2020-08-09-التقرير الأسبوعي

واشنطن تتأهب للمواجهة ..
والصّين هادئة ويقظة 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

” تفوَّقت الصين على الولايات المتحدة في مجالات محدّدة، في بناء السفن والصواريخ الباليستية وصواريخ كروز ونُظم الدفاع الجوي”. كان ذلك مُلخّص تحذير في تقرير سنوي أعدَّته وزارة الدفاع الأميركية وقُدم إلى لكونغرس، في الأول من شهر أيلول/سبتمبر الجاري، حول “التطورات العسكرية والأمنية لجمهورية الصين الشعبية”.

تزامن التقرير مع تقديم البنتاغون ميزانيته للعام المقبل إلى الكونغرس، والتي تقدّر بنحو 740 مليار دولار، ما حفّز البعض على اعتباره تهديداً مبطناً للساسة الأميركيين بالموافقة على الميزانية، تعزّزه “المبالغة” في تقييم التّهديدات التي تعتبرها واشنطن عثرة أمام “مصالحها الكونيّة”. ولا شكّ في أن المجمّع الصناعي الحربي الأميركي هو المستفيد الأول من مبالغات تقرير البنتاغون، لأنه يوفّر الذريعة الجاهزة لتبرير الإنفاق الهائل على المنظومات العسكرية.

شدّد التقرير، كما التّقارير السابقة المقدّمة، على عزم القيادة الصينية على تطوير أداء قواتها المسلحة وتحديث ترسانتها العسكرية مع حلول عام 2049 في “الذكرى المئوية للثورة الصينية الشعبية”، وبأنّ الرئيس الصيني شي جين بينغ يُعدّ لاستعادة جزيرة تايوان للسيادة الصينية  بحلول العام 2050 بموجب سياسة “الصين الواحدة” الموّحدة.

تقارير البنتناغون حول الصين، بدءاً منذ العام 2000، ألقت ظلالاً من الشكّ على قدرة الصين على النهوض عسكرياً في المدى القريب، معتبرةً أنّ “عقيدة القوات المسلحة الصينية هي في الإعداد لمواجهة حرب بّرية كبيرة على طول حدودها، وبأن أسلحة قواتها البرية والجوية والبحرية قديمة وعفا عنها الزمن”. بعضهم وصفها تهكّماً بأنها عبارة عن “نمر من ورق”.

واعتبر مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض، روبرت أوبرايان، أنّ سياسة واشنطن تجاه بكين تعد “أكبر فشل للسياسة الخارجية الأميركية منذ الثلاثينيات”. وقد انتقدت الصين الأمر على أرفع مستوياتها الرسمية، ورفضت توصيف تقرير البنتاغون. وقالت المتحدثة باسم وزارة خارجيتها خوا تشينغ يينغ إنّ التقرير الأميركي “مليء بالتحيّز”، مشدّدة على التزام بلادها بمسار التنمية السلمية.

وزارة الدفاع الصينية اعتبرت أنّ التقرير تحكمه “عقلية الحرب الباردة والمعادلة الصفرية”، ويسيء تفسير سياسة بكين الدفاعية واستراتيجيتها العسكرية، ويحرّض على نشوب مواجهات في مضيق تايوان.

يُشار في هذا الصدد إلى تواتر تقارير أميركية متعدّدة “تغذّي حالة العداء للصين”، منها تقرير موسّع لصحيفة “واشنطن تايمز”، اليمينية والمقربة من البيت الأبيض، محذراً من “مؤشرات” قامت بها الصين بأنها تعدّ لعمل عسكري ضد الولايات المتحدة التي “دقت جرس الإنذار داخل الجيش وأجهزة استخباراتها”، (29 تموز/يوليو 2020).

وحذّرت أيضاً من عبثية جهود “بناء الثقة مع جيش التحرير الشعبي الصيني، والتي فشلت إلى حد كبير في إقامة علاقات أو تعاون أوثق”، معتبرة التهديد “ملحّاً الآن ومن دون الانتظار إلى العام 2030 ، إذ باتت كل القواعد الأميركية في منطقة قيادة المحيط الهادئ معرضة لخطر الهجوم، بعدما عززت الصين قدراتها مؤخرا، ولا سيّما من الصواريخ الباليستية متوسطة المدى”.

يُشار إلى أنّ التواجد العسكري الأميركي الضّخم في جزر غوام، قبالة الفيلبين في المحيط الهادىء، يضم 3 قواعد عسكرية ضخمة “هي مصدر قلق خاصّ، لأنه يصعب الدّفاع عنها”. وزعمت الصحيفة أنّ هناك “شائعات عن صراع سياسيّ كبير على السلطة في بكين، بين الرئيس الصيني شي جين بينغ وعناصر موالية لنائب الرئيس الصيني السابق تسنغ تشينغ هونغ، حليف الرئيس الصيني الأسبق جيانغ زيمين”.

وأكدت مصادر عسكرية أميركية لوسائل الإعلام أن “مسار التوتر في العلاقات مؤخرا بين البلدين على خلفية ملفات عدة، أكّد مخاوف متزايدة من أنّ الولايات المتحدة معرضة لتهديدات بالغة من الصين، وأن أي قتال سيؤدي إلى معاناة الولايات المتحدة من خسائر فادحة” (17 أيار/ مايو 2020).

وأردفت المصادر العسكرية قائلة أنّ الصين “تمتلك صواريخ باليستية بعيدة المدى مضادة للسفن، وصواريخ تفوق سرعتها سرعة الصوت (أكثر من 5 أضعاف)”. كما أعلن الرئيس الأميركي ترامب متفاخراً عن جهود بلاده تطوير “صاروخ متطور أسرع من الصوت بـ 17 مرة من الصواريخ الحالية” (17 أيار/مايو 2020).

مستشارة الحكومة الأميركية لشؤون شرقي آسيا (من أصول أسترالية)، بوني غلاسر، أفصحت عن إجراء جملة دراسات وتمرينات نظرية لمحاكاة التهديد الصيني بحلول العام 2030، قام بها عدد من الخبراء الأميركيين في الآونة الأخيرة، وأسفرت نتائجها عن “هزيمة الولايات المتحدة” (19 أيار/مايو 2020).

بالعودة إلى تقرير البنتاغون، لفت مختصّون في الشؤون العسكرية إلى خلوّ التقرير من جداول وبيانات مفصّلة مفيدة، كما جرت العادة والتقليد العسكري، وأغفل مقارنة فعالية الترسانة الصينية بنظيرتها الأميركية، بل “أسهب في توصيفات غامضة” غير دقيقة، مثل قوله: “تمتلك الصين الشعبية أكبر سلاح بحرية في العالم، ولديها قوة محاربة تعادل نحو 350 سفينة وغواصة. في المقابل، القوة الأميركية المحاربة تشمل نحو 293 سفينة (تحت الخدمة) منذ مطلع العام 2020”.

تفادى تقرير البنتاغون أيضاً الإقرار بمسلّمة يدركها العسكريون حول طبيعة السفن الحربية الصينية، وهي ذات طبيعة “خفيفة الحركة تصلح للدفاع عن سواحل البلاد”، وليس للإبحار البعيد. وأعلنت الصّين حديثاً عن دخول “حاملة طائرات تعمل بالطاقة التقليدية” الخدمة، وهي أصغر من مثيلاتها الأميركية.

سلاح البحرية الأميركية المنتشر يضم “11 حاملة طائرات نووية، 3،700 مقاتلة حربية”، بينما ترسانة الصين الجوية لا تتعدى 1،000 طائرة هجومية وقاذفة قنابل. أما نُظم الدفاع الجوية في الصين، فيعتقد الخبراء العسكريون أنّها مبالغ بها، وخصوصاً أنها تعتمد على النظم الروسية من أس-400 وأس-300 التي لم تختبر جدياً في ساحات الحرب.

وأشار بعض المعلقين الأميركيين إلى إستمرار الإعتداءات الإسرائيلية على سوريا، رغم توفّر هذه المنظومات التابعة للقوات الروسية هناك، كدليل على عدم تفوّقها أو على تمكّن الإسرائيليين من تطوير تكتيكات تتجاوزها.

القوات المسلحة الصينية، فيب رأي الخبراء العسكريين، تواجه تحديات متشعّبة لإعادة بناء ترسانتها، واستناد عقيدتها العسكرية إلى الاعتماد على وحدات “جيش التحرير الشعبي”، ذو هيكلية أقرب إلى وحدات ايديولوجية ترتبط مباشرة بالقيادة السياسية للبلاد، أما تطوير عقيدتها وعتادها إلى مستويات الجيوش النظامية الحديثة، فلن يتحقّق ضمن طموح قادة البلاد بإنجاز ذلك مع حلول العام 2049. عندئذ ستصبح أسلحتها للعام 2020 قديمة ومحدودة الفعالية.

وأوضح تقرير البنتاغون للعام 2019 هذه المسألة بالإشارة إلى توقعه بـ “فشل جيش التحرير الشعبي في إنجاز أهدافة بالتّطوير والتّحديث، وهو لا يزال على مسافة نحو سنتين قبل الوصول إلى مرحلة المكننة”.

إصدار البنتاغون تقريره حول “تهديد الصين” لم يغفل المناخ السياسي الراهن في واشنطن، والمنهمك بالإعداد لمنافسة انتخابية “حامية الوطيس” بين الحزبين وداخلهما أيضاً، والضّغط على قادة الكونغرس  للمصادقة على الميزانية المطلوبة قبل تبدّل موازين القوى المتوقّعة عقب انتهاء الانتخابات.

2020-03-09-التقرير الأسبوعي

تنامي فرضية عدم الحسم في الانتخابات الأميركية
سيناريوهات محتملة
 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

استطاع الرئيس ترامب جرّ خصومه ومنافسيه السياسيين إلى مربّع الإثارة والموقف الأضعف في البحث عن بدائل للاقتراع الانتخابي، مصعّدا من تشكيكه لاعتماد سلطة البريد العادي وسيلة آمنة للانتخاب غيابياً، والإعلان عن إعتبار النتائج مزوّرة في حال خسارته، والتلويح بإمكانية تأجيل موعد الانتخابات.

تصريحاته وهجومه الشرس على أركان المؤسّسة أضيف أيضاً لمنسوب القلق الدائم بين أقطاب الحزب الجمهوري من إقبال مكثّف على صناديق الاقتراع، والذي سيستفيد منه المرشّحون المنافسون، سواء الحزب الديموقراطي أو المستقلون وحزب الخضر.

انبرى كبار قادة الحزب الديموقرطي لاتهام الرئيس ترامب بالسعي إلى “التلاعب” بنتائج الانتخابات بتقليص الاعتماد على التصويت بالبطاقات عن بُعد واستخدام البريد العادي كآلية مضمونة لذلك، وخصوصاً أنها هيئة “مستقلة” مموّلة من الكونغرس، وبمشاركة قطبي الحزبين في إدارتها، فضلاً عن زيادة اعتماد الناخبين على الاقتراع بالبريد نتيجة تفشي جائحة كورونا.

كما حقّق الرئيس ترامب قسطاً من أهدافه في صرف الأنظار بعيداً عن تدهور الأوضاع الاقتصادية، ولو مرحلياً، والطعن في نتائج الانتخابات قبل إجرائها، ونيّته في تأجيل الانتخابات، ما وضع خصومه في خانة التشبث بالنصوص الدستورية لإجراء الانتخابات في موعدها، وخصوصاً أنها لا تمنح رئيس البلاد صلاحية تغيير موعد الانتخابات الرئاسية المقررة في “أول يوم ثلاثاء يتبع أول يوم إثنين من شهر تشرين الثاني/نوفمبر”، الذي يوافق الثالث من ذلك الشهر هذا العام.

كما ينصّ الدستور على أنّ الموعد النهائي لولاية الرئيس ونائبه “الساعة 12 ظهراً من يوم 20 كانون الثاني/يناير” من العام 2021. الخبراء في القوانين الدستورية يميلون إلى التفسير بأنّ الرئيس الذي لم يُنتخب لولاية ثانية، بعد انقضاء فترته الرئاسية عليه مغادرة السلطة.

أقرّ الكونغرس قانوناً في العام 1948 يثبّت فيه موعد الانتخابات، يوم أول ثلاثاء من شهر تشرين الثاني/ نوفمبر، على أن يتولّى مندوبو “الكلية الانتخابية” مهمة اختيار الرئيس المقبل للبلاد وفق آلية تمنح الولايات صلاحية “تعيين مندوبيها” بمقاعد محددة توازي المجموع العام لمجلسي الكونغرس وبالتوزيع النسبي المعتمد ذاته.

من تعقيدات الانتخابات الأميركية، تنصّ القوانين السارية على “اجتماع المندوبين لانتخاب الرئيس ونائب الرئيس في كل ولاية، والذين يمنحون أصواتهم في أول يوم إثنين بعد ثاني يوم أربعاء من شهر كانون الأول/ ديسمبر”، الذي يوافق 14 كانون الأول/ ديسمبر العام الجاري.

