2022-24-01-التقرير الأسبوعي

(ينشر بالتعاون مع موقع “الميادين” اونلاين)

بايدن ومحاولته اليائسة
في تغطية الفشل عبر المطوّلات

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

استغرق الرئيس بايدن مؤتمره الصحفي، 19 الشهر الحالي، زهاء ساعتين، مخاطباً الشعب الأميركي، ومجيباً على أسئلة الصحافيين، ونافياً الاتهامات بعدم أهليته لقيادة البلاد وتراجع قدراته الذهنية، مارّاً على عدد من الملفات والتحديات الداخلية والخارجية التي تواجه الولايات المتحدة. واضطُر بعض أعوانه إلى لإقرار بأن توقعاته لم تكن في صالح سرده الإخفاقات التي واجهها في عامه الأول، لكن الشعب الأميركي يعي ذلك جيّداً.

الملاحظة الأبرز في أدائه الأخير أن الولايات المتحدة تعاني من حالة انقسام سياسي “غير مسبوق في تاريخها الحديث”. ومن بين الوعود التي قطعها على نفسه وأخفق في إنجازها، فإن الحفاظ على الوحدة الداخلية يعدّ من أهم مسؤولياته، تليه الحالة الاقتصادية وعدم انقسام الحزب الديموقراطي على نفسه. وعبّرت صحيفة “نيويورك تايمز” عن مأزق البيت الأبيض قائلة: “لا يزال بمقدور بايدن إنقاذ رئاسته”. واستدركت بالتحذير من أنّ “ثمة خطورة من أن تؤدي سياسات بايدن إلى وضعية لا يعود معها خصوم أميركا يخشونها، ويصبح فيها حلفاؤها لا يثقون بها” (“نيويورك تايمز”، 18 كانون الثاني/يناير 2022).

من نافل القول إن الرئيس بايدن حصل على أعلى نسبة تصويت من الناخبين في تاريخ الكيان السياسي الأميركي، بينما أشارت استطلاعات الرأي المتتالية في سنته الأولى إلى تدنّي أدائه، وإلى أنه “الرئيس الأكثر تخييباً للآمال منذ ما يزيد من 75 عاماً”. وأقرّ الرئيس بايدن بذلك في بداية خطابه قائلاً: “لا أؤمن باستطلاعات الرأي”، وبأنه لن يقبل ببساطة الوضع الراهن كمقياس. وقال: “لن استسلم وأقبل الأمور كما هي عليه الآن، بعضهم يعتبره وضعاً عادياً جديداً، وأنا اوصّفه بأنه عمل لم يكتمل بعد”.

وقد أشار استطلاع أجراه “معهد غالوب”، في شهر تشرين الأول/اكتوبر الماضي، إلى نيله أدنى نسبة تأييد بين الرؤساء الأميركيين منذ عهد الرئيس الأسبق هاري ترومان في عام 1945.

خرج الرئيس بايدن عن أطواره الهادئة بعض الشيء بانتقاده سلفه الرئيس ترامب، لممارسته نفوذه على أعضاء الحزب الجمهوري لتعطيل خطته للنهوض بالاقتصاد، وباتهام قادة الحزب الخصم بأنهم ليس لديهم أي خطة أو أهداف غير التعطيل، وتقديم مستقبلهم السياسي على حساب مستقبل البلاد.

مرور الرئيس بايدن في خطابه على سلفه الرئيس ترامب ليس بعيداً عن الواقع. فلقد أظهر الأخير أنه “قيادة غير مرئية” لتوجّهات الحزب الجمهوري، ولا يزال يمارس دوره في ترشيح مندوبي الحزب الموالين له، وإقصاء الذين عارضوه أو أيّدوا مساعي تقديمه إلى المحاكمه.

أما بصدد أجندته للنهوض بالاقتصاد وترميم البنى التحتية، فقد أعرب بايدن عن خيبة أمله من “عدم مساندة مجلس الشيوخ”، من الحزبين. وللخروج من المأزق، وافق بايدن على تقسيم الخطة الأصلية إلى مجموعة أجزاء طمعاً في نيل دعم إثنين من أعضاء حزبه في مجلس الشيوخ، ومن ثم تُهيّئ نائبة الرئيس جلسة التصويت كي يفوز بنسبة الأغلبية البسيطة. لكنّ “الشيطان يكمن في متن التفاصيل”.

أوجز عدد من منتقدي الرئيس بايدن ما يواجهه من تحديات بانها تتمثل في “حال الاقتصاد، وجائحة كورونا وإخفاق التأييد لبرامجه المقدمة في الكونغرس، ما أسفر عن بداية باهتة في سنته الأولى”.

الأجندة الخارجية للرئيس بايدن حظيت بمساحة كبيرة من الاهتمام. فقد واجه ـ3 ملفات ملتهبة، الصين وروسيا وإيران، ناشداً الصدام مع الأولى والثانية، بينما حافظ على قدر من لغة التهدئة بشأن الملف الإيراني لاعتبارات المفاوضات النووية الجارية في فيينا، ما يدّل على نية أميركية للعودة إلى لاتفاق. لكن كبار مستشاريه في البيت الأبيض يُصرّون على أن “طهران لم تقدم أي شيء بنّاء في المفاوضات حتى اللحظة، وأن الوقت ليس متاحاً إلى ما لا نهاية”. جاء ذلك على تضاد مع خطاب الرئيس بايدن بقوله: “هناك بعض التقدم في المفاوضات، لكننا سننتظر إن كانت إيران جاهزة للاتفاق”.

ومهّدت فصلية “فورين أفيرز” سقف اجواء المفاوضات الجارية في فيينا بالقول “إن أميركا لا تريد الحرب، ولكنها لا تريد إيران نووية أيضاً. وهذه معضلة حقيقية تزيد من شهوة إيران العدوانية في المنطقة” (“خط أحمر لإيران” في مجلة “فورين أفيرز”، 23 كانون الأول/ديسمبر 2021).

على الجانب المقابل، أوضح السفير الأميركي السابق لدى سوريا، روبرت فورد، ما يدور في خلد المعادين للتقارب مع إيران، وهم الأغلبية، قائلاً: التحدّي الإيراني يمثّل أبرز التحديات التي تواجه أميركا في المنطقة، وعلى واشنطن العمل مع حلفائها التقليديين في المنطقة لمقاومة توسّع النفوذ الإيراني، ولا يمكن للإدارة القيام بذلك من دون الاعتماد على السعودية وتركيا.

استهداف واشنطن للصين ليس جديداً، بل هو امتداد لسياسات الرؤساء الأميركيين من الحزبين. وأوضح بايدن أن حكومته لن ترفع عقوبة رسوم التعرفةالجمركية التي فرضها سلفه الرئيس دونالد ترامب عليها، وصعّدت المواجهة العسكرية في مياه المحيط الهاديء في جوار الصين، وتضع نصب أعينها إعاقة أو تعطيل خطة الصين بالانفتاح على العالم، المعروفة بمبادرة “الحزام والطريق”.

الصراع الأميركي مع روسيا لا يزال امتداداً للسياسات الأميركية السابقة في معاداتها لها، على الرغم من إلصاق هالة من “الواقعية السياسية” على الرئيس بايدن، مقارنة مع سلفه الرئيس ترامب. وبرزت أوكرانيا كبرميل بارود على وشك الانفجار، نتيجة الاصطفافات والتحالفات السياسية التي تقودها واشنطن مع حلفائها في حلف الناتو.   الأمر الذي يناقض ما وصفه الصحفي الأميركي الشهير بوب وودوارد في كتابه “الخطر المحدق”، بأن (نائب الرئيس) بايدن لم يكن راضياً عن كيفية تلاعب القادة العسكريين بالرئيس أوباما بشأن أفغانستان، كي يأخذ قراراً بزيادة عدد القوات الأميركية هناك.

تمسّك الرئيس بايدن بخطاب التصعيد ضد روسيا، محذّراً من “الكلفة الباهظة أن غزت أوكرانيا”، أبرزها سيل من العقوبات الاقتصادية، بينما أمدّت واشنطن كييف بمعدات عسكرية مختلفة ومنح مالية، فضلاً عن تقديمها الدعم السياسي والديبلوماسي.

إصرار الإدارة الأميركية على مواصلة نهج التصعيد مع روسيا يعززه فشل المحاولة الأخيرة لقلب نظام الحكم في الجارة الجنوبية كازاخستان، كما يشاع في واشنطن. كان من المفروض أن تتحقق المساعي الأميركية “لقلب الطاولة على روسيا في حديقتها الخلفية” قبل لقاء وفديهما في فيينا، 18 الشهر الحالي، لاستعراض الوضع بشأن الاتفاق النووي.

كما تشدّدت واشنطن في تصريحاتها للرد على تساؤلات روسيا في ورقتها الأمنية، وأوفدت وزير خارجيتها للقاء نظيره الروسي، لبحث ملفات الأزمات بينهما، وأبرزها ملف أوكرانيا، فاستغرق ذلك زهاء ساعتين. الوزير الأميركي شدّد على مطلبه من روسيا بأن عليها إثبات عدم نيتها غزو أوكرانيا، بينما أوضح الوزير الروسي انهما توافقا على ضرورة مواصلة الحوار المنطقي كي “تتراجع لغة الانفعال”.

عند التدقيق في الخط البياني العام للسياسة الأميركية، منذ غياب الاتحاد السوفياتي، تبرز “الاستثنائية الأميركية” كعنوان وجد جذره في طروحات الأميركييْن “نهاية التاريخ” لفوكوياما، و “صراع الحضارات” لهنتنغتون، وما كان يراد منه توظيف البُعدين الايديولوجي والعقائدي لمنهج العولمة، الذي يطلب تسليم الطرف الأضعف بخسارته وتبعيّته للمركز الأميركي. لكنّ مسار التاريخ البشري عصيّ على التطويع، وأثبت فشل تلك الطروحات، وما بُني عليها، إذ اعتذر أصحابه عن عدم صلاحية ما نادوا به.

وعليه، ينبغي الإقرار بأن مساعي الغرب، والولايات المتحدة بشكل أدق، لتأسيس أرضية فكرية تعبّر عن هيمنة القوة الكبرى على العالم، وإقصاء بل تشويه الحضارات الأخرى، قد فشلت في تحقيق رؤى قصيري النظر، وأعاد الاعتبار إلى صراع قوى متعددة عوضاً عن استفراد قطب أوحد بمصير العالم.

2022-17-01-التقرير الأسبوعي

محنة قادة أميركا:
الشيخوخة نموذجا

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

 قبل بدء سباق الانتخابات النصفية المقبلة، نهاية العام الحالي، يسود شبه أجماع  على أن الحزب الديموقراطي سيُمنى بخسارة أغلبيته في مجلسي الكونغرس لصالح منافسه الحزب الجمهوري. إذن، ما العمل؟

بنية الحزب الديموقراطي الراهنة تنطوي على 3 تيارات متصارعة؛ التيار التقليدي الأول بزعامة الرئيس الأسبق باراك أوباما، وامتداداً الرئيس جو بايدن، والتيار المؤسّساتي المؤثر بزعامة هيلاري وبيل كلينتون، مقابل تيار ليبرالي ضئيل التمثيل، بزعامة المرشح الرئاسي الأسبق بيرني ساندرز.

التيار المؤسّساتي، “آل كلينتون”، يشحذ قواه للعودة بقوة إلى الواجهة “متسلحاً” ببيانات تدنّي شعبية كل من الرئيس بايدن ونائبته كمالا هاريس، إلى نسبة 33%، نتائج استطلاع أجري في 12 الشهر الحالي، وما يعتبره وجود “فراغ قيادي” في قمة الحزب الديموقراطي بسبب تعثّر الرئيس بايدن وبروز عوارض الشيخوخة في تصرفاته، ومن غير المرجّح أن تتوافر لديه القدرة على تحمّل تداعيات حملة انتخابية قاسية، وقد دخل عتبة الثمانين من عمره، خصوصاً أمام تجدّد عودة الرئيس السابق دونالد ترامب إلى حلبة السباق، كما يرجّح.

وهبّت صحيفة المال والأعمال “وول ستريت جورنال” للترويج العلني لعودة هيلاري كلينتون إلى السباق الرئاسي، في 2024، منوّهة بشدة بـ “خبرتها الطويلة كزعيمة وطنية وهي أصغر من الرئيس بايدن وباستطاعتها طرح مسار وخيارات مختلفة عمّا نراه راهناً من الفوضى القيادية وتدنّي مستوى الأداء الذي يواجهه الحزب”، (11 كانون الثاني/يناير 2022).

الرئيس جو بايدن في وضع فريد لا يُحسد عليه راهناً، خصوصاً لإقراره الشهر الماضي بأن توحيد الولايات المتحدة “هو أحد أصعب الأمور”. كما أنه “على وشك خسارة معركتين كبيرتين من اختياره؛ فمن النادر أن يكون رئيس على خلاف مع الجمهوريين والديموقراطيين المعتدلين والديموقراطيين الليبراليين في الوقت نفسه”، بشأن رفض المحكمة العليا لخطة الإدارة بإلزامية التلقيح لموظفي الشركات الكبرى، بحسب موقع “آكسيوس”، 14 كانون الثاني/يناير 2022.

