2019-03-05 التحليل

التحليل

بعد انهيار انقلابها في فنزويلا
هل ستلجأ واشنطن لخيار تجنيد المرتزقة

تبخرت آمال ورهانات واشنطن المعقودة على تنفيذ انقلاب عسكري آخر في فنزويلا، بعدما سخّرت لتنفيذه موارد وامكانيات إضافية هائلة لاعتقادها أنها استلهمت دروس الفشل السابقة للإطاحة بالرئيس نيقولاس مادورو وتسليم “عميلها” خوان غوايدو مهام الرئاسة الصورية.

يقظة الشعب في فنزويلا وقواه الحية في الحزب الشتراكي الحاكم الحقا هزيمة منكرة بالمحاولة قبل أن تبدأ؛ وتسارعت الاتهامات في الجانب المعتدي بتحميل غوايدو مسؤولية “تقديم” الموعد المقرر و “عدم انشقاق الرتب العسكرية الكبيرة” في الجيش الوطني التي راهن عليها، وفرار “بعض قادة المعارضة” بحجة لجوء سياسي لسفارات دول أخرى.

من مفارقات الزمن، تصدّر الممثل الأميركي الخاص لفنزويلا، إيليوت آبرامز، مهمة استدراج وتحريض “أنصار الرئيس هوغو شافيز” على الانضمام لجهود واشنطن لنزع الشرعية عن الرئيس مادورو.

وقال في ندوة استضافها معهد أتلانتيك كاونسيل، 25 نيسان الماضي، أن بلاده لا “.. تحبذ اقصاء الحزب الاشتراكي الفنزو يلي الموحد (حزب شافيز) عن المشاركة في مسار الديموقراطية المقبل .. وله الحق في لعب دور لإعادة بناء بلاده؛” مستدركاً أن واشنطن “تعايشت” مع قادة يساريين وصلوا للحكم عبر صناديق الاقتراع في السلفادور، وبإمكانها استيعاب الحزب الاشتراكي في السلطة مرة أخرى.

وزعم آبرامز أن اختيار مادورو كرئيس للحزب كان “بدعم مجموعة صغيرة من الأفراد الوصوليين؛ وماضون في العيش الرغيد أسوة بأصحاب المليارات.”


خيارات بارزة

الإقرار الأميركي بفشل جولة الانقلاب الأخيرة أعاد وتيرة الاهتمام إلى بعث صيغة قديمة متجددة لتجنيد مرتزقة من خارج الجنسية الأميركية والإعداد لمحاولة أخرى.

على رأس سلم تلك “الخيارات،” استنهضت المؤسسة الحاكمة خطة “خصخصة” الجهد الحربي الأميركي بتسليم المهمة “للقطاع الخاص،” الذي ستوكل إليه مهمة تجنيد وتدريب مرتزقة لمهام محدودة.

في هذا الشأن، أعيد إلى الواجهة مشروع شركة “بلاكووتر،” برئاسة الملياردير أريك برينس، الذي هزمته المقاومة العراقية بعد احتلال بلاده للعراق وارتكاب مرتزقته مجزرة ساحة النسور عام   2007 التي ذهب ضحيتها 18مدنياً عراقياً؛ واستمر في العمل تحت اسم جديد “أكاديمي” إذ كانت اليمن ساحة لمقتل مرتزقته المجندين من عناصر عسكرية تم تسريحها من بعض دول أميركا اللاتينية، وعمل كذلك في افغانستان، ومن ثم استحدث هوية أخرى لأعمال القتل والتدخل العسكري تحت واجهة تجارية “مجموعة خدمات الحدود Frontier Services Group” سجلها في هونغ كونغ.

في العراق، شوهد عناصر شركة المرتزقة الجديدة تعمل بحرية تامة في مدينة البصرة.

برينس، من جانبه، عرض على الإدارة الأميركية تسلم المهام القتالية في سوريا خلال اشتداد الجدل الداخلي بعد تصريحات الرئيس ترامب معلناً نيته الانسحاب التام منها قبل تدخل أركان المؤسسة الاستخباراتية والعسكرية الأميركية للإبقاء على تواجد عسكري مباشر هناك.

أجمعت وسائل الإعلام الأميركية في تقارير حديثة على أن السيد برينس، المؤيد بشدة للرئيس ترامب، جدد عرضه السابق للإدارة لإبرام عقد مع مؤسسته لتجنيد قوات مرتزقة للقتال في فنزويلا، قوامها من 4،000 إلى 5،000 عنصر “يتحدثون اللغة الاسبانية” بكلفة أولية نحو 40 مليون دولار.

أسبوعية نيوزويك، 30 نيسان الماضي، أوضحت أن مرتزقة برينس سيتم تجنيدهم من “البيرو، الاكوادور، وكولومبيا” وجنسيات أخرى ناطقة بالإسبانية.

وأردفت المجلة أن “برينس” عقد سلسلة اجتماعات مع مسؤولين أميركيين وقادة في المعارضة الفنزويلية “منتصف شهر نيسان” الماضي لبحث تنفيذ مخططه للإطاحة بالحكومة الشرعية في كاراكاس.

تقارير إعلامية أخرى أشارت أن جيش برينس “سيوضع تحت تصرف خوان غوايدو .. من أولى مهامه شن عمليات استخباراتية” في فنزويلا؛ وشرع برينس بحملة تبرعات مالية لتمويل العناصر المرتزقة من “مؤيدي الرئيس ترامب وأثرياء فنزويليين خارج البلاد.”

علل “برينس” مشروع تدخله في فنزويلا، مطلع الشهر الجاري لوكالة “رويترز” للأنباء، قائلاً أن قوات “الجيش الخاص ستسهم في إحداث تغيير في البلاد عبر دورها المساعد لبلورة وضع ديناميكي من شأنه وضع حد لحالة الجمود الراهنة ..”


أميركا لا تعاقب مجرميها

رموز الإدارة الأميركية الرئيسة وصناع قرارها السياسي أضحت ممثلة بالثلاثي: مستشار الأمن القومي جون بولتون؛ وزير الخارجية مايك بومبيو؛ والمبعوث الرئاسي لفنزويلا إليوت آبرامز، ورابعهم نائب الرئيس مايك بينس.

حافظ ذاك القطب على تعويم سردية إسقاط النظام البوليفاري بالقوة العسكرية والحصار الإقتصادي، مسخراً أبرز الوسائل الإعلامية وأشدها تأثيراً في الحرب النفسية ضد فنزويلا ومؤيديها، أضطرت نيويورك تايمز ونظيرتها الأخرى واشنطن بوست للتخلي عن تبجح ادعاءات الثلاثي المفرطة بالتفاؤل وحملته مسؤولية “ترويج معلومات خاطئة” عن حقيقة الأوضاع الداخلية في فنزويلا وتماسك هيئات ومؤسسات الحكم هناك.

يومية واشنطن بوست خرجت عن المألوف لديها بعنوان حاسم “انهيار خطة المعارضة والبحث عن الخطوة المقبلة” في إشارة صريحة لفشل الرهان على غوايدو وإمكانية التمهيد لاستبداله. نيويورك تايمز من جانبها حملت جون بولتون ومايك بومبيو مسؤولية “الادعاءات المفتعلة،” أي المفبركة، بشنهما حرب نفسية صرح بها الأخير بأن الرئيس نيقولاس مادورو يهم بمغادرة البلاد بالطائرة متوجهاً لكوبا “منفاه الاختياري .. بوساطة روسية،” سرعان ما فندته الخارجية الروسية على لسان الناطق الرسمي، ماريا زاخاروفا، ووصفته بالتضليل أسوة بمزاعم واشنطن السابقة بحق الرئيس الأسد.

أمام الفشل السياسي في قمة الهرم القيادي الأميركي، ينبغي الإشارة إلى عدم رضى القيادات العسكرية الأميركية عن توريط البلاد في حرب جديدة.

استضافت البنتاغون يوم الجمعة، 3 أيار الجاري، لقاءً رفيع المستوى (في الغرفة المحصنة) لتقييم مغامرة الثلاثي الفاشلة، حضره: جون بولتون، مايك بومبيو، وزير الدفاع بالوكالة باتريك شاناهان، رئيس هيئة الأركان المشتركة جوزيف دانفورد، قائد القيادة الجنوبية كريغ فوللر، مدير الاستخبارات الوطنية دان كوتس، رئيس موظفي البيت الأبيض بالوكالة مايك مولفيني، ومندوبينِ إثنين عن وكالة الاستخبارات المركزية؛ وفق ما صرح به وزير الدفاع بالوكالة لاحقاً دون الولوج في التفاصيل.

من أبرز مواقف المؤسسة العسكرية شهادة رئيس هيئة الأركان المشتركة، دانفورد، أمام لجنة الموازنة في مجلس النواب، الأول من أيار الجاري، يدحض فيها ادعاءات “جون بولتون ومايك بومبيو” مؤكداً ان الخيارات الراهنة هي في العمل “السياسي والديبلوماسي. قائد القيادة الجنوبية، فوللر، أوضح للجنة القوات المسلحة في مجلس النواب ان توجه القيادة العسكرية بوضوح هو العمل على “بناء جملة من الشراكات الإقليمية .. هذا ما ينبغي العمل من أجله، أي التحول الديموقراطي” للسلطة، مؤكداً على فشل الرهان بالعمل العسكري الإقليمي “باستثناء كولومبيا” عبر الميليشيات العاملة هناك.

يشار أيضاً للاجتماع الطاريء والعاصف الذي عقد في البيت البيض، بعد فشل رهان القطب الثلاثي، أعرب فيه نائب رئيس هيئة الأركان، بول سيلفا، عن قناعة المؤسسة العسكرية بصعوبة الحصول على قرار من الرئيس ترامب لعمل عسكري في فنزويلا قد تتخذ زمناً طويلاً، عشية الإعداد للانتخابات الرئاسية المقبلة، حسبما أفادت يومية واشنطن بوست.

باتت سياسة “قلب نظم الحكم” المناوئة وغير المهادنة لسياسات هيمنة واشنطن عناوين ولازمة في االاستراتيجية والتوجهات الأميركية منذ بداية مرحلة توسع امبراطوريتها في العالم، دشنتها بـ “مبدأ مونرو،” الرئيس الأسبق، 1832، لحصر سيطرة واشنطن على قارة أميركا الجنوبية وإقصاء أي من القوى الاستعمارية التقليدية آنذاك، ووسعت رقعة انتشارها العسكري لتصل نحو “800 قاعدة عسكرية” خارج حدود البلاد موزعة على “166 دولة أجنبية؛” تقدر كلفتها السنوية الإجمالية بما ينوف عن “50 مليار دولار، وفق بيانات البنتاغون لعام 2018.

الاحصائيات والبيانات الرسمية المتعددة لم تأخذ بالحسبان محطات أو منشآت عسكرية “مؤقتة،” كقاعدة “التنف” جنوبي سوريا، وأخرى قيد الانشاء في مناطق إقامة الكرد. تشير بيانات البنتاغون، لقيادة القارة الإفريقية العسكرية، آفريكوم، على سبيل المثال إلى “34 قاعدة حديثة في شمال وشرق وقرن القارة الإفريقية؛ ليس من بينها القاعدة في جيبوتي التي توسعت مساحتها من 88 فدان لنحو 600 فدان” مطلع الألفية.

بيد أن التغيرات الدولية التي تدركها جيداً المؤسسة العسكرية تشكل عاملاً كابحاً للمغامرات العسكرية المكشوفة، ولو لبعض الوقت، دون أن يعني ذلك الإقلاع عن الخيار العسكري برمته في أي من الساحات الدولية، بما فيها فنزويلا وربما إيران.

البنتاغون من جانبها تركت باب التكهنات مفتوحاً رافضة التأكيد على نشرها قطع بحرية متعددة بالقرب من شواطيء فنزويلا؛ مكتفية بتعليقات السياسيين بأن روسيا لديها وجود عسكري هناك؛ وبأنها استخدمت حق النقض في مجلس الأمن وشاركتها الصين بعدم إضفاء شرعية دولية على توجهات واشنطن العسكرية.

في تطور ملفت ونادر في الهرم العسكري، اصدرت قيادة القوات الجنوبية بياناً رسمياً، 3 ايار الجاري، عقب انفضاض اللقاء رفيع المستوى، سالف الذكر، تصدرته جملة ينبغي التوقف عندها بأن “نزولاً عند طلب وزير الدفاع بالوكالة، باتريك شاناهان، سيبقى قائد القوات الجنوبية في واشنطن للمساهمة في تقديم أحدث التقييمات حول الأوضاع في فنزويلا وما آلت إليه الخطط والخيارات العسكرية” المتاحة.

ربما يكمن الهدف الحقيقي في ديمومة “الحرب النفسية” ضد فنزويلا، لكن البيان لا يؤشر على نية حقيقية لشن عدوان عسكري أميركي في المدى المنظور. ما يعزز تلك الخلاصة هو تصريح أدلى به “مسؤولينِ اثنين” لنشرة بوليتيكو، مساء الثالث من أيار، بالقول أن “الاستراتيجية الأميركية (ليست إلا) قعقعة سلاح في وجه رئيس محاصر أكثر من إيذانا بعملية عسكرية أميركية في فنزويلا.”

