعودية عن الرعاية الاميركية

اكتشفت الرياض متأخرة ان تبعيتها ودورانها في فلك السياسة الاميركية قلص خياراتها في زمن الازمة الراهنة، رغم طرقها ابواب عدة دول كبرى لدعم مسافة ابتعادها عن املاءات السياسة الاميركية.

الساحة السورية باتت الشغل الشاغل لسياسة الاسرة الحاكمة، بعد تراجع دور قطر في الازمة وليس انهاؤه. لعل من أهم الاسباب وراء ذلك سعيها لمنافسة ايران على الموقع الاول في منطقة الخليج العربي، فضلا عن عدائها التاريخي المتأصل للقومية العربية وتعبيراتها في سياسة الكيان السوري الرسمي خاصة معاداته للكيان الصهيوني في فلسطين. يضاف لذلك بالطبع المنافسة السعودية لما تعتقده سعي ايران للسيطرة على لبنان كساحة صراع ونفوذ، وعداء الاولى للانتصار العسكري الذي سجله حزب الله على العدوان “الاسرائيلي” عام 2006.

في خطوة نادرة، نشرت الاسرة السعودية قواتها المسلحة، خارج اراضيها، في البحرين لضمان سيطرتها على الحكومات الموالية، بالاضافة الى توفير الدعم المادي والعسكري الهائل لحركات “الربيع العربي،” وخشيتها من انفراط عقد الاخوان المسلمين وخروجهم من سيطرة عباءتها مما حفزها على دعم القوى المناهضة لحكم الرئيس المصري المعزول، محمد مرسي. تطلعت الرياض من وراء ذلك تحقيق هدفها الاوسع في “كبح النفوذ الايراني” في المنطقة.

سياسات الرياض الثابتة في التبعية للسياسة الاميركية حرمتها من ممارسة دور تستطيع فيه تشكيل تحالفات خاصة بها. السفير الاميركي الاسبق لدى الرياض، روبرت جوردان 2001-2003، اشار الى اتكال الاسرة المالكة الكلي على الولايات المتحدة بانها “الوحيدة المؤهلة لحماية حقول نفط بلادها .. ولن نرى حلول يوم نراهم يقفزون خارج السرب.”

الدور النامي لروسيا في ملفات المنطقة، لا سيما في سورية، ودعمها ايران في مفاعل بوشهر النووي ساهم في تعزيز طموحات ايران بدخولها نادي الدول النووية. تطلع الرياض لنسج علاقة اوثق او بديلة مع موسكو يعتريه عدد من العقبات يصعب تجاوزها، ليس اقلها ما يتردد من دعم الرياض لقوى الاسلام السياسي في دول القوقاز وشن عمليات مسلحة ضد الدولة الروسية؛ فضلا عن تميز الاقتصاد الروسي بوفرة مخزونه من النفط والغاز.

والامر سيان بالنسبة للصين التي وقفت الى جانب ايران ورفضت تأييد قرار الامم المتحدة لحظر الاسلحة عن ايران، عام 1980، وامتنعت ايضا عن التصويت لصالح تطبيق عقوبات اميركية ضد ايران في وقت لاحق. تتميز الصين بانها احد الموردين الاساسيين للصواريخ وتقنيتها الى ايران، والتي نشرتها الاخيرة في مضيق هرمز على الجانب الايراني كسلاح يهدد تدفق النفط “السعودي” عبر مياه الخليج، كما يعتقد.

من بين ما تبقى من الدول الكبرى تبرز فرنسا كأحد اكبر الاطراف المستفيدة من تأزم العلاقة الاميركية السعودية. وبادرت الرياض لفتح مجالات التنسيق مع باريس خاصة في سورية ولبنان والملف النووي الايراني، وضخت اموالا كبيرة للاستثمار في فرنسا واقتصادها على مدى زمن طويل. وشكلت تلك العلاقة احد العوامل الرئيسة لاتخاذ فرنسا موقفا متشددا حيال توقيع اتفاق نووي غربي مع ايران، الى جانب رعايتها للكيان الصهيوني وطموحاته في كافة الوطن العربي. برزت فرنسا ايضا كأحد مصدري السلاح الرئيسيين للمملكة السعودية منذ عدة عقود.