كما أن الحالة الصحية والقدرة الذهنية للرئيس بايدن تعانيان من مظاهر الإعياء، وهو الأكبر سناً من كل ما سبقه من رؤساء؛ فقد تعثر وسقط ثلاث مرات متتالية عند صعوده سلّم الطائرة الرئاسية، في مارس/آذار 2021، والارتباك المتتالي خلال ظهوره إعلامياً وهو ليس في كامل “لياقته الصحية والذهنية”.

وكذلك ما تناولته صحيفة “نيويورك بوست”، في كانون الأول/ديسمبر 2021، تحت عنوان “قصص بايدن المختلَقة”، تشير فيها إلى “تغييره لتفاصيل وشخوص سردياته بصورة تدعو إلى القلق”، خصوصاً زعمه لعب دور الوسيط بين “غولدا مائير والحكومة المصرية” خلال عدوان عام 1967، إذ كان طالباً في سنته الأخيره في كلية الحقوق في تلك الأثناء. كما أشارت إلى “حالة النعاس” التي بدت عليه خلال لقائه في البيت الأبيض مع رئيس الوزراء “الإسرائيلي”، نفتالي بينيت، كدليل آخر على تردّي حالته الصحية والذهنية.

من الجائز القول أن سلوك الرئيس بايدن يوازي في محطات عديدة “تقلبات” الرئيس السابق دونالد ترامب، في بُعد إدارة الملفات، وابرزها الانسحاب الفوضوي من أفغانستان، وما تلاه من إعلان “حلف أوكوس” الذي أثار غضب فرنسا، الحليف الرئيسي للسياسة الأميركية، وما رافقه من استدعاء باريس لسفيرها لدى واشنطن ومن ثم عودته لاحقاً بعد تدخل مباشر من الرئيس بايدن.

لعل إدارة الملف النووي الإيراني كانت الأشد تعبيراً عن تخبّط الإدارة وبلبلتها، خصوصاً بعد توجيه وسائل الإعلام الأميركية التهم للبيت الأبيض بمفاجأة إيران رفع سقف مطالبها في مفاوضات فيينا، بعد تردّد إدارة الرئيس بايدن في العودة والالتزام ببنود الاتفاق. وتضيف تلك المصادر أن الرئيس بايدن “يجد نفسه في مأزق حقيقي مع مطلع 2022، وخصوصاً أن إيران اقتربت كثيراً من بلوغ العتبة النووية”.

خسارة الحزب الديموقراطي لأغلبيته في مجلسي الشيوخ والنواب، بحسب صحيفة “وول ستريت جورنال” المحافظة، سيضع أجندة الرئيس بايدن في غرفة الإنعاش، وتفتح باب الصراع على قيادة الحزب، وستحفّز هيلاري كلينتون على الاستناد إلى تلك الخسارة كمنصة انطلاق لمنصب الرئاسة وتعزيز موقعها كـ “مرشح للتغيير”.

مهّدت السيدة كلينتون لمسعاها الراهن بجملة تصريحات وخطوات تؤشر على نيتها خوض السباق الرئاسي كمرشحة عن الحزب الديموقراطي، منها تحذيرها من خسارة حزبها للأغلبية الراهنة في الكونغرس نتيجة “عدم القدرة على تحقيق البرامج المطروحة، ولا نلمس نشاطاً في البيت البيض يمكننا التعويل عليه كصوت عاقل ورصين، مستقر ومنتج”، مقابلة مع شبكة “أم أس أن بي سي”، 30 كانون الأول/ديسمبر 2021.

سياسياً، لا تزال السيدة كلينتون وما تمثّله من قوى نافذة في هيكلية الحزب الديموقراطي تعامل التيار “الليبرالي” داخل الحزب باستخفاف وتسفيه، محذّرة من عواقب “استمرار الحزب الديموقراطي في تحالفه مع التيار التقدمي”، ومناشدة قياداته “رفض المواقف اليسارية المتشددة التي تعزل قطاعات أساسية من الناخبين”.

من بين الذرائع التي قد تساعد السيدة كلينتون على تجديد ترشيحها حالة التردّي والارتباك التي يعاني منها الرئيس بايدن، في أعقاب فشل مشروعه الطموح لترميم البنى التحتية وبرامج الرعاية الصحية والتعليمية، وفشله أيضاً في تمرير بنود مشروعه الأحدث لإصلاح قانون حق التصويت والذي كان سيسهم في توسيع قاعدة الناخبين الديموقراطيين.

تقدّم السياسين في العمر مسألة تقلق علماء الاجتماع الذين أعربوا عن خشيتهم من قدرة الفرد على التحكم بزمام الأمور بعد بلوغه عتبة الـ 70 عاماً. فالدراسات المتوافرة تشير إلى تراجع قدرة “رؤساء الشركات” على استيعاب القدر الهائل من المعلومات طردياً مع تقدّم العمر.

فالرئيس بايدن دخل عامه الثمانين، ورئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي بلغت 81 عاما، وهي تعدّ في المرتبة الثانية دستورياً لتولّي الرئاسة، وزعيم الأغلبية لدى الديموقراطيين في مجلس النواب، ستيني هوير، يبلغ من العمر 82 عاماً. أما في مجلس الشيوخ، فرئيس المجلس عن الحزب الديموقراطي، تشاك شومر، تعدّى 71 عاماً، والسيناتور بيرني ساندرز بلغ 80 عاماً. أما زعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ، ميتش ماكونيل، فقد بلغ 79 عاماً.

في البعد الاستراتيجي وصراع القوى العالمية، تُعتبر السيدة كلينتون، 74 عاماً، من أخلص أنصار الحرب الباردة وأبرز المعادين لروسيا والصين، ما يُكسبها دعم وتأييد “مجمّع الكونغرس الصناعي المالي العسكري”، كما يُعرف حديثاً.

بيد إن طموح السيدة كلينتون وطريقها إلى الرئاسة ليسا معبّدين بالورود، كما تزعم مراكز القوى الرئيسية، خصوصاً لمحدودية شعبيتها وتردّي مستويات تأييدها داخل قواعد الحزب الديموقراطي نفسه.

وردّت يومية “بوسطن هيرالد” الليبرالية على طرح السيدة كلينتون كمرشحة للرئاسة، بأنها ليست الخيار الأفضل للحزب الديموقراطي، “كما أن (الرئيس) جو بايدن ونائبته كمالا هاريس ليسا من المفضّلين.” وختمت بالقول إن خيار كلينتون  يُعدّ “حلماً مروّعاً”، (“بوسطن هيرالد”، 14 كانون الثاني/يناير 2022).

2022-02-01-التقرير الأسبوعي

عام صعب ينتظر بايدن:
الرئيس ليس بخير

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

أفول العام الأول من عمر إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن، واحتفاله بعيد ميلاده الـ 78، لا يبشّران ببداية مميّزة في العام الجديد، وخصوصاً أمام عدم اتّساق وعوده الانتخابية، المفعمة بالتمنيات، مع الأداء الباهت في ملفات حيوية وحساسة، أبرزها تدهور الأوضاع الاقتصادية.

أمام بايدن تحديات متعددة، تتعاظم في أولوياتها وضرورة إيجاد حلول لها، وهو ماضٍ في الاصغاء إلى معسكر الحرب وزيادة ميزانيات وزارة الدفاع، وتهميش برامجه الواعدة سابقاً في ترميم البنى التحتية وبرامج الرعاية الصحية بسبب الانقسامات الحادة داخل حزبه الديموقراطي.

في العُرف الرئاسي الأميركي، يقبع الرئيس بايدن في أدنى مرتبة بين أقرانه الرؤساء السابقين في جردة العام الأول من ولايتهم، إذ حصد نسبة 13 تحت الصفر في معدل الأداء الاقتصادي، يليه في المرتبة الثانية الرئيس الديموقراطي الأسبق جيمي كارتر بنسبة 8 تحت الصفر. فالتضخم الاقتصادي السنوي لا يزال مرتفعاً بنسبة 6.8% “ويفوق معدلات الأجور”، إذ سيحصل المتقاعدون على زيادة في مخصصاتهم في العام الجديد بنسبة 2-3%.

المقارنة في هذا الشأن لها دلالاتها المميّزة في المستقبل السياسي للرئيس الأميركي، إذ خسر الرئيس جيمي كارتر انتخابات تجديد ولايته أمام منافسه رونالد ريغان على خلفية زيادة معدّلات التضخم وارتفاع اسعار الفائدة ومعدلات نمو اقتصادي باهتة.

بايدن: رغبات للهيمنة وتراجع في القدرات
أما “مأساة” ولاية الرئيس بايدن فتتجلّى في “نقص الإمدادات” واللوازم الضرورية لاستمرار عجلة الاقتصاد. وارتفعت أسعار الخبز ومشتقات الحبوب إلى نحو “80% في بعض الولايات الأميركية”، يفاقمها ارتفاع أسعار الطاقة والمحروقات في بداية فصل الشتاء، وما ستتركه من تداعيات على وُجهة الانتخابات النصفية المقبلة.

المستشار الاستراتيجي الأبرز في الحزب الجمهوري، كارل روف، طمأن جمهوره إلى أن الحزب الجمهوري، سيستعيد سيطرته على الكونغرس في مجلسيه، في الانتخابات المقبلة، في تشرين الثاني/نوفمبر 2022، فالرئيس بايدن “لم يمارس مهمّاته وفق النموذج الليبرالي المعتاد” (صحيفة “وول ستريت جورنال”، 30 كانون الأول/ديسمبر 2021).

كما ان معدلات تأييد الرئيس بايدن، بصورة عامة، ليست أفضل حالاً. فلقد أشارت استطلاعات الرأي إلى تراجع مقلق في شعبيته إلى سقف 28% بين الناخبين الديموقراطيين، من الفئة العمرية الحيوية بين 18 و35 عاماً، وتفضيل الناخبين المستقلين سيطرة الحزب الجمهوري على الكونغرس بنسبة 45%.

أمّا الفشل الأكبر، بحسب مسؤولين سابقين، فكان في مجال السياسة الخارجية للولايات المتحدة، وبسبب ترابطها الوثيق بأمنها القومي، من خلال تصعيد حدة التوتر مع كل من الصين وروسيا “في الوقت عينه”، بعد إطلاقه شعاراً من أجل طمأنة حلفاء بلاده، قال فيه إن “أميركا عائدة لتقود العالم”.

وتجاهل البيت الأبيض إحدى ركائز السياسة الخارجية لأسلافه باعتبار “الصين واحدة”، في الحالة الأولى، ودعوته تايوان لحضور “قمة الديموقراطية” مطلع الشهر الجاري.

أمّا بالنسبة إلى روسيا، فبلغ تصعيد منسوب التوتر معها معدلات اقتربت إلى نشوب صِدام مسلّح فوق أراضي أوكرانيا بعد توريد واشنطن أسلحة متطورة إلى كييف، وتحريك قطعها البحرية في منطقة البحر الأسود. وأعلنت السفارة الأميركية هناك تسليم اوكرانيا “80 طناً من الذخائر، و نحو 60 مليون دولار مساعدات أمنية” (بيان صادر عن السفارة يوم 14 تشرين الثاني/نوفمبر 2021).

هو فشل رئاسي بامتياز، أدى لتقارب روسيا والصين، بحسب المصادر السابقة، وربما يقود إلى تشكيلهما حلفاً أو شراكة عسكرية متطورة لمواجهة واشنطن، بالتزامن مع تنامي حضورهما في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا، على حد سواء، وخصوصاً في ظل توارد أنباء عن إرسال موسكو فريق من “المستشارين العسكريين” إلى مالي.

تجدر الإشارة إلى ما تعكسه كبريات المؤسسات الإعلامية الأميركية من قلق داخل دائرة صنع القرار السياسي، من تصاعد متزامن لنفوذ الصين وروسيا في الشؤون العالمية. على سبيل المثال، تناولت صحيفة “واشنطن بوست” الشأن الروسي، في تساؤل له دلالاته، هو: “لماذا تشعر وكالة الاستخبارات المركزية بقلق شديد بشأن روسيا وأوكرانيا؟” (عدد 1 كانون الأول/ديسمبر 2021). وبشأن الصين، قالت الصحيفة إن الرئيس بايدن أبلغ إلى نظيره الصيني شي جين بينغ، في محادثهما عبر الفيديو، والتي استمرّت 3 ساعات، أنه “يبدو أن مسؤوليتنا، كقادة للصين والولايات المتحدة، ضمان ألاّ تنحرف المنافسة بين بلدينا إلى صراع، سواء أكان ذلك مقصوداً أم غير مقصود، وليس منافسة بسيطة ومباشرة” (عدد 18 تشرين الثاني/نوفمبر 2021).

الإنجاز الأبرز للرئيس بايدن تمثّل باصطفاف دول حلف الناتو حول توجهات واشنطن “من أجل احتواء” الصين، واعتبارها مجتمعةً، أن تايوان تشكل مسألة حيوية لمستقبل الحلف، وخصوصاً مكانتها المتقدمة في إنتاج أشباه الموصلات الإلكترونية.