وأضافت نقلاً عن مصادرها في الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، عقب أعلان الرئيس ترامب عن مكالمته الهاتفية مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وبحث جملة قضايا من بينها سوريا وفنزويلا، وتفاديه توجيه أي اتهام لروسيا كا درج كبار مساعديه على ترويجه، قائلة إن “تصاعد التصريحات عن عمل عسكري أميركي من شبه المؤكد أنها جوفاء.”

2019-26-04 التحليل

التحليل

مستقبل علاقة أميركا وروسيا:
انفراج ام تنافس لمزيد من التوتر

رؤية الرئيس ترامب للعلاقات الاستراتيجية مع موسكو تعارضت مع توجهات المؤسسات الحاكمة منذ صعوده “السياسي،” وهو الآتي من قطاع العقارات والصفقات التجارية وتكديس الارباح، ولم يشاطر المؤسسة نظرتها “العدائية لروسيا والمكلفة مادياً” دون مردود ربحي، حسب أولوياته.

          باستطاعة ترامب، بعد صدور تقرير المحقق الخاص موللر وعدم إدانته بتهمة التواطؤ مع روسيا، الاستمرار في شن هجومه على خصومه الداخليين ولبس رداء العداء لروسيا دون القلق من اتهامه “بالنفاق أو صرف الأنظار،” اللهم باستثناء ما يضمره رؤساء لجان الحزب الديموقراطي في مجلس النواب لمواصلة محاصرته قانونياً علّها تسعف الحزب في ترجيح كفة الانتخابات نحو مرشحيه وطموحه في الإطاحة وهزيمة الرئيس ترامب.

          العلاقات الأميركية الروسية من العناوين الثابتة والبارزة في الجدل الداخلي الأميركي، لكنها “مستعصية على الحل،” وفق توصيف معهد هدسون اليميني، في معظم الحقبات الزمنية، وتحتل مرتبة الأولوية في جدول أعمال الطرفين.

          هاجس روسيا في أميركا مستمر منذ قرن ونيف من الزمن “لكن دون تحقيق نجاحات كبيرة،” كما يمضي المعهد، باستثناء سقوط الاتحاد السوفياتي ونهوض روسيا القومية مجدداً في مواجهة الولايات المتحدة؛ بينما “لا تشبه اوروبا الغربية اليوم سابقتها الواثقة من مستقبلها بعد انهيار جدار برلين.”.

المشهد الداخلي الأميركي، فيما يخص روسيا تحديداً، وامتداداّ للقوى الدولية الصاعدة الأخرى كالصين، يتسم بفرضية ثابتة بأن مستقبل المؤسسة الحاكمة رهن استمرار عدائها لتلك القوى وتحديث مناخات الحرب الباردة؛ ويرجّح استحداث عقوبات اقتصادية ومالية ضد روسيا في المديين الراهن والمتوسط، لا سيما عند الأخذ بعين الاعتبار “سلاح النفط،” من انتاج وتسعير وتسويق، الحاضر دوما في جعبة السياسة الأميركية، أقلها لمحاصرة المنتجات النفطية والغازية الروسية على المستوى العالمي؛ وكذلك الأمر مع ايران وفنزويلا.

          استناداً إلى التصريحات والمواقف الأخيرة لإدارة ترامب، فيما يخص تدفق النفط على السوق العالمية، واتكاله على كل من “السعودية والإمارات .. لتعويض حصتي إيران وفنزويلا،” يمكننا القول أن أحد الأهداف المرئية في هذا الشأن هو تذليل ما استطاع من عقبات لاستبدال منظمة “الاوبك” العالمية بأخرى أميركية للتحكم المباشر بتلك السلعة الحيوية؛ ومحاصرة روسيا من خلال تلك الوسيلة.

ما يعزز ذاك التوجه لدى الإدارة هو تصدر الولايات المتحدة المرتبة الأولى عالميا في انتاج النفط، وتسخير تلك الميزة لبسط سيطرتها الكاملة على الدول الأخرى، منتجين ومستهلكين؛ وترجمة حقيقية للشعور القومي الشوفيني الذي يمثله ترامب “لنعيد عظمة أميركا.”

علاوة على ذلك، يمكننا القول استناداً إلى رصد ردود الأفعال داخل أوساط اليمين الأميركي المتطرف، ووسيلته الإعلامية الأبرز، فوكس نيوز، أن موجة العداء لروسيا اتشحت برداءة إضافية بعد صدور تقرير المحقق الخاص موللر، قائلة أن “الصراع السياسي الداخلي” حول العداء لروسيا سيستمر في المدى المنظور، مؤكدة أن وسائل الإعلام الرئيسة الأخرى “تغذي مشاعر الهلع والقلق لدى الرأي العام بغية تعزيز العداء لروسيا لديه” (25 آذار/مارس الماضي).

من بين السيناريورهات “الايجابية” المتاحة لدى المؤسسة الأميركية الحاكمة، فيما يخص مستقبل العلاقات الروسية الأميركية، نرصد التالي، دون ترتيب معين:

إعادة الدفء لعقد قمة روسية أميركية قريباً، كما درجت العادة بين الدولتين العظميين منذ وبعد نهاية الحرب الباردة، على ضوء تقرير موللر، ربما العام المقبل قبل موسم اشتداد التنافس الانتخابي؛ وإعادة الأولوية لمناقشة لأسلحة النووية عند الطرفين ورغبتهما معاً في ضم الصين لاتفاقية شبيهة بالسابقة للحد من انتشار الأسلحة النووية عالمياً. بيد أن الرغبة الأميركية قد لا تقابلها حماسة روسية نظراً لطبيعة العلاقة المتينة التي تربطها بالصين وعزمهما مواجهة النفوذ الأميركي. أما الصيين، في هذا الشأن، فهي ليست على عجلة من أمرها وتمضي باستغلال موقعها المتحلل من القيود النووية الدولية في تطوير ترسانتها.

ثانياً، مستقبل العلاقة يعتمد أيضاً على المكتسبات والانجازات الصينية، كما أسلفنا، خاصة بعد فشل مراهنة واشنطن على لعب ورقة “الصراع الصيني الروسي” مرة أخرى، بل استمرار تقاربهما اقتصادياً وعسكرياً، والفرص الهائلة أمام الدولتين التي ستنجم عن استكمال الصين بناء “طريق الحرير” الجديد، الذي سيشكل ما لا يقل عن 30% من الانتاج السنوي العالمي يستفيد منه مباشرة نحو 40% من سكان العالم قاطبة؛ والأهم أنه يضم اوروبا ويستثني الولايات المتحدة.

ثالثاً، ليس مستبعدا بنظر بعض المراقبين أن يفاجئ الرئيس ترامب الجميع بترجمة  بعض تصريحاته السابقة حول علاقة مستقبلية مع سوريا والرئيس الأسد في المدى المنظور، وفق معطيات فرضها الميدان بانتصار سوريا على المؤامرة متعددة الجنسيات، مما يعتبر نصراً صافياً في خانة روسيا التي حافظت على سرديتها “بدعم حكومة علمانية مستقرة، والحفاظ على وحدة وسيادة الدولة على أراضيها.”ويعتقد بعض خبراء مراكز الدراسات في واشنطن أن الطرفان في هذه الجزئية يتشاطران في “تحجيم” النفوذ الإيراني في سوريا، وإن بدرجات متفاوتة. بيد أن سيل العقوبات الأميركية على كل من روسيا وايران حفز موسكو وطهران على التقارب أكثر من ذي قبل في مواجهة العنجهية الأميركية.

رابعاً، توثيق العلاقة بين كوريا الشمالية وروسيا، عبر القمة الرئاسية الأخيرة، ضاعف المأزق الأميركي دون المساس بالصين الحليف الطبيعي لكوريا الشمالية؛ وقد يشكل حافزاً للرئيس ترامب توسيط الرئيس بوتين في الشأن الكوري الشمالي مقابل تنازلات معينة.

ما تقدم لا يشكل ارضية كافية لعودة دفء العلاقات بين العظميين، لاسيما في عصر تصدر اليمين الأميركي المتطرف للمشهد والقرار السياسي. بل ستمر العلاقات في ثنائية المد والجزر بينهماالاصطدام المباشر في أي من الساحات الدولية.

السياسة “الواقعية الأميركية محاصرة وتعاني من شح فرصها،” وفق توصيف معهد هدسون سالف الذكر، وتجمع النخب السياسية والفكرية الأميركية على استمرارية الوضع الراهن بكل ما يتضمنه من معاني وفرص وأزمات. فعلاقة العظميين  “لم ولن تكون على ما يرام، لكنها ليست بمقدار السوء المتخيل، وشائكة دوماً.”

 

2019-12-04 التحليل

التحليل

واشنطن تدفع باتجاه التصعيد
إلى حافة الاشتباك مع ايران

 

          القرار الأميركي بتصنيف الحرس الثوري الإيراني ضمن المنظمات الإرهابية العالمية أثلج صدور أطراف ثلاثة معادية لإيران، واشنطن وتل ابيب والرياض؛ مقابل توجس وقلق عالمي من الإسهام بتصعيد حدة التوترات في الإقليم، دون استبعاد نشوب حرب بين طهران والرياض لتدمير البلدين “بتشجيع أميركي اسرائيلي،” على غرار حرب الخليج بين ايران والعراق.

          سياسة ترامب ومحافظيه الجدد ثابرت على اقصاء ايران من كافة المحافل الدولية وحفزت الدول الاوروبية  وبعض اللاتينيةعلى مقاطعتها ومحاصرتها، طمعاً في استدراجها لنقطة الصدام المباشر، أو على أقل تعديل تكبيل أيادي أي رئيس أميركي قادم وتضييق مجال المناورة لديه/ا.

          عداء المؤسسة الأميركية لإيران متجذر منذ سقوط الشاه، ووجدت أرضية خصبة لاستمرار وتجديد موجات العداء عقب أزمة الرهائن الأميركيين؛ بالحفاظ على سرديتها أن النظام السياسي هو نظام “الملالي المتخلف،” وتبتعد المؤسسة بوعي عن الإقرار بعوامل التفاعل الديناميكية في المجتمع الإيراني بأكمله.

          العامل المغيب لدى العديد من الساسة والمراقبين، عند استعراض السياسة الأميركية في عموم منطقة الوطن العربي والإقليم، هو “عدم استثنائها لعداوات دائمة؛ بل تعززها وتشيد حضارتها على أنقاض المنطقة ونهب خيراتها،” حسب وصف أحدهم من الأميركيين. ونزيد أن الولايات المتحدة تعتبر “سموّ رسالتها” هي في السيطرة التامة على المنطقة؛ بتجديد الأعداء وشن الحروب اللامتناهية.

          بالعودة لحيثيات قرار الرئيس الأميركي فإن إدراج الحرس الثوري جاء ثمرة وفي سياق سلسلة العقوبات المفروضة على ايران منذ الرئيس السابق اوباما في عام 2007، تجددت مرتين عام 2011، على خلفية برنامجها للصواريخ الباليستية، وعام 2012 بحجة انتهاكها لحقوق الإنسان. وزارة الخزانة الأميركية أدرجت الحرس الثوري على لائحة الإرهاب الدولية عام 2017 بحجة دعمه لفيلق القدس التابع له والذي كان مدرجاً على اللائحة منذ عام 2007.

          كثافة حجم الوجود العسكري الأميركي وامتداداً حلف الناتو، في مياه الخليج العربي، شكلت عاملاً رادعاً للرئيسين السابقين، جورج بوش الإبن وباراك اوباما، بعدم استدراج ايران للمواجهة، وأحجم كليهما عن إدراج الحرس الثوري كمجموعة ارهابية “رغم الضغوط التي خضعا لها بذاك الاتجاه،” خشية وقوع ضحايا أميركيين.

          تشبث الرئيس ترامب بآرائه المثيرة للجدل وفاقدة المصداقية دوماً متهماً ايران “بدعم وإيواء تنظيم القاعدة” على اراضيها، اكتوبر 2017، طمعاً في حشد أكبر موجة دعم له داخل المؤسسة الحاكمة ولصرفه الأنظار عن الملاحقات السياسية والقضائية والأخلاقية.

          ردود الفعل الإيرانية استقرأها ضابط الاستخبارات الأميركية الأسبق، باتريك لانغ، قائلاً أن “ايران وقواتها العسكرية تعد لحرب مع الولايات المتحدة منذ زمن بعيد .. وربما اولى الخطوات التي ستتخذها تصنيفها للقوات الأميركية (في المنطقة) كمؤسسة إرهابية،” 7 نيسان الجاري.

ردّ “مجلس الأمن القومي” الإيراني على تصعيد واشنطن بتصنيفه الولايات المتحدة “دولة راعية للإرهاب .. والقوات الأميركية المنتشرة في المنطقة جماعات إرهابية .” وحمّل واشنطن مسؤولية التداعيات الخطيرة لقرارها، وتصنيفه قيادة قواتها المركزية “سنتكوم” وكافة القوات الأخرى العاملة تحت لوائها بـ”الجماعات الإرهابية.”

          ومضى ضابط الاستخبارات الأميركية (لانغ) محذراً من تداعيات القرار بأنه ينطوي على “ايجاد أرضية قانونية للقوات الأميركية العاملة في الخليج (والمحيط الهندي) لشن هجوم على الحرس الثوري وممتلكاته من الزوارق البحرية والدوريات أينما تواجدوا وتحت أي ظرف كان – إنه إعلان حرب.” بالمقابل، ما ينطبق على الحرس الثوري يسري تلقائياً على سلاح البحرية الأميركية، وتصعيد مديات خطر الاشتباك إلى “مستويات كارثية.”

