2020-12-11-التقرير الأسبوعي

ماراثون الانتخابات الأميركية
تجذّر الانقسام وسقوط الأوهام

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

جاء إعلان النتائج “غير النهائية” للانتخابات الرئاسية عبر المؤسّسات الإعلامية الأميركية الهائلة، من دون انتظار كلمة الفصل من السلطات الرسمية في كلّ ولاية على حدة، كما تقتضي القوانين السارية. وقد صعَد بموجبه جو بايدن إلى مرتبة “الرئيس المنتخب”، في ظل أجواء شديدة القتامة لما يخبئه المستقبل، وترسيخ لحالة شرخ عميق أفقي وعامودي، وتبادل للتهم بين الطرفين بفقدان الشرعية، بيد أنّ ما جرى كان ثمرة تطوّرات منهجية نتيجة جملة من التحديات والأزمات الاقتصادية المتزايدة، واكبتها شراهة من الطرفين للإنفاق العسكري غير المقيّد والوعد بالمزيد.

أفرزت الانتخابات مجموعتين متناقضتين ومتساويتين عددياً تقريباً: 71 مليوناً صوّتوا لترامب، بزيادة نحو 7 مليون عن الدورة السابقة، وزهاء 75 مليوناً صوّتوا لبايدن.

تفصل الكتلتين جملة أبعاد طبقية وعرقية وجغرافية (سكان المدن مقابل فضاء الريف الشاسع)، في ظل استنهاض ترامب لمطالب شعبية باستعادة أصول الإنتاج من الخارج وإلى الداخل الأميركي، فضلاً عن تباين الأولويات والتوجهات والانتماءات العقائدية والدينية.

تتساوق تلك النتيجة مع طبيعة النظام السياسي، أي تبادل الحزبين للسلطة، وتوحّد رؤيتهما لسيطرة أصحاب رؤوس الأموال وخدمتهم ضمن منظومة واحدة لسياسة الهيمنة والاستغلال على امتداد العالم.        هذا يقودنا إلى الجزم باستمرار الطرف الفائز، خصوصاً إن رسخ الخيار على بايدن، في ممارسة السياسة المعتادة على الصعد الخارجية التي تتمظهر بسمات بارزة ، وتعد بمزيد من التدخّلات في دول العالم قاطبة، واستمرار سياسة النهب الاقتصادي، وسباق التسلح بنسخة اشد وطأة عما سبق.

ما اصطلح على تسميته بالتيار التقدمي في الحزب الديموقراطي، برئاسة بيرني ساندرز، يعاني حصاراً رسمياً متواصلاً، ومن أبرز رموزه النشطة النائب في مجلس النواب عن ولاية نيويورك، الكسندرا اوكاسيو كورتيز، إذ عبّرت بمرارة عن تهميش قيادات الحزب لمجموعتها، وذلك في مقابلة أجرتها معها يومية “نيويورك تايمز”، واتّهمتهم بالقفز عن المتغيرات الجارية داخل القاعدة الحزبية ذات المواقف المتباينة مع تفكير القيادات التقليدية وتوجهاتها، ما ينذر بحدوث تململ جديد داخل الحزب الذي لن يستطيع التعايش طويلاً مع طموحات الجيل الشاب.

هذا الأمر يجدّد قلق المؤسسة الحاكمة بكل أقطابها من تراجع مواطن سيطرتها كقوى تقليدية، والتي عبّر عنها المؤرخ الأميركي المشهور، صامويل هنتنغتون، قبل رحيله في العام 2008: “اتركوا صراع الحضارات جانباً، فما يهدّد الولايات المتحدة هو فقدان هويتها البيضاء” من ذوي الأصول الانغلو- ساكسون – بروتوستانت. وفي آخر كتاب أصدره بعنوان “من نحن؟”، كان أشد وضوحاً بقوله: “الحلم الوحيد المتوفر هو الحلم الأميركي الذي أنشأه المجتمع الأنغلو- بروتستانت”، (صحيفة “واشنطن بوست”، 18 تموز/يوليو2017).

في السياق العام لولاية الرئيس ترامب، ثبت جلياً صراعه المباشر مع ركائز المؤسّسة الحاكمة والتصادم معها، أو ما أسماه هو مباشرة “الدّولة العميقة”، أي منظومة الأجهزة الأمنية والاستخباراتية والعسكرية والامبراطورية الإعلامية. ومن أبرز تجليات ولايته، كان استهدافه المباشر من قبل أركانها المتعددة، بتوجيه شباك اتهاماتها المتتالية للنيل من وطنيته، بيد أن تماسك قاعدته الانتخابية وصلابتها فرضت على الطرف الآخر بعض التراجع، وفي منظوره التأهّب لجولة جديدة، لعلها تكون القاضية على مستقبله السياسي.

جاءت نتائج الجولة الانتخابية مخيبة لآمال المؤسّسة الحاكمة في هذا السياق تحديداً، بنجاح ترامب في تكريس الشرخ الاجتماعي، وهو الآتي من خارج المنظومة التقليدية، بيد أن الفارق الانتخابي الذي لم تحسم نتائجه النهائية بعد يؤشّر إلى نجاح مخطط المؤسّسة في اغتيال ترامب سياسياً، وأبرز تجلياته فتور الدعم والتأييد الذي قوبل به من قبل قيادات الحزب الجمهوري، إلى أن استطاع “ابتزازها” بالاصطفاف خلف نيته بالتوجه إلى القضاء لحسم النتائج النهائية، ما حدى برئيس مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل، بعد أن فاز بدوره في تمثيل ولايته كنتاكي، إلى التأكيد أن للرئيس ترامب “كامل الحق 100% بالتوجه إلى القضاء”.

كشف الرئيس ترامب خلال ولايته وصراعه المعلن مع المؤسّسة الحاكمة عن تردي، وربما سقوط، أوهام “مصداقية النظام الأميركي”، وشاطره الرأي المفكر الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، والكاتب الدائم في صحيفة “نيويورك تايمز”، بول كروغمان، متنبئاً بـ “فشل الدولة” الأميركية (“نيويورك تايمز، 8 تشرين الثاني/نوفمبر 2020).

كروغمان الذي يعد من أبرز أقطاب المؤسسة الحاكمة وذراعها الفكرية لا يخفي ارتياحه لفوز بايدن، لكنه يحذر من فشله في انجاز مهامه الرئاسية، نظراً إلى تجسّد حالة الانقسام السياسي “وسيطرة الحزب الجمهوري على مجلس الشيوخ، الذي سيعمل على تخريب مشاريع بايدن بكل السبل المتاحة”. ويعيد كروغمان إلى الأذهان تواضع تمثيل مجلس الشيوخ للشعب الأميركي وميله لتأييد القطب الجمهوري بنحو 7 نقاط مئوية عن التمثيل الحقيقي.

