2019-22-02 التحليل

التحليل

 

تصاعد المخاطر النووية بانتظار قرار متهور

          تمضي واشنطن بسرديتها وسياساتها متشبثة بموقعها السابق للمتغيرات الدولية باعتبارها الركن الأوحد والأقوى في عالم ما بعد الحرب الباردة التقليدية، وتقاوم مكرهة بروز تعدد القطبية العالمية والتعويل على شحن الداخل الأميركي بخطاب لتهديد متخيل من “روسيا والصين” باعتبارهما يشكلان منافسين صاعدين يتحديان جبروتها.

          مراكز القوى الرئيسة الأميركية، مؤسسات عسكرية واستخباراتية وإعلامية، حافظت على مناخ العداء لروسيا بشكل خاص، واستغلت كل ما تملك من فرص وامكانيات وموارد لزيادة انفاقاتها العسكرية علها تسعفها في ازاحة المنافسين الدوليين، وبقائها في مركز القطب الأوحد.

          مجيء الرئيس ترامب للبيت الأبيض شكل الحاضنة المناسبة لنزعة سيطرة المؤسسة العسكرية والاستخباراتية على مفاصل القرار السياسي، ودفعه لاتخاذ مواقف معادية لروسيا، ومن ثم الصين بدرجة موازية، في سياق مراهنة المؤسسة استعادة مناخ سباق التسلح و”حرب النجوم” التي أسهمت بانفلاش ومن ثم تفكك الاتحاد السوفياتي لاستدراج روسيا لنفس المصير.

          نشطت الركائز الفكرية لصناع القرار، مركز الابحاث المختلفة، في الآونة الأخيرة لتحشيد الرأي الأميركي العام وراء السردية الرسمية بمعاداة ومواجهة روسيا؛ أحدها وربما الأهم كان معهد بروكينغز باستضافته قائمة مطولة من المتحدثين، آخرهم كان عضو مجلس النواب عن ولاية ماساتشوسيتس، سيث مولتون، الذي “شدد على أن ما تحتاجه الولايات المتحدة (يمكن تلخيصه) بعبارة التفكير بعقلية الجيل المقبل؛ لتطوير أسلحة جديدة وذكية وبناء تحالفات وإرساء قواعد للحد من انتشار الأسلحة” بما يخدم الاستراتيجية الأميركية. (12 شباط الجاري).

          وبرر مولتون نظريته “الهجومية” بتذكير النخب الفكرية أن “عودة المنافسة بين القوى العظمى كشف الغطاء عن حدود القدرات الأميركية الراهنة .. الصين وروسيا تتفوقان علينا جوهرياً بقيود الانفاق المالي وقيود سياسية أضعف. لذا ينبغي علينا زيادة استثماراتنا بشكل ملحوظ في تطوير أسلحة تفوق سرعة الصوت وأخرى للفضاء الإلكتروني.”

          واشنطن لم تفوت أي فرصة للنيل من موسكو وتحشيد الرأي العام الداخلي والعالمي ضدها، أحدثها كان سلسلة خطابات لوزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، منتصف شباط/فبراير الجاري، في جولته الاوروبية “.. محذراً من أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يشكل تهديداً للديموقراطيات في انحاء العالم.”

          موسكو لم تصمت طويلاً، وأتى ردها في مكانة غير معتاد عليها بخطاب رئاسي هو الأول منذ انسحاب واشنطن من معاهدة الحد من الأسلحة النووية، وتأكيد الرئيس الروسي، قبل ايام، أن الأراضي الأميركية ستكون مسرحاً في الحروب المقبلة وبلاده “.. سترد على أي نشر للأسلحة النووية متوسطة المدى في أوروبا؛ ليس فقط باستهداف الدول التي تُنشر فيها هذه الصواريخ بل باستهداف الولايات المتحدة الأمريكية نفسها.”

          وشدد الرئيس الروسي أن بلاده “لا يمكن أن تكون البادئة” بحرب نووية كارثية انطلاقاً “من عدم ايماننا بمفهوم الضربة الوقائية. واضاف أن روسيا “لا تعتزم أن تكون الأولى في نشر مثل هذه الصواريخ (كروز) في أوروبا. في حال طوّرتها الولايات المتحدة ونشرتها في أوروبا، فهذا الأمر سيفاقم بشكل كبير الوضع الأمني الدولي، وسيخلق تهديدات جدية لروسيا”. وأشار إلى أن بعض الصواريخ قادرة على بلوغ “موسكو خلال 10-12 دقيقة”.

          الردود الأميركية والأوروبية عكست مدى القلق من تصريحات الرئيس بوتين الذي “يهدد باستهداف أميركا بصواريخ نووية،” كما جاء في عنوان يومية التايمز اللندنية، 21 شباط الجاري، باعتباره “أخطر تهديد من بوتين للولايات المتحدة منذ إعلان إدارة ترامب الانسحاب” من المعاهدة النووية. مسؤول أميركي لم يفصح عن هويته صرح للصحافيين بأن بلاده “تلتزم بشكل تام بمعاهدة الحد من الاسلحة النووية متوسطة المدى.” الناطق باسم الخارجية الأميركية زعم أن “الولايات المتحدة لا تسعى لتطوير مماثل لآنظمة جديدة تحمل رؤوساً نووية.”

          هناك مؤشرات وايحاءات أميركية ضعيفة ترمي لاستعادة تفعيل المعاهدة النووية مع روسيا، أحدثها جاء على لسان وزير الطاقة الأسبق، ايرنيست مونيز، خلال حضوره “مؤتمر ميونيخ للأمن،” 17 شباط الجاري ليومية ديفينس نيوز، معتبراً عودة الولايات المتحدة للالتزام بنصوص المعاهدة مشروطة بتوصل الطرفين لاتفاق على نظام تفتيش للنظم التي يُعتقد أنها تنتهك المعاهدة. وأوضح “بصراحة، فالروس الذين تحدثت معهم أفادوا بأن كل ما هو مطلوب الموافقة على نظام تفتيش متبادل ..”

          واستطرد معرباً عن اعتقاده أن ما يقض مضجع الجانب الروسي هو نشر منظومة “ايجيس” الصاروخية على شواطيء دول اوروبا الشرقية المحاذية للحدود الروسية وما تمثله من قدرات تدميرية تنتهك نصوص المعاهدة.

          خبير علم الصواريخ الأميركي الشهيرفي (معهد ماساتشوسيتس التكنولوجي MIT،) تيد بوستول، مضى محذراً من خطورة تلك المنظومة لقدراتها العالية في إطلاق صواريخ كروز “وينبغي أخذ قلق الجانب الروسي منها بعين الاعتبار.”

          واستطرد محذراً من خطورة السلاح النووي في مقال نشره بصحيفة نيويورك تايمز، 19 شباط الجاري، أن “صواريخ كروز الحديثة المسلحة برؤوس نووية مفزعة إلى حد بعيد عن ذاك الجيل من الصواريخ المتضمن في المعاهدة النووية الموقعة عام 1987 .. لا سيما في قدراتها الراهنة لتعديل مسار تحليقها تلقائياً والبقاء في حالة تأهب لتنقض على الهدف المرسوم مسبقاً.”

          وخلص بوستول بمناشدة كل من واشنطن وموسكو عدم الانزلاق لسباق تسلح نووي جديد خاصة “وأن القدرات التدميرية المرعبة لدى الطرفين من شأنها تصعيد احتمالات استخدام الاسلحة النووية الكارثية نتيجة خطأ ما في خضم أزمة غير مرئية في اللحظة الراهنة.”

          في ذات السياق التحذيري من جانب الخبراء والساسة “العقلانيين” انضم الثنائي ورئيسي منظمة مبادرة التهديد النووي بالشراكة، ايرنيست مونيز والسيناتور الجمهوري الأسبق سام نان، بالقول أن واشنطن وموسكو “تحثان الخطا نحو كارثة نووية .. بالترافق مع غياب الإرادة عند الطرفين لاحتواء المشهد.”

          وطالب الثنائي المذكور في مقال مشترك في الأول من شباط/فبراير الجاري، نشرته يومية بوليتيكو، صناع القرار في واشنطن “تدارك اندلاع صراع كارثي (عبر) إعادة الانخراط مع روسيا الآن – بدعم من الكونغرس الذي يتعين عليه لعب الدور الأساس.”

          وناشدا قادة الكونغرس من الحزبين، دون أن يوجها اللوم المباشر للجانب الأميركي، بالمبادرة “لتسهيل انشاء حيز سياسي لقيادة القوتين النوويتين العظميين بعيداً عن النكبة (المحدقة) والتحدي الصريح للفرضيات الراهنة بأن (واشنطن) ليس لديها خيار آخر نحو روسيا باستثناء الشلل المفروض ذاتيا.”

          في حمأة مناخ التصعيد المعادي لروسيا واستباق الزمن لفرض مزيد من العقوبات الغربية عليها، فضلاً عن “غياب استراتيجية فعالة عند أدارة ترامب لثني روسيا عن انتاج ونشر صواريخ (نووية) متوسطة المدى بمعزل عن المعاهدة الموقعة” من شأنه أن يفاقم الأزمة عند حلفاء أميركا، بل “سيحفز اعضاء حلف الناتو على تصعيد معارضتهم للسياسة الأميركية،” وفق ما جاء في تقرير لمنظمة الحد من انتشار الأسلحة النافذة في القرار الأميركي عبر مرحلة الحرب الباردة.

          وناشدت المنظمة في تقرير لها في الأول من شهر شباط الجاري، قادة واعضاء الكونغرس “الامتناع عن تخصيص اي موارد مالية لشراء نظم تسليحية” نووية؛ والذهاب سوية مع روسيا لتجديد العمل بالمعاهدات النووية السابقة “لخمس سنوات إضافية لما بعد عام 2021” بعد انتهاء صلاحياتها.

بيد أن الوقائع الملموسة راهنا تتعارض بشدة مع توجهات “العقلاء” ونصائح الخبراء التقليديين، خريجي مرحلة الحرب الباردة، وتصطدم بعزم الإدارة ومفاصل صنع القرار المضي بخطة تسليح نووية جديدة، رغم إدراكها جميعاً أن ما يتوفر لدى ترسانتها راهنا يكفي لتدمير الحياة على الكرة الأرضية بكاملها.

2019-08-02 التحليل

التحليل

خطاب ترامب: كلام معسول يحث على الوحدة الداخلية

مع تهديد انتقائي للخارج

        لم يخلُ الخطاب السنوي المقدم أمام مجلسي الكونغرس من الرتابة التقليدية عن توصيف “الحالة العظمى والفريدة” لانجازات الولايات المتحدة؛ أو من الانتقادات القاسية لزعيمة مجلس النواب، نانسي بيلوسي وآخرين.

        أما الجانب المثير، بتقديرنا، فهو ما جاء به من معلومات، تصريحاً وتلميحاً، حول زوايا متعددة من الاستراتيجية الكونية الأميركية؛ وبشكل خاص ما له صله بالصراع العربي – الصهيوني أولى بشائره اعلان الانسحاب الأميركي من سوريا ولاحقاً من افغانستان، هذا العام.

        لعل رد فعل نانسي بيلوسي، عقب انفضاض الجلسة الاحتفالية للخطاب، يشكل تلخيصاً مكثفاً للقضايا الخلافية بين الفريقين، التي سيبنى عليها ملامح المرحلة المقبلة استعداداً لجولة الانتخابات الرئاسية المقبلة.

        اتهمت بيلوسي الرئيس ترامب بأنه “قدم وقائع مشوهة” للحالة الأميركية وما تضمنه “سيحتاج لعدة ايام للكشف عن حقيقته؛ واضرام النار بمشاعر الخوف وصناعة أزمة الجدار،” ملفتة النظر إلى لهجة التهديد التي وجهها الرئيس ترامب للكونغرس على خلفية مطالبة الحزب الديموقراطي، عبر ترؤسه للجان مجلس النواب، بتشديد التدقيق ومحاسبة سجلات الرئيس.

        على صعيد السياسة الخارجية، أكد الرئيس ترامب على مركزية منطقة “الشرق الأوسط” في الاستراتيجية الأميركية والذي يمثل “أحد أعقد التحديات” أمام الولايات المتحدة، مشدداً على عزمه سحب القوات الأميركية من أفغانستان وسوريا في أسرع وقت ممكن، إذ أن “الأمم العظمى لا تخوض حروباً بلا نهاية،” وفق توصيف ترامب.

        ايران حضرت بقوة في الخطاب منتشياً بسياسته “لمنع ايران من الحصول على سلاح نووي؛ وطبقنا اقسى العقوبات المفروضة على أي دولة،” معلناً أن بلاده “لن تغض الطرف عن نظام يهتف بالموت لأميركا ويهدد بإبادة الشعب اليهودي.” وحافظت ايران على مرتبتها الأميركية بأنها “الراعي الأكبر للإرهاب.”

        روسيا والصين كان لهما نصيبهما من الحملة الأميركية المعادية، مستغلاً الفرصة لتبرير انسحاب بلاده احادي الجانب من معاهدة الحد من الأسلحة النووية متوسطة المدى مع موسكو. بينما جانب الحذر بالنسبة للصين وبأنه “يعمل من أجل التوصل لاتفاق (تجاري) جديد” معها.

        اللافت أن تبجح الرئيس ترامب بتحقيق “انجازات” في مجال السياسة الخارجية لا يتسق مع شرائح واسعة من قيادات حزبه الجمهوري، وبخلاف لهجته التوفيقية مع الحزب الديموقراطي؛ إلا انه أسهم بالاضاءة على مدى الانقسامات السائدة في البلاد ومنذ تسلمه مهامه الرئاسية.

        تأكيد الرئيس ترامب على عزمه بالانسحاب من كل من سوريا وافغانستان اصطدم بمصادقة مجلس الشيوخ على قرار “رقم إس 1،” لدورته الحالية، يحذره من مخاطر “انسحاب متهور” من سوريا بالدرجة الأولى. وفاز القرار بنسبة 77 مقابل 23 صوتاً. كما تضمن القرار بنودا خاصة لتجريم “انتقاد أو مقاطعة اسرائيل” من الأميركيين.

الاتحاد ليس بخير

        أضاء الرئيس ترامب على أداء القوات العسكرية الأميركية التي “باتت تقاتل في الشرق الأوسط منذ 19 عاماً تقريباً؛ تسببت في مقتل ما يقرب من 7000 عسكري ونحو 52،000 من الجرحى والمعاقين؛ كلفتها الإجمالية تفوق 7000 مليار دولار.”

        أما حال الاقتصاد، الركيزة الأساس في تصريحات الرئيس، فقد زعم أنها بألف خير واصفاً التحول الاقتصادي في عهده بـ “المعجزة .. وينمو بمعدل الضعف” منذ دخوله البيت الأبيض.

        بيد أن نظرة علمية على الاقتصاد الأميركي تشير إلى واقع لا يبعث على االارتياح. مع نهاية عام 2017، ابان ولاية الرئيس اوباما، صادق الكونغرس، باغلبيته من الحزب الجمهوري، على خفض اضافي للضرائب المفروضة على الأثرياء. ورجح الخبراء الاقتصاديون أن حرمان الخزينة الأميركية من مدخولها سيرفع حجم الدين العام إلى 35 ألف مليار (تريليون) دولار، مع حلول عام 2028.

        بالمقابل، بلغ حجم الدين العام ما نسبته 32% من الناتج القومي العام. في ظل الصيغة الراهنة لإعفاء الأثرياء من دفع مستحقاتهم يتراكم معدل الدين بنسبة متسارعة تبلغ “ألف مليار (تريليون) دولار سنويا،” مما يشكل 105% من الناتج القومي. أما معدلات الأجور فحدث ولا حرج، إذ عجزت عن التماهي او اللحاق بمعدلات التضخم المتصاعدة دوماً؛ وتراجع “مستويات الرفاهية لدى الشعب الأميركي بنسب مذهلة،” وفق تقديرات خبراء الاقتصاد.

