2021-22-11-التقرير الأسبوعي

هل تؤدي استفزازات “الناتو”
لروسيا في أوكرانيا إلى الحرب؟

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

منذ بدء الرئيس جو بايدن مهامه الرئاسية، مطلع العام الحالي، تميّزت سياسته نحو روسيا بالتصعيد والحزم ، إذ وصف نظيره الروسي بـ “القاتل” وبأنه “سيدفع ثمن” سياساته، ما اعتبره خبراء العلاقات الأميركية الروسية بأنه تصريح جاء بخلاف “إطار الأعراف الديبلوماسية”، واستدعت موسكو سفيرها في واشنطن إثر ذلك، وأقرّت واشنطن حزمة جديدة من القيود على مسؤولين ومنتجات روسية.

وقبل تدارك الأمر بين رئيسي البلدين، استمر منسوب التوتر في علاقاتهما ينذر بتدهور جديد، أكده بيان للسفارة الروسية في واشنطن إذ عبّر عن ” “تصريحات متهورة لمسؤولين أمريكيين يمكن أن تؤدي إلى انهيار العلاقات التي تشهد خلافا كبيراً أساسياً”. وسرت توقعات بشأن ضرورة عقد لقاء قمة بين الرئيسين، إلتأم في 16 تموز/يونيو الماضي في جنيف مستغرقاً 4 ساعات، “لكنهما لم يحرزا تقدماً ملموساً”، باستثناء إعادة الحرارة إلى اجتماع لجان مشتركة رفيعة المستوى لبحث القضايا الثنائية والدولية، من ضمنها اوكرانيا وبيلاروسيا، واستمر الاحتقان السياسي بين البلدين، عبّر عنه “معهد هدسون” للأبحاث بأن “البيت الأبيض لم يحقق شيئاُ، والرابح الأول كان (الرئيس) بوتين”.

في تطور لافت، وقبل أقل من أسبوع من لقاء القمة بين الرئيسين جو بايدن وفلاديمير بوتين، “أمر البيت الأبيض وزارة الدفاع (البنتاغون) بتأجيل التجارب” التي كان مخططاً لها على تقنية صاروخية أسرع من الصوت بعدة مرّات، “كي لا تصعّد التوترات مع موسكو” (صحيفة “بوليتيكو”، 29 أيلول/سبتمبر 2021).

ما لبثت أن حذّرت واشنطن قمة الدول الصناعية “G-20“، المنعقدة في روما في 30 تشرين الأول/اكتوبر الماضي، من “منسوبٍ عالٍ من عدم الاستقرار” في أوكرانيا، نتيجة توترات تشهدها مع روسيا، واتهامها الأخيرة بأنها تستعد “لاجتياح محتمل” للأراضي الأوكرانية، و”حشد 114،000 جندي” على حدودها مع أوكرانيا، بحسب المصادر الاستخبارية الأميركية.

وكرّست مراكز أبحاث النخب السياسية الأميركية المختلفة ما وصفته بـ “الخطوط الحمر” الأميركية أمام روسيا، وعدم تخطيها، وأن ” الاختبار الحقيقي يتمثل فيما إذا كانت روسيا ستغيّر سلوكها وتقلّل من أفعالها العدائية ضد الولايات المتحدة وأوروبا” (مركز التقدم الأميركي، 17 تموز/يونيو 2021).

وتصدّر الأسطول السادس الأميركي، المرابط في البحر الأبيض المتوسط، تصعيد موجة العداء لروسيا بمشاركة “بوارجه ومدمراته الصاروخية”، إلى جانب ترسانات حربية تابعة لـ 32 دولة من حلف الناتو وأعوانه، في مناورات استفزازية في مياه البحر الأسود، في 13 تشرين الثاني/نوفمبر الحالي، بالقرب من القاعدة الرئيسية للأسطول الروسي في سيفاستوبول في شبه جزيرة القرم، اعتبرها رئيس أركان الجيش البريطاني، نيك كارتر، بأنها إيذان “بتجاوز منسوب التوتر بين الغرب وروسيا منذ الحرب الباردة”، محذّراً من “إمكانية اندلاع حرب بالصدفة”.

في السياق عينه، أجرت البحرية الروسية تدريبات عسكرية “بعد يومين” على انطلاق مناورات “نسيم البحر” لحلف الناتو في اوكرانيا، في أيلول/سبتمبر الماضي. أما في المناورات الأخيرة لحلف الناتو، فقد اكتفت موسكو “بمتابعة طائرات وسفن دول الناتو في المنطقة”، بحسب تصريحات منسوبة للرئيس فلاديمير بوتين، وخشية الجانب الروسي أيضاً من مغزى تلك المناورات للدلالة على “تعديل” في أولويات الاستراتيجية الأميركية، التي تطمح إلى ااعتبار البحر الأسود منطقة عمليات للأسطول السادس، وانتهاكاً أيضاً لاتفاقية مونترو، المبرمة لتنظيم حركة مرور السفن الحربية والتجارية عبر المضائق التركية، والتي تحظر بقاء السفن الحربية أكثر من 3 أسابيع للدول غير المطلّة على البحر الأسود. التفّت واشنطن مع ذلك الشرط المقيّد بتدوير سفنها وبوارجها الحربية مرة كل 21 يوماً في المنطقة.

أما المواجهة المسلّحة “الافتراضية” مع موسكو، فقد أسهبت النخب الأميركية في توضيحها، بأنها “قد” تستند إلى 3 احتمالات تنطلق بالتوازي في مواجهة روسيا: شبه جزيرة القرم في الجنوب، ومقاطعة كالينينغراد على بحر البلطيق في الغرب، وجزر كوريل المتنازع عليها بين روسيا واليابان (دورية “ذي ناشيونال انترست”، 22 تشرين الأول/اكتوبر 2021).

وفي حال نشوب حرب مع موسكو من دول حلف الناتو، يعتقد الخبراء العسكريون الغربيون أن روسيا ستدفع بقواتها التابعة للجيوش المنضوية إلى اللواء 41 عبر أراضي بيلاروسيا باتجاه مقاطعة “سوالكي”، والتي ستنضم إلى القوات الروسية في محافظة كالينينغراد المحاطة ببولندا وليتوانيا على بحر البلطيق، ومن ثم سيدخل الجيش الأول في الحرس المدرّع المعركة والتقدم نحو نهر “اودر”، بمحاذاة الحدود البولندية الألمانية.

وأكدت الدورية الأميركية أعلاه “التطور العالي لأسطول الغواصات الروسية” والذي يوفّر لها “ميّزة مطلقة في البحر الأسود، ويمكنها تدمير حاملات الطائرات الأميركية بسرعة وسهولة في حال ظهورها” في تلك المنطقة. واستطردت أن القوات البحرية المهاجمة “محكوم عليها بالهزيمة في معظم الأحيان” إن دخلت المعركة دون حماية جوية، مشيرة إلى شبه إجماع بين الخبراء العسكريين الغربيين على تفوّق نظم الدفاع الجوي الروسي وإمكانيات أخرى رديفة في القرم.

جدير بالذكر الإشارة إلى تصريحات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، على هامش قمة الدول الصناعية في روما، محذراً واشنطن من إنشاء قواعد جديدة في رومانيا وبلغاريا، ودفعهما “إلى انتهاج سياسات صدامية إلى حد كبير ، وأن ذلك لا يسهم في تعزيز الاستقرار الدولي”.

نيات واشنطن في منطقة البحر الأسود تتميّز بالوضوح، كما شهدنا في شهر نيسان/إبريل من العام الحالي، وبالسعي بشتى السبل لاستدراج روسيا إلى “فخ” عسكري ضد أوكرانيا وتحشيد “حلفائها” خلفها، بيد أن خياراتها الإقليمية لم تنضج في موازاة الرغبات أو تتبلور في خطوات عسكرية، باستثناء الاستفزازات المتواصلة في مواجهة روسيا.

وجددت مديرة الاستخبارات الوطنية الأميركية، آفريل هينز، قبل أيام معدودة، التهويل بقرب غزو روسيا لأوكرانيا، ورحلت على عجل قاصدة بروكسل، مقر قيادة حلف الناتو، لوضع مندوبي الحلف في “أجواء المعلومات الاستخبارية الأميركية حول احتمال تدخل روسيا عسكرياً في اوكرانيا”. وفي الوقت عينه، تحدث رئيس هيئة الأركان الأميركية، مارك ميللي، مع القائد الأعلى للقوات الأوكرانية، فاليري زالوجني، وتبادلا وجهات النظر بشأن “أنشطة روسيا المقلقة في المنطقة” (صحيفة “نيويورك تايمز”، 19 تشرين الثاني/نوفمبر 2021).

واستطردت الصحيفة نقلاً عن مصادرها الأمنية، بأن الأجهزة الاستخبارية في لندن وواشنطن “لديها اقتناع مشترك بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يُعدّ لعمل عسكري للسيطرة على مساحات واسعة من أوكرانيا، أو لزعزعة استقرارها بما يضمن بزوغ حكومة موالية لموسكو”. وعزا المسؤولون الأميركيون التشدد الروسي نحو اوكرانيا إلى انعكاس حالة الإحباط المتزايدة لدى الرئيس الروسي من “تعثر المسار السلمي الذي تتصدره فرنسا وألمانيا منذ العام 2014”. ومع خروج المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل من المسرح الدولي “تتراجع حدة الضغوط على أوكرانيا لتقديم تنازلات” لروسيا.

جدير بالذكر أن المدمرة الأميركية المسلّحة بصواريخ موجهة، “يو أس أس دونالد كوك”، تعرضت للتشويش الإلكتروني خلال إبحارها في البحر الأسود “وأضحت مشلولة، على الرغم من حمولتها المتطورة من نظام “إيجيس” للدفاع الجوي” في العام 2017. بل استطاعت القوات الروسية العاملة في سوريا، والمسلحة بنظم الكترونية متطورة، التشويش على وسائط الاتصالات التابعة للولايات المتحدة الأميركية وحلفائها (دورية “ذي ناشيونال انترست”، 3 أيلول/سبتمبر 2021).

كما أكّد رئيس هيئة العمليات البحرية الأميركية، جون ريتشاردسون، نجاح روسيا في التشويش على قطع البحرية الأميركية قائلاً: “يلجأ البحارة الأميركيون إلى تطبيق وسائل دفاعية متواصلة ضد مساعي روسيا للتشويش الإلكتروني، كما شهدناه في عمليات الساحة السورية، وتعرضنا للتشويش أيضاً ونحن في عرض المياه الدولية” (موقع “صوت أميركا”، 6 آب/أغسطس 2018).

أمام هذه اللوحة من الضغوط الأميركية “لتوريط” حلفائها الأوروبيين في استفزاز روسيا، يدرك الأخيرون جيداً، وخصوصاً المنضوون إلى حلف الناتو، ارتفاع أسعار الطاقة على الصعيد العالمي، وبلدانهم على أبواب فصل الشتاء القارس، وكذلك اعتمادهم المتزايد على الغاز الروسي الذي “سيدخل كأحد سبل الضغط” من قبل الرئيس الروسي على الدول الأخرى.

ما يضاعف منسوب قلق الدول الأوروبية من فعالية الحليف الأميركي، ولا سيما تلك التي كانت تحت مظلة “حلف وارسو” قبل نحو عقدين، دراسة أجرتها “مؤسسة راند”، الوثيقة الصلة بالبنتاغون والصناعات العسكرية، خلصت فيها إلى أن “حلف الناتو لن يكون بمقدوره حماية الدول الأعضاء على الحدود الشرقية استناداً إلى الموارد الراهنة”. وأضافت الدراسة أن تمارين الحروب دلّت على ضرورة توفّر  “7 كتائب عسكرية (قتالية) للحيلولة دون سقوط سريع لدول بحر البلطيق الثلاث”.

سارعت واشنطن إلى سد بعض الثغرات البنيوية في ترسانة “الناتو” التسليحية، التي أشّرت عليها دراسة “راند” وبيانات موازية أخرى، بإعادة تفعيل وحدة قتال نووية في ألمانيا، “دارك إيغل”، مهمتها إطلاق نيران أسلحة أسرع من الصوت ضد مواقع القيادة والتحكّم في روسيا، والتي باستطاعتها الوصول إلى موسكو في غضون 21 دقيقة ونصف، تعزّزها وحدات وأسلحة أخرى متطورة موجهة ضد الأراضي الروسية.

عقدت لجنة القوات المسلّحة في مجلس الشيوخ، البالغة الأهمية ومحور صنع القرار الاستراتيجي الأميركي، جلسة استماع في الأول من تشرين الثاني/نوفمبر الحالي، شارك فيها إيان بريجينسكي، نجل مستشار الأمن القومي الأسبق زبغنيو بريجينسكي، حول “أمن البحر الأسود”، سلّط فيها الضوء على “طموحات روسيا العدوانية، وموقفها الهجومي لا يزال ماثلاً أمامنا اليوم يمثّل تهديداً حقيقياً لأوكرانيا وأمن منطقة البحر الأسود”.

وحثّ بريجينسكي (الإبن) الولايات المتحدة على “بلورة استراتيجية شاملة في مواجهة روسيا، وزيادة الحضور العسكري المتطور لجيوش الحلفاء والشركاء (أوكرانيا وجورجيا)، والانتقال إلىى مرحلة الحرب الهجينة بتسخير عامل القوة الاقتصادية في المواجهة” ضد الغاز الروسي.

وذكّر بريجينسكي أعضاء لجنة القوات المسلحة بخطورة التساهل في التعامل مع روسيا التي “لو إتيحت لها الفرصة لإخضاع أوكرانيا، فلن تتوقف عن ممارسة دورها كإمبراطورية، والإمبراطورية ببساطة لا يمكنها الارتقاء إلى مستوى الديموقراطية الحقة”.

لا تزال توقعات المراقبين في واشنطن تستبعد إقدام بوتين على غزو اوكرانيا، حتى كتابة هذه السطور، وتقرأ في التحركات الروسية العسكرية بُعداً ردعياً للناتو ودعماً للجماعات “الإنفصالية” المؤيّدة لروسيا.

إذا أقدمت واشنطن على خطوات تصعيدية، بإرسال المزيد من الأسلحة النوعية وخاصة منظومات دفاع جوي فعالة ضد سلاح الجو الروسي، فقد تقدم روسيا على استهدافها وتوجّه انذاراً بخطوات ميدانية، وبالتوغل في مناطق حدودية، وتعلن أن أي خطوات استفزازية جديدة للناتو ستكون مبرراً لخطوات أوسع.

ادارة بايدن، المنشغلة بالملفات الداخلية، لا تبدو على استعداد للإستجابة إلى دعوات الكونغرس المعادية لروسيا للمغامرة في فتح جبهة عسكرية معها، ولو بالوكالة. لذلك يلاحَظ حرص شخصيات بارزة في طاقم بايدن للأمن القومي على التواصل المتكرر مع نظرائهم الروس وتفعيل قنوات التشاور التي انطلقت بعد قمة جنيف بين بوتين وبايدن في حزيران/ يونيو الماضي، أبرزها زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية، بيل بيرنز، إلى موسكو.