القطب الصحفي الآخر والمؤيد بشدة للحزب الديموقراطي، توماس فريدمان، عبّر عن امتعاضه، نيابة عن المؤسّسة، من النتائج التي “لم تُسفر عن رفض جماعي باهر لقيادة سياسية نجحت في تشتيتنا، خصوصاً خلال الجائحة”، ومضى في سرديته السوداوية من المستقبل، بصرف النظر عن الفائز النهائي، كما يؤكد، بسقوط الولايات المتحدة في هذه الجولة الا نتخابية، وهي تعاني من “انقسامات مركّبة ومتعددة، ولن يكون بمقدورنا تحقيق طموحاتنا الجماعية، كالهبوط مرة أخرى على سطح القمر”، (“نيويورك تايمز”، 5 تشرين الثاني/نوفمبر 2020).

لجوء الرئيس ترامب إلى القضاء من أجل الطعن في نتائج الانتخابات عملية ليس مضمون النتائج، نظراً إلى الظروف القائمة وتعقيدات المشهد السياسي الراهن، ما قد يحفّز جمهور الرئيس ترامب (أي نصف المجتمع) على رفض نتائج لا تلبي رغباته، وهو ما حذّر منه فريدمان وغيره من أقطاب المؤسسة الحاكمة بالإقرار الباهت بفشل التجربة الديموقراطية في أميركا.

برزت التناقضات بين القيادات السياسية والسلطة القضائية باكراً، برفض الأخيرة الانصياع إلى طلب الرئيس ترامب تقييد سلطات ولاية بنسلفانيا لفرز وعدّْ أصوات الناخبين الذين أدلوا بأصواتهم مبكراً، ولا يزال الأمر قيد البحث، نظراً لخصوصية القوانين المحلية للولاية، وحرص المحكمة العليا على عدم التعرض لصلاحية القضاء المحلي بهدف تقويضه، ومن ناحية أخرى لاعتبارات تفشي فايروس كورونا، ما استدعى اتخاذ إجراءات استثنائية.

يتطلع الرئيس ترامب إلى استصدار قرار من المحكمة العليا يحابي وجهة نظره، وذلك  بتدخّلها لإبطال بطاقات الانتخاب التي تسلّمتها مراكز الاقتراع بعد موعد إغلاقها أبوابها عند الساعة الثامنة من مساء يوم 3 تشرين الأول/نوفمبر الجاري. وعليه، يستطيع ضمان فوزه بأصوات الولاية بحسب البيانات المتوفرة.

كما يأمل الرئيس ترامب الطعن في نتائج ولايات حاسمة أخرى، مشيغان وويسكونسن، ضمن قوانين الولايات السارية، والسير في خياره الأخير بالتوجه إلى المحكمة العليا للبت في المسألة عينها: المصادقة على إبطال بطاقات تصويت إشكالية.

ترامب، عند قراءة النتائج الواقعية، لم يفز بالعدد الهائل لأصوات الناخبين فحسب، 71 مليوناً، بل استطاع التفوق على الأصوات التي حصدتها المرشحة السابقة هيلاري كلينتون بزهاء ميلوني صوت، ما يؤكد أن مؤيّديه ليسوا من الكتلة الانتخابية التي رفضت كلينتون حصراً، كما يسعى خصومه لإشاعته، ويدلّ بجلاء على تباين المزاج العام عن تصورات وتكهنات المؤسسات الإعلامية وسعيها إلى توجيه الشعور الجمعي نحو سرديتها الخاصة.

من بين “الأوهام” التي زرعتها المؤسّسة الإعلامية تكهّنها المفرط بفوز الحزب الديموقراطي بفارق ملحوظ في مجلسي الكونغرس. مخاض الانتخابات أفرز نتائجه الأولية بصورة مغايرة بشدة لتلك التوقعات، وفاز “الخصم” الجمهوري بمقاعد إضافية في مجلس النواب، مهدداً صلابة الأغلبية الديموقراطية هناك، وكذلك الأمر في مجلس الشيوخ، باحتفاظه بأغلبية مقاعده، 50 مقابل 48، حتى لو خسر مقعد تمثيل ولاية جورجيا في الجولة الاستثنائية يوم 5 كانون الثاني/يناير من العام الجديد.

استطاع الحزب الجمهوري أيضاً التشبث بأغلبية مقاعد حكام الولايات، 27 من 50، ما يؤشر إلى توجه حقيقي لزيادة أعداد ممثليه في المجالس الفيدرالية عبر التعيين أينما استطاع إلى ذلك سبيلاً، والأهم الصلاحية الموكلة لحاكم الولاية بتحديد هوية ممثلها للمجمع الانتخابي يوم انعقاده الرسمي يوم 14 كانون الأول/ديسمبر 2020.

بموازاة ذاك الانجاز للحزب الجمهوري، استطاع أيضاً توسيع قاعدته التمثيلية في المجالس التشريعية في بعض الولايات “الحاسمة”، مثل بنسلفانيا ونورث كارولينا، وما سيتركه من تداعيات على تشكيل الأجندات السياسية المقبلة. تجدر الإشارة إلى نجاح “الخصم” الديموقراطي في كسب مقعدين كانا للحزب الجمهوري في مجلس الشيوخ، كولورادو وأريزونا، بينما خسر المراهنة على إزاحة ممثلة ولاية “مين” الجمهورية سوزان كولينز.

أبرز تمنيات الحزب الديموقراطي بأن تسفر النتائج النهائية عن تعادل تمثيله في مجلس الشيوخ، 50 إلى 50، كي تستطيع نائب الرئيس الجديدة الإدلاء بصوتها لترجيح كفته في أي جلسة تصويت مرتقبة، بيد أن ما يتهدد “تمنياته” هو سعي الرئيس ترامب إلى إثارة أزمة دستورية تدلّ على عمق المأزق البنيوي في النظام السياسي، وما يرافقه من الطعن بشرعية “الرئيس المنتخب” من قبل نصف المجتمع الأميركي.

من المستبعد حسم تلك القضايا الخلافية  ضمن ضوابط المؤسّسات والقوانين السارية، وفي فترة زمنية قصيرة، على الرغم من أهليتها وانصياع الطرفين إلى قرارها النهائي، أو بمعزل عن اتفاقيات ترضية لتقويض تداعيات انفلات الشارع الانتخابي وانزلاقه نحو عدم الاستقرار.

تذهب بنا التكهنات إلى عقد الطرفين جملة تسويات منتظرة تستند إلى توفير “المؤسسة” الرسمية ضمانات بعدم التعرض للرئيس ترامب وملاحقته قضائياً بعد خروجه من البيت الأبيض كشرط ترضية، مقابل “تهنئته” الفائز جو بايدن، كعنوان لمواصلة المؤسّسة مهامها من دون انقطاع، والسعي الحثيث لترميم الأضرار المتعددة، من مصداقيتها وأهليتها، إلى زعمها المتواصل بقيادة العالم وحيدة.

لعل المسألة  الأخرى التي ينبغي تناولها هي الدوافع التي حفّزت قيادة الحزب الديموقراطي، الرئيس أوباما وأعوانه، على إعادة الحياة السياسية لجو بايدن، بعد أن شارف على الهزيمة في الانتخابات التمهيدية مقابل تقدم مؤكد لمنافسه بيرني ساندرز وجناحه “التقدمي” داخل الحزب.

