2020-22-05-التقرير الأسبوعي

آفاق الانتخابات الرئاسية تحت سقف
الفشل في التصدي لوباء كورونا

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

        يسعى النظام السياسي الأميركي إلى التكيّف مع ما أفرزته حالة كورونا من شللٍ وتعميق لأزمته البنوية التي كشفها الوباء بصورة جليّة، تمثّلت بالعَجز والتخبّط والفشل في احتوائه.

ويعمل هذا النظام جاهداً للتوصّل إلى صيغة تضمن استمرار آليات انتخابية مقبولة للاستحقاقات الإنتخابية. ويتم إختبار إجراءات العودة الى الحياة الطبيعية  وضوابطها في معظم الولايات دون التيقّن مما ستحمله الأيام والشهور القادمة من نتائج، في ظل أجواء الخوف والحَذَر من مواجهة موجة متجددة لتفشّي الوباء.

يرغب الحزبان، وخصوصاً الرئيس ترامب، في أن يتحقّق مناخ شبه طبيعي قبل موعد الإنتخابات بفترةٍ كافيةٍ كي لا يتمّ الاضطرار إلى تأجيلها  ودخول النظام في أزمة مُستعصية.     

         لتاريخه، تتعثّر محاولات الحزبين، الديموقراطي والجمهوري، للتفاهم على دفعة رابعة من خطط الطواريء لإنقاذ الاقتصاد، إذ يتوخى كل طرف أن تُسهم في خدمة أجندته الانتخابية.

أمام تحديات فايروس كورونا والأفق الضبابي للوضع الاقتصادي برمّته، لا زال تعويل الطرفين سارياً على الاستمرار بالجدول الزمني للانتخابات الرئاسية المقبلة، التي قد تشهد تطوّرات غير مسبوقة في التاريخ السياسي للبلاد، واحتمالات متعدّدة ربما تفضي لتأجيل الموعد المُقرّر، على الرغم من ضآلة حظوظه.

البوصلة العامة لنتائج الانتخابات “الخاصة” التي جرت مؤخرا في ولايتين  لمقعدين شاغرين في مجلس النواب، إما بدواعي استقالة العضو أو الوفاة، تساهم حالياً في تحديد الأفق والخطاب السياسي للطرفين، ولا سيما الحزب الفائز.

        بهذه الخلفية، استطاع الحزب الجمهوري الفوز مؤخراً بمقعد نائب عن الحزب الديموقراطي لولاية كاليفورنيا في الكونغرس، استقالت من منصبها بعد تسرّب شريط فيديو عن علاقة عاطفية تجمعها بأحد مُساعديها.

أهمية الفوز للجمهوريين تتمثل في أن المقعد لم يحسب تقليدياً لصالح مرشّح الحزب الجمهوري منذ عقدين من الزمن، بل إن المرشّحة السابقة للرئاسة عن الحزب الديموقراطي، هيلاري كلينتون، فازت بأصوات الدائرة الانتخابية عينها بنسبة 6% في العام 2016. وفاز المرشّح باراك أوباما بأصوات الولاية في دورتين مُتتالين في العام 2008 والعام 2012، بِنسَب مُريحة.

        كذلك فاز مرشّح الحزب الجمهوري في جولةٍ انتخابيةٍ خاصة في ولاية ويسكونسن بنسبة كبيرة (14%)، والذي أيضاً لم يكن متوقّعاً نجاحه في ولاية تُعتبر ليبرالية، على الرغم من تصويت أغلبيّتها لصالح المرشّح الرئاسي دونالد ترامب في الجولة السابقة.

استناداً إلى تلك الجزئية المُشجّعة عادة في المشهد الانتخابي العام، قد لا تُترجم لصالح الحزب الجمهوري في النتائج النهائية، سواء في السباق الرئاسي أو في تحقيق رغبته في السيطرة على مجلس النواب، إلى جانب احتفاظه بأغلبية التمثيل في مجلس الشيوخ.

ما تشهده الساحة السياسية في الأيام الأخيرة من اتهاماتٍ مُتبادلةٍ بين الرئيس السابق باراك أوباما والرئيس دونالد ترامب، سيؤدي إلى تعديلات في المُقارَبة السياسية والانتخابية لدى فريقي الحزبين، ولا سيما أن المرشّح عن الحزب الديموقراطي جو بايدن اختار الصفوف الخلفيّة في المرحلة الراهنة، مدركاً أن دخول أوباما  في السِجال السياسي مع ترامب يمنحه فرصة التعويض عن فتور حملته،  في ظلّ الشعبية الوازنة للرئيس السابق في أوساط القاعدة الحزبية الديموقراطية.

عند إضافة تدهور الحالة الاقتصادية ألى المُعادلة الانتخابية، لا يستطيع الرئيس ترّامب تنفّس الصُعداء، لكونه راهَن كثيراً على تمايُز الأوضاع الاقتصادية لصالحه وصالح حزبه.

وجاءت أحدث استطلاعات الرأي، التي أجرتها جامعة “هارفارد،” نُشرت نتائجها في 18 أيار/مايو الجاري، مُخيّبة لآمال السياسيين، إذ أعرب نحو 65% من الجمهور عن قلقه من الأوضاع والسياسات الاقتصادية، مقابل 27% من المؤيّدين. النسبة الأخيرة تُشير بوضوح إلى جمهور مؤيّدي الرئيس ترامب، الذين تراوحت نِسَبهم بين 27 و 33% من مجموع الناخبين، واكتساب بعض النِسَب الضئيلة أحياناً على خلفية آلة التحريض الهائلة ضد الحزب الديموقراطي ومرشّحيه، ولا سيما خلال الانتخابات التمهيدية وانسحاب المرشّح بيرني ساندرز لصالح جو بايدن.

كذلك عند الأخذ بعين الاعتبار الآثار المترتّبة على فشل الأداء الحكومي لمُكافحة وباء كورونا، واستمرار تصاعُد حالات الوفيات جنباً إلى جنب مع الارتفاع في عدد الإصابات، يجد المرء نتائج مُغايرة للواقع والحقائق العلمية معاً.

        سياسات الإدارة الأميركية بتسليط سيوف الاتهام على الصين، والزَعْم بمسؤوليّتها عن تفشي الوباء، وما تكبّده الاقتصاد الأميركي نتيجة ذلك، أعطت أكلها في تزايُد تأييد القاعدة الشعبية للرئيس ترامب، كما جاء في استطلاع رأي مُشترك لكل من شبكة “سي أن أن” ومجلة “نيوزويك” الاسبوعية، إذ أفاد الاستطلاع بتقدّم الرئيس ترامب بنسبة 7% على مُنافسه جو بايدن في مجموعة الولايات الحاسمة، بينما تفوق الأخير في ولاية كاليفورنيا “الليبرالية،” كما كان مُتوقعاً.

        يُشار أيضاً إلى أهميّة عامل المؤتمرات الصحفية اليومية التي “كان” الرئيس ترامب يعقدها في البيت الأبيض للحديث عن مراحل مُكافحة الفايروس، لكنه دأب على اتهام إدارة أوباما بالتقصير وتحمّل مسؤولية فُقدان المعدّات الطبية وغيابها، ومُهاجمة الصين ومُطالبتها بتعويض الخزينة الأميركية عن خسائرها نتيجة ذلك، مما حفّز قواعده الانتخابية وجمهور “الحرب الباردة” للتغاضي عن مسؤولية الحكومة الأميركية وتحميل الصين كامل اللوم.

        الحال الذهنية للمرشّح الديموقراطي جو بايدن تُقلق مؤيّديه وتُسعد خصومه، وسبق “لمركز الدراسات العربية والأميركية” أن تناول التدهور الملحوظ في صوابية تصرّفاته الشخصية وتصريحاته السياسية، مما يُضاعِف المُراهنة على اختياره لنائب رئيس باستطاعته/ا مِلء الفراغ بسرعةٍ قياسية، وأيضاً نَيْل ثقة جمهور الناخبين وحماستهم.

        أشارت بعض الأوساط في الحزب الديموقراطي، قبل مدة وجيزة، إلى ضرورة تحرّك قادة الحزب لتفادي العثرات المقبلة للمُرشّح بايدن، بالبحث عن بديلٍ قبل مؤتمر الحزب الذي تمّ تأجيله، من مُنتصف شهر تموز/يوليو إلى مُنتصف آب/أغسطس المقبل، رغم ما قد ينجم عنه من مشاعر عدم اليقين لدى كبار مُموّلي الحزب وقادته التاريخيين.

        يتعزّز هذا الاقتراح مع تصاعُد صدقيّة الاتهامات الموجهة إلى جو بايدن بالتحّرش الجنسي بواحدةٍ من عدّة نساء، واتهامه باعتداء جنسي على أخرى كانت ضمن فريق عمل مكتبه مطلع تسعينيات القرن الماضي.

        وثمّة عامِل مُساعِد قد يخدم الاقتراح غير المسبوق أعلاه، وهو أن عدداً من الولايات لم تعقد انتخاباتها التمهيدية، وأخرى أجّلتها، مما يطرح مسألة تتعلق بوجهة مندوبي الحزب وتأييد الفريق الواسع الذي لم يُعلن عن توجّهاته من تلك الولايات قَيْد المراجعة، وتسهيل سيناريو البديل في اللحظات الأخيرة قبل انعقاد المؤتمر.

        ذاك السيناريو يُعطي حكام الولايات عن الحزب الديموقراطي صلاحيات واسعة في “اختيار” المندوبين أو تسميتهم، وفق آليات وضوابط تتحكّم بها الولاية وممثليها في الكونغرس بشكلٍ كبير.

في حقيقة الأمر، ليس هناك ما يُلزم قانونياً المندوب الذي وقع عليه/ا الاختيار للتصويت لصالح مُرشّح محدّد، مما سيُعزّز خروج المؤتمر بصيغة ترضية يمارس فيها كبار قادته والرئيسان أوباما وكلينتون وحكّام الولايات دوراً مركزياً لتوجيه الأصوات نحو مرشّح يحظى برضاهم أولاً، على حساب المزاج الشعبي داخل أروقة المؤتمر.

        في حال رسى الاختيار على “صيغة الترضية،” من الُمرجّح أن يحظى مؤيّدو السيناتور بيرني ساندرزبدورٍ أشد تأثيراً عما قبل، يُعيد لهم ولمُرشّحهم الاعتبار مرة ثالثة، على الأقل في عملية اختيار البديل، وهو ما سترفضه قيادات الحزب والرؤساء السابقون بقوّة.

        ثمة استنتاج تلقائي بأن الأزمة الاقتصادية كفيلة بالاطاحة بالرئيس ترامب. ورغم ما ينطوي عليه من صحّة، فإن التاريخ السياسي الأميركي لا يدعم ذلك، فقد فازالرئيس الأسبق فرانكلين روزفلت بدورةٍ ثانيةٍ خلال أزمة الركود العالمي، مدعوماً من مفاصل القطاعات الاقتصادية، ولا سيما التصنيعية منها.

        في الشق الآخر من المُعادَلة، يُطالب قادة الحزب الجمهوري، بتأييد كُبريات الشركات والمؤسّسات الاقتصادية، بتسريع الخُطى لعودة عَجَلة الإنتاج واستئناف العمال لمهامهم، مقابل رفض شكلي لقادة الحزب الديموقراطي المُطالبين بأولوية التصدّي لوباء كورونا قبل إعادة آليات الإنتاج، وهم الذين رضخوا لضغوط خصومهم الجمهوريون في إعادة استئناف جلسات مجلسي الكونغرس، وإن بوتيرة أخفّ عما قبل.

        أنصار الرئيس ترامب، ولا سيما في ولاية مشيغان، التي تحكمها مُرشّحة مُحتَمَلة لمنصب نائب الرئيس عن الحزب الديموقراطي، وتحتوي على مفاصل أساسية من صناعة السيارات، يلوّحون بمُلاحقتها قضائياً لانتهاك “حقوقهم الدستورية” بعدم استجابتها لمطالبهم بالعودة التامة إلى الأوضاع الطبيعية والتخلّي عن القيود المفروضة راهناً.

يعتقد بعض المُراقبين أن إحدى أبرز خلفيّات تحرّك المُعارضين ضد حاكِمة الولاية، غريتشين ويتمر، تمت بإيعاز من أوساط مؤيّدة لترامب، للإطاحة بحظوظها في أن تُختار لمنصب نائب الرئيس، لأن اختيارها سيعني حُكماً خسارة ترامب لولاية ميشيغان التي فاز فيها في الانتخابات الرئاسية بأصواتٍ قليلة، ولكنها كانت من مُفاجآت الانتخابات البارزة، لكون الولاية محسوبة تقليدياً على الحزب الديموقراطي.

        تزخر البيانات اليومية بنماذج فردية لأرباب عمل يتحدّون القيود المفروضة في ولايات مُتعدّدة لمُزاولة أعمالهم، على الرغم من المُخالفات المالية المُرتفعة المفروضة عليهم من قِبَل السلطات المحلية.

        أحدهم ذهب به التحدي إلى الاستنجاد بميليشيا مُسلّحة في ولاية ميشيغان توفّر الحماية الفعلية لمؤسّسته من المُلاحقة الرسمية، وتُطمئِن الزبائن بمُمارسة أعمالهم اليومية.، مما اضطر سلطات الأمن المحلية إلى التراجُع والتعهّد بعدم إلقاء القبض على صاحب المؤسّسة، كما يستوجب القانون الساري، بل انضمّ القضاء في الولاية إلى جانب صاحب العمل، مُتحدّياً صلاحيات حاكِمة الولاية بعدم شرعيّة إجراءاتها.

        في ظلّ تلك اللوحة من العوامل والمحطّات والتوجّهات المُتناقِضة في المشهد السياسي، لكل من الفريقين، ليس مُستبعداً فوز الرئيس ترامب بولاية ثانية. تُسعفه في ذلك بيانات مُشجّعة عن قرب التوصّل إلى إنتاج لقاح مُضاد لفايروس كورونا، أعلنت عنه شركة “موديرنا” بولاية ماساتشوستس.

        إمكانية أن ينجح الحزب الديمقراطي في الوصول الى مُفاجأة، بإختيار مُرشّح رئاسة (بديل عن بايدن) ونائب له، يوفّران زخما وجاذبيّة تُدخِل الحماس والثقة بتحريك ما هو أبعد من الناخبين الديموقراطيين وضمان تأييد قطاعات المُستقلّين والمُتردّدين.

2020-15-05-التقرير الأسبوعي

الاختراق الصهيوني وتطبيع النخب
العربية في الولايات المتحدة

 

 د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

        تناوبت الدول الغربية النافذة على تطويع النخب الفكرية والسياسيّة العربية للقبول بالكيان الصهيوني، منذ ما قبل اغتصاب فلسطين سياسيّاَ وجغرافيّاً، وظهور “اليشوف” كتجمع استيطاني صهيوني. سنسلّط الضوء هنا على أساليب “التطبيع” في الولايات المتحدة، بالمؤسسات والأفراد والأدوات، دون إغفال الجهود الأساسية داخل اقطار الوطن العربي المختلفة.

        فيما يخص السياسات الأميركية، بصورة رئيسية، سيتم معالجة “التطبيع،” انطلاقاً من تعريفه للقبول “بالكيان الإسرائيلي” كأمر واقع في سياق جدلية استراتيجية واشنطن بكافة مؤسّساتها الحاكمة لإعادة رسم مستقبل “المشرق العربي” تحت غطاء “تحقيق السلام في الشرق الأوسط.”

        في البعد “الفلسطيني،” ترمي مساعي التطبيع إلى القفز عن حقوق الشعب الوطنية ممثلة بحقّ العودة إلى أراضيه ووطنه، وتمويه حقيقة الاحتلال بمسمّيات متعددة، طمعاً في شرعنة اغتصابه المتتالي، 1948 و 1967 والمصادرات الجارية للأراضي.

        التطبيع كمطلب قسري يعكس اختلال موازين القوى لصالح الكيان الصهيوني، يمثل نهجاً يستخدم أدوات وموارد متعددة للتأثير في الوعي العربي، طمعاً في إسقاط حالة عدائه للكيان الصهيوني وإلغائها.

لعل الأهم والأخطر أن تلك المساعي تصاعدت حدّتها مع تراجع القيادات الفلسطينية “الرسمية،” مدعومة بمنظومة الحكم العربية السائدة، عن توصيف طبيعة المرحلة، من “مرحلة تحرر وطني” إلى السعي للتعايش مع احتلال استيطاني لا يقبل بالهوية العربية الأصلية.

        زاوجت الدول الغربية الاستعمارية، بريطانيا فرنسا وأميركا، بين سبل الضغط العسكري، وفق موازين القوى المختلة لصالحها، وتسخير سُبلها “الناعمة” المتعددة لفرض القبول الجمعي “بالكيان الإسرائيلي،” في مختلف الساحات، ومنها الداخل الأميركي.

        أبرز الأدوات التطبيعية “الناعمة” قامت بها البعثات الاستشراقية والتبشيرية الغربية منذ فرض الانتداب البريطاني على فلسطين، تحت مسمى “التقارب الديني،” وارتبط بما عرفه الفلسطينيون بمشروع “مِسْ كيري – أو مِسكري،” كناية عن صاحبته المستشرقة والمبشرة البريطانية “السيدة أليس ماي كاري Miss Alice May Carey، في العام 1933، عقب ثورة البراق في العام 1929 التي اندلعت في القدس، واستطاعت بناء “معبد ديني” بدعم من المؤسسة الأنكليكانية البريطانية في قرية عين كارم، على مقربة من القدس، والتي تحتوي على كنيسة القديس يوحنا المعمدان منذ القرن الرابع للميلاد.

        فشل مشروع “مِس كيري .. للتقريب بين الديانات السماوية،” وغيّرت الحركة الصهيونية معالم الوطن الأصلية محوّلة “المعبد” إلى منشأة عسكرية تضم أحد أبرز أقسام الاستخبارات “الإسرائيلية” وأكثرها تطوراً في الوقت الراهن.

        نسوق ذلك للدلالة على ما سيتبع من محاولات متواصلة متعددة لم تنقطع عن تثبيت “الكيان الاسرائيلي” في الوعي العربي بسبل مباشرة وغير مباشرة بشكل عام، واستبيان أغراض الجمعيات الأميركية المتعددة العاملة تحت عناوين مختلفة، بغطاء انساني، وبعنوان تقديم الدعم للّاجئين، ودور تبشيري تعليمي عبر مؤسسات تستقطب المتفوقين للدراسات العليا في المعاهد الأميركية، واستنسختها أيضاً في منظمات ومؤسّسات للرعاية الصحية بهدف “إرساء السلام في الشرق الأوسط.”

سردية الهولوكوست كمقدمة للاستقطاب

        تمايزت الادارات الأميركية المتعاقبة في سبل استقطابها “للأقليّات العرقية،” ومن ضمنها المهاجرون العرب في الولايات المتحدة، بدءاً بما دشنته إدارة الرئيس الأسبق جيمي كارتر، وشعارها باحترام الحقوق الإنسانية، وما آلت إليه احتياجات الاستراتيجية الأميركية من متطلبات ضرورية لتكريس هيمنتها في المنطقة منذ معاهدات “كامب ديفيد،” مروراً بحربي الخليج وغزو “اسرائيل” للبنان عام 1982، ومؤتمرات “السلام” في مدريد، وما تبعها من مفاوضات مباشرة بين وفود الدول العربية و”اسرائيل،” وتوقيع قيادة م ت ف على اتفاقيات اوسلو مع العدو التاريخي، وتتويجها في مراسيم البيت الأبيض، تلاها معاهدة وادي عربة بين الكيان والأردن، والمسار “التفاوضي المباشر” منذئذ دون تحقيق أي من الأهداف “المرحلية الفلسطينية.”

