2020-24-04-التحليل

التحليل

انكشاف الجهوزية الأميركية بسبب كورونا

د. منذر سليمان و جعفر الجعفري

من أبرز تداعيات جائحة كورونا حالة الإرباك داخل المؤسّسة العسكرية الأميركية، وتضارب التصريحات الرسميّة حول انعكاساتها على حالة “الجهوزية” للقيام بمهامها وفق الاستراتيجيات المعدّة، رافقها حجب قادة البنتاغون معلومات حقيقية عن إصابة طواقمها البحرية مما أخرج 4 حاملات طائرات عملاقة وما لا يقل عن 5،000 جندي من “الخدمة .. في مواجهة الصين، ومن ثم إيران،” وذهب بعض المحلّلين العسكرين توصيف الأمر بأنه انهيار للمنظومة السائدة وتقويضٌ لجهوزية القوات العسكرية.

         تكهّنت صحيفة واشنطن تايمز المحافظة، 31 آذار/مارس، بجدية تَحدي كورونا بأنه “الأعظمْ أمام القيادات العسكرية الأميركية منذ عقود” والتي سعت إلى مزاوجة استمرار حالة “التأهّب بين القوات في مراقبة تهديدات الأعداء وفي الوقت نفسه تحصين القوات النظامية من تفشي الوباء.”

واستدركت الصحيفة بالإشارة إلى طبيعة بنى القوات المسلّحة وهياكلها، بفروعها كافة، التي كانت ولا تزال، “حاضنة وناقلة للأمراض في آن معاً .. والتي ستتأثّر جهوزيتها على الأرجح نتيجة لانتشار الوباء.”

         المحافظة على الجهوزية العسكرية، في القوات الأميركية، تستند إلى قاعدة مركبة من الاعتبارات، أبرزها بالطبع الموارد والمعدات والأسلحة المطلوبة لكل فرع من فروعها المتعددة. المفهوم عينه لدى القيادات العليا في المؤسّستين السياسية والعسكرية ينطوي على جملة مستويات: الأولوية تحاكي التطابق بين الاستراتيجيات المعتمدة وقدرة القوات على مواجهة التحديات المطروحة، الصين وروسيا مثلاً، وبلورة توجهات جديدة وفق الحاجة.

         وهناك بعد تجاري في مسألة الجهوزية يُستخدم كمبرر للحصول على ميزانيات إضافية، خارج الميزانيات السنوية المقررة، وما يرافقها من أسلحة جديدة أو أخرى بحاجة للتحديث، كلما حانت الفرصة.

         مفهوم الجهوزية، وفق تعريف وزارة الدفاع الأميركية، ينطوي على “قدرة القوات العسكرية للقتال وتنفيذ المهام المسنودة إليها،” ويشكّل “أداة تستخدمها الولايات المتحدة للتأثير على آليات تفكير الدول الأخرى وتصرّفها.” (صحيفة “واشنطن بوست،” 19 آذار/مارس 2020).

معيار الجهوزية لدى القوات المسلحة يستند إلى مدى “تطابقها مع حلقات الجهوزية وأهدافها .. وضع القوات، مدى انجازها لتدريباتها، أسلحتها، ومصادر إمدادها.” التزود بالمؤن والذخيرة وما شابه يعتمد بشكل واسع على سفن سلاح البحرية ومخازنها المنتشرة على رقعة جغرافية واسعة.

صيانة تلك المخازن عمل مستمرّ للحفاظ على صلاحيتها. عدد من دراسات البنتاغون اشار إلى “الحالة الرثة” لعدد لا بأس به من تلك المواقع، تفاقمها “طواقم صيانة غير متمرسة وتعاني من الالتزام بإنجازمهامها وتخطيها المواعيد المقررة.” (صحيفة “واشنطن بوست.”)

         النخب الفكرية الأميركية ومراكز الأبحاث أكدت أيضاً التداعيات المتتالية لتفشّي الوباء متسائلة عن الآليات المتوفّرة “للإبقاء على جهوزية القوات العسكرية .. لحين الاستدلال على لقاح مضاد تحقن به القوات.”

وأعربت عن اعتقادها بأن حالة الإرباك ستستمرّ “لنهاية السنة الحالية وبداية العام 2021، وربما تبلغ نسبة التردي نحو 10-20%.” (معهد “بروكينغز،” 22 نيسان الجاري).

         ينبغي التشديد على أن ما تتعرض له القوات العسكرية الأميركية، نتيجة تفشي الوباء، هي مسألة عرضية حتى لو طالت مدتها، لا سيما وان أعداد المصابين تبقى ضمن نسبة متدنية مقبولة هي 10-20% وفق إحصائيات البنتاغون و “تطميناته.” وباستطاعة القيادات العسكرية العليا تعديل أولويات “المهام الاستراتيجية” لتتناسب مع مجمل الأوضاع العامة، كما هي الحال في القوات العسكرية للدول الكبرى الأخرى.

         السيناريو الأسوأ للبنتاغون، والناجم عن تقويض جهوزية بعض الوحدات العسكرية، يكمن في “انهيار سريع لحالة القوات العسكرية كما شهده بحارة حاملة الطائرات روزفلت،” معطوفاً على “اضطرار القيادة العسكرية إلى إغلاق بعض القواعد العسكرية الرئيسة أو وضع وحدات بأكملها في الحجر الصحي لعدة أسابيع.” (صحيفة “واشنطن تايمز،” 31 آذار/مارس).

تنامي المخاوف المذكورة لم يمنع الرئيس الأميركي من الاستمرار في منسوب تصعيد التوتر مع إيران، بدءاً من انسحابه من الاتفاق النووي وإلى اللحظة، بتصديره “تعليمات” صادرة عن القائد الأعلى للقوات المسلحة لسلاح البحرية الأميركية في مياه الخليج “بتدمير أية زوارق إيرانية، إذا ما تحرشت بسفننا في البحر.” (تغريدة الرئيس ترامب، 22 نيسان/ابريل).

         قرار الرئيس ترامب، عبر تويتر، استند إلى رواية سلاح البحرية الأميركية، قائلاً إن “11 زورقاً حربياً تابعاً للحرس الثوري الإيراني قام مراراً وتكراراً بسلوكٍ خطيرٍ ومضايقات ضد السفن البحرية الأميركية العاملة في المياه الدولية.”

         في تلك الأثناء، أطلقت إيران قمراً اصطناعياً وصل مداره المُعدّ بنجاح، ما أثار موجة نقدٍ شديدةٍ وتجديدٍ لنزعة المواجهة العسكرية بالزّعم أن طهران تنوي التمكن من “إطلاق رأس نووي،” باستخدام التقنية عينها، من دون دليل. جاء الرد سريعاً ومن عدة مستويات في موسكو، بأن لإيران الحق في إطلاق أقمار إصطناعية، ولا سيما انها لا تنتهك بذلك القوانين الدولية.

         وفي الفترة الزمنية عينها، شهدت مياه البحر الأبيض المتوسط اعتراض مقاتلةٍ روسيةٍ من طراز “سوخوي-35” طائرة استطلاع أميركية “من طراز بي – 8 بشكل خطير وغير آمن، بينما كانت تحلق في المجال الجوي الدولي.” وأوضح بيان للبنتاغون أن المقاتلة “الروسية قامت بإجراء مناورة صدامية وبسرعة فائقة على مسافة 25 قدم مباشرة أمام الطائرة” الأميركية، دامت نحو 42 دقيقة.

         بالتزامن مع حادثة الاعتراض، أصدرت قيادة القوات الفضائية في سلاح الجو الأميركي بياناً يشير إلى “إجراء موسكو اختباراً لصاروخٍ مضادٍ للأقمار الاصطناعية،” (15 نيسان).

         أما على الأرض، فقد شرعت روسيا في تعزيز وجودها في شرق نهر الفرات من الأراضي السورية بمواجهة مباشرة مع القوات الأميركية، ولا تزال احتمالات الاشتباك “المحدود” بينهما مرجّحة أكثر من ذي قبل.

         كما شهدت الآونة الأخيرة تضافر عددٍ من “التحديات” للنفوذ الأميركي، أبرزها في الحركة النشطة للسفن الحربية الصينية في بحر الصين الجنوبي، إضافةً إلى قرار بكين تعزيز الطلعات الجوية والدوريات البحرية التي تجوب المياه على مَقربة من جزيرة تايوان.

         من جانبها، نشرت القوات الأميركية قوة بحرية بديلة عن حاملة الطائرات “روزفلت،” قوامها السفينة البرمائية “أميركا” وعلى مَتنها 5 مقاتلاتٍ من طِراز “إف-35” وعددٍ من المروحيات للمرابطة في مياه بحر الصين الجنوبي، مقابل حاملة الطائرات الصينية الحديثة “لياونينغ” التي دخلت الخدمة مؤخراً. وذلك إضافة إلى القطع الحربية الأخرى في المحيط الهاديء التي حافظت على ابتعادها عن مصادر الاحتكاك بالفايروس وبقيت “سليمة،” وتستطيع تنفيذ مهامها العسكرية المرسومة إن اقتضى الأمر.

         كما أن الأوضاع في كوريا الشمالية لا تسرّ الجانب الأميركي، سواء في إطلاق الأولى تجربة صاروخية ناجحة مؤخراً، أو فيما يتردد بأن الوضع الصحي للزعيم كيم جونغ اون “مقلق،” عقب أنباء مصدرها موقع الكتروني ممول من “مؤسسة الدفاع عن الديموقراطية” في واشنطن، تزعم أنه تعرض لعملية جراحية، وحالته “حرجة .. وغاب عن الظهور في احتفال مركزي” لبلاده. ولا تزال التقارير غامضة حول حقيقة  الأوضاع في العاصمة بيونغ يانغ، باستثناء زيارة فريق صيني “يتضمن اختصاصيين في الطب” إلى العاصمة.

         بعض النخب الفكرية الأميركية، ممثلة في نشرة “فورين بوليسي،” حذرت من استسهال الانجرار خلف “إشاعات مزوّرة حول وفاة وشيكة لكيم جونغ أون.. وربما الإشاعة المقبلة قد تزعم أنه اقترب من شنّ هجوم نووي.” وحثّت صنّاع القرار، لا على توخي الحذر فحسب، بل أيضاً على انتهاج سياسة أكثر واقعيّة لتفادي اندلاع نزاع جديد، من ضمنها تطبيع العلاقات وتبادل السفراء. (24 نيسان/إبريل 2020).

         من غير المرجّح أن تقدم الولايات المتحدة على اتخاذ اجراءاتٍ لتعديل حجم وجودها ورقعته في شبه الجزيرة الكورية، حيث لا يزال شبح انتشار وباء كورونا ماثلاً، بينما ستستمر التعزيزات العسكرية الأميركية في مياه الخليج ومضيق هرمز وبحر العرب، وقد تتدحرج الأوضاع إلى اشتباك محدود ومحسوب من الطرفين، درءاً لاندلاع حربٍ مباشرةٍ مكلفة ومدمرة للمنطقة.

         عند إضافة عامل النفط وما تعرضت له الأسواق العالمية من انهيار في أسعار الخام الأميركي وتقلص في أسعار النفط الأخرى، باستطاعة المراقب التكهن بنشوب اشتباكاتٍ عسكريةٍ محدودة من شأنها رفع أسعار النفط الخام إلى مستوياتٍ أعلى بقليل مما هي عليه الآن، كما يطالب بذلك قطاع منتجي النفط الأميركي. كما أن لإيران مصلحة موازية في التأثير والاستفادة من ارتفاع اسعار النفط،  وتبقى الخشية من تدهور الأوضاع  وانزلاقها نحو الأسوأ هي الفيصل.

         سوريا ستبقى ساحةً للصراع والتنافُس ومحاولة واشنطن تأخير قرارها بالاضطرار إلى الإنسحاب، وخصوصاً عند الأخذ بعين الاعتبار تقلص حجم التواجد العسكري للأسطول السادس الأميركي في مياه المتوسط، والتفاتِه إلى منطقة الخليج لمُساندة القوات الأخرى، والذي فسّر كأحد العوامل التي عزّزت جرأة القوات الجوية الروسية على تحديها للقوات الأميركية في المنطقة.

إحدى ركائز الإنتشار العسكري والنفوذ العالمي لأميركا تستند الى القدرة الفائضة لسلاح بَحريّتها، ويبدو أن كورونا أحدث انكماشاً غير مسبوقٍ في قوّتها البحرية تسعى جاهدة إلى إخفائه.

2020-17-04-التحليل

التحليل

بايدن أمام قرار تاريخي حاسِم

 مَن سيختار لنائب الرئيس ؟

منذر سليمان ، جعفر الجعفري – واشنطن

دشن الرئيس السابق باراك أوباما دخوله العَلني في السباق الرئاسي بظهورٍ متلفَز لمدّة 12 دقيقة، لدعم المرشّح الأقوى المُتبقي جوزيف بايدن، بعد انسحاب مُتتالي لمُنافسيْه، بيرني ساندرز واليزابيث ووران. البُعد الأهم في رسالة اوباما هي في تثبيت حضوره وما يمثله من إرث ونفوذ بارزَين بين الناخبين، ولا سيما شرائح السود وذوي الأصول اللاتينية.

         من بين أهم عناصر فوز الرئيس اوباما في ولايتين سابقتين تصدّره وسط قطاع الشباب  معطوفاً على حماسته وقُدرته على سرعة التحرّك، وهو العنصر الذي ميّز حملة المرشّح بيرني ساندرز أيضاً، خاصة الشريحة العُمرية بين 18-29 عاماً. عنصر  افتقدته حملة جو بايدن، إضافة إلى عوامل أخرى كانت من نصيب مُنافسيْه المذكورين.

         وعليه، يجمع أخصائيو استطلاعات الرأي والبيانات الانتخابية على أن عناصر القوة للحزب الديموقراطي تتمثل في ثلاثة شرائح: قطاع الشباب والمرأة والأقليات أبرزها السود وذوي الأصول اللاتينية. وأن أي خَلَل أو  تراخٍ  في مدى تأييد أيّ منها مُنفردة أو مُجتمعة سيقضي على حظوظ  الفوز الحزب.

         في معرض استعراضها لسجل جو بايدن وأعبائه الثقيلة، حدَّدت يومية نيويورك تايمز، 14 نيسان/ابريل الجاري، العناصر التالية: فشله في تحفيز وتأييد قطاع الشباب في الانتخابات التمهيدية، خسارته المتدرّجة والثابتة لأصوات اللاتينيين، فُقدانه لعنصر تحفيز  وحماس القاعدة الانتخابية “كما فشلت المرشّحة هيلاري كلينتون في تحفيز الناخبين قبله.”

وشدّدت الصحيفة المذكورة على محورية حرارة الحماس في الحملات الانتخابية، إذ أن  مؤيدي الرئيس ترامب يتمتّعون بمنسوبٍ عالٍ من الاندفاع  “أعلى بكثير من مؤيّدي بايدن.”

وعلى هذا الأساس وبهذه الخلفية ينبغي قراءة صمت الرئيس السابق باراك اوباما في بداية السباق الرئاسي، ودخوله بقوّة وحَزم لمُساندة نائبه السابق جو بايدن والذي  تشوب حملته تحفّظات وشكوك داخل الحزب الديموقراطي، خاصة في قطاع المرأة على خلفيّة عدم مُحاصرته لمُرشّح المحكمة العليا عن الحزب الجمهوري كلارينس توماس، أيلول/سبتمبر 1991، بعد اتهامه بالتحرّش الجنسي، وكذلك سطحية منسوب شعبيّته بين صفوف السود (الأميركيون من أصول افريقية.)


اعتبارات اختيار نائب الرئيس

تجري عملية اختيار “نائب الرئيس” من مُرشّحي الحزبين، وفق أصول التوازُنات الانتخابية الأميركية، وتتحكّم بها جملة عناصر أبرزها الأخذ بعين الاعتبار التمثيل الجغرافي لشخصية النائب إلى جانب عُمق خبرته السياسية.

التمثيل الجغرافي ليس قاعدة يُحتذى بها، بل عُرف تفرضه الظروف والعوامل الانتخابية بشكل عام، لإرضاء بعض القطاعات الرئيسة والمصالح الاقتصادية المعنية في اعتبارات قيادات الحزبين.