        “المعجزة الاقتصادية” التي بشر بها الرئيس ترامب تجد صداها لدى كبريات المؤسسات الاقتصادية من مصرفية وصناعة الأسلحة حصراً، تجسدت بأكبر ميزانية تسليحية في تاريخ الولايات المتحدة.

        تغني الرئيس بالأداء “المذهل” للقوة الأميركية فندته وزارة الدفاع الأميركية عينها بإعلانها مطلع الشهر الجاري، دون صخب الضجيج المعتاد، عن شراء بطاريتين “للقبة الحديدية” من تل أبيب “لإجراء مزيد من التجارب عليها،” بسعر إجمالي يعادل  373 مليون دولار، في نطاق برنامج مشترك أوسع قيمته 1.7 مليار دولار مع حلول العام القادم. وبلغ مجموع الإنفاق الأميركي على المشروع نحو 1.4 مليار دولار، منذ عام 2011.

 بينما في حقيقة الأمر جاء الإعلان بمثابة “إقرار مهين بفشل نظم الأسلحة الأميركية .. ” حسبما جاء في النشرة الاقتصادية بيزنيس انسايدر، 6 شباط الجاري. ونقلت عن مصادرها في البنتاغون القول أن النظام المذكور كان “بديل مؤقت لسد حاجة معينة، وسنمضي البحث في بدائل أخرى.” أما نظام الباتريوت، بحسب النشرة، فإنه “فشل فشلاً ذريعاً في السعودية أثناء تصديه لتهديدات متواضعة.. ويلجأ المسؤولون الأميركيون إلى المبالغة في نسبة نجاحه.”

 

2019-01-02 التحليل

هل يجرؤ ترامب على
التدخل العسكري في فنزويلا

          أسهبت النخب الإعلامية والفكرية الأميركية في التذكير بخلفيات التصعيد الأميركي حيال فنزويلا، منذ إعلان الرئيس الأسبق جيمس مونرو، 1823، عن أعمدة استراتيجية بلاده “مبدأ مونرو” والخاص بقارة أميركا الجنوبية بكاملها، في أعقاب اندحار حروب نابليون التوسعية، وبعدم السماح لأي من القوى الاوروبية القديمة نشر نفوذها هناك مقابل “عدم تدخل الولايات المتحدة بالمستوطنات الأوروبية القائمة.” القارة الجنوبية كانت تخضع بشكل شبه مطلق لكل من اسبانيا والبرتغال تتخللها بعض الجيوب الانكليزية والفرنسية والهولندية.

          منذ تلك الحقبة تعاملت الادارات الأميركية المتعاقبة مع “مبدأ مونرو” من منطلق الثوابت الاستراتيجية باعتبار القارة “حديقة نفوذها الخلفية،” وشهد تطبيقه مداً وجزراً منذئذ.

خلال ولاية الرئيس اوباما الثانية، سعت واشنطن طمأنة دول أميركا اللاتينية والمنضوية تحت إطار “منظمة الدول الأميركية،” بفتح صفحة جديدة تجسدت في “الانفتاح” المرحلي نحو كوبا. وأكد وزير الخارجية الأسبق، جون كيري، توجهات بلاده مخاطباً مندوبي تلك المنظمة، تشرين الثاني/نوفمبر 2013، بالقول “لقد ولّى عصر مبدأ مونرو.”

التطرق لـ “مبدأ مونرو” بالتفصيل وما نجم عنه من مجازر متواصلة وحملات عسكرية لواشنطن في كافة أركان القارة الجنوبية، ليس محور هذه السطور؛ بل لتسليط الأنظار على ما كانت تعده واشنطن من خطوات مدروسة بعناية وتأني للاطاحة بنظام جمهورية فنزويلا البوليفارية، والمغيبة عن التداول والمواقف السياسية المرصودة، انتصاراً لمبدأ “.. هزيمة العدو دون اشتباك،” الذي ورد في كراس صادر عن سلاح الجيش الأميركي.

الوثيقة العسكرية صادت عن قيادة القوات البرية، بتاريخ أيلول/سبتمبر 2008، شبه سرية بعنوان “قوات العمليات الخاصة في سلاح البر: الحرب الهجينة،” والتي نشرتها “ويكيليكس” مع نهاية شهر ديسمبر 2008.

الكراس “محدود التوزيع” وصفته “ويكيليكس” بأنه “دليل انقلابات” ركزت فيه على بند الحرب الاقتصادية ضد فنزويلا الذي يتضمن ارشادات حول استخدام الحكومة الأميركية “سلاح التمويل لشن حروب اقتصادية” ضد حكومات أجنبية تنوي تطبيق منهج اقتصادي مختلف، وآليات عمل القوات الخاصة.

يشار إلى أن كاراكاس ومنذ عام 2013، حينما استشعرت الخطر الأميركي بشن حرب اقتصادية، بدءأ بالمصارف والبنوك الدولية، دفعت نحو 64 مليار دولار “لخدمة الديون العامة الأجنبية.” ويشير خبراء الاقتصاد الدولي أن “90% من اصحاب حملة السندات الفنزويلية” لم يبيعوا سنداتهم “دلالة على ثقتهم بقدرة الحكومة تسديد خدمات الديون” الأجنبية.

وسارعت مجموعة “غولدمان ساكس” المصرفية الأميركية العملاقة ببيع 300 مليون دولار من السندات الفنزويلية “إلى صناديق التحوط hedge funds” عام 2017، مما عجل البدء بانهيار اقتصاد البلاد. ويعيد اولئك الخبراء إلى الأذهان مسؤولية “غولدمان ساكس” المحوري في انهيار اقتصاد اليونان.

لم تغب فنزويلا عن أولويات إدارة الرئيس اوباما، بدعمها وتأييدها وتمويلها لعدد من القوى المتضررة من محاولات كاراكاس المستقلة بتوزيع عادل للثروة الوطنية؛ ومهدت الأرضية لإنضاج مخططات عدة من بينها عمل عسكري مباشر، واصدار “أمر رئاسي” يعتبر فنزويلا “خطراً على الأمن القومي الأميركي،” وباشرت حملات مقاطعة المسؤولين الحكوميين.

التصعيد الأميركي أشار إليه جون بولتون، مستشار ترامب للأمن القومي، حديثاً بتسريب متعمد لاحتمال إرسال “5000 جندي إلى كولومبيا.”

عن سياسة التدخل الأميركية في فنزويلا نسترجع حقبة الرئيس الأسبق رونالد ريغان بتعيينه أحد أشد المناهضين لنظم أميركا اللاتينية، اوتو رايش، ذو اصول كوبية، سفيرا لواشنطن في كاراكاس، 1986-1989، المعروف بسجله الطويل في تمويل وتجنيد عصابات الكونترا، علاوة على الدور المحوري المرسوم له في اسقاط عدد من السياسيين من اميركا اللاتينية المناوئين للسيطرة الأميركية، لا سيما الانقلابات في نيكاراغوا وهندوراس.

وما تعيين اليوت ابرامز لتولي مسؤولية ملف فنزويلا، وهو المعروف بسجله المشين بالكذب على الكونغرس ورعاية عصابات الكونترا، الا تكريساً لنهج تدبير الإنقلابات عبر العمليات السرية والتخريبية التي اعتادت ادارات أميركية سابقة  اتباعه.

بدعم ثابت من واشنطن، أعلن رئيس كولومبيا خوان مانويل سانتوس، 24 آب/أغسطس 2016، عن توصل حكومته “لاتفاق سلام” مع القوات المسلحة الثورية الكولومبية – فارك، التي أنشئت عام 1964، بعد وساطة ثنائية مكثفة مع “فارك” من قبل حكومتي كوبا وفنزويلا؛ على الرغم من أنها كانت تسيطر على نحو20% من الاراضي الكولومبية.

الاتفاق ألزم “فارك،” ولديها ما ينوف عن 7 آلاف مسلح، بتسليم سلاحها والانسحاب من الاراضي الواقعة تحت سيطرتها والتحول إلى “النضال الديموقراطي وصندوق الانتخابات.” الحكومة الموالية لواشنطن “تعهدت” بتخصيص برامج تنموية للأرياف المحرومة التي لم تستشعر تطبيق اي من الوعود، وفي الواجهة ايضاً “التصدي المشترك لزراعة وانتاج وتسويق المخدرات.”

يشار إلى أن الرئيس الكولومبي السابق، ألفارو اوريبي، 2002-2010، رفض بشدة الاتفاق وترأس حملة واسعة لمناهضته؛ بدعم من بعض الدوائر الأميركية عينها.

النتائج الأولية دلت على بدء واشنطن باطباق الحصار على الجارة فنزويلا، حين تنضج الظروف، وتحشيد أوسع للقوى والتنظيمات المسلحة الموالية لها؛ مما اقتضى “عزل وتفكيك” النماذج الثورية التي تتبنى “نهج الكفاح المسلح” تمهيداً لليوم المنشود.

تطمينات حلفاء واشنطن في كولومبيا لخصومهم سرعان ما تجسدت وبالاً على أخوة السلاح: اعتقال أحد قيادات “فارك” ورئيس الوفد التفاوضي مع الحكومة؛ اغتيال فيكتور سيغويرا، زعيم انشق عن “فارك،” لرفضه ومجموعته الاتفاق تمت بالاشتراك مع وكالة الاستخبارات المركزية، كما ترجح أوساط التنظيم.

لم تكن عملية استدراج “فارك” وإغرائها بقبول معظم مطالبها الاجتماعية معزولة عن أحجار الشطرنج الأميركية لمحاصرة فنزويلا. عززت واشنطن قواها ومؤيديها في البرازيل بنشر الفوضى دشنتها باغتيال المناضلة والناشطة في حقوق الانسان “مارييل فرانكو،” 15 آذار 20118، وسائقها باطلاق 7 رصاصات عليهما من مسافة الصفر في بلدتها ريو دي جانيرو، كان نصيبها 4 رصاصات في الرأس؛ مطلقة العنان لبروز اليمين الفاشي وتسلمه السلطة بعد مناورات “قانونية” حرمت كل من الرئيسين الأسبقين، لولا دا سيلفا و ديلما روسيف، من الترشح للانتخابات الرئاسية.

“مارييل شكلت خطراً على أركان الشريحة الحاكمة،” كانت حصيلة ما تردد في الوسائل الإعلامية المختلفة لدورها المحوري في تنظيم حملة واسعة كشفت عن تورط جهاز الشرطة في ولاية ريو دي جانيرو بالقتل الممنهج، إذ شهدت ارتفاعاً بنسبة 22% من الاغتيالات والعنف المنظم، بلغ مجموعه 1124 شخصا في عام 2017.

لا بد من الاشارة إلى ان أبرز مستشاري حملة المرشح الرئاسي في البرازيل، جايير بولسونارو، لم يكن سوى “المستشار الاستراتيجي للرئيس ترامب – ستيف بانون” الذي يجول قارتي اوروبا وأميركا الجنوبية ويعمل لايصال اليمين الفاشي/الشعبوي إلى السلطة.

تتشارك حدود فنزويلا مع كل من كولومبيا والبرازيل، واللتان تتصدرا المخطط الأميركي للإطاحة بالرئيس نيكولاس مادورو باحتضانهما مجموعات مسلحة شبيهة “بفرق الموت” السابقة، فضلاً عن احتضان كولومبيا 10 قواعد عسكرية أميركية إذ لديها “الحق في استخدام مطارات وموانيء البلاد بدون إذن مسبق.”

وبهذا أطبقت واشنطن على النظام الثوري المناويء لسيطرتها، على الرغم من انتكاسة القوى اللاتينية الأخرى المعارضة للنفوذ الأميركي.

سيناريوهات محتملة

الخيار الأميركي الأبرز كان التعويل على نجاح انقلاب عسكري من القوات المسلحة، والذي فشل قبل أن يبدأ نظراً لفطنة القيادة الفنزويلية وتلاحم القوات المسلحة والشرطة مع السلطة الشرعية.

يليه خيار يروجه المتشددون في الحزبين، الديموقراطي والجمهوري، اي التدخل العسكري المباشر للإطاحة بالرئيس مادورا، اغتيالاً أو اعتقالاً، بدعم وثيق من كبريات الشركات الأميركية العابرة للقارات لا سيما النفطية وقطاع الغذاء؛ على سياق احتلال بنما وأسر الرئيس مانويل نورييغا، في عهد الرئيس الأسبق ريغان، وإحضاره مقيداً ليقضي في السجون الأميركية.

خيار تعاظم الدعم الدولي للحكومة الفنزويلية لم يدخل ضمن سلم أولويات المنادين باسقاط النظام، وتلقوا صفعة من بعض حلفاء واشنطن الأوفياء في حلف الناتو بمعارضة التدخل العسكري الأميركي. بيد أن الدور المركزي كان لروسيا ودعم ايران والصين للرئيس الفنزويلي.

القوة المسلحة التي كشف عنها جون بولتون، 5000 عسكري للمرابطة في كولومبيا، كان رداً ربما على قرار موسكو العاجل بإعلان دعمها السياسي والعسكري والاقتصادي للرئيس مادورو، توجته بإرسال قاذفات استراتيجية على متنها أسلحة نووية، كما ذُكر، للمرابطة في فنزويلا؛ فضلاً عن نشر كوبا لبضع مئات من قواتها الخاصة لحماية مؤسسات الدولة هناك.

الضغوط الأميركية المكثفة على حلفائها الاوروبيين لإعلان دعمها لواشنطن أتى مخيباً لمراميها بتصدع مواقف الدول الاوروبية التي طالبت التوصل لحل تفاوضي بين الطرفين، مسخرة هيبة ومكانة الفاتيكان إلى جانبها، مما زاد من حنق وغضب واشنطن.

الاصطفافات والانشقاقات في مواقف دول أميركا اللاتينية أيضا لم تبشر واشنطن بالخير، لا سيما بتعويل وزير خارجيتها استضافة لقاء لنظرائه في مجموعة “منظمة الدول الأميركية،” في مقرها الذي يبعد بضع خطوات عن مقر الخارجية الأميركية؛ واسفر عن انشطار الموقف لقسمين: أغلبية تؤيد واشنطن بالتدخل العسكري، وأقلية وازنة تفضل الحوار السياسي.

وعليه، حشرت واشنطن نفسها في زاوية قلصت مساحة المناورة لديها، غير عابئة بتداعيات تصريحاتها المستمرة والتلويح “بخطر روسيا وايران والصين” وتواجدها المادي في فنزويلا.

الخيار “البديل” هو الاستمرار في استهداف الحكومة الفنزويلية عبر تجنيد مسلحين ومرتزقة، كما أوضح جون بولتون، والمرابطة على الحدود الفنزويلية مع كل من كولومبيا والبرازيل؛ وتسخيرها في شن عمليات اغتيال وتخريب داخلية لاستنزاف الحكومة، وضمان ديمومة عمل فرق الاغتيال والتدمير المنظم للبنى التحتية، على غرار ما فعلته وتستمر في تطبيقه على سوريا بشكل رئيس.

هاجس واشنطن “لترميم هيمنتها” على أميركا اللاتينية ستعمق مأزق الطرفين المتقابلين. بيد أن الفارق الملموس في هذه المرحلة هو التواجد العسكري الروسي في فنزويلا مما “قد” يشكل رادعاً لمحاولات الانقلاب الشهيرة.

بروز محور رافض لواشنطن داخل “منظمة الدول الأميركية”  يشي بانتعاش نزعة الاستقلال لدى النظم الحاكمة، وعدم الالتحاق والتبعية لواشنطن التي بمناوراتها وتدخلاتها تستفز قطاعات شعبية واسعة في عموم القارة الجنوبية.

عامل الزمن في هذا السياق أتى مغايراً لحسابات واشنطن التي ترفض الإقرار بتراجع مكانتها الدولية، وبروز تعددية الاقطاب التي تجسدها الصين وروسيا بحضور الأخيرة المباشر في “الحديقة الخلفية.”