          الاعتقاد السائد في اوساط النخب الفكرية الأميركية أن دوافع الرئيس ترامب لما أقدم عليه تتلخص في مسألتين: تحطيم إيران ونيل رضى نتنياهو؛ لا سيما وأن الثنائي، وزير الخارجية مايك بومبيو ومستشار الأمن القومي جون بولتون، المتنفذ يتناوبان التأكيد على ضرورة “تغيير النظام في ايران.”

          المؤسسة الحاكمة في الولايات المتحدة تتشوق لحلول يوم 3 أيار/مايو المقبل وهو الموعد الذي ستطبق فيه حزمة عقوبات إضافية ضد إيران “لتصفير صادراتها النفطية.” ويتأهب الطرفان لاستعراض عضلاتهما في مضيق هرمز الحيوي لا سيما بعد تواتر أنباء أن طهران حذرت حاملة الطائرات الأميركية الضخمة، جون ستينيس، الاقتراب من زوارق البحرية للحرس الثوري في المنطقة.

حادثة احتجاز ايران لرهائن لبحارة في سلاح البحرية الأميركية، 2016، كان ينبغي أن يشكل مثالاً ساطعاً للمحافظين الجدد، اذ لو تكررت تلك الحادثة اليوم فلن تكون نهايتها مطابقة وستتعامل ايران مع طواقم البحارة كعناصر إرهابية وليس كجنود في مؤسسة عسكرية، وربما تمضي في مقاضاتهم والحكم عليهم بالسجن او الاعدام او الإثنين معاً.

تتعدد السيناريوهات في هذا الشأن، في حال تصادم مباشر بين البحرية الايرانية والاميركية، وتضيق الخيارات المتاحة أمام الرئيس ترامب وفريقه السياسي من المحافظين الجدد، الذين “يصرون” على اقصاء ايران من المنطقة واستثمار ما سينجم عنه في صيغة ضغوط إضافية على “لبنان والعراق للابتعاد عن ايران.”

تجدر الإشارة إلى حقيقة موقف المؤسسة العسكرية، البنتاغون، في هذه المسألة بالغة الخطورة. نُقل على لسان رئيس هيئة الأركان المشتركة، جون دنفورد، معارضته للتوجه الرئاسي خلال سلسلة نقاشات داخلية رفيعة المستوى؛ وكذلك معارضة كبار المسؤولين من غير العسكريين لخشيتهم من “مدى الضرر الذي سيلحق بحلفاء أميركا في المنطقة، والخطر الذي ستتعرض له القوات الأميركية هناك.”

 

2019-05-04 التحليل

تجربة الهند الصاروخية تؤكد
سباق التسلح المحموم في الفضاء

 

تسارعت وتيرة التحذيرات والقلق الأميركية في الآونة الأخيرة من “تفوق” دول أخرى علىيها ومنافستها على تلك المرتبة في تقنية الأقمار الاصطناعية والأسلحة المضادة لها، رصدتها وكالة الفضاء “ناسا” ووزارة الدفاع، البنتاغون، عقب تجربة ناجحة أجرتها الهند، 27 آذار الماضي، اسقطت فيها قمراً اصطناعياً هالكاً لها في الفضاء الخارجي بواسطة صاروخ؛ هي التجربة الأولى للهند.

مدير وكالة ناسا، جيم بريدينستاين، اعتبر التجربة “عمل رهيب .. تشكل خطراً على محطة الفضاء الدولية،” موضحاً أن منسوب خطر اصطدام الحطام بالمحطة الدولية ارتفع “بنسبة 44% بعد 10 أيام” من التجربة الهندية.

وزير الدفاع الأميركي بالوكالة، باتريك شاناهان، التزم الهدوء الصوري قائلاً لمجموعة من الصحفيين أنه “ينبغي أن لا نزعزع استقرار الفضاء .. انه مكان يجب أن يتمتع فيه (الجميع) بحرية العمل.”

الهند بدورها أيضاً اختارت التهدئة عبر وزارة خارجيتها التي سعت لطمأنة العالم بأن التجربة “.. جرت على ارتفاع (270 كلم) من الأرض .. وستتحلل بقايا (الحطام) وتسقط أرضاً في غضون أسابيع” معدودة. رئيس وزراء الهند حرص على التذكير أن بلاده “.. ستكون رابع دولة فقط تستخدم تلك الصواريخ المضادة للأقمار الاصطناعية،” بعد الولايات المتحدة وروسيا والصين.

في خلفية التحذيرات الأميركية نشير إلى سلسلة متواصلة من الدراسات والتقييمات العسكرية بهذا الشأن، أحداها كانت للبنتاغون مع نهاية عام 2017، أبرزتها يومية واشنطن تايمز، قائلة أن تقنية الاتصالات الأميركية بالأقمار الاصطناعية العسكرية “.. تواجه أزمة تهددها مجموعة من الأسلحة الأجنبية، تتراوح بين الإعاقة والتدمير” والتي تتضمن الهجمات الالكترونية وأشعة الليزر والتشويش الالكتروني “والاسلحة المضادة للأقمار الاصطناعية.”

وكشف ذاك التقرير وحزمة كبيرة من دراسات وتوصيات تصدرها البنتاغون تباعاً، مباشرة أو عبر مؤسسات متعاقدة معها، عن مواطن الضعف في التقنية الأميركية منها “.. أن محطات التحكم الأرضية الحالية تفتقر إلى قدرات فعّالة لمكافحة التشويش؛ وينبغي الإسراع في انتاج وتجهيز المحطات المتطورة للاتصالات عالية التردد والسرعات الفائقة.”

تفاقم قلق المؤسسة العسكرية الأميركية في الأسابيع الأخيرة عقب اقدام ضابط هندي متقاعد رفيع المستوى نشر صور مفصلة بالأقمار الإصطناعية عن موقع صيني تكشف عن مجمع متكامل “للأسلحة المضادة للأقمار بأشعة الليزر” على اراضيها. (سنعالج المسألة أدناه بالتفصيل).

واكب ذلك نشر دراسات حديثة صادرة عن أبرز مراكز الأبحاث الأميركية، المختصة بالشؤون العسكرية، مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، 4 نيسان الجاري، بعنوان “تقييم المخاطر في الفضاء لعام 2019،” صوبت بوصلتها على تحديد دول أربعة “تشكل الخطر الأكبر على الولايات المتحدة: الصين وروسيا وايران وكوريا الشمالية.” كان لافتا أن الدراسة، رغم حداثتها تفادت التطرق للهند وتجربتها المذكورة آنفاً. كما أنه ليس مصادفة أن يقدم الضابط الهندي عينه على نشر تلك الصور عن الموقع الصيني الحساس بعد نجاح تجربة بلاده لتفتيت قمرها المتقادم.

بيد أن المركز تناول بدقة التفاصيل ما وصلت إليه الصين من وضع متقدم مما أهّلها “للتفوق على الولايات المتحدة في عدد التجارب الفضائية لعام 2018،” 38 تجربة نفذتها الصين مقابل 34 لأميركا، دشنتها الأولى في “الهبوط الناجح لمركبة فضائية على الجانب المظلم من القمر.”

وأشار المركز الأميركي سالف الذكر إلى التجارب الروسية المتطورة منها “.. اجراء التجربة السابعة على منظومة صاروخية مضادة للأقمار الاصطناعية من طراز PL-19 Nudol،A-235 ونظام الدفاع الجوي S-500 والمقاتلة ميغ-31 الموكلة بحمل الصواريخ المضادة جوا.”

في السياق عينه، صدر عن اليابان ما يفيد بتحقيقها تجربة “للبحث العلمي” في الفضاء الخارجي تضمنت توجيه شحنة متفجرة استهدفت كويكباً لدراسة تكوين كوكبنا الأرضي في المنظومة الشمسية.

منذ تسلم الرئيس ترامب مهام منصبه حافظ على وعوده لتعزيز القوات الأميركية عتاداً ونوعية متطورة، بما فيها “انشاء قوة للفضاء،” رافقها جدل واسع حول الصلاحيات والميزانيات المطلوبة. بيد أن “مبادرته” لم تكن وليدة مهامه الجديدة، إذ كلف الكونغرس وزير الدفاع الأسبق، دونالد رامسفيلد، 2001، ترؤس “لجنة لشؤون الفضاء،” لتفادي ما وصفوه “قصور آليات التواصل بين وكالة الاستخبارات المركزية ووزارة الدفاع،” اسفرت دراسة لجنته عن توصية بانشاء “هيئة للفضاء داخل قيادة القوات الجوية .. تتحول مع الزمن إلى إدارة قائمة بذاتها؛” دشنتها البنتاغون بتمديد خدمة قائد سلاح الجو لستة سنوات العام الماضي.

سينضم لطواقم “القوة الفضائية” الجديدة كبار علماء الفضاء والفيزياء وخبراء الاسلحة والصواريخ، حسبما جاء في سلسلة تصريحات لقادة البنتاغون؛ مهمتها العمل خارج نطاق الاتفاقية الدولية لعام 1967 التي أكدت على الاستخدام السلمي للفضاء.

وكيل وزارة الدفاع الأميركية لشؤون الهندسة والبحوث، مايكل غريفين، أوجز قبل بضعة أسابيع، في شهر آذار الماضي، استراتيجية بلاده لبسط تفوقها التي “.. قد تلجأ لتفعيل خطط قديمة (تعود لثمانينيات القرن المنصرم) من بينها اطلاق مركبات فضائية مزودة بمدافع إشعاعية قادرة على استهداف الصواريخ التي تطلق من مراكز على الأرض واستهداف أجسام في الفضاء في نفس الوقت.”

خرجت حرب الفضاء من باب التكهنات والتحليلات إلى الواقع الملموس بفضل استراتيجية واشنطن للتشبث بسياسة تفوق القطب الواحد وحرمان الآخرين من امتلاك ناصية العلم والتقنية والمنافسة.

يعتبر خبراء الصواريخ وأسلحة الفضاء أن الصين هي موطن ولادة “اقمار اصطناعية صغيرة قابلة للتحكم وتغيير مداراتها والقيام بعمليات اعتراض متعددة ضد أقمار أخرى،” بخلاف السردية السائدة أن روسيا هي المبادرة، وذلك استناداً إلى تجربة محورية دشنتها الصين عام 2007 بإطلاق صاروخ من الارض باتجاه قمر FY-1C وتدميره وتحويلة لآلاف القطع المتناثرة.

يشار إلى أن الصين لم تكن مشمولة بالاتفاقية الدولية لعام 1967 بين القوى النووية آنذاك، واستغلت نصوصها الرمادية “باستخدام الفضاء لأغراض سلمية وعسكرية على حد سواء.”

في سياق سبر أغوار برنامج الصين المضاد للأقمار الاصطناعية، استضاف مركز الدراسات الأميركية والعربية أحد الخبراء المتقاعدين العاملين في مجال قراءة وتحليل صور الأقمار الاصطناعية، وقدم مشكوراً قراءته التحليلية للصورة المنشورة عن الموقع الصيني الحساس، المثبتة أعلاه، ونورد أدناه بعض استنتاجاته:

قفزت تقنية الصين لتتبع الأقمار بسرعة البرق، ولديها عدة محطات مراقبة منتشرة على أراضيها، توفر لها بيانات دقيقة حول الأقمار المستهدفة؛ تصوب باتجاها أسلحة بالغة الطاقة الحرارية، تعمل بأشعة ليزر الكيميائية، أنشئت في خمس مواقع مختلفة، أحدها في مقاطعة شينجيانغ.

سلاح الصين أعلاه نموذج محلي للسلاح الأميركي – “الاسرائيلي،” سلاح ليزر تكتيكي بطاقة فائقة، المصمم لاستهداف وتدمير صواريخ ذات مديات قصيرة، مثل قواذف الكاتيوشا والطائرات متدنية الارتفاع. يتميز السلاح الجديد بمدياته البعيدة وقدرته على تدمير الأقمار الإصطناعية في مدارات متدنية.

سلاح “الليزر الكيميائي،” العامل بمركب فلوريد الدوتيريوم، يعرف أيضا بليزر الكاوبوي لدى الأميركيين، ينطوي على تقنية عالية رغم قوته التدميرية، لكن الصين تغاضت عنه، مفضلة انتاج سلاح يعمل ضمن موجة متوسطة من الأشعة تحت الحمراء، وغاز ثلاثي فلورايد النيتروجين ينتج غاز الاثيلين عند احتراقه.

الصورة في اقصى اليسار تضم خزان دائري محاط بسياج أمني وتشير إلى معامل الليزر الكيميائي التي تستخدم وقودا سميّاً.

بالنظر إلى التطور التقني في مجال الليزر الكيميائي الذي توصل إليه الجانب الأميركي، نستطيع الافتراض أن الصين توصلت لتطويع التقنية عينها بطاقة تحسب بعدة ميغاوات؛ والتي لديها ميزة حرق واختراق اجسام مدرعة وقادرة على إلحاق الأذي بمجسات الأقمار الاصطناعية عن بعد.

