التحليل 06-12-2013

التحليل:

على نتنياهو ان يقلق أكثر …

تحولات الصوت اليهودي في اميركا

ابتزاز اللوبي “الاسرائيلي” للساسة والسياسيين الاميركيين امر مسلم به، بل يذهب الى مديات مهينة في بعض المحطات. السيناتور اليهودي عن الحزب الديموقراطي شاك شومر، يتقدم كنصل السهم محاولات تخريب الاتفتاح الاميركي على ايران، ثمرة للمتغيرات الدولية ومساعي اميركا تقليص خسائرها الكونية، من موقعه المؤثر وبالغ الأهمية في عضويته بلجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ ونفوذه الوسع في اوساط الجالية اليهودية. ثمة من ينكر ذاك الواقع والتحولات بالتزامن مع صعود قوى اقليمية، وتنامي قلقلها لا سيما دول الخليج العربي، التي فرضتها “استدارة” الاستراتيجية الاميركية الكونية بعيدا عن سياسة القطب الاوحد والاملاءات السياسية السابقة.

التهويل من قدرات ايران المتنامية اضحى “العفريت” الذي يؤرق القوى الاقليمية، سيما وان الكيان الصهيوني يدرك بدقة انشغال سورية في محنتها الداخلية، ومصر تشهد ايضا تحولات جارية تعيق قدرتهما معا على التحدي الفعال للهيمنة “الاسرائيلية” في المدى المنظور، بصرف النظر عن برود الالتزام باتفاقيات كامب ديفيد. ايران بالنسبة “لاسرائيل” هي العدو الماثل، عززها تصريحات متتالية لبعض اركان الاسرة السعودية بذات المضمون.

تصدعات في مسلمات سابقة

يدرك قادة “اسرائيل” وجهة التحولات الداخلية في الساحة الاميركية، وما تشكله من زعزعة الاعتماد والاستناد التلقائي على دعم لا محدود، شعبيا ومؤسسات حكومية. وبرز في الآونة الاخيرة بعض الامتعاض العلني داخل صفوف الجالية اليهودية نتيجة “استعداء وتحدي” بنيامين نتنياهو الادارة الاميركية بعيدا عن الكياسة الديبلوماسية وتنكرا لدور التابع للاستراتيجية الاميركية في الاقليم، كما يعتقد البعض. وقد اصاب الفرضية والمسلمات السابقة بعض الاهتزاز، سيما وان اصطفاف ودعم الجالية اليهودية والحزب الديموقراطي للسياسة “الاسرائيلية” بدى عليها بعض التصدع، ولا نقول نهائي.

 ادرك الرئيس اوباما مبكرا ان المضي في ابرام اتفاق “مؤقت” مع ايران سيسبب له متاعب داخلية، بعضها من تيارات داخل الحزب الديموقراطي جنبا الى جنب مع معسكر الحرب والمحافظين الجدد، وما يمثلونه من مصالح ونفوذ. اللافت ان الاتفاق المؤقت لم يثر ردة فعل معارضة شاملة ومنظمة داخل اوساط الجالية اليهودية، كما درجت العادة، بل شكل فالقا لشق معارضتها على الرغم من رفض نتنياهو وحكومته للاتفاق جملة وتفصيلا.

اضحى الاستخفاف والاحتقار المتبادل بين الرئيس اوباما ونتنياهو مادة دسمة للصحافيين ومتابعين الشأن العام، والتي برزت على الملأ منذ بضع سنوات في احدى زيارات بنيامين نتنياهو لواشنطن، رافقها رصد بعض المراقبين مغادرة اوباما لقاءه المقرر مع نتنياهو والانصراف لتناول الطعام مع عائلته، بغض النظر عن دقة الرواية، الا انه ينطوي عليها مؤشرات ستطبع علاقتهما المضطربة لاحقا. بعد بضعة اشهر على تلك الحادثة، “ثأر نتنياهو” بوقاحة فاقعة بازداء النصح لاوباما في لقاء صحافي مشترك بالبيت الابيض مذكرا مضيفه بسياسة “اسرائيل” الثابتة حول الاستمرار ببناء المستوطنات وان “عمق اسرائيل قبل عام 1967 لم يتعدى 9 أميال (14.5 كلم) والتي لم تكن حدودا لارساء السلام، بل لشن حروب متتالية.”

وتدنت العلاقة الثنائية مجددا في اواخر عام 2011 حينما نقل عن الرئيس الفرنسي السابق، نيكولا ساركوزي، قوله لاوباما “لا استطيع استساغة نتنياهو؛ فهو كذاب ومراوغ،” ورد اوباما عليه بالقول “انا مضطر للتعامل معه بوتيرة اكبر مما كان عليك القيام به.”

انتقاد قادة “اسرائيل” لا يعني خسارة تلقائية في الانتخابات الاميركية

في ازمنة سابقة، كان نقد زعيم “اسرائيلي” علنا كفيل بترك تداعيات سياسية على مستقبل الرئيس الاميركي وخسارته لجولة الانتخابات المقبلة. اما الرئيس اوباما فقد فاز بولاية رئاسية ثانية بجدارة امام مرشح عن الحزب الجمهوري، ميت رومني، تربطه صداقة شخصية متينة بنتنياهو. وتفوق اوباما على رومني آنئذ بالفوز باصوات الولايات التي تقطنها جاليات يهودية كبرى: نيويورك، فلوريدا وبنسلفانيا.

يجدر التوقف امام ظاهرة انتقاد اوباما لبنيامين نتنياهو والفوز باغلبية الاصوات اليهودية في آن معا

عدة عوامل تتحكم بذلك ذات ابعاد سياسية واجتماعية، لعل اهمها التحولات التي أثرت على اصوات الناخبين اليهود والجالية اليهودية بشكل أعم. من المفارقة ان الناخبين المؤيدين “لاسرائيل” يتواجدون بكثافة داخل اوساط الكنائس الانجيلية في الولايات الجنوبية تحديدا الاشد انحيازا “لاسرائيل” مما قد يجده المرء داخل مراكز التجمع والتعبد اليهودية – كما اشار عدد من استطلاعات الرأي في رصد تلك الظاهرة، ابرزها معهد “بيو” الذي افاد ان تطورا ما طرأ على مشاعر “اليهودي الاميركي العادي .. باستثناء اليهود الارثوذكس” من مختلف قضايا الشرق الاوسط.

ومضى الاستطلاع بالقول ان اليهودي الاميركي يعاني ازمة هوية “يهوديته،” واضحى منخرطا في البوتقة الاميريكية بصورة اكبر من انتمائه كيهودي. واضاف استطلاع “بيو” ان نحو 71% من اليهود من غير الارثوذوكس يتزاوجون باقران من غير اليهود، وزهاء 65% منهم لا يلتزمون بالشعائر اليهودية وارتياد الكنس؛ مما يؤشر على تباين واضح في “دعمهم الاعمى لاسرائيل.”

وفيما يتعلق بآراء اليهود الاميركيين من “اسرائيل،” افاد “بيو” ان نحو 61% من اليهود يعتقدون بفعالية حل الدولتين “تعيشان بسلام جنبا الى جنب،” بينما اعرب نحو 54% من اليهود عن اعتقادهم بثبات معدلات الدعم “لاسرائيل” كدولة يهودية؛ وانتقاد زهاء 31% منهم الولايات المتحدة لما يعتقدونه بفتور دعمها “لاسرائيل.” الارقام المشار اليها تشكل صدمة للمشاعر السابقة طيلة عقود متتالية “بالدعم الاعمى واللامحدود لاسرائيل،” والتي شهدت اشبه ما يكون بالتماهي بين السياسات “الاسرائيلية” وتوجهات الغالبية الساحقة من اليهود الاميركيين، والذي من بين مزاياه واعتباراته تحدر غالبية اليهود في اميركا من اصول اوروبية، اواسط وشرق اوروبا بالتحديد، على غرار معظم المستعمرين اليهود في فلسطين المحتلة. يذكر ان عددا لا باس به من يهود اوروبا هاجر الى فلسطين بهدف استعمارها منذ نهاية القرن الثامن عشر، اتوا من اراضي الامبراطورية الروسية القيصرية.

من ضمن العوامل التي ادت الى بعض التحولات الكبرى في العقدين الماضيين تباعد الفجوة بين اليهود السفارديم، الآتين من البلدان العربية، واليهود الاشكناز المهاجرين من دول اوروبية واميركية، وتشدد الاراء في المعسكرين. فالمسألة الدينية والتفسير اللغوي لها ومواكبتها مع متطلبات العصر ساهمت في اتساع الهوة بين الطرفين. فاليهودي الاميركي جنح بعيدا عن الالتزام الثابت بالتقاليد اليهودية القائمة على الانعزال والتشدد، مقابل تزمت وتشدد قادة “اسرائيل” وتمسكهم بحرفية النصوص الدينية. استطلاع معهد “بيو” افاد ان ميل اليهود الاميركيين نحو عدم الايمان والتشكيك بوجود بالخالق بلغ نحو ثلاثة اضعاف ازاء الفرد الاميركي العادي من المسألة عينها.

أثر السرديات التوراتية والاسقاطات الدينية

ثبات نفوذ المتشددين المتدينين من اليهود في الحكومات “الاسرائيلية” المتعاقبة اسهم في ابتعاد العلمانيين من اليهود الاميركيين عن السرديات التوراتية الكلاسيكية، ربما بفضل اسهامات المؤرخ شلومو ساند في كتابه “اختراع الشعب اليهودي،” (اصدار 2010) وكتاباته اللاحقة بذات المغزى ولماذ لم يعد يشعر بيهوديته، سبقه العلماني “اسرائيل شاحاك” في كتاباته الناقدة للاساطير اليهودية وخرافتها؛ وكذلك روجيه غارودي في كراسه “الاساطير المؤسسة للسياسة الاسرائيلية؛ “وتوكيدا على مقولة كارل ماركس في اسهامه “حول المسألة اليهودية،” 1843 ، نقتطف اشهر ما ورد فيه:  “لا يجب أن نبحث عن سر اليهودي في دينه، بل فلنبحث عن سر الدين في اليهودي الواقعي … ما هو الأساس العملي لليهودية؟ المصلحة العملية والمنفعة الشخصية…،” ويضيف الكراس: “المال هو إله إسرائيل المطماع… هذا هو الإله الحقيقي لليهود… وقومية اليهودي الوهمية هي قومية التاجر، قومية رجل المال.”