        في السياق عينه، انجرّت معظم النخب الفكرية والسياسية والمجتمعية العربية في أميركا وراء وهْم التماثل مع “المنظمات اليهودية الأميركية” ونفوذها الطاغي في بلورة القرار السياسي الأميركي ورسمه، وشرعت في بناء منظمات هي أقرب إلى مفهوم “اللوبيات،” أو جماعات الضغط، كمنصة “تفاوض” مع بعض الدوائر الرسميّة، متناسين أن الدور المنوط بالأكاديميين والمثقفين هو نقد السياسات الأميركية وكل من يستجدي تعاطفها معه.  

اتخذت حركة تلك النخب مسارات خطيرة منذ عام 1982 ومروراً بمرحلة غزو العراق واحتلاله، لكنها سرعان ما انصاعت إلى قوّة التمويل الخليجي المنظّم وأضحت بالوتيرة المتسارعة نفسها صورة تعبر عن مصالح عواصم دول النفط. هذا لا ينفي بالطبع وجود عناصر مدفوعة بالحس الوطني في هياكلها القيادية والشعبية، بيد أن تأثيرها السياسي تلاشى لصالح مصادر التمويل.

        فلسطينياً، منذ تبني م ت ف البرنامج المرحلي في العام 1974 دعمت قيادتها، سياسيّاً وتمويلياً، أجندات وبرامج وشخصيات محددة “لفتح حوارات” مع المنظمات اليهودية الأميركية، بدءاً بمجموعة “حملة حقوق الإنسان الفلسطيني – Palestine Human Rights Campaign،” التي تزعمها لسنوات طويلة الناشط جيمس زغبي، تارة مع التيارات الكنسية وأخرى مع أعضاء في الكونغرس.

بعد استنفاذ أغراض الحملة، انتقل الزغبي “للمنظمة العربية الأميركية لمكافحة التمييز Arab-American Anti-Discrimination Committee“، بزعامة السيناتور الأسبق جيمس أبو رزق، إلى أن انتهى به المطاف إلى مؤسسة خاصة به تدعى “المعهد العربي الأميركي Arab American Institute.”

        وشارك في تلك الجهود التي رصد لها موارد مالية عالية، أكاديميون ومثقفون عرب – أميركيون، منهم إدوارد سعيد وإبراهيم أبو لُغُد وهشام شرابي ووليد الخالدي في أواخر سبعينيّات القرن الماضي، اعتقاداً منهم  بجدوى الاتصال بالبيت الأبيض لفتح قناة دبلوماسية مع منظمة التحرير، وفشلوا تماما في ذلك، ولم يقدّروا حماقة تلك السياسة إلّا في تسعينيات القرن الماضي، بعد أن نجحت الولايات المتحدة في احتواء منظمة التحرير الفلسطينية وتوقيع اتفاق أوسلو.

        عند توقيع معاهدة “كامب ديفيد” في العام  1979 مع مصر، لم تَغِب قيادة م ت ف عن مساعي حضور القمة والتوسل لدى شخصيات قيادية أميركية في إدارة الرئيس كارتر، ولا سيما مستشاره للأمن القومي زبغنيو بريجينسكي وعضو المجلس لشؤون الشرق الأوسط ويليام كوانت.

تردد آنذاك أن شخصيتين فلسطينيين ذات طابع أكاديمي أدتا دوراً مباشراً في التواصل مع الرئيس السادات، الأولى كان الدكتور هشام شرابي، والثانية الدكتور ادوارد سعيد، الذي سنعود لدوره لاحقاً.

        بموازاة المهام المتوقعة من “جيمس زغبي” وامتداداته المحدودة لدى دوائر صنع القرار الأميركي، استثمرت القيادة الفلسطينية مساعي اتصالاتها في مؤسستين في توقيت متزامن، تحت ضغط التيار الوطني لدى الجالية في أميركا، للتقرب من القطاعات “التقدمية والليبرالية” الأميركية، دون أن تتخلى عن مساعيها “لفتح خطوط تواصل مع المنظمات اليهودية.”

        أولى المؤسستين كانت “منظمة الخريجين العرب Arab-American University Graduates – AAUG“، التي شكلت ثقلاً معتبراً داخل الصرح الأكاديمي الأميركي بأساليب علمية عصرية، والثانية “المجلس الفلسطيني في أميركا الشمالية – Palestine Congress of North America“، الذي شكل حاضنة لكل المنظمات الشعبية والطلابية الفلسطينية على الساحة الأميركية.

        تداعيات خروج القوات المسلحة الفلسطينية من لبنان في أيلول/سبتمبر 1982 تُرجم سياسياً لناحية تعاظم طابع التفاوض ونسج علاقات علنية مع المنظمات اليهودية في أميركا، بمواكبة تراجع زخم النشاط الفلسطيني عما سبق في الولايات المتحدة، وبدأنا نلمس محاولات “جريئة” من أنصار القيادة الفلسطينية للتماثل مع السردية الصهيونية، لا سيما في مسألة “المحرقة،” وتبني مصطلح “دولة اسرائيل” كجسر عبور لطلب ودّ المنظمات النافذة في صنع القرار الأميركي.

احتكار “عقدة الضحية” وإهانة عرفات

        السردية الصهيونية المتمثلة بالتسليم وتبني الآخر رواية “المحرقة” كانت على رأس أولويات المنظمات الصهيونية، تارة تحت اتهام الناشطين العرب بمعاداة السامية، وأخرى لرفضهم الإقرار بما تعرّض له اليهود على أيدي ألمانيا النازية.

        في الشطر الأخير من شهر كانون الثاني/يناير 1998 كان رئيس م ت ف، ياسر عرفات، على موعد لزيارة واشنطن لجولة تفاوضية مع الرئيس كلينتون وبنيامين نتنياهو. وأقدم على اتخاذ “خطوة تصالحية” مجانية بطلب مسبق لزيارة “متحف الهولوكوست” في واشنطن العاصمة، عبر عضوي مجلس إدارته وأعضاء إدارة كلينتون في الآن عينه، دينيس روس ومساعده آرون ميللر. وجاءه رد مجلس الإدارة برفض سريع لطلبه “كضيف شرف.”

        شعور عرفات بالإهانة لم يكبح أو يعيق مساعيه للتقرب من اليهود وسردية الهولوكوست، فقام بزيارة متحف الشابة اليهودية “آن فرانك” في امستردام في 30 آذار/مارس 1998، مؤكداً للطواقم الصحافية أنه قام بالزيارة “ليرى بأمّ العين واقع وحقائق المعاناة التي تعرضوا لها.”

        سعى عدد من الكفاءات العلمية والنشطاء، عرباً وأجانب في أميركا، عقد مؤتمر في بيروت عام 2001 لمناقشة أهداف استغلال سردية “المحرقة” وتفنيدها، فتدخّل اللوبي الصهيوني بقوة للضغط على رئيس الوزراء اللبناني آنذاك رفيق الحريري الذي ألغى استضافة المؤتمر.

        برز في تلك الأثناء دور الاستاذ الجامعي الفلسطيني ادوارد سعيد في مناهضته تنامي تيار لتفنيد سردية المحرقة كحدث استثنائي استهدف اليهود دون غيرهم. وصَفَ سعيد في مقابلة مع صحيفة “الغارديان” البريطانية مسعى التيار بأنه “يرتقي لمرتبة معاداة السامية .. ومحاولة غير مجدية تؤدي لنتائج عكسية في سياق مكافحة الصهيونية.”

        وفي معرض تأبين الصحيفة اللندنية لإدوارد سعيد في 26 أيلول/سبتمبر 2003، أوضحت أن سعيداً “واجه معارضة من الفلسطينيين الذين اتهموه بالتضحية بالحقوق الفلسطينية عبر تقديم تنازلات غير مبررة للصهيونية.”

        وأردفت على لسان إدوارد سعيد قوله في العام 1977 “لا انكر مزاعم” اليهود في فلسطين، بموازاة “إقرار حفنة قليلة من الفلسطينيين وتسليمها بالروابط التاريخية لليهود في فلسطين.”

نال ادوارد سعيد عضوية “المجلس الوطني الفلسطيني” كمستقل في العام 1997، مدشّناً دوره الجديد بتبني سياسة “حل الدولتين ونبذ الكفاح المسلح،” التي أضحت سياسة رسمية للمجلس في العام 1988. ورحبت به وسائل الإعلام الأميركية منذئذ كسياسي يبرر “التنازل التاريخي للفلسطينيين نحو الدولة اليهودية.”

        تماثَل إدوارد سعيد مع الرواية الصهيونية بوعي وإصرار، ونحن لسنا بصدد تقييم انجازاته ومساهماته الفكرية والعلمية التي أبرزها مخطوطته الشهيرة “المسألة الفلسطينية” 1992، للتدليل على خطورة ما أرساه من توجهات، وما استتبعها من اختراق في الوعي الجمعي بإسهامات متتالية. ولا يزال اسم إدوارد سعيد مقروناً بالفرقة الموسيقية التي أنشأها شراكة مع “الموسيقي الاسرائيلي” دانيل بارينبوم عام 1999، كإنجاز تطبيعي ناعم.

التطبيع الفكري والسياسي عربياً

        لم تتوانَ الإدارات الأميركية المتعاقبة عن اشتراطاتها من كال الأطر النشطة والنخب الفكرية والأكاديمية، سواء في الساحة الأميركية أو في الوطن العربي بأكمله، العمل من أجل “إنهاء كل أشكال المقاطعة لإسرائيل، وإقامة علاقات اقتصادية وسياسية كاملة معها،” كمقدمة لتسهيل تمويل نشاطاتها، عبر وكالتها الدولية للتنمية “يو أس إيد،” أو منظمات رديفة أو جمعيات خيرية.

        الغزل الديبلوماسي، فلسطينياً وعربياً، للمنظمات اليهودية الأميركية ومفاصل القرار السياسي، بدأ بقوة مع اتفاقيات “كامب ديفيد،” واشتد عوده، واتسعت نشاطاته، وتنوعت أدواته، بعد تبني “م ت ف” الاعتراف “بالكيان الإسرائيلي” في العام 1988.

التنازل الرسمي لـ “م ت ف” شكل عاملاً مشجعاً لبروز عناصر حديثة العهد بالحضور السياسي أو الإنتاج الأكاديمي المتواضع في الساحة الأميركية، لكنها ارتأت الدخول من بوابة تبنيها السرديّة الصهيونية بالكامل، وكوفِئت بعضوية بعض مراكز الأبحاث “المؤثرة،” وكذلك بنشر اسهاماتها الضارة بالقضية العربية في كبريات الصحف الأميركية وغيرها.

بادرت إدارة الرئيس بيل كلينتون، عقب توقيع عرفات على اتفاق اوسلو، المسمى “إعلان المباديء،” في البيت الأبيض، والذي تضمّن تنازله عن فلسطين، بحثّها الخطى لتجسيد الاعتراف “بالكيان الاسرائيلي” ببرامج “اقتصادية – سياسية” متعددة، رفدتها بشخصيات عربية وفلسطينية، أبرزها كان برنامج “بنّاؤو السلام،” ورديفه مخيمات “بذور السلام” للشباب “الفلسطيني والاسرائيلي،” والأول أشرف عليه وترأسه نائب الرئيس آل غور، بشراكة من جيمس زغبي، في العام 1995، لدعم “نمو الاقتصاد الفلسطيني عبر أطر اتفاقيات أوسلو للسلام.” 

نظراً إلى ضيق المساحة، سنفرد بعض الأمثلة للتدليل على مدى الاختراق الصهيوني لتلك النخب المستجدة في الساحة الأميركية، فلسطينياً وعربياً.

فلسطينياً، تصدر مهام التطبيع عقب غزو العراق واحتلاله الطبيب المقدسي زياد العسلي، بتأسيسه منظمة “فريق العمل الأميركي من أجل فلسطين American Task Force for Palestine،” بتمويل سخي من مصادر “بعضها كان أثرياء فلسطينيين يدعمون حل الدولتين،” وكذلك من قيادات “م ت ف.”

وقد استُقبل العسلي بحرارة من كبريات المؤسسات الإعلامية الأميركية و”الإسرائيلية،” ولا سيما صحيفة “هآرتس” وإذاعة “صوت أميركا” وشبكات “فوكس نيوز” و “سي ان ان”، واستِضافَتِه للإدلاء بشهادة أمام لجان الكونغرس للترويج لحل الدولتين.

وفي العام 2007، انضم العسلي إلى الوفد الأميركي برئاسة نائب وزير الخارجية، كارين هيوز، لزيارة “الاراضي الفلسطينية في الضفة الغربية،” والاحتفال بإطلاق “برنامج مبادة الاستثمار للشرق الأوسط،” الذي تبنته وزيرة الخارجية كونداليسا رايس برفقة “رئيس الوزراء الفلسطيني” سلام فياض.

من أبرز انجازات الدكتور زياد العسلي وأخطرها، حضوره حفلاً في “سفارة إسرائيل” في واشنطن لإحياء “ذكرى الاستقلال،” في أيار/مايو 2012، والتقاطه صوراً تذكارية مع السفير “الإسرائيلي” مايكل أورن، مما اضطر عدداً من أعضاء مجلس إدارة منظمته إلى التحرك والمطالبة بإقالته ومستشاره الإعلامي حسين إيبش. وانتهت بعد ذلك منظمة العسلي.

        استقطب “معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى Washington Institute،” المؤسسة الفكرية للوبي “الإسرائيلي،” وربما الأشد تأثيرا، الناشط السابق في الحركة الطلابية بالجامعة الأميركية في بيروت، محمد الدجاني الداودي، وأفرَدَ له ولآخرين من “مستشارين للسلطة الفلسطينية،” عضوية المعهد مُسنداً إليه مهمة التصدي للرفض العربي والفلسطيني لمسألة توظيف الهولوكوست.

        وجاء في مقال مشترك نشرته صحيفة “نيويورك تايمز،” في 29 آذار/مارس 2001، للدجاني ورئيس المعهد روبرت ساتلوف “لماذا يتعين على الفلسطينيين معرفة الهولوكوست،” رداً على وصف الثنائي رفض الشعب الفلسطيني مساعي وكالة الإغاثة الدولية للفلسطينيين (الأونروا) ادراج الهولوكوست في المنهاج الدراسي لطلبة الوكالة في قطاع غزة.

        وعرّف الثنائي هويتهما بالقول: “نحن – مسلم-فلسطيني وعالم اجتماع، والآخر مؤرخ يهودي-أميركي – نعتقد أن الجواب هو نعم، نظراً إلى حرمان الطلبة العرب من دراسة تاريخهم الخاص وكذلك التاريخ العالمي.” ساتلوف يشغل منصب “المدير التنفيذي” للمعهد المذكور.

فلسطينياً أيضاً، برز الدكتور شبلي تلحمي، الذي يشغل استاذاً لكرسي بيغن-السادات للسلام والتنمية في جامعة ماريلاند، في العام 1997، بتمويل من جيهان السادات. اتخذت اسهاماته منحى استطلاعات الرأي “في المجتمعات العربية،” لقياس مدى ترويضها وقبولها للسردية اليهودية والأميركية معاً.

بحسب رأي “معهد واشنطن،”  فإن “تلحمي يُعتبر من بين الخبراء الأكثر احتراماً وفكراً ومعرفة وتوازناً في هذا المجال الفكري المليء بالاستقطابات” ولقي كتابه بعنوان “العالم بعيون عربية،” 2011، إطراءً عالياً من “معهد واشنطن” في مراجعته الوافية للكتاب في “شتاء 2014،” قائلا بالاستناد إلى مضامينه: من المثير للاهتمام .. أن السكان العرب الذي يقطنون إسرائيل يشعرون بالتعاطف مع ضحايا الهولوكوست اليهود بنسبة تزيد في المتوسط  4 مرات عن العرب الذين يقطنون ست دول عربية شملها الاستطلاع، وهي مصر والأردن والمملكة العربية السعودية والمغرب ولبنان والإمارات العربية المتحدة .. في المتوسط المرجح، أن ثلثي هؤلاء الذين تم استطلاع رأيهم في الدول العربية الست سوف يقبلوا حل الدولتين من أجل إنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بينما يرى ربع السكان فقط في هذه الدول أنه ينبغي على العرب مواصلة القتال مع إسرائيل إلى الأبد.”

عربياً، برزت عناصر تتبنى الموقف الأميركي-الصهيوني وسرديته من أمثال اللبناني فؤاد عجمي، الذي صعد نجمه صهيونياً وأميركياً في الساحة في الثمانينيات، وطرح نفسه على أنه من أتباع المؤرخ الصهيوني برنارد لويس (لحق به فيما بعد العراقي كنعان مكيّة في أوائل التسعينيات، وإن افتقد الأخير لأي موهبة، ما عدا الدعاية السياسية الفجّة لقصف العراق دون هوادة منذ عام 1991 وحتى احتلال بغداد).

كما برز الكاتب والمحاضر الجامعي اللبناني غيلبير الأشقر، مدّعي الانتماء للماركسية، في الساحة الأكاديمية بقوّة وسرعة ملحوظتين، بعد نشره كتابه بعنوان “العرب والهولوكوست،” في العام 2010،  معللاً اطروحته للصحافة الأجنبية بأن “الهولوكوست كانت تطهيراً عرقياً، وكانت أيضاً مأساة أكبر بكثير من عذابات الفلسطينيين منذ عام 1948.” (التشديد من عندنا).

واضاف الأشقر “أعتقد أيضاً أن نكران الهولوكوست في العالم العربي خطأ ومخادع وضارّ لقضية العرب والفلسطينيين.” (صحيفة “جروساليم بوست،”  15 أيار 2010.)

        شكلت مرحلة غزو العراق واحتلاله انتكاسة جديدة للعمل الوطني في الساحة الأميركية، رافقها تصعيد في مساعي التقرب والتماهي مع المنظمات الصهيونية على أرضية تخلّي “الجانب العربي” عن الحقوق الفلسطينية، وعلى رأسها حقه في العودة لوطنه.

        في مطلع الألفية الثانية، شهدت الساحة الأميركية إرهاصات متعددة لتحديد أفق النشاطات الوطنية على قاعدة التمسك بالقضية المركزية للأمة العربية، واجهتها تحركات معاكسة بتمويل سخي ومتعدد الهويات عبر استمرار التودد مع المنظمات اليهودية الأميركية.

        لضيق المساحة المتاحة سنتناول مسعىً بدأ بأعضاء برلمانيين في بريطانيا، في العام 2000، وانتقل إلى الولايات المتحدة، 2004، عنوانه “التيقن من تمثيل الفلسطينيين المغيبين من اتفاقيات اوسلو،” وايجاد حل لمسألة اللاجئين في أماكن تواجدهم.

        انطلق الجهد الاوروبي تحت مظلتي “سيفيتاس” و “بانوراما،” وحاولت “مديرة سيفيتاس” السيدة كرمة النابلسي من مقرها في جامعة اوكسفورد، انشاء منظمات رديفة في مدن الكثافة السكانية الرئيسة في أميركا، خلال جولة شملت معظم المدن الكبرى، بتمويل سخي من الاتحاد الاوروبي، كما أوضحت أدبيات سيفيتاس. انصبّت جهود النابلسي ومموّليها على استغلال حالة الاحباط العامة وغياب الأفق السياسي لـ “م ت ف” وقياداتها، ولاقت تجاوباً من بعضهم في البداية.

        كما لا بد من الإشارة أن تلك الفترة الزمنية التي اعقبت غزو العراق واحتلاله شهدت تحركات حثيثة موازية في اتجاه مماثل لاستقطاب النخب الفكرية والسياسية والعلمية، فلسطينياً وعربياً، في الساحة الأميركية، أرضيتها الاعتراف “بالكيان الاسرائيلي” وحجز موقع قدم في مسار التسوية.

تلك التحركات عمّرت فترة أطول عن مثيلاتها الأخريات، لكونها أتت بدعم وتمويل قَطَري مباشر عبر عضو الكنيست السابق عزمي بشارة، في الشق الفلسطيني الصرف.

