2021-05-04-التحليل

التحليل

مغامرة أوكرانيا الخطيرة  لاستدراج
مواجهة محتملة مع روسيا

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

          يجدد البنتاغون وحلف الناتو قرع طبول الحرب ضد الصين، بحجة نيتها لغزو تايوان، وضدّ روسيا بمحاذاة حدودها مع أوكرانيا، ومحافظة واشنطن على إدامة اشتعال بؤر  التوتر التقليدية في “الشرق الأوسط” والتحذير من انزلاقها نحو حرب مفتوحة.

إنّ تصدّر مجموعة من صقور الحرب مفاصل السياسة الأميركية هو إحدى أبرز ميزات ولاية الرئيس جو بايدن وتصعيده عدوانية الخطاب السياسي الرسمي، بالتزامن مع إجراء تنقلات كبيرة في القوى والمعدات العسكرية ونشرها علانية “لمواجهة الصين وروسيا”، والتي جسّدتها المناورة الأميركية مع حلف الناتو تحت عنوان “دفاعاً عن أوروبا 21″، وهي تنطوي على “نشر فرقة عسكرية أميركية من الولايات المتحدة إلى ساحة معارك محتملة في أوروبا” في فترة السلم. كما أرسلت الولايات المتحدة طائراتها القاذفة العملاقة من طراز “بي-52” للتموضع في أراضي النرويج “لأول مرة”.

ورفعت قيادة سلاح الجيش الأميركي مستوى التهديد بين صفوفها في أوروبا من “نزاع محتمل” إلى “أزمة وشيكة محتملة”، ما يعادل أعلى درجات التأهب. وأوضح البنتاغون مغزى تحركاته، على لسان الناطق الرسمي جون كيربي، قائلاً: “نجري محادثات بشأن المخاوف (الإقليمية) حول ارتفاع معدلات التوتر وانتهاكات (روسيا) لوقف إطلاق النار والتوترات الإقليمية مع حلفائنا في حلف الناتو” (31 آذار/مارس 2021).

كما أعلن البنتاغون تسليمه “350 طناً من الأسلحة للقوات العسكرية الأوكرانية”، تتضمّن عربات مدرّعة على متنها أسلحة رشاشة ثقيلة وقذائف مضادة للدبابات ومدافع سريعة الطلقات. كلّ ذلك بحجة تحركات وحشود عسكرية روسية  وإجراء موسكو مناورات حربية بمحاذاة حدودها مع أوكرانيا.

رصدت وسائل الإعلام العالمية في 2 نيسان/إبريل تصريحاً لمستشار الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يطالب حلف الناتو بزيادة حضوره العسكري في بلاده، وذلك يتضمّن “نشاطات مشتركة ومناورات عسكرية بين أوكرانيا وحلف الناتو، بمشاركة أسلحة البحر والجو”. وقد سبقتها مزاعم متتالية بدعم موسكو لحلفائها في منطقة دونباس.

واستكمل البرلمان الأوكراني رسائل التصعيد ضد روسيا بإصداره بياناً مطلعهُ “تخلّي (العاصمة) كييف عن الوفاء بالتزاماتها المنصوص عليها في اتفاقيات مينسك”، مشيراً إلى “ارتفاع كبير في عمليات القصف والتحرشات المسلحة من قبل القوات العسكرية للاتحاد الروسي”، ومطالباً الدول الغربية “باستمرارها في تصعيد إجراءات الضغط على روسيا” (29 آذار/مارس 2021).

وأكّد رئيس هيئة الأركان الأوكراني، رسلان خومشاك، تحركات قواته العسكرية “الدفاعية” وزيادة أعدادها وعتادها في منطقتي “دونيتسك ولوهانسك اوبلاستس، وكذلك باتجاه (شبه جزيرة) القرم”. ووجّهت روسيا تحذيرات متتالية إلى أوكرانيا بأنها تعد العدة لتصعيد الموقف في شرقي أوكرانيا والقرم أيضاً، وبأنها لن تقف مكتوفة اليدين.

لعل أبرز مناحي قلق قيادة حلف الناتو تتمثل في زيادة موسكو معدلات اختراق مقاتلاتها لأجواء دول حلف الناتو، وخصوصاً في بحر البلطيق وبحري الشمال والأسود، إضافة إلى تحليق القاذفة النووية الروسية توبوليف “تي يو-95” الضخمة قرب سواحل النرويج، ما استدعى اعتراضها من قبل مقاتلات نرويجية من طراز “أف-16″، وأخرى تابعة لسلاحي الجو البريطاني والبلجيكي.

يُشار في هذا الصدد إلى إجراء وحدات عسكرية روسية مناورات وتدريبات عسكرية قرب الحدود المشتركة مع أوكرانيا، رصدها حلف الناتو بدقّة، زاعماً أنها لم تعدْ إلى قواعدها بعد انتهاء مهمتها هناك. وقد ردت روسيا بتأكيدها على سيادة أراضيها، وأن “الاتحاد الروسي ينشر قواته العسكرية في أراضيه كما يريد، ولا ينبغي أن يكون ذلك من شأن أي طرف، كما أن القوات لا تشكل تهديداً لأيٍ كان”.

على المستوى الديبلوماسي الأميركي، سارع وزير الخارجية انتوني بلينكن إلى الإدلاء بتصريحات نارية عقب مشاركته في لقاء حلف الناتو على مستوى وزراء الخارجية في بروكسيل، موجهاً حديثه إلى روسيا قائلاً: “أنشئت تحالفاتنا للدفاع عن قيمنا المشتركة”، مستكملاً باستعادة الهدف الأميركي على الصعيد الدولي المبني على أساس “نظام دولي يستند إلى حكم القانون”، متعمداً تجاهل المتغيرات الدولية التي تنادي بنظام عالمي متعدد الأقطاب يعكس حقيقة المتغيرات في مطلع العقد الثاني من القرن 21.

رؤية الرئيس بايدن، بحسب مذكرة رسمية، تركّز على ضرورة “إحياء الولايات المتحدة منابع ميزاتها للتعامل مع التحديات الراهنة من منطلق القوة”، مشدداً على “تحديث القدرات العسكرية الأميركية”، على الرغم من انتهاء الحرب الباردة رسمياً قبل 3 عقود، والهدف الحقيقي هو  بسط هيمنة أميركا على نطاق العالم أجمع الذي يدرك أنها تمر في مرحلة تراجع تدريجي، رغم شراسة قوتها العسكرية ونفوذها الطاغي.

وفي ضوء نشر واشنطن قوات وموارد ومعدات عسكرية إضافية بمحاذاة الحدود الروسية، يمكن للمرء التوقف على أبرز السيناريوهات الأميركية المحتملة لتصادم عسكري، منها:

1 – تعزيز جهود الحراسة والمراقبة للمقرات القيادية ومراكز الاتصالات، وإلغاء فرص الإجازات والأعياد، وخصوصاً أعياد القيامة الراهنة.

2 – رفع درجة تأهب القوات الجوية، وبأعداد أعلى من المعدلات السابقة، وسحب بعض موارد القوات الجوية إلى مناطق خلفية أكثر أمناً، وربما تعديل نوعية حمولة القاذفات والمقاتلات وحجمها.

3 – انتشار القوات البرية في رقعة جغرافية أوسع، وخصوصاً تلك التي ترابط قرب القوات الروسية والمواقع الاستراتيجية للحدّ من موجة هجمات مفاجئة. وتعد دول بحر البلطيق أهم ساحات الاشتباك المحتمل.

4 – تفعيل نظم الدفاعات الجوية على طول الحدود المشتركة مع روسيا.

5 – رفع وتيرة المراقبة والتجسس عبر الأقمار الاصطناعية، وكذلك معدلات الطلعات الجوية.

6 – رفع درجة التأهب بين صفوف قوات التدخل السريع المتواجدة في الأراضي الأوروبية، والاستناد أيضاً إلى القوات المحمولة جواً التابعة للكتيبة 82 في قواعدها الأميركية والتي ستكون رأس حربة التدخل في أي مواجهة مرتقبة.

أمام تلك المروحة من الخيارات ولهجة التصعيد المتواترة من الجانب الأميركي تحديداً، وخصوصاً بعد محادثة هاتفية لوزير الدفاع الأميركي لويد أوستن مع نظيره الأوكراني، شدد فيها على “الدعم الأميركي الثابت لأوكرانيا وسيادتها على أراضيها”، والكشف عن مخططات ومناورات عسكرية مشتركة مع دول مناوئة لروسيا، هل أضحى العالم أقرب مسافة إلى أزمة جديدة يلوح بها الطرفان بأسلحة نووية وأخرى غير معلومة؟

الثابت في تلك المقدمات أنّ الساحة أضحت ناضجة بالنسبة إلى حلف الناتو “لاستفزاز” موسكو وإجراء مناورات بحرية في مياه البحر الأسود في الأسابيع القليلة المقبلة، والتي قد تكون تمريناً حياً على بدء أوكرانيا تحرشها العسكري بالقوات الروسية، وتلك المدعومة منها في شرق أوكرانيا، والجائزة الكبرى هي اقتطاع شبه جزيرة القرم من السيادة الروسية، ولكن ليس كل ما يشتهيه المرء قابلاً للتحقيق.

من ناحية أخرى، يعاني تماسك حلف الناتو هذه الأيام حدثين منفصلين من شأنهما تقويض مصداقيته لدى حلفائه وخصومه على السواء؛ الأول يخص ألمانيا التي تئنّ بفعل اكتشاف فضيحة اعتماد سلاح الغواصات البحرية الألمانية على أجهزة روسية الصنع، عقب نشر صحيفتها “بيلد آم سونتاغ” تقريراً يشير إلى “استخدام الغواصات الألمانية معدات الكترونية (نافي سيلور 4100) في نظم بيانات الخرائط البحرية تصنعها شركة “ترانساس” الروسية”، ما استدعى من برلمانها البدء بتحقيق شامل في هذه المسألة. القيادة العسكرية الأميركية اعتبرت المسألة شديدة الخطورة وعدّتها بمثابة “كعب أخيل” في تنفيذ المهام والعمليات العسكرية (نشرة “ديفينس نيوز”، 1 نيسان/ابريل 2021).

الحادث الآخر يخصّ إيطاليا التي أقدمت على اعتقال “ضابط في البحرية” لتورطه في التجسس لصالح روسيا مقابل المال. الضابط الذي يدعى وولتر بيوت يعمل في هيئة الأركان الدفاعية بصفة ربّان فرقاطة، وقد أعّد لقاءً سرياً مع “مشغليه” مساء الثلاثاء 30 آذار/مارس الماضي تسلّم فيه مبلغاً زهيداً وقدره 5،000 يورو (نحو 5،860 دولاراً)  لقاء تسليمه وثائق رسمية. وبحكم موقعه المتقدّم، فإنّ من ضمن مهامه القيام بتصنيف درجات السرية في الوثائق الرسمية، “ومن ضمنها وثائق حلف الناتو” (موقع “ذي آفياشينست”، 31آذار / مارس 2021).

سيسمع العالم تكراراً في تصريحات المسؤولين الأميركيين حول “نظام القانون بقيادة الولايات المتحدة”، والذي أشار إليه البيت الأبيض بالتفصيل في مذكرة حديثة بعنوان “دليل مرحلي لاستراتيجية الأمن القومي”، تطرح آلية تفكير الرئيس بايدن ورؤيته “لانخراط الولايات المتحدة مع دول العالم” لإرساء “نظام دولي ليبرالي” (آذار/مارس 2021).

وبحسب الخبراء العسكريين الذين اطلعوا على تلك المذكرة – بحجم 24 صفحة – فإن الفرضيات الأميركية عن فراديتها وترجيح لغة الحرب الباردة لا تأخذ بعين الاعتبار حقيقة التدهور الأميركي سياسياً واقتصادياً وامتداداً عسكرياً، منذ دخول واشنطن مستنقعي أفغانستان والعراق، ولاحقاً سوريا، في ظلّ إعلانها عن نياتها بمواجهة متوازية مع كل من الصين وروسيا، فيما الخاسر الأكبر هو الشعوب وتطلّعاتها إلى التحرر والتنمية المستقلة.

2021-30-03-التحليل

التحليل

تعطيل قناة السويس ينعش
مخططات مشبوهة لاستبدالها

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

         “السيطرة على التجارة البحرية عنصر اساسي للنصر في الحرب”، والقوى البحرية عادةً تتفوّق على قوى البر. مبدأ أرساه ضابط البحرية الأميركي والمؤرخ ألفرد ماهان قبل الحرب العالمية الأولى، وأضحى كتابه “تأثير القوة البحرية في التاريخ” مادة ثابتة في دراسات الكليات الحربية العالمية. وقد تحققت نبوءته في العام 1911 بالتحذير من أنّ تنامي قوة ألمانيا الصناعية سيقود إلى صراع دولي، استناداً لقناعته بأنّ ألمانيا لا تملك سوى بحر الشمال، وستسعى لمد نفوذها على مناطق أخرى.

نظراً  إلى جغرافية السواحل الغربية لأميركا الشمالية، فإنّ روسيا هي الأقرب إليها مسافة من ناحية ولاية ألاسكا، تليها الصين واليابان، ما يعزّز تبلور استراتيجية الولايات المتحدة الأميركية الراهنة في معاداة الصين وروسيا منذ نهاية ولاية الرئيس جورج بوش الإبن، وهي تسعى جاهدة، ليس لتطويق “تمدد الصين” فحسب، بل للحيلولة دون تشكل وحدة جيوسياسية في آسيا تنافسها ككتلة موحدة.

الحدث النادر الذي أدى إلى تعطيل الملاحة في قناة السويس، نتيجة توقف سفينة الحاويات العملاقة “إيفر غيفن” وغرسها في مياه القناة بضفتيها، بحمولة ومواصفات تجاوزت المعايير الدولية المنصوص عليها في “سويس ماكس” كشرط لعبور القناة،  اثار بعض التكهّنات حول ما اذا كان الحادث مدبراً، وليس جنوحاً، بعد تعرض المنطقة لعاصفة رملية شديدة الرياح.

وسرت تكهنات حول فكرة الترويج لاستحداث قناة بديلة موازية لقناة السويس، إذ أدى اغلاق القناة الى خسارة مباشرة لعائدات المرور التي تدر حوالي 400 مليون دولار يوميا إلى الخزانة المصرية. وقد تعطّلت حركة مرور السفن من جانبي منافذ القناة، وتسمرّت عشرات السفن تنتظر دورها في العبور.

تعطيل حركة الملاحة في قناة السويس كقرار سياسيّ تتّخذه دولة/دول أخرى، يعود إلى ما سُمي بأزمة السويس في العام 1956، عقب تأميمها كشركة مساهمة مصرية من قبل الرئيس جمال عبد الناصر. الوثائق المتوفرّة تشير بوضوح إلى تبني رئيس الوزراء البريطاني آنذاك، سير أنثوني إيدن، خطّة اعتراض الملاحة في القناة بطلبه من قواته المسلّحة إرسال 50 سفينة تتوزع على مداخل القناة الشمالية والجنوبية “لإحراج” قيادة الثورة المصرية بعدم قدرتها على تسيير الملاحة، ما يستدعي إشرافاً دولياٌ عليها يستثني مصر أو أي دولة عربية أخرى (إيمون هاميلتون، رسالة أطروحة ماجستير في جامعة بيرمنغهام البريطانية، حزيران 2015، ص 99). كما أغلقت القناة لعدة سنوات بعد حرب عام 1967.

الباحثة الاستراتيجية البريطانية، كارولين روز، أكّدت تلك المعلومة في جملة تغريدات لها يوم 25 آذار/مارس الجاري، قائلة: “لا يتحدّث أحد حول إغلاق سفينة “إيفر غيفن” لقناة السويس بأنّه حلم تحقّق أخيراً لرئيس الوزراء البريطاني آنثوني إيدن”. وأضافت أنّ إيدن كان “يرمي إلى إنجاز حصار غير عسكري لقناة السويس عبر توظيف السفن التجارية وغيرها لسد حركة المرور وتعزيزها بسفن حربية على مداخلها في أيلول/سبتمبر 1956، وذلك قبل توصله إلى خطة شن غزوة برمائية لمصر بالاشتراك مع باريس وتل ابيب”.

إنّ الحادثتين في قناة السويس، بفاصل 64 عاماً، ليستا نسخة طبق الأصل لتغيّر الظروف والتوازنات الدولية والإقليمية، بل تؤشران إلى الأهمية الجيوستراتيجية للمر المائي الحيوي خلال حقبات تاريخية متعدّدة وما يتهدّده من مخاطر وتحديات ذات ترددات عالمية.

بَعد مصر والدول التي تستورد نفط الخليج، مثل الصين والهند، تعتبر سوريا أحد أبرز المتضررين من إغلاق القناة في الظرف الراهن، إذ سارعت حكومتها إلى توجيه تعميم على الشعب السوري تخطره بتأخّر وصول مشتقات المحروقات التي تعدّ بأمس الحاجة إليها والعالقة في ممر قناة السويس. أما في مصر، فلا شك أن  الحادثة أعادت  مناقشة الحكمة من قرار الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي التنازل عن السيادة المصرية عن جزيرتي تيران وصنافير في مضائق تيران المصرية، الأقرب إلى ساحل شبه جزيرة سيناء، والتي تعد بوابة خليج العقبة، لمصلحة السعودية.