تيار اليهود العلمانيين اقترب اكثر من سياسة مرنة تبناها بعض اقطاب الحزب الديموقراطي حول مسائل الشرق الاوسط، التي لا تبتعد عن جوهر السياسة الاميركية الثابة واولويتها في حماية “اسرائيل،” واثمر تنظيم مواز للوبي “اسرائيلي” تحت مظلة “جي ستريت،” يدين بالولاء “لاسرائيل،” ويحبذ انتهاج توجهات اكثر حرفية من المتشددين، وفاز بدعم اوساط يهودية معتبرة.

التحول اليهودي نحو الحزب الجمهوري

من خصائص الحزب الديموقراطي ان تراثه التاريخي يضعه في سياق متسامح وعلماني اكبر مقارنة مع خصمه الحزب الجمهوري – مع التأكيد ان الحزبين يتنافسان على تمثيل مصالح ذات الطبقة الرأسمالية بحماس منقطع النظير. ورأى البعض في امتعاض مندوبي مؤتمر الحزب الديموقراطي، 2012 لاعادة ترشيح الرئيس اوباما، من محاولة الزام المؤتمر بنقل السفارة الاميركية من مقرها في تل ابيب الى القدس مؤشرا على نفاذ صبر القاعدة الحزبية من سيطرة الخطاب الموالي “لاسرائيل،” وابتعادا عن روحية انفتاح الحزب – مقارنة بنقيض ذلك داخل اروقة المؤتمر العام للحزب الجمهوري الذي انعقد في فترة زمنية قريبة.

التقرب من كنه المستويات الحالية المؤيدة “لاسرائيل” تشير الى انها تجد ارضيتها الخصبة بين اوساط اليهود الارثوذوكس، لاسباب عقائدية واساطير تلمودية – والذين ربما يميلون الى دعم الحزب الجمهوري بوضوح اكبر؛ وكذلك بين الانجيليين من المسيحيين البروتوستانت الذين يمثلون حجر الرحى في دعم “اسرائيل” على الساحة الاميركية.

 وقد دلت احصائيات معهد “بيو” على توفر نسبة دعم من بين البيض الانجيليين تمثل “ضعف مثيلتها بين اوساط اليهود،” 82% مقابل 40%، سيما لناحية الاعتقاد بأن “الرب منح الارض لاسرائيل.” ويضيف “بيو” ان تلك الارقام تدل ايضا على تدني نسبة الايمان بالخالق بين اوساط اليهود 72%، مقارنة مع ايمان كافة الانجيليين تقريبا بوجود الخالق. واردف المعهد انه فيما يخص اعتقاد البعض بمنح الرب الارض “لاسرائيل،” فان نسبة اليهود متدنية ايضا اذ بلغت 55% مقابل 82% بين اوساط الانجيليين.

وعليه، استنادا الى استطلاعات “بيو” باستطاعة المرء استنتاج تأييد عدد اكبر من الانجيليين البيض البروتوستانت (69%) لسياسة اميركية تحابي “اسرائيل” أعلى من تلك بين اوساط اليهود الاميركيين (54%)

 تداعيات الهجوم على مركز التجارة العالمي، 11 سبتمبر 2001، اسهمت في ميل المزيد من الانجيليين البروتوستانت البيض لتأييد سياسة اميركية مناهضة للعرب والمسلمين، لاعتقادهم ان الاعتداءات التي قيل ان تنظيم القاعدة وراءها كانت اعتداء على الهوية المسيحية بقدر ما كانت اعتداءا على الاراضي والمعالم الاميركية. وعزز خطل هذا الرأي هجمات قام بها متشددون من الجماعات الاسلامية المختلفة ضد المسيحيين في كل من مصر وسورية، مما فسح المجال مجددا “لاسرائيل” استغلال تلك الفجوة لصالحها وتعزيز اواصرها بمجموع المسيحيين الانجيليين.

ولاء الحزام الانجيلي اقوى

 في المستوى السياسي، يتم ترجمة وتجسيد تلك المشاعر الى تأييد وجهة نظر “اسرائيل” دون مناقشة في اغلب الاحيان، سيما وان غالبية الانجيليين يظهرون نظرة اخف تفاؤلا من اليهود فيما يتعلق بآفاق التسوية السياسية للقضية الفلسطينية. واعربت اقلية من الانجيليين البيض، 42%، عن اعتقادها بقيام تعاون ما بين دولة فلسطينية و”اسرائيل،” مقابل اعتراض 50% منهم؛ ودعم نحو 61% من اليهود لحل الدولتين.

 تلك الارهاصات والتحولات الاجتماعية لم تغب عن اهتمامات القيادات “الاسرائيلية،” يجسدها الحفاوة النسبية التي يتلقاها بنيامين نتنياهو في ترحاله اينما حل على الولايات المتحدة وتصدر شبكة البث المسيحية للتلفزيون لاجراء مقابلات معه، مما يوفر له منصة لمخاطبة قاعدة مؤيديه من الانجيليين. يضاف الى ذلك عامل نشأته في الولايات المتحدة واتقانه مخاطبتها بسلاسة والتواصل مع القيم والعادات الاجتماعية السائدة.

 في المحصلة العامة، يمكننا القول ان تحولا قد طرأ على المشهد السياسي الاميركي نحو “اسرائيل.” في السابق رافق المواقف السياسية العلنية المؤيدة “لاسرائيل” امتيازات سياسية لا سيما في ولايات اساسية: نيويورك، فلوريدا، بنسلفانيا، نيوجيرسي وولايات اخرى في الساحل الشرقي. في المقابل، حظيت تلك المواقف المؤيدة “لاسرائيل” بدعم وتأييد القاعدة الانتخابية في ولايات الوسط الشمالي الزراعية والولايات الجنوبية، معقل العنصرية سابقا والنفوذ الانجيلي راهنا.

 هذا لا يعني بالضرورة ان سياسة تأييد الانجيليين البيض “لاسرائيل” هي ملاصقة للسياسات “الاسرائيلية،” بقدر ما كانت توجهات اليهود الاميركيين السياسية مرتبطة بالسياسة “الاسرائيلية” او ارتباط سياسة الحزب الديموقراطي بالسياسة الاسرائيلية. ما ينطوي على هذا التحول هو الاقرار بان النظرة الخارجية للسياسة الاميركية ينبغي عليها ادراك نقاط التقاطع والاختلاف بين القضايا التي تهم الانجيليين المسيحيين والسياسة “الاسرائيلية.”

 

التحليل 22-11-2013

مراكز الأبحاث الاميركية
نشرة دورية تصدر عن مرصد مراكز الابحاث
مركز الدراسات الأميركية والعربية

11/22/2013

22 /تشرين الثاني/‏ 2013

التحليل:

ماذا يجري داخل مجلس الأمن القومي الاميركي: كيري يخطف الاضواء والمواقف من فريق الأمن القومي

برز الى العلن مؤخرا تباين في وجهات النظر داخل فريق اوباما الرئاسي على خلفية وجهة السياسة الخارجية الاميركية نحو مصر، اعتبرها البعض انها تشكل انعطافا في السياسة الرسمية ليمضي ويبني عليها فرضيات مفرطة في التفاؤل، سيما وان وزير الخارجية وصف تنظيم الاخوان المسلمين بانه “سرق الثورة المصرية” من اصحابها الحقيقيين.

بداية، تباين وجهات النظر بين فريقي وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي ليس جديدا او مقصورا على الادارة الراهنة، ولا ينبغي النظر الى جزئية محددة في مجمل الاستراتيجية تناسب بعض الاطراف لتمعن في تعميم الظاهر من الخلاف واسقاطه على السياسة الخارجية برمتها.

الشق الآخر والابلغ أهمية يكمن في تلمس الاستراتيجية الاميركية وجهتها وتحديد معالمها في مرحلة اعادة اصطفافها وترتيب انكفاءاتها من المسرح الدولي باقل الخسائر الممكنة. لعل المرء يجد ادق تعبير عن ذلك في ذات الخطاب الذي القاه وزير الخارجية، جون كيري، مطلع الاسبوع المنصرم امام مؤتمر لمنظمة الدول الاميركية، والذي ركز على “رغبة الولايات المتحدة في اعادة انخراطها” في الاميركيتين في الظرف الراهن؛ من جانب، ومن جانب آخر اكد كيري على “نهاية عصر مبدأ مونرو،” الذي صاغه الرئيس الاسبق جيمس مونرو نهاية عام 1823، يجرّم فيه الدول الاوروبية لتدخلها في شؤون “الاميركيتين.”

بعبارة اخرى، منحت الولايات المتحدة لنفسها احتكار السيطرة على شعوب القارتين في ظل ظروف تراجع وافول نجم الاستعمارين الاسباني والبرتغالي في اميركا الجنوبية (اللاتينية)؛ بل في ظرف شارفت مستعمراتهما السابقة على نيل استقلالها من نير احتلاليهما. تشير الوثائق التاريخية الثابتة لذاك العصر الى “تواطؤ الولايات المتحدة وبريطانيا لاقصاء الدول الاوبية الاخرى من التوغل في القارة الجنوبية.” الاعتقاد الرائج بين شعوب القارة اللاتينية يفيد بأن “مبدأ مونرو” وضع حجر الاساس لهيمنة الولايات المتحدة على شعوب القارة، تارة تحت عنوان “حماية الدول الصغرى،” واخرى بالاخضاع المباشر كما تشهد عليه الحرب الاميركية على المكسيك واحتلال كوبا ونيكاراغوا مع مطلع القرن العشرين، ومساندتها لتفتيت كولومبيا وانسلاخ بنما عنها، فضلا عن ادارتها ورعايتها للانقلابات العسكرية المتعددة.

في هذا السياق، ينبغي النظر الى تصريح وزير الخارجية جون كيري الواعد “بالاقلاع عن مبدأ مونرو” للتدخل. باستثناء الولايات المتحدة فالدول الاخرى لا شأن لها في التدخل المباشر وغير المباشر للسيطرة على شعوب وموارد القارة الجنوبية. وعليه، فان تصريح كيري لا يعدو كونه وعدا زائفا لا يلبي طموحات شعوب القارة، التي تعاني بشدة من فرض الولايات المتحدة على حكوماتها الطيعة تسخير موارد بلدانها لخدمة اهداف السياسة الاميركية، بدل استثمارها في النمو والازدهار الاقتصادي، تحت عناوين متعددة: مكافحة المخدرات ومواجهة موجات الهجرة الجماعية الناجمة عن تضاؤل الفرص الاقتصادية بسبب اختلال ميزان توزيع الثروة.