2021-15-11-التقرير الأسبوعي

الوقائع الغامضة لتضرّر غواصة
نووية أميركية في بحر الصين

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

تعرضت غواصة نووية أميركية لأضرار نتيجة ارتطامها “بجبل في عمق المياه البحرية”، في 2 تشرين الأول/اكتوبر الماضي، وسط مخاوف من تسرّب محتمل للوقود النووي على متنها. ولم يعلن سلاح البحرية عنها إلا بعد 5 أيام من الحادث، بعد اجتيازها مياه بحر الصين الجنوبي، بحسب شبكة “سي بي أس”، 5 تشرين الثاني/نوفمبر الحالي.

وكانت الغواصة “يو أس أس كونيتيكت” الحديثة، من فصيلة “سي وولف”، وقد بلغت كلفتها 3،000 مليون دولار، تبحر في أعماق بحر الصين الجنوبي، الذي تعتبره بكين منطقة سيادية وأقامت فيه جزراً اصطناعية لتعزيز سيادتها.

تحفّظ سلاح البحرية الأميركية على حجم الضرر وطبيعته، لكن بعض الأوساط رجّحت إصابتها “بأضرار لحقت بالقسم الأمامي للغواصة، وحجرات الموازنة بالسوائل، وإصابة 15 بحاراً بعوارض الاصطدام”، ما اضطرّ طاقمها لتعويمها على سطح الماء وقيادتها لإجراء الصيانة والترميم نحو القاعدة الضخمة في جزيرة غوام، التي تبعد عنها نحو 3،000 كلم.

ستتوجه الغواصة بعد إصلاح الضرر إلى قاعدتها الأم في مدينة بريمرتون بولاية واشنطن لإتمام إجراءات الصيانة. لكن جوهر التحدي أمام سلاح البحرية يكمن  في “عقيدته التي لا تشجع على بلورة خطط استرداد الموارد، وتدهور التسلسل القيادي”.

أما بالنسبة إلى مصير الغواصة النووية “فإنها ستحال إلى خارج الخدمة لعدة سنوات”، وهي واحدة من ثلاث قطع حديثة تعمل بالطاقة النووية  (مجلة “فوربز”، 3 تشرين الثاني/نوفمبر 2021).

وكان الأب الروحي للسلاح النووي في البحرية الأميركية، هايمان ريكوفر، انتقد بقسوة التراتبية العسكرية في خطاب تقاعده من الخدمة في العام 1982، قائلا: “العلّة الأساسية في نظام دولتنا، كما في القطاع الصناعي، هي قاعدة الاتكالية (بين القادة) لإنجاز أقل من المستوى المطلوب. كما أن المسؤولين جاهزون للقبول والتأقلم مع أوضاع يدركون أنها خاطئة، ويميلون إلى التقليل من حقيقة المعضلات بدلاً من العمل على تصحيحها بفعالية”.

سارع قائد الأسطول الأميركي السابع، كارل توماس، إلى أعفاء قائد الغواصة “الحديثة جداً”، كاميرون الجيلاني، وإثنين آخرين من قادتها، باتريك كاشين القائد الثاني في الغواصة وكوري رودجرز تقني أجهزة الاستشعار الصوتية، واتهمهم بالاسترخاء، مشيراً إلى أنه “كان بإمكان طاقم الغواصة تفادي التصادم لو تم اتخاذ قرار حكيم”. بيد أن المتحدثة الرسمية باسم الأسطول السابع الأميركي، هايلي سميث، أشارت إلى أن “الجبل البحري (مرتفع صخري قاعدته في قاع المحيط) لم يكن محدّداً من قبل” في الخرائط الطبوغرافية المعتمدة.

وأوضح الاستاذ الجامعي في عِلم المحيطات، ديفيد ساندويل، أن جهود رسم الخرائط الطبوغرافية الأميركية لبحر الصين الجنوبي استكملت “أقل من 50%” من تلك المساحة، مؤكداً عدم مفاجأته من حادث الارتطام، وهو استطاع تحديد “27 موقعاً محتملاً لسير الغواصة، والتي لا تظهر على خرائط سلاح البحرية”، الأمر الذي يتعارض مع توجهات عدوانية للاستراتيجية الأميركية لتطويق الصين بالغواصات والسفن الحربية (موقع شبكة “سي أن أن”، 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2021).

استناداً إلى بيانات سلاح البحرية، يستطيع المرء التوصل إلى استنتاج مفاده أن قائد الغواصة، وهو متخرّج عِلم الفيزياء، اعتمد على طاقم معاون ربما أدنى من الكفاءة المتوقّعة، علاوة على ما ورد في بيان حول أهمية “التخطيط للإبحار”، ما يوحي بأن الحادث كان يمكن تلافيه على الرغم من خط السير في مياه لم يتم اعداد خرائط خاصة بها.

يُجمع الخبراء العسكريون، بمن فيهم متقاعدون في سلاح البحرية، على الأزمة البنيوية في تأهيل الطواقم المتقدمة وتراخي الضوابط الناظمة في العقود الماضية إبان الحرب الباردة، ما أسفر عن اضطلاع قباطنة السفن بالإشراف على برامج تدريب المراتب الأدنى خلال الخدمة الفعلية، وما نتج عنه من تراجع في أعداد الضباط المؤهلين.
على سبيل المثال، كان برنامج تدريب ضباط سلاح البحرية يستغرق 6 أشهر خلال فترة الحرب الباردة، وتم تقليص الفترة إلى النصف في الأزمنة الحالية، وإلغاء بعض المواد الدراسية في أصول الملاحة وإدارة السفن والتقليل من حدوث الكوارث. أما المنتسبون إلى كلية ضباط الحرب السطحية، فيتلقون تدريبات إضافية مدتها 60 يوماً، ما يعادل مجموعها 7 أشهر أقل ممّا كان مطلوباً تلقّيه لضباط الصف إبان الحرب الباردة.

وفي انتكاسة موازية لسلاح البحرية، أُعلن في ولاية واشنطن، 10 من الشهر الحالي، عن محاكمة “عالمة معادن سابقة تعمل لشركة أميركية كانت تزوّد المصانع بالفولاذ المقوّى لبناء السفن”، واتّهِمت بتزوير نتائج اختبارات متانة المعدن المقوّى، لمدة 30 عاماً، والذي أضحى غير مطابق للمواصفات والمعايير التي حدّدها سلاح البحرية، إذ يفترض أن يتمتع بخاصية مقاومة بدرجة كبيرة في أعماق المحيطات.

وكشف سلاح البحرية الأميركية عن اتخاذه إجراءات لمراقبة غواصاته بصورة عاجلة، بعد الكشف عن “أكثر من 240” من الاختبارات المزوّرة لمتانة الفولاذ، في درجات حرارة متدنية “73 درجة مئوية تحت الصفر”، كما جاء في مواصفات البحرية المطلوبة.

اللافت في المسألة أعلاه نفاذ المراتب العسكرية كافة من المساءلة، بينما أعلنت وزارة العدل الأميركية أنه كان ينبغي على سلاح البحرية “اتخاذ إجراءات مهمة لضمان سلامة الغواصات المتضررة” التي ما زال نحو 40 منها في الخدمة، وربما رأى سلاح البحرية ان من الأفضل له عدم المجازفة عبر الهبوط بهياكل الغواصات العاملة إلى مديات قصوى. كبار القادة العسكريين، وخصوصاً في سلاح البحرية، يحبّذون عدم تحمل المسؤولية، واستمرار التمتع بالامتيازات الممنوحة لتلك الرتب، بحسب قادة متقاعدين.

بالعودة إلى تقييم “هايمان ريكوفر” بشأن عقلية الاتكالية وتراجع تحمّل المسؤولية في صفوف الهيكلية العسكرية، يتضح للمرء انقضاء نحو 30 عاماً على تزوير بيانات صلابة الفولاذ من دون الكشف عنها في المراجعة المفترضة عند مرحلة التسلّم والتدقيق مرة أخرى “عبر أداة مستقلة وحيادية”، كما طالب ريكوفر.

أمام حقيقة تسلّم سلاح البحرية الأميركية “240 دفعة” من الفولاذ المتدني الجودة، وإدخالها في بناء نحو نصف إسطول الغواصات النووية في ترسانته، سيتعيّن عليه إخضاعها بشكل كامل لإجراءات صيانة إضافية، لترميم ما تستطيع إصلاحه من عيوب، وما سيرافقه من نقص جوهري في موارد الانتشار والمهام العسكرية، سواء “في أزمنة التوتر أو الحرب”، وتبخّر خاصية التفوّق على الخصم التي تعتبر حجر الأساس في السياسات الأميركية المتعددة.

ما يفاقم الأمر بالنسبة إلى الاستراتيجية والترسانة الأميركيّتين أيضاً تتالي الدراسات الأميركية المختصة بالشؤون العسكرية في التحذير من تراجع التقنية الأميركية، والتي “لا تستطيع مواكبة قدرة الصين الصناعية” في أحواض بناء السفن، واللحاق بموازاة الترسانة الصينية التي تعدّ لإنتاج ما مجموعه 460 قطعة بحرية، في العقد المقبل ، بينما “تطمح” الترسانة الحربية الأميركية إلى إنتاج 335 سفينة وغواصة، بموازاة عدد القطع الصينية في الزمن الحالي، في غضون عقد من الزمن.

2021-11-11-التقرير الأسبوعي

نذر سيطرة الحزب الجمهوري على الكونغرس
أجندة بايدن: انتصار بطعم الهزيمة

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

ذهب الناخب الأميركي للمشاركة في انتخابات محلية، بلدية وحكام الولايات، مطلع شهر تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، وفي ذهنه أنها جولة “استفتاء” على أداء الرئيس بايدن وحكومته وحزبه الممثل بالأغلبية في مجلسي الكونغرس، وخصوصاً في ظلّ تعثر، وربما فشل، خطته الاقتصادية الطموحة نظراً لمناهضة قوى نافذة داخل الحزب الديموقراطي نفسه.

بعد انقشاع ضبابية التأييد لمشروع الرئيس بايدن، صادق مجلس النواب على ميزانية إجمالية قيمتها 1.2 تريليون دولار، وإرجاء أو “إلغاء” ما تبقى من 3.5 تريليون كانت مرصودة للنمو الاقتصادي وازدهاره. تتضمن 550 مليار دولار للإنفاق على “تحسين الطرق الهامة على امتداد 5 سنوات، من الجسور والسكك الحديدية، وتوسيع شبكة تغذية السيارات الكهربائية”.  عارض التوصيت 6 من أعضاء “التكتل التقدمي” في الحزب الديموقراطي، وتأييد 13 من الحزب الجمهوري للمشروع.

والسؤال الجوهري لما بعد فرز النتائج التي أفضت إلى تراجع سطوة الحزب الديموقراطي: هل باستطاعته مزاحمة خصمه الجمهوري بعد فقدانه أغلبيته في مجلسي السلطة التشريعية، كما تشير إليه التطورات الداخلية واستطلاعات الرأي؟ بل هل سيكون بمقدور آلة الحزب الديموقراطي الإفلات من “لعنة السياسة الأميركية” التي تنبيء بخسارة حزب الرئيس لمقاعد إضافية في مجلسي الكونغرس في الانتخابات النصفية في كل دورة، واستعادة توازنه، على الرغم من أداء مميّز لآليات الخصم الجمهوري في  الانتخابات الأخيرة؟

خسارة الحزب الديموقراطي لمنصب حاكم ولاية فرجينيا بالذات ليست أمراً عابراً، وسيترتب عليها تداعيات عميقة، يصفها الكثيرون بأنها “زلزالية”، من بينها، من دون ريب، تناقص أعداد ممثلي الحزب في الكونغرس لدعم الرئيس بايدن وأجندته الطموحة، فضلاً عن خيار البعض الآخر  بالإمتناع عن تجديد ترشيحه في الدورة الانتخابية المقبلة، وهو ما سيوفر للخصم الجمهوري فرصة استعادة سيطرته على الكونغرس وتقييد حركة الرئيس بايدن في معظم الملفات الحساسة.

فرجينيا، الولاية المجاورة للعاصمة واشنطن، استثمر فيها الحزب الديموقراطي كثيراً من أرصدته السياسية في المراحل السابقة، و استطاع بموجبها إعلاء أغلبيته على مراكز القوى في مجالسها المحلية، والتصويت إلى جانب الرئيس بايدن في الانتخابات الرئاسية الماضية، والبدء بسير مجالسها التشريعية باتجاه تغليب المصلحة العامة في مسألة حيازة السلاح ضد توجهات القوى المحافظة والتقليدية، وإن بنسبة طفيفة.

وسبق للحزب الديموقراطي أن خسر ولاية فرجينيا في انتخابات العام 2009. وفي العام التالي، فقد الديموقراطيون السيطرة/الأغلبية على الكونغرس الخاص بالولاية بعد فوزهم بها في 4 دورات انتخابية متتالية، وفي 4 من آخر  5 من انتخابات حاكم الولاية.

تلك المكاسب، التي انتزعها الحزب بعد عقود من سيطرة خصمه الجمهوري، وأخرى ذات أهمية، أضحت مهددة مباشرة في إطارها الجغرافي المحلي، لكن ارتداداتها ستمتدّ إلى مساحة أكبر من دائرتها الضيقة والوصول إلى ساحات صراع أخرى بين القوى المتقابلة. في نيويورك حقق الحزب الديموقراطي إنجازات مرئية في انتخابات عمدة المدينة ، كما فاز أعضاء جدد من الجمهوريين في المجلس البلدي تنتمي إحداهن، إينا فيرنيكوف، إلى تيار الرئيس ترامب. وحقّق ممثلو الحزب الجمهوري بعض النجاح في ولاية واشنطن، على الرغم من ميلها إلى لتيار الليبرالي بقوة، وكذلك على مستوى مجالس الإدارات التربوية في عدد من الولايات.

للتأكيد على ما سبق، على المرء استشعار خطورة تدخل المحكمة العليا الفيدرالية، منذ ولاية الرئيس السابق دونالد ترامب، في الانقلاب على أهم قضية تخصّ قطاع المرأة، ألا وهي حقها في خيار الإجهاض وحمايته دستورياً منذ العام 1973، وما تنبيء به توجهاتها المستقبلية لاستعادة سيطرة القوى المحافظة واليمينية على مفاصل القرارات السياسية والاجتماعية والصحية والتعليمية في أغلبية الولايات الأميركية.

كما تنبغي الإشارة إلى إرهاصات الحزب الديموقراطي وبروز تكتلات ذات توجهات سياسية “أكثر ليبرالية” من قياداته التقليدية، أهمها “التكتل التقدمي”  بعضوية نحو 100 نائب في مجلس النواب، برئاسة النائب عن ولاية واشنطن براميلا جايابال، والذي يضم الثلاثي النسوي إلهان عمر وأليكساندرا أوكاسيو كورتيز ورشيدة طليب وآخرين، وحساسية النقاشات الداخلية لتعديل بوصلة توجه الحزب واهتماماته، ما أضفى مزيداً من “الفوضى” على الخطاب السياسي وتردد الرئيس بايدن في حسم الجدل مع خصومه المحافظين في الحزب، لإقرار مشروع البنى التحتية كاملاً دون انتقاص.