بهذه الخلفية، اختار المُرشَّح السابق باراك أوباما، ذو الخبرة السياسية المتواضِعة، نائبه السيناتور جو بايدن: الأول من أواسط البلاد والثاني من الساحل الشرقي ولديه سجل حافل في الكونغرس ولجانه النافذة. وكذلك فعل الرئيس الأسبق جون كنيدي، من الساحل الشرقي، باختيار نائبه ليندون جونسون من ولاية تكساس الجنوبية. وفعل أيضاً الرئيس ترامب الآتي من ولاية نيويورك على الساحل الشرقي باختيار نائبه مايك بنس من ولاية انديانا في وسط البلاد ولتمتُّعه بتأييد التيار المتشدد في الحزب الجمهوري.

عند استعراض العناصر التي سيأخذ بها المُرشّح جو بايدن لاختيار نائبه، تنبغي الإشارة إلى تراجع عامل الخبرة السياسية كشرطٍ متوفر في نائبه، نظراً إلى خبرته السياسية الشخصية، لكنه بحاجة إلى مُرشّح أو مُرشّحة لسدّ الثغرات الجماهيرية وتمثيل القطاعات الأشدّ احتياجاً  لها  لضمان الفوز .

في السياق عينه، يتعرض المُرشّح جو بايدن إلى جملة تحفظّات على أهليته العقلية، نظراً لتقدّمه في العُمر – 77 عاما، وبسبب بعض تصريحاته غير المُتوازِنة خلال المُناظرات الرئاسية، والتي يعتبرها بعض المُراقبين في واشنطن بأنها دليل  على أن بايدن “عاجز تماماً على تذكّر حقائق أساسية بسيطة .. والتساؤلات  حول  حالته  الصحية  أضحت سراً  مُتداولاً في واشنطن.”

الطبيبة والمرشّحة الرئاسية السابقة عن حزب الخضر، جيل ستاين، علّقت بقولها إن بايدن “اختلط عليه الأمر بين شقيقته وزوجته، ونسي إسم الرئيس اوباما .. الخطر الأكبر يكمن في تراجع قدرته المعرفية” (7 آذار/مارس 2020).


الُمرشّحة لمنصب نائب الرئيس

ألزم المُرشّح جو بايدن نفسه باختيار امرأة كنائبةٍ له، في إحدى المُناظرات الانتخابية. بينما أعرب نحو 41% من الناخبين عن أهمية اختيار بايدن لشخصية مناسبة  أكثر ليبرالية من توجّهاته، دون اعتبار للجنس.

دخول الرئيس السابق بقوّة على الحملة الانتخابية عزَّز توقّعات المُقربين من بايدن بأنه يميل إلى اختيار أمرأة سوداء.

قائمة المُرشّحين لمنصب نائب الرئيس، وفق استطلاعات الرأي وتوجّهات قيادات الحزب الديموقراطي تشمل التالي:

المُرشّحة السابقة والسيناتور عن ولاية كاليفورنيا كمالا هاريس، التي تحظى بتأييد الرئيس اوباما تقديراً لخدماتها الجليلة لإدارته السابقة.

أما القاعدة الانتخابية من السود والليبراليين فلديها جملة تحفّظات على هاريس، على الرغم من بشرتها السوداء، أبرزها سِجِلّها المُعادي للسود وذوي الأصول اللاتينية إبان شغلها منصب المدّعي العام لولاية كاليفورنيا، لتواطؤ مكتب المدّعي العام مع شبكات المخدّرات ما أسفر عن إخلاء سبيل نحو 1000 حالة من تجّار المخدّرات، ولجهودها أيضاً في إخفاء أدلّة جنائية كان من شأنها إطلاق سراح متَّهم حُكِم عليه بالإعدام، واضطرارها إلى الامتثال لقرار المحكمة بتوفير الأدلّة بعد تباطؤ وتأجيل.

المرشّحة الأخرى هي السيناتور والمرشّحة السابقة للرئاسة آيمي كلوبوشار، الآتية من منطقة ولايات الوسط الهامة في التوازنات الانتخابية، ولاية منيسوتا، التي مالت إلى تأييد الحزب الجمهوري في جولة الانتخابات الرئاسية السابقة.

حاكمة ولاية مشيغان، غريتشتن ويتمر، أيضا من ولايات الوسط الهامة، أثبتت جدارتها بإدارة فعّالة لوباء كورونا وإن شابها بعض التردّد والتقلّب في آليات التطبيق سُرعان ما نفّذت إجراءات مشدّدة لاحتواء الفايروس. الرئيس ترامب، من جانبه، حرّض قواعده الانتخابية في الولاية للتظاهر ضد ويتمر أمام مقر الولاية والمطالبة بـ “تحرير مشيغان” من سيطرة الحزب الديموقراطي.

السيناتور والمرشّحة السابقة إليزابيث ووران حازت على إطراء نادر من المرشّح جو بايدن عقب انسحابها وإعلان تأييدها له، وصرّح وقتها قائلاً “أفتخر بانضمام مناضلة شرِسة، السيناتور ووران، إلى جانبي.”

لكن العلاقة بينهما مشوبة باختلافات وعدم اتفاق، منذ عام 2005، وفق سردية مجلة ذي نيويوركر الأسبوعية، 15 نيسان/ابريل الجاري، حين أيّدت  ووارن مشروع قرار لتشديد الرقابة على إجراءات الإفلاس للشركات الكبرى مقابل تأييد بايدن لمشروع أقل تشدّدا. واضافت المجلة أن الأخير أقرّ “بهجومها القاسي عليه” عام 2013 إبان تصويت مجلس الشيوخ على عضويّتها فيه، مُستدركاً أن أداء ووران في هذا المنصب “سيكون رائعاً.”

وبحسب تحقيق صحيفة نيويورك تايمز، 14 نيسان/ابريل الجاري، فإن المُرشّح بايدن، ومنذ فوزه الواقعي بترشيح الحزب الديموقراطي، بدأ يميل لتبنّي توجّهات السيناتور ووران “حول عدد من القضايا، من ضمنها (ضرورة) إصلاح نظام الإفلاس.”

السيناتور من ولاية ويسكونسن تامي بولدوين، أيضا من ضمن قائمة المُرشّحين لمنصب نائب الرئيس، مع إدراك حقيقة توجّهها، مثلية الجنس، وقدرتها على مواجهة مساعي الحزب الجمهوري لإسقاطها في الانتخابات النصفية الماضية. توجّهاتها العامة تميل إلى التيار الليبرالي بموازاة توجّهات اليزابيث ووران وبيرني ساندرز، لكن حضورها السياسي ضعيف ضمن الحزب الديموقراطي.

المُرشّحة السابقة لمنصب حاكم ولاية جورجيا، ستيسي آبرامز، كان بإمكانها أن تشكّل سابقة في ولايتها المحافظة كأول امرأة سوداء تفوز بالمنصب، وتحظى بدعم قوي من قطاع المرأة، لكنها قليلة الخبرة السياسية.

قاعدة تأييدها للمنصب أتت من قبل يومية نيويورك تايمز، 14 نيسان/ابريل، التي ناشدت المُرشّح بايدن بالنظر إلى ما تمتلكه من مؤهلات وقاعدة دعم هو بحاجة ماسة إليها بين قطاع الشباب، خاصة وأن آبرامز “تفوّقت بمنسوب التأييد الشعبي للشباب على المُرشّح الرئاسي باراك اوباما في ولاية” جورجيا بنسبة 30%.

السيناتور عن ولاية نيفادا، كاثرين كورتيز ماستو، من أصول لاتينيةٍ تتمتّع بتأييد نظرائها من أصولٍ مُشابهة، وهو قطاع بالغ الأهمية للحزب الديموقراطي.

باختيارها لمنصب نائب الرئيس سيحظى بايدن بدعم عريض لقاعدة أخفق في كسبها كونها المرة الأولى التي تصعد فيه مُرشّحة من أصول لاتينيةٍ إلى منصب سياسي حسّاس مُتقدّم، وكذلك للوجود القوي لتلك القواعد في ولايات كولورادو وكاليفورنيا ونيفادا. وتتمتّع السيناتور كورتيز ماستو بدعم صريح من رئيس مجلس الشيوخ الأسبق وممثل ولاية نيفادا، هاري ريد، الذي لا يزال يُشكّل مركز ثقل مُعتبر داخل الحزب الديموقراطي.

         المُرشّحة الأخرى ضمن قائمة الاحتمالات هي حاكم ولاية نيو مكسيكو، ميشيل لوهان غريشام، وهي أيضاً من أصولٍ لاتينيةٍ ومن شأنها تعزيز اللحمة ووحدة الحزب الديموقراطي بين قطاعاته المختلفة. صعد نجم حاكمة الولاية غريشام بتصدّيها ومعارضتها لسياسات الرئيس ترامب حول “تجييش الرقابة على الحدود الجنوبية” مع المكسيك، لا سيما عند معبر “إل باسو” الشهير الذي شهد اشتباكات عديدة بين مسلّحين أميركيين ومهاجرين.

         اختيار الأوفر حظاَ من بين القائمة السابقة لمنصب نائبة الرئيس أمر ليس سهلاً. من أبرزها السيناتور والمُرشّحة السابقة آيمي كلوبوشار على خلفيّة تأييدها المُبكر للمُرشّح بايدن، والذي أسهم في فوزه بانتخابات “الثلاثاء الكبير،” وما تمثله كذلك من رصيد يعوّل عليه في ولايات الوسط. عناصر تحظى أيضاً بترجيح كفّتها لدى قيادات الحزب، مدعومة بتأييدها لسياسات المؤسّسة الحاكِمة، لا سيما ميزانيات الدفاع، خلال الفترة السابقة.

         على الرغم مما تقدّم، فإن كلوبوشار قد لا تكون الخيار الأنسب لقواعد الحزب العريضة، لا سيما مؤيّدي السيناتور بيرني ساندرز وكذلك الأمر لمؤيّدي إليزابيث ووارن، وهو عامل سيصعد على سلّم أولويات الحزب لاختيار امرأة سوداء أو من أصولٍ لاتينيةٍ ربما، وتكريم اللواتي لم يفزن بالاختيار بمناصب عُليا في الإدارة المقبلة، تعزّز حضور المرأة والأقليات في آنٍ واحد.

حظوظ ووارن كإختيار مُرجّح تبقى قوية بسبب قوّة التيار اليساري في القاعدة الإنتخابية الديموقراطية ورجحان نسبة المؤيّدين لأطروحات التيار في مُعالجة الملفات الإقتصادية والرعاية الصحية خلال أزمة كورونا.

إختيار نائب الرئيس يرتدي طابعا هاما جدا في هذه الجولة من الإنتخابات لأن المُرشّح سيكون عملياً الرئيس المُنتَخب أيضاً في حا تعرّض بايدن لما يمنعه من شغر المنصب في الدورة الأولى، عدا عن كونه/ا المرشحة التلقائية للرئاسة في الدورة الثانية عام 2024  في حال فاز الحزب الديموقراطي بانتخابات نوفمبر/تشرين الأول 2020.

2020-10-04-التحليل

التحليل

سيناريو أزمة استمرارية السلطة
في أميركا وكابوس كورونا

 

         أولويات المؤسسة الأميركية الحاكمة مركَبة بطبيعتها، يتصدرها خطاب إعلامي يقفز ليحاكي مرحلة ما بعد انتهاء الفايروس وما ستؤول إليه الأوضاع العالمية، ويتكهّن إما بفوز الصين وإما باستعادة أميركا هيمنتها السابقة. بيد أن العنصر الآخر المغيّب عن التداول يتمحور حول قمة السلطة عينها، في ظل أداء المؤسَّسة الباهت على الصعيدين الداخلي والعالمي، وكذلك مصير المنصب الرئاسي في حال فتك الفايروس برأس الهرم، ترامب ونائبه بينس، ومن سيتحكم بصنع القرار – أفراداً ومؤسَّسات.

سنسلط الضوء على الديناميكيات الداخلية والمتفاعلة مع المؤسسات المختلفة  في بلورة القرار السياسي الرسمي، ومدى الاستعداد الجمعي للتحدي الفريد المتمثل بالفايروس، ولا سيما أنه “قد” يصيب أي فرد، مهما علا شأنه.

بعبارة أخرى، ما العمل في ظل إصابة رأس المؤسَّسة أو فرض الحجر الصحي عليه، ناهيك بإمكانية دخوله إلى العناية الفائقة؟ ومن سيتصدر القرار السياسي أو يتحكم بصنعه.

 

علاقة الفايروس بالبديل القيادي

         بداية، في حال تعرض الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونائبه مايك بينس للإصابة بالفايروس، وخصوصاَ أن البيت الأبيض لا يطبق إجراءات “التباعد الجسدي والوقاية بارتداء الكمامات،” فالنصوص الدستورية الراهنة لا تنص على تراتبية سلسة لاستخلاف قمة الهرم، بل تسهب في تفصيل الشروط لاستبدال الرئيس في حال الوفاة، أو الاعتكاف، او العجز عن القيام بمهامه، أو توفر موافقة أغلبية من وزراء حكومته بإقالته وتسليم المنصب لنائب الرئيس.

         برزت تلك الفرضية إلى الصدارة بعد إصابة رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون بالفايروس، ونقله إلى العناية المركّزة، ثم تسلم “نائبه الفعلي،” وزير الخارجية، لمهامه دستورياَ، في ظل نصوص وأعراف قانونية مبهمة في البلاد حول شرعية الخلف.

         إن مسألة تسلم “مؤقت” للرئاسة تزداد تعقيداً في الولايات المتحدة، وتنذر بمعركة إضافية شرسة بين أقطاب المؤسسة كافة، وقد تستغرق فترة زمنية تمتد لبضعة أسابيع، وربما لأشهر، إلى أن يتم التوصل إلى صيغة توافقية يتقدم فيها الفراغ السياسي على أي اعتبارات أخرى.

         النصوص الدستورية الراهنة تحدد التسلسل كنتيجة لحدث منفرد، وفاة أو إقالة، وليس جراء انتشار وباء قد يصيب قادة البلاد بالشلل الجماعي والعجز عن توفير الخدمات والأمن.

التسلسل الهرمي لشغل منصب الرئيس الشاغر يبدأ بمنصب الرئيس ثم نائبه، تليه رئيسة مجلس النواب – نانسي بيلوسي. وفي نهاية التسلسل، يأتي الرئيس المؤقت لمجلس الشيوخ، تشاك غراسلي (بصفة دستورية كبديل لنائب الرئيس لترؤس جلسات المجلس وإدارة شؤون السلطة التشريعية حينئذ).

         من ضمن الخيارات البديلة لرأس السلطة تبرز مسألة إقالة الرئيس لعدم أهليته، والتي شغلت الأوساط السياسية خلال جلسات المحاكمة لعزله، وترافقها تحديات جديدة، أهمها الفترة الزمنية المنصوص عليها بالدستور، 21 يوماً، التي تُمنح للرئيس للدفاع عن نفسه، مما سيعطل الحركة القيادية برمتها.

         في حال توجيه تهمة عدم الكفاءة إلى الرئيس والطلب بإزاحته، سيزداد منسوب التحدي لناحية عدم استطاعة عدد كافٍ من النواب حضور الجلسات للتصويت، وربما لإصابة بعضهم أيضاً، وما سينشأ عنه من تعطيل إضافي للحياة السياسية.

         الفراغ الناشيء عن غياب الرئيس ونائبه معاً بسبب تداعيات الوضع الصحي، قد يدفع رئيسة مجلس النواب، وفق التسلسل القيادي دستورياً، إلى إعلان تسلمها مهام الرئيس، مسلّحة بالصلاحيات الدستورية، ومن ثم سيتسنى لها “إقالة” الرئيس ترامب، الخيار المفضل لكبار قادة الحزب الديموقراطي، عقب فشلهم في إدارة إزاحته خلال المرحلة السابقة.

عند هذا المفصل، ستحتاج رئيسة المجلس إلى مساندة معظم وزراء إدارته، الثلثين، للمضي قدماً في استكمال الشروط الدستورية، وما ستقدم لهم من تنازلات مقابل الموافقة على استمرار إدارة أعمال الدولة.

وفي حال فتك الفايروس بنائب الرئيس مايك بينس وغاب عن المشهد، فمن العسير على المؤسسة المضي بإزاحة الرئيس، إذ إن لديه الصلاحية التامة بتعيين نائب له من اختياره.

