2020-13-03-التحليل

التحليل

 

وباء كورونا وأميركا:

استنفار شامل وسط فوضى وإنكار

 

         بعد طول انتظار سمته التخبط والفوضى والنكران، اضطر البيت الابيض للتعامل مع تفشي وباء “كورونا” واتخاذ بعض الإجراءات الاحترازية للوقاية منه، وذلك في اليوم التالي لإعلان “منظمة الصحة الدولية” الوباء بتصنيفه جائحة تهدد البشرية جمعاء.

         وتراجع عقب ذلك منسوب الاهتمامات اليومية بالانتخابات التمهيدية للحزبين الديموقراطي والجمهوري، وتتالت نداءات الغاء التجمعات والمهرجانات الحزبية، ولا زالت تطبيقات الإجراءات الاحترازية سمة الحياة اليومية التي افتقدت حالتها الطبيعية وتوقفت معظم وسائل النقل الأرضية والجوية أسوة ببعض البلدان المنكوبة مثل إيطاليا.

         بيد ان الإعلان الرسمي تخلف زمنياً عن إجراءات طواريء أقدمت عليها بعض الولايات الأميركية، نيويورك وواشنطن وكاليفورنيا، عللته يومية واشنطن بوست بأنه نتاج إسناد الرئيس ترامب مهمة تتطلب الاختصاص العالي والمسؤول لشخص جاريد كوشنر الذي يفتقد المهنية والتخصص والمؤهلات سوى كونه زوج ابنته المفضلة. (15 آذار الجاري).

         في التفاصيل أيضاً، عقد كبار الخبراء الأميركيين، بدعوة من مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، مؤتمراً الشهر الماضي ضم خبراء من دول أخرى عبر دائرة تلفزيون مغلقة، لتداول الآراء وسبل العلاج والإعداد للطواريء والتقديرات حول أعداد الضحايا الأميركيين المرئية، انطلاقاً من فرضية انتشار الفايروس وإجراءات مواجهته.

         خلص اللقاء إلى تقدير علمي يصل إلى إصابة ما بين 160-214 مليون أميركي بفايروس كورونا وقد يمتد انتشاره لبضعة أشهر وربما سنة كاملة؛ بينما قدرت عدد وفياته بين 200،000 إلى 1.7 مليون شخص. (نيويورك تايمز 13 آذار الجاري).

         وذهب أخصائيي مراكز السيطرة CDC بالقول إن عدد الذين ينبغي معاينتهم وعلاجهم في المستشفيات قد يتراوح بين 2.4 مليون – 21 مليوناً. أما المأساة الكبرى فهي في عدد الأسرة اليسير التي تستطيع المستشفيات الأميركية استيعابها، 925،000، وفق الاحصائيات والبيانات المتوفرة والخاضعة لإشراف مراكز السيطرة بالمحصلة النهائية.

         إعلان منظمة الصحة العالمية رسميا عن وباء كورونا يستدعي تلقائيا تبني برنامج تلقيح شامل وما يتطلبه من توفيره للمناطق المنكوبة عالمياً مجاناً، بمئات الملايين. اللقاح المضاد غير متوفر “تجارياً،” وأفضل التقديرات العلمية أنه لن يتوفر قبل 12-18 شهراً، على الرغم من تصريحات البيت الأبيض المفعمة بالتفاؤل وإسناده براءة اختراع اللقاح لمؤسسات أميركية.

         على الشق المقابل، أعلنت الصين مطلع العام الجاري أنها اختارت دواءً كوبي المنشأ، Interferon Alpha – B2 من بين 30 دواء لمكافحة تفشي الفايروس، من قبل لجنة الصحة الوطنية الصينية لعلاج حالة الجهاز التنفسي، نظراً لفعاليته في التجارب السابقة ضد الفايروسات ذات الخصائص المماثلة لفايروس كورونا.

         يشار إلى أن الصين وكوبا افتتحتا منشأة مشتركة، Chang Heber، لإنتاج الدواء في مدينة تشانغتشون بمقاطعة جيلين الصينية لإنتاج اللقاح الكوبي.

         عدم انتشار اللقاح الكوبي عالميا، وفق أخصائيي البيولوجيا الدقيقة، يعود لحسابات سياسية أميركية وإجراءات المقاطعة الصارمة لكوبا مما يحرم الأخيرة من السوق الدولية.

         في السياق عينه، كشفت الحكومة الالمانية عن مساعي حميمة من قبل البيت الأبيض والرئيس ترامب شخصياً “لإغواء” شركة ألمانية نشطة في مجال لقاح الفايروس، CureVac، إما بنقل مقراتها للولايات المتحدة مقابل مكافآت مالية ضخمة أو إيفاد الأخصائي الأكبر فيها للعمل “حصرياً” لصالح الولايات المتحدة وتسجيل المنتج كلقاح أميركي. (رويترز 15 آذار الجاري).

أصدرت شركة CureVac بيانًا فى 11 آذار الجاري بأن رئيسها التنفيذى، دانييل مينيشيلا Menichella ، وهو مواطن أمريكي ، سيغادر الشركة بشكل غير متوقع وسيتم استبداله بمؤسس الشركة، إنجمار هوير.

في مطلع شهر آذار وجه البيت الأبيض دعوة لمينيشيلا لزيارة واشنطن ومناقشة استراتيجية تطوير سريع وإنتاج لقاح فيروس كورونا مع فريق يضم الرئيس ترامب ونائبه مايك بنس، وفريق عمل البيت الأبيض لفايروس كورونا.

         كشفت الأزمة الراهنة في أميركا عن ثغرات بنيوية ليس في معالجة المصابين فحسب، بل لناحية تصنيف أسباب الوفاة عند وقوعها وتبني الإرشادات الضرورية بناء عليها.

         مدير مراكز السيطرة على الأمراض، روبرت ريدفيلد، أقر في شهادته أمام الكونغرس، 11 آذار الجاري، أن عدد من الوفيات من الفايروس تم تصنيفها “خطأً” تحت خانة الانفلونزا السنوية التي تحصد نحو 36،000 مصاب في أميركا – حسب البيانات الرسمية.

         وأثبت ريدفيلد خلال شهادته، بعد طول مماطلة ومراوغة عن الإجابة الصريحة، أن تصنيفات الوفيات من الأمراض المعدية ضمن خانة الإنفلونزا كانت سارية لعدة أشهر؛ وإرشادات مراكز الوقاية، CDC، للمستشفيات بأن لا تقدم على إجراءات فحص المريض من الفايروس إلا في الحالات القصوى.

         مدير المعهد القومي للحساسية والأمراض المعدية، انثوني فاوسي، في جلسة الكونغرس عينها، شدد على أن فايروس كورونا أشد فتكاً بالمريض بنسبة 10 أضعاف المصاب بالانفلونزا.

         البيت الأبيض من جانبه ولحسابات سياسية انتخابية لترامب أصدر توجيهات صارمة مؤخراً لكافة الهيئات الرسمية العاملة في مجال الصحة العامة بعدم الإدلاء بأي تصريح بهذا الخصوص قبل الرجوع للبيت الأبيض والحصول على تفويض بذلك.

         في الساعات الأخيرة لإعداد التقرير بين أيديكم، حثت بعض الوزارات الأميركية الرسمية موظفيها، في وقت متأخر من مساء الأحد، على البقاء في المنزل وعدم الحضور لمقراتها أو الأخرى البديلة لمدة لم تحددها بعد، كمؤشر على إعلان رسمي بإغلاق مرافق الدولة لمدة 14 يوماً، كما يعتقد.

         السردية الرسمية الأميركية، منذ إعلان الصين عن الوباء، سعت جاهدة لإلصاق انتشاره بفشل الإجراءات الصينية وانكشاف نظامها للرعاية الصحية، مقابل النظام الأميركي “الأول في العالم.” بل ذهبت السردية لتبني الرئيس ترامب ونائبه مقولة انه “وباء أجنبي،” كانعكاس للعقلية العنصرية والإقصائية السائدة في مفاصل النظام السياسي الأميركي برمته.

         منظمة الصحة العالمية هنأت الصين ولاحقاً إيران على نجاح الإجراءات المعتمدة لاحتواء ومعالجة الوباء، ولم تكترث لها رواية الإعلام الأميركي، رغم تأخرها زمنياً ووقائياً.

         الآن، وعقب اتضاح حجم انتشار الوباء بسرعة فائقة داخل الأراضي الأميركية، وانكشاف قصور نظام الرعاية الصحية، باستثناء الشريحة الثرية الضيقة المستفيد الأول منه، فإن الولايات المتحدة أمام تحدي شامل لم تعهده من قبل، بل كانت تتصرف بكيدية وغير مبالية بمعاناة الشعوب الأخرى ومستمرة بعقوباتها الإجرامية الأثر.

         الفارق الأساسي بنظرنا بين نجاح الصين وإيران وايطاليا، بالدرجة الأولى، في احتواء ومعالجة الفايروس بنتائج إيجابية يكمن في طبيعة التوجهات من مسؤولية الدولة المركزية وتجنيدها كافة القدرات والإمكانيات لمكافحة الوباء، وقد فعلت ذلك بشفافية عالية وفق إقرار منظمة الصحة العالمية؛ وبين نظام يُخضع الرعاية الصحية لحسابات الربح المادي ويوكل المسؤولية لبضع شركات ضخمة فشلت في المهمة قبل أن تبدأ، وتكشفت حقيقة توطين منتجاتها في الخارج سعياً وراء الربح.

         بيانات انتاج العقاقير والأدوية الأميركية تشير إلى ما لا يقل عن 80% من مكونات الأدوية المصنعة، بالإضافة للمعدات الطبية، مصدرها الصين. بل أن اعتماد السوق الأميركية على منتجات المضادات الحيوية من الصين يقارب نحو 90%.

         من المرجح أيضاً أن تتسع دائرة الانتقادات الجادة لغياب دور الدولة في ظل المناخ الانتخابي الراهن، بين فريقي المؤسسة الحاكمة قد تقدم المراكز الرأسمالية على بعض التنازلات الشكلية درءاً لعاصفة الانتخابات، لكنها لن تمس جوهر النظام كما هي العادة.

في البعد الاقتصادي وما خبره القطاع المصرفي والأسهم الأميركي من خسارة متواصلة، قبل إعلان الرئيس ترامب عن اجراءاته الاحترازية، تسود الخشية بين أوساط المصالح التجارية الكبرى من ركود اقتصادي نتيجة فايروس كورونا بعد إلغاء الفعاليات وإغلاق المدارس والمرافق الرسمية في إطار جهود مكافحة انتشاره.

2020-06-03-التحليل

التحليل

 

تداعيات الانتخابات التمهيدية:

الحد من صعود ساندرز وإحياء فرص ترشيح الحزب لبايدن

 

         زجّت المؤسسة القيادية في الحزب الديموقراطي بكل ما لديها من نفوذ وامتدادات سياسية وطاقات إعلامية لتشويه وشيطنة المرشح التقدمي بيرني ساندرز، أثمرت بتحقيق انقلاب في نتائج الانتخابات ليوم “الثلاثاء الكبير،” وبروز مرشحها المفضل نائب الرئيس الأسبق جو بايدن في المرتبة الأولى.

         في خطوة غير مسبوقة في الانتخابات الأميركية صدر بيان مشترك عن “وزارتي الخارجية والعدل ومكتب التحقيقات الفيدرالي،” عشية الانتخابات التمهيدية، حذر فيه الناخب الأميركي “الإبقاء على يقظته من مساعي عناصر أجنبية للتأثير على المزاج العام ورسم بوصلة الناخب ومداركه،” في إشارة واضحة لإثارة وتجديد الاتهامات باتجاه مزاعم تدخل روسيا في الانتخابات “لصالح المرشح الاشتراكي” بيرني ساندرز.

         وظفت مؤسسة الحزب الديموقراطي أيضاً طاقات إضافية لتحشيد قطاع الناخبين من السود، الأفارقة الأميركيين بالتعريف الرسمي، بضمنها تدخل ومناشدة الرئيس السابق باراك أوباما لرموز قيادية ومؤثرة بينهم لاستنهاض الهمم والتصويت لصالح المرشح جو بايدن، بدءاً بولاية ساوث كارولينا وانسحاباً على الولايات الجنوبية الأخرى.

         يعزى فوز بايدن في الولايات الجنوبية إلى عامل الناخبين السود بالدرجة الأولى، ليس للدلالة على “شعبية” المرشح، بل نتيجة ضعف قاعدة التأييد للحزب بين الناخبين البيض. وعليه، فإن تكتل الناخبين السود يشكل المجموعة الأكبر كثافة بين مجموع الناخبين؛ وتباين التأييد أيضا بين شريحة كبار السن المؤيدة لبايدن والشريحة الشبابية الميالة لتأييد ساندرز والتي تشكل نحو 15% من الناخبين السود.

          النتائج الرسمية دلت ليس على فوز المؤسسة التقليدية للحزب الديموقراطي وإنقاذ الحملة المتعثرة للمرشح بايدن فحسب، بل على مدى وأفق التغيير “الدراماتيكي” للصراع بين تياري الحزب: التقليدي المؤسساتي من ناحية، واليسار التقدمي من ناحية أخرى.

         استحدثت قيادة الحزب الديموقراطي شعار “قابلية المرشح للفوزElectability ،” لتوجيه الرأي العام في سياق أوحد يفضله الحزب؛ جسده بتصريحات كبار قياداته بعد إعلان نتائج “الثلاثاء الكبير،” مفادها أن “جمهور الناخبين أيدوا كلا المرشحيْن (بايدن وساندرز) لكنه توحّد بوضوح حول المرشح الذي رآه الأكثر قابلية للانتخاب.” (المدير الإعلامي لجمعية حكام الولايات الديموقراطيون، جاريد ليوبولد).

         كذلك سلطت قيادات الحزب الديموقراطي وامتداداتها الإعلامية الأنظار على تصريحات بيرني ساندرز التي أشاد بها بإنجازات الثورة الكوبية، لا سيما في سجلها بمحو الأمية وبرامج الرعاية الصحية الشاملة، ووجدتها فرصة مؤاتية لاستنهاض الجالية الكوبية المناهضة للنظام الاشتراكي في ولاية فلوريدا وحشدها ضد المرشح ساندرز، ووقف زخم حملته والحيلولة دون بلوغه حسم نتائج الانتخابات التمهيدية.

         لتلك العناصر وعوامل أخرى كان الدور الرئيس في “اقناع” المرشحيْن الآخرين، بيت بوتيجيج وآيمي كلوبوشار ولاحقا مايكل بلومبيرغ، بالانسحاب من السباق وتأييد المرشح جو بايدن. بل تشير تحركات اللحظات الأخيرة إلى التدخل المباشر من قبل كبار قيادات الحزب الديموقراطي، أنصار العولمة: باراك أوباما، نانسي بيلوسي، وتشاك شومر؛ بالضغط على ممولي المرشحيْن (بوتيجيج وكلوبوشار) بسحب الدعم والانتقال لتأييد جو بايدن.

         عند هذه المحطة الفاصلة في الصراع ينبغي التذكير بأجواء الانتخابات لعام 2016، وتفضيل مؤسسة الحزب الديموقراطي للمرشحة هيلاري كلينتون ضد الصاعد بيرني ساندرز؛ وقناعتها الجمعية المفرطة بالتفاؤل بأن كلينتون ستكسب الانتخابات أمام المرشح الجمهوري دونالد ترامب دون عناء كبير.