وانضمت قطع بحرية ألمانية وكندية ويابانية واسترالية إلى الأسطول الأميركي العامل في المحيط الهادئ، الشهر الماضي، “من أجل إجراء مناورات بحرية مشتركة”، كمقدمة لوجود عسكري مطّرد بالقرب من الشواطيء الصينية.

بيد أن “وحدة موقف  حلف الناتو” في مواجهة الصين، لا تقابله وحدة وتصميم أوربيان في مواجهة روسيا، نظراً إلى اعتماد دول الحلف الرئيسة، وخصوصاً ألمانيا، على تدفق الغاز الطبيعي الروسي بنسبة 35% من أجل ضمان استمرار العجلة الاقتصادية، على الرغم من محاولات واشنطن المتعددة إبدال الغاز الروسي بآخر، من إنتاج أميركا، ولا تتعدى معدلاته 16% من احتياجات دول الاتحاد الأوروبي، مع فارق السعر الأعلى لحساب الأميركي. كما أن دول الحلف تشهد ارتفاعاً عالياً في تكلفة الغاز المستورد، بلغت 800% في العام الحالي،  بعضه يعود إلى معارضة واشنطن القاسية أنبوب الغاز الروسي “السيل الشمالي 2”.

كما أن توجهات الرئيس بايدن نحو حلفاء بلاده لم تسفر عن ترجمة عملية لوعوده الانتخابية لهم. فبريطانيا واليابان “لا زالتا تنتظران إزالة الضرائب الجمركية على عنصري الفولاذ والألمنيوم”، والتي فرضها سلفه الرئيس دونالد ترامب، وتقدّر بمليارات الدولارات، فضلاً عن المكافآت الضريبية التي منحتها إدارته لصناعة السيارات الكهربائية الأميركية، والتي تعارضها بشدة كل من المكسيك وكندا. (صحيفة “وول ستريت جورنال”، 30 كانون الأول/ديسمبر 2021).

ونقلت الصحيفة المذكورة، على لسان رئيس “معهد بيترسون للاقتصاد الدولي”، آدم بوزن، انتقاده السياسات التجارية السائدة في ولاية الرئيس بايدن، والتي “تعمل على إرضاء العنصر الذكوري الأبيض في العملية الانتاجية، وتُفاقِم العلاقات بالحلفاء، وتؤدي إلى ارتفاع أسعار البضائع لدى المستهلكين”.

السؤال الجوهري في واشنطن وعواصم العالم الكبرى، يتمحور حول مستقبل الرئيس بايدن، وهل في استطاعته المضي إلى نهاية ولايته الرئاسية في ظل الأزمات المتعددة، وتراجع أهليته القيادية، والذي لم يَعُد سراً، وخصوصاً أن نائبته كمالا هاريس ما أن تتخطى مطباً حتى تغرق في آخر جديد، الأمر الذي يقلّص مراهنة الحزب الديموقراطي على استمراريتها في منصبها الراهن.

من بين السيناريوهات المتداولة في العاصمة واشنطن، وفي أروقة الحزب الديموقراطي تحديداً،ـ إغراء نائبة الرئيس بالانتقال إلى منصب في المحكمة العليا، الأمر الذي يتيح الفرصة الدستورية للرئيس بايدن في تسمية شخصية بديلة، أو تعيينها في منصب نائب الرئيس، ثم إعلان استقالته من منصبه الرئاسي نتيجة اعتبارات صحية.

السيناريو المذكور ليس مستبعَداً إنجازه في عام 2022، لكن ليس كل ما يتمناه المرء قابلاً للتحقيق في ظرف زماني معين. فالرئيس بايدن يترنّح في أدائه بعد بلوغه عامه ال 78، ويتجنّب عقد مؤتمرات صحافية، وخصوصاً مع رؤساء دول كبرى، كالرئيس بوتين، من أجل تفادي الإحراجات العلنية. الأمر الذي دفع بأحد معلِّقي شبكة “فوكس نيوز” إلى القول إن الرئيس بايدن كان يقرأ إجابته عن أحد الصحافيين، والتي لم تتّسق مع هوية السائل أو موضوع سؤاله.

2021-19-12-التقرير الأسبوعي

أبعاد نشر واشنطن
قنابل نووية تكتيكية جديدة

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

أعلنت الولايات المتحدة، في مطلع الشهر الجاري، “إنتاجها” الدفعة الأولى من أخطر وأحدث سلاح نووي في ترسانتها؛ رأس حربي من طراز B61-12، وهو عبارة عن “سلاح نووي استراتيجي وتكتيكي” في آن واحد، من أجل إظهار “التزام الولايات المتحدة سياسة الردع النووي”، بعد جهود تصميم وتطوير وابحاث استغرقت 9 سنوات “من أجل ضمان القدرة على إطلاق الرأس النووي من المقاتلات الحربية المتوفرة والمستقبلية” (جيل روبي، نائبة وزير الطاقة ومديرة “الإدارة الوطنية للأمن النووي”، 2 كانون الأول/ديسمبر 2021).

يخطط البنتاغون لإنتاج “480 قنبلة نووية جديدة (B61-12)” من تلك القنبلة المجنّحة، ومعدّل تكلفة الواحدة منها 28 مليون دولار، وهي موجّهة بدقة، ونسبة الخطأ لا تتعدى عدة أمتار. وتخطط وزارة الدفاع الأميركية لتجهيز قاذفاتها وقاذفات حلف الناتو في أوروبا بها، لتكون بديلاً عن النماذج القديمة (B61-3 وB61-4)”. يتم إسقاط القنبلة الجديدة من مقاتلة تحلق على ارتفاعات عالية، ثم تتوجه تلقائياً عدة كيلومترات نحو الهدف. كما تمتلك الولايات المتحدة “100-150 قنبلة نووية حالياً في أوروبا” (تقرير لاتحاد العلماء الأميركيين FAS، 17 تشرين الثاني/نوفمبر 2021).

المؤسسة العسكرية الأميركية “أدمنت اقتناء الأسلحة النووية” والجاهزية لاستخدامها، منذ دخولها الحرب العالمية الثانية، واستخدمت إفناء البشرية بالنووي كأحد أسلحتها للسيطرة على العالم. وتشهد الحقبة الزمنية الحالية عودة واشنطن إلى عقلية الحرب الباردة، أو تجديد عملها بها، لكن بأدوات أشد فتكاً وتدميراً، مدركة أن ميّزات سيطرتها على العالم، سياسياً واقتصادياً وأمنياً، بدأت تظهر عليها علامات التصدع، وانتقال مركز الثقل الاستراتيجي العالمي الأوحد إلى المتعدد القطبية.

ومنذ بدء الحرب الباردة، بحسب وثائق الدولة الأميركية، تعهّدت واشنطن نشر اسلحة نووية مختلفة على أراضي حلفائها في حلف الناتو من الأوروبيين، ونشرت نحو 200 قنبلة، ومن بين هؤلاء الحلفاء تركيا التي استضافت ولا تزال 50 قنبلة نووية من طراز B61 في قاعدة انجرليك الجوية، في مواجهة الاتحاد السوفياتي. دخل نموذج القنبلة أعلاه الخدمة الفعلية في عام 1966، وبلغ حجم الانتاج بين عامي 1966 و 1997 (3،155) قنبلة، من جميع الأنواع الاستراتيجية والتكتيكية (مجلة “ناشيونال انترست”، 7 تشرين الأول/اكتوبر 2021).

في الماضي القريب، في إبان ولاية الرئيس جون كنيدي، عبّر وزير دفاعه روبرت مكنمارا عن ولع قادة هيئة الأركان المشتركة بالسلاح النووي، موجِّهاً كلامه إلى المستشار الخاص للرئيس كنيدي، آرثر شليسنجر، قائلاً  “تزخر سجلات البنتاغون بدراسات تتحدث عن الحفاظ على “مجتمع قابل للاستمرار بعد نهاية نزاع نووي”. وأضاف مكنمارا أن ذاك المصطلح ترك أثراً كصاعقة نفسية لديه، موضحاً “أن وسيلة ردع فعّالة لا يمكنها الاستناد إلى فعل “نووي” أمر لا يصدّق” (“جون أف كنيدي في مواجهة العسكر”، شهرية “ذي أتلانتيك”، آب 2013).

وأضافت المجلة المذكورة أن قادة هيئة الأركان المشتركة، في إبان الحرب الباردة، كانوا على أهبة الاستعداد لإطلاق ضربة نووية وقائية أولى ضد الاتحاد السوفياتي، وحملت خطة الأركان المعدّة تصوّرها “باستخدام 170 قنبلة نووية وهيدروجينية ضد موسكو وحدها، وتدمير كل معلم حضاري في الاتحاد السوفياتي والصين ومدن في أوروبا الشرقية”.

واستطردت أن قائد سلاح الجو الأميركي خلال الحرب العالمية الثانية، وعضو هيئة الأركان المشتركة، كيرتس لو ماي، كان العقل المدبر والمشرف على شن غارات جوية بالقاذفات العملاقة من طراز ب-29، والتي مسحت تماماً أحياء كاملة في طوكيو وتسببت بمقتل ما لا يقل عن 100،000 ياباني.

المواصفات التقنية للعيّنة الجديدة من القنبلة، والتي طُوّرت في إبان الحرب الباردة ونُشرت في أوروبا في عام 1968، تشير إلى أن: وزنها الإجمالي يبلغ 320 كلغم؛ وطولها 3،5 أمتار؛ يتمتع رأسها الحربي بقوة خرق لطبقات الأرض بقوة 50 كيلو طناً (كمقياس لمادة التفجير “تي إن تي”)؛ يمكنها إحداث حفرة في الأرض قطرها 60 متراً؛ تطلق من المقاتلات الحديثة، من بينها أف-15 إي و أف-35 الأسرع من الصوت، إمّا عن طريق الجاذبية الباليستية وإمّا بالتوجيه، من ارتفاعات تتراوح بين 50 و 50،000 قدم؛ ذيلها مزوّد بأربع زعانف للتحكّم الأفضل بدقة إصابتها. يقع رأسها الحربي في الجزء الأوسط من القنبلة، ويتيح التحكم في 4 خيارات لقوة التفجير: 0.3 كيلوطن، 1.5 كيلوطن، 10 كيلوطن و50 كيلوطن. للمقارنة، فإن القنبلتين النوويتين اللتين أُلقيتا على هيروشما وناغازاكي كانت قدرتهما التفجيرية 15 طناً و 21 طناً، على التوالي.

بحسب الخبراء العسكريين، فإن القنبلة الجديدة، في نماذجها الأربعة، تصنّف بأنها متدنية القوة لأن قوة التفجير تقلّ عن 20 كيلوطناً. ويضيف خبراء البنتاغون أنها لا تتعارض مع معاهدة الحد من الانتشار النووي كونها لا تحتوي على عنصري اليورانيوم عالي التخصيب أو البلوتونيوم.

أوضحت بيانات وزارة الدفاع الأميركية أن الغرض من تطوير النسخة الحديثة من عائلة القنبلة B61 هو “لتحسين القدرات النووية للقوات الجوية الأميركية والدول الحليفة، وزيادة معايير السلامة والأمان والموثوقية”، وهو جزء من برنامج “تمديد الحياة” لتلك المجموعة المكونة من نحو 400 قنبلة، والتي استبُدلت وأُصلحت مكوناتها القديمة غير النووية، مثل البطاريات  والصمامات وأجهزة إلكترونية، بمكونات حديثة تمدد عمر خدمة القنبلة إلى نحو 20 سنة مقبلة.

شاركت في التصميم والتحديث والانتاج مجموعة من المختبرات وشركات الأسلحة والمؤسسات الأمنية، منها: مختبر لوس ألاموس الوطني ومختبر سانديا الوطني في تصميم وأعمال هندسة القنبلة؛ تطوير مجموعة أدوات الذيل من جانب شركة بوينغ بالاشتراك مع مركز السلاح النووي التابع لسلاح الجو؛ وتصنيع 39 مجموعة من المكونات غير النووية للإطلاق والأمان والتحكم من جانب جامعة كانساس سيتي للأمن الوطني؛ إعادة انتاج المكونات المصنوعة من اليوروانيوم من جانب مجموعة Y-12في جامعة كانساس سيتي؛ ومصنع Pantex كان مسؤولاً عن انتاج متفجرات عالية الانفجار وإعادة تأهيل B16-pit والتجميع النهائي للقنبلة.

عند البحث والتدقيق في هدف الإعلان في هذا التوقيت بالذات، ينبغي على المرء استحضار توجهات قيادة هيئة الأركان المشتركة العدوانية، في إبّان عهد الرئيس جون كنيدي المشار إليه أعلاه، من زاوية تغليب توجهات المؤسسة العسكرية على انتهاج سياسات أكثر واقعية في  الحقب الزمنية المتعددة.

ما يواجهه الرئيس جو بايدن من أزمات لسياساته ووعوده الانتخابية ترجمه بالتناغم مع التوجهات التقليدية للمؤسسة العسكرية، الرامية إلى التلويح بالتفوق النووي على خصومها، وتصعيد حدة التوتر باصطناعها أعداء دائمين: روسيا والصين.