عرضت فرنسا قدراتها العسكرية لتوفير الحماية المطلوبة لمنابع النفط في الجزيرة العربية، مع ادراكها ان قوتها لا تضاهي التقنية والامكانيات الاميركية، وشكلت قوة عسكرية للتدخل السريع مهمتها دخول ارض الجزيرة العربية في اقصى سرعة ان تطلب الأمر. وجاءت تجربة تدخل القوات الفرنسية في عدد من الدول الافريقية لتعزز اطمئنان الاسرة الحاكمة على ترجمة الفرنسيين تدخلهم لصالح حلفائهم بصورة اسرع من الاميركيين.

علاقة بريطانيا مع كافة اركان الاسرة الحاكمة في الرياض تعود الى التاريخ البعيد وسابقة على كل ما عداها ولا تزال تحتفظ بعدد من المصالح الحيوية في المنطقة العربية، وتعود اهميتها الى تشكيلها قوة عسكرية سريعة الحركة لذات الغرض بالتدخل السريع لحماية مصالحا ومصالح حلفائها.

على الرغم من توفر تلك الميزات مجتمعة، لدى فرنسا وبريطانيا، الا ان الولايات المتحدة بامكانياتها العالية تتفوق على حلفائها الآخرين وتمكنها من تخطي مرحلة الخلاف والتباين السياسي الراهنة مع الحكومة السعودية؛ فضلا عن تبعية السياسة الخارجية للسعودية للسياسة الاميركية. اما امكانية اجراء تعديل في تحالفات الرياض الراهنة والابتعاد عن واشنطن، فمن المرجح الا تترك آثارا ضارة بالعلاقة الراهنة.

الرياض غير مهيئة حاليا للابتعاد عن السياسات الاميركية، بصرف النظر عن مدى اعتراضها وعدم رضاها منها، وربما تلجأ للمراهنة على عامل الزمن لتخطي الاضطرابات الحالية وتتطلع للرئيس الاميركي المقبل لاستمرار دعمها وسياساتها الاقليمية. في هذا الصدد ينبغي لفت الانتباه لعدد من تصريحات مسؤولي الاسرة السعودية، خاصة تركي الفيصل، الذين يحملون الرئيس اوباما شخصيا مسؤولية تباين السياسات، وليس لدائرة صنع القرار الاميركي سيما وتحتفظ اركان الاسرة الحاكمة بعلاقات وثيقة للغاية مع اقطاب الحزب الجمهوري وتعول على فوزه جولة الانتخابات الرئاسية المقبلة. كما نقل عن العاهل السعودي الملك عبدالله عدم ثقته بالرئيس اوباما واصفا الاخير “بالتردد” في سياسته حيال سورية.

“تحول مسارات” الاستراتيجية الاميركية لا تشي بأي تعديل قد يتخذه الرئيس اوباما على مسار سياسته الشرق اوسطية، والذي اثبتت سيرته الرئاسية ميله للتمسك بسياساته المعلنة، في بعدها الايديولوجي والعقائدي، بصرف النظر عن نواقصها التي تثبت تطورات الاحداث بطلانها – كما تجلى في مواقفه وتصريحاته حول اوكرانيا، وبرنامج الرعاية الصحية الشامل، اوباماكير.

وانطلاقا من ارضية هذا الفهم، يعتقد بعض عقلاء السياسة والرأي الحصيف ان مصلحة الاسرة السعودية تقتضي التريث وانتظار نهاية الولاية الرئاسية الحالية للرئيس اوباما المتخمة بالثغرات والاخفاقات وعدم رضى الناخب الاميركي عن مسارها، والمراهنة على عدم تقييد حركة الرئيس المقبل بارث الرئيس اوباما.

من المرجح استمرار سلوك السياسة السعودية الناحية الصدامية مع الدول الاقليمية الاخرى، وسعيها لجني مكاسب استثماراتها  في القوى التكفيرية والمتطرفة، لا سيما في سورية، والمضي ايضا في معاداة ايران والسعي لتشكيل تحالفات وتجمعات اقليمية تخدم تلك الاهداف. لذا ستجنح لتكثيف علاقاتها مع بعض القوى الاوروبية لتأييد معارضتها لايران بشكل خاص، بالتوازي مع تحركاتها المنسقة، خلف الكواليس، مع “اسرائيل” ومناهضتها لكل تعبيرات القومية العربية كما كان الرهان عليها منذ بدء عقد الخمسينيات من القرن الماضي.