كما ينبغي إماطة اللثام عن “اختيار” الحزب لكمالا هاريس التي لم تستطع الحصول على تأييد إلا بنسبة باهتة، أقل من 1%، في الحملة الانتخابية، ما يعتبره الكثيرون دلالة على توجه انقلابي داخل مؤسسة الحزب الديموقراطي “لإقصاء الجناح التقدمي وزعيمه بيرني ساندرز” للمرة الثانية، بعدما تم اقصاؤه في انتخابات العام 2016 لصالح هيلاري كلينتون.

وربما سنتناول تلك القضايا، إضافة لدور المال الانتخابي، ببعض التركيز والعمق في المستقبل القريب. ومع كتابة هذه السطور، تسود تكهنات في واشنطن وخارجها بأن إقالة وزير الدفاع مارك اسبر، وتنصيب ترامب مؤيدين له في مناصب حساسة في البنتاغون، يؤشّر إلى التحضير لعمل عسكري، ما يؤدي إلى حرف الأنظار عن خسارة ترامب للإنتخابات ويعزز من فرص تشويشه على تنصيب بايدن، ولكن البعض يذهب الى نقيض ذلك، بالزعم انه قد يتخذ قرارات مفاجئة ومخالفة لنصائح وزارتي الخارجية والدفاع (البنتاغون) وأجهزة الاستخبارات، ويسحب معظم القوات الأميركية من عدة بلدان في منطقة عمليات القيادة المركزية.

الأيام والأسابيع القادمة قد تكشف عما يخبِّئه ترامب، وخصوصاً أنه مع حلول يوم 20 من الشهر الجاري قد تعلن معظم نتائج إعادة الفرز في الولايات التي يتمّ الطّعن في نتائجها.

2020-02-11-التقرير الأسبوعي

استطلاعات الرأي حول
الرئاسة الأميركية .. ما لا يُقال

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

لا تزال معظم استطلاعات الرأي تشير الى تفوّق ثابت للمرشح الديموقراطي جوزيف بايدن على الرئيس ترامب في معظم الولايات، وخصوصاً الولايات  المصنّفة حاسمة، وتشتدّ ضراوة الحملات الإنتخابية بين المرشحين في عدد من الولايات التي استطاع ترامب انتزاعها من الديمقراطيين في الانتخابات الماضية.
ولاية فلوريدا تبدو ساحة المنافسة الأشد، إلى جانب 4 ولايات تشهد تركيزا من طرفي السباق (مشيغان، ويسكونسن، بنسلفانيا، ومينسوتا).

الانتخابات الرئاسية الأميركية تحسمها بضع ولايات من مجموع الولايات الخمسين، نظراً إلى طبيعة العوامل المؤسّسة للنظام الانتخابي، وأهمية دور مندوبي الولايات للهيئة الانتخابية المكونة من 538 عضو، يوازي كامل عدد أعضاء الكونغرس بمجلسيه. وتؤدي استطلاعات الرأي دوراً يتعاظم طرداً مع توظيف المؤسّسات الإعلامية لنتائجها، والمبارزة بينها على نشر “توجّه سياسي معين” يؤثر في الناخب ويوجهه إلى زاوية معينة.

استطلاعات الرأي، بشكلها المجرّد، تعطي تصوّراً تقريبياً لمرشّح محدّد في الحالة الأميركية الراهنة، وتؤشر على مدى حجم الدعم والتأييد، بتوظيف جملة عوامل تستقي منها حيثيات تعينها على استنتاجاتها، كحجم أموال المتبرعين، للدلالة على مدى تأييد برنامج انتخابي معين.

وتشوب هذه الاستطلاعات عيوب كثيرة، بدءاً من تباين المنهجية المعتمدة وطبيعة العينة البشرية وتوزيعها الجغرافي وفوارق مداخيلها الاقتصادية ومعتقداتها الدينية والسياسية، والأهم ربما مدى صدقية إجابات تلك العينة، والتي تثار حولها راهناً تساؤلات حقيقية حول إجابات البعض بعكس قناعاته ومشاعره الحقيقية.

للدلالة على تمايز الاستنتاجات وتباين صدقيتها، نستدلّ بدراسة حديثة أجراها “معهد كاتو” المرموق بالقول إنّ “ثلثي (2/3) الناخبين يقرّون بمناخ سياسي مسموم وبعدم الإفصاح عن جواب صريح، ويدلون بإجابة مقبولة اجتماعياً عوضاً عن ذلك”. وشاطر المعهد أحد مسؤولي مؤسّسة “نورث ستار اوبينيون ريسيرتش” الجمهوري جون مكهنري رأيه، معبراً عن قلق من “نماذج جوابيّة ملتوية”، موضحاً أنها تدل على “ميل قوي لدى مؤيدي الرئيس ترامب إلى عدم المشاركة في الاستطلاع أو الإجابة عبر الهاتف”.

الأجواء المشحونة بالتحيّز والعنصرية ضد الآخر انعكست على معظم مراكز استطلاعات الرأي، بإجماعها على أن “المرشح الديموقراطي جوزيف بايدن يتفوّق على خصمه الرئيس ترامب بنسبة قوية ومتماسكة”.

في ولاية مشيغان، على سبيل المثال، جاءت نتيجة الاستطلاع مؤيِّدة لتفوق جوزيف بايدن بنحو 8.6% على خصمه الجمهوري، بينما أفاد استطلاع آخر أجرته مؤسسة “ترافيلغار” بتفوق الرئيس ترامب بنسبة 2%، 49% مقابل 47% لخصمه بايدن. ويتكرر المشهد في الولايات الحاسمة الأخرى بشكل خاص، ولا سيما في ولاية فلوريدا، إذ جاءت استنتاجات المؤسّسة الأولى بتفوق ترامب بنسبة ضئيلة هي 0.4%، مقابل نتائج “ترافيلغار” بتفوق الرئييس ترامب بنسبة 2.3%، أو 49% مقابل 47%.

بيانات عيّنات الناخبين تشكّل حجر الرحى في الاستطلاعات كافة ، والتي تتكوّن من مزيج من المعلومات العامة الرسمية والبيانات الخاصة لدى الشركات التجارية، لا سيما شركات بطاقات الإئتمان.

تتضمَّن البيانات الرسمية، بحسب تقرير يومية “واشنطن بوست”، معلومات تتعلّق بعنوان إقامة الناخب وبريده الالكتروني ورقم هاتفه أو هواتفه وانتسابه السياسيي، سواء كان ديموقراطياً أو جمهورياً، وبيانات جمعها ناشطو الحملات الانتخابية مباشرة، والاشتراك في الصحف والمجلات، وهي ظاهرها بريء وطبيعي، بيد أن تسخيرها لأغراض انتخابية يتم عبر جملة دوائر تحصل عليها بشكل “قانوني” كمرشح معيّن لمنصب محدّد يستخدمها في حملات دعائية للتأييد وجمع أموال التبرعات، ومن ثم يجري تصنيفها مجدداً لخدمة أهداف الحملات السياسية المتعددة، وتباع بشكل علني لمؤسسات تجارية تبني عليها وتغنيها بمعلومات إضافية، وهكذا دواليك. مثال على ذلك شركة “اكسبيريان (Experian)” الضخمة التي تتحكّم بتصنيف “المستهلكين بناء على قدرتهم الشرائية، ونسبة المخاطرة في قدرتهم على دفع الالتزامات المالية الشهرية”، وتضعها بتصرف المؤسَّسات المالية والتجارية والإلكترونية مقابل أجر مادي (27 تشرين الأول/اكتوبر 2020)

وبناءً على تلك الآليّة من البيانات، وتعزيزها ببيانات إضافية محدّدة تصل لنحو 1،500 عنصر، مثل “الحالة الشخصية، وحجم الديون الشخصية، ونوع السيارة او السيارات المسجلة، وعضوية الأندية، بما فيها الرياضية، والخلفية الدينية ومدى الميل للتمسك بها، وأهمية عنصر الخصوصية لدى الفرد أو مدى ثقته بشركات التقنية المتطورة وبيانات الهواتف الشخصية”، يجري عرضها بتصرف الحزبين وفي السوق لمن يدفع أكثر، وتتبادلها المؤسَّسات التجارية وتلك غير الربحية المتعددة، لتشكل “صناعة البيانات” والاتجار بها.