مجلس الدولة المصري، وهو أعلى هيئة قضائية إدارية، “ألغى قرار منح تيران وصنافير للسعودية” (21 حزيران 2016)، بيد أنّ القرار السياسي الأعلى للرئاسة المصرية لم يلتفت إليه أو يعمل بموجبه. وبهذا تحوّل الممر البحريّ إلى ممرٍ دوليّ، وليس مصرياً، ينهي تحكّم القاهرة بحركة الملاحة المتجهة لميناء إيلات/أم الرشراش.

الإسهاب في خلفية التخلّي المصري عن سيادة مصر على إراضيها، ليس بالأهمية ذاتها لما ينبغي التركيز عليه من مخططات استراتيجية معادية مهّدت لمناخ التنازل الطوعي المتدرج عن سيناء، التي تحتلّ حيزاً متقدماً في وعي الشعب المصري. وقد أوجزه د. جمال حمدان قائلا: “سيناء ليست صندوقاً من الرمال، بل صندوق من الذهب” بثرواتها وموقعها (كتاب “شخصية مصر”)، وأفرد لها كتاباً خاصاً بعنوان “سيناء في الاستراتيجية والجغرافيا”، لا يؤكد فيه عروبتها فحسب، بل أهميتها الجيوسياسية في الأمن المصري أيضاً، إذ إنها “لا تحدد مصير مصر وحدها، ولكن العرب أجمعين”.

نظرياً، لا يجد المرء جواباً شافياً على ترابط “تعطيل” قناة السويس مع المخطّطات الاستراتيجية الأميركية في بعدها الدولي ، وليس الاقليمي فحسب، بيد أنّ الوقائع تدحض فصل المسائل الجيوسياسية عن بعضها بعضاً في المفهوم الأميركي الرسمي.

أولى المؤشرات على ذلك الترابط جاءت عبر تقديرات الاضرار الناجمة عن إغلاق القناة على مخططات انتشار القوات العسكرية الأميركية في المياه الآسيوية مقابل سواحل الصين، وخصوصاً أن ّحاملة الطائرات العملاقة “يو أس أس آيزنهاور” تجوب مياه البحر المتوسط استعداداً لعبور قناة السويس للانضمام إلى المناورات الحربية الأميركية في بحر العرب.

تنبغي الإشارة إلى أولوية عبور القناة للقطع العسكرية الأميركية منذ اتفاقيات كامب ديفيد، 1979، وجرى تحديثها عدة مرات منذئذ في الرئاسات المصرية المتعاقبة. وعليه، عبور القطع البحرية الأميركية القناة، ذهاباً أو اياباً، يتقدم على كل حركة الملاحة الجارية بأكملها.

وأعرب البنتاغون عن قلقه رسمياً من أن ّ”إغلاق قناة السويس سيؤثر على حركة السفن العسكرية الأميركية”، (28/آذار/مارس الجاري)، وأوكل للحاملة “آيزنهاور” مهمة “تعزيز” التواجد العسكري الأميركي في بحر الصين الجنوبي في فترة أعمال الصيانة والتحديث الجارية على حاملة الطائرات “يو أس أس رونالد ريغان” في مياه اليابان.

يضاف إلى ما تقدّم هدف الحرب والعدوان على اليمن في سياق السيطرة الأميركية، عبر السعودية والإمارات، على مضيق باب المندب، وتحويل البحر الأحمر على جانبي شواطئه إلى منطقة نفوذ أميركية، وامتدادا “إسرائيلية”.

كما لا يجوز إغفال تكرار اصطدام السفن العسكرية الأميركية بالقوارب التجارية في مناطق ومضائق متعددة في العالم، ضمن سياق السعي لبسط النفوذ السياسي الاستراتيجي. أحد أبرز الأمثلة حادثة “اصطدام” بين واحدة من أحدث حاملات الطائرات الأميركية “يو أس أس جون ماكين” مع سفينة تجارية في مضيق ملقا، بتاريخ 20 آب/أغسطس 2017، أسفر عن مقتل 10 بحارة أميركيين، وتم تحميل المسؤولية لربّان السفينة الحربية “ولتدني مستويات تدريب طاقمها” بعد إجراءات التحقيق في الحادث.

في حقيقة الأمر ، ليس هناك مفاضلة في أولوية مضيق بحري عالمي على آخر في سياق الاستراتيجية الكونية الأميركية، لكن “مضيق هرمز” يحتل درجة عالية في سلم الأولويات، نظراً إلى طبيعة تعديل اولويات السياسة والاستراتيجية الأميركية في الظرف الراهن تحديدا، وخصوصاً أنه أضحى ممراً لنقل نحو 35% من احتياجات النفط العالمي، بنسبة تذهب 85% منها إلى الأسواق الآسيوية. ويشهد مضيق هرمز حالياً “حوادث” انفجارات متبادلة بين سفن “اسرائيلية” وأخرى إيرانية، ويقف الطرف الأميركي مراقباً يتحيّن الفرصة للتدخّل إن تطلّب الأمر.

التدقيق في الصّور التجارية المنشورة عن “أزمة السير المعطل” في قناة السويس، مضافاً إليها بعض التصريحات المصرية الرسمية، وأرضيتها التحلّل من المسؤولية، وكذلك النظرة الشاملة للتغيرات الدولية وسلوك الولايات المتحدة في بسط هيمنتها، وتوكيلها “الكيان الإسرائيلي” بمهام الهيمنة الإقليمية، تقودنا كلّها مجتمعةً إلى ترجيح التفكير في بدائل وافتعال أزمة تضع “حل الممرات البديلة” على رأس الأولويات، من بينها خطوط سكك حديدية لربط الخليج بميناء حيفا.

لم تخفِ “إسرائيل” أهدافها في السّيطرة والهيمنة على ملاحة البحر الأحمر برمّته، وطرحت مشروع “قناة البحرين” بين البحر الأبيض والبحر الميت مع الأردن عقب توقيع اتفاقية وادي عربة، أرفقته بمشروع موازٍ لشق قناة تربط ميناء إيلات/أم الرشراش بالبحر الأبيض المتوسط، أطلقت عليه مشروع “قناة بن غوريون”.

في الخلفية، يقع مشروع هيرتزل لاستيطان سيناء بدءاً من العام 1898، والذي قوبل بالجفاء من قبل السلطان العثماني، وانتظر إنضاجه حتى العام 1902، متوجّهاً إلى بريطانيا ولقاء وزير المستعمرات البريطانية آنذاك، جوزيف تشامبرلين، الذي وعد بالسماح لليهود بـ”إقامة مستوطنات في منطقة العريش وسيناء” كنواة للدولة اليهودية (ليونارد ستاين، “إعلان بلفور”، 1961، ص 25). تفاعل الجانب البريطاني مع المشروع ليضمن حماية قناة السويس من الشرق، وخصوصاً ألمانيا، التي صعّدت من نفوذها لدى السلطان العثماني.

وكشفت النّشرة الإلكترونيّة الأميركيّة “بيزنيس إنسايدر” حديثاً عما أسمته مذكّرة أميركية للعام 1963 أصدرها “مختبر لورانس ليفرمور الوطني” التابع لوزارة الطاقة الأميركية، و”رفعت عنها السريّة”. وقد تضمنت استخدام مئات من القنابل النووية، بقوة 2 ميغا طن، لشق قناة بديلة عن السويس عبر صحراء النقب “على مستوى البحر بطول 160 ميلاً عبر إسرائيل” (25 آذار/مارس الجاري).

أما الإشارة إلى استخدام تفجيرات نووية لشق القناة، فقد جاءت لتخفيف كلفة الحفر بالوسائل المتاحة لفتح مسار عبر صحراء النقب يربط البحر المتوسط بخليج العقبة. وأوضحت المذكرة بشكل جليّ أنّ القناة الجديدة “ستكون بديلاً استراتيجياً عن قناة السويس”.

استمرّت وتيرة التصريحات “الإسرائيلية” مبشرِّة بالقناة البديلة. ونشرت صحيفة “هآرتس” في منتصف العام 2017 مقالاً بقلم “بلير كنينغهام” حول المشروع البديل الذي يبلغ طوله 300 كلم “لربط إيلات على البحر الأحمر مع ميناء أشدود (أسدود بالعربية) على البحر المتوسط، كبديل عن قناة السويس”.

في ضوء ما تقدّم من معطيات وتسلسل تاريخي يستهدف خنق قناة السويس وما تتعرض له راهناً من إغلاق إلزامي، وبقطع النظر عن طبيعة الأسباب، أكانت عرضية أم مدبّرة، نستطيع القول إن المشروع “الإسرائيلي” البديل أُنضج إعلامياً كجائزة لتل أبيب لضمان هيمنتها على الإقليم والتحكم بممر مائي بالغ الأهمية في حركة التجارة البحرية العالمية.

في علم الطبوغرافيا، تعد المنطقة صخرية قاحلة، وتتميز بحدة ارتفاعاتها، قبل أن تنحدر بقوة بالقرب من البحر الميت، ثم ترتفع مرة أخرى قبل الوصول إلى البحر المتوسط. ممر القناة البديلة يبدأ عند العقبة ومنسوب البحر يساوي صفراً (موازٍ لسطح البحر)، ويرتفع شمالاً إلى نحو 159 متراً، ومن ثم يصعد مجدداً إلى نحو 339 متراً، قبل أن ينحدر إلى جنوب البحر الميت إلى عمق  266 متراً تحت سطح البحر، ثم يرتفع مجدداً لنحو 642 متراً عن سطح البحر، أي أن الفارق الإجمالي في الارتفاعات يصل إلى نحو 1000 متر، (المهندس المصري ومحاضر في جامعة “إم آي تي” نايل الشافعي، 28 آذار/مارس 2021).

الحقائق العلمية الصارمة لا تدعم إمكانية إنشاء ممر بحري بديل لقناة السويس، خط العقبة عسقلان، على الناحية المقابلة من البحر الأحمر، وأهم أسبابها الطبيعة الطبوغرافية المعقدة، كما ورد. ومن المرجّح أن الحملة لإنشاء بديل من قناة السويس لا تعدو كونها فقاعات إعلامية تحدث ضغوطاً نفسية وارتباكاً في الجانب المصري.

2021-22-03-التحليل

التحليل

بايدن ومعضلة روسيا والصين
تعويض الضعف بخطاب القوة

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

         دشّن الرئيس الأميركي جو بايدن مطلع ولايته الرئاسية بتصعيد الخطاب المعادي للصين وروسيا، فأنعش معسكر الصقور التقليدي في الحزبين، الديموقراطي والجمهوري، لتناغمه مع غريزته العدائية للبلدين، وكوفيء بالرضى والدعم الداخلي في أركان المؤسسة الحاكمة. وكان لتوصيفه الرئيس الروسي بـ “القاتل” تأثيره الفوري على صعيد تأزيم العلاقة المتوترة أصلاً مع روسيا، ليقضي بذلك على إمكانية عودة أجواء الانفراج معها في المدى المنظور.

انجرّت معظم النخب السياسية والفكرية النافذة في مفاصل الدّولة الرئيسيّة وراء نغمة العداء المتجدّدة، وخصوصاً تلك المرتبطة بالمصالح مع كبريات شركات الصناعات العسكرية. وربما انفردت “مؤسّسة راند” العريقة بتحذيرها البيت الأبيض من أنّ سياساته “للاتجاه شرقاً نحو الصين بدأت متعثّرة”، مقابل شبه إجماع على التصعيد الخطابي والتحشيد الإعلامي ضد القوى الآسيوية الصاعدة (“مؤسّسة راند”، 15 آذار/مارس 2021).

التقى وفدان رفيعا المستوى من الجانبين الأميركي والصيني يوم 18 آذار الجاري في مدينة آنكوريج في ولاية ألاسكا، بدعوة من واشنطن، لبحث القضايا الخلافية الرئيسية بينهما، نتيجة محادثة هاتفية أجراها الرئيس جو بايدن بنظيره الصيني شي جينغ بين بمناسبة عيد رأس السنة الصينية.

الاجواء السياسيّة بين البلدين شهدت تصعيداً متبادلاً مطلع شهر شباط/فبراير الماضي، بدءاَ بتصريح الرئيس بايدن بأن الصين تشكل “أكبر منافس  جدّي” للولايات المتحدة (4 شباط/فبراير)، والذي أتبعه بتصريح لبرنامج “فيس ذا نيشن” لشبكة “سي بي أس” قال فيه: “ليس من الضروري ان تخطّط البلاد لنزاع (مع الصين)، لكن ما نراه هو علاقة طابعها التنافس الشديد” معها (7 شباط/فبراير).

وقد أتبعه في الليلة ذاتها بمكالمة هاتفية مع الرئيس الصيني شي جينغ بين استمرت نحو ساعتين من الزمن، وصفها كبار المسؤولين بأنّها كانت عاصفة، لكونها شملت “سجلّ الصين في حقوق الانسان في مقاطعة شين جيانغ، وكذلك مسألة هونغ كونغ”، وتوّجها بلقاء الرباعية ، أميركا واستراليا والهند واليابان، في 12 آذار/مارس الجاري، للتوقف عند موقف موحّد لمواجهة “البحرية الصينية”.

علقت “مؤسسة راند” على مساعي الإدارة بالقول: “تصعيد الخلافات بين الولايات المتحدة والصين أضحت السمة الطاغية في أروقة البنتاغون وكل المكاتب الملحقة بمجلس الأمن القومي، ومن شأنه تعقيد مسار مراجعة” العلاقات الثنائية التي عبّر عنها الجانبان، وخصوصاً الجانب الصيني على لسان وزير الخارجية وانغ يي، على هامش دورة مجلس الشعب الصيني يوم 7 آذار/مارس الجاري، معرباً عن أمله في أن تؤدي “مراجعة التعاون إلى تمكّن الصين والولايات المتحدة من التوصل إلى تغيير إيجابي، بدءأً من مسائل المناخ وصولاً إلى العلاقات الثنائية”.

تميزت الجلسة الافتتاحية في ألاسكا بتشنّج كلمات الجانبين، وخصوصاً رد الوفد الصيني على كلمة وزير الخارجية طوني بلينكن لدى إثارته قضايا مقاطعة “شين جيانغ وهونغ كونغ وتايوان والهجمات السيبرانية”، لاعتباره أن كلاً منها على انفراد “تشكل تهديداً للنظام الدولي الراهن القائم على سلطة القانون لإدامة الاستقرار العالمي” (نص الجلسة الافتتاحية الصادر عن وزارة الخارجية الأميركية، 19 آذار/مارس الجاري).

وبحسب التقارير الصّحافية، “ردت الصين على اتهامات أميركا في عقر دارها”، على لسان عضو وفدها ومدير الشؤون الخارجية في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، يانغ جي شي، موجهاً كلامه إلى وزير الخارجية الأميركي، قائلاً: “ما ينبغي لنا فعله هو التخلي عن عقلية الحرب الباردة والمعادلة الصفرية”، مقارنة بالسياسة الصينية التي “تستند إلى التطور السلمي، وإعلاء دور الأمم المتحدة المركزي في النظام العالمي، وتعزيز القانون الدولي لضمان المساواة والعدل والاحترام المتبادل، لا كما تطالب بضع دول بتبنّي نظام عالمي يستند إلى سلطة القانون” (النصوص أعلاه مستقاه من بيان الخارجية الأميركية).

ولم يغب عن وسائل الإعلام الأميركية تصعيد يانغ جي شي ردّ بلاده على التدخلات الأجنبية، مخاطباً الوفد الأميركي مباشرة لنحو 15 دقيقة: “فيما يخصّ (مقاطعة) شين جيانغ وتايوان، فإنهما جزء ثابت من الأراضي الصينية، والصين تعارض بشدة تدخل الولايات المتحدة في شؤونها الداخلية”. واضاف المسؤول الصيني: “لقد عبّرنا عن معارضتنا القوية لذلك التدخل، وسنتخذ إجراءات مشددة رداً عليها” (المصدر أعلاه نفسه).

يشار إلى أنّ السياسات الأميركية نحو الصين، وعلى امتداد الإدارات المتعاقبة منذ ولاية الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون، التزمت بما يُسمى بسياسة “الصين واحدة”، مع تباين في التطبيقات المرحلية، حتى عهد الرئيس السابق دونالد ترامب وتسليحه تايوان بمعدات عسكرية متطورة بلغت قيمتها 5 مليار دولار للعام 2020، تضمّنت 66 مقاتلة من طراز “أف-16″، وصواريخ “هاربون” المتطورة للدفاع عن الشواطيء، ونُظماً متحركة لإطلاق الصواريخ، وقطعاً أخرى، على رأسها قاذفات إطلاق صواريخ “ستينغر”.