فيما يخص السياسة الاميركية نحو مصر، نطق جون كيري بتسعة عشر كلمة اعتبرها البعض اقلاعا وربما تحديا “لتوجيهات” مجلس الأمن القومي برئاسة سوزان رايس التي حثت كيري على التشدد في التعامل مع القيادة الجديدة في مصر وطرح مستقبل الرئيس المعزول محمد مرسي ومحاكمته على بساط البحث؛ وتجاهل كيري للأمرين معا وذهابه بعكس ما كان متوقعا له. في حمأة التصريحات والتصريحات المضادة، تراجع أهمية أمر التطور الاوسع والاشمل: انفتاح مصر وروسيا على بعضهما البعض توجت بزيارة تاريخية لوزيري الدفاع والخارجية على رأس وفد كبير بيده سلطة اتخاذ قراراته على الفور، وما يمثله ذلك من توجهات استقلالية، او اكثر استقلالية بشكل ادق، لمصر بعد ثورة 30 يونيو/تموز، بل تخفيف غول الاعتماد الحصري على الولايات المتحدة.

ما قاله كيري ضمن سياق اشمل لمعالم السياسة الخارجية الاميركية هو “.. وعندئذ تم سرقتها (الثورة) على يد المجموعة الوحيدة الافضل تنظيما في البلاد، التي كانت الاخوان.” اقرار كيري المتأخر زمنيا جاء في اعقاب اخفاق المحاولات الاميركية المتكررة للنيل من القيادة الجديدة في مصر واعادة عقارب الساعة الى الوراء لصالح الاخوان المسلمين. واستخدمت اميركا سلاح العصا منذ اللحظة الاولى، حتى السيناتور المعادي للحقوق العربية جون ماكين وتوأمه السياسي ليندسي غراهام اطلقا تصريحات في القاهرة تطالب بعودة الرئيس المعزول. بعض الردود المصرية جاءت على لسان صحيفة الاهرام شبه الرسمية التي اشارت الى “تواطؤ الحكومة الاميركية مع تنظيم الاخوان ومرسي لتقسيم البلاد وتشظيها الى محميات صغيرة متناثرة،” وكذلك الى العلاقات التاريخية التي تربط الاخوان كوكيل محلي لتنفيذ الاجندات الغربية. وعليه، فان اقرار كيري بواقع مسلم به لا يشي بتغيير جوهري في مجمل السياسة الاميركية، بل سعي لضبط الايقاعات وتخفيف الاعباء والاضرار التي لحقت وقد تلحق بالمصالح الاميركية في مصر والمنطقة.

خروج كيري عن النص المعد له في اروقة مجلس الأمن القومي لا شك اغضب رئيسة المجلس المستشارة سوزان رايس التي تحظى بعلاقة وطيدة وثقة كبيرة من الرئيس اوباما، وتدل في الجانب الآخر على حرص اوباما اطلاق يد وزير خارجيته في بعض الملفات الاقليمية عملا بأولوية الديبلوماسية عن المواجهة العسكرية غير المضمونة الآفاق والنتائج. مجلس الأمن القومي يحتكم الى التوازنات والاصطفافات الداخلية ويميل عادة الى النهج المتشدد، كما شهدت على ذلك الادارات الرئاسية المتعاقبة. وليست هي المرة الاولى التي ينتصر فيها الرئيس الاميركي لصالح فريق على آخر، وفق ما يرتئيه من ميول سياسية واعتبارات داخلية تعزز اجندته.

من اسطع الامثلة على ذلك دور هنري كيسنجر كرئيس لمجلس الأمن القومي في عهد الرئيس الاسبق نيكسون، ومن ثم توليه رئاسة وزارة الخارجية ايضا، ومفاضلته موقعه اينما حل على الاعتبارات المهنية: تغليب وجهة نظر مجلس الأمن القومي في البداية، واستبعاد دور وزارة الخارجية في صياغة السياسة الاميركية، ومن ثم انتقل مركز الثقل الى وزارة الخارجية عند انتقال كيسنجر اليها.

اما الرئيس اوباما فقد ارجأ دور وزارة الخارجية الى المرتبة الثانية في ولايته الرئاسية الاولى واستنبط عددا من المناصب الموازية لدور وزير الخارجية (كلينتون) لادارة ملفات محددة – اي تهميش دور الخارجية لصالح فريقه الجديد المنتقى بعناية. يذكر ان جون كيري لم يكن المرشح الأول لاوباما في ادارة دفة وزارة الخارجية اذ روج لسوزان رايس، سفيرته في الامم المتحدة، لتولي المنصب لحين مواجهتها معارضة شديدة داخل مجلس الشيوخ على خلفية تصريحاتها “المغايرة” لوقائع ما جرى في حادثة الهجوم على البعثة الديبلوماسية الاميركية في بنغازي.

كيري في وزارة الخارجية

من خصائص جون كيري قاعدته السياسية العريضة بحكم خدمته الطويلة في مجلس الشيوخ عن ولاية ماساتشوستس، وخوضه غمار الانتخابات الرئاسية عام 2004، وتراكم رصيده السياسي على ضوء ذلك. ويدرك جيدا ان باستطاعته العودة متى يشاء الى ولايته ودخول الانتخابات لاستعادة منصبه كممثل عنها في مجلس الشيوخ، فضلا عن الكلفة السياسية العالية للرئيس اوباما ان قرر معاقبته على خلفية تضاد الاراء بينهما.

كما يعي الطرفين، اوباما وكيري، ان اي تصعيد للخلافات بينهما سيعود سلبا على الرئيس اوباما نظرا لحتمية دخول مجلس الشيوخ على المسالة وعقد جلسات استماع لزميلهم السابق الذي سيعتبر انه لحقه الاذى من الرئيس – لو تم ذلك. تضاؤل شعبية الرئيس اوباما بالتساوق مع تعثر برامجه داخل مجلسي الكونغرس تصب في خدمة الطرف الآخر، ويعطي كيري حافزا افضل ومجال مناورة اكبر في تخطي املاءات البيت الابيض استنادا الى قاعدة دعم لا بأس بها بين زملائه اعضاء الكونغرس بمجلسيه.

فريق السياسة الخارجية في البيت الابيض

يتردد ان مستشارة الرئيس، فاليري جاريت، تستحوذ على درجة عالية من ثقة الرئيس اوباما وتتمتع بصلاحيات واسعة تؤثر في صياغة السياسة الخارجية الاميركية، حتى ان البعض اطلق عليها “راسبوتين اوباما،” بل ان رئيس مكتب موظفي البيت الابيض السابق، رام عمانويل، تشاحن معها مرات عدة وشبهها بعدي صدام حسين لما لها من نفوذ واسع.

يذكر ان صداقة جاريت مع الرئيس اوباما وعقيلته تعود الى نحو عقدين من الزمن، قبل صعود نجمه السياسي. وفي مجال توصيف اوباما لها اعتبرها بمثابة “احدى شقيقاته .. جديرة بثقته التامة.” على ضوء تلك الخلفية، تتمتع جاريت بميزة “الوصول غير المقيد او المحدود، هو اشبه بالتصوف” طلبا للرئيس اوباما متى شاءت.

يذكر ان جاريت ولدت في شيراز بايران، عام 1956، لابويين غربيين من عرق مختلط، ابيض واسود، كما هي خلفية الرئيس اوباما، مما دفع البعض اتهامها بالتحيز لصالح ايران وانتهاج رؤية لينة وناعمة في مسألة برنامجها النووي. تتربع جاريت على رأس طاقم كبير من موظفي البيت الابيض يناهز 30 فردا، وتشرف على اتخاذ قرارات بعدد من المسائل التي تخص آلية عمل البيت الابيض: تحديد قائمة المدعويين لعشاء البيت الابيض، واختيار الهدايا المقدمة للزعماء الاجانب، واستعراض المرشحين لمنصب في المحكمة العليا، وتعيين شخصية بمرتبة سفير في موقع شاغر، وتحديد المستحقين لنيل وسام الحرية الرئاسي. وعليه، فان سلطتها طاغية تغيب خصومها بسرعة وتبقي الموالين لها. يعتقد ان السر وراء بقاء وزيرة الخدمات الانسانية، كاثلين سيبيلياس، في منصبها هو بسبب علاقتها الحميمية مع جاريت، على خلفية اخفاقات وزارتها في ادارة برنامج الرعاية الصحية الشامل وما رافقه من تداعيات ادت لايقاف العمل به مؤقتا.

كما لجاريت الفضل في بقاء سوزان رايس وسمانثا باور، سفيرة الولايات المتحدة في الهيئة الدولية، في منصبهن وتعزيز دورهن داخل طاقم البيت الابيض للسياسة الخارجية، وضمان ولائهن المباشر للرئيس اوباما بخلاف وزير الخارجية جون كيري الذي يستند الى قاعدة دعم واسعة من خارج اسوار البيت الابيض. في صياغة السياسة الخارجية، تتشاطر رؤيتي رايس وباور مما يضفي بعدا جديدا على التباينات الموسمية بين البيت الابيض وطاقم وزارة الخارجية.

لسوزان رايس وجون كيري اسلوبهما المستقل عن الآخر، سيما وان تجربة كيري الطويلة في اروقة الكونغرس استندت الى التوصل لارضية مشتركة مع الاطراف الاخرى والاستئناس والتآلف معها، والتحلي بالكياسة الديبلوماسية. اما رايس فتشتهر بشخصية صدامية مع الآخرين دون اعتبار لمواقعهم، منهم على سبيل المثال مشاحنتها مع المبعوث الرئاسي الخاص للسودان سكوت غريشن. بل تتميز “رايس بمزاج حاد بحاجة الى ترويض،” كما وصفها رئيس مجلس العلاقات الخارجية المرموق، ليسلي غيلب. واضاف انها “سريعة الانفعال واطلاق الاحكام، مما يترتب عليها التمترس خلف مواقفها. ويتعين عليها العد للمئة – بل للألف – قبل توصلها لقرار معين، وفي ذات الوقت يتعين عليها الاصغاء بعناية الى اراء الآخرين.”

بالنسبة للرئيس اوباما فان سوزان رايس شديدة الولاء له، اذ كانت خياره الأول لمنصب مستشار الشؤون السياسية منذ حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2008، فضلا عن علاقتها الحميمية الخاصة مع اوباما وعقيلته ميشيل. لذا يمكن اعتبار رايس من ضمن الدائرة الخاصة بالرئيس اوباما، تحظى بصداقة شخصية معه – وليس لامتلاكها خبرات بارزة في مجال السياسة الخارجية. خلال فترة خدمتها في منصب سفير الولايات المتحدة في الهيئة الدولية حافظت على متانة علاقتها مع الرئيس، واستطاعت ان تمضي فترات زمنية في واشنطن بالقرب منه اطول من اسلافها السابقين.