صور الاقمار الاصطناعية تشير أيضاً إلى أن الصين تجاوزت العمل باسلحة ليزرية تعمل بالطاقة الكهربائية.

بالاضافة إلى الدول الأربعة (اميركا، روسيا، الصين والهند)، يمكن أيضاً إضافة اليابان، ومن المرجح امتلاك دول أخرى للتقنية عينها مثل “اسرائيل،” التي لديها نظم دفاعية مضادة للصواريخ الباليستية بطاقة عالية، وكذلك الهند، قادرة على تطويع ترسانتها الصاروخية لاستهداف أقمار اصطناعية في المدارات المتدنية.

تلك كانت أبرز الاستنتاجات التي توصل اليها الخبير الذي أحجم الكشف عن هويته نظراً لحساسية المسألة، وفق رؤيته.

2019-26-03 التحليل

التحليل

ترامب واحتمالات المغامرة العسكرية في فنزويلا

          الولايات المتحدة “لا تخشى استعادة تطبيق مبدأ مونرو .. (فنزويلا) بلد يقع في حديقة نفوذنا وكانت هدفاً (للسيطرة) لكافة الرؤساء الأميركيين منذ (الرئيس الأسبق) رونالد ريغان ..” هكذا تفوه مستشار الأمن القومي جون بولتون، بعنجهية وصلافة معهودة، مطلع شهر آذار الجاري، مقروناً بتسريبه المتعمد خطياً أمام الصحافيين أن جدول أعماله يتضمن إرسال “5،000 جندي لكولومبيا،” تهيئة لتدخل عسكري مباشر سرعان ما تعثر أمام تصميم الشعب الفنزويلي وقيادته على التصدي الحازم لواشنطن.

          “مبدأ مونرو” باختصار شديد عنوان الاستراتيجية الأميركية ، منذ عام 1832، للسيطرة التامة لواشنطن على كامل القارة الأميركية الجنوبية “وإقصاء دول الاستعمار الاوروبي” التقليدية عنها. تدخلت واشنطن عسكريا وبشكل مباشر نحو 56 مرة لتغيير نظم الحكم المتعددة منذ مطلع القرن العشرين وحده، دون احتساب محاولاتها المتعددة بانقلابات عسكرية وعصابات الكونترا والقوات الخاصة والحصار الاقتصادي والديبلوماسي واساليب أخرى.

          تعثرت مساعي واشنطن لانجاز انقلاب على السلطة الفنزويلية، عسكرياً واقتصادياً وأعمال تخريب للبنى التحتية وشبكات الكهرباء والمياه، استدعى عودتها إلى أسلوبها العسكري المفضل، بإقامة قواعد عسكرية (جوية) في كل من كولومبيا والبرازيل، تحت غطاء إغرائهما بموقع مميز في حلف الناتو.

          كولومبيا ومنذ نهاية أيار/مايو 2018 نالت رضى واشنطن كأول “شريك دولي” لحلف الناتو في اميركا اللاتينية، اعتبرتها فنزويلا خطوة عدائية لوضع جارتها نفسها “في خدمة مخطط لدول نووية تعينها على التمدد في اميركا اللاتينية والبحر الكاريبي، مما يهدد مباشرة قضايا السلم والاستقرار الإقليمي.”

          جدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب دعوته “لتسهيل” بلاده اجراءات انضمام البرازيل لحلف الناتو خلال استقبالة الرسمي للرئيس البرازيلي الزائر، مطلع الأسبوع، مضيفاً أنه “سينظر في الأمر بقوة سواء كانت عضوية حلف شمال الأطلسي أو شيء يتعلق بالحلف.” ما قصده ترامب في الشطر الأخير هو إغراء البرازيل بعضوية “منظمة التعاون الاقتصادي والتمنية” الدولية التي حاولت دخولها كعضو منذ عام 2017.

          فرنسا، العضو البارز في حلف الناتو ودعم السياسات الخارجية الأميركية عارضت موقف ترامب بشدة قائلة إن “معاهدة الحلف لا تتيح انضمام دول غير اوروبية،” وفق البند العاشر الذي ينص على اي محاولة لضم دول غير اوروبية يتطلب تعديلاً لنصوص المعاهدة.

          يشار إلى ان الرئيس البرازيل مهد لزيارته الرسمية لواشنطن ببضعة أيام إعلان جهوزية حكومة بلاده “.. السماح للولايات المتحدة استخدام اراضيها لإطلاق صواريخ ومركبات فضائية تحمل أقمارا إصطناعية من مركز “الكانتارا” الفضائي” في جنوب البرازيل.

          بالمقابل، صرح وزير الدفاع البرازيلي، فرناندو أزيفو، مطلع العام الجاري معارضته السماح لواشنطن بانشاء قاعدة عسكرية في بلاده “.. لا أرى سبباً وجيهاً لإقامة مثل تلك القاعدة.” وذلك رداً على تصريح الرئيس الجديد بولسنارو خلال مقابلة متلفزة معلناً “.. استعداده للسماح بإقامة قاعدة أميركية في البرازيل.” نائب الرئيس البرازيلي، هاميلتون موراو، أيضاً عارض انشاء القاعدة بثبات منذئذ ورفضه لأي تدخل عسكري أميركي في فنزويلا.

          قبل استعراض ما تبقى في جعبة واشنطن من أساليب ضغط، لا سيما الديبلوماسية، تبغي الإشارة إلى العقوبات الإقتصادية المتواصلة على المؤسسات والقوى والشخصيات التي تتعامل مع أو لديها مصالح في كاراكاس، أحدثها كان حجزها لأموال وممتلكات شركة التعدين الفنزويلية، مينيرفين، في الولايات المتحدة، 20 آذار الجاري.

          في تبريره لقرار العقوبات الاميركية، أوضح وزير الخزانة ستيف منيوشن أن بلاده “.. استهدفت مصفاة الذهب (المملوكة) لمنيرفين،” أذ يعتبر استخلاص الذهب من أهم مصادر الدخل للاقتصاد الفنزويلي.

          قبل القرار الأميركي ببضعة ايام، أوضح الرئيس الفنويلي مادورو أن حكومته بصدد المصادقة على التنجيم بنحو 32 منجم جديد للذهب مؤكداً “.. كل المؤشرات تدل على أن بلادنا ستحتل المركز الثاني عالمياً في احتياطي الذهب.”

          فنزويلا، وفق التقارير الإعلامية الحديثة، لديها علاقة تجارية وطيدة مع تركيا لتكرير الذهب الخام في مصفاة تقع بالقرب من شواطيء البحر الأسود بمدينة جوروم التركية، مما حدى بوكالة بلومبيرغ الأميركية توجيه اتهام لتركيا بأنها ضالعة في استخراج ما قيمته 900 مليون دولار من الذهب الفنزويلي خارج البلاد “واستوردت نحو 41 مليون دولار من الذهب الفنزويلي مطلع عام 2018.”

          يشار أيضاً إلى سلسلة اتهامات بالاتجار الاقتصادي مع فنزويلا وجهتها واشنطن لعدد من البلدان النامية، منها “.. استيراد يوغندا نحو 300 مليون دولار من الذهب الفنزويلي،” منتصف آذار الجاري.

          بالعودة للإجراءات العقابية الأميركية، تزامنت زيارة الرئيس البرازيلي لواشنطن مع إعلان المتحدث باسم الخارجية الأميركية، روبرت بالادينو، عن استيلاء/تسليم المعارضة الفنزويلية مقر بعثتي البلاد، العسكرية بواشنطن والقنصلية بنيويورك.

          تلك الخطوة الاستعراضية لم تأتِ من موقع قوة أو ثقة بالنفس، بل سبقها تصريح لنائب الرئيس الأميركي، مايك بينس، يعرب فيه عن ضيق ذرعه من فشل مساعي “الرئيس المؤقت” خوان غوايدو للإطاحة بالرئيس مادورو، قائلاً لمعاونيه أن غوايدو طمأنهم سابقا بسهولة المهمة التي لن تستغرق سوى أيام قليلة؛ فضلاً عن فشله في تحشيد “مئات الآلاف” من الفنزويلين مرافقته للحدود المشتركة مع كولومبيا “لتحرير” قافلة الشاحنات الأميركية على الطرف المقابل.

          كذلك سرعان من ثبت عدم مصداقية إدعاء المعارضة الفنزويلية، وامتداداً الإعلام الأميركي، بتحميل مسؤولية اضرام النيران ببعض الحافلات على عاتق مؤيدي الحكومة الفنزويلية. واضطرت بعض الوسائل الأميركية الرئيسة الإقرار بذلك لاحقا وإن بخجل.


تعثر الغزو العسكري

          لا زالت المطالب الأميركية المعلنة تتمحور حول استغلال “كافة الخيارات،” بما فيها الخيار العسكري، إما بالغزو المباشر أو باساليب توظيف الوكلاء المحليين والإقليميين لتلك المهمة في أعمال تخريب واسعة.

          للوقوف على حقيقة الموقف، استضافت لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب الأميركي بعض الخبراء لمناقشة الغزو المباشر، انطلاقاً من شبه إجماع داخل مجلسي الكونغرس بدعم مساعي الرئيس ترامب للتدخل العسكري، وتوقفت عند إقرار أحدهم بأن عملية عسكرية لتحقيق ذاك الهدف – تغيير النظام – تتطلب تسخير “نحو 100،000 إلى 150،000 جندي أميركي لمواجهة نحو ثلاثة أضعاف ذلك العدد من القوات الفنزويلية المسلحة،” في أراضٍ مترامية تبلغ ضعف مساحة العراق.

          استمرار مراهنة المؤسسة الحاكمة الأميركية على تطبيق نموذج ما من التدخل العسكري أدى بها لاستحداث قواعد عسكرية شبه ثابتة في البلدين المجاورين لفنزويلا، مع توظيف شبكات من قوى الثورة المضادة، الكونترا، وفرق القوات الخاصة الأميركية للإشراف على عملياتها والتدخل المباشر حينما تقتضي الظروف العملياتية ذلك.

          أضحى الرهان الأميركي على ترجيح التدخل العسكري مصدر سخرية حتى داخل بعض أركان المؤسسة، بمن فيهم “المبعوث الأميركي لفنزويلا إيليوت آبرامز،” الذي غابت عنه لهجة الجزم بموعد الإطاحة بالرئيس مادورو، وتعثر كلماته في مؤتمر داخل وزارة الخارجية مؤخراً جاهداً لإيجاد مخرج مقنع للفترة الزمنية السابقة التي حددتها واشنطن، مدعياً أن “.. زمن الفترة الانتقالية وطولها 30 يوماً” لإنهاء مهام الرئيس مادور لن تبدأ قبل مغادرته القصر الرئاسي.

          لكن جملة الترتيبات الأميركية “بعيدة المدى” لا زالت تصطدم بحائط متنامي من الرفض الدولي، يشهد عليها تلكؤ مساعيها في حشد دعم “دول صديقة لفنزويلا،” لم تتعدى الخمسين دولة بقليل، على الرغم من التباينات الواسعة بينها جميعا، سواء كانت اوروبية أم أميركية لاتينية؛ وأخذ المؤسسة الحاكمة تلك المسألة بعين الاعتبار خاصة بعد مواجهتها لقرار فيتو مزدوج في مجلس الأمن من قبل روسيا والصين مما نزع عنها محاولات التخفي وراء مزاعم دعم “أممي” للإطاحة بحكومة بلد عضو في الهيئة الدولية.

          العقوبات الأميركية، لا سيما الاقتصادية منها، سيستمر صعودها البياني؛ لكن المؤسسات الفنزويلية المختلفة تتخذ إجراءات مبتكرة للتغلب عليها والتعايش مع تداعياتها؛ مسترشدة بتجارب دول عظمى دولية وإقليمية، روسيا وكوبا وإيران. لعل أبرزها كان غضب واشنطن من نقل معاملات كاراكاس المالية الدولية إلى موسكو لتفادي إجراءات المقاطعة وما توفره روسيا من ثقل دولي وعسكري أيضاً في مواجهة مشتركة مع واشنطن.

          أما أعمال التخريب في المرافق المدنية والبنى التحتية فلن تتخلى عنها واشنطن، بل ستحاول زيادة وتيرتها قدر الإمكان، كما شهدنا في تخريب شبكة توزيع الكهرباء وتعطل المرافق كافة لبضعة ايام استطاعت فنزويلا بخبراتها الذاتية وبدعم من حلفائها الدوليين إعادة التيار إلى العمل بشكل تدريجي واتخاذ تدابير وقائية لمنع تكرارها.

يبقى ان مقاربة ترامب الجديدة والمعاكسة لمواقف معلنة سابقا حول السعي لتغيير الأنظمة،  تجد تأييدا من جهات نافذة في الحزب الديمقراطي رغم معارضتها اللفظية للتدخل والتغيير في فنزويلا بالقوة العسكرية، وقد يغري هذا الوضع ترامب للإقدام على مغامرة  قد تكون تحت ستار دعم اطلاق تمرد عسكري انشقاقي او انقلاب عسكري داخلي. تراهن  إدارة ترامب على مسعى انشقاق قيادات عسكرية بارزة في فنزويلا تسيطر على مجموعات عسكرية وتوظف جماعات شبه عسكرية معارضة؛ ولا تزال هذه المحاولات تصطدم بلحمة القيادة السياسية والعسكرية لحكومة مادورو الشرعية.