كما شاطره الرأي عضو الوفد ووزير خارجية الصين وانغ يي، بلغة ديبلوماسية مهذبة وصريحة، قائلاً: “الصين تحث الجانب الأميركي على التراجع التام عن سلوكه في الهيمنة والتدخل الإرادي في الشؤون الداخلية للبلاد. مع تصعيد الولايات المتحدة لما يُسمى عقوباتها على الصين على خلفية هونغ كونغ، فإن الشعب الصيني يشعر بالغضب إزاء ذلك التدخل السافر في شؤونه الداخلية، والجانب الصيني يعارضه بحزم” (المصدر نفسه).

بناء على تلك التطوّرات المحوريّة، نحن أمام سياسة أميركية تعدّ في جوهرها امتداداً لسياسات الهيمنة السابقة وإعلاء شأن خطاب التصادم والانتشار العسكريّ في كل أرجاء المعمورة الغنية بالموارد الطبيعية، تجسّدها السلطة التشريعية الأميركية بمواصلة خطاب التّصعيد والعزف على أوتار مشاعر القلق من “الصين وروسيا”، وهو ما يُترجم لاحقاً بمزيد من الإنفاقات العسكرية، جزء مهم منها يأتي من خارج بنود المزانية الرسمية المقررة.

المواجهة العسكرية المباشرة بين واشنطن وبكين في عُرف بعض مراكز القوى هي احتمال وارد وينبغي الاستعداد له، بيد أنّ القلّة من مستشاري مراكز الأبحاث يعتبرون نشوب “حرب بسبب تايوان أمراً غير وارد في الأفق، فالقدرات (العسكرية للصين) تطوّرت إلى مرحلة لم تعد فيها محطّ تكهّن أو معضلة باستطاعتنا تجاوزها” (نشرة بوليتيكو، 16 آذار/مارس الجاري، نقلاً عن الباحث إيريك سايير في “معهد المشروع الأميركي”).

وأضافت “بوليتيكو” نقلاً عن مسؤول رفيع في البنتاغون: “الصين توصّلت إلى بناء اسطول حربي ذي انتشار عالمي لمهام إقليمية. لا توجد في جعبتنا قدرات موازية لمواجهة الصين، كما كان متاحاً لنا في السابق”، مستطرداً ان أي مواجهة حقيقية معها نتيجة الموقف من “تايوان، ستكون الخسارة لجانب الولايات المتحدة” التي ستتلقى هجمات صاروخية، وبأسلحة بيولوجية، ضد قواعدها العسكرية وسفنها الحربية. وما سيشلّ قدرة الرد الأميركي هو هجوم برمائي من الصين على تايوان، وتكبيدها خسائر بشرية عالية، وكذلك تدمير شامل في نُظم السلاح.

في سياق التصعيد الأميركي، حذّر نائب مساعد وزير الدفاع للعمليات الخاصّة، كريستوفر ماير (منصب مدني للإشراف على أداء القيادات العسكرية)، لجان الكونغرس المختصة، الأسبوع الماضي، من أن بلاده تتخلف عن مواكبة “روسيا وإيران والصينفي قطاع حرب المعلومات”، وينبغي تجنيد مرشحين في مختلف اللغات العالمية، حاثاًّ على المزيد من الاستثمار في “احتياجات القوات العسكرية” لمعالجة الخلل والتفوق به على خصومها (نشرة “ديفينس وان”، 17 آذار/مارس 2021).

بمبادرة من الكونغرس مطلع العام الجاري، استحدثت القيادة العسكرية الأميركية برنامج “مبادرة الردع في المحيط الهاديء”، لتعزيز حضور أساطيلها البحرية، ومطالبتها الكونغرس بتخصيص نحو 4.6 مليار دولار للسنة المقبلة للإنفاق على الصواريخ الباليستية والصواريخ الأسرع من الصوت، ووضعها في مناطق قريبة من الأراضي الصينية، ورصد نحو 23 مليار دولار لمواجهة الصين في الموازنات السنوية المقبلة الممتدة من 2023العام  إلى العام 2027 (نشرة “يو أس نيفي نيوز”  2 آذار/مارس 2021).

وتناغم مدير الاستخبارات العسكرية، نيل تبتون، مع توصيف ماير، مؤكّداً أن وزارة الدفاع “تعكف على إعادة إنشاء الذاكرة المعزّزة بالقوة العضليّة التي لم نشهد مثيلاً لها منذ عصر الحرب الباردة”. كما أكّد ضابط جهاز الاستخبارات العسكرية، جيمس سوليفان، للجان الكونغرس أنّ “روسيا تتفوّق علينا الآن بصورة واضحة في عمليات نظم المعلوماتية. بدورها، ستنمو الصين صعوداً إلى مرتبة متفوقة موازية لميزتها، باستخدام لغة برمجة الآلة والذكاء الاصطناعي بوتيرة أسرع من الجانب الروسي”.

مراوحة الخطاب السياسي الأميركي بين التصعيد اللفظي والدعم الثابت لخطط الإنفاق العسكري تشير إلى وجود نيّة لشنّ مواجهة مع الصين تلعب فيها واشنطن على حافة الهاوية من دون أن تنزلق منها، معوّلة على تحمّل “حلفائها” الأسيويين، استراليا واليابان والهند، تداعيات أيّ مواجهة محتملة، بعد استحداثها “حلف الرباعية” الجديد. كما تشير إلى نغمة إعادة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية في مرحلة تدرك تماماً أنها في حالة تراجع وانكفاء تغطيها بإشراك آخرين في تحمل أعبائها وأهوالها التدميرية ،إذا اندلعت المواجهة ووصلت إلى مرحلة متقدمة.

تبدو ادارة بايدن كأنها تسير عكس ادعاءاتها بعودة النشاط الدبلوماسي وإصرارهاّ على استخدام لغة دبلوماسية الحرب الباردة وأكثر. وعلى الرغم من خبرة بايدن في السياسة الخارجية، وخبرة طاقمه الذي خدم في ادارات سابقة، فإنّ نزعة التمظهر بالقوّة تتغلب عليه، تعويضاً عن الإتهامات الموجهة إليه بضعف موقفه داخليا.

كما يبدو جليّاً في خطواته الاولى مع الصين وروسيا أنه وطاقمه يتنكران لحقيقة أن ّمكانة ودور أميركا الى تراجع. وبدلاً من التكيف مع بروز قوى عالمية كابحة للتفرد والهيمنة الأميركية، يستمر في سياسة تتغنى باستثنائية أميركا التي عفا عليها الزمن، ولن يطول الوقت ليكتشف أنّ الإدعاءات بالتفوّق والقوّة عبر الخطب والتصريحات النارية لن تكون بديلاً من اعتماد سياسة واقعية تعترف بالمتغيرات الدولية التي تفرض تفاهمات حقيقية ومساومات ضرورية مع خصوم  ومنافسين دوليين تتنامي قوتهم وتتعزز قدراتهم لصياغة نظام دولي جديد أكثر عدلا ومشاركة.

2021-16-03-التحليل

التحليل

أوهام تفوّق سلاح “الذكاء الاصطناعي”

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

بَحْثُ الإنسان عن سبل تطوير الأعمال اليدوية وأتمتتها يعود إلى العام 1872، بحسب سردية شركة “مايكروسوفت”، استناداً إلى رواية الإنكليزي صموئيل بتلر في روايته الساخرة من القيود الملكية السلطوية “إيريوهون” أو “لا مكان”، ماراً بخياله على الدور الكبير الذي “ستؤديه الآلات في تطوير البشرية”، وإلى الروائي الإنكليزي أيضاً هربرت جورج ويلز في روايته “حرب العوالم” في العام 1897، والتي صُنّفت آنذاك في فئة “الخيال العلمي”، لحديثها عن الآلة المبتكرة من قبل سكان كوكب المريخ للسيطرة على عالمنا.

وقد انتجت مختبرات الأبحاث العلمية تباعاً آلات متعددة لمساعدة الإنسان في شتى المجالات والتطبيقات اليومية، مروراً بابتكار “مساعدين افتراضيين” لأداء المهام بإتقان وبشكل أسرع مما كان عليه الأمر، ما أضحى يعرف بحقل “الذكاء الاصطناعي” الذي يحاكي الذكاء البشري لإتمام المهام، كما شهدنا في أنتاج شركة (آي بي أم) جهاز “واتسون” في العام 2011، والذي تفوق على البشر في مسابقة برنامج “جيوباردي”. ويسعى  البرنامج الآلي إلى “دمج حياتنا المادية والرقمية والبيولوجية”، وهو ذو استخدامات مزدوجة، منها ما يعود بفوائد إيجابية، ولكن تقابلها جوانب سلبية، وخصوصاً في التطبيقات العسكرية المتعددة في زمن قصير نسبياً.

وحذّرت الأمم المتحدة في دراسة شاملة من تداعيات ما “تطلقه التقنية من إمكانيات هائلة للبشرية، ذلك أن تقارب الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة يفرض أيضاً مخاطر غير مسبوقة على الأمن العالمي”، والتي يمكنها أن تحسن أداءها استناداً إلى المعلومات التي تجمعها (ندوة بعنوان “كيف يمكن للتعددية البقاء على قيد الحياة في عصر الذكاء الاصطناعي؟”، إلينور باولز، من دون تاريخ نشر).

حقل “الذكاء الاصطناعي” لن يحل محل الذكاء البشري في أي وقت منظور. هذه نتيجة توصّل إليها كبار العلماء والمختصين، لخشية العامة من تسخير التقنية الرقمية المتطورة في هيئة آلات تفتح آفاق كارثة إنسانية ينبغي السيطرة عليها. وبحسب وثائق الأمم المتحدة، “يجب أن تنظّم تطورات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي لصالح مجتمعاتنا وتنميتها المستدامة”، بيد أن القلق من منافسة الآلة للدور الإنساني يزداد اطراداً مع تطور بيانات الخوارزميات وتعقيداتها، وهي التي يعتمد عليها أداء الذكاء الاصطناعي.

وبحسب دراسة أجراها “مرجع فري و أوسبورن”، فإنّ حوالي 47% من اليد العاملة الحالية في الولايات المتحدة تشغل مهناً عرضة لخطر الزوال بسبب الأتمتة في العقدين القادمين” (7 كانون الأول/ديسمبر 2016).

يشير العلماء إلى تعقيدات متراكمة في جهود استنباط أفضل الخوارزميات للتحكم بالذكاء الاصطناعي، والتي تتطلّب تطبيق مزيج من التقنيات الحديثة: “تعلم لغة الآلة، التفكير الرمزي، تعلّم بيانات الإحصاء، تعلّم البحث والتخطيط، التعامل مع البيانات الهائلة، البنى التحتية للفضاء الالكتروني، وجداول الخوارزميات”.

من بين التحديّات المطروحة أمام العلماء في هذا المجال تبرز إمكانية استبدال الآلة بالعقل البشري لاتخاذ قرار الحرب، سواء عبر طائرة مسيّرة أو بأسلوب آخر أشدّ تعقيداً في بنية أجهزة رقمية هائلة. الأمر الذي يحتّم عليهم التوصل إلى خوارزميات اصطناعية تحاكي عمليات عسكريّة.

على سبيل المثال، قبل عدة عقود، واجه سلاح البحرية الأميركية معضلة تتلخّص في تطوير جداول خوارزمية باستطاعتها احتساب كلفة بناء السفن الحربية قبل البدء بها. أحد تلك الجداول سلط الضوء على المجال الهندسي، معتبراً أن الكلفة ينبغي أن تأخذ بعين الاعتبار مجموع القطع والمكونات والمعدات، مثل أجهزة الدفع وأجهزة الرادار والأجهزة الالكترونية المتعددة. كان التحدي مسلّطاً على كلفة التقنيات الحديثة المتطوّرة التي لم تكن جاهزة عند بدء دراسة الكلفة، والتي ينبغي التسلح بها واحتسابها إلى مرحلة مستقبلية في الانتاج بعد نحو 3 – 5 سنوات.

وعمل فريق آخر بالتوازي بالتركيز على الشق الاقتصادي. وبدلاً من احتساب كلفة كل جهاز على حدة، بناء على مفاهيم العرض والطلب، استند الفريق إلى استنتاجاته في فعالية نموذج بناء سفن حديثة مقارنة مع ما توفر من تصاميم جاهزة، بيد أن النموذج الاقتصادي لم يلقَ استحسانا من “قيادة نظم سلاح البحرية” التي قرّرت اتباع المنهج الهندسي المشار إليه.

من بين النتائج التي توصلت إليها قيادة سلاح البحرية أنّ تصميم الخوارزميات في التطبيقات العسكرية يعتمد على الذهنية المنتجة لها، وعلى كفاءة مهندس برمجيات وما إذا كانت تنقصه خبرة عسكرية، مقارنة مع آخرين ذوي خبرة في القتال التقليدي أو خبراء في مكافحة التمرد أو ناشطين ضد الحروب.

واكتشفت طواقم المهندسين ثغرات في برامج الذكاء الاصطناعي إبان اتخاذها قراراّ لتعديل أداء بعض مكونات الآلة، ولا سيما في تجارب قيادة السيارة من دون سائق، منها تباين أداء السائقين ومهاراتهم في مختلف مناطق الولايات المتحدة، ما يؤثر على تصاميم البرمجة.

وأوضحت تلك الطواقم أنّ معظم ولايات الوسط الشمالي، على سبيل المثال، ومنها ولاية منيسوتا، يلتزمون بأساليب التهذيب ومراعاة السائق الآخر والسماح له بالتقدّم ليكمل سيره، بينما في مناطق أخرى، مثل مدينة نيويورك، يشتهر سائقوها بالنزعة العدوانية والميل إلى حرمان السائق الآخر من التقدم عليهم ليدخل بشكل آمن إلى خطّ السير. وعليه، فإن ّبرمجة لسائق منيسوتا لا يمكن تطبيقها في مدينة نيويورك من دون الأخذ بعين الاعتبار درجة التهور والعدوانية فيها.

يصحّ القول أن تلك التحّديات تنطبق أيضاً على التقنية المتطوّرة للاستخدامات العسكرية لمختلف البلدان والساحات. من الجائز رؤية تباين تصرف عسكري روسي أنهى تدريباته على الحروب التقليدية وتسخير اداء المعدات العسكرية لإنجاز مهامها، مقابل عنصر في دولة أخرى يوازيه بالرتبة ويرأس طواقم عسكرية متدنية التدريب ومسلحة بمعدات عفا عليها الزمن.

السيناريوهات العسكرية المتعددة تدخل عامل المرونة في التطبيق وفق التغيرات الميدانية، لكن من غير المؤكد لدى العلماء استشعار الذكاء الاصطناعي معضلة ممكنة لم تجرِ بعد والتكيف معها وإنتاج خطة بديلة. مرونة القرار والتكيف الميداني سمات تميز القادة العسكريين الكبار عن نظرائهم الآخرين.

يحفل التاريخ السياسي الأميركي، على سبيل المثال، بتجربة الجنرال جورج باتون، قائد الجيش الأميركي الثالث في الحرب العالمية الثانية، في معركة “الانتفاخ” أو “الأردين”، لقراره حرف قواته العسكرية 90 درجة لمواجهة الجناح الألماني في تلك المعركة وهزيمته، متجاهلاً المعضلات اللوجستية الناجمة عن قراره.

في تجارب الذكاء الاصطناعي على معطيات متشابهة، قد يرجّح خيار الحرب التقليدية التي نفذها قادة آخرون في معسكر الحلفاء، على الرغم من طول المدة التي استغرقتها. أما الجنرال باتون، فقد ظفر بالنصر وفك الحصار المفروض على مدينة باستون البلجيكية في كانون الأول/ديسمبر 1944، بمبادرات مساعده الجنرال آبرامز الذي تمت مكافأته بتسمية الدبابة الأميركية باسمه فيما بعد. وقد أنهى باتون بذلك الحلم الألماني بالهجوم على ميناء آنتويرب.

القائد العسكري البريطاني الشهير برنارد مونتغمري حاول استنساخ تكتيكات جورج باتون للتقدم على الدفاعات الألمانية، وكانت نتيجته الفشل الذريع وعدم قدرته على تجاوز نهر الراين واختراق خط الدفاع سيغفريد.

في الشقّ المقابل، تميز الجنرال الألماني إيروين رومل، الملقب بـ “ثعلب الصحراء”، بمقارعته القوات البريطانية في الشمال الإفريقي، على الرغم من قلة أعداد مقاتليه مقارنة بقوات خصومه. ولم تفلح استراتيجيته في إلحاق الهزيمة بجيوش الحلفاء في معركة النورماندي، ما عرّضه للانتقاد من كبار القادة العسكريين، لاعتقداهم بأنّ الخطة افتقدت أخذ عناصر الكفاءة بالحسبان.

وعليه، تبرز جملة تساؤلات حول “التقديرات المفرطة” المتعلقة بالذكاء الاصطناعي الأميركي وأهلية السلاح الأميركي مقابل “الاستخفاف” بخصومه، فهل يكفي تلقيم برامج الذكاء نماذج الخبرة الميدانية لقادة القوات على حساب إبداعات القادة العسكريين في الميدان؟ تلك هي بعض مثالب برامج الذكاء الاصطناعي في العصر الراهن، والتي تستند في الأساس إلى الذكاء البشري وما راكمه من دروس وتجارب واحتمالات.