على الطرف المقابل، تشكل ولاية فرجينيا بالنسبة للحزب الجمهوري التي خسرها في جولة الانتخابات الماضية، بفارق 10 نقاط مئوية، فرصة متجددة لترميم تصدعات الحزب من دون الحاجة إلى إقحام نفوذ الرئيس السابق دونالد ترامب وشعبيته الطاغية على مراكز القوى المحافظة، وخصوصاً إبتعاد المرشح الفائز بمنصب حاكم الولاية، غلين يونغكين، عن الظهور مع الرئيس ترامب في حملته الانتخابية.

ويراهن الحزب بعد فوز مرشحه هذه الدورة على استثمار تلك الأجواء في ولايات أخرى ليست أقل أهمية، واستمرار سياساته في تعديل الدوائر الانتخابية لمحاباة جمهوره وترجمته تمثيلاً في مجلس النواب. وربما العامل الأهم هو إثبات الحزب الجمهوري لعناصره وقواعده عدم الحاجة إلى احتضان الرئيس ترامب وخطاباته الإقصائية، وليس بالضرورة نبذها في مستوى التطبيق العملياتي، وخصوصاً ضد الأقليات.

عند البحث في تحديد أهم عوامل ترجيح كفة ممثل الحزب الجمهوري في ولاية فرجينيا لدى الناخبين، ولا سيما مشاركة أغلبية الناخبين اللاتينيين بنسبة  54% لمصلحة مرشحه، علينا تقصّي عزوف قواعد الحزب الديموقراطي عن المشاركة، كما أشارت استطلاعات الرأي في حينه، أهمها: تراجع شعبية الرئيس بايدن بين شريحة “الناخبين المستقلين”، وخصوصاً بعد استشراء “كوفيد-19″، إذ تدهورت إلى نحو 40% في المعدل العام،  ومشكلات سلاسل التوريد ونقص المعروض، وتداعيات الانسحاب الأميركي الفوضوي من أفغانستان بنسبة تجاوزت 50%، وارتفاع معدلات التضخم التي قابلها نمو منخفض بنسبة 2%، وفشل قيادات الحزب في تأييد مشروعه لترميم البنى التحتية، وبشكل خاص تمويل مكافحة تلويث البيئة قبل ذهابه للمشاركة في قمتي الدول الصناعية والمناخ، ما انعكس سلباً على مصداقية توجهات الحكومة الأميركية بين الوفود العالمية.

علاوة على ما تقدم من تحديات أمام الحزب الديموقراطي، من بينها تراجع ثقة الناخب الأميركي بالسلطة التشريعية إلى نسبة متدنية 37%، والأغلبية الضئيلة في مجلس النواب، أعلن 14من الأعضاء الديموقراطيين في المجلس عدم ترشحم لخوض الانتخابات المقبلة، أبرزهم رئيس لجنة الموازنة بالغة الأهمية جون يارموث، وممثلون آخرون في مجلس الشيوخ. وسيتزايد النزوح الجماعي من ممثلي الحزب بعد خسارته المدوّية في ولاية فرجينيا، وبات الحزب الجمهوري يقترب من فوزه بأغلبية المجلس بفارق 6 أصوات.

ثمة قضيّة برلمانية إجرائية أخرى تشغل بال الناخب الأميركي بشكل عام، ألا وهي قاعدة “آلية التعطيل”  (الفيليبستر)، في مجلس الشيوخ، والتي تقتضي موافقة 60 عضواً لإقرار أيّ من التشريعات. والآن، لا يمتلك الحزب الديموقراطي سوى 50 صوتاً “بشقّ الأنفس”، ويتعين عليه إلغاء تلك القاعدة المقيّدة، وخصوصاً في ظل التوازنات الراهنة والمرئية التي تشي بعدم التزام “بعض” نواب الحزب بتوجهاته التشريعية، كما يجري راهناً في اختزال مشروع البنى التحتية الشامل.

مستقبل الرئيس جو بايدن متعلّق بالحزب الجمهوري حصراً، الذي سيلجأ في حال فوزه المرتقب بمجلسي النواب والشيوخ إلى طرح أهليته العقلية على بساط البحث، وربما تفعيل المادة 25 من الدستور لتنحيته، وخصوصاً أن خليفته نائب الرئيس كمالا هاريس لا تمثّل تحدياً حقيقياً لسيطرة ونفوذ الحزب الجمهوري، والذي سيعطّل مشاريع أقل أهمية من مبادرات الرئيس بايدن، بحكم أغلبيته العددية. تلك الفرضية تقتضي تحجيم نفوذ الرئيس ترامب في الجولة المقبلة، ولا يستبعد التوصل إلى تسويات بين جناحي الحزب، التقليدي وترامب، من أجل ضمان فوزه بالسلطة التشريعية.

أمام هذه اللوحة لقراءة مستقبل السياسة الأميركية في المقبل من الأيام، سيستعيد الحزب الجمهوري حرارة توجهاته الدولية، والتي شكّل الرئيس ترامب التجسيد الأصدق لحقيقتها، وأبرز تعبيراتها زيادة منسوب العداء لكل من الصين وروسيا، وكذلك تحجيم دور المنظمات الدولية المنبثقة عن منظمة الأمم المتحدة، واستعادة حروب التكتلات السياسية والاقتصادية، وتسعير أجواء الحرب مع إيران وكوريا الشمالية، كما يتوقّع المراقبون.

2021-01-11-التقرير الأسبوعي

مؤتمرات الأمم المتحدة للمناخ:
إخفاق في مواجهة التحديات

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

يجمع “خبراء المناخ” في العالم قاطبة على أنّ قمة المناخ تشكّل “الفرصة الأخيرة” لمعالجة التغير المناخي، والسيطرة على الاحتباس الحراري، وإبقاء درجة حرارة الكوكب تحت سقف “1،5 درجة مئوية” خلال القرن الحالي. وقد شكّلت جائحة كورونا عائقاً أمام انعقاد المؤتمر السنوي العام الماضي، الذي كان من ضمن طموحاته “وضع حدٍّ لارتفاع متوسط درجات الحرارة لا يتجاوز درجتين مئويتين”، واستمرت الدول الصناعية والنامية على السواء باستخدام الوقود الأحفوري بمعدلات عالية، وانتقل العالم من مرحلة “مواجهة التحديات المناخية إلى العيش في ظل طواريء مناخية”.

السؤال الجوهري يكمن في تحديد جذر تدهور أزمة المناخ، فهل يعود إلى انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية باريس، مثلاً، وتخلّفها عن المساهمة الفعّالة، أو الإخفاق الجمعي في التوصّل إلى قرارت دولية ملزمة، أو عوامل أخرى؟

الإجابة الأقرب إلى  الوقائع والظروف الدولية المعقّدة أوجزها محرّر الشؤون الاقتصادية في صحيفة “ذا غارديان” البريطانية، لاري إليوت، الذي حمّل المسؤولية للنظام “الرأسمالي – خصوصاً في شكله الأنكلو-ساكسوني المهيمن – الذي يتعذّر عليه التفكير أبعد من المرحلة الراهنة المُعيشة”، وذهب إلى أبعد من ذلك قائلاً: “أولئك الذين يترأسون الشركات الكبرى، يعتبرون أن وظيفتهم تكمن في استدرار أقصى معدلات الأرباح في المدى القصير، ولو أدّى ذلك إلى أضرار مستدامة في النظام البيئي العالمي”، وهو ما أطلق عليه الاقتصاديون “التدمير الخلاّق” (“ذا غارديان”، 16  آب/أغسطس 2018).

تحرص الدول الصناعية الكبرى على الظهور بمظهر  “فاعل خير”، وتعلن دوماً حجم “تبرعاتها” للشرائح الاجتماعية المتضررة من تغوّل النظام الرأسمالي. وقد أرست مفهوم “وعدها بالتبرع” بموارد ضروريّة لمصلحة الدّول الأقل حظاً، وهي الأغلبية، كي تعينها على”التأقلم” مع متغيرّات المناخ، بنحو 100 مليار دولار سنوياً “لكنها لم تفِ بوعودها”.

منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية “أونكتاد” أجرت دراسات متواصلة للتوقّف على حجم الاستثمارات المطلوبة عالمياً لمعالجة تداعيات المناخ، واعتبرت أنّ المطلوب هو نحو “200 مليار دولار سنوياً”، وأن الرقم سيستمرّ بالارتفاع بالتوازي مع ارتفاع درجات الحرارة “إلى نحو 300 مليار دولار سنويا لغاية العام 2030، و 500 مليار دولار للعام 2050”.

للتوضيح، إن الاستثمار بنحو 300 مليار دولار لتحسين أداء البيئة يعادل كلفة ما تعرّضت له الولايات المتحدة من أضرار بيئية لبضع سنوات بعيدة. كما بلغت الخسائر لخمس سنوات متتالية (2016-2020) أكثر من 600 مليار دولار. أما ما تعرّضت له من خسائر بيئية “منذ العام 1980 ولغاية 2021″، فقد بلغ أكثر من تريليوني دولار، بحسب البيانات الرسمية (“الهيئة الوطنية لشؤون المحيطات والمناخ”، 8 تشرين الأول/اكتوبر 2021).

الرئيس الأميركي جو بايدن في وضع سياسي داخلي لا يحسد عليه، فهو لا يزال يواجه معارضة قوية من أقلية من داخل حزبه الديموقراطي تحرمه من تمرير خطته الاقتصادية الطموحة لترميم البنى التحتية المتهالكة والاستثمار في البرامج الاجتماعية والصحية، وكان يرمي إلى حضور قمتي مجموعة الـ 20 الصناعية في روما والمناخ في استكتلندا من موقع قوي، متسلحاً بعزم الولايات المتحدة على الاستثمار الايجابي في الحد من الاحتباس الحراري، لكن حسابات الحقل لم تسعف حسابات البيدر، ولا زالت خطته التنموية تواجه عقبات داخل معسكره الديموقراطي.

كما أفاد أحدث استطلاعات للرأي، 31 تشرين الأول/اكتوبر 2021، تراجع شعبيته بنسبة ملحوظة، إذ يعارض 60% توجهاته الاقتصادية، وتنبئ نتائج الانتخابات المحلية في ولاية فرجينيا، المجاورة للعاصمة واشنطن، بأداء أفضل للمنافس الجمهوري لمنصب مجلس الشيوخ، ما سيشكل مؤشراً أكبر على خسارة الحزب الديموقراطي لغالبيته الضئيلة في مجلس الشيوخ (شبكة “أن بي سي” للتلفزة).

تراجع شعبية الرئيس بايدن إلى 42% يشكّل، بحسب المختصين، نسبة أدنى من أيّ رئيس في ولاية سنته الأولى، “باستثناء الرئيس دونالد ترامب، الذي حصل على نسبة 37% في خريف عام 2017”. ولعلّ العامل الأشدّ قلقاً هو أن نسبة 50% من المستطلعة اراؤهم تعتبره “مؤهلاً” لقيادة البلاد في المرحلة الراهنة، فيما عبّر نحو 71% منهم عن قلقهم من “إدارة دفة البلاد إلى الأسوأ”.

علاوة على ما تقدّم، تستمر معاناة الولايات المتحدة من نقص متزايد في سلسلة التوريد وارتفاع الأسعار، بدءاً من أسعار الطاقة وانعكاساتها على كل المرافق الاقتصادية الأخرى، ما يهدد بتبلور أزمة تضخم ونقص العرض.

أبرز ما يواجهه أيضاً الرئيس الأميركي من تحدٍّ في قمة مجموعة الـ20 الصناعية هو إنتاج معدلات كافية من اللقاحات ضد جائحة كوفيد 19 “لترسل إلى الدول النامية”، وخصوصاً في ظل إصرارٍ أميركي وغربي بشكل عام على محاربة أي لقاح بديل متوفر وأرخص ثمناً، مثل الروسي سبوتنيك-V والصيني سينوفارم، واللذيْن تنتجهما دول عدة بموافقة الدول المصنّعة، مقارنة باللقاحات الأميركية التي تسعى لبيع منتجاتها بأسعار تحددها سلفاً لزيادة معدلات أرباحها الفلكية.

كما شكّل تغيّب الرئيسين الروسي والصيني عن المشاركة المباشرة في أعمال قمة المناخ في اسكتلندا مؤشراً غير مريح، لما قد يسفر عنه من قرارات وتوجهات دولية، نظراً إلى تأجيج الولايات المتحدة خلافاتها مع نظيرتيها العظميين ولجوئها إلى التهديدات العسكرية كخيار أول في معالجة الأزمات الدولية، بعكس ادعاءاتها حول الإلتزام بعودة الدبلوماسية الى مقارباتها في الملفات الدولية الشائكة. كما فاقم تغيّب كلّ من الهند والبرازيل (وهما حليفتا أميركا) وجنوب إفريقيا وإيران والمكسيك إزمة التوصل إلى حلول والتزامات عملية تترجم فيها واشنطن نيتها باستئناف دورها في معالجة ارتفاع حرارة الكوكب.

يلحظ علماء البيئة “جديّة” إجراءات كلّ من الصين والهند لمعالجة الانبعثات الضارة من القطاع الصناعي والانتاجي، على الرغم من التحشيد الإعلامي الأميركي بعكس ذلك. ربما لم تكن المعدلات تكفي لإحراز تقدم ينقذ البشرية من الأخطار المحدقة، لكن “سياسيي بكين ونيودلهي استفاقوا على أنّ تبنّي معادلة النمو الأخضر أفضل من النمو الأحفوري”، وأعلنت الصين التزامها بالتخلي تدريجياً عن احتراق الفحم كمصدر لتوليد الطاقة.

وقد ضاعف البلدان من انتاجهما للطاقة من مصادر متجددة ،كالطاقة الشمسية والرياح، وأن بوتائر متباينة (“ذا غارديان”)، بيد أنّ التجاذبات السياسية الدولية، وأبرزها استثمار الولايات المتحدة في الشق العسكري “لمواجهة الصين وروسيا” وتطويق مياه الأولى بصواريخ نووية، كما جسّدته اتفاقية “أوكوس” بين أميركا وبريطانيا واستراليا. هذا الأمر اقتضى انتهاج الصين منحى أولويته المواجهة العسكرية أيضاً، وتسجيل تراجع في سياساتها لتقليص الاعتماد على الفحم الحجري كمولّد للطاقة، والذي تعد استراليا أكبر منتج ومصدّر له، وهي تعارض أيضاً استبدال توليد الطاقة بالفحم الحجري.

يعادل إنتاج الولايات المتحدة من الفحم الحجري نحو 25% من احتياجاتها لتوليد الطاقة الكهربائية. ومن المتوقّع ازدياد اعتمادها على تلك المصادر الخفيفة الكلفة نسبياً، وزيادة استهلاك مصانعها بنسبة 19% في فصل الشتاء المقبل.