يلاحظ تنامي المساعي الخليجية، وخاصة القَطَرية والإماراتية والسعودية، وتنافسها لتشكيل مؤسسات ومراكز دراسات خاصة بها في واشنطن، تعمل على شكل لوبي، وبحرص شديد على تجنّب تناول طرح القضية الفلسطينية ارضاءً لطلبات المنظمات الصهيونية النافذة في الداخل الأميركي، لا بل تتصرف على أساس أن التقارب معها يشكل الضمانة لتحقيق نفوذ داخل الإدارات الأميركية.

التيار الإسلامي والإحتواء الأميركي

مساعي تنظيم الجاليات الإسلامية يعود الى عام 1963 بتأسيس “الرابطة الإسلامية لأميركا الشمالية،” فرع تنظيم جماعة الإخوان، وحلقة الوصل بين التنظيم الأم والبيت الأبيض، كما تدل أدبياتها، تحولت إلى “الرابطة الإسلامية لأميركا الشمالية ISNA، في العام 1981، بتمويل سخيّ من السعودية. قدمت الإدارات الأميركية المتعاقبة تسهيلات ملحوظة لتلك التنظيمات، مدركة التقاطع في المصالح لمواجهة الخطر الشيوعي الذي كان الإتحاد السوفياتي يمثله.

شهدت العلاقة الرسمية الأميركية مع الإخوان تقلبات بحسب التطورات وكيفية توظيف العلاقة لصالح الأجندة الأميركية، من التعاون الوثيق خلال التدخل السوفياتي في افغانستان او الغزو الاميركي للعراق، الى حالة من التوجس والملاحقة بعد هجمات 11 أيلول/ سبتمبر، في ظل حالة الهلع والإسلامافوبيا التي شهدتها أميركا.

اشتدت حملة الملاحقة النشطة للمنظمات العربية المؤيدة للقضية الفلسطينية، وخصوصاً حركة حماس، في أعقاب هجمات أيلول/سبتمبر 2001، وشكلت نقطة تحوّل في توجهات وأجندات المنظمات الإسلامية، الطلابية والمجتمعية على السواء، وحرصت على تأكيد انتمائها والمبالغة بولائها للمجتمع الأميركي.

ولكن الأجهزة الأميركية تغاضت عن نشاط بعضها، وشجعت على بروز دور “رجال الدين” في صدارة النشاطات، أبرزها كان “المجلس الإسلامي الأميركي” الذي قامت السلطات الأمنية في عام 2003 باعتقال مديره التنفيذي عبد الرحمن العمودي بتهمة انتهاكه لقرار مقاطعة نظام العقيد معمر القذافي في ليبيا وتلقي أموال منه.

المنظمة الأخرى التي برزت فهي  “مجلس العلاقات الأميركية – الإسلامية – كير،” وريثة حركة الإخوان المسلمين، التي تأسست في العام 1994، تحت ستار منظمة للحقوق المدنية، ما دام سلّم أولوياتها لا يتضمن دعم القضية الفلسطينية.

يشار إلى حرص الحكومات الأميركية على عدم إدراج التنظيمات الإسلامية ضمن “المنظمات الإرهابية،” لا سيما إبان عهد الرئيس الأسبق باراك اوباما، وانفتاحه على التنظيم الأم (مصر) لفترة وجيزة، واختياره عناصر إخوانية كهمزة وصل بين إدارته والمنظمات الإسلامية، منهم المحامي السوري مازن الأصبحي، ولاحقاً السوداني محمد ماجد، رئيس مؤسسة ADAMS في ضواحي واشنطن العاصمة، الذي شارك الحاخام روبرت نوسانشوك (Robert Nosanchuk) بمبادرة لبناء الجسور بين التجمعات الدينية، وعُيّن كمستشار في كل من وزارة الأمن الداخلي ومكتب التحقيقات الفيدرالي.

طُلب من “كير” بدهاء، واستجابت لشروط التعاون الأمني مع الأجهزة الأميركية المعنية، “لمراقبة أي نشاط داخل الجالية ومساجدها يمكن تصنيفه دعما للإرهاب،” حسب التعريف السياسي الأميركي المقتصر على مناهضة السياسات الأميركية.

وهكذا حصرت تلك الأطر أنشطتها بالعمل المدني وحقوق أتباعها في التأقلُم والاندماج في العملية الانتخابية وإشاعة التقارب الديني، وخاصة مع المعابد والمنظمات اليهودية، في مسار تكاملي مع توجهات الأسرة السعودية الحاكمة، وايضا مع أسرة آل ثاني الحاكمة في قطر، والتي تساهم في تقديم الدعم المالي لـ “كير” تحت شعار “حوار الأديان.”

حركة مقاطعة “اسرائيل” 

نمت حركة المقاطعة الإقتصادية والثقافية والأكاديمية والفنية “لإسرائيل” في الولايات المتحدة “بي دي أس،” بالدعوة إلى سحب الاستثمارات من “إسرائيل،” وحققت نجاحات مهمة على صعيد الشركات التي امتنعت عن التعامل مع دولة “الإحتلال.”

وكذلك، تصاعدت النشاطات الطلابية في العديد من الجامعات الأميركية، مما دفع المنظمات الصهيونية إلى محاربة حركة المقاطعة بشراسة، إلى درجة تدخل الكونغرس لإصدار قرارات تجرّم المقاطعة. وقد حذت بعض الولايات التي يحكمها جمهوريون حذوه إلى تشريعات مماثلة.

        أجواء “التسوية السياسية” ومسارها اقتضى إقلاع مناضلي الأمس من فلسطينيين وعرب عن التحالفات التقليدية في المجتمع الأميركي، بين الأقليات والمضطهدين والسكان الأصليين، التي بنيت عبر العقود الماضية، وأثمرت دعماً وتأييداً لا ينبغي تجاهله.

        التشكيلات الناجمة عن تغيير البوصلة السياسية لم تصمد طويلاً أو تترجم مسار “الاعتراف بالكيان الاسرائيلي” بانجازات موازية أقلها الاعتراف بالحقوق “المشروعة” للشعب الفلسطيني.

تجدر الإشارة إلى أن أخطر أنواع التطبيع هو ما نشهده من سعي لإختزال الحقوق الفلسطينية بما يتم الترويج له من مشاريع اقتصادية وتعويضات أو تجنيس للاجئين في دول الشتات. وما يُدعى بـ”صفقة القرن” هوالتجسيد المتجدد لمحاولات وأد القضية الفلسطينية، بذريعة تقديم العون للشعب الفلسطيني.

 

2020-01-05-التقرير الأسبوعي

ترامب يستعجل إعادة فتح المرافق
الاقتصادية معرّضا العمّال للخطر

د. منذر سليمان و جعفر الجعفري

         تداعيات فايروس كورونا بدأت تتجذّر بصورة سوريالية على الداخل الأميركي، في ظل “التقصير” الرسمي وانكشاف أبعاده المخيفة. الإدارة الأميركية تستجيب لضغوط سوق المال والأعمال بضرورة استئناف الأعمال الاعتيادية وتنشيط عجلة الانتاج، مقابل انقسام شعبي ورسمي بيّن، محوره السلامة العامة ومراعاة الالتزام بإجراءات العزل والتباعد الشخصي.

         عضو فريق البيت الأبيض الصحي، الدكتور آنثوني فاوسي، حذّر من ميل ولايات ومدن متعددة “للقفز على متطلبات المرحلة الأولى من الإجراءات الفيدرالية لإعاد افتتاح المرافق قبل الأوان،” وذلك بالتباين مع توجهات الإدارة الأميركية في هذا الصدد.

         أكثر من نصف عدد الولايات الخمسين تجاوبت مع دعوة الرئيس ترامب لرفع إجراءات العزل، وإن تدريجياً بقرار من حاكم الولاية المعنية. بعض الولايات سمحت لقطاع التجارة بالتجزئة والفندقة والمطاعم بفتح أبوابها “مع الالتزام بتقييد العدد الأقصى للمواطنين المسموح لهم التجمهر في آن واحد.”

         المواطن الأميركي عبّر عن “ضيق وتذمّر” من حجرٍ لم يشهده مطلقاً وينتهك الضوابط في العصر الحديث. من بين الاحصائيات الدّالة أفادت شركة “يوناكاست،” المعنية برصد وتحليل بيانات الهواتف النقالة، أن يوم الجمعة، 25 نيسان/ابريل، شهد 103 مليون زيارة لمراكز التسوق، لكن بيانات المبيعات لم تتوفر على الرغم من تلقي قطاع لا بأس به من المواطنين شيكاً حكومياً مقطوعاً قيمته 1200 للفرد، لن يفي بمطالب الشعب الأميركي لإنقاذه من وطأة الجائحة.

         قلّة من الولايات، أبرزها “ساوث داكوتا” لم تُصدر أو تُلزم مواطنيها بأمر بالحجر المنزلي منذ بداية انتشار الفايروس، بينما سمحت سلطات ولايات أخرى باستئناف المرافق الصحيّة مهامها الاعتيادية، من ضمنها إجراء العمليات الجراحية.

         على الطرف المقابل، في ولاية مشيغان “تسلّل مئات المتظاهرين وبعضهم مسلحون” لمقر الكونغرس المحلي، دون ارتداء معظمهم للكمّامات الطبية، احتجاجاً على تمديد المسؤولين لحالة الطواريء والقيود السارية لمكافحة فايروس كورونا لنهاية شهر أيار/مايو الجاري.

أجهزة الشرطة المحلية هناك أفادت أن “كثيرين من المحتجّين هم من مؤيدي الرئيس ترامب.” عضوة الكونغرس المحلي السيناتور ديانا بولانكي أوضحت أن بعض زملاءها سارعوا لارتداء سترات واقية من الرصاص بعد صعود مسلحين على شرفة قاعة الاجتماعات.

         عودة مَرافق الاقتصاد الأميركي لنشاطاته بمعدلات أعلى من السابق لن تتم إلا بتدخل مباشر من الدولة المركزية، وفق الخبراء الاقتصاديين، الذين يشيرون إلى قرارات الرئيس ترامب يفرض بموجبها على بعض المصانع الكبرى انتاج مواد يحتاجها الاقتصاد بصورة عاجلة مثل الأجهزة والمعدات الطبية.

         استرضاءً لكبريات المؤسّسات التجارية أقدم الرئيس ترامب، بموافقة خصومة في الحزب الديموقراطي، على منحها “قروضاَ وهبات غير مقيّدة” قيمتها الأولية 500 مليار دولار، استفاد منها قطاع الطيران وصناعة السيارات والأغذية والمصارف الكبرى وآخرين. وضخّ أيضاً سيولة كبيرة في عجلة الاقتصاد لصالح مؤسّسات متوسّطة الحجم، لكن غالبيتها الساحقة ذهبت لجيوب كبار المستثمرين.

         يشير خبراء الاقتصاد الأميركي إلى أن تلك الوصفة، ضخ سيولة قوية، هي من سمات اقتصاد الحرب، مما قد يؤشر على نوايا المؤسسة الحاكمة في المرحلة المقبلة، لا سيما ضد الصين وروسيا وإيران، نشهد بوادرها في تعزيز الولايات المتحدة لتواجدها العسكري في المياه الإقليمية للصين وإيران.

         في السياق عينه، تقف مدينة نيويورك، العاصمة الاقتصادية للبلاد، على حافة الإفلاس وتعاني عجزاَ في موازنتها يبلغ “116 مليار دولار لعام 2020، ومرشح للارتفاع لنحو 123 مليار لعام 2021.”https://cbcny.org/research/nyc-debt-outstanding

         شريحة ذوي الدخل المحدود وما كان يعرف بالطبقة الوسطى هي المتضرّر الأكبر من عملية اغلاق الاقتصاد، التي تقلصت مداخيلها بمعدلات ملحوظة، وكانت عماد الإنتاج المدني من سلع وخدمات مختلفة. من غير المرجّح في المدى المنظور أن يحظى القطاع العريض المتضرر من الإغلاق بمساعدة مالية إضافية، على الرغم من التوسلات المتكررة للإدارة بذلك.

         يشار إلى أن الإدارة الأميركية استثنت من المعونات المالية المقررة قطاعاً واسعاً من العمال الموسميين يقدر بنحو 4،5 ملايين، بعضهم لا يحمل أوراقاً ثبوتية، والسواد الأعظم يُقتطع من أجره المتدني أموال لضرائب مركّبة.

         لخّصت يومية “نيويورك ريفيو” تفاقم الأزمة، اقتصاديا وصحياً،  بالقول إن “أميركا لم تكن يوما مصَمّمة لتوفير العناية لأولئك الذين يسهمون في بنائها، أو لمنحهم حقوقهم.” (27 نيسان/ابريل 2020).

         على الرغم من الضخ الرسمي من أموال استفادت منها المؤسّسات الكبرى بالدرجة الأولى، يرفض قطاع المصارف خفض أسعار الفائدة على ديون “البطاقات الائتمانية” التي ترزح تحت كاهلها تلك الشرائح المتضرّرة، وناهز حجم ديون تلك البطاقات العائدة للأسر الأميركية مليار دولار.

الإغلاق يؤدي للكساد

         قرار عودة الاقتصاد إلى وتيرة ربما أعلى من ذي قبل مرغوب ومطلوب في آن معاً، مهّدت له المؤسّسة الحاكمة بتدخل الدولة مباشرة بتوفيرها السيولة المالية، لكن من دون الإشراف المباشر على القطاعات الإنتاجية لضبط سيرورتها. القرار رمى أيضاً لطمأنة اليد العاملة إلى استئناف نشاطاتها بالاستناد إلى بيانات صحية مضلّلة تفيد بالتوصل للقاح يخضع للتجارب المخبرية.

         تنشط الإدارة الأميركية في تجنيد شخصيات مؤثرة في كافة المستويات لدعم قرارها باستئناف النشاط الاقتصادي، في ظل ضبابية وعدم اليقين من تأثير الفايروس على مجمل الاقتصاد، توظف فيه شبكة فوكس نيوز، وبالاستناد أيضاً إلى بعض التجارب الاوروبية، السويد مثلاً التي رفعت اجراءات الحظر، وأيّدتها منظمة الصحة العالمية.

         شهد شهر نيسان/ابريل المنصرم إغلاق بعض من أكبر مؤسّسات توريد اللحوم بكافة أنواعها، نتيجة إصابة بعض عمّالها بالفايروس. وانعكس ذلك على أماكن التسويق التي اختفى منها بعض تلك المنتجات. المفارقة أن أسعار اللحوم المتوفرة ارتفعت منذ انتشار الفايروس، بينما انخفضت أسعار الأبقار والثروة الحيوانية لدى المزارعين، وانهارت بعض المزارع تماماً.

         إحدى كبريات تلك المؤسّسات “تايسون فودز” شنت حملة إعلامية تحذر فيها من نقص الإمدادات وتضرّر شبكة التوزيع. وجاء في إعلان صحفي مدفوع الأجر “مسالخ تعبئة لحوم الخنزير والبقر والدجاج اضطرت لإغلاق أبوابها .. ستختفي ملايين الكميات (المعتادة) من شبكة التوزيع .. شبكة توريد الأغذية تنهار.”

         الرئيس ترامب بدوره تدخّل بتفعيل قرار رئاسي في حالات الطوارئ يُلزم فيه تلك المؤسّسات إعادة فتح أبوابها خلال الأزمة، خشية مزيد من التدهور الاقتصادي وتردي السلم الاجتماعي، ودرءاً لاستيراد اللحوم من البرازيل واستراليا لسدّ الحاجات المحلية.

         تصنيفات ومهارات اليد العاملة لن تعود إلى حالها السابقة في بعض القطاعات، خاصة الخدماتية وانتاج المواد الغذائية، من جراء تداعيات فايروس كورونا. ومن المرجّح أن تعاني تلك القطاعات من نقص في الأعداد والمهن الضرورية للمحافظة على معدلات انتاجية مقبولة.

         عانت الولايات المتحدة من نقص شديد في الأيدي العاملة في عام 1942، عقب دخولها الحرب العالمية الثانية، واضطرّت لإبرام اتفاقية مع المكسيك توفر بموجبها أيدي عاملة “لمديات قصيرة برواتب متدنية” لسد النقص الكبير، واستمر العمل بها لعام 1964، “استفاد” منها نحو 4،5 مليون عامل تعرّض معظمهم لحالات من الاضطهاد وتدني الأجور والملاحقة والتسفير، كما هو الحال في المرحلة الراهنة.

         المؤسّسات الإنتاجية الأميركية التي استأنفت نشاطاتها، وفازت بمعونات وهبات مالية، لم تستطع توفير بيانات مؤكدة حول حجم الأضرار التي تعرّضت لها أو المنافع العائدة عليها، أو التأكيد بأن مصدر الأضرار ناتج عن انتشار الفايروس.

         تحتل الولايات المتحدة المرتبة الأولى بين الدول الصناعية، مجموعة العشرين، لحجم اليد العاملة التي لجأت لبرامج المعونة نتيجة فقدانها فرص العمل، نحو 15% وفق  البيانات المتوفرة. بالمقارنة، شهدت ألمانيا تقلصاً في عدد العمال للحصول على المعونات الرسمية، نحو 20% (دراسة “لمعهد بروكينغز،” 27 نيسان/ابريل).

         وزعمت الدراسة أنه لا توجد “علاقة واضحة بين سياسة الابتعاد الشخصي وحجم الضرر الاقتصادي،” على الرغم من استنادها إلى بيانات واحصائيّات ضئيلة حين توفرها، مما سيعزز توجهات الإدارة الأميركية وأرباب كبريات الشركات الدفع باتجاه استئناف عاجل لعجلة الانتاج الاقتصادي.

         غاب عن الدراسة الإشارة إلى الدوافع المالية التي تتحكم بالقرار السياسي. عودة بعض القطاعات العمالية لوظائفها سيوفّر على الدولة الفيدرالية وصناديق التعويض عن العمل في الولايات المحلية أموالاً كبيرة سرعان ما استنفذ جزء ليس يسير من تلك الصناديق، من دون أفق واضح.

         محصلة الأمر أن القوى العاملة، عمّالاً وموظّفين، ستضطر للعودة إلى ممارسة أعمالها، ولو جزئياً، من دون توفير الدولة والأجهزة المحلية المختصة ضمانات صحية، ومن يتعرض للإصابة سيتم استبداله بآخرين بصرف النظر عن تحذيرات المرجع الصحي الأعلى في طاقم البيت الأبيض من مخاطر العودة المبكّرة من دون احتواء الفايروس.

الاستغلال البشع لليد العاملة قبل كورونا مستمر خلالها، وبدلا من أن يكون عيد العمال مناسبة للإحتفاء بدورها الحيوي في عجلة الحياة لكل المجتمعات، يتم تعريضها لأقصى المخاطر من دون تقديم أدنى الحقوق والمكتسبات.

2020-24-04-التقرير الأسبوعي

انكشاف الجهوزية الأميركية بسبب كورونا

د. منذر سليمان و جعفر الجعفري

من أبرز تداعيات جائحة كورونا حالة الإرباك داخل المؤسّسة العسكرية الأميركية، وتضارب التصريحات الرسميّة حول انعكاساتها على حالة “الجهوزية” للقيام بمهامها وفق الاستراتيجيات المعدّة، رافقها حجب قادة البنتاغون معلومات حقيقية عن إصابة طواقمها البحرية مما أخرج 4 حاملات طائرات عملاقة وما لا يقل عن 5،000 جندي من “الخدمة .. في مواجهة الصين، ومن ثم إيران،” وذهب بعض المحلّلين العسكرين توصيف الأمر بأنه انهيار للمنظومة السائدة وتقويضٌ لجهوزية القوات العسكرية.

         تكهّنت صحيفة واشنطن تايمز المحافظة، 31 آذار/مارس، بجدية تَحدي كورونا بأنه “الأعظمْ أمام القيادات العسكرية الأميركية منذ عقود” والتي سعت إلى مزاوجة استمرار حالة “التأهّب بين القوات في مراقبة تهديدات الأعداء وفي الوقت نفسه تحصين القوات النظامية من تفشي الوباء.”