كانت رايس المرجعية الاعلامية الاولى ابان حادث الاعتداء على البعثة الديبلوماسية الاميركية في بنغازي مما جر عليها متاعب جمة نالت من مصداقيتها لاصرارها على ان الحادث نجم عن احتجاجات تلقائية وعفوية تعبيرا عن الغضب الشعبي لشريط الفيديو المعادي للمسلمين. ورأى فيها خصوم الرئيس ذريعة سهلة للنيل منه، مما دفعه لسحب ترشيحه لها لمنصب وزير الخارجية – مما يقتضي موافقة مجلس الشيوخ بعد جلسات استجواب قاسية تنكأ الجراح. وتوصل الرئيس الى عرض منصب مستشار الأمن القومي عليها، والذي لا يشترط موافقة مجلس الشيوخ.

في ظل ادارة الرئيس اوباما، تعاظم دور مجلس الأمن القومي في ملف السياسة الخارجية على حساب طاقم وزارة الخارجية، مما دفع البعض الى توصيفها “بتركيز القوة بين يديها – اي ان كافة القضايا تمر عبر قناة مجلس الأمن القومي.”

وينظر الى سجل وزير الخارجية جون كيري انه يتحلى بالواقعية والبراغماتية، مقارنة بسوزان رايس الاداة الوفية للرئيس اوباما وترجمة رؤيته عبر تطبيقات السياسة الخارجية للولايات المتحدة. اذ وصفتها صحيفة نيويورك تايمز بأن تعيين رايس في رئاسة مجلس الأمن القومي “يلوح بدخول طاقم يتحلى بالمثالية واستخدام القوة العضلية لبلورة السياسة الخارجية لاوباما.”

كما لا يجوز اغفال الدور المحوري الذي تلعبه سمانثا باور، المندوب الاميركي الدائم في الأمم المتحدة، في التاثير على صياغة القرارات للحلقة الضيقة المحيطة بالرئيس اوباما، سيما وان اسهاماتها المنشورة ادت الى نيلها جائزة بوليتزر عام 2003، مما يضفي عنصر “المصالح الانسانية” في بلورة المصالح الاستراتيجية الاميركية، الأمر الذي تجلى بوضوح في الخطاب السياسي الاميركي خلال احداث ما اطلق عليه “الربيع العربي.”

باور لعبت ايضا دورا محوريا في صياغة سياسة الادارة الاميركية نحو سورية، ولم يؤثر عليها تغيبها عن حضور جلسة خاصة للأمم المتحدة حول الاسلحة الكيميائية السورية، في شهر آب المنصرم، بسبب غيابها لزيارة عائلية خاصة في ايرلندا، موطنها الاصلي. دلالة الأمر ان باور معنية بالبعد الايديولوجي في السياسة على حساب الواقعية السياسية وما تتطلبه من توازنات وتحالفات على الطريق، ويضعها على تعارض مع متطلبات مهمتها الاممية لحشد الدعم الدولي لصالح وجهة النظر الاميركية.

يمكننا القول ان خطاب الرئيس اوباما الاخير حول سورية، قبل نحو شهرين، طغى عليه رؤية واراء السيدة باور السياسية، سيما وان الشطر الاساسي فيه استند الى تحقيق اهداف انسانية، مقابل اشارة عابرة وغير مؤثرة للتهديدات التي تواجهها المصالح الاميركية في المنطقة. المحور الاساسي في اراء السيدة باور يدور حول ادراكها “لامتناع صناع السياسة الخارجية الاميركية عن المغامرة” لتحقيق اهداف انسانية، ومحاسبة نقدية للزعماء الاميركيين لتخليهم عن “ضخ مزيد من الامكانيات لصالح القوات المسلحة” الضرورية لدرء وقوع مزيد من المجازر. واوضحت في ادبياتها ان المسؤولين الاميركيين عادة ما “يهولون من عقم وضلالة وتهور اي تدخل مقترح.”

من المفارقة ان سوزان باور عارضت التدخل العسكري في سورية ومنطقة الشرق الاوسط، على الرغم من اسهاماتها الادبية المؤيدة لنقيض ذلك عبر ما تسميه “التدخل الانساني،” موضحة ان هناك “عدد من المصالح التي ينبغي اخذها بعين الاعتبار،” اذ من شأن استخدام العامل العسكري في المنطقة التاثير على اسعار النفط ومن ثم على مجمل الاقتصاد الاميركي. وقالت “ليس من بيننا ما قد يدعي اننا في الادارة اسرى لقضية منفردة.”
تباينات السياسة الخارجية بين البيت الابيض ووزارة الخارجية

من الثابت ان الارضية الفلسفية لتباين الاراء بين الفريقين قد طبعت السياسة الخارجية في عهد الرئيس اوباما، اسوة بالادارات السابقة. اذ بذل جون كيري جهودا ثابتة في بداية تسلمه مهام منصبه لترميم العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا، والبناء عليها كمنصة انطلاق للبحث عن حلول سياسية لمسالة لملف النووي الايراني والحرب الدائرة في سورية. واستند كيري الى العلاقة المتبلورة بينه وبين نظيره الروسي، سيرغي لافروف، واستغلالها للتوصل الى تفاهمات حول عدد من القضايا بين البلدين. بالمقابل، فان سوزان رايس تبادلت الاتهامات العلنية مع نظيرها الممثل الروسي في الامم المتحدة على خلفية ذات القضايا الخلافية.

فيما يخص الملف السوري، نقل المقربون من سوزان رايس انها في اللقاءات الداخلية ايدت انشاء منطقة حظر للطيران فوق الاجواء السورية، واعربت عن خشيتها من تسليح القوى المصنفة ليبرالية داخل المعارضة السورية. وعليه، فانها لا تثق الا باستخدام القوة العسكرية الاميركية لتحقيق الاهداف المرجوة.

كيري بالمقابل، بذل جهودا طويلة مع الجانب الروسي بغية التوصل لحل سياسي دولي للأزمة السورية، مرتكزا الى حد كبير للعلاقة الوثيقة التي ترعرت بينه وبين نظيره الروسي، واقصاء الخيار العسكري مرحليا على الاقل.

التغيرات المتسارعة في مصر شكلت ارضية خلافية بين فريقي الخارجية ومجلس الأمن القومي، ولم تكن وليدة لحظة بروزها الى السطح مؤخرا، بل ثمرة تباين وخلاف في وجهتي النظر وأحقية دور كل منهما في رسم السياسة الخارجية في المنطقة. عمدت الادارة الى اجراء مراجعة شاملة لعلاقاتها مع مصر، وتبين ان كلا من وزيري الدفاع والخارجية بذلا جهودهما للابقاء على برامج الدعم القائمة لمصر، بينما اصرت سوزان رايس على تعليق معظم المساعدات العسكرية الاميركية لحين تلمس تحقيق الحكومة المصرية تقدما في الوفاء بوعودها لتطبيق خطة الطريق المقترحة، ورغبتها في اقصاء القوات المسلحة عن دورها في السياسة المصرية.

ووصف احد المقربين من الادارة الاميركية حالة الانقسام بشأن مصر ان “هناك خلافات حقيقية تتمحور حول هوية التوجه بشأن مصر بين سوزان رايس وجون كيري .. ولم نكن لنشهد اي تعليق للمساعدات المقررة لو كان الأمر بيد جون كيري وتشاك هيغل” وزير اللدفاع.

كما ان طبيعة تكوين الطاقم الرئاسي لاوباما، الذي يضع مسألة الولاء على راس الاولويات، ساهم في تراجع تعدد الاراء داخل الدائرة الضيقة له. ويشار الى خروج ثلاثة من اهم صقور الحرب من الولاية الرئاسية الثانية: هيلاري كلينتون وروبرت غيتس وديفيد بيترايوس، مما ضيق هامش تباين وتعدد الاراء. ويسجل لجون كيري انه ربما الشخصية الوحيدة داخل الادارة لديها الحنكة والعزم السياسي لطرح وجهة نظر مغايرة للثلاثي الموالي للرئيس: فاليري جاريت وسوزان رايس وسمانثا باور.

سياسة الادارة نحو مصر تجلت في ارسال اشارات متناقضة للمسؤولين المصريين نتيجة تعدد الاراء وعدم انسجامها في لحظات محددة، ادت الى حيرة الجانب المصري في كيفية صياغة الرد المناسب على الاجراءات الاميركية الاخيرة. ومنها على سبيل المثال، تخلف الادارة عن تحديد ما تراه مطلوب من مصر اتخاذه بغية استعادة المساعدات المعلقة، ولو جزئيا، حسبما اوضحت مصادر الحكومة المصرية.

للتذكير، فان خلفية سمانثا باور هي في المجال الفلسفي النظري تروج للاعتبارات الانسانية في صياغة السياسات عوضا عن النظر بمنظار المصالح الاستراتيجية؛ وسوزان رايس هي الاداة التنفيذية لتلك الرؤى عبر موقعها الحساس في رئاسة مجلس الأمن القومي. اما فاليري جاريت، المحامية بالمهنة، فتوفر الغطاء السياسي للتوجهات باستغلال علاقاتها الوثيقة مع الرئيس اوباما للفوز بموافقته على توصياتها، وامتدادا تحييد وجهات النظر المغايرة.

مصالح الدول مهما بلغ شأنها ومقامها تأخذ في الاعتبار الابعاد الاستراتيجية لتحقيق اهدافها بعيدة المدى، غير مقيدة بفريق سياسي معين في السلطة، مما يضع فريق وزير الخارجية جون كيري في عين العاصفة يراكم انجازاته ويبنى عليها للفريق المقبل بعد انتهاء ولاية الرئيس اوباما. اما السياسات المبنية على تحقيق اهداف آنية تعود بنتائج سريعة، باستغلال البعد والاعتبارات الانسانية، فمن شأنها ترجيح كفة الثلاثي المذكور عند الرئيس اوباما وتسخيرها في خدمة خطابه السياسي في مواجهة خصومه الكثر.

التحليل 08-11-2013

مراكز الأبحاث الاميركية
نشرة دورية تصدر عن مرصد مراكز الابحاث
مركز الدراسات الأميركية والعربية

11/08/2013

‏8 /تشرين الثاني/‏ 2013

التحليل:

اوباما محاصر بين تآكل شعبيته وتصدع سياسته الشرق اوسطية

الاخفاقات الداخلية وتدحرج فضيحة التجسس على المواطنين منغصات تلاحق الادارة الاميركية التي اتجهت بالاستدارة للخارج والقفز للامام هربا من تداعياتها الداخلية، وسعيا لحرف مسار شعاع الضوء المسلط عليها. وتمت المراهنة على جولة وزير الخارجية جون كيري لتشكل منعطفا محوريا ورافعة لترميم ما اصابها من تدهور وضرر. ادارة الرئيس اوباما تشكل امتدادا وليس استثناءاً لسياسة او منظومة الهروب اسوة بكل من سبقها من رؤساء.