من جانبها، تتمسّك الهند بمواقفها السابقة، والتي تطالب “الدول الغنية” بالوفاء بالتزاماتها وتقديم معونات مالية للدول النامية، تعينها على استبدال مصادر الطاقة التقليدية بمصادر نظيفة ومتطورة، تحدّ من الاضطراب المتوقع في قطاع توليد الطاقة إن تخلّفت تلك الدول عن مساهماتها الموعودة.

تدرك وفود الدول المشاركة في قمة اسكتلندا أن مسار التوصل إلى اتفاقيات، بصرف النظر عن تباين وجهات النظر أو النيات، ستواجه مرحلة أقسى لدى إقرارها من قبل برلمانات دولها المعنية والمصادقة عليها كمعاهدات ملزمة، كما فعلت الولايات المتحدة بتخلّيها عن اتفاقية باريس للمناخ، وانسحابها من الاتفاق النووي مع إيران، بل من غير المرجّح أن تصادق الأغلبية النسبية داخل أميركا، ثلثا الأعضاء – 67 في مجلس الشيوخ الأميركي،  بحسب توازناته الراهنة والمرئية – على أيّ اتفاق ذي أبعاد دولية، وخصوصاً توصّلها إلى حقيقة الكلفة المالية الناجمة عن تلك الخطوة الاستراتيجية البعيدة المدى.

الصراعات السياسية في معظم البلدان الصناعية، وتحديداً في الولايات المتحدة، تتصدر جدول الأولويات على حساب الاستثمارات المطلوبة في مرافق الحياة كافة، والعامل المشترك بين تلك البلدان، بما فيها أميركا، هو فقدانها نماذج قيادية حقيقية تستطيع اتخاذ قرارات مصيرية.

الحلّ، بحسب رؤية محرر الشؤون الاقتصادية في صحيفة “ذا غارديان” البريطانية، “هو اعتراف (الغرب) بأن النموذج الصيني للرأسمالية المدارة والموجّهة (من الدولة) قد يكون أكثر ملائمة من النموذج الأنكلو-ساكسوني”، علاوة على إدراكها بأن “القوى القويّة والنافذة” في صنع القرار، مثل اللوبيات المتعددة، “أضحت مضلَّلة بشكل خطر، كما شكّلت فرق استرضاء الفاشية من أخطار في ثلاثينيات” القرن الماضي.

قد تروّج ادارة بايدن الى أنّ جولة الرئيس الدولية الثانية تعيد ترميم العلاقات الأميركية الأوروبية، ولكن الإنقسامات الحادة داخل شطري الأطلسي وبينهما لن تزيلها حملات الدعاية والعلاقات العامة أو لقاءات الصور التذكارية الجامعة.

2021-25-10-التقرير الأسبوعي

أميركا قلقة من تفوّق خصومها
في الصواريخ الأسرع من الصوت

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

لا تكاد التغطية الأميركية اليومية للصين وروسيا تتراجع بحسب الأولويات والمستجدات، حتى يتجدد زخمها وبوتيرة عدائية تشدّ عُضد مفاصل القوى والتيارات النافذة في صناعة القرار. الهجمة الحالية، المميّزة بشراستها، استندت إلى تقرير منسوب لصحيفة “فاينانشال تايمز” البريطانية، في الـ 17 من تشرين الأول/أكتوبر 2021، زعم أن الاستخبارات الغربية رصدت إطلاق الصين “سرّاً” لصاروخ/مقذوف أسرع من الصوت دار مرتين حول كوكب الأرض في مدار منخفض وهو قادر على حمل رأس نووي.

عززت الحملة الأخيرة وجهة نظر فريق “سباق التسلح النووي” الأميركي، الداعي إلى تحديث الترسانة النووية في سياق سعي الإدارة لـ “الاستدارة نحو الصين”، مع الإقرار بأن التجربة الصينية “فاجأت المؤسّسة الاستخبارية الأميركية”، واتضح على الفور أيضاً إخفاق تقديراتها المتعددة لمخزون الصين وخططها ومديات تقدمها العلمي.

للبنتاغون برنامج “الضربة العالمية السريعة” لتسديد الضربة الأولى للخصوم (الاتحاد السوفياتي السابق) قبل أن يتمكن أحدهم من الرد بالمثل، منذ بداية الألفية الجديدة، وتندرج تحته المساعي الحثيثة ورصد الميزانيات الثابتة لتطوير أسلحة هجومية أسرع من الصوت، وتم تنفيذ 3 تجارب حيّة “ناجحة (لاختبار) تقنيات فرط صوتية، وقدرات ونظم نموذجية” (مسؤول عسكري لوكالة “رويترز” للأنباء، 21 تشرين الأول/أكتوبر 2021).

أقرّ البنتاغون بفشل تجربته الأحدث على تقنية أسرع من الصوت، في الـ 21 من تشرين الأول/أكتوبر الحالي، نتيجة إخفاق “المحرك الصاروخي المعزز”، بالتزامن مع نجاح التجربة الصينية في تقنية رديفة. وأوضح المتحدث باسم البنتاغون، تيموثي غورمان، أن “إنتاج أسلحة أسرع من الصوت لا يزال على رأس الأولويات، ووزارة الدفاع تثق بمنظومتها لنشر قدرات هجومية أسرع من الصوت في بداية العقد الحالي”.

أثارت التجربة الصينية الأخيرة مشاعر الإحباط لدى “قادة الاستخبارات والدفاع الذين حذّروا من أن (التجربة الناجحة) شكّلت قفزة تقنية هامة قد تهدّد الولايات المتحدة بطرق عديدة”. وأضاف مسؤول رفيع في الإدارة الأميركية للصحافيين أنه “لم يطرأ أيّ تغيير على الموقف (الرسمي) من انتشار الأسلحة، لكن الدراسة ستأخذ بعين الاعتبار الأوضاع الأمنية الراهنة” على المستوى الدولي. (شبكة “سي أن أن”، 22 تشرين الأول/اكتوبر 2021).

إدارة الرئيس بايدن على وشك إعلان انتهائها من دراسة “مراجعة الموقف النووي”، التي ستحدد بموجبها حجم الإنفاق وطبيعة الأسلحة التي يطلبها القادة العسكريون، وكذلك مدى استمرار التزام واشنطن بمبدأ “عدم توجيه الضربة النووية الأولى”.

في السياق عينه، أبلغ “قادة الأجهزة الاستخبارية” أعضاء لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، في جلسة خاصة، أن تجربة بكين “شكّلت تطوراً مهماً في قدرات الصين لإطلاق ضربة استراتيجية أولى ضد الولايات المتحدة”. وعلّق أحد أعضاء لجنة القوات المسلحة عن الحزب الجمهوري بأن أقرانه في الكونغرس يطلبون من إدارة البيت الأبيض “تقديم تفسير آليات الاستشعار والدفاع ضد الصواريخ الأسرع من الصوت”.

وأضاف، بأن التجربة الصينية “تشير إلى حاجتنا بلضرورة تحديث برامجنا بصورة سريعة”، لترميم الترسانة النووية الأميركية على ضوء “تسابق روسيا والصين بأقصى السرعة” (شبكة “سي أن أن”، 22 تشرين الأول/أكتوبر الحالي).

المفوّض الأميركي لشؤون نزع الأسلحة والسفير الأسبق لدى بريطانيا، روبرت وود، أعرب عن قلق بلاده من نجاح الصين في “إطلاق مركبة أسرع من الصوت، لأن الولايات المتحدة تفتقد سلاحاً دفاعياً فعّالاً ضدها”.

الإنفاق العسكري الأميركي، الذي يتجاوز 740 مليار دولار، يفوق ميزانيات الصين العسكرية بنحو 3 اضعاف، وهو يعادل 3.74% من الناتج الأميركي الإجمالي، مقابل 1.75% من الناتج الإجمالي للصين، بحسب “معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام”.

خبير الأسلحة النووية الأميركي المرموق، جيفري لويس، حذّر صنّاع القرار من الإفراط في التشاؤم وتعزيز سباق التسلح، قائلاً “نصيحتي اليوم هي التحلي بعد المبالغة، فلدى الصين نحو 100 سلاح نووي باستطاعتها استهداف الأراضي الأميركية، وأستطيع التأقلم مع تلك الحقيقة. أنه الردع النووي”.

وشدّد لويس على الجانب التقني الصرف لتوضيح تحذيره بأن جميع النظم العاملة في مدار الكرة الأرضية تسير بأسرع من الصوت، كما أن مكوك الفضاء الأميركي يعمل بتقنية الفرط صوتية ذاتها، “والفارق الوحيد هو أن المكوك لا يحمل قنبلة نووية على متنه، والمركبة الصينية لم تتزود بترس الهبوط”.

بدايات التقنية الأسرع من الصوت تعود إلى الأبحاث التي أجراها النازيون خلال الحرب العالمية الثانية بهدف قصف مدينة نيويورك. وأجرت الولايات المتحدة تجارب على إطلاق مركبة فضائية أسرع من الصوت في مدار منخفض في عقد الخمسينيات من القرن الماضي، وتخلت عن البرنامج نظراً إلى جملة من التحديات، ومن ثم سخّر سلاح الجو الأميركي التطور التقني لأغراض الاستطلاع وصناعة القاذفات.

في أوج الحرب الباردة بين واشنطن وموسكو، أشارت وثيقة لمكتب الاستخبارات في وزارة الخارجية الأميركية لعام 1967 إلى أن الاتحاد السوفياتي عازم على تطوير “منظومة قصف مداري جزئي”  Fractional Orbital Bombardment System (FOBS) – نتج عنه إمكانية وصول الصاروخ وحمولته إلى الأراضي الأميركية من دون أن تستطيع رصده. بيد أن أبحاث البلدين في مجال الأقمار الاصطناعية وقدرتها على كشف نيات الطرف الآخر أدّت إلى تخلي موسكو عن ذلك البرنامج، فأنتجت 20 صاروخاً ونشرت 18 منها، وإحيلت إلى التقاعد في العام 1983 لأسباب تتعلق بعدم دقة إصابتها الهدف بدائرة محيطها 1.1 كلم، واستعاضت عنها موسكو بتقنية متطورة للصواريخ العابرة للقارات بمركبات وكبسولات فضائية (صواريخ آر-36، وكبسولات سايكلون) باستطاعتها حمل 3 رؤوس نووية أكثر دقة تنطلق ضد أهداف متعددة، وللمركبة القدرة على العودة إلى الاستخدام مجدداً من محطة الإنطلاق.

وكما علّق المفوّض الأميركي لشؤون نزع الأسلحة، روبرت وود،  قائلاً: “لا ندري كيف لنا الدفاع ضد ذاك النوع من التقنية” الأسرع من الصوت. فالترسانة العسكرية الأميركية راهناً لا تمتلك القدرة على اعتراض تلك الصواريخ وتدميرها ، ولا تزال الأبحاث العسكرية منكبّة على التغلب على السرعة الفائقة للصواريخ الباليستية ووجهتها.

الإمكانيات المتوافرة حالياً تتضمن منظومة الدفاع الجوي ضد الصواريخ الباليستية، من طراز “إيجيس – Aegis”، في سلاح البحرية، لكنها غير مصمّمة لإصابة “منظومة القصف المداري الجزئي – FOBS”، وتتسارع الجهود لتطوير “برامج إيجيس، وقدرات أجهزة الرادار والصواريخ الباليستية لاعتراض تقنية مركبات الانزلاق من الفضاء”.

الخيار التقني الآخر لسلاح البحرية الأميركية هو تسليح صواريخه بأسلحة تطلق إشعاعات نووية، بسيل من النيوترونات العالية الطاقة، والتي من شأنها إحداث أضرار في نظم توجيهات الصواريخ المعادية، عبر منظومة “سبرينت المضادة للصواريخ الباليستية”.

للعقلاء والخبراء الأميركيين رأي مختلف بعيداً عن التهويل بسباق التسلح. رئيس سلاح الجو الأميركي برتبة وزير، والاختصاصي في علم الصواريخ، فرانك كيندال، أحبط توقعات معسكر الحرب من التجربة الصينية بقوله إن لجوء الصين إلى تجربة مركبة أسرع من الصوت والعودة من المسار بسلام وفّر عليها استخدام الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، “وهي إحدى الطرائق لتفادي النظم الدفاعية والتحذير من الصواريخ”.

البعض الآخر من الخبراء الأميركيين أوضح أن نجاح التجربة الصينية “لن يغيّر التوازن الاستراتيجي مع الصين، نظراً إلى أن نظم الدفاع ضد الصواريخ الباليستية جرى تصميمها لهزم هجمات صغيرة من دول مثل كوريا الشمالية وربما إيران، وليس لردع روسيا والصين” (نشرة “ذا هيل”، 22 تشرين الأول/أكتوبر 2021).

ما يقلق الأوساط الأميركية حقيقة، إلى جانب مزاحمتها تقنياً، هو خشيتها من عدم القدرة على إمداد قواتها العاملة في المياه الآسيوية، في حال نشوب حرب من الصين. احتمالات المواجهة العسكرية بين واشنطن وبكين أضحت مادة متداولة، والتحذير من أخطارها يتعاظم، حتى في ظل تأكيد الرئيس جو بايدن أن بلاده “ستدافع عسكرياً عن تايوان”، قبل بضعة أيام.

للدلالة على الإخفاقات الأميركية، تشير البيانات والدراسات المختصة إلى الاضطراب الجاري في آليات الإمداد، وخصوصاً أن “أزمة الشحن البحري الراهنة لهي خير دليل على تقصير الاسطول التجاري الأميركي وعجزه عن تلبية الاحتياجات الاستراتيجية الأميركية” (نشرة “ديفينس نيوز”، 21 تشرين الأول/أكتوبر الجاري).

يجزم القادة العسكريون بأن الأسلحة الأميركية المنتشرة في المياه الآسيوية تكفي لمواجهة الصين، “لكن في حال امتدت الأزمة إلى أبعد من بضع ساعات لعدة أيام، فالقوات الأميركية ستحتاج إلى التزود والإمداد، مرة أخرى، بموارد ضرورية لمسرح قتال بين الدول العظمى”. بعبارة أخرى، الإمداد عبر السفن التجارية المشار إليها في حالتها القاصرة الراهنة.

2021-18-10-التقرير الأسبوعي

العودة إلى الاتفاق النووي الإيراني
رهن بانتهاء الترّدد الأميركي

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

دشّن الرئيس الأميركي جو بايدن ولايته الجديدة بإعلانه عن استعداد إدارته للاتفاق النووي ورفعه إلى أولوية أجندته، بعد قرار سلفه الرئيس ترامب انسحابه منه في العام 2018، وما لبث أن أضحى تأجيل الخطوات الملموسة هو عنوان المرحلة، تخللته تصريحات متبادلة بأن الوقت المتاح للاتفاق شارف على نهايته.