وتنصّ مادة أخرى من قانون الانتخابات على إعلان الولايات نتائج انتخاباتها في غضون أسبوع بعد إقفال صناديق الاقتراع، وإرسال أصوات مندوبيها إلى الكونغرس، بتشكيلته القديمة، مع حلول يوم 23 كانون الأول/ديسمبر، ويتم فرز أصوات المندوبين في جلسة مشتركة لمجلسي الكونغرس تعقد “عند الساعة الواحدة بعد ظهر يوم السادس من كانون الثاني/يناير”.

وفي حال لم يتأهّل أيّ مرشح لمنصب الرئيس أو نائبه، يختار مجلس النواب الرئيس المقبل، ويختار مجلس الشيوخ نائباً له بالتوازي. بعبارة أخرى، ستعكس تركيبة الكونغرس الجديدة هوية الرئيس المنتخب ونائبه، في حال إخفاق أعضاء “الكلية الانتخابية” بتلك المهمة.

سيسعى كل من الطرفين، الديموقراطي والجمهوري، إلى تجيير النصوص الدستورية والأعراف السائدة لخدمة برنامجهما ولأقصى الحدود، وسيواجهان تعقيدات المشهد السياسي، في ظل تحدّي الرئيس ترامب لنصوص الاقتراع الانتخابي وآلياته ، ومنها الاحتمالات التالية:

1-   تباين النتائج بين الأصوات الشعبيّة وأصوات مندوبي “الكلية الانتخابية”، وتوجه حاكم الولاية سياسياً وما يتمتّع به من صلاحيات بدءاً بإبطاء فرز النتائج، وخصوصاً بطاقات التصويت غيابياً، وما ستفرز عنه من عدم استيفاء شروط تعيين المندوبين بعد أسبوع من نهاية الانتخابات.

في تلك الحالة، تحرم القوانين السارية الولاية المعنيّة من ممارسة تصويتها في “الكلية الانتخابية”. وتلقائياً، ستتأهب المحكمة العليا للبتّ في تلك النتائج، أسوة بما شهدناه في انتخابات العام 2000 بين المرشحيْن آل غور (عن الحزب الديموقراطي) وجورج بوش الإبن. وشهدت أميركا آنذاك تدفق حشود شعبية إلى مراكز الاقتراع خلال عملية الفرز وتهديد المشرفين على العملية. تكرار ذلك في العام الحالي سيكون أشدّ عنفاً وانقساماً، وربما سيلقى تشجيعاً من الرئيس ترامب وأنصاره.

كما أنّ توازن تركيبة المحكمة العليا مهدّدٌ بتردي الحالة الصحية للقاضي روث غينزبيرغ، ما سيحيل النتيجة إلى تساوي الأصوات، 4 مقابل 4، وما سينجم عنه من تعقيدات إضافية.

2-   رفض إحدى أو بعض الولايات ارسال مندوبيها إلى الكلية الانتخابية، في ظاهرة حيّة لأكبر ولايتين، كاليفورنيا ونيويورك، وإعرابهما عن الرغبة في الانسلاخ عن الاتحاد الفيدرالي. حينئذ، سيفوز الرئيس ترامب تظلّله سحابة شك في شرعيته.

3-   إختيار رئيس بالإنابة في حال عدم التوصّل إلى النتائج النهائية، قبل نهاية الفترة الرئاسية يوم 20 كانون الثاني/يناير، ويتعين على مجلس النواب اختيار رئيس بالإنابة، مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ تركيبة مجلس النواب في ذلك اليوم هي الهيكلية القديمة، ولن تعكس حجم الطرف الفائز في الانتخابات التشريعيّة، ما يضاعف من تعقيدات الخيارات المطروحة.

4-   تعديل بوصلة مجلس النواب كنتيجة للانتخابات التشريعية، والتي ستحفز، في حال عدم الحسم بنتائجها، أحد الطرفيين على تأجيل الفرز طمعاً في إعلاء المرشح الرئاسي الموالي له، وما سينجم عنه من صفقات سياسية تعقد خلف أبواب موصدة تسفر عن ممارسة ضغوط على هيئات الفرز في الولايات المتعددة لإعلان نتائجها النهائية.

5      – يتمّ تبديل المندوبين في حال الطعن في شرعية الانتخابات، ما سيتطلّب من مجالس الولايات التشريعية تعيين مندوبيها والتغاضي عن إفرازات توجّهات الناخبين عبر صناديق الاقتراع، إن تطلب الأمر.

6-   رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي ستقفز تلقائياً إلى منصب رئيس البلاد في حال عدم التوصّل إلى تسمية رئيس ونائبه في الموعد المحدد، 20 كانون الثاني/ يناير، شرط بقاء الحزب الديموقراطي مسيطراً على أغلبية مقاعد مجلس النواب، وفوزها في ولايتها كاليفورنيا، وذلك وفق المادة 19 من القانون الأميركي.

 

وفي هذا السياق، تجدّدت مطالب بعض كبار قادة الحزب الديموقراطي للمرشح جو بايدن بعدم التنازل التلقائي نتيجة فرز الانتخابات، ما سيعيد المسألة إلى مجلس النواب ورئيسته لتولي المهمة، بمعزل عن شخص بايدن نفسه.

كل ما سبق من احتمالات “نظرية” قد تطرأ عليها تعديلات تغذيها حالة الانقسام الحاد السائدة في المشهد السياسي، والتحديات المضاعفة أمام قادة الحزبين للتوصّل إلى “حلٍ مُرضٍ”، للحيلولة دون تعريض هيبة النظام السياسي لتحدٍ غير مسبوق، وضرورة التضحية من الطرفين ببعض الرموز صوناً لاستمرارية المؤسسة.

علاوة على ما تقدّم، يدرك قادة الحزبين المخاطر والتحدّيات الراهنة من توسّع رقعة انتشار الاحتجاجات والاضطرابات المدنية التي تغذيها العنصرية المتأصلة في المؤسّسات الأمنية، وهم في غنى عن التسبّب بمزيد من الانقسام والتدحرج نحو الأسوأ، وخصوصاً في ظلّ انتشار جائحة كورونا.

تجدر الإشارة الى أنّ ما يجري من استعراضات عسكرية الطابع لمؤيدي الرئيس ترامب في عدة ولايات، وإقدامهم على استفزاز المحتجين  السلميين أو الإعتداء عليهم، قد يعزّز مناخ الفوضى والإضطرابات التي قد تشهدها بعض مراكز الإقتراع ما يعطّل العملية الإنتخابية في العديد من الولايات .

2020-26-08-التقرير الأسبوعي

أميركا : دعوات لتدخل القوات العسكرية
لتنفيذ انتقال السلطة بعد الانتخابات

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

اعتادت الولايات المتحدة تمييز تجربتها السياسية “الانتقال السلمي والسلِس للسلطة” عقب نهاية الاقتراعات الانتخابية، وتسليم الرئيس المنتخب مقاليد السلطة من سلفه بتنسيق متدرّج بين الفريقين، تهيئة للتسليم الرسمي في 21  كانون الثاني/يناير من العام التالي.

يشكّل عهد الرئيس ترامب، صعوده واستمراره وربما نهايته، شذوذاً عن القواعد والأعراف المعهودة، وهو الذي هدّد في أكثر من مناسبة بعدم إقراره بنتائج الانتخابات في حال عدم فوزه، بل ذهب إلى القول إنه لن يغادر البيت الأبيض تلقائياً وأوعز إلى مؤيّديه المدجّجين بالسّلاح التأهب لدخول العاصمة واشنطن، لحمايته من رد فعل أفرع المؤسسات الرسمية الأخرى.

تتميز جولة الانتخابات الرئاسية الراهنة بانقسام عمودي وشرخ اجتماعي على مستويات متعددة، كتعبير عن حدة الصراعات المتنامية بين أقطاب المؤسّسة الرسميّة، ودخول بعض القيادات العسكرية على الخط، مناشدين قيادة هيئة الأركان المشتركة التأهب للتدخّل “عسكرياً” بإخلاء الرئيس ترامب بالقوة، إن استمر في تعنّته وتحدّيه لأعراف المؤسسة الحاكمة وتقاليدها.

تراتبياً تتبع المؤسسة العسكرية بأفرعها وتشكيلاتها كافة لقرار السلطة التنفيذية، دستورياً وعُرفياً، وهي المرّة الأولى التي تخضع لاختبار حقيقي في مهماتها وواجباتها المنصوص عليها في معادلة التوازن التقليدي بين الشقين العسكري والمدني لأركان السلطة، وتفتح الأبواب مشرعة على احتمالات لم تشهدها البلاد منذ بدء كيانها السياسي.

وفي هذا السياق، ناشد ضابطان متقاعدان من سلاح الجيش رئيس هيئة الأركان المشتركة، مارك ميللي، الإعداد للتدخل المباشر “بإخلاء الرئيس ترامب من البيت الأبيض في حال اعتراضه على نتائج الانتخابات وعدم فوزه بولاية ثانية” (نشرة “ديفينس وان”، 18 آب/أغسطس الجاري).

تأتي تلك المناشدة العلنية للتدخل العسكري على نقيض تراث المؤسسة العسكرية، بإعداد كبار الضباط على  مستوى قادة الأركان، وتمسكها الصارم بالتراتبية المهنية ووظيفتها بالانصياع إلى قرار المؤسسة السياسية، كما تشير أدبيات المعاهد العسكرية المتعددة، وأبرزها “الكليات الحربية”، فضلاً عن تداعيات ذلك على المستويات الاستراتيجية والبعيدة المدى ومخاطرها على النموذج السياسي الأميركي في حال تحققها.

وجاء في مذكّرة الثنائي العسكري المذكور أن “واجب رئيس هيئة الأركان المشتركة إصدار سلسلة أوامر لا يشوبها الغموض، تمنح القوات العسكرية صلاحية دعم وتأييد الانتقال السلمي للسلطة وفق النصوص الدستورية”. ومضت المذكّرة محذّرة، في حال إخفاق رئيس الهيئة الامتثال للواجبات الدستورية، بأنه “سيكون متواطئاً في حملة انقلاب عسكري” على السلطة.

في تلك الأثناء، تصاعدت موجات التحشيد الإعلامي والعسكري والأمني ضد “التدخّلات الأجنبية، وخصوصاً روسيا”، في سير الانتخابات الأميركية، وفق السردية الرسمية. وحذّرت كل أذرع المؤسسة الأمنية والعسكرية من تلك المحاولات التي لم تقدم للحظة أدلّة مقنعة للعامة بهذا الشأن.

ومن بين تلك المساعي تحذير لرئيس القيادة العسكرية الأميركية للفضاء الالكتروني، السيبراني، في وكالة الأمن القومي، بول ناكاسوني، من التدخلات الأجنبية، مؤكداً “جهوزية الوكالة للتحرك” إذا ما تعرضت جولة الانتخابات للهجوم، ومعتبراً أن الهدف الأول هو ضمان “سير الانتخابات للعام 2020 آمنة ومؤمّنة وشرعية” (20 تموز/يوليو 2020).

بعض المراقبين الأميركيين “شدّد” على ما ورد في تحذير ناكاسوني بضمان شرعية الانتخابات، كرديف لما يدور في أروقة المؤسستين العسكرية والأمنية من نيات بالتدخل للسيطرة على “سلاسة تقليد التسليم والاستلام السلمي” للسلطة.

وما يعزز تلك المخاوف، على الصعيدين الرسمي والشعبي هو الجدل الدائر حول آلية التصويت، في ظلّ تفشي جائحة كورونا، والتزام الأغلبية بارشادات المراجع الصحية بعدم الاختلاط والتجمهر، ومطالب موازية للتصويت عبر بطاقات الاقتراع بالبريد الرسمي، والذي عارضه الرئيس ترامب وبعض قيادات الحزب الجمهوري، لخشيتهم من تفشي محاولات التزوير، كما يشاع، ولعدم التيقّن من هوية الناخب بشكل مباشر.

البعض اعتبر مضمون المذكرة “بالون اختبار” أطلقه مقربون من حملة المرشح الديموقراطي جو بايدن، بهدف إثارة بعض القضايا والاهتمامات التي يتم تداولها داخل المراتب العسكرية العليا.

واشار اولئك إلى تقيّد المؤسسة العسكرية الصارم بـ “عدم التدخل في السلطة السياسية”، ممثلاً باستقالة الرئيس الأسبق دوايت ايزنهاور من منصبه العسكري الرفيع في العام 1952، لدخول الحلبة السياسية والترشح لرئاسة البلاد بعد انتصاراته في الحرب العالمية الثانية.

فرادة الظرف السياسي الذي تمرّ به الولايات المتحدة “قد” تسعف حملة الرئيس ترامب في المحصّلة النهائية، ليس بدوافع أهليته، بل لاعتبارات ضمور أهلية المرشح جو بايدن، والإعياء الذي بدى على حالته الصحيّة وإجهاده، وربما تتفاقم حالته سلباً مع طبيعة الضغوط اليومية لحضور يومي ودائم للمرشح في المشهد السياسي.

من بين الاحتمالات الواقعية الأخرى، في حال عدم الحسم بنتيجة الانتخابات العامة بين المرشحيْن، وإخفاق مجمع “الكلية الانتخابية” في التوصل إلى نسبة الأغلبية المطلوبة بين أعضائها (270 صوتاً) لإعلان الفائز، أن يُحال الأمر إلى مجلس النواب، الذي يتعيّن عليه “اختيار” رئيس مرحلي لحين جلاء الصورة قبل المهلة الزمنية الدستورية لتنصيب الرئيس رسمياً في 21 كانون الثاني/يناير 2021.