حملة المرشحة السابقة للرئاسة عن الحزب الديموقراطي إليزابيث ووران تُبلغ الناخبين في بياناتها بأنها “قد تتشارك البيانات الخاصة بالناخب .. مع مرشحين آخرين ومنظمات وحملات انتخابية ومجموعات ناشطة أو مع قضايا نعدّها حليفة وتتقاطع معنا في الآراء السياسية”.

اللجنة المركزية للحزب الجمهوري أبلغت طاقم الصحيفة أعلاه “بالافتخار لاحتفاظها بقاعدة بيانات عريضة تشمل أكثر من 3،000 بند لكلّ ناخب”، والأمر عينه ينطبق على الحزب الديموقراطي ،وربما بقدر أقل أو أكثر، وتوضع بمجموعها تحت تصرف المرشح وحملته الانتخابية، سواء لمنصب محلي أو فيدرالي.

خطورة التصرف غير المقيّد بتلك البيانات عرضتها القناة 4 البريطانية في شهر أيلول/سبتمبر الماضي، للدلالة على ما أسمته الفضيحة التي حامت حول شركة “كامبريدج اناليتيكا (Cambridge Analytica)” لتقصيها قواعد بيانات الناخبين من “فايسبوك” وتسخيرها لتعطيل قدرة الناخبين السود (الأفارقة الأميركيين) على الإدلاء بأصواتهم في العام 2016، خدمة لحملة المرشح الرئاسي دونالد ترامب.

عودة إلى الأرقام والنسب الشعبية المئوية للمرشحين، يتفوَّق جوزيف بايدن بنسبة 69% على منافسه الرئيس ترامب بنسبة 14% من أصوات السود الأميركيين. وبين ذوي الأصول اللاتينية، يتفوَّق بايدن بنسبة 65% مقابل 31% لترامب. وبين الأسيويين الأميركيين، يتفوَّق أيضاً بايدن بنسبة 62% مقابل 33%، وذلك بحسب استطلاع أجرته مجلة المال والأعمال “فوربس Forbes))”، 31 تشرين الأول/اكتوبر 2020.

وتشير  المجلة إلى تفوق الرئيس ترامب على خصمه بين الناخبين البيض الشباب بنسبة 49% مقابل 47%.

لمتابعة نتائج الإنتخابات الأولية خلال ليلة الفرز، ينبغي استقاء المعلومات الموثَّقة من جهاز كلّ ولاية على حدة، ممثّلة بالموقع الرسمي لما يطلق عليه “وزير خارجية” الولاية، ولا سيما في ظلِّ تضارب التكهّنات من قبل المؤ سَّسات المختلفة ومحطات التلفزة  ليلة الانتخابات.

يتميّز ذلك الجهاز المحلي بسيطرته على كافة البيانات الانتخابية، سواء المباشرة أو بالبطاقات المسبقة وعبر البريد، والتي يجري فحصها وتسجيلها تباعا، وفق القوانين المحلية لكل ولاية على حدة، ومن ثم تعلن النتائج الرسمية. وعند هذه النقطة الفاصلة، يستطيع المرء البناء على نتائج وبيانات موثّقة، والتي قد تجد طريق حسمها النهائي أما المحاكم العليا لكل ولاية ابتداء، ومن ثم المحكمة العليا الفيدرالية.

نسوق ذلك للدلالة على محورية ولاية فلوريدا في السباق الانتخابي الرئاسي, والتي عادة ما تشكل نتائجها هوية رئيس البلاد المقبل، نظراً إلى ثقلها الانتخابيّ الثالث بعد كاليفورنيا وتكساس، وامتلاكها 29 صوتاً في الهيئة الانتخابية.

التاريخ السياسي للكيان الأميركي يؤكد أهمية كسب ولاية فلوريدا في الحسم المبكر للانتخابات الرئاسية، والتي خسرها مرشحان عن الحزب الديموقراطي، واستطاعا الفوز بمنصب الرئاسة، وهما جون كنيدي في العام 1960 وبيل كلينتون في العام 1992.

فلوريدا تحتوي على نسبة عالية من الناخبين  المسنين والمتقاعدين، (26% من المجموع العام)، يمارسون دورهم ككتلة متراصة لا يستطيع أي مرشح تجاوزها. وقد فاز بها الرئيس ترامب في العام 2016 بتأييد 17% من تلك الشريحة، وهو يحظى بتأييد 59% مقابل 38% لخصمه من ناخبي الفئة العمرية 70 عاماً. وكذلك، تتضمّن شريحة قوية من الناخبين ذوي الأصول الكوبية المعادين للنظام الاشتراكي ، وهم يصوتون بغالبيتهم لصالح الحزب الجمهوري، (17% من المجموع العام).

المرشحّ الديموقراطي بايدن يعوّل أيضاً على الفوز بولاية فلوريدا وثقلها الانتخابي، لاعتقاده بأنها ستعزز حظوظه بشكل كبير، وتعفيه من عبء المراهنة على كسب ثلاث  ولايات مركزية متأرجحة: بنسلفانيا ومشيغان وويسكونسن. وفي حال فشله في كسب ولاية فلوريدا، وهو احتمال قوي، يتعيَّن عليه الفوز بالولايات الثلاثة المذكورة إضافة إلى ولاية منيسوتا. في المقابل، لا يوجد طريق فعلي لفوز ترامب اذا خسر ولاية فلوريدا .

نسب تأييد بايدن في ولاية ويسكونسن مقلقة، بحسب استطلاع “ترافيلغار”، الذي يشير إلى تقدم بايدن بنسبة 47.5% مقابل 47.1%. بعض الاستطلاعات الأخرى ترجّح تقدمه على ترامب بنسبة 6.4%.

 

ليلة الانتخابات

في ظل “الجو الانتخابي المسموم”، تشكّل شبه إجماع عام على محورية الانتخابات الرئاسية للعام الجاري، وكذلك عدم التيقّن من إعلان الفائز في الانتخابات مع إقفال صناديق الاقتراع في أقصى الولايات المتحدة، بسبب فارق التوقيت، بعد العاشرة ليلاً بتوقيت العاصمة واشنطن، وذلك لأول مرة.