يشير الخبراء العسكريون إلى “ثقة مفرطة” لدى القادة الكبار بتقنية الذكاء الاصطناعي، محذّرين من قصور الحلول المطلوبة من النظم الاصطناعية، رغم ما يتوفّر لها من تطورات تقنية متطورة. لنزع تهمة إفراط الثقة بين العسكريين أوضح مدير قسم إبداع تقنية المعلومات في وزارة الدفاع، ويليام شيرليس، أن ما يتوفر راهنا من تقدم “ليس سوى خطوة في بداية طريق وسياق تاريخي طويل لتطورات سريعة في مجال الذكاء الاصطناعي” (ندوة عن بعد حول “آلات عبقرية” لعام 2021).

تطبيقات الذكاء الاصطناعي المتوفرة لا تعدو كونها مرحلة سراب أو نقطة واعدة في الأفق، لكنها بعيدة المنال. أما طموح بعض البلدان لحلول الآلة مكان العامل البشري، وخصوصاً في مجال الأسلحة “الذكية”، فهو أمر محفوف بمخاطر فادحة إذا تم الاعتماد على الآلة بمستواها التقني الراهن لتقرير سير أي عمليات عسكرية ونتائجها. الإبداع البشري في شتى المجالات والتطبيقات وتكيفه مع المتغيرات لا يمكن الاستغناء عنه في اي زمن منظور.

2021-03-03-التحليل

التحليل

“الدرونز” حلول عسكرية
متعددة الاستخدامات

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

         ابتكار الطائرات المسيّرة سد ثغرة تقنية بالغة التعقيد: إتاحة التصوير الجوي والتقاط “مقاطع مرئية متحركة” من دون استشعار والعودة بسلام. سعت الدول الصناعية إلى تطوير تطبيقاتها وتعديل خاصية التحكّم بها عن بعد وزيادة مديات تحليقها، والتي تعتمد في الدرجة الأولى على نظم الملاحة الجوية عن طريق الأقمار الاصطناعية، ومراكز تحكّم وقيادة عبر شبكات لاسلكية – (WiFi).

وأضحت السيطرة على  الشق التقني وآفاقه مقلقة للقوى العالمية والفئات المناهضة لانتشار التسلّح، في ظلّ سعي عدد من الدول لقوننة استخدامها وفق معايير واتفاقيات دولية للتقيد بها، لكن بعض الدول الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، ترفض التوقيع عليها.

         تسليح الدرونز بصواريخ ومواد متفجّرة جاء منسجماً منطقياً مع احتياجات الجيوش، وخصوصاً القوات المسلحة الأميركية، ومن ثم “جيش” الكيان الصهيوني. وقد حقّقت الأولى فيها نجاحات بارزة في نموذجي طائراتها “ريبر” و “غلوبال هوك” اللذين يصنع هيكلهما من آلياف الكربون، لخصوصيتها في الوزن الخفيف وقوتها وما تحمله من معدات.

         وقد شاركت فيها واشنطن حلفاءها الأوروبيين الذين ابتدعوا تصاميم خاصة بهم لتعزيز الصناعات العسكرية المحلية. أما في التطبيقات غير العسكرية، فتوظف طائرات “الدرونز” في مهام اعتراض الاتصالات، والقيام بمسح منطقة جغرافية محددة للهواتف النقالة لتحديد هوية أشخاص أو مجموعات بشرية بعينها. ويتم النظر في استخدامها لنقل الطرود والمشتريات وتوزيعها.

         تتنوع “الدرونز” بتنوع استخداماتها، فمنها ذات أجنحة ثابتة للاستخدامات العسكرية والقتالية، والأخرى الأصغر حجماً شبيهة بالمروحيات للقيام بمهام محدودة، وكذلك تسليحها. وتحمل الطائرات العسكرية منها كاميرات تعمل بالأشعة تحت الحمراء، وأجهزة ملاحة جوية  “جي بي أس”، وأجهزة ليزر تعمل بنظام التحكم عن بعد، وأجهزة تمنع التصادم.

         إضافة إلى ما تقدم، ينبغي لفت الانتباه إلى تطبيقات متناهية الصغر حجماً تعرف بـ “مايكرو درون” ولا يتعدى حجمها كفّ اليد، وتستخدم عادة في مهام التجسس وتحديد إحداثيات الهدف ومهام المراقبة والاستطلاع. تقوم شركة “بروكس دايناميكس” النرويجية بتصنيعها. وقد أطلقت عليها القوات البريطانية إسم “بلاك هورنيت”، وهي تستخدمها بكثافة في أفغانستان لرؤية ما يجري خلف الجدران والزوايا، وباستطاعتها التحليق لمدة 25 دقيقة والتقاط صور وبثّها لمسافة نحو 1،5 كلم، بيد أن حجمها الضغير يتأثر بسرعة الرياح، ويحد من الاعتماد عليها إلا في الحالات الضرورية.

         في المقابل، يستطيع النموذج الفرنسي المعروف بـ “فولمار” التحليق لمدة 12 ساعة متواصلة، ولمسافة تبلغ نحو 90 كلم، ويطلق عن الكتف. النموذج الأميركي من “مايكرو درون” يعرف بـ “رايفن ” أو الغراب.

         تتميز النماذج الأكثر تطوراً من طائرات “الدرونز” بقدرتها على التحليق لمسافات بعيدة، والبقاء في الأجواء لفترات طويلة، وحمل ذخائر حربية توصلها إلى الهدف، وربما ستسلح بخاصية الشبح.

         النموذج القتالي “الإسرائيلي” يعرف بـ “هيرون” وكذلك بـ “أيتان” يشمل تسلحه صواريخ “جو – أرض” وقنابل موجّهة، ويمكنه البقاء لنحو 52 ساعة في الأجواء، وعلى ارتفاع 35،000 قدم، بسرعة 400 كلم/الساعة. وقد اشترى عدد من الدول ذلك النموذج، ومنها ألمانيا، والولايات المتحدة، وكندا، والهند، وتركيا، واستراليا، والمملكة المغربية، وربما بعض الدول الخليجية.

         تحمل النماذج الأميركية المتطورة عدة أجهزة استشعار ومخازن أسلحة تصل حمولتها إلى ما يفوق 3 أطنان، منها صواريخ وقنابل موجهة تصل سرعتها خلال التحليق إلى 745 كلم/الساعة، وتصل مدة طيرانها إلى 20 ساعة، وتحلق على إرتفاع 17 ألف متر. تتجاوز كلفة نموذج “غلوبال هوك” 130 مليون دولار. وقد استطاعت إيران اسقاط هذه الطائرة  بصاروخ “أرض – جو” والحصول على معظم حطامها في مياه الخليج.

         النموذج الأميركي الآخر هو “بريدايتور”و “أم كيو ريبر” اللذان صّمما وفق معايير ومواصفات حلف “الناتو”. تصل حمولة هذا النموذج إلى نحو 1.7 طن، وهو مزوّد بوسائل الرصد العسكري وأنظمة رادار وقنابل موجهة. وإضافة إلى الجيش الأميركي، فإنه يستخدم أيضاً في بريطانيا وإيطاليا وفرنسا وإسبانيا.

         استطاعت الصين تطوير نموذجها الخاص “سي أتش-4،5،6″، لمنافسة “ريبر” الأميركية. يصل “وزن الطائرة عند الإقلاع إلى 3.3 طن، بحمولة أسلحة تزن 1.2 طن”، وتشمل صواريخ مضادة للدروع تستطيع التحليق المستمر لمدة 60 ساعة. وقد اشترت مصر والعراق النموذج الصيني لتعزيز قدراتهما العسكرية

دول تمتلك طائرات درونز مسلحة

         تتصدر الولايات المتحدة قائمة الدول المنتجة والمصدّرة لمختلف أنواع طائرات “الدرونز”، أبرزها “ام كيو-9 ريبر”، التي تستطيع حمل  صاروخين موجهين بالليزر، وكذلك “إسرائيل”، رغم إنكارها اللامتناهي وامتلاكها طائرة “هيرون” التي تستطيع البقاء في الجو لنحو 45 ساعة، والتي استخدمتها في حربها على قطاع غزة في العام 2008-2009.

         وقد طورت فرنسا نموذجها الخاص بها من “هيرون” باسم “إيغل”، تليها بريطانيا التي “اشترت” نموذج “ريبر” الأميركي في العام 2007، وأدخلت إليه تحسينات مطلوبة، وأصبح يعرف بـ “بروتكتر”، وعملت مع “إسرائيل” لإنتاج نموذج آخر للأغراض التكتيكية يعرف بـ “ووتش كيبر”.

         تمتلك روسيا نموذجاً عسكرياً متطوراً أنتجته شركة تصنيع المقاتلة سوخوي، يعرف بـ “سو-70 أخوتنيك” أو “الصياد الضارب”. تتميز هذه الطائرة بقدراتها الشبحية. وقد قامت بمناورة مشتركة مع المقاتلة “سوخوي-57” مع نهاية العام الماضي، ويصل وزنها إلى  20 طناً، وتحلّق على ارتفاعات تصل 1600 متر، بسرعة 1000 كلم/الساعة، وباستطاعتها التسلح بصواريخ مضادة للسفن “إكس-35” وحمل 4 صواريخ أسرع من الصوت “إكس-74 أم 2”.

         كما أنتجت طائرة أخف وزناً هي “12-تو-300  كورشن”، التي يصل وزنها عند الإقلاع إلى 3 أطنان، وتتجاوز سرعتها 950 كلم/الساعة، بحمولة مسلحة تصل إلى 1000 كلغم، وتستطيع الطيران إلى مدى 300 كلم، وتستخدم “لمهام الاستطلاع العسكري، وتدمير الأهداف الأرضية” بارتفاعات تتراوح بين 50 متراً و 6000 متر.

         تنتج تركيا طائرات “درونز” تعرف بـ “بيرقدار”، وهي نسخة معدلة من النموذج “الإسرائيلي هيرون”، وتعمل على تصديرها إلى دول أخرى. تستطيع هذه الطائرة البقاء لمدة 20 ساعة في الجو، بمدى 150 كلم، وتحلّق على ارتفاعات متوسطة بحمولة صاروخين مضادين للدبابات وذخيرة موجهة بأشعة الليزر.

         انضمّت إيران إلى قائمة الدول المصنّعة والمصدّرة لطائرات “الدرونز” منذ العام 2010. وقد انتجت “شاهد-129″، وتستطيع التحليق لمدة 24 ساعة، وأحدثها طائرة “كمان-22″، التي تشبه إلى حد بعيد طائرة “ام كيو-1 بريداتر” وخصائص من الطائرة الأميركية الأحدث “ام كيو-9 ريبر”.

تقنية الحماية من الدرونز

         في 4 كانون الأول/ديسمبر 2011، استطاعت إيران “السيطرة الكترونيا” على طائرة “درون” أميركية من طراز “أر كيو-170 سنتينل”، وأجبرتها على الهبوط داخل أراضيها على بعد 140 ميلاً من حدودها مع أفغانستان، بعد نصب “كمين الكتروني” والتشويش على أجهزة اتصال الطائرة والتحايل عليها، ما فرض تحوّلها إلى القيادة الآلية وعدم الاستجابة لإشارات قاعدة التحكّم الأميركية الأرضية.

         تعتبر آلية التشويش التي طبقتها إيران أفضل السبل للسيطرة على طائرات “الدرونز” وإجبارها على الهبوط “كتلة واحدة”، بدلاً من تفجيرها وتناثر شظاياها خلال سقوطها وإلحاق الضرر بالأماكن المكتظة، بحسب خبراء قطاع الطيران.

         تسخّر تقنية اشعة الليزر أيضاً لمواجهة “الدرونز” وإسقاطها، عبر تسليط “حزم ضوئية شديدة القوة” على جسم الطائرة بعد تعقب أجهزة الرادار الفعالة لاستكشافها، وبإمكانها “إحراق اي شيء تقع عليه”. كذلك من الممكن استخدام تقنية “أمواج الميكرو ويف” التي تتمتع بخصائص وفعالية شبيهة بأشعة الليزر، لكنها تختلف عنها بإرسال “ذبذبات قادرة على تعطيل أجهزة التحكم بالدرونز وإسقاطها أرضاً”.

         في وقت سابق من العام الماضي، أعلن سلاح البر الأميركي عن جهوده لتطوير سلاح يعمل بأشعة الليزر، ويتميز بقوته التي ستتفوّق بمليون مرة على أيّ جهاز في الترسانات الحديثة، ومن شأنه “إرسال صلية لمدة قصيرة تصل إلى 4 ملايين جزء من الثانية تبدّد طائرة الدرون أو أيّ جسم آخر”، ويعرف بـ “نبض ليزري قصير”، ويستخدم أيضاً لتدمير أجهزة الكترونية عبر خاصيته كسلاح نبض كهرومغناطيسي.

         أبرز مخاطر تطبيقات طائرات “الدرونز”، بحسب الاختصاصيين، يمكن إيجازها بـ “التجسس، وتهريب الأسلحة، وعبور الحدود، وتهديد المجال الجوي وحركة الملاحة، وخصوصاً قرب المطارات المدنية، والأذى الناجم عن سقوطها في أماكن مأهولة بالسكان”.

         على الطرف المقابل، هناك خصائص إيجابية لتسخير طائرات “الدرونز” في خدمة البشرية، وخصوصاً في برامج مكافحة التلوث، ورش الأسمدة، والدخول إلى مبانٍ مشتعلة لانقاذ المحتجزين فيها، وعمليات المسح الجيولوجي، والتصوير وبثّ لقطات حية، وايصال مساعدات وأدوية إلى مناطق نائية أو منكوبة، وتطبيقات مماثلة.

2021-23-02-التحليل

التحليل

 مستقبل الحزب الجمهوري:
انقسام بانتظار مصير ترامب

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

قد لا تؤدي مراجعة مسار ما بعد الخسارة السياسية إلى نتائج عاجلة أو مريحة. يتركز اهتمام زعماء الحزب الجمهوري “التقليدي” على مناقشة “مستقبل الحزب”، ككتلة نيابية ذات جمهور وشعبية من المحافظين والمتشددين وكبار الرأسماليين، والتوقف عند أسماء بعض المرشحين لدورة الانتخابات النصفية العام المقبل، والانتخابات الرئاسية في شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2024.

أبرز نتائج دورة الانتخابات الرئاسية الأخيرة كان اهتزاز بنية الحزب الجمهوري بإعلان نحو 30 ألفاً من مؤيديه الانسحاب كمؤشر صادم على ما ينتظره من انشقاقات وتشظٍ، والجدل الحامي داخل صفوفه على خلفية تداعيات “غزوة الكونغرس”، وهي المرة الأولى يشهد فيها استقالة جماعية لم يألفها طيلة تاريخ الكيان السياسي الأميركي، (“ذا هيل”، 29 كانون الثاني/يناير 2021).

فشل الرئيس السابق ترامب في تحديه “المؤسسة السياسية الرسمية” برفضه نتائج الانتخابات أدى إلى مسارعة أركان المؤسسة الحاكمة إلى فرض قرارها عليه “بالنزول من عليائه” والتسليم بمغادرة البيت الأبيض. وبذلك ضمنت استمرارية انتقال سلس ومنظّم للسطة، رغم محاولة التعطيل الناجمة عن “غزوة الكونغرس”.

عانى الحزب الجمهوري جملة تحديات وعقبات في مسيرته في العقود الأخيرة، لكنه استطاع التغلب على بعضها بإرجاء تناول المسائل الأساسية وتسليط الأضواء على التوزيع الجغرافي للدوائر الانتخابية التي فاز بتقسيم توجهاتها لصالحه على حساب منافسه الحزب الديموقراطي.

خسارته مجلس الشيوخ والبيت الأبيض ستلقي ظلالها الثقيلة على مسيرته ومستقبله. ومن غير المرجّح أن تثمر جهوده في تطويق تداعياتها القاسية، لمعاناته من بعض الأزمات الهيكلية والقيادية منذ ما قبل “غزوة الكابيتول”، ما حفز السيناتور النافذ ليندسي غراهام على التصريح بأنه  يتهيأ لتشجيع ترامب على العمل مع مرشحي الحزب، لضمان استعادته أغلبية مجلس الشيوخ في الانتخابات النصفية للعام المقبل (صحيفة “بوليتيكو”، 12 شباط/فبراير 2021).

المعضلة الحقيقية التي يواجهها الحزب راهناً يكمن جذرها في التخلّص من ترامب، وفي الوقت عينه الحفاظ على وحدته، وكذلك الإعداد الناجح للانتخابات الرئاسية المقبلة 2024، من دون خسارة القاعدة الشعبية المؤيدة لترامب، وبعبارة أدق، صون الحزب الجمهوري كحزب اليمين المحافظ، والحيلولة دون نجاح تيار اليمين القومي، تيار ترامب، بالتزامن مع انطلاق دعوات الانشقاق وتأسيس “حزب جديد” يتصدره الأخير من الجموع الشعبية.