دور المؤسسة العسكرية، وامتداداً الأمنية، في اجواء الجدل الناجم عنه أقل من واضح وصريح بهذا الشأن، بعيداً من الرغبات الذاتية لكل من الفريقين السياسيين، وهي ستتبع رؤية مجلس النواب في الصيغة “المرحلية” اتساقاً مع مهامها كمؤسسة تتبع السلطة التنفيذية والتشريعية تباعاً. يعزز ذلك حملة النقد اللاذع للمذكّرة من قبل الرئيس الأسبق لقيادة القوات الخاصة، ريموند توماس، بوصفها “عديمة المسؤولية”.

وانضمت كبريات المؤسسات الإعلامية إلى الجدل الانتخابي ببعده النظري، في محاولة لتسليط الضوء على أبرز السيناريوهات المحتملة، فقد تناولت يومية “نيويورك تايمز” في 2 آب/أغسطس الجاري سيناريو انتخابياً بإشراف  معهد “مشروع صدقية تسليم السلطة”، يحاكي  جملة احتمالات، منها “فوز الرئيس ترامب بأصوات مجلس الكلية الانتخابية وخسارته الأصوات الشعبية”، استناداً إلى فرضية خسارة المرشح المنافس جو بايدن لولاية بنسلفانيا “المحورية”، والتي لن تستطيع الإعلان عن نتائج الانتخابات النهائية لبضعة أسابيع ربما.

وأوضح السيناريو أن “الخاسر” الديموقراطي سيلجأ إلى اتهام خصمه بقمع أصوات الناخبين، والسعي لإقناع حكام ولايتي مشيغان وويسكونسن الديموقراطييْن بتعيين مندوبين مؤيدين للمرشح بايدن. في المقابل، مضى السيناريو، هدّدت ولايات كاليفورنيا واوريغون وواشنطن المطلّة على الساحل الغربي للولايات المتحدة بالانشقاق عن الاتحاد الفيدرالي القائم في حال تسلم الرئيس ترامب مهام ولاية رئاسية ثانية.

النصوص المرعية الراهنة في الولايات المتعددة توضح أن الرابح بالأصوات الشعبية في الولايات المختلفة تفرض على مندوبي الكلية الانتخابية تأييد التصويت للفائز عينه.

التهديد بالانشقاق المشار إليه لثلاث ولايات ليس وليد اللحظة الراهنة، بل سبق أن استخدمته ولاية كاليفورنيا في الجولة الانتخابية السابقة في العام 2016، وسعت القوى المختلفة إلى تضمين ذلك كنص انتخابي في عموم الولاية في العام 2018، لكنه فشل في الحصول على الأصوات الضرورية.

عند النظر في “تجدد فرضية الانشقاق”، رغم مخاطرها على تماسك الصيغة الفيدرالية، ربما سيجد الرئيس ترامب فرصته لتهديد تلك الولايات بسحب القواعد العسكرية والبحرية المتعددة من أراضيها، بما فيها تلك المتواجدة في ولاية هاواي، مما سيعرّض الاستراتيجية الأميركية العليا للخطر أمام توجّهها لمحاصرة الصين في بحر الصين الجنوبي والمحيط الهاديء على السواء، أو يتم التوصّل إلى صيغة تعاقد بإيجار الولايات تلك القواعد للحكومة الفيدرالية لفترة زمنية محددة ترجىء خطر الانشقاق وتفتّت الصيغة الأميركية.

التحديات الأخرى الناجمة عن تغوّل الأجهزة الأمنية المختلفة في المدن الأميركية، لا تزال ماثلة وقابلة للاشتعال مرة أخرى، وخصوصا في كبريات المدن، مثل بورتلاند وسياتل في الساحل الغربي، وشيكاغو في الوسط، ونيويورك في الساحل الشرقي.

تفاقَمَ ولاء الأجهزة الأمنية أيضاً عقب إصدار الرئيس ترامب أوامره لقوى أمنية فيدرالية بالتدخّل المباشر في تلك المدن، وما نجم عنها من تصادم في صلاحيات المدن والولايات من جهة، ونفوذ الدولة الفيدرالية من جهة أخرى.

إضافة إلى كلّ ما تقدّم، فإنّ التحديات والتعقيدات اليومية الناشئة عن تجدّد انتشار جائحة كورونا لا تزال حاضرة بقوة في الوعي الشعبي العام، وستأخذ حيزاً مهماً في قرار الناخب الأميركي عشية جولة الانتخابات القادمة.

2020-19-08-التقرير الأسبوعي

هل بإمكان كامالا هاريس نجدة حملة بايدن؟

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

من بين أبرز التحديات التي تعانيها حملة المرشح الديمقراطي جوزيف بايدن صدقية صاحبها وأهليته، فضلاً عن انحسار تأييده بين أهم قطاعين للحزب، وهما قطاع المرأة والسود أو الأفارقة الأميركيين، اللذين يُؤمل زيادة إقبالهما على مراكز الاقتراع.

الاعتبارات التي أدت لاختيار بايدن لكمالا هاريس نائبة له متعددة، خصوصاً وأنها انتقدته بشدة خلال المرحلة التمهيدية من الانتخابات، مسلّطة الضوء على سجلّه في معارضة “نقل طلبة المدارس السود بالباصات إلى أخرى ميسورة وأفضل علماً”، ومتحدثة عن تجربتها الشخصية كطفلة في المدارس الابتدائية. علاوة على ذلك، فإن ذكريات سجلّه في محاباة خيارات المؤسسة الحاكمة على حساب مصالح الأقليات ما زالت غضّة عند المتضررين من قراراته آنذاك، من خلال إهمال اتهامات التحرش الجنسي التي ساقتها المتدربة في السلك القضائي أنيتا هيل ضد المرشح لعضوية المحكمة العليا كلارينس توماس. بايدن كان يرأس اللجنة القانونية ورفض الاستماع لشهادة السيدة هيل في مجلس الشيوخ آنذاك.

أقطاب الحزب الديموقراطي وقياداته رحّبوا بشدة باختيار هاريس، مروّجين لخبرتها في مجال “تطبيق القانون” كمدّعية عامة لولاية كاليفورنيا، التي يؤمل استثمارها لأبعد الحدود لقطع الطريق على اتهامات الخصم الجمهوري بأنه غير جاد في تطبيق القانون.

وقابلها التيار الليبرالي والتقدمي، ولا سيما أنصار المرشح السابق بيرني ساندرز، بالريبة والحذر من انحيازها المطلق إلى جانب أجهزة الشرطة والأمن، وارتفاع أعداد المعتقلين من الأقليات والسود خلال ولايتها لنحو 200 ألف اكتظّت بهم السجون والمعتقلات، ولدورها المحوري في تقديم “اعتراض قانوني” ضد قرار قاضٍ عدّ “عقوبة الإعدام غير دستورية”، في مفارقة ادعائها بأنها تعارض عقوبة الإعدام.

وسائل الإعلام الرئيسيّة، المرئية والمقروءة على نحو خاص، احتفت بها من خلال تناول مزاياها الشخصية كإمرأة سوداء، خطيبة مفوّهة ومُناظِرة قوية يعوّل عليها قادة الحزب في التصدي لنائب الرئيس مايك بنس. كما يتطلع أولئك القادة إلى استثمار دورها في مجلس الشيوخ من خلال براعة استجوابها لمرشحَي الرئيس ترامب، بريت كافانو للمحكمة العليا، وجيف سشينس لوزارة العدل.

أثبتت هاريس أيضاً قدرتها على جمع التبرعات من كبار المموّلين، خلال حملتها الانتخابية القصيرة، وعلى دعم “وول ستريت” لها، على قاعدة أنها تمثل “يسار الوسط والأكثر اعتدالاً بين المرشحين الآخرين”، الذين أعربوا عن نيتهم فرض قيود جديدة على حركة تبادل الأسهم  ورؤوس الأموال.

تبلغ هاريس من العمر 55 عاماً، وتصغر المرشح الرئاسي جو بايدن بنحو 22 عام، آتية من الساحل الغربي للولايات المتحدة، ما يعزّز سردية الحزب الديموقراطي بأن المرشحيْن يكملان بعضهما بعضاً ليس من الناحية الجغرافية فحسب، بل لاعتبارات تنوع العرق وحداثة العمر وتقارب التوجهات السياسية أيضاً، ما يضعها في بؤرة أكبر مراكز القوى حساسية ونفوذاً.

يراهن الحزب الديموقراطي على استثمار أصولها الهندية والجامايكية لتحفيز الأقليات على المشاركة بأعداد كبيرة، وإقناع الناخبين بانفتاح الحزب واعتداله مقابل تصلّب الحزب الجمهوري وعنصريته ضد الأقليات التي شرّعها الرئيس ترامب.

بايدن من ناحيته كان يميل لاختيار امرأة أخرى، من البيض والمؤثّرين في بلورة سياسات الحزب الديموقراطي، حاكمة ولاية مشيغان غريتشن ويتمر، التي نالت غضب الرئيس ترامب لإصرارها على التمسك بإرشادات المراجع العلمية والطبية بارتداء الأقنعة في عموم الولاية، ما دفع الرئيس ترامب إلى حشد مؤيديه مدجّجين بالأسلحة والتظاهر أمام مقر حاكم الولاية.

ولاية مشيغان تعد ضمن قائمة الولايات الحاسمة في الانتخابات، واختيار حاكمتها لو قُدّر لبايدن ذلك كان سيعود بفوائد جمّة على نتائج الانتخابات، علاوة على تأييد ولايات محورية أخرى لها كجارتها ويسكونسن.

بايدن وقادة الحزب الديموقراطي، وخصوصاً الرئيس السابق باراك أوباما، ابتعدوا عن اختيار ويتمر لاعتبارات سياسية صرفة، إذ تميل في توجهاتها إلى التيار الليبرالي والتقدمي مقابل شروط الحزب لعنصر يضمن استمرارية سياسات المؤسسة الأمّ بعيداً عن “مطالب القوى التقدمية باعتماد سياسات أقرب للقوى المتضررة” من سياسات العولمة التي ينشدها الحزب، بقطبيه بيرني ساندرز، واليزابيث ووران.

أشدّ ما يخشاه الحزب الجمهوري هو تراجع الحالة الذهنية للمرشح جو بايدن، مما يتطلب تفعيل المادة الـ 25 من تعديلات الدستور بإعلانه “غير قادر على ممارسة مهمّاته”، وهو الشرط المنوط بنائب الرئيس، وتولّي كامالا هاريس منصب الرئيس رسمياً. إفشال ذلك أو إلغاوه يتطلب موافقة (ثلثي) 2/3 أعضاء مجلسَي الكونغرس.

قلق الجمهوريين له ما يبرره، وخصوصاً لتولي امرأة “ملونة” وليبرالية منصب الرئاسة، في تحدٍ صارخٍ للمعايير السائدة منذ ولادة الكيان السياسي الأميركي بحصر مركز الرئاسة برجل أبيض من أصول بريطانية يدين بمذهب البروتستانت، White Anglo-Saxon Protestant، يشاطرهم في ذلك تيار لا بأس به من المحافظين في الحزب الديموقراطي.

قادة الحزبين، الديموقراطي والجمهوري، يتقاطعان في رؤيتهما لمستقبل جو بايدن بناء على تراجع أهليته الذهنية، والذي قد يضطر للتخلي عن المنصب قبل الانتخابات المقررة في 3 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، أو قبل مراسم التنصيب في 21 كانون الثاني/ يناير 2021، ما سيعيد الحسابات مرة أخرى بإبقاء هاريس مرشحة للحزب أو استبدالها بشخصية أخرى.

2020-18-08-التقرير الأسبوعي

الإمارات تطبيع مجاني
لخدمة الأميركي

         إعلان البيت الأبيض “تطبيع الإمارات” علاقاتها مع تل أبيب، وما ينطوي عليه من تمثيل ديبلوماسي متبادل واتفاقيات واستثمارات اقتصادية، لم يكن لهما ما يبرّرهما، أو ليمثّلا مفاجأة في سياق الصراع العربي – الصهيوني نظراً إلى تهافت معظم دويلات الخليج على نسج علاقات وثيقة مع العدو “الإسرائيلي”، منذ زمن بعيد، وخصوصاً لما وُصف “بإنهاء حالة العداء والحرب” بين الطرفين، اللذيْن لم تنشب بينهما أي مواجهة عسكرية أو غيرها، وليس للإمارات حدود مشتركة مع فلسطين المحتلة.

        توقيت الإعلان يؤشر على حقيقة الأهداف الكامنة والجامعة بين الأطراف الثلاثة: حاجة كل من الرئيس الأميركي دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو إلى تسجيل “تقدم” سياسي لاستثماره في الحملات الانتخابية، الأول يعاني من شح الإنجازات وتراكم التحديات الداخلية والخارجية، والثاني يسعى على نحو محموم إلى التشبث بالسلطة وإبعاد شبح المحاكمة وقرارها بسجنه على خلفية قضايا فساد وتجاوزات أخلاقية. أمّا الطرف الثالث، أبو ظبي، فقد نذر نفسه لخدمة الخطط الأميركية في الوطن العربي أينما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وخصوصاً في اليمن وليبيا والسودان.