الرئيس ترامب لا يترك مناسبة دون التصريح بأن الإنتخابات ستشهد تزويراً، وخصوصاً إذا لم يربح. وقد تعهّد المرشحان مسبقاً باللجوء إلى القضاء لحسم نتائج الانتخابات والطعن في بعض البيانات لأسباب تقنية بمعظمها، لكنَّ بعضها يؤشر على مهزلة حقيقية. مثلاً، أعلنت “مقاطعة بتلر” في ولاية بنسلفانيا فقدانها قوائم الانتخابات المبكرة لنحو 40،000 ناخب يوم 29 تشرين الأول/اكتوبر الجاري. ومن غير المستبعد تبادل الاتهامات لإقصاء وإتلاف بضعة آلاف أو أكثر من البطاقات الرسمية، قبل احتساب القوائم النهائية وإعلان نتائج الولايات بشكل رسمي، وهذا سيستغرق زمناً غير محدد المعالم.

التحذيرات من الاشتباكات في الشوارع خرجت عن نطاق التهديد اللفظي المجرد، وخصوصاً لمجموعات عنصرية من اليمين المتشدد مدجّجة بالأسلحة، ما استدعى من الأجهزة الأمنيّة الإعداد لخطط طوارئ، ومنها العاصمة، التي ستغلق شوارعها المحيطة بمنطقي الكونغرس والبيت الأبيض.

يومية “واشنطن بوست” أوردت “حجم القلق السائد بين الأجهزة الأمنية الفيدرالية من إمكانية اندلاع اشتباكات عنيفة، وخصوصاً اذا استمرت عملية فرز البطاقات الانتخابية لبضعة أيام دون أفق لحسم النتائج”، في ظل اقبال غير مسبوق على شراء الأسلحة الفردية بلغ 18 مليون قطعة لهذا العام، بحسب بيانات مكتب التحقيقات الفيدرالي.

أجهزة الشرطة المحلية في مدينة بورتلاند في ولاية اوريغون، في أقصى الغرب الأميركي، حذّرت من “نيّة مجموعات يمينية مسلّحة من التجمهر أمام صناديق الاقتراع يوم الثلاثاء بأسلحتهم أمام العامة”. انزلاق البلاد إلى مواجهات مسلّحة بؤرية، ولو بوتيرة مضبوطة، هي أشدّ ما تخشاه المؤسَّسة الرسمية بكلّ تشعّباتها، السياسيّة والعسكريةّ والاستخباراتيّة، وستبذل اقصى الجهود لمنعها من التطّور والانتشار.

في المقابل، تتأهب الاجهزة القضائية في الولايات، وعلى المستوى الفيدرالي، للبت بالطعون والطعون المضادة قبل حسم النتائج، على خلفية وعود قطعها المرشحان الجمهوري والديموقراطي بعدم التقيد بالنتائج الأولية. عند هذا المفصل، تبرز أهمية إصرار الرئيس ترامب وقادة حزبه الجمهوري على تعيين آيمي كوني باريت للمحكمة الفيدرالية العليا، كضمانة إضافية للتصويت لصالحه.

استناداً إلى تلك المعطيات، نستطيع القول إن إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية الرسمية سيستغرق بضعة أيام وربما أسابيع، وبعدم رضا أي من الفريقين.        اما الرئيس ترامب، وبحسب جملة من العوامل والظروف وجمهور مؤيّديه، فقد أبلغ موظّفي حملته الانتخابية مسبقاً بالتأهب للعمل المتواصل طيلة شهر تشرين الثاني/نوفمبر، وامكانية استمراره في عقد مهرجاناته الخطابية، والطلب من كبار معاونيه الإعداد للسفر المتواصل لحشد قاعدته الانتخابية، وذلك بحسب نشرة “بوليتيكو” (30 تشرين الأول/اكتوبر).

يبدو أنّ الرئيس ترامب غير مستعد لقبول الهزيمة. وربما تحصل مفاجأة  تشير إلى فوز وازن لأحدهما، مما يقلص من فترة الغموض والتوتر والانتظار التي ستعقب يوم الإنتخاب.

2020-21-10-التقرير الأسبوعي

حرب أهلية أميركية
السيناريو المحتمل والأدوات

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

أضحت التحذيرات من اندلاع اشتباكات مسلحة قد تتطور إلى ما هو أسوأ مادة شبه دائمة في الأروقة وبين النخب السياسية والفكرية الأميركية، كمحصلة صراع موازين القوى الراهنة بين طرفي الانتخابات الرئاسية، وامتدادهما في المؤسسة الحاكمة بكل تشعباتها، وفي ظل حالة استقطاب حادة تهزّ أركان النظام السياسي برمته.

تجاوزت خطورة المسألة “رفض الرئيس ترامب” الإقرار مسبقاً بنتائج ما تفرزه الانتخابات”، ورُصد أحد مسؤولي إدارته مغرداً على وسائل التواصل الاجتماعي متحدثاً بحرّية عن “شراء الذخيرة وتخزينها، استعداداً لأعمال عنف” تعقب الإعلان أو في فترة انتظارها وإبطاء الإعلان عنها (مساعد وزير الصحة، مايكل كابوتو، “نيويورك تايمز”، 14 ايلول/سبتمبر 2020).

الطرفان، الجمهوري والديموقراطي، منخرطان في تهيئة الاستعدادات للتوجه إلى المحكمة العليا، كل من وجهة نظره، رابحاً أو خاسراً، علماً أن قرارها شبه محسوم سلفاً لصالح الحزب الجمهوري، بحكم توازن القوى الراهن للقضاة.

ذهب بعض “المحللين والمراقبين” في العاصمة الأميركية إلى الترويج لمخاطر “حرب أهلية” من طراز القرن الحادي والعشرين، الذي يميّزه انتشار واسع ومنظم لمجموعات مدربة ومسلحة، بعضها بأسلحة ميدانية مدرعة، وهي تُكِنّ العداء للمؤسسة الحاكمة، وتتسلح بحقها الدستوري في اقتناء السلاح المرخص.

البيانات الرسمية العالمية تشير إلى كثافة مرعبة لحيازة الأميركيين أسلحة فردية بمعدل “120 قطعة سلاح لكل 100 فرد”، مما يترجم إلى استحواذ الأميركيين على 47% من مجموع الأسلحة الفردية في العالم بأكمله.

وقد تعاظم إقبال الأميركيين على اقتناء الأسلحة في العقدين الأخيرين، وخصوصاً منذ تسلم الرئيس ترامب مهام ولايته الرئاسية في العام 2016. جزء لا بأس به منها أسلحة عسكرية ميدانية وبعضها معزز بدقة تصويب بالليزر، ويقدر حجم الذخائر المخزنة للأسلحة الفردية والرشاشات الميدانية بمئات المليارات من الطلقات.

البعض يذهب إلى القول إن الأسلحة المتاحة لدى “الميليشيات الخاصة” اليمينية ربما تفوق بنوعيتها ما يتوفر لدى أجهزة الشرطة في عدد من الدول، ما يضاعف حجم التحديات أمام أجهزة الشرطة الأميركية في حال نشوب صدام مباشر بين الطرفين.