في الشق الداخلي، تلقت الادارة صفعة قاسية مصدرها فشل برنامج الرعاية الصحية الشامل من تخطي العقبات التقنية التي حالت دون تطبيقه، واضطراره الاعتذار رسميا عن اخفاق البرنامج، سيما وانه ترافق مع اجراء جولة من الانتخابات المحلية لمناصب على مستوى حكام الولايات، وادراك بعض مؤيديه من الحزب الديموقراطي تأثير ذلك على مرحلة الانتخابات النصفية المقبلة. وأتت استطلاعات الرأي لتؤكد انخفاض نسبية شعبية الرئيس بصورة ملحوظة والنيل من ارثه السياسي.

في شأن السياسة الخارجية، واجهت الادارة بعض الضغط من زعماء الكونغرس على خلفية الاختلاف في الموقف مع السعودية من ناحية، وكذلك مع مصر من ناحية اخرى ومطالبته ببذل جهد لرأب الصدع؛ الى جانب ترنح المفاوضات بين وفد السلطة الفلسطينية و”اسرائيل” خلافا للتوقعات والخطط السابقة. لهذه الاسباب مجتمعة شرع وزير الخارجية جون كيري بزيارة سريعة للمنطقة للقاء كافة الاطراف، للتخفيف من رعب اطراف اقليمية جراء الانفتاح الاميركي على ايران، وتقليص التداعيات المحتملة على مسار السياسة قبل انقضاء الولاية الرئاسية الثانية.

خروج آل سعود عن السلوك المألوف

درج المسؤولون والخبراء الغربيون على نقد نظام الحكم في الجزيرة العربية وانتمائه للقرون الوسطى وعدم قدرته على التكيف مع متطلبات العصر، بل بأنه خرج من التاريخ. ووصف العرش السعودي بأنه “آيل للسقوط .. مستبد يحكم بالحديد والنار يزرع الرعب والارهاب اينما حل، ويدعي تمثيله للعالم الاسلامي .. ويتبنى آل سعود مبدأ الوهابية، وهو مفهوم غامض وملتبس يبغضه المسلمون المتمسكون بروح الاسلام وجوهره السلمي.”

ولعل ادق وصف جريء جاء مؤخرا على لسان “فينيان كانينغهام” المحرر العلمي السابق للمجمع الملكي للكيمياء في جامعة كامبريدج، اذ قال “غدرت العربية السعودية وحنثت بالشعوب العربية على الدوام .. خدمة للمصالح الامبريالية .. وما برز مؤخرا من انباء حول لقاء (الامير) بندر بن سلطان مع مدير الموساد تامير باردو سرعان ما تبين انه لقاء عادي يتم دوريا بين الاسرائيليين والسعوديين ..”

السعودية، وعلى لسان مسؤوليها، وزير الخاجية ومدير استخباراتها، ارغدت وازبدت في العلن للاعراب عن عدم رضاها من سياسة الرئيس اوباما حول ملفي ايران وسورية، اللذين يعتبران الهدف الاول بالنسبة لها والاطاحة بقيادتهما. وذهب البعض لاعتبار التصريحات النارية غير المعتادة لآل سعود بأنها تمثل مؤشر على نقطة انعطاف ربما لنيتهم بالابتعاد عن نفوذ واشنطن، بيد ان الأمر لا يرقى لمرتبة التصادم مع واشنطن او استقلال في اتخاذ القرار ورسم سياسة خاصة.

ادراكا منا لعدم ضرورة الخوض في تلك التصريحات المعلنة، سواء لأهمية او جدية ما تمثله من عدمها، نسوق كلاما اشد خطورة جاء على لسان مدير الاستخبارات السابق تركي الفيصل، السفير المتجول والغير مقيد بالكياسة الديبلوماسية، القاه في حفل خاص عقد لاعضاء نادي كوزموس، نادي نخبة النخب السياسية والاقتصادية، في واشنطن ليلة 6 تشرين الثاني الجاري. الافكار الواردة هي تدوين لاحد حضور “حفل تكريم تركي الفيصل،” كما جاء في الدعوة الموجهة، نحتفظ بهويته بناء على طلبه.

 حث الفيصل الولايات المتحدة على شن غارات جوية وبحرية على سورية والقضاء على سلاحها الجوي ومطاراتها الحربية بغية تحقيق توازن ميداني مع المعارضة السورية.
 ستبذل “السعودية” كل ما هو مطلوب منها لمنع الدول المجاورة الحصول على اسلحة رادعة، او ممارسة اي نفوذ لها في كل من العراق والبحرين ولبنان.
 “السعودية” جاهزة لتمويل اي جهد دولي يرمي الى زعزعة استقرار الدول المتعاطفة مع ايران.
 تستطيع السعودية الانفاق دون حدود من اموالها الاحتياطية البالغة نحو 850 مليار دولار.
 ينبغي على الولايات المتحدة وقف اي جهود تسووية مع ايران.
 “السعودية” تتفهم امكانية قيام بنيامين نتنياهو بقصف جوي وبحري ضد ايران ومنشآتها النووية.

وبعد هذا السرد والوعيد، اوضح تركي الفيصل عداءاً عميقا يكنه آل سعود ضد “الشيعة،” بشكل عام، دون لبس او ابهام.
جدول زيارة كيري المكوكية للمنطقة رتب على عجل لتهدئة الملفات العالقة، ومنها مفاوضات السلطة الفلسطينية التي وجدت نفسها مهانة من نتنياهو وتدور في حلقة مفرغة من المفاوضات العبثية مع استمرار بناء المستوطنات؛ وكذلك اعادة “آل سعود” الى موقعهم المرسوم كطرف يملى عليه ولا يملي على أحد. كما خصص كيري اكثر من لقاء مع بنيامين نتنياهو لتهدئة المخاوف واضعا نصب عينيه المحادثات النووية الجارية مع ايران الواعدة بالتوصل الى اتفاق يجمد الازمة.

برع كيري في جولته العربية استخدام لغة ومفردات لا تصرف في علم السياسة، مطمئنا الرياض وابو ظبي والدوحة وعمّان والقاهرة بأن “الولايات المتحدة ستقف الى جانب تلك الدول .. ولن ندعها تتعرض للاعتداء الخارجي. سنقف الى جانبهم.” وعاد مرة اخرى للاتفاق الروسي الاميركي حول سورية، اهم نقطة خلافية للدول المذكورة، معربا عن اعتقاده ان “الخلاف في الرأي حول اتباع تكتيكات محددة في بلورة سياسية للموقف لا تعني بالضرورة وجود خلاف حول الهدف الجوهري للسياسية ..” كما صرح في حضرة وزير الخارجية المصري نبيل فهمي.

الولايات المتحدة لا تخفي قلقها من ابتعاد القاهرة عنها والتقرب من موسكو، رافقها تقرير استخباراتي “اسرائيلي” زعم ان روسيا طلبت انشاء قاعدة بحرية لها في مصر لخدمة اسطولها في البحر المتوسط، مقابل توفيير موسكو اسلحة ومعدات ومساعدات اقتصادية لمصر. المسؤولون في مصر اوضحوا رغبتهم بالعمل مع اطراف اخرى “الى جانب الولايات المتحدة” ونيتهم عقد اتفاق لشراء طائرات مقاتلة روسية من طراز ميغ-29 الى جانب معدات عسكرية اخرى يقدرها البعض بنحو 15 مليار دولار. كما اعلن عن زيارة وشيكة لوفد روسي آخر رفيع المستوى يشمل وزيري الخارجية والدفاع.

المنطقة في منظور الادارة الاميركية

يخطيء البعض في تفسير الخطوات الاميركية المتسارعة في المنطقة ورعايتها العلنية لعدد من الملفات بالتزامن مع بعضها البعض على انه مؤشر على جدية ادارة الرئيس اوباما في الانخراط الفعلي في هموم المنطقة، بل ان نظرة الادارة مغايرة تماما سيما وانها عاجزة لا ترى في الملفات الاقليمية فرصة لاستعادة تآكل هيمنتها ونفوذها، وما جولة كيري سوى محطة من محطات التلاقي مع الزعامات المحلية وليس للتشاور معها.

النظرة الفاحصة للتوجهات الاميركية تدل دون لبس على انخفاض حاد للرضى عن اوباما في اوساط الشعب الاميركي، اذ افاد احد استطلاعات الرأي اجرته شبكة “ان بي سي” للتلفزة ان شعبيته انخفضت الى نسبة 42%، مقابل اغلبية 51% من المعارضين. الاستطلاعات الاخرى ايضا جاءت بنتائج متقاربة 39% من المؤيدين مقابل 53% من المعارضين. كما ان الفترة الزمنية الراهنة اضحت بالغة الحساسية والأهمية بالنسب للرئيس اوباما، الذي كان يتوق للانطلاق والترويج لبرنامج الرعاية الصحية الشامل، تمهيدا للحملات الانتخابية المقبلة، واستغلال اخطاء خصومه في الحزب الجمهوري والرفض العام الذي رافق اغلاق الجمهوريين لمرافق الدولة.

المشهد السابق لتدهور الشعبية يعيد الى الاذهان حقبة الرئيس جورج بوش الابن في ولايته الثانية التي حافظت على نسبة مرضية من التأييد، الى حين اعصار كاترينا الذي ضرب مدينة نيو اورلينز ومحيطها على خليج المكسيك. وبلغت النسبة نحو 38% من المؤيدين عشية شهر تشرين الثاني 2005، واوباما حاليا بلغت نسبته 39%. يذكر ان الرئيس بوش لم يستطع التغلب على تلك النسبة المتدهورة بعدئذ.

ادارة الرئيس اوباما تعي حراجة موقفها في استطلاعات الرأي راهنا، ولديها متسع من الوقت للتغلب على مآزقها، بيد ان تقلص دائرة الداعمين من الاميركيين يؤشر على عمق التحدي لتغلبها على النواحي السلبية.

استراتيجية الادارة في الشق الداخلي رمت الى اعتماد برنامج الرعاية الصحية الشامل على رأس سلم اولوياتها. التقارير الاعلامية اليومية بما يواجهه البرنامج من متاعب نزلت به الى درجة التندر والسخرية، ويتناسب طردا مع هبوط شعبية الرئيس. واشار بعض زعماء الحزب الديموقراطي الى ملاحقة البرنامج ينفث سمومه امامهم وامام الرئيس اوباما، مما حدى بالخصوم الجمهوريين الاتعاظ بنصيحة نابليون بونابرت حين قال “لا تعيق عدوك وهو يرتكب خطأً.” وفضل الجمهوريون مغادرة المدينة وأخذ قسط من الراحة عشية موسم العطل الرسمية، تفاديا للتعليق على الأمر.