        أميركياً، رأت المؤسسات الإعلامية والسياسية والنخب الفكرية أن “الاتفاق الإسرائيلي – الإماراتي”  حاجة “ماسّة لكلٍ من دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو لتسجيل انتصار على صعيد السياسة الخارجية، وقد وافق الأخير على “تعليق” عملية بسط السيادة على أجزاء كبيرة من الضفة الغربية.”

        الرئيس ترامب وصف الأمر بأنه “اختراق هائل”، ونتنياهو عدّه “يوماً تاريخياً”. أما الحاكم الفعلي للإمارات محمد بن زايد، فقد فضّل الصمت “كي يترك باباً خلفياً للتراجع إذا اشتدت الانتقادات”، كما تعتقد أوساط الجالية اليهودية الأميركية، “لكنه يعلم بالتأكيد أن هناك كلفة سياسية كبيرة إذا تراجع، وخاصة مع اقتراب الانتخابات الأميركية”.

        من أبرز أبعاد انزلاق الإمارات لتنفيذ ما يُطلب منها أميركياً انها تأتي بتنسيق فاعل مع النظام السعودي ومتقدمة عليه في بعض التفاصيل لاعتبارات داخلية صرفة في ما يخص السلطة الدينية، التي تتماثل ببعض الحذر مع التوجهات السياسية للرياض، لكنها بحاجة إلى مزيد من الوقت بانتظار دراسة حجم وطبيعة ردود الأفعال على تلك الخطوة المكمّلة لنهج “كامب ديفيد”، الذي رعته وموّلته وعمّمته في الوطن العربي.

        تاريخ أسرة آل سعود في خدمة المشاريع الغربية ليس وليد اللحظة، وخصوصاً في ما يتعلق بالنضال الفلسطيني، الذي أجهضته الرياض منذ بداياته في ثورة العام 1936، وما استتبعها من مراحل نضالية متفاوتة، ومخاصمتها الشاملة للفكر التقدمي والتحرر القومي العربي.

        ليس من المبالغة القول إن أي خطوة تقدم عليها دويلات الخليج تجري بالتنسيق والرعاية السّعودية، التي لها أطماع غير كامنة في أراضي كل الكيانات السياسية في شبه جزيرة العرب، ولعل الكويت واليمن وقطر تمثّل عناوين حية لأهدافها.

        تأكيدا على ذلك، كشفت يومية “نيويورك تايمز”، 13 آب/أغسطس الجاري، أن “ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الحاكم الفعلي، يرغب في اتخاذ خطوة مماثلة، لكنه يخشى رد عناصر محافظة في بلاده، التي لا تتمتع بحرية الحركة نفسها لدولة مثل الإمارات”.

        وعليه، ليس من الإنصاف والحكمة التغاضي عن دور وقرار آل سعود في إجهاض كل ما يتعلق بالنزعات التحررية للشعوب العربية، التي سعت وما زالت تسعى للسيطرة على مواردها الطبيعية وتوزيع عائداتها بشكل أكثر عدلاً ومساواة، وتسخيرها في نهضة اقتصادية واجتماعية حقيقية.

       التقارب الإماراتي مع “إسرائيل” لم يأتِ مفاجئاً وخصوصا بعد تصريحات “مسؤولي الموساد” المتكررة بأنهم زاروا الإمارات مراراً، ولديهم علاقات مع الدول الخليجية منذ 50 عاماً، كما نقلت وسائل إعلاميّة غربيّة متعددة.

       ما لم يسلّط الضوء عليه على نحوٍ كافٍ هو العلاقة الجدلية بين المخزون البشري المتواضع جداً للإمارات مقارنة بالدور الإقليمي المتعاظم المنوط بها، وانتشارها عسكريا “بجنود وضباط من جنسيات عربية وأجنبية” على رقعة جغرافية مترامية الأطراف، وتدخلاتها المباشرة في سوريا واليمن وليبيا وفلسطين، التي شهدت وصول طائرات إماراتية محملة بالمعدات الطبية إليها بالتزامن مع انتشار جائحة كورونا، قيل إنها لمصلحة الفلسطينيين، والتي رفضها الغزاويون جملة وتفصيلاً.

       اتضح لاحقاً أن تلك الطائرات كانت تنقل “أسلحة إسرائيلية” إلى ليبيا واليمن، وتُسلّم معدات طبية متطورة “لإسرائيل” دفعت ثمنها أبو ظبي، وهي نحو 100 ألف جهاز لفحص فايروس  كورونا، برعاية ورضى واشنطن، بلا ريب.

       بيان الإعلان المشترك تحدث بوضوح عن ضرورة “زيادة التكامل الاقتصادي والتنسيق الأمني” بين أبو ظبي وتل أبيب، أي إن علاقات قائمة سبقت الإعلان ينبغي تطويرها لدرجة أعلى من “التكامل والتنسيق”.

       خطوة الإمارات التطبيعيّة ليست منفصلة عن سياق نهج التسوية والتنازلات التي دشّنها النظام العربي الرسمي بعد حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، وما استتبعها من اتفاقيات كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة، وتنبىء بخطوات مماثلة لدول خليجية، كالبحرين وعُمان والسعودية، مستغلة حالة التراجع في المد القومي وتشديد الحصار على القوى والفصائل المقاتلة المناهضة للمخططات الأميركية.

2020-03-08-التقرير الأسبوعي

خلفيات وأبعاد انسحاب
ترامب الجزئي من ألمانيا

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

أثار مناهضو الرئيس ترامب بين القوى السياسية المتعددة زوبعة إعلامية ضد قرار وزير دفاعه، مارك أسبر، سحب “جزء” من القوات العسكرية الأميركية من ألمانيا ونشرها في أماكن أخرى من أوروبا بالقرب من الحدود الروسية، وخصوصاً الأراضي البولندية، بزعمهم أن القرار “يفجّر حِلفاً عمره 75 عاماً دون مبرر.”

في حقيقة الأمر، إن الرئيس ترامب أعلن عن ذلك الإجراء في 30 حزيران/يونيو الماضي، نظراً إلى”فشل” ألمانيا في زيادة إنفاقها العسكري إلى مستوى 2% من مجمل ناتجها السنوي. ومن مجموع 36،000 عسكري أميركي في ألمانيا سيبقى نحو 24،000 منهم مرابطين في أراضيها، وسيتم نشر الباقي، أي نحو 12،000 سيتم نشرهم في مناطق أوروبية مختلفة، والبعض سيعود لقواعده في بلاده.

متطلّبات “استراتيجية الدفاع الوطنية” الأميركية السنوية تخضع للتعديل الدائم، وفق طبيعة التحديات العالمية، وتُصرف لها الميزانيات المطلوبة، ومتطلبات أخرى تحت بند “الطوارئ الخارجية”، والتي أوجزها مؤخراً وزير الدفاع مارك أسبر في وثيقة اعتمدتها القيادة العسكرية الأميركية لأوروبا، محورها التصدي لروسيا في أوروبا والبحر الأبيض المتوسط.

وأوضح وزير الدفاع توجّهات البنتاغون إلى “ردع روسيا” بأنها نتيجة “إدراكنا دخول عصر جديد من تنافس القوى العظمى، فنحن الآن على أعتاب نقطة انعطاف مفصلية في بلورة حلف الناتو، وتطوير المرونة الاستراتيجية الأميركية، وكذلك لدى قيادة العمليات الأوروبية “يورو كوم”.

العنصر الجوهري في تدهور العلاقات الأميركية الألمانية هو مقاومة برلين لضغوط واشنطن، لدفعها إلى التخلي عن أنبوب “السيل الشمالي-2″، الذي سيحمل الغاز الطبيعي من روسيا مباشرة إلى ألمانيا، بطول يبلغ نحو 1200 كلم، وتوقف العمل به العام الماضي، نتيجة تلك الضغوط وإجراءات العقوبات الأميركية ضد روسيا.

تسلّحت ألمانيا بحقها في ممارسة سيادتها على أراضيها، متهمة الولايات المتحدة بالتعدّي على حقها السيادي في إقرار مصدر الطاقة التي تحتاجها، وضاعفت تعزيز علاقاتها الاقتصادية مع روسيا، لتأمين مصدر طاقة مستقل عن النفوذ الأميركي.

وفي سياق مماثل، شدد الرئيس ترامب في كلمة له في ولاية تكساس، في 29 تموز/يوليو الماضي، على أن بلاده “باتت المنتج الأول عالمياً للنفط والغاز الطبيعي، ولن نفقد موقعنا المهيمن في المستقبل البعيد”.

الخبير الاقتصادي للمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، ماكس اوتِ، شدد في لقاءاته مع الصحافيين حول الأمر على أن مسألة زيادة الإنفاق العسكري ما هي إلا قضية ثانوية في مجمل العلاقة الثنائية، بل إن تقليص عدد القوات الأميركية في الأراضي الألمانية مطلب يحظى بدعم شعبي و”الرئيس ترامب أدرك ذلك جيداً”.

واستدرك اوتِ، المستشار وعضو حزب ميركل الحاكم، أن الأجزاء الشرقية من ألمانيا تتميز بمناهضتها الشديدة لتواجد حلف الناتو. وقد انتشر في صفوف المواطنين شعار “دعونا نسحب (قوات) الناتو. دعونا نفعلها بأنفسنا”، جسدته تصريحات المستشارة ميركل في شهر تموز/يوليو الماضي، مشيرةً إلى أن قدرة الولايات المتحدة على الدفاع عن الاتحاد الأوروبي “لم تعد مسألة مسلّماً بها”.

في البعد الأميركي الصرف، تبنّت إدارة الرئيس اوباما مشروع “مبادرة الجهوزية” منذ العام 2014، لنشر قوات عسكرية على الخطوط الأمامية مع روسيا، قوامها تلك المتواجدة في أوروبا. واستقبلت كل من إستونيا ولاتفيا وليتوانيا وبولندا عدة تشكيلات عسكرية في أراضيها في العام 2016، “لتعزيز قوة ردع حلف الناتو”، بل أجمع قادة دول الحلف آنذاك على “إنشاء مقر قيادة إقليمي للقوات في مدينة نابولي في إيطاليا، تحسباً لاضطرابات قد تنشأ في منطقة البحر المتوسط.”

وفود قوات أميركية إضافية إلى إيطاليا، وخصوصاً في الطائرات المقاتلة، من شأنه أن يوفّر للبنتاغون مجال مناورة أوسع لمواجهة الأسطول الروسي في مياه المتوسط، ودعم قيادة القوات الإفريقية “آفريكوم”، بعد إعادتها تموقع مواردها الحربية لمواجهة الصين في المحيط الهاديء.

وعليه، إن إعلان وزير الدفاع الأميركي يأتي متّسقاً مع التوجهات الأميركية لإدارة أسلافها، وخصوصاً الرئيس اوباما، والمبنية على تعزيز الحضور العسكري الغربي على الحدود المشتركة مع روسيا. وأجرت القوات الأميركية في العام 2018 مناورات عسكرية مشتركة مع دول الحلف عنوانها “الدفاع عن أوروبا 2020”.

من جانبهم، ينظر الخبراء العسكريون الأميركيون إلى الجدل الراهن حول ألمانيا على أنّ الأزمة “نشأت من رحم توتر العلاقة الأميركية الألمانية غير الفعّالة، والتي تمتد إلى بضعة عقود زمنية، ومحركها الأساسي هو نظرة البلدين غير المتكافئة إلى القضايا العالمية”. ويضيف بعضهم بأن الصدام بينهما كان حتمياً، ولا بد من حدوثه يوماً ما، لتشبث “الجانب الأميركي سردية تميّزه مقابل القيم الألمانية المستندة إلى حق اوروبا في سيادتها”.

العنصر الأشد حساسية في علاقة البلدين، وفق بعض القادة الأميركيين، هو خشية القيادات الألمانية المتعاقبة من “سرعة انفعال أميركية تؤدي إلى نشوب حرب مع روسيا، تستخدم فيه الأسلحة النووية المخزّنة في الأراضي الألمانية”، وتدور رحاها على أراضيها، وهي التي لم تتعافَ تماماً من آفات الحروب العالمية.

يُشار في هذا الصدد إلى توجهات المستشار الألماني الأسبق، فيلي برانت، إبّان الحرب الباردة، باعتماده سياسة “الانفراج” مع الاتحاد السوفياتي السابق لتكريس “استقلالية ألمانيا”، بعيداً من املاءات واشنطن وحلفائها الاوروبيين، التي كررها أيضاً المستشار غيرهارد شرودر، 1998-2005، بنسج علاقات أوثق مع روسيا، مثيراً غضب إدارة الرئيس جورج بوش الإبن، إبّان الحرب على العراق واحتلاله في العام 2003.

الإعلان الأميركي في ظاهره خفض القوات الأميركية في أوروبا وعودتها إلى بلادها،  ويعزز توقيته موقع الرئيس ترامب، مرحلياً على الأقل، بين مؤيديه قبل الانتخابات الرئاسية، وتكامل سرديته بأنه يفي بوعوده الانتخابية. وفي البعد العملياتي واللوجستي، فإن إعادة تموضع القوات الأميركية أو تقليص عددها في ألمانيا، سيستغرق فترة زمنية قد تمتدّ إلى بضعة أشهر، وربما أطول.