         وجاء في تقييم لإستراتيجيي الحزب الديموقراطي آنذاك أن السيدة كلينتون أخفقت في كسب نحو “70% من الناخبين المؤيدين للرئيس أوباما،” في حملته الرئاسية لعام 2012، بل خسرتهم لغير رجعة. الإخفاق والفشل، بحسب أولئك، يعودان إلى الفجوة الهائلة بين خطاب الحزب ومرشحته لا سيما تأييدها الثابت لمعسكر الحرب، من ناحية، وبين طموحات ومطالب الناخبين السود بالدرجة الأولى.

         حسابات الحقل خالفت حسابات البيدر آنذاك، ولم تفلح قيادة الحزب الديموقراطي في سبر أغوار هزيمة مراهناتها الكامنة أساساً في رفض قواعده الشعبية، لا سيما التقدمية والمستقلين، لمرشحة مؤيدة بقوة لسياسات الحروب؛ ولعلنا نشهد تكراراً لتلك التجربة مرة أخرى: مرشح الحزب المفضل هو استمرار لاستراتيجية شن الحروب وبسط الهيمنة ونموذج العولمة، عوضاً عن سياسات التعايش والإقرار بتعدد القطبية الدولية.

         عدد من مراكز الدراسات المقربة من الحزب الديموقراطي أشارت بوضوح إلى انحياز عدد لا بأس به من مؤيدي المرشح ساندرز، في الانتخابات الرئاسية الماضية، للتصويت للمرشح الجمهوري دونالد ترامب انتقاماً من السيدة كلينتون وقيادات الحزب.

         على سبيل المثال، في ولاية ويسكونسن الحاسمة 8% من مؤيدي ساندرز صوتوا لصالح ترامب انتقاماً من كلينتون، عام 2016؛ ونحو 16% من ذات الفريق المؤيد لساندرز في ولاية بنسلفانيا صوتوا لصالح ترامب. (المصدر: Cooperative Congressional Election Study (CCES) )

         تأكيداً على النبض الشعبي المناهض لمؤسسة الحزب الديموقراطي، لعام 2016، كرر المقربون من أوساطه تباعاً أنه لو توجه الحزب لترشيح بيرني ساندرز آنذاك “لتفوق بأغلبية حاسمة على مرشح الحزب الجمهوري ترامب، مقارنة بتوقعات الحزب بفوز السيدة كلينتون.” بعضهم اتهم قيادة الحزب بتفضيل تدفق تبرعات شريحة فاحشي الثراء واسترضائها، المليارديرات، وما رافقها من خسارة الانتخابات على العمل الجاد لإجراء إصلاحات بنيوية في الهيكل السياسي الأميركي الممثل ببرنامج ساندرز، في الدورتين السابقة والراهنة.

         في المنعطف الراهن للانتخابات الأميركية تنبغي الإشارة إلى ما يعانيه المرشح المفضل للحزب، جو بايدن، من تردي في حالته الصحية والذهنية نجد ترجمتها في تصريحاته المتناقضة وهفواته المستمرة الأمر الذي حفز الأخصائيين من الأطباء التدليل على تراجع قدراته الذهنية وأهليته القيادية، وهو في مرحلة متقدمة من العمر.

         علاوة على ذلك، يميل بايدن إلى المبالغة المستمرة في تجميل سجله تصل إلى حد الكذب الصريح في محطات متعددة ومتواصلة. منها على سبيل المثال ادعاءه بالاعتقال من قبل سلطات الفصل العنصري الجنوب إفريقية أثناء محاولته لقاء المناضل نيلسون مانديلا، لاسترضاء عواطف السود؛ واضطراره للتراجع عن سرديته بعد تدقيق الصحافة فيها.

         ساق بايدن أيضاً نيله ثلاث شهادات جامعية “والتخرج ضمن دفعة العشرة الأوائل،” عام 1988، وسرعان ما انهار ادعاءه أمام الحقائق التي أشارت إلى نيله شهادة جامعية واحدة، لا غير، والتخرج بمرتبة 76 من مجموع 85 على دفعته الجامعية.

أهمية فوز بايدن بالولايات الجنوبية، باعتقادنا، مبالغ بها في المرحلة الراهنة لكونها تميل لتأييد المرشح الجمهوري في الانتخابات العامة؛ كما دلت على ذلك انتخابات عام 2016 وتصويتها بقوة لصالح المرشح دونالد ترامب. فضلاً عن احكام الحزب الجمهوري سيطرته على الهيكلية السياسية في معظم تلك الولايات: حكاماً ومجالس محلية وسلك القضاء.

         بعبارة أخرى، لا ينبغي الإفراط في التفاؤل بأن الولايات الجنوبية ستؤيد بايدن أو حتى ساندرز في الانتخابات العامة؛ فالآلة الانتخابية الهائلة للحزب الجمهوري تعتبرها ساحتها الخلفية ولن تضحي بها، حتى لو اضطرت إلى تبديد أصوات السود وذوي الأصول اللاتينية، كما شهدنا في ولاية تكساس مؤخراً بإقصائها من الحزب الديموقراطي.

         اللوحة الراهنة ممن تبقى من انتخابات تمهيدية، 10 و 17 الشهر الجاري، لا تشير بأنباء مشجعة للمرشح بيرني ساندرز، باستثناء ولايتي واشنطن وربما متشيغان، نظراً لما تقدم من عزم الحزب الديموقراطي إقصاء ساندرز “بأي وسيلة ممكنة.”

         حتى لو حالف الحظ بيرني ساندرز بفوز معتبر في عدد المندوبين للوصول إلى المؤتمر العام وشبه ضمان ترشيحه، فسيصطدم بعقبة كتلة من كبار النافذين في الحزب، تعدادها نحو 500 عنصر مكونة من أعضاء مجلسي الكونغرس، والرؤساء السابقين – بيل كلينتون وباراك أوباما- وآخرين والذين سيمارسون نفوذهم الضاغط “خلف الكواليس” لترجيح كفة مرشحهم المفضل جو بايدن؛ وكأننا أمام تكرار لتجربة الانتخابات الماضية لإقصاء بيرني ساندرز.


بايدن مقابل ترامب

         السؤال الجوهري الحاضر دوما هل باستطاعة جو بايدن، وما يمثله من امتداد للمؤسسة الحاكمة، الفوز على دونالد ترامب في الانتخابات العامة؟

         الإجابة ليست لغزاً او انعكاساً لتكهنات المحللين والمراقبين، بل نجدها في خسارة الحزب الديموقراطي ومرشحه باراك أوباما للولايات الجنوبية، بالدرجة الأولى في الانتخابات النصفية لعام 2010، والتي أسفرت عن فوز ساحق للحزب الجمهوري في مقاعد مجلسي الكونغرس، والأهم كذلك فوز مرشحي الأخير في مناصب حكام الولايات والمجالس التمثيلية المحلية أيضاً، 2010 و 2014 تباعاً.

         ترشيح بايدن من قبل الحزب الديموقراطي، كما هو متوقع، سيسفر عن نتيجة مماثلة للدورة السابقة بين صفوف مؤيدي المرشح ساندرز: بعضهم سيصوت للرئيس ترامب نكاية بالحزب الديموقراطي، والبعض الآخر سيفضل عدم المشاركة، مقابل إقبال فاعل  وكثيف لقواعد الحزب الجمهوري.

         في ظل هذه القراءة، نستطيع القول إن الحزب الديموقراطي يقف على اعتاب خسارته لبعض الولايات في الشطر الغربي من اميركا، وكذلك في الولايات الجنوبية؛ ولن يسعفه فوزه ببعض الولايات الحاسمة، مثل ويسكونسن وبنسلفانيا واوهايو.

         بل ستعزز توجهات قيادات الحزب الانقسامات العامودية والأفقية، على السواء، نتيجة صراع التيارين المشار اليهما، التقليدي والتقدمي؛ ومن العبث التغلب على أي جولة انتخابية في ظل هكذا انقسامات طويلة الأجل، وليست عابرة كما يشاع.

         كذلك لا ينبغي استثناء أهمية عامل هجوم ترامب القاسي على بايدن في المناظرات الرئاسية المقبلة والذي لن يوفره بالمطلق خاصة لاتهامه بالفساد وتلقي الرشاوى. وليس مستبعداً أن يعمد المرشح ترامب لاستثارة الناخبين مرة أخرى فيما يعرف “بمفاجأة أكتوبر،” أي عشية الانتخابات الرئاسية، والإفراج عن تفاصيل بالغة الإحراج لبايدن في علاقاته مع أوكرانيا، بصرف النظر عن مدى صدقيتها أو ثبوتيتها، ولن يكون بمستطاع الحزب الديموقراطي مواجهتها بفعالية نظراً لقصر المسافة الزمنية المتاحة حينئذ.

         القراءة الراهنة للوحة الانتخابية ومراكز القوى المؤثرة تشير بقوة إلى رجحان كفة إعادة انتخاب الرئيس ترامب بولاية رئاسية ثانية، بكل ما تعنيه من استمرار سيطرة الشرائح الأشد ثراء، نخبة 1%، على نهج ومقدرات الولايات المتحدة والعالم بأكمله.

2020-28-02-التحليل

التحليل

في عملية تطهير متواصلة

 

         منذ أن لاحت بوادر “تبرئة” ترامب من المحاكمة وإجراءات العزل سارع مساعدوه للتأكيد على نيته بالانتقام من خصومه وأعدائه، ليس في مستوى مجريات المحاكمة فحسب، بل استهداف أركان “الدولة العميقة” بغية تطبيقه لشعاراته السابقة “بتجفيف مستنقع” السياسة في واشنطن.

         وعلى الرغم من تصريح المتحدثة باسم البيت الأبيض، ستيفاني غريشام، عشية ثبوت “براءته،” بأنه “من المحتمل أن يدفع بعضهم الثمن،” لمعارضته الرئيس ترامب؛ إلا ان الأخير باشر في الانتقام من خصومه و”غير المرغوب بهم” في أجهزة الدولة.

         أولى التغييرات طالت موظفي مجلس الأمن القومي، بالدرجة الأولى، حيث استطاع التخلص من نحو 200 موظف بجرة قلم، معظمهم محللون وخبراء منذ ولاية سلفه الرئيس أوباما؛ فضلاً عن شخصيات أخرى في الجهاز القضائي، ووزارة الدفاع، وآخرون “ينتظرون الطرد.”

         التغييرات الهيكلية في عدد كبير من الأجهزة الحكومية تبقى ضمن صلاحيات الرئيس، كرمز للسلطة التنفيذية، لا سيما المناصب والمهام التي لا تستدعي موافقة مجلس الشيوخ عليها. ودرج مصطلح بأن الشخص المعين في منصبه مهما على شأنه “يبقى في الخدمة وفق رغبة الرئيس؛” بضمنهم رؤساء أجهزة الاستخبارات ومكتب التحقيقات الفيدرالي والوزراء.

 بيد أن الحافز الأساسي لتصرفات ترامب، بعد شعوره بالنشوة والانتصار في معاركه ضد قادة الحزب الديموقراطي، يكمن في قناعته الراسخة بأنه يسعى لتثبيت من يكن له ولاءاً وليس بالضرورة لاعتبارات الكفاءة.

يضاف إلى ذلك بأن الرئيس ترامب، بخلاف معظم أسلافه الرؤساء، لم يستند إلى قاعدة ثابتة داخل حزبه تعينه على ملء المناصب الشاغرة، منذ اليوم الأول لتسلمه منصبه؛ ولجأ للاعتماد على الثقاة من السياسيين الذين سرعان ما انقلب عليهم وخياراتهم معاً، مثل وزير العدل السابق جيف سشينز.

         كشف بعض خصوم الرئيس ترامب مؤخراً عن اهتمامه بلوائح موظفين قدمت له ينبغي إقالتهم من مناصبهم، وأخرى لترشيح من يرونه أشد ولاءاً ليس لشخص الرئيس فحسب، بل لأهداف وبرامج وتوجهات التيارات المفرطة في عنصريتها داخل الحزب الجمهوري؛ وإن لزم الأمر، اقصاء بعض أبرز الشخصيات المؤثرة في مسيرة نجاح الحزب، مثل المستشار السياسي الأسبق، كارل روف.

         صيغت تلك اللوائح، وفق يومية نيويورك تايمز، 24 شباط الماضي، من قبل مجموعة “استشارية” تدعى غراوندزويل Groundswell، أبرز مفاصلها القيادية، السيدة جِنِي توماس Ginney Thomas، قرينة عضو المحكمة العليا، كلارينس توماس، تتصدر المجموعة منذ نحو 7 سنوات؛ ضمت بين صفوفها أيضاً جون بولتون وأسماء أخرى لامعة بين صفوف التيارات الأشد يمينية وتعصباُ، وبدعم من مستشار الرئيس ترامب السابق للشؤون الاستراتيجية، ستيف بانون.

         ومن بين أعضاء المجموعة الاستشارية عضو اللجنة القضائية في مجلس الشيوخ، باربارا لادين، التي كُلفت من قبل حملة الرئيس ترامب الانتخابية عام 2016 بالسعي للحصول على نسخة من الرسائل الالكترونية الخاصة لوزيرة الخارجية آنذاك، هيلاري كلينتون. لادين هي أيضاً زوجة أحد كبار المحافظين الجدد، مايكل لادين، الذي طرد من منصبه الأكاديمي في جامعة واشنطن بمدينة سانت لويس، لاعتبارات “تتعلق بجودة اسهامه الأكاديمي .. واستخدامه أعمال لآخرين دون موافقتهم.”

         وجاء في إحدى الوثائق الداخلية المسربة لوسائل الإعلام بأن المجموعة المذكورة بلورت خطة توجهاتها منذ ولاية الرئيس أوباما الثانية لشن “حرب على جبهة متشعبة من ثلاثين (موقعاً مفصلياً في أجهزة الدولة) بغية إحداث تغييرات جوهرية في البنية الحكومية.”

         العلاقة بين المجموعة الاستشارية والبيت الأبيض ليست مضمرة، ولا تسعى السيدة توماس لحجبها، بل يحضر ممثلون عن البيت الأبيض اجتماعاتها “بشكل دوري،” واستطاعت توماس الفوز بلقاء خاص مع الرئيس ترامب مطلع عام 2019، وبّخت خلاله بعض موظفي البيت الأبيض صراحة لاعتراضهم على لوائحها المقدمة للرئيس، حسبما أفادت نيويورك تايمز.

         يرجح أن أحد ضحايا المجموعة مؤخراً كان نائب وزير الدفاع للشؤون السياسية، جون رود، الذي يعتقد أن سياساته لم تنسجم مع توجهات الرئيس ترامب بل كان عاملاً معطلاً لتنفيذ سياسات البيت الأبيض.

         جدير بالذكر أن نائب وزير الدفاع رود “تلكأ” في تقديم خطة مفصلة لسحب القوات الأميركية من سوريا، وفق ما أسند إليه من مهام؛ ويعزى أيضاً بأنه لم يقم بممارسة ضغوط كافية على كل من اليابان وكوريا الجنوبية للحث على زيادة نصيبهما في تحمل الانفاق العسكري لتواجد القوات الأميركية على أراضيهما.