أما في غياب بينس، بالتزامن مع شغور منصب الرئيس، لعدة اعتبارات، يصبح من حق رئيسة مجلس النواب، نانسي بيلوسي، تسلم مهام رأس السلطة السياسية، وما سيتعين على تلك الفرضية من اشتداد وتجدد في الصراع الحزبي، والغموض المرافق لجولة الانتخابات الرئاسية المقبلة.

ولكن تلك الفرضيات والاحتمالات، فضلاً عن احتمالات أخرى لم يجرِ التطرق إليها، ستكون عرضة لحسم المحكمة العليا التي سيلجأ إليها حتما الخصوم الجمهوريون، وقرارها النهائي نافذ، وسيعكس موازين القوى في داخلها، والتي تميل بغالبيتها لصالح التيار المحافظ في الحزب الجمهوري.

نظراً إلى تقدم رئيسة مجلس النواب (80) والرئيس المؤقت لمجلس الشيوخ (86) في السن، تتعاظم فرضية غيابهما عن المسرح أيضاً، الأمر الذي يعيدنا إلى “الخيار العسكري” بتعزيز دور القيادات البديلة، والبدء بإجراءات انعزالها عن التواصل اليومي، وتحصينها من الإصابة بالفايروس في قبو عميق بداخل جبل في ولاية كولورادو، والذي سنمر عليه بالتفصيل.

 

الخيار العسكري

الحل “الاستراتيجي” استنبطته المؤسَّسة الحاكمة من تراث خبرتها في إدارة الحرب الباردة، وإعدادها لكيفية التأقلم مع هجوم نووي (سوفياتي) يشل مرافق الحياة.

أحيل قرار إدارة الشؤون اليومية، في حال حدوث شلل يصيب قادة المؤسسة الحاكمة، إلى فرع “القيادة الشمالية” في القوات المركزية – “نورث كوم،” بقرار من الرئيس ترامب، والتي تلقت أوامرها بالتحرك للإعداد للمرحلة التالية في الأول من شهر شباط/فبراير الماضي، وبقرار من وزير الدفاع مارك أسبر.

أبرز محطات خطة الإعداد، وفق الوثائق والتصريحات الرسمية، ترمي إلى انعزال كبار القادة العسكريين عن التواصل العادي مع بقية أركان السلطة، لضمان سلامتهم من الإصابة بفايروس كورونا، ووضعهم في قبو بعمق 600 متر تحت الأرض في جبل شايان بولاية كولورادو، والذي أنشيء إبان الحرب الباردة لتلقي هجوم وتفجير نووي بقوة 30 ألف طن في أعماق سلسلة جبال الروكي.

من المرجح أن ينضم بعض كبار القادة السياسيين، نائب الرئيس وقيادات الكونغرس وطواقم كبار المساعدين، إلى مجموعة الانعزال في الوقت المناسب، لتعزيز إجراءات “الدفاع عن الوطن على الرغم من تفشي الوباء،” كما أفصح رئيس هيئة “نورث كوم” ورئيس قيادة قوات الدفاع الفضائية أيضاً الجنرال تيرينس أوشاونسي.

في ظل الإجراءات الاستثنائية المشار إليها، سيتسلم الجنرال أوشاونسي مهام إدارة الأجهزة الرسمية المختلفة، السياسية والعسكرية والاستخباراتية، ومن ضمنها صلاحية نشر قوات عسكرية ربما تتبع الحرس الوطني في مناطق التوتر والاضطرابات المتوقعة والمرئية نتيجة الشلل السياسي العام.

غني عن القول أن فصل الرئيس عن نائبه من التواجد في مكان واحد هو أحد ترتيبات القيادة العسكرية “نورث كوم،” ما يعزز فرضية انتقال نائب الرئيس إلى القبو النووي طيلة المدة المطلوبة، وبقاء الرئيس ترامب في منطقة محصنة جيداً قرب واشنطن العاصمة.

ومع توارد الانباء عن ازدياد مطّرد في عدد الإصابات بين القوات العسكرية الأميركية، ولا سيما بين عناصر 4 حاملات طائرات (روزفلت، كارل فينسون، شيستر نيميتز، ورونالد ريغان)، وعدم التيقن طبياً من فعالية الأدوية والعقاقير المتوفرة، ناهيك بشح وجودها بكميات كافية في الأسواق المحلية، فإن ذلك سيفرض على القيادات العسكرية الأميركية مراجعة حساباتها لمضاعفة منسوب التوتر مع الصين في بحر الصين الجنوبي في المرحلة القريبة المقبلة، وكذلك الأمر في تباعد احتمالات توجيه ضربة عسكرية أميركية لإيران.

هذا لا يعني بالطبع بأن الرغبة الأميركية لتهميش الخصوم، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، تتراجع في سلم الأولويات، بل إن المتغيرات والتطورات الراهنة الناجمة عن تفشي فايروس كورونا، ستعيد جدولة المهام العسكرية بالدرجة الأولى، وما قد يواكبها من بعض التلميحات بالتهدئة، كما أُعلن مؤخراً عن وقف لإطلاق النار لمدة أسبوعين في اليمن، والذي لم يعش للبناء عليه من نتائج وخطوات مقبلة.

 

2020-03-04-التحليل

التحليل

إخفاق التصدي لوباء الكورونا يطال الجهوزية
العسكرية رغم تضليل البنتاغون

         وُضعت القوات العسكرية الأميركية المنتشرة حول العالم في حالة تأهب قصوى في معظم الدول التي انتشر فيها فايروس كورونا واتخذت اجراءات عاجلة وتفعيل تدابير الطواريء لديها، وما ترتب على ذلك من إعادة التأكيد على جهوزيتها للقيام بدورها أو لمساندة السلطات والأجهزة المدنية في مكافحة الوباء وحفظ السلم والمؤسسات العامة.

         كشف النقاب قبل أيام عن رسالة استغاثة عاجلة، بتاريخ 30 آذار، من ربان حاملة الطائرات الأميركية النووية روزفلت، بريت كروزير، لمرؤوسيه يخطرهم فيها إلى تفشي الفايروس بين صفوف قوات البحرية وتوصيته بفرض حجر صحي على معظم أفراد الطاقم الذي يبلغ تعداده نحو 5000 عسكري.

         وأضاف في استغاثته أنه “من المستحيل تطبيق التباعد الاجتماعي على متن الحاملة” إذ يعيش عدد كبير من البحارة في مساحات ضيقة، “لسنا في حالة حرب؛ ولا ضرورة لأن يموت البحارة.”

         في تلك الأثناء بلغ عدد المصابين بين البحارة حوالي 100 على الأقل، حسبما أفادت يومية سان فرانسيسكو كرونيكل التي نشرت استغاثة القبطان.

         القائد الأعلى السابق لقوات الناتو، الأدميرال جيمس سترافيديس، أعرب عن خشيته من تفاقم الأزمة “وينبغي علينا توقع مزيداً من تلك الإصابات نظراً للمساحات الجغرافية الضيقة على متن حاملات الطائرات والتي تعتبر البيئة الأمثل لانتشار فايروس كورونا.”

         قادة البنتاغون “تجاهلوا رسالة الاستغاثة،” وفق موقع قناة “الحرة” الأميركية، وهدد بعضهم بتقديم القبطان للمحاكمة لتعريضه الجهوزية القتالية للخطر بإبلاغه وسائل الإعلام بذلك. وأوضح موقع القناة أن “قادة سلاح البحرية لم يستجيبوا بسرعة لنداء” الاستغاثة الذي أصر على إبلاغ البنتاغون بأن أكثر من 4000 بحار مصابون بالفايروس “والحاملة لم تعد مؤهلة لتنفيذ أي مهام عسكرية.”

         بالتوازي مع الاستغاثة، صرح وزير الدفاع مارك أسبر، 31 آذار، وهو شخصياً في الحجر الصحي أن سلاح البحرية ليس جاهزاً لإخلاء الحاملة، مطمئناً الأهالي بأن الأمور ليست سيئة كما يشاع؛ نافياً علمه برسالة القبطان الاستغاثية.

         استدرك القبطان في رسالته التأكيد على جهوزية فريقه كخيار بديل للإجلاء على الرغم من “الخسائر البشرية المترتبة على الفايروس،” وفق ما تقتضيه المهنية العسكرية؛ أما الخيار الأمثل، حسب توصيته، يتمحور حول إخلاء معظم البحارة والإبقاء على هيكل متواضع للعمل، نحو 500 عنصر، لصيانة المفاعلات النووية وتطهير الحاملة من الوباء.

وقال نائب وزير البحرية الأمريكية، توماس مودلي، لشبكة “إم إس إن بي سي،” الأول من نيسان، إن 1000 بحار نقلوا من حاملة الطائرات، وأن “المزيد والمزيد” يتم نقلهم لتلقي العلاج، وسيبقى آخرون على متن السفينة للحفاظ على تشغيلها.

الأزمة على متن الحاملة النووية “روزفلت” سلطت الضوء على المخاطر التي تلوح في أفق البنتاغون إذا تمكن الفايروس من الانتشار بين قطعاته المختلفة من أساطيل القاذفات ووحدات القوات الخاصة وحاملات الطائرات؛ فضلاً عن “المعضلة المركزية” للقيادات العسكرية المهنية التي أضحت أمام تحدي جديد غير مرئي بأن الإبقاء على الجهوزية العسكرية في أعلى مستوياتها “يمكن أن يعرض الصحة العامة للجنود للخطر.” (يومية نيويورك تايمز، 1 نيسان).

اصدرت القيادة  العسكرية الأميركية قرارا، نهاية شهر آذار، بوقف معظم التدريبات والتمارين والأنشطة غير الأساسية التي تتطلب من القوات أن تكون على اتصال وثيق، بعد ارتفاع معدل الإصابة بين صفوف القوات المسلحة.

أولى ضحايا الفايروس بين العسكريين كان القبطان بريت كروزير الذي كافأه قادة البنتاغون بعزله، 2 نيسان، وهو في أوج عمله متوقعاً ترقيته المقبلة لمرتبة ادميرال. وأوضح نائب وزير البحرية الأمريكية، توماس مودلي، انه “تم أعفاء بريت كروزير قائد حاملة الطائرات تيودور روزفلت، التي وصلت رسالته حول تفشي فيروس كورونا على متن حاملة طائرات إلى وسائل الإعلام .. وخرج الوضع المستجد عن سيطرته.”

مسرح عمليات حاملة الطائرات” روزفلت” والقطع الأخرى المرافقة كان بحر الصين الجنوبي وفي ظل تصاعد الصراع بين واشنطن وبكين؛ وخروج تلك القوة العسكرية الحديثة من الخدمة، لما لا يقل عن 10 أيام، سيضطر قيادات البنتاغون اتخاذ تدابير بديلة وعاجلة، ليس للسيطرة على انتشار الفايروس فحسب، بل لضمان عدم تسرب أي معلومات ذات طبيعة استخباراتية يستفيد منها الخصم؛ وتعديل في الموارد والقدرات للمحافظة على مستوى الجهوزية المطلوبة.

للتخفيف من اطلاع الجمهور على حقيقة الأوضاع بين أفراد القوات المسلحة أصدرت البنتاغون أمراً لكافة الوحدات القتالية بعدم الإفصاح عن بيانات  الإصابات إذ أن “المعلومات الخاصة بجهوزية الوحدات العسكرية الرئيسة هي سرية للأمن العملياتي وقد تقوّض القدرة القتالية أو الردعية.”

بالإضافة لتلك المسائل الجوهرية في خطط البنتاغون فالقرار السياسي والعسكري الأميركي يشهد تحدياً آخراً في منطقة عمليات القيادة المركزية على ضوء التصعيد العسكري بين واشنطن وطهران وتصريحات الأخيرة بأنها “قد” ترد على الاستفزازات الأميركية باستهداف قواتها العسكرية وضد مصالحها الأخرى المنتشرة في المنطقة.

         جاء ذلك في أعقاب تصريحات الرئيس الأميركي مؤكداً على جهوزية قواته العسكرية لتبديد شكوك الخصوم الدوليين من ناحية، وتهديد إيران بأنها “ستدفع ثمناً باهظاً جداً” في حال تعرضت القوات الأميركية في العراق إلى هجمات.

         أيضاً في حال نشوب نزاع مسلح مع إيران، مباشرة أو بوسائل أخرى، فإن حاملة الطائرات “روزفلت” ومجموعاتها القتالية ستتولى مهام دعم القوات الأميركية في المنطقة. في ظل اجراءات تطهيرها من الوباء وخروجها من الخدمة الفعلية سيؤثر مباشرة على تنفيذ الخطط العسكرية المعدة. وعليه، يستطيع المرء استدراك القيادة العسكرية الأميركية لخطورة الأوضاع وإصرارها على ضمان الجهوزية العسكرية للمجموعة القتالية نظراً لحاجة البنتاغون تحريك حاملتي طائرات للمرابطة في مياه المحيط الهندي كأقرب نقطة مناورة لمضيق هرمز.

         في سابقة تاريخية، تعرضت حاملة الطائرات الأميركية ساراتوغا في مياه البحر الأبيض المتوسط، 1977، إلى إصابة أحد بحارتها بوباء التهاب الكبد والتهديد بانتشاره بين طواقمها بعد وجبة حلويات تناولوها. ورست الحاملة بالقرب من شواطيء لبنان آنذاك بانتظار توفير لقاح (الغلوبين) الذي لم تتوفر كميات كافية منه في أوروبا لتلقيح كافة أفراد الطاقم. وعلى الرغم من خطورة الاصابات استمرت الحاملة في تأدية مهامها ومنها الاستعداد لإجلاء الرعايا الأميركيين خلال الحرب الأهلية هناك.

دور العسكر في إدارة الأزمة لن يكون أفضل من السياسيين

         من أبرز الاجراءات الاحتياطية التي اتخذتها المؤسسة العسكرية الأميركية لمواجهة أسوأ الاحتمالات بضمنها شلل قد يصيب القيادات الرسمية العليا كانت انعزال مجموعة من كبار القيادات العسكرية في قبو على عمق 600 متر تحت الأرض، تحت جبل شايان في ولاية كولورادو، “لضمان استمرار الأمن القومي” للولايات المتحدة.

         القبو بإدارة سلاح الجو وقيادة “شعبة أميركا الشمالية – نوراد” انشيء إبان  الحرب الباردة وصمم لمقاومة انفجار نووي مباشر؛ أما نوراد فتم استحداثها بعد هجمات 11 أيلول 2001.

         رئيس “نوراد” الجنرال ترينس أوشاونسي أكد الهدف من “عملية الإنعزال هو للدفاع عن البلاد رغم انتشار الوباء .. وضمان جهوزية الوحدات العسكرية (في القبو) للسيطرة على الأوضاع” في حال فتك الفايروس بالقيادات السياسية والعسكرية والأمنية. يشار أيضاً في هذا السياق إلى إقدام دول عدة في اوروبا الغربية وروسيا والصين على اتخاذ إجراء مماثل لإنعزال “قيادات عسكرية ومدنية متخصصة” جاهزة لتسيير الأعمال الرسمية، كثمرة استعدادات الحرب النووية السابقة.

         وأعلنت البنتاغون، 28 آذار، عن تجميدها لتنقلات العسكريين الأميركيين كافة حول العالم ولمدة شهرين؛ والغاء المناورات العسكرية المقررة مع دول حلف الناتو، في إطار المساعي والتدابير للحد من انتشار الوباء.

         العمليات العسكرية الأميركية في الخارج “مستمرة رغم تفشي الفايروس” وفق تأكيد نائب رئيس هيئة الأركان المشتركة جون هايتن موضحاً “لا يوجد تأثير على تنفيذ العمليات. فالمهام التي نقوم بها في كل أنحاء العالم لا تزال تنفذ وفقا للقواعد ذاتها وللنموذج نفسه .. الفايروس ليس له تأثير” على الأداء.

         الدور المتجدد لتسلم القوات العسكرية مهام إدارة البلاد أمر غير مألوف في الولايات المتحدة خارج نطاق تدابير عصر الحرب الباردة، التي دشنها الرئيس الأسبق دوايت آيزنهاور ببرنامج “الاستجابة للكوارث،” وتحديثه تباعا من الرؤساء الأميركيين، لا سيما في عهد الرئيس جورج بوش الإبن. كما أصدر الرئيس السابق باراك اوباما، في سنته الرئاسية الأخيرة، أمراً يوضح “المهام الأساسية” التي ينبغي الحفاظ عليها في حالة الطواريء.