واستدركت الصحيفة بالإشارة إلى طبيعة بنى القوات المسلّحة وهياكلها، بفروعها كافة، التي كانت ولا تزال، “حاضنة وناقلة للأمراض في آن معاً .. والتي ستتأثّر جهوزيتها على الأرجح نتيجة لانتشار الوباء.”

         المحافظة على الجهوزية العسكرية، في القوات الأميركية، تستند إلى قاعدة مركبة من الاعتبارات، أبرزها بالطبع الموارد والمعدات والأسلحة المطلوبة لكل فرع من فروعها المتعددة. المفهوم عينه لدى القيادات العليا في المؤسّستين السياسية والعسكرية ينطوي على جملة مستويات: الأولوية تحاكي التطابق بين الاستراتيجيات المعتمدة وقدرة القوات على مواجهة التحديات المطروحة، الصين وروسيا مثلاً، وبلورة توجهات جديدة وفق الحاجة.

         وهناك بعد تجاري في مسألة الجهوزية يُستخدم كمبرر للحصول على ميزانيات إضافية، خارج الميزانيات السنوية المقررة، وما يرافقها من أسلحة جديدة أو أخرى بحاجة للتحديث، كلما حانت الفرصة.

         مفهوم الجهوزية، وفق تعريف وزارة الدفاع الأميركية، ينطوي على “قدرة القوات العسكرية للقتال وتنفيذ المهام المسنودة إليها،” ويشكّل “أداة تستخدمها الولايات المتحدة للتأثير على آليات تفكير الدول الأخرى وتصرّفها.” (صحيفة “واشنطن بوست،” 19 آذار/مارس 2020).

معيار الجهوزية لدى القوات المسلحة يستند إلى مدى “تطابقها مع حلقات الجهوزية وأهدافها .. وضع القوات، مدى انجازها لتدريباتها، أسلحتها، ومصادر إمدادها.” التزود بالمؤن والذخيرة وما شابه يعتمد بشكل واسع على سفن سلاح البحرية ومخازنها المنتشرة على رقعة جغرافية واسعة.

صيانة تلك المخازن عمل مستمرّ للحفاظ على صلاحيتها. عدد من دراسات البنتاغون اشار إلى “الحالة الرثة” لعدد لا بأس به من تلك المواقع، تفاقمها “طواقم صيانة غير متمرسة وتعاني من الالتزام بإنجازمهامها وتخطيها المواعيد المقررة.” (صحيفة “واشنطن بوست.”)

         النخب الفكرية الأميركية ومراكز الأبحاث أكدت أيضاً التداعيات المتتالية لتفشّي الوباء متسائلة عن الآليات المتوفّرة “للإبقاء على جهوزية القوات العسكرية .. لحين الاستدلال على لقاح مضاد تحقن به القوات.”

وأعربت عن اعتقادها بأن حالة الإرباك ستستمرّ “لنهاية السنة الحالية وبداية العام 2021، وربما تبلغ نسبة التردي نحو 10-20%.” (معهد “بروكينغز،” 22 نيسان الجاري).

         ينبغي التشديد على أن ما تتعرض له القوات العسكرية الأميركية، نتيجة تفشي الوباء، هي مسألة عرضية حتى لو طالت مدتها، لا سيما وان أعداد المصابين تبقى ضمن نسبة متدنية مقبولة هي 10-20% وفق إحصائيات البنتاغون و “تطميناته.” وباستطاعة القيادات العسكرية العليا تعديل أولويات “المهام الاستراتيجية” لتتناسب مع مجمل الأوضاع العامة، كما هي الحال في القوات العسكرية للدول الكبرى الأخرى.

         السيناريو الأسوأ للبنتاغون، والناجم عن تقويض جهوزية بعض الوحدات العسكرية، يكمن في “انهيار سريع لحالة القوات العسكرية كما شهده بحارة حاملة الطائرات روزفلت،” معطوفاً على “اضطرار القيادة العسكرية إلى إغلاق بعض القواعد العسكرية الرئيسة أو وضع وحدات بأكملها في الحجر الصحي لعدة أسابيع.” (صحيفة “واشنطن تايمز،” 31 آذار/مارس).

تنامي المخاوف المذكورة لم يمنع الرئيس الأميركي من الاستمرار في منسوب تصعيد التوتر مع إيران، بدءاً من انسحابه من الاتفاق النووي وإلى اللحظة، بتصديره “تعليمات” صادرة عن القائد الأعلى للقوات المسلحة لسلاح البحرية الأميركية في مياه الخليج “بتدمير أية زوارق إيرانية، إذا ما تحرشت بسفننا في البحر.” (تغريدة الرئيس ترامب، 22 نيسان/ابريل).

         قرار الرئيس ترامب، عبر تويتر، استند إلى رواية سلاح البحرية الأميركية، قائلاً إن “11 زورقاً حربياً تابعاً للحرس الثوري الإيراني قام مراراً وتكراراً بسلوكٍ خطيرٍ ومضايقات ضد السفن البحرية الأميركية العاملة في المياه الدولية.”

         في تلك الأثناء، أطلقت إيران قمراً اصطناعياً وصل مداره المُعدّ بنجاح، ما أثار موجة نقدٍ شديدةٍ وتجديدٍ لنزعة المواجهة العسكرية بالزّعم أن طهران تنوي التمكن من “إطلاق رأس نووي،” باستخدام التقنية عينها، من دون دليل. جاء الرد سريعاً ومن عدة مستويات في موسكو، بأن لإيران الحق في إطلاق أقمار إصطناعية، ولا سيما انها لا تنتهك بذلك القوانين الدولية.

         وفي الفترة الزمنية عينها، شهدت مياه البحر الأبيض المتوسط اعتراض مقاتلةٍ روسيةٍ من طراز “سوخوي-35” طائرة استطلاع أميركية “من طراز بي – 8 بشكل خطير وغير آمن، بينما كانت تحلق في المجال الجوي الدولي.” وأوضح بيان للبنتاغون أن المقاتلة “الروسية قامت بإجراء مناورة صدامية وبسرعة فائقة على مسافة 25 قدم مباشرة أمام الطائرة” الأميركية، دامت نحو 42 دقيقة.

         بالتزامن مع حادثة الاعتراض، أصدرت قيادة القوات الفضائية في سلاح الجو الأميركي بياناً يشير إلى “إجراء موسكو اختباراً لصاروخٍ مضادٍ للأقمار الاصطناعية،” (15 نيسان).

         أما على الأرض، فقد شرعت روسيا في تعزيز وجودها في شرق نهر الفرات من الأراضي السورية بمواجهة مباشرة مع القوات الأميركية، ولا تزال احتمالات الاشتباك “المحدود” بينهما مرجّحة أكثر من ذي قبل.

         كما شهدت الآونة الأخيرة تضافر عددٍ من “التحديات” للنفوذ الأميركي، أبرزها في الحركة النشطة للسفن الحربية الصينية في بحر الصين الجنوبي، إضافةً إلى قرار بكين تعزيز الطلعات الجوية والدوريات البحرية التي تجوب المياه على مَقربة من جزيرة تايوان.

         من جانبها، نشرت القوات الأميركية قوة بحرية بديلة عن حاملة الطائرات “روزفلت،” قوامها السفينة البرمائية “أميركا” وعلى مَتنها 5 مقاتلاتٍ من طِراز “إف-35” وعددٍ من المروحيات للمرابطة في مياه بحر الصين الجنوبي، مقابل حاملة الطائرات الصينية الحديثة “لياونينغ” التي دخلت الخدمة مؤخراً. وذلك إضافة إلى القطع الحربية الأخرى في المحيط الهاديء التي حافظت على ابتعادها عن مصادر الاحتكاك بالفايروس وبقيت “سليمة،” وتستطيع تنفيذ مهامها العسكرية المرسومة إن اقتضى الأمر.

         كما أن الأوضاع في كوريا الشمالية لا تسرّ الجانب الأميركي، سواء في إطلاق الأولى تجربة صاروخية ناجحة مؤخراً، أو فيما يتردد بأن الوضع الصحي للزعيم كيم جونغ اون “مقلق،” عقب أنباء مصدرها موقع الكتروني ممول من “مؤسسة الدفاع عن الديموقراطية” في واشنطن، تزعم أنه تعرض لعملية جراحية، وحالته “حرجة .. وغاب عن الظهور في احتفال مركزي” لبلاده. ولا تزال التقارير غامضة حول حقيقة  الأوضاع في العاصمة بيونغ يانغ، باستثناء زيارة فريق صيني “يتضمن اختصاصيين في الطب” إلى العاصمة.

         بعض النخب الفكرية الأميركية، ممثلة في نشرة “فورين بوليسي،” حذرت من استسهال الانجرار خلف “إشاعات مزوّرة حول وفاة وشيكة لكيم جونغ أون.. وربما الإشاعة المقبلة قد تزعم أنه اقترب من شنّ هجوم نووي.” وحثّت صنّاع القرار، لا على توخي الحذر فحسب، بل أيضاً على انتهاج سياسة أكثر واقعيّة لتفادي اندلاع نزاع جديد، من ضمنها تطبيع العلاقات وتبادل السفراء. (24 نيسان/إبريل 2020).

         من غير المرجّح أن تقدم الولايات المتحدة على اتخاذ اجراءاتٍ لتعديل حجم وجودها ورقعته في شبه الجزيرة الكورية، حيث لا يزال شبح انتشار وباء كورونا ماثلاً، بينما ستستمر التعزيزات العسكرية الأميركية في مياه الخليج ومضيق هرمز وبحر العرب، وقد تتدحرج الأوضاع إلى اشتباك محدود ومحسوب من الطرفين، درءاً لاندلاع حربٍ مباشرةٍ مكلفة ومدمرة للمنطقة.

         عند إضافة عامل النفط وما تعرضت له الأسواق العالمية من انهيار في أسعار الخام الأميركي وتقلص في أسعار النفط الأخرى، باستطاعة المراقب التكهن بنشوب اشتباكاتٍ عسكريةٍ محدودة من شأنها رفع أسعار النفط الخام إلى مستوياتٍ أعلى بقليل مما هي عليه الآن، كما يطالب بذلك قطاع منتجي النفط الأميركي. كما أن لإيران مصلحة موازية في التأثير والاستفادة من ارتفاع اسعار النفط،  وتبقى الخشية من تدهور الأوضاع  وانزلاقها نحو الأسوأ هي الفيصل.

         سوريا ستبقى ساحةً للصراع والتنافُس ومحاولة واشنطن تأخير قرارها بالاضطرار إلى الإنسحاب، وخصوصاً عند الأخذ بعين الاعتبار تقلص حجم التواجد العسكري للأسطول السادس الأميركي في مياه المتوسط، والتفاتِه إلى منطقة الخليج لمُساندة القوات الأخرى، والذي فسّر كأحد العوامل التي عزّزت جرأة القوات الجوية الروسية على تحديها للقوات الأميركية في المنطقة.

إحدى ركائز الإنتشار العسكري والنفوذ العالمي لأميركا تستند الى القدرة الفائضة لسلاح بَحريّتها، ويبدو أن كورونا أحدث انكماشاً غير مسبوقٍ في قوّتها البحرية تسعى جاهدة إلى إخفائه.

2020-17-04-التقرير الأسبوعي

بايدن أمام قرار تاريخي حاسِم

 مَن سيختار لنائب الرئيس ؟

منذر سليمان ، جعفر الجعفري – واشنطن

دشن الرئيس السابق باراك أوباما دخوله العَلني في السباق الرئاسي بظهورٍ متلفَز لمدّة 12 دقيقة، لدعم المرشّح الأقوى المُتبقي جوزيف بايدن، بعد انسحاب مُتتالي لمُنافسيْه، بيرني ساندرز واليزابيث ووران. البُعد الأهم في رسالة اوباما هي في تثبيت حضوره وما يمثله من إرث ونفوذ بارزَين بين الناخبين، ولا سيما شرائح السود وذوي الأصول اللاتينية.

         من بين أهم عناصر فوز الرئيس اوباما في ولايتين سابقتين تصدّره وسط قطاع الشباب  معطوفاً على حماسته وقُدرته على سرعة التحرّك، وهو العنصر الذي ميّز حملة المرشّح بيرني ساندرز أيضاً، خاصة الشريحة العُمرية بين 18-29 عاماً. عنصر  افتقدته حملة جو بايدن، إضافة إلى عوامل أخرى كانت من نصيب مُنافسيْه المذكورين.

         وعليه، يجمع أخصائيو استطلاعات الرأي والبيانات الانتخابية على أن عناصر القوة للحزب الديموقراطي تتمثل في ثلاثة شرائح: قطاع الشباب والمرأة والأقليات أبرزها السود وذوي الأصول اللاتينية. وأن أي خَلَل أو  تراخٍ  في مدى تأييد أيّ منها مُنفردة أو مُجتمعة سيقضي على حظوظ  الفوز الحزب.

         في معرض استعراضها لسجل جو بايدن وأعبائه الثقيلة، حدَّدت يومية نيويورك تايمز، 14 نيسان/ابريل الجاري، العناصر التالية: فشله في تحفيز وتأييد قطاع الشباب في الانتخابات التمهيدية، خسارته المتدرّجة والثابتة لأصوات اللاتينيين، فُقدانه لعنصر تحفيز  وحماس القاعدة الانتخابية “كما فشلت المرشّحة هيلاري كلينتون في تحفيز الناخبين قبله.”

وشدّدت الصحيفة المذكورة على محورية حرارة الحماس في الحملات الانتخابية، إذ أن  مؤيدي الرئيس ترامب يتمتّعون بمنسوبٍ عالٍ من الاندفاع  “أعلى بكثير من مؤيّدي بايدن.”

وعلى هذا الأساس وبهذه الخلفية ينبغي قراءة صمت الرئيس السابق باراك اوباما في بداية السباق الرئاسي، ودخوله بقوّة وحَزم لمُساندة نائبه السابق جو بايدن والذي  تشوب حملته تحفّظات وشكوك داخل الحزب الديموقراطي، خاصة في قطاع المرأة على خلفيّة عدم مُحاصرته لمُرشّح المحكمة العليا عن الحزب الجمهوري كلارينس توماس، أيلول/سبتمبر 1991، بعد اتهامه بالتحرّش الجنسي، وكذلك سطحية منسوب شعبيّته بين صفوف السود (الأميركيون من أصول افريقية.)


اعتبارات اختيار نائب الرئيس

تجري عملية اختيار “نائب الرئيس” من مُرشّحي الحزبين، وفق أصول التوازُنات الانتخابية الأميركية، وتتحكّم بها جملة عناصر أبرزها الأخذ بعين الاعتبار التمثيل الجغرافي لشخصية النائب إلى جانب عُمق خبرته السياسية.

التمثيل الجغرافي ليس قاعدة يُحتذى بها، بل عُرف تفرضه الظروف والعوامل الانتخابية بشكل عام، لإرضاء بعض القطاعات الرئيسة والمصالح الاقتصادية المعنية في اعتبارات قيادات الحزبين.

بهذه الخلفية، اختار المُرشَّح السابق باراك أوباما، ذو الخبرة السياسية المتواضِعة، نائبه السيناتور جو بايدن: الأول من أواسط البلاد والثاني من الساحل الشرقي ولديه سجل حافل في الكونغرس ولجانه النافذة. وكذلك فعل الرئيس الأسبق جون كنيدي، من الساحل الشرقي، باختيار نائبه ليندون جونسون من ولاية تكساس الجنوبية. وفعل أيضاً الرئيس ترامب الآتي من ولاية نيويورك على الساحل الشرقي باختيار نائبه مايك بنس من ولاية انديانا في وسط البلاد ولتمتُّعه بتأييد التيار المتشدد في الحزب الجمهوري.

عند استعراض العناصر التي سيأخذ بها المُرشّح جو بايدن لاختيار نائبه، تنبغي الإشارة إلى تراجع عامل الخبرة السياسية كشرطٍ متوفر في نائبه، نظراً إلى خبرته السياسية الشخصية، لكنه بحاجة إلى مُرشّح أو مُرشّحة لسدّ الثغرات الجماهيرية وتمثيل القطاعات الأشدّ احتياجاً  لها  لضمان الفوز .

في السياق عينه، يتعرض المُرشّح جو بايدن إلى جملة تحفظّات على أهليته العقلية، نظراً لتقدّمه في العُمر – 77 عاما، وبسبب بعض تصريحاته غير المُتوازِنة خلال المُناظرات الرئاسية، والتي يعتبرها بعض المُراقبين في واشنطن بأنها دليل  على أن بايدن “عاجز تماماً على تذكّر حقائق أساسية بسيطة .. والتساؤلات  حول  حالته  الصحية  أضحت سراً  مُتداولاً في واشنطن.”

الطبيبة والمرشّحة الرئاسية السابقة عن حزب الخضر، جيل ستاين، علّقت بقولها إن بايدن “اختلط عليه الأمر بين شقيقته وزوجته، ونسي إسم الرئيس اوباما .. الخطر الأكبر يكمن في تراجع قدرته المعرفية” (7 آذار/مارس 2020).


الُمرشّحة لمنصب نائب الرئيس

ألزم المُرشّح جو بايدن نفسه باختيار امرأة كنائبةٍ له، في إحدى المُناظرات الانتخابية. بينما أعرب نحو 41% من الناخبين عن أهمية اختيار بايدن لشخصية مناسبة  أكثر ليبرالية من توجّهاته، دون اعتبار للجنس.

دخول الرئيس السابق بقوّة على الحملة الانتخابية عزَّز توقّعات المُقربين من بايدن بأنه يميل إلى اختيار أمرأة سوداء.

قائمة المُرشّحين لمنصب نائب الرئيس، وفق استطلاعات الرأي وتوجّهات قيادات الحزب الديموقراطي تشمل التالي:

المُرشّحة السابقة والسيناتور عن ولاية كاليفورنيا كمالا هاريس، التي تحظى بتأييد الرئيس اوباما تقديراً لخدماتها الجليلة لإدارته السابقة.

أما القاعدة الانتخابية من السود والليبراليين فلديها جملة تحفّظات على هاريس، على الرغم من بشرتها السوداء، أبرزها سِجِلّها المُعادي للسود وذوي الأصول اللاتينية إبان شغلها منصب المدّعي العام لولاية كاليفورنيا، لتواطؤ مكتب المدّعي العام مع شبكات المخدّرات ما أسفر عن إخلاء سبيل نحو 1000 حالة من تجّار المخدّرات، ولجهودها أيضاً في إخفاء أدلّة جنائية كان من شأنها إطلاق سراح متَّهم حُكِم عليه بالإعدام، واضطرارها إلى الامتثال لقرار المحكمة بتوفير الأدلّة بعد تباطؤ وتأجيل.

المرشّحة الأخرى هي السيناتور والمرشّحة السابقة للرئاسة آيمي كلوبوشار، الآتية من منطقة ولايات الوسط الهامة في التوازنات الانتخابية، ولاية منيسوتا، التي مالت إلى تأييد الحزب الجمهوري في جولة الانتخابات الرئاسية السابقة.

حاكمة ولاية مشيغان، غريتشتن ويتمر، أيضا من ولايات الوسط الهامة، أثبتت جدارتها بإدارة فعّالة لوباء كورونا وإن شابها بعض التردّد والتقلّب في آليات التطبيق سُرعان ما نفّذت إجراءات مشدّدة لاحتواء الفايروس. الرئيس ترامب، من جانبه، حرّض قواعده الانتخابية في الولاية للتظاهر ضد ويتمر أمام مقر الولاية والمطالبة بـ “تحرير مشيغان” من سيطرة الحزب الديموقراطي.

السيناتور والمرشّحة السابقة إليزابيث ووران حازت على إطراء نادر من المرشّح جو بايدن عقب انسحابها وإعلان تأييدها له، وصرّح وقتها قائلاً “أفتخر بانضمام مناضلة شرِسة، السيناتور ووران، إلى جانبي.”