في ظل العقبات الداخلية التي تعترض الرئيس بايدن، حتى داخل حزبه الديموقراطي،  لا يمكنه الظهور في موقف “الضعيف” أمام الخصوم، وخصوصاً أن أداءه وأهليته العقلية لا يبعثان على طمأنة الناخب الأميركي، كما تشير أغلبية استطلاعات الرأي.

فتصعيد التوتر مع روسيا، بذريعة حماية أوكرانيا، يخدم قبل كل شيء هدف واشنطن في الحفاظ على تبعية الدول الأوروبية وحلف الناتو، وخصوصاً بسبب اعتماد الدول الأوروبية على مصادر الطاقة الروسية في تشغيل حياتها اليومية، ويضمن تدفق ميزانيات الأسلحة والمعدات العسكرية على المؤسسات النافذة في صنع القرار الأميركي، وامتداداً يخدم أيضاً تلك القوى في تصعيد موازٍ ضد الصين.

2021-16-12-التقرير الأسبوعي

 قمة الترويج الأميركي
المضلّل للديموقراطية

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

لبّى نحو 112 دولة دعوة الرئيس الأميركي جو بايدن، الأسبوع الماضي، لعقد “قمة للديموقراطية” افتراضياً في واشنطن، لتخطّي “الأضرار التي تسبّبت بها سياسة الرئيس السابق دونالد ترامب” على المستوى الدولي، وترجمة أيضاً لوعد انتخابي قطعه المرشح الرئاسي جو بايدن، في 11 تموز/يوليو 2020، قائلاً: “ينبغي علينا ترميم قدرتنا لقيادة العالم الحر، ومواجهة التحديات الجديدة معاً”.

واستطرد المرشح بايدن متعهّداً باستضافة بلاده “خلال السنة الأولى من إدارتي” لقمة عالمية للديموقراطية، والبناء على “النموذج الناجح الذي طبّقناه خلال إدارة أوباما-بايدن بعقد قمة للأمن النووي”، عقدت جولتها الأخيرة في العام 2016 بمشاركة 53 دولة. أما شروط الانضمام إلى قمة الديموقراطية فقد حدّدها المرشح بايدن بأن المدعوّين “ينبغي عليهم الإعداد للتحلّي بتعهدات راسخة لمكافحة الفساد، ومحاربة الاستبداد، ودعم حقوق الإنسان داخل بلدانهم”.

أما في دعوة الرئيس بايدن، في العام 2021، فقد حرص على  عدم دعوة كل من روسيا والصين، وكذلك غضّ النظر عن تحديد الأسس والشروط المطلوبة من الدول المدعوّة، ومنها تايوان. وتلقّى عدد من الدول دعوات إلى المشاركة “على الرغم من سجلّها الذي يفتقر إلى إنجازات في المعايير الثلاثة” المحددة أعلاه (“معهد بروكينغز”، 7 كانون الأول/ديسمبر 2021).

كما افتقرت الدعوة إلى خطة عملية لما يُراد تحقيقه، باستثناء التقاط الصور، ولو عن بُعد، بوجود الرئيس الأميركي، مع الأخذ بعين الاعتبار التمثيل الواسع لدول اوروبية، وحضور العراق و”إسرائيل” حصراً عن الشرق الأوسط، ومشاركة دول لم تنعم بنُظم حكم تمثيلية سوى أنها تعادي روسيا، مثل أوكرانيا وبولندا، وتشكل رأس حربة لواشنطن في صراعها الكوني مع موسكو.

المؤسسات الأميركية، الخاصة والعامة، مولَعة بالبيانات الاحصائية والخوارزميات المتعددة كمعيار لترويج نظريات واستنتاجات معينة. وإحدى تلك المؤسسات المعتمدة لديها هي “مشروع العدالة الاجتماعية”، التي تُصدر بيانات دورية محورها قياس “معدلات الفساد والشفافية وتطبيق الأمن والمساواة”. وصنّفت الدول العالمية في قائمة من 139 دولة، جاءت الولايات المتحدة في المرتبة 27 ضمن معايير التمسك بالقانون، مقابل الدانمارك التي احتلّت المرتبة الأولى.

واستنادا إلى “المعايير الثلاثة” المذكورة، من متطلبات الديموقراطية كشرط لحضور القمة، يمكن الاستدلال على جملة من التناقضات وازدواجية المعايير السياسية التي طبّقتها إدارة الرئيس بايدن. على سبيل المثال، دُعيت باكستان إلى المشاركة على الرغم من مرتبتها المتدنّية، 130 من مجموع 139، بينما حصلت بنغلادش على مرتبة أعلى لكنها غابت عن القمة. أما الهند، فجاء ترتيبها 79 من 139، لكنها حضرت على الرغم من تسجيلها  تراجعات ملحوظة بنسبة 4% للقيود التي فرضتها على الحريات العامة، بحسب بيانات المؤسّسة المذكورة (“معهد بروكينغز”، 7 كانون الأول/ديسمبر 2021).

عارضت ثلّة من النخب الفكرية الأميركية اقتراح الرئيس بايدن للقمة، على الرغم من تأييدها الثابت له في الجولة الانتخابية. من أبرز رموزها استاذ التاريخ والاستراتيجية الأميركية في جامعة كولومبيا، ستيفن ويرثايم، وزميله ديفيد آدلر، مؤلف نحو 265 كتاباً للأطفال.

وحذّر الثنائي المذكور، في مقال مشترك نُشر في صحيفة “الغارديان” البريطانية، في كانون الأول/ديسمبر 2020، من فشل القمة المزمعة، ومن شأنها”توجيه السياسة الخارجية الأميركية في مسار منحدر وفاشل لتقسيم العالم إلى معسكرين متقابلين، وإعلاء نزعة التصادم مقابل التعاون” بينهما، واستخدمها “كوسيلة لتعزيز نظرة التفوّق والاستثنائية الأميركية”. وطالب الثنائي إدارة الرئيس المنتخب بايدن بالتمايز عن نهج سلفها”، والابتعاد عن تكرار انتاج معضلات القرن العشرين” (“ذي غارديان”، 22 كانون الأول/ديسمبر 2020).

عند هذا المنعطف تجدر الإشارة إلى بعض المسائل التي مرّ عليها الرئيس جو بايدن في ترويجه لوثيقة “إرشادات مرحلية للأمن القومي”، آذار 2021، في مطلع ولايته الرئاسية، وتحديده لمكامن الأخطار والنواقص التي تواجهها الدول الغربية، والتي استند إليها “كمعايير” لحضور القمة.

أوضح الرئيس بايدن أن “الديموقراطيات عبر العالم، من ضمنها تجربتنا الخاصة، تعاني من حصار متزايد. المجتمعات الحرّة باتت تواجه تحديات من داخلها متمثلة في الفساد، وعدم المساواة، والاستقطاب، والشعبوية، والتهديدات فوق الليبرالية لحكم القانون”. وتعهّد آنذاك في بذل أقصى الجهود “لمعاجة حقيقية للعنصرية المتجذرة والارتقاء إلى مستوى التزامنا بمكوّنات بلادنا كدولة من المهاجرين”.

ربما يتوصّل المرء إلى صورة  مقاربة حقيقية للنموذج الأميركي من خلال الاجراءات الجارية للحد من حريات الرأي وتدابير القمع المقونن والتعدي الممنهج على الحريات العامة. من أبرز الأمثلة، الاعتداء على حرية الصحافي الاستقصائي الأكثر شهرة في العالم، جوليان أسانج، لكشفه “إحدى” المجازر التي ارتكبتها القوات الأميركية بحق المدنيين في العراق؛ واستغلال النائب العام الفيدرالي، ماريك غارلاند، “قانون الوطنية” لعام 2001 بطلبه من مكتب التحقيقات الفيدرالي، أف بي آي، التحقيق في توجهات “أولياء الطلبة المعارضين لبعض البرامج التعليمية” المدعومة من الدولة.

أما التحقيقات بشأن “الفساد الناعم”، الذي أشارت إليه بعض وسائل الإعلام، الخاص بقيادات من الحزبين ،من بينهم رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي، والتغطية الرسمية على ذاك النمط من الفساد، فلا تجد لها آذاناً صاغية، فضلاً عن تعرض المطالبين بها لمساءلات متعددة.

بيد أن ما شهدته الولايات المتحدة من “استقطاب حاد وفساد وفوضى وتحدي لسلطات إنفاذ القانون”، في “غزوة الكابيتول”، 6 كانون الثاني/يناير 2021، يؤشّر في ابرز جوانبه على “الفشل الذريع” للنموذج الأميركي في الديموقراطية المُراد تعويمه. في الجوهر، تدلّ تلك الأحداث على مواطن القصور الشديدة والأمراض المستعصية في صيغة حكم تبادل الحزبين للسلطة، يجسّدها عزوف أعداد متزايدة من الأميركيين عن المشاركة في الجولات الانتخابية المتعددة.

في المحصّلة، تربّع الرئيس بايدن على رأس مكتبه محاضراً في مدعوّيه للاقتداء بالمُثل والقيم الإنسانية العامة، وكانت فرصته لالتقاط الصور وتسخيرها في خدمة الجدل الداخلي وأزمته الخاصة من عدم تحقيق أيٍّ من برامجه الطموحة التي وعد بها ناخبيه، وترسيخه الاصطفاف العالمي ضد روسيا والصين، على الرغم مما ينطوي عليه من مخاطر حقيقية تهدد البشرية كافة.

النموذج الأميركي الجاهز للتصدير “عبر فوهة البندقية” والعقوبات، خبى بريقه واستنفذ أغراضه بوتائر متسارعة، ولم يعد صالحاً للاقتداء به أمام الأزمات العالمية الناجمة بدرجة كبيرة عن انعكاسات التدخلات العسكرية الأميركية عبر العالم.

2021-06-12-التقرير الأسبوعي

وثيقة جديدة للبنتاغون:
تبرير ديمومة الإنفاق العسكري

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

“نعيش الآن في عالم متعدد القطبية”. توصيف جوهري أطلقه رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة، مارك ميللي، مطلع الشهر الجاري ،وبعد يومٍ واحدٍ من إعلان وزارة الدفاع الأميركية إصدارها وثيقة “مراجعة الموقف العالمي”، استجابة لطلب الرئيس جو بايدن، لرسم ملامح المرحلة المقبلة لرقعة انتشار القوات العسكرية الأميركية حول العالم (موقع وزارة الدفاع على الانترنت، 2 كانون الأول/ديسمبر 2021).

الوثيقة بحد ذاتها ليست بهذه الأهمية الاستراتيجية، بحسب الخبراء العسكريين، لكنها تمثّل تمهيداً لمضمون “استراتيجية الدفاع الوطني”، التي ستصدر لاحقاً الشهر الحالي، والتي صدرت آخر مرة في العام 2018، في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب.

في جوهرها، تمثّل الوثيقة المقبلة خلاصة “رؤية” الرئيس بايدن وأعوانه للتمايز عن إرث سلفه في الأمن القومي، تُرجمت سابقاً بحرصه على نشر وثيقة “إرشادات مرحلية لاستراتيجية الأمن القومي” في شهر آذار/مارس الماضي.

خلت الوثيقة المعلنة من التفاصيل والخطط الاستراتيجية، للمحافظة على سريتها كما يتردد، وجاءت ثمرة “جهود مكثفة مشتركة بين مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية والوكالة الأميركية للتمنية الدولية ومكتب مدير الاستخبارات الوطنية”، كما أنها تأتي عند “نقطة انعطاف رئيسية مع زيادة تركيز الوزارة (البنتاغون) على الصين باعتبارها تحدياً سريعاً لنا”. (مارا كارلين، نائبة وكيل وزارة الدفاع للشؤون السياسية، 29 تشرين الثاني/نوفمبر 2021).

كان لساحة “الشرق الأوسط” اهتمام متدنًّ بأولويات الوثيقة، نظراً إلى تعديل الأولويات الاستراتيجية الأميركية، أوضحتها السيدة كارلين بأن لدى بلادها “مسؤوليات عالمية، وهو ما يتطلب منا إجراء تغييرات مستمرة لوضعنا في الشرق الأوسط”. إذن، التوجه السياسي الأميركي في المدى المنظور يتميّز بتقليص الوجود، وما يرافقه من نفوذ في المنطقة.

وحتى لا نبقى في دائرة العموميات، نستشهد بتصريح لمسؤول شؤون الشرق الأدنى في مجلس الأمن القومي الأميركي، كيرت كامبل، قائلاً إن “المبادرات الأشد أهمية” بالنسبة إلى الإدارة الأميركية تتمحور حول “انخراط أوسع مع مجموعة دول آسيان”، في جنوب شرق آسيا، والتركيز على ما سمّاه “الخطر الصيني”. تكمن أهمية تصريحة في الأول من الشهر الحالي في أنه صدر بعد انقضاء شهر على مشاركة الرئيس بايدن في قمة للدول الأعضاء في “مجموعة آسيان”.

وإمعاناً من استراتيجيي الولايات المتحدة، والهيئات المشاركة في إعداد وثيقة البنتاغون في تظهير القوة الأميركية، أوفد الرئيس جو بايدن فريقاً رفيع المستوى برئاسة مجلس الأمن القومي إلى “إسرائيل”، قبل أيام معدودة، للتداول بشأن “قضايا الأمن العالية الأهمية”. بعبارة أخرى، تكرار “التزام الولايات المتحدة بأمن إسرائيل”، كما درجت عليه ديباجة السياسة الرسمية.