أمام هذه اللوحة المختصرة في لعبة العض على الأصابع، تشكّل شبه إجماع بين الأطراف المعنية مفاده أن الاتفاق “القديم لم يعد قائماً” بحد ذاته، وما يجري من إرهاصات هو سعي الطرفين الرئيسيّين، واشنطن وطهران، لإرساء بنود اتفاق جديد يأخذ بعين الاعتبار التطورات التي رافقت المرحلة السابقة ومستجداتها، فضلاً عن التغييرات التي أحاطت بالمشهد الدولي بشكل عام، خصوصاً توقيع الاتفاق الاستراتيجي بين الصين وإيران والانسحاب الأميركي المذلّ من أفغانستان.

السؤال المحوري الراهن هو بشأن تيقّن الولايات المتحدة من توصل إيران لإنتاج كميات من اليورانيوم المخصّب تكفي لانتاج قنبلة نووية أو أكثر، من عدمه، ولم يتم حسمه بصورة جازمة إلى الآن. يطمح الجانب/الوفد الأميركي إلى تضمين الاتفاق بنداً ينص على “وضع قيود على برنامج ايران للصواريخ الباليستية”، متقاطعاً بالكامل مع الموقف “الإسرائيلي”، وجاهزية الدول الأوروبية الأخرى للتصديق عليه، بينما ترفض إيران ذلك بشدة.

بالنظر إلى جملة معطيات المشهد السياسي الأميركي وتعقيدات توازناته الداخلية، والمعارض بقوة لأي تقارب بين واشنطن وطهران، يمكن القول أن الرئيس بايدن لم يعد يتحلّى بـ”الحماسة” ذاتها للتوصل لاتفاق في أي وقت قريب، معطوفاً على الانتقادات الواسعة لقراره بالانسحاب من أفغانستان وانعكاساته على مراكز القوى، واضطرار قادته العسكريين إلى الإعتراف بأن الانسحاب كان “كارثة استراتيجية”، وأنظار الجميع مصوّبة نحو الصين وروسيا.

جدير بالذكر ما رافق مرحلة استكشاف الآراء الداخلية في واشنطن من جدلٍ “إيجابيٍ” في المرحلة الأولى من ولاية الرئيس بايدن، وشهد العالم تصريحات متعددة لأقطاب معتبرين في الحزب الديموقراطي يؤكدون أنّ عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي تنطوي على إقدام واشنطن على “رفع العقوبات” المفروضة على إيران، والذين تراجعوا أمام خصوم الرئيس بايدن والقوى المتعددة المتضررة من أي تقارب بين البلدين.

 

غموض القنبلة النووية

 

أحدث التقديرات لإمكانات إيران النووية جاء في دراسة صادرة عن “معهد العلوم والأمن الدولي (Institute for Science and International Security (ISIS)) ” في واشنطن، أعرب فيها عن اعتقاده بقدرة إيران على انتاج قنبلة نووية واحدة في غضون شهر من الزمن (13 أيلول/سبتمبر 2021).

يدير المعهد المفتش الأسبق عن أسلحة العراق النووية، ديفيد أولبرايت، والحاصل على “جائزة الغصن الأخضر”، في عام 1992، تقديراً لإسهاماته في تقصّي برنامج العراق النووي وملاحقة علمائه.

أما تقديرات “مسؤولي الاستخبارات الأميركية”، كما يُنسب إليهم في وسائل الإعلام، فجاءت على النقيض من تأكيدات التقرير السالف الذكر، معتبرين أن بإمكان إيران “إنتاج كمية كافية من الوقود لسلاح نووي في غضون بضعة أشهر”، ومستندين إلى تقاريرهم السابقة في عام 2007 التي يجزمون فيها بأن إيران “أوقفت العمل لاقتناء أسلحة نووية في عام 2003” (“مجلس العلاقات الخارجية”، 18 آب/أغسطس 2021).

كما أن تقديرات “إسرائيل” الأخيرة ناقضت تقرير “معهد العلوم والأمن الدولي” الأميركي. المدير السابق لجهاز الاستخبارات الخارجية “الموساد”، يوسي كوهين، أوضح في مؤتمر استضافته صحيفة “جروزاليم بوست” أن “إيران ليست على مسافة قريبة من إنتاج أي أسلحة نووية” (12 تشرين الأول/أكتوبر 2021).

كما مهّد “معهد راند” لمحاربة سردية الإفراط في التشاؤم ودق طبول الحرب بتحذير صنّاع القرار  من أن حيازة إيران لسلاح نووي “لا ينبغي أن يمثّل فرضية مسلّماً بها”. وأضاف المعهد المرموق والنافذ بتوجهاته لدى النخب السياسية والعسكرية الأميركية “ربما نجد بعض المبررات تقود إلى الاعتقاد بأن إيران، أيضاً، قد تلجأ إلى خيار عدم حيازة الأسلحة النووية، أقله في المستقبل المرئي، بصرف النظر عن قرارات الولايات المتحدة فيما يخصّ العقوبات وربما لفترة أطول بعد انتهاء العمل بالاتفاق” (28 حزيران/يونيو 2021).

بعض المراقبين يفسّر تصريح  يوسي كوهين ( المتناقض مع مزاعم نتنياهو المتكررة بقرب امتلاك ايران لسلاح نووي) بأنه يرتكز على عدم توصّل إيران الى تقنية تصنيع رأس نووي يمكن تزويد الصواريخ الباليستية الإيرانية به، ويزعمون ان الجنرال فخري زادة الذي تم إغتياله كان يعمل على تطوير هذه التقنية.

وأسدى المعهد نصيحة فريدة للمفاوض الأميركي للتحلّي “بالحكمة والمضيّ قدماً بحذر لما قد يقدمه من حوافز لطهران، وعدم الإفراط في مكافأتها بوعود بأن لا تتجاوز عتبة (اللاعودة) قد لا ترمي إيران للقفز عنها” أصلاً.

في شقّ التقنية العسكرية الصرفة، تسود مشاعر الاطمئنان بين القادة العسكريين الأميركيين “لتفوّق” أسلحتهم النووية والصواريخ العابرة للقارات ونظم دفاعها الجوي، وما أدخل عليها من تحسينات وتطويرات قتالية منذ الحرب الباردة، وذلك في سياق “التصدي للصواريخ الباليستية الإيرانية”.

يشير أولئك إلى قدرات نظام الدفاع الجوي الأميركي المضاد للصواريخ الباليستية، “نايكي زيوس”، الذي طوّرته البنتاغون في عقد الستينيات من القرن الماضي “لتدمير الرؤوس الحربية للصواريخ الباليستية السوفياتية”، واعتراض الرؤوس الحربية على ارتفاعات عالية، بقوة تفجيرية تبلغ 400 كيلو طن. وكذلك للنظم الدفاعية الأحدث في الترسانة الأميركية، وامتداداً “الإسرائيلية”، القادرة على اعتراض الصواريخ الباليستية الإيرانية.

استناداً إلى التحديات التقنية العالية في علم الصواريخ الباليستية، والتي تتفوّق فيها الولايات المتحدة بحكم استثماراتها الهائلة إبان الحرب الباردة وما بعدها، فالمرجّح أن القوى الأخرى، بما فيها إيران، تتجه لتطوير تقنية صواريخ فرط صوتية، بما يفوق سرعة الصوت بنحو 12 مرة على الأقل.

الفرضيات الأميركية أعلاه لم يجرِ اختبارها عملياً للجزم بصحتها أو صدقيتها، لكن استناداً إلى ما تقدم من معطيات، فإنها تلقي بعض الضوء على “مغزى” تصريح مدير “الموساد” السابق، يوسي كوهين، بأن إيران ليست قاب قوسين أو أدنى من إنتاج قنبلة/سلاح نووي، تدعمه استنتاجات بعض المراكز النافذة في صنع القرار الأميركي، وتحذيرات البعض الآخر من الاستمرار في عقلية الحرب الباردة.

في الساعات الأخيرة، تم الإعلان عن استئناف جولة المفاوضات النووية بين واشنطن وطهران والدول الأخرى في بروكسل، الأسبوع المقبل، “بعد انتهاء المرحلة الأولى من إعادة النظر في المحادثات”، بحسب التصريح الرسمي الإيراني، مؤكداً التوصل إلى “نتيجة في المستقبل القريب” في الجولة الحالية، ما يقدم دليلاً آخر على سلمية برنامج إيران النووي، خصوصاً على ضوء موافقة إيران على فرق تفتيش الوكالة الدولية للطاقة النووية لمنشآتها النووية.

الموقف الأميركي الحقيقي تم تغليفه بسلسلة تصريحات وتهديدات مبطّنة، أبرزها تصريح وزير الخارجية أنتوني بلينكن بقوله قبل بضعة أيام “نحن على استعداد للنظر في خيارات أخرى إن لم تُغيّر إيران مسارها الراهن، (لكننا) ماضون في الاعتقاد بأن الديبلوماسية هي الخيار الأشد فاعلية”. وصرّح بحضور نظيريه “الإسرائيلي والإماراتي” بأن “الوقت ينفذ، واستغلت إيران فترة الانتظار لتعزيز برنامجها النووي بأساليب متعددة”.

ما يستطيع المرء استشرافه من تلك التصريحات هو ما يتردّد في الأوساط السياسية في واشنطن، عن أن الرئيس جو بايدن ماضٍ في تركيز أنظار استراتيجية بلاده على مواجهة الصين والتراجع “تدريجياً” عن الانخراط المباشر في قضايا الشرق الأوسط. ويذهب بعضهم إلى القول بأن آخر ما يتمناه بايدن هو إقدام “إسرائيل” على عمل عسكري ضد إيران، والذي من شأنه “إشعال المنطقة بكاملها”.

ستكون الجولة السابعة المرتقبة للمباحثات في بروكسل بشأن العودة إلى الإتفاق النووي إختباراً حقيقياً لإدارة بايدن، وكشفاً لرغبتها الفعلية في رفع كل العقوبات التي أقدمت عليها إدارة ترامب. هذا الإجراء سيكون السبيل الوحيد لحدوث اختراق حقيقي والتمهيد للبحث في أي تفاهم مشترك مع إيران بشأن تطوير الإتفاق .

2021-10-10-التقرير الأسبوعي

لماذا تعترف “سي آي إيه”
بتصفية جواسيسها وفقدانهم؟

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

في حدث غير مسبوق في عالم الاستخبارات، تمّ تسريب تقرير وُصف بأنه “عالي السرّية”، يشير إلى قلق وكالة الاستخبارات المركزية، “سي آي إيه”، من تكبّدها خسائر بشرية ملموسة في صفوف العملاء/الجواسيس العاملين لمصلحتها، “قتلاً أو اختطافاً”، واكبه تعطّل منظومة شبكة “فيسبوك” وتوقفها عن العمل، عقب الكشف عن “اختراق بيانات خاصة لـ 1،5 مليار مستخدم بيعت تجارياً” ( صحيفة “نيويورك تايمز”، 5 تشرين الأول/اكتوبر 2021).

المعالجة الجادة للنبأ “المتواصل” ينبغي أن تأخذ بعين الاعتبار السياق التاريخي المتسلسل للثغرات والهزّات التي تعرضت لها الجهود الاستخباراتية الأميركية، في العقدين الماضيين، للخروج بتحليل أدق لتبعات الحدث، وبنتائج موازية، بعيداً عن التهميش أو التقليل من قدرات الآخرين، دولاً ومنظمات مناوئة للسياسات الأميركية، وفق ما جاء في المذكرة الداخلية للوكالة بأنها تعرضت “للوثوق المفرط بمصادرها، وأخطاء في تقييم قدرات الخصوم”.

لعل أهمية الربط الجدلي بين مذكرة الوكالة وحادثة “فيسبوك” تكمن في طبيعة البيانات الخاصة المتوافرة مجاناً وتسخيرها في خدمة أغراض تجسّسية، وما منصة “فيسبوك” إلا إحدى الأدوات المعتمد عليها استخباراياً، وتعرّضها للاختراق أو لعطل تقني يسري في سياق عدم الكشف عن بيانات محدّدة، أو الترويج لفقدانها، والإخلال بتحميل المسؤولية لأفراد أو أجهزة أو وكالات بعينها.

جدير بالذكر، تقرير كاشف نشرته صحيفة “نيويورك تايمز”، في 20 أيار/مايو 2017، أوضحت فيه تعرض الاستخبارات الأميركية لصفعة “صدمة وترويع”، بعدما “استطاعت الصين شلّ عمليات الاستخبارات الأميركية على أراضيها في العام 2010، ما أسفر عن مقتل أو سجن 18 جاسوساً أميركياً دفعة واحدة، مع نهاية عام 2012”.

جاء التقرير المذكور في أعقاب نجاح قراصنة إلكترونيين في الدخول إلى بيانات شبكة الاتصالات السرّية لوكالة الاستخبارات المركزية، “كوفكوم CovCom”، عام 2010، وكشفوا هويات “العديد من مجندي ومخبري الوكالة في الصين”.

وفي عام 2011، اعتقلت باكستان خلية من خمسة مخبرين عملوا لمصلحة “سي آي إيه” في الكشف عن مكان إقامة أسامة بن لادن.

كما أقرّ جهاز الاستخبارات العسكرية الأميركية بـ “انشقاق” الضابط في سلاح الجو، السيدة مونيكا إلفريده ويت Monica Elfriede Witt، وفرارها إلى إيران في العام 2019، وتوفيرها معلومات حساسة للأجهزة الإيرانية عن هوية وعمل شبكات التجسس هناك.

وفي العام عينه، 2019، أدين الضابط السابق في وكالة الاستخبارات المركزية، جيري تشن شينغ لي، بتهمة التجسّس لحساب الصين، وحُكم عليه بالسجن 19 عاماً، وأدّت بياناته المقدمة إلى “اعدام الصين ما لا يقل عن 20 عميلاً” لمصلحة الاستخبارات الأميركية.

تبذل أجهزة الاستخبارات مسمياتها وانتماءاتها كافة جهوداً مضنية، وتوفر إمكانيات عالية في متابعة وجود عملاء داخلها والتحقق من اختراق صفوفها، وخصوصاً في الطواقم القيادية. الأجهزة الأميركية ليست استثناء لتلك القاعدة، كما الآخرون أيضاً.

البيانات المتوافرة من قبل الأجهزة الأميركية، تشير إلى نجاح جهودها في الكشف عن “عميل مزروع” في قمة هرمها الاستخباري، وألقت القبض على  رئيس قسم مكافحة التجسّس السوفياتي في وكالة الاستخبارات المركزية كان يعمل لمصلحة الاستخبارات السوفياتية آنذاك، “ألدريج إيمس”، في العام 1994، بعد مطاردة بدأت منذ عام 1986، ما اسفر عن اعتقال وإعدام عدد كبير من عملاء الوكالة في الاتحاد السوفياتي. التحقيقات اللاحقة أشارت إلى احتمال وجود عميل آخر “مزروع” في رأس هرم الوكالة، لم يكشف النقاب عن هويته “طيلة أربعة عقود” منذئذ. وأكّد تلك الفرضية المسؤول السابق في الوكالة، ميلتون بيردن، بالجزم أنه “لا يزال على اقتناع تام بوجود عميل رابع وربما خامس” في طاقم الوكالة القيادي، عقب الكشف عن إيمس (العميلان الآخران هما روبرت هانسن وإدوارد هاوارد).