لكن العلاقة بينهما مشوبة باختلافات وعدم اتفاق، منذ عام 2005، وفق سردية مجلة ذي نيويوركر الأسبوعية، 15 نيسان/ابريل الجاري، حين أيّدت  ووارن مشروع قرار لتشديد الرقابة على إجراءات الإفلاس للشركات الكبرى مقابل تأييد بايدن لمشروع أقل تشدّدا. واضافت المجلة أن الأخير أقرّ “بهجومها القاسي عليه” عام 2013 إبان تصويت مجلس الشيوخ على عضويّتها فيه، مُستدركاً أن أداء ووران في هذا المنصب “سيكون رائعاً.”

وبحسب تحقيق صحيفة نيويورك تايمز، 14 نيسان/ابريل الجاري، فإن المُرشّح بايدن، ومنذ فوزه الواقعي بترشيح الحزب الديموقراطي، بدأ يميل لتبنّي توجّهات السيناتور ووران “حول عدد من القضايا، من ضمنها (ضرورة) إصلاح نظام الإفلاس.”

السيناتور من ولاية ويسكونسن تامي بولدوين، أيضا من ضمن قائمة المُرشّحين لمنصب نائب الرئيس، مع إدراك حقيقة توجّهها، مثلية الجنس، وقدرتها على مواجهة مساعي الحزب الجمهوري لإسقاطها في الانتخابات النصفية الماضية. توجّهاتها العامة تميل إلى التيار الليبرالي بموازاة توجّهات اليزابيث ووران وبيرني ساندرز، لكن حضورها السياسي ضعيف ضمن الحزب الديموقراطي.

المُرشّحة السابقة لمنصب حاكم ولاية جورجيا، ستيسي آبرامز، كان بإمكانها أن تشكّل سابقة في ولايتها المحافظة كأول امرأة سوداء تفوز بالمنصب، وتحظى بدعم قوي من قطاع المرأة، لكنها قليلة الخبرة السياسية.

قاعدة تأييدها للمنصب أتت من قبل يومية نيويورك تايمز، 14 نيسان/ابريل، التي ناشدت المُرشّح بايدن بالنظر إلى ما تمتلكه من مؤهلات وقاعدة دعم هو بحاجة ماسة إليها بين قطاع الشباب، خاصة وأن آبرامز “تفوّقت بمنسوب التأييد الشعبي للشباب على المُرشّح الرئاسي باراك اوباما في ولاية” جورجيا بنسبة 30%.

السيناتور عن ولاية نيفادا، كاثرين كورتيز ماستو، من أصول لاتينيةٍ تتمتّع بتأييد نظرائها من أصولٍ مُشابهة، وهو قطاع بالغ الأهمية للحزب الديموقراطي.

باختيارها لمنصب نائب الرئيس سيحظى بايدن بدعم عريض لقاعدة أخفق في كسبها كونها المرة الأولى التي تصعد فيه مُرشّحة من أصول لاتينيةٍ إلى منصب سياسي حسّاس مُتقدّم، وكذلك للوجود القوي لتلك القواعد في ولايات كولورادو وكاليفورنيا ونيفادا. وتتمتّع السيناتور كورتيز ماستو بدعم صريح من رئيس مجلس الشيوخ الأسبق وممثل ولاية نيفادا، هاري ريد، الذي لا يزال يُشكّل مركز ثقل مُعتبر داخل الحزب الديموقراطي.

         المُرشّحة الأخرى ضمن قائمة الاحتمالات هي حاكم ولاية نيو مكسيكو، ميشيل لوهان غريشام، وهي أيضاً من أصولٍ لاتينيةٍ ومن شأنها تعزيز اللحمة ووحدة الحزب الديموقراطي بين قطاعاته المختلفة. صعد نجم حاكمة الولاية غريشام بتصدّيها ومعارضتها لسياسات الرئيس ترامب حول “تجييش الرقابة على الحدود الجنوبية” مع المكسيك، لا سيما عند معبر “إل باسو” الشهير الذي شهد اشتباكات عديدة بين مسلّحين أميركيين ومهاجرين.

         اختيار الأوفر حظاَ من بين القائمة السابقة لمنصب نائبة الرئيس أمر ليس سهلاً. من أبرزها السيناتور والمُرشّحة السابقة آيمي كلوبوشار على خلفيّة تأييدها المُبكر للمُرشّح بايدن، والذي أسهم في فوزه بانتخابات “الثلاثاء الكبير،” وما تمثله كذلك من رصيد يعوّل عليه في ولايات الوسط. عناصر تحظى أيضاً بترجيح كفّتها لدى قيادات الحزب، مدعومة بتأييدها لسياسات المؤسّسة الحاكِمة، لا سيما ميزانيات الدفاع، خلال الفترة السابقة.

         على الرغم مما تقدّم، فإن كلوبوشار قد لا تكون الخيار الأنسب لقواعد الحزب العريضة، لا سيما مؤيّدي السيناتور بيرني ساندرز وكذلك الأمر لمؤيّدي إليزابيث ووارن، وهو عامل سيصعد على سلّم أولويات الحزب لاختيار امرأة سوداء أو من أصولٍ لاتينيةٍ ربما، وتكريم اللواتي لم يفزن بالاختيار بمناصب عُليا في الإدارة المقبلة، تعزّز حضور المرأة والأقليات في آنٍ واحد.

حظوظ ووارن كإختيار مُرجّح تبقى قوية بسبب قوّة التيار اليساري في القاعدة الإنتخابية الديموقراطية ورجحان نسبة المؤيّدين لأطروحات التيار في مُعالجة الملفات الإقتصادية والرعاية الصحية خلال أزمة كورونا.

إختيار نائب الرئيس يرتدي طابعا هاما جدا في هذه الجولة من الإنتخابات لأن المُرشّح سيكون عملياً الرئيس المُنتَخب أيضاً في حا تعرّض بايدن لما يمنعه من شغر المنصب في الدورة الأولى، عدا عن كونه/ا المرشحة التلقائية للرئاسة في الدورة الثانية عام 2024  في حال فاز الحزب الديموقراطي بانتخابات نوفمبر/تشرين الأول 2020.

2020-10-04-التقرير الأسبوعي

سيناريو أزمة استمرارية السلطة
في أميركا وكابوس كورونا

 

         أولويات المؤسسة الأميركية الحاكمة مركَبة بطبيعتها، يتصدرها خطاب إعلامي يقفز ليحاكي مرحلة ما بعد انتهاء الفايروس وما ستؤول إليه الأوضاع العالمية، ويتكهّن إما بفوز الصين وإما باستعادة أميركا هيمنتها السابقة. بيد أن العنصر الآخر المغيّب عن التداول يتمحور حول قمة السلطة عينها، في ظل أداء المؤسَّسة الباهت على الصعيدين الداخلي والعالمي، وكذلك مصير المنصب الرئاسي في حال فتك الفايروس برأس الهرم، ترامب ونائبه بينس، ومن سيتحكم بصنع القرار – أفراداً ومؤسَّسات.

سنسلط الضوء على الديناميكيات الداخلية والمتفاعلة مع المؤسسات المختلفة  في بلورة القرار السياسي الرسمي، ومدى الاستعداد الجمعي للتحدي الفريد المتمثل بالفايروس، ولا سيما أنه “قد” يصيب أي فرد، مهما علا شأنه.

بعبارة أخرى، ما العمل في ظل إصابة رأس المؤسَّسة أو فرض الحجر الصحي عليه، ناهيك بإمكانية دخوله إلى العناية الفائقة؟ ومن سيتصدر القرار السياسي أو يتحكم بصنعه.

 

علاقة الفايروس بالبديل القيادي

         بداية، في حال تعرض الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونائبه مايك بينس للإصابة بالفايروس، وخصوصاَ أن البيت الأبيض لا يطبق إجراءات “التباعد الجسدي والوقاية بارتداء الكمامات،” فالنصوص الدستورية الراهنة لا تنص على تراتبية سلسة لاستخلاف قمة الهرم، بل تسهب في تفصيل الشروط لاستبدال الرئيس في حال الوفاة، أو الاعتكاف، او العجز عن القيام بمهامه، أو توفر موافقة أغلبية من وزراء حكومته بإقالته وتسليم المنصب لنائب الرئيس.

         برزت تلك الفرضية إلى الصدارة بعد إصابة رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون بالفايروس، ونقله إلى العناية المركّزة، ثم تسلم “نائبه الفعلي،” وزير الخارجية، لمهامه دستورياَ، في ظل نصوص وأعراف قانونية مبهمة في البلاد حول شرعية الخلف.

         إن مسألة تسلم “مؤقت” للرئاسة تزداد تعقيداً في الولايات المتحدة، وتنذر بمعركة إضافية شرسة بين أقطاب المؤسسة كافة، وقد تستغرق فترة زمنية تمتد لبضعة أسابيع، وربما لأشهر، إلى أن يتم التوصل إلى صيغة توافقية يتقدم فيها الفراغ السياسي على أي اعتبارات أخرى.

         النصوص الدستورية الراهنة تحدد التسلسل كنتيجة لحدث منفرد، وفاة أو إقالة، وليس جراء انتشار وباء قد يصيب قادة البلاد بالشلل الجماعي والعجز عن توفير الخدمات والأمن.

التسلسل الهرمي لشغل منصب الرئيس الشاغر يبدأ بمنصب الرئيس ثم نائبه، تليه رئيسة مجلس النواب – نانسي بيلوسي. وفي نهاية التسلسل، يأتي الرئيس المؤقت لمجلس الشيوخ، تشاك غراسلي (بصفة دستورية كبديل لنائب الرئيس لترؤس جلسات المجلس وإدارة شؤون السلطة التشريعية حينئذ).

         من ضمن الخيارات البديلة لرأس السلطة تبرز مسألة إقالة الرئيس لعدم أهليته، والتي شغلت الأوساط السياسية خلال جلسات المحاكمة لعزله، وترافقها تحديات جديدة، أهمها الفترة الزمنية المنصوص عليها بالدستور، 21 يوماً، التي تُمنح للرئيس للدفاع عن نفسه، مما سيعطل الحركة القيادية برمتها.

         في حال توجيه تهمة عدم الكفاءة إلى الرئيس والطلب بإزاحته، سيزداد منسوب التحدي لناحية عدم استطاعة عدد كافٍ من النواب حضور الجلسات للتصويت، وربما لإصابة بعضهم أيضاً، وما سينشأ عنه من تعطيل إضافي للحياة السياسية.

         الفراغ الناشيء عن غياب الرئيس ونائبه معاً بسبب تداعيات الوضع الصحي، قد يدفع رئيسة مجلس النواب، وفق التسلسل القيادي دستورياً، إلى إعلان تسلمها مهام الرئيس، مسلّحة بالصلاحيات الدستورية، ومن ثم سيتسنى لها “إقالة” الرئيس ترامب، الخيار المفضل لكبار قادة الحزب الديموقراطي، عقب فشلهم في إدارة إزاحته خلال المرحلة السابقة.

عند هذا المفصل، ستحتاج رئيسة المجلس إلى مساندة معظم وزراء إدارته، الثلثين، للمضي قدماً في استكمال الشروط الدستورية، وما ستقدم لهم من تنازلات مقابل الموافقة على استمرار إدارة أعمال الدولة.

وفي حال فتك الفايروس بنائب الرئيس مايك بينس وغاب عن المشهد، فمن العسير على المؤسسة المضي بإزاحة الرئيس، إذ إن لديه الصلاحية التامة بتعيين نائب له من اختياره.

أما في غياب بينس، بالتزامن مع شغور منصب الرئيس، لعدة اعتبارات، يصبح من حق رئيسة مجلس النواب، نانسي بيلوسي، تسلم مهام رأس السلطة السياسية، وما سيتعين على تلك الفرضية من اشتداد وتجدد في الصراع الحزبي، والغموض المرافق لجولة الانتخابات الرئاسية المقبلة.

ولكن تلك الفرضيات والاحتمالات، فضلاً عن احتمالات أخرى لم يجرِ التطرق إليها، ستكون عرضة لحسم المحكمة العليا التي سيلجأ إليها حتما الخصوم الجمهوريون، وقرارها النهائي نافذ، وسيعكس موازين القوى في داخلها، والتي تميل بغالبيتها لصالح التيار المحافظ في الحزب الجمهوري.

نظراً إلى تقدم رئيسة مجلس النواب (80) والرئيس المؤقت لمجلس الشيوخ (86) في السن، تتعاظم فرضية غيابهما عن المسرح أيضاً، الأمر الذي يعيدنا إلى “الخيار العسكري” بتعزيز دور القيادات البديلة، والبدء بإجراءات انعزالها عن التواصل اليومي، وتحصينها من الإصابة بالفايروس في قبو عميق بداخل جبل في ولاية كولورادو، والذي سنمر عليه بالتفصيل.

 

الخيار العسكري

الحل “الاستراتيجي” استنبطته المؤسَّسة الحاكمة من تراث خبرتها في إدارة الحرب الباردة، وإعدادها لكيفية التأقلم مع هجوم نووي (سوفياتي) يشل مرافق الحياة.

أحيل قرار إدارة الشؤون اليومية، في حال حدوث شلل يصيب قادة المؤسسة الحاكمة، إلى فرع “القيادة الشمالية” في القوات المركزية – “نورث كوم،” بقرار من الرئيس ترامب، والتي تلقت أوامرها بالتحرك للإعداد للمرحلة التالية في الأول من شهر شباط/فبراير الماضي، وبقرار من وزير الدفاع مارك أسبر.

أبرز محطات خطة الإعداد، وفق الوثائق والتصريحات الرسمية، ترمي إلى انعزال كبار القادة العسكريين عن التواصل العادي مع بقية أركان السلطة، لضمان سلامتهم من الإصابة بفايروس كورونا، ووضعهم في قبو بعمق 600 متر تحت الأرض في جبل شايان بولاية كولورادو، والذي أنشيء إبان الحرب الباردة لتلقي هجوم وتفجير نووي بقوة 30 ألف طن في أعماق سلسلة جبال الروكي.

من المرجح أن ينضم بعض كبار القادة السياسيين، نائب الرئيس وقيادات الكونغرس وطواقم كبار المساعدين، إلى مجموعة الانعزال في الوقت المناسب، لتعزيز إجراءات “الدفاع عن الوطن على الرغم من تفشي الوباء،” كما أفصح رئيس هيئة “نورث كوم” ورئيس قيادة قوات الدفاع الفضائية أيضاً الجنرال تيرينس أوشاونسي.

في ظل الإجراءات الاستثنائية المشار إليها، سيتسلم الجنرال أوشاونسي مهام إدارة الأجهزة الرسمية المختلفة، السياسية والعسكرية والاستخباراتية، ومن ضمنها صلاحية نشر قوات عسكرية ربما تتبع الحرس الوطني في مناطق التوتر والاضطرابات المتوقعة والمرئية نتيجة الشلل السياسي العام.

غني عن القول أن فصل الرئيس عن نائبه من التواجد في مكان واحد هو أحد ترتيبات القيادة العسكرية “نورث كوم،” ما يعزز فرضية انتقال نائب الرئيس إلى القبو النووي طيلة المدة المطلوبة، وبقاء الرئيس ترامب في منطقة محصنة جيداً قرب واشنطن العاصمة.

ومع توارد الانباء عن ازدياد مطّرد في عدد الإصابات بين القوات العسكرية الأميركية، ولا سيما بين عناصر 4 حاملات طائرات (روزفلت، كارل فينسون، شيستر نيميتز، ورونالد ريغان)، وعدم التيقن طبياً من فعالية الأدوية والعقاقير المتوفرة، ناهيك بشح وجودها بكميات كافية في الأسواق المحلية، فإن ذلك سيفرض على القيادات العسكرية الأميركية مراجعة حساباتها لمضاعفة منسوب التوتر مع الصين في بحر الصين الجنوبي في المرحلة القريبة المقبلة، وكذلك الأمر في تباعد احتمالات توجيه ضربة عسكرية أميركية لإيران.

هذا لا يعني بالطبع بأن الرغبة الأميركية لتهميش الخصوم، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، تتراجع في سلم الأولويات، بل إن المتغيرات والتطورات الراهنة الناجمة عن تفشي فايروس كورونا، ستعيد جدولة المهام العسكرية بالدرجة الأولى، وما قد يواكبها من بعض التلميحات بالتهدئة، كما أُعلن مؤخراً عن وقف لإطلاق النار لمدة أسبوعين في اليمن، والذي لم يعش للبناء عليه من نتائج وخطوات مقبلة.

 

2020-03-04-التقرير الأسبوعي

إخفاق التصدي لوباء الكورونا يطال الجهوزية
العسكرية رغم تضليل البنتاغون

         وُضعت القوات العسكرية الأميركية المنتشرة حول العالم في حالة تأهب قصوى في معظم الدول التي انتشر فيها فايروس كورونا واتخذت اجراءات عاجلة وتفعيل تدابير الطواريء لديها، وما ترتب على ذلك من إعادة التأكيد على جهوزيتها للقيام بدورها أو لمساندة السلطات والأجهزة المدنية في مكافحة الوباء وحفظ السلم والمؤسسات العامة.

         كشف النقاب قبل أيام عن رسالة استغاثة عاجلة، بتاريخ 30 آذار، من ربان حاملة الطائرات الأميركية النووية روزفلت، بريت كروزير، لمرؤوسيه يخطرهم فيها إلى تفشي الفايروس بين صفوف قوات البحرية وتوصيته بفرض حجر صحي على معظم أفراد الطاقم الذي يبلغ تعداده نحو 5000 عسكري.

         وأضاف في استغاثته أنه “من المستحيل تطبيق التباعد الاجتماعي على متن الحاملة” إذ يعيش عدد كبير من البحارة في مساحات ضيقة، “لسنا في حالة حرب؛ ولا ضرورة لأن يموت البحارة.”

         في تلك الأثناء بلغ عدد المصابين بين البحارة حوالي 100 على الأقل، حسبما أفادت يومية سان فرانسيسكو كرونيكل التي نشرت استغاثة القبطان.

         القائد الأعلى السابق لقوات الناتو، الأدميرال جيمس سترافيديس، أعرب عن خشيته من تفاقم الأزمة “وينبغي علينا توقع مزيداً من تلك الإصابات نظراً للمساحات الجغرافية الضيقة على متن حاملات الطائرات والتي تعتبر البيئة الأمثل لانتشار فايروس كورونا.”

         قادة البنتاغون “تجاهلوا رسالة الاستغاثة،” وفق موقع قناة “الحرة” الأميركية، وهدد بعضهم بتقديم القبطان للمحاكمة لتعريضه الجهوزية القتالية للخطر بإبلاغه وسائل الإعلام بذلك. وأوضح موقع القناة أن “قادة سلاح البحرية لم يستجيبوا بسرعة لنداء” الاستغاثة الذي أصر على إبلاغ البنتاغون بأن أكثر من 4000 بحار مصابون بالفايروس “والحاملة لم تعد مؤهلة لتنفيذ أي مهام عسكرية.”

         بالتوازي مع الاستغاثة، صرح وزير الدفاع مارك أسبر، 31 آذار، وهو شخصياً في الحجر الصحي أن سلاح البحرية ليس جاهزاً لإخلاء الحاملة، مطمئناً الأهالي بأن الأمور ليست سيئة كما يشاع؛ نافياً علمه برسالة القبطان الاستغاثية.

         استدرك القبطان في رسالته التأكيد على جهوزية فريقه كخيار بديل للإجلاء على الرغم من “الخسائر البشرية المترتبة على الفايروس،” وفق ما تقتضيه المهنية العسكرية؛ أما الخيار الأمثل، حسب توصيته، يتمحور حول إخلاء معظم البحارة والإبقاء على هيكل متواضع للعمل، نحو 500 عنصر، لصيانة المفاعلات النووية وتطهير الحاملة من الوباء.

وقال نائب وزير البحرية الأمريكية، توماس مودلي، لشبكة “إم إس إن بي سي،” الأول من نيسان، إن 1000 بحار نقلوا من حاملة الطائرات، وأن “المزيد والمزيد” يتم نقلهم لتلقي العلاج، وسيبقى آخرون على متن السفينة للحفاظ على تشغيلها.