كما ان انتقادات برنامج الرعاية الصحية الشامل لم تقتصر على الخصوم الجمهوريين، بل شملت عدد من اشد الاعضاء الديموقراطيين دعما للرئيس اوباما، على خلفية العقبات التقنية والشهادة التي ادلت بها امام الكونغرس مديرة برامج الرعاية الصحية والاجتماعية، ماريلين تافنر، وتفسيرها المقلق لاعضاء اللجنة والتي رسخت فيها مشاعر عدم الثقة، عن غير قصد. سبق حضور السيدة تافنر سلسلة فضائح مالية تتعلق بسوء ادارة التمويل والصرف. على سبيل المثال، تحمل برنامج الرعاية الصحية مبلغ 23 مليون دولار لعام 2011 صرفت على تقديم خدمات طبية “لمرضى قضوا منذ زمن.”

الحالة الاقتصادية الحرجة للولايات المتحدة بشكل عام اسهمت بدورها في مفاقمة مأزق الرئيس اوباما، وهو الذي يتطلع لتحسن الاحوال المعيشية التي لا تدعمها الحقائق والارقام والبيانات الملموسة. وربما يصح القول دون ادنى مبالغة بأن الولايات المتحدة تمر في اسوأ مرحلة لاسترداد عافيتها الاقتصادية منذ الحرب العالمية الثانية، دون توفر بديل في الافق القريب. وعليه، راى الرئيس اوباما ان عليه ترويج مسألة فرص العمل كأولوية سياسية لتسليط الضوء على جهوده الذاتية.

اما والانتخابات المقبلة شارفت على مداهمة المشهد السياسي، العام المقبل، وما تنذر به من انتقال التوازن ونسبة الاغلبية في كل من مجلس الشيوخ ومجلس النواب الى الخصوم، تشكل ضغوطا اضافية على المرشحين الديموقراطيين وخاصة اولئك الذين تقع دوائرهم الانتخابية في بيئة اغلبيتها من الجمهوريين، وليس مستبعدا ان نشهد قفز البعض منهم من قارب الرئيس اوباما للمحافظة على مستقبله السياسي والوظيفي. انتقال مركز القيادة في مجلسي الكونغرس الى الخصوم الجمهوريين لم يعد يندرج تحت باب التخمين والتحليل، بل حقيقة يخشى وقوعها، مما سيفاقم ما تبقى للرئيس اوباما من زمن في ولايته الثانية وتصدي خصومه لسياساته سعيا لافشالها والانقلاب عليها.

انعكاسات ذاك المشهد على ملفات المنطقة العربية والاقليم سيبرز سلبا بوضوح اذ ستتدنى أهمية المنطقة للرئيس اوباما المحاصر داخليا عندئذ. ولعل جل ما يخشى حدوثه ازمة كبيرة على نطاق دولي تؤدي لانكفائه مجددا. اما الازمات الصغرى فلن يكلف نفسه الالتفات اليها وستختفي من الصفحات الاولى لوسائل الاعلام.

يلخص ما تقدم الحالة الذهنية السائدة في تفكير الرئيس واعوانه حيال المنطقة العربية، اذ يعتقد الرئيس اوباما ان الخلافات السعودية التي برزت للعلن مؤخرا ما هي الا سحابة صيف سرعان ما تزول. اما المشهد السوري فسيبقى مصدرا للارق في ظل ترسخ قناعة صناع القرار السياسي بأن الرئيس بشار الاسد باقٍ في منصبه، مما يعني العدول عن تبريرات تقديم المعونات لقوى المعارضة السورية. ايضا، باستطاعتنا قراءة آلية تفكير الرئيس اوباما بالنسبة للسعودية اذ يراهن على تواضع وقصر ذاكرتها.

ويدرك الرئيس اوباما ودائرة مساعديه الضيقة ان تبلور سياسة مصرية اكثر محاباة لموسكو ستأخذ زمنا طويلا كي تتجذر، خاصة في مستوى اتمام صفقات الاسلحة، فضلا عن ان القوات المسلحة المصرية في وضعها الراهن تستند الى التقنيات والمفاهيم الاميركية، مما يستدعي مرور بضع سنوات الى ما بعد انتهاء ولايته الرئاسية لبذل جهود مناسبة تعيق ذلك التوجه.

في الملف الايراني، تولدت قناعة لدى الرئيس واعوانه منذ زمن بعقم الجهود الدولية المدعومة اميركيا للحيلولة دون امتلاك ايران سلاحا نوويا معينا، بفضل توفر فائض من الكفاءات والخبرات العلمية والامكانيات المادية لديها. ولعل ما يجري من تقارب وتفاهم وربما توقيع اتفاقيات دولية ملزمة للطرفين ينظر اليه الرئيس اوباما كمحطة لاخراج الملف النووي من التداول اليومي في الداخل الاميركي، وبعيدا عن اهتمام الناخب العادي بتعقيدات الأمر، عدا عن امكانية ترويج اي اتفاق انه انجاز كبير حققه اوباما في زمن تشح فيه الانجازات.

ويمكن القول عند هذا المنعطف ان الرئيس اوباما لا يولي أهمية كبيرة لمصالح حلفاء اميركا الاقليميين لاعتقاده انهم مجتمعين لا يقدمون مكسبا سياسيا، باستثناء القاعدة المتقدمة “اسرائيل” التي تتكفل الجالية اليهودية ببقاء وديمومة حضورها. آلية عمل الهيئات الحكومية الاميركية المختلفة ستمضي على وتيرتها الراهنة، فهي ليست بحاجة لادخال تعديلات على انماط علاقاتها مع الدول الاقليمية، ربما باستثناء مصر لسرعة تقلب المشهد السياسي مما قد يدفع بالرئيس اوباما بالاصطفاف الى جانب الطرف المناهض للحكومة المؤقتة.

آفاق مكوكية كيري

من غير المنتظر ان يطرأ تعديل جوهري على الجولات المكثفة لوزير الخارجية جون كيري للمنطقة، وسيستمر يروح عن نفسه عملا بمبدأ “الحركة من اجل الحركة،” والذي لا ينبغي ان يفسر بأنه اهتمام للرئيس اوباما او نية جادة لطرح مبادرات حل لقضايا مستعصية. وسيُرَحّل الثنائي اتخاذ قرارات حاسمة لمرحلة او مراحل لاحقة، بينما تنصب الجهود الحقيقية على انقاذ ما يمكن انقاذه للحد من التدهور والدعم تحضيرا للانتخابات العام المقبل.

سيبقى حضور كيري في المنطقة عاملا فاعلا وباعثا لآمال البعض بأحقية المراهنة على الدور الاميركي الذي لن يتبلور. ملفي ايران وسورية سيفرضا نفسيهما على اجندة كيري جيئا وذهابا، اما ما عداهما من اهتمامات اقليمية ستبقى تراوح مكانها دون أفق للحل او الاهتمام الى ما بعد نهاية الولاية الرئاسية الحالية.

قراءة اولية في نتائج الانتخابات الاخيرة المحدودة

شهد الموعد التقليدي لعقد انتخابات، اول يوم ثلاثاء في شهر تشرين الثاني المنصوص عليه دستوريا، حضورا قويا للناخبين في بعض الجولات. وجاءت نتيجتها لتضيف منصب حاكم ولاية فرجينيا لصالح الحزب الديموقراطي، واحتفاظ الحزب الجمهوري بمنصب حاكم ولاية نيوجيرسي، كريس كريستي، الذي لمع نجمه خلال حضوره الثابت في معالجة آثار اعصار ساندي الذي ضرب سواحل الولاية العام الماضي. وجاء اعادة انتخابه ليجسد طموحه لدخول الانتخابات الرئاسية المقبلة عن حزبه.

ولاية كولورادو كانت امام تصويت حاسم يقضي بزيادة نسبة الضرائب، والذي هزمه الناخبون بقوة؛ فضلا عن بروز تصدع في وحدة الولاية اذ صوتت 5 مقاطعات من مجموع 11 لصالح الانقسام وتأسيس الولاية رقم 51، سعيا للمحافظة على الطابع والتوجهات المحافظة لسكانها الذين يقطنون مناطق الريف الشاسعة، ويكنون العداء للسلطة المركزية في العاصمة دنفر.

فوز الحزب الديموقراطي في ولاية فرجينيا لم يأتِ بالسهولة التي رافقت استطلاعات الرأي، بل ان الفارق بين المرشحين كان ضئيلا، مرده التحولات الديموغرافية في بعض مناطق الكثافة السكانية المحيطة بالعاصمة واشنطن. تعاني الولاية من مسألة نقاء العرق نظرا لموقعها المركزي ابان اصطفافها مع الولايات الجنوبية في فترة الحرب الاهلية. بلغت نسبة الناخبين “من البيض” نحو 72% من المجموع العام، وهي النسبة عينها تقريبا التي يشارك فيها سكان الولاية في الانتخابات المحلية والرئاسية، التي بلغت اوجها عام 2009 بمشاركة 78% من الناخبين البيض.
عول الحزبين المتنافسين على استقطاب الاعداد النسائية المتصاعدة لجانبهم، الا ان نتائج الانتخابات جاءت لتؤكد مشاركة نسبة أعلى من الاقليات والمهاجرين لصالح الحزب الديموقراطي، مما سيبنى عليها نظريات وسياسات مقبلة في الانتخابات الرئاسية القادمة.

في الجانب المقابل، شهد الحزب الجمهوري بعض الأمل لمستقبله في الولاية اذ جاءت النتائج النهائية لتؤكد معارضة اغلبية بلغت 53% من الناخبين لبرنامج الرعاية الصحية الشامل، مقابل نسبة 45% للمؤيدين؛ مع الاخذ بعين الاعتبار بمناصفة القاء اللوم على الحزبين للتوترات الاخيرة التي ادت الى اغلاق المرافق الحكومية: 47% وجهوا اللوم للحزب الجمهوري مقابل 46% حملوا الرئيس اوباما وحزبه المسؤولية. خلاصة الأمر ان مراهنة الرئيس اوباما على تحميل خصومه الجمهوريين تعطيل الحكومة لم تؤتِ ثمارها المطلوبة، واستمرار القلق من مستقبل المشهد الساسي للحزب الديموقراطي على ضوء ذلك.

التحليل 15-11-2013

مراكز الأبحاث الاميركية
نشرة دورية تصدر عن مرصد مراكز الابحاث
مركز الدراسات الأميركية والعربية

11/15/2013

‏15 /تشرين الثاني/‏ 2013

التحليل:

ضوابط الابعاد العسكرية في العلاقات الروسية –المصرية

الولايات المتحدة منغمسة في اعادة تموقعها على المستوى الدولي وضمان ديمومة شبكة مصالحها الكونية بعدما ادركت انكفائها عن بعض الساحات والملفات، وتراجعها جزئيا عن قيادة القطب الواحد للعالم. واحتارت في استنباط سويّة السبل لاعادة ترميم عاجلة لعلاقاتها مع مصر، التي ما لبثت قيادتها الجديدة ان استدارت لفتح وتنشيط خطوط تقليدية باتجاه الشرق، اثمرت زيارة رفيعة المستوى لوفد روسي ذو حجم معتبر ويملك صلاحية اتخاذ القرار على الفور، على الصعد السياسية والاقتصادية والعسكرية.