بيان وكالة الاستخبارات المركزية، المنشور في صحيفة “نيويورك تايمز”، ذكر تعميمه للمذكرة الداخلية على جميع محطات عمل الوكالة في العالم، لكن المسألة تنطوي على ما هو أبعد من ذلك، وخصوصاً في شق إقرارها بتوافر الإمكانيات التقنية للأجهزة المعادية و”استخدامها للتقنية الحديثة مثل المسح البيومتري وبرامج التعرّف على الوجوه والذكاء الاصطناعي وأساليب القرصنة الإلكترونية”.

وأضافت مذكرة الوكالة أن “أجهزة استخبارات الدول الأخصام للولايات المتحدة، مثل روسيا والصين وإيران، إضافة إلى باكستان، تلاحق مصادر/عملاء السي آي إيه، وفي بعض الأحيان تحوّلهم إلى عملاء مزدوجين”.

في سياق ما تقدم أعلاه، من الجائز أنّ سعي وكالة الاستخبارات المركزية لنشر بعض “أسرارها”، عبر وسيلة صحفية موثوق بها، ودرجت على تعاونها التام معها، لم يأتِ بهدف الكشف فحسب، بل ربما للتغطية أو للتمويه على عجزها عن التيقن من وجود “عميل مزروع” داخلها، استشعرت خطورته بعد مقتل أعداد أكبر من الجواسيس، مما تسبّب به “ألدريج إيمس”، وكذلك لاحتواء التبعات السياسية المحتملة.

 

براءة أم نكد التوقيت

أحجمت وكالة الاستخبارات المركزية ومكتب التحقيقات الفيدرالي عن الامتثال لقرار الكونغرس بإفراج الجهازين عن وثائق وسجلات تحقيق تتعلق باغتيال الرئيس الأسبق جون كنيدي مع نهاية عام 2017، وطالبا الكونعرس بتمديد المهلة الزمنية مراراً وتكراراً، قبل ذلك التاريخ وبعده. وأخطر الكونغرس مسؤولو الجهازين، مرة أخرى، بتسليم ما تبقّى لديهما من وثائق لجهاز الأرشيف الوطني قبل يوم الـ 26 من تشرين الأول/اكتوبر 2021.

تشير بيانات الأرشيف الوطني إلى نحو “16،000 وثيقة” لا تزال محجوبة عن التداول، كلياً أو جزئياً، بعد انقضاء 60 عاماً على مقتل كنيدي، وصدور قرار الكونغرس بعنوان “قرار تجميع بيانات اغتيال الرئيس جون أف كنيدي” عام 1992.

اللافت أن الرئيس السابق دونالد ترامب تعهّد رسمياً بالكشف عن جميع سجلات التحقيق في الاغتيال، وعدل عن قراره “فجأة” عشية التاريخ المعلن يوم الـ 26 من تشرين الأول/اكتوبر 2017، ممدّداً المهلة الزمنية 6 أشهر إضافية، تحت ضغط “مدير وكالة الاستخبارات المركزية مايك بومبيو”، كما هو شائع.

السؤال البديهي هو “لماذا” يتهرّب مسؤولو جهازي الاستخبارات، الداخلية والخارجية، من توفير أي وثائق أو بيانات بحوزتهما، ولا نجد آذاناً صاغية، أو تفسيرات منطقية؟ أما دور الكونغرس غير المعلن، فهو عدم إحراج المنفّذين الحقيقيين لعملية الاغتيال، والتي تردّد بقوة منذئذ بأن “سي آي إيه” و “أف بي آي” ضالعان في العملية، خصوصاً لإصرارهما المتعمّد على عدم التعاون أو الكشف عن سجلات التحقيق لأيّ كان، على الرغم من النصوص الدستورية، بعكس ذلك تحت بند “حرية التحقق من أداء الأجهزة الحكومية”.

عند الأخذ بعين الاعتبار عامل “بيانات التحقيق في اغتيال الرئيس كنيدي”، لتفسير “ما وراء” حائط كشف وكالة الاستخبارات المركزية عن وثائق تمّ نشرها في وسائل الإعلام بصورة متناثرة، يقترب المرء من جذر المسألة التي بين أيدينا. ولا نزعم امتلاكنا لمعلومات خاصة في هذا الشأن، بل استناداً إلى الحقائق المعلنة والمنشورة، والإفادات الشخصية لبعض الأطراف المعنية.

الضابط السابق في وكالة الاستخبارات المركزية، دوغلاس لندن، أوضح لعدد من الوسائل الإعلامية أن تركيز الهرم القيادي للوكالة على “العمل السرّي والعمليات شبه العسكرية (الخاصة) قوّض جهود التجسس التقليدي، وهناك حالات من الحمق والإهمال”، معتبراً بيان الوكالة تحذيراً علنياً لمحطاتها المنتشرة في العالم لتركيز جهودها على “الأمن ومكافحة التجسّس”.

كبار مسؤولي وكالة الاستخبارات المركزية دائمو الحضور في أروقة الكونغرس ولجانه المتخصصة في الشؤون الاستخبارية والأمن القومي، لكن من النادر أن ترافق ذلك الحضور مساءلة حقيقية أو مجرد انتقاد لأداء الوكالة، بل تضمن المصادقة على ميزانياتها ببنودها السرّية بصورة دائمة. تغيّر شخصيات الكونغرس، لأسباب انتخابية أو لقرارات شخصية، لا يرافقه تغيير أو تعديل في عمل الوكالة، فهي الجهاز الدائم في المشهد السياسي والنظام الأميركي، والمخوّلة تقديم التقارير والمعلومات السريّة لصناع القرار، الذين يدركون طبيعة المعادلة القائمة بينهما، تبعية السياسي للأجهزة الاستخبارية.

استطاعت الوكالة إعادة إنتاج دورها التقليدي، أمام أعضاء الكونغرس، بالكشف عن بعض النواقص في الأداء البشري، وعودتها إلى تجنيد العامل البشري كمهمة مركزية، وتحشيده خلف سردية الثنائي “الصين وروسيا” كأبرز تهديد ماثل أمام نفوذ الولايات المتحدة وسيطرتها على العالم، وتوظيف ميزانيات متواصلة لحرب باردة جديدة ضد أعدائها.

وأعلنت وكالة الاستخبارات المركزية، عقب نشر تقرير صحيفة “نيويورك تايمز”، على لسان مديرها وليم بيرنز، استحداثها قسماً متخصصاً في الشؤون الصينية، بهدف “تعزيز العمل الجماعي لأهم تهديد جيوسياسي نواجهه في القرن الحادي والعشرين: حكومة صينية معادية بشكل متزايد”.

بالتوازي مع ذلك، أعلن الرئيس الأميركي جو بايدن إنشاء “وحدة خاصة في البنتاغون لتقييم تهديد بكين العسكري، والرد عليه” في شهر تموز/يوليو الماضي.

إذن، الحرب “الباردة” تعدّ على نار حامية، انتصاراً لمعسكر أنصار الحروب في المؤسسة السياسية والاستخبارية الأميركية، وصرف نظر الجمهور عن الخسائر التي تكبّدتها مؤخراً في أفغانستان، أو تخبّطها في إدارة ملفات حساسة حتى مع الحلفاء، وفرنسا كانت آخر الأمثلة. كما تلحظ دوريات صحافية أميركية في مقالات متعددة، مؤخراً، استغرابها مصحوباً بالإنتقادات لبايدن وطاقمه للأمن القومي، لأدائهم الضعيف على المسرح الدولي، رغم الخبرة الواسعة التي يفترض أنه يمتلكها على صعيد السياسة الخارجية.

2021-04-10-التقرير الأسبوعي

الاقتصاد الأميركي مصاب بالذعر:
نقص حاد في التوريد والإمداد

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

ترافق تفشي جائحة كورونا مع تحذيرات متتالية من أقطاب كبريات الصناعات العالمية، وخصوصاً الغربية، من تبلور أزمة في “سلسلة التوريد”، بدءاً من شح المعروض عالمياً من الشرائح الموصلة، وصولاً إلى أزمة غذائية تعاني منها بريطانيا ودول أخرى مرشحة، فضلاً عن تردّي الرعاية الصحية وارتفاع ملحوظ في نسبة الإصابات المتجدّدة بكورونا، واكبهما صراع إرادات لشرائح واسعة من الشعب الأميركي ترفض اللقاح وإجراءات الوقاية.

من البديهي أن الأزمة الراهنة ليست وليدة اللحظة، بل هي تتويج لسياسات العولمة “النيوليبرالية” التي سعت جاهدة لتفكيك أركان الموارد الاقتصادية وخصخصتها لمصلحة فئة أو شريحة اجتماعية ضيقة، تزداد ثراء بوتيرة متسارعة، يرافقها اتساع الهوة والفوارق الاقتصادية ومصادر الدخل بينها وبين معظم الفئات الأخرى.

كما تلعب المؤسسات المالية الدولية، البنك الدولي وصندوق النقد ومنظمة التجارة العالمية، دورها في رهن موارد الشعوب الأخرى، لقاء تقديم ديون عاجلة سرعان ما يتبيّن أن الدول المعنية تخفق في سداد ما يترتب عليها وتلجأ للاستدانة المركبة مرة أخرى (راجع كتاب الأميركي جون بيركينز “اعترافات قاتل اقتصادي” أو “الاغتيال الاقتصادي للأمم” في ترجمة أخرى).

ماذا يجري للاقتصاد الأميركي؟ سؤال يتردّد على ألسنة المختصين والإعلاميين والمعنيين على السواء. التوصيف مذهل في صراحته ومقلق في تنبؤاته: “الاقتصاد الأميركي مصاب بالذعر. المختبرات الطبية شارفت على استنفاذ مخزونها من المعدات الأساسية، والمطاعم تعاني صعوبة في توريد الأطعمة، وشركات انتاج السيارات والطلاء والالكترونيات تخفض معدلات انتاجها لنقص في أشباه الموصلات”، فضلاً عن قطاع الحافلات لنقل الموارد والمعدات الضرورية، وهي تعاني من نقص في قطع الغيار، علاوة عن تناقص عدد السائقين نتيجة الإصابات بكورونا وابتزازهم بأجور متدنية من قبل الشركات الكبرى.

قطاع النقل الحيوي يعاني أيضاً من اضطرابات متتالية، وخصوصاً القطارات والسكك الحديدية، ونقص العرض من عربات القطار المخصّصة للشحن وحاويات الشحن البحري. للدلالة على عمق الأزمة البنيوية، أوضح رئيس هيئة النقل البري الأميركية، مارتن أوبرمان، أن تقليص هيئة السكك الحديدية لخدماتها كان “بدافع ترضية مستثمري وول ستريت”، ما تسبب في اختناق الموانيء الأميركية من تراكم الحاويات (1 تشرين الأول/أكتوبر 2021).

ويفيد أحد البيانات الرسمية بأن ميناء لوس انجلس ينتظر تفريغ 70 سفينة شحن كبيرة محمّلة بنحو “نصف مليون حاوية، راسية في عرض البحر”، ومعدّل فترة الانتظار يصل إلى 8 أيام، مع ما يرافقه من تراكم في كلفة الشحن وانعكاسها على اسعار البضائع المعروضة.

يستدلّ من تبعات “نقص أشباه الموصلات”، بنسبة 638% عن معدل العام الماضي،كما هي السردية الرسمية لتحميل المسؤولية عنها للصين، بانكشاف سوء الإعداد والتخطيط لدى المشرفين على القطاع الاقتصادي الأميركي، وما نجم عنه من أزمات متتالية: نقص عدد خزانات الغاز الطبيعي،ـ تحت عنوان تقليص حجم انبعاثات الغازات الضارة بالبيئة، أسفر عن نقص في توريد غاز ثاني اوكسيد الكربون، ما انعكس على تقليص العرض في مادة البنزين، والذعر الناتج عن ذلك في بريطانيا.

البيانات الصادرة عن المؤسّسة الدولية لمراقبة سلسة التوريد، “ريزيل إنك”، أفادت بأن معظم الاضطراب في عملية التوريد كان من نصيب الولايات المتحدة، 46.5%، يليها بالترتيب دول الاتحاد الأوروبي، 23.43%، تتبعها الدول الآسيوية بنسبة 19.45%.

مسبّبات اضطراب آلية التوريد تنسب رسمياً إلى تبعات جائحة كورونا، لكنها ليست الأكبر حجماً. وأوضح نائب رئيس هيئة إدارة سلسلة التوريد الأميركية، دوغلاس كينت، أن من غير الجائز إلقاء اللوم على الجائحة، “لكنها كشفت بعض الثغرات في سلسلة التوريد بالتأكيد، بعضها عملياتي والبعض الآخر استراتيجي، وهي التي ستمثّل التحدي الأصعب للتغلب عليها” (نشرة “ترانسبورت توبيك” (Transport Topic) 26 آب/أغسطس 2021).

“الثغرة الاستراتيجية” التي أشير إليها تكمن في توجهات الحكومة الأميركية التي اهتمت بعدد محدود من القطاعات الحيوية في معالجتها أزمة التوريد: الصناعات الدفاعية، الصحة العامة وصناعة الأدوية، المعلومات والاتصالات، وقطاع الطاقة (مجلة “فوربز”، 6 آب/أغسطس 2021).

بدأ العام الدراسي في الولايات المتحدة متعثراً. مثلاً، “مدارس ولاية ويسكونسن تعاني من نقص في مادة البروتين مثل الدجاج، بينما حافلة محملة بلحم البقر (هامبورغر) لم تصل لوجهتها، ومخبز مورّد أعلن عن نفاذ كعك السندويشات” (شبكة “أن بي سي” للتلفزة، 30 أيلول/سبتمبر 2021).

وأضاف تقرير للشبكة أن “الأزمة تتفاقم حدّتها” لاضطراب توريد الأطعمة إلى طلبة المدارس، خصوصاً بعد تقديم وزارة الزراعة الفيدرالية تعهدات لمختلف قطاعات التربية بأنها ستموّل كلفة “وجبة غداء مجاناً”، لنحو 30 مليون طالب، لتخفيف حدة تبعات أزمة كورونا على الأهالي، ولا سيما الشرائح الأشد فقراً.

وأفادت شبكة تلفزيونية محلية في واشنطن العاصمة بأن مقاطعة المدارس العمومية في ضاحية “برينس جورجز” أعلنت توقفها عن توفير وجبة عشاء مجانية “لبعض الطلبة، نتيجة تعثّر سلسلة التوريد ونقص الموارد في عموم البلاد” (شبكة “دبليو تي او بي” (WTOP)، 30 أيلول/سبتمبر 2021).