الأزمة على متن الحاملة النووية “روزفلت” سلطت الضوء على المخاطر التي تلوح في أفق البنتاغون إذا تمكن الفايروس من الانتشار بين قطعاته المختلفة من أساطيل القاذفات ووحدات القوات الخاصة وحاملات الطائرات؛ فضلاً عن “المعضلة المركزية” للقيادات العسكرية المهنية التي أضحت أمام تحدي جديد غير مرئي بأن الإبقاء على الجهوزية العسكرية في أعلى مستوياتها “يمكن أن يعرض الصحة العامة للجنود للخطر.” (يومية نيويورك تايمز، 1 نيسان).

اصدرت القيادة  العسكرية الأميركية قرارا، نهاية شهر آذار، بوقف معظم التدريبات والتمارين والأنشطة غير الأساسية التي تتطلب من القوات أن تكون على اتصال وثيق، بعد ارتفاع معدل الإصابة بين صفوف القوات المسلحة.

أولى ضحايا الفايروس بين العسكريين كان القبطان بريت كروزير الذي كافأه قادة البنتاغون بعزله، 2 نيسان، وهو في أوج عمله متوقعاً ترقيته المقبلة لمرتبة ادميرال. وأوضح نائب وزير البحرية الأمريكية، توماس مودلي، انه “تم أعفاء بريت كروزير قائد حاملة الطائرات تيودور روزفلت، التي وصلت رسالته حول تفشي فيروس كورونا على متن حاملة طائرات إلى وسائل الإعلام .. وخرج الوضع المستجد عن سيطرته.”

مسرح عمليات حاملة الطائرات” روزفلت” والقطع الأخرى المرافقة كان بحر الصين الجنوبي وفي ظل تصاعد الصراع بين واشنطن وبكين؛ وخروج تلك القوة العسكرية الحديثة من الخدمة، لما لا يقل عن 10 أيام، سيضطر قيادات البنتاغون اتخاذ تدابير بديلة وعاجلة، ليس للسيطرة على انتشار الفايروس فحسب، بل لضمان عدم تسرب أي معلومات ذات طبيعة استخباراتية يستفيد منها الخصم؛ وتعديل في الموارد والقدرات للمحافظة على مستوى الجهوزية المطلوبة.

للتخفيف من اطلاع الجمهور على حقيقة الأوضاع بين أفراد القوات المسلحة أصدرت البنتاغون أمراً لكافة الوحدات القتالية بعدم الإفصاح عن بيانات  الإصابات إذ أن “المعلومات الخاصة بجهوزية الوحدات العسكرية الرئيسة هي سرية للأمن العملياتي وقد تقوّض القدرة القتالية أو الردعية.”

بالإضافة لتلك المسائل الجوهرية في خطط البنتاغون فالقرار السياسي والعسكري الأميركي يشهد تحدياً آخراً في منطقة عمليات القيادة المركزية على ضوء التصعيد العسكري بين واشنطن وطهران وتصريحات الأخيرة بأنها “قد” ترد على الاستفزازات الأميركية باستهداف قواتها العسكرية وضد مصالحها الأخرى المنتشرة في المنطقة.

         جاء ذلك في أعقاب تصريحات الرئيس الأميركي مؤكداً على جهوزية قواته العسكرية لتبديد شكوك الخصوم الدوليين من ناحية، وتهديد إيران بأنها “ستدفع ثمناً باهظاً جداً” في حال تعرضت القوات الأميركية في العراق إلى هجمات.

         أيضاً في حال نشوب نزاع مسلح مع إيران، مباشرة أو بوسائل أخرى، فإن حاملة الطائرات “روزفلت” ومجموعاتها القتالية ستتولى مهام دعم القوات الأميركية في المنطقة. في ظل اجراءات تطهيرها من الوباء وخروجها من الخدمة الفعلية سيؤثر مباشرة على تنفيذ الخطط العسكرية المعدة. وعليه، يستطيع المرء استدراك القيادة العسكرية الأميركية لخطورة الأوضاع وإصرارها على ضمان الجهوزية العسكرية للمجموعة القتالية نظراً لحاجة البنتاغون تحريك حاملتي طائرات للمرابطة في مياه المحيط الهندي كأقرب نقطة مناورة لمضيق هرمز.

         في سابقة تاريخية، تعرضت حاملة الطائرات الأميركية ساراتوغا في مياه البحر الأبيض المتوسط، 1977، إلى إصابة أحد بحارتها بوباء التهاب الكبد والتهديد بانتشاره بين طواقمها بعد وجبة حلويات تناولوها. ورست الحاملة بالقرب من شواطيء لبنان آنذاك بانتظار توفير لقاح (الغلوبين) الذي لم تتوفر كميات كافية منه في أوروبا لتلقيح كافة أفراد الطاقم. وعلى الرغم من خطورة الاصابات استمرت الحاملة في تأدية مهامها ومنها الاستعداد لإجلاء الرعايا الأميركيين خلال الحرب الأهلية هناك.

دور العسكر في إدارة الأزمة لن يكون أفضل من السياسيين

         من أبرز الاجراءات الاحتياطية التي اتخذتها المؤسسة العسكرية الأميركية لمواجهة أسوأ الاحتمالات بضمنها شلل قد يصيب القيادات الرسمية العليا كانت انعزال مجموعة من كبار القيادات العسكرية في قبو على عمق 600 متر تحت الأرض، تحت جبل شايان في ولاية كولورادو، “لضمان استمرار الأمن القومي” للولايات المتحدة.

         القبو بإدارة سلاح الجو وقيادة “شعبة أميركا الشمالية – نوراد” انشيء إبان  الحرب الباردة وصمم لمقاومة انفجار نووي مباشر؛ أما نوراد فتم استحداثها بعد هجمات 11 أيلول 2001.

         رئيس “نوراد” الجنرال ترينس أوشاونسي أكد الهدف من “عملية الإنعزال هو للدفاع عن البلاد رغم انتشار الوباء .. وضمان جهوزية الوحدات العسكرية (في القبو) للسيطرة على الأوضاع” في حال فتك الفايروس بالقيادات السياسية والعسكرية والأمنية. يشار أيضاً في هذا السياق إلى إقدام دول عدة في اوروبا الغربية وروسيا والصين على اتخاذ إجراء مماثل لإنعزال “قيادات عسكرية ومدنية متخصصة” جاهزة لتسيير الأعمال الرسمية، كثمرة استعدادات الحرب النووية السابقة.

         وأعلنت البنتاغون، 28 آذار، عن تجميدها لتنقلات العسكريين الأميركيين كافة حول العالم ولمدة شهرين؛ والغاء المناورات العسكرية المقررة مع دول حلف الناتو، في إطار المساعي والتدابير للحد من انتشار الوباء.

         العمليات العسكرية الأميركية في الخارج “مستمرة رغم تفشي الفايروس” وفق تأكيد نائب رئيس هيئة الأركان المشتركة جون هايتن موضحاً “لا يوجد تأثير على تنفيذ العمليات. فالمهام التي نقوم بها في كل أنحاء العالم لا تزال تنفذ وفقا للقواعد ذاتها وللنموذج نفسه .. الفايروس ليس له تأثير” على الأداء.

         الدور المتجدد لتسلم القوات العسكرية مهام إدارة البلاد أمر غير مألوف في الولايات المتحدة خارج نطاق تدابير عصر الحرب الباردة، التي دشنها الرئيس الأسبق دوايت آيزنهاور ببرنامج “الاستجابة للكوارث،” وتحديثه تباعا من الرؤساء الأميركيين، لا سيما في عهد الرئيس جورج بوش الإبن. كما أصدر الرئيس السابق باراك اوباما، في سنته الرئاسية الأخيرة، أمراً يوضح “المهام الأساسية” التي ينبغي الحفاظ عليها في حالة الطواريء.

         في الثامن عشر من شهر آذار الماضي نشرت اسبوعية نيوزويك تحقيقاً حول “الخطط العسكرية بالغة السرية” لإدارة البلاد في حال “أصاب الشلل عمل وأداء الحكومة نتيجة فايروس كورونا،” استرسلت فيه بوصف الخطط المحتملة لقيام “حكم عسكري” للسيطرة على البلاد؛ مما أثار اهتمامات عديدة.

         وأضافت المجلة أن وزير الدفاع، مارك أسبر، وقع أمراً بتاريخ الأول من شباط/فبراير الماضي لقيادة القوات الشمالية – نورث كوم، مقرها في ألاسكا، لتفعيل التدابير الضرورية وتنفيذ مهام خاصة لاستمرارية السيطرة على البلاد في حال تعرض الرئيس الأميركي وإدارته أو السلطتين التشريعية والقضائية لأي سوء يحول دون أدائهم مهامهم.

         الجنرال اوشاونسي، قائد القيادة الشمالية، سيتولى مهام إدارة البلاد بناء على مرسوم رئاسي أصدره الرئيس ترامب، وفق تحقيق المجلة.

         خطط الطواريء “السرية” الموضوعة تتدرج بتطبيقها وفق تحديد القيادة العسكرية للمخاطر، بدءاً من ثلاثة خطط مخصصة للنقل وتأمين إجلاء الرئيس ونائبة وعائلتيهما، وكذلك وزير الدفاع ومسؤولي الأمن القومي وقادة الكونغرس وأعضاء المحكمة العليا إلى مواقع آمنة محصنة بولايتي ماريلاند وفرجينيا المجاورتين.

         الخطط الثلاثة التالية تتعلق بآلية الحفاظ على استمرار الأداء الرسمي وتنصيب قيادات عسكرية بديلة لأداء المهام المدنية في اجراء اعتبر “تحايلاً على تسلسل السلطات” المنصوص عليها في الدستور. وتعرف الخطط بأسمائها: اوكتاغون، فري جاك، وزودياك.

         في المرتبة الأخيرة والأهم من تسلسل خطط الطواريء تأتي “ظل الصوان – Granite Shadow” المتعلقة بإدارة أسلحة الدمار الشامل والتصرف نيابة عن السلطات المحلية دون الاضطرار لاستحصال موافقة أو إذن رئاسي مسبق، لا سيما في حال نشوب “اضطرابات مدنية غير متوقعة ..”

         الانتشار السريع لوباء كورونا وفشل السلطات المركزية في التعامل والسيطرة عليه، كما كان مأمولاً، وما يرافقه من تفاقم الأزمة الاقتصادية وتصاعد معدلات البطالة إلى مستويات ليست غير مسبوقة فحسب، بل ستتخطى معدلات البطالة أبان الأزمة الاقتصادية الكبرى في عقد الثلاثينيات من القرن الماضي، ومؤشرات المجاعة التي ستطال قطاعات اجتماعية واسعة، قد تؤدي لجملة من الاحتجاجات أبرزها: فوضى عارمة قد تؤدي إلى اشتباكات مسلحة، وعصيان مدني شامل يهدد كيانية الولايات المتحدة.

         وعليه، وبناء على المعلومات المتوفرة لإجراءات الطواريء المعتمدة، فإن “الإخفاق” الرسمي في الحد من انتشار الوباء وتداعياته الاجتماعية والاقتصادية، قد تشكل الأرضية الخصبة لتولي القيادات العسكرية زمام إدارة البلاد؛ وتسخير ما تبقى من قدرات ردعية أميركية وتوظيفها في صراع عسكري مفتوح مع الصين وروسيا لقطع الطريق على تبلور تعدد الأقطاب الدولية وتكريس  السيطرة الأميركية الأحادية المتآكلة بسبب كورونا.  

لكن فضيحة الحاملة “روزفلت” تكشف ايضا وبجلاء هشاشة الجهوزية العسكرية الأميركية، ولن  يتمكن القادة العسكريون من التغطية على مفاعيل الوباء على البنية البشرية في صفوف العسكر والتي ستتماثل مع ما لحق بالبنية المدنية من شلل وأذى بالغ.

الكابتن المعزول كروزير يتم تحويله الى كبش فداء لتغطية فشل وارتباك وعجز القيادة العليا في البنتاغون بذريعة مخالفته لقواعد التسلسل القيادي وتسريب استغاثته للإعلام، ولكنه بنظر البحارة ومعظم أفراد القوات العسكرية بطل يستحق أعلى الأوسمة والترقيات لحرصه الشديد على سلامة وأمن طاقمه.

 

2020-29-03-التقرير الأسبوعي

المقدمة      

         انحسر اهتمام ونشاط مراكز الأبحاث الأميركية بالتساوق مع تراجع وتيرة الملفات الرئيسة في واشنطن، لتنحصر في مسألة انتشار فايروس كورونا.

         العنوان الأبرز كان ولا يزال آليات التعامل الرسمي مع الطوارئ وما أسفر عنه من “توافق” قادة الحزبين في مجلسي الكونغرس لاعتماد مبلغ مالي قيمته ألفي مليار دولار (2 تريليون) لصندوق الطواريء يرمي إلى تحفيز العملية الاقتصادية وتقليص معدلات البطالة وخسارة الوظائف إلى أبعد قدر ممكن.

         سيستعرض قسم “التحليل” سبل صرف تلك الأموال، التي تعد الأضخم في تاريخ الولايات المتحدة للتعامل مع كوارث طبيعية – بشرية، وماهية القوى والمصالح الاقتصادية المستفيدة من أموال تدخل في خانة زيادة منسوب العجز في ميزان المدفوعات العامة.

ملخصدراسات واصدارات مراكزالابحاث

سوريا

         أعربت مؤسسة هاريتاج عن قلقها من غياب الدور الأميركي الفاعل فيما يجري في محيط مدينة إدلب السورية مستدركة أن ذلك ربما قد يكون نعمة لا سيما وأنها كساحة صراع بين أقطاب دولية متعددة “من شأنها الانتقال إلى أزمة لا متناهية وغير قابلة للحسم.” وبعد ترحيبها بتسيير دوريات عسكرية مشتركة، روسية – تركية، لكنها أشارت إلى وضعية القوات المسلحة السورية التي “.. خسرت معظم قواتها الجوية والبرية خلال السنوات الماضية؛ والآن قضت تركيا على ما تبقى منها.” وزعمت المؤسسة أن خسارة سوريا العسكرية تقدر “بفرقتين مؤللتين، ومعظم مقاتلات سلاحها الجوي ومروحيات الهيلوكبتر.”

https://www.heritage.org/middle-east/commentary/syria-the-war-nobody-wins-except-maybe-trump

إيران

         في سياق متصل، استعرضت مؤسسة هاريتاج القصف الصاروخي (الإيراني) على “قاعدة التاجي في وسط العراق .. التي تعرضت لنحو 30 صاروخ انهمرت عليها في 11 آذار؛ وتكرر القصف بعد بضعة أيام مما أسفر عن مقتل جنديين أميركيين وجرح آخر بريطاني.” وأضافت أن البنتاغون تعرضت لمساءلة قاسية من لجان الكونغرس لعدم توفيرها مظلة حماية دفاعية جوية “وموارد أخرى لحماية جنودنا؛ أسئلة تكررت منذ الهجوم الصاروخي الإيراني على قاعدة عين الأسد.” وأجابت المؤسسة بدورها بأن النقص يعود إلى أن “نظم الدفاع الصاروخية الراهنة ليست مصممة للاستخدام في قواعد بعيدة؛ بل أنها لم تسجل أي تقدم أبعد مما شهدناه في العراق منذ عام 2004 وإلى 2010.”

https://www.heritage.org/missile-defense/commentary/increasingly-aggressive-iran-warrants-new-emphasis-missile-rocket

حرب النفط

أعرب معهد واشنطن عن اعتقاده بأن الحرب النفطية الدائرة بين موسكو والرياض لا تزال تلقي بظلالها على البيت الأبيض “لاتخاذ خطوة ما لكن (الرئيس ترامب) لا يرغب تبني الخيارات التي عُرضت عليه” وفي الخلفية التحدي الذي يواجهه بعدم تقديم تنازلات واضحة لموسكو وفي الآن عينه الإبقاء على سعر منخفض للنفط مما سيخدم المستهلكين، وعلى الشق الآخر صعوبة سيطرته على قطاع النفط الصخري الذي أضحت كلفته مرتفعة مقارنة بأسعار “خام غرب تكساس الوسيط” الذي انحدر إلى مستوى 27 دولاراً للبرميل. وأضاف أن حرب النفط تمت في التوقيت عبر الثنائي “محمد بن سلمان وجاريد كوشنر” ومما زاد الأمر تعقيداً “عدم ذكر الملك سلمان أي شيء” عن حرب النفط الدائرة في اطلالته المتلفزة الأخيرة، 19 آذار، وتأكيده على أن بلاده “تتخذ جميع الإجراءات للتعامل مع فايروس الكورونا.”

https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/russia-and-saudis-in-a-knife-fight-over-oilbut-we-may-be-the-victims

التحليل

النظام الرأسمالي الأميركي يعاني

من أزمة بنيوية لن تنقذه وصفة ضخ الأموال

         تحققت نبوءة الرئيس ترامب وحلت بلاده على المرتبة الأولى عالمياً في عدد الإصابات بفايروس كورونا، ويمضي بثبات معبراً عن رعونته ونزقه بالتركيز على مسألتين: حال الاقتصاد وإعادة انتخابه، في علاقة تفاعلية تؤثر على مستقبله وخططه الراهنة، لا سيما وان إجراءات الوقاية الصحية المعتمدة والقاصرة راهناً انعكست بصورة فورية على الأداء الاقتصادي برمته؛ فوضى الإجراءات تنطلق من حالة الشلل العام وليست استثناءاً.

         البيت الأبيض يسعى جاهداً لتجاهل تناقضات مواقفه وتخبط قراراته في التعامل مع الفايروس منذ اليوم الأول، لا سيما تصريح الرئيس ترامب بعد 48 ساعة من اكتشاف أول إصابة بالفايروس في ولاية واشنطن متفاخراً “نسيطر على الوضع بشكل كامل. (الإصابة) هي لشخص بمفرده أتى من الصين. الأوضاع ستكون على ما يرام.”

         وزير العمل الأسبق، روبرت رايش، في سياق انتقاده لتخلف الرد الرسمي على انتشار الوباء أكد أن العقلية المتحكمة في القرار السياسي تدل على أن “الولايات المتحدة أفاقت لتجد نفسها في مواجهة حقيقة بانتفاء القدرة العامة تقريباً على مكافحة الوباء .. كما أن انعدام توفر نظام رعاية صحية شاملة أدى للجوء العامة إلى نظام الرعاية الخاص الذي يعمل وفق آلية الربح لا أكثر.”

         في خضم الفوضى السائدة والناجمة عن تخبط وعدم دراية ونكران للحقائق العلمية التي تفسر جائحة كورونا، توصل جناحي السلطة السياسية، قيادات الحزبين الديموقراطي والجمهوري، إلى اتفاق يقضي بتخصيص ميزانية عاجلة للطواريء تنفق وفق آليات وضوابط متفق عليهاتعادل نصف الميزانية السنوية العامة للدولة التي تبلغ قيمتها 4،829 تريليون لعام 2021، بضمنها عجز 1 تريليون دولار تقريباً.

         أطلق الفريقان على اتفاقهما بصرف ألفي مليار (2 تريليون) دولار عنواناً محببا في الاقتصاد الرأسمالي، تحفيز المستهلك على الطلب، بضخ جزء يسير من المبلغ المرصود في جيوب “المستهلكين،” لمرة واحدة لا تتعدى بضعة أسابيع.

         وعليه، تعهدت الدولة بزيادة حجم المعروض من الأموال التي لم تأتِ نتيجة عملية طبيعية من انتاج بضائع وخدمات لا سيما الأغذية والتي سترتفع أسعارها نحو 25% دفعة واحدة. ولذا يحذر الخبراء الاقتصاديون من حالة الركود الاقتصادي المقبلة في ظل مناخ عدم اليقين مما تخبئه الأيام المقبلة.