في الجانب المؤسّساتي، أعربت المؤسسة العسكرية الأميركية مراراً عن عدم نيتها الانخراط في مهام ميدانية داخلية، “بخلاف عقيدتها العسكرية من أجل الدفاع عن سيادة الوطن ضد الاطماع الخارجية”، بيد أن الميليشيات المسلحة المتعددة لا تخفي مراميها في الاستعداد لاشتبكات مسلحة، مطمئنة إلى قسط وفير من ازدواجية ولاء عناصر أجهزة الشرطة في مناطق متعددة، أقلها في توفير معلومات استخباراتية استباقية لأي تحركات معادية لها.

بعض النخب السياسية المؤثرة في القرار الأميركي تقول صراحة إنها “تستبعد استكمال عملية انتخابية سلسة، وخصوصاً بعد حدوث صدامات مسلحة مع أجهزة الشرطة منذ شهر ايار/مايو” الماضي، تعرضت فيها مبانٍ حكومية رسمية لاعتداءات غير مسبوقة، “ومن الصعب تصوّر نهاية لتلك الاضرابات واختفائها عن المشهد فجأة يوم الانتخابات”، وفق وصف “مؤسسة راند”، في 7 تشرين الأول/اكتوبر 2020.

أجمعت الأطراف المتنافسة على عدم قدرة أي طرف “التحكم” بتصرف أنصاره يوم الانتخابات، مرجّحة اندلاع “احتجاجات غاضبة” عفوية، وخصوصاً عند شعور أي منهما بحرمانه من حق التصويت، وهي مسألة تتجدد في كل دورة انتخابية، لأسباب عدة أبرزها تباين استيفاء الشروط الانتخابية بين كل الولايات، وحتى في بعض المقاطعات داخل الولاية الواحدة، إذ لا يزال بعضها متمسكاً بإثبات هوية الناخب مرفقة بصورة شمسية رسمية، كرخصة قيادة السيارة التي لا تتوفر للكثيرين، إما بسبب الفقر وإما عوامل أخرى.

“التهديد بوجود مواد متفجرة ومفرقعات” في مراكز الانتخاب للحيلولة دون استكمال عملية التصويت ليست مسألة مستبعدة، بل تتضاعف احتمالاته طردا مع حالة الانقسام والتجاذب الراهنة في المجتمع بأكمله، مع إدراك الأجهزة الأمنية جدية المسألة، نظراً إلى توفر تلك المواد في السوق التجارية. كما أن المشاعر العدائية والتصرف من وحيها لا تحتاج إلى إدارة مركزية.

والجدير بالذكر هو توفر حملة دعائية استباقية لدى وسائل الإعلام المختلفة، بعدم “التطرق إلى توصيف أعمال العنف بالإرهاب”، استناداً إلى توجيهات مشدّدة من مكتب التحقيقات الفيدرالي (أف بي آي)، قائلاً أنه يتعامل مع “التهديدات الداخلية كظاهرة ملازمة لأفراد لديهم نزعة عدوانية، وليس كمنظمات”، بيد أن الواقع يناقض تلك التوجيهات، ولا سيما حين يتعلق الأمر بتوصيف المكتب لكل من له صلة بالمجموعات الليبرالية واليسارية وبعض المنظمات المستنسخة من حقبة عقدي الستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم.

الجهاز الأمني الأبرز، أف بي آي، لديه سجلّ حافل برصد كل التحركات الفردية والجماهيرية وتصنيف المعلومات الخاصة بها، أفرادًا وجماعات. وقد سجّل نحو “50 إلى 60 حالة تفجير إرهابي سنوياً” في الولايات المتحدة في عقد السبعينيات، وهو يشتهر بعزوفه عن الإقرار بالدوافع السياسية للتحركات الشعبية، وحصرها في قوالب “اضطرابات مخلّة بالأمن العام” تستدعي تقديم مرتكبيها للقضاء.

وما التوجيهات الأخيرة التي رشحت لدى بعض المؤسسات الإعلامية سوى دليل على إصرار المؤسسة الأمنية على تجاهل الأبعاد والمطالب السياسية العامة التي اشتدت وتشعبت منذ بدء ولاية الرئيس ترامب بشكل خاص، باتساع رقعة المهمشين، وارتفاع معدلات البطالة، وانسداد آفاق الاحتفاظ ببيوت ومنازل أوشقق مؤجرة.

المنظمات اليمينية والعنصرية، بحسب تقييم جهاز “الأف بي آي”، استفادت من التجارب والمواجهات السابقة للتيارات الليبرالية واليسارية، واعتمدت على أسلوب بروز “مجموعات مناهضة مبهمة القيادة” كي تعقّد سبل ملاحقتها واستهدافها.

وأضاف الجهاز أن تبني اليمين المتطرف “لتلك الاستراتيجية أسهم في حماية قياداته من الانكشاف والتعقب، وكذلك كحاجز إضافي أمام محاولات الاختراق”، ما جعلها تتقن آليات تحركها ونشاطاتها ضمن حدود القوانين السارية، أبرزها حقها في التجمهر والتدرب على حمل السلاح.

في معرض مقارنة الجهاز المذكور لطبيعة المصالح المستهدفة من قبل المجموعات المسلحة المتباينة في توجهاتها، أكّد أن “المتطرفين اليساريين يميلون إلى مهاجمة رموز الاستغلال الرأسمالي واضطهاد مؤسّساته، بينما يميل اليمين المتشدد إلى استهداف الأقليات العرقية والإثنية، والمهاجرين ذوي البشرة الداكنة، واليهود والمسلمين، وكل من يعتبرونه أنه يساند مصالح الأقليات”.

تتعدد هوية القوى والمجموعات المحتمل انخراطها في صدامات مسلحة، بين بعضها البعض ومع قوى الأمن الرسمية، وانزلاق الأوضاع إلى ساحات مواجهة مستمرة تقارب الحروب الأهلية.

قوى الأمن الرسمية، باستثناء القوات المسلحة النظامية، تشمل أجهزة الشرطة المختلفة وعناصر مسلحة من “الأف بي آي”، وقوات الحرس الوطني التي تخضع لسلطة حكام الولايات بالدرجة الأولى، لكن باستطاعة الرئيس، كرأس السلطة التنفيذية والقائد الأعلى للقوات، استدعاؤها إلى أي ساحة أو مدينة يراها ضرورية.

القوات المسلحة بكافة أفرعها، البرية والبحرية والجوية، ستلجأ إلى حماية منشآتها وقواعدها المنتشرة في عموم الأراضي الأميركية، وخصوصاً قواعد الأسلحة النووية، وتأمين الحماية التامة لمراكز السلطة السياسية في العاصمة واشنطن ومحيطها والدفاع عنها، لكن من دون الانخراط الفعلي في مواجهة “الاحتجاجات والاضطرابات سريعة الاشتعال”.

برز في الآونة الأخيرة خلال اشتداد تنافس الحملة الانتخابية دخول عناصر “فيدرالية مسلحة” تأتمر من البيت الأبيض مباشرة، ثبت لاحقاً أنها مجموعات مدججة بالأسلحة من جهاز حرس الحدود الضخم، دخلت مدينتي بورتلاند وسياتل في أقصى الغرب الأميركي، من دون موافقة مسبقة من سلطات المدينتين أو حكام الولايتين، واشتهرت باستخدام القوة المفرطة واحتجاز المحتجين دون تقديمهم إلى المحاكمة. ويرجّح أن تؤدي دوراً محورياً في قمع المحتجين المناهضين للرئيس ترامب، سواء فاز في الانتخابات أو خسرها.