استطلاعات الرأي التي أجريت قبل بضعة أيام من “محاكمة ترامب في مجلس الشيوخ” دلت على تنامي شعبيته، على الرغم مما يتعرض له من حصار، بتأييد 59% من الناخبين الجمهوريين، بزيادة 18 نقطة مئوية عن استطلاع جرى يوم 7 كانون الثاني/يناير 2021. وما يضاعف قلق قادة الحزب الجمهوي هو تأييد 81% من قواعد الحزب الجمهوي للرئيس السابق، ومعدل تأييد عام وصل إلى 77% في استطلاع جرى يوم 7 كانون الثاني/يناير، (نشرة “بوليتيكو”، 16 شباط/فبراير 2021).

ولخصت النشرة المذكورة ما ينتظر بنية الحزب بأن “الرئيس ترامب لا يجاريه أي منافس”، وهو ما عززه نتائج استطلاع حول مرشحي الحزب للانتخابات الرئاسية المقبلة بتأييد “53% من الناخبين الجمهوريين له إذا ما جرت الانتخابات الآن”.

للدلالة أيضاً على تماسك قاعدة الحزب الشعبية، واجه النائب عن ولاية إلينوي، آدم كينزينغر، حصاراً وتوبيخاً من “11 فرداً من عائلته” لتصويته بمحكامة ترامب، وتسلم مذكرة خطية نيابة عنهم اتهموه فيها “بإهانة إسم عائلة كينزينغر”.
يجمع المراقبون على أن قائمة المرشحين المحتملين لخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة تشمل نائب الرئيس السابق مايك بينس، وأعضاء في الكونغرس، ماركو روبيو وتوم كوتون و ميت رومني و تيد كروز وتيم سكوت (السيناتور الأسود الوحيد عن الحزب الجمهوري)، ومحافظ ولاية ماريلاند لاري هوغان وجوش هاولي وريك سكوت، والمندوبة الدائمة السابقة في الأمم المتحدة نيكي هايلي.

في المدى المنظور يتعاظم الجدل حول “انقسام وتصدع” الحزب الجمهوري، واحتمال ظفر الرئيس ترامب بقواعده الانتخابية لتشكيل حزب ثالث، ما سيؤدي إلى تشظي الحزب ومأسسة “اليمين القومي” الصاعد، وخصوصاً مع فوز ترامب بنسبة مرتفعة من أصوات الناخبين؛ 74 مليون صوت مقابل نحو 81 مليوناً لمنافسه الرئيس بايدن.

أزمة الحزب الجمهوري البنيوية هي امتداد لأزمة النظام السياسي والاقتصادي الأميركي في مرحلة هيمنته المطلقة على الموارد الطبيعية، واستمرار ارتفاع الدين العام إلى مستوى غير مسبوق، 23 مليار دولار، يسدد عبر مزيد من الاقتراض والاستدانة، فضلاً عن تراجع حصته من الناتج العالمي، وفشل حروبه العسكرية الطويلة في أفغانستان والعراق، واستنزاف طاقاته بفعل المقاومة المحلية. عوامل التراجع المذكورة، إضافة إلى عوامل دولية واستراتيجية أخرى، انعكست سلباً على الداخل الأميركي، وفاقمتها الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وانتشار وباء كورونا.

في أزمة شبيهة بأزمة الحزب، تشكل “حزب الشاي” مطلع القرن الحالي من رحم الحزب الجمهوري، وجلّه من الناخبين الجدد والتيار القومي في الحزب خلال ولاية الرئيس جورج بوش الإبن الثانية. وقد فرض حضوره وأجندته على ممثلي الحزب في الكونغرس، وما لبث أن تلاشى لعدم رسوّه على زعيم يقوده ويعبر عن طموحاته، إلى أن ظهر دونالد ترامب في الساحة السياسية، وفرض حضوره بقوة على التيارات التي كانت مهمشة سابقاً، لكنها تمثل أغلبية القواعد الانتخابية، مع الإقرار بأن الرئيس ترامب بعيد كل البعد عن الانتماءات الإيديولوجية، والأولوية عنده لآرائه السياسية، وليس لتوجهات الحزب بشكل عام.

تنبغي الإشارة إلى تنامي مطالب قواعد الحزب الجمهوري الانتخابية بترشيح النجل الأكبر لترامب في الانتخابات النصفية العام المقبل. وربما يحالفه الحظ في الترشح للانتخابات الرئاسية في العام 2024، في ضوء امتعاض الناخبين من تكتل أجنحة وتوجهات سياسية داخل الحزب عملت على تقويض سياسات الرئيس ترامب وإقصائه عن المشهد السياسي حتى قبل مغادرته البيت الأبيض.

صرح الرئيس السابق دونالد ترامب مراراً بنيّته خوض الانتخابات الرئاسية لعام 2024، على الرغم من تقدمه في السن، إذ سيبلغ حينها 78 عاماً. إرجاؤه الإعلان عن الترشيح يعود إلى  إجراءات المحاكمة التي تعرض لها في مجلس الشيوخ، لكنه حافظ على اللقاء ببعض قيادات الحزب، نائب رئيس مجلس النواب كيفين مكارثي والسيناتور ليندسي غراهام، ولم يعلن عن تفاصيل تلك اللقاءات.

تخشى قيادات الحزب استفزاز الرئيس ترامب إن تقدمت بترشيح مبكر لعناصر مؤيدة للخط السياسي التقليدي، وكذلك أخذها بعين الاعتبار الدعم الشعبي الواسع له، والذي سينقلب ضدها حتما، وخصوصاً بعد إصداره بياناً هزّأ فيه رئيس مجلس الشيوخ السابق ميتش ماكونل، والذي أسرّ لبعض قيادات الحزب بأنه يرغب في  “رحيل ترامب إلى غير رجعة”، ما يدل على قطيعة تامة بين ترامب وبعض النافذين في الحزب. كما أن ترشيح الحزب لأي شخص ينبغي أن يأخذ في الحسبان قربه أو بعده عن سجل الرئيس ترامب، وخصوصاً إذا اصطف إلى جانب أصوات أعضاء الكونغرس الذين أيّدوا المضي في محاكمة ترامب.

السؤال الأدق: هل تقف أميركا على أعتاب ظاهرة “ترامبية” تدخل الحلبة السياسية من أوسع أبوابها؟ ما يعزز تلك الفرضية التحضيرات المسبقة لترامب في جمع ما يقارب من 100 مليون دولار يستطيع توظيفها في أي حملة انتخابية يميل إليها. وإذا إضيف عامل حشده الناجح للقواعد الانتخابية، فسيصعب على المؤسسة التقليدية تجاهله أو إقصاؤه في المدى الأبعد. ترامب كان شديد الوضوح بنيّاته المقبلة باقتصار “دعم مرشحين عن الحزب الجمهوري يؤيدون أجندته السياسية”، الأمر الذي يعقّد الخيارات المتاحة لمحاصرته من البعض.

يسجل لترامب أنه وحزبه استطاعا تعزيز النفوذ السياسي في مجالس الولايات التشريعية، 62 من مجموع 99، وكذلك في كسب أغلبية حكام الولايات، 27 من مجموع 50، مقابل فوز الحزب الديموقراطي بمقاعد الكونغرس والبيت الأبيض لكن إلى حين، فالقاعدة السياسية في أميركا تؤيّد مقولة خسارة حزب الرئيس في الانتخابات النصفية، ما يضاعف احتمالات استعادة الحزب الجمهوري لأغلبيته في مجلس الشيوخ وخصوصاً أنه يحتاج إلى فوز عضو وحيد في معادلة التوازن الراهنة.

ما تعرض له النائب كينزينغر من هجاء وذم من أقاربه المقربين، على خلفية اصطفافه لمعاداة ترامب، أضحى أمراً يتكرر في عدد من الولايات، فقد أصدرت قيادات لجان الحزب المحلية قرارات بالإدانة والتوبيخ لممثليه في الكونغرس، أبرزهم النائب عن ولاية وايومنغ، ليز تشيني، كريمة نائب الرئيس الأسبق، وهي التي كان الحزب يعوّل عليها لتبوؤ منصب متقدم.

الصراع المستدام بين البيت الأبيض الديموقراطي حالياً ومنافسيه في الحزب الجمهوري يؤشر إلى حقبة جديدة من “اللافعل”، التي اشتهر بها كل من رئيس مجلس النواب الأسبق نيوت غينغريتش ورئيس مجلس الشيوخ السابق ميتش ماكونيل، عبر المماطلة الطويلة للبت بأي مشروع مقدم وإحالته إلى خبر كان.

تشمل أولويات أجندة الرئيس بايدن، استناداً إلى وعوده الانتخابية، مسائل وقضايا غير محبّبة للحزب الجمهوري وينوي معارضتها بشدة، منها: تشريع قيود على الأسلحة الشخصية، وحق المرأة في الإجهاض، والبيئة والانحباس الحراري اللذان يعارضهما الجمهوريون بقوة، وقوانين الهجرة، والنظام الانتخابي، وتشديد القيود الاقتصادية على كبريات الشركات.

عند هذه المحطة، يُشار إلى تصادم صلاحيات الدولة الفيدرالية وسلطات الولايات المحليّة التي تتمتع بنطاق واسع من الاستقلالية في تطبيقها للقوانين الفيدرالية. على سبيل المثال، تقاضي ولاية تكساس الحكومة الفيدرالية لقفزها على قوانينها المحلية للهجرة، كما اصطف ّحاكما ولايتي تكساس وفلوريدا في مناهضة قرار البنتاغون بنشر قوات الحرس الوطني في العاصمة واشنطن، وسحبا قوات الحرس الوطني لولايتيهما قبل انتهاء مهامها.

كما أن القوات العسكرية التقليدية لا تملك صلاحية التدخل في تطبيق القوانين الفيدرالية على الولايات، وهي ممنوعة من القيام بتلك المهمة، والجهاز الوحيد الذي يسمح له بتخطي حدود الولايات هو مكتب التحقيقات الفيدرالي، وذلك في تطبيق مهام تقتصر على صلاحياته الأمنيّة حصراً.

لا يملك الرئيس بايدن ترف عنصر الزمن، إذ يتعيّن عليه إنجاز أكبر قدر من أجندته خلال سنتين، لحين الانتخابات النصفية التي قد تسفر عن تغيرات حادة في التوازنات السياسية، وإمكانية تجديد الحزب الجمهوري تطبيق خياره بالمماطلة وحرمانه من تحقيق أي إنجاز يذكر.

عند إضافة عامل تشكيل الأغلبية الجمهورية لحكام الولايات ومجالسها التشريعية، فقد يواجه الرئيس بايدن مماطلة أشدّ من قبلهم لتطبيق أجندته في القضايا الخلافية المنصوص عليها سابقاً. لا تستبعد النخب السياسية والفكرية الأميركية تجدّد اندلاع حرب أهلية في ظلّ الانقسامات الحادة في المجتمع الأميركي، سياسياً واجتماعياَ واقتصادياً، استهلتها مجلة “فورين بوليسي” في التبشير بأنّ “الحرب الأهلية الأميركية لم تنتهِ رسمياً”، محذرة من “نضوج العوامل المواكبة لانفجار حروب أهلية” تقليدية،(“فورين بوليسي”، 18/2/2021).

واستطردت قائلة إنّ عوامل التفجير المشار إليها أضحت ملموسة، وتنقسم إلى 3 عناصر: انقسامات داخل صفوف النخب، وحدوث انقسامات عميقة في المجتمع على خلفية تحديد الهوية الوطنية/الشعبوية، والانقسام السياسي الحاد بين الحزبين من دون أفق لصيغة توافقية قريباً، يفاقمها فشل الوعود الرئاسية اللامتناهية لتحقيق الرفاهية لأفراد المجتمع منذ استعصاء تحقيق نبوءة الرئيس الأسبق رونالد ريغان في “سياسات التقاطر الاقتصادي”، وما تركته من تداعيات وتحديات لا زالت تنتظر حلولاً لها.

في كلمة أخيرة، إنّنا نستبعد ولا نعتقد أنّ المؤسسة الحاكمة بكل مكوناتها، السياسية والعسكرية والاستخباراتية والمصرفية، ستغضّ الطرف عن انفجار الأوضاع ودخول استخدام السلاح بشكل مرئي، وهي تمتلك الضوابط والتجهيزات العملية للحيلولة دون وقوع ذلك في المستقبل القريب.

العامل الأكثر تأثيراً في مستقبل توجّهات الحزب الجمهوري قد يتعلّق بمصير الدعاوى القانونية التي يواجهها ترامب في عدة ولايات، وسيتوقّف موقعه ودوره ونفوذه على الحزب الجمهوري على نتائجها. هناك تعويل من القيادات التقليدية على أن تؤدي الملاحقات القانونية الى إقصائه ومنعه عن إمكانية الترشح للرئاسة من جديد أو إحكام قبضته على قاعدة الحزب، كما يبدو حتى الآن.

 

2021-12-02-التحليل

التحليل

مناورات عسكرية أميركية في مواجهة
الصين وروسيا لاسترداد الهيبة

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

انطوت تركيبة الفريق الانتقالي السياسي والأمني للرئيس المنتخب جو بايدن على تجديد واشنطن لغة “الحرب الباردة” فيما يخص الصين وروسيا، بدءاً بتشكيل فريق أمني استشاري من “صقور الحرب الباردة”، وليس انتهاء بتصعيدها الراهن منسوب التوتّر قرب المياه الإقليمية لكلّ من روسيا والصين.

أولى رسائل الرئيس المنتخب بايدن كانت طبيعة قائمة المدعويين إلى مراسم التنصيب في 20 كانون الثاني/يناير الماضي، إذ شوهدت ممثلة تايوان في الولايات المتحدة السيدة شاو باي-كيم ضمن الوفود الرسمية، كمؤشر على أولوية بلادها في سياسة الرئيس الجديد، وهي المرة الأولى التي تحضر فيها تايوان مراسم التنصيب بدعوة رسمية. وقد اعتبرتها “اختراقاً جديداً منذ 42 عاما”، ودليلاً على إقلاع الإدارة الجديدة عن توجهات سابقاتها جميعاً التي اعتمدت سياسة “صين واحدة” منذ زيارة الرئيس الأسبق نيكسون لبكين، وقطعت علاقاتها الديبلوماسية مع تايوان في العام 1979.

بعد بضعة أيام من تولي الرئيس الجديد مهامه، مثُل مرشح وزارة الخارجية طوني بلينكن أمام مجلس الشيوخ لنيل مصادقته على توليه منصب وزير الخارجية، مؤكداً في كلمته رؤية الإدارة الجديدة أن “الصين تمثل التحدي الأخطر بالنسبة لواشنطن” مقارنة بأي بلد آخر.

تتالت الدراسات والنصائح من النخب السياسية والفكرية الأميركية للإدارة الجديدة. وفيما يخص الصين، نشر مركز “أتلانتيك كاونسيل” تقريراً مطولاً من 2،600 كلمة، دون توقيع موجّه إلى صناع القرار، بعنوان “نحو استراتيجية أميركية جديدة للصين”، يؤيد سياسات الصقور السابقة في “تغيير الأنظمة”، معتبراً أن “التحدي الأشد أهمية الذي تواجهه الولايات المتحدة في القرن 21” هو نموّ الصين كمنافس قوي، مناشداً الإدارة “استخدام قوتها العسكرية”، بالإضافة لعناصر اقتصادية وتقنية أخرى، لمحاربة الصين.

ومضى التقرير باستخفاف الصين، مطالباً الرئيس بايدن بـ “رسم عدد من الخطوط الحمراء” التي ينبغي لبكين الا تتعدّاها ، منها عدم التوسع في بحرها الجنوبي أو الاعتداء على تايوان، مما يفسح المجال أمام “تدخل مباشر”،  بل ذهب إلى مدىً أبعد، باعتباره أن “أيّ ردّ عسكري من كوريا الشمالية في الإقليم سيستدعي رداً أميركياً ضد الصين.”

أما الرئيس الصيني شي جينبينغ، فمن المرجح، بحسب التقرير، “استبداله بقيادة حزبية أكثر اعتدالاَ، ونجاح محاولات شعب الصين في تحدي سيطرة الحزب الشيوعي” على مقاليد البلاد. يشار إلى أن مجلس إدارة المركز المذكور يضم هنري كيسنجر وكولين باول وكونداليسا رايس، إضافة إلى مديرين سابقين لوكالة الاستخبارات المركزية.

أعلنت وزارة الدفاع الأميركية، قبل بضعة أيام عن إجراء مجموعتي حاملات الطائرات “نيميتز” و “ثيودور روزفلت” مناورات مشتركة في بحر الصين الجنوبي، بالتزامن مع إعلان تايوان عن “توغل كبير لقاذفات ومقاتلات صينية” في مياهها المجاورة. وأوضح البنتاغون أنّ حاملتي الطائرات يرافقهما طراد “بنكرهيل”، والمدمرتان “راسل” و “جون فين” بحمولة صواريخ موجّهة.