وازداد القلق الاميركي مما يلوح لعودة روسيا الى مصر بقوة بعد اقصائها من قبل السادات وحسني مبارك. وجاء الرد الاميركي بخطوتين تثيران الشفقة بدلا من اثارة مشاعر الخوف والرهبة في الاقليم، تزامنتا مع وصول الوفد الروسي ولقائه بوزيري مصر للخارجية والدفاع: الاولى اعلان وكالة المخابرات المركزية عن رفع السرية عن “بضع” وثائق تتعلق بمفاوضات كامب ديفيد، للتشويش على الداخل المصري والعربي؛ والثانية اعلان البنتاغون وقف عقد شرائها طائرات مروحية روسية الصنع لافغانستان، تعبيرا عن امتعاضها من التوجه لاستعادة مواقعها السابقة ومزاحمتها في اهمية مصر.

روسيا بدورها استبقت زيارة وفدها رفيع المستوى برسو طراد الصواريخ “فارياغ” في ميناء الاسكندرية لمدة ستة ايام، الاولى من نوعها للشواطيء المصرية منذ نهاية الحرب الباردة. القادة المصريون افصحوا بصريح العبارة عن نيتهم “تنويع مصادر السلاح” وشراء اسلحة متطورة روسية الصنع تعزز الدفاعات الجوية، التي قيدتها اتفاقية كامب ديفيد وعدم تحديثها فضلا عن الرفض الاميركي تزويد مصر “شبكة دفاع جوية متطورة بامكانها تهديد اسرائيل.”

ينبغي النظر الى آفاق الزيارة في سياق تبادل طبيعي للعلاقات بين البلدين، ورغبتهما المشتركة في رفع مستوى العلاقات في كافة المجالات، السياسية والعسكرية والاقتصادية، خدمة لمصالحهما. لعل الافراط بالتفاؤل لعودة روسيا بقوة الى مصر سابق لاوانه، سيما وان مصر لا تزال مقيدة باتفاقيات تتناقض مع هويتها واهدافها ومصالحها، والاختراق الغربي لمصر في كافة مناحي الحياة وتهديد متانة البنية الاجتماعية وهشاشة الاوضاع الاقتصادية التي رافقها هجرة رؤوس اموال كثيفة الى الخارج.

الافراج عن وثائق رسمية من قبل جهاز حكومي اميركي اضحى موضوع مستهلك ولا يثير شغف الكثيرين، خاصة في ظل توفر وثائق اصلية غير منقحة والناجمة عن جهود الثنائي ادوارد سنودن وتشيلسي مانينغ. النظرة غير المتأنية للكم الوثائقي المفرج عنه لم يأتِ بجديد خارق يستحق الاهتمام، اذ فحواها لا يتعدى بعض المناقشات الدائرة بين ضباط الاجهزة الاستخبارية، وعلى رأسها الوكالة المركزية، لتوفير احدث المعلومات للرئيس جيمي كارتر قبل الشروع في مفاوضات كامب ديفيد، ايلول 1978؛ اي بعد انقضاء بضعة أشهر على زيارة السادات للقدس المحتلة، في تشرين الثاني 1977. ولكن ماذا عن مصير وثائق “كامب ديفيدية” اخرى جرت في تموز 2000 في حضرة الرئيس بيل كلينتون بين ياسر عرفات وقادة “اسرائيل،” التي ساهم فشلها الاولي في اندلاع “انتفاضة الاقصى،” لتجهض بعد زمن قصير وتفضي الى تنازلات جوهرية وتاريخية لصالح “اسرائيل.”

“تنويع مصادر السلاح،” الذريعة التي سوقها السادات وانصار كامب ديفيد آنذاك للتوجه غربا، أمر بالغ الصعوبة في الاوضاع الراهنة، نظرا للاستثمارات المصرية العالية في منظومة الاسلحة الاميركية والغربية، والتي تصل الى بضع مليارات من الدولارات، لا يمكن تخطيها بقرار او اجراء سريع دون المجازفة بمخاطر كبرى. كما ينبغي لفت النظر الى ان انتقال مصر بعد حرب اكتوبر الى الاصطفاف مع دول حلف الناتو، وبعد مضي زهاء اربعة عقود، قد جردت الكفاءات العسكرية الملمة بتشغيل الاسلحة الروسية ومنظومتها القتالية، بصرف النظر عن الحجم المعتبر للاسلحة الروسية التي لا تزال عاملة في الترسانة المصرية، والتي يجوز اعتبارها خارج الخدمة لفقدانها قطع الغيار الضرورية لتحديثها.

صقيع العلاقات المصرية الاميركية لن يدم طويلا لاسباب عدة، منها نهاية ولاية الرئيس اوباما في غضون ثلاث سنوات، وحاجة مصر الى دعم اميركي للحفاظ على ما لديها من “مكتسبات،” سواء في المعدات او التجهيزات والقوى البشرية المدربة. الرئيس الاميركي المقبل قد ينهج سياسة مغايرة تماما لسياسة الرئيس اوباما، مع استبعاد ذلك، بيد ان التطورات المقبلة في مصر تشير الى ظروف واعدة لمصلحة مصر، داخليا واقليميا ودوليا.

متطلبات واحتياجات مصر من المعدات التسليحية ورفع مستوياتها لتتلائم وتتسق مع تحديات وتقنيات العصر تبقى ثابة وعلى رأس الاولويات العسكرية ومشترياتها. مصر بحاجة ماسة وملحة لاسلحة حديثة ومتطورة في الدفاع الجوي ، الشق التسليحي الذي استثنته الولايات المتحدة من صادراتها العسكرية لمصر خشية تهديد “اسرائيلها.” ورضخت لمصر لتلك الشروط القاسية وما تبقى لديها من نظم صاروخية ورادار سوفياتي الصنع اضحى خارج الخدمة منذ زمن، وبحاجة ماسة الى التحديث. مصر في حال استعراض لاحتياجاتها من نظم دفاع جوية روسية من طراز Buk M2 (الصاروخ الذي اسقط الطائرة التركية فوق المياه الاقليمية لسورية) وTor M2 متوسط المدى وبانتسير Pantsir-S1 للمديين القصير والمتوسط، والسعي لتوفير تمويل كاف لشرائها. تجدر الاشارة الى تغير ظروف تسديد كلفة الاسلحة الروسية التي كان الاتحاد السوفياتي يقدمها مجانا كمساعدة، اما روسيا اليوم فهي تتعامل بمنطق السوق وتطلب تسديد الثمن مسبقا. الامر الذي يضع عراقيل اضافية امام نية التخلي عن المصادر الغربية في الفترة الحالية.

مصر ايضا تتطلع للحصول على احدث الطائرات الروسية المقاتلة، من طراز ميغ-29 ام 2، تبدأ بشراء 24 طائرة مقاتلة تبلغ كلفتها الاجمالية نحو 1.7 مليار دولار. هل سيؤدي ذلك الى شروع مصر في خطة شاملة لتحديث ترسانتها العسكرية بالاعتماد على الصناعات الروسية بشكل رئيسي. الاجابة تتطلب استعراض وضع الاسلحة المختلفة للقوات المصرية.

سلاح المشاة

تعداد القوات العسكرية المصرية هو الاعلى بين دول المنطقة، استكمل تسليحه بالاستناد الى تشكيلة اسلحة لدول حلف الناتو الرئيسة: اميركا وبريطانيا وفرنسا. كما لديها بعض الاسلحة مصدرها البرازيل والصين، وان بكميات ضئيلة نسبيا. الصناعات العسكرية المصرية لا باس بها وتنتج مكونات دبابة ابرامز (ام 1 أ 2) الاميركية.

اما الاسلحة الخفيفة فهي تعود لمصادر في حلف الناتو: المسدسات صناعة ايطالية؛ الرشاشات الخفيفة صناعة ألمانية؛ البنادق الهجومية من صنع اميركا وايطاليا؛ الرشاشات الثقيلة صناعة بلجيكا. ويمتلك الجيش المصري بنادق هجومية من طراز مصر، تعود للعهود السوفياتية، والتي تم اخراجها من الخدمة في روسيا منذ عقود خلت. كما تنتج المصانع الحربية طلقات متعددة الاحجام لاسلحة سوفياتية قديمة لا زالت تستخدم في القوات المصرية.

القاذف السوفياتي الشهير المضاد للمدرعات، ار بي جي، لا يزال يستخدم بكثافة في القوات المصرية التي عبرت قناة السويس بفضل حسن استخدامه. اما دول الناتو فلديها قذائفها الخاصة المضادة للمدرعات: ميلان الفرنسية، سوينغ فاير البريطانية، تاو الاميركية. الدول الاوروبية ستتاثر سلبا بصورة اكبر من الولايات المتحدة في حال تخلت القوات المصرية عن منتجاتها المضادة للدبابات.

سلاح المدرعات المصري هو الاحدث من بين كافة صنوف الاسلحة نظرا لموافقة الولايات المتحدة على قيام مصر بصنع مكونات مدرعات ابرامز الحديثة على اراضيها، مما وضعها في المرتبة الثانية، بعد “اسرائيل،” في تعداد وحداثة المدرعات المتوفرة.

ما كانت تملكه مصر من دبابات سوفياتية الصنع فهي في تعداد الاحتياط وخارج الخدمة الفعلية لعدم تحديثها منذ عقود، الامر الذي وضعها في مرتبة متدنية نسبة الى الدبابة الاميركية الحديثة. اذ احدث ما تملكه من صناعة سوفياتية يعود لعام 1976 من طراز تي-80، المعروفة باستهلاكها الكبير للوقود الى جانب بعض الثغرات في الاداء القتالي. يذكر ان روسيا اهدت عددا منها لكوريا الجنوبية لسداد ديون سوفياتية قديمة مترتبة.

لدى الترسانة المصرية ايضا نسخة معدلة من دبابة تي-55، من طراز رمسيس2، وعدد من المدرعات القديمة من طراز تي-62، والتي تم تحديثها بعض الشيء من قبل دول حلف الناتو، خاصة بريطانيا والمانيا وايطاليا، ومصر لا زالت في وضعية طلب ود دول الحلف لفترة مرئية. حقيقة الأمر ان بعض قطع الاسلحة الروسية الحديثة تتفوق على مثيلاتها في ترسانة حلف الناتو. كما ان الصناعة الحربية المصرية لا زالت توفر قطع الغيار وما يلزم من صيانة للترسانة القديمة من اسلحة سوفياتية.