الاضطرابات السياسية وعدم الاستقرار تصب في عكس اهداف السياسة الاقليمية للحفاظ على التقسيمات الراهنة. ولذا من المرجح ان تظهر السياسة “السعودية” بعض تجليات الاستقرار في الاقليم، حفاظا على مستقبل الاسرة الحاكمة واستمرار نفوذها المالي والمصرفي لتحقيق اهدافها السياسية، ولو تطلب الأمر بعض الاستدارة عن المألوف، كما يجري في دعمها الراهن لمصر التي بدون ترويضها ستتعثر “السيطرة السعودية” اقليميا وما سيترتب عليها من انعكاسات سلبية لها على المستوى الدولي.

التحليل 21-03-2014

التحليل:

صراخ اوباما في اوكرانيا

هل يخفف الألم في نوفمبر

كثفت الولايات المتحدة تهديداتها لاستخدام القوة العسكرية منذ منتصف القرن العشرين، لا سيما ضد الدول والكيانات الناشئة المتطلعة لنيل الحرية والاستقلال وعدم التبعية. في الازمة الاوكرانية الراهنة لا يزال العالم مشدوها الى ما ستؤول اليه التهديدات الاميركية والغربية لروسيا لحملها على التراجع عن تثبيت شراكتها في معادلة توازن نظام عالمي متعدد الاقطاب.

في الماضي القريب، 27 تموز 1956، توصل الرئيس الاميركي ايزنهاور ورئيس الوزراء البريطاني انثوني ايدن الى خطة مشتركة اطلقت النذير ضد مصر مبنية على “ان الضغط السياسي والاقتصادي وحدهما قد لا يكفيان لردع جمال عبد الناصر .. ولا بد من وضع احتمال تدخل عسكري،” بدءا بضغوط اقتصادية واسعة تُوِّج بالعدوان الثلاثي.

راهنا، ارتفعت معدلات التصعيد للولايات المتحدة وحلفائها الغربيين لتطبيق ضغوط اقتصادية على روسيا وتكثيف التواجد العسكري الاميركي في الدول المجاورة لروسيا، دول البلطيق ورومانيا وبولندا وتموضع المدمرة تراكستن في مياه البحر الاسود، في اعقاب الاستفتاء الشعبي لشبه جزيرة القرم وموافقة الاغلبية الساحقة من المواطنين في العودة الى حضن الدولة الام، روسيا.

هيئات اوروبية ودولية متعددة اشرفت على الاستفتاء مؤكدة نزاهته وخلوه من اعمال العنف او ممارسة الضغوط. الاستراتيجيون الاميركيون مولعون بقواعد رقعة الشطرنج، كما اوضحها مرارا زبغنيو بريجينسكي. وربما جاءت نتائج استفتاء اهالي القرم لتشكل حركة “محاصرة الملك” اوباما الذي اعلن انه ليس بوارد الاشتباك عسكريا مع روسيا. وبعد حركة المحاصرة هذه، وتورط اميركا وحلفائها الغربيين بالتدخل السافر، تبلورت نواة معارضة داخلية في اميركا وتشقق في مواقف الدول الاوروبية والتي ترتبط بعلاقات اقتصادية وثيقة مع روسيا وعدم رغبتها في المجازفة للسير خلف واشنطن.