ازدواجية السلطة صاحبة القرار في نشر قوات الحرس الوطني، من مشاة وقوات محمولة، تخضع لحكام الولايات بالدرجة الأولى، لكن الرئيس ترامب لديه متسع من الصلاحية لتوظيفها بحسب ما يراه مناسباً، ما يؤشر على تصادم السلطتين، وخصوصاً في ولاية كاليفورنيا المناوئة بأغلبيتها للرئيس ترامب، وربما يلجأ حاكم الولاية الديموقراطي إلى إصدار أوامره لها بإعاقة تقدم قوات مسلحة رسمية، سواء من قوات سلاح البر أو حرس الحدود، مع إمكانية تدحرج المسألة إلى مواجهة محدودة بينهما.

ما يتبقى من قوات أمنية رسمية، وهي شرطة الولايات، قد يعهد لها بالتصدي لميليشيات اليمين المتطرف، على الرغم من ميل ميزان التسلح لصالح تلك الميليشيات، وخصوصاً في نوعية الأسلحة المتوفرة للطرفين: الشرطة بمجموعها مسلحة بأسلحة فردية ورشاشة، مقابل أسلحة ميدانية تتوفر لدى عدد كبير من الميليشيات.

لفت بعض المحللين الأنظار إلى فئة أمنية نادراً ما تستخدم في الصراعات مع الأجهزة الأمنية، وهي قوات الشرطة، لحماية مراكز السكان الأصليين، الهنود الحمر، والتي من المرجح أن تستغل الأوضاع لإقصاء الأجهزة الرسمية عن مناطقها، وربما إعلان بعضها الاستقلال الذاتي عن الكيان السياسي الأميركية. بيد أن طبيعة تسليحها ومستويات تدريبها المتدنية لا تشير بشدة إلى مسألة الانفصال.

في الطرف المقابل، تقف الميليشيات اليمينية المسلحة المتعددة والتي تزيد أعدادها على 370 مجموعة، وفق بيانات مكتب التحقيقات الفيدرالي للعام 2018، ويتميز عناصرها بالتأهل لتدريبات عسكرية تكتيكية ازدادت وتيرتها في الآونة الأخيرة، وهي تنتشر في معظم الولايات الأميركية.

وقد برزت إحداها إلى العلن قبل بضعة أيام عقب إعلان عناصر “الأف بي آي” اعتقال عناصر من “حراس الذئب” في ولاية مشيغان بعد وشاية من عنصرين داخلها (استطاعت الأجهزة تجنيدهما) بأقرانهما، اتهموا بالتخطيط لخطف حاكمة الولاية غريتشين   ويتمر.

ويعد أخطرها، حسب تصنيفات الأجهزة الأمنية، قلة من الميليشيات المسلحة ذات انتشار واسع لأعضائها، معظمهم عمل أو لا يزال على رأس عمله في أجهزة الأمن الرسمية، وهم يتمتعون بالتدريب العسكري وحيازتهم للأسلحة الرسمية. وقد تصدرتها مجموعة “حراس القسم”، التي أنشئت خلال ولاية الرئيس السابق باراك اوباما، ودشنت حضورها بالصدام المسلح مع قوى “الأف بي آي” في العام 2014 خلال أزمة ذاك الجهاز مع المزارع المعتدي على الأراضي الفيدرالية كلايفن بندي.

يوازيها في الانتشار الواسع لأعضائها ميليشيا تدعى “3%” تضم عناصر أميركية وكندية تكنّ عداءً مزمناً للكيان السياسي الأميركي. وقد أطلقت على نفسها تلك الصفة لادعائها بأن “3%” من المستعمرين البيض الأوائل حملوا السلاح ضد البريطانيين، وارتدى عناصرها زياً حربياً خلال ظهورهم في مسيرة للعنصريين البيض في مدينة شارلوتسفيل بولاية فرجينيا في العام 2017.

ثمة مجموعة أخرى مسلحة هي ميليشيا مشاة البحرية الاستعماري، ويقتصر حضورها على ولايات الغرب الأوسط “مشيغان وانديانا واوهايو وبنسلفانيا”. وقد نشرت عناصرها مدججة بالأسلحة قبل بضعة أيام، تحسباً لاستهداف “الأف بي آي” لعناصرها بعد اعتقالها عناصر مجموعة “حراس الذئب” المشار إليها أعلاه.

تزعم المجموعة أعلاه امتلاكها “سلاح جو، وقدرات جوية متحركة، ووحدات مؤللة، ونظاماً لوجستياً متطوراً”، وباستطاعتها نشر عناصرها على وجه السرعة في أي ساحة تريد.

تشير بيانات “الأف بي آي” ايضاً إلى مجموعة محترفة حديثة النشأة تتوزع في ولايات “سلسلة جبال الروكي”، تدعى “قوة الدفاع الأميركية الموحدة”، تزعم أن بعض عناصرها أتى من صفوف “القوات الخاصة الأميركية”، وشارك في الهجوم الذي تعرضت له القنصلية الأميركية في مدينة بنغازي في العام 2012.

بموازاة الميليشيات اليمينية والعنصرية، أدت المواجهات الأخيرة مع أجهزة الشرطة المحلية منذ اغتيالها للمواطن الأسود جورج فلويد، إلى بروز مجموعة مسلحة من السود، NFAC، نشرت نحو 500 عنصر مسلح في مسيرة موازية لخصمها المتطرف في مدينة أتلانتا في ولاية جورجيا مطلع العام الجاري، بيد أن المجموعة تتميز بولائها للسلطة والكيان السياسي الأميركي، بخلاف ميليشيات اليمين، رغم أن بعض أعضائها يحملون نزعات استقلالية لتشكيل ولايات خاصة بالسود (من أصول أفريقية).

تجمع الأجهزة الرسمية على أن مكامن الخطر للأمن والسلم الاجتماعي هي في المجموعات المسلحة التي لم تعلن عن هويتها بعد، والتي يتم رفدها بعناصر مدربة أنهت خدمتها العسكرية الرسمية. وقد تنخرط بشدة في المواجهات المسلحة المقبلة، والقاسم المشترك بينها هو عدم خشيتها من نشوب حرب أهلية جديدة.

تفشي جائحة كورونا وتنامي أعداد الوفيات والمصابين في أميركا من دون يقين بالتوصل إلى لقاح مضاد سيعزز من مخاطر الصدامات المسلحة، يواكبها انتشار خيبة أمل عامة من فعالية القادة السياسيين للبلاد، بصرف النظر عن هوية الفائز في الانتخابات المقبلة، وفتور الحماس العام “لنشر النموذج الديموقراطي” الأميركي أو الاعتزاز به.

تضاريس اللوحة السياسية الأميركية لا تبشر خيراً في الأيام المرئية المقبلة، ويعوّل كل طرف على قواه الذاتية ومناصريه للسيطرة على دفة القيادة السياسية للبلاد، واستعداده للصدام المسلح في سبيل بلوغ أهدافه.