2019-15-03 التحليل

التحليل

دراسة  أميركية عن سيناريوهات الحروب :  هزيمة ساحقة أمام روسيا والصين


          اعتادت المؤسسة الحاكمة الأميركية المضي في سباق مستمر لزيادة الانفاقات العسكرية دون مقاومة داخلية تعاونها (أو تتواطأ معها) المؤسسات الإعلامية الضخمة، ولا تنقصها الذرائع والتبريرات على اجتراح “اعداء” عند كل حقبة تاريخية؛ والضخ الإعلامي غير المنقطع للترويج إلى “الآلة العسكرية الأميركية الفريدة التي لا يضاهيها أحد في الكون .. سواء في قدرة القوات الجوية أو البحرية.”

          الميزانية المقدمة من البيت الأبيض للسنة المالية الجارية، 2019-2020، تضمنت اقتطاعات غير مسبوقة في البرامج الاجتماعية والرعاية الصحية والتعليمية تقدر بنحو “2.7 تريليون دولار للعقد المقبل؛” تم تحويل المبلغ إلى زيادات في الانفاق العسكري على قطاعات “البنتاغون والأمن الداخلي والجدار الحدودي والشرطة ..،” معطوفة على “بلورة شعور عام مبهم بحالة طواريء،” تمهد لتعاطف شعبي ومؤسساتي مع سياسات الانفاق “غير المسبوقة” تؤدي لرفع معدلات العجز المالي إلى 22.5 تريليون دولار للسنة الحالية؛ مقارنة مع عجز بلغ 19.5 تريليون عند تسلم الرئيس ترامب مهام منصبه.

          المعدل العام للعجز المالي الأميركي، وفق بيانات مكتب الكونغرس للميزانية، سيبلغ 34 تريليون دولار مع حلول عام 2028؛ ما نسبته 900 مليون دولار سنويا كلفة خدمات الدين العام وحده.

          ما يميز العجز المتصاعد هو التراجع المستمر في عائدات الميزانية العامة نظراً لتخفيضات دائمة في قيمة الضرائب على الشرائح الأكثر ثراءً وكبريات الشركات أيضاً، مقابل “زيادة ميزانية الانفاقات العسكرية” قيمتها 750 مليار دولار للسنة المقبلة.

          السردية الرسمية لتبرير الانفاقات المتصاعدة دوما لا تنعكس ايجاباً  على نوعية واداء القوات العسكرية، بكافة قطاعاتها واختصاصاتها، حسبما تورده تقارير المؤسسات الدفاعية وقياداتها العسكرية عينها، وعلى أرفع المستويات.

          رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة، جوزيف دنفورد، حذّر بلاده “بتراجع تدريجي” لهيبتها العسكرية أمام الصين وروسيا  اللتان “عملتا على تعزيز قوتهما في مجالات الحرب الالكترونية والتصدي للأقمار الاصطناعية والصواريخ المجنحة المضادة للسفن والصواريخ الباليستية” للحيلولة دون تمدد القوات العسكرية الأميركية في منطقتي المحيط الهاديء واوروبا.

          جاء ذلك في معرض ندوة أدارها مع أفول عام 2017 أمام حشد من طلبة جامعة “تافتس Tufts ” بولاية ماساتشوستس الأميركية، موضحاً أيضاً ان الخصوم “وفي مقدمتهم روسيا والصين .. عملوا بعناية وتأني على دراسة كل العمليات العسكرية التي شنها البنتاغون بدءاً من حرب الخليج (الثانية) عام 1990، واستمروا في تطوير الجهود المضادة التي تتيح لهم التفوق على الولايات المتحدة في مجال الأسلحة التقليدية.”

          مساعدة وزير الدفاع بالإنابة، كاثرين ويلبارجر، أوضحت في شهادتها أمام “لجنة القوات المسلحة” في مجلس النواب، 13 آذار الجاري، أن الصين وروسيا “ومنذ عقد التسعينيات من القرن الماضي عكفتا على دراسة متأنية لكيفية مواجهة التحدي الاسراتيجي امامهما – الولايات المتحدة؛ وتحديث بكين وموسكو لقواتهما العسكرية .. تضع واشنطن في موقع لا تحسد عليه للرد عليهما بأساليب قد تفسّر بأنها تصعيد للأزمة المتنامية – وهو مسار مليء بالتعقيدات عند الأخذ بعين الاعتبار قدراتهما النووية المسلحة.”

          نائب وزير الدفاع الأميركي السابق، روبرت وورك، الخبير في “محاكاة الحروب” أوضح تدني القدرات الجوية الأميركية قائلاً أن “.. مقاتلات إف-35، الأكثر تطوراً وحداثة، معرضة للخطر؛ عندما تحلق عاليا فهي تتحكم في الحرب الجوية، لكنها عرضة للتدمير باعداد كبيرة في مرابضها عندما تستهدفها القوات المعادية مع نشوب المعارك .” وأضاف إلى قتامة توقعاته أن “القوات الحمراء دمرت بكفاءة مراكزنا للقيادة والتحكم، مما اضطرنا لوقف التجربة؛” مضيفاً أنه لو وقعت حرب بالقرب من دول البلطيق “فسيكون بوسع القوات الروسية الوصول إلى عواصم تلك الدول في غضون 48 إلى 72 ساعة.”

          في النصف الأول من شهر آذار الجاري، قدمت مؤسسة راند، تحت رعاية البنتاغون، نتائج “سيناريوهات متعددة لمحاكاة حرب لاختبار مدى قدرة القوات (والأسلحة) الأميركية” مواجهة القوى الأخرى الصاعدة في العالم. جاء في أحدها أن “.. الولايات المتحدة تكبدت خسائر فادحة، على الرغم من انفاقاتها العسكرية المضطردة” التي تجاوزت 700 مليار دولار سنوياً.

          واسترسلت راند بالإقرار أن “التواجد العسكري الهائل وقواعد الإمداد لحلف الناتو على امتداد القارة الأوربية، قوامها 58 لواءً أميركيا مقاتلاً ، تقف عاجزة عن الدفاع عن نفسها أمام صواريخ كروز وطائرات الدرونز والمروحيات .. نظراً لقرار قيادة القوات البرية التخلص من قوات الدفاع الجوي المحمولة.”

          ونقلت يومية بريكينغ ديفينس، الأميركية المختصة بشؤون البنتاغون، عن جزءٍ يسيرٍ من دراسة راند أن “روسيا والصين هزمتا القوات الزرقاء (الأميركية) في المحاكاة؛” التي شملت جميع أشكال المعارك: البرية والبحرية والجوية والفضائية والإلكترونية وأسلحة طائرات الدرونز.

          الخبير الأميركي في مؤسسة راند واحد المشاركين في السيناريوهات المذكورة، ديفيد اوشمانك، رسم أفاقاً مقلقة لوضع وأداء القوات والسلحة الأميركية قائلاً “في ألعاب (المحاكاة) عندما نقاتل ضد روسيا والصين، تتكبد القوات الأميركية هزيمة ساحقة .. نفقد الكثير من القوات والمعدات، وعادة ما نفشل في تحقيق هدفنا” المتمثل في منع الخصم من شن عدوانه.

          يشار إلى أن مؤسسة راند، المتعاقدة بكثافة مع البنتاغون وبرامجها العسكرية المختلفة، تجري مناورات سنوية لمحاكاة الحروب والأسلحة المختلفة، تطلق عليها “أحمر على أزرق،” منذ عام 1952، ترمز إلى القوات الأميركية “الزرقاء” باستطاعتها التصدي والتغلب على “الخصوم الحمر؛” روسيا والصين؛ ترمي لبلورة القطاعات العسكرية المختلفة استراتيجيات مستحدثة للتدريبات المختلفة والأسلحة المطلوبة.

          في المجال الاستخباراتي أيضاً تتراجع قدرات الولايات المتحدة، حسبما افاد به مدير المخابرات الوطنية، دان كوتس، في إفادته أمام لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ، نهاية كانون الثاني/يناير 2019، محذراً من أن “.. روسيا والصين تشكلان أكبر مصدر تهديد للولايات المتحدة حين يتعلق الأمر بالتجسس والهجمات الالكترونية؛ بل هما أكثر تقارباً مما كانتا عليه” في العقود السابقة.

          كوتس أدلى بشهادته برفقة مجموعة من قادة الأجهزة الاستخباراتية شملت: وكالة المخابرات المركزية  ومكتب التحقيقات الفيدرالي وآخرين؛ محذراً من أن “.. بعض حلفاء الولايات المتحدة يسعون لممارسة قدر أكبر من الاستقلالية ..” عن واشنطن “وهم أكثر استعدادا لإقامة علاقات مشتركة جديدة.”

          التحذيرات الأميركية المستمرة من تراجع هيبة ترسانتها التسليحية جاءت بالتساوق مع نتائج دراسات عسكرية داخلية من أبرزها تلك التي  اجراها قسم دراسات سلاح الجو التابع لأكاديمية العلوم الأميركية المرموقة تشير إلى جهود الصين وروسيا “اجراء تجارب على اسلحة تتمتع بقدرة فائقة على المناورة (الصواريخ الأسرع من الصوت) مما يمثل خطراً على القوات الأميركية المنتشرة .. وحتى الأراضي الأميركية؛ إذ يمكنها العمل والمناورة على ارتفاعات شاهقة وسرعات عالية تحيل وسائط الدفاع الجوي (الراهنة) والأسلحة القتالية المتوفرة عديمة الفائدة.”

          وجاء على لسان رئيس القسم المشرف على الدراسة، مارك لويس، قوله أن مجموعة الخبراء الأميركيين توصلوا لنتيجة مفادها أن “.. الولايات المتحدة قد تصطدم بمخاطر مصدرها نوع جديد من الأسلحة يتميز  بفعالية عالية السرعة وقدرة كبيرة على المناورة والتحليق العالي.”

          واشنطن والعواصم العالمية الكبرى تدرك تراجع الهيبة الأميركية وانعكاساته على فرادية تحكمها بقرارا العالم، ومقاومتها الشديدة لتعدد القطبية الدولية؛ على الرغم من تصريحات كبار المسؤولين الأميركيين، من بينهم نائب الرئيس مايك بينس، في مؤتمر ميونيخ للأمن مؤكداً أن بلاده “.. أصبحت مرة أخرى زعيمة للعالم الحر.”

          أكبر الصحف الألمانية، دير شبيغل، فندت مزاعم بينس وآخرين بالرد قائلة “الرؤى الأميركية لا تتطابق مع (الواقع) .. أميركا لا تقود العالم لأنها تفقد قوتها أمام بلداناً كروسيا والصين وحتى إيران.”

          تآكل أو أفول مفهوم “القطبية الواحدة” سينعكس بالضرورة على مستويات متعددة، منها الاستراتيجي والآخر ذو طبيعة تكتيكية: التوازن العسكري على الصعيد العالمي، الجغرافيا السياسية، الاقتصاد الدولي، التكنولوجيا بكافة تنوعاتها، والأحلاف العسكرية خاصة التي تستحدثها وتتشبث بها واشنطن.

          استثمار واشنطن بالبعد العسكري الصرف، كما ورد أعلاه، لن يوقف توجه العالم باتخاذ مواقع بديلة حتى وإن تأخر بلورة الموقف النهائي من تعدد القطبية، ويتوج نهاية “الحرب الباردة – القديمة والمتجددة،” وابتعاد ما يشبه توصيف علماء الطاقة الذرية بابتعاد المركز/النواة اكثر عن فضائه الملحق به؛ وتآكل مفهوم “العولمة” التي بشرت به واشنطن لتبرير مفهوم أحاديتها القيادية للمركز العالمي، خاصة عند الأخذ بعين الاعتبار التقدم التقني الذي لم يعد حكراً على المركز الأميركي بالدرجة الأولى.

          أحدث التحذيرات الأميركية عن أفول النفوذ الأميركي جاء أيضاً على لسان مؤسسة راند، 15 شباط 2019، لتنبيه مراكز القرار من تداعيات “الانسحاب الأميركي من سوريا مما يوفر فرصة لدخول الصين لتعزز دورها كلاعب دولي مركزي هناك؛ وتقديمها مساعدات عسكرية تتمحور حول ارسالها خبراء في مجال الاستخبارات والمستشارين الاستراتيجيين والقوات الخاصة.”

          الدراسة المذكورة آنفا قد لاتكون بعيدة عن تأكيد واقعية تراجع القوة الأميركية ولكنها تخدم غرضا آخر يتلخص بتوفير الذرائع للمجمع الصناعي الحربي للإستمرار في الترويج للمزيد من الإنفاق العسكري.

2019-08-03 التحليل

التحليل

سباق الانتخابات الرئاسية

في استراتيجية الحزب الديموقراطي

إلهان عمر وظاهرة التحدي

          من ابرز التطورات السياسية الراهنة في الساحة الأميركية كانت الحملة المنظمة الرامية لإقصاء النائبة إلهان عمر على خلفية تصريحات لها مسلطة الضوء على نفوذ “اللوبي الإسرائيلي – إيباك،” في رسم السياسات الأميركية اعتبرتها المؤسسة الحاكمة بأنها “انتهاك للممنوع” تستوجب اجراءات عقابية.