         في الثامن عشر من شهر آذار الماضي نشرت اسبوعية نيوزويك تحقيقاً حول “الخطط العسكرية بالغة السرية” لإدارة البلاد في حال “أصاب الشلل عمل وأداء الحكومة نتيجة فايروس كورونا،” استرسلت فيه بوصف الخطط المحتملة لقيام “حكم عسكري” للسيطرة على البلاد؛ مما أثار اهتمامات عديدة.

         وأضافت المجلة أن وزير الدفاع، مارك أسبر، وقع أمراً بتاريخ الأول من شباط/فبراير الماضي لقيادة القوات الشمالية – نورث كوم، مقرها في ألاسكا، لتفعيل التدابير الضرورية وتنفيذ مهام خاصة لاستمرارية السيطرة على البلاد في حال تعرض الرئيس الأميركي وإدارته أو السلطتين التشريعية والقضائية لأي سوء يحول دون أدائهم مهامهم.

         الجنرال اوشاونسي، قائد القيادة الشمالية، سيتولى مهام إدارة البلاد بناء على مرسوم رئاسي أصدره الرئيس ترامب، وفق تحقيق المجلة.

         خطط الطواريء “السرية” الموضوعة تتدرج بتطبيقها وفق تحديد القيادة العسكرية للمخاطر، بدءاً من ثلاثة خطط مخصصة للنقل وتأمين إجلاء الرئيس ونائبة وعائلتيهما، وكذلك وزير الدفاع ومسؤولي الأمن القومي وقادة الكونغرس وأعضاء المحكمة العليا إلى مواقع آمنة محصنة بولايتي ماريلاند وفرجينيا المجاورتين.

         الخطط الثلاثة التالية تتعلق بآلية الحفاظ على استمرار الأداء الرسمي وتنصيب قيادات عسكرية بديلة لأداء المهام المدنية في اجراء اعتبر “تحايلاً على تسلسل السلطات” المنصوص عليها في الدستور. وتعرف الخطط بأسمائها: اوكتاغون، فري جاك، وزودياك.

         في المرتبة الأخيرة والأهم من تسلسل خطط الطواريء تأتي “ظل الصوان – Granite Shadow” المتعلقة بإدارة أسلحة الدمار الشامل والتصرف نيابة عن السلطات المحلية دون الاضطرار لاستحصال موافقة أو إذن رئاسي مسبق، لا سيما في حال نشوب “اضطرابات مدنية غير متوقعة ..”

         الانتشار السريع لوباء كورونا وفشل السلطات المركزية في التعامل والسيطرة عليه، كما كان مأمولاً، وما يرافقه من تفاقم الأزمة الاقتصادية وتصاعد معدلات البطالة إلى مستويات ليست غير مسبوقة فحسب، بل ستتخطى معدلات البطالة أبان الأزمة الاقتصادية الكبرى في عقد الثلاثينيات من القرن الماضي، ومؤشرات المجاعة التي ستطال قطاعات اجتماعية واسعة، قد تؤدي لجملة من الاحتجاجات أبرزها: فوضى عارمة قد تؤدي إلى اشتباكات مسلحة، وعصيان مدني شامل يهدد كيانية الولايات المتحدة.

         وعليه، وبناء على المعلومات المتوفرة لإجراءات الطواريء المعتمدة، فإن “الإخفاق” الرسمي في الحد من انتشار الوباء وتداعياته الاجتماعية والاقتصادية، قد تشكل الأرضية الخصبة لتولي القيادات العسكرية زمام إدارة البلاد؛ وتسخير ما تبقى من قدرات ردعية أميركية وتوظيفها في صراع عسكري مفتوح مع الصين وروسيا لقطع الطريق على تبلور تعدد الأقطاب الدولية وتكريس  السيطرة الأميركية الأحادية المتآكلة بسبب كورونا.  

لكن فضيحة الحاملة “روزفلت” تكشف ايضا وبجلاء هشاشة الجهوزية العسكرية الأميركية، ولن  يتمكن القادة العسكريون من التغطية على مفاعيل الوباء على البنية البشرية في صفوف العسكر والتي ستتماثل مع ما لحق بالبنية المدنية من شلل وأذى بالغ.

الكابتن المعزول كروزير يتم تحويله الى كبش فداء لتغطية فشل وارتباك وعجز القيادة العليا في البنتاغون بذريعة مخالفته لقواعد التسلسل القيادي وتسريب استغاثته للإعلام، ولكنه بنظر البحارة ومعظم أفراد القوات العسكرية بطل يستحق أعلى الأوسمة والترقيات لحرصه الشديد على سلامة وأمن طاقمه.

 

2020-29-03-التحليل

التحليل

النظام الرأسمالي الأميركي يعاني

من أزمة بنيوية لن تنقذه وصفة ضخ الأموال

 

         تحققت نبوءة الرئيس ترامب وحلت بلاده على المرتبة الأولى عالمياً في عدد الإصابات بفايروس كورونا، ويمضي بثبات معبراً عن رعونته ونزقه بالتركيز على مسألتين: حال الاقتصاد وإعادة انتخابه، في علاقة تفاعلية تؤثر على مستقبله وخططه الراهنة، لا سيما وان إجراءات الوقاية الصحية المعتمدة والقاصرة راهناً انعكست بصورة فورية على الأداء الاقتصادي برمته؛ فوضى الإجراءات تنطلق من حالة الشلل العام وليست استثناءاً.

         البيت الأبيض يسعى جاهداً لتجاهل تناقضات مواقفه وتخبط قراراته في التعامل مع الفايروس منذ اليوم الأول، لا سيما تصريح الرئيس ترامب بعد 48 ساعة من اكتشاف أول إصابة بالفايروس في ولاية واشنطن متفاخراً “نسيطر على الوضع بشكل كامل. (الإصابة) هي لشخص بمفرده أتى من الصين. الأوضاع ستكون على ما يرام.”

         وزير العمل الأسبق، روبرت رايش، في سياق انتقاده لتخلف الرد الرسمي على انتشار الوباء أكد أن العقلية المتحكمة في القرار السياسي تدل على أن “الولايات المتحدة أفاقت لتجد نفسها في مواجهة حقيقة بانتفاء القدرة العامة تقريباً على مكافحة الوباء .. كما أن انعدام توفر نظام رعاية صحية شاملة أدى للجوء العامة إلى نظام الرعاية الخاص الذي يعمل وفق آلية الربح لا أكثر.”

         في خضم الفوضى السائدة والناجمة عن تخبط وعدم دراية ونكران للحقائق العلمية التي تفسر جائحة كورونا، توصل جناحي السلطة السياسية، قيادات الحزبين الديموقراطي والجمهوري، إلى اتفاق يقضي بتخصيص ميزانية عاجلة للطواريء تنفق وفق آليات وضوابط متفق عليهاتعادل نصف الميزانية السنوية العامة للدولة التي تبلغ قيمتها 4،829 تريليون لعام 2021، بضمنها عجز 1 تريليون دولار تقريباً.

         أطلق الفريقان على اتفاقهما بصرف ألفي مليار (2 تريليون) دولار عنواناً محببا في الاقتصاد الرأسمالي، تحفيز المستهلك على الطلب، بضخ جزء يسير من المبلغ المرصود في جيوب “المستهلكين،” لمرة واحدة لا تتعدى بضعة أسابيع.

         وعليه، تعهدت الدولة بزيادة حجم المعروض من الأموال التي لم تأتِ نتيجة عملية طبيعية من انتاج بضائع وخدمات لا سيما الأغذية والتي سترتفع أسعارها نحو 25% دفعة واحدة. ولذا يحذر الخبراء الاقتصاديون من حالة الركود الاقتصادي المقبلة في ظل مناخ عدم اليقين مما تخبئه الأيام المقبلة.

         حصة الأسد في الاتفاق ذهبت لكبريات الشركات والمؤسسات التي ستتلقى دعماً مباشراً قيمته (500) مليار دولار؛ 367 مليار على شكل قروض  يتم الإعفاء منه للشركات المتوسطة التي لا يتعدى حجم موظفيها 500 عنصر؛ 250 مليار تصرف للذين فقدوا وظائفهم؛ 100 مليار للمستشفيات ونظم الرعاية الصحية؛ 150 مليار تصرف للولايات المختلفة تعزيزاً لجهودها في مكافحة الفايروس؛ 290 مليار لدعم الأسر التي فقدت دخلها؛

         كما فوّض الرئيس ترامب وزيري الأمن الداخلي والدفاع لاستدعاء جنود الاحتياط في الجيش والبحرية وسلاح الجو وقوات خفر السواحل للخدمة قد تمتد لسنتين، بأعداد “لا تتجاوز مليون فرد في أي وقت” كجزء من الإعداد لنشر القوات المسلحة بإمرة الرئيس حصراً.

         برنامج (حزمة) الطواريء تضمن موافقة قادة الحزبين لنصوص تحدد بعض الآليات التي من شأنها تعزيز الشفافية والمساءلة في الصرف والجهات المستفيدة، قبل توقيع الرئيس ترامب عليه في ساعة متأخرة من يوم الجمعة، 27 آذار.

         من أبرز آليات البرنامج كانت انشاء منصب “مفتش عام” وفريق عمل يعاونه ملحق بوزير الخزانة للإشراف عل عملية الصرف وتقديم تقارير دورية للكونغرس. الرئيس ترامب استثنى من تفعيل القانون البند الخاص بإنشاء المنصب (المادة 4018 من القسم A).

         وقال في تغريدة نشرها “.. أنا لا أفهم، وادارتي لن تتعامل مع (المفتش العام) أو تقديم تقارير للكونغرس دون إشراف رئاسي ..”

         كما تضمن اتفاق الحزبين استثناء أي من مصالح الرئيس ترامب وعائلته التجارية من تلقي دعماً مالياً، وينطبق الأمر أيضاً على أعضاء الكونغرس ومسؤولين آخرين.

         وعليه، فإن صرف حصة الأسد في برنامج الطوارئ، 500 مليار دولار، سيشرف عليها وزير الخزانة ستيفن منوشن حصراً دون ضوابط أو شروط معينة. مرة أخرى “أموال الشعب” الضرائبية تموّل الشركات الكبرى دون قيود، أسوة بما فعله سلفه الرئيس أوباما عام 2009 مع كارتيلات المال في وول ستريت.

         عضو مجلس النواب عن ولاية كاليفورنيا، كايتي بورتر، انتقدت صيغة الاتفاق وهزالة القيود المفروضة بتجاهلها حماية حقوق الموظفين والعمال الذين يتقدمون بأعداد كبيرة غير مسبوقة لتلقي معونات توفر لهم جزءاً يسيراً من مداخيلهم السابقة. وقالت “ما لم يتضمنه (الاتفاق) عند توفير الأموال التي ستصرف كقروض للشركات اشتراطها الصرف باستمرار موظفيها على رأس أعمالهم – وهي النقطة المركزية في هذا البند بالذات.”

         وحذرت النائبة بورتر من سوء الاستخدام والمحاباة في عمليات الصرف بقولها أن الأموال المرصودة ستكون في عهدة وزير الخزانة الذي لا يخضع للمساءلة حين يقرر الصرف “.. باستطاعته تقديم 100 مليار دولار لشركة أو مؤسسة معينة” دون مراجعة أحد أو تقديم سجل مفصل بذلك. كذلك باستطاعته، حسبما أوضحت بورتر، استثناء بعض المؤسسات التي هي بحاجة ماسة للأموال لدفع رواتب موظفيها.

         الأستاذ الجامعي ووزير العمل الأسبق، روبرت رايش، انتقد اقرانه في الحزب الديموقراطي بشدة لرضوخهم لشروط الرئيس ترامب لا سيما وأن الاتفاق المعقود بين الطرفين “يستثني كبريات الشركات من أي قيود ويوفر استثناءات لصغارها” للتوافق مع شرط المحافظة على الموظفين وعدم القائهم في سوق البحث عن العمل مرة أخرى.

         من بين المؤسسات الكبرى المستفيدة من “المساعدة” الحكومية شركات الأدوية التي تتلقى سنوياً إعفاءات ضريبية بمليارات الدولارات. الخبراء الاقتصاديون يتوقعون ارتفاع كلفة التغطية الصحية للأفراد والعائلات بنسبة 40% العام المقبل، تذهب لمراكمة معدلات أرباحها السنوية. (يومية نيويورك تايمز 28 آذار الجاري).

يشار إلى أن حجم الأرباح الصافية لعام 2019 لتلك الشركات بلغت نحو 38 مليار دولار، دون احتساب ما حققته من إعفاءات ضريبية وحوافز أخرى.

https://www.protectourcare.org/big-drug-companies-billions-in-profits-for-them-price-hikes-for-you/

عدد لا بأس به من المسؤولين السابقين في حقل الرعاية الصحية والكفاءات العلمية المختلفة تعرب باستمرار عن خيبة أملها في سوء إدارة الأزمة من قبل الحكومة الأميركية بكافة مستوياتها؛ لا سيما عند الأخذ بعين الاعتبار أن وزير الصحة الحالي، أليكس آزار (عازار)، تسلم مهام منصبه بعدما استقال من منصبه كرئيس لإحدى كبريات شركات الأدوية Eli Lilly.

رئيس مكتب موظفي نائب الرئيس السابق جو بايدن، رون كلين، توجه بانتقادات لاذعة للحكومة الأميركية قائلاً “طريقة تعامل الولايات المتحدة (مع الفايروس) ستدرس لعدة أجيال مقبلة كنموذج لفشل كارثي .. ما جرى في واشنطن (الرسمية) ما هو سوى فشل ذريع بمعدلات غير مسبوقة.”

مع ارتفاع وتيرة الانتقادات في المجتمع الأميركي للثغرات البنيوية تذهب بعض النخب السياسية والفكرية إلى مراجعة دروس التاريخ في “نهوض وسقوط الامبراطوريات.” آليات تعامل الدول لمكافحة الأوبئة والحيلولة دون تفشيها تشكل اختباراً حقيقياً لفعالية ونجاعة النظم السياسية والاجتماعية على السواء.

2020-26-03-التحليل

التحليل

هل سيلجأ ترامب لخيار إعلان
حالة الطوارئ وتفعيل الأحكام العرفية

 

ملحوظة: يستكمل مركز الدراسات الأميركية والعربية” في هذا القسم من “التحليل” ما سبق التعرض إليه حول إمكانية لجوء السلطة السياسية في الولايات المتحدة للقوات المسلحة والأجهزة الأمنية المتعددة لإدارة شؤون البلاد بإعلان أو دون الإعلان عن تفعيل الأحكام العرفية، التي لا يفصلها عن التطبيق سوى لجوء الرئيس ترامب لرفع منسوب التأهب بإعلانه حالة الطوارئ، وتفعيل دور “الحرس الوطني” الذي يخضع للسلطة التنفيذية. في القسم المقبل والأخير، سنتطرق إلى سيناريوهات تسلم العسكر مفاصل إدارة شؤون الدولة.

(نشر أيضاً على موقع شبكة الميادين)

 

مع كل إطلالة يومية للرئيس ترامب يرتفع نذير الشؤم عند المختصين والعامة على السواء لما سيحمله من أنباء تتسارع كارثيتها على المستوى الإنساني والشعبي؛ لا سيما عقب وفاة أحد المصابين بنصف ساعةبعد تلقيه جرعة منزلية من دواء، chloroquine phosphate، أعلن ترامب متسرعاً ودون دليل على شاشات التلفزة عن فعاليته في مكافحة وباء الكورونا، وذلك على النقيض من إرشادات الأوساط الطبية والأخصائيين في الأمراض المعدية.

كما يزداد منسوب القلق العام من توجه الحكومة المركزية فرض حظر تجول شامل باستغلالها جائحة الكورونا وحالة الرعب الجمعية المواكبة له وتطبيقها لإجراءات أمنية غير مسبوقة، تذكر بالأحكام العرفية والقوانين العسكرية التي طبقتها الطغمة العسكرية في تشيلي عقب الانقلاب على حكومة الرئيس الليندي المنتخبة، أيلول 1970.

اشتداد الضغط على الموارد الطبية والعلاجية المحدودة حفز حكام عدد من كبرى الولايات الأميركية التوسل لدى وزارة الدفاع توفير بعض الاحتياجات الماسة من ترسانتها في طب الميدان.