ترامب رغم ادعاءاته حول ضرورة الانسحاب من التدخلات العسكرية المكلفة أعلن منذ اغسطس \آب 2017 عن رغبته باسخدام الخيار العسكري في فنزويلا،  معتقدا انها ستكون  مغامرة مضمونة وكسبا سريعا يسجله  لتعزيز حظوظه في ولاية ثانية. قد يجد في تصعيد الأزمة فرصة سانحة لحرف الأنظار عن أزمته الداخلية ولكنه يكتشف أن الشعب الفنزويلي وقيادة مادورو الصلبة مصممون على حماية بلدهم وتبديد احلامه بالسيطرة على فنزويلا.

2019-25-01 التحليل

 التحليل

اختلال أداء النظام الأميركي:
مسعى ترامب لتغطيتها من فنزويلا

          سيسيل حبر وفير لسبر أغوار التخبط السياسي الأميركي، بتجلياته الداخلية التي اتخذت طابع “الكيدية” بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، ومسارعة الإدارة لتسليط الضوء على أزمة مفتعلة مع فنزويلا علّ التسبب بحرب أهلية دموية يتسيّد جدول الأعمال ويفرض واقعاً جديداً يراد منه تعزيز التحشيد الداخلي خلف السياسة الكونية الأميركية.

          في سياق تلك السياسة “الكيدية” نجد لزاماً المرور على أبرز محطات المخططات الأميركية الخاصة بفنزويلا لارتباطها الوثيق في صلب سياسة الهيمنة الأميركية، عززها صعود بارز للتيارات اليمينية في عدد من دول أميركا اللاتينية، أبرزها البرازيل.

بداية، تعود المخططات الأميركية “لغزو” فنزويلا لعام 1998، على الأقل، بعد فوز الرئيس الراحل هوغو شافيز، وتتالت فيما بعد. اما الاعداد لمحاولة الانقلاب الراهنة فتؤكده يومية وول ستريت جورنال بأنه جرى على قدم وساق منذ شهرين، ترأسه نائب الرئيس مايك بينس.

وتوضح الصحيفة أن عناصر الخطة الانقلابية كانت بنات أفكار عضو مجلس الشيوخ ذو أصول كوبية، ماركو روبيو، الذي دأب على مطالبة الإدارة الأميركية بالاطاحة بالرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو؛ أحدثها كان في خطابه أمام المجلس، 15 يناير الجاري، بدعوة البيت الأبيض “.. تعيين خوان غوايدو رئيساً للبلاد مما سيضع تحت تصرفه ملايين الدولارات من الأرصدة الفنزويلية المجمدة في الولايات المتحدة” وتمويل حملته في تسلم السلطة “لشراء الاسلحة وانشاء جيش من المرتزقة” وفرق الموت وأدخال البلاد في أتون حرب أهلية.

          حجم الأرصدة الفنزويلية المجمدة في المصارف الأميركية والبريطانية يفوق ادعاءات “السيناتور روبيو،” ويصل لعدة مليارات من الدولارات، وهي ثمرة لإجراءات العقوبات والحرب الإقتصادية الأميركية على فنزويلا. وبرز في الواجهة مصرف “باركليز” البريطاني الذي “رفض” طلب فنزويلا تسليمها أرصدتها من سبائك الذهب المودعة قيمتها نحو 1.2 مليار دولار.

الهدف المركزي الأميركي، لم يعد محط تكهنات للاطاحة بالنظم التي لا تمتثل لسياسات واشنطن، بل لإعادة السيطرة على “أكبر مخزون نفطي في العالم يقدر بما يفوق 300 مليار برميل” في فنزويلا، وهي “الجزرة” التي علقت في ذهن الرئيس ترامب، كما يتردد.

في الساعات الباكرة من يوم 22 يناير الجاري، استدعى البيت الأبيض ثلاثة أعضاء متشددين من الكونغرس: ماركو روبيو، ريك سكوت، ماريو دياز- بالارت، للقاء عاجل مع الرئيس دونالد ترامب ونائبه مايك بينس؛ ومسؤولين آخرين أبرزهم وزراء الخارجية والتجارة والخزانة. تم تكليف نائب الرئيس بينس باجراء مكالمة هاتفية مع “زعيم المعارضة خوان غوايدو،” ورد فيها، وفق التسريبات الصحفية، ان الأول أبلغه “.. إن اعتمدت الجمعية الوطنية المادة 233 (من الدستور) في اليوم التالي، فإن الرئيس (ترامب) سيعلن دعمه له” وتنصيبه رئيساً للبلاد.

في الخلفية أيضاً كانت مراهنة أميركية على تهيئة الأجواء لانتشقاقات في صفوف القوات العسكرية والأمنية، بيد أن وعي القيادات السياسية والعسكرية أجهض تلك المهمة قبل أن تبدأ؛ وبالتالي ما كان سيترتب عليها لاقى النتيجة عينها.

خلل إداري أم كوميديا سوداء

          تبادل الرئيس ترامب ومنافسته اللدود، رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي، اتهامات وصلت ذروتها باتخاذ اجراءات عقابية متبادلة: الرئيس ترامب “افشى” وألغى زيارة غير معلنة كانت في صدد القيام بها لمقر حلف الناتو في بروكسيل وافغانستان؛ وبالمقابل أبلغته بعدم ترحيبها لدعوة الكونغرس للانعقاد في جلسة مشتركة يلقي أمامها خطابه السنوي. وفي الخلفية، تنابذ الرؤى والأولويات حول انهاء الإغلاق الحكومي.

          توصل “العقلاء” لحل “مؤقت” ينهي ظاهرة الإغلاق بعد تنامي الغضب الشعبي العارم واصبحت تهدد مصير ومصداقية أركان المؤسسة الحاكمة، لا سيما قيادات الحزب الجمهوري، وانتفاء “المردود” السياسي المرسوم لتحميل الخصم الجزء الأكبر من المسؤولية.

الحل “المر” والمؤقت أنعش تكهنات الفريقين لنفوذ السيدة بيلوسي، كموقعها في المرتبة الثالثة في الهرم القيادي الأميركي، وتسجيلها “هدف نظيف” على خصم ينتشي بتحقير الآخر وامتهان المرأة، وغاب تبجحه بتمويل الجدار الفاصل.

          تمترس الرئيس ترامب وراء إصراره على الاستمرار في الإغلاق وتجميد عمل مرافق الدولة، كان بتحريض ودعم رئيس مجلس الشيوخ، ميتش ماكونيل، بغية تسجيل “حرج” سياسي لخصومه في الحزب الديموقراطي، كما يتردد. وعند وصول الطرفين لنقطة اللاعودة شهدنا “تباين” لهجة الرئيس ترامب باغفاله الحديث عن اتفاق لا يتضمن تمويل مشوع بناء الجدار – الذي سيعود بفوائد مالية عالية على أركان المؤسسة عبر الشركات المتعاقدة وتدوير العوائد عبر تمويل حملات الحزب الجمهوري بالدرجة الاولى.

          تغاضى الساسة الأميركيون عن حقيقة مشاعر الازدراء المتنامية داخل المجمتع الأميركي، إذ جاءت أحدث استطلاعات للرأي بنتائج قاسية كان الأولى أخذها بعين الاعتبار: 75% من المستطلعة آراءهم لا يثقون بالدولة وسياسييها ويؤيدون بشدة مقولة الرئيس الأميركي الأسبق، رونالد ريغان، بأن الهيكل الحكومي “هو المشكلة بعينها؛” بينما أعرب 53% منهم عن اعتقاده بأن الدولة ومؤسساتها “لا تحظى بدعم وتأييد الشعب،” وفق استطلاع أجري في شهر آب/أغسطس 2018.

          حقيقة الأمر أنه لولا مظلة دعم ماكونيل المتشددة لرأينا موقفا محتلفا للرئيس ترامب، يعزز ذاك القول ما تعرض له ماكونيل من كلامٍ قاسٍ من أبرز أركان قيادات الحزب، كيفين مكارثي، بأنه “يتحمل الخطأ بمفرده،” لتدحرج كرة الثلج نحو الحزب الجمهوري. ومضت تلك الدائرة الضيقة من قادة الحزب بالقول أن ماكونيل مارس “مهنته في الابتزاز السياسي” لخصومه وانقلبت النتيجة وبالاً على الجميع.

          استطراداً على حقيقة ما جرى “خلف الكواليس” نقلت يومية واشنطن بوست، 24 يناير الجاري، اجماع المعنيين بالمشاورات بأن الرئيس ترامب “استسلم بسرعة بعد إفشال (نانسي) بيلوسي جهوده للمضي بالقاء الخطاب السنوي، على الرغم من ايحائها المسبق له بارجائه.” واضافت “في الحقيقة أن (الرئيس ترامب) يَجْبُنْ ويتراجع امام منازلة حقيقية .. أنه يختبيء داخل البيت الأبيض وينشر تغريداته، عوضاً عن التعامل مع تلك المرأة  التي أفقدته رباطة جأشه برفضها دور التبعية.”

          في حمأة ذاك السجال تقدمت مؤسسة صحفية الكترونية، باز فيد، بتقرير كاد أن يسهم في تقرير مصير الرئيس ترامب قضائياً بقولها أن “.. لدى فريق المحقق الخاص روبرت موللر دليل على إيعاز الرئيس (لمحاميه الخاص) مايكل كوهين بالكذب أمام الكونغرس.” وسرعان ما استدرك فريق المحقق الخاص ما ينطوي على ذلك من مخاطر في بنية المؤسسة ومصداقيتها نافياً ما ورد في التقرير.

في غضون بضعة ايام، أنهت الصحيفة المذكورة عقود عمل موظفيها ومراسليها بالجملة، بالإضافة إلى إغلاق مؤسسات إعلامية أخرى ابوابها.

          واصلت المؤسسة الحاكمة منسوب سرديتها عن “التدخل الروسي وتواطؤ” محتمل للرئيس وحملته الانتخابية، واعتقلت الأجهزة الأمنية أحد أبرز مؤيدي الرئيس ترامب ومستشاره السياسي السابق، روجر ستون، بناء على “لائحة اتهام مقدمة من فريق المحقق الخاص روبرت موللر،” لإعاقته سير العدالة من بين أمور أخرى. وتم إطلاق سراحه بكفالة بعد بضع ساعات من اعتقاله.

          في المحصلة، لم تسفر اي من الاعتقالات والاتهامات الموجهة لمقربين من الرئيس ترامب وحملته الانتخابية عن تقديم دلائل مقنعة أو محتملة تعزز التهمة الأصلية: تورط الرئيس مع روسيا خلال الحملة الانتخابية. أما ما يخص روجر ستون ينطوي على “تضخيم” مزاعم باتصالاته السابقة مع مؤسس “ويكي ليكس،” جوليان اسانج، وفي الخلفية ما نسب للمستشار الاستراتيجي السابق لترامب، ستيف بانون، من دور بارز في تجيير مضمون المراسلات الالكترونية للمرشحة الرئاسية السابقة، هيلاري كلينتون، في خدمة حملة ترامب الرئاسية.

          في هذا الصدد، ما هو ثابت للحظة أن مزاعم المؤسسة بضلوع ستون مع “ويكي ليكس” لم تسفر عن دلائل حسية بذلك، بل ما تبين أن المتهم ستون كان على صلة بالممثل الكوميدي في نيويورك، راندي كريديكو، وكاتب صحفي من التيار اليميني، جيروم كورسي. وما عدا ذلك  مجرد تكهنات. وأبعد من ذلك، تتراجع دائرة تسليط الأضواء على دور مزعوم لروسيا بصورة ملحوظة.

          أحدث تعليق لرئيسة مجلس النواب، نانسي بيلوسي، عقب توجيه لائحة الاتهام لروجر ستون، جاء مخيباً للآمال المعقودة على محاصرة سياسات الرئيس ترامب، إذ قالت “.. لائحة الاتهام تثبت أنه كان هناك محاولة منسقة وهادفة من قبل مسؤولين كباراً في حملة (المرشح) ترامب للتأثير على نتائج انتخابات عام 2016 ومصادرة إرادة الشعب الأميركي ..”

          بدلاً من التصدي للسياسات المدمرة للمؤسسة الحاكمة وترميم بعض تداعياتها الضارة برفاهية الشعب الأميركي رمت بيلوسي بكل ثقلها إلى جانب محاولات صرف الأنظار عن القضايا والتحديات الحقيقية، مما يعزز ما ذهبنا إليه بانفصام المؤسسة الحاكمة وعمق أزماتها الداخلية التي تحرص على حلها بتصدير تداعياتها خارج الحدود.

 

2019-18-01 التحليل

زوبعة الانسحاب من الناتو:
ابتزاز ترامب للاتحاد الاوروبي

 

        برع الرئيس ترامب في تسخير الآلة الإعلامية لخدمة نواياه وحرف مسار تغطيتها باثارة مواضيع مغايرة، وما تلبث دائرة الخناق القضائي بالاشتداد حول عنقه يهب لفرض مواضيع أخرى على صلب الجدل السياسي والأولويات الأميركية برمتها.

        لا يخفي الرئيس ترامب كراهيته للتحالفات الدولية والالتزامات المترتبة على الولايات المتحدة. موقفه “الشخصي” من استمرارية حلف الناتو ومعاداته له لم يعد محط تكهنات، بدءاً بتصريحاته خلال الحملة الانتخابية لم يتوانى عن ترديدها، بصرف النظر عن مدى الدقة، بأن الولايات المتحدة تساهم بنسبة 80% من ميزانية الحلف، والتي اعتبرت سلاحا لابتزاز الاوروبيين؛ وتهديدهم بانسحاب بلاده من الحلف أن تخلفوا عن زيادة حصة البلدان المختلفة في الميزانية، قائلا ذلك بصريح العبارة قبيل انعقاد قمة دول الحلف في منتصف تموز/يوليو 2018.

        الجديد في عملية “ابتزاز” الحلفاء الاوروبيين جاء في تقرير ليومية نيويورك تايمز، 15 يناير الجاري، بغرض احراج الرئيس وزيادة منسوب حملات الضغط المباشرة عليه، علاوة على التطورات القضائية شبه اليومية. لعل أبرز المحطات كانت تصريحاته خلال انعقاد قمة الناتو، تموز الماضي، “يهدد” بالانسحاب من الحلف “دون موافقة الكونغرس.”

        تقرير الصحيفة كشف عن “.. رغبة الرئيس ترامب للانسحاب من حلف الناتو منذ العام الماضي؛ وابلاغه كبار مسؤولي الأمن القومي في ادارته سراً أنه لا يرى فائدة للبقاء في الحلف،” وانه عنصر استنزاف” للموارد الأميركية. وأكد التقرير، استناداً لمصادر رفيعة المستوى، ان “رغبة” الرئيس ترامب تجددت مرة اخرى حديثاً “بالتزامن” مع تحقيق قد يجريه مكتب التحقيقات الفيدرالي، إف بي آي، حول “عمل ترامب لصالح موسكو؛” واكبه تقرير نشرته زميلتها النافذة واشنطن بوست يزعم أن الرئيس ترامب حجب تفاصيل لقاءاته مع الرئيس الروسي العام الماضي عن طواقم مساعديه.

        أثار تقرير الصحيفتين جملة انتقادات سريعة ضد الرئيس ترامب، منها تحذير الأميرال المتقاعد جيمس سترافيديس، من عواقب الانسحاب بأنه سيشكل “خطأً جيوسياسياً مأساويأ .. وهدية القرن لبوتين.”