عند هذا المنعطف، لن يستطيع الرئيس ترامب تنفيذ وعوده في حال خسارته الانتخابات الرئاسية المقبلة، كما تشير بيانات استطلاعات الرأي، على الرغم من أن الوقت لا يزال مبكراً لحسم التكهنات بهذا الشأن.

ومن المرجّح أن يقدِم خلفه المقبل، جو بايدن، على عكس اتجاه السياسة الأميركية في مجالات شتى، منها إلغاء قرارات سلفه ترامب بتقليص القوات الأميركية في ألمانيا، وتعزيز دور حلف الناتو في تنسيق وترجمة الاستراتيجية الكونية للولايات المتحدة، بيد أنّ المعضلة التي سيواجهها الرئيس الجديد، في حال فوزه في الانتخابات، هي ترميم العلاقات مع ألمانيا التي ستواجه معارضة قوية داخل الكونغرس، نظراً إلى عدم الرضى الواسع عن انبوب “السيل الشمالي-2″، وتباين وجهات نظر الدول “الاشتراكية السابقة”، بولندا ودول البلطيق ورومانيا وبلغاريا، التي تؤيد بقوّة خطة إدارة الرئيس ترامب لإعادة تموضع القوات الأميركية في أراضيها، نظراً إلى توظيفها كعامل “يعزز مصالحها الأمنية”، كما يسود الاعتقاد بين صفوف قادة البنتاغون.

وهناك بُعد لا يتم التركيز عليه بشكلٍ وافٍ في عملية سحب القوات من ألمانيا، له علاقة بتوفير قوات محمولة خفيفة المعدات، يمكن تحريكها الى جنوب شرق آسيا عند الضرورة في مواجهة الصين، وخصوصاً القوات التي سيتم إعادتها إلى الولايات المتحدة.

2020-29-07-التقرير الأسبوعي

قوات الأمن في المدن الأميركية
قوة فيدرالية أم ميليشيا خاصة لترامب 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

دشّن فوز الرئيس دونالد ترامب في العام 2016، مرحلة جديدة من تحولات سياسية واجتماعية اجتاحت المجتمع الأميركي، في سياق استكمال تطبيق سياسات وتوجهات مناقضة لدولة “الرعاية الاجتماعية” التي شهدت إرهاصاتها في عهد الرئيس الأسبق ليندون جونسون، كما دشّن انعطافة حادة أيضاً لترسيخ قيَم الرأسمالية في الهيمنة والاستغلال والعولمة المتوحشة، ومن ثم دولة القانون والأمن التي ترعرع مفهومها وأضحى، سياسة رسمية في عهدي الرئيسين الأسبقين ريتشارد نيكسون ورونالد ريغان.

تكمن أهمية هذا الثنائي الجمهوري في أن ريغان تقلّد منصب حاكم ولاية كاليفورنيا الليبرالية، على خلفية برنامج “بسط الأمن والقانون” الذي استفاد منه نيكسون لاحقاً كسياسة استقطاب ثابتة.

لم تشكّل حملة الرئيس ترامب الانتخابية بداية مرحلة جديدة في النظام السياسي الأميركي، كما يُجمع عددٌ من خبراء العلوم الاجتماعية، بل نَهَلت من سُبل وسياسات سبقتها، خضعت لحسابات دقيقة كي تضمن “تفوّق وتمسّك” البيض بمفاصل الدولة، تحت شعار نيكسون الشهير “الأغلبية الصامتة”، الذي حقّق له الفوز الساحق على خصمه الديموقراطي الليبرالي نائب الرئيس الأسبق هيوبرت همفري في العام 1968.

استراتيجيَّة الرئيس نيكسون وحزبه الجمهوري عُرفت بسياسة “الجنوب”، لكسب  الولايات الجنوبية التي كانت تؤيد بأغلبية كبيرة الحزب الديموقراطي، واستُنهضت بقوة بعد نحو 6 عقود، جوهرها التوجه إلى تعبئة الشرائح الفقيرة من الأميركيين البيض في جسم انتخابي يحابي همومها وثقافتها وهواجسها العنصرية، بعد استنهاض السلطات الرسمية مخاطر “الهجرة العظيمة” للأميركيين السود من الجنوب باتجاه مدن الحضر في الشطر الشمالي، والتي فاقمها ارتفاع معدلات الفقر والجريمة واستشراء المخدرات.

ولا تزال تلك الاستراتيجية تتصدّر المشهد السياسي الأميركي، وتكتسب زخماً جديداً مع كل دورة انتخابية، وتبرر مراكمتها قوة ذاتية مسلحة بذرائع متعدّدة، يغذّيها خطاب مُتخلّف موجّه لاستنهاض الغرائز الدفينة في مجتمع عنصري بالأساس، يقود اتباعه للاحتماء به وراء شعارات تبسيطية مثل “الحرب على المخدرات”، وكان أحد تجلياته بروز “حزب الشاي” على يمين الحزب الجمهوري.

الاحتجاجات الأخيرة التي اجتاحت كبريات المدن الأميركية كان فتيل تفجيرها قتل الشرطة لجورج فلويد، وتركّزت على مناهضة إفراط قوى الأمن في استخدامها القوة وقتل المتظاهرين، والتي أفرزت آلية معالجة خاصّة بها من قبل السلطات الرسمية، اضطرّت بعد حوادث صدام متتالية إلى التراجع المرحلي عن استخدام القوات العسكرية الرسمية، وعوّلت على فريق مسلّح آخر يخضع لسيطرة “وزارة الأمن الداخلي”، ويتلقى أوامره مباشرة من البيت الأبيض، ويتكوّن أساساً من قوة حماية الحدود.

أولى المحطات كانت نزول تلك القوة إلى مدينة بورتلاند في ولاية اوريغون في أقصى غرب الولايات المتحدة، وقيامها باعتقال محتجين وزجّهم في حافلات مبهمة الهويّة، وارتداء زيٍ عسكريٍ غير مألوف يغطي الوجه بالكامل، وعدم حمل إشارات الجهاز الذي تنتمي إليه.

يُشار إلى أن الاحتجاجات في المدينة حافظت على ديمومة بوصلتها ضد أجهزة الشرطة لشهرين متواصلين، وتخللتها صدامات مع قوى الأمن، واتّجه زخمها الاحتجاجي للسيطرة على بعض المباني الرسمية للحكومة الفيدرالية، مع تراجع قوى الحماية الرسمية، لقلة عددها في ممارسة مهامها.

اندلع حريق في مبنى المحكمة الفيدرالية، احتجاجاً على اعتقال “قوة حماية الحدود” الفيدرالية عدداً من المتظاهين، ولفرط استخدامها القوة لقمع المحتجين الذين لم يعرف إلى أي جهة تم اقتيادهم إليها.

سارع الرئيس ترامب إلى استغلال الحادثة المدروسة بعناية لتبرير خطواته المقبلة ونشر قوات إضافية في مدن كبيرة أخرى تقف سلطاتها المحلية على نقيض من سياساته، أبرزها شيكاغو، ووصف المشهد الأول في بورتلاند بأنه “أسوأ من أفغانستان”.

تفادى الرئيس ترامب ووزارة الأمن الداخلي تنسيق التوجهات مع السلطات المحلية، سواء في المدينة أو مع حاكم ولاية اوريغون، ونشر قوات عسكرية مدرّبة مدجّجة بالأسلحة، مما اضطرّ السلطات الرسمية هناك إلى اللجوء إلى سلطة القضاء للحدّ من تغوّل القوة العسكرية التي لا تخضع لسيطرة أحد باستثناء البيت الأبيض.

ارتفعت أصوات بعض المسؤولين في انتقاد سلوك البيت الأبيض واعتماده على “قوة حماية الحدود”، التي وصفتها أسبوعية “نيويوركر” بأنها تخضع “للسيطرة الفيدرالية، وقياداتها متطرفة بولائها لترامب، ومشبّعة بسياسات أقصى اليمين” (17 شباط/فبراير 2017).

وأعرب عضو مجلس النواب عن الحزب الديموقراطي، واكين كاسترو، عن خشيته وقلقه من استغلال المجموعات اليمينية المتشددة ثغرة السريّة لتلك القوة، وارتداء زيّها العسكري في استهداف خصومها في التيارات اليسارية والقاء القبض عليهم (يومية “نيويورك تايمز” 19 الشهر الجاري).

العلاقة الوثيقة بين الرئيس ترامب و”قوة حماية الحدود” تعود إلى دعم نقابة اعضائها حملته الانتخابية في أوائل عام 2016، وهي المرة الأولى التي تدعم فيها نقابة قوة عسكرية مرشحاَ رئاسياَ بعينه منذ تشكيلها كإحدى أذرع وزارة الأمن الداخلي عام 2001.

وتشير البيانات المتوفرة إلى دعم الرئيس ترامب للمجموعة، ورفدها بعناصر جديدة قوامها 5،000 بعد 5 أيام من دخوله البيت الأبيض، كجزء من المجموع العام البالغ نحو 20،000 عنصر. وفي 26 حزيران/يونيو الماضي، أصدر الرئيس ترامب “قراراً رئاسيا” يخوّل بموجبه “قوة حماية الحدود” حماية التماثيل التذكارية “ومحاربة انتشار العنف الجنائي في الآونة الأخيرة”.

منذ بدايات تشكيل “قوة حماية الحدود،” كانت الشكوك تحوم حولها بالولاء والفعالية والمساءلة. وكشفت نشرة “برو بوبليكا ProPublica” الاستقصائية، العام الماضي، انتساب نحو 9،500 من أعضاء القوة إلى مجموعة عنصرية سرّية تشكلت في شهر آب/أغسطس 2016، تعرف بـ “آيم تن – ففتين (I’m 10-15)” وهو رمز التخاطب بين عناصرها، للإشارة إلى “المهاجرين المعتقلين”.

استاذ مادة التاريخ في جامعة ييل العريقة، تيموثي سنايدر، حذّر من تعاظم حضور عناصر مسلّحة في المشهد السياسي، مؤكداً أن ما “شهدناه في (مدينة) بورتلاند ينبيء بماهية الاحتلال”،  وأضاف أن “الفاشية قد تتجسّد في الولايات المتحدة، وبعض تجلياتها وجدت ترجمتها عملياً، لكن لم نشهد نهايتها بعد” (نشرة “فورين بوليسي” 23 تموز/يوليو 2020).

وحذّر المدعي العام في مدينة فيلادلفيا، على خلفية ما جرى في اوريغون، القوات الفيدرالية من ملاحقتها قانونياً، كما حذّر “أي فرد، من ضمنهم عناصر الأمن الفيدرالي، من ارتكاب هجمات غير قانونية واختطاف أناس أبرياء”. وأضاف أن تلك التجليات يتحمل مسؤوليتها الرئيس ترامب “وكلها منصوص عليها في كتب ارشاديّة للعنصريين البيض”.

وزير الأمن الداخلي الأول، توم ريدج، عبّر عن غضبه من تصرفات الرئيس ترامب في تسخير القوات الفيدرالية لمصالح ذاتية. ريدج، من قيادات الحزب الجمهوري، قال “إنشاء الوزارة (في العام 2001) لم يكن لتوظيفها كميليشيا خاصة بالرئيس”.

السؤال الأبرز في أوساط النخب الفكرية والسياسية الأميركية يدور حول توجهات الرئيس ترامب إلى توظيف تلك القوات في صراعاته مع المؤسّسة الحاكمة، ولا سيما في حال خسارته الانتخابات، كما أوضح مبكراً، وما جرى في مدينة بورتلاند لا يعدو كونه تمريناً حياً في الإعداد للمرحلة المقبلة التي تهدد بإشعال حرب أهلية بمسميات مختلفة.

يومية “نيويورك تايمز” كانت من أبرز المؤسّسات التي انتقدت تصرفات الرئيس ترامب، واعتبرت تجربة مدينة بورتلاند “تمريناً استراتيجياً لإعلاء الفاشية، وتسخير النزعات العنصرية (بين البيض) لخدمة استراتيجية سياسية” (25 تموز/يوليو 2020).

كما أوردت نظيرتها الليبرالية، “واشنطن بوست”، نقلاً عن وزير العدل الوفيّ لترامب، ويليام بار، توضيحاً لمسببات إرسال الإدارة قوة عسكرية إلى مدينة بورتلاند، بأنه عبارة عن “رد واشنطن على الاضطرابات المدنية” (25 تموز/يوليو 2020).

المؤشرات الاجتماعية المتوفرة راهناً تشير بشدة إلى تأهب طرفي المعادلة السياسية، ترامب وحلفائه، مقابل السواد الأعظم من الناخبين الأميركيين، لمنازلة ترافق نتائج الانتخابات، مهما كانت.

احتمال لجوء أحد المرشّحيْن إلى الطعن في نتائج الانتخابات ودعوة القضاء للبتّ في نتائج متقاربة ليسا مستبعدين، وتأجيل الإعلان الرسمي للنتائج سيمنح الفريقين زمناً إضافياً للتحشيد والإعداد للمواجهة التي بشّر بها الرئيس ترامب مبكراً، وفي عدة مناسبات.