وزير الدفاع، مارك أسبر، خيّب آمال المحتاجين من مسؤولين ومصابين على السواء بزعمه أن البنتاغون “ليس لديها القدرة على الاستجابة لكل ما يطلب منها؛” مستدركاً أن أقصى ما يمكنه الوفاء به توفير سفينتين على متنهما مستشفيات عائمة لكل من مدينة سياتيل، عاصمة ولاية واشنطن في أقصى غربي البلاد، والأخرى لمدينة نيويورك على الساحل الشرقي. تأهيل المشفييْن العائميْن، بطاقة 248 سرير لكلتيهما، سيستغرق 72 ساعة على الأقل، وفق حسابات رئيس هيئة الأركان المشتركة، مارك ميللي.

تباطؤ المؤسسة العسكرية أو تخلفها عن الزج بإمكانياتها العالية لمكافحة الوباء سريع الانتشار لا يتسق مع مهامها أو اولياتها، بل قد يشي إلى ما هو أبعد من ذلك كمهمة متبلورة يجري العمل على إنجازها، وهو ما سنتطرق إليه بالتفصيل.


خشية من لجوء ترامب التشبث بالسلطة

تم الكشف حديثاً عن سلسلة قرارات قضائية يجري الإعداد لها استكمالاً للإجراءات الرئاسية في أوقات الطوارئ، والتي ستتخذ مفعول القانون، تمهيداً لتطبيق أحكام عرفية بالتدريج وقليل من الضجيج.

تقدمت الإدارة عبر وزارة العدل للكونغرس، السلطة التشريعية، بطلب الموافقة على منحها صلاحيات استثنائية تتيح لها اعتقال من تراه ضروري دون اللجوء لاستصدار تفويض قضائي بذلك، ومن ثم حرمان الموقوف/المعتقل من المثول أمام القضاء حسبما تنص عليه المواد الدستورية التي تكفل حق المتهم المثول والدفاع عن نفسه (بوليتيكو 21 آذار 2020).

وطالبت المذكرة المقدمة للكونغرس أيضاً تفويض وزارة العدل، أو من تخوله القيام بتلك المهمة، الطلب من قاضي رفيع المستوى اعتقال شخص/أشخاص لفترة زمنية غير محددة دون محاكمة ودون التئام بقية الأعضاء “وفق قوانين الطواريء .. وتعليق جلسات المحاكم العادية نظراً لظروف الكوارث الطبيعية، والاعتصامات المدنية، أو أي حالة طواريء تصنف كذلك.”

بل ذهبت صيغة بعض المواد المقدمة إلى أبعد من صريح العبارة بمطالبتها تفويضٍ يقضي بتقييد حركة دخول المهاجرين وحرمان أولئك المصنفين على لائحة الممنوعين من السفر من حق طلب اللجوء السياسي في الولايات المتحدة؛ وتعديل النصوص السارية حاليا لاستثناء المصابين بفايروس كورونا من التقدم أيضاً بطلبات للجوء السياسي.

في هذا الصدد، عبر المدير التنفيذي لنقابة محامي الدفاع الوطنية الأميركية، نورمان رايمر، عن عميق قلق نظرائه المحامين ورجالات القضاء من أوضاع مرئية تستطيع فيها الأجهزة الرسمية “اعتقال أي شخص وعدم مثوله مطلقاً أمام القضاء لحين إقرارها بانتهاء حالة الطواريء أو نفاذ العصيان المدني؛ ينبغي علينا توخي أقصى درجات الحذر من منح الدولة صلاحيات استثنائية.”

ارتفعت في الآونة الأخيرة نداءات تحذر من تطبيق الأحكام العرفية في الولايات المتحدة والتي لم تعد ترفاً فكرياً بين الأوساط الأكاديمية. النشرة العسكرية المختصة ميليتاري تايمز مهدت للأمر بسردها تعريفاً للحالة وفق الصيغة الأميركية كما جرى في السابق، إبان الحرب العالمية الثانية بفتح معتقلات جماعية للأميركيين من أصول يابانية، بأن الأمر ينطوي على “تعليق تطبيق الحقوق المدنية ربما، ومنها الحق الدستوري في عدم التعرض للتفتيش أو إلقاء القبض وحرية التجمهر وحرية الحركة، وكذلك حرية مثول المتهم أمام القضاء.” (17 آذار 2020).

في الماضي القريب، أعلن الرئيس الأميركي الأسبق فرانكلين روزفلت تفعيل الأحكام العرفية إبان الحرب الكونية الثانية دشنها بفتح معسكرات اعتقال جماعية، اضطرت المؤسسة الحاكمة بعد نحو نصف قرن من تقديم الاعتذار للضحايا وتعويضهم مالياً.

الرئيس الأسبق هاري ترومان أعلن حالة الطوارئ في 16 كانون الأول/ديسمبر 1950 إبان الحرب على كوريا وتجزئتها، بقيت سارية المفعول لمن خلفه من الرؤساء والتي استخدمت كأساس قانوني خلال الحرب الأميركية على فيتنام.

كما طبق الرئيس الأسبق جورج بوش الإبن أحكاماً عرفية عقب هجمات 11 أيلول 2001، عبر تعزيز الأجهزة الأمنية للقيام بجهود مكثفة للتنصت والتجسس الداخلي، وممارسة التعذيب.

الرئيس دونالد ترامب استغل صلاحيات الطواريء لإرسال بضعة آلاف من القوات العسكرية “لتعزيز إجراءات حراسة الحدود الجنوبية” مع المكسيك، 2018، وتهديد المهاجرين بمصادقته على منح تلك القوات صلاحيات القاء القبض على القادمين للأراضي الأميركية؛ وحظره السفر على مواطني الدول الإسلامية.

يجمع الاخصائيون في القانون الأميركي على عمق استهتار الرئيس ترامب للقيود الدستورية النظرية المفروضة على الصلاحيات الرئاسية، وميله لاستخدام حقه بإصدار “أوامر رئاسية” عوضاً عن الالتزام بالأحكام والنصوص الدستورية؛ وما يخشونه من نزعة ترامب واستسهاله إعلان حالة الطوارئ في البلاد مما سيعلق تلقائياً القوانين المدنية السارية وتطبيق “نظام قضائي موازٍ يخوّل الرئيس بموجبه القفز على القيود والمعوقات السارية.”

ويضيف أولئك الخبراء أنه بمجرد إعلان ترامب لحالة الطوارئ، وهي إحدى صلاحياته الدستورية، فباستطاعته استغلال ما لا يقل عن “100 مادة وصلاحيات خاصة” يستند إليها وفق الدستور وتطبيقها كيفما شاء. منها على سبيل المثال “ايقاف العمل بعدد من وسائل الاتصالات الالكترونية في داخل الأراضي الأميركية أو تجميد أرصدة المواطنين في المصارف الأميركية؛ ونشر قوات عسكرية للسيطرة على الاعتصامات المدنية.”

وأشد ما يخشاه بعض الأخصائيين لجوء الرئيس ترامب التشبث بمفاصل السلطة عبر تطبيق الأحكام العرفية في حال شعوره بخسارته الانتخابات الرئاسية، واستغلاله نصوص القانون الخاص بوضع الحرس الوطني تحت إمرته المباشرة “دون موافقة حكام الولايات المعنية،” (قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2006، وقانون الطوارئ العام 1976).

من عوامل القلق أيضاً تلميح الرئيس ترامب بتفعيل اقتصاد الحرب عبر قانون الإنتاج الدفاعي، المصادق عليه في عقد الخمسينيات من القرن الماضي إبان عهد الرئيس هاري ترومان، والقاضي بتوجيه آليات السوق (الشركات والمؤسسات الخاصة) لإنتاج مواد بعينها تحتاجها البلاد؛ لكنه لم يلجأ لتفعيله على الرغم من مطالبة المرافق الصحية والطبية بشكل خاص للضغط على “شركات الإنتاج” توفير نحو “60،000 حزمة فحص” للوقاية من الوباء، وما لا يقل عن “500 مليون قناع واقي،” وفق تطمينات وكالة إدارة الطوارئ الأميركية التي سرعان ما تبخرت برفض الرئيس تفعيل القانون أعلاه.

في خلفية الجدل هوية الجهة التي ستتحمل الكلفة المالية جراء تفعيل القانون. ترامب يناور لتحميل أجهزة الولايات المحلية كلفة تصنيع وانتاج والموارد المطلوبة دون اللجوء لصرف أموال حكومية مقابلها، والولايات تطالب الدولة بممارسة مهامها في ظروف استثنائية ورفدها بما تحتاجه لمكافحة الوباء. ومن ناحية أخرى، عدم رغبة الرئيس ترامب ممارسة ضغوط على كبرى شركات الإنتاج، لا سيما قطاع السيارات، في تحويل منشآتها لإنتاج كمامات واقية وموارد أخرى لما ينطوي عليه من كلفة إضافية للمصانع فضلاً عن المدة الزمنية المطلوبة لإنتاج موارد جديدة قد تستغرق بضعة أشهر. (واشنطن بوست 25 آذار).

توجه رئيس إدارة الطوارئ، بيتر غاينور، متوسلاً لحكام الولايات والهيئات المحلية التصرف بمفردهم لسد الحاجات المحلية من السوق قائلاً “نناشد كل حكام الولايات – إن استطعتم تحديد توفر ما تحتاجونه من السوق اشتروه على الفور .. سنفعّل قانون الإنتاج الدفاعي كوسيلة ضغط عند الحاجة.”

بادر نحو 1،400 أخصائي في علم الأحياء والصحة العامة تقديم عريضة تطالب الرئيس ترامب تفعيل قانون الإنتاج الدفاعي، سالف الذكر، لتوفير ما يحتاجه القطاع الصحي من موارد وامكانيات فورية. وقالت رئيسة المجموعة ميلدريد سولومون أنه يتعين على القيادة السياسية “التصرف بعقلية الحرب وينبغي على الحكومة الفيدرالية تصدر المبادرات” (بوليتيكو 24 آذار).

يزعم الرئيس ترامب أن إرجاءه تفعيل العمل بالقانون يعود لخشيته من “حل اشتراكي .. بلدنا واقتصادنا لا يستندان إلى تأميم الشركات؛ مبدأ التأميم ليس محبباً ” (مقابلة مع شبكة سي-سبان 22 آذار). ما لم يقر به الرئيس ترامب أن أي شركة أو مؤسسة تخضع لتطبيق القانون المذكور لن تفقد ملكيتها أو سيطرتها على مواردها، بل ستجني أرباحاً هائلة في فترة زمنية قصيرة نسبياً.

تخلف الرئيس ترامب عن تفعيل القانون أيضاً جاء ثمرة ضغوط كبيرة مارستها “غرفة التجارة الأميركية وكبار رؤساء الشركات،” حسبما أفادت يومية نيويورك تايمز 22 آذار.  وجاء في تصريح لنائب رئيس الغرفة التنفيذي، نيل برادلي، أن “التحدي الأساسي هو الحاجة لإنتاج مواد متطورة ليس بالمستطاع توفيرها دون الاستثمار في معدات مختصة والتي قد لا تتوفر بسهولة.”


الحل العسكري

إعلان الأحكام العرفية قد يكون قاب قوسين أو أدنى لما ينطوي عليه من فوائد تخص مستقبل الرئيس ترامب، الذي سيكون بمقدوره الاستمرار في الحكم متحرراً من قيود “المشاركة الديموقراطية والمساءلة الصورية،” مستنداً ليس إلى صلاحياته الدستورية فحسب، بل لفعالية القوات المسلحة بصفته قائدها الأعلى.

ترامب ليس وحيداً في النظر لتفعيل الحرس الوطني الذي يبلغ تعداده نحو 450،000 عنصر. إذ انضم المرشح الرئاسي الخصم جو بايدن “للمطالبة الآن باستخدام القوات العسكرية” لتعزيز جهود مكافحة فايروس الكورونا خلال المناظرة الرئاسية الأخيرة مع منافسه بيرني ساندرز.

وزير الدفاع الأميركي، مارك اسبر، أعلن بدوره عن تفعيل الرئيس ترامب للحرس الوطني في ولايتي نيويورك ووواشنطن، 22 آذار، مستدركاً أنها “ليست خطوة باتجاه إعلان حالة الطوارئ، كما يخطيء البعض بزعمه.”

يشار إلى أن الرئيس الأسبق دوايت آيزنهاور طبق صلاحية التصرف بقوات الحرس الوطني عام 1957 بنشرها لمرافقة الطلبة السود دخول صفوفهم الدراسية عند بدء سياسة كسر التفرقة العنصرية في سلك التعليم؛ وكذلك فعل الرئيس ليندون جونسون، 1965، بنشر قوات الحرس الوطني “لحماية مظاهرة من أجل الحقوق المدنية” من ردود فعل العنصريين البيض المدججين بالأسلحة؛ ونشر الرئيس الأسبق جورج بوش الأب القوات المسلحة لإخماد الاحتجاجات الشعبية في مدينة لوس إنجليس عقب تبرئة القضاء جهاز الشرطة المحلية من اعتدائه الوحشي على رودني كينغ. (نيسان-أيار 1992).

“كلية الحرب ” التابعة للجيش الأميركي مهدت لدور القوات المسلحة عبر دراسة وضعتها عام 2008 في سياق دراسة عدد من الاحتمالات والأزمات والكوارث قد تواجه المجتمع الأميركي، إحداها أن الأزمة الاقتصادية في الولايات المتحدة “قد تؤدي لانتشار عصيان مدني شامل مما سيستدعي استخدام القوات العسكرية” لإخماده واستتاب الأمن.

كما أجرت جامعة الدفاع الوطني العريقة تمرينات نظرية على تسلم القوات المسلحة دفة إدارة البلاد، منها عبر سيناريو انقلاب عسكري تقليدي عقب فشل أجهزة الدولة القيام بمهامها (وفق فرضية الدراسة)، في وثيقة بعنوان “أسس الانقلاب العسكري الأميركي لعام 2012،” اشتهرت لاحقاً باسم مؤلفها العقيد شارلز دنلاب.

إحدى استنتاجات “وثيقة دنلاب” (النظرية) لا يزال صداها حاضراً في أذهان المعجبين فيما يسمى “الدولة العميقة،” جاء فيها “.. خرجت القوات المسلحة من حرب الخليج (المقصود عام 1991) كأكبر ذراع أميركي مؤتمن، وربما الوحيد، لإدارة شؤون البلاد” بفعالية واقتدار.

اللافت أيضاً توصية لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ للبنتاغون أثناء مناقشة ميزانية الدفاع لعام 1993 بالمراهنة على دور أمني داخلي للقوات المسلحة بالقول إن “.. مناخ ما بعد الحرب الباردة يقضي بتسلم القوات المسلحة فرصاً أكبر بكثير من السابق لمساعدة الجهود المدنية في مكافحة عقبات داخلية حساسة.” (شهرية ذي أتلانتيك كانون الثاني/يناير 1993).

خبراء القانون الدستوري يؤكدون أن “الدستور الأميركي لا يمنع مشاركة القوات المسلحة (البنتاغون) في مهام أمنية موازية لمهام أجهزة الشرطة المدنية.” ويوضح أولئك أن “القرارات الرئاسية إبان الطوارئ .. تخوّل تفعيل الأحكام العرفية؛ وتعليق جهاز القضاء برمته؛ وإلغاء جوازات السفر الممنوحة للأميركيين؛ واعتقال من يصنفهم مكتب التحقيقات الفيدرالي بأن لهم نشاطات هدامة” وهي عبارة عن قائمة بيانات تتضمن ما لا يقل عن 10،000 عنصر مدرج عليها تحت بند “المؤشر الأمني،” والذي لا يزال ساري المفعول بتعريف مختلف “العصب الأساسي Main Core.”

 

حسابات الانتخابات

في ظل نظام “ديموقراطي” يصعب على المرء العادي استساغة تطبيق الأحكام العرفية وما ينطوي عليها من إجراءات. بيد إن الوثائق المتاحة تشير بكل وضوح إلى تكليف إدارة الرئيس الأسبق رونالد ريغان لعضو مجلس الأمن القومي آنذاك، اوليفر نورث، العمل الوثيق وبصورة سرية مع “وكالة إدارة الطوارئ” على بلورة خطة طواريء قومية تفضي إلى “تعليق الدستور وتسليم إدارة البلاد لوكالة الطوارئ، ومن ثم تعيين طواقم عسكرية لإدارة الحكومة المركزية والأجهزة المحلية في الولايات المختلفة وإعلان الأحكام العرفية ..” (يومية ميامي هيرالد 1987).