        رئيسة مجلس النواب، نانسي بيلوسي، دعت الرئيس ترامب ارجاء خطابه السنوي المقرر أمام الكونغرس بمجلسيه لحين انهاء أزمة الإغلاق. انتهز الرئيس ترامب تلك الفرصة في الصراع اليومي ليسجل هدفاً إضافياً ضد بيلوسي عقب علمه بنيتها القيام بجولة خارجية اولى محطاتها كانت بروكسيل ولقائها مع “كبار مسؤولي حلف الناتو والقادة العسكريين الأميركيين،” قبل استئنافها التوجه لأفغانستان ومصر. وبصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، ألغى الرئيس ترامب تصريح استخدام فريق بيلوسي للطائرات العسكرية الأميركية وأن عليها استخدام الخطوط الجوية التجارية بدلاً من ذلك.

        المتحدث باسم مكتب بيلوسي، درو هاميل، اوضح للصحافيين أن “تسريبات (الرئيس) ترامب أفسدت خطة بديلة تعدها بيلوسي للسفر عبر الخطوط التجارية لأفغانستان، لأنه فضح وجهتها وأفشى سريتها .. وبات الأمر يشكل تهديداً خطيراً على الوفد” المرافق لها.

        التصريحات العلنية المتواصلة بالانسحاب من الحلف والمناقشات الداخلية “الحادة” دفعت كبار مسؤولي الإدارة آنذاك، وزير الدفاع جيمس ماتيس ومستشارالأمن القومي جون بولتون، وفق تقرير نيويورك تايمز، التوجه لبروكسيل على وجه السرعة لطمأنة دول الحلف ببقاء الاستراتيجية الأميركية والتزاماتها نحوهم على ما هي.

        كما التزم الرئيس ترامب لهجة الاستمرار في الحلف خلال اعلانه في البنتاغون عن استراتيجية الدفاع الصاروخي للولايات المتحدة، 17 يناير الجاري، مطمئنأً ومحذراً ومهدداً في الوقت عينه بقوله “سنكون مع الحلف مئة بالمئة،” مستدركاً “ولكن كما قلت للدول (الاعضاء) يتعين عليكم ان تخطوا للأمام وتدفعوا” مستحقاتكم المالية لميزانية الحلف؛ ولا “يمكن أن نكون الأحمق الذي يستغله الآخرون.”


مستقبل الحلف

        اركان القوة الأميركية الهائلة تتمثل في الاقتصاد والاسلحة الحربية، بديهية لكل باحث في الشأن الأميركي. الاقتصاد الاوروبي “على وشك” منافسة سيطرة القرار الأميركي على سياساته ويتمدد داخلياً على هذا الأساس، بينما تراجعت الصناعات العسكرية الأوروبية عن مثيلاتها الأميركية منذ زمن. الأمر الذي يفسر أحد جوانب إلحاح الرئيس الأميركي على أعضاء حلف الناتو بشراء مزيد من العتاد العسكري الأميركي، كما فرضه على اليابان وكوريا الشمالية رغم عدم صوابية الحاجة لهما بذلك.

        شدد الرئيس ترامب في كلمته القصيرة في البنتاغون، 17 يناير، على “تفوق الصناعات العسكرية الأميركية،” وتخصيص ميزانيات عالية غير مسبوقة للجهد الحربي، مناشداً دول الحلف والدول “التابعة” الأخرى باستدامة شرائها المعدات والتقنية العسكرية الأميركية.

        في سياق طمأنة الحلفاء لاستمرار الدعم الأميركي، أفاد المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية، ديفيد بيترايوس، 9 يناير الجاري، أن “البيت الأبيض يواصل تطوير خططه الرامية لزيادة القوات الأميركية في القارة الأوروبية، بالرغم من الانتقادات التي يوجهها الرئيس الأميركي دونالد ترامب للحلف”.

        مسألة الانسحاب من عدمها، في حقيقة الأمر، لها أبعاد استراتيجية تخص الاستراتيجية الكونية الأميركية بشكل خاص، وتمددها في عموم العالم كونها تحمل دول الحلف زيادة الانفاق والتمدد العسكري والأمني، لا سيما في وجودها “الرمزي” في سوريا، فضلاً عن أفغانستان ومشاركتها العمليات العسكرية في الحرب ضد اليمن.

 

        ما يغيب عن تلك المسألة الحيوية، بقاء الحلف من عدمه أو تقويضه، هو الدور “الاسرائيلي” المستفيد الأول من امكانيات الحلف ودوره في النظام الدولي بقيادة الولايات المتحدة، ونالت تل أبيب مقعداً “كشريك” في حلف الناتو، لا سيما وأن “القوات التابعة للولايات المتحدة في ألمانيا هي التي تسافر إلى إسرائيل لإجراء تدريبات مشتركة .. ومسؤولة عن أعداد بطاريات صواريخ الباتريوت.”

        نشير في هذا الصدد إلى تقرير نشرته وكالة الأنباء الألمانية، د ب أ، عقب زيارة وزير الخارجية الأميركي لبغداد بأن مايك بومبيو أبلغ رئيس الوزراء عادل عبد المهدي بأن “اسرائيل قد تقصف في أي وقت أهدافاً داخل الأراضي العراقية ترتبط بفصائل مسلحة تقاتل في سوريا.”

        يشار أيضاً إلى أعلان قيادة حلف الناتو عن مباحثات مساعد أمينه العام، جون مينزا، في بغداد “.. لتوسيع مهام الحلف في العراق،” عقب موافقة وزراء دفاع الحلف في شباط الماضي على ذلك “بطلب من واشنطن.”

        تأكيداً على صحة النبأ الأول، افادت النشرة العسكرية المختصة ذا درايف The Drive، 14 يناير الجاري، بخطط الجيش الأميركي لتعزيز تواجده وانتشاره على الاراضي الأردنية، وتوسيع “قاعدة موفق السلطي” الجوية وتهيئها لاستقبال أنواع متعددة من المقاتلات الحربية والهجومية وطائرات الدرونز المسلحة وناقلات الشحن الضخمة، تبلغ كلفته عدة ملايين من الدولارات، تشرف عليها مجموعة الحملة الجوية 407 التابعة لسلاح الجو الأميركي.

وسترتفع قدرة القاعدة لاستقبال متزامن لطائرتي نقل ضخمة من طراز C-17A Globemaster III وطائرة شحن من طراز C-5 Galaxy، وما بداخلها من قوات مسلحة ومعدات عسكرية وموارد اخرى.

وأضافت النشرة أن ميزانية البنتاغون لعام 2018 “تضمنت تخصيص أزيد من 140 مليون دولار” لجهود تحديث قاعدة سلاح الجو الملكي الاردني .. والتي تستخدمها الولايات المتحدة بنشاط في عملياتها الإقليمية منذ عام 2013، على الأقل.”

“انسحاب الولايات المتحدة من حلف الأطلسي سيكون على رأس القضايا التي سيناقشها اللواء أفيف كوخافي،” رئيس الأركان “الاسرائيلية” الجديد مع القيادات الأميركية في زيارته المقبلة. تلك كانت خلاصة جملة تقارير واكبت تجديد إعلان الرئيس ترامب عن النية بالانسحاب من حلف الناتو.

يدرك ترامب نوايا الدول الأوروبية لاتخاذ دور أكثر استقلالية عن واشنطن، في ظل انتفاء الحاجة للاصطفاف العسكري “في مواجهة التهديد السوفياتي” الذي لم يعد له مبرر؛ وتوجه الدول الاوروبية لانشاء “جيش اوروبي موحد،” كما أوضح رئيس المفوضية الاوروبية، جان كلود يونكر، عام 2015، معللا أن قوة عسكرية موحدة “سترسل رسالة واضحة لموسكو باننا جادون في الدفاع عن قيم الاتحاد الاوروبي.”

تقرير صحيفة نيويورك تايمز، سالف الذكر، والقاضي بأن الرئيس ترامب أضحى حر التصرف في قراراته العسكرية بعد “استقالة أو إقالة” وزير الدفاع جيمس ماتيس، رمى لتهيئة الأجواء لقرار بالانسحاب أحادي الجانب، وممارسة مزيد من الضغوط على الرئيس.

استراتيجيو واشنطن لا يعولون كثيراً على تداعيات ذاك التقرير أو صلاحية ما ورد فيه في ظروف العام الماضي، بل تتهيأ الصناعات الحربية الأميركية لزيادة مبيعاتها للاوروبيين وآخرين بتشجيع ورعاية تامة من الادارة الأميركية، مما ينفي حقيقة التهديدات بالانسحاب.

وعند الأخذ بعين الاعتبار البعد والدور “الاسرائيلي” في الاستراتيجية الأميركية الشاملة، لا نجد عوامل تدعم الانسحاب، بل على العكس سنشهد تعزيزاً للدور الاوروبي ليملأ بعض الفراغ للقوات الأميركية في ساحات متعددة، أبرزها في الوطن العربي.

2019-11-01 التحليل

التحليل

 الانسحاب الأميركي من سوريا:  تأجيل وتخبط

        قرار رئاسي بالانسحاب من سوريا نال شبه اجماع  رافض  من قبل الأقطاب السياسية الأميركية المتعددة، واكبه ضغوط مكثفة على الرئيس ترامب اسفرت عن “تراجعه” مؤقتاً وابطاء الوتيرة بتمديد المهلة الزمنية المطلوبة.

        بيد أن الأمر كشف عن خروج الخلافات العميقة في صنع القرار الأميركي إلى العلن، عززها الرسائل والتصريحات “المتضاربة” لعدد من كبار المسؤولين أظهرت مدى “عدم الانسجام” بين مختلف مؤسسات الدولة؛ لعل أبرزها كان “تعهد” مستشار الأمن القومي جون بولتون بعدم مغادرة القوات الأميركية سوريا “ما دامت القوات الإيرانية خارج حدود ايران.” أتبعه الرئيس ترامب بتصريح مناقض خلال ايام معدودة دفاعاً عن قراره بالانسحاب بأن “ايران تستطيع أن تفعل ما تشاء” في سوريا.

        تلك الرسالة وغيرها، واكبها استقالة  (وصفها لاحقا ترامب  بما يشبه  الإقالة ) وزير الدفاع جيمس ماتيس، دفعت يومية واشنطن بوست، الخامس من الشهر الجاري، القول بأنها “.. تعكس صورة التقلبات الدراماتيكية التي تطبع سياسة (ترامب) الخارجية، مما يدفعنا الى التساؤل عما إذا كان كبار مستشاري (الرئيس) ينفذون سياساته أم أنهم يتبعون أجنداتهم” الخاصة.

        كما سلطت الصحيفة الضوء على “اجندة بولتون .. لاستخدام سوريا ورقة ضغط على ايران، من ناحية، طمعاً في نفض يديه من تحمل مسؤولية قرار شن الحرب” حين اتخاذه.

وشرعت الإدارة باحتواء ردود الفعل الدولية الرافضة قيام أبرز اقطابها، وزير الخارجية مايك بومبيو ومستشار الأمن القومي جون بولتن، ترؤس وفود رسمية جالت على عدد من العواصم الإقليمية بغية “طمأنة” المخاوف من تداعيات انسحاب أميركي.

        بالمقابل، لم يكترث العديد لتصريحات الإدارة الأميركية منذ مطلع العام المنصرم تشير فيها إلى عزمها الانسحاب قريباً من سوريا، وطلبت مشورة عدد من المؤسسات الفاعلة والمؤثرة في بلورة القرار الرسمي، مما ينفي اتهام البيت البيض بالمفاجأة، خاصة عند الأخذ بعين الاعتبار تصريحات وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي، بالتزامن، قبل نهاية العام المنصرم فحواها أن الرئيس ترامب “لم يصادق على خطة أميركية موسعة لمواجهة ايران في سوريا.”

        “شعبية” الرئيس ترامب كانت أحد الأسباب التي حثت فواصل المؤسسة الحاكمة على تأييد قرار الانسحاب “ولو بشروط،” ومن ثم الانقضاض عليه؛ عززها تراجع حدة تصريحات المسؤولين، لا سيما داخل الحزب الجمهوري، عقب صدور نتائج استطلاعات للرأي، 8 الشهر الجاري، تشير الى تأييد أغلبية من الأميركيين قرار الانسحاب من سوريا وافغانستان، 56%، ومعارضة ضئيلة لا تتعدى 27%.

الانسحاب لا يعني الخروج النهائي

        غموض يكتنف حقيقة قرار واعلان الانسحاب، والذي بدأ على قدم وساق منذ مطلع الشهر الجاري، لا سيما مع أعلان وزارة الدفاع الأميركية عن ارسالها مزيد من “القوات البرية” لسوريا “لتأمين الانسحاب” إلى القواعد الخلفية في العراق، كما يعتقد، أبرزها قاعدة عين الأسد الجوية التي يرجح أن توازي أهمية قاعدة “باجرام” الأميركية في افغانستان.

        قيادة “قوات التحالف الدولي” الذي يضم 73 دولة وجهت رسالة الى الدول المشاركة، 19 الشهر الماضي، يوم أعلان الرئيس ترامب قراره، بالتأكيد على “ضرورة مواصلة التحضيرات للمرحلة المقبلة من الحملة؛” بالرغم من القرار الأميركي سحب “2،200 من جنود القوات الخاصة الأميركية،” وفق توصيف يومية كريستيان ساينس مونيتور، 28 ديسمبر الماضي.

        الحضور العسكري الفرنسي في سوريا يأتي في المرتبة الثانية للولايات المتحدة، من ناحية الأهمية والدرو المرسوم لها، إذ يتواجد “ما لا يقل عن 400 جندي من القوات الخاصة” في سوريا، إضافة لأعداد أخرى من القوات البريطانية والاسترالية والنيوزيلندا وآخرين، يقدر عددها بنحو 1000 عسكري من مختلف الاختصاصات. عند احتساب عديد التشكيلات المسلحة من مخزون المقاتلين الذين تشرف عليهم القوات الأميركية، لا سيما في قاعدة التنف جنوبي سوريا، ترتفع الأعداد الى ما بين 8000 الى 10000 شخص.

        من بين المشككين في حقيقة الانسحاب الأميركي من سوريا، رغم إعلان الرئيس ترامب، كانت صحيفة نيويورك تايمز، 7 يناير الجاري، بالإشارة الى تضمين شروط لقرار الانسحاب، كما دل عليه تصريح لجون بولتون خلال زيارته تل أبيب مؤكداً بأن القوات الأميركية “ستبقى في سوريا حتى يتم القضاء على بقايا تنظيم داعش.” وأوضحت أن “بولتون ومسؤولون كبار آخرون في البيت البيض يقفون وراء حملة تجري خلف الكواليس لإبطاء مفعول قرار ترامب .. عبر تضمين عبارة انسحاب مشروط” من سوريا.

        بدورها أكدت يومية واشنطن بوست، 7 يناير، أن التطورات الميدانية في سوريا تشير إلى أن الانسحاب الأميركي لن يتقيد بفترة زمنية محدودة، وانما “سيكون مفتوحاً إلى حد ما.” وذهبت أبعد من ذلك بالاشارة إلى هوية المسؤولين الكبار الذين يعرقلون عملية الانسحاب منهم “وزير الخارجية مايك بومبيو، مستشار الأمن القومي جون بولتون، والمبعوث الرئاسي الخاص لسوريا جيمس جيفري؛” مشيرة إلى تصريحات مماثلة تؤكد هدف التواجد العسكري الأميركي في سوريا بأنه “لا يقتصر على محاربة (داعش) بل يشمل التصدي للنفوذ الايراني في سوريا.”

        بل صرح وزير الخارجية عشية قيامه بجولته في عواصم المنطقة بأن “الحملة الأميركية لمحاربة النفوذ الإيراني ستظل مستمرة حتى في حال انسحاب القوات الأميركية من سوريا.”

        بالتزامن الاعلامي أيضاً، كشفت يومية وول ستريت جورنال، 7 يناير الجاري، عن محتوى ما في جعبة الوفد الأميركي لأنقرة برئاسة مستشار الأمن القومي جون بولتون ووضع شروط جديدة على النفوذ التركي طمعاً في حماية التشكيلات الكردية المسلحة، وبرفقته “خريطة ملونة” أعدها عضو الوفد جيمس جيفري تحدد فيها مناطق النفوذ الممنوع لتركيا الاقتراب منها، والتي “تشبه اتفاقية سايكس – بيكو” القرن المنصرم.