         حصة الأسد في الاتفاق ذهبت لكبريات الشركات والمؤسسات التي ستتلقى دعماً مباشراً قيمته (500) مليار دولار؛ 367 مليار على شكل قروض  يتم الإعفاء منه للشركات المتوسطة التي لا يتعدى حجم موظفيها 500 عنصر؛ 250 مليار تصرف للذين فقدوا وظائفهم؛ 100 مليار للمستشفيات ونظم الرعاية الصحية؛ 150 مليار تصرف للولايات المختلفة تعزيزاً لجهودها في مكافحة الفايروس؛ 290 مليار لدعم الأسر التي فقدت دخلها؛

         كما فوّض الرئيس ترامب وزيري الأمن الداخلي والدفاع لاستدعاء جنود الاحتياط في الجيش والبحرية وسلاح الجو وقوات خفر السواحل للخدمة قد تمتد لسنتين، بأعداد “لا تتجاوز مليون فرد في أي وقت” كجزء من الإعداد لنشر القوات المسلحة بإمرة الرئيس حصراً.

         برنامج (حزمة) الطواريء تضمن موافقة قادة الحزبين لنصوص تحدد بعض الآليات التي من شأنها تعزيز الشفافية والمساءلة في الصرف والجهات المستفيدة، قبل توقيع الرئيس ترامب عليه في ساعة متأخرة من يوم الجمعة، 27 آذار.

         من أبرز آليات البرنامج كانت انشاء منصب “مفتش عام” وفريق عمل يعاونه ملحق بوزير الخزانة للإشراف عل عملية الصرف وتقديم تقارير دورية للكونغرس. الرئيس ترامب استثنى من تفعيل القانون البند الخاص بإنشاء المنصب (المادة 4018 من القسم A).

         وقال في تغريدة نشرها “.. أنا لا أفهم، وادارتي لن تتعامل مع (المفتش العام) أو تقديم تقارير للكونغرس دون إشراف رئاسي ..”

         كما تضمن اتفاق الحزبين استثناء أي من مصالح الرئيس ترامب وعائلته التجارية من تلقي دعماً مالياً، وينطبق الأمر أيضاً على أعضاء الكونغرس ومسؤولين آخرين.

         وعليه، فإن صرف حصة الأسد في برنامج الطوارئ، 500 مليار دولار، سيشرف عليها وزير الخزانة ستيفن منوشن حصراً دون ضوابط أو شروط معينة. مرة أخرى “أموال الشعب” الضرائبية تموّل الشركات الكبرى دون قيود، أسوة بما فعله سلفه الرئيس أوباما عام 2009 مع كارتيلات المال في وول ستريت.

         عضو مجلس النواب عن ولاية كاليفورنيا، كايتي بورتر، انتقدت صيغة الاتفاق وهزالة القيود المفروضة بتجاهلها حماية حقوق الموظفين والعمال الذين يتقدمون بأعداد كبيرة غير مسبوقة لتلقي معونات توفر لهم جزءاً يسيراً من مداخيلهم السابقة. وقالت “ما لم يتضمنه (الاتفاق) عند توفير الأموال التي ستصرف كقروض للشركات اشتراطها الصرف باستمرار موظفيها على رأس أعمالهم – وهي النقطة المركزية في هذا البند بالذات.”

         وحذرت النائبة بورتر من سوء الاستخدام والمحاباة في عمليات الصرف بقولها أن الأموال المرصودة ستكون في عهدة وزير الخزانة الذي لا يخضع للمساءلة حين يقرر الصرف “.. باستطاعته تقديم 100 مليار دولار لشركة أو مؤسسة معينة” دون مراجعة أحد أو تقديم سجل مفصل بذلك. كذلك باستطاعته، حسبما أوضحت بورتر، استثناء بعض المؤسسات التي هي بحاجة ماسة للأموال لدفع رواتب موظفيها.

         الأستاذ الجامعي ووزير العمل الأسبق، روبرت رايش، انتقد اقرانه في الحزب الديموقراطي بشدة لرضوخهم لشروط الرئيس ترامب لا سيما وأن الاتفاق المعقود بين الطرفين “يستثني كبريات الشركات من أي قيود ويوفر استثناءات لصغارها” للتوافق مع شرط المحافظة على الموظفين وعدم القائهم في سوق البحث عن العمل مرة أخرى.

         من بين المؤسسات الكبرى المستفيدة من “المساعدة” الحكومية شركات الأدوية التي تتلقى سنوياً إعفاءات ضريبية بمليارات الدولارات. الخبراء الاقتصاديون يتوقعون ارتفاع كلفة التغطية الصحية للأفراد والعائلات بنسبة 40% العام المقبل، تذهب لمراكمة معدلات أرباحها السنوية. (يومية نيويورك تايمز 28 آذار الجاري).

يشار إلى أن حجم الأرباح الصافية لعام 2019 لتلك الشركات بلغت نحو 38 مليار دولار، دون احتساب ما حققته من إعفاءات ضريبية وحوافز أخرى.

https://www.protectourcare.org/big-drug-companies-billions-in-profits-for-them-price-hikes-for-you/

عدد لا بأس به من المسؤولين السابقين في حقل الرعاية الصحية والكفاءات العلمية المختلفة تعرب باستمرار عن خيبة أملها في سوء إدارة الأزمة من قبل الحكومة الأميركية بكافة مستوياتها؛ لا سيما عند الأخذ بعين الاعتبار أن وزير الصحة الحالي، أليكس آزار (عازار)، تسلم مهام منصبه بعدما استقال من منصبه كرئيس لإحدى كبريات شركات الأدوية Eli Lilly.

رئيس مكتب موظفي نائب الرئيس السابق جو بايدن، رون كلين، توجه بانتقادات لاذعة للحكومة الأميركية قائلاً “طريقة تعامل الولايات المتحدة (مع الفايروس) ستدرس لعدة أجيال مقبلة كنموذج لفشل كارثي .. ما جرى في واشنطن (الرسمية) ما هو سوى فشل ذريع بمعدلات غير مسبوقة.”

مع ارتفاع وتيرة الانتقادات في المجتمع الأميركي للثغرات البنيوية تذهب بعض النخب السياسية والفكرية إلى مراجعة دروس التاريخ في “نهوض وسقوط الامبراطوريات.” آليات تعامل الدول لمكافحة الأوبئة والحيلولة دون تفشيها تشكل اختباراً حقيقياً لفعالية ونجاعة النظم السياسية والاجتماعية على السواء.

2020-26-03-التقرير الأسبوعي

هل سيلجأ ترامب لخيار إعلان
حالة الطوارئ وتفعيل الأحكام العرفية

 

ملحوظة: يستكمل مركز الدراسات الأميركية والعربية” في هذا القسم من “التحليل” ما سبق التعرض إليه حول إمكانية لجوء السلطة السياسية في الولايات المتحدة للقوات المسلحة والأجهزة الأمنية المتعددة لإدارة شؤون البلاد بإعلان أو دون الإعلان عن تفعيل الأحكام العرفية، التي لا يفصلها عن التطبيق سوى لجوء الرئيس ترامب لرفع منسوب التأهب بإعلانه حالة الطوارئ، وتفعيل دور “الحرس الوطني” الذي يخضع للسلطة التنفيذية. في القسم المقبل والأخير، سنتطرق إلى سيناريوهات تسلم العسكر مفاصل إدارة شؤون الدولة.

(نشر أيضاً على موقع شبكة الميادين)

 

مع كل إطلالة يومية للرئيس ترامب يرتفع نذير الشؤم عند المختصين والعامة على السواء لما سيحمله من أنباء تتسارع كارثيتها على المستوى الإنساني والشعبي؛ لا سيما عقب وفاة أحد المصابين بنصف ساعةبعد تلقيه جرعة منزلية من دواء، chloroquine phosphate، أعلن ترامب متسرعاً ودون دليل على شاشات التلفزة عن فعاليته في مكافحة وباء الكورونا، وذلك على النقيض من إرشادات الأوساط الطبية والأخصائيين في الأمراض المعدية.

كما يزداد منسوب القلق العام من توجه الحكومة المركزية فرض حظر تجول شامل باستغلالها جائحة الكورونا وحالة الرعب الجمعية المواكبة له وتطبيقها لإجراءات أمنية غير مسبوقة، تذكر بالأحكام العرفية والقوانين العسكرية التي طبقتها الطغمة العسكرية في تشيلي عقب الانقلاب على حكومة الرئيس الليندي المنتخبة، أيلول 1970.

اشتداد الضغط على الموارد الطبية والعلاجية المحدودة حفز حكام عدد من كبرى الولايات الأميركية التوسل لدى وزارة الدفاع توفير بعض الاحتياجات الماسة من ترسانتها في طب الميدان.

وزير الدفاع، مارك أسبر، خيّب آمال المحتاجين من مسؤولين ومصابين على السواء بزعمه أن البنتاغون “ليس لديها القدرة على الاستجابة لكل ما يطلب منها؛” مستدركاً أن أقصى ما يمكنه الوفاء به توفير سفينتين على متنهما مستشفيات عائمة لكل من مدينة سياتيل، عاصمة ولاية واشنطن في أقصى غربي البلاد، والأخرى لمدينة نيويورك على الساحل الشرقي. تأهيل المشفييْن العائميْن، بطاقة 248 سرير لكلتيهما، سيستغرق 72 ساعة على الأقل، وفق حسابات رئيس هيئة الأركان المشتركة، مارك ميللي.

تباطؤ المؤسسة العسكرية أو تخلفها عن الزج بإمكانياتها العالية لمكافحة الوباء سريع الانتشار لا يتسق مع مهامها أو اولياتها، بل قد يشي إلى ما هو أبعد من ذلك كمهمة متبلورة يجري العمل على إنجازها، وهو ما سنتطرق إليه بالتفصيل.


خشية من لجوء ترامب التشبث بالسلطة

تم الكشف حديثاً عن سلسلة قرارات قضائية يجري الإعداد لها استكمالاً للإجراءات الرئاسية في أوقات الطوارئ، والتي ستتخذ مفعول القانون، تمهيداً لتطبيق أحكام عرفية بالتدريج وقليل من الضجيج.

تقدمت الإدارة عبر وزارة العدل للكونغرس، السلطة التشريعية، بطلب الموافقة على منحها صلاحيات استثنائية تتيح لها اعتقال من تراه ضروري دون اللجوء لاستصدار تفويض قضائي بذلك، ومن ثم حرمان الموقوف/المعتقل من المثول أمام القضاء حسبما تنص عليه المواد الدستورية التي تكفل حق المتهم المثول والدفاع عن نفسه (بوليتيكو 21 آذار 2020).

وطالبت المذكرة المقدمة للكونغرس أيضاً تفويض وزارة العدل، أو من تخوله القيام بتلك المهمة، الطلب من قاضي رفيع المستوى اعتقال شخص/أشخاص لفترة زمنية غير محددة دون محاكمة ودون التئام بقية الأعضاء “وفق قوانين الطواريء .. وتعليق جلسات المحاكم العادية نظراً لظروف الكوارث الطبيعية، والاعتصامات المدنية، أو أي حالة طواريء تصنف كذلك.”

بل ذهبت صيغة بعض المواد المقدمة إلى أبعد من صريح العبارة بمطالبتها تفويضٍ يقضي بتقييد حركة دخول المهاجرين وحرمان أولئك المصنفين على لائحة الممنوعين من السفر من حق طلب اللجوء السياسي في الولايات المتحدة؛ وتعديل النصوص السارية حاليا لاستثناء المصابين بفايروس كورونا من التقدم أيضاً بطلبات للجوء السياسي.

في هذا الصدد، عبر المدير التنفيذي لنقابة محامي الدفاع الوطنية الأميركية، نورمان رايمر، عن عميق قلق نظرائه المحامين ورجالات القضاء من أوضاع مرئية تستطيع فيها الأجهزة الرسمية “اعتقال أي شخص وعدم مثوله مطلقاً أمام القضاء لحين إقرارها بانتهاء حالة الطواريء أو نفاذ العصيان المدني؛ ينبغي علينا توخي أقصى درجات الحذر من منح الدولة صلاحيات استثنائية.”

ارتفعت في الآونة الأخيرة نداءات تحذر من تطبيق الأحكام العرفية في الولايات المتحدة والتي لم تعد ترفاً فكرياً بين الأوساط الأكاديمية. النشرة العسكرية المختصة ميليتاري تايمز مهدت للأمر بسردها تعريفاً للحالة وفق الصيغة الأميركية كما جرى في السابق، إبان الحرب العالمية الثانية بفتح معتقلات جماعية للأميركيين من أصول يابانية، بأن الأمر ينطوي على “تعليق تطبيق الحقوق المدنية ربما، ومنها الحق الدستوري في عدم التعرض للتفتيش أو إلقاء القبض وحرية التجمهر وحرية الحركة، وكذلك حرية مثول المتهم أمام القضاء.” (17 آذار 2020).

في الماضي القريب، أعلن الرئيس الأميركي الأسبق فرانكلين روزفلت تفعيل الأحكام العرفية إبان الحرب الكونية الثانية دشنها بفتح معسكرات اعتقال جماعية، اضطرت المؤسسة الحاكمة بعد نحو نصف قرن من تقديم الاعتذار للضحايا وتعويضهم مالياً.

الرئيس الأسبق هاري ترومان أعلن حالة الطوارئ في 16 كانون الأول/ديسمبر 1950 إبان الحرب على كوريا وتجزئتها، بقيت سارية المفعول لمن خلفه من الرؤساء والتي استخدمت كأساس قانوني خلال الحرب الأميركية على فيتنام.

كما طبق الرئيس الأسبق جورج بوش الإبن أحكاماً عرفية عقب هجمات 11 أيلول 2001، عبر تعزيز الأجهزة الأمنية للقيام بجهود مكثفة للتنصت والتجسس الداخلي، وممارسة التعذيب.

الرئيس دونالد ترامب استغل صلاحيات الطواريء لإرسال بضعة آلاف من القوات العسكرية “لتعزيز إجراءات حراسة الحدود الجنوبية” مع المكسيك، 2018، وتهديد المهاجرين بمصادقته على منح تلك القوات صلاحيات القاء القبض على القادمين للأراضي الأميركية؛ وحظره السفر على مواطني الدول الإسلامية.

يجمع الاخصائيون في القانون الأميركي على عمق استهتار الرئيس ترامب للقيود الدستورية النظرية المفروضة على الصلاحيات الرئاسية، وميله لاستخدام حقه بإصدار “أوامر رئاسية” عوضاً عن الالتزام بالأحكام والنصوص الدستورية؛ وما يخشونه من نزعة ترامب واستسهاله إعلان حالة الطوارئ في البلاد مما سيعلق تلقائياً القوانين المدنية السارية وتطبيق “نظام قضائي موازٍ يخوّل الرئيس بموجبه القفز على القيود والمعوقات السارية.”

ويضيف أولئك الخبراء أنه بمجرد إعلان ترامب لحالة الطوارئ، وهي إحدى صلاحياته الدستورية، فباستطاعته استغلال ما لا يقل عن “100 مادة وصلاحيات خاصة” يستند إليها وفق الدستور وتطبيقها كيفما شاء. منها على سبيل المثال “ايقاف العمل بعدد من وسائل الاتصالات الالكترونية في داخل الأراضي الأميركية أو تجميد أرصدة المواطنين في المصارف الأميركية؛ ونشر قوات عسكرية للسيطرة على الاعتصامات المدنية.”

وأشد ما يخشاه بعض الأخصائيين لجوء الرئيس ترامب التشبث بمفاصل السلطة عبر تطبيق الأحكام العرفية في حال شعوره بخسارته الانتخابات الرئاسية، واستغلاله نصوص القانون الخاص بوضع الحرس الوطني تحت إمرته المباشرة “دون موافقة حكام الولايات المعنية،” (قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2006، وقانون الطوارئ العام 1976).

من عوامل القلق أيضاً تلميح الرئيس ترامب بتفعيل اقتصاد الحرب عبر قانون الإنتاج الدفاعي، المصادق عليه في عقد الخمسينيات من القرن الماضي إبان عهد الرئيس هاري ترومان، والقاضي بتوجيه آليات السوق (الشركات والمؤسسات الخاصة) لإنتاج مواد بعينها تحتاجها البلاد؛ لكنه لم يلجأ لتفعيله على الرغم من مطالبة المرافق الصحية والطبية بشكل خاص للضغط على “شركات الإنتاج” توفير نحو “60،000 حزمة فحص” للوقاية من الوباء، وما لا يقل عن “500 مليون قناع واقي،” وفق تطمينات وكالة إدارة الطوارئ الأميركية التي سرعان ما تبخرت برفض الرئيس تفعيل القانون أعلاه.

في خلفية الجدل هوية الجهة التي ستتحمل الكلفة المالية جراء تفعيل القانون. ترامب يناور لتحميل أجهزة الولايات المحلية كلفة تصنيع وانتاج والموارد المطلوبة دون اللجوء لصرف أموال حكومية مقابلها، والولايات تطالب الدولة بممارسة مهامها في ظروف استثنائية ورفدها بما تحتاجه لمكافحة الوباء. ومن ناحية أخرى، عدم رغبة الرئيس ترامب ممارسة ضغوط على كبرى شركات الإنتاج، لا سيما قطاع السيارات، في تحويل منشآتها لإنتاج كمامات واقية وموارد أخرى لما ينطوي عليه من كلفة إضافية للمصانع فضلاً عن المدة الزمنية المطلوبة لإنتاج موارد جديدة قد تستغرق بضعة أشهر. (واشنطن بوست 25 آذار).

توجه رئيس إدارة الطوارئ، بيتر غاينور، متوسلاً لحكام الولايات والهيئات المحلية التصرف بمفردهم لسد الحاجات المحلية من السوق قائلاً “نناشد كل حكام الولايات – إن استطعتم تحديد توفر ما تحتاجونه من السوق اشتروه على الفور .. سنفعّل قانون الإنتاج الدفاعي كوسيلة ضغط عند الحاجة.”

بادر نحو 1،400 أخصائي في علم الأحياء والصحة العامة تقديم عريضة تطالب الرئيس ترامب تفعيل قانون الإنتاج الدفاعي، سالف الذكر، لتوفير ما يحتاجه القطاع الصحي من موارد وامكانيات فورية. وقالت رئيسة المجموعة ميلدريد سولومون أنه يتعين على القيادة السياسية “التصرف بعقلية الحرب وينبغي على الحكومة الفيدرالية تصدر المبادرات” (بوليتيكو 24 آذار).

يزعم الرئيس ترامب أن إرجاءه تفعيل العمل بالقانون يعود لخشيته من “حل اشتراكي .. بلدنا واقتصادنا لا يستندان إلى تأميم الشركات؛ مبدأ التأميم ليس محبباً ” (مقابلة مع شبكة سي-سبان 22 آذار). ما لم يقر به الرئيس ترامب أن أي شركة أو مؤسسة تخضع لتطبيق القانون المذكور لن تفقد ملكيتها أو سيطرتها على مواردها، بل ستجني أرباحاً هائلة في فترة زمنية قصيرة نسبياً.

تخلف الرئيس ترامب عن تفعيل القانون أيضاً جاء ثمرة ضغوط كبيرة مارستها “غرفة التجارة الأميركية وكبار رؤساء الشركات،” حسبما أفادت يومية نيويورك تايمز 22 آذار.  وجاء في تصريح لنائب رئيس الغرفة التنفيذي، نيل برادلي، أن “التحدي الأساسي هو الحاجة لإنتاج مواد متطورة ليس بالمستطاع توفيرها دون الاستثمار في معدات مختصة والتي قد لا تتوفر بسهولة.”


الحل العسكري

إعلان الأحكام العرفية قد يكون قاب قوسين أو أدنى لما ينطوي عليه من فوائد تخص مستقبل الرئيس ترامب، الذي سيكون بمقدوره الاستمرار في الحكم متحرراً من قيود “المشاركة الديموقراطية والمساءلة الصورية،” مستنداً ليس إلى صلاحياته الدستورية فحسب، بل لفعالية القوات المسلحة بصفته قائدها الأعلى.