في ظل تلكّؤ قمة الهرم السياسي الأميركي عن استحداث برامج وخطط عملية للحد من تفاقم الأزمة المركبة الراهنة، فإنها تزداد حدةً واتساعاً، وتراوح مساعي ضخ بعض الأموال مكانها وهي مخصّصة لترميم البنى التحتية المهترئة في إطار برنامج الرئيس جو بايدن.

في المقابل، لا يجد سياسيّو الحزبين حرجاً في جاهزية مصادقتهم على الإنفاق على المعدات العسكرية، بل أضافوا إلى الميزانية السنوية المقترحة المتضخمة أصلاً مبلغ “25 مليار دولار”.

بعيداً عن التجاذبات والاصطفافات السياسية التقليدية، تشكّل شبه إجماع على أن إدارة الرئيس بايدن “أثبتت عجزها عن الاستجابة السريعة لمعالجة الأزمات”، بالإشارة إلى ما رافق الانسحاب الأميركي المضطرب من أفغانستان، الذي أتبع بشن غارة عبر طائرة مسيّرة على حافلة تقل مدنيين، بعد بضعة أيام من إنجاز الانسحاب.

تبعات كورونا الجديدة تسهم في إنضاج ظروف الاضطرابات الداخلية التي تغذيها الأزمة المالية بارتفاع أسعار الموارد الاستهلاكية، وارتفاع ملحوظ في كلفة المأوى والسكن، مضاف إليها ازدياد كلفة مصادر الطاقة على أبواب فصل الشتاء وبرودته القارصة.

تنبغي الإشارة إلى فشل مؤسّسات الدولة والحكومات المحلية في احتواء نقص موارد الطاقة في ولاية تكساس، حين تعرّضت لموجات ثلجية قاسية أسفرت عن وقوع ضحايا بين المدنيين وانقطاع التيار الكهربائي بالكامل عن بعض المناطق، استمر لعدة أيام، من دون حل. بعبارة أخرى، تلك كانت نتيجة حتمية لسياسة خصخصة المرافق العامة، مصحوبة بغياب رقابة مركزية حقيقية.

الانقسامات الاجتماعية العمودية واتساع الهوة الاقتصادية بين شرائح الأغلبية وأقلية الأثرياء لا تجد لها حلولاً أو توجهات حقيقية لمعالجتها، وأجهزة الدولة المختلفة تلمس تفاقم الأزمة الاجتماعية محذّرة من وصولها لمرحلة العصيان المدني، ومدركة أن اتساع رقعة الأزمة في القطاعات الحيوية الثلاثة، الطاقة والغذاء والمسكن، ستفجّر الاضطرابات والاحتجاجات.

2021-19-09-التقرير الأسبوعي

“أوكوس” حلف واشنطن الجديد
ضد الصين يُصدّع “الناتو”

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

دشّنت واشنطن حربها “الفاترة” مع الصين رسمياً، بإعلانها تشكيلَ حلف ثلاثي جديد مع دول ساكسونية: بريطانيا واستراليا، إلى جانب الولايات المتحدة، أطلقت عليه “اوكوس”، بعد طول تحشيد المحاور التقليدية، واستحداث سياسات العداء.

بتشكيله، يستكمل الحلف الجديد استراتيجيةَ واشنطن القائمة على النفخ في سردية وجود عدوّ رئيسي لهيمنتها العالمية، وفي سياق مشابه لاستحداثها حلفَي “الناتو” والتحالف الاستخباراتي “خمسة إي”، أي الدول الخمس الناطقة بالانكليزية، وضمّ نيوزيلندا وكندا إلى دول الحلف الثلاثي، الأول في أعقاب نهاية الحرب العالمية الثانية وبدئها حرباً “باردة” مع المنظومة الاشتراكية السابقة، والاتحاد السوفياتي في مركزها، والثاني خلال الحرب العالمية الأولى.

ظاهرتان تمثّلان تطوّرين سياسيّين رافقا إعلان الحلف “الساكسوني”، بل سبقا إعلانه الرسمي، وتتعلّقان بأوروبا، موطن حلف “الناتو”. الأولى هي تعثّر سياسة أميركا، وربما فشلها، في عزل روسيا وتحشيد دول الحلف للاستمرار في حرب باردة ضد موسكو، أو على الأقل عدم منحها تسهيلات وتبادلات تجارية. والثانية عي عدم انتظام نيوزيلندا في الاصطفاف، وربما خروجها منه، مع توجّهات إقليمية معادية للصين، جسّدتها في إعلانها عدم السماح للغواصات النووية الاسترالية بدخول مياهها الإقليمية، متشبّثة بسياستها المعلَنة في عام 1984، من أجل المحافظة على “خلوّ المنطقة من الأسلحة النووية”.

جدير بالذكر أيضاً أن “تراجُع حماسة” دول حلف “الناتو” عن دعم السياسات الأميركية، بعد “خروج واشنطن الفوضوي” من أفغانستان، كما وصفته دول “الناتو”، جاء ليعبّر عن عزوف الرأي العام في أوروبا عن المغامرات العسكرية خلف أميركا، وأولى ضحاياه استقالة وزيرتين تباعاَ في حكومة هولندا: وزيرة الخارجية سيغريد كاغ (التي تتقن العربية)، ووزيرة الدفاع أنك بيليفلد، على خلفية فوضى إجلاء الرعايا من كابل.

تشكيل حلف “أوكوس” يأتي على خلفية خدمة استراتيجية سلاح البحرية الأميركي، والتي من أبرز أركانها السيطرة على “نقاط الاختناق” في الممرات البحرية العالمية. أمّا توقيته الزمني، فهو عبارة عن رسالة عقاب لأوروبا، وخصوصاً ألمانيا وفرنسا، لرفضهما استمرار نزعة العداء لروسيا وشن حرب باردة جديدة عليها. استراتيجية واشنطن “الجديدة” هي أبعد من رسالة عقاب وأقرب إلى تهميش دور “الناتو” ضد روسيا، واستبداله بـ “ناتو” جديد ضد الصين.

تصريح البيت الأبيض، فيما يتعلق بغرض الحلف، أكّد أنه “ليس تعزيز قدراتنا في منطقة المحيطين الهندي والهاديء فحسب، بل من أجل تقريب أوروبا، ولا سيما المملكة المتحدة، من جهودنا الاستراتيجية، وتعزيز التعاون بين القوات البحرية للدول الثلاث” (كما نقلته قناة “الحرة” الأميركية).

عضوية أستراليا في حلف “أوكوس” الجديد ستخوّلها بناء أسطول من 8 غواصات “تعمل بالطاقة النووية، وتزويد الولايات المتحدة (لها) بتكنولوجيا وقدرات تمكّنها من نشر غواصات” نووية في مياه المحيطات، إلى جانب توفير تِقْنيات متطورة أخرى، وخصوصاً في مجال الذكاء الاصطناعي وتقنيات الكمية “لمواجهة النفوذ الصيني” (بحسب تقرير شبكة “بي بي سي” البريطانية، 16 أيلول/سبتمبر الجاري).

العدو التاريخي للتاج البريطاني، فرنسا، كانت الخاسر الأكبر من تشكيل الحلف. و أعربت عن “خيبة أمل كبيرة” بسبب تهميش دورها من جانب واشنطن ولندن “على الرغم وجود جُزُر فرنسية في منطقة المحيط الهاديء”، وكذلك نتيجة إلغاء أستراليا اتفاقيةً كانت أبرمتها معها في عام 2016 لبناء أسطول من 12 غواصة تعمل بالديزل والكهرباء، لمصلحة البحرية الأسترالية، قيمتها الأولية 40 مليار دولار، وصف وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان ، فَسْخ أستراليا لها بأنه “طعنة في الظهر”.

الصين، من جانبها، ردّت على حلف “اوكوس” عبر سفارتها في واشنطن، كونها محرك العداء لها، مطالبة “الولايات المتحدة وبريطانيا واستراليا بالتخلص من عقلية الحرب الباردة والتحيّز الإيديولوجي”. ونبّهت وسائل إعلامها أستراليا إلى أنها “تًمْضي قُدُماً في خطوات كبيرة نحو معاداتها الصين”.

المعارضة الأشدّ للحلف الجديد أتت من رئيس الوزراء الأسترالي الأسبق، بول كيتنغ، عبر انتقاده اللاذع سياسات بلاده الملحَقة بواشنطن، وخشيته من فقدانها سيادتها الوطنية، بحيث تصبح “معتمدة مادياً على الولايات المتحدة، التي سلبت من أستراليا  أيّ مظاهر في حرية الخيار، في أي انخراط لها قد تراه ملائماً” (مقابلة له مع شبكة “سكاي نيوز استراليا”، 16 أيلول/سبتمبر الجاري).

وذكّر كيتنغ واشنطن بحجمها في منطقة المحيط الهاديء، قائلاً: “الصين قوة قارّية، بينما الولايات المتحدة قوة بحرية”. وأضاف “أن الأرض تتغلب على البحر في كل مرة” في زمن الصراعات، و “خصوصاً بين القوى العظمى”.

 

حقائق الجغرافيا

تحيط بالصين شواطئ مترامية الأطراف، لكنها ضحلة الأعماق، الذي يستدعي تطويرها تِقْنياتٍ ومواردَ أخرى للوصول إلى أعماق البحار، بعيداً عن سلسلة الجزر القريبة، وهي: اليابان، تايوان، الفليبين وماليزيا.

الممرات البحرية التقليدية لدخول أعماق مياه المحيط تقع بين اليابان وتايوان، وتجوبها دوريات يابانية بأسلحة مضادة للغواصات، وكذل الأمر في الممرات الأخرى التي تضم الفليبين وماليزيا.

اسطول البحرية الأميركية، والأسطول البريطاني المساعد، ينشطان في تلك المنطقة أيضاً، من أجل تشديد الرقابة على “الممرات الخانقة”، لكنها منطقة شاسعة جغرافياً، وتصعب مراقبتها من طرف بمفرده. بناءً عليه، حظيت استراليا باهتمام ملموس منهما، لاعتبارها “قوة إقليمية” في أرخبيل جنوبي المحيط الهاديء، ولديها علاقات تجارية واسعة بدول المنطقة.

من خلال تلك الميّزات الإقليمية، وامتلاكها قدرات برمائية معتبرة، يتعاظم دور أستراليا لدى الحلف في مراقبة “الممرات الخانقة” التي ستجوبها قِطَعُها البحرية من أجل زرع مجسّات صوتية فيها لتطويق حرية الملاحة الصينية في أعماق المحيط الهادئ، أو تعطيلها.

ما لدى الصين من إمكانيات وأسلحة بحرية عًرَضَه معهد أبحاث الكونغرس، “خدمة الكونغرس للأبحاث”، وقال إن لديها “46 غواصة تعمل بالديزل والكهرباء، و6 غواصات هجومية نووية، و4 غواصات نووية أخرى قادرة على التسلّح بصواريخ باليستية تحمل رؤوساً نووية”، وذلك لغاية نهاية عام 2020.

أما سلاح البحرية الأسترالي، بحسب المعهد، فلديه اسطول من 6 غواصات دخلت الخدمة في أواخر عقد التسعينيات من القرن الماضي، وصُمّمت على نسق البحرية السويدية.

وأغفل معهد أبحاث الكونغرس الإشارةَ إلى حجم الحشودات العسكرية الأميركية في “بحر الصين الجنوبي، وبحر االصين الشرقي، ومضائق تايوان، وحزام أسلحة استراتيجية مُطْبِق حول الصين، وقدرات تجسّسية ومراقبة، وتطويقها بنحو 400 قاعدة عسكرية” في المنطقة، فضلاً عن نيات واشنطن نَشْرَ “صواريخ نووية متوسطة المدى تغطي غلاف الأراضي الصينية” (بحسب الأدبيات العسكرية ومراكز الأبحاث الأميركية).

يعُتبر بحر الصين الجنوبي ممراً استراتيجياً بالنسبة إلى واشنطن، و”نقطة اختناق” للصين. تمر عبره تجارةُ الصين الضخمة مع العالم، والتي تُقدّر بنحو 5.3 تريليون دولار سنوياً، ويشكّل ممراً حيوياً للطاقة المستوردة بنسبة 77% من حاجاتها. وبحسب البيانات الواردة، ليس من الضروري أن تخوض الولايات المتحدة حرباً مع الصين، بل يكفي عرقلة خطوط التجارة البحرية وتعطيلها، من أجل إنهاك الاقتصاد الصيني (دليل وزارة الدفاع الأميركية، “تقرير عن القوة العسكرية الصينية”، ص 133،  أيلول/سبتمبر 2020).

يشار إلى تطور سردية التهديد الأميركية في تلك المنطقة، إذ بدأت بمقولة أنها ليست طرفاً في منطقة بحر الصين الجنوبي، لكنها مَعْنِية بحماية “حرية الإبحار”، ثم تصاعدت بالتدريج للنفخ، من زاوية حصار الصين وخنقها اقتصادياً وقرصنة سفنها عبر أدوات/أطراف متعاقدة أخرى (دراسة “أطْلِقوا العنان للقرصنة الخاصة” والصادرة عن “معهد البحرية الأميركية”، نيسان/ابريل 2020).

صوّب رئيس الوزراء الاسترالي الأسبق، بول كيتنغ، سهام انتقاده على بلاده والولايات المتحدة، مسترشداً بخطة الخروج الفوضوي من أفغانستان، قائلاً “إذا كانت القوة العسكرية الأميركية الهائلة غير قادرة على إلحاق الهزيمة بحفنة من متمرّدي طالبان، مسلحين ببندقية AK-47 (الروسية)، على ظهر حافلات مفتوحة، فماذا ستكون حظوظها في حال نشوب حرب شاملة ضد الصين؟”.

أجرت جامعة هارفارد العريقة دراسة أخرى عن الصين، تبيّنت فيها ميزات التفوّق على الولايات المتحدة، نقتطف منها: 80% من الكادر القيادي في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني هم ذوو اختصاص علمي أو في مجالات الهندسة. وتتفوّق الصين في عدد براءات الاختراع المسجّلة وكذلك في الأبحاث العلمية، وتحتلّ مركزا متقدماً عالمياً في مجالات الذكاء الاصطناعي، والروبوت، وحسابات الكمية (كوانتم)، وتقنية 5G، والقطارات السريعة، والانتاج الصناعي المتطوّر، وإنشاء مدن صديقة للبيئة، وإعادة التشجير (كلية كنيدي في هارفارد “مركز آش للحوكمة الديموقراطية والإبداع”، تموز/يوليو 2020).

الصين ترسل رسائل عالمية مُطَمْئِنة، ومفادها أنها لا ترغب في دخول حرب مع أحد، وتعارض الهيمنة بشدة. في المقابل، فإن الخطاب الأميركي والاستراتيجية المتّبعة، في ولاية الرئيس جو بايدن، ينشدان التصعيد المستمرّ، واستفزاز الصين وتهديدها، وإحاطتها بمئات القواعد العسكرية والأسلحة النووية، كما أسلفنا. وهي سياسة تُكمل ما سبقها من توجّهات أميركية، من الحزبين، مناوئة لإنجازات الصين ومنافستها الشديدة لموقع أميركا الاقتصادي.