        يشار إلى أن “الشروط” المستجدة في خطة بولتون وفريقه لم تكن عنصراً أو مكوناً أساسياً من مكونات خطة الرئيس بالانسحاب؛ مما دفع الرئيس ترامب على تفنيد ما تناقلته وسائل الإعلام الأميركية بشأن تركيا، مؤكداً على نشرها “تقارير تعوزها الدقة فيما يتعلق بالنوايا (الرئاسية) حول سوريا .. سياستنا لا زالت على ما هي عليه، سنخرج (من سوريا) وفق وتيرة مناسبة، وفي الوقت عينه الاستمرار في قتال داعش ..”

استراتيجية “المرحلة المقبلة”

        سارع وزير الخارجية مايك بومبيو للقاء “حلفاء” واشنطن في المنطقة واطلاعهم على الخطوط العريضة للسياسة الأميركية وتوجهاتها المقبلة، قوامها الاستمرار في محاربة ايران وتقليص النفوذ التركي، وأداتها تشكيل حلف أمني عنوانه مواجهة ايران بمسمى “التحالف الاستراتيجي،” تجديداً ل قولة روّجت لتحالف الناتو العربي سابقاً.

        مهد بومبيو الاجواء بعنوان مضلل لكلمته “قوة من أجل الخير: أميركا تسترد قوتها في الشرق الأوسط،” مبشراً بتوجه “جديد” يرضي غرائز عواصم الخليج بالتركيز على استمرار محاربة ايران؛ وايلاء دور أكثر فعالية لتلك الدول في سياق ركائز استراتيجية المرحلة المقبلة، والاعداد لما بعد الانسحاب الأميركي، جزئياً من افغانستان.

        اقتصرت جولة بومبيو على دول الخليج والاردن ومصر، ومن ثم العراق لاحقاً، مؤكداً فيها على ان “الانسحاب من سوريا قرار لا رجعة فيه.” بيد أن غياب “التسوية للقضية الفلسطينية” كان من أبرز القضايا مما اعتبر بأن المشروع الوحيد عند الإدارة هو ترتيب التحضيرات ل “صفقة القرن،” بطي القضية برمتها وتسريع وتيرة التطبيع الرسمي مع “اسرائيل.”

التحليل 12-21-2018

انسحاب أميركا من سوريا: ذروة تحدي ترامب

لأجنحة “دولة الأمن القومي”

          يستمر الجدل حول قرار الرئيس ترامب “المفاجيء” بالانسحاب من سوريا بدءاً بأجنحة المؤسسة الحاكمة بكافة تشعباتها، الأمنية والاستخباراتية والعسكرية، وليس انتهاء بحلفاء واشنطن الدوليين والاقليميين، فالرغبة لديهم لا تزال قائمة بل المراهنة على أن يعيد ترامب النظر في قراره أو دفعه لإبطاء عملية الإنسحاب.

أما الأطراف الدولية المناوئة فلا زالت تنظر للقرار بعين الريبة والشك من أن يكون ذلك مقدمة لإعادة انتشار للقوات الأميركية، والتوجه لإشعال ساحات أخرى في إطار “استراتيجية أو مرحلة جديدة،” كما جاء في توصيف المتحدثة باسم البيت الأبيض، ساره ساندرز.

          للفرقاء المحليين في واشنطن تتوفر جملة عوامل ومصادر قلق “لإفلات ترامب من عقاله” دون أخذه بعين الاعتبار “مسلمات” المؤسسة كإيلاء الأولوية لمراكز الاستخبارات والمؤسسة العسكرية في اتخاذ القرارات الحاسمة؛ وهم الذين كانوا على وشك تضييق الخناق عليه في الأيام القليلة الماضية، بسلاح الملاحقة القضائية. وأدت فعلته إلى خلط الأوراق وحسمٍ مرحلي للصراع الدائر بين أجنحة المؤسسات المختلفة لصالحه ولو مؤقتاً.

          آلية “تسريب” البيت الأبيض لقرار ترامب جاءت ايضاً في سياق تعزيزه موازين القوى الداخلية لصالحه الشخصي. إذ أوعز ليومية المال والأعمال وول ستريت جورنال، مطلع الاسبوع، كما يرجح، بنشر فحوى قرار الانسحاب لتتبعها مؤسسات صحافية وإعلامية كبرى في غضون ساعات قليلة، قاصداً التريث في إصدار بيان رسمي بذلك حتى تيقنه من انشغال كافة الوسائل وصناع القرار بما رمى إليه، وتراجع موجة الهجوم القضائي ضده عن الصفحات الأولى.

          الحلقة المحورية في القرار تكمن في توقيته وليس في بعده السياسي فحسب. الثابت للحظة أن جدلاً واسعاً جرى بعد نهاية عطلة الأسبوع في البيت الأبيض جمع كافة المستشارين والمسؤولين الكبار، خاصة في الوزارات السيادية وأجهزة الاستخبارات، لبحث المسألة، نجم عنه تعليمات صارمة أصدرها الرئيس ترامب لإبلاغ القوى الحليفة، من دول وجماعات من بينها “اسرائيل” والاردن،  بالقرار “للبدء في سحب فوري للقوات الأميركية” من سوريا، وموجهاً انتقاداته للمؤسسة العسكرية بأنه أعطاها فترة زمنية كافية منذ شهر نيسان/ابريل الماضي، بناء على إصرارها لمهلة إضافية، للتحضير بالانسحاب “لكافة عناصر القوات العسكرية التي يربو تعدادها عن 2000” جلهم من القوات الخاصة.

          ليس أدل على مؤشرات حجم الخلاف داخل الإدارة الأميركية من سلسلة تصريحات متتالية سعت لإبطال قرار مرتقب من البيت الأبيض، أبرزها كان بيان صادر عن “التحالف الدولي” الذي تقوده واشنطن مطلع الشهر الجاري يشير إلى أن “أي تقارير تشير إلى تغيير في موقف الولايات المتحدة فيما يتعلق” بالوجود العسكري في سوريا “باطلة ومصممة لزرع الارتباك والفوضى.”

          تزامن البيان مع تصريح لرئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة، جوزيف دانفورد، بأن بلاده تمضي قدماً “لتدريب آلاف المقاتلين المحليين لضمان هزيمة دائمة” لداعش؛ التي قدرت أعداده “ما بين 3000 إلى 8000” في سوريا؛ ليسارع مجمع النخب الثقافية بتضخيم الرقم إلى “40،000 مسلح في كل من العراق وسوريا؛” مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، 20 الشهر الجاري، وهو العدد نفسه للتنظيم حينما كان في أوج قوته ودمويته.

          واضاف دانفورد أن قيادته تحتاج لتدريب “40،000 عنصر” محلي لمواجهة داعش وتوفير الأمن والاستقرار هناك.

          وزير الدفاع الأميركي، جيمس ماتيس، المسؤول الأول عن التمدد الأميركي، أوضح مؤخراً أنه أصدر أوامره لتوجيه القوات الأميركية في سوريا “إنشاء مراكز مراقبة على طول الحدود السورية التركية كجزء من الجهود الرامية إلى الحد من التوترات بين تركيا والحلفاء الأكراد في الحرب ضد داعش.”

          مستشار الأمن القومي جون بولتون “تعهد” قبل بضعة اسابيع ببقاء القوات العسكرية الأميركية في سوريا “طالما بقيت إيران محتفظة بوجود عسكري هناك.”

أحدث  تصريح جاء على لسان المبعوث الأميركي للتحالف الدولي، بريت ماكغيرك، مؤكداً أن بلاده ترمي للبقاء طويلاً في سوريا “.. القضاء على تنظيم داعش سيستغرق وقتاً أطول .. ولا أحد يمكنه القول إن المهمة قد أنجزت، بالطبع لقد تعلمنا دروسا كثيرة. لذلك، نحن نعرف أنه لا يمكننا فقط حزم الأمتعة والرحيل حالما يتم تحرير الأراضي.”

المبعوث الأميركي الخاص لسوريا، جيمس جيفري، صرح قبل ساعات قليلة من “تسريب” نية الرئيس ترامب الانسحاب من سوريا مؤكداً أن بلاده لن تخرج من سوريا إلا بعد أن تهزم نهائياً قوات داعش، وأن هدف بلاده لا يتمثل في “رحيل الأسد .. الذي ينبغي أن يقرر مصيره الشعب السوري؛ ويتعين عليه الموافقة على تسوية إذ أنه لم يحقق انتصاراً تاماً بعد سبع سنوات من الحرب.”

رد الرئيس ترامب مغرداً بجملة مقتضبة لا تتعدى 16 كلمة قائلاً “هزمنا داعش في سوريا، السبب الوحيد للتواجد” الأميركي هناك.

الانسحاب إلى أين؟

لم يشر الرئيس ترامب صراحة إلى وجهة القوات الأميركية المنسحبة من سوريا سوى بالإطار العام بأنها ستعود إلى البلاد؛ اتهمه خصومه أنه لم “يستشر أي من الشركاء الاستراتيجيين من بينهم فرنسا والاردن واسرائيل.”

مصادر عسكرية أميركية في العراق، في سياق إبلاغها حلفائها بقرار الرئيس ترامب، أوضحت لـ “مسؤول أمني عراقي” بأن القوات المنسحبة من سوريا “ستستقر في القاعدة العسكرية (الأميركية) في إربيل بشمال العراق .. وستباشر بوضع نقاط حدودية بين سوريا وإقليم كردستان العراق.” يشار أيضاً إلى أن القوات الأميركية شرعت في إنشاء “مركز عمليات عسكرية مشترك مع قوات البيشميرغة” الكردية على الحدود العراقية السورية.

فيما جاءت تصريحات “أمنية أردنية” مؤخراً لتضيء جانباً آخر من المخطط الأميركي مؤكدة أن “هناك جهدا مشتركا في المستويات السياسية والأمنية من وراء الكواليس بين الأردن وإسرائيل والسعودية، لتقليل التهديد الذي تشكله سوريا وإيران، بعد أن أعلنت الولايات المتحدة أنها ستسحب قواتها من سوريا؛ وأن واشنطن أوضحت للبلدان المعنية أن أجهزة الاستخبارات الأمريكية المتعددة ستزيد بشكل كبير من التعاون الأمني مع إسرائيل والأردن والسعودية.”

رقعة الانتشار الأميركي

تحتفظ واشنطن بتواجد عسكري لافت في سوريا أبرزه “مطار الرميلان” بمحافظة الحسكة، بالقرب من الحدود المشتركة مع كل من تركيا والعراق؛ وهي منطقة غنية بباطنها من الآبار النفطية – والتي “تسيطر” عليها قوات سوريا الديموقراطية – قسد.

كما لواشنطن خمسة مواقع عسكرية أخرى في تلك المنطقة ما بين نهري دجلة والفرات: قاعدة الشدادي الجوية بين محافظتي الرقة ودير الزور السوريتين؛ وأخرى قرب نهر الخابور بمحاذاة الحدود السورية العراقية تضم مهبطاً للطائرات المروحية ومعسكراً للتدريب؛ موقع عسكري في عين العرب – كوباني، على الحدود العراقية التركية، وسبت وعين عيسى وخراب عشق.

تتواجد القوات الأميركية أيضا في قاعدة عسكرية بمدينة (تل أبيض) في محافظة الرقة؛ وأنشأت قاعدة عسكرية بالقرب من حقل العمر النفطي في محيط مدينة الميادين بمحافظة دير الزور؛ إضافة لقاعدتي “المبروكة” و “تل البيدر” في محافظة الحسكة اللتين كانتا المعقل الرئيس لتنظيم داعش.

أما في جنوب سوريا، فلواشنطن حضور عسكري “ذات أهمية استراتيجية،” في قاعدة التنف عند المثلث الحدودي بين سوريا والعراق والاردن؛ سبقها إنشاء قاعدة في منطقة (الزكف) التي تبعد نحو 70 كلم شمال شرقي التنف زودتها بأثقل واضخم منظومة راجمات صاروخية في الجيش الأميركي من طراز “الراجمات الصاروخية المتعددة – HIMARS” لتعزيز قاعدة التنف.

وجاء في تقرير استخباراتي أميركي العام الماضي  ان الهدف من إنشاء هذه القاعدة هو إغلاق الطريق أمام أرتال القوات السورية و”حزب الله،” للسيطرة على مدينة البوكمال، 200 كلم شمال شرق التنف، و”لمنع إيران إنجاز جسرها البري إلى البحر المتوسط مروراً بالعراق.

الكلفة العسكرية

          يجمع انصار ومناوئو الرئيس ترامب على إدراجة الكلفة المادية “للمغامرات العسكرية” كأولوية في جملة اعتباراته وقراراته. وجاءت أحدث احصائيات صادرة عن وزارة الدفاع لتشير إلى إرقام غير مسبوقة في الإنفاق العسكري مشيرة إلى حجم الكلفة العسكرية “المباشرة للحروب الأميركية منذ عام 2010 بأنها بلغت 1.77 تريليون دولار؛ منها 756 مليار للحرب على العراق وسوريا، 730 مليار في الحرب على أفغانستان ..” يستثنى من تلك الميزانيات المكلفة التي تتحملها وزارة الخارجية في بند “الشؤون العسكرية،” والتي “ربما” تراوحت بين 127 مليار إلى 132 مليار دولار لذات الفترة الزمنية.

          اما الخسائر البشرية جراء المغامرات المتعددة فتشير وزارة الدفاع إلى : مقتل نحو 7000 جندي وجرح 52،783 للفترة الزمنية إعلاه؛ اماكلفة تأهيل الجرحى والمعاقين لم يتم التيقن منها لحد الآن لكنها في ارتفاع مضطرد.

ردود الفعل

          دولياً، عارضت وتحفظت القوى الغربية الحليفة لواشنطن إعلان الرئيس ترامب، بريطانيا وفرنسا وألمانيا، معربة عن “دهشتها” الجماعية وبأن القرار “يهدد بالحاق الضرر بالحرب ضد الدولة الإسلامية التي لم ينتهي تهديدها بعد، وتقوض النجاحات التي تحققت” للآن.

          تركيا رحبت بالقرار الذي أتى عقب مشاورات مكثفة بين الرئيسين، اردوغان وترامب، وتعهد الأخير الاعداد لتسليم أنقره خصمها اللدود المقيم في الولايات المتحدة، فتح الله غولن؛ وإعلانها عن قرب بدء عمليات عسكرية واسعة ضد “قسد” اعتبرها البعض أنها جاءت “بمباركة أميركية.” مسؤول في الخارجية الأميركية، رفض الإفصاح عن هويته، أوضح أن قرار الانسحاب جاء “بعد اتصال هاتفي بين ترامب واردوغان، وكل ما حدث بعد ذلك جاء في إطار تنفيذ الاتفاق الذي توصلا إليه.”

          روسيا رحبت بحذر  بالقرار الأميركي.  الخارجية الروسية جددت معارضتها “للوجود الأميركي غير الشرعي في سوريا (وانه) يشكل عائقاً خطيراً أمام حل الأزمة فيها.” رئيس لجنة الدفاع الوطني بمجلس النواب، الدوما، فلاديمير شامانوف صرح بأن “.. الأميركيين لا ينسحبون أبداً من مواقع سبق أن احتلوها ويبتكرون مبررات للبقاء؛” وخشية موسكو لتأجيج الصراع في محيطها لا سيما في اوكرانيا ومناطق نفوذها في صربيا.