برز السفير الاميركي الاسبق في موسكو، ابان دولة الاتحاد السوفياتي، جاك ماتلوك (1987-1991)، من بين المعارضين للتدخل الاميركي، والذي لا يزال يحتل مكانة مرموقة بين الخبراء والاستراتيجيين في الشأن الروسي، وتباينت اراؤه مع اصرار الادارة بالتحرش والتدخل. واوضح بما لا يدع مجالا للشك دور الولايات المتحدة المباشر في دعم الثورة البرتقالية وتواجد “عدد لا بأس به من الاجانب والاميركيين لتعبئة وحشد المتظاهرين” في كييف؛ وقال “ينبغي علينا الاقرار بأن قسما كبيرا من اعمال العنف في ساحة ميدان كانت تتم على ايدي العناصر اليمينية المتطرفة.”  واعرب عن اعتقاده بأن “ردة فعل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (لاستعادة مجد بلاده) جاءت كرد اعتبار لمشاعر العداء الآتية من الولايات المتحدة .. التي تجاهلت المصالح الروسية وعاملتها كطرف خاسر منذ نهاية حقبة الحرب الباردة.”

وافصح ماتلوك عن لقاءاته الخاصة بقادة دول بحر البلطيق بعد اعلانها الاستقلال عن الاتحاد السوفياتي وطلبها مساعدة اميركية مباشرة، قائلا “كنت عازم على تنبيههم للتشبث باستخدام الاساليب السلمية، وعند تعرضهم للقمع ليس ما بوسعنا ما نفعله من اجلهم. لن نتمكن من التواجد لحمايتهم.”

بالمقابل، هزأ السيناتور الجمهوري جون ماكين من روسيا خلال تواجده في ساحة ميدان في العاصمة كييف برفقة وفد من نواب الكونغرس، قائلا انها “مجرد محطة للتزود بالوقود متنكرة برداء دولة .. تتلذذ بالسرقة، انها كومة فساد ودولة تعتاش على عائدات النفط والغاز لتسيير اقتصادها.” وحث خصمه السياسي الرئيس اوباما على “ارسال اسلحة ومعدات عسكرية اخرى لاوكرانيا.”

الموظفة السابقة في الخارجية الاميركية والمختصة بالشأن الروسي، توبي غاتي، حذرت معسكر انصار الحرب من الانزلاق وتجديد مناخ الحرب الباردة، وذكّرت بسقوط “الحلم” الاميركي لانبثاق اوروبا موحدة وحرة بعد سقوط الاتحاد السوفياتي. وقالت في الازمة الاوكرانية، استنادا الى موقعها الرسمي ابان عهد الرئيس بيل كلينتون، ان “اوروبا حرة ومنفتحة لاي طرف كان. (والولايات المتحدة) لا تدري ما يتعين عليها فعله، ولا تحسن التحكم بالسردية بعد الآن.”

مستشار الأمن القومي الاسبق، ستيفن هادلي، ابان عهد الرئيس بوش الابن، كان اشد وضوحا في اطلاق العنان للحرب الباردة مجددا، واتهام الرئيس الروسي بوتين “برفضه اسس النظام العالمي الذي انشيء بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.”

تلازم مساري السياسة الداخلية وتوجهات السياسة الخارجية اضحى أمر مسلم به في قيادة القطب الواحد، يتأثر كليهما سلبا او ايجابا بمتانة الحالة الاقتصادية، التي تتجلى في ابهى صورها بالميزانية السنوية العامة وبنود صرفها وانفاقها ومخصصاتها. . وتبدو لهجة اوباما المتشددة ضد روسيا لدى معالجة ازمة اوكرانيا وكأنها محاولة اضطرارية لاغلاق ابواب انتقادات لضعف قيادته المتنامية من الحزب الجمهوري المتربص على مفرق الانتخابات الفرعية القادمة، يزيد من غضب الرئيس وتوتره بوادر تململ في اوساط حزبه تتخوف من خسارة الحزب في انتخابات نوفمبر.

قدم الرئيس اوباما ميزانية مقترحة الى الكونغرس، مطلع الشهر الجاري، للمصادقة عليها او تعديلها. الأمر اللافت ان اوباما خصص مبالغ عالية للانفاق على ترسانة الاسلحة النووية، تصميما وصيانة وانتاجا، قاربت 9 مليارات دولار (8.608)، ليقفز على مستويات كل ما انفقه الرئيس الاسبق رونالد ريغان في هذا المجال عام 1985، وهو العام الذي يحتل علامة فارقة في معدلات الانفاق العسكرية الاميركية المرتفعة على الاسلحة النووية – كما افادت دراسة صادرة حديثا عن “مجموعة دراسات لوس الاموس،” المدينة التي تحتضن احد اهم واكبر المفاعلات ومركز تجارب وابحاث الاسلحة النووية في ولاية نيو مكسيكو.