ولمزيد من التوضيح للتحركات الأميركية الراهنة، نقلت صحيفة المال والأعمال البالغة التأثير في القرار الأميركي، “وول ستريت جورنال”، عن مصادرها الخاصة، أن “البنتاغون ينوي تعزيز موارده وإدخال تحسينات على المطارات العسكرية والبنى التحتية الأخرى في القواعد الأميركية في جزيرة غوام واستراليا لمواجهة الصين”، لكن لن “نشهد تعديلات جوهرية في رقعة انتشار القوات العسكرية تمهيداً لمواجهة بكين، وفي الآن عينه، ردع روسيا ومكافحة الإرهاب في الشرق الأوسط وإفريقيا”  (“وول ستريت جورنال”، 29 تشرين الثاني/نوفمبر 2021).

وأضافت في مكان آخر أن الانسحاب الأميركي من أفغانستان حرم واشنطن منصة انطلاق رئيسية لمواجهة “التهديدات الإرهابية وجمع المعلومات الاستخبارية، الأمر الذي دفع البنتاغون إلى عدم إجراء تعديلات جوهرية على انتشار القوات الأميركية في المنطقة وفي أوروبا”.

يُشار في هذا الصدد إلى قرار الرئيس بايدن إلغاء مفعول قرار سابق لخفض عدد القوات العسكرية الأميركية في ألمانيا إلى 2500 عنصر، وتم إبلاغ كل من ألمانيا وبلجيكا أن الولايات المتحدة عازمة على إبقاء 7 مواقع (قواعد) عسكرية في البلدين، أُرفق بنشر مقاتلات قادرة على حمل رؤوس نووية في الأراضي البولندية، وتجديد جاهزية وحدة نووية من قواتها العسكرية المرابطة في قاعدة “ماينز-كاسل” الألمانية، وتدعيمها بأسلحة أسرع من الصوت لاستهداف مراكز القيادة والتحكم الروسية، ومنها صواريخ “دارك إيغل” بعيدة المدى، والتي “تستطيع إصابة موسكو في غضون 21 دقيقة ونصف”، بينما باستطاعة الصواريخ المنصوبة على الغواصات الروسية الوصول إلى الأراضي الأميركي في غضون 10-15 دقيقة، من دون احتساب الصواريخ الروسية الحديثة التي تحلّق بنحو 27 مرة أسرع من الصوت.

تزامنت تلك الإجراءات، لزيادة رقعة الوجود العسكري الأميركي في أوروبا، مع توجهات الرئيس بايدن في قمة الدول الصناعية، قبل بضعة أسابيع، لشيطنة روسيا واتهامها بنشر نحو 114000 عسكري على الحدود المشتركة مع اوكرانيا، وإشاعة أجواء من الهلع بين صفوف حلفائه للاصطفاف ضد روسيا.

في الشق السياسي والتعبوي، أفردت وسائل الإعلام الأميركية، والعربية الموالية لسياسات واشنطن، مساحات واسعة لنشر وثيقة البنتاغون، وتجاهلت الحلقة المركزية في تصريح رئيس هيئة الأركان. بل لم ينبس أقطاب معسكر الحرب الأميركي في الكونغرس، ومراكز الأبحاث الموالية، ببنت شفه بشأن الإقرار الصادم من أرفع سلطة عسكرية عن تراجع مكانة بلادها على المسرح الدولي. ومضى ميللي مستطرداً أن “العنصر الأول في الاستراتيجية (الأميركية) هو عودة التنافس بين الدول العظمى، الصين وروسيا والولايات المتحدة”.

عطفاً على وضوح رؤية ميللي بشأن التنافس مع الصين، في الدرجة الأولى، وخلوّ الوثيقة التي بين ايدينا من “إرشادات” عملية بعيدة عن الديباجة المعهودة في التصريحات الأميركية، فإن جوهر الصراع مع الصين، بحسب الخبراء العسكريين، هو في الشق الاقتصادي، وبعيداً كل البعد عن التمظهر العسكري في المياه والقواعد الآسيوية المختلفة، الأمر الذي يلمسه المرء بشكل جليّ في وثيقة البنتاغون بإغفالها التطرق إلى البعد الاقتصادي في العلاقة الثنائية مع الصين.

قلق واشنطن من تفوّق الصين تقنياً يتجدد بوتيرة متسارعة، وأشدّ ما تخشاه في المرحلة الراهنة هو نجاح الصين في إرساء المواصفات القياسية لتقنية 5G وتعميمها عبر العالم، بمعزل عن التأثير الأميركي، وأبرز ميّزاتها “إرساء الضوابط الأمنية في تطبيقات تلك التقنية” (نشرة “ديفينس وان”، 2 كانون الأول/ديسمبر، 2021).

2021-22-11-التقرير الأسبوعي

هل تؤدي استفزازات “الناتو”
لروسيا في أوكرانيا إلى الحرب؟

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

منذ بدء الرئيس جو بايدن مهامه الرئاسية، مطلع العام الحالي، تميّزت سياسته نحو روسيا بالتصعيد والحزم ، إذ وصف نظيره الروسي بـ “القاتل” وبأنه “سيدفع ثمن” سياساته، ما اعتبره خبراء العلاقات الأميركية الروسية بأنه تصريح جاء بخلاف “إطار الأعراف الديبلوماسية”، واستدعت موسكو سفيرها في واشنطن إثر ذلك، وأقرّت واشنطن حزمة جديدة من القيود على مسؤولين ومنتجات روسية.

وقبل تدارك الأمر بين رئيسي البلدين، استمر منسوب التوتر في علاقاتهما ينذر بتدهور جديد، أكده بيان للسفارة الروسية في واشنطن إذ عبّر عن ” “تصريحات متهورة لمسؤولين أمريكيين يمكن أن تؤدي إلى انهيار العلاقات التي تشهد خلافا كبيراً أساسياً”. وسرت توقعات بشأن ضرورة عقد لقاء قمة بين الرئيسين، إلتأم في 16 تموز/يونيو الماضي في جنيف مستغرقاً 4 ساعات، “لكنهما لم يحرزا تقدماً ملموساً”، باستثناء إعادة الحرارة إلى اجتماع لجان مشتركة رفيعة المستوى لبحث القضايا الثنائية والدولية، من ضمنها اوكرانيا وبيلاروسيا، واستمر الاحتقان السياسي بين البلدين، عبّر عنه “معهد هدسون” للأبحاث بأن “البيت الأبيض لم يحقق شيئاُ، والرابح الأول كان (الرئيس) بوتين”.

في تطور لافت، وقبل أقل من أسبوع من لقاء القمة بين الرئيسين جو بايدن وفلاديمير بوتين، “أمر البيت الأبيض وزارة الدفاع (البنتاغون) بتأجيل التجارب” التي كان مخططاً لها على تقنية صاروخية أسرع من الصوت بعدة مرّات، “كي لا تصعّد التوترات مع موسكو” (صحيفة “بوليتيكو”، 29 أيلول/سبتمبر 2021).

ما لبثت أن حذّرت واشنطن قمة الدول الصناعية “G-20“، المنعقدة في روما في 30 تشرين الأول/اكتوبر الماضي، من “منسوبٍ عالٍ من عدم الاستقرار” في أوكرانيا، نتيجة توترات تشهدها مع روسيا، واتهامها الأخيرة بأنها تستعد “لاجتياح محتمل” للأراضي الأوكرانية، و”حشد 114،000 جندي” على حدودها مع أوكرانيا، بحسب المصادر الاستخبارية الأميركية.

وكرّست مراكز أبحاث النخب السياسية الأميركية المختلفة ما وصفته بـ “الخطوط الحمر” الأميركية أمام روسيا، وعدم تخطيها، وأن ” الاختبار الحقيقي يتمثل فيما إذا كانت روسيا ستغيّر سلوكها وتقلّل من أفعالها العدائية ضد الولايات المتحدة وأوروبا” (مركز التقدم الأميركي، 17 تموز/يونيو 2021).

وتصدّر الأسطول السادس الأميركي، المرابط في البحر الأبيض المتوسط، تصعيد موجة العداء لروسيا بمشاركة “بوارجه ومدمراته الصاروخية”، إلى جانب ترسانات حربية تابعة لـ 32 دولة من حلف الناتو وأعوانه، في مناورات استفزازية في مياه البحر الأسود، في 13 تشرين الثاني/نوفمبر الحالي، بالقرب من القاعدة الرئيسية للأسطول الروسي في سيفاستوبول في شبه جزيرة القرم، اعتبرها رئيس أركان الجيش البريطاني، نيك كارتر، بأنها إيذان “بتجاوز منسوب التوتر بين الغرب وروسيا منذ الحرب الباردة”، محذّراً من “إمكانية اندلاع حرب بالصدفة”.

في السياق عينه، أجرت البحرية الروسية تدريبات عسكرية “بعد يومين” على انطلاق مناورات “نسيم البحر” لحلف الناتو في اوكرانيا، في أيلول/سبتمبر الماضي. أما في المناورات الأخيرة لحلف الناتو، فقد اكتفت موسكو “بمتابعة طائرات وسفن دول الناتو في المنطقة”، بحسب تصريحات منسوبة للرئيس فلاديمير بوتين، وخشية الجانب الروسي أيضاً من مغزى تلك المناورات للدلالة على “تعديل” في أولويات الاستراتيجية الأميركية، التي تطمح إلى ااعتبار البحر الأسود منطقة عمليات للأسطول السادس، وانتهاكاً أيضاً لاتفاقية مونترو، المبرمة لتنظيم حركة مرور السفن الحربية والتجارية عبر المضائق التركية، والتي تحظر بقاء السفن الحربية أكثر من 3 أسابيع للدول غير المطلّة على البحر الأسود. التفّت واشنطن مع ذلك الشرط المقيّد بتدوير سفنها وبوارجها الحربية مرة كل 21 يوماً في المنطقة.

أما المواجهة المسلّحة “الافتراضية” مع موسكو، فقد أسهبت النخب الأميركية في توضيحها، بأنها “قد” تستند إلى 3 احتمالات تنطلق بالتوازي في مواجهة روسيا: شبه جزيرة القرم في الجنوب، ومقاطعة كالينينغراد على بحر البلطيق في الغرب، وجزر كوريل المتنازع عليها بين روسيا واليابان (دورية “ذي ناشيونال انترست”، 22 تشرين الأول/اكتوبر 2021).

وفي حال نشوب حرب مع موسكو من دول حلف الناتو، يعتقد الخبراء العسكريون الغربيون أن روسيا ستدفع بقواتها التابعة للجيوش المنضوية إلى اللواء 41 عبر أراضي بيلاروسيا باتجاه مقاطعة “سوالكي”، والتي ستنضم إلى القوات الروسية في محافظة كالينينغراد المحاطة ببولندا وليتوانيا على بحر البلطيق، ومن ثم سيدخل الجيش الأول في الحرس المدرّع المعركة والتقدم نحو نهر “اودر”، بمحاذاة الحدود البولندية الألمانية.

وأكدت الدورية الأميركية أعلاه “التطور العالي لأسطول الغواصات الروسية” والذي يوفّر لها “ميّزة مطلقة في البحر الأسود، ويمكنها تدمير حاملات الطائرات الأميركية بسرعة وسهولة في حال ظهورها” في تلك المنطقة. واستطردت أن القوات البحرية المهاجمة “محكوم عليها بالهزيمة في معظم الأحيان” إن دخلت المعركة دون حماية جوية، مشيرة إلى شبه إجماع بين الخبراء العسكريين الغربيين على تفوّق نظم الدفاع الجوي الروسي وإمكانيات أخرى رديفة في القرم.

جدير بالذكر الإشارة إلى تصريحات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، على هامش قمة الدول الصناعية في روما، محذراً واشنطن من إنشاء قواعد جديدة في رومانيا وبلغاريا، ودفعهما “إلى انتهاج سياسات صدامية إلى حد كبير ، وأن ذلك لا يسهم في تعزيز الاستقرار الدولي”.

نيات واشنطن في منطقة البحر الأسود تتميّز بالوضوح، كما شهدنا في شهر نيسان/إبريل من العام الحالي، وبالسعي بشتى السبل لاستدراج روسيا إلى “فخ” عسكري ضد أوكرانيا وتحشيد “حلفائها” خلفها، بيد أن خياراتها الإقليمية لم تنضج في موازاة الرغبات أو تتبلور في خطوات عسكرية، باستثناء الاستفزازات المتواصلة في مواجهة روسيا.

وجددت مديرة الاستخبارات الوطنية الأميركية، آفريل هينز، قبل أيام معدودة، التهويل بقرب غزو روسيا لأوكرانيا، ورحلت على عجل قاصدة بروكسل، مقر قيادة حلف الناتو، لوضع مندوبي الحلف في “أجواء المعلومات الاستخبارية الأميركية حول احتمال تدخل روسيا عسكرياً في اوكرانيا”. وفي الوقت عينه، تحدث رئيس هيئة الأركان الأميركية، مارك ميللي، مع القائد الأعلى للقوات الأوكرانية، فاليري زالوجني، وتبادلا وجهات النظر بشأن “أنشطة روسيا المقلقة في المنطقة” (صحيفة “نيويورك تايمز”، 19 تشرين الثاني/نوفمبر 2021).