علاوة على ذلك، أشارت وثيقة صادرة عن وزارة الأمن الداخلي” لعام 2007 إلى أهمية تفعيل “الأحكام العرفية .. وإعلان حظر التجول كمهام حيوية” ينبغي النظر بها واعتمادها من قبل الأجهزة الفدرالية والمحلية على السواء.

في ظل تلك الظروف الاستثنائية، بوسع الرئيس ترامب تفعيل “نظام الإنذار الرئاسي،” الذي جرى تجربته عام 2018، مما يسمح له التواصل المباشر عبر إرسال رسالة نصية لكل جهاز هاتف محمول يحذر فيه من أي خطر يراه مناسباً، حقيقياً أو افتراضياً أو مفتعلاً، وقد يذهب به الأمر لاستخدامه بكثافة خلال الانتخابات الرئاسية المقبلة، لا سيما إن شعر بتردي حجم الأصوات المؤيدة له – كما يذهب بعض كبار المسؤولين السابقين في قراءة توجهات ترامب. تتعزز مخاوفهم من حقيقة لجوء الرئيس لذاك الإجراء خاصة وأن الضوابط والمقاضاة القانونية لا يمكن اللجوء إليها إلا بعد وقوعها، وما قد يعترضها من عقبات إن قرر ترامب إعلان الأحكام العرفية وحالة الطوارئ.

أمام تلك الحالة المستجدة باللجوء إلى المحكمة العليا للبت في تجاوز الرئيس لصلاحياته الدستورية فإن الجو العام وموازين القوى الراهنة لسلك القضاء والعليا بشكل خاص تميل إلى تفضيل تفسير السلطة التنفيذية في قضايا “الأمن القومي” والاصطفاف إلى جانبها، كما شهدنا في تأييدها رؤية الرئيس في فرض حظر على سفر مواطنين من دول إسلامية؛ وتأييد العليا أيضاً لقرار افتتاح معسكرات اعتقال للأميركيين من أصول يابانية خلال الحرب العالمية الثانية.

لا يستبعد المراقبون (في حالة عدم السيطرة القريبة على انتشار كورونا) لجوء الرئيس ترامب لتوظيف إعلان الحرب على فايروس كورونا، أسوة بقرار بوش الإبن إطلاق حربه على الإرهاب، وتمديد المهلة لتتزامن مع موعد الانتخابات الرئاسية “للتأثير على نتائجها،” متسلحاً بتوجه القضاء والمحكمة العليا التساوق مع إجراءات الطوارئ مما يتيح للرئيس ترامب السعي لتأجيل الانتخابات لتكون فرصة “تمديد” ولايته لفترة زمنية غير محددة في حال استشعر بخسارته الانتخابات المقبلة.

2020-20-03-التحليل

التحليل

وباء الكورونا قد يحوّل أميركا
إلى دولة فاشلة يتولاها العسكر
(1 من 2)

ارتفع معدل الإصابات بوباء الكورونا في أميركا من جداول حسابية إلى متتالية هندسية في غضون أيام معدودة، إضافة لشلل اقتصادي يلوح في الأفق تجسد في سقوط متواصل لسوق الأسهم، وتجري الأوساط السياسية الإعداد لحالة “ركود متضخم” تدريجياً وبحذر شديد.

         إجراءات الطوارئ للتعامل مع الأمراض المعدية والنادرة تم بلورتها على نطاق كامل الولايات المتحدة عقب انتشار وباء إيبولا، 2014-2016، شارك في إعدادها مستويات واختصاصات متعددة حددت ثلاث مستويات من الخطورة وآليات الفحص والمعاناة والتعافي. بيد أن حالة الإرباك طبعت “نظام الرعاية الصحية” الراهن وأخذ يترنح من هول الضغط على الخدمات والمعدات الشحيحة وبدأت عليه عوارض الانهيار في بعض المناطق السكنية.

         كبريات المؤسسات، لا سيما شركات الطيران وصناعة السيارات والخدمات الفندقية، توسلت للإدارة الأميركية تقديم “معونات مالية عاجلة،” بمئات مليارات الدولارات، كي لا تنهار العجلة الاقتصادية، وفق تعليلهم لحجم الأزمة، وبدأت بتسريح العمال وإغلاق بعض المصانع – ولا زالت الأزمة في أيامها الأولى.

         الحكومة الأميركية، بشطريها التنفيذي والتشريعي، أعلنت عن قرارات “ضخ مئات المليارات لإنقاذ الشركات” الكبرى، ثمرة لسلسلة اجتماعات عقدها كبار مسؤولي الشركات مع البيت الأبيض وقيادات الكونغرس من الحزبين.

         يثبت مركز النظام الرأسمالي العالمي أن حلول أزماته البنيوية متضمنة في وصفات النظام الاشتراكي النقيض: بتعزيز دور الدولة المركزية ليس في توجيه العجلة الاقتصادية برمتها فحسب، بل في تسخير الأموال العامة (من دافعي الضرائب والشرائح الدنيا والمتوسطة) لإنقاذ حفنة من كبريات عصب الاقتصاد الرأسمالي؛ أسوة بما فعله الرئيس السابق باراك أوباما خلال الأزمة المالية لعام 2008.

         البيت الأبيض وقيادات الكونغرس تغري الفئات الأكثر تضرراً، من الطلبة والعمال والموظفين والعمال الموسميين، بتقديم مسكنات مالية “لمرة واحدة” تفوق 1000 دولار بقليل؛ لكن القرار النهائي لا يزال حبيس الأدراج والمساومات لاستصدار قرار عاجل لدعم شريحة 1% بصورة آنية، بل وبمبالغ أعلى مما تردد في البدء.

         الثابت أن لا أحداً من المسؤولين يجادل في حجم البطالة الناجمة عن تفشي الوباء، والتي كانت في الحدود الدنيا قبل فترة وجيزة، أقل من 4%، مما سمح للرئيس ترامب المراهنة على الفوز في السباق الرئاسي لقاء حالة اقتصادية مريحة قبل أقل من شهر.

         الإحصائيات وبيانات العاطلين عن العمل المتوفرة للأسبوع الثالث من شهر آذار الجاري تشير إلى قفزة عالية في عدد العاطلين، من 281،000 حالياً إلى 2.25 مليوناً الأسبوع المقبل (أسبوعية فوربز 20 آذار الجاري)، بينما توقعت مؤسسة بانك او اميركا أن يقفز العد إلى 3 مليون عاطل، وربما إلى 5 ملايين الشهر المقبل.

         يشار إلى أن معدل العاطلين عن العمل خلال أزمة الركود العالمية بلغ نحو 24%. أما التوقعات “المحافظة” للمعدل المنظور فإنه سيرتفع إلى آفاق “لم تشهدها البلاد منذ 40 عاما،” تصل إلى 20%.

         تدخلت الإدارة الأميركية بقوة في الأيام الأخيرة لدى وزارة العمل للضغط من جانبها على كافة أجهزة الولايات الأخرى الموازية من أجل إرجاء نشر بيانات العاطلين عن العمل في مواعيدها المقررة، والاكتفاء عوضاً عنها ببيانات عامة لا تتضمن أعداداً أو نسباً مئوية (يومية نيويورك تايمز 19 آذار الجاري).

         من بين الإجراءات المتداولة داخل البيت الأبيض إعلان حالة الطوارئ لمدة 14 يوما، يعززه بصرف رواتب الموظفين والعمال (دون تحديد أدق) لتلك الفترة، طمعاً في تحقيق الرغبة لانحسار الوباء.

         أحد كبار الأثرياء، بيل آكرمان، حذر الرئيس ترامب من قصور المراهنة خلال فترة 14 يوماً المقترحة، مطالباً بإعلان حالة الطوارئ وإغلاق المرافق كلياً “لمدة 30 يوماً، وإغلاق الحدود البرية مع كندا والمكسيك طيلة تلك الفترة، وصرف الرواتب لكافة المتضررين” لشهر كامل. بخلاف ذلك، مضى محذراً بأن “الرخاء الأميركي كما عهدناه سيغادرنا للأبد.” (حديث لشبكة CNBC، 18 آذار). وذكّر الرئيس ترامب بأن تطبيقه لتلك الإجراءات من شأنها “حماية وتحصين الولايات المتحدة ضد الفايروس، وبوليصة ضمان لإعادة انتخابه” في شهر تشرين الثاني المقبل.

         في الجوهر، الاقتصاد الأميركي يعتمد على منتجات الصين الشعبية ليس في المنتجات الاستهلاكية فحسب، بل في صناعات الأدوية والعقاقير، مما حفز مجدداً قيادات في الحزبين التضامن مع نداءات الرئيس ترامب بإنزال عقوبات اقتصادية على الصين وتحميلها مسؤولية عجز ميزان التبادل التجاري، وانتشار موجة العداء والعنصرية ضدها.

         في المعلومات، تستورد الولايات المتحدة “80 إلى 90%” من لقاحات المضادات الحيوية المختلفة من الصين و “70% من الأدوية المسكنة للآلام.” (شبكة فوكس نيوز 19 آذار الجاري، نقلاً عن مجلس العلاقات الخارجية).

         وعليه، يتداول مجلس الشيوخ إصدار قانون جديد ينضح بالعنصرية والاستعلاء يستهدف الصين لما يسمى “فرط اعتماد الولايات المتحدة على الحزب الشيوعي الصيني وتهديداته باحتجاز عقاقير وأدوية تهدد الصحة العامة للشعب الأميركي.”

         في هذا السياق، أعلن الرئيس ترامب عن تفعيل قانون الدفاع الإنتاجي في حالات الطوارئ لتحقيق جملة أهداف بضمنها استعادة بعض الصناعات الحساسة كالأدوية من الصين للأراضي الأميركية؛ وحصر المنتجات الأميركية بما تحتاجه البلاد لسد حاجاتها الأساسية، كالأغذية، في زمن الطواريء.

         المنتجات الزراعية بمحملها تعتمد بصورة كبيرة على العمال الموسميين والذين لا يتمتعون بأوراق ثبوتية على الأغلب. وهنا تتضح النزعة العنصرية ليس للإدارة الراهنة فحسب، بل لمجمل العملية الاقتصادية الساعية وراء تحقيق أكبر حجم من الأرباح بأقل قدر من الإنفاق على رواتب العمال وحقوقهم الطبيعية في الطبابة والرعاية الصحية المفقودة.

         أما المواد الاستهلاكية الأخرى، من منتجات معلبة ومجمدة وتلك المعتمدة على دقيق القمح والذرة وقطاع النقليات والمخازن والتوريد، فمجملها تعمل آلياً بعدد بسيط من العمال. بيد أن الأمر لا يبعد شبح الكورونا عن الانتقال إلى ذلك القطاع غير المرئي من الإنتاج.

         بديهي أن أي خلل مهما كان بسيطاً أو ثانوياً يطرأ على سلسلة التوزيع، من المعمل للمتجر، سيؤدي إلى اضطراب وربما اشتباكات بالأيدي، بداية، كما شهدنا في عدد من المتاجر في الآونة الأخيرة. ومن شأن الظاهرة أن تتفاقم بوتيرة أشد مع تراجع القدرات الإنتاجية والمرافق الأخرى التي تعتمد عليها.

         عند هذا المفصل، يتردد السؤال عالياً بدور ومهمة الجيش والقوات المسلحة، إضافة للقوى والأجهزة الأمنية المتعددة، في القدرة على حماية السلم الأهلي؛ وتجديد المراهنة السياسية على القوة العسكرية استباقاً لما ستشهده البلاد من اضطرابات واحتجاجات شعبية، أرضيتها الصراع على توفير لقمة العيش.

         بعض مفاصل المؤسسة الحاكمة تدرك تماماً أهمية توفير الغذاء اليومي للفرد وأبعاد اندلاع صراعات وشيكة على تلك الخلفية، مستحدثة في الأذهان مقولة المحقق الصحفي الأميركي الشهير، ألفريد هنري لويس، لعام 1906 بأن ما يفصل المرء في الأزمات “ما بين النزعة الإنسانية والفوضى الكاسحة هو 9 وجبات غذائية؛” استرشد بها لاحقاً عدد من القيادات العالمية من بينها ليون تروتسكي.

         “كلية الحرب ” التابعة لسلاح البر في الجيش الأميركي تنبأت باكراً في إمكانية اندلاع إضرابات في الداخل الأميركي، ضمنته في تقرير لها نشرته عام 2008، ملخصه أن الأزمة الاقتصادية في الولايات المتحدة “قد تؤدي لانتشار عصيان مدني شامل مما سيستدعي استخدام القوات العسكرية” لإخماده واستتاب الأمن.

         عمدت البنتاغون إلى استدعاء نحو 20،000 عسكري تحت الخدمة، كان من المقرر مشاركتهم دول حلف الناتو في مناورات عسكرية مطولة، وأعادتهم إلى قواعدها في الداخل الأميركي عقب انتشار وباء الكورونا، تحسباً لأي طاريء ينجم عن اندلاع اضطرابات وعصيان مدني، أو إعلان الأحكام العرفية.

         غياب المواد الغذائية من الأسواق، واضطراب وسائل الإنتاج والتوزيع سيؤدي لتنامي مشاعر الخوف والقلق عند الفرد العادي. ووفق نبوءة الصحافي الأميركي المذكور فإن الفارق الزمني بين انتشار الفزع والرعب والفعل التلقائي لارتكاب معصية الفوضى والاقتتال لا يتعدى يومين إلى ثلاثة أيام.

         الوعود السياسية للسلطتين التنفيذية والتشريعية، بضخ فوري للأموال في العجلة الاقتصادية وحمايتها من الانهيار تدور حول مبلغ تريليون (ألف مليار) دولار؛ وهو مبلغ ليس باليسير توفيره حتى على دولة ثرية مثل الولايات المتحدة، على أقله في المدة الزمنية المنظورة. لذا لجأت المراكز الرأسمالية، كعادتها، إلى طرح بعض ديونها للشراء في الأسواق لتأمين المبلغ المطلوب، عبر آلية الاحتياطي الفيدرالي.

         الوصفة عينها جرى اختبارها في ألمانيا النازية في عشرينيات القرن الماضي، والأرجنتين عام 2000، ودول أخرى، ولم تثبت نجاعتها النظرية بل كانت وباء على القطاعات الأوسع في المجتمعات. وبرزت تجلياتها في انتشار معدلات الجريمة وحجز الشاحنات وسرقة المخازن ..الخ، ولن تكون الحالة الأميركية الراهنة استثناءاً لتجارب التاريخ.

         شبح الانزلاق إلى نمط من الحرب الداخلية يلوح في الأفق بوتيرة متدرجة، أشارت إليها الأجهزة الأمنية ووسائل الإعلام المختلفة استناداً إلى ما رصدته من إقبال كبير على شراء الأسلحة الفردية في الآونة الأخيرة. هذا بالإضافة إلى ظاهرة اقتناء السلاح المنتشرة أصلاً في المجتمع الأميركي مما يرفع سقف المراهنات واحتمالات الاصطدام بين قوى متعددة وبضمنها القوات العسكرية النظامية. 

(الجزء الثاني القادم : كيف سيحكم العسكر أميركا )

2020-13-03-التحليل

التحليل

 

وباء كورونا وأميركا:

استنفار شامل وسط فوضى وإنكار

 

         بعد طول انتظار سمته التخبط والفوضى والنكران، اضطر البيت الابيض للتعامل مع تفشي وباء “كورونا” واتخاذ بعض الإجراءات الاحترازية للوقاية منه، وذلك في اليوم التالي لإعلان “منظمة الصحة الدولية” الوباء بتصنيفه جائحة تهدد البشرية جمعاء.

         وتراجع عقب ذلك منسوب الاهتمامات اليومية بالانتخابات التمهيدية للحزبين الديموقراطي والجمهوري، وتتالت نداءات الغاء التجمعات والمهرجانات الحزبية، ولا زالت تطبيقات الإجراءات الاحترازية سمة الحياة اليومية التي افتقدت حالتها الطبيعية وتوقفت معظم وسائل النقل الأرضية والجوية أسوة ببعض البلدان المنكوبة مثل إيطاليا.