         عمل الرئيس ترامب منذ الأيام الأولى لرئاسته على إضعاف نفوذ مفاصل مراكز القوى في الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، بشكل أساسي. حقق بعض الإنجازات في هيكلية الأجهزة، مكتب التحقيقات الفيدرالي مثالاً، بيد أن مسار التغيير في توجهاتها وآليات عملها الجمعية، وحتى طواقمها الإدارية، سيصطدم بمعارضة شرسة من قيادات الحزبين في الكونغرس، على الرغم من تسليم كل ما يعنيه الأمر بالنفوذ الواسع لتلك الأجهزة على الحياة اليومية.

         علاوة على الجهازين المذكورين، هناك أيضاً البيروقراطية المفرطة المستحدثة في وزارة الأمن الداخلي، وصراعات النفوذ بينها وبين الأجهزة التقليدية – الأف بي آي والسي آي ايه؛ ولكل منها مؤيدوها بين قيادات الكونغرس والذين يتبادلون الخدمات وحماية نفوذ بعضهما البعض. وعليه، من غير المرجح أن يحقق الرئيس ترامب تغييرات خارج سياق الشكليات وتعيين بعض أتباعه ومؤيديه.

         ما جرى من تغيير جماعي في هيكلية مجلس الأمن القومي لم يستفز العديد من قيادات الحزبين، نظراً لمعارضتها الجماعية السابقة تضخيم الرئيس أوباما لموظفي المجلس المنفصل عن المناصب الحساسة فيه، إذ تضم عضويته الرئيس ترامب ونائبه ووزيري الخارجية والدفاع ورئيس هيئة الأركان.

         ولقي قرار الرئيس ترامب بتقليص عدد الموظفين استحساناً ودعماً من القيادات المحورية في الحزبين لاعتقادهم أن الإجراء “يرمي لتعزيز الدور التقليدي للمجلس لدعم الرئيس ومجلس الأمن القومي في جهودهم لمناقشة كل ما يخص الأمن القومي” الأميركي؛ بل سيرفع “الرئيس ترامب لمرتبة عليا في السياق التاريخي،” حسبما أفاد بعض الخبراء في الأجهزة الاستخباراتية.

         بناء على ذلك، ستتعزز صلاحيات كل من وزارات الدفاع والخارجية والأمن الداخلي، تحديداً، في بلورة ورسم السياسات المنوطة بها حسب اختصاصاتها دون الاصطدام برؤى موظفي مجلس الأمن القومي.

         فيما يخص الرئيس ترامب بالذات، إن استطاع الفوز بولاية رئاسية ثانية كما هو مرجح، فإنه سيسعى بكل ما يستطيع لتطويع مكتب التحقيقات الفيدرالي ليخدم توجهاته بتعيين كبار موظفيه من الموثوق بهم، نظراً للدور المناهض لترامب الذي تصدره المكتب خلال حملته الانتخابية الماضية وبداية ولايته الرئاسية.

         في هذا السياق، ربما ينجح ترامب بعض الشيء في كبح جماح تسلط ونفوذ جهاز الأف بي آي، بعد ترويضه، وربما ستنعكس مفاعيله ايجابياً على بعض الشرائح الاجتماعية المستهدفة، كالأقليات ولا سيما السود وذوي الأصول اللاتينية.

2020-21-02-التحليل

التحليل

مناورات الناتو: مؤشر على تغيّر
موقف ترامب من جدوى الحلف

           لم ينقطع قلق النخب السياسية الأميركية لـ “مستقبل حلف الناتو،” خصوصاً بعد نهاية الحرب الباردة. قلة تطالب بحله وآخرون ذاهبون باتجاه تطويره وتوسيع رقعة تمدده خارج نطاقات مسرحه الأساسي في ألمانيا. وانضم الرئيس الأميركي دونالد ترامب، منذ تسلمه مهامه الرئاسية، للفريق الأول بوصف الحلف بأنه “عفا عليه الزمن،” ليبتز أعضاءه لاحقاً.         تميز المناخ السائد بين تلك النخب وافرازاتها الفكرية والسياسية وحتى العسكرية بالنزعة العدوانية وإظهار “تفوق القوة الأميركية” لردع كل من تسول له نفسه من تحديها عبر العالم؛ نزعة طبعت التخطيط الاستراتيجي الأميركي عقب الحرب العالمية الثانية بشكل ملموس.

وذلك على الرغم من “تواضع الانجازات العسكرية ..  فمنذ الحرب الكورية، لم تنتصر الولايات المتحدة في أي حرب ضد أي عدو، وهذا يكشف عن خلل في التطبيق الفعلي للقوة العسكرية الأمريكية في العالم،” وفق وصف المؤرخ العسكري أندريه مارتيانوف في كتابه فقدان التفوق العسكري، 2018.

رسى قرار المؤسسة الأميركية الحاكمة، بعد تردد البيت الأبيض، على الاستمرار بتوسيع نطاق عمل الحلف ورفده بأعضاء جدد أغلبهم في الدول الاشتراكية السابقة، بولندا مثالاً، وانضمام “دولة الجبل الأسود،” التي يبلغ عديد قواتها المسلحة 2،000 عنصر لا غير؛ ومناشدتهم اوروبيو الحلف لتبوأ مهام عسكرية خارج اوروبا.

حافظ الرئيس الأميركي ترامب على تنويع ابتزازه للدول الأوروبية المركزية، ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، لزيادة انفاقاتها العسكرية مقابل “الحماية الأميركية،” واستجابت لطلبه بعد تردد مما حفز البيت الأبيض على تجديد التزامه بحلف الناتو.

تحدث الرئيس الأميركي هاتفياً مع رئيس حلف الناتو، جينس شتولتنبيرغ، 8 كانون الثاني/يناير، “مطالباً بتوسيع نشاط الحلف إلى الشرق الأوسط؛ ورفد الجهود لمكافحة الإرهاب الدولي.”

في السياق عينه، عقد حلف الناتو “مؤتمر ميونيخ للأمن – 2020” منتصف الشهر الجاري، أثار جدلاً عميقاً بين الأوروبيين بعد خطاب وزير الخارجية الأميركية، مايك بومبيو، بإصراره أن “الغرب ينتصر،” كمحفز دعائي لموازاة توجهات الحلف مع الاستراتيجية الأميركية لمحاصرة الصين وروسيا وإيران.

الأوروبيون من جانبهم استهجنوا فرط تفاؤل بومبيو في تطورات الصراع العالمي، وبرز مصطلح توجه العالم “للإقلاع عن الغرب – Westless،” في أروقة المؤتمر، في محاولة لتحذير الضيف الأميركي فوق العادة.

من جملة ما أبلغ بومبيو الحلفاء أن بلاده “تقاتل إلى جانبكم لبسط السيادة والحرية” في العالم، مما استدعى رفض عدد من القادة الاوروبيين واعتراضهم على زعم واشنطن بصون “سيادة” الدول، وهم المعنيين بالدرجة الأولى للتخلي مكرهين عن سيادتهم.

وأضاف بومبيو في خطابه أن “الغرب الحر على أعتاب مستقبل أكثر سطوعاً مقارنة مع البدائل المناهضة لليبرالية. نحن ننتصر – وننجز ذلك سوياً.”

رصدت وسائل الإعلام تكرار بومبيو لمصطلح “ننتصر” ثماني مرات في خطابه القصير، نعته أحد الاوروبيين بأن بومبيو “كان أقرب إلى زوج يمارس العنف العاطفي ضد شريكته المعتدى عليها،” موضحاً أن اوروبا هي بمثابة الزوجة المعتدى عليها. (نشرة ديفينس وان، 21 شباط).

الاستراتيجية المتجددة لحلف الناتو أوضحها رئيس الحلف، شتولتنبيرغ، 15 كانون الثاني/يناير الماضي، بأن “الولايات المتحدة والناتو تعززان وجودهما العسكري في اوروبا” لمواجهة روسيا والصين. واستطرد مطمئناً أقرانه بأن أميركا تحتفظ بقوات عسكرية في دول أوروبا الحليفة “أكثر من أي وقت مضى منذ انهيار الاتحاد السوفياتي” عام 1991.

الحلف في المفهوم الرسمي الأميركي لم يعد يتلطى بمزاعم وجوده لأسباب “دفاعية،” كما درجت العادة خلال الحرب الباردة؛ بل ارتدى عباءة عسكرية عدوانية تحركها واشنطن لتقويض ومحاصرة روسيا، كما شهدنا بمشاركة بريطانيا وفرنسا في قصف أهداف داخل سوريا.

وأعلن الحلف عن البدء بمناورات عسكرية ضخمة غير مسبوقة، في آذار المقبل، تحت مسمى “المُدافع عن اوروبا – 2020” هي الأكبر والأشمل منذ 25 عاماً؛ ستشارك فيها الولايات المتحدة بقوات إضافية تستقدمها من قواعدها داخل أراضيها، قوامها 20،000 عنصر، تضاف للقوات الأميركية الموزعة في اوروبا ليصل الإجمالي الأميركي إلى نحو 37،000 عسكري، بينما مجموع القوى المشاركة سيبلغ نحو 40،000 عنصر أو أكثر.

القيادة العسكرية الأميركية لأوروبا أوضحت على موقعها الالكتروني الأهداف المضمرة للمناورات الضخمة بأنها “.. ستدعم الأهداف التي حددها حلف الناتو للارتقاء بالجهوزية داخل التحالف ولردع الخصوم المحتملين؛” أي الإعداد لحرب محتملة مع روسيا.

أوضح القادة العسكريون الأميركيون أنه من المرجح أن تصبح مناورت “المُدافع” طقساً سنوياً يعقد مرتين كل عام؛ يتم تدويرها بين أوروبا وفي المحيط الهاديء.

سارع رئيس الحلف شتولتنبيرغ لتبديد مخاوف روسيا بالزعم ان المناورات “..ليست موجهة ضد دولة محددة،” 3 شباط الجاري.

في اليوم التالي، 4 شباط، رد وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، بقوة موضحاً أن “المخاطر والتهديدات التي تواجهها البشرية بلغت ذروتها مستويات لم نشهدها من قبل خلال مرحلة ما بعد الحرب” العالمية.

وشدد لافروف على أن “روسيا سترد على المناورة العسكرية الأميركية في (اوروبا) .. لكنها ستعمد لتفادي أي مخاطر غير ضرورية.”

وزير الخارجية الصيني كان أشد حدة من نظيره الروسي إذ “أدان الغرب لعقليته الباطنية التي تنشد التفوق الحضاري.”

الرد الصيني القاسي كان موجهاً لوزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، لزعمه بأن “مفهوم الغرب لا يحدده مكاناً أو قطعة أرض معينة؛ بل أي دولة (أمة) تتبنى نموذج احترام الحريات الفردية والسوق الحر والسيادة الوطنية. إنها جزء من هذا الفهم للغرب.” مستطرداً أن مفهوم “السيادة يعزز عظمتنا (تفوقنا) الجماعية.”

التقرير الختامي لمؤتمر ميونخ للأمن جاء متسقاً مع توجهات واشنطن العدوانية عبر إشارته الصريحة إلى حق دول الحلف التدخل بالقول “.. في عصر ما بعد الحرب الباردة، تمتعت التحالفات التي يقودها الغرب بحرية التدخل في أي مكان تقريبا؛ وفي معظم الأحيان لقيت تأييداً من مجلس الأمن الدولي.”

ستجري مناورات حلف الناتو التي ستمتد لنحو شهرين بمحاذاة الحدود الروسية وروسيا البيضاء/بيلاروسيا، التي أعرب وزير دفاعها في مينسك، أندريه راكوف، عن قلق بلاده العميق نظراً “لتزايد الحضور العسكري للناتو في دول مجاورة وتضخمه 13 مرة خلال ست سنوات، ارتفع فيها عدد القوات من 550 عنصر إلى 7،000 عسكري، وتضاعفت المعدات العسكرية المختلفة خمس مرات ..”

ولفت وزير الدفاع إلى زيادة الانفاق العسكري لدول الحلف “المجاورة” لبلاده عما كانت عليه سابقاً، منها “بولندا بنسبة 30%، ليتوانيا مرتين ونصف، ولاتفيا ثلاثة أضعاف.”

في المثلث الاستراتيجي بين بولندا وليتوانيا تقع مقاطعة كالينينغراد الروسية، التي كانت جزءاً من أراضي الاتحاد السوفياتي السابق، يعتبرها حلف الناتو “بؤرة روسيا في اوروبا،” نظراً لعدم وجود حدود مباشرة لها مع روسيا الأم.

استضافت المقاطعة 4 مباريات لكأس العالم عام 2018، ويتخذ اسطول بحر البلطيق الروسي من كالينينغراد مقراً لقاعدته الحربية.

ارتبطت كالينينغراد تاريخيا بروسيا منذ عام 1758، ووافق الحلفاء على تبعيتها لروسيا مع نهاية الحرب العالمية الثانية.

تعرضت المقاطعة لاختراق أجوائها والتجسس على القاعدة البحرية الروسية من قبل مقاتلات وطائرات تتبع حلف الناتو “800 مرة خلال عام 2019،” نظراً لأهميتها القصوى واعتبار الناتو لها “تهديداً أمنياً” لأعضائه.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أعرب مراراً عن توجهه لبناء قوة عسكرية أوروبية، بديلة عن حلف الناتو الذي “مات دماغيا،” كانون الأول/ديسمبر الماضي. بيد أن الوقائع العملية تشير إلى ارتهان الموقف الفرنسي وتبعيته التامة لأميركا، أبرزها شن سلاح الجو الفرنسي غارات داخل سوريا دعماً للحليف الأكبر، وستشارك بلاده بفعالية، إلى جانب ألمانيا، في مناورات الحلف المذكورة.

تركيا من جانبها استثنيت من المشاركة في مناورات الحلف الذي تعمّد إشراك جارتها جورجيا في مناورات تجريها قوات المظليين على أراضيها. السبب، على الأرجح، تعبير واشنطن وألمانيا عن ضيق ذرعهما بابتزازات الرئيس التركي اردوغان وإبلاغه بأن الحلف قادر على اجراء مناوراته في المنطقة دون الحاجة لدعم تركيا.

أهداف واشنطن بمحاصرة روسيا وربما افتعال حرب معها لا تتسق بالضرورة مع مخاوف الأوربيين، لا سيما ألمانيا وفرنسا، والخشية الفعلية من انتهاج سياسة عدائية تجاه موسكو. بيد أن القرار النهائي يبقى رهينة لواشنطن وابتزازها الدائم لحلفائها المخلصين.

تجدر الإشارة إلى الطوق العسكري الأميركي المحكم ضد روسيا والصين قوامه 400 قاعدة عسكرية “منتشرة من شمالي استراليا مروراً بمياه المحيط الهاديء وانتهاء بأسيا الوسطى وشرقها؛” ودول أوروبا الشرقية السابقة، فضلاً عن القواعد الأميركية في تركيا.

روسيا أيضا كشفت نوايا الحلف بقيادة واشنطن لاستهداف الصين عبر تصريح للناطق بلسان وزارة خارجيتها، ماريا زاخاروفا، 16 شباط الجاري، محملة الحلف مسؤولية “تصنيف الصين كخطر يهدد البشرية جمعاء .. وتضمنت خطابات مؤتمر ميونخ نزعة لإحياء الطابع الاستعماري/الكولونيالي للغرب ..”

في هذا السياق، ينبغي العودة لجذور السياسة الخارجية الأميركية التي تبلورت مع نهاية الحرب العالمية، بنشر واشنطن “مبدأ ترومان،” عام 1948 الذي ينص على الارتكاز للقوة العسكرية الصرفة في تحقيق الأهداف الأميركية.