العامل الجديد في المعادلة المقبلة هو التحشيد والاصطفاف الجديد في المجتمع، والناتج عن مناهضة العنف المفرط لأجهزة الشرطة والأمن، والذي يمكن اختزاله بمشهد “حياة السود مهمة”، الذي قد يدخل كعامل مساعد لإدامة جذوة الأزمة مشتعلة، يعززه مناخ الانقسامات الحادة الناجمة عن تضاؤل الفرص الاقتصادية لمعظم الشرائح الاجتماعية، وإخفاق السلطات المركزية، ليس في معالجتها فحسب، بل في القفز عنها، بتقديمها “رشوة مالية” ضخمة لإحدى كبريات شركات الأدوية، “فايزر”، لتعزيز جهودها في انتاج لقاح لمعالجة فايروس كورونا.

ترامب، من ناحيته، سيحافظ على زخم خطابه السياسي المشبع بالعنصرية، والموجّه إلى قاعدته من الناخبين البيض من الشرائح الوسطى والدنيا، وتوظيف شعارات مرحلة الرئيس الأسبق نيكسون، بسط الأمن وسلطة القانون، للإبقاء على لحمتها وزجها ككتلة “منظّمة” في معركته الانتخابية. وفي الخلفية استنساخ مزاعم سلفه الأسبق ريتشارد نيكسون بأنهما يمثلان طموحات “الأغلبية الصامتة”.

سارع الرئيس ترامب إلى ترجمة توجّهاته باصداره قراراً رئاسياً في 22 تموز/يوليو الجاري، لشرعنة التدخل العسكري “الفيدرالي” في المدن الأميركية، وخصوصاً مدينة شيكاغو، تحت عنوان “عملية ليجيند Operation Legend))”، معللاً في خطابه بصحبة وزير العدل ويليام بار بأن “هناك حركة متطرِّفة (هدفها) تقليص ميزانيات أجهزة الشرطة وتسريح طواقمها وإنهاء وجودها”.

2020-21-07-التقرير الأسبوعي

تصعيد أميركي ضد الصين وسط مخاوف
من استهداف متعمّد لحاملة طائرات

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

ملاحظة: سنستعرض مسألتي التصعيد الأميركي ضد الصين وحريق حاملة الطائرات الأميركية، “بونوم ريتشارد”، ولا نستبعد عامل تقارب الصين وإيران في تأجيج منسوب الغضب الأميركي، لسبر أغوار نوايا واشنطن العدوانية في الهزيع الأخير للرئيس دونالد ترامب.

         “الولايات المتحدة عاجزة عسكرياً وسياسياً” عن مواجهة الصين في المرحلة الراهنة، جملة تختصر المشهد السياسي الراهن من قبل محلّلين عسكريّين أميركيّين، بعد إصدار وزير الخارجية مايك بومبيو بياناً شديد اللهجة يتوعد فيه بكين، على خلفية تواجد عسكري مكثف للبلدين في بحر الصين الجنوبي.

تصعيد أميركي جسده بيان للخارجية وعزمها في البدء بسياسة “جديدة” ضد الصين، أعلن فيه بومبيو بأن الأخيرة لا يتوفر لديها مبررات قانونية لبسط سيطرتها على منطقة بحر الصين الجنوبي. أحد أشكال حملة التصعيد كان عقوبات ضد كبار شخصيات سياسية صينية وضغوطاً اقتصادية ضد مصالحها أثمرت بتراجع لندن عن تعهداتها السابقة لكبريات شركات الاتصال الصينية، هواوي، بمنحها العمل على تحديث شبكات اتصالاتها بالجيل الخامس. الصين ترد بأن ساسة واشنطن “فقدوا عقولهم.”

بكين أعلنت التزامها بسياسة “ناين داش لاين Nine-dash Line””، التي تعتبر أن لها حق التصرف بما لا يقل عن 90% من مياه بحرها الجنوبي، الذي تبلغ مساحته الإجمالية 3،5 مليون كم2، وأنشأت جزراً اصطناعية محصنة هناك للأغراض العسكرية.

سياسة واشنطن الرسمية، قبل بيان بومبيو، كانت تلتزم الحياد نوعاً ما فيما يخص نوايا بكين، والقيام بتحريض “حلفائها” الاقليميين على التصدي لجارتهم الكبيرة، خصوصاً فيتنام والفليبين، من مجموعة دول “آسيان”.

جملة عوامل طرأت على الموقف الأميركي بالذات، ليس أقلها رفض الصين الانضمام لمحادثات الحد من الأسلحة النووية متوسطة المدى، كطرف ثالث لم يكن جزءاً من اتفاقية الحرب الباردة، وتدخّل واشنطن في احتجاجات إقليم هونغ كونغ ضد الصين، فاقمها أيضاً انسحاب واشنطن الأحادي من منظمة الشراكة العابرة للمحيط الهاديء، في العام 2018، ما أدى إلى فقدانها سبل ضغط اقتصادية فعّالة لحمل تلك الدول على تقليص اعتمادها على الصين.

كبار قادة البنتاغون عبّروا عن قلقهم من الاستعراض العسكري الأخير للصين، إذ أبرزت فيه جيلين جديدين من الصواريخ الباليستية، دي أف-21 و دي أف-26، أطلقت عليهما لقب “أسلحة اصطياد حاملات الطائرات” الأميركية. حرّكت واشنطن حاملتي طائرات، نيميتز و رونالد ريغان، للمرابطة في بحر الصين الجنوبي.

قائد سلاح مشاة البحرية الأميركية لتلك المنطقة، الجنرال ديفيد بيرغر، اصدر كراساً لقواته التي يجري إعادة تنظيمها، منتصف الشهر الجاري، يحدد فيه الخطوط العامة للتصرف لكل الوحدات والأسلحة المختلفة، مشيراً إلى الترسانة الصينية. أبرز ما جاء فيه “ينبغي أن نقبل الحقائق الناجمة عن انتشار حرائق دقيقة بعيدة المدى وألغام وأسلحة ذكيّة أخرى، وابتكار وسائل خلاّقة للتغلب على تهديد تلك الأسلحة”.

فيما عبّر ضباط في الاستخبارات العسكرية الأميركية عن قلقهم من اندلاع مواجهة عسكرية مع الصين ليس مضموناً فيها فوز واشنطن نتيجة “عدم جاهزية مشاة البحرية أو سلاح البحرية الأميركية”، بل إن تطوير أسلحة وموارد مناسبة لتلك المهمة تبدو بعيدة المنال وتستغرق “بضع سنوات”.

نائب وزير الدفاع الأسبق للشؤون السياسية، ميشيل فلورنوي، حذرت في مقال نشرته شهرية “فورين أفيرز” المرموقة من “سهولة انزلاق البلدين إلى صدام مباشر”. واضافت  أن “الولايات المتحدة ليس بوسعها بعد الآن توقّع إحراز تفوق  سريع في الجو والفضاء أو في البحر”. لعل أهمية ما ذكرته السيدة فلورنوي هو ما يتردد هذه الأيام عن احتمال ترؤسها لوزارة الدفاع في إدارة جو بايدن المقبلة، كما يرجح.

في هذا الشأن، تتوالى الدراسات والأبحاث الأميركية للتحذير من الانجازات الصينية في مختلف المجالات وتطبيقاتها العسكرية، خصوصاً في نطاق “الذكاء الاصطناعي”. أحدثها كانت بحثاً تحليلياً معمقاً لـ “مؤسّسة راند”، مطلع الشهر الجاري، بعنوان “الحفاظ على عنصر التفوق في الذكاء الاصطناعي ولغة تعليم الآلة”.

إحدى نتائجها كانت “التحذير من فقدان الولايات المتحدة تفوقها المتواضع الراهن في تقنية الذكاء الاصطناعي، خصوصاً في الشرائح الالكترونية، كما أن غياب سياسة أميركية واضحة يخدم خصمها. أما الصين فتتمتّع بتفوقها في مجال قواعد البيانات المركبة الضرورية لتطوير تطبيقات تعتمد على الذكاء الاصطناعي”.

 

تداعيات حريق غير مسبوق في سلاح البحرية الأميركية

نشب حريق هائل على ظهر سفينة برمائية أميركية، “بون اوم ريتشارد”، 12 الشهر الجاري، بعد وقوع انفجار داخلها سُمع من مسافة 21 كلم (13 ميل)، استغرق أربعة أيام بلياليها قبل السيطرة عليه، وهي راسية في ميناء القاعدة البحرية في مدينة سان دييغو لأعمال الصيانة والتحديث، وكان على متنها نحو 160 بحاراً، أصيب العشرات منهم بأضرار طفيفة، من مجموع طاقم يناهز 1000 عنصر، بالاضافة لمخزون من الوقود بلغ مليون غالون.

الأضرار التي لحقت بالسفينة الحربية ضخمة بكل المقاييس، بدءاً بانهيار الصاري الأمامي وتدمير غرفة التحكم والقيادة، وفق بيانات كابتن السفينة، فيليب سوبيك، وارتفاع درجات الحرارة لنحو 649 درجة مئوية (1200 فهرنهايت)، التي من شأنها إحداث اعوجاج في الهيكل الفولاذي السميك للسفينة ، حسبما أفاد خبراء علم المعادن.

التحقيقات في الحادث جارية على قدم وساق، بدقّة وانضباط عسكريين، خصوصاً أن الانباء الأولية أشارت إلى نشوب حريقين منفصلين، في المقدمة والمؤخرة، أمر “غير مسبوق .. ومن الصعوبة بمكان اندلاع حريق يلتهم السفينة بكامل طولها”، مما عزز فرضية حادث مدبر يتصدر جهود التحقيق.

تحديد الجهة أو الأطراف المتورطة في الحادثة أمر تلفه تكهنات متعددة، من بينها اتهام بالمؤامرة وتلميحات بضلوع الصين وإيران ربما، رغم أن التحقيق في ملابسات الحريق سيستغرق وقتا، يبدي بعض الخبراء في مجال صيانة وتحديث السفن الحربية خشيتهم من أن تكون حاملة الطائرات الخفيفة قد تعرضت لعمل تخريبي متعمد من جهة ما.

هذه المخاوف تستند الى عدة مؤشرات من بينها وقوع الحريق في المستودعات التي لم تكن تخضع لأعمال الصيانة ويفترض أن تكون مغلقة بإحكام امام طواقم أشغال الصيانة في الميناء.

يضاف الى ذلك عدم توفر أطقم إخماد الحرائق بشكلٍ وافٍ وجهوزية عادة ترافق أعمال الصيانة مما يعزز فرضية غياب رقابة كافية على دخول وخروج أطقم الصيانة في الميناء خاصة مع وجود عدد قليل من البحارة على متن الحاملة. يرجّح أن تتركز التحقيقات على سبب عدم فعالية وجهوزية أطقم إخماد الحرائق لدى نشوبها والقدرة على التحكم السريع قبل أن يتوسع الحريق وينتشر، كما يجري عادة في التدريبات والتمارين التي يخضع لها البحارة. كما سيتم التدقيق في غياب او تراخي إجراءات الحراسة والمرافقة التي يفترض اتباعها بشكل دائم لأي طاقم صيانة يدخل الحاملة.

العامل الإيراني، في هذا السياق، يأتي ضمن اتهامات متبادلة بين طهران وكل من واشنطن وتل أبيب لاندلاع سلسلة حوادث وحرائق أصابت بعض منشآتها النووية الحساسة، خصوصاً في منشأة نطنز، واندلاع حريق في ميناء بوشهر أدى لتضرر اربع سفن كانت راسية هناك.

كما تنبغي الإشارة إلى توقيت تلك الحوادث في إيران بالتزامن مع توقيعها اتفاقيات استراتيجية مع الصين، في لفتة تحدٍ مشتركة لسياسة العقوبات الأميركية ضد الطرفين.

ولا ينبغي إغفال مفعول الأمر الرئاسي الاستثنائي الذي أصدره الرئيس دونالد ترامب، في العام 2018، يطلق فيه يد وكالة الاستخبارات المركزية، “السي آي إيه”، لشن هجمات متنوعة من بينها في الفضاء الإلكتروني ضد ايران، وملغياً القيود الخفيفة السابقة التي فرضها أسلافه على عمليات الوكالة. وحدد الأمر الرئاسي نطاق العمل باستهداف خصوم الولايات المتحدة “روسيا والصين وكوريا الشمالية” بالإضافة لإيران وفنزويلا.

تخشى النخبة الفكرية والاستراتيجية الأميركية أن تؤدي أجواء التصعيد المتبادلة إلى ارتكاب خطأ في سوء التقدير العسكري ونشوب مواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، عبرت عنه في سلسلة مقالات نشرتها اسبوعية “فورين بوليسي”، وفي الخلفية مساعي واشنطن الفاشلة في استصدار قرار أممي جديد من مجلس الأمن يمدد حظر بيع الأسلحة لإيران بعد انقضاء المهلة الراهنة في شهر تشرين الأول/أكتوبر المقبل.