واستطردت الصحيفة نقلاً عن مصادرها الأمنية، بأن الأجهزة الاستخبارية في لندن وواشنطن “لديها اقتناع مشترك بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يُعدّ لعمل عسكري للسيطرة على مساحات واسعة من أوكرانيا، أو لزعزعة استقرارها بما يضمن بزوغ حكومة موالية لموسكو”. وعزا المسؤولون الأميركيون التشدد الروسي نحو اوكرانيا إلى انعكاس حالة الإحباط المتزايدة لدى الرئيس الروسي من “تعثر المسار السلمي الذي تتصدره فرنسا وألمانيا منذ العام 2014”. ومع خروج المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل من المسرح الدولي “تتراجع حدة الضغوط على أوكرانيا لتقديم تنازلات” لروسيا.

جدير بالذكر أن المدمرة الأميركية المسلّحة بصواريخ موجهة، “يو أس أس دونالد كوك”، تعرضت للتشويش الإلكتروني خلال إبحارها في البحر الأسود “وأضحت مشلولة، على الرغم من حمولتها المتطورة من نظام “إيجيس” للدفاع الجوي” في العام 2017. بل استطاعت القوات الروسية العاملة في سوريا، والمسلحة بنظم الكترونية متطورة، التشويش على وسائط الاتصالات التابعة للولايات المتحدة الأميركية وحلفائها (دورية “ذي ناشيونال انترست”، 3 أيلول/سبتمبر 2021).

كما أكّد رئيس هيئة العمليات البحرية الأميركية، جون ريتشاردسون، نجاح روسيا في التشويش على قطع البحرية الأميركية قائلاً: “يلجأ البحارة الأميركيون إلى تطبيق وسائل دفاعية متواصلة ضد مساعي روسيا للتشويش الإلكتروني، كما شهدناه في عمليات الساحة السورية، وتعرضنا للتشويش أيضاً ونحن في عرض المياه الدولية” (موقع “صوت أميركا”، 6 آب/أغسطس 2018).

أمام هذه اللوحة من الضغوط الأميركية “لتوريط” حلفائها الأوروبيين في استفزاز روسيا، يدرك الأخيرون جيداً، وخصوصاً المنضوون إلى حلف الناتو، ارتفاع أسعار الطاقة على الصعيد العالمي، وبلدانهم على أبواب فصل الشتاء القارس، وكذلك اعتمادهم المتزايد على الغاز الروسي الذي “سيدخل كأحد سبل الضغط” من قبل الرئيس الروسي على الدول الأخرى.

ما يضاعف منسوب قلق الدول الأوروبية من فعالية الحليف الأميركي، ولا سيما تلك التي كانت تحت مظلة “حلف وارسو” قبل نحو عقدين، دراسة أجرتها “مؤسسة راند”، الوثيقة الصلة بالبنتاغون والصناعات العسكرية، خلصت فيها إلى أن “حلف الناتو لن يكون بمقدوره حماية الدول الأعضاء على الحدود الشرقية استناداً إلى الموارد الراهنة”. وأضافت الدراسة أن تمارين الحروب دلّت على ضرورة توفّر  “7 كتائب عسكرية (قتالية) للحيلولة دون سقوط سريع لدول بحر البلطيق الثلاث”.

سارعت واشنطن إلى سد بعض الثغرات البنيوية في ترسانة “الناتو” التسليحية، التي أشّرت عليها دراسة “راند” وبيانات موازية أخرى، بإعادة تفعيل وحدة قتال نووية في ألمانيا، “دارك إيغل”، مهمتها إطلاق نيران أسلحة أسرع من الصوت ضد مواقع القيادة والتحكّم في روسيا، والتي باستطاعتها الوصول إلى موسكو في غضون 21 دقيقة ونصف، تعزّزها وحدات وأسلحة أخرى متطورة موجهة ضد الأراضي الروسية.

عقدت لجنة القوات المسلّحة في مجلس الشيوخ، البالغة الأهمية ومحور صنع القرار الاستراتيجي الأميركي، جلسة استماع في الأول من تشرين الثاني/نوفمبر الحالي، شارك فيها إيان بريجينسكي، نجل مستشار الأمن القومي الأسبق زبغنيو بريجينسكي، حول “أمن البحر الأسود”، سلّط فيها الضوء على “طموحات روسيا العدوانية، وموقفها الهجومي لا يزال ماثلاً أمامنا اليوم يمثّل تهديداً حقيقياً لأوكرانيا وأمن منطقة البحر الأسود”.

وحثّ بريجينسكي (الإبن) الولايات المتحدة على “بلورة استراتيجية شاملة في مواجهة روسيا، وزيادة الحضور العسكري المتطور لجيوش الحلفاء والشركاء (أوكرانيا وجورجيا)، والانتقال إلىى مرحلة الحرب الهجينة بتسخير عامل القوة الاقتصادية في المواجهة” ضد الغاز الروسي.

وذكّر بريجينسكي أعضاء لجنة القوات المسلحة بخطورة التساهل في التعامل مع روسيا التي “لو إتيحت لها الفرصة لإخضاع أوكرانيا، فلن تتوقف عن ممارسة دورها كإمبراطورية، والإمبراطورية ببساطة لا يمكنها الارتقاء إلى مستوى الديموقراطية الحقة”.

لا تزال توقعات المراقبين في واشنطن تستبعد إقدام بوتين على غزو اوكرانيا، حتى كتابة هذه السطور، وتقرأ في التحركات الروسية العسكرية بُعداً ردعياً للناتو ودعماً للجماعات “الإنفصالية” المؤيّدة لروسيا.

إذا أقدمت واشنطن على خطوات تصعيدية، بإرسال المزيد من الأسلحة النوعية وخاصة منظومات دفاع جوي فعالة ضد سلاح الجو الروسي، فقد تقدم روسيا على استهدافها وتوجّه انذاراً بخطوات ميدانية، وبالتوغل في مناطق حدودية، وتعلن أن أي خطوات استفزازية جديدة للناتو ستكون مبرراً لخطوات أوسع.

ادارة بايدن، المنشغلة بالملفات الداخلية، لا تبدو على استعداد للإستجابة إلى دعوات الكونغرس المعادية لروسيا للمغامرة في فتح جبهة عسكرية معها، ولو بالوكالة. لذلك يلاحَظ حرص شخصيات بارزة في طاقم بايدن للأمن القومي على التواصل المتكرر مع نظرائهم الروس وتفعيل قنوات التشاور التي انطلقت بعد قمة جنيف بين بوتين وبايدن في حزيران/ يونيو الماضي، أبرزها زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية، بيل بيرنز، إلى موسكو.

2021-15-11-التقرير الأسبوعي

الوقائع الغامضة لتضرّر غواصة
نووية أميركية في بحر الصين

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

تعرضت غواصة نووية أميركية لأضرار نتيجة ارتطامها “بجبل في عمق المياه البحرية”، في 2 تشرين الأول/اكتوبر الماضي، وسط مخاوف من تسرّب محتمل للوقود النووي على متنها. ولم يعلن سلاح البحرية عنها إلا بعد 5 أيام من الحادث، بعد اجتيازها مياه بحر الصين الجنوبي، بحسب شبكة “سي بي أس”، 5 تشرين الثاني/نوفمبر الحالي.

وكانت الغواصة “يو أس أس كونيتيكت” الحديثة، من فصيلة “سي وولف”، وقد بلغت كلفتها 3،000 مليون دولار، تبحر في أعماق بحر الصين الجنوبي، الذي تعتبره بكين منطقة سيادية وأقامت فيه جزراً اصطناعية لتعزيز سيادتها.

تحفّظ سلاح البحرية الأميركية على حجم الضرر وطبيعته، لكن بعض الأوساط رجّحت إصابتها “بأضرار لحقت بالقسم الأمامي للغواصة، وحجرات الموازنة بالسوائل، وإصابة 15 بحاراً بعوارض الاصطدام”، ما اضطرّ طاقمها لتعويمها على سطح الماء وقيادتها لإجراء الصيانة والترميم نحو القاعدة الضخمة في جزيرة غوام، التي تبعد عنها نحو 3،000 كلم.

ستتوجه الغواصة بعد إصلاح الضرر إلى قاعدتها الأم في مدينة بريمرتون بولاية واشنطن لإتمام إجراءات الصيانة. لكن جوهر التحدي أمام سلاح البحرية يكمن  في “عقيدته التي لا تشجع على بلورة خطط استرداد الموارد، وتدهور التسلسل القيادي”.

أما بالنسبة إلى مصير الغواصة النووية “فإنها ستحال إلى خارج الخدمة لعدة سنوات”، وهي واحدة من ثلاث قطع حديثة تعمل بالطاقة النووية  (مجلة “فوربز”، 3 تشرين الثاني/نوفمبر 2021).

وكان الأب الروحي للسلاح النووي في البحرية الأميركية، هايمان ريكوفر، انتقد بقسوة التراتبية العسكرية في خطاب تقاعده من الخدمة في العام 1982، قائلا: “العلّة الأساسية في نظام دولتنا، كما في القطاع الصناعي، هي قاعدة الاتكالية (بين القادة) لإنجاز أقل من المستوى المطلوب. كما أن المسؤولين جاهزون للقبول والتأقلم مع أوضاع يدركون أنها خاطئة، ويميلون إلى التقليل من حقيقة المعضلات بدلاً من العمل على تصحيحها بفعالية”.

سارع قائد الأسطول الأميركي السابع، كارل توماس، إلى أعفاء قائد الغواصة “الحديثة جداً”، كاميرون الجيلاني، وإثنين آخرين من قادتها، باتريك كاشين القائد الثاني في الغواصة وكوري رودجرز تقني أجهزة الاستشعار الصوتية، واتهمهم بالاسترخاء، مشيراً إلى أنه “كان بإمكان طاقم الغواصة تفادي التصادم لو تم اتخاذ قرار حكيم”. بيد أن المتحدثة الرسمية باسم الأسطول السابع الأميركي، هايلي سميث، أشارت إلى أن “الجبل البحري (مرتفع صخري قاعدته في قاع المحيط) لم يكن محدّداً من قبل” في الخرائط الطبوغرافية المعتمدة.

وأوضح الاستاذ الجامعي في عِلم المحيطات، ديفيد ساندويل، أن جهود رسم الخرائط الطبوغرافية الأميركية لبحر الصين الجنوبي استكملت “أقل من 50%” من تلك المساحة، مؤكداً عدم مفاجأته من حادث الارتطام، وهو استطاع تحديد “27 موقعاً محتملاً لسير الغواصة، والتي لا تظهر على خرائط سلاح البحرية”، الأمر الذي يتعارض مع توجهات عدوانية للاستراتيجية الأميركية لتطويق الصين بالغواصات والسفن الحربية (موقع شبكة “سي أن أن”، 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2021).

استناداً إلى بيانات سلاح البحرية، يستطيع المرء التوصل إلى استنتاج مفاده أن قائد الغواصة، وهو متخرّج عِلم الفيزياء، اعتمد على طاقم معاون ربما أدنى من الكفاءة المتوقّعة، علاوة على ما ورد في بيان حول أهمية “التخطيط للإبحار”، ما يوحي بأن الحادث كان يمكن تلافيه على الرغم من خط السير في مياه لم يتم اعداد خرائط خاصة بها.

يُجمع الخبراء العسكريون، بمن فيهم متقاعدون في سلاح البحرية، على الأزمة البنيوية في تأهيل الطواقم المتقدمة وتراخي الضوابط الناظمة في العقود الماضية إبان الحرب الباردة، ما أسفر عن اضطلاع قباطنة السفن بالإشراف على برامج تدريب المراتب الأدنى خلال الخدمة الفعلية، وما نتج عنه من تراجع في أعداد الضباط المؤهلين.
على سبيل المثال، كان برنامج تدريب ضباط سلاح البحرية يستغرق 6 أشهر خلال فترة الحرب الباردة، وتم تقليص الفترة إلى النصف في الأزمنة الحالية، وإلغاء بعض المواد الدراسية في أصول الملاحة وإدارة السفن والتقليل من حدوث الكوارث. أما المنتسبون إلى كلية ضباط الحرب السطحية، فيتلقون تدريبات إضافية مدتها 60 يوماً، ما يعادل مجموعها 7 أشهر أقل ممّا كان مطلوباً تلقّيه لضباط الصف إبان الحرب الباردة.

وفي انتكاسة موازية لسلاح البحرية، أُعلن في ولاية واشنطن، 10 من الشهر الحالي، عن محاكمة “عالمة معادن سابقة تعمل لشركة أميركية كانت تزوّد المصانع بالفولاذ المقوّى لبناء السفن”، واتّهِمت بتزوير نتائج اختبارات متانة المعدن المقوّى، لمدة 30 عاماً، والذي أضحى غير مطابق للمواصفات والمعايير التي حدّدها سلاح البحرية، إذ يفترض أن يتمتع بخاصية مقاومة بدرجة كبيرة في أعماق المحيطات.