          داخلياً، ثارت ثائرة القوى المؤيدة لمعسكر الحرب والتي “تبنت” مسألة دعم انفصال الكرد في كل من العراق وسوريا، أبرزها السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام الذي وصف قرار الرئيس ترامب  بأنه “وصمة عار في شرف الولايات المتحدة؛ وتنكر للحلفاء الأكراد،” متوعداً وأقرانه بمساءلة الإدارة بعقد جلسات استماع في مجلس الشيوخ في الأسابيع المقبلة. وإمعاناً في “إحراج” الرئيس ترامب، أعلن غراهام عن نيته زيارة القوات العسكرية الأميركية المتواجدة في أفغانستان خلال فترة أعياد الميلاد المجيد.

          وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس سارع إلى تقديم استقالته فور الإعلان الرئاسي بالانسحاب مشيراً إلى “خلافاته السياسية” مع الرئيس ترامب، فيما يخص بسوريا ومناطق أخرى، لا سيما وأنه “وافق” على إرسال قوات عسكرية مؤللة للمرابطة على الحدود الجنوبية المشتركة مع المكسيك للتصدي لموجات المهاجرين الوافدين عبر المنطقة الحدودية.

          بالمقابل، لوحظ غياب تام لأي استقالات من المناصب الديبلوماسية، بمن فيهم المبعوثين الرئاسيين للتحالف الدولي ولسوريا، بريت ماكغيرك وجيمس جيفري، على التوالي. بيد أن اللافت في قرار ترامب كان إعلان “مسؤول” اميركي رفيع عن “إجلاء كافة موظفي وزارة الخارجية من سوريا خلال 24 ساعة.”

          الخاسرون، وفق التقييمات الأميركية، هم حلفاء أميركا أبرزهم “اسرائيل وهي من ضمن لائحة أكبر الخاسرين،” وفق تقرير لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، 19 الشهر الجاري؛ والكرد “الذين تحالفوا مع الولايات المتحدة،” وآخرين منهم “الاردن ولبنان.”

          اما خسارة الولايات المتحدة الصافية، وفق التقرير أعلاه، فتتمثل “بتخليها علن ثلاثية أهدافها المعلنة لتبرير وجودها في سوريا: إلحاق هزيمة مؤكدة بداعش؛ إخراج القوات الإيرانية والقوى الرديفة من سوريا؛ وحل سياسي مرحلي مبرم وغير قابل للنقض.” وأضاف بأن الأمر “المحيّر يكمن في أن خصوم الولايات المتحدة لم يتحملوا أي كلفة لتحقيق تلك النتيجة.”

          ماذ تنطوي عليه المرحلة المقبلة، من وجهات النظر الأميركية المتعددة، فيما يخص “شرقي سوريا،” يتأرجح بين احتمالين: الأول، غزو تركي لمنطقة شرقي نهر الفرات التي تتجمع فيها “وحدات الحماية الشعبية الكردية، بعد الحصول على ضوء أخضر أميركي بذلك، والتي تتراوح أعدادها  بين 30 ألفا الى 60 ألف مقاتل، وما سينجم عنها من موجات هجرة ولاجئين ألى اتجاهات متعددة. الثاني، “عودة” حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي وجناحه العسكري الى التفاوض مجددا مع الحكومة السورية والتي ستجري بمعزل عن أي دعم أميركي، مما سيعيد لدمشق السيطرة وبسط سيادتها على أراضيها التي كانت مسرحاً وخنجراً في ظهرها لمدة طويلة.

التحليل 12-14-2018

التحليل

فضائح ترامب: قلق من احتمال العزل

وخسارة الانتخابات المقبلة قبل أن تبدأ

 

          يستقبل الرئيس ترامب ونظراءه الاوروبيين حلول أعياد الميلاد بقلق بالغ على مستقبلهم السياسي. ربما هي المرة الأولى التي تتضافر فيها “الظروف السياسية وتدني الأوضاع الاقتصادية” لملاحقة قمة الهرم السياسي في واشنطن وباريس ولندن في وقت متزامن دون اجتراح حلولاً شافية تتناغم مع روح الأعياد بالتسامح وبناء الجسور وسخاء العطاء.

          السرعة العالية التي تحاصر العواصم الثلاثة أفرزت تساؤلات منطقية وإشارة واضحة لمن يتحكم بقيادة السلطة والتي يبدو أن الرئيس ترامب الأفضل حظاً في التغلب على العقبات الآنية، نظراً لترؤسه الحزب الجمهوري وسيطرته على أغلبية مقاعد مجلس الشيوخ؛ وربما للمخاوف التي تسري بين مناوئيه لجهوزية أتباعه في تفجير الأوضاع السياسية والاجتماعية

إن لزم الأمر.  

          بيد أن الثابت في المشهد السياسي الأميركي أننا أمام لوحة تتميز بالانقسام العامودي يستعد قطبيه لتسجيل أكبر عدد من النقاط ضد خصمه، عله يكسب الجولة بالنقاط لا سيما والطرفان يتشاطران شح توفر قيادات “حكيمة تمتلك رؤى بعيدة النظر بإمكانها التوجه لدى الجمهور والتأثير في منسوب تأييده” لصالحها في الفترة الزمنية القصيرة نسبياً قبل جولة الانتخابات المقبلة.

          معضلة القطبين القيادية واضحة للعيان: هل يستطيع الرئيس ترامب المضي قدماً والفوز في الانتخابات الرئاسية المقبلة؛ وهل يتمكن قادة الحزب الديموقراطي من إلحاق الأذى به لحمله أما على عدم تجديد ترشيحه أو مواجهة خسارة حتمية في الجولة. وربما الأدق أن كان باستطاعة الحزب الديموقراطي الرسو على مرشح رئاسي عابر للخصومات والانقسامات الراهنة يحظى بفرص أعلى للفوز.


ترامب يتحدى خصومه

          طلب الرئيس ترامب من قادة الحزب الديموقراطي في مجلسي الشيوخ والنواب، تشاك شومر و نانسي بيلوسي – على التوالي، اللقاء به في البيت الأبيض والظهور بمظهر من يمد يده للعمل مع منافسيه وتسجيل بعض النقاط السياسية. ودون موعد أو اشارة مسبقة، طلب ترامب من الطواقم الصحافية دخول القاعة ليحاضر في الجميع حول برنامجه “الأهم” في تمويل بناء الجدار على الحدود الجنوبية مع المكسيك، وطلبه “المتواضع” بالموافقة على تخصيص 5 مليارات دولار في الميزانية السنوية المقبلة.

          ترامب كان يدرك مسبقاً معارضة ضيفيه للمسألة، لكنه ارادها فرصة لتحشيد جمهوره ومؤيديه، من العامة والسياسيين على السواء، بالتلويح المستدام لحرصه على صون الأمن القومي مقابل تهاون الطرف الآخر.

          بدا الرئيس ترامب مزهواً بتهديد منافسيه أنه لن يتوانى عن الاقدام بإغلاق عمل الحكومة الفيدرالية كسلاح ضغط أمام كاميرات الإعلام للحصول على أفضل وأبعد تنازل سياسي، لقراءته السابقة بأن معظم طاقم موظفي الدولة يناصر الحزب الديموقراطي ويضع قادته في موقف بالغ الحرج. ويدرك ترامب أيضاً أن إغلاق مرافق الدولة، في فرصة الأعياد السنوية، يحظى بتأييد من قواعد الحزب الجمهوري، فضلاً عن قياداته المرئية والمخفية، انطلاقاً من التحشيد المزمن بأن الهيكل الحكومي متضخم وينبغي تقليصه إلى أدنى مستوى.

          عانى المشهد السياسي عدة محاولات سابقة اغلقت فيها مرافق الدولة، دون ان تترك آثاراً سلبية مستدامة على أي من الحزبين، وتجاوزاها بالمهارات السياسية المعروفة ابتداء من حرص الطرفين على الاستمرار في عمل “الاقسام الأشد ضرورة” لعمل الدولة، قدر حجمها بنحو 25% من المجموع العام للدولة؛ إلى الهروب للأمام للتركيز على الجوانب الأمنية وتخصيص مزيد من الموارد المالية على حساب برامج ومهام اجتماعية وتربوية وصحية بمشاركة الطرفين.

          لم يدخر الرئيس ترامب سلاحاً في جعبته لإقصاء منافسيه الضيفين متوعداً أنه سيتغلب على معارضة مجلس النوابفي الدورة المقبلة باجتراح خيار “الحكم باصدار قرارات رئاسية،” من ضمن صلاحياته الدستورية، كما عمد سلفه السابق الرئيس اوباما وآخرين؛ مما يتيح له التغلب مرحلياً على معارضة محتملة داخل أروقة السلطة التشريعية. 

          ترامب ومن سبقه وما سيلحقه من رؤساء يدركون جيداً أن صلاحية “القرارات الرئاسية” ليس لها مفعول الديمومة وباستطاعة الرئيس المقبل، أيا يكن، الغاء العمل بها وفق “الصلاحيات الرئاسية” المنصوص عليها دستورياً أيضاً.   


جولة الانتخابات المقبلة
 

          يتوثب الحزب الديموقراطي لتوجيه مذكرات ملاحقة متعددة لشخص الرئيس ترامب ومساعديه الرئيسيين، كما جاء في الخطاب الانتخابي مطلع الشهر الماضي، يرمي بالأساس لتقييد حركته ومحاصرة خياراته السياسية إلى أقصى حد ممكن؛ ودائماً التلويح بالبدء بإجراءات العزل التي يدرك الطرفين إدراكاً عالياً انها بعيدة المنال في أفضل الأحوال. 

          وسارعت المدعي العام لولاية نيويوك المنتخبة عن الحزب الديموقراطي، لاتيشيا جيمس، إلى إبلاغ كل ما يعنيهم الأمر بأنها تنوي المضي في “جملة تحقيقات تخص الرئيس ترامب وعائلته والمقربين منه للاشتباه في انتهاكهم نصوص القوانين السارية” فور تسلمها مهام منصبها اواخر الشهر المقبل.

          أهمية تصريحاتها وتوعداتها تأتي استناداً لقاعدة مركز نشاطات الرئيس ترامب التجارية في مدينتها، ولها كامل الصلاحية للاطلاع على سجلات وبيانات تخص كافة معاملاته وشركاته المتعددة، سعى مؤيدوه اما لإخفائها أو إتلافها لاحباط محاولات الملاحقة القانونية.

          من جملة ما تنبيء به تصريحات المدعي العام لواحدة من أهم الولايات الأميركية نفوذاً وامتدادات تحذير قادة الحزب الديموقراطي في الكونغرس أيضاً بعدم التساهل للمضي بالمثل واستغلال ما يتوفر للسلطة التشريعية من مزايا خاصة بعيدة المدى لإطالة أمد الملاحقة والحاق أقصى ضرر ممكن في حظوظ الرئيس وحزبه من اعادة ترشيحه على أقل تعديل.

          أما الادعاءات والتهم التي تصدرت ولا تزال المشهد السياسي حول تورط الرئيس ترامب مع روسيا فلم يثبت سير التحقيقات المتشعبة عن أدلة مادية بهذا الاتجاه، على الرغم من ادانة اقرب المقربين له بدءاً بمدير حملته الانتخابية، بول مانافورت، وليس انتهاءً بمحاميه الخاص، مايكل كوهين، الذي قدم محامو الإدعاء مذكرة قضائية ضده، قبل بضعة أيام، تتهم الرئيس ترامب بارتكاب “جرائم تمويل الانتخابات؛” على خلفية بعض المبالغ المالية التي قدمت لعاشقة ترامب السابقة ستورمي دانيال.

          بيد أن عدد من الخبراء في بند تمويل الحملات الانتخابية أعربوا عن عدم رضاهم أو تأييدهم لمضمون المذكرة. وأفاد المحامي دان باكر بأن “امبراطورية” ترامب التجارية ما هي إلا “ماركة مسجلة” في العرف القانوني التجاري؛ ولذا فإن مساعي الحفاظ على “حماية الماركة،” كمبرر لصرف أموال من صندوق الحملة، لا تندرج تحت بند انتهاك القوانين الخاصة بذلك.

          واضاف باكر أن توجيه تهمة بـ “انتهاك قانون تمويل الحملات الانتخابية” لا يخضع للتكهنات، بل هي مسألة ترتبط بتقديم الأدلة والثبوت التي غابت هذه المرة.”

          أما اتهام ترامب بالتواطؤ مع روسيا خلال حملته الانتخابية للنيل من خصمه المرشحة هيلاري كلينتون فلم تصمد طويلاً أمام الثبوت الغائبة. وقد أوضحت يومية نيويورك تايمز المسألة ضد خصوم الرئي، ربما عن غير قصد، مؤخرا بالقول أنه “منذ اليوم الأول لبدء تحقيقات موللر (المحقق الخاص)، عوّل خصوم الرئيس على تقريره المرتقب لما قد ينطوي عليه من تهم شبه جاهزة، أو كمصدر تعويذة اتهام للإطاحة بالرئيس ترامب وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء،” أي ما قبل فوزه بالانتخابات الرئاسية. وخيبت آمال منافسي ترامب إذ ليس هناك ما يلوح في أفق تقرير المحقق الخاص بتوجيه إدانة محددة تستدعي البدء بترتيبات عزله؛ وربما الناحية الأهم أن التقرير المرتقب سيخلو من الإشارة الصريحة المبنية على أدلة حسية بأن الرئيس ترامب نسق جهوده مع الجانب الروسي.


تداعيات العزل
      

          ليس كل ما يتمناه الخصم قابل للتحقيق. اجراءات العزل تبدأ بالحصول على تصويت أغلبية مجلس النواب (50+1)، لكنها ستستطدم بعقبة مجلس الشيوخ التي تستدعي موافقة ثلثي الأعضاء (67) على المشروع، وهو أمر غير قابل للتحقيق في ظل التوازنات الراهنة، لا سيما لعدم ضمان تصويت بعض الممثلين عن الحزب الديموقراطي عينه إلى جانب المشروع خشية معاقبتهم انتخابيا في دوائر تميل بأغلبيتها لتأييد الرئيس ترامب.

          العقبة الأكبر تتمثل في رد الفعل الشعبي على تلك الخطوة التي بشر بها مراراً الرئيس ترامب بأن قواعد مؤيديه “قد” تلجأ لخيار العصيان المدني وشل الحركة العامة احتجاجاً على “الاستفراد” به على أرضية تهم تفتقد للأدلة المقنعة بالنسبة لهم.

          وخاطب الرئيس ترامب جمهوره مراراً عبر وسائل الإعلام المتعددة متوعداً “بثورة غضب عارمة” لمؤيديه أن وصلت الأمور لتلك النقطة. واضاف في مقابلة مع وكالة رويترز للأنباء انه “من المتعذر تنفيذ اجراءات عزل بحق شخص لم يرتكب أي مخالفة بل قام بإيجاد أعظم ازدهار اقتصادي في تاريخ البلاد.”

          أمام تراجع فرص العزل ما يتبقى من خيارات أمام الخصوم تتمحور حول إدامة التحقيق من قبل لجان مجلس النواب ضد الرئيس ترامب ومعاونيه، لكن خصومه أيضاً يدركون حقيقة تعاظم لُحمة مؤيديه أمام محاولات الخصوم الديموقراطيين.

          عدا عن ذلك، ما يستطيع الخصوم، من الحزبين، تمريره هو اجتراح بعض التشريعات التي ترمي لإحراج الرئيس ترامب وليس إدانته، كما شهدنا مؤخراً في تصويت أغلبية مجلس الشيوخ لصالح قرار يدين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بالأسم، المدعوم من الرئيس ترامب.

          أما الإقدام على خطوة أشد جرأة ترمي لقطع الدعم العسكري الأميركي للسعودية والإمارات في حربهما الجارية ضد اليمن فتنطوي على جملة مخاطر على أرضية الصلاحيات الرئاسية لتنفيذ السياسة الخارجية وفق الرؤى الرئاسية، بالتوافق مع المؤسسات الاستخباراتية والأمنية والعسكرية، وهي مسالة غير مضمونة النتائج بالنسبة للخصوم.