وإمعاناً في استهداف الصين، أعلنت واشنطن عن مناورات حربية مشتركة في بحر الصين الجنوبي، “حملة كوب نورث 2021″، بمشاركة استراليا واليابان، وتستمر لغاية 19 من شباط/فبراير الجاري. وستنضم أسراب من أحدث مقاتلاتها الحربية “أف-35” المرابطة في قاعدتي ألاسكا وجزيرة غوام، وتسهم استراليا بنحو 95 طائرة في مهام متعددة.

كما أن دول حلف الناتو تعكف على إعداد وتجهيز خططها لإجراء مناورات عسكرية في المنطقة، إذ أعلنت بريطانيا عن مشاركة سفينة “الملكة اليزابيث” وقِطع ومقاتلات حربية أخرى في مناورات تجريها خلال فصل الربيع القادم بالقرب من مياه الصين الإقليمية.

وبرّرت قيادة الأسطول السابع الأميركي دخول قطعه بحر الصين الجنوبي بأنه “برهان على مدى التزام الولايات المتحدة بحرية الإبحار وإبقائها مفتوحة بين المحيطين الهندي والهاديء”، إضافة إلى تأكيدات واشنطن استمرارية تزويدها تايوان بالأسلحة. بدورها، أكدت الصين أكدت حقّها “بالرد على جميع التهديدات والاستفزازات، وكان من المأمول أن تؤدي الولايات المتحدة دوراً بناءً في السلام والاستقرار الإقليميين، وليس العكس”.

السياسة الأميركية الراهنة لمحاصرة روسيا هي أيضاً امتداد لسياسات صقور الحرب الباردة، وهي تقوم بتعزيز قواتها في سوريا ودول أوربا الشرقية سابقاً، وخصوصاً في أوكرانيا وبولندا ودول البلطيق.

وقد تعهّد كلّ من وزيري الخارجية والدفاع لأعضاء الكونغرس يمواجهة شرسة مع روسيا خلال جلسات مصادقة مجلس الشيوخ على المنصبين. وزير الدفاع لويد اوستن دعا إلى زيادة المساعدات العسكرية الأميركية لقوات حلف الناتو في اوروبا، إذ  إن “من المهم جداً ردع روسيا ودعم القوات التقليدية والنووية لتوفير الردع الأكثر فعالية”.

وتجسيداً لعقلية المواجهة مع روسيا، تعرض الموقع الإلكتروني التابع للحرس الوطني الروسي لهجوم “سيبراني من داخل الأراضي الأوروبية”، يوم 7 شباط/فبراير الجاري، واستمر 3 ساعات قبل التصدي له بنجاح، وسبقه هجمات على الموقع ذاته يومي 23 و 31 من الشهر المنصرم.

أما ساحة المواجهة بين البلدين فقد تكون إحداها دولة النرويج، في أعقاب نشر القوات الأميركية 4 قاذفات استراتيجية من طراز بي-1 في قاعدة جوية قرب “تروندهايم”، رافقها وصول نحو 200 عنصر من سلاح الجو الأميركي إلى قاعدة “أورلند” الجوية النرويجية، بحسب بيانات القيادة العسكرية الأميركية في أوروبا، تجسيداً لاستراتيجية واشنطن في بسط نفوذها على منطقة القطب الشمالي.

تستضيف النرويج قاذفات أميركية استراتيجية لأول مرة على أراضيها. وقد التزمت حكوماتها السابقة بسياسة عدم نشر طائرات استراتيجية تحمل قنابل نووية في أراضيها، فيما كانت القيادة العسكرية الأميركية تطلق قاذفاتها الضخمة من قواعدها في بريطانيا أو من داخل الأراضي الأميركية، مع الأخذ بعين الاعتبار مدة الطيران والحاجة إلى التزود بالوقود جواً.

تكتسب منطقة القطب الشمالي أهمية بالغة بالنسبة للولايات المتحدة، لما توفره من حيّز مناورات بحرية لغواصاتها في أقرب نقطة من الأراضي الروسية. وقد أصدر سلاح البحرية وثيقة قبل أيام من مغادرة الرئيس ترامب البيت الأبيض، دعا فيها القيادات العسكرية إلى “ديمومة تواجد البحرية الأميركية في منطقة المحيط الشمالي، خشية تهديد روسيا والصين لقضايا السلام والازدهار”.

من جانبه، أكد وزير سلاح البحرية الأميركية، كنيث بريثويت تلك الاستمرارية قرب الأراضي الروسية قائلاً: “في مواجهتنا لنشاطات معادية متزايدة في أقصى الشمال، من روسيا والصين، ينبغي لنا في الولايات المتحدة الحفاظ على توازن قوى لصالحنا وصالح حلفائنا في المنطقة”.

من ميزات القطبين الشمالي والجنوبي صفاء الاتصالات مع ترسانات الأقمار الاصطناعية، وخصوصاً تلك التي تضطلع لمهام التجسس، خلال دوران المجسمات حول كوكب الأرض بزاوية حادة مائلة من خط الاستواء. وفي عقد الثمانينيات من القرن الماضي، إبان ولاية الرئيس الأسبق رونالد ريغان، عكف سلاح البحرية الأميركية على بلورة استراتيجية مواجهة تمنحه القدرة على إغلاق الموانيء الشمالية أمام القوات السوفياتية، لا سيما في ميناء ميرماسك الذي كان يستضيف قيادة الأسطول الشمالي السوفياتي وغواصاته القادرة على إطلاق صواريخ باليستية.

استمراراً للمواجهة الأميركية مع الصين، وخصوصاً في البعد التجاري والتقني، تنبغي الإشارة إلى قطاع انتاج شرائح الكمبيوتر المتطورة المتناهية الصغر، والذي كانت شركة “إنتيل” الأميركية تحظى بمرتبة الصدارة فيه، لكنها تعثرت لفرط ثقتها بانتاج شرائح تقاس بـ 7 نانومتر، وتخلفت بنحو سنتين عن مثيلاتها في آسيا، بل إن شرائحها الأدنى سرعة لم تعد الطلب الأول لدى شركات الحواسيب.

وإضافة ألى معامل “إنتيل”، هناك معامل في كوريا الجنوبية لشركة سامسونغ، وأخرى في تايوان، أبرزها “شركة تايوان لتصنيع  أشباه الموصلات”، والتي تعاظمت أهميتها الاستراتيجية بعد خروج “إنتيل” من خطوط الانتاج الدقيق.

محاباة الرئيس السابق دونالد ترامب لتايوان ومحاصرته الصين اقتصادياً كانتا تجسيداً لسياسته بتوظيف سلاح الاقتصاد الذي تسبب بمقاطعة شركة الاتصالات الصينية الضخمة “هاواوي” من الأسواق الأميركية، حاثاً الشركة التايوانية على تقليص مبيعاتها في الصين الأم، مشترطاً عليها إنشاء معمل تصنيع على الأراضي الأميركية. ولتأكيد عزمه على محاربة بكين، سمح بتسليح تايوان بأسلحة أميركية متطورة كانت بعيدة المنال خلال الرئاسات السابقة.

رغم زعم بايدن أن الدبلوماسية الأميركية عادت الى الصدارة، فلا يبدو أنه في وارد التخلي أو التراجع عن نزعة استعراض القوة العسكرية كوسيلة لتعزيز طموحات الهيمنة الأميركية، ومحاولة طمأنة حلفاء واشنطن القلقين من تنامي التحدّي والمنافسة النشطة من روسيا والصين في المسرح الدولي.

2021-08-02-التحليل

التحليل

هل  سينجح البنتاغون في التصدي
لتفشي التطرف في القوات المسلحة؟

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

قرعت “غزوة الكونغرس” التي نفذها أنصار الرئيس ترامب جرس الإنذار في المؤسسات الأميركية المتعددة، وما تزال أصداؤها تتفاعل بقوة،  للدلالة على عمق تفشي ظاهرة التعصب والتطرف بين “الميليشيات اليمينية” في المجتمع الأميركي، والذين وصفتهم مرشحة الرئاسة السابقة هيلاري كلينتون  بـ “التعساء”.

استنكر الرئيس المنتخب جو بايدن أفعال المجموعات المتسببة بالهجوم على مؤسسات الدولة، والتي كادت ترتقي إلى مصاف انقلاب على المؤسسة الحاكمة، واستغل خطابه الرئاسي للتنديد الشديد بـ “الإرهاب المحلي وومجموعات البيض العنصرية”، أمرُ نادر الحدوث أو الإشارة إليه في مناسبة سعيدة في التاريخ السياسي الأميركي.

عقب تسلّمه مهام منصبه الرئاسي الجديد، أصدرت وزارة الأمن الداخلي “بلاغ تحذير من إرهاب” اليمين المتطرف في الداخل الأميركي، معتبرة وقائع الغزوة وخطورتها “مقدمة لعنف التطرف الداخلي، مستهدفاً مسؤولي الدولة ومرافقها وبناها التحتية الحيوية، منها قطاعات شبكة توزيع الكهرباء والاتصالات ونظام الرعاية الصحية”.

تحقيقات الأجهزة الأمنية المتعددة في هوية المعتدين على الكونغرس أبرزت تورط العديد من البيض وممن خدموا أو ما زالوا منتسبين إليها، ولا سيما سلاح الجيش، وهم يتمتعون بتدريبات عسكرية رفيعة المستوى.

الرئيس الأسبق لأكبر منظمة عنصرية أميركية، جيف شوب، بعد استقالته من المجموعة النازية “قومية البيض”، أوضح  مؤخراً أن أساليب الاستقطاب تتركز بالدرجة الأولى على عناصر القوات العسكرية.

وأضاف في تغريدة له “المتطرفون يستهدفون تجنيد عناصر القوات العسكرية بقوة مستخدمين شتى الأساليب. وجود عدد كبير من المتقاعدين في الخدمة العسكرية الرسمية كأعضاء فاعلين في المجموعات المتطرفة  سيهز معظم الشعب الأميركي ويحبطه ” لو تم الإفصاح عن الأرقام الحقيقية.

منظمة الحقوق المدنية المرموقة “المركز القانوني الجنوبي للفقر”، ومقرها في مدينة أتلانتا في ولاية جورجيا، أصدرت تقريراً مفصلاً حول خطورة المنظمات المتطرفة والنازية الجديدة، مطلع شهر شباط/فبراير الجاري، يعتبر أن منظمات “حراس القسم” و “براود بويز” المكونة من متطرفي البيض مخترقة بكثافة من قبل مكتب التحقيقات الفيدرالي، والقسم الآخر منها مكوّن من “المحاربين القدامى المهمشين”.

وزير الدفاع الجديد، لويد اوستن، أصدر تعميماً لقطاعات القوات العسكرية كافة يناشد قادتها إجراء تحقيقات مفصلة في النفوذ المتزايد للمتطرفين داخل صفوف القوات، مستنداً إلى البيانات الأمنية الرسمية التي أفادت بمشاركة فاعلة لعناصر عسكرية سابقة في غزوة الكابيتول، وتقديم تقاريرها النهائية خلال 60 يوماً. كما تعهد اوستن “بتخليص صفوف القوات المسلحة من العنصريين والمتطرفين” خلال شهادته أمام مجلس الشيوخ.

ظاهرة التطرف وخطورة تفشي العنصرية من البيض داخل صفوف القوات المسلحة تطفو إلى السطح منذ حملة الدولة العنيفة ضد حركة الحقوق المدنية في عقد الستينيات من القرن الماضي. وقد عالجتها البنتاغون بعقد “ندوات نقاشية” متباعدة زمنياً، سرعان ما تتبخر ويجري القفز عنها.

المتحدث باسم وزارة الدفاع جون كيربي أشار مؤخراً إلى جهود مكتب التحقيقات الفيدرالي في تتبع “68 تحقيقاً” خاصاً بمشاركة عناصر من القوات المسلحة في الإرهاب الداخلي العام الماضي، مؤكداً خطورة “التطرف والعنصرية البيضاء كظاهرة” جدية ينبغي مواجهتها.

قدم مكتب التحقيقات الفيدرالي تقريراً مفصلاً للكونغرس، في شهر أيار/مايو 2019، أووضح فيه أنه “يتتبع نحو 850 تحقيقاً في الإرهاب الداخلي، وأن الغالبية الكبرى منها تتعلق  بالمتطرفين والعنصريين البيض”.

المحاضر في الشؤون العسكرية واللواء السابق توماس كولديتز حذر بشدة من تنامي تطرف البيض، قائلاً في مقابلة مع مجلة “فورتشين” الأميركية: “أحد أكبر مخاوفي هو وجود تعاطف قوي بين صفوف القوات يدعم ترامب، فمناصروه قد يَستقطبون الآلاف من عناصر القوات المسلحة، إضافة إلى موظفي وزارة الدفاع” بسلاسة ويُسر.

كما حذرت افتتاحية في صحيفة “واشنطن بوست” من تنامي العنصرية وتجذرها، قائلة: “هناك ملايين الأميركيين، كلهم تقريباً من البيض، ومعظمهم مؤيدو الحزب الجمهوري، ينبغي إعادة تثقيفهم” (12 كانون الثاني/يناير 2021).

رئيس عمليات سلاح البحرية، الأدميرال مايك غيلداي، التقط نصيحة الصحيفة، فقال: “تقع على عاتقنا مسؤولية تثقيف أولئك الذين يتقاعدون من الخدمة الرسمية وتحذيرهم من أنهم عرضة للتجنيد من قبل اولئك “العنصريين”، وعليهم التيقن من وسائل اتصالات متعددة بهم عبر البريد الالكتروني او وسائل التواصل الاجتماعي” (5 شباط/فبراير الجاري).

وقد أجرت المجلة المختصة بالشؤون العسكرية “ميليتاري تايمز” استطلاع رأي بين صفوف القوات المسلحة، كان لنتيجته وقع الصاعقة على المسؤولين الأميركيين، إذ أشار إلى “أكثر من ثُلث (36%) القوات المسلحة تحت الخدمة الفعلية، وأكثر من نصف العناصر من الأقليات، أكدوا تحسسهم وتعرضهم المباشر لحوادث عنصرية من القوميين البيض أو لعنصرية تغذيها توجهات ايديولوجية” (6 شباط/فبراير 2020).

تجسدت التحذيرات في غزوة الكابيتول بمشاركة عدد من العناصر العسكرية، أحدهم ضابط متقاعد في سلاح الجو، “قام بدور محوري في اقتحام قاعة مجلس الشيوخ”، ومتقاعد آخر في سلاح البحرية قُتل برصاص الشرطة خلال محاولته اقتحام مكتب رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي.

السيناتور الجمهوري عن ولاية نبراسكا، بن ساسي، اصطدم مع قيادات حزبه المركزية والمحلية عقب إعلان نيته التصويت بنعم لمحاكمة الرئيس ترامب، محذراً الجميع من التكتلات والانقسامات العمودية في الحزب بين جناحي “المحافظين والمجانين”، زذلك في 4 شباط/فبراير الجاري.

لدى منظمات “الإرهاب الداخلي” الأميركية علاقات وثيقة بمجموعات عنصرية مماثلة في عدد من الدول، منها “أستراليا وكندا وروسيا وجنوب إفريقيا”، بحسب تقرير شامل حول ظاهرة التطرف أجراه “مركز صوفان” الأميركي للأبحاث في العام 2019.

وحذر التقرير أعلاه من عنصر الإغراء في تحول اوكرانيا إلى حلقة استقطاب محورية للشبكات العنصرية البيضاء على الصعيد العالمي، موضحاً توجه ما لا يقل عن 17،000 عنصر من الأجانب من 50 دولة، من بينها الولايات المتحدة، لأغراض التدريب، ومن ثم التوجه إلى القتال في “سوريا” والانضمام إلى العنصريين في أوكرانيا ضد روسيا دون عوائق تذكر.

من أبرز المجموعات العنصرية الأميركية، بحسب بيانات الأجهزة الأمنية الرسمية، منظمتا “أتوم وافين (Atomwaffen)” و “رايز أبف موفمنت (Rise Above Movement)” اللتان استقطبتا مجندين سابقين خدموا في العراق وأفغانستان، بعض أعضائهما “سافر إلى أألمانيا واوكرانيا وإيطاليا للاحتفاء بعيد ميلاد ادولف هتلر”. براندون كلينت راسل هو مؤسس “أتوم وافين” وعضو فاعل في سلاح الحرس الوطني في ولاية فلوريدا، اتهمته السلطات الأمنية الأميركية بحيازة مادة شديدة التفجير “HMTD”يمكن صنعها من مواد كيميائية تجارية في مرآب منزله، إضافة إلى متفجرات أخرى ومكونات ذخيرة ومعدات كهربائية.