         بيد ان الإعلان الرسمي تخلف زمنياً عن إجراءات طواريء أقدمت عليها بعض الولايات الأميركية، نيويورك وواشنطن وكاليفورنيا، عللته يومية واشنطن بوست بأنه نتاج إسناد الرئيس ترامب مهمة تتطلب الاختصاص العالي والمسؤول لشخص جاريد كوشنر الذي يفتقد المهنية والتخصص والمؤهلات سوى كونه زوج ابنته المفضلة. (15 آذار الجاري).

         في التفاصيل أيضاً، عقد كبار الخبراء الأميركيين، بدعوة من مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، مؤتمراً الشهر الماضي ضم خبراء من دول أخرى عبر دائرة تلفزيون مغلقة، لتداول الآراء وسبل العلاج والإعداد للطواريء والتقديرات حول أعداد الضحايا الأميركيين المرئية، انطلاقاً من فرضية انتشار الفايروس وإجراءات مواجهته.

         خلص اللقاء إلى تقدير علمي يصل إلى إصابة ما بين 160-214 مليون أميركي بفايروس كورونا وقد يمتد انتشاره لبضعة أشهر وربما سنة كاملة؛ بينما قدرت عدد وفياته بين 200،000 إلى 1.7 مليون شخص. (نيويورك تايمز 13 آذار الجاري).

         وذهب أخصائيي مراكز السيطرة CDC بالقول إن عدد الذين ينبغي معاينتهم وعلاجهم في المستشفيات قد يتراوح بين 2.4 مليون – 21 مليوناً. أما المأساة الكبرى فهي في عدد الأسرة اليسير التي تستطيع المستشفيات الأميركية استيعابها، 925،000، وفق الاحصائيات والبيانات المتوفرة والخاضعة لإشراف مراكز السيطرة بالمحصلة النهائية.

         إعلان منظمة الصحة العالمية رسميا عن وباء كورونا يستدعي تلقائيا تبني برنامج تلقيح شامل وما يتطلبه من توفيره للمناطق المنكوبة عالمياً مجاناً، بمئات الملايين. اللقاح المضاد غير متوفر “تجارياً،” وأفضل التقديرات العلمية أنه لن يتوفر قبل 12-18 شهراً، على الرغم من تصريحات البيت الأبيض المفعمة بالتفاؤل وإسناده براءة اختراع اللقاح لمؤسسات أميركية.

         على الشق المقابل، أعلنت الصين مطلع العام الجاري أنها اختارت دواءً كوبي المنشأ، Interferon Alpha – B2 من بين 30 دواء لمكافحة تفشي الفايروس، من قبل لجنة الصحة الوطنية الصينية لعلاج حالة الجهاز التنفسي، نظراً لفعاليته في التجارب السابقة ضد الفايروسات ذات الخصائص المماثلة لفايروس كورونا.

         يشار إلى أن الصين وكوبا افتتحتا منشأة مشتركة، Chang Heber، لإنتاج الدواء في مدينة تشانغتشون بمقاطعة جيلين الصينية لإنتاج اللقاح الكوبي.

         عدم انتشار اللقاح الكوبي عالميا، وفق أخصائيي البيولوجيا الدقيقة، يعود لحسابات سياسية أميركية وإجراءات المقاطعة الصارمة لكوبا مما يحرم الأخيرة من السوق الدولية.

         في السياق عينه، كشفت الحكومة الالمانية عن مساعي حميمة من قبل البيت الأبيض والرئيس ترامب شخصياً “لإغواء” شركة ألمانية نشطة في مجال لقاح الفايروس، CureVac، إما بنقل مقراتها للولايات المتحدة مقابل مكافآت مالية ضخمة أو إيفاد الأخصائي الأكبر فيها للعمل “حصرياً” لصالح الولايات المتحدة وتسجيل المنتج كلقاح أميركي. (رويترز 15 آذار الجاري).

أصدرت شركة CureVac بيانًا فى 11 آذار الجاري بأن رئيسها التنفيذى، دانييل مينيشيلا Menichella ، وهو مواطن أمريكي ، سيغادر الشركة بشكل غير متوقع وسيتم استبداله بمؤسس الشركة، إنجمار هوير.

في مطلع شهر آذار وجه البيت الأبيض دعوة لمينيشيلا لزيارة واشنطن ومناقشة استراتيجية تطوير سريع وإنتاج لقاح فيروس كورونا مع فريق يضم الرئيس ترامب ونائبه مايك بنس، وفريق عمل البيت الأبيض لفايروس كورونا.

         كشفت الأزمة الراهنة في أميركا عن ثغرات بنيوية ليس في معالجة المصابين فحسب، بل لناحية تصنيف أسباب الوفاة عند وقوعها وتبني الإرشادات الضرورية بناء عليها.

         مدير مراكز السيطرة على الأمراض، روبرت ريدفيلد، أقر في شهادته أمام الكونغرس، 11 آذار الجاري، أن عدد من الوفيات من الفايروس تم تصنيفها “خطأً” تحت خانة الانفلونزا السنوية التي تحصد نحو 36،000 مصاب في أميركا – حسب البيانات الرسمية.

         وأثبت ريدفيلد خلال شهادته، بعد طول مماطلة ومراوغة عن الإجابة الصريحة، أن تصنيفات الوفيات من الأمراض المعدية ضمن خانة الإنفلونزا كانت سارية لعدة أشهر؛ وإرشادات مراكز الوقاية، CDC، للمستشفيات بأن لا تقدم على إجراءات فحص المريض من الفايروس إلا في الحالات القصوى.

         مدير المعهد القومي للحساسية والأمراض المعدية، انثوني فاوسي، في جلسة الكونغرس عينها، شدد على أن فايروس كورونا أشد فتكاً بالمريض بنسبة 10 أضعاف المصاب بالانفلونزا.

         البيت الأبيض من جانبه ولحسابات سياسية انتخابية لترامب أصدر توجيهات صارمة مؤخراً لكافة الهيئات الرسمية العاملة في مجال الصحة العامة بعدم الإدلاء بأي تصريح بهذا الخصوص قبل الرجوع للبيت الأبيض والحصول على تفويض بذلك.

         في الساعات الأخيرة لإعداد التقرير بين أيديكم، حثت بعض الوزارات الأميركية الرسمية موظفيها، في وقت متأخر من مساء الأحد، على البقاء في المنزل وعدم الحضور لمقراتها أو الأخرى البديلة لمدة لم تحددها بعد، كمؤشر على إعلان رسمي بإغلاق مرافق الدولة لمدة 14 يوماً، كما يعتقد.

         السردية الرسمية الأميركية، منذ إعلان الصين عن الوباء، سعت جاهدة لإلصاق انتشاره بفشل الإجراءات الصينية وانكشاف نظامها للرعاية الصحية، مقابل النظام الأميركي “الأول في العالم.” بل ذهبت السردية لتبني الرئيس ترامب ونائبه مقولة انه “وباء أجنبي،” كانعكاس للعقلية العنصرية والإقصائية السائدة في مفاصل النظام السياسي الأميركي برمته.

         منظمة الصحة العالمية هنأت الصين ولاحقاً إيران على نجاح الإجراءات المعتمدة لاحتواء ومعالجة الوباء، ولم تكترث لها رواية الإعلام الأميركي، رغم تأخرها زمنياً ووقائياً.

         الآن، وعقب اتضاح حجم انتشار الوباء بسرعة فائقة داخل الأراضي الأميركية، وانكشاف قصور نظام الرعاية الصحية، باستثناء الشريحة الثرية الضيقة المستفيد الأول منه، فإن الولايات المتحدة أمام تحدي شامل لم تعهده من قبل، بل كانت تتصرف بكيدية وغير مبالية بمعاناة الشعوب الأخرى ومستمرة بعقوباتها الإجرامية الأثر.

         الفارق الأساسي بنظرنا بين نجاح الصين وإيران وايطاليا، بالدرجة الأولى، في احتواء ومعالجة الفايروس بنتائج إيجابية يكمن في طبيعة التوجهات من مسؤولية الدولة المركزية وتجنيدها كافة القدرات والإمكانيات لمكافحة الوباء، وقد فعلت ذلك بشفافية عالية وفق إقرار منظمة الصحة العالمية؛ وبين نظام يُخضع الرعاية الصحية لحسابات الربح المادي ويوكل المسؤولية لبضع شركات ضخمة فشلت في المهمة قبل أن تبدأ، وتكشفت حقيقة توطين منتجاتها في الخارج سعياً وراء الربح.

         بيانات انتاج العقاقير والأدوية الأميركية تشير إلى ما لا يقل عن 80% من مكونات الأدوية المصنعة، بالإضافة للمعدات الطبية، مصدرها الصين. بل أن اعتماد السوق الأميركية على منتجات المضادات الحيوية من الصين يقارب نحو 90%.

         من المرجح أيضاً أن تتسع دائرة الانتقادات الجادة لغياب دور الدولة في ظل المناخ الانتخابي الراهن، بين فريقي المؤسسة الحاكمة قد تقدم المراكز الرأسمالية على بعض التنازلات الشكلية درءاً لعاصفة الانتخابات، لكنها لن تمس جوهر النظام كما هي العادة.

في البعد الاقتصادي وما خبره القطاع المصرفي والأسهم الأميركي من خسارة متواصلة، قبل إعلان الرئيس ترامب عن اجراءاته الاحترازية، تسود الخشية بين أوساط المصالح التجارية الكبرى من ركود اقتصادي نتيجة فايروس كورونا بعد إلغاء الفعاليات وإغلاق المدارس والمرافق الرسمية في إطار جهود مكافحة انتشاره.

2020-06-03-التحليل

التحليل

 

تداعيات الانتخابات التمهيدية:

الحد من صعود ساندرز وإحياء فرص ترشيح الحزب لبايدن

 

         زجّت المؤسسة القيادية في الحزب الديموقراطي بكل ما لديها من نفوذ وامتدادات سياسية وطاقات إعلامية لتشويه وشيطنة المرشح التقدمي بيرني ساندرز، أثمرت بتحقيق انقلاب في نتائج الانتخابات ليوم “الثلاثاء الكبير،” وبروز مرشحها المفضل نائب الرئيس الأسبق جو بايدن في المرتبة الأولى.

         في خطوة غير مسبوقة في الانتخابات الأميركية صدر بيان مشترك عن “وزارتي الخارجية والعدل ومكتب التحقيقات الفيدرالي،” عشية الانتخابات التمهيدية، حذر فيه الناخب الأميركي “الإبقاء على يقظته من مساعي عناصر أجنبية للتأثير على المزاج العام ورسم بوصلة الناخب ومداركه،” في إشارة واضحة لإثارة وتجديد الاتهامات باتجاه مزاعم تدخل روسيا في الانتخابات “لصالح المرشح الاشتراكي” بيرني ساندرز.

         وظفت مؤسسة الحزب الديموقراطي أيضاً طاقات إضافية لتحشيد قطاع الناخبين من السود، الأفارقة الأميركيين بالتعريف الرسمي، بضمنها تدخل ومناشدة الرئيس السابق باراك أوباما لرموز قيادية ومؤثرة بينهم لاستنهاض الهمم والتصويت لصالح المرشح جو بايدن، بدءاً بولاية ساوث كارولينا وانسحاباً على الولايات الجنوبية الأخرى.

         يعزى فوز بايدن في الولايات الجنوبية إلى عامل الناخبين السود بالدرجة الأولى، ليس للدلالة على “شعبية” المرشح، بل نتيجة ضعف قاعدة التأييد للحزب بين الناخبين البيض. وعليه، فإن تكتل الناخبين السود يشكل المجموعة الأكبر كثافة بين مجموع الناخبين؛ وتباين التأييد أيضا بين شريحة كبار السن المؤيدة لبايدن والشريحة الشبابية الميالة لتأييد ساندرز والتي تشكل نحو 15% من الناخبين السود.

          النتائج الرسمية دلت ليس على فوز المؤسسة التقليدية للحزب الديموقراطي وإنقاذ الحملة المتعثرة للمرشح بايدن فحسب، بل على مدى وأفق التغيير “الدراماتيكي” للصراع بين تياري الحزب: التقليدي المؤسساتي من ناحية، واليسار التقدمي من ناحية أخرى.

         استحدثت قيادة الحزب الديموقراطي شعار “قابلية المرشح للفوزElectability ،” لتوجيه الرأي العام في سياق أوحد يفضله الحزب؛ جسده بتصريحات كبار قياداته بعد إعلان نتائج “الثلاثاء الكبير،” مفادها أن “جمهور الناخبين أيدوا كلا المرشحيْن (بايدن وساندرز) لكنه توحّد بوضوح حول المرشح الذي رآه الأكثر قابلية للانتخاب.” (المدير الإعلامي لجمعية حكام الولايات الديموقراطيون، جاريد ليوبولد).

         كذلك سلطت قيادات الحزب الديموقراطي وامتداداتها الإعلامية الأنظار على تصريحات بيرني ساندرز التي أشاد بها بإنجازات الثورة الكوبية، لا سيما في سجلها بمحو الأمية وبرامج الرعاية الصحية الشاملة، ووجدتها فرصة مؤاتية لاستنهاض الجالية الكوبية المناهضة للنظام الاشتراكي في ولاية فلوريدا وحشدها ضد المرشح ساندرز، ووقف زخم حملته والحيلولة دون بلوغه حسم نتائج الانتخابات التمهيدية.

         لتلك العناصر وعوامل أخرى كان الدور الرئيس في “اقناع” المرشحيْن الآخرين، بيت بوتيجيج وآيمي كلوبوشار ولاحقا مايكل بلومبيرغ، بالانسحاب من السباق وتأييد المرشح جو بايدن. بل تشير تحركات اللحظات الأخيرة إلى التدخل المباشر من قبل كبار قيادات الحزب الديموقراطي، أنصار العولمة: باراك أوباما، نانسي بيلوسي، وتشاك شومر؛ بالضغط على ممولي المرشحيْن (بوتيجيج وكلوبوشار) بسحب الدعم والانتقال لتأييد جو بايدن.

         عند هذه المحطة الفاصلة في الصراع ينبغي التذكير بأجواء الانتخابات لعام 2016، وتفضيل مؤسسة الحزب الديموقراطي للمرشحة هيلاري كلينتون ضد الصاعد بيرني ساندرز؛ وقناعتها الجمعية المفرطة بالتفاؤل بأن كلينتون ستكسب الانتخابات أمام المرشح الجمهوري دونالد ترامب دون عناء كبير.

         وجاء في تقييم لإستراتيجيي الحزب الديموقراطي آنذاك أن السيدة كلينتون أخفقت في كسب نحو “70% من الناخبين المؤيدين للرئيس أوباما،” في حملته الرئاسية لعام 2012، بل خسرتهم لغير رجعة. الإخفاق والفشل، بحسب أولئك، يعودان إلى الفجوة الهائلة بين خطاب الحزب ومرشحته لا سيما تأييدها الثابت لمعسكر الحرب، من ناحية، وبين طموحات ومطالب الناخبين السود بالدرجة الأولى.

         حسابات الحقل خالفت حسابات البيدر آنذاك، ولم تفلح قيادة الحزب الديموقراطي في سبر أغوار هزيمة مراهناتها الكامنة أساساً في رفض قواعده الشعبية، لا سيما التقدمية والمستقلين، لمرشحة مؤيدة بقوة لسياسات الحروب؛ ولعلنا نشهد تكراراً لتلك التجربة مرة أخرى: مرشح الحزب المفضل هو استمرار لاستراتيجية شن الحروب وبسط الهيمنة ونموذج العولمة، عوضاً عن سياسات التعايش والإقرار بتعدد القطبية الدولية.

         عدد من مراكز الدراسات المقربة من الحزب الديموقراطي أشارت بوضوح إلى انحياز عدد لا بأس به من مؤيدي المرشح ساندرز، في الانتخابات الرئاسية الماضية، للتصويت للمرشح الجمهوري دونالد ترامب انتقاماً من السيدة كلينتون وقيادات الحزب.