2021-13-09-التقرير الأسبوعي

كيف قوّضت أميركا الحريات
بذريعة “الإرهاب”ّ؟

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

عوّلت المؤسسة الأميركيّة الحاكمة على احتفالية مميّزة في الذكرى العشرين لهجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001، تزامناً مع موعدها المعلن للانسحاب من أفغانستان، ولكن سرعان من انقلب الأمر إلى حملة انتقادات واسعة وتجاذبات سياسية فاقمت المشهد السياسي المرتبك أصلاً، ما اضطر المؤسّسات الإعلامية إلى إدخال تعديلات مهمة على تغطيتها المرتقبة، والتركيز على تداعيات الإنسحاب المُذِلّ عوضاً عن ذلك.

تخلّي المؤسّسة الحاكمة عن “أعوانها” والمتعاونين معها في أفغانستان لم يكن عن طريق الخطأ أو الصدفة، بصرف النظر عن طبيعة الخدمات اللوجستية والاستخباراتية العالية التي قدّمها أولئك، بل نتيجة حسابات مسبقة دقيقة وصارمة لحماية “الجنس الأبيض” حصراً، سبقه أسلوب مماثل في ولاية أميركية قبل أيام معدودة.

وجاء إعصار “آيدا” الذي رب ولاية لويزيانا في 30 آب/اغسطس الماضي، بسرعة رياح بلغت 240 كلم في الساعة، ليرخي مزيداً من ظلال الأسى والمرارة والانقسام العام، معطوفاً على  قرار السلطات المحلية “استثناء” نزلاء بعض سجونها من إجراءات نقلهم إلى أماكن بعيدة عن عين الإعصار، معيداً إلى الذاكرة الجمعية بؤس الإعداد وعنصرية التدابير التي رافقت إعصار “كاترينا” قبل 16 عاماً، والذي أودى بحياة ما لا يقل عن 1800 شخص، وتدمير الأحياء الفقيرة، وتهجير ما تبقى من السكان بقرار رسمي دون تعويضات.

ما جرى تقديمه لا يشكل اكتشافاً جديداً في الطبيعة الاستغلالية للمؤسسة الأميركية الحاكمة ضد الجنس البشري أينما وجد، بقدر ما يساهم في تبديد الأوهام حول “النيات الخيرية” المضلِّلة بحيث تعاني سردياتها بالتفوق والتميّز، من علامات التشقّق في ولاء أشدّ حلفائها. بريطانيا، مثلاً، أعلنت أنها لن تعتمد على حليفتها الأميركية لصون أمنها مستقبلاً.

مساعي التقييم والمراجعة الجادّة في الولايات المتحدة لتداعيات الحروب الناجمة مباشرةً عن مساعي التصدي الرسمي لتلك الهجمات قبل عقدين، تعطي صورة متناثرة حول حقيقة الدمار الهائل الذي لحق بالبشرية جمعاء، تتنكّر في معظمها للتبريرات الأميركية في استراتيجية “الحرب على الإرهاب” لشنّ عدوانها على أفغانستان والعراق واحتلالهما، وتتذكّر في المقابل الأرقام الفلكية حصراً التي أنفقتها المؤسسة الحاكمة على حروبها المتواصلة، بدءاً بكلفة ما لا يقل عن 2 أو 8 تريليون دولار، إلى دراسة أحدث زمنياَ قدرت الكلفة الإجمالية لحروب واشنطن بنحو 21 تريليون دولار خلال العقدين السابقين، ومقتل ما لا يقل عن مليون شخص “في سياق رد الفعل الأميركي”.

الخسائر البشرية الهائلة للدول والشعوب المعتدى عليها وتدمير بناها التحتية، تفوق تلك الأرقام المتواضعة بمعدلات عدة، بحسب تقارير المنظمات الدولية المتعددة، يوازيها في الأهمية تحويل المناخ السياسي في الولايات المتحدة إلى “دولة بوليسية” بكل ما تحمله المفردة من معنى: الأولوية للأجهزة الأمنية والبوليسية بشرياً وتمويلياً، وتطبيق قرارات سرّية، وإصدار قوانين سرّية أيضاً، وعقد محاكمات سرّية وإصدار قرارات بشأنها لا يعلم المتضررون عنها شيئاً، وترسيخ مناخ الترهيب الداخلي وفي الخارج أيضاً، وتقويض مساحة الحريات الفردية، ولا سيما حرية التعبير “المكفولة دستورياً”، وتفشي وسائل ووسائط التجسس على الأفراد والتجمعات، وخصوصاً في الانتشار المتصاعد لكاميرات المراقبة داخل المؤسّسات المدنية والتعليمية، وتقنية “التعرّف إلى ملامح الوجه”، تستكمل بها مجتمعة قائمات ما تسمّيهم “المطلوبين للعدالة”.

في محصّلة الأمر، تحوّلت الولايات المتحدة إلى “دولة بوليسية، الكلمة العليا فيها للشرطة المدجّجة بأسلحة ميدانية تنشد الإذعان لها وإطاعة أوامرها”، بحسب تشخيص المتعاقد الأمني السابق إدوارد سنودن، والّذي فضح بمفرده سياسات التجسس الداخلي المنظمة، ومراقبة شبكة الانترنت التي تنفذها “وكالة الأمن الوطني” و “مكتب التحقيقات الفيدرالي” (حزيران/تموز 2013).

وقد شاطره الرأي “نقابة الحريات المدنيّة الأميركيّة” المرموقة، محذّرة في شهادة أدلت بها أمام مجلس الشيوخ بالقول: “نحن مقبلون على خطر السماح لمواطنينا بالانصياع إلى مخاوفنا بدلاً من التكيف مع قيمنا. (وإلا) كيف نستطيع تفسير إجراءات الحكومة” بتقويض الحريات الفردية؟

ونبّهت النقابة إلى تجاوب الكونغرس السريع مع طلب إدارة الرئيس جورج بوش الإبن المصادقة على “باتريوت آكت – القانون الوطني” والذي يخوّل الأجهزة الرسمية مراقبة الإرهابيين (كما في الأصل)، مشكلاً ثغرة رسمية للتجسس على الأميركيين. يُشار إلى أنّ القانون الوارد أعلاه أتاح الفرصة لمكتب التحقيقات الفيدرالي للتجسّس على الحملة الانتخابية للرئيس السابق دونالد ترامب.

وانضمت منظمة حقوقية أخرى، هي “فيوتشر اوف فريدوم فاونديشن” (مؤسسة مستقبل الحرية)، إلى مساعي التحذير من تغوّل الأجهزة الأمنية والرسمية بالقول: “شكّلت الحكومة الأميركية تهديداً أكبر لحرياتنا من أيّ إرهابيّ أو متطرف أو كيان أجنبي”، مستطردةً أنّ التهديد الرسمي يستهدف أيضاً مناوئي السياسات الحكومية المختلفة.

اللافت أيضاً أن المناخ السياسي الذي جسّده الرئيس جو بايدن، بزعمه الانتخابي لإنهاء “الحرب العالمية على الإرهاب”، بات يحشد مجدداً دولاً في القارات الخمس للانضمام إلى حرب أخرى “عالمية” ضد الصين وروسيا. بكلمة أخرى، “الحروب اللامتناهية” على العالم ستبقى ركيزة ثابتة في الاستراتيجية الأميركية.

تلك “الركيزة” كانت مجسّدة بوثيقة “سرّية” من قبل البنتاغون، كُشف النقاب عنها تحت عنوان “إرشادات للتخطيط الدفاعي” لنشر أوسع للقوات العسكرية الأميركية، حملت تواقيع أبرز أركان المحافظين الجدد، وهم بول وولفويتز ولويس “سكوتر” ليبي، وإشراف نائب الرئيس الأسبق ديك تشيني، وفحواها “إرساء نظام أمني عالمي قادر على قمع أو تدمير مصادر تهديد الاستقرار من قبل القوات العسكرية الأميركية”، وشنّ حروب استباقية لذلك الغرض، بحسب توصيف عضو عن الحزب الديموقراطي في لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ.

نظرة سريعة في حيثيات تلك الوثيقة تشير إلى تبنيها بصورة “شبه رسمية” في العام 1997، عبر معهد بحثيّ متطرّف، مشروع القرن الأميركي الجديد برئاسة روبرت كيغان وويليام كريستول. تعزّزت شهرة المعهد بترشيحه كبار المحافظين الجدد وتبوّئهم مراكز رسمية عليا: ديك تشيني نائبا للرئيس، دونالد رمسفيلد وزيراً للدفاع، سكوتر ليبي مستشار الأمن القومي لنائب الرئيس، بول وولفوويتز نائباً لوزير الدفاع، زالماي خليل زاد مديراً في مجلس الأمن القومي، وغيرهم.

أبرز مظاهر تغوّل المحافظين الجدد، في تلك المرحلة البعيدة، كان إعدادها قائمات “الممنوعين من السفر” على رحلات داخلية وخارجية، بعضها ضم أسماء أعضاء في الكونغرس مناوئين لتوجهات الطاقم الجديد، منهم كان السيناتور الأسبق تيدي كنيدي. امتد نطاق “المنع” إلى وسائل النقل الأخرى، سواء بالقطارات أو الحافلات العامة.

ذهنيّة الإقصاء تتجدد أيضاً في عهد الرئيس جو بايدن على خلفية/ذريعة قرار بعض المواطنين عدم تلقي اللقاح ضد “كوفيد 19″، ومطالبة بعض المسؤولين بحظر تنقلهم عبر الولايات، يواكبها حملة تجاذب سياسية قاسية بين الحزبين مع اقتراب موعد الانتخابات النصفية، والتي يشعر فيها الحزب الجمهوري بأنّه قاب قوسين من فوزه بمجلسي الكونغرس، ما يحيل سياسات الرئيس بايدن وطموحاته إلى “مكانك راوح” في أفضل الأحوال.

ما نود قوله في “إحياء ذكرى هجمات أيلول/سبتمبر” أنّ استراتيجية “الحرب الكونية على الإرهاب” ساهمت في إنضاج سياسات أميركية أشد عدوانية في الخارج، ووفرت لها المبررات الداخلية لتطوير وتطبيق عدد من التدابير والتقنيات الهادفة إلى السيطرة على تحركات المواطنين وانتهاك الحريات المكفولة دستورياً. ومن بين تلك الوسائل والتدابير، الاستخدام المكثف للطائرات المسيرة في الدول المستهدفة، رافقها أساليب تعذيب مبتكرة وأشد إيلاماً للضحايا.

أمّا في الداخل الأميركي، فقد استطاعت المؤسّسة الحاكمة، وخصوصاً امتداداتها الاستخباراتية والأمنية، تقويض الحريات الفردية تحت ذريعة “مكافحة الإرهاب” وشنّ هجمات متطورة ضد القوى والمنظمات الاجتماعية المناوئة لسياساتها، أبرزها تلك الناشطة بين أوساط الأقليات والمهمّشين، ومصادرة جماعية لأملاكهم ومقتنياتهم، واستغلال توجهات المحكمة العليا نحو اليمين لتبرير سياساتها القمعية “بحماية القانون”.

أمّا برامج الرعاية الاجتماعية والصحية والتعليمية التي استثمرت فيها الحكومة الأميركية في بدايات الحرب الباردة، كردّ مباشر على امتيازات النظم الاشتراكية، وخصوصاً في الاتحاد السوفياتي السابق، فقد أضحت مادة للمساومة السياسية، ولم تكن عرضة لتقليص النفقات فحسب، بل لإلغائها واستبدال منطق الربح والتجارة بها أيضً، لمصلحة رأس المال والشركات الكبرى التي “تنافس” الدولة في برنامج الرعاية الصحية للمتقاعدين.

استراتيجية “الحرب على الإرهاب” أرست القواعد التي انطلقت منها مؤسّسات الدولة للتحكّم في مفاصل الحياة اليومية وانتشار إجراءات المراقبة ممثلة بـ “قانون الوطنية” سالف الذكر، الذي خوّلت بموجبه مندوبي الدولة (الأجهزة الأمنية) حقّ تفتيش الممتلكات الخاصة دون إعلام الطرف المعني أولاً، كما كانت القوانين السارية تنصّ، وامتدّت لتشمل المكالمات الهاتفية والمراسلات في وسائط التواصل الاجتماعي.

تسجيل القوانين والاجراءات الرسمية، الناجمة عن استغلال أجواء هجمات أيلول/سبتمبر تطول قائماتها وامتداداتها. على سبيل المثال، اعتمدت وزارة الدفاع برنامج “المعلومات الشاملة” لجمع سجلات وبيانات متعددة تخصّ المنتسبين، وهي تشمل السجلات الهاتفية والمصرفية والسفر والبيانات الصحية البالغة الخصوصية، بهدف بلورة “سياسة تنبّؤية” لكشف نيات إرهابية. بل تعاونت وزارة الدفاع مع مكتب التحقيقات الفيدرالي في إصدار “مذكرات الأمن القومي”، والتي تخولهما تقصي بيانات خاصة ودقيقة للمواطنين من دون العودة إلى استصدار قرار قضائي بذلك، كما كان سارياً من قبل.

مع الذكرى العشرين للهجمات، أفرجت السلطات الأمنية الأميركية، بناءً على أمر تنفيذي من الرئيس بايدن، وتحت ضغط مكثف من عائلات الضحايا، عن بعض الوثائق السرية المتعلقة بالتحقيقات الرسمية، ومنها تقرير أعده مكتب التحقيقات الفيدرالي في العام 2016.

ورغم عمليات التنقيح الواردة في التقرير، اعتبرت أُسر الضحايا أنّ الكشف عن الإتصالات بين بعض الرسميين السعوديين وبعض منفذي الهجمات يشير الى تورط مسؤولين حكوميين سعوديين. يعتبر التقرير الخطوة الأولى في مسار معقّد، وتتطلع العائلات إلى الإفراج عن المزيد من الوثائق التي ستعزّز الأساس القانوني للدعاوى التي تم رفعها، والتي تطالب الحكومة السعودية بتعويضات مالية بالمليارات.

الفشل الإستخباراتي الأميركي، كما هو متداول، في الكشف عن خطّة منفذي الهجمات قبل وقوعها، رغم تدريباتهم التي جرت في الأراضي الأميركية، مسألة لا يقترب منها التحقيق الذي خلص فقط الى أن الأجهزة الأمنية قصّرت في التعاون في ما بينها.

تبدو أميركا منقسمة ومرتبكة، رغم مرور 20 عاما على الهجمات، ولا تزال عاجزة عن تجاوز الألم والصدمة، لا بل زادت مرارة الأميركيين وهم يشاهدون مشاهد الخروج المُهين من أفغانستان، مبدّدةً الأوهام التي راجت حول اشباع نزعة الإنتقام التي طغت على مشاعر الأميركيين إثر الهجمات، وساهمت في تبرير غزو أفغانستان، وبعدها غزو العراق، بذريعة الحرب على الإرهاب.