فيما يخص القوات المسلحة الأميركية، تحرص أركان المؤسسة الحاكمة على تجنيب البنتاغون “عنصرية متجذرة”، حفاظاً على تماسكها وسمعتها وتراتبية قياداتها، على الرغم من تنامي الشكاوى من قبل المنتسبين إلى المؤسسة العسكرية مما هو عكس ذلك ، وخصوصاً بين النساء والأقليات اللذين سمح لهم حديثاً بالانخراط في صفوف القوات القتالية.

مجلس العلاقات الخارجية المرموق والحاضن الفكري والسياسي لإدارة الرئيس بايدن أجرى استقصاء داخل البنتاغون قبل الانتخابات الرئاسية الأخيرة، مؤكداً في تقريره أن بنية “المؤسسة العسكرية تشير إلى انفتاحها” على الآراء المختلفة واستقطاب عناصر من الفئات الاجتماعية كافة. واستدرك تقريره بالقول إن “القوات العسكرية الأميركية طبقت خطوات ملموسة في العقد الماضي لبناء هيكل قتالي متعدد الانتماءات (العرقية)، وبذلت جهوداً لاستقطاب عناصر كفؤة للانضمام إليها”.

وغفل التقرير عن الإشارة إلى النسب الحقيقية للمرأة والأقليات في صفوف القوات العسكرية، والتي يبلغ تعدادها نحو 1.3 مليون عنصر، وخصوصاً أن الرتب العسكرية العليا تذهب بمعظمها إلى البيض، ويتصدر سلاح حرس الشواطيء الفروع الأخرى في غلبة العنصر الأبيض على بنيته، وارتفاع معدل ضباطه من النساء إلى نحو 25%، مقابل سلاح الجو الذي تصل فيه مشاركة المرأة في الانتساب إلى صفوفه إلى نسبة 21%، وهي الأعلى بين الفروع الأخرى كافة.

طالب العديد من المؤسسات والنخب الفكرية والسياسية الكونغرس باتخاذ خطوات عاجلة ملموسة للتصدي للعنصرية المؤسساتية، واستجاب رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، مارك وورنر، بعض الشيء، مؤكداً لصحيفة “نيويورك تايمز” أنه “ينوي تشكيل لجنة تحقيق للمنظمات العنصرية من الحزبين، تتناول علاقاتها مع مثيلاتها في الخارج” (4 شباط/فبراير الجاري). النية بعمل الشيء لا ترتقي إلى مستوى الفعل بعينه، فالسيناتور وورنر يمتلك مروحة واسعة من الصلاحيات لتنفيذ ذلك، بل إن الجهود تثمر لو توفرت النيات الحقيقية.

مبادرة وزير الدفاع لويد اوستن قد لا تصمد طويلاً .ومن غير المرجح أن تسفر عن إجراءات حقيقية ضد العقلية العنصرية التي يتقن أعضاءها فن التخفي والاحتفاظ بآرائهم ضمن حلقات ضيقة، مراهنين على الدعم والتأييد الواسع لهم داخل صفوف القوات الأمنية والعسكرية في المؤسسات كافة.

الأكاديمي الأميركي المختص بالإرهاب، جون هورغان، أوجز معضلة التصدي للعنصرية بين البيض بأنها قضية “متشعبة تستند إلى ايديولوجية متجذرة في المجتمع الغربي، وستثبت أنها عصية على الهزيمة مقارنة بجهود اجتثاث الجهادية” الاسلامية (تقرير “مركز صوفان” للأبحاث).

2021-25-01-التحليل

 مستقبل الحزب الجمهوري:
أزمة بين الجناح الشّعبوي والتقليديّ

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

عزّزت خسارة الحزب الجمهوري السيطرة على البيت الأبيض نداءات كبار استراتيجييه للبحث عن مكامن الخلل، وحفّزت بعض النخب السياسية والفكرية على المراجعة والسعي لردم الثغرات التي خلّفتها الانتخابات الرئاسية، باعتبارها أضحت تهدّد أركان النظام السياسي برمته.

تعد فصلية “فورين أفيرز” من أبرز محطات تلك النخب. وقد أشارت مؤخراً إلى “تفكك قوة أميركا”، في سياق استعراضها تراجع الهيمنة الأميركية على الصعيد الدولي (25 حزيران/يونيو 2020)، بينما أشار آخرون إلى اهتزاز الركيزة الديموقراطية لتداول السلطة، وهو أمر لم يستطع بايدن في خطاب التنصيب سوى الإقرار به عندما أضطر إلى الإعتراف بهشاشة الديموقراطية الأميركية.

صحيفة “كريستيان ساينس مونيتور” اعتبرت التطورات التي سبقت مراسم التنصيب، وما رافقها من غياب الرئيس ترامب لتوديع خلفه، والاجراءات الأمنية غير المسaبوقة، بأنها حالة تردٍ في البلاد “لم تشهد مثيلاً لها منذ 167 عاما”، وحذّرت “فورين أفيرز” من “انقلاب عوامل” القوة الأميركية إلى نقيضها إن استمرّ التغاضي عن معالجة الأزمة المركّبة، واعتبرت أن واشنطن، في ضوئها، “لا تشهد تراجعاً فحسب، بل تعيش حالة تفكك أيضاً”، جازمة في خلاصتها بأنّ التراجع على الصعيد الدولي “ليس حلقة مؤقتة، بل وضع دائم”.

سنسلّط الضوء في هذه المساحة على إرهاصات الحزب الجمهوري، كنتيجة طبيعية لخسارته البيت الأبيض، لكن مؤشرات الأزمة تنطبق بالتوازي على الحزبين، على الرغم من تحكّم الحزب الديموقراطي راهناً، ولوبأغلبية محدودة، بمفاصل السلطتين التنشريعية والتنفيذية، وذلك كشريكين في الأزمة البنيوية للنظام السياسي الأميركي.

بنية الحزب الجمهوري “التقليدية” قائمة على 3 ركائز من القوى الاجتماعية: تيار المتشددين المتدينيين، وقوى تقليدية نافذة في مختلف نواحي الدولة، وصقور التدخل والإنفاق العسكري. مجيء الرئيس ترامب أضاف الركيزة الرابعة والأوسع تمثيلاً من المهمشين البيض (نشرة “كوك بوليتيكال ريبورت” المستقلة، 8 كانون الثاني/يناير 2021).

قبل “غزوة الكابيتول”، برزت قوة القيادة التقليدية للحزب ونفوذها الواسع بزعامة نائب الرئيس الأسبق ديك تشيني في مقارعة صعود الرئيس ترامب وشعبيته العريضة بين قواعد الحزب. جناح تشيني، إن صحّت التسمية، يحظى بدعم وتمويل سخيّ من كبار ممولي الحزب، وخصوصاً كبريات شركات الأسلحة والنفط، بيد أنّ إفرازات “الغزوة” لن تحتسب مكسباً له بالضرورة، إذ إنّ منسوب غضب القواعد الشعبية وقيادات معتبرة فيه ما زال يتفاعل على خلفية تخلّي تلك النخب عن حماية رئيس جمهوري وتركه عرضة للمحاسبة للمرة الثانية، بصرف النظر عن مصير العملية ومضيها إلى نهايتها.

أظهرت بيانات استطلاعات الرأي أنّ “جناح ترامب” يشكّل أغلبية عددية في الحزب الجمهوري، وآخرها استطلاع أجرته صحيفة “وول ستريت جورنال” عشية الانتخابات الرئاسية، أظهر تأييد نحو 54% من قواعد الحزب الجمهوري للرئيس ترامب، مقابل 38% لقيادات أخرى. وللدلالة أيضاً على عمق نفوذ “جناح ترامب” في تركيبة الحزب، فازت رونا ماكدانيال، مرشحة الرئيس ترامب، بمنصب رئيس اللجنة المركزية للحزب الجمهوري بالتزكية. كما أنّ “جناح ترامب”، في اعتقاد استاذ العلوم السياسية في جامعة ستانفورد الأميركية، تيري مو، باقٍ على المدى الطويل “يعتريه الغضب، وأعداد مؤيّديه كبيرة، ونفوذه السياسي قويّ داخل الحزب الجمهوري”.

أما مصير الحزب الجمهوريّ بشكل عام، فيعتمد أيضاً على توجّهات الرئيس ترامب، بحسب الناطق الإعلامي الأسبق للبيت الأبيض آري فلايشر، قائلاً: “مستقبل الحزب ينطوي على حقائق دلّ عليها دونالد ترامب واستثمرها”، أي الشرائح العمالية والمهمّشة التي تعتقد أنّ مصالحها تكمن في الالتفاف حول زعيم “يتصدّى للصين ويناصر الحريات الدينية والشخصية، من دون إيعاز للعنف”.

ويستطرد فلايشر، الناطق الأسبق بلسان الرئيس جورج بوش الإبن، إنّ وعود ترامب  بزيادة أجور العمال نالت صدى واسعاً، إضافة إلى سياساته المناهضة للهجرة غير الشّرعية، وتركيزه على ميّزة “استثنائية الرأسمالية الأميركية” في إنشاء فرص العمل التي ستساعده في المرحلة المقبلة من حضوره السياسي.

على الرغم من خسارة الحزب الجمهوري لمنصب الرئاسة ،لكنه استطاع الفوز بأغلبية المجالس التشريعية في الولايات الخمسين، الأمر الذي سيوفر له فرصة ذهبية لإعادة ترسيم توازنات المقاطعات الانتخابية وكسب المزيد من التمثيل في مجلس النواب في الانتخابات النصفية لعام 2022.

من بين مجموع الولايات الخمسين، سيطر الحزب الجمهوري على 27 منصب حاكم للولاية، و 62 مجلساّ تشريعياّ من مجموع 99 مجلساً (مع العلم بأنّ ولاية نبراسكا لديها مجلس تشريعي واحد بدلاً من مجلس نواب ومجلس شيوخ)، مقابل 37 مجلساَ تحت سيطرة الحزب الديموقراطي.

في ولاية بنسلفانيا، على سبيل المثال، كسب الحزب الجمهوري مقاعد إضافية في المجلس التشريعي، وكذلك الأمر في ولاية نورث كارولينا، بينما فاز الحزب الديموقراطي بمقعد يتيم في ولاية تكساس البالغة الأهمية، مقابل احتفاظ الحزب الجمهوري بأغلبية المجلس التشريعي ومنصب حاكم الولاية.

في المحصّلة العامة، يسيطر الحزب الجمهوري على أغلبية المجالس التشريعية في الولايات، ويتحكّم الخصم الديموقراطي بالهيئات التشريعية والتنفيذية الاتحادية في واشنطن، ناهيك بتوازنات السلطة القضائية العليا التي تميل بشدة لصالح الحزب الجمهوري.

تجدر الإشارة إلى “استثنائية” الجولة الأخيرة من الانتخابات الرئاسية على صعيد الحزب الجمهوري، الذي لم يقدّم أو يتبنّى برنامجاً سياسياً في مؤتمره السنوي العام، “وهي المرة الأولى منذ إنشائه قبل 166 عاماً” التي يفشل فيها. وقد اكتفى بإصداربيان مركزي يؤيد الرئيس ترامب.

تداعيات تصويت مجلس النواب الأميركي على قرار محاكمة ترامب أفرزت كتلة مناهضة مكونة من147 ممثلاً في مجلس النواب لنتائج الانتخابات الرئاسية، وانعكست سلباً على جناح مناهض لها داخل الحزب، ممثلاً بكريمة نائب الرئيس الأسبق والنائب عن ولاية وايومننغ ليز تشيني. وقد عاقبها الحزب الجمهوري بمعارضة نحو 107 من أعضائه في مجلس النواب لمرتبتها الثالثة في قيادة الكتلة الجمهورية، وتوجيه “توبيخ” شديد اللهجة إليها، ما سينعكس سلباً على مستقبلها السياسي، وخصوصاً بعد قرار الحزب ترشيح ممثل منافس عنه للفوز بمقعدها في جولة الانتخابات المقبلة.

الرئيس السابق لمجلس الشيوخ ميتش ماكونيل أيضاً نال غضب الحزب في ولايته كنتاكي، وتم توجيه توبيخ إليه على خلفية تأييده لقرار محاكمة الرئيس ترامب. مصير مجلس النواب سيتحدد في الانتخابات النصفية في العام المقبل على هدي العرف الأميركي ربما، الذي يعطي أغلبية المقاعد للطرف المنافس لحزب الرئيس. الثابت حتى اللحظة تأييد نحو 74 مليون ناخب للرئيس ترامب، “بعضهم لا يزال يعتقد أنّ الانتخابات سُرقت منه بتواطؤ كبار قادة الحزب الجمهوري عليه”، على الرغم من غياب الدلائل الحسية.

قبل الغوص في مستقبل الحزب الجمهوري، ينبغي التذكير بتقييم أحد استراتيجييه ورئيس مجموعة “نورث ستار” لقياس الرأي العام، ويت آيرز، قائلا: “تنقسم الموازين داخل الحزب إلى قسمين؛ العنصر الشعبوي مقابل العنصر التقليدي في الحكم، وأرجّح تنامي الصراع بينهما للسيطرة على توجهات الحزب المقبلة”. وأضاف أنّ ما جرى “يوم 6 كانون الثاني/يناير شكّل مدخلاً لمعركة الصراع على روحية الحزب في عصر ما بعد الرئيس ترامب”.

في ضوء ذلك، يُستبعد الحصول على أغلبية مطلقة في مجلس الشيوخ (67 عضواً) للتصويت على إدانة الرئيس ترامب أو ربما مصادقة السلطة القضائية العليا على استيفاء “حكم الإدانة للنصوص الدستورية”. وينظر عدد لا بأس به من أعضاء الحزب الجمهوري بعين القلق إلى مستقبلهم السياسي، في حال انضمامهم للتصويت على الإدانة، لعلمهم بمعاقبة الناخبين لهم في الجولة المقبلة.

لن يغيب ترامب عن الساحة السياسية، كما يعتقد الكثيرون، ولا سيما أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأميركية في واشنطن آلان ليكتمان، الذي يعتبر مرجعاً في صحة توقعاته لفوز مرشحي الانتخابات الرئاسية لفترة زمنية طويلة. يجزم ليكتمان أن رؤية أو تمنّي البعض تلاشي حضور الرئيس ترامب عن المشهد السياسي لا تعززه الوقائع الراهنة إلا في حال إيداعه السجن، لكن الأخير أثبت عمق تأييد قاعدته الشعبية في الانتخابات الاستثنائية لولاية جورجيا، 5 كانون الثاني/يناير الجاري، رغم خسارة مرشحيْه. أما تصريحاته بالترشح لانتخابات العام 2024، فإنها تعني أنه يطمح للبقاء كعنصر مهيمن على مفاصل الحزب والعنصر الموجّه، ولو حُرِم من الترشح للرئاسة مجدداً.

يمكن إيجاز رؤى ما سيؤدي إليه الصّراع داخل الحزب بتوجّهين متصادمين، أحدهما “يأمل” تراخي قبضة الرئيس ترامب على الحزب بعد خروجه من السلطة، مقابل اعتقاد الطرف الآخر بأنه ينبغي إقدام الحزب على اتخاذ خطوة صريحة تكسر قواعد الولاء الشخصي السابقة، بعدما أوصله الرئيس ترامب إلى “حافة الكسر”، وذلك طمعاً في استعادة منسوب المصداقيّة المتدهورة، بحسب حاكم ولاية اوهايو الأسبق عن الحزب الجمهوري جون كيسيك. ويضيف أنه في حال فشل في الحزب التخلي عن ترامب وفتح صفحة جديدة، فمصيره التقوقع على ذاته، وربما التشظي، مع الأخذ بعين الاعتبار تنامي دعوات مؤيدي ترامب لتشكيل حزب منفصل.

2021-19-01-التحليل

التحليل

  توجهات بايدن الخارجية:
إعادة توضيب سياسات اوباما

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

الرئيس المنتخب جو بايدن هو نتاج أصيل للمؤسسة الحاكمة الأميركية، وقد أثبت التزامه الصارم بموازين القوى التقليدية، وحجز أبرز المناصب الحساسة، وخصوصاً في الوزارات السيادية، لكبار المستشارين من أوفى الشخصيات المتمرسة، المحاربون القدامى، وجلها من عهد الرئيس باراك أوباما.

من أهم القوى الفاعلة والمؤثرة في النخب السياسية الأميركية يبرز “مجلس العلاقات الخارجية” المرموق، والذي ترك بصماته على الإدارات الأميركية المتعددة منذ ولاية الرئيس الأسبق فرانكلين روزفلت، 1933-1945، عبر نفوذه العميق في اختيار النخب التي يعتبرها مناسبة لتبؤأ مناصب سياسية حساسة. على سبيل المثال، شغل وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر عضوية مجلس إدارة المجلس في الأعوام 1977-1981.

وضع بايدن نصب عينيه تصويب السياسة الخارجية وجعلها في رأس سلّم أولوياته، وخصوصاً في ساحات التوتر والصراع، متعهّداً بإعادة الاعتبار إلى بلاده في الساحة الدولية، بعد ما أصابها من تراجع وانكفاء في بعض الساحات الرئيسية، وخصوصاً في أوروبا.