خصوم الولايات المتحدة يشهدون لها بإجراءات السلامة الصارمة لسلاح بحريتها ولم “يكرس طرف آخر الوقت والجهد لضمان قدرة السفن البحرية البقاء على جهوزيتها .. ولا مجال لمقارنة أحد بهم في هذا الشأن.”

بيد أن تلك العقيدة لم تمنع حدوث اصطدام سفنها الحربية بأخرى تجارية في عرض البحار، طواها النسيان وتحميل مسؤولية عدم كفاءة التدريب للرتب الصغيرة، وحرائق على سفن أميركية متعددة، أبرزها الغواصة النووية ميامي التي تعرضت لحريق هائل في ميناء بورتسموث بولاية فرجينيا، في العام 2012، خرجت جراء ذلك عن الخدمة.

وفيما يخص البرمائية وحاملة الطائرات “بون اوم ريتشارد”، فإن خروجها المتوقع من الخدمة نتيجة الأضرار الهائلة “سيشكل واحدة من أكبر الخسائر” في تاريخ سلاح البحرية، حسبما أفاد خبراء عسكريون، ويؤشر ايضاً على “أزمة مفاهيم وإدارة وأولويات في مهام” القيادات العسكرية، فضلاً عن تردي نوعية وكفاءة البحارة المجندين، إذا ما استثنينا تعرض الطواقم البحرية للإصابة بفايروس كوفيد-19 وخروج حاملة الطائرات العملاقة، روزفلت، من الخدمة في بحر الصين الجنوبي نتيجة ذلك.

في البعد المالي الصرف، بلغ إجمالي كلفة السفينة التي دخلت الخدمة في المحيط الهاديء في العام 1998، نحو 750 مليون دولار، وخضعت لأعمال صيانة وتحديث أجهزة رادار ومعدات متطورة لتمكينها من حمل المقاتلات الحديثة من طراز إف-35 ب، بلغت كلفتها 250 مليون دولار.

سلاح البحرية لا يزال يدرس خيارات ترميم السفينة، بعد تقييم حجم الأضرار، مقابل استبدال برمائية تجاوز عمرها عقدين من الزمن، بكلفة تقديرية تتراوح بين 3.3 – 4 مليار دولار، يستغرق إعدادها بضع سنوات (يومية “يو أس إيه توداي”، 14/7/2020).

لا ريب أن خروج حاملة الطائرات من الخدمة، لفترة زمنية لا تقل عن سنتين في أفضل الأحوال، سيحدث فجوة في حجم الاستعدادات الأميركية في بحر الصين الجنوبي تحديدا، مسرح عمل البرمائية، وتقوّض فعالية التصريحات الأميركية ضد الصين، خصوصاً لوزير الخارجية مايك بومبيو.

يشار إلى أن البرمائية حاملة الطائرات، بعد إتمام عمليات الصيانة والتحديث، كانت على موعد للمرابطة في بحر الصين الجنوبي، نهاية العام الجاري،  بحمولتها المتطورة من المقاتلات الأحدث في الترسانة الأميركية، برفقة ثلاث حاملات أخرى مجهزة بحمولة مماثلة من المقاتلات الحربية من الجيل الخامس، أف-35 ب.

وأكد قبطان متقاعد من سلاح البحرية، جيري هندريكس، تداعيات غياب حاملة الطائرات “بون اوم ريتشارد” عن الخدمة الذي سيترك “فراغاً هائلاً .. بعد مكوثها نحو سنتين من التحديث وتزويدها بمعدات متطورة” (يومية “ديفينس نيوز”، 13/7).

في العودة لما أشار إليه كبار قادة البنتاغون في جهوزية وإعداد طواقم مشاة البحرية، تم الكشف عن نتائج مخيفة في مستويات التدريب وتردٍ ملحوظ التي تجريها “كلية الضباط المنتسبين Officer Candidate School”، خصوصاً في خضوع المنتسب لتدريب لا يتجاوز 24 ساعة على مهام حماية السفينة من الغرق ومكافحة حرائق على متنها، والتي كانت تستغرق مدة أطول في السابق.

2020-14-07-التقرير الأسبوعي

التحليل

إقتناء محموم للسلاح في أميركا
 والسود يستعرضون  ميليشيا مسلحة

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

تزامنت احتفالات الولايات المتحدة بعيد “استقلالها”، مطلع الشهر الجاري، بصعود خطاب اليمين المتشدّد وارتفاع مطّرد في منسوب العنصرية منذ تسلّم الرئيس دونالد ترامب مهام ولايته الرئاسية. ورُصِد قلق قطاعات متعدّدة من النخب السياسية والفكرية الأميركية من تعاظم احتمالات الصدام والعنف خلال المهلة الدستورية لتسليم السلطة وتسلّمها عقب الانتخابات الرئاسية.

حَرِص الرئيس ترامب على تبني خِطاب العنف في كلمته الاحتفالية يوم 3 تموز/يوليو الجاري، أمام النصب التذكاري العملاق لأربعة رؤساء أميركيين في جبل “رشمور” في ولاية ساوث داكوتا، الذي دُشّن في العام 1941، واستغرق العمل به نحو 14 عاماً. وحمّل ترامب المتظاهرين مسؤولية تنامي العنف، وخصوصاً بعد تطوّر موجة الاحتجاجات، لتستهدف النصب التذكارية المتعددة لرموز العبودية والعنصرية في التاريخ السياسي الأميركي.

أوساط الحزب الجمهوري النافذة قلِقة من اندلاع موجات عنفٍ احتجاجاً على إعادة انتخاب الرئيس ترامب. وفي المقابل، يشاطر الحزب الديموقراطي قلق نظيره من تجدد العنف في حال هزيمة الرئيس ترامب.

توقّعات استطلاعات الرأي أيّدت قلق الفريقين، نظراً إلى اعتقادهما بأنّ المرحلة الحالية من العنف والعنف المضاد ستتصاعد باتجاه الصّدام الحتمي. وجاءت نتائج أحد أبرز مراكز الاستطلاع، راسموسن، لتلقي حجراً في مياه الانقسامات الراكدة حيث عبّر ما لا يقل عن نصف مجموع عيّنة المستطلعة آراؤهم عن اعتقادهم باحتمال وقوع انقلاب داخل السلطة السياسية الأميركية “خلال العقد المقبل”، وخصوصاً بين صفوف المجموعة العمرية من 25 عاماً إلى 44 عاماً.

وأضاف الاستطلاع أنّ ارتفاع معدّلات البِطالة وتداعيات فايروس كورونا دفعت نحو ثُلُثي العاطلين من العمل إلى ترجيح حدوث انقلاب “بالسُبل العنفية في السنوات العشرة المقبلة”.

وتشير سجلات مكتب التحقيقات الفيدرالي، إف بي آي، وبياناته إلى ارتفاع مخيف في حجم مبيعات الأسلحة والذخائر، بزيادة معدلات مبيعات الأسلحة المرخصة منذ شهر حزيران المنصرم بنسبة 177% عن مثيلاتها للعام 2019، والبنادق الأوتوماتيكية بنسبة 144% للفترة عينها. أما مجموع الأسلحة الفردية التي بيعت الشهر الماضي، فقد بلغ 2،3 مليون قطعة، من ضمنها البندقية الرشاشة من طراز AR-15””.

واللافت أيضا في سجلات المكتب أنّ أعداد مشتري الأسلحة لأول مرة شهدت ارتفاعاً ملحوظاً، وبلغ عددهم منذ مطلع العام الجاري ما ينوف عن 2 مليون شخص، وكانت حصة قطاع النساء نحو 40% من مجموع المشتريات.

يوم عيد الاستقلال، 4 تموز/يوليو، تداعى نحو “1،000 عنصر من السود مدجّجين بالأسلحة” إلى الاحتشاد في معقل ولادة المنظمة العنصرية الأبرز “كو كلاكس كلان” في حديقة “ستون بارك” في ولاية جورجيا، للمطالبة بإزالة نصب تذكاري ضخم للرئيس الأسبق جيفرسون ديفيس والجنرالين روبرت إي لي وتوماس جاكسون، يمجّد زمن العبودية.

وأوضحت مجلة “نيوزويك” في 5 تموز/يوليو أنّ جهاز الشرطة المحلية أقرّ بسلمية احتجاج المجموعة السوداء “أن أف إيه سي” ( (NFAC، امام التمثال الهائل المحفور بالصخر الذي “يعادل ارتفاعه بناية مكونة من 9 طبقات”، وعلى مساحة بحجم ملعب كرة، وأنها لا تمت بصلة إلى المجموعة الأشهر “حياة السود مهمة”. كما أن موقع “ستون ماونتين” يشكّل السود نحو 80% من مجموع سكانه.

ونقلت أيضاً على لسان رئيس المجموعة السوداء، غراند ماستر جاي، أنّ جهود استقطاب وتنظيم عناصره من السود حصراً، ممن خدموا في القوات العسكرية الأميركية، “والهدف الأول هو فرض وجود الميليشيا في “ستون ماونتين” وإرسال رسالة بالوجود المسلّح للسود” لمن يعنيهم الأمر . وقدّرت الأجهزة الأمنية عدد أفراد المجموعة بنحو 12،000 عنصر تحت السلاح.

ويُعرف القليل عن زعيم هذه الميليشيا الذي يطلق على نفسه “غراند ماستر جاي”، وسبق له ان خدم في القوات المسلّحة الأميركيّة، كما يعد خطيباً بارعاً ومغنياً شعبياً متمرساً للراب،  ويتمتع بكاريزما قيادية والتزام صارم بالتقاليد الإنضباطيّة العسكرية.

وفي تصريح أخير له قال: “نحن متقاعدون عسكريون في غاية الإنضباط، ولدينا خبرة في إطلاق النار بدقّة المحترفين. لا نهوى الكلام، ولا نرغب في التفاوض (على نيل حقوقنا)، ولا نكتفي بالهتافات وحمل الشعارات في أرض المعركة. نحن تنظيم يؤمن العين بالعين، وعندما نقرّر نفعل، وبطريقة قانونية، كما يفعل الآخرون.”

كما نُقل عنه دعوته إلى انفصال السود، وتكوين دولتهم المستقلة بالسيطرة على ولاية تكساس، اذا لم تتحقق مطالبهم بالمساواة مع البيض أو التعويض عن حقبة العبودية للسود.

واللافت في تلك المجموعة المسلّحة أنها لا تُحرّض على مهاجمة المؤسّسة الأمنية، ولا تستهدف رجالات الشرطة، كما هو الحال مع مجموعات أخرى تقع ضحية التطرف والعنصرية، بل تحرُص على تمييز نفسها عن منظمة “الفهود السود” التي شهدت أوج نضالاتها المسلحة ضد العنصرية وتجلياتها في المؤسسة الرسمية خلال عقدي الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي.

ويشدد مسؤولو المجموعة على أنها “لا تمت إلى الفهود السود بأي صلة، بل ثمة رجال سود مسلّحون يتظاهرون ضد الظلم الاجتماعي .. ويلتزمون بمادة التعديل الثانية من الدستور” التي تتيح للفرد العادي حمل السلاح، والذين ضاقوا ذرعاً بعُقم مسيرات “الاحتجاجات المدنية” في اوساط السود منذ بدء عقد الستينيات من القرن الماضي.

التركيبة الاجتماعية للمجموعة السوداء معظمها من مراكز المدن والأحياء المحرومة، مقارنة مع الميليشيات البيضاء ذات الطابع الريفي، وتتباين نشاطاتهما وحضورهما وفق تلك الآلية. ومن غير المرجح توقع حدوث تصادم بالسلاح بينهما في المدى المنظور، بيد أن الأمر قابل للتطور قبيل موسم الانتخابات الرئاسية وخلاله، بحكم توازنات مراكز القوى الراهنة.

ينبغي التحذير من عدم الانزلاق للنظر إلى المسلّحين السود، بصرف النظر عن دقة الأعداد المذكورة سابقاً، من زاوية توفّر قرار مركزي بنيّة التصدي المسلّح للدفاع عن مطالب المساواة والعدالة الاجتماعية.

الأدق ربما أنها ظاهرة قد تتعايش معها المؤسّسة الحاكمة، ولو مرحلياً، لقطع الطريق على تبلور نماذج وسبل تعبير أرقى وأشمل، كما شهدته أحياء السّود خلال عقد الستينيات في منظمة الفهود السود المسلحة، وحاجة المؤسّسة بجناحيها، الجمهوري والديموقراطي، إلى الظهور بمظهر تقديم بعض التنازلات التي لن تمسّ جوهرها العنصري والاستغلالي، وإدامة الفوارق الطبقية التي تدحرجت إلى نسب عميقة لم تشهدها البلاد منذ قبل.

اما ما ستسفر عنه الانتخابات الرئاسيّة من ظواهر وتجلّيات قد تحابي اليمين المتطرف وتنظيماته المسلّحة المتعددة، وربما استخدام محدود للسّلاح بين المجموعات المختلفة، فستجري وفق سقف ما تأمل المؤسّسة الحاكمة استيعابه وضبط ايقاعاته، ولن يُسمح لأي منها الانفلات وتحكيم السلاح، حتى لو خسر الرئيس ترامب الجولة الانتخابية، ولكن الأوضاع مفتوحة على احتمالات الانفلات عن أي ضوابط ترغب المؤسّسة الحاكمة في تكريسها.