في هذا السياق تجدر الاشارة الى اتضاح معالم المعركة الانتخابية المقبلة، اواخر العام الجاري، والتي لا تبشر خيرا بالنسبة للحزب الديموقراطي واتضاح امكانية خسارته لاغلبية مقاعد مجلس الشيوخ؛ والتداعيات المرتقبة للنهج السياسي للرئيس اوباما، داخليا وخارجيا.

تلقى الحزب الديموقراطي، الاسبوع المنصرم، صفعة قاسية في انتخابات مبكرة جرت في ولاية فلوريدا على مقعد في مجلس الشيوخ والذي ذهب لصالح الحزب الجمهوري، سبقه اعلان عدد من نواب الحزب الديموقراطي نيتهم بعدم تجديد ترشيحهم، مما ينبيء بسيطرة الحزب الجمهوري على مجلسي الكونغرس وما يحمله من عقبات تعيق الرئيس اوباما تمرير سياساته وبرامجه المرجوة. الدائرة الانتخابية في فلوريدا تتميز بغالبية بسيطة تؤيد الحزب الجمهوري، بيد انها صوتت لصالح الرئيس اوباما في ولايتيه الرئاسيتين.

وكرت سبحة الانباء السيئة لاوباما بنشر شبكة (ان بي سي) للتلفزة نتائج استطلاع للرأي العام يشير الى تدني شعبية الرئيس اوباما بين الناخبين لمعدلات مقلقة، له وللحزب الديموقراطي معا، من 43% الى 41%، ليقترب حثيثا من مستويات عدم الرضى عن سلفه جورج بوش الابن الذي حصد 38% من نسبة المؤيدين. وعند سؤال الناخبين اذ كانوا يميلون للتصويت لصالح مرشح يدعمه الرئيس اوباما، جاءت النتائج مخيبة وتقلصت شعبيته من 44% الى 22%.

في موضوع السياسة الخارجية اعربت اغلبية الناخبين، 53%، عن امتعاضها من اسلوب الرئيس اوباما في ادارة الشؤون الخارجية؛ ومن المرجح تزايد تلك النسبة سوءا نظرا لان الاستطلاع اجري قبل اعلان انضمام شبه جزيرة القرم لروسيا وتصاعد الاتهامات للرئيس اوباما بأنه لم يحسن استخدام النفوذ الاميركي لردع الاجراء الروسي.

المستشار الاسبق للرئيس جورج بوش الابن، كارل روف، اعرب عن اعتقاده بتفاقم الازمة السياسية لدى الرئيس اوباما والحزب الديموقراطي سيما وان مساعيه “لترميم صورته كزعيم معتبر تنهار، بل يبدو ضرب من المستحيل بذل جهود لاعادة الاعتبار لها.”

في لغة الارقام لمقاعد نواب الكونغرس، سيخضع 20 مقعدا يشغلها نواب عن الحزب الديموقراطي للانتخاب، ومن المستبعد ان يفوز الحزب باغلبها ناهيك عنها كلها. اما الحزب الجمهوري فهو بحاجة الى الفوز بستة (6) مقاعد فقط ليتسلم زمام اغلبية مقاعد مجلس الشيوخ ويبسط نفوذه على السلطة التشريعية بأكملها. بيد انه يخشى من خسارة مقعدين واللذين ليس من اليسير للحزب الديموقراطي كسبهما في ظل موجة الارتداد والعزوف عن تأييد الرئيس اوباما، لا سيما في الولايات الجنوبية المحافظة.