أما السياسات الداخلية، فستبقى محكومة لأغلبية الحزب الديموقراطي في الكونغرس، لكن بايدن “وعد” خصومه الجمهوريين بالشراكة والتعاون لدعم سياساته المتعددة، ما يعني أنه “سيضطر” إلى تقديم تنازلات، ربما قاسية، للوفاء بتعهّداته بأنه سيولي عموم الشعب الأميركي اهتمامه وتلبية مصالحه، وليس نحو نصف الناخبين الذين صوتوا له فقط.

التوازنات السياسية الجديدة في المشهد الأميركي حرجة للغاية، بحيث يضيق هامش المناورة لدى الرئيس الجديد، على الرغم من توفر عامل حسم قرارات مجلس الشيوخ عبر نائب الرئيس كامالا هاريس. أما المسائل التي تتقاطع مع الأمن القومي والسياسة الخارجية، فليس هناك مفاجآت بالنسبة إلى الرئيس الجديد، نظراً إلى سجله العميق والثابت في تجسيد سياسات الحرب الباردة، وخصوصاً خلال فترة تسلمه منصب نائب الرئيس.

المدخل الحقيقي لاستقراء ملامح سياسات بايدن الخارجية يكون في العودة إلى ولاية الرئيس أوباما والبناء عليها، وإلى ما واكبها من “تعديلات ظرفية” على الاستراتيجية الأميركية، وخصوصاً للرئيس أوباما، في “احتواء صعود الصين”، وتجميد أيّ صراع جانبي يبعد مسافة الهدف الاستراتيجي، والحذر من “عدم الاصطدام مع روسيا” في سوريا، مع الاحتفاظ بالهدف المعلن، “تغيير النظام في دمشق”.

وعليه، من الجائز القول إنّ بايدن، بفريقه المتجدد في السياسة والأمن القومي، سيستكمل سياسات الرئيس السابق اوباما، وتعديله لبعض الجزئيات الضرورية، وإحياء مشاريع الفوضى والتقسيم كعنوان لا يشذ عنه.

الفريق السياسي الذي اختاره بايدن لتنفيذ سياساته المتعددة يميل بغالبيته إلى تأييد العودة إلى الاتفاق النووي وإحياء سياسات الرئيس اوباما نحو الصين بالتعاون المشترك معها في ملفات متعددة، وخصوصاً في مجالات الصحة العامة والاقتصاد والمناخ، يقابله فريق أكثر تشدداً في التعامل الدولي، واعتباره “صفقة القرن” التي نسجها ترامب فرصة لتقليص الحضور العسكري الأميركي في المنطقة و”التحوّل شرقاً”، وعدم تسليمه بتراجع الولايات المتحدة، وإحياء نغمة عظمة أميركا واستثنائيتها.

على سبيل المثال، طالب جو بايدن آنذاك بانتهاج سياسة أكثر تشدداً في تأييد أوكرانيا وتزويدها بمعدات عسكرية نوعية ودعم لوجستي متعدد، مقابل رأي الرئيس أوباما آنذاك، الذي اعتبر أنّ أطر الدعم ينبغي أن لا تتجاوز الإمداد بالمعدات غير القتالية، وكذلك الأمر في توجهه المتشدد حيال الصين. وجاء تعيين بايدن لفكتوريا نولاند، المساعد الأسبق لوزير الخارجية للشؤون الأوروبية، لتبوأ مهمة موازية في مجلس الأمن القومي.

تجدر الإشارة إلى أن سياسة الرئيس أوباما المشهورة بـ “التحوّل نحو آسيا” لمحاصرة الصين تعثرت مع بروز المتغيرات الدولية والإقليمية، وورثها الرئيس دونالد ترامب الذي أخفق في “الحد من تمدد نفوذها الإقليمي والعالمي”، بحسب وصف الاستراتيجية الأميركية المعتمدة.

مرة أخرى تتصدر الصين اهتمامات الاستراتيجية الكونية الأميركية ، بدرجة أعلى بعض الشيء من تلك الموجهة نحو روسيا، ربما لحمل الأخيرة على ممارسة ضغوط من جانبها على حليفتها بكين، والانضمام إلى مسار مفاوضات جديدة للحد من الأسلحة الاستراتيجية والنووية التي لم تصادق عليها الصين.

أهميّة ملف الصين بالنسبة إلى الإدارة الجديدة تتعاظم طرداً مع حجم الأذى الذي ألحقه الرئيس ترامب في سياساته المتعددة نحو الصين وروسيا ودول حلف الناتو على وجه الخصوص. كما أنه يشكل مدخلاً مرحباً به من دول الاتحاد الأوروبي التي قلّصت مديات تعاونها مع الصين في السنوات الأخيرة، وإثارتها ملفي هونغ كونغ وتايوان، وانجرار بريطانيا بشدة أكبر نحو الأهداف الأميركية في آسيا بعد خروجها من الاتحاد.

الملف الحساس الآخر بالنسبة إلى بايدن هو الاتفاق النووي مع إيران وتعهّداته المبهمة منذ انتهاء الحملة الانتخابية، معلنا عن نيته العودة إلى الاتفاق، واكبها تصريحات متعددة لأعضاء فريقه الوزاري تطرح شروطاً جديدة من دون التقيد بإنهاء أو رفع العقوبات المفروضة على طهران.

تصعيد طهران لشروطها، وخصوصاً بعد إعلانها رفع نسبة تخصيب اليورانيوم إلى 20%، قد يصب في باب المناورة السياسية لتحسين شروط التفاوض، والضغط على الأوروبيين لممارسة نفوذهم لدى واشنطن، بغية إلغاء العقوبات، مع الإقرار بتغير ظروف القارة العجوز منذ توقيع الاتفاق في العام 2015.

الاتحاد الأوروبي يعاني من انشقاقات وخلافات حادة في ضوء الأزمة المالية بين دول اوروبا الشرقية (سابقاً)  ومركز الاتحاد في بروكسل. من ناحية أخرى، خلّف بروز ألمانيا في المرتبة الأولى اقتصادياً احتقاننً جديداً لدى فرنسا ودول أخرى. أما خروج بريطانيا من الاتحاد، فلن يعتبر نهاية المطاف بالنسبة إلى باقي الدول، ولم تفلح السياسات الاقتصادية السابقة لبروكسل في احتواء تردي الأوضاع المعيشية التي قد تحفّز دولاً أخرى على الاستقلال بقرارها عن الاتحاد.

فيما يخصّ مستقبل حلف الناتو، تعهّد الرئيس المنتخب بايدن بعدم التقيد بقرار سلفه الرئيس ترامب سحب قوات أميركية من ألمانيا، ونشرها في بولندا ودول أخرى، وإعادتها إلى سابق عهدها. وفي مستوى موازٍ، قلّصت بعض دول الحلف تواجد قواتها العسكرية في “الشرق الأوسط” تحت قيادة أميركا، ومن المستبعد عودتها إلى العمل تحت العباءة الأميركية، في ظل ما تعانيه من متاعب اقتصادية وجائحة كورونا.

أما خيار بايدن، وفق المعادلة أعلاه، فيكمن في استصدار سياسة ومهام جديدة للحلف، والتركيز على هدف محاصرة روسيا وتقييد نفوذها السياسي والاقتصادي في أوروبا، وربما تأخذ منحىً “أكثر عملياً من الرئيس أوباما وأدنى شعبوية من سلفه الرئيس ترامب”.

وتجدر الإشارة عند هذا المنعطف إلى حالة الإحباط الشديدة بين صفوف مؤيدي الرئيس المنتخب في الحزب الديموقراطي، ولا سيما التيار “التقدمي” أو الأشد ليبرالية بعبارة أدق. أبرز القضايا الخلافية بين عناصر ذلك التيار وتوجهات جو بايدن هي الحرب على العراق وغزوه، ولاحقاً سوريا، في عهد الرئيس أوباما ونائبه بايدن.

المندوبة عن فريق المرشح الرئاسي بيرني ساندرز لمؤتمر الحزب الديموقراطي، مارسي وينوغراد، أوجزت المسألة قائلة: “لا نرغب في رؤية العناصر ذاتها التي ساقتنا إلى الحرب على العراق لشغل مناصب حساسة في السياسة الخارجية. اعتقد البعض أن بايدن يسعى للحفاظ على مسافة بعيدة من أولئك العناصر الذن قادوه في الاتجاه الخطأ”.

كما وجّه نحو 400 مندوب في المؤتمر الافتراضي للحزب الديموقراطي “كتاباً مفتوحاً” لبايدن، يحثونه فيه على “توظيف مستشارين جدد في السياسة الخارجية، ممن لديهم سجل واضح في ترجيح وتنفيذ الحلول الديبلوماسية، عوضاً عن أصحاب التدخلات العسكرية الكارثية التي تضمنت غزوات عسكرية واحتلالات وممارسة التعذيب والاغتيالات بواسطة الطائرات المسيّرة”. وأشار الكتاب المفتوح إلى تصريح سابق لوزير الخارجية المرشح، توني بلينكن،  بوصفه قرار الكونغرس بغزو العراق في العام 2002 بأنه “تصويت لحل ديبلوماسي قاسٍ”.

ويؤخذ على بايدن دعمه الميزانيات العسكرية. وقد أكد في تصريحاته المتتالية لنشرات ذات طابع عسكري: “لا اعتقد أن خفض ميزانيات الدفاع أمر حتمي. التقيت عدداً من المستشارين، وبعضهم ألمح أن الميزانية ينبغي أن تشهد  ارتفاعاً في بعض المجالات”.

ينتظر الآّ يتراجع بايدن عن إتفاقيات تطبيع الأنظمة العربية مع الكيان الصهيوني، ويُتوقع الدعوة إلى استئناف التفاوض، واستعادة بعض الدعم المالي للسلطة الفلسطينية ووكالة الغوث، ورفع الحصار الدبلوباماسي عن السلطة، مع اشتراط استمرار تعاونها الأمني مع سلطات الإحتلال. وقد يستخدم موضوع حقوق الإنسان استنسابيا لممارسة بعض الضغوط على الدول الخليجية ومصر وتركيا، وربما يضع شروطا على مبيعات السلاح للدول الخليجية  وتقليص الدعم العسكري، بهدف الضغط نحو حل سلمي لحربها على اليمن.

إلقاء نظرة فاحصة على أبرز الوزراء المرشحين في الإدارة المقبلة، وخصوصاً في رسم السياسات الخارجية، يسدّ ثغرة مهمة في مساعي استقراء توجّهات السياسة المقبلة بموازاة ما تقدم، وسيتم تناول أبرز تلك الشخصيات المحورية:
وزير الخارجية – أنتوني بلينكن: تمتدّ خبرته في السياسة الخارجية لنحو 3 عقود، وكان أحد مستشاري بايدن عند ترؤسه لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ، وشغل منصب نائب وزير الخارجية جون كيري في العام 2014، وشارك في صياغة الاتفاق النووي مع إيران.

بلينكن من أبرز رموز تيار التدخل العسكري الأميركي في سوريا، فضلاً عن دعمه اللامشروط لـ”إسرائيل”. أيّد السيناتور جو بايدن في تمويل نظام دفاع جوي بديل من “القبة الحديدية”. في المقابل، ناهض بلينكن الدعم الأميركي المطلق للسعودية في حربها على اليمن، وطالب بوقفها في العام 2018.

اشترك مع المرشحة السابقة لوزارة الدفاع ميشيل فلورنوي في “مؤسسة استشارات خاصة” لمصلحة كبريات شركات التصنيع العسكري ودول أجنبية، ما اثار اعتراض العديد من قادة الحزب الديموقراطي، وأسفر عن انسحاب بلينكن من المؤسسة.

مستشار الأمن القومي  جيك سوليفان: عمل مستشاراً للأمن القومي لنائب الرئيس جو بايدن. ويشير سجلّه إلى دعمه التام للتدخل العسكري الأميركي في ليبيا وتسليح الإرهابيين في سوريا واوكرانيا، لكنه يؤيد العودة إلى الاتفاق النووي مع إيران. كما أنه من فريق المعارضين لتحسين العلاقات الثنائية مع روسيا، ويميل إلى ترجيح التدخلات العسكرية.

أشار بعض المراقبين إلى التباين في السياسات بين سوليفان ورئيسه جو بايدن، إذ عارض الأخير إرسال المزيد من القوات إلى أفغانستان، وأعرب عن قلقه من نفوذ العناصر “الإسلامية المتشددة” في المعارضة السورية. أما سوليفان، فكان على نقيض من مواقف بايدن.

وزير الدفاع  لويد اوستن: خدم في العراق وساحات أخرى في الشرق الأوسط، واشترك مع الكتيبة 82 المحمولة جواً التي تعد خطّ الدفاع الأول والتدخل السريع في ساحات التوتر، وشارك أيضاً  في العمليات العسكرية “ضد داعش” في العراق. يشهد له زملاؤه بخبرته المميزة في الشؤون العسكرية، بيد إن علاقته التجارية مع شركة رايثيون، لتصنيع الأسلحة تثير جملة تساؤلات حول التزامه بالحياد عند طرح المناقصات والتعاقد مع البنتاغون.
يرجّح المراقبون ميل أوستن إلى سحب القوات الأميركية من الشرق الأوسط، كما جاء في إحدى محاضراته في معهد كارنيغي قبل بضع سنوات. ولا ينتظر أن يتم تغيير قرار الرئيس ترامب بضم الكيان الصهيوني الى منطقة عمليات القيادة المركزية.

مدير وكالة الاستخبارات المركزية  وليام بيرنز: وهو الآتي من خبرة ديبلوماسية مميزة، والثاني في الترتيب لإدارة الاستخبارات من الطواقم الديبلوماسية. لفتت مهارته التفاوضية أعوان الفريق الأميركي لمفاوضات الاتفاق النووي مع أيران. اختياره لإدارة وكالة الاستخبارات يؤشر إلى نية الرئيس المنتخب تقليص نفوذ التعيينات السياسية السابقة والطواقم التي “شذّت عن رسالة الوكالة بحيادية المعلومات”، وإعادة الثقة لها بعد “فشلها الاستخباراتي” في عدد من الملفات والساحات، كما درجت العادة على تصنيف عملها. مهمته كما وصفها بايدن تتمحور حول “نزع عنصر السياسة عن المهام الاستخباراتية”.

كما يؤشر على سعي إدارة بايدن إلى توظيف أكبر لمراكز الأبحاث الأميركية في نشاط الإستخبارات الأميركية، جسده بتعيين مؤسّس ورئيس مجلس إدارة “المركز الأمني لأميركا الجديدة”، كيرت كامبل، كنائب مساعد للرئيس ومنسق الشؤون الآسيوية في مجلس الأمن القومي.

شاركته في تأسيس ذلك المجلس المرشحة السابقة لوزارة الدفاع، ميشيل فلورنوي، وقد بلورا توجهات نشاطاته، بحيث أصبح من أشد صقور المؤسسات البحثية ضد الصين. وجاء في مقالة شهيرة لفلورنوي في فصلية “فورين أفيرز” انه “ينبغي توفر القدرة العسكرية لتهديد وإغراق كل قطع سلاح البحرية الصيني وغواصاته وسفنه التجارية خلال 72 ساعة” (عدد حزيران/يونيو 2020).

يعرف بيرنز بميله إلى “تهدئة” الملفات الإقليمية والدولية إبان خدمته في وزارة الخارجية. وقد يكون الصوت “المعتدل” الوحيد بين فريق الرئيس جو بايدن المعزز بالمتشددين وأنصار التدخلات العسكرية.

مستشار الأمن القومي للشرق الأوسط وإفريقيا بريت ماكغورك: هو العائد إلى الواجهة بعد اكتسابه خبرة “كمبعوث للتحالف الدولي لمحاربة داعش” في سوريا والعراق، وتأييده القوي لمساعي كرد سوريا في الانفصال وفي تسليحهم، ودعمه الثابت للتدخل العسكري للإطاحة بالنظام السوري.

شغل عدة مناصب ديبلوماسية في السابق، منها نائب مساعد وزير الخارجية للعراق وإيران في مكتب الشرق الأوسط، ومنسق الوفد الأميركي للمحادثات الثنائية مع الحكومة العراقية لإبرام اتفاقية “الإطار الاستراتيجي الطويل الأجل”.

نستطبع القول إنّ مهمة ماكغورك استخباراتية – ديبلوماسية – عملانية بامتياز في الشرق الأوسط وافريقيا، وخصوصاً أنه يتقن اللغتين العربية والفارسية. أحد أوضح المؤشرات على طبيعة تلك المهمة الاستخباراتية الموكلة إليه وإلى فريقه هو انضمام السفيرة الأميركية السابقة لدى الإمارات، باربره ليف، إلى الطاقم كمنسقة لشؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في البيت الأبيض، وهي تمتلك خبرة واسعة في شؤون المنطقة، وترأست مكتب الشؤون الإيرانية في وزارة الخارجية. لعل المؤشر الأبرز هو صلتها الوثيقة باللوبي “الإسرائيلي”، إذ انضمّت إلى “معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى” عقب نهاية خدمتها في وزارة الخارجية في العام 2018.