وأوضح مُعِد المبدأ ومدير التخطيط السياسي في وزارة الخارجية، جورج كينان، توجه بلاده “إذ ينبغي الإقلاع عن الحديث برفع مستوى المعيشة والدفاع عن الحقوق الإنسانية وتجذير الديموقراطية. الزمن الذي سنضطر فيه لتطبيق القوة العسكرية الصرف ليس بعيدا،” مناشداً صناع القرار بعدم “التقيد بشعارات مثالية.”

بعبارة أخرى، تسعى واشنطن لمنع تعدد القطبية الدولية، نتيجة التطورات الدولية والإقليمية في القرن الحالي؛ ويعتقد ترامب المهووس بعظمة اميركا أنّه سيتمكن من تكريس “القطب الواحد المهيمن على العالم” عبر القوة العسكرية المجردة.

2020-14-02-التحليل

التحليل

محنة الحزب الديموقراطي
قيادة تقليدية وقاعدة تقدمية تنشد التغيير

         دشن الحزب الديموقراطي بدء موسم الانتخابات الرئاسية بالاضطراب والبلبلة في واحدة من أصغر الولايات لناحية الكثافة السكانية، أيوا، تلاها اتهامات متعددة لقيادات الحزب المركزية لتدخلها في آلية ونتائج الانتخابات لترجيح كفة مرشحها الأفضل، بيت بوتيجيج على حساب المرشح، بيرني ساندرز، المناهض بشدة لهيلاري كلينتون.

         المؤرخون للانتخابات الأميركية يرجحون دخول الجولة الأولى من الانتخابات لعام 2020 في سجلات التاريخ تحت عنوان “كارثة أيوا الكبرى،” حيث لم تعلن النتائج الرسمية إلا بعد مضي بضعة أيام، مما ترك الباب واسعاً أمام التكهنات بالتلاعب بنتائجها والتي لها ما يبررها وفق المعطيات المتوفرة.

         سنسلط الضوء على الحلقة المركزية المغيبة في الصراع بين قيادات الحزب الديموقراطي وقواعده الغاضبة من سلسلة قرارات خاطئة وأحياناً كارثية، لا سيما في مسائل الحرب ودعم الأولى لموازنات عسكرية غير مسبوقة على حساب تقويض “دولة الرعاية الاجتماعية،” التي ميزت هوية الحزب منذ عقد الستينيات من القرن المنصرم، والموافقة على تمويل جدار ترامب العازل على الحدود المشتركة مع المكسيك.

         الحزب الديموقراطي يتراجع تسانده وسائل الإعلام التقليدية المؤيده له عن مواقفه التاريخية اجتماعياً واقتصادياً، ويتشبث بتوازن القوى الحاكمة بين الحزبين، كأولوية، حتى لو كلفه ذلك خسارة الانتخابات الرئاسية. قد تبدو تلك المسألة صادمة وقاسية، وهي كذلك، لكن هناك ما يبررها في سياق تاريخ الحزب.

         أضحى من ثوابت التاريخ الماضي القريب أن قيادات الحزب وقفت مراراً سداً منيعاً أمام مرشح ديموقراطي قوي يناهض الحرب والإنفاقات العسكرية وكذلك المغامرات الخارجية؛ أبرزها مرشح الحزب عام 1968 يوجين مكارثي الذي عارض استمرار حرب فيتنام بشدة وأسقطه الحزب في مؤتمره العام لصالح “المؤسساتي” ونائب الرئيس الأسبق هيوبرت همفري – وخسر الحزب الانتخابات لصالح الجمهوري ريتشارد نيكسون.

         في الجولة التالية لعام 1972، وفي أوج الاحتجاجات والمظاهرات الطلابية الشاملة ضد استمرار الحرب في فيتنام، تقدم السيناتور جورج ماكغفرن كمرشح للحزب بدعم شعبي كبير، أيضا وفق برنامج مناهض للحرب والخروج من فييتنام. خسر المرشح الانتخابات بنسبة عالية لخصمه نيكسون معبراً عن مرارة خداعه بالقول “فَتحتُ الأبواب على مصراعيها للحزب الديموقراطي، (وكوفئت) بمغادرة 20 مليون شخص،” في إشارة إلى التحاق وتسجيل أعداد كبيرة من الناخبين للحزب الديموقراطي وتأييدها برنامجه الانتخابي.

         في الجولة الراهنة، ضخت وسائل الإعلام كماً هائلاً من التحشيد السياسي لصالح مرشح مرغوب أُطلق عليه التصويت “لأي مرشح باستثناء بيرني” ساندرز؛ وجاءت النتائج المعلنة بالتساوق مع توجهات قيادات الحزب بأن فاز مرشحها بيت بوتيجيج في ولاية محافظة رغم مناهضة جماعيه هناك لميوله الجنسية، فضلاً عن ضحالة خبرته السياسية.

         توالت النتائج تباعاً لتضع بوتيجيج في المرتبة الأولى، وهو الآتي من فريق كبريات الشركات، ماكينزي للاستشارات؛ بينما أرجئت نتائج دوائر الكثافة السكانية الميالة لساندرز لوقت لاحق، لا سيما في محافظة العاصمة دي موين. وتضاربت النتائج لاحقاً مما حفز يومية نيويورك تايمز توصيف العملية الانتخابية التي أشرف عليها الحزب الديموقراطي بانها “مصابة بالتناقض والأخطاء .. ومزقتها الثغرات.”

         “التناقض والاخطاء” في إدارة العملية الانتخابية دفعت رئيس الحزب، توم بيريز، المختار شخصيا من الرئيس أوباما، إلى مطالبة لجان الولاية الحزبية “بإعادة الحسابات على الفور؛” ما لبث أن ناقض نفسه بعد نحو 10 ساعات قائلاَ أن ما يريده هو “إعادة تقييم جراحية للدوائر (الانتخابية) التي شهدت ثغرات.”

         ستقترن سمعة ولاية أيوا ليس بالاضطراب والبلبة فحسب، بل بشركتي “آكرونيم و شادو Acronym & Shadow،” اللتان انتجتا وسوقتا البرنامج الالكتروني لنقل نتائج تصويت الدوائر الانتخابية عبر برنامج يطبق على الهاتف. والنتيجة “تعطل” شامل أصاب شبكتي الهاتف المحمول وبرنامج التطبيق معاً.

         تجدر الإشارة إلى أن تارا ماكغووان Tara McGowan، إحدى مؤسسي شركة “آكرونيم،” هي زوجة مايكل هالي، المستشار السياسي للمرشح بوتيجيج. ويضم مجلس إدارة الشركة المدير السابق لحملة الرئيس أوباما الانتخابية، ديفيد بلوف David Plouffe. أما شركة شادو فلديها عقد عمل مع حملتي بوتيجيج وبايدن الانتخابيتين منذ عام 2019.

         من ضمن ما أشّرت عليه تجربة ولاية أيوا ليس انكشاف آليات التزوير المتطورة والمعقدة فحسب، بل تقادم لوائح النظام الانتخابي التي بلورتها قيادات الحزب في عقد الثمانينيات من القرن الماضي، نتيجة هزيمتها المدوية بخسارتها الانتخابات أمام الجمهوريين رونالد ريغان وجورج بوش الأب لعقد ونيف.

         بلور “المجلس الديموقراطي القيادي” خطة عمل جديدة هي أقرب للتماثل مع برامج الحزب الجمهوري المنافس، وابتعاداً تدريجيا وحاسماً عن قيم الحزب الليبرالية وحماية العمال والأقليات.

طبقت بنود الخطة بمجرد نجاح الرئيس الأسبق بيل كلينتون، تجلت أبرز ملامحها في “.. قصم ظهر النقابات العمالية،” عبر اتفاقية “نافتا” للتجارة الحرة في أميركا الشمالية، التي صادقت عليها أميركا وكندا والمكسيك عام 1993، ودخلت حيز التنفيذ عام 1994.

كذلك طبق الحزب الديموقراطي سياسة “السجن الجماعي Mass Incarceration” وضغط باتجاه تشدد القضاء في قرارات الحجز والاعتقال، تيمناً ببرنامج الخصم الجمهوري تحت عنوان مخادع لمكافحة تصاعد موجات العنف في المدن الأميركية الكبرى. كما صادق الكونغرس عام 1994 على” قانون الإجرام،” أتبعه الرئيس كلينتون بالموافقة على تأسيس شركة عامة إعلامية ضخمة، كلير تشانيل، عبر قانون الاتصالات اللاسلكية لعام 1996، أولى نتائجها ترجيح كفة الخصخصة وخسارة عمال وموظفين لمصادر رزقهم.

يشار إلى أن الشركة المذكورة، ومقرها في سان أنطونيو بولاية تكساس، قدمت طلباً للحماية من الإفلاس وفق المادة 11 من قانون التصفية، في آذار 2018، بعد مراكمتها لجبل من الديون فاق 20 مليار دولار.

لعل الأبرز في خطة الحزب الديموقراطي الجديدة مصادقة البيت الأبيض في عهد الرئيس كلينتون على تعديل قانون إصلاح الرعاية الاجتماعية لعام 1996، عام انتخابات رئاسية أيضاً؛ مما قوّض شبكة الحماية والرعاية لذوي الدخل المحدود – وهو مطلب ثابت لدى الخصم الجمهوري.

استكمل الرئيس باراك أوباما هجوم حزبه على القيم الليبرالية للحزب الديموقراطي بانتشاله كبريات الشركات المصرفية والمضاربات المالية في وول ستريت من الإفلاس، 2008، تحت شعار مخادع “أنها شركات ضخمة لن يسمح بإفلاسها.”

جدير بالتذكير أن ولايتي الرئيسان الديموقراطيان، بيل كلينتون وباراك أوباما، شهدتا تصعيداً لعدوان وغزو عسكري أميركي متعدد الأوجه والساحات: العراق وحصاره الشهير ومن ثم تدميره، السودان، الصومال، ليبيا، سوريا واليمن؛ والانقلابات في تونس ومصر.

كما تميزت ولايتيهما بتعزيز “دولة الأمن القومي،” بزيادة الاستثمار في قوات الشرطة الداخلية وتسليحها تسليحاً حربيا، وإطلاق الرئيس أوباما العنان للتجسس الداخلي على الأميركيين، ضمن سياق محاباة الأجهزة الأمنية وتحكمها في مفاصل الحياة اليومية. وعلى الرغم من ذلك، لم يتوانى الرئيس أوباما ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون عن التشدق بالديموقراطية الأميركية، وتغيير الأنظمة غير الموالية لسياسات واشنطن.


ماذا بعد أيوا

نصت اللوائح الداخلية للحزب الديموقراطي على اعتماد 3،979 مندوباً كمجموع عام موزعون على كافة الولايات وفق حسابات الكثافة السكانية والتمثيل؛ ويحتاج المرشح تأييد 1،991 مندوباً، على أقل تعديل، للفوز بترشيح الحزب له.

يتضمن المجموع العام عدداً محدداً من المندوبين غير المنتخبين، وهم عبارة عن شخصيات نافذة ومسؤولين حاليين وسابقين، يجري التعامل معهم وفق توجهات الحزب المركزية لدعم مرشح بعينه.

تعتبر ولاية كاليفورنيا الجائزة الأكبر في عدد المندوبين، 494، بضمنهم 416 مندوباً منتخباً، والباقي تحدده لجنة الحزب المركزية في الولاية. وعليه، تتجه أنظار كافة المرشحين للتركيز عليها لأهميتها المحورية في رسم مسار النتائج المقبلة.

البيانات الأولية في كاليفورنيا تشير إلى تربع المرشح بيرني ساندرز في المرتبة الأولى، بتأييد نحو 29% من المجموع العام.

في سياق الانتخابات التمهيدية للحزب الديموقراطي دخل مصطلح الانتخاب الجماعي في يوم واحد، الثلاثاء سوبر، تم تحديده يوم 3 آذار المقبل، تعقد فيه 14 ولاية انتخاباتها لاختيار مندوبيها للمؤتمر العام، 1344 مندوب، بما يشكل نحو ثلث المجموع العام.

سردية الحزب الديموقراطي الراهنة صنفت المرشحين بين تيار “يسار متطرف أو اشتراكي” والتيار الوسطي العام. الأول يمثله بيرني ساندرز واليزابيث ووران، والثاني ممثل بالمرشحين بيت بوتيجيج، جو بايدن وآيمي كلوبوشار. يراهن الحزب على بيت بوتيجيج، كمرشح أول، والملياردير مايك بلومبيرغ، كمرشح احتياط.

ما يعزز تلك الفرضية تعديل اللجنة المركزي للحزب لوائحها الداخلية الصارمة حول استيفاء المرشح لشروط المشاركة في دورات النقاش العام بين المرشحين، وصياغتها الجديدة لتفتح مجال المشاركة أمام بلومبيرغ الذي باستطاعته إنفاق “4 – 5 مليار دولار” من ماله الخاص؛ وأنفق ما ينوف عن 300 مليون دولار للحظة على إعلانات متلفزة.

يشير التاريخ السياسي لانتخابات الحزب الديموقراطي إلى إمكانية عدم حصول مرشح معين على الحد الأدنى من مجموع المندوبين خلال انعقاد المؤتمر العام، مما يبرز تحدياً للمضي بجولات انتخابية متتالية لحين استيفاء شروط اللائحة الداخلية.

سبق للحزب أن خبر تجربة الجولات الانتخابية عام 1952، التي اسفرت عن فوز المرشح أدلاي ستيفنسن بعد ثلاث جولات.

يرجح المراقبون أن تتكرر تجربة عام 1952 في الجولة المقبلة، خاصة عقب بلبلة الجولة في ولاية أيوا؛ ولا يزال 11 مرشحاً للمنصب أحدثهم الملياردير مايك بلومبيرغ.

رئيس لجنة الحزب الديموقراطي السابق في ولاية نيو هامبشير، كريس سبيرو، أعرب عن خشيته من “اضطرابات” جديدة في المؤتمر العام “لا سيما وإن دخول (مايكل) بلومبيرغ الحلبة يعزز فرصة مؤتمر عام منقسم،” مما يضطره لعقد دورة انتخابية إضافية، وربما أكثر.

حينئذ، حسبما أوضح سبيرو، قد يتدخل الرئيس السابق أوباما، بصفته مندوباً فوق العادة، بالسعي للتوصل إلى إجماع مركزي حول مرشح بعينه.

2020-07-02-التحليل

التحليل

واشنطن: سلاح نووي جديد

يعزز إمكانية لجوئها للخيار النووي

خبر مقتضب صدر عن البنتاغون يؤكد تجديد واشنطن توجهها لسباق تسلح نووي، بتزويد غواصاتها سلاحاً نووياً “جديدا” اعتبرته حيوي لمواجهة  “التهديد الذي تشكله الترسانة الروسية؛” بينما العالم بأكمله يزداد اضطراباً وقلقاً.

أعلنت وزارة الدفاع الأميركية، 4 شباط الجاري، عن نشرها “سلاحا نوويا منخفض القوة” ينطلق من الغواصات، قوته نحو 5000 طن، يعادل تفجيره ثلث نطاق دمار القنبلة النووية التي أسقطتها واشنطن على مدينة هيروشيما في آب 1945.