من المرجح ان يذهب مقعد ولاية اركنساس، مهد الرئيس الاسبق بيل كلينتون، لصالح الحزب الجمهوري بالنظر الى التحولات الديموغرافية والسياسية الكبرى التي طرأت على الخريطة الانتخابية هناك منذ تقلص نفوذ الرئيس كلينتون وحزبه في الدوائر الانتخابية المحلية، اذ صوتت الولاية لصالح المرشح الجمهوري للرئاسة، ميت رومني، بنسبة 20% اعلى مما حصده المرشح اوباما عام 2012. اصدر مركز سياسي مقرب من الحزب الديموقراطي نتائج استطلاع اجراه حديثا في الولاية، اشار الى تراجع نسبة دعم الممثل الديموقراطي الراهن، مارك براير، لنحو 42% مقابل 51% لصالح خصمه الجمهوري، توم قطن، الذي بالكاد يمكن المرء التعرف اليه. واستنادا الى مسار نتائج الانتخابات السابقة التي يلعب فيها المستقلون دورا مركزيا لدعم المرشح الخصم للراهن الديموقراطي، بفعل عدم رضاهم عن الرئيس اوباما، فان النتيجة النهائية تبدو شبه محسومة سلفا لمقعد الولاية.

مأزق الحزب الديموقراطي يتكرر ايضا في ولاية لويزيانا، التي نالت ممثلتها في مجلس الشيوخ، ماري لاندرو، مكانتها بادراجها على لائحة المقاطعة الروسية. اغلبية ناخبي الولاية غير راضين عن اداء الرئيس اوباما، الأمر الذي سينعكس سلبا على مستقبل السيناتورة لاندرو، التي فازت بمقعدها سابقا بنسبة ضئيلة. منافس لاندرو هو طبيب بالمهنة ومن اشد الرافضين لبرنامج الرعاية الصحية الشاملة – اوباماكير. تجدر الاشارة الى ان ولاية لويزيانا تصنف في مصاف الولايات المنتجة والمصدرة للطاقة، واحجمت عن التماثل مع سياسات الادارة لتحقيق مستويات متدنية من الغازات المنبعثة، بل تتربص للانقضاض على سياسات الرئيس اوباما ومؤيديه.

النائبة الديموقراطية عن ولاية نورث كارولينا، كاي هيغن، تبذل قصارى جهدها للابتعاد عن الرئيس اوباما وسياساته في حملتها الانتخابية، على الرغم من تفوقها بنسبة 45% مقابل 41% لصالح خصمها الجمهوري، توم تيليس.

المأزق الانتخابي وتراجع مكانة الحزب الديموقراطي يتكرران ايضا في عدة ولايات: كولورادو؛ الاسكا؛ مونتانا؛ ويست فرجينيا؛ ساوث داكوتا؛ ايوا؛ ونيو هامبشير. ولاية متشيغان قد تشكل احدى المفاجآت القاسية للحزب الديموقراطي نظرا لاعلان ممثلها كارل ليفن عن نيته للتقاعد في ظل مناخ تعزيز الحزب الجمهوري لمواقعه هناك والتي تبشر بنتائج مرضية له، يضاف لذلك تنامي شعبية حاكم الولاية عن الحزب الجمهوري، ريك سنايدر، والذي سيسخّر كافة قدراته وامكانياته لدعم حزبه.

تتمتع ولاية نيوهامبشير بوضع انتخابي فريد: تدني شعبية الرئيس اوباما الى نسبة 45%، وارتفاع شعبية السيناتورة جين شاهين عن الحزب الديموقراطي لنحو 50% بين الناخبين. استطلاعات الرأي تضع نسبة تفوقها من 3% الى 13% مقابل خصمها الجمهوري، سكوت براون. الميل الليبرالي العام لسكان الولاية يعزز فرص نجاح الحزب الديموقراطي دون لجوء مرشحته للابتعاد عن الرئيس اوباما.

مأزق الحزب الجمهوري الانتخابي، بالمقابل، يتمثل بمندوبي ولاية كينتكي وجورجيا اللتين يراهن الحزب الديموقراطي على الفوز بهما، نظرا لأن الاولى تمثل معقل زعيم الاقلية الجمهورية في مجلس الشيوخ، ميتش ماكونيل، الذي يواجه منافسة قاسية من مرشح متطرف من حزبه، مات بيفينز، والذي ينخر في قاعدة دعم ماكونيل خاصة بين المحافظين رغم هشاشة ادائه العام. اما ماكونيل فتشير الاستطلاعات الاولية الى تقارب نسبة تأييده من خصمه المرشحة الديموقراطية، اليسون غرايمز.