         على سبيل المثال، في ولاية ويسكونسن الحاسمة 8% من مؤيدي ساندرز صوتوا لصالح ترامب انتقاماً من كلينتون، عام 2016؛ ونحو 16% من ذات الفريق المؤيد لساندرز في ولاية بنسلفانيا صوتوا لصالح ترامب. (المصدر: Cooperative Congressional Election Study (CCES) )

         تأكيداً على النبض الشعبي المناهض لمؤسسة الحزب الديموقراطي، لعام 2016، كرر المقربون من أوساطه تباعاً أنه لو توجه الحزب لترشيح بيرني ساندرز آنذاك “لتفوق بأغلبية حاسمة على مرشح الحزب الجمهوري ترامب، مقارنة بتوقعات الحزب بفوز السيدة كلينتون.” بعضهم اتهم قيادة الحزب بتفضيل تدفق تبرعات شريحة فاحشي الثراء واسترضائها، المليارديرات، وما رافقها من خسارة الانتخابات على العمل الجاد لإجراء إصلاحات بنيوية في الهيكل السياسي الأميركي الممثل ببرنامج ساندرز، في الدورتين السابقة والراهنة.

         في المنعطف الراهن للانتخابات الأميركية تنبغي الإشارة إلى ما يعانيه المرشح المفضل للحزب، جو بايدن، من تردي في حالته الصحية والذهنية نجد ترجمتها في تصريحاته المتناقضة وهفواته المستمرة الأمر الذي حفز الأخصائيين من الأطباء التدليل على تراجع قدراته الذهنية وأهليته القيادية، وهو في مرحلة متقدمة من العمر.

         علاوة على ذلك، يميل بايدن إلى المبالغة المستمرة في تجميل سجله تصل إلى حد الكذب الصريح في محطات متعددة ومتواصلة. منها على سبيل المثال ادعاءه بالاعتقال من قبل سلطات الفصل العنصري الجنوب إفريقية أثناء محاولته لقاء المناضل نيلسون مانديلا، لاسترضاء عواطف السود؛ واضطراره للتراجع عن سرديته بعد تدقيق الصحافة فيها.

         ساق بايدن أيضاً نيله ثلاث شهادات جامعية “والتخرج ضمن دفعة العشرة الأوائل،” عام 1988، وسرعان ما انهار ادعاءه أمام الحقائق التي أشارت إلى نيله شهادة جامعية واحدة، لا غير، والتخرج بمرتبة 76 من مجموع 85 على دفعته الجامعية.

أهمية فوز بايدن بالولايات الجنوبية، باعتقادنا، مبالغ بها في المرحلة الراهنة لكونها تميل لتأييد المرشح الجمهوري في الانتخابات العامة؛ كما دلت على ذلك انتخابات عام 2016 وتصويتها بقوة لصالح المرشح دونالد ترامب. فضلاً عن احكام الحزب الجمهوري سيطرته على الهيكلية السياسية في معظم تلك الولايات: حكاماً ومجالس محلية وسلك القضاء.

         بعبارة أخرى، لا ينبغي الإفراط في التفاؤل بأن الولايات الجنوبية ستؤيد بايدن أو حتى ساندرز في الانتخابات العامة؛ فالآلة الانتخابية الهائلة للحزب الجمهوري تعتبرها ساحتها الخلفية ولن تضحي بها، حتى لو اضطرت إلى تبديد أصوات السود وذوي الأصول اللاتينية، كما شهدنا في ولاية تكساس مؤخراً بإقصائها من الحزب الديموقراطي.

         اللوحة الراهنة ممن تبقى من انتخابات تمهيدية، 10 و 17 الشهر الجاري، لا تشير بأنباء مشجعة للمرشح بيرني ساندرز، باستثناء ولايتي واشنطن وربما متشيغان، نظراً لما تقدم من عزم الحزب الديموقراطي إقصاء ساندرز “بأي وسيلة ممكنة.”

         حتى لو حالف الحظ بيرني ساندرز بفوز معتبر في عدد المندوبين للوصول إلى المؤتمر العام وشبه ضمان ترشيحه، فسيصطدم بعقبة كتلة من كبار النافذين في الحزب، تعدادها نحو 500 عنصر مكونة من أعضاء مجلسي الكونغرس، والرؤساء السابقين – بيل كلينتون وباراك أوباما- وآخرين والذين سيمارسون نفوذهم الضاغط “خلف الكواليس” لترجيح كفة مرشحهم المفضل جو بايدن؛ وكأننا أمام تكرار لتجربة الانتخابات الماضية لإقصاء بيرني ساندرز.


بايدن مقابل ترامب

         السؤال الجوهري الحاضر دوما هل باستطاعة جو بايدن، وما يمثله من امتداد للمؤسسة الحاكمة، الفوز على دونالد ترامب في الانتخابات العامة؟

         الإجابة ليست لغزاً او انعكاساً لتكهنات المحللين والمراقبين، بل نجدها في خسارة الحزب الديموقراطي ومرشحه باراك أوباما للولايات الجنوبية، بالدرجة الأولى في الانتخابات النصفية لعام 2010، والتي أسفرت عن فوز ساحق للحزب الجمهوري في مقاعد مجلسي الكونغرس، والأهم كذلك فوز مرشحي الأخير في مناصب حكام الولايات والمجالس التمثيلية المحلية أيضاً، 2010 و 2014 تباعاً.

         ترشيح بايدن من قبل الحزب الديموقراطي، كما هو متوقع، سيسفر عن نتيجة مماثلة للدورة السابقة بين صفوف مؤيدي المرشح ساندرز: بعضهم سيصوت للرئيس ترامب نكاية بالحزب الديموقراطي، والبعض الآخر سيفضل عدم المشاركة، مقابل إقبال فاعل  وكثيف لقواعد الحزب الجمهوري.

         في ظل هذه القراءة، نستطيع القول إن الحزب الديموقراطي يقف على اعتاب خسارته لبعض الولايات في الشطر الغربي من اميركا، وكذلك في الولايات الجنوبية؛ ولن يسعفه فوزه ببعض الولايات الحاسمة، مثل ويسكونسن وبنسلفانيا واوهايو.

         بل ستعزز توجهات قيادات الحزب الانقسامات العامودية والأفقية، على السواء، نتيجة صراع التيارين المشار اليهما، التقليدي والتقدمي؛ ومن العبث التغلب على أي جولة انتخابية في ظل هكذا انقسامات طويلة الأجل، وليست عابرة كما يشاع.

         كذلك لا ينبغي استثناء أهمية عامل هجوم ترامب القاسي على بايدن في المناظرات الرئاسية المقبلة والذي لن يوفره بالمطلق خاصة لاتهامه بالفساد وتلقي الرشاوى. وليس مستبعداً أن يعمد المرشح ترامب لاستثارة الناخبين مرة أخرى فيما يعرف “بمفاجأة أكتوبر،” أي عشية الانتخابات الرئاسية، والإفراج عن تفاصيل بالغة الإحراج لبايدن في علاقاته مع أوكرانيا، بصرف النظر عن مدى صدقيتها أو ثبوتيتها، ولن يكون بمستطاع الحزب الديموقراطي مواجهتها بفعالية نظراً لقصر المسافة الزمنية المتاحة حينئذ.

         القراءة الراهنة للوحة الانتخابية ومراكز القوى المؤثرة تشير بقوة إلى رجحان كفة إعادة انتخاب الرئيس ترامب بولاية رئاسية ثانية، بكل ما تعنيه من استمرار سيطرة الشرائح الأشد ثراء، نخبة 1%، على نهج ومقدرات الولايات المتحدة والعالم بأكمله.

2020-28-02-التحليل

التحليل

في عملية تطهير متواصلة

 

         منذ أن لاحت بوادر “تبرئة” ترامب من المحاكمة وإجراءات العزل سارع مساعدوه للتأكيد على نيته بالانتقام من خصومه وأعدائه، ليس في مستوى مجريات المحاكمة فحسب، بل استهداف أركان “الدولة العميقة” بغية تطبيقه لشعاراته السابقة “بتجفيف مستنقع” السياسة في واشنطن.

         وعلى الرغم من تصريح المتحدثة باسم البيت الأبيض، ستيفاني غريشام، عشية ثبوت “براءته،” بأنه “من المحتمل أن يدفع بعضهم الثمن،” لمعارضته الرئيس ترامب؛ إلا ان الأخير باشر في الانتقام من خصومه و”غير المرغوب بهم” في أجهزة الدولة.

         أولى التغييرات طالت موظفي مجلس الأمن القومي، بالدرجة الأولى، حيث استطاع التخلص من نحو 200 موظف بجرة قلم، معظمهم محللون وخبراء منذ ولاية سلفه الرئيس أوباما؛ فضلاً عن شخصيات أخرى في الجهاز القضائي، ووزارة الدفاع، وآخرون “ينتظرون الطرد.”

         التغييرات الهيكلية في عدد كبير من الأجهزة الحكومية تبقى ضمن صلاحيات الرئيس، كرمز للسلطة التنفيذية، لا سيما المناصب والمهام التي لا تستدعي موافقة مجلس الشيوخ عليها. ودرج مصطلح بأن الشخص المعين في منصبه مهما على شأنه “يبقى في الخدمة وفق رغبة الرئيس؛” بضمنهم رؤساء أجهزة الاستخبارات ومكتب التحقيقات الفيدرالي والوزراء.

 بيد أن الحافز الأساسي لتصرفات ترامب، بعد شعوره بالنشوة والانتصار في معاركه ضد قادة الحزب الديموقراطي، يكمن في قناعته الراسخة بأنه يسعى لتثبيت من يكن له ولاءاً وليس بالضرورة لاعتبارات الكفاءة.

يضاف إلى ذلك بأن الرئيس ترامب، بخلاف معظم أسلافه الرؤساء، لم يستند إلى قاعدة ثابتة داخل حزبه تعينه على ملء المناصب الشاغرة، منذ اليوم الأول لتسلمه منصبه؛ ولجأ للاعتماد على الثقاة من السياسيين الذين سرعان ما انقلب عليهم وخياراتهم معاً، مثل وزير العدل السابق جيف سشينز.

         كشف بعض خصوم الرئيس ترامب مؤخراً عن اهتمامه بلوائح موظفين قدمت له ينبغي إقالتهم من مناصبهم، وأخرى لترشيح من يرونه أشد ولاءاً ليس لشخص الرئيس فحسب، بل لأهداف وبرامج وتوجهات التيارات المفرطة في عنصريتها داخل الحزب الجمهوري؛ وإن لزم الأمر، اقصاء بعض أبرز الشخصيات المؤثرة في مسيرة نجاح الحزب، مثل المستشار السياسي الأسبق، كارل روف.

         صيغت تلك اللوائح، وفق يومية نيويورك تايمز، 24 شباط الماضي، من قبل مجموعة “استشارية” تدعى غراوندزويل Groundswell، أبرز مفاصلها القيادية، السيدة جِنِي توماس Ginney Thomas، قرينة عضو المحكمة العليا، كلارينس توماس، تتصدر المجموعة منذ نحو 7 سنوات؛ ضمت بين صفوفها أيضاً جون بولتون وأسماء أخرى لامعة بين صفوف التيارات الأشد يمينية وتعصباُ، وبدعم من مستشار الرئيس ترامب السابق للشؤون الاستراتيجية، ستيف بانون.

         ومن بين أعضاء المجموعة الاستشارية عضو اللجنة القضائية في مجلس الشيوخ، باربارا لادين، التي كُلفت من قبل حملة الرئيس ترامب الانتخابية عام 2016 بالسعي للحصول على نسخة من الرسائل الالكترونية الخاصة لوزيرة الخارجية آنذاك، هيلاري كلينتون. لادين هي أيضاً زوجة أحد كبار المحافظين الجدد، مايكل لادين، الذي طرد من منصبه الأكاديمي في جامعة واشنطن بمدينة سانت لويس، لاعتبارات “تتعلق بجودة اسهامه الأكاديمي .. واستخدامه أعمال لآخرين دون موافقتهم.”

         وجاء في إحدى الوثائق الداخلية المسربة لوسائل الإعلام بأن المجموعة المذكورة بلورت خطة توجهاتها منذ ولاية الرئيس أوباما الثانية لشن “حرب على جبهة متشعبة من ثلاثين (موقعاً مفصلياً في أجهزة الدولة) بغية إحداث تغييرات جوهرية في البنية الحكومية.”

         العلاقة بين المجموعة الاستشارية والبيت الأبيض ليست مضمرة، ولا تسعى السيدة توماس لحجبها، بل يحضر ممثلون عن البيت الأبيض اجتماعاتها “بشكل دوري،” واستطاعت توماس الفوز بلقاء خاص مع الرئيس ترامب مطلع عام 2019، وبّخت خلاله بعض موظفي البيت الأبيض صراحة لاعتراضهم على لوائحها المقدمة للرئيس، حسبما أفادت نيويورك تايمز.

         يرجح أن أحد ضحايا المجموعة مؤخراً كان نائب وزير الدفاع للشؤون السياسية، جون رود، الذي يعتقد أن سياساته لم تنسجم مع توجهات الرئيس ترامب بل كان عاملاً معطلاً لتنفيذ سياسات البيت الأبيض.

         جدير بالذكر أن نائب وزير الدفاع رود “تلكأ” في تقديم خطة مفصلة لسحب القوات الأميركية من سوريا، وفق ما أسند إليه من مهام؛ ويعزى أيضاً بأنه لم يقم بممارسة ضغوط كافية على كل من اليابان وكوريا الجنوبية للحث على زيادة نصيبهما في تحمل الانفاق العسكري لتواجد القوات الأميركية على أراضيهما.

         عمل الرئيس ترامب منذ الأيام الأولى لرئاسته على إضعاف نفوذ مفاصل مراكز القوى في الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، بشكل أساسي. حقق بعض الإنجازات في هيكلية الأجهزة، مكتب التحقيقات الفيدرالي مثالاً، بيد أن مسار التغيير في توجهاتها وآليات عملها الجمعية، وحتى طواقمها الإدارية، سيصطدم بمعارضة شرسة من قيادات الحزبين في الكونغرس، على الرغم من تسليم كل ما يعنيه الأمر بالنفوذ الواسع لتلك الأجهزة على الحياة اليومية.

         علاوة على الجهازين المذكورين، هناك أيضاً البيروقراطية المفرطة المستحدثة في وزارة الأمن الداخلي، وصراعات النفوذ بينها وبين الأجهزة التقليدية – الأف بي آي والسي آي ايه؛ ولكل منها مؤيدوها بين قيادات الكونغرس والذين يتبادلون الخدمات وحماية نفوذ بعضهما البعض. وعليه، من غير المرجح أن يحقق الرئيس ترامب تغييرات خارج سياق الشكليات وتعيين بعض أتباعه ومؤيديه.

         ما جرى من تغيير جماعي في هيكلية مجلس الأمن القومي لم يستفز العديد من قيادات الحزبين، نظراً لمعارضتها الجماعية السابقة تضخيم الرئيس أوباما لموظفي المجلس المنفصل عن المناصب الحساسة فيه، إذ تضم عضويته الرئيس ترامب ونائبه ووزيري الخارجية والدفاع ورئيس هيئة الأركان.

         ولقي قرار الرئيس ترامب بتقليص عدد الموظفين استحساناً ودعماً من القيادات المحورية في الحزبين لاعتقادهم أن الإجراء “يرمي لتعزيز الدور التقليدي للمجلس لدعم الرئيس ومجلس الأمن القومي في جهودهم لمناقشة كل ما يخص الأمن القومي” الأميركي؛ بل سيرفع “الرئيس ترامب لمرتبة عليا في السياق التاريخي،” حسبما أفاد بعض الخبراء في الأجهزة الاستخباراتية.

         بناء على ذلك، ستتعزز صلاحيات كل من وزارات الدفاع والخارجية والأمن الداخلي، تحديداً، في بلورة ورسم السياسات المنوطة بها حسب اختصاصاتها دون الاصطدام برؤى موظفي مجلس الأمن القومي.

         فيما يخص الرئيس ترامب بالذات، إن استطاع الفوز بولاية رئاسية ثانية كما هو مرجح، فإنه سيسعى بكل ما يستطيع لتطويع مكتب التحقيقات الفيدرالي ليخدم توجهاته بتعيين كبار موظفيه من الموثوق بهم، نظراً للدور المناهض لترامب الذي تصدره المكتب خلال حملته الانتخابية الماضية وبداية ولايته الرئاسية.

         في هذا السياق، ربما ينجح ترامب بعض الشيء في كبح جماح تسلط ونفوذ جهاز الأف بي آي، بعد ترويضه، وربما ستنعكس مفاعيله ايجابياً على بعض الشرائح الاجتماعية المستهدفة، كالأقليات ولا سيما السود وذوي الأصول اللاتينية.