وكيل وزارة الدفاع، جون رود، أوضح أن “البحرية الامريكية نشرت رأساً صاروخياً من طراز W76-2، السلاح النووي الجديد، نموذجاً معدلاً من الرأس الحربي W76-1 الموجود سابقاً،” يستخدم لتسليح غواصة تطلق صواريخ Trident II : D-5، وبالتالي فإن السلاح الجديد لا يضيف إلى إجمالي عدد الأسلحة النووية في الولايات المتحدة؛ وذلك بحسب تقرير لشبكة سي ان ان (5 شباط الجاري).

من أبرز خصائص “السلاح الجديد” قدرته العالية على “اختراق أهداف في عمق الأراضي التي لا تستطيع الطائرات (القاذفة) الحالية القيام بها باستخدام أسلحة نووية ذات مردود منخفض،” وفقاً للأستاذ في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، فيبين نارانغ Vipin Narang .

الترسانة الأميركية النووية المماثلة تتضمن صواريخ برؤوس حربية نووية أشد فتكاً ودماراً: نموذج W76-1 تبلغ قدرته التدميرية 90،000 طن؛ والنموذج W88 بقوة تدميرية تعادل 455،000 طن، لاستخدامه في استهداف التحصينات الأرضية.

كما تتضمن الترسانة “عدد كبير من الرؤوس النووية أحد مزاياها أنها منخفضة الطاقة – نحو 1000 رأس؛ تشمل صواريخ باليستية نووية تطلق من القاذفات الاستراتيجية ب-52، وقذائف ب-61 النووية الحرارية (دون جهاز توجيه) ومقاتلات تكتيكية.” (دراسة لاتحاد العلماء الأميركيين، 29 حزيران 2017).

إعلان وزير الدفاع يأتي ثمرة وثيقة أصدرتها البنتاغون، تقرير استعراض الموقف النووي لعام 2018، دعا فيها إلى “توسيع خيارات الولايات المتحدة النووية المرنة الآن، لتشمل خيارات منخفضة العائد، وهو أمر مهم للحفاظ على ردع موثوق به ضد العدوان الإقليمي. إنه سيساعد على ضمان ألا يدرك الخصوم المحتملون أي ميزة ممكنة في تصعيد نووي محدود”.

توسيع القدرات النووية المنخفضة القوة، كما في توصيات التقرير، تلاها سلسلة تصريحات تفيد بأن واشنطن ستجري تعديلا على عدد محدود من الرؤوس الحربية الموضوعة على متن صواريخ باليستية تنطلق من الغواصات بذخائر منخفضة القوة كجزء من برنامج مدته 5 سنوات بقيمة 50 مليون دولار، تحمل كل غواصة عدد قليل من هذه الصواريخ الجديدة، ومسلحة بشكل أساسي بصواريخ استراتيجية بعيدة المدى.

فريق إشعال الحروب في المؤسسة الأميركية يبرر وجهة نظره بأن تحميل تلك الذخيرة النووية، W76-2، على متن طائرات مقاتلة قد يعرضها للاعتراض قبل اختراقها نظم الدفاعات الجوية الروسية المتطورة؛ بيد إن نشرها على متن غواصات مزودة بصواريخ باليستية من طراز “ترايدنت Trident” في أعماق البحار يشكل ضمانة أعلى لوصول السلاح لأهدافه.

إن نشر رؤوس حربية نووية منخفضة القوة يشكل مدخلاً رئيساً في مفهوم ما يسمى بالحرب النووية الصغيرة، وفق علماء الطاقة والأسلحة النووية، والتي بموجبها يمكن للولايات المتحدة استخدام الأسلحة النووية ضد أي دولة في النزاعات المحلية.

أصدرت الهيئة الوطنية للأمن النووي، التابعة لوزارة الطاقة الأميركية، تقريرها للكونغرس بعنوان إدارة مخزون الترسانة وخطة الإدارة، تموز/يوليو 2019، شددت فيه على مزايا “الذخيرة النووية منخفضة الطاقة W76-2” بأنه سيكون “بالمستطاع تصميم رد يردع والتحكم به وفق التهديدات الناشئة .. وتوفير قدرات مضمونة (للولايات المتحدة) للرد بالمثل على أي نوع من هجوم بالأسلحة النووية منخفضة الطاقة.”

https://www.energy.gov/sites/prod/files/2019/07/f65/FY20SSMP.pdf

تجدر الإشارة إلى العقيدة العسكرية التي بلورتها واشنطن واستمرت التشبث بها قوامها “التصعيد لخفض منسوب التصعيد،” كجزء من استراتيجيتها الكونية ووحدانية القطبية، ورفضت بشدة مناشدة القوى الدولية التعهد “بعدم اللجوء لاستخدام الأسلحة النووية” كخيار أول. بينما أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عدم استخدام بلاده الأسلحة النووية في سياق حروب استباقية (محطة أوروبا الحرة الإذاعية، 19 تشرين الثاني/نوفمبر 2018).

بالمقابل، يدرك الطاقم الاستراتيجي الأميركي امتلاك كل من روسيا والصين مفاتيح علم الفيزياء الخاص بأسلحة نووية منخفضة الطاقة، وربما ذهبتا بعيداً في انتاجها. وعليه، وفق المنطق أعلاه، ينبغي بلورة رد أميركي رادع في حال استخدمت روسيا ذاك السلاح في سياق نزاع عالمي على ضوء عدم توفر سلاح مماثل في ترسانة واشنطن.

حينئذ، رسى الأمر على خيار نشر أسلحة نووية منخفضة الطاقة تطلق من على متن غواصات في أعماق البحار لخاصيتها في التخفي واستهداف مناطق استراتيجية لدى الخصم والتغلب على منظوماته المتطورة للدفاع الجوي.

خبراء الأسلحة النووية، في الجانب الأميركي، لا يستبعدون تسخير واشنطن تلك الترسانة في مواجهة أقل كلفة مع إيران وكوريا الشمالية “لا ينجم عنها اضراراً جانبية،” مقارنة بالخيار النووي التقليدي.

ويرجحون أيضاً امتلاك “إسرائيل” أسلحة نووية رديفة لما توفره من إغراء ناجم عن قدرة تفجيرية محدودة نسبياً وانتشار اشعاعات نووية أقل نطاقاً.

احتمالات الخطأ

أجهزة الرصد والاستشعار للأسلحة النووية، عند القوتين العظميين، تخفق في التمييز بين مقذوف نووي “منخفض الطاقة” أو رأس نووي تقليدي أشد تدميراً. مناوئو الخيار النووي في الولايات المتحدة يستندون إلى الحقيقة التقنية أعلاه للدلالة على ارتفاع منسوب اشتباك الدولتين نتيجة سوء تقدير يحتم على الخصم الروسي إطلاق هجوم معاكس كبير يؤدي إلى كارثة بشرية غير مسبوقة.

ضابط الأسلحة النووية في سلاح الجو الأميركي السابق، بروس بلير، وبحكم عمله ومعارضته لاستخدام الأسلحة النووية حذر من “حملة التضليل الذاتي مفادها استسهال استخدام الأسلحة النووية منخفضة الطاقة في نزاع مقبل (مشدداً على أن) أي استخدام لذاك السلاح المنصوب في عباب البحار سيعزز اشعال نار الصراعات وتصعيد وتيرتها الى حرب نووية شاملة.”

وناشد بلير صناع القرار بالإحجام عن الرد بالمثل النووي، ان تعرضت القوات الأميركية لعدوان، واللجوء عوضاً عن ذلك إلى تسخير ترسانة الأسلحة التقليدية الهائلة وقدراتها التدميرية الفائقة.

تدرك الولايات المتحدة أن إدامة هيمنتها ونفوذها على العالم لا يتأتى إلا بالقوة العسكرية الصرفة والتهديد بها؛ والعالم بأجمعه أضحى متيقناً أنه ليس بوسعها معالجة التحديات العالمية بالوسائل السياسية ودوماً تلوح باستخدام أسلحة دمار شامل. السلاح النووي هو ما جربته سابقاً وقد تلجأ إليه في مرحلة وظروف معينة، ضد أهداف استراتيجية محمية بشدة في باطن الأرض؛ لذا طوعت العلم لتطوير ذخيرة نووية منخفضة الطاقة بوسعها تدمير التحصينات، أدنى مرتبة من شن حرب نووية شاملة – نظرياً. لكنها تخشى الرد، ليس من روسيا فحسب بل الصين وكوريا الشمالية وربما إيران.

2020-24-01-التحليل

التحليل

عين الأسد نموذجا: انكشاف التضليل

والتستر على الخسائر الأميركية  

“البنتاغون والبيت الأبيض يزيفان واقع الحرب (الأفغانية) لعقدين من الزمن،” هو ما جاء في عنوان صادم لصحيفة واشنطن بوست، 9 كانون الأول/ ديسمبر 2019، على خلفية تقرير مطول لها استند إلى “مخزون هائل من الوثائق العسكرية السرية” حصلت عليها الصحيفة ضمن ما أطلقت عليه “أوراق أفغانية،” تيمناً بوثائق فيتنام السرية التي سربها تباعاً موظف البنتاغون دانييل ألسبيرغ، حزيران 1967، لصحيفة نيويورك تايمز.

          وكشف التقرير الصحفي عن تواطؤ القيادات العسكرية العليا بالضغط على “القادة الميدانيين لكتابة تقارير تركز على نجاح (الغزو) وتقليل عدد القتلى الأميركيين وزيادة أعداد قتلى طالبان.”
منذ القصف الصاروخي الذي تعرضت له القوات الأميركية في قاعدة عين الأسد، 8 يناير الجاري، لحين إعداد التقرير بين أيديكم، 24 يناير، قفز عدد “الجنود المصابين” تدريجياً “9، 11، 18 إلى 34” يتلقون العلاج في مستشفيات عسكرية متخصصة عقب تعرضهم لما وصف بإصابات الدماغ الرضيّة. تبجّح ترامب بعد انتظار بأن القصف الصاروخي الإيراني لقاعدة عين الأسد  أسفر عن أضرار مادية طفيفة  و بأن قواته “لم تتعرض لخسائر بشرية،” وبعد اضطرار البنتاغون للاعتراف بإصابات، أصرّ ترامب بأن تلك الإصابات هي “أوجاع بالرأس .. ليست جدية بالمرة.”

         وسارع وزير الدفاع، مارك اسبر، للجزم بعد القصف الصاروخي بأنه “لم يسفر عن أي خسائر بشرية، أو خسائر في صفوف القوات الصديقة، سواء كانوا جزءاَ من التحالف الدولي أو المتعاقدين وما شابه.”

         نكران الرئيس ترامب يتماشى مع السياق التاريخي للاعتداءات الأميركية على الدول الوطنية عبر العالم، يعبر عن تقليد مركزي متبع للمؤسسة العسكرية وامتداداتها الإعلامية لاعتبارات حساسية الرأي العام الأميركي، بالدرجة الأولى، لضمان تأييده للحروب ورفدها المتواصل بالعنصر البشري المطلوب. وفي البعد الاستراتيجي، تمارس المؤسسة التضليل لإبقاء الصناعات العسكرية ومشتقاتها تستفيد من استمرار الحروب التي تدر عليها أرباحاً مالية.

         خلال الحرب والعدوان الأميركي على فيتنام، ومن ثم أفغانستان والعراق، دأبت المؤسسة الإعلامية الضخمة التمسك بالسردية الرسمية والإكثار من “الانتصارات الميدانية،” لضمان الدعم الشعبي وأفراد القوات المسلحة على السواء. الخسائر الرسمية في فيتنام، مثلاً، اقتصرت على “بضعة آلاف،” ما لبث أن تكشفت الأرقام الحقيقية التي بلغت 30،000 قتيل أسهمت حينئذ الإطاحة بالرئيس جونسون عام 1968؛ وارتفع عدد القتلى إلى نحو 60،000 جندي قبل أن تضع الحرب أوزارها.

         الجنرال الفيتنامي الأسطوري، فو نوين جياب، أوضح أن بلاده خسرت ما لا يقل عن 500،000 جندي، بين الأعوام 1964 -1969، على طريق تحرير البلاد، والتي تخللها “هجوم تيت” الشهير بخسارة صافية للقوات الأميركية ارتكبت على أثرها مذبحة في “قرية ماي لاي،” التي راح ضحيتها 504 من سكانها المدنيين.

         بالعودة “لتصنيف” الرئيس ترامب المخالف للقواعد العلمية، اعتمدت المؤسسة العسكرية أسلوب النكران ووسم المشتكي من أعراض الإصابات الدماغية بأوصاف مهينة يضطر لكتم معاناته أمام زملائه والتي سرعان ما تتفشى وتتفاقم، دفعت لارتفاع معدلات الانتحار إلى نحو 20 مجنداً يومياً، وفق احصائيات وزارة المحاربين القدماء لعام 2018.

         أوضحت دراسة أُجريت على أفراد القوات المسلحة، 2017، أن المؤسسة العسكرية لم تتخذ خطوة واحدة باتجاه اجراء فحص روتيني للكشف عن طبيعة الإصابات الدماغية، وتركت حرية التصرف بيد “القيادات الميدانية لتحديد موعد عودة الجندي للخدمة الفعلية، عوضاً عن تقييم الطواقم الطبية المختصة.” وعليه، لم تدون العديد من الإصابات بين صفوف المجندين في الحال.

         كُشف مؤخراً عن حجم المصابين بالصداع أو الارتجاج الدماغي بأزيد من 400،000 مصاب منذ بدء “الحرب على الإرهاب،” 2001. وأوضحت النشرة العسكرية المختصة ميليتاري تايمز، 22 يناير الجاري، أن الأرقام الحقيقية “على الأرجح أعلى من ذلك بكثير.”

         يشار على أن البيانات والإحصائيات الرسمية لا تشمل قتلى المتعاقدين مع القوات العسكرية، بعضهم طمعاً في الحصول على الجنسية الأميركية، إضافة لموظفي الشركات المحلية والمقاولين الذين يوفرون خدمات خاصة كتوريد الطعام وطهيه وأمور لوجستية أو خدماتية أخرى.

         وأوردت النشرة ملخص رسالة الكترونية لزوجة أحد المصابين، بلير هيوز، قولها “أن من جملة الإصابات التي تعرض لها زوجي (جندي مشاة في العراق) فإن متلازمة رضْخ الدماغ (الارتجاج) لها أكبر الأثر في تغيير نمط حياتنا اليومية .. القيادة العسكرية أخطأت في تشخيص حالته منذ 12 عاماً ودأبت على إعادة إرساله للميدان المرة تلو الأخرى؛” ظهرت أعراضها بتغيير سلوكي ملحوظ وفقدان الذاكرة وصعوبات التأقلم مع متطلبات الحياة اليومية.

         المؤسسة البحثية الأميركية المرموقة، مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها، اعتمدت تعريفاً نموذجياً لارتجاجات الدماغ بأنها “تعطيل لوظائف الدماغ العادية التي قد تسببها عثرة أو ضربة أو هزة للرأس، أو إصابة تخترق الرأس.”

         الأهمية المعلقة على التصنيف العلمي لتلك الإصابات أنها ستفرض نفسها على آليات التعاطي ومعالجة المؤسسة العسكرية ومشتقاتها، وزارة المحاربين القدامى، بوتيرة أكثر جدية وإن ليس بشرط تسريع سبل المعالجة.

         الارتفاع التدريجي للإصابات بين القوات العسكرية الأميركية لم تحفز البنتاغون لتقديم سردية مغايرة لروايتها الأولى حول إصابات عين الأسد، وبررت تصريحاتها الأولى بأنها “كانت نتيجة تقييم القيادات الميدانية آنذاك. عوارض الارتجاج ظهرت بعد عدة أيام من الحادث وتم معالجة المصابين بدافع الحذر الشديد.”