اما ولاية جورجيا فتواجه قرار مندوبها، ساكسبي تشامبليس، للتقاعد، وبروز مرشحة واعدة عن الحزب الديموقراطي، ميشيل نان، والتي تحظى بنسبة تقدم تتراوح بين 2 الى 4% عن منافسها المحتمل عن الحزب الجمهوري. يذكر ان ميشيل هي كريمة السيناتور السابق سام نان، الذي لا يزال يتمتع بشعبية واسعة بين مواطنيه نظرا لفترة خدمته الطويلة وخدماتة الواسعة المقدمة للولاية.

الانتخابات النصفية، الواقعة بين انتخابات ولايتين رئاسيتين، عادة ما تشكل مؤشرا على شعبية او تراجع الرئيس، اي كان انتماؤه السياسي. في الواقع الراهن، فاز المرشح الجمهوري للرئاسة ميت رومني بكلتا الولايتين عام 2012، ومصيرهما مقلق للحزب الديموقراطي بشكل خاص، لو قررت القاعدة الانتخابية من الديموقراطيين العزوف عن المشاركة يوم الانتخابات تعبيرا عن مدى عدم الرضى.

عند هذا المفصل، تتعاظم اهمية الولايتين بالنسبة للحزب الجمهوري في ظل مؤشرات تفيد بميل خمس ولايات لدعمه، هي: اركنساس، نورث كارولينا، ساوث داكوتا، ويست فرجينيا. وعليه، يبقى المطلوب الفوز بمقعد واحد من الولايات غير المحسومة للحظة: الاسكا، ايوا، لويزيانا، او متشيغان.

في حال استطاع الحزب الديموقراطي الفوز بولايتي جورجيا وكنتكي، كما هو مرجح ، حينها تتعسر فرص الحزب الجمهوري للسيطرة على مجلس الشيوخ.

استشراف مجلس الشيوخ بأغلبية من الجمهوريين

من غير المتوقع ان يطرأ اي تغيير جوهري على المشهد السياسي العام في ظل سيطرة الحزب الجمهوري على مجلسي الكونغرس، نظرا لحالة الشلل العام السائدة والمناكفات السياسية بين السلطتين، التشريعية والتنفيذية، وتوفر اغلبية مؤيدة للحزب الجمهوري والتيارات المحافظة في هيكلية المحكمة العليا. في الشق التنفيذي، قد نلمس استصدار تشريعات وقرارات متتالية من الكونغرس لكنها ستصطدم بحائط صلاحية الفيتو المخولة للرئيس. الفارق في هذا الحال شكلي، اذ بدل ان يُفشل مجلس الشيوخ توصيات ومشاريع مجلس النواب سيقوم البيت الابيض بتلك المهمة.

ربما الفارق النوعي الذي ستشهده الساحة السياسية سينطوي على طبيعة الترشيحات التي سيقدم عليها الرئيس اوباما، لتفادي معارضة الكونغرس عليها. وفي ظل غياب توفر اغلبية داعمة للرئيس اوباما فقد يضطر الى ترك بعض المناصب شاغرة او تعديل بعض مرشحيه لنيل موافقة رسمية من مجلس الشيوخ.

قادة الحزب الديموقراطي يدركون مأزق السلطة القضائية، ويبذلون جهود مشتركة لاقناع عضو المحكمة العليا، روث بادر غينزبيرغ، ذات الميول الليبرالية الى اعلان تقاعدها المهني قبيل موعد الانتخابات النصفية، تشرين الاول المقبل، كي يتسنى للرئيس اوباما ترشيح عضو/ة بديل/ة بميول مماثلة ويحظى بموافقة من مجلس الشيوخ بتركيبته الحالية قبل ولوج الحزب الجمهوري واستلام مركز الاغلبية فيه.

امام قتامة هذه اللوحة السياسية للحزب الديموقراطي، نذكر بما اتى عليه المستشار الاسبق للرئيس جورج بوش الابن، كارل روف موضحا ان الناخب الاميركي اذ ما استقر رأيه “على ضعف اداء الرئيس في الشؤون الخارجية، ستطغى على توجهاته المقبلة لتقييم زعامة الرئيس في الشأن الداخلي.”