          مسيرة إلهان عمر إلى الكونغرس شابها إلصاق تصنيفات جاهزة رغماً عنها، أبرزها تحديد هويتها طائفياً وهي التي لم تعرف نفسها بها بل شددت على أنها “مواطنة أميركية مهاجرة من الصومال،” تتميز بتوجهات شعبية (ليبرالية) للدفاع عن الحقوق المدنية والاجتماعية للمواطنين.

          اسباغ الهوية الدينية عليها لم يكن صدفة من قوى متنفذة بالقرار السياسي الأميركي، في الحزبين، كمؤشر خادع “لتسامح” النظام السياسي، من ناحية، وعدم المساس بالمسلمات وموازين القوى التقليدية، لا سيما المحافظين بكافة تلاوينهم، من ناحية أخرى. من الضروري ايضاً الإشارة إلى تضافر مصالح اولئك مع القوى التقليدية من “حلفاء” الولايات المتحدة في “الشرق الأوسط،” في التصدي المبكر لنماذج شابة من المرشحين يمثلون التحولات الاجتماعية والطبقية الجديدة في المجتمع الأميركي.

          عقب فرز نتائج الانتخابات “النصفية” الأميركية العام الماضي أفردت اسبوعية فورين بوليسي، 11 كانون الأول/ديسمبر 2018، تحقيقاً مطولاً بعنوان لافت السعودية تعلن الحرب على نواب أميركيين مسلمين مؤكدة أن “مشيخات الخليج العربي تسخّر نزعات العنصرية والتزمت والانباء الكاذبة لإدانة أحدث حالة تصنع التاريخ السياسي في واشنطن .. والمحافظين الجدد ليسوا هم من تمادوا في شن حرب واستهداف الشخصيات السياسية البارزة والصاعدة من (خلفيات) عربية أو إسلامية في الحزب الديموقراطي (بل) السعودية والإمارات.”

          ما نرمي إليه في هذه العجالة هو سبر أغوار الحملة السياسية الأخيرة التي تتخذ أبعاداً بلبوس طائفية تحاكي الغرائز الطبيعية للبشر والأقليات تحديداً لصرف الأنظار عن حقيقة القوى والتوجهات السياسية في المجتمع الأميركي، الذي يمر كما غيره من المجتمعات البشرية بسلسلة تحولات تعيد إلى الأذهان الجذور الحقيقية لمسؤولية القوى النافذة عن تردي التماسك الاجتماعي وتدهور الأحوال القتصادية والاستغلال المستمر لإدماء شرائح الأغلبية في المجتمع.

          التحقيق المشار إليه أعلاه أورد فقرة لها دلالاتها العميقة بنص اقتبسته النشرة عن “المستشار الثقافي في السفارة السعودية بواشنطن” يهاجم فوز إلهان عمر بمنصب في مجلس النواب الأميركي جازماً بأنها “ستكون معادية لدول الخليج وداعمة للإسلام السياسي ..”

          في المقابل، حافظت القوى السياسية الأميركية التقليدية، بمن فيهم المحافظون الجدد، على إلصاق تهمة “العداء للسامية” بالنائبة عمر على خلفية انتقاداتها لمراكز الضغط “.. اللوبيات، لا سيما ايباك” في انحياز الكونغرس “لإسرائيل” نتيجة الدعم المالي لأعضائه؛ أتبعته بتوضيح أشد صراحة بالإشارة إلى أن “أنصار اسرائيل في الكونغرس يدينون بالولاء لبلد أجنبي.”

          بين دعوات لإقصاء النائبة عمر ومطالبة الرئيس ترامب لقادة الحزب الديموقراطي بإقالتها نتيجة انتقاداتها “للممنوعات” في السياسة الأميركية، انبرى عدد من زملائها في مجلس النواب للدفاع عنها، وتشكل فريق مشترك من النواب السود ومن ذوي اصول لاتينية، ممن اطلق عليهم النواب التقدميون، للدفاع عن حقها في ممارسة ابداء الرأي ومعارضة إدانتها رسمياً، مما أرسل رسالة قوية لرئاسة وقادة المجلس عن تشكل حالة تنذر بانقسام في صفوف الحزب، استوجب تدخلاً لطرح صيغة توفيقية لقرار صودق عليه “يدين اللاسامية والانحياز ضد الاسلام والمسلمين.”

          تلك المقدمة كانت ضرورية للنفاذ إلى صلب التحولات السياسية الرامية لتسليط الضوء على سلسلة تحقيقات تهدف لإحراج الرئيس ترامب تمهد الأرضية لمناقشة أجراءات عزله دون المضي قدماً بذلك، نظراً لضيق المساحة الزمنية التي تستغرقها، وايذائه بما فيه الكفاية لخسارة الانتخابات الرئاسية المقبلة.


ترامب في مرمى الاستهداف

          عوّل الحزب الديموقراطي وأركان المؤسسة الحاكمة على نجاح مساعي الاتهامات الموجهة للرئيس ترامب بتواطؤه مع روسيا، لتقييد حركته ومن خلفه الحزب الجمهوري، متسلحاً بالتحقيقات الموكلة “للمحقق الخاص روبرت موللر،” وتقريره المنتظر قريبا.

          التسريبات الآتية من داخل فريق “موللر” خيبت تلك الآمال بإشارتها إلى عدم تبلور دلائل حسية تدعم تلك الاتهامات للحظة؛ مما استدعى مراكز قوى الحزب الديموقراطي تشديد الهجوم بأدوات بديلة عمادها تمتعه بأغلبية مقاعد مجلس النواب وما يمثله من حق لجانه المتعددة المضي بإجراء تحقيقات متعددة ترمي شباكها في اتجاهات متعددة علها تصطاد دليلاً يعزز مصداقيتها أمام العموم.

          خفضت اسبوعية تايم من سقف التوقعات الشعبية استناداً لفريق موللر بالقول أن مضمون تقريره ونتائجه “.. ستأتي مخيبة للآمال، وهي ليست نتيجة خطأ ارتكبه. بل خطأ كل من انجَرّ وراء التهم الباطلة ضد ترامب المتمحورة حول سردية إثبات موللر (تهمة) التواطؤ .. وهي توقعات يستحيل تحقيقها،”( 1 آذار الجاري.)

بعض المتنفذين في القرار السياسي يعتقدون أن أحد أهداف لجان التحقيق هو “محاولة” لبلورة تقرير موازٍ لتقرير المحقق الخاص موللر، يذهب بعيداً في استنتاجاته بتسليط الضوء على شخص الرئيس والمخالفات المالية خصوصاً.

          في الوعي الجمعي، تهمة التواطؤ مع دولة أجنبية تقود “حتماً” للبدء بإجراءات عزل الرئيس، التي تتطلب موافقة ثلثي اعضاء مجلس الشيوخ لإقراره، وهو أمر غير متوفر في ظل التوازنات الراهنة وسيطرة الحزب الجمهوري على أغلبية مقاعده؛ فضلاً عن التعقيدات المتضمنة والقيود الدستورية المفروضة على تلك الإجراءات مما يحيلها إلى حالة غير قابلة للتحقيق في أي وقت منظور.

          علاوة على ذلك، فإن مجلس النواب المخول ببدء إجراءات العزل غير مقبلٍ على المضي بذلك، رغم تصريحات عدد من قادة الحزب الديموقراطي الترويج لذلك، أبرزها تصريحات رئيس اللجنة القضائية المعنية للتقيد بإجراءات العزل عن الحزب الديموقراطي، جيري نادلر، مؤكداً قناعته بأن “الرئيس ترامب أعاق سير العدالة بكل وضوح.”

          الهدف الحقيقي للحزب يتعدى التصدي لشخص ومكانة الرئيس، وما يمثله من حجر الأساس في النظام السياسي وقيوده بعدم المساس من هيبته، لاستحداث قضايا تحظى بتأييد جماهيري يمكنه من دخول السباق الرئاسي بموقع متميز. بعبارة أخرى، أقصى ما يرمي إليه الحزب هو “التسبب في إدماء الرئيس سياسياً” أمام الجمهور.

          الحزب الديموقراطي، ممثلاً بقيادته في مجلس الشيوخ، شاك شومر، يعاني من شح توفر مرشحين “اقوياء” باستطاعتهم منافسة الرئيس ترامب بحزم؛ وما سيل التصريحات للتهديد بإجراءات العزل سوى أسلوب ضغط تكتيكي لإبقاء السيف مسلطاً على ترامب دون تنفيذه حقاً، يعززها اتساع دائرة التحقيقات لدى لجان مجلس النواب التي تعمل في سباق ضد الزمن.

          استطلاعات الرأي الأخيرة تدعم الفرضية أعلاه بأن التلويح بالعزل لن يتجسد أبعد من التهديد به، إذ تشير معظمها إلى استمرار تماسك قاعدة دعم الرئيس ترامب بنسب عالية نسبياً، أدناها 37% وأعلاها 44% عقب “نجاحه” في تعيين قاضٍ شديد المحافظة للمحكمة العليا، بريت كافانو. بالمقارنة فإن أقصى نسبة دعم حققها بعد مراسيم تسلمه منصبه الرئاسي كانت 46%.

هدد عدد من مؤيدي ترامب النافذين بأنه “لن يقبل خسارته الانتخابات الرئاسية” بسهولة، ملوحين إلى نزول مؤيديه إلى الشوارع احتجاجاً على ذلك، لا سيما وأن معظمهم مدججين بكافة أنواع السلاح؛ مما استدعى تحذير مبكر من اندلاع حرب أهلية على ضوء تلك التطورات المرتقبة.

          مؤيدوا الرئيس ترامب، لا سيما في المؤسسة الإعلامية الهائلة، استبقوا تحقيقات لجان مجلس النواب للدفاع عن حق الرئيس الدستوري “بإقالة مسؤولين كباراً في السلطة التنفيذية مثل (رئيس مكتب إف بي آي السابق جيمس) كومي؛” كما أوضحت يومية المال والأعمال وول ستريت جورنال.

          ما يستدل من تلك التطورات والمنابر المؤيدة للرئيس ترامب نجاح مساعي تحشيد قواعد مؤيديه وشحنهم إعلامياً ضد خصومه، في الحزبين، وهم الذين يصوتون بحضور قوي شبه منظم، مقابل تراجع تماسك قواعد الحزب الجمهوري وانقسام ما يسمى شرائح “المستقلين،” الذين صوتوا ضد المرشحة عن الحزب الديموقراطي هيلاري كلينتون بنسبة معتبرة أدت لخسارتها أمام مرشح “لم يتوقع هو نفسه الفوز” بالانتخابات الرئاسية.

 

2019-01-03 التحليل

التحليل

كوريا الشمالية تشبثت بسيادتها

وأحبطت الإبتزاز الأميركي

          في ظرف ساعات معدودة هوى سقف توقعات القمة الثانية للرئيسين الأميركي  والكوري الشمالي الى النقيض أثارت جملة أسئلة جوهرية تسعى للدخول إلى كنه الساعات الأخيرة التي “قلبت” حسابات الفريق الأميركي المنكب على صياغة البيان الختامي المشترك.

          في سياق سبر أغوار القوى المتضررة من تفاؤل الرئيس ترامب التوصل لاتفاق مشترك على أرضية “نزع السلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية،” ينبغي التذكير بفرضية إجماع القوى الأميركية الرئيسة بالتوجه نحو “التعايش مع كوريا الشمالية بأسلحتها النووية،” وفق آليات وترتيبات معقدة تتيح لواشنطن مواصلة سردية هدفها “بنزع الأسلحة النووية لبيونغ يانغ.”

          ما تقدم أبعد ما يكون من ثمة فرضية، بل استناداً لأدبيات الأطراف المنخرطة مباشرة في “الوساطة” بين الطرفين، وتصريحات وتحركات قادة دول إقليمية أبرزها الصين وروسيا وكوريا الجنوبية، بدءاً من نقطة تصعيد التوتر الأميركي في شهر أيلول/سبتمبر 2017 أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بتوعد الرئيس ترامب خصمه الكوري الشمالي برد مزلزل “بتدمير كوريا الشمالية ومحوها عن الوجود.”

          قبل اعتلاء الرئيس ترامب منبر الأمم المتحدة ببضعة أسابيع، “سربت” الأجهزة الأمنية الأميركية تقريراً تقيّم فيه الحالة الراهنة للأسلحة النووية لدى كوريا الشمالية بالزعم أنها استطاعت تطوير “رأس نووي صغير يمكنها تحميله على صاروخ باليستي،” باتجاه الولايات المتحدة.

انفعال الرئيس ترامب كان متوقعاً مطلقاً وعيده برد “لاهب وغاضب Fire and Fury؛” وتباهى رئيسسي البلدين بامتلاكهما “الزر النووي الأكبر” بتفعيله لإفناء الآخر، والبشرية معاً.

مروراً بالمراسلات المباشرة المتبادلة بين ترامب والرئيس كيم جونغ اون، وصفها الرئيس الأميركي بأنه “وقع في حب” خصمه الكوري الشمالي، 30 أيلول/سبتمبر 2018، وأن فحوى رسائل الجانب الكوري “حميمية؛” مما مهد الأرضية لإمكانية لقاء وزيري خارجية البلدين في بيونغ يانغ، والإعداد للقاء القمة الأول بين الرئيسين.