         الإعلان الأميركي شبه الفوري بعدم وقوع إصابات بشرية بين صفوف قواته وفر للرئيس ترامب مساحة ضيقة للمناورة السياسية وتهدئة نزعات الثأر والعدوان المتأصلة في البنى السياسية والعسكرية، والتي كادت أن تقود لاندلاع حرب مع إيران، ومنحته أيضاً “ذخيرة سياسية” لتهميش تهديد إيران الصاروخي للمصالح الأميركية.

         المؤسسة العسكرية الأميركية ومصالحها المتشعبة الضخمة ثابرت على الضخ بمعلومات هادفة لتضخيم “الخطر الإيراني،” لا سيما في العراق. أحد إصدارات البنتاغون، 4 نيسان 2019، زعم أن إيران تسببت في مقتل “603 جنود أميركيين على الأقل .. ما يعادل قتيل من بين ستة قتلى خلال العمليات العسكرية في العراق؛ أي 17% من مجموع القتلى الأميركيين بين أعوام 2003-2011.”

         “نحن لا نغزو بلداناً فقيرة لكي تغتني،” كانت جزءاً من تصريح للمبعوث الرئاسي الأميركي لأفغانستان، جيمس دوبينز، 11 يناير 2016، مخاطباً المفتش الحكومي العام لأفغانستان.

         ومضى الديبلوماسي المخضرم موضحا “المهمة الأميركية” في العالم “بأننا لا نغزو دولاً استبدادية لبسط الديموقراطية عليها. بل نغزو دولاً تتسم بالعنف لتعزيز التعايش السلمي ..”

         المحرك الأساسي للدعم الشعبي لاستراتيجيات الغزو الأميركية المتتابعة كان ينصب على تحديد “مصدر تهديد مباشر لأمن” البلاد؛ والذي أسهم في التحاق وانخراط أعداد كبيرة من الشباب المقاتل في صفوف القوات المسلحة، إثر أحداث تفجيرات 2001.

         وعددت يومية نيويورك تايمز، 2002، مزايا الخلفيات الثقافية والاجتماعية للمنتسبين بتوفر “مستوى تعليم ابتدائي عالي الجودة” أثرى المهام القتالية المعقدة.

         بعد توافد جثث الجنود الأميركيين من العراق، لا سيما عام 2005، اعترفت المؤسسة العسكرية بتراجع كبير في الكفاءات والاعداد البشرية للمتطوعين، وسمحت القيادات السياسية انضمام مهاجرين لم يستوفوا شروط الإقامة “القانونية” والالتحاق بالقوات المسلحة مقابل مرتبات مالية مجزية ووعود بتسوية أوضاعهم القانونية، وقلصت الشروط التعليمية المطلوبة كوسيلة إغراء إضافية.

         لا تزال المؤسسة العسكرية تعاني من نقص بشري لرفد قواتها العاملة مما دفع يومية يو اس ايه توداي، أب 2017، التعليق بأن تلك المعضلة حفزت المسؤولين العسكريين اللجوء لحيل مختلفة منها فتح باب التجنيد أمام من له “تاريخ جنائي أو المعاناة من اضطراب ثنائي القطب والاكتئاب وتعاطي المخدرات والكحول ..” وأوضح عدد من المنابر الإعلامية الأميركية سوء الحالة الصحية للقادمين من الولايات الجنوبية، بسبب تدني الدخل، وتدهور فترة التدريب على القتال وزيادة معدلات الجرائم بين صفوف الجنود.

         عند الأخذ بعين الاعتبار بعض العوامل المذكورة أعلاه، والبيانات الرسمية التي يتم تسريب بعضها بين آونة وأخرى، عن تدني الحالة والجهوزية القتالية، وانكفاء المؤسسة العسكرية عن الوفاء بالتزاماتها لأهالي وأسر المجندين، يستطيع المرء فهم الاساليب الملتوية المعتمدة للتغطية على الأوضاع المأساوية الحقيقية دون إنجازات تذكر، والافراج عن أعداد الضحايا “بالتقسيط” خشية ردود فعل شعبية غاضبة.

الكشف عن معلومات حول مقتل أفراد من القوات العسكرية العاملة في الخارج يشكل تهديدًا للبنتاغون التي تنتشر وتنفذ عمليات في مختلف أنحاء العالم، لا سيما بين صفوف القوات الخاصة الموكلة بمهام سرية منذ عام 1952.

2020-17-01-التحليل

التحليل

نظرة على مسار الانتخابات

التمهيدية للحزب الديموقراطي

         نشطت الجهود الانتخابية لكافة المرشحين عن الحزب الديموقراطي، فيما يعرف بسلسة انتخابات تمهيدية، مع مطلع العام الجديد، يميزها مرشحين إثنين من كبار الأثرياء، المليارديرين توم ستاير ومايكل بلومبيرغ؛ واكبها استمرار تدفق “التبرعات” المالية لمعظم المرشحين.

         تجري مهرجانات الانتخابات التمهيدية وفق لوائح الحزب الديموقراطي بالاتساق مع قوانين الولايات المختلفة، وليس وفق نصوص دستورية، للوصول إلى مرشح بمفرده يقع عليه الاختيار في المؤتمر العام للحزب، 16 تموز/يوليو المقبل.

ستعقد الجولة الأولى من الانتخابات التمهيدية في 3 شباط/ فبراير المقبل، في ولاية أيوا وسط البلاد، وما ستسفر عنه من انتخاب مندوبي الولاية للمؤتمر العام. وهذا ما يفسر طول الحملة الانتخابية نسبياً، منذ الآن ولحين موعد الانتخابات العامة في شهر تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.

         يتسم المشهد الراهن ببروز أربعة مرشحين “عاديين،” وإثنين من فاحشي الثراء مع تباين حجم ونوع القاعدة الانتخابية الداعمة لكلا الفريقين.

         يتصدر الفريق الأول نائب الرئيس السابق، جو بايدن، يليه المرشحين الليبراليين، بيرني ساندرز، واليزابيث ووران؛ ويتميز بخاصية حسن التنظيم والتدبير والخبرة. أما الآتي بقوة غير معهودة، بيت بوتيجيج، فأقلهم خبرة وتمرساً في المناصب العامة والسياسة الخارجية؛ وآخرين يتوقع انسحابهم سريعاً من السباق.

         الفريق الثاني يضم توم ستاير ومايكل بلومبيرغ، يميزهما ضعف وسطحية الدعم الشعبي وميل العامة لاستبعاد أي مرشح يشبه الملياردير الرئيس ترامب.

         يعد المرشح جو بايدن، 76 عاماً، من المفضلين لآلية وهيكلية الحزب الديموقراطي لخبرته السياسية الطويلة وفرط ولائه للتيار الليبرالي / الوسطي داخل الحزب؛ رغم تقدمه في السن وظهور أعراض الشيخوخة عليه أمام الجمهور، لا سيما النسيان والادلاء بتصريحات محرجة تفتقر للكياسة الديبلوماسية وعمق التفكير؛ بل شوهد أكثر من مرة يمارس “هوايته” باحتضان النساء دون موافقتهن.

         ليس مستبعداً أن يصل مؤتمر الحزب العام إلى طريق مسدود وعدم توصله لمرشح في جولة التصويت الأولى؛ وعند هذه المحطة سيبرز بايدن كأفضل مرشح يدعمه الحزب للفوز بجولة ثانية من أصوات المندوبين نظراً لكل المزايا السابقة.

         على الناحية المقابلة، لا سيما تسليط الحزب الجمهوري الأنظار على نجل بايدن، مرة أخرى، فيما يتعلق “بفضيحة أوكرانيا غيت،” قد يضطر بايدن الأب للإدلاء بشهادته أمام محكمة العزل التي ستعقد مطلع الأسبوع المقبل، وما سيرافقها من انكشاف حجم “الفساد” الذي يمارسه جو بايدن وتوظيف ذلك ضده في الحملة الانتخابية.

         اللافت أن ثلاثة من منافسي بايدن عن الحزب الديموقراطي، أعضاء مجلس الشيوخ: بيرني ساندرز، اليزابيث ووران، وآيمي كلوبوشار؛ سيشاركون إجراءات المحاكمة وستكون على حساب حملتهم الانتخابية، وربما سيطرقون أبواب مثلب الفساد للنيل وتعرية بايدن وربما إسقاطه.

         بيرني ساندرز: استطاع المحافظة على نبل سيرته أمام الناخبين وأدائه المميز في الجولة السابقة، 2016، والذي كان على أعتاب الفوز بترشيح الحزب أمام منافسته هيلاري كلينتون؛ لكن مراكز القوى الرئيسة داخل الحزب الديموقراطي تهابه وتسعى للحفاظ على مسافة منه لسياساته الاجتماعية ومناهضته للحرب.

         وحظي ساندرز، البلغ 77 عاما، بشهادة من المرشح الجمهوري آنذاك، دونالد ترامب الذي أقر بأن ساندرز لو فاز بترشيح الحزب الديموقراطي ربما كان سيهزمه في الانتخابات العامة.

         يتميز ساندرز، ومنذ الجولة السابقة، بصفاء توجهاته الاجتماعية والاستثمار في البنى التحتية ومناهضة الحروب؛ وحظي بدعم واسع ولا يزال من الجيل الشاب لتعهده بمجانية التعليم العالي، ورفع مستوى الحد الأدنى من الأجور، والأهم توفير الرعاية الصحية الشاملة دون قيود. وعليه، لا يزال الدعم المالي من تلك الأوساط سخياً لحملته وتوجهاته.

         ويحظى كذلك بدعم قاعدة واسعة من التيارات التقدمية داخل الحزب الديموقراطي والمستقلين، دون التفاتها لتقدمه النسبي في السن. أما مفاصل القوى في الحزب الديموقراطي فهي تعبر عن قلقها من توجه مؤيدي ساندرز للتصويت لصالح ترامب، نكاية بقيادات الحزب في حال فشل الأول الفوز بترشيح المؤتمر العام.

         اليزابيث ووران: هي الأقل خبرة سياسية بين المرشحين المخضرمين، بايدن وساندرز، وأصغرهم سناً، 69 عاماً. اكتسبت شهرتها بدفاعها الحثيث عن صغار المودعين أمام تسلط كبريات المصارف المالية، وميلها لفرض قيود على المعاملات المالية في “وول ستريت.”

         ونظراً لخلفيتها الليبرالية فقد تبنت شعار “إعفاء الطلبة الجامعيين من ديون الرسوم بالكامل،” وتتقاطع في البرامج الاجتماعية والرعاية الصحية مع بيرني ساندرز، لا سيما في تغيير السياسة الأميركية الراهنة من الانبعاثات الحرارية؛ وكان ملفتا في المناظرة الأخيرة دعوتها لسحب القوات الاميركية من منطقة الشرق الأوسط.

         بيد أن علاقتها الشخصية مع ساندرز يشوبها الجفاء على خلفية الكشف أحدهم عن محادثة في عام 2018 اشار فيها الى أن ترامب لن تهزمه إمراة مرشحة عن الحزب الديموقرطي  وعندما نفى ساندرز ذلك تولدت حالة استياء ووابتعاد بينه وبين ووران. من غير المرجح أن تعكر تلك المسألة الخلافية علاقة المرشحين، وتوجهما المشترك لتسليط الضوء على ضرورة إسقاط الرئيس ترامب في الانتخابات.

         بيت بوتيجيج: المرشح الأصغر سناً والأقل خبرة بين المجموع، وأول مثلي يشارك في السباق الرئاسي، ويتمتع بعلاقات جيدة مع شركات الأسلحة والمصالح الكبرى.

         وقال مخاطباً جمهوراً من قيادات اليهود الأميركيين حديثاً إن “رحلة قام بها مؤخرا إلى إسرائيل مع “اللجنة اليهودية الأمريكية” عززت علاقته مع الدولة اليهودية.”  موضحاً ولاؤه بالزعم أن “محاربة معاداة السامية، مثل محاربة جميع أشكال الكراهية، يجب أن تكون قضية غير حزبية.”

         دخول بوتيجيج حلبة السباق الرئاسي رغم يفاعة سنه وانعدام الخبرة السياسية عنده تثير جملة تساؤلات حول الحكمة من وجوده، لا سيما وهو لا يزال يتلقى دعماً مالياً لا بأس به، تفوق فيه أحياناً على التبرعات الواردة لحملة بيرني ساندرز؛ كما يحظى بدعم قيادات الحزب الديموقراطي. وربما قد يحالفه الحظ لاختياره لمنصب نائب الرئيس.

         آيمي كلوبوشار عضو مجلس الشيوخ عن ولاية منيسوتا تدرك أن فوزها بالترشيح تبدو ضئيلة إلى معدومة وتطمح أيضاً لاختيارها كنائب للرئيس في مؤتمر الحزب، لا سيما إن وقع الاختيار على بايدن أو ساندرز.

فريق الأثرياء:

         مايكل بلومبيرغ، عمدة مدينة نيويورك السابق لعقد من الزمن ويبلغ 77 عاماً، تقدر ثروته 54 مليار دولار، ويعد من بين أغنى 10 أثرياء عالمياً؛ أعلن عن رفد حملته الانتخابية بـ 31 مليون دولار خصصها لإعلانات متلفزة؛ مما دفع منافسيه في الحزب الديموقراطي اتهامه بمحاولة “شراء الانتخابات؛” وهو الآتي من صفوف الحزب الجمهوري سابقاً.

         اتسم عهد بلومبيرغ في بلدية نيويورك بسياسته المعادية للأقليات والمهاجرين بتطبيقه مبدأ “فتش واعتقل” للشرطة في المشتبه بهم، خلافاً للقوانين السارية التي تشترط توفر أمر قضائي لتنفيذ حملة تفتيش.

         توم ستاير نال شهرته بالتبرع من ماله الخاص لتمويل محاكمة الرئيس ترامب على طريق عزله؛ موجهاً انتقادات لنفوذ كبريات الشركات في الحملات الانتخابية؛ من ضمن أولوياته السياسية التحول المناخي وآفة انتشار المخدرات بشكل غير مسبوق.


حظوظ مرشح الحزب

         ضمن اللوحة الراهنة لموازين القوى في قواعد الحزب الديموقراطي، وقبل بدء إجراءات محاكمة الرئيس ترامب وإمكانية تعرية جو بايدن، فإن أفضل المرشحين للفوز في المؤتمر العام هو الثلاثي: جو بايدن، بيرني ساندرز، واليزابيث ووران؛ خاصة عند الأخذ بعين الاعتبار توزيع المندوبين على الفائزين الأوائل بنسب موازية للحصيلة النهائية، وفق لوائح الحزب الديموقراطي، وذلك بخلاف لوائح الحزب الجمهوري التي تعطي الفائز الأول كافة المندوبين وإقصاء الآخرين.

         محطة الانتخابات التمهيدية المقبلة في ولاية أيوا ستفرز بعض المؤشرات الأقوى على تراتبية الأوفر حظاً كونها تعتبر مقياس اختبار للرأي العام، لا سيما وأن الثلاثي المذكور يحافظ على نسبة تأييد شعبية تتراوح بين 20 – 30% لكل منهم.