 ما تبقى من خيارات يندرج تحت بند “التمنيات.” أذ تتهيأ رئيسة مجلس النواب المقبلة، نانسي بيلوسي، لتسلم مهامها الدستورية وبذلك تصبح في المرتبة القيادية الثالثة لتسلم زمام أمر البلاد، خلف الرئيس ونائبه. أما نائب الرئيس مايك بينس فلم تتعرض له وسائل الإعلام لحتى الآن، بيد أنه من ضمن الاحتمالات المرجحة للإطاحة به أن تمكن الحزب الديموقراطي من امتلاك القرار بمحاصرته بجملة فضائح تفضي إما لاستقالته أو الإطاحة به قبل أن يتمكن الرئيس ترامب من الإعداد لخليفته ـ كما شهدنا في السابق نائب الرئيس نيكسون، سبيرو آغنيو، يطاح به على خلفية اتهامات له بالفساد وتلقي الرشاوي، عام 1973.

ان تحقق مطلب الإطاحة بنائب الرئيس بينس، قد تجد رئيسة مجلس النواب المقبلة بيلوسي مبرراً للتقدم للمنصب “دستورياً” تسعى بموجبه لتقديم لائحة اتهام لعزل الرئيس ترامب.

لكنها تبقى مراهنات من باب التكهنات لا أكثر، وما نحن مقبلون عليه هو حالة من الاتهامات المتبادلة تمهد للطرفين الإعداد الجدي لخوض جولة الانتخابات الرئاسية المقبل، بأفضل ما يقع عليه/ا الخيار.

الرئيس ترامب، من جانبه، لن يتزحزح قيد أنمله، وفق المعطيات والتوازنات الراهنة؛ والحزب الديموقراطي يقف على أعتاب مرحلة فاصلة لتقديم أفضل ما لديه من مرشحين من داخل الطاقم السياسي “المؤسساتي،” أي ممن لا يحملون لقب “الليبرالية أو المتشددين.”

 

التحليل 12-07-2018

انهيار منبر للمحافظين الجدد
وصعود مؤقت لتيار شعبوي ديماغوجي

      تتمتع المنابر الإعلامية الناطقة بلسان أو الداعمة للتيارات المحافظة في أميركا بوفرة الدعم المالي المتاح والذي لا يأتي عادة من رصيد الإعلانات، كما هو متوقع، بل من جيوب كبار الأثرياء، بعضهم معروف للعامة وبعض المصادر مبهمة الأصل.

        أعلنت اسبوعية ويكلي ستاندارد، مطلع الأسبوع الجاري، عن اغلاق أبوابها في الفترة القريبة المقبلة، أو تقليص مدى أعمالها بشكل أدق، وهي أحدى أبرز المنابر الإعلامية للمحافظين الجدد برزت إلى الصدارة لاحتضانها كبار “مستشاري” إدارة الرئيس الأسبق جورج بوش الإبن، ودفاعها الثابت والمستميت عن سياسات الإدارة الرسمية ولا سيما في الحرب الأميركية على العراق، معللة في عام 2005 بأنها “حرب ينبغي أن تدخل الشعور بالفخر” عند الأميركيين.

        وعلى الرغم من هويتها المعلنة كمنبر للمحافظين الجدد وسجلها الثابت في دعم الحروب الأميركية المتعددة، إلا أن ناشرها ورئيس تحريرها المحافظ، بيل كريستول، اتخذ مواقفاً مناوئة للرئيس ترامب وانضم لفريق إعلامي متواضع من “لسنا مع ترامب مطلقاً،” واعتلى جملة من المنابر الإعلامية الكبرى محرضاً ضد سياسات الرئيس ترامب.

تأسست المجلة عام 1995 برئاسة “بيل كريستول” و “فرِد بارنز،” واستطاعت خلال فترة زمنية قصيرة التربع على “امبراطورية إعلامية للمحافظين الجدد،” وأيدها معظم المحافظين الجدد نال كتابهم مكافآت مالية مجزية. بيد أن ذلك لم ينعكس على حجم توزيعها المتواضع الذي لم يتعدى 72 ألفاً في عموم الأراضي الأميركية، وفق البيانات الرسمية، وهي نسبة لا تبشر بمستقبل واعدٍ لنشرة تعبر عن أحد التيارات السياسية الرئيسة والمؤثر بصورة مباشرة على آلية ودوائر صنع القرار السياسي.

المؤسسة الأميركية المختصة بالتدقيق في توزيع المنشورات للمؤسسات التجارية وغير الربحية على السواء، BPA Worlwide، أفادت بأنه منذ دخول الرئيس ترامب للبيت الأبيض تراجعت أعداد المشتركين بالمجلة لنحو 7 آلاف مشترك، تقارب 10% من مجموع المشتركين.

        المصطلح “لسنا مع ترامب مطلقاً” أضحى يتردد على لسان كبار قادة الحزب الجمهوري. وصرح السيناتور جيف فليك، مطلع العام الجاري، بأن يعبر عن حالة الإحباط من الرئيس ترامب بين صفوف المحافظين في الحزب الجمهوري، باعتباره “عامل يفسد التيار المحافظ الحقيقي عبر اسلوبه المستبد، وسياسته الخارجية الإنزوائية، وافتقاره التحلي بمسؤولية التصرف المالية، ومعارضته للاتجار بحرية.”

        المؤسسة الأم والناشر للمجلة، ميديا دي سي، تصدر أيضاً نشرة موازية من إعلام المحافظين الجدد، واشنطن إيكزامينر، شبه الناطقة بلسان الرئيس ترامب، وقرارها الخاص بإطلاق الأسبوعية المذكورة نجد أن الممول والداعم الرئيس لكلتاهما هو الملياردير فائق الثراء (فيليب آنشوتز) الذي يملك جملة من المؤسسات التجارية في قطاعات متعددة بينها الإعلام والعقارات والطاقة وسكك الحديد وصناعة الأفلام ودور السينما والنوادي الرياضية؛ تبلغ ثروته ما ينوف عن 11 مليار دولار، وفق مجلة فوربز، 12 من شهر ديسمبر الجاري.

        في سياق التدقيق بدوافع الناشر إعلاء فريق من المحافظين على آخر، يخبرنا المحرر السياسي السابق لأسبوعية “ذي ايكزامينر،” جيم آنتيل، أن الحراك الناجم عن “إغلاق” ويكلي ستاندارد يعكس في بعده الأشمل الاصطفافات الأوسع الجارية داخل صفوف الحزب الجمهوري، أذ بينما “تناهض النخب (السياسية والفكرية) توجهات الرئيس ترامب، فإن قواعد الحزب تؤيده بشدة.”

        وعليه، وفق آنتيل، فإن التحدي المطروح أمام تيار المحافظين الجدد يتمثل في “.. نشرة تعبر عن توجهات المحافظين ولا تؤيد رئيس الحزب الجمهوري الحالي؛ ومن ثم نشهد صراعاً داخل تيار اليمين بمجمله بين فريق يدافع عن الرئيس مهما كان الثمن وفريق مقابل راضٍ عن معظم النتائج التي حققها، لكنه شديد القلق منه في المحصلة العامة.”

        توجهات الأسبوعية المذكورة تؤشر أيضاً على ما طرأ من تغيير في عموم التيار المحافظ في عهد الرئيس ترامب، وتبسيطه المخل للأحداث العالمية التي تستدعي التحلي بسياسات ضبط النفس والابداع في سبل التوصل لتحقيق أهداف ملموسة في المدى المنظور.

        الحاضنة الفكرية للتيار المحافظ في السياسة الأميركية تجسدت في شخص المفكر والمؤلف ويليام باكلي، المتوفى عام 2008؛ وينسب له الفضل في تأسيس اسبوعية ناشيونال ريفيو كمنبر فكري لنشر افكاره واستقطاب مؤيدين له من بين النخب.

        الجيل الحالي من المحافظين الجديد مدين لباكلي بالانجازات التي حققها في أزيد من 6 عقود من الحياة السياسية الأميركية،  واعتباره “الأهم والأفضل بين الشخصيات الفكرية في الولايات المتحدة وشخصية مرجعية عظيمة،” وميزته الرئيسة في الجمع بين تياري المحافظ التقليدي والليبرالي النموذجي، مما أرسى أرضية تحول الحزب الجمهوري “إلى اليمين،” كما شهدته الساحة من صعود شخصيات بارزة ومثيرة للجدل، كالسيناتور العنصري باري غولدووتر، واليمين “المنفتح” كالرئيس الأسبق رونالد ريغان.

        التيارات الدعوية والدينية في المجتمع الأميركي رأت في الحزب الجمهوري ضالتها كحاضنة سياسية باستطاعتها التأثير في توجهاته لصالحها. وبالتزامن مع اشتداد عود المعارضة الشعبية والأممية للحرب الأميركية على فييتنام، في عقد الستينيات من القرن الماضي، لجأ أنصار التيار المتشدد لاستحضار وتبني “القضايا الدينية” وادخالها في الخطاب السياسي، وانتشرت تدريجيا منظومة “قراءة الإنجيل والصلاة الجماعية في المدارس العامة،” مما أثار موجة خلافات جديدة حول التمويل العام لقطاع التعليم وانتهاك المتدينين لأحد أهم أعمدة “الديموقراطية” الأميركية – فصل الدين عن الدولة.

        ذاك التحول أثار الذعر بين أوساط المحافظين التقليديين، وتوجهاتهم العلمانية بشكل عام، والخشية من “التحول الديني” في بوصلة التوجهات السياسية المحافظة، وهو ما نشهده هذه الأيام في صراع التيار المؤيد للرئيس جورج بوش الإبن وما يمثله من امتدادات في الحزب الجمهوري وبين مؤيدي الرئيس ترامب “وسياساته الإنعزالية.” ونال ويليام باكلي وسام الحرية الرئاسي من الرئيس جورج بوش الأب، 1991، تقديراً لجهوده في بلورة ومأسسة التيار المحافظ.

        اللافت في معتقدات ويليام باكلي خصومته مع تيار المحافظين الجدد – معسكر الحرب في الإدارات الأميركية المتعاقبة. وقال معارضاً للحرب على العراق “.. حقيقة الأمر أن شن عمليات خارجية لتغيير نظم الحكم في بلدان تنقصها وثيقة الحقوق الأساسية أو (تخلو) من الإرث الديموقراطي ستكون شديدة القسوة .. لآ يمكن لإمريء الشك في فشل الهدف الأميركي في العراق.”

        بيد أنه لم يلجأ لإقصائهم قائلاً عام 2004 أن المحافظين الجدد “.. اولئك الذين أعرفهم، وهو الغالبية، أذكياء وذوي اطلاع ومثاليين، لكنهم ببساطة يبالغون في نشر القوات الأميركية ونفوذها.” وفيما يخص الرئيس ترامب وصفه عام 2000 دون معرفة سابقة بأنه “ديماغوجي عاشق لذاته.”

        صعود رونالد ريغان على المسرح السياسي الأميركي اعتبر تجسيداً “لمذهب المحافظين العصريين” وتحقيقاً لوعودهم، لا سيما وأن ريغان كان يقرأ ما ينشره باكلي باستمرار؛ واستطاع أدخال مفاهيم المحافظين إلى مفاصل الحزب الجمهوري الرئيسة، عقب هزيمة مرشح التيار العصري “الواقعي” الذي مثله جورج بوش الأب.

        الإرهاصات السياسية في صفوف الحزب الجمهوري والمجتمع الأميركي بشكل عام أوصلت أشد التيارات تطرفاً إلى التحكم بصنع القرار، ونشر القوة العسكرية في مناطق مختلفة من العالم، واستأنفت الحروب العدوانية على خلفية التأكيد على القطب الأوحد وصاحب القرار النهائي في العالم.

        التغيرات المتسارعة على الساحة الدولية، وفشل والمغامرات العسكرية الأميركية، أربكت حسابات التيار المحافظ بجناحيه؛ وعمد إلى استحضار خطاب القديم – الجديد القائم على “تقليص حجم ودور الحكومة المركزية” في المجتمع. فالرئيس ريغان اعتبر الهيكل الحكومي بأنه أس المعضلة التي تواجه أميركا وليس حلاً؛ بينما اعتبر الرئيس ترامب تلك الهيكلية بائدة شبهها بمستنقع ينبغي تجفيفه.

        النتيجة العامة لتلك المقاربات لم تسفر عن اجتراح حلولاً لمشاكل ومعضلات تزداد تعقيداً، سواء على الصعيد الداخلي أو في المشهد العالمي الأوسع. واحتمى الرئيس ترامب ومناصريه خلف الإرث السابق للتيار المحافظ والمطالبة مرة أخرى بتقليص حجم ودور الحكومة المركزية، باستثناء المهام الأمنية والعسكرية والتسليح.

        تفاقم الأزمة الاقتصادية، على الصعيد الداخلي بالتحديد، وعجز المؤسسة الحاكمة عن المواجهة الحقيقية لسلم العقبات المتصاعدة تدفعها نحو التوجه لمزيد من المغامرات العسكرية، سواء محدودة أو أبعد من ذلك. وما نشهده راهناً من “حرب اقتصادية” متبادلة بين القوى الكبرى يعيد إلى الأذهان الأزمات العمالية التي طبعت حقبة الرئيس رونالد ريغان، وافلاس المصارف والمؤسسات المالية عام 2008، وتراكم العجز ليس المالي فحسب، بل في المستوى السياسي، يقود المرء للقول أننا أمام حقبة إرهاصات وتحركات جديدة، يسعى فيها التيار المحافظ والمسيطر على مراكز القوى إلى “الاستمرار في الوصفات الراهنة – تقليص الإنفاق الحكومي على المرافق الأساسية والبرامج الاجتماعية – وما سينجم عنها من معارضة ومفاقمة الأوضاع الاقتصادية مرة اخرى.

التحليل 11-30-2018

التحليل


معسكر الحرب الأميركي يناور

لتوظيف أوكرانيا في محاصرة روسيا

        حرصت الادارات الأميركية المتعاقبة على محاصرة روسيا بقواعد عسكرية أميركية، أحياناً، وضرب طوق بنظم سياسية موالية لواشنطن بالدرجة الأولى، والحفاظ على فتيل الصراع مشتعلاً معها لاستنزافها في كافة المجالات. فرضية أضحت أمراً واقعاً وثابتاً في السياسات الأميركية.

        المؤسسة الأميركية الحاكمة بتشعباتها المتعددة، الأمنية والاستخباراتية والعسكرية وتوظيفها لسلاحها الناجز في وسائل الإعلام، شكلت بإجماعها سداً حصيناً للنيل من الحكومة الروسية، لا سيما الرئيس فلاديمير بوتين بشكل محدد، وإبلاغ من يعنيهم الأمر بأن الرئيس “بوتين لا ينبغي أن يقفز إلى مرتبة أعلى (مقبولة) كرئيس لدولة ثانوية ولن يسمح له التصرف كما يشاء” في القضايا العالمية المتعددة.

        لقاء قمة هلسنكي بين الرئيس ترامب ونظيره الروسي، 16 تموز/يوليو 2018، جاء ثمرة وعود انتخابية قطعها ترامب “لتحسين العلاقات الثنائية” ويخرج فيها على “اجماع” المؤسسة الحاكمة والالتفاف على مخططات عزل روسيا، وليس احتواءها مما أكسبه “احتقار اركان المؤسسة وإهانته علناً. لقاءات القوتين العظميين دشنها الرئيس الأسبق فرانكلين روزفلت عام 1933 باصداره قرار الاعتراف بالاتحاد السوفياتي.

بعض الصحف خرجت في اليوم التالي معبرة عن عدم رضاها بالقول على صدر صفحاتها الأولى “لا، لم يكن هناك حاجة (لترامب) للقاء بوتين،” أتبعته المؤسسة بانزال مزيد من العقوبات الاقتصادية والمصرفية بشكل خاص ضد المؤسسات والشخصيات الروسية.