في تلك الأثناء تحرك عراب التسوية، رئيس كوريا الجنوبية، مون جيه إن، بزيارات مكوكية لتبريد مناخ التصعيد والتهديد، مباشرة وعبر مندوب موثوق له ورفيع المستوى، أثمرت موافقة الطرفين على لقاءات مباشرة عالية بدءأ من وزيري خارجية واشنطن وبيونغ يانغ، في كوريا الشمالية، تأجلت لاحقاً بقرار أميركي؛ ثم تطورت بلقاءات القمة بين الرئيسين ترامب وكيم جونغ اون: الاول في 12حزيران/يونيو 2018 في سينغافوره، والثاني في هانوي، 27 شباط/فبراير الماضي. ويمكننا القول أن رئيس كوريا الجنوبية كان يطمع في استضافة لقاء قمة ثالثة في عاصمته سيؤول، أو في بيونغ يانغ بحضوره.

تطورات الساعة الأخيرة

حمّلت اسبوعية نيوزويك الأميركية، 28 شباط، مسؤولية فشل لقاء القمة إلى مستشاري الرئيس ترامب قائلة “فشل الاتفاقية نظراً لدور جون بولتون .. وممارسته نفوذه على الرئيس ترامب في اللحظات الأخيرة،” وهو الذي لم يخفِ رغباته في “عدم التوصل لاتفاق من أي نوع مع كوريا الشمالية.”

الجانب الكوري الجنوبي، المتابع بكثب لترتيبات وسير المفاوضات، أوضح للمجلة عقبات “اللحظة الأخيرة” التي وضعها بولتون إذ “.. اشترط تضمين كوريا الشمالية نصاً يلزمها بالكشف ليس عن أسلحتها النووية فحسب، بل مخزونها من الأسلحة االكيميائية والبيولوجية” أيضا، وفق رواية وزير الوحدة السابق بين الكوريتين، جونغ سي-هيون؛ الذي عبر عن تفاؤله “شبه المطلق” توصل الطرفين لإتفاق يعلنان عنه في الجلسة الختامية “متفائل بنسبة 100% تقريباً.”

على الطرف المقابل، سرت شكوك قبيل لقاء القمة على مستويات متعددة في الجانب الأميركي تتعلق بصدقية الرئيس كيم جونغ اون في الذهاب لنزع الأسلحة النووية، فندته نيوزويك بتقرير ميداني بتاريخ 26 شباط تؤكد فيه على تعويل الرئيس كيم اجراء مفاوضات جادة “باصطحابه فريق كبير من كبار مستشاريه .. على رأسهم نائب رئيس اللجنة المركزية لحزب العمال (الحاكم) كيم يونغ شول، المبعوث الكوري للمفاوضات النووية مع الجانب الأميركي كيم هيوك شول، المدير الأعلى للشؤون الخارجية كيم تشانغ سون، ونائب مدير هيئة الاعلام في الحزب (الحاكم) كيم يو جونغ .. فضلاً عن مدير مكتب الرئيس، وشقيقته الموثوقة (وهي) ربما الشخصية الأشد تأثيراً على توجهات الحزب الحاكم.” بل توجه مدير مكتب الرئيس كيم، كيم تشانغ سون، إلى هانوي قبل اسبوعين من انعقاد القمة للإشراف على كافة التفاصيل المتعلقة لإنجاح القمة.

وأضافت المجلة نقلاً عن ضابط وكالة المخابرات المركزية الأسبق والخبير بالشأن الكوري، واين مادسين، أن الرئيس كيم جونغ اون “.. أحدث تغييرات بنيوية في مناصب كبار المسؤولين قبل فترة وجيزة، بصعود عدد من المسؤولين من مرتبات دنيا إلى الأعلى، كمؤشر للقوى الدولية على السير بجدية لإنجاز تسوية ما.”

المجموعة الأميركية الداعية لعدم نشر الأسلحة النووية، بلاوشير فَنْد Ploughshare Fund؛، واكبت الاعدادات وسير المفاوضات بدقة، واعربت عن موقفها الصريح بأن سردية الجانب الأميركي لا تدعمها الحقائق، بل انها “أميَل لتصديق” رواية كوريا الشمالية للنتائج المخيبة للآمال “إذ ليس من المستساغ أن يقدم (الرئيس) كيم على السفر مسافة 2،000 ميل لنحو ثلاثة أيام بالقطار دون أن يقدم مطالب عقلانية.” أما المستشار الأميركي، وفق المجموعة، جون “بولتون، على النحو المقابل، فليس له أي رغبة للتوصل إلى اتفاق مع كوريا الشمالية،” حسب توصيف مسؤولة المجموعة كاثرين كيلوغ، منوهة إلى مقالة بولتون المنشورة في يومية وول ستريت جورنال، قبيل انضمامه لطاقم الإدارة رسميا بعنوان “المبرر القانوني لقصف كوريا الشمالية أولاً.”

وشاطرها الرأي بمسؤولية بولتون النائب السابق  في مجلس النواب جون تيرني، الذي يشغل منصب المدير التنفيذي لمركز الحد من انتشار الأسلحة في واشنطن، قائلاً “.. بولتون أوضح بمعنى الكلمة أنه لا يؤمن بالاتفاقيات والمعاهدات الدولية.”

السؤال المحوري هو هل يعقل أن يملك أي فرد، مهما علا شأنه، ذاك القدر من النفوذ والتأثير على سياسة دولة مؤسسات عظمى بحجم الولايات المتحدة؟ وهل كُلّف بولتون، وما يمثله من امتدادات، جر الرئيس ترامب لتلك النهاية المفزعة للسياسة الأميركية. بالطبع بولتون يتصرف بوحي تام من مؤسسة كاملة من الأجهزة السياسية والعسكرية والاستخباراتية وكذلك من مسؤولين لم يبرحوا عقلية “الحرب الباردة” ولا يتوانون عن استعراض العضلات طمعاً في طلب تأييد الجمهور الأميركي وسردية فرادية بلاده و”تزعمها” للعالم.

تلك المؤسسة وبعض عقلائها ينطلقون من مسلمة استمرار الحرب “.. التي لا يُقصد منها أن تنتصر بل أن تستمر،” كما وصفها بعض الخبراء الاستراتيجيين؛ مما يعزز فرضية ما ذهبنا إليه أعلاه بأنها تطمح لاستمرار الوضع الراهن بما فيه “التعايش مع كوريا الشمالية واسلحتها النووية،” كي توفر الأرضية لاستمرار ابتزازها للدول الإقليمية بشكل رئيس.

هانوي

عند الساعة الثانية بعد الظهر، بتوقيت هانوي، عقد الرئيس ترامب مؤتمراً صحافياً على عجل ليفسر “أسباب انهيار” لقاء القمة محملاً المسؤولية لكوريا الشمالية لاصرارها على “رفع تام لنظام العقوبات.”  وأضاف بمرارة أن الفريق الأميركي المرافق له “أعدّ وثائق للتوقيع من قبل الطرفين.” بل أبلغ المكتب الإعلامي للبيت الأبيض الصحافيين الأميركيين موعداً محدداً “لاحتفالية التوقيع،” دون التطرق لطبيعة بنود الاتفاقية التي لم ترى النور.

وفد كوريا الشمالية، ممثلاً بوزير الخارجية ري يونغ هو، سارع بعقد مؤتمر صحفي مباشرة بعد الرئيس ترامب مما يوحي الأهمية البالغة التي “اضطرته” لعقد مؤتمرٍ موازٍ لعرض وجهة نظره على الفور مبيناً أن بلاده “عرضت على الجانب الأميركي عزمها على تقنين مبادرتها بتاريخ 20 نيسان (2018) لوقف التجارب على الصواريخ الباليستية طويلة المدى والمركبات النووية.”

يشار إلى أن سلسلة المفاوضات الثنائية السابقة تمحورت حول المنشأة النووية في “يونغ بيون التي تحوي بداخلها مفاعلاً نوويا يعمل بغاز الغرافيت بطاقة 5 ميغاوات، ومعدات الطرد المركزي لتخصيب اليورانيوم.” أما مراكز الأبحاث في الموقع المشار إليه ومنشآت أخرى فهي باقية ولم تدرج ضمن العرض الكوري أو إثارتها من الطرف الأميركي.

وزير الخارجية لكوريا الشمالية مضى موضحاً في لقائه الصحفي في هانوي قائلاً إن بلاده “كان لديها مطالب متسلسلة غاية في الوضوح” أبلغتها مراراً للجانب الأميركي أبرزها “رفع نظام العقوبات الخمسة الأخيرة من قبل مجلس الأمن الدولي مقابل (تفكيك) منشآت الانتاج النووية في منطقة يونغ بيون.”

مجموعة بلاوشير فَنْد وخبراء أميركيين أخرين أوضحوا لاحقاً أن الجانب الكوري الشمالي مضى قدماً بناء على “وعود” أميركية برفع نظام العقوبات، ومرحباً باتفاق ينهي حالة الحرب في شبه الجزيرة الكورية عارضاً  استعداده لافتتاح مكتب أميركي للتنسيق في العاصمة بيونغ يانغ. ولعل هذا الأمر ما دفع اصطفاف مسؤولة المجموعة وآخرين إلى “تصديق رواية كوريا الشمالية.”

2019-22-02 التحليل

التحليل

 

تصاعد المخاطر النووية بانتظار قرار متهور

          تمضي واشنطن بسرديتها وسياساتها متشبثة بموقعها السابق للمتغيرات الدولية باعتبارها الركن الأوحد والأقوى في عالم ما بعد الحرب الباردة التقليدية، وتقاوم مكرهة بروز تعدد القطبية العالمية والتعويل على شحن الداخل الأميركي بخطاب لتهديد متخيل من “روسيا والصين” باعتبارهما يشكلان منافسين صاعدين يتحديان جبروتها.

          مراكز القوى الرئيسة الأميركية، مؤسسات عسكرية واستخباراتية وإعلامية، حافظت على مناخ العداء لروسيا بشكل خاص، واستغلت كل ما تملك من فرص وامكانيات وموارد لزيادة انفاقاتها العسكرية علها تسعفها في ازاحة المنافسين الدوليين، وبقائها في مركز القطب الأوحد.

          مجيء الرئيس ترامب للبيت الأبيض شكل الحاضنة المناسبة لنزعة سيطرة المؤسسة العسكرية والاستخباراتية على مفاصل القرار السياسي، ودفعه لاتخاذ مواقف معادية لروسيا، ومن ثم الصين بدرجة موازية، في سياق مراهنة المؤسسة استعادة مناخ سباق التسلح و”حرب النجوم” التي أسهمت بانفلاش ومن ثم تفكك الاتحاد السوفياتي لاستدراج روسيا لنفس المصير.

          نشطت الركائز الفكرية لصناع القرار، مركز الابحاث المختلفة، في الآونة الأخيرة لتحشيد الرأي الأميركي العام وراء السردية الرسمية بمعاداة ومواجهة روسيا؛ أحدها وربما الأهم كان معهد بروكينغز باستضافته قائمة مطولة من المتحدثين، آخرهم كان عضو مجلس النواب عن ولاية ماساتشوسيتس، سيث مولتون، الذي “شدد على أن ما تحتاجه الولايات المتحدة (يمكن تلخيصه) بعبارة التفكير بعقلية الجيل المقبل؛ لتطوير أسلحة جديدة وذكية وبناء تحالفات وإرساء قواعد للحد من انتشار الأسلحة” بما يخدم الاستراتيجية الأميركية. (12 شباط الجاري).

          وبرر مولتون نظريته “الهجومية” بتذكير النخب الفكرية أن “عودة المنافسة بين القوى العظمى كشف الغطاء عن حدود القدرات الأميركية الراهنة .. الصين وروسيا تتفوقان علينا جوهرياً بقيود الانفاق المالي وقيود سياسية أضعف. لذا ينبغي علينا زيادة استثماراتنا بشكل ملحوظ في تطوير أسلحة تفوق سرعة الصوت وأخرى للفضاء الإلكتروني.”

          واشنطن لم تفوت أي فرصة للنيل من موسكو وتحشيد الرأي العام الداخلي والعالمي ضدها، أحدثها كان سلسلة خطابات لوزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، منتصف شباط/فبراير الجاري، في جولته الاوروبية “.. محذراً من أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يشكل تهديداً للديموقراطيات في انحاء العالم.”

          موسكو لم تصمت طويلاً، وأتى ردها في مكانة غير معتاد عليها بخطاب رئاسي هو الأول منذ انسحاب واشنطن من معاهدة الحد من الأسلحة النووية، وتأكيد الرئيس الروسي، قبل ايام، أن الأراضي الأميركية ستكون مسرحاً في الحروب المقبلة وبلاده “.. سترد على أي نشر للأسلحة النووية متوسطة المدى في أوروبا؛ ليس فقط باستهداف الدول التي تُنشر فيها هذه الصواريخ بل باستهداف الولايات المتحدة الأمريكية نفسها.”

          وشدد الرئيس الروسي أن بلاده “لا يمكن أن تكون البادئة” بحرب نووية كارثية انطلاقاً “من عدم ايماننا بمفهوم الضربة الوقائية. واضاف أن روسيا “لا تعتزم أن تكون الأولى في نشر مثل هذه الصواريخ (كروز) في أوروبا. في حال طوّرتها الولايات المتحدة ونشرتها في أوروبا، فهذا الأمر سيفاقم بشكل كبير الوضع الأمني الدولي، وسيخلق تهديدات جدية لروسيا”. وأشار إلى أن بعض الصواريخ قادرة على بلوغ “موسكو خلال 10-12 دقيقة”.