         المحطة الرئيسة التالية ستعقد في ولاية نيوهامبشير، 11 شباط/فبراير المقبل، التي ستفضي إلى استنتاجات تشكل بوصلة التوجه الشعبي العام والاستعداد للجائزة الأكبر، ولاية كاليفورنيا، في آذار/مارس المقبل.

         من المرجح أن يحافظ بيرني ساندرز على الزخم ومنسوب التأييد الراهن ليحتل المرتبة الأولى أو الثانية بعد بايدن في المحطات الأولى. تضعضع قاعدة تأييد اليزابيث ووران ستصب في صالح بيرني ساندرز نظراً لتقاطع الخطوط المشتركة بين جمهورهما وبرامجهما، بعيداً عن بايدن.

         من السابق لأوانه التكهن بما ستؤول إليه موازين القوى في المؤتمر العام للحزب، لناحية توصله لمرشح من الجولة الأولى أو اضطراره للذهاب لجولة تصويت ثانية يتخللها مناورات ووعود من الطامعين في المنصب لمراكز القوى الأساسية. واذا استمرت حالة توزع اصوات الناخبين من الحزب على عدة مرشحين رئيسيين قد لا يتم حسم مرشح الحزب الا حين عقد المؤتمر العام.

         لعله من المفيد عند هذه المحطة تعداد أبرز مثالب المرشحين الثلاثة والتي ستلاحقهم لنهاية السباق الرئاسي، استناداً إلى معلومات موثقة متداولة.

         بايدن سريع الانفعال وسلس الوقوع في مطبات ضارة، وقد يواجه استحقاقات “أوكرانيا غيت” قريباً.

         ساندرز تم دمغه بوسم “الاشتراكي” وميله لتعزيز القطاع العام والحد من سيطرة وتغول الشركات الكبرى. المجتمع الأميركي بشكل عام مناهض للتوجهات الاشتراكية، على الرغم من أن الرئيس أوباما طبق حلولاً اشتراكية لأزمة الشركات الرأسمالية عام 2008، بضخه تمويلات من الميزانية العامة لإنقاذ صناعة السيارات والمضاربات المالية.

         اليزابيث ووران وقعت في سلسلة مبالغات لسيرتها بزعمها انتمائها لأصول الأميركيين الأصليين في الجولة الانتخابية السابقة، ولا زالت تهمة التلاعب والادعاء بالنسب هذه تلاحقها ويتم استغلالها بكثافة من قبل الرئيس ترامب.

2020-10-01-التحليل

التحليل

بعد اغتيال سليماني والرد الإيراني

حرب الاستنزاف تؤجل الحرب المفتوحة

         فشل رهان صناع القرار السياسي في واشنطن في اخضاع وترهيب ايران باقدامها على اغتيال قائد قوة القدس، قاسم سليماني، واستنزاف إيران عبر جرها لحرب مباشرة “نظراً لحنكة الجانب الإيراني ورده المدروس .. وعدم تكبد خسائر بشرية كبيرة،” في صفوف الأميركيين كما يشاع في واشنطن.

         وثبت بالدليل الملموس أن المحفز الرئيس لقرار الاغتيال وإشعال الحرب في المنطقة كان الثنائي نائب الرئيس مايك بينس، ووزير الخارجية مايك بومبيو، تجسيداً لمسار مبرمج منذ تسلم الأخير رئاسة وكالة الاستخبارات المركزية وتفعيله “مركز شؤون ايران،” صيف عام 2017، هدفه إحياء هدف “تغيير النظام،” التي تخلت عنها الادارة السابقة، وفق سردية المحافظون الجدد.

السؤال الجوهري المتجدد في مفاصل القرار السياسي الأميركي هو لماذا أقدم الرئيس ترامب على قراره باغتيال سليماني ورفاقه في ظل تردد كل من سبقوه إلى البيت الأبيض اتخاذ قرار مشابه “لخشيتتهم من اندلاع حرب جديدة،” وفي ظل وجود قوات عسكرية أميركية منتشرة في عموم المنطقة ستتعرض للاستهداف.

         الإجابة متشعبة ذات أبعاد داخلية أميركية صرفة، جذرها العداء المؤسساتي المتأصل لإيران والرغبة بالانتقام منها بدءاً بحتجازها طواقمها الديبلوماسية في طهران، وانتهاء باعتبارها مسؤولة عن مقتل الأميركيين على امتداد مسرح العمليات الإقليمي، والأهم البعد “الإسرائيلي” وما يمثله من نفوٍذ طاغٍ عبر جماعات الضغط – اللوبيات.

         سنتناول بقدر ماهو متاح من تفاصيل البعد “الإسرائيلي” المسكوت عنه، سياسياً وإعلامياً؛ ورصد المواقف والشخصيات الأميركية التي هيأت الظروف لعملية اغتيال، لا سيما وأن السياسة الأميركية الرسمية لا تتبنى الاغتيالات عقب سلسلة فضائح سابقة لوكالة الاستخبارات المركزية اضطر الكونغرس التدخل لوقفها.

         في أعقاب القصف الايراني على قاعدتين عسكريتين أميركيتين في العراق والتزام الجانب الأميركي لهجة “التهدئة” رسمياً سنتعرض أيضاَ للخيارات العسكرية الأميركية الواقعية وليس الاستعراضية.


أميركياً

         العداء الأميركي لإيران وبسط الهيمنة عليها تجسد منذ عقد الخمسينيات من القرن الماضي، بدءاً بترتيب واشنطن انقلاباً على رئيس الوزراء الوطني محمد مصدق، وزادت حدته وشموليته منذ الثورة الإيرانية عام 1979 وما رافقها من إغلاق السفارة الأميركية واحتجاز ديبلوماسييها.

         تستحضر واشنطن نظرية وزير خارجيتها الأسبق، هنري كيسنجر، في تقييمه لإيران متسائلاً “هل ايران دولة وطنية أم قضية،” أي دولة تتقوقع داخل حدودها أم ذات رسالة ظاهرها ثوري وتجديدي. أما الملف النووي، مركز ثقل السياسة الأميركية والغربية نحو ايران، فقد تحقق فيه انجاز اتفاق دولي (انسحب من ترامب) رغم تحفظات ايران ورؤيتها لأميركا “الشيطان الأكبر.”

         من الناحية العملية، تبنت واشنطن على مدى العقود الأربعة الماضية سلسلة توجهات وسياسات متباينة نحو ايران، تتمحور حول “احتوائها أم إشراكها أو شن عدوان” عليها لتركيعها، واضيف عليها لفظاً مهذباَ نسبيياً “تغيير طهران لسلوكها.”

         الحصيلة العملية لتلك السياسات عبر الادارات المتعاقبة والتمهيد “الديبلوماسي” للإطاحة بالنظام الحالي، عبر شيطنته واعتباره جزءاً من “محور الدول المارقة،” واستبداله بنظام شبيه بنقيضه الشاهنشاهي يعيد الولايات المتحدة للسيطرة على موارد ومستقبل البلاد.

         فيما يتعلق بقرار اغتيال قاسم سليماني، يمكننا القول أن هناك إجماعاً داخل مفاصل المؤسسة الحاكمة حول الدور المحوري لوزير الخارجية مايك بومبيو لخلفيته المتشددة وسجله الطويل في خدمة الاستراتيجية العليا للبلاد: العداء لروسيا والصين وإيران، وكذلك فنزويلا وحركات التحرر في أميركا اللاتينية؛ وكوفيء بترؤس وكالة الاستخبارات المركزية لفترة زمنية محدودة استطاع خلالها احداث تغييرات بنيوية مفصلية تحابي توجهات المحافظين الجدد.

         وينسب لبومبيو أيضاً  تدخله في جملة تعديلات طرأت على قمة الهرم العسكري في البنتاغون، وترشيحه لموظف شركة لوكهيد السابق، مارك اسبر، لمنصب وزير الدفاع. اللافت أن سعر أسهم تلك الشركة ارتفع بشكل حاد “قبل يومين من اغتيال سليماني.”

وشكل ذاك الثنائي رأس الحربة بالتناغم مع الصقور داخل الإدارة، نائب الرئيس مايك بينس ومستشار الأمن القومي جون بولتون وآخرين بعضهم “اسرائيلي الهوى” تربع على منصب محوري في مجلس الأمن القومي.

         بومبيو “تحدث مع الرئيس ترامب عدة مرات” يوميا خلال الاسبوع الذي سبق عملية الاغتيال، وفق ما نقلته يومية واشنطن بوست، 5 يناير الجاري. وأضافت أن القرار جاء ثمرة مسييرة “إلحاح بومبيو ونائب الرئيس بينس.”

         ضباط استخبارات متقاعدون يسوقون حالة الإحباط التي رافقت بومبيو عقب حادثة إسقاط إيران الطائرة الأميركية المتطورة المسيّرة، لتراجع ترامب عن توجيه “ضربة عسكرية” لإيران، وصفه مرافقوه بأنه خرج “متجهم الوجه” من لقاءاته في البيت الأبيض. كما أنه عرض على الرئيس ترامب “اغتيال سليماني” منذ بضعة أشهر ولم يلقى استجابة ليس من الرئيس فحسب، بل من قادة البنتاغون.

         أما دور القيادات العسكرية الأميركية، ممثلة بالبنتاغون ورئاسة الأركان، في رسم أو تعزيز السياسات الأميركية فقد تعرضت لتقلبات وتجاذب منذ صدمة هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2011. وقد أوجزت يومية نيويورك تايمز أزمة سلة الخيارات المتاحة لبلورتها أمام الرئيس كي يتخذ قراره بناء على معلومات موثقة قائلة “وفر قادة البنتاغون للرؤساء خيارات عملياتية بعيدة المنال كي تبدو الخيارات الأخرى مستساغة؛” واصيبت البنتاغون بالصدمة من قرار الرئيس ترامب بالمصادقة على عملية الاغتيال (4 يناير الجاري).

         من بين الخيارات التي صاغتها البنتناغون للرئيس ترامب، عقب حادثة السفارة الأميركية في بغداد، شن غارات جوية ضد سفن أو منشآت صاروخية لأيران، أو استهداف مواقع “للميليشيات الشيعية” في العراق.

         ووفق مصادر عسكرية أميركية شملت قائمة خيارات البنتاغون “استهداف قاسم سليماني،” بغية ترجيح الخيارات الأخرى. وعندما اختار ترامب الاغتيال أصيبت القيادات العسكرية بالذهول والصدمة معربين عن قلقهم لمصير وسلامة القوات الأميركية في المنطقة “ولم يكن واضحاً ما إذا بذل (مارك) ميللي أو (مارك) أسبر جهوداً لثني الرئيس عن قراره.” (نيويورك تايمز).

استغل فريق بومبيو ومؤيدوه في مراكز القرار من المحافظين الجدد تلك الحادثة للتحريض ضد ترامب الذي أضحى متردداً وضعيفاً، وفق تفسير اولئك، بالتساوق مع بعض التعديلات التي طرأت على هيكلية فريق الأمن القومي لتصعيد الخطاب السياسي والإعداد لمواجهة مع ايران، ووقع الاختيار على قاسم سليماني نظراً لمكانته المحورية ليس لإيران فحسب، بل “لمحور المقاومة” المناهض للهيمنة الأميركية.

         في البعد الاستراتيجي، رمى فريق التصعيد الأميركي أيضاً توجيه ضربة لروسيا باختيار توقيت الاغتيال مباشرة بعد انتهاء المناورات العسكرية الثلاثية المشتركة، ايران وروسيا والصين، من أجل ترجيح كفة “القطب الأوحد” في المنطقة والعالم.


البعد “الاسرائيلي”

         جهود التنسيق والتكامل بين الكيان “الاسرائيلي” والولايات المتحدة لا تستثني أي نشاط من نواحي الحياة، لا سيما في المستوى الاستخباراتي والعسكري والاقتصادي؛ فضلاً عن الدور المرسوم لتل أبيب كقاعدة أميركية متقدمة في المنطقة.

         ما يهمنا في هذا السياق الجهود المشتركة للطرفين ضد ايران، وهوة ما سنسلط الضوء عليه لدعم فرضية ان الاغتيال كان قراراً مشتركاً بينهما منذ زمن.

         بعد اشهر معدودة من تولي الرئيس ترامب مهام منصبه، أبرم الطرفان الأميركي و”الاسرائيلي” مذكرة تفاهم تلزمهما بالتعاون الوثيق لتصديهما للمشروع النووي الإيراني، في أعقاب انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي، 13 اكتوبر/تشرين الأول 2017؛ وبعد انعقاد سلسلة من “اللقاءات السرية في البيت الأبيض.”

         وقعت المذكرة في الببيت الأبيض يوم 12 ديسمبر/ كانون أول 2017، بين فريقي الطرفين برئاسة مستشاريهما لشؤون الأمن القومي، اتش آر ماكماستر، عن الجانب الأميركي، ونظيره مائير بن شباط.

         تناقلت وسائل إعلامية أميركية متعددة نبأً قبل نحو سنتين بأن “.. الولايات المتحدة أعطت اسرائيل الضوء الأخضر لاغتيال سليماني .. نتيجة اتفاقهما أن أنه يشكل تهديداً” للطرفين. وأوضحت أن مصدرها كان صحيفة تصدر في الكويت، الجريدة، والتي “.. في السنوات الأخيرة تنشر أخباراً من مصادر اسرائيلية حصراً.” (الجريدة، 1 يناير 2018)

         وتضيف الصحيفة الكويتية أن الولايات المتحدة أفشلت عملية اغتيال لسليماني مشابهة قبل نحو ثلاث سنوات (2015)‘ في دمشق، مما “أثار جدلاً خلافياً حاداً” بين جهازي الأمن للطرفين.

         رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية، الموساد، يوسي كوهين صرح لصحيفة تتبع الارثوذكس اليهود، 10 اكتوبر 2019، بأن اغتيال سليماني “ليس أمراً مستحيلاً .. (مستدركاً) انه لم يرتكب الخطأ الأمني” الذي يعرضه للانكشاف والاستهداف.

         كما أشارت يومية نيويورك تايمز، 2 حزيران 2017، إلى الاجراءات التي استحدثها مدير السي آي ايه، مايك بومبيو، عززت منحى العمليات السرية والاغتيالات؛ مؤكدة أن وكالة الاستخبارات المركزية “بالتعاون مع الموساد استخدمت سيارة متفجرة لاغتيال (عماد) مغنية في دمشق،” بتاريخ 12 شباط/فبراير 2008.

         اذ استثنينا جانباً تجنيد الموساد والسي آي ايه لعملاء ايرانيين، لا سيما مجموعة مجاهدي خلق، لاغتيال 5 علماء ايرانيين في مجال الطاقة النووية داخب ايران؛ ينبغي لفت الأنظار للعمليات العسكرية “الاسرائيلية” داخل العراق منذ توقيع “مذكرة التفاهم المشتركة” مع الولايات المتحدة.

         هل نسقت واشنطن مع تل ابيب اغتيال قاسم سليماني؟ الصحافة الأميركية وفرت علينا الجواب ايجاباً.

         يومية لوس انجليس تايمز، 4 يناير الجاري، أكدت أنه كان لتل أبيب إشعار مسبق بالخطة الأميركية نقلاً عن مصدر عسكري “اسرائيلي” رفيع. الصحافي المقرب من الأجهزة الأمنية في تل أبيب، باراتك رافيد قال “تقييمنا هو أن الولايات المتحدة أبلغت اسرائيل بهذه العملية في العراق، على ما يبدو قبل بضعة أيام.” (قناة الحرة الأميركية، 4 يناير).