جدير بالذكر أن محاولات الولايات المتحدة والدول الغربية في حلف الناتو بشكل خاص مستمرة للنيل من سيادة الدولة الروسية، وعملت بالمثل إبان حقبة الإتحاد السوفياتي، لتقويض ركائز الدولة. يعتقد المراقبون في واشنطن أن تبني الرئيس روزفلت مبدأ “دولة الرعاية الاجتماعية،” باصداره قرار أنشاء “صندوق الرعاية الاجتماعية،” 14 آب/أغسطس 1935، كان ثمرة نهج منظم لمواجهة النظام الاشتراكي السوفياتي لتوفير “بعض الفوائد” للنظام الرأسمالي، وليس كما يشاع بأنه جاء لاحتواء تداعيات الأزمة الاقتصادية الكبرى لعام 1929 والحيلولة دون تكرارها.


سياق التحرشات الأميركية

شهد عام 2014 أبرز تجليات التدخل الأميركي المباشر في الحديقة الخلفية لروسيا، بتشجيع قوى مناوئة لموسكو في اوكرانيا للإطاحة بالحكومة وإطلاق “الثورة البرتقالية” في مجمع ميدان بالعاصمة كييف.

وكانت مساعد وزير الخارجية الأميركية للشؤون الأوروبية والآسيوية، فيكتوريا نولاند، دائمة الحضور في “ميدان،” ونقلت وسائل الإعلام صورا لها وهي توزع حلوى “البسكوت،” على المتظاهرين، كانون أول/ديسمبر  2013 ، برفقة طواقم حراساتها الأميركية المسلحة، في “مشهد رهيب لكن تم إعداده بشكل دقيق،” وفق توصيف زملائها السابقين.

التطورات اللاحقة لمسرحية “ميدان” أوصلت إلى الحكم في كييف طاقم سياسي مدعوم من واشنطن بالكامل كانت مهتمه التحرش بروسيا لاستفزازها عسكرياً مما يشكل أرضية ومبرراً لتدخل “دولي” بقيادة حلف الناتو. بيد أن الرئيس الروسي استبق الأمر بإطلاق استفتاء شعبي لسكان القرم للإنضمام لروسيا الأم مستعيداً السيطرة على شبه جزيرة القرم، تبعها اندلاع مواجهات مسلحة بين الجارتين بقيت تحت السيطرة مما أفقد المخطط المعادي الزخم الأصلي.

الرد الغربي الثابت كان في تنفيذه عقوبات اقتصادية جماعية ضد موسكو بحجة انتهاكها لسيادة اوكرانيا، ولا زالت حالة التوتر قائمة لليوم لكنها “تحت السيطرة.”

أما الحادث الأخير، في مضيق كيرتش ببحر آزوف، فقد تزامن مع تقارب انعقاد قمة روسية أميركية، على هامش مؤتمر الدول الصناعية العشرين، في الأرجنتين، وعزوف الرئيس ترامب عن نيته لقاء الرئيس بوتين، وحتى اللحظات الأخيرة بعد انتهاء “الاشتباك” العسكري المحدود في مياه مضيق كيرتش.

وهنا أيضاً كانت المؤسسة الأميركية الحاكمة بأركانها المتعددة جاهزة للضغط مرة أخرى على الرئيس ترامب وتفرض عليه تراجعاً في موقفه الراغب باللقاء، وأن لم يكن بشكل رسمي، كما تقتضيه الديبلوماسية، بل فضل الإعلان عبر تغريدة له.

بداية، يعتبر مضيق كيرتش جزءاً من المياه الإقليمية لروسيا بنت عليه موسكو جسراً عملاقاً عقب “عودة” شبه جزيرة القرم للاتحاد الروسي، وتسمح للقطع البحرية والملاحة “بالعبور البريء” فيه شريطة عدم انتهاك القوانين والاجراءات السارية وإبلاغ السلطات الروسية المعنية بخط السير وطبيعة الحمولة.

اوكرانيا لا تعترف لروسيا بسيادة على شبه جزيرة القرم وكذلك الأمر مع شواطئها وموانئها البحرية، بيد انها تضطر للتعامل وفق النظم الروسية الناظمة للملاحة. وأصدرت حكومتها أمراً لـثلاثة زوارق “سفينتين صغيرتين مزودتين بمدفعية وسفينة سحب” على متنهما 24 بحاراً بدخول مياه المضيق دون إبلاغ السلطات الروسية التي تصدت لها واشتبكت معها وتعرض ثلاثة منهم لجراح متوسطة، واحتجزت طاقم البحارة بالكامل. أوكرانيا ادعت أن سفنها “لم ترتكب أي مخالفة” واتهمت روسيا بالعدوان العسكري وطالبت المجتمع الدولي بالتحرك العاجل لمعاقبتها.

تنوعت ردود الأفعال الدولية عند هذا المنعطف بين إدانة صريحة لروسيا وتحذيرها من تفاقم الأزمة إلى دعوات التروي الصادرة عن ألمانيا.

الولايات المتحدة اعتبرت الاجراءات الروسية “انتهاكاً صارخاً لسيادة الأراضي الاوكرانية .. يتعين على المجتمع الدولي التنديد به،” من على منبر الأمم المتحدة. وأصدر وزير الخارجية مايك بومبيو بيانا شديد اللهجة للتنديد بالحادث، لم يقرنه بوعود انتقامية من روسيا. أما الرئيس ترامب فقد التزم الليونة قائلاً للصحافيين يقبل مغادرته للارجنتين “لا نحبذ ما جرى في كلا الاتجاهين .. ونأمل أن يتم احتواء المسألة.”

اما دول الاتحاد الاوروبي فقد طالبت الجانبين، الروسي والاوكراني، ممارسة أقصى درجات ضبط النفس للحيلولة دون تصعيد الموقف، وإعادة فتح المضيق واستئناف الملاحة البحرية بشكل اعتيادي.

مصادر عسكرية في حلف الناتو أبلغت وكالات الأنباء الغربية أن الرئيس الاوكراني، بيتر بوروشينكو، سعى جاهداً دون نتيجة لإقناع واشنطن انشاء قاعدة عسكرية لها على الأراضي الاوكرانية؛ رغبة منه في توريط الولايات المتحدة عسكرياً، من ناحية، ولحاجة قواته العسكرية لمساعدة ومهنية حلف الناتو في أي مواجهة محتملة مع روسيا.

بثت شبكة سي أن أن  الأميركية للأنباء خبراً حول وضع القوات الاوكرانية بأنه “مثير للشفقة وهي غير مستعدة لخوض معركة مع روسيا في عرض البحر .. اما القوات البحرية الروسية فلن تواجه سوى مقاومة رمزية” بالقرب من مياه بحر آزوف. بدون مشاركة فعالة من حلف الناتو الى جانب اوكرانيا في أي نزاع قد ينشب ستكون القوات الروسية قادرة على الحاق هزيمة عسكرية سريعة  بالقوات الاوكرانية اذ لا يوجد مجال للمقارنة بين قوة البلدين.

روسيا، من جانبها، أعلنت عن خططها لنشر مزيد من بطاريات الدفاع الجوي المتطورة، إس-400، على أراضي شبه جزيرة القرم كخطوة احتياطية. واوضحت القيادة العسكرية الجنوبية للاتحاد الروسي أن طواقمها من الاخصائيين والمهنيين منكبون على تجهيز المعدات ونقلها “عبر السكك الحديدية إلى قاعدة ثابتة .. وستدخل المنظومة الجديدة الخدمة العملياتية في المستقبل القريب لحماية الأجواء الروسية؛” تعززها سفينة حربية ترابط في مياه بحر آزوف.

اجواء التوتر والترقب الحذر خيمت على لقاء قمة العشرين، مضاف أليها التنديد الدولي بولي العهد السعودي محمد بن سلمان والمطالبة بعدم مشاركته في القمة، باستثناء واشنطن. وسارعت روسيا لاحتواء الموقف بفتح المضيق واستمرار احتجازها للبحارة الاوكرانيين، مما “حفز طاقم الأمن القومي” في واشنطن الضغط على الرئيس ترامب لإلغاء لقائه المقرر مع الرئيس الروسي على هامش القمة.

الملفت في الأزمة المصطنعة، كما يعتقد المراقبون، ما أوضحته الحكومة الاوكرانية في بيان نشرته يومية واشنطن بوست، 27 نوفمبر، بإعلانها الأحكام العرفية في البلاد؛ واعتراف جهاز الأمن الاوكراني، اليوم عينه، بوجود عدد من ضباط استخباراته بين طواقم البحارة في مهمة “عمليات مكافحة التجسس لصالح سلاح البحرية الاوكراني.”

يشار إلى أن ذاك الجهاز، SBU – State Security Service، اعترف سابقاً بمسؤوليته عن افتعال حادث مقتل الصحافي الروسي آركادي بابشينكو، في كييف، بغية الكشف عن مخطط اغتيالات روسي (30 أيار/مايو 2018)، ثبت لاحقا أنه حي يرزق. وجاء في تعليق لشبكة (بي بي سي) البريطانية أن مدير الجهاز الاوكراني، فاسيل هريتساك، أوضح لها أن عملية لاصطياد قتلة مأجورين من قبل روسيا قد تم اعدادها؛ استحق على أثرها المطاردة بالسخرية وعدم الكفاءة.

في سنوات احتضار الاتحاد السوفياتي قامت واشنطن بعملية “بهلوانية” مشابهة لعملية مضيق كيرتش، وارسلت عام 1988 سفينتين حربيتين على متنهما معدات تجسس دخلتا المياه الإقليمية السوفياتية بالقرب من شبه جزيرة القرم؛ صدمتهما البحرية السوفياتية وغادرتا على الفور “قبل تصعيد الأمر.”

تلك الإشارة كانت ضرورية لسبر أغوار ما يعد من خطط عدوانية ضد روسيا، بطولة الرئيس الاوكراني الذي “لا يحسن قراءة الخرائط الاستراتيجية والمتغيرات الدولية،” وأشد ما يراهن عليه وهو مقبل على جولة انتخابات قاسية هو الظهور بمظهر “رئيس حرب” جدير بإعادة انتخابه.

استطلاعات الرأي الاوكرانية ترجح شعبيته بمعدل لا يتعدة 10%، يفصله عن منافسيْه الآخريْن مسافة بعيدة. وهذا ما يعزز الهدف من قراراه بفرض الأحكام العرفية في هذا الظرف المفصلي بالذات، والتحكم التام بمجريات الانتخابات وطواقم الإشراف عليها.

منافسته الأقوى في الانتخابات ورئيسة الوزراء السابقة، يوليا تيموشينكو، حذرت في تصريح لها في تموز/يوليو 2018 من إعداد بوروشينكو “خطة بالغة الخطورة لإعاقة سير الانتخابات عبر تصعيد وتيرة الحرب في (إقليم) دونباس وفرض الأحكام العرفية في اوكرانيا.”

فرض الأحكام العرفية، وفق دستور البلاد، يستدعي تصويت البرلمان عليه وتبنيه. بيد أن الحضور البارز لأحزاب مناوئة لبوروشينكو في المجلس أفشلت “بعض” مخططه، إذ نال الموافقة على “فرض أحكام عرفية مصغر”  مدته 30 يوماً بدلاً من 60 يوم قابلة للتجديد.

قد يلجأ بوروشينكو للالتفاف على ضوابط الدستور وبشكل خاص اجراء الانتخابات في 31 آذار/مارس المقبل كما هو مقرر، وهوالأمر المفضل عنده للبقاء على رأس السلطة، عبر افتعال نشوب حرب ولو محدودة في شرقي البلاد، منطقة دونيتسك، أو السعي لاستعادة مطار دونيتسك، “أو الاشتباك مع روسيا مباشرة،” لا سيما وأنه يتمتع بدعم وتأييد عدد من المؤسسات الأميركية النافذة في صنع القرار السياسي الطامعة في تحدي موسكو “بشكل متدرج.”

مركز الأبحاث المؤيد لحلف الناتو والحكومة البريطانية، أتلانتيك كاونسيل، والبعض يقول أن تمويله يأتي من ميزانية الحلف وبعض الدعم المالي من دول الخليج العربي، حث السلطات الأوكرانية، 26 نوفمبر الجاري، على “دعوة الولايات المتحدة وحلف الناتو لإرسال اسطول من السفن الحربية لزبارة (ميناء) ماريوبول” المدينة الرئيسة على شاطيء بحر آزوف “وتحدي روسيا على إطلاقها النار أو أعاقة قطع الحلف من زيارة الموانيء الاوكرانية.”

ما غاب عن “خبراء” المعهد قراءة صحيحة لجغرافية المنطقة. الوصول إلى ميناء ماريوبول يستدعي عبور مياه مضيق كيرتش، وهو ضيّق على أي حال لا يتعدى عمق مياهه في تلك المنطقة 8 أمتار، مما يعيق أي عملية للمناورة العسكرية أن تطلب الأمر.

هل تلجأ واشنطن لقرع طبول الحرب ضد روسيا والصين أيضا؟ سؤال يتردد على ألسنة العديد من السياسيين والمراقبين على السواء. قبل المرور على إجابة مقنعة، ينبغي النظر إلى ما تعده الولايات المتحدة من توسع وتدخل عسكري في دول اوروبا الشرقية السابقة، والأعضاء بحلف الناتو لتطوير المطارات العسكرية وتسهيلات أخرى.

تبلغ حصة هنغاريا من “المساعدات” الأميركية نحو 50 مليون دولار؛ 60 مليون دولار لتحديث قاعدتين جويتين في رومانيا؛ 100 مليون لتطوير قاعدتين عسكريتين في سلوفاكيا، بالاضافة لمبالغ طائلة أخرى لدول المنطقة.

قائد القوات البحرية الأميركية في اوروبا، الأدميرال جيمس فوغو، أوضح عن خطط بلاده المقبلة في اوروبا أمام حشد في المعهد البحري للولايات المتحدة، الشهر الماضي، أنه “من الضروري لنا توفر تواجد بحري واسع في اوروبا يفوق ما كان لدينا في العقدين أو الثلاثة الماضيين.” واسترشد الأدميرال بمجموعة السفن البحرية المشتركة والعاملة بالطاقة النووية “هاري أس ترومان و ايوا جيما” في مياه المحيط الهاديء بالقرب من الصين والتي من شأنها “إرسال رسالة شديدة القوة بأن الولايات المتحدة لها الحرية بالعمل في اي مكان، أما على انفراد أو بالتعاون من شركائنا وحلفائنا في حلف الناتو.”

لعض العقلاء في واشنطن يفضلون أن يلتقي الرئيسان الأميركي والروسي في بيونيس آيريس، ولو لمشاورات قصيرة، دون الالتفات إلى التخبط الديبلوماسي الأميركي، لا سيما وأن احداث اوكرانيا لوحدها تستدعي تبادل الآراء وعدم الانجرار لحرب هما في غنى عنها.

الرئيس الروسي من جانبه يراقب بهدوء أي تغيرات أو ايماءات قد تصدر عن المؤسسة الأميركية أو الرئيس ترامب، أو كليهما معاً. تفاعل الرئيس ترامب مع مسألة اوكرانيا سيحسم لدى نظيره الروسي ما تخبئه واشنطن من خطط ونوايا مقبلة، سواء الذهاب بالتصعيد، أو تفادي الحديث بمضيق كيرتش، أو ربما إرساء أرضية لتفاهمات مقبلة في الساحة السورية.

أما السلاح الأميركي دائم الجهوزية ضد روسيا، تطبيق عقوبات اقتصادية، فلم يعد له ذات المفاعيل القاسية كما في مراحل سابقة عقب إعلان روسيا عن تخليها تدريجيا عن التعامل المصرفي بالدولار الأميركي؛ وتعويلها على تعميق الخلافات الأوروبية الأميركية على خلفية حاجة اوروبا الماسة لموارد الطاقة الروسية.