وكشف سلاح البحرية الأميركية عن اتخاذه إجراءات لمراقبة غواصاته بصورة عاجلة، بعد الكشف عن “أكثر من 240” من الاختبارات المزوّرة لمتانة الفولاذ، في درجات حرارة متدنية “73 درجة مئوية تحت الصفر”، كما جاء في مواصفات البحرية المطلوبة.

اللافت في المسألة أعلاه نفاذ المراتب العسكرية كافة من المساءلة، بينما أعلنت وزارة العدل الأميركية أنه كان ينبغي على سلاح البحرية “اتخاذ إجراءات مهمة لضمان سلامة الغواصات المتضررة” التي ما زال نحو 40 منها في الخدمة، وربما رأى سلاح البحرية ان من الأفضل له عدم المجازفة عبر الهبوط بهياكل الغواصات العاملة إلى مديات قصوى. كبار القادة العسكريين، وخصوصاً في سلاح البحرية، يحبّذون عدم تحمل المسؤولية، واستمرار التمتع بالامتيازات الممنوحة لتلك الرتب، بحسب قادة متقاعدين.

بالعودة إلى تقييم “هايمان ريكوفر” بشأن عقلية الاتكالية وتراجع تحمّل المسؤولية في صفوف الهيكلية العسكرية، يتضح للمرء انقضاء نحو 30 عاماً على تزوير بيانات صلابة الفولاذ من دون الكشف عنها في المراجعة المفترضة عند مرحلة التسلّم والتدقيق مرة أخرى “عبر أداة مستقلة وحيادية”، كما طالب ريكوفر.

أمام حقيقة تسلّم سلاح البحرية الأميركية “240 دفعة” من الفولاذ المتدني الجودة، وإدخالها في بناء نحو نصف إسطول الغواصات النووية في ترسانته، سيتعيّن عليه إخضاعها بشكل كامل لإجراءات صيانة إضافية، لترميم ما تستطيع إصلاحه من عيوب، وما سيرافقه من نقص جوهري في موارد الانتشار والمهام العسكرية، سواء “في أزمنة التوتر أو الحرب”، وتبخّر خاصية التفوّق على الخصم التي تعتبر حجر الأساس في السياسات الأميركية المتعددة.

ما يفاقم الأمر بالنسبة إلى الاستراتيجية والترسانة الأميركيّتين أيضاً تتالي الدراسات الأميركية المختصة بالشؤون العسكرية في التحذير من تراجع التقنية الأميركية، والتي “لا تستطيع مواكبة قدرة الصين الصناعية” في أحواض بناء السفن، واللحاق بموازاة الترسانة الصينية التي تعدّ لإنتاج ما مجموعه 460 قطعة بحرية، في العقد المقبل ، بينما “تطمح” الترسانة الحربية الأميركية إلى إنتاج 335 سفينة وغواصة، بموازاة عدد القطع الصينية في الزمن الحالي، في غضون عقد من الزمن.

2021-11-11-التقرير الأسبوعي

نذر سيطرة الحزب الجمهوري على الكونغرس
أجندة بايدن: انتصار بطعم الهزيمة

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

ذهب الناخب الأميركي للمشاركة في انتخابات محلية، بلدية وحكام الولايات، مطلع شهر تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، وفي ذهنه أنها جولة “استفتاء” على أداء الرئيس بايدن وحكومته وحزبه الممثل بالأغلبية في مجلسي الكونغرس، وخصوصاً في ظلّ تعثر، وربما فشل، خطته الاقتصادية الطموحة نظراً لمناهضة قوى نافذة داخل الحزب الديموقراطي نفسه.

بعد انقشاع ضبابية التأييد لمشروع الرئيس بايدن، صادق مجلس النواب على ميزانية إجمالية قيمتها 1.2 تريليون دولار، وإرجاء أو “إلغاء” ما تبقى من 3.5 تريليون كانت مرصودة للنمو الاقتصادي وازدهاره. تتضمن 550 مليار دولار للإنفاق على “تحسين الطرق الهامة على امتداد 5 سنوات، من الجسور والسكك الحديدية، وتوسيع شبكة تغذية السيارات الكهربائية”.  عارض التوصيت 6 من أعضاء “التكتل التقدمي” في الحزب الديموقراطي، وتأييد 13 من الحزب الجمهوري للمشروع.

والسؤال الجوهري لما بعد فرز النتائج التي أفضت إلى تراجع سطوة الحزب الديموقراطي: هل باستطاعته مزاحمة خصمه الجمهوري بعد فقدانه أغلبيته في مجلسي السلطة التشريعية، كما تشير إليه التطورات الداخلية واستطلاعات الرأي؟ بل هل سيكون بمقدور آلة الحزب الديموقراطي الإفلات من “لعنة السياسة الأميركية” التي تنبيء بخسارة حزب الرئيس لمقاعد إضافية في مجلسي الكونغرس في الانتخابات النصفية في كل دورة، واستعادة توازنه، على الرغم من أداء مميّز لآليات الخصم الجمهوري في  الانتخابات الأخيرة؟

خسارة الحزب الديموقراطي لمنصب حاكم ولاية فرجينيا بالذات ليست أمراً عابراً، وسيترتب عليها تداعيات عميقة، يصفها الكثيرون بأنها “زلزالية”، من بينها، من دون ريب، تناقص أعداد ممثلي الحزب في الكونغرس لدعم الرئيس بايدن وأجندته الطموحة، فضلاً عن خيار البعض الآخر  بالإمتناع عن تجديد ترشيحه في الدورة الانتخابية المقبلة، وهو ما سيوفر للخصم الجمهوري فرصة استعادة سيطرته على الكونغرس وتقييد حركة الرئيس بايدن في معظم الملفات الحساسة.

فرجينيا، الولاية المجاورة للعاصمة واشنطن، استثمر فيها الحزب الديموقراطي كثيراً من أرصدته السياسية في المراحل السابقة، و استطاع بموجبها إعلاء أغلبيته على مراكز القوى في مجالسها المحلية، والتصويت إلى جانب الرئيس بايدن في الانتخابات الرئاسية الماضية، والبدء بسير مجالسها التشريعية باتجاه تغليب المصلحة العامة في مسألة حيازة السلاح ضد توجهات القوى المحافظة والتقليدية، وإن بنسبة طفيفة.

وسبق للحزب الديموقراطي أن خسر ولاية فرجينيا في انتخابات العام 2009. وفي العام التالي، فقد الديموقراطيون السيطرة/الأغلبية على الكونغرس الخاص بالولاية بعد فوزهم بها في 4 دورات انتخابية متتالية، وفي 4 من آخر  5 من انتخابات حاكم الولاية.

تلك المكاسب، التي انتزعها الحزب بعد عقود من سيطرة خصمه الجمهوري، وأخرى ذات أهمية، أضحت مهددة مباشرة في إطارها الجغرافي المحلي، لكن ارتداداتها ستمتدّ إلى مساحة أكبر من دائرتها الضيقة والوصول إلى ساحات صراع أخرى بين القوى المتقابلة. في نيويورك حقق الحزب الديموقراطي إنجازات مرئية في انتخابات عمدة المدينة ، كما فاز أعضاء جدد من الجمهوريين في المجلس البلدي تنتمي إحداهن، إينا فيرنيكوف، إلى تيار الرئيس ترامب. وحقّق ممثلو الحزب الجمهوري بعض النجاح في ولاية واشنطن، على الرغم من ميلها إلى لتيار الليبرالي بقوة، وكذلك على مستوى مجالس الإدارات التربوية في عدد من الولايات.

للتأكيد على ما سبق، على المرء استشعار خطورة تدخل المحكمة العليا الفيدرالية، منذ ولاية الرئيس السابق دونالد ترامب، في الانقلاب على أهم قضية تخصّ قطاع المرأة، ألا وهي حقها في خيار الإجهاض وحمايته دستورياً منذ العام 1973، وما تنبيء به توجهاتها المستقبلية لاستعادة سيطرة القوى المحافظة واليمينية على مفاصل القرارات السياسية والاجتماعية والصحية والتعليمية في أغلبية الولايات الأميركية.

كما تنبغي الإشارة إلى إرهاصات الحزب الديموقراطي وبروز تكتلات ذات توجهات سياسية “أكثر ليبرالية” من قياداته التقليدية، أهمها “التكتل التقدمي”  بعضوية نحو 100 نائب في مجلس النواب، برئاسة النائب عن ولاية واشنطن براميلا جايابال، والذي يضم الثلاثي النسوي إلهان عمر وأليكساندرا أوكاسيو كورتيز ورشيدة طليب وآخرين، وحساسية النقاشات الداخلية لتعديل بوصلة توجه الحزب واهتماماته، ما أضفى مزيداً من “الفوضى” على الخطاب السياسي وتردد الرئيس بايدن في حسم الجدل مع خصومه المحافظين في الحزب، لإقرار مشروع البنى التحتية كاملاً دون انتقاص.

على الطرف المقابل، تشكل ولاية فرجينيا بالنسبة للحزب الجمهوري التي خسرها في جولة الانتخابات الماضية، بفارق 10 نقاط مئوية، فرصة متجددة لترميم تصدعات الحزب من دون الحاجة إلى إقحام نفوذ الرئيس السابق دونالد ترامب وشعبيته الطاغية على مراكز القوى المحافظة، وخصوصاً إبتعاد المرشح الفائز بمنصب حاكم الولاية، غلين يونغكين، عن الظهور مع الرئيس ترامب في حملته الانتخابية.

ويراهن الحزب بعد فوز مرشحه هذه الدورة على استثمار تلك الأجواء في ولايات أخرى ليست أقل أهمية، واستمرار سياساته في تعديل الدوائر الانتخابية لمحاباة جمهوره وترجمته تمثيلاً في مجلس النواب. وربما العامل الأهم هو إثبات الحزب الجمهوري لعناصره وقواعده عدم الحاجة إلى احتضان الرئيس ترامب وخطاباته الإقصائية، وليس بالضرورة نبذها في مستوى التطبيق العملياتي، وخصوصاً ضد الأقليات.

عند البحث في تحديد أهم عوامل ترجيح كفة ممثل الحزب الجمهوري في ولاية فرجينيا لدى الناخبين، ولا سيما مشاركة أغلبية الناخبين اللاتينيين بنسبة  54% لمصلحة مرشحه، علينا تقصّي عزوف قواعد الحزب الديموقراطي عن المشاركة، كما أشارت استطلاعات الرأي في حينه، أهمها: تراجع شعبية الرئيس بايدن بين شريحة “الناخبين المستقلين”، وخصوصاً بعد استشراء “كوفيد-19″، إذ تدهورت إلى نحو 40% في المعدل العام،  ومشكلات سلاسل التوريد ونقص المعروض، وتداعيات الانسحاب الأميركي الفوضوي من أفغانستان بنسبة تجاوزت 50%، وارتفاع معدلات التضخم التي قابلها نمو منخفض بنسبة 2%، وفشل قيادات الحزب في تأييد مشروعه لترميم البنى التحتية، وبشكل خاص تمويل مكافحة تلويث البيئة قبل ذهابه للمشاركة في قمتي الدول الصناعية والمناخ، ما انعكس سلباً على مصداقية توجهات الحكومة الأميركية بين الوفود العالمية.

علاوة على ما تقدم من تحديات أمام الحزب الديموقراطي، من بينها تراجع ثقة الناخب الأميركي بالسلطة التشريعية إلى نسبة متدنية 37%، والأغلبية الضئيلة في مجلس النواب، أعلن 14من الأعضاء الديموقراطيين في المجلس عدم ترشحم لخوض الانتخابات المقبلة، أبرزهم رئيس لجنة الموازنة بالغة الأهمية جون يارموث، وممثلون آخرون في مجلس الشيوخ. وسيتزايد النزوح الجماعي من ممثلي الحزب بعد خسارته المدوّية في ولاية فرجينيا، وبات الحزب الجمهوري يقترب من فوزه بأغلبية المجلس بفارق 6 أصوات.

ثمة قضيّة برلمانية إجرائية أخرى تشغل بال الناخب الأميركي بشكل عام، ألا وهي قاعدة “آلية التعطيل”  (الفيليبستر)، في مجلس الشيوخ، والتي تقتضي موافقة 60 عضواً لإقرار أيّ من التشريعات. والآن، لا يمتلك الحزب الديموقراطي سوى 50 صوتاً “بشقّ الأنفس”، ويتعين عليه إلغاء تلك القاعدة المقيّدة، وخصوصاً في ظل التوازنات الراهنة والمرئية التي تشي بعدم التزام “بعض” نواب الحزب بتوجهاته التشريعية، كما يجري راهناً في اختزال مشروع البنى التحتية الشامل.

مستقبل الرئيس جو بايدن متعلّق بالحزب الجمهوري حصراً، الذي سيلجأ في حال فوزه المرتقب بمجلسي النواب والشيوخ إلى طرح أهليته العقلية على بساط البحث، وربما تفعيل المادة 25 من الدستور لتنحيته، وخصوصاً أن خليفته نائب الرئيس كمالا هاريس لا تمثّل تحدياً حقيقياً لسيطرة ونفوذ الحزب الجمهوري، والذي سيعطّل مشاريع أقل أهمية من مبادرات الرئيس بايدن، بحكم أغلبيته العددية. تلك الفرضية تقتضي تحجيم نفوذ الرئيس ترامب في الجولة المقبلة، ولا يستبعد التوصل إلى تسويات بين جناحي الحزب، التقليدي وترامب، من أجل ضمان فوزه بالسلطة التشريعية.