          الردود الأميركية والأوروبية عكست مدى القلق من تصريحات الرئيس بوتين الذي “يهدد باستهداف أميركا بصواريخ نووية،” كما جاء في عنوان يومية التايمز اللندنية، 21 شباط الجاري، باعتباره “أخطر تهديد من بوتين للولايات المتحدة منذ إعلان إدارة ترامب الانسحاب” من المعاهدة النووية. مسؤول أميركي لم يفصح عن هويته صرح للصحافيين بأن بلاده “تلتزم بشكل تام بمعاهدة الحد من الاسلحة النووية متوسطة المدى.” الناطق باسم الخارجية الأميركية زعم أن “الولايات المتحدة لا تسعى لتطوير مماثل لآنظمة جديدة تحمل رؤوساً نووية.”

          هناك مؤشرات وايحاءات أميركية ضعيفة ترمي لاستعادة تفعيل المعاهدة النووية مع روسيا، أحدثها جاء على لسان وزير الطاقة الأسبق، ايرنيست مونيز، خلال حضوره “مؤتمر ميونيخ للأمن،” 17 شباط الجاري ليومية ديفينس نيوز، معتبراً عودة الولايات المتحدة للالتزام بنصوص المعاهدة مشروطة بتوصل الطرفين لاتفاق على نظام تفتيش للنظم التي يُعتقد أنها تنتهك المعاهدة. وأوضح “بصراحة، فالروس الذين تحدثت معهم أفادوا بأن كل ما هو مطلوب الموافقة على نظام تفتيش متبادل ..”

          واستطرد معرباً عن اعتقاده أن ما يقض مضجع الجانب الروسي هو نشر منظومة “ايجيس” الصاروخية على شواطيء دول اوروبا الشرقية المحاذية للحدود الروسية وما تمثله من قدرات تدميرية تنتهك نصوص المعاهدة.

          خبير علم الصواريخ الأميركي الشهيرفي (معهد ماساتشوسيتس التكنولوجي MIT،) تيد بوستول، مضى محذراً من خطورة تلك المنظومة لقدراتها العالية في إطلاق صواريخ كروز “وينبغي أخذ قلق الجانب الروسي منها بعين الاعتبار.”

          واستطرد محذراً من خطورة السلاح النووي في مقال نشره بصحيفة نيويورك تايمز، 19 شباط الجاري، أن “صواريخ كروز الحديثة المسلحة برؤوس نووية مفزعة إلى حد بعيد عن ذاك الجيل من الصواريخ المتضمن في المعاهدة النووية الموقعة عام 1987 .. لا سيما في قدراتها الراهنة لتعديل مسار تحليقها تلقائياً والبقاء في حالة تأهب لتنقض على الهدف المرسوم مسبقاً.”

          وخلص بوستول بمناشدة كل من واشنطن وموسكو عدم الانزلاق لسباق تسلح نووي جديد خاصة “وأن القدرات التدميرية المرعبة لدى الطرفين من شأنها تصعيد احتمالات استخدام الاسلحة النووية الكارثية نتيجة خطأ ما في خضم أزمة غير مرئية في اللحظة الراهنة.”

          في ذات السياق التحذيري من جانب الخبراء والساسة “العقلانيين” انضم الثنائي ورئيسي منظمة مبادرة التهديد النووي بالشراكة، ايرنيست مونيز والسيناتور الجمهوري الأسبق سام نان، بالقول أن واشنطن وموسكو “تحثان الخطا نحو كارثة نووية .. بالترافق مع غياب الإرادة عند الطرفين لاحتواء المشهد.”

          وطالب الثنائي المذكور في مقال مشترك في الأول من شباط/فبراير الجاري، نشرته يومية بوليتيكو، صناع القرار في واشنطن “تدارك اندلاع صراع كارثي (عبر) إعادة الانخراط مع روسيا الآن – بدعم من الكونغرس الذي يتعين عليه لعب الدور الأساس.”

          وناشدا قادة الكونغرس من الحزبين، دون أن يوجها اللوم المباشر للجانب الأميركي، بالمبادرة “لتسهيل انشاء حيز سياسي لقيادة القوتين النوويتين العظميين بعيداً عن النكبة (المحدقة) والتحدي الصريح للفرضيات الراهنة بأن (واشنطن) ليس لديها خيار آخر نحو روسيا باستثناء الشلل المفروض ذاتيا.”

          في حمأة مناخ التصعيد المعادي لروسيا واستباق الزمن لفرض مزيد من العقوبات الغربية عليها، فضلاً عن “غياب استراتيجية فعالة عند أدارة ترامب لثني روسيا عن انتاج ونشر صواريخ (نووية) متوسطة المدى بمعزل عن المعاهدة الموقعة” من شأنه أن يفاقم الأزمة عند حلفاء أميركا، بل “سيحفز اعضاء حلف الناتو على تصعيد معارضتهم للسياسة الأميركية،” وفق ما جاء في تقرير لمنظمة الحد من انتشار الأسلحة النافذة في القرار الأميركي عبر مرحلة الحرب الباردة.

          وناشدت المنظمة في تقرير لها في الأول من شهر شباط الجاري، قادة واعضاء الكونغرس “الامتناع عن تخصيص اي موارد مالية لشراء نظم تسليحية” نووية؛ والذهاب سوية مع روسيا لتجديد العمل بالمعاهدات النووية السابقة “لخمس سنوات إضافية لما بعد عام 2021” بعد انتهاء صلاحياتها.

بيد أن الوقائع الملموسة راهنا تتعارض بشدة مع توجهات “العقلاء” ونصائح الخبراء التقليديين، خريجي مرحلة الحرب الباردة، وتصطدم بعزم الإدارة ومفاصل صنع القرار المضي بخطة تسليح نووية جديدة، رغم إدراكها جميعاً أن ما يتوفر لدى ترسانتها راهنا يكفي لتدمير الحياة على الكرة الأرضية بكاملها.

2019-08-02 التحليل

التحليل

خطاب ترامب: كلام معسول يحث على الوحدة الداخلية

مع تهديد انتقائي للخارج

        لم يخلُ الخطاب السنوي المقدم أمام مجلسي الكونغرس من الرتابة التقليدية عن توصيف “الحالة العظمى والفريدة” لانجازات الولايات المتحدة؛ أو من الانتقادات القاسية لزعيمة مجلس النواب، نانسي بيلوسي وآخرين.

        أما الجانب المثير، بتقديرنا، فهو ما جاء به من معلومات، تصريحاً وتلميحاً، حول زوايا متعددة من الاستراتيجية الكونية الأميركية؛ وبشكل خاص ما له صله بالصراع العربي – الصهيوني أولى بشائره اعلان الانسحاب الأميركي من سوريا ولاحقاً من افغانستان، هذا العام.

        لعل رد فعل نانسي بيلوسي، عقب انفضاض الجلسة الاحتفالية للخطاب، يشكل تلخيصاً مكثفاً للقضايا الخلافية بين الفريقين، التي سيبنى عليها ملامح المرحلة المقبلة استعداداً لجولة الانتخابات الرئاسية المقبلة.

        اتهمت بيلوسي الرئيس ترامب بأنه “قدم وقائع مشوهة” للحالة الأميركية وما تضمنه “سيحتاج لعدة ايام للكشف عن حقيقته؛ واضرام النار بمشاعر الخوف وصناعة أزمة الجدار،” ملفتة النظر إلى لهجة التهديد التي وجهها الرئيس ترامب للكونغرس على خلفية مطالبة الحزب الديموقراطي، عبر ترؤسه للجان مجلس النواب، بتشديد التدقيق ومحاسبة سجلات الرئيس.

        على صعيد السياسة الخارجية، أكد الرئيس ترامب على مركزية منطقة “الشرق الأوسط” في الاستراتيجية الأميركية والذي يمثل “أحد أعقد التحديات” أمام الولايات المتحدة، مشدداً على عزمه سحب القوات الأميركية من أفغانستان وسوريا في أسرع وقت ممكن، إذ أن “الأمم العظمى لا تخوض حروباً بلا نهاية،” وفق توصيف ترامب.

        ايران حضرت بقوة في الخطاب منتشياً بسياسته “لمنع ايران من الحصول على سلاح نووي؛ وطبقنا اقسى العقوبات المفروضة على أي دولة،” معلناً أن بلاده “لن تغض الطرف عن نظام يهتف بالموت لأميركا ويهدد بإبادة الشعب اليهودي.” وحافظت ايران على مرتبتها الأميركية بأنها “الراعي الأكبر للإرهاب.”

        روسيا والصين كان لهما نصيبهما من الحملة الأميركية المعادية، مستغلاً الفرصة لتبرير انسحاب بلاده احادي الجانب من معاهدة الحد من الأسلحة النووية متوسطة المدى مع موسكو. بينما جانب الحذر بالنسبة للصين وبأنه “يعمل من أجل التوصل لاتفاق (تجاري) جديد” معها.

        اللافت أن تبجح الرئيس ترامب بتحقيق “انجازات” في مجال السياسة الخارجية لا يتسق مع شرائح واسعة من قيادات حزبه الجمهوري، وبخلاف لهجته التوفيقية مع الحزب الديموقراطي؛ إلا انه أسهم بالاضاءة على مدى الانقسامات السائدة في البلاد ومنذ تسلمه مهامه الرئاسية.

        تأكيد الرئيس ترامب على عزمه بالانسحاب من كل من سوريا وافغانستان اصطدم بمصادقة مجلس الشيوخ على قرار “رقم إس 1،” لدورته الحالية، يحذره من مخاطر “انسحاب متهور” من سوريا بالدرجة الأولى. وفاز القرار بنسبة 77 مقابل 23 صوتاً. كما تضمن القرار بنودا خاصة لتجريم “انتقاد أو مقاطعة اسرائيل” من الأميركيين.

الاتحاد ليس بخير

        أضاء الرئيس ترامب على أداء القوات العسكرية الأميركية التي “باتت تقاتل في الشرق الأوسط منذ 19 عاماً تقريباً؛ تسببت في مقتل ما يقرب من 7000 عسكري ونحو 52،000 من الجرحى والمعاقين؛ كلفتها الإجمالية تفوق 7000 مليار دولار.”

        أما حال الاقتصاد، الركيزة الأساس في تصريحات الرئيس، فقد زعم أنها بألف خير واصفاً التحول الاقتصادي في عهده بـ “المعجزة .. وينمو بمعدل الضعف” منذ دخوله البيت الأبيض.

        بيد أن نظرة علمية على الاقتصاد الأميركي تشير إلى واقع لا يبعث على االارتياح. مع نهاية عام 2017، ابان ولاية الرئيس اوباما، صادق الكونغرس، باغلبيته من الحزب الجمهوري، على خفض اضافي للضرائب المفروضة على الأثرياء. ورجح الخبراء الاقتصاديون أن حرمان الخزينة الأميركية من مدخولها سيرفع حجم الدين العام إلى 35 ألف مليار (تريليون) دولار، مع حلول عام 2028.

        بالمقابل، بلغ حجم الدين العام ما نسبته 32% من الناتج القومي العام. في ظل الصيغة الراهنة لإعفاء الأثرياء من دفع مستحقاتهم يتراكم معدل الدين بنسبة متسارعة تبلغ “ألف مليار (تريليون) دولار سنويا،” مما يشكل 105% من الناتج القومي. أما معدلات الأجور فحدث ولا حرج، إذ عجزت عن التماهي او اللحاق بمعدلات التضخم المتصاعدة دوماً؛ وتراجع “مستويات الرفاهية لدى الشعب الأميركي بنسب مذهلة،” وفق تقديرات خبراء الاقتصاد.

        “المعجزة الاقتصادية” التي بشر بها الرئيس ترامب تجد صداها لدى كبريات المؤسسات الاقتصادية من مصرفية وصناعة الأسلحة حصراً، تجسدت بأكبر ميزانية تسليحية في تاريخ الولايات المتحدة.

        تغني الرئيس بالأداء “المذهل” للقوة الأميركية فندته وزارة الدفاع الأميركية عينها بإعلانها مطلع الشهر الجاري، دون صخب الضجيج المعتاد، عن شراء بطاريتين “للقبة الحديدية” من تل أبيب “لإجراء مزيد من التجارب عليها،” بسعر إجمالي يعادل  373 مليون دولار، في نطاق برنامج مشترك أوسع قيمته 1.7 مليار دولار مع حلول العام القادم. وبلغ مجموع الإنفاق الأميركي على المشروع نحو 1.4 مليار دولار، منذ عام 2011.

 بينما في حقيقة الأمر جاء الإعلان بمثابة “إقرار مهين بفشل نظم الأسلحة الأميركية .. ” حسبما جاء في النشرة الاقتصادية بيزنيس انسايدر، 6 شباط الجاري. ونقلت عن مصادرها في البنتاغون القول أن النظام المذكور كان “بديل مؤقت لسد حاجة معينة، وسنمضي البحث في بدائل أخرى.” أما نظام الباتريوت، بحسب النشرة، فإنه “فشل فشلاً ذريعاً في السعودية أثناء تصديه لتهديدات متواضعة.. ويلجأ المسؤولون الأميركيون إلى المبالغة في نسبة نجاحه.”