الخيارات الأميركية

         التزمت واشنطن الرسمية شح الكلام والتعليق في الساعات الأولى لإصابة الصواريخ الإيرانية قواعدها في العراق، واستنفذت اجتماعين عاجلين لمجلس الأمن القومي قبل ظهور الرئيس ترامب في رسالة متلفزة للأمة محاطاً بطاقمه من المستشارين والوزراء، مشدداً على أن بلاده لم تتكبد خسائر بشرية جراء الهجوم.

         كانت تلك إشارة بأن واشنطن لن ترد على الفور وترجمة لكتاب وجهه للكونغرس مفاده بأن الرد الأميركي على ايران مشروط “بمهاجمتها أي شخص أو هدف أميركي .. وسيكون الرد سريعاً وبشكل كامل وربما بطريقة غير متناسبة.”

         عند هذا المنعطف، وبعد فشل بومبيو ومؤيديه جر الولايات المتحدة لحرب مباشرة مع ايران سيتعين عليه استنباط حيلة وذريعة أخرى لإشعال حرب، مع الأخذ بعين الاعتبار موسم السباق الانتخابي.

         “إعادة انتشار” القوات الأميركية في سوريا والعراق دليل آخر على “تراجع” الولايات المتحدة في المرحلة الراهنة، وإبقاء بوصلتها مصوبة شرقاً باتجاه الصين وروسيا.

         عديد القوات الأميركية المنتشرة في المنطقة، برية وجوية وبحرية ومشاة البحرية – المارينز، تندرج تحت عناوين ثلاثة عريضة.

         القوات المقاتلة: قوات مدربة على مهام الاقتحام والالتنحام مع الخصم وحماية المواقع الأميركية، ونشر وحدات صغيرة مدربة لتحقيق مهام محددة، ومعظمها يتواجد في أفغانستان.

         الفنيين: فرق من الجنود المدربين على صيانة نظم التسليح المتعددة، كالطائرات المقاتلة ونظم الدفاع الجوي وشبكات الرادار. تقتصر مهامهم على الدفاع وحماية المواقع، وليس القيام بعمليات هجومية أو اشتباك مع الخصم.

         القوات المساندة: تشمل فرق الإغاثة والطبية والقيام بمهام الإمداد والنقل، لكنها غير ملائمة لخوض معارك حربية.

         باستثناء بعض الفرق الصغيرة من مشاة البحرية والمرابطة في الكويت فإن معظم القوات الأخرى تندرج مهامها في حماية وصيانة نظم التسليح المتعددة: المقاتلات الحربية، نظم الدفاع الصاروخية، صواريخ كروز، والطائرات المسيرة. مجموعة محدودة من المارينز اتجهت من الكويت لبغداد لتوفير حماية للسفارة الأميركية.

         ارسلت البنتاغون نحو 2،200 جندي من مشاة البحرية، وحدة 26 الاستكشافية، للمغرب للمشاركة في التدريب، وسيرابطون على متن السفن الحربية.

         كما أرسلت مجموعة من الفوج 75 للحرس لتعزيز مهام الحماية في المنطقة.

         ويتأهب اللواء القتالي 173 المحمول جواً الذهاب للمنطقة يرجح أنه سيقوم بحماية السفاترة الأميركية في بيروت.

         أما مجموع القوات الأميركية العاملة في المنطقة فيبلغ نحو 80،000 عسكري، معظمها لمهام قتالية، وفق بيانات البنتاغون، موزعة كالتالي:

         افغانستان – 14،000 جندي؛ الكويت وقطر – 13،000 لكل منهما؛ البحرين – 7،000؛ العراق – 6،000؛ السعودية – 3،000؛ الأردن – 5،000؛ الأردن – 5،000؛ وسوريا – 800.

         القوات البحرية العاملة في المنطقة يبلغ تعدادها 5،000 عسكري.

         كما تحتفظ الولايات المتحدة بترسانة عهالية من الأسلحة والذخائر مخزنة في مناطق متعددة باستطاعتها نشرها في أي وقت يستدعي ذلك.

         سلاح صواريخ كروز المنطلقة من البحر سيكون له دور بارز في أي مواجهة محتملة مع ايران، وكذلك مئات من الطائرات المقاتلة، سواء في القواعد البرية في الخليج أو في عرض البحر.

         المواجهة الأشد ترجيحا بين ايران والولايات المتحدة هي في مجال القرصنة الالكترونية والتي يستخدمها الطرفان دون إعلان في أغلب الأحيان؛ وكذلك في مضيقي هرمز وباب المندب حيث تتواجد حاملات الطائرات الأميركية وبوارجها الحربية.

         أما القوات الإضافية التي تستعد واشنطن لإرسالها للمنطقة فهي لساحة العراق لاعتقاد الأولى أن القوى الشعبية المسلحة ستسهدف القواعد الأميركية هناك، وتقتصر مهامها على تعزيز سبل الحماية للمنشآت والمؤسسات الأميركية هناك.

2019-20-12-التحليل

التحليل

انصار ترامب يهددون
بحرب اهلية لحمايته من العزل

         تجدد التهديد بنشوب حرب أهلية في الآونة الأخيرة لقطع الطريق على الحزب الديموقراطي المضي “دستورياً” بالمحاكمة على طريق عزل الرئيس ترامب؛ والسلطات الأمنية ومراكز القرار السياسي تنظر للمسألة بجدية عالية لتوفر ظروفها وآلياتها ووفرة السلاح وقرار البدء بها من قبل جزء لا بأس به من مؤيدي الرئيس ترامب.

         المحرض الأبرز لاندلاع حرب أهلية ليس سوى الرئيس ترامب الذي “غرد” منذراً بها، 29 أيلول / سبتمبر الماضي، قبيل بدء جلسات مجلس النواب بالقول “.. في حال نجح الديموقراطيون بعزل الرئيس .. سنشهد اندلاع حرب أهلية من شأنها تقسيم بلادنا لن تستطيع التغلب عليها.”

         مجموعة منظمة من مؤيدي الرئيس تدعى حراس القسم، تضم نحو 24 ألف عنصر، أبلغت أعضاءها ذات اليوم بتوجه الرئيس ترامب وما ينبغي عليهم الإعداد له “نحن على أعتاب حرب أهلية حامية الوطيس .. تيار اليمين لديها صفر ثقة أو احترام لأي فعل يصدر عن اليسار، اللاشرعي.”

         نائبة وزير العدل السابقة لشؤون الأمن القومي، ماري ماكورد، حذرت من نزعة الاستهتار وتهميش اليمين المسلح إذ “سيكون ضرباً من الجنون الاستهتار وبخس تقدير قوة وفعالية تصريحات ترامب بمطالبته الميليشيات المارقة التأهب للعمل، خصوصاً إن اتخذ قرار بعزله.”

         وأضافت ماكورد أن ميليشيا حراس القسم، تضم بين صفوفها جنوداً سابقين مجربين في ساحات القتال وأفراد شرطة، ذكرت عناصرها حديثاً بساعة الصفر “.. كل ما ينتظرنا هو إشارة من الرئيس، وسنلبي نداءه،” واستعراضها بالفيديو لسلاحها الحربي المفضل، إيه آر 15 “المصون دستوريا وفق مادة التعديل الثانية.”

عضو الكونغرس عن الحزب الجمهوري، ستيف كينغ، أنذر معارضي الرئيس ترامب بأن مخزون الأسلحة المتوفرة في الولايات “الحمراء،” التي تميل لتأييد الحزب الجمهوري بغالبية مريحة، تشمل “8 تريليون طلقة؛” أي 8،000،000،000،000 طلقة.

في سياق انتشار الأسلحة، صدر تقرير عن الوكالة الفيدرالية لتنظيم “الكحول والتبغ والاسلحة الفردية،” جاء فيه أن من يملكه الشعب الأميركي من “اسلحة فردية  تصل لـ 423 قطعة، ومليارات مخازن الذخيرة .. تشمل 17.7 مليون بندقية آلية حديثة من طراز إيه آر 15 وكلاشينكوف 47” محذرة صناع القرار بأن تلك الترسانة تشكل “خطراً جاداً” على الأجهزة الأمنية وسلامة الشعب الأميركي.

تلقى التيار المحافظ والمتشبث بحمل السلاح هزيمة صافية في ولاية فرجينيا مؤخرا، والتي كانت لوقت قريب أحد أركان أجندته الموثوقة، بفوز شخصية ديموقراطية لمنصب حاكم الولاية، يسانده مجلس تشريعي يسيطر عليه حزبه.

التركيبة السياسية الجديدة في الولاية تنظر في استصدار قانون يحد من اقتناء السلاح الفردي ونوعيته، بخلاف السياقات السابقة؛ في تحدي ما يقرب من 90% من مواطني الولاية الذين يتسلحون بنص مادة التعديل الدستوري الثانية لصون الحق في التسلح.

في ظل الصراع الحاد الجاري بين الفريقين حول اقتناء السلاح، تبنت نحو 95 مقاطعة وبلدية في عموم الولايات المتحدة تشريعات جديدة لحماية “حق اقتناء السلاح الفردي” وعدم فرض قيود عليه.

المستشار السابق للرئيس للشؤون الاستراتيجية، ستيف بانون، أنذر من جانبه كل من يهمه الأمر بأن “عام 2019 سيثبت أنه الأشد قسوة في التاريخ السياسي الأميركي منذ الحرب الأهلية،” في سياق ترتيبات مجلس النواب لعقد جلسات استماع لمحاكمة وعزل الرئيس (مقابلة متلفزة مع شبكة سي بي أس، 24 شباط الماضي).

مركز الأبحاث والمنظمة الأميركية الأبرز للتدخل “الديموقراطي” في شؤون الدول الأخرى بيت الحرية حذرت صناع القرار من أن “عام 2018 شهد تآكلاً متسارعاً لمعايير الديموقراطية الأميركية داخل بلادنا أكثر من أي زمن مضى على الإطلاق.”

الرئيس ترامب وافق على نبوءة وتحليل بيت الحرية، الممول من الحكومة الأميركية منذ عام 1941، لحسابات مغايرة في آب 2017، على خلفية الاشتباك الدموي بدوافع عنصرية في مدينة شارلوتسفيل، قائلاً “من المحزن مشاهدة تاريخ وحضارة بلادنا العظيمة وهي تتعرض للتمزيق..”

تعززت احتمالات اندلاع صدامات مسلحة، حرب أهلية باردة، في الأيام المعدودة الماضية عقب رسالة الرئيس ترامب المطولة والغاضبة لرئيسة مجلس النواب، نانسي بيلوسي، عشية التصويت على لائحة اتهام ضده، يقر فيها بمحاكمته لكنه لن يستسلم بسهولة، مؤكداً أن “مسار المحاكمة والعزل” سيخدمه في نهاية المطاف؛ وهي نتيجة تجد أصداء واسعة لعدم توفر أعداد الأصوات الضرورية لعزله في مجلس الشيوخ.

النائب الجمهوري عن ولاية تكساس، لووي غومرت، حذر خلال مداخلته في مجلس النواب للتصويت على القرار من نشوب “حرب أهلية محتملة .. التجارب التاريخية تشير إلى أن الأسلحة تدخل ساحة المعركة في الشوط الأخير من حرب أهلية.”

آخرون لفتوا الانتباه إلى تجذر “حركات انفصالية منظمة في بعض الولايات مثل كاليفورنيا وتكساس وماريلاند وكولورادو.”

الجمعية الوطنية للدراجات النارية صدى العاصفة، المنتشرة في طول وعرض البلاد وتضم نحو 300،000 عضو، أعربت عن جهوزيتها لدخول جماعي منظم للعاصمة واشنطن “لحماية ترامب” من تداعيات قرار العزل. كما أن التجهيزات للتحرك بين صفوف تيار المسيحيين الانجيليين في حالة متقدمة، يغذيه وعاظ الكنائس في معظم الولايات الجنوبية

في معسكر الرئيس ترامب، شن مؤيدوه وحملة انتخابه المقبلة حملة دعائية مكثفة ضد الحزب الديموقراطي وحصدوا تبرعات إضافية بعشرات ملايين الدولارات بعد تبني شعار “التصويت المسبق – صندوق الدفاع  ضد العزل.”

المرحلة أو الأيام المقبلة

من أبرز نتائج قرار مجلس النواب لصالح ترامب أن رئيسة المجلس استنفرت آليات الحزب الديموقراطي الضخمة للحيلولة دون الوصول لنتيجة تصويت نهائية “محصورة بتأييد حزب بمفرده؛” وخابت الآمال بإقناع أي ممثل عن الحزب الجمهوري للتصويت ضد الرئيس، الأمر الذي كان سيقوي صلاحية القرار أسوة بقرار شبيه مدعوم من الحزبين لمحاكمة الرئيس الأسبق بيل كلينتون. بل خسر الحزب الديموقراطي أحد أعضائه بنقل ولائه للخصم الجمهوري والتصويت ضد القرار.

المواد الدستورية الخاصة بقرار العزل تنص على مبادرة مجلس النواب تسليم القرار النهائي لمجلس الشيوخ، المكلف بإعداد ترتيبات المحاكمة العلنية برئاسة رئيس المحكمة العليا وعضوية كافة أعضاء المجلس.

في اللحظات الأخيرة وعقب نجاح التصويت أعلنت رئيسة مجلس النواب، نانسي بيلوسي، أنها ستحتفظ بالقرار لحين “الحصول على ضمانات من رئيس مجلس الشيوخ بعدالة سير المحاكمة.”

ما انطوى على تلك الخطوة “التكتيكية” أن قرار مجلس النواب يفقد زخمه إن بقي حبيس أدراج المجلس، وعملياً لن يسجل في البيانات الرسمية صدور قرار ضد الرئيس ترامب، خلافاً لرغبة ومطلب ممثلي الحزب الديموقراطي.

وعليه، ان استمرت حالة الجذب بين رئاسة المجلسين دون أفق لحل قريب، سيفقد القرار مفعوله ويصبح باستطاعة الرئيس ترامب الادعاء بأنه لم يتخذ قرار عزل ضده – وبعض المراقبين يعوّل على هذه الجزئية كمخرج يحفظ ماء وجه الطرفين والحيلولة دون الاشتباك اللفظي مجددا وربما طويلا، وإبعاد شبح مسار آخر ينذر بمثول مسؤولين كباراً في الأجهزة الأمنية ورأس الهرم السياسي السابق، الرئيس اوباما ونائبه جو بايدن ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون.

الرئيس ترامب، المتهم أمام المحكمة، من حقه طلب استدعاء أي كان يراه مناسبا للدفاع عن نفسه؛ وصرح مراراً بأنه ينوي استدعاء ومثول جو بايدن ورئيس وكالة الاستخبارات المركزية الأسبق، جون برينان، والمدير الأسبق لمكتب التحقيقات الفيدرالي، جيمس كومي؛ وآخرين.

من غير المتوقع أن يمضي صناع القرار السياسي في المؤسسة الحاكمة، بكافة أركانها السياسية والعسكرية والأمنية والاعلامية والمصرفية، عقد جلسات محاكمة تستوفي الشروط المطلوبة لخشيتها بل قلقها الحقيقي من الكشف عن مزيد من التورط في الفساد المالي والأمني والسياسي لن يتورع ترامب عن التشهير بهم، فرادا وجماعات، لإنقاذ نفسه وسمعته وإرثه السياسي.