أمام هذه اللوحة لقراءة مستقبل السياسة الأميركية في المقبل من الأيام، سيستعيد الحزب الجمهوري حرارة توجهاته الدولية، والتي شكّل الرئيس ترامب التجسيد الأصدق لحقيقتها، وأبرز تعبيراتها زيادة منسوب العداء لكل من الصين وروسيا، وكذلك تحجيم دور المنظمات الدولية المنبثقة عن منظمة الأمم المتحدة، واستعادة حروب التكتلات السياسية والاقتصادية، وتسعير أجواء الحرب مع إيران وكوريا الشمالية، كما يتوقّع المراقبون.

2021-01-11-التقرير الأسبوعي

مؤتمرات الأمم المتحدة للمناخ:
إخفاق في مواجهة التحديات

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

يجمع “خبراء المناخ” في العالم قاطبة على أنّ قمة المناخ تشكّل “الفرصة الأخيرة” لمعالجة التغير المناخي، والسيطرة على الاحتباس الحراري، وإبقاء درجة حرارة الكوكب تحت سقف “1،5 درجة مئوية” خلال القرن الحالي. وقد شكّلت جائحة كورونا عائقاً أمام انعقاد المؤتمر السنوي العام الماضي، الذي كان من ضمن طموحاته “وضع حدٍّ لارتفاع متوسط درجات الحرارة لا يتجاوز درجتين مئويتين”، واستمرت الدول الصناعية والنامية على السواء باستخدام الوقود الأحفوري بمعدلات عالية، وانتقل العالم من مرحلة “مواجهة التحديات المناخية إلى العيش في ظل طواريء مناخية”.

السؤال الجوهري يكمن في تحديد جذر تدهور أزمة المناخ، فهل يعود إلى انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية باريس، مثلاً، وتخلّفها عن المساهمة الفعّالة، أو الإخفاق الجمعي في التوصّل إلى قرارت دولية ملزمة، أو عوامل أخرى؟

الإجابة الأقرب إلى  الوقائع والظروف الدولية المعقّدة أوجزها محرّر الشؤون الاقتصادية في صحيفة “ذا غارديان” البريطانية، لاري إليوت، الذي حمّل المسؤولية للنظام “الرأسمالي – خصوصاً في شكله الأنكلو-ساكسوني المهيمن – الذي يتعذّر عليه التفكير أبعد من المرحلة الراهنة المُعيشة”، وذهب إلى أبعد من ذلك قائلاً: “أولئك الذين يترأسون الشركات الكبرى، يعتبرون أن وظيفتهم تكمن في استدرار أقصى معدلات الأرباح في المدى القصير، ولو أدّى ذلك إلى أضرار مستدامة في النظام البيئي العالمي”، وهو ما أطلق عليه الاقتصاديون “التدمير الخلاّق” (“ذا غارديان”، 16  آب/أغسطس 2018).

تحرص الدول الصناعية الكبرى على الظهور بمظهر  “فاعل خير”، وتعلن دوماً حجم “تبرعاتها” للشرائح الاجتماعية المتضررة من تغوّل النظام الرأسمالي. وقد أرست مفهوم “وعدها بالتبرع” بموارد ضروريّة لمصلحة الدّول الأقل حظاً، وهي الأغلبية، كي تعينها على”التأقلم” مع متغيرّات المناخ، بنحو 100 مليار دولار سنوياً “لكنها لم تفِ بوعودها”.

منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية “أونكتاد” أجرت دراسات متواصلة للتوقّف على حجم الاستثمارات المطلوبة عالمياً لمعالجة تداعيات المناخ، واعتبرت أنّ المطلوب هو نحو “200 مليار دولار سنوياً”، وأن الرقم سيستمرّ بالارتفاع بالتوازي مع ارتفاع درجات الحرارة “إلى نحو 300 مليار دولار سنويا لغاية العام 2030، و 500 مليار دولار للعام 2050”.

للتوضيح، إن الاستثمار بنحو 300 مليار دولار لتحسين أداء البيئة يعادل كلفة ما تعرّضت له الولايات المتحدة من أضرار بيئية لبضع سنوات بعيدة. كما بلغت الخسائر لخمس سنوات متتالية (2016-2020) أكثر من 600 مليار دولار. أما ما تعرّضت له من خسائر بيئية “منذ العام 1980 ولغاية 2021″، فقد بلغ أكثر من تريليوني دولار، بحسب البيانات الرسمية (“الهيئة الوطنية لشؤون المحيطات والمناخ”، 8 تشرين الأول/اكتوبر 2021).

الرئيس الأميركي جو بايدن في وضع سياسي داخلي لا يحسد عليه، فهو لا يزال يواجه معارضة قوية من أقلية من داخل حزبه الديموقراطي تحرمه من تمرير خطته الاقتصادية الطموحة لترميم البنى التحتية المتهالكة والاستثمار في البرامج الاجتماعية والصحية، وكان يرمي إلى حضور قمتي مجموعة الـ 20 الصناعية في روما والمناخ في استكتلندا من موقع قوي، متسلحاً بعزم الولايات المتحدة على الاستثمار الايجابي في الحد من الاحتباس الحراري، لكن حسابات الحقل لم تسعف حسابات البيدر، ولا زالت خطته التنموية تواجه عقبات داخل معسكره الديموقراطي.

كما أفاد أحدث استطلاعات للرأي، 31 تشرين الأول/اكتوبر 2021، تراجع شعبيته بنسبة ملحوظة، إذ يعارض 60% توجهاته الاقتصادية، وتنبئ نتائج الانتخابات المحلية في ولاية فرجينيا، المجاورة للعاصمة واشنطن، بأداء أفضل للمنافس الجمهوري لمنصب مجلس الشيوخ، ما سيشكل مؤشراً أكبر على خسارة الحزب الديموقراطي لغالبيته الضئيلة في مجلس الشيوخ (شبكة “أن بي سي” للتلفزة).

تراجع شعبية الرئيس بايدن إلى 42% يشكّل، بحسب المختصين، نسبة أدنى من أيّ رئيس في ولاية سنته الأولى، “باستثناء الرئيس دونالد ترامب، الذي حصل على نسبة 37% في خريف عام 2017”. ولعلّ العامل الأشدّ قلقاً هو أن نسبة 50% من المستطلعة اراؤهم تعتبره “مؤهلاً” لقيادة البلاد في المرحلة الراهنة، فيما عبّر نحو 71% منهم عن قلقهم من “إدارة دفة البلاد إلى الأسوأ”.

علاوة على ما تقدّم، تستمر معاناة الولايات المتحدة من نقص متزايد في سلسلة التوريد وارتفاع الأسعار، بدءاً من أسعار الطاقة وانعكاساتها على كل المرافق الاقتصادية الأخرى، ما يهدد بتبلور أزمة تضخم ونقص العرض.

أبرز ما يواجهه أيضاً الرئيس الأميركي من تحدٍّ في قمة مجموعة الـ20 الصناعية هو إنتاج معدلات كافية من اللقاحات ضد جائحة كوفيد 19 “لترسل إلى الدول النامية”، وخصوصاً في ظل إصرارٍ أميركي وغربي بشكل عام على محاربة أي لقاح بديل متوفر وأرخص ثمناً، مثل الروسي سبوتنيك-V والصيني سينوفارم، واللذيْن تنتجهما دول عدة بموافقة الدول المصنّعة، مقارنة باللقاحات الأميركية التي تسعى لبيع منتجاتها بأسعار تحددها سلفاً لزيادة معدلات أرباحها الفلكية.

كما شكّل تغيّب الرئيسين الروسي والصيني عن المشاركة المباشرة في أعمال قمة المناخ في اسكتلندا مؤشراً غير مريح، لما قد يسفر عنه من قرارات وتوجهات دولية، نظراً إلى تأجيج الولايات المتحدة خلافاتها مع نظيرتيها العظميين ولجوئها إلى التهديدات العسكرية كخيار أول في معالجة الأزمات الدولية، بعكس ادعاءاتها حول الإلتزام بعودة الدبلوماسية الى مقارباتها في الملفات الدولية الشائكة. كما فاقم تغيّب كلّ من الهند والبرازيل (وهما حليفتا أميركا) وجنوب إفريقيا وإيران والمكسيك إزمة التوصل إلى حلول والتزامات عملية تترجم فيها واشنطن نيتها باستئناف دورها في معالجة ارتفاع حرارة الكوكب.

يلحظ علماء البيئة “جديّة” إجراءات كلّ من الصين والهند لمعالجة الانبعثات الضارة من القطاع الصناعي والانتاجي، على الرغم من التحشيد الإعلامي الأميركي بعكس ذلك. ربما لم تكن المعدلات تكفي لإحراز تقدم ينقذ البشرية من الأخطار المحدقة، لكن “سياسيي بكين ونيودلهي استفاقوا على أنّ تبنّي معادلة النمو الأخضر أفضل من النمو الأحفوري”، وأعلنت الصين التزامها بالتخلي تدريجياً عن احتراق الفحم كمصدر لتوليد الطاقة.

وقد ضاعف البلدان من انتاجهما للطاقة من مصادر متجددة ،كالطاقة الشمسية والرياح، وأن بوتائر متباينة (“ذا غارديان”)، بيد أنّ التجاذبات السياسية الدولية، وأبرزها استثمار الولايات المتحدة في الشق العسكري “لمواجهة الصين وروسيا” وتطويق مياه الأولى بصواريخ نووية، كما جسّدته اتفاقية “أوكوس” بين أميركا وبريطانيا واستراليا. هذا الأمر اقتضى انتهاج الصين منحى أولويته المواجهة العسكرية أيضاً، وتسجيل تراجع في سياساتها لتقليص الاعتماد على الفحم الحجري كمولّد للطاقة، والذي تعد استراليا أكبر منتج ومصدّر له، وهي تعارض أيضاً استبدال توليد الطاقة بالفحم الحجري.

يعادل إنتاج الولايات المتحدة من الفحم الحجري نحو 25% من احتياجاتها لتوليد الطاقة الكهربائية. ومن المتوقّع ازدياد اعتمادها على تلك المصادر الخفيفة الكلفة نسبياً، وزيادة استهلاك مصانعها بنسبة 19% في فصل الشتاء المقبل.

من جانبها، تتمسّك الهند بمواقفها السابقة، والتي تطالب “الدول الغنية” بالوفاء بالتزاماتها وتقديم معونات مالية للدول النامية، تعينها على استبدال مصادر الطاقة التقليدية بمصادر نظيفة ومتطورة، تحدّ من الاضطراب المتوقع في قطاع توليد الطاقة إن تخلّفت تلك الدول عن مساهماتها الموعودة.

تدرك وفود الدول المشاركة في قمة اسكتلندا أن مسار التوصل إلى اتفاقيات، بصرف النظر عن تباين وجهات النظر أو النيات، ستواجه مرحلة أقسى لدى إقرارها من قبل برلمانات دولها المعنية والمصادقة عليها كمعاهدات ملزمة، كما فعلت الولايات المتحدة بتخلّيها عن اتفاقية باريس للمناخ، وانسحابها من الاتفاق النووي مع إيران، بل من غير المرجّح أن تصادق الأغلبية النسبية داخل أميركا، ثلثا الأعضاء – 67 في مجلس الشيوخ الأميركي،  بحسب توازناته الراهنة والمرئية – على أيّ اتفاق ذي أبعاد دولية، وخصوصاً توصّلها إلى حقيقة الكلفة المالية الناجمة عن تلك الخطوة الاستراتيجية البعيدة المدى.

الصراعات السياسية في معظم البلدان الصناعية، وتحديداً في الولايات المتحدة، تتصدر جدول الأولويات على حساب الاستثمارات المطلوبة في مرافق الحياة كافة، والعامل المشترك بين تلك البلدان، بما فيها أميركا، هو فقدانها نماذج قيادية حقيقية تستطيع اتخاذ قرارات مصيرية.

الحلّ، بحسب رؤية محرر الشؤون الاقتصادية في صحيفة “ذا غارديان” البريطانية، “هو اعتراف (الغرب) بأن النموذج الصيني للرأسمالية المدارة والموجّهة (من الدولة) قد يكون أكثر ملائمة من النموذج الأنكلو-ساكسوني”، علاوة على إدراكها بأن “القوى القويّة والنافذة” في صنع القرار، مثل اللوبيات المتعددة، “أضحت مضلَّلة بشكل خطر، كما شكّلت فرق استرضاء الفاشية من أخطار في ثلاثينيات” القرن الماضي.

قد تروّج ادارة بايدن الى أنّ جولة الرئيس الدولية الثانية تعيد ترميم العلاقات الأميركية الأوروبية، ولكن الإنقسامات الحادة داخل شطري الأطلسي وبينهما لن تزيلها حملات الدعاية والعلاقات العامة أو لقاءات الصور التذكارية الجامعة.