سلاح الجو المصري

يعد سلاح الجو المصري احد اكبر الاسلحة عددا في المنطقة، قوامه 216 طائرة مقاتلة اميركية الصنع من طراز اف-16، مما يضعه في المرتبة الرابعة من بين الدول التي تعتمد على ذاك الطراز؛ ولديه عدد من طائرات الاعتراض الفرنسية الحديثة من طراز ميراج-2000؛ و579 طائرة اخرى مقاتلة و 149 طائرة مروحية مسلحة من بينها 35 من طراز اباتشي AH-64D، فضلا عن مقاتلات ميغ-21 المستخدمة بكثافة، واخرى من طراز سكايبولت اف-7، والفانتوم اف-4، وميراج 5، وطائرات شحن من طراز هيركيوليز سي-130.

شرع سلاح الجو المصري بتحديث الهياكل المتقدمة لطائرات ميغ-21 بمساعدة اوكرانيا، لكن مستوى النجاح لم يكن مرضيا.

قرار الرئيس اوباما بايقاف توريد الشحنة المستحقة من مقاتلات اف-16، على خلفية عزل الاخوان المسلمين عن السلطة، عزز اهتمام مصر بالحصول على المقاتلة الروسية الحديثة، ميغ-29، التي صممت خصيصا كرديف متطور عن اف-16.

العقبة الكبرى التي يعاني منها سلاح الجو المصري هي برامج التدريب المكثفة للطيارين واعمال الصيانة للطائرات المقاتلة، اذ شهد اعلى نسبة حوادث لطائرات اف-16، مما يؤشر على معضلات بنيوية في سلاح الجو. اضافة مقاتلات الميغ-29 الحديثة الى الترسانة لن يؤدي بحد ذاته الى التغلب على تلك العقبة، بل يضيف اعباء اخرى على اجهزة وطواقم الصيانة وتعاملها مع تعدد نظم قطع الغيار وبرامج الصيانة.

على الشق الآخر من المعادلة، اقتناء سلاح الجو لمقاتلات حديثة مشهود بكفاءتها يعد مصدر اعتزاز وثقة بالنفس وفخر وكبرياء على الصعيد الشعبي. دخول المقاتلات الروسية لترسانة سلاح الجو المصري، في الجانب المعنوي، سيعد صفعة توجه للولايات المتحدة من الطرفين، الروسي والمصري. دخول الميغ الى الخدمة الفعلية يستغرق بضع سنوات عادة لاتمام برامج التدريب والصيانة والتسليم.

سلاح البحرية المصري

مقارنة بالاساطيل البحرية الغربية والروسية التي تمخر عباب البحر المتوسط فسلاح البحرية المصرية يحتل موقعا متواضعا، كما ونوعا، سيما وان معظم القطع البحرية في حوزته هي من صناعة دول حلف الناتو المختلفة وتستخدم معايير الحلف في الاسلحة والطلقات والقذائف والاجهزة الالكترونية والرادار الخاصة به.

في الشق المقابل، فان سلاح البحرية الروسي لم يتماشى نوعا وكفاءة مع ترسانة حلف الناتو من ذات الفئة والتصنيف. ادخال التقنية والمعدات الحربية الروسية الى سلاح البحرية المصرية لا يشكل اضافة نوعية في هذا الصدد، بل ربما انتكاسة في القدرات ويضيف اعباء على برامج الدعم اللوجستية للقطع البحرية في حوزته.

في الشق السياسي، ان قيام روسيا بانشاء قاعدة بحرية لدعم وصيانة اسطولها في المياه المصرية واتاحة الفرصة للجانب المصري في استخدامها من شأنه تعزيز قدرات سلاح البحرية المصرية، مع الاخذ بعين الاعتبار طبيعة وكفاءة الصيانة المقدمة لقطع بحرية من صنع دول الناتو.
آفاق العلاقات الاقتصادية مع روسيا

بدأ التعاون الاقتصادي بين مصر والاتحاد السوفياتي عام 1948، بعد توقيع الاتفاقية الاولى لتوريد القطن المصري مقابل الحبوب والاخشاب ومنتجات اخرى سوفياتية. بلغت اوجها في عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، لا سيما في مجالات توليد الطاقة والمشروعات الصناعية في التعدين والحديد والصلب.
تعرضت العلاقات الى هزات بنيوية وانتكاسات منذ تخلي انور السادات عن دعم الاتحاد السوفياتي، وشهدت بعض بوادر الانتعاش منذ منتصف عقد التسعينيات وبروز قيادة وطنية لروسيا وصعود الرئيس بوتين. والتفتت مصر الى اهمية التعاون العسكري بين ايران وروسيا للاستفادة منه في تعزيز العلاقات التاريخية مع موسكو.

شهد مطلع عام 2001 تعاونا مشتركا في المجالات التجارية والاقتصادية والعلمية والتكنولوجية سبقت زيارة رسمية للرئيس حسني مبارك لموسكو اثمرت توقيع عدد من الاتفاقيات الثنائية في مجالات متعددة: الاستخدام السلمي للطاقة النووية والاتصالات والاقمار الاصطناعية والمجالات الطبية والادوية؛ تبعها اربع زيارات رسمية لموسكو كان آخرها في آذار 2008. وتوجت العلاقات بزيارة رسمية للرئيس الروسي ديميتري ميدفيديف للقاهرة في منتصف عام 2009، اسفرت عن توقيع معاهدة شراكة استراتيجية بين البلدين.

اقتصاديا، تطلعت مصر الى تعزيز التبادل التجاري بين البلدين وازالة ما يعترضها من عقبات ورسوم جمركية امام المنتجات المصرية، سيما بعض انضمام روسيا الى منظمة التجارة العالمية منتصف عام 2012.

ارتفعت تدريجيا الصادرات المصرية الى روسيا، وبلغ حجم التبادل التجاري بينهما نحو 2.3 مليار دولار لعام 2011، هي الاعلى منذ انتكاساتها: منها 332 مليون دولار للصادرات المصرية من المنتجات الزراعية، و 1.94 مليار دولار للواردات المصرية من روسيا.
وقع البلدان سلسلة اتفاقيات تعاون اقتصادية منذ منتصف عقد التسعينيات، لعل اهمها اتفاقية انشاء منطقة للصناعات الهندسية الروسية ببرج العرب، في الاسكندرية، وتنمية روسيا للتطبيقات السلمية للطاقة الذرية وانشطة الابحاث والتطوير في انشاء محطات انتاج الكهرباء من الطاقة النووية، وتفعيل اتفاقيات التعاون العلمي والتقني بينهما باشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

مصر شريكا كبيرا لروسيا!

تتعاظم حاجة البلدين لتنمية وتثبيت علاقات التبادل بينهما في شتى المجالات، والتي تجري وفق قواعد السوق وجني الارباح بخلاف ما كان يوفره الاتحاد السوفياتي آنئذ من مساعدات عسكرية مجانية وسلع تشجيعية ودعم سياسي ثابت لمصر. حاجة مصر الراهنة والملحة لتعزيز قدراتها الدفاعية، لا سيما في مجال نظم الدفاعات الجوية، ادى بها للسعي لتمويل ما تتطلبه من مشتريات من دول خليجية، السعودية او الامارات وربما الاثنتين معا. وهذا الشق بحد ذاته كفيل ان يضع مصر في مصاف دولة رئيسية لروسيا وصناعاتها العسكرية ومنتجاتها الزراعية، خاصة القمح. بالمقابل، تحول مصر شرقا سيترك تداعيات عدة على علاقاتها المتشابكة مع دول حلف الناتو، وتسعى لتفادي التباعد عنها واستحداث ازمة سابقة لاوانها.

تتحكم مصر ببعض نقاط القوة والتفاوض مع الولايات المتحدة، وتسعى لتسخيرها لمصلحتها بخلاف نظم الحكم السابقة منذ عهد انور السادات، اهمها مصير اتفاقية كامب ديفيد التي تحرص الولايات المتحدة على استمرارية العمل بها تقابله بمساعدات عسكرية لمصر، ثبت انها غير كافية لمتطلبات وطموح المؤسسة العسكرية المصرية لحماية أمن وسيادة بلادها. استخدام واشنطن سلاح الترهيب لمصر، بقطع بعض المساعدات، يعرض تلك الاتفاقيات لافاق مفتوحة مناوئة للسياسة الاميركية، فضلا عن الكلفة الاقتصادية للشركات والمصالح الاميركية بتوقف المساعدات المالية التي تمول الشركات الاميركية وصناعاتها الحربية بالدرجة الاولى؛ فضلا عن تداعيات الكساد الاقتصادي على القاعدة الانتخابية الداخلية والانتخابات المقبلة على الابواب.

الثابت ان كلا من روسيا ومصر اتخذتا قرارا لا رجعة عنه بتعزيز اوجه التعاون وتنمية العلاقات بينهما، مما يعزز قدرة مصر على تحدي السياسة الاميركية في بعض المجالات، وتوفر فرصة لا تعوض لروسيا توجيه صفعة اخرى للولايات المتحدة، وما ستتركه من تداعيات على المستويات العالمية.

فرضت الولايات المتحدة شروطا قاسية ومذلة على مصر في مجال المنتجات الزراعية، خاصة مادة القمح، في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، امعانا في التحكم والسيطرة على سيادة مصر. روسيا، المورد التاريخي والثابت، للقمح والحبوب الاخرى لمصر استمرت في تصدير القمح لمصر بمعزل عن الضغوط والقيود الاميركية، مما شكل مصدر قلق لصناع القرار السياسي الاميركي، عبرت عنه المؤسسة الاستخبارية البحثية، معهد ستراتفور، بالقول:

“تستطيع روسيا دعم مصر بكميات كبيرة من صادرات الحبوب. في موسم الحبوب لعامي 2012-2013، بلغ حجم الصادرات الروسية ما مجموعه ثلث الاحتياجات المصرية من الحبوب، اي ما يقارب 2.7 مليون طن. يبشر العام الحالي سنة رغد لانتاج روسيا من الحبوب، ومن المتوقع ان تشهد الصادرات ارتفاعا ملحوظا لعامي 2013-2014. العقبة الاخيرة بين مصر وروسيا تمحورت حول التسعيرة والكلفة – اذ لا تستطيع مصر تسديد كلفة الحبوب الروسية، التي تفوق معدلاتها مصادر الحبوب الاخرى مثل اوكرانيا. ومن المحتمل ان يتوصل الطرفين الى اتفاقية تتيح التصدير باسعار مخفضة.”