ترامب ليس وحيداً في النظر لتفعيل الحرس الوطني الذي يبلغ تعداده نحو 450،000 عنصر. إذ انضم المرشح الرئاسي الخصم جو بايدن “للمطالبة الآن باستخدام القوات العسكرية” لتعزيز جهود مكافحة فايروس الكورونا خلال المناظرة الرئاسية الأخيرة مع منافسه بيرني ساندرز.

وزير الدفاع الأميركي، مارك اسبر، أعلن بدوره عن تفعيل الرئيس ترامب للحرس الوطني في ولايتي نيويورك ووواشنطن، 22 آذار، مستدركاً أنها “ليست خطوة باتجاه إعلان حالة الطوارئ، كما يخطيء البعض بزعمه.”

يشار إلى أن الرئيس الأسبق دوايت آيزنهاور طبق صلاحية التصرف بقوات الحرس الوطني عام 1957 بنشرها لمرافقة الطلبة السود دخول صفوفهم الدراسية عند بدء سياسة كسر التفرقة العنصرية في سلك التعليم؛ وكذلك فعل الرئيس ليندون جونسون، 1965، بنشر قوات الحرس الوطني “لحماية مظاهرة من أجل الحقوق المدنية” من ردود فعل العنصريين البيض المدججين بالأسلحة؛ ونشر الرئيس الأسبق جورج بوش الأب القوات المسلحة لإخماد الاحتجاجات الشعبية في مدينة لوس إنجليس عقب تبرئة القضاء جهاز الشرطة المحلية من اعتدائه الوحشي على رودني كينغ. (نيسان-أيار 1992).

“كلية الحرب ” التابعة للجيش الأميركي مهدت لدور القوات المسلحة عبر دراسة وضعتها عام 2008 في سياق دراسة عدد من الاحتمالات والأزمات والكوارث قد تواجه المجتمع الأميركي، إحداها أن الأزمة الاقتصادية في الولايات المتحدة “قد تؤدي لانتشار عصيان مدني شامل مما سيستدعي استخدام القوات العسكرية” لإخماده واستتاب الأمن.

كما أجرت جامعة الدفاع الوطني العريقة تمرينات نظرية على تسلم القوات المسلحة دفة إدارة البلاد، منها عبر سيناريو انقلاب عسكري تقليدي عقب فشل أجهزة الدولة القيام بمهامها (وفق فرضية الدراسة)، في وثيقة بعنوان “أسس الانقلاب العسكري الأميركي لعام 2012،” اشتهرت لاحقاً باسم مؤلفها العقيد شارلز دنلاب.

إحدى استنتاجات “وثيقة دنلاب” (النظرية) لا يزال صداها حاضراً في أذهان المعجبين فيما يسمى “الدولة العميقة،” جاء فيها “.. خرجت القوات المسلحة من حرب الخليج (المقصود عام 1991) كأكبر ذراع أميركي مؤتمن، وربما الوحيد، لإدارة شؤون البلاد” بفعالية واقتدار.

اللافت أيضاً توصية لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ للبنتاغون أثناء مناقشة ميزانية الدفاع لعام 1993 بالمراهنة على دور أمني داخلي للقوات المسلحة بالقول إن “.. مناخ ما بعد الحرب الباردة يقضي بتسلم القوات المسلحة فرصاً أكبر بكثير من السابق لمساعدة الجهود المدنية في مكافحة عقبات داخلية حساسة.” (شهرية ذي أتلانتيك كانون الثاني/يناير 1993).

خبراء القانون الدستوري يؤكدون أن “الدستور الأميركي لا يمنع مشاركة القوات المسلحة (البنتاغون) في مهام أمنية موازية لمهام أجهزة الشرطة المدنية.” ويوضح أولئك أن “القرارات الرئاسية إبان الطوارئ .. تخوّل تفعيل الأحكام العرفية؛ وتعليق جهاز القضاء برمته؛ وإلغاء جوازات السفر الممنوحة للأميركيين؛ واعتقال من يصنفهم مكتب التحقيقات الفيدرالي بأن لهم نشاطات هدامة” وهي عبارة عن قائمة بيانات تتضمن ما لا يقل عن 10،000 عنصر مدرج عليها تحت بند “المؤشر الأمني،” والذي لا يزال ساري المفعول بتعريف مختلف “العصب الأساسي Main Core.”

 

حسابات الانتخابات

في ظل نظام “ديموقراطي” يصعب على المرء العادي استساغة تطبيق الأحكام العرفية وما ينطوي عليها من إجراءات. بيد إن الوثائق المتاحة تشير بكل وضوح إلى تكليف إدارة الرئيس الأسبق رونالد ريغان لعضو مجلس الأمن القومي آنذاك، اوليفر نورث، العمل الوثيق وبصورة سرية مع “وكالة إدارة الطوارئ” على بلورة خطة طواريء قومية تفضي إلى “تعليق الدستور وتسليم إدارة البلاد لوكالة الطوارئ، ومن ثم تعيين طواقم عسكرية لإدارة الحكومة المركزية والأجهزة المحلية في الولايات المختلفة وإعلان الأحكام العرفية ..” (يومية ميامي هيرالد 1987).

علاوة على ذلك، أشارت وثيقة صادرة عن وزارة الأمن الداخلي” لعام 2007 إلى أهمية تفعيل “الأحكام العرفية .. وإعلان حظر التجول كمهام حيوية” ينبغي النظر بها واعتمادها من قبل الأجهزة الفدرالية والمحلية على السواء.

في ظل تلك الظروف الاستثنائية، بوسع الرئيس ترامب تفعيل “نظام الإنذار الرئاسي،” الذي جرى تجربته عام 2018، مما يسمح له التواصل المباشر عبر إرسال رسالة نصية لكل جهاز هاتف محمول يحذر فيه من أي خطر يراه مناسباً، حقيقياً أو افتراضياً أو مفتعلاً، وقد يذهب به الأمر لاستخدامه بكثافة خلال الانتخابات الرئاسية المقبلة، لا سيما إن شعر بتردي حجم الأصوات المؤيدة له – كما يذهب بعض كبار المسؤولين السابقين في قراءة توجهات ترامب. تتعزز مخاوفهم من حقيقة لجوء الرئيس لذاك الإجراء خاصة وأن الضوابط والمقاضاة القانونية لا يمكن اللجوء إليها إلا بعد وقوعها، وما قد يعترضها من عقبات إن قرر ترامب إعلان الأحكام العرفية وحالة الطوارئ.

أمام تلك الحالة المستجدة باللجوء إلى المحكمة العليا للبت في تجاوز الرئيس لصلاحياته الدستورية فإن الجو العام وموازين القوى الراهنة لسلك القضاء والعليا بشكل خاص تميل إلى تفضيل تفسير السلطة التنفيذية في قضايا “الأمن القومي” والاصطفاف إلى جانبها، كما شهدنا في تأييدها رؤية الرئيس في فرض حظر على سفر مواطنين من دول إسلامية؛ وتأييد العليا أيضاً لقرار افتتاح معسكرات اعتقال للأميركيين من أصول يابانية خلال الحرب العالمية الثانية.

لا يستبعد المراقبون (في حالة عدم السيطرة القريبة على انتشار كورونا) لجوء الرئيس ترامب لتوظيف إعلان الحرب على فايروس كورونا، أسوة بقرار بوش الإبن إطلاق حربه على الإرهاب، وتمديد المهلة لتتزامن مع موعد الانتخابات الرئاسية “للتأثير على نتائجها،” متسلحاً بتوجه القضاء والمحكمة العليا التساوق مع إجراءات الطوارئ مما يتيح للرئيس ترامب السعي لتأجيل الانتخابات لتكون فرصة “تمديد” ولايته لفترة زمنية غير محددة في حال استشعر بخسارته الانتخابات المقبلة.

2020-20-03-التقرير الأسبوعي

وباء الكورونا قد يحوّل أميركا
إلى دولة فاشلة يتولاها العسكر
(1 من 2)

ارتفع معدل الإصابات بوباء الكورونا في أميركا من جداول حسابية إلى متتالية هندسية في غضون أيام معدودة، إضافة لشلل اقتصادي يلوح في الأفق تجسد في سقوط متواصل لسوق الأسهم، وتجري الأوساط السياسية الإعداد لحالة “ركود متضخم” تدريجياً وبحذر شديد.

         إجراءات الطوارئ للتعامل مع الأمراض المعدية والنادرة تم بلورتها على نطاق كامل الولايات المتحدة عقب انتشار وباء إيبولا، 2014-2016، شارك في إعدادها مستويات واختصاصات متعددة حددت ثلاث مستويات من الخطورة وآليات الفحص والمعاناة والتعافي. بيد أن حالة الإرباك طبعت “نظام الرعاية الصحية” الراهن وأخذ يترنح من هول الضغط على الخدمات والمعدات الشحيحة وبدأت عليه عوارض الانهيار في بعض المناطق السكنية.

         كبريات المؤسسات، لا سيما شركات الطيران وصناعة السيارات والخدمات الفندقية، توسلت للإدارة الأميركية تقديم “معونات مالية عاجلة،” بمئات مليارات الدولارات، كي لا تنهار العجلة الاقتصادية، وفق تعليلهم لحجم الأزمة، وبدأت بتسريح العمال وإغلاق بعض المصانع – ولا زالت الأزمة في أيامها الأولى.

         الحكومة الأميركية، بشطريها التنفيذي والتشريعي، أعلنت عن قرارات “ضخ مئات المليارات لإنقاذ الشركات” الكبرى، ثمرة لسلسلة اجتماعات عقدها كبار مسؤولي الشركات مع البيت الأبيض وقيادات الكونغرس من الحزبين.

         يثبت مركز النظام الرأسمالي العالمي أن حلول أزماته البنيوية متضمنة في وصفات النظام الاشتراكي النقيض: بتعزيز دور الدولة المركزية ليس في توجيه العجلة الاقتصادية برمتها فحسب، بل في تسخير الأموال العامة (من دافعي الضرائب والشرائح الدنيا والمتوسطة) لإنقاذ حفنة من كبريات عصب الاقتصاد الرأسمالي؛ أسوة بما فعله الرئيس السابق باراك أوباما خلال الأزمة المالية لعام 2008.

         البيت الأبيض وقيادات الكونغرس تغري الفئات الأكثر تضرراً، من الطلبة والعمال والموظفين والعمال الموسميين، بتقديم مسكنات مالية “لمرة واحدة” تفوق 1000 دولار بقليل؛ لكن القرار النهائي لا يزال حبيس الأدراج والمساومات لاستصدار قرار عاجل لدعم شريحة 1% بصورة آنية، بل وبمبالغ أعلى مما تردد في البدء.

         الثابت أن لا أحداً من المسؤولين يجادل في حجم البطالة الناجمة عن تفشي الوباء، والتي كانت في الحدود الدنيا قبل فترة وجيزة، أقل من 4%، مما سمح للرئيس ترامب المراهنة على الفوز في السباق الرئاسي لقاء حالة اقتصادية مريحة قبل أقل من شهر.

         الإحصائيات وبيانات العاطلين عن العمل المتوفرة للأسبوع الثالث من شهر آذار الجاري تشير إلى قفزة عالية في عدد العاطلين، من 281،000 حالياً إلى 2.25 مليوناً الأسبوع المقبل (أسبوعية فوربز 20 آذار الجاري)، بينما توقعت مؤسسة بانك او اميركا أن يقفز العد إلى 3 مليون عاطل، وربما إلى 5 ملايين الشهر المقبل.

         يشار إلى أن معدل العاطلين عن العمل خلال أزمة الركود العالمية بلغ نحو 24%. أما التوقعات “المحافظة” للمعدل المنظور فإنه سيرتفع إلى آفاق “لم تشهدها البلاد منذ 40 عاما،” تصل إلى 20%.

         تدخلت الإدارة الأميركية بقوة في الأيام الأخيرة لدى وزارة العمل للضغط من جانبها على كافة أجهزة الولايات الأخرى الموازية من أجل إرجاء نشر بيانات العاطلين عن العمل في مواعيدها المقررة، والاكتفاء عوضاً عنها ببيانات عامة لا تتضمن أعداداً أو نسباً مئوية (يومية نيويورك تايمز 19 آذار الجاري).

         من بين الإجراءات المتداولة داخل البيت الأبيض إعلان حالة الطوارئ لمدة 14 يوما، يعززه بصرف رواتب الموظفين والعمال (دون تحديد أدق) لتلك الفترة، طمعاً في تحقيق الرغبة لانحسار الوباء.

         أحد كبار الأثرياء، بيل آكرمان، حذر الرئيس ترامب من قصور المراهنة خلال فترة 14 يوماً المقترحة، مطالباً بإعلان حالة الطوارئ وإغلاق المرافق كلياً “لمدة 30 يوماً، وإغلاق الحدود البرية مع كندا والمكسيك طيلة تلك الفترة، وصرف الرواتب لكافة المتضررين” لشهر كامل. بخلاف ذلك، مضى محذراً بأن “الرخاء الأميركي كما عهدناه سيغادرنا للأبد.” (حديث لشبكة CNBC، 18 آذار). وذكّر الرئيس ترامب بأن تطبيقه لتلك الإجراءات من شأنها “حماية وتحصين الولايات المتحدة ضد الفايروس، وبوليصة ضمان لإعادة انتخابه” في شهر تشرين الثاني المقبل.

         في الجوهر، الاقتصاد الأميركي يعتمد على منتجات الصين الشعبية ليس في المنتجات الاستهلاكية فحسب، بل في صناعات الأدوية والعقاقير، مما حفز مجدداً قيادات في الحزبين التضامن مع نداءات الرئيس ترامب بإنزال عقوبات اقتصادية على الصين وتحميلها مسؤولية عجز ميزان التبادل التجاري، وانتشار موجة العداء والعنصرية ضدها.

         في المعلومات، تستورد الولايات المتحدة “80 إلى 90%” من لقاحات المضادات الحيوية المختلفة من الصين و “70% من الأدوية المسكنة للآلام.” (شبكة فوكس نيوز 19 آذار الجاري، نقلاً عن مجلس العلاقات الخارجية).

         وعليه، يتداول مجلس الشيوخ إصدار قانون جديد ينضح بالعنصرية والاستعلاء يستهدف الصين لما يسمى “فرط اعتماد الولايات المتحدة على الحزب الشيوعي الصيني وتهديداته باحتجاز عقاقير وأدوية تهدد الصحة العامة للشعب الأميركي.”

         في هذا السياق، أعلن الرئيس ترامب عن تفعيل قانون الدفاع الإنتاجي في حالات الطوارئ لتحقيق جملة أهداف بضمنها استعادة بعض الصناعات الحساسة كالأدوية من الصين للأراضي الأميركية؛ وحصر المنتجات الأميركية بما تحتاجه البلاد لسد حاجاتها الأساسية، كالأغذية، في زمن الطواريء.

         المنتجات الزراعية بمحملها تعتمد بصورة كبيرة على العمال الموسميين والذين لا يتمتعون بأوراق ثبوتية على الأغلب. وهنا تتضح النزعة العنصرية ليس للإدارة الراهنة فحسب، بل لمجمل العملية الاقتصادية الساعية وراء تحقيق أكبر حجم من الأرباح بأقل قدر من الإنفاق على رواتب العمال وحقوقهم الطبيعية في الطبابة والرعاية الصحية المفقودة.

         أما المواد الاستهلاكية الأخرى، من منتجات معلبة ومجمدة وتلك المعتمدة على دقيق القمح والذرة وقطاع النقليات والمخازن والتوريد، فمجملها تعمل آلياً بعدد بسيط من العمال. بيد أن الأمر لا يبعد شبح الكورونا عن الانتقال إلى ذلك القطاع غير المرئي من الإنتاج.

         بديهي أن أي خلل مهما كان بسيطاً أو ثانوياً يطرأ على سلسلة التوزيع، من المعمل للمتجر، سيؤدي إلى اضطراب وربما اشتباكات بالأيدي، بداية، كما شهدنا في عدد من المتاجر في الآونة الأخيرة. ومن شأن الظاهرة أن تتفاقم بوتيرة أشد مع تراجع القدرات الإنتاجية والمرافق الأخرى التي تعتمد عليها.

         عند هذا المفصل، يتردد السؤال عالياً بدور ومهمة الجيش والقوات المسلحة، إضافة للقوى والأجهزة الأمنية المتعددة، في القدرة على حماية السلم الأهلي؛ وتجديد المراهنة السياسية على القوة العسكرية استباقاً لما ستشهده البلاد من اضطرابات واحتجاجات شعبية، أرضيتها الصراع على توفير لقمة العيش.

         بعض مفاصل المؤسسة الحاكمة تدرك تماماً أهمية توفير الغذاء اليومي للفرد وأبعاد اندلاع صراعات وشيكة على تلك الخلفية، مستحدثة في الأذهان مقولة المحقق الصحفي الأميركي الشهير، ألفريد هنري لويس، لعام 1906 بأن ما يفصل المرء في الأزمات “ما بين النزعة الإنسانية والفوضى الكاسحة هو 9 وجبات غذائية؛” استرشد بها لاحقاً عدد من القيادات العالمية من بينها ليون تروتسكي.

         “كلية الحرب ” التابعة لسلاح البر في الجيش الأميركي تنبأت باكراً في إمكانية اندلاع إضرابات في الداخل الأميركي، ضمنته في تقرير لها نشرته عام 2008، ملخصه أن الأزمة الاقتصادية في الولايات المتحدة “قد تؤدي لانتشار عصيان مدني شامل مما سيستدعي استخدام القوات العسكرية” لإخماده واستتاب الأمن.

         عمدت البنتاغون إلى استدعاء نحو 20،000 عسكري تحت الخدمة، كان من المقرر مشاركتهم دول حلف الناتو في مناورات عسكرية مطولة، وأعادتهم إلى قواعدها في الداخل الأميركي عقب انتشار وباء الكورونا، تحسباً لأي طاريء ينجم عن اندلاع اضطرابات وعصيان مدني، أو إعلان الأحكام العرفية.

         غياب المواد الغذائية من الأسواق، واضطراب وسائل الإنتاج والتوزيع سيؤدي لتنامي مشاعر الخوف والقلق عند الفرد العادي. ووفق نبوءة الصحافي الأميركي المذكور فإن الفارق الزمني بين انتشار الفزع والرعب والفعل التلقائي لارتكاب معصية الفوضى والاقتتال لا يتعدى يومين إلى ثلاثة أيام.

         الوعود السياسية للسلطتين التنفيذية والتشريعية، بضخ فوري للأموال في العجلة الاقتصادية وحمايتها من الانهيار تدور حول مبلغ تريليون (ألف مليار) دولار؛ وهو مبلغ ليس باليسير توفيره حتى على دولة ثرية مثل الولايات المتحدة، على أقله في المدة الزمنية المنظورة. لذا لجأت المراكز الرأسمالية، كعادتها، إلى طرح بعض ديونها للشراء في الأسواق لتأمين المبلغ المطلوب، عبر آلية الاحتياطي الفيدرالي.

         الوصفة عينها جرى اختبارها في ألمانيا النازية في عشرينيات القرن الماضي، والأرجنتين عام 2000، ودول أخرى، ولم تثبت نجاعتها النظرية بل كانت وباء على القطاعات الأوسع في المجتمعات. وبرزت تجلياتها في انتشار معدلات الجريمة وحجز الشاحنات وسرقة المخازن ..الخ، ولن تكون الحالة الأميركية الراهنة استثناءاً لتجارب التاريخ.

         شبح الانزلاق إلى نمط من الحرب الداخلية يلوح في الأفق بوتيرة متدرجة، أشارت إليها الأجهزة الأمنية ووسائل الإعلام المختلفة استناداً إلى ما رصدته من إقبال كبير على شراء الأسلحة الفردية في الآونة الأخيرة. هذا بالإضافة إلى ظاهرة اقتناء السلاح المنتشرة أصلاً في المجتمع الأميركي مما يرفع سقف المراهنات واحتمالات الاصطدام بين قوى متعددة وبضمنها القوات العسكرية النظامية. 

(الجزء الثاني القادم : كيف سيحكم العسكر أميركا )