 

     

2020-19-06-التقرير الأسبوعي

الميليشيات المسلحة الأميركية
خلفيات التكوين والدور المحتمل

 د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

         تميّز عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب ببروز ملحوظ للميليشيات اليمينيّة المسلّحة، عدداً وتسليحا،ً وبخطاب سياسيّ ينشد تبسيطاً مُخلّاً للقضايا المعقّدة، يُؤجّل معالجات حقيقية مطلوبة للأزمات المختلفة والمركبة التي يعاني منها المجتمع الأميركي. وانتعشت تجليات حضور هذه الميليشيات مجدداً كردّ فعلٍ على موجة الاحتجاجات الشعبية عقب اغتيال الشرطة لجورج فلويد، وانطلاق صيحة موحّدة مدويّة للمحتجين، تطالب بمساواة حقوق السّود في أميركا، استجاب لصداها العالم أجمع، باحتجاجات موازية تنديداً بالطبيعة القمعية للأجهزة الأمنية.

         اتّخذ الصراع المجتمعي في الداخل الأميركي طابعاً تصعيدياً، للإطاحة بتماثيل رموز العنصرية والعبودية البغيضة في الولايات المتحدة، وبريطانيا أيضاً، تطوّعت فيه الميليشيات اليمينية بدور الحامي لتلك التماثيل ورمزيتها، استمراراً للسردية الرسمية السائدة بأن هؤلاء الرموز يشكّلون جزءاً حيوياً من التاريخ الأميركي، ولجأت إلى استخدام السلاح ضد الخصوم المحتجين في الدفاع عن معتقداتها بأفضلية الرجل الأبيض.

          برزت فعالية التجمعات والمنظّمات المسلحة في أميركا منذ بدء موجات الاستيطان الأوروبي للاميركيتين، باستهداف إبادة السكّان الأصليين والسّيطرة على أرضهم، وسيلة الإنتاج الأهمّ، وتباعاً ضد نزعات التحرر من ربقة العبودية والاضطهاد الاجتماعي، وكانت هذه المنظمات ولا تزال، ذراع اًاحتياطية للمؤسّسة الحاكمة لتهديد الأقليات والمضطهدين، ما دفع الكاتب الأميركي الساخر جورج برنارد شو إلى القول “إنّهم يَعتبرون قتل الآخرين شجاعة.”

         امتشقت الميليشيات السّلاح للدفاع عن الكيان الاستيطاني الانكليزي الوليد، وأبلت بلاءً حسناً في “حرب السنوات السبع” لصالح البريطانيين ضد الفرنسيين، ومن ثم قاتلت البريطانيين، وحاصرت حاميتهم في 9 نيسان/ابريل 1775، في مدينة بوسطن، وشكّلت النواة الأولى للجيش الأميركي تحت قيادة جورج واشنطن.

         يشير تاريخ الكيان السياسيّ الأميركيّ إلى إحجام تلك الميليشيات عن تقديم الدعم لجيوش جورج واشنطن والهروب من أرض المعارك، ما أسهم في استصدار “مادة التعديل الثانية” من الدستور الأميركي، لتحفيز الميليشيات على البقاء وتشريع حيازتها للأسلحة.

لعلّ أبرز تجلّيات الميليشيات الأميركية المسلّحة عبر التاريخ كانت منظمة سرّية تدعى “كو كلاكس كلان،” تأسّست في خضم أجواء الحرب الأهلية الأميركية على أيدي التيارات المتطرفة الأصولية، وترعرت بحماية المؤسّسات الرسمية المحلية والفيدرالية لها في القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين، واشتهرت بتعليق السود، رجالاً ونساءً، على اعواد المشانق وإحراق الصليب كشعار عن مسؤوليتها.

اقتضت تطوّرات القرن العشرين مواجهة “كو كلاكس كلان” ومحاصرتها وولادة منظمات متطرفة يمينية أخرى، تعبيراً عن استمرارية دفاعها عن النظام السياسي من منطلقات عنصرية، وأحياناً استوجبت المواجهة المسلّحة مع الأجهزة الأمنية الفيدرالية، بدءاً بالاعتصام المسلّح في منطقة نائية تدعى روبي ريدج في ولاية آيداهو في العام 1992، والذي اعتبرته الدولة تاريخ ولادة الميليشيات المسلحة في أميركا، وخصوصاً أنّ التنظيمات النازية الجديدة تتّخذ من تلك الولاية ميداناً ومقراً لنشاطاتها العنصرية.

تلى ذلك مواجهة في العام 1993 بمدينة ويكو في ولاية تكساس، ومواجهة مسلّحة أخرى في العام 1995، في انفجارات طالت مباني رسمية في اوكلاهوما سيتي، ما سلّط الضّوء على تنامي جهود تنظيمية واسعة لتشكيل منظمات مسلّحة موازية في عدة ولايات أميركية، اعتمدت آلية استقطاب عناصر جديدة أثناء معارض الأسلحة التي تقام في عموم الولايات المتحدة.

بيّنت وثائق الأجهزة الأمنية أن القسم الأعظم من جسم تلك الميليشيات أتى من صفوف القوات المسلّحة الأميركية، لا سيما اولئك العائدون من أفغانستان والعراق، ونقل خبراتهم المكتسبة في استخدام صنوف الأسلحة والمتفجرات وأجهزة الاتصال المتطورة إلى الأعضاء الجدد، عبر إقامة معسكرات تدريب صيفية مرخّصة.

هوية الميليشيات المسلّحة وأعدادها معروفة للأجهزة الأمنية، ولا سيما عناصرها القياديّة والمؤثّرة. وتشير البيانات الرسميّة إلى ما لا يقلّ عن 165 مجموعة مسلحة منظّمة في عموم الولايات المتحدة، تنتمي معظمها إلى لتيارات “العنصرية من البيض .. تمارس القتل والتّهديد بالقتل ورمي المتفجرات.” وقد رُصد استقطاب بعضها لعناصر من أجهزة الشرطة.

ولعل أكبرها عدداً، وفق بيانات مكتب التحقيقات الفيدرالي، منظمة “حرّاس القسم،” التي تضم نحو 3،000 عنصر أتوا من صفوف القوات العسكرية النظامية وأجهزة الشرطة المحلّية، و “أقسموا على عدم إطاعة أوامر غير دستورية تصدر عن الدولة” الفيدرالية. وقد برز صيتها في العام 2014 خلال مواجهة بين المزارع المتشدد بَندي والأجهزة الأمنية قرب مدينة لاس فيغاس، واستطاعت المجموعة استقطاب عناصر من منظمات مؤيّدة مدجّجة بالسلاح إلى مركز المزرعة، مما دفع جهاز مكتب التحقيقات الفيدرالي إلى التراجع وعدم الاصطدام معها.

كشف مركز التحقيقات الاستقصائية في العام 2019 عن انضمام نحو 150 عنصر شرطة، “بعضهم لا يزال على قمة عمله الرسمي” إلى تنظيم مؤيّد لحرّاس القسم ينشط في وسائل النشاط الاجتماعي، ولا سيما فيسبوك.

وأضاف أنّ جهوده أدت إلى التعرّف إلى منظومة أوسع من رجالات الشرطة، تُدين بالولاء للتيار اليميني المتعصب، ومركزه الولايات الجنوبية، وهو تيار معادي للإسلام والمسلمين، وللمرأة أيضاً.

واشار المركز إلى أحد أبرز الأمثلة التي تخص رئيس قسم الشرطة في مقاطعة رافاللي في ولاية مونتانا، غريغ ماكويرتر Greg McWhirter، وعضويته في ما لا يقل عن 15 مجموعة مسلّحة، من بينها “حرّاس القسم”، بنشره شريطاً مصوراً مطلع العام الماضي يحذر فيه من “جهود اليسار لإغراق الولايات المتحدة بالمهاجرين الذين سيصوّتون لصالح الحزب الديموقراطي وقلب معادلة توازن القوى القائمة،” من دون أدلّة أو بيانات داعمة.

إلى جانب “حرّاس القسم”، يأتي في التراتبية من ناحية الأهمية: حرّاس سلسلة الجبال الغربية، حركة 912، وحركة 3%. هذه المنظمات تعتمد في نشاطاتها، وفق البيانات الرسمية، على مجموعات مسلّحة صغيرة الحجم تستطيع طلب المساعدة من مجموعات أكبر عند الضرورة، تفادياً لانكشافها أمنياً.

واستنتج المركز قائلاً:  “صعود حركة الميليشيات الأميركية يغذّيها الشعور بتفوق العنصر الأبيض والإيمان بنظرية المؤامرة والتعصّب.”

         انتشار “عدة مجموعات من الميليشيات” حديثاً في المدن الأميركية جاء بناءً على قلقها ورغبتها في توفير الحماية “للنصب التذكارية” لرموز العنصرية والعبودية المتعددة من غضب المحتجّين، على خلفية المطالبة بالمُساواة والعدالة بعد مقتل جورج فلويد، كما أشار مؤخراً مكتب التحقيقات الفيدرالي.

         ساد قلق عالي الوتيرة لدى الأجهزة الأمنية الأميركية عقب نشر وحدة مؤلّلة تابعة لـ”ميليشيا البحرية الاستعمارية” لسلاحها المدرع في مدينة هيلزديل بولاية مشيغان، الأسبوع الماضي، وقوامها “18 عربة مدرعة.”

         تمّ إنشاء تلك المجموعة في عقد الثمانينيات من القرن المنصرم على أيدي عناصر متقاعدة من سلاح مُشاة البحرية الأميركية في ولاية انديانا، واستطاعت استقطاب عناصر مماثلة منظمة في مجموعات تنتشر في “48 ولاية” أميركية، مقسمة على 116 فريقاّ قتالياّ، وتستند إلى استقلالية تسليح كل وحدة على حدة، مع ما يتطلبه ذلك من توفير “عناصر لوجستية خاصة، ووسائل اتصال متطورة، ومعدات طبية .. مسلحة بعربات مدرعة ومدافع خفيفة آلية الطلقات، تساندها موارد محمولة جواً، وطائرات نقل، وأخرى نفاثة”، تؤهّلها للانتشار السريع نحو أي بقعة من عموم الولايات المتحدة.

         تاريخ الكيان السياسي الأميركي حافل بدور مميز للمجموعات المسلّحة ومواجهتها لأجهزة الدّولة الفيدرالية، منها ،على سبيل المثال، حالة التمرد الشاسعة في العام 1791، التي قامت ضد قرار الكونغرس بفرض رسوم إضافية على المشروبات الكحولية، قيمتها 25% للغالون، بدعم من الرئيس جورج واشنطن ووزير ماليته أليكساندر هاملتون، في العاصمة فيلادلفيا آنذاك، بغية تمويل العجز في ميزان المدفوعات الناجم عن موجة الحروب الأولى لتأسيس الدولة المركزية.

         عارض توماس جيفرسون، الأب الروحي لإعلان الاستقلال، القرار بشدّة، معتبراً المحاولة “ضريبة جهنمية،” مُطالباً إمّا بإلغاء القرار أو خفض قيمته. ونجم عن تلك المحاولة انقسام في قمة القرار السياسي، كاد يطيح بوحدة الإقليم، وانضم جيمس ماديسون إلى جيفرسون حينئذ في التعرض للقوانين “غير الدستورية والقمعية،” التي أدت إلى بروز تيار سياسي متباين من رحم المجموعة المؤسّسة للكيان الجديد (حزب الفيدراليين)، كان نواة تبلور نظام الحزبين الحالي.


مخاطر الميليشيات

         تتّخذ السلطات الأمنيّة الأميركية إجراءات عقابيّة ضد بعض ممارسات المجموعات المسلّحة بين الفينة والأخرى، كي لا تخرج عن السّياق المسموح به، ووفق الضّوابط الدستورية السارية، إلى ما دون مرحلة الصدام المباشر.

         إن توفر أسلحة قتاليّة في أيدي الميليشيات المسلّحة، يعزّزها التدريب العسكري الحديث لعناصرها، ويشكّل مصدر قلقٍ حقيقياَ للأجهزة الأمنية المنوطة بتوفير الحماية لمناطق واسعة، كما ظهرت في الآونة الأخيرة، وبدا عليها الإعياء أثناء مساعيها للحد من الاحتجاجات، ولا سيما ضد المقرات الرسمية في العاصمة واشنطن والقواعد العسكرية عند الحاجة. في المقابل، تستطيع الميليشيات المسلّحة الانتشار بصورة فعّالة حين تقرّر ذلك، بالاعتماد على الخبرة القتالية لعناصرها.

         تعجّ أدبيات التنظيمات العنصرية والميلشيات المسلّحة بضرورة إعداد عناصرها لمواجهة مقبلة مع الدولة المركزية شبيهة بحرب أهلية، على قاعدة خوض جولة ثانية من “الثورة الأميركية،” مسترشدة بتوجيهات قائد ميليشيا “لكسينغتون” في ولاية ماساتشوستس، جون باركر، في 19 نيسان/إبريل 1775، ضد القوات الملكية البريطانية مخاطباً أتباعه: “لا تطلقوا النار إلا للدفاع عن النفس، لكن إن ثبت أنَّهم ينوون شنّ حرب، فلنبدأ بها هنا.”