2020-12-10-التقرير الأسبوعي

مناظرة بدون مفاجآت تكرّس
مخاوف الأميركيين من إضطراب كبير قادم

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

حاول أطراف  المؤسًسة الحاكمة، عبر مناظرة مرشّحي نائبي الرئيس، إعادة الثقة بمتانة النظام السياسي الأميركي وقدرته على تجاوز التحديات، إثر الإهتزازات والخلل  الفضائحي، بعد سيل الشتائم في المناظرة السابقة بين الرئيس ترامب ومنافسه جو بايدن، لكن الشارع الانتخابي لم يولِ اهتماماً كبيراً للمشهد بعد انقضاء ساعات معدودة، وعاد إلى همومه اليومية التي يتصدّرها تزايد الإصابات بفايروس كورونا وتعقيدات الأوضاع الاقتصادية، في ظل تجاذب الحزبين الاتهامات بتسجيل نقاط انتخابية ضد بعضهما من دون حلول ملموسة.

النخب السياسية والفكرية الأميركية، عماد المؤسسة الحاكمة، عادت إلى متابعة مساعيها لبسط هيمنتها على الساحات العالمية، تارة ضد روسيا وأخرى ضد الصين، بتعزيز الحضور العسكري الأميركي المكثّف “لاستفزاز الصين” قرب مياهها الإقليمية، وقد حذّر وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر من الانزلاق إلى “حرب عالمية محتملة”، مطالباً واشنطن وبكين بـ “وضع حد للمواجهة، درءاً لعدم تكرار الحرب العالمية الأولى اليوم” (وكالة “بلومبيرغ”، 7 تشرين الأول/اكتوبر 2020).

في المقابل، انتقد وزير الخارجية مايك بومبيو سلفه كيسنجر لانتهاجه سياسة الانفتاح مع الصين في القرن المنصرم، ووصف قادة الصين بـ “الطغاة”، في ترجمة لحقيقة توجهات المؤسسة الحاكمة بالتعويض عن تراجع نفوذها على المستوى العالمي، واستعراض عضلات القوة الخشنة، وترهيب الدول الإقليمية، بعد استنفاذ غرض “الحرب الباردة” بينهما بإغلاق القنصليات والتضييق المتبادل على البعثات الديبلوماسية.

استرسل كيسنجر في تحذير صناع القرار في بلاده من المغامرة العسكرية مع الصين، وكأنّه يوجه كلامه مباشرة إلى خلفه بومبيو ووزير الدفاع مارك اسبر والرئيس ترامب معاً، قائلا: “يتعين على الولايات المتحدة تبنّي طريقة جديدة من التفكير، عمادها فهم أفضل لعالم شديد التعقيد، لاستفراد دولة بسياسة ترمي إلى تحقيق تفوق أحادي في كلا البعدين الاستراتيجي والاقتصادي، (والارتكاز إلى مقولة) أنه لا يوجد طرف باستطاعته تهديدنا”.

الحزب الديموقراطي، ونيابة عن مرشحه للرئاسة جو بايدن، دأب على إرسال رسائل مطمئنة على الصعيد العالمي، للبناء على سياسة الانفتاح التي دشنها الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون ووزير خارجيته كيسنجر.

أبرز تلك الرسائل دعوة وزيرة الخارجية السابقة، هيلاري كلينتون، إلى إعادة هيكلة ميزانية البنتاغون وتوظيف الفارق في “الاستثمارات الداخلية” مؤكدة أن الكلفة الباهظة للأسلحة الأميركية “لمواجهة عسكرية مع الصين” لم تعد ضرورية في العصر الحالي، وذلك في مساهمتها بعنوان “إعادة حسابات الأمن القومي: كيف يتعين على واشنطن التفكير في استخدام القوة” (مجلة “فورين أفيرز” الفصلية، عدد سبتمبر/اكتوبر 2020).

وأردفت كلينتون في مخاطبة صناع القرار في بلادها محذّرة من “أنّ تقدم الصين يعني فقدان التفوق الجوي والبحري للولايات المتحدة، والذي لم يعد مضموناً في المنطقة”. ووجهت نصيحة إلى قادة البنتاغون بتحويل مصنع “ليما لسلاح القوات البرية” المنتج لدبابة آبرامز، في مدينة ليما في ولاية اوهايو، إلى منشأة لتنظيف المركبات الكهربائية وصيانتها، “بدلاً من تصنيع آبرامز”. هذا لا يعني تخلي الحزب الديموقراطي عن  منطق “الإستثنائية الأميركية”، ولكن قيادة العالم بالشراكة مع الحلفاء في الناتو.

بالعودة إلى المناظرة “المهذبة” بين نائب الرئيس مايك بينس والمرشحة إلى المنصب كمالا هاريس، سعى الفريقان إلى إطلاق الاتهامات، وتحميل الآخر مسؤولية تدهور الأوضاع الاقتصادية والرعاية الصحية ومجالات أخرى، وادعاء الفوز لمرشحيهما، ولكن وهج المناظرات سرعان ما خفت وتبخّر بريقه الدعائي وطواه النسيان.

بموازاة ذلك، خرجت استطلاعات الرأي التي أجرتها مؤسسات متخصصة ذات توجهات سياسية محددة، لتبشر بارتفاع نسب شعبية فريق المرشح الديموقراطي جو بايدن، وخصوصاً في ولاية فلوريدا التي تقطنها نسبة عالية من أثرياء الجالية اليهودية القادمين من ولاية نيويورك، بيد أن الاستناد إلى “استنتاجات” استطلاعات الرأي حصراً يعطي صورة قاصرة ومُخلّة لتوجهات الناخبين، أبرز أسبابها أنها مقيّدة زمنياً بتطورات سرعان ما تتغير ويعمل كل فريق لاستثمارها، فضلاً عن “طبيعة وخلفية التساؤلات المطروحة” على عينة محددة من الناخبين، وعوامل تداخل مناطق إقامتهم ومداخيلهم السنوية التي تؤثر مباشرة على استشراف مرشحهم المفضل.

جمهور المشاهدين للمناظرة الأخيرة، والتي سبقتها وما سيلحقها، أصيب بخيبة أمل لعدم تقيّد المرشحيْن بالتساؤلات المطروحة، على الرغم من توخي الحذر باختيارها، فضلاً عن حرص المحاور/ة على عدم متابعة التساؤلات للحصول على أجوبة محددة، بيد أن حقيقة الأمر أن قيود المناظرة رسمت سقف توقعاتها لدى المشاركين والمشرفين عليها مسبقاً.

للدلالة على ذلك، نشير إلى أحد عناصر النظام التربوي الأميركي في مرحلتي الدراسة الثانوية والجامعية، بتسليح المشارك في أي مناظرة بنصيحة “ثمينة”، عمادها “الإجابة على السؤال كما يخدم مصلحتك، وليس للتقيد بطبيعة السؤال أو الانصياع إلى أأحكامه”. وعليه، خابت آمال الكثيرين، لتغاضي المشاركين عن الإجابة المباشرة.

وحرصت وسائل الإعلام بمجملها على التركيز على مسائل هامشية، مثل مكوث ذبابة على رأس نائب الرئيس بينس لأكثر من دقيقتين، لتضحي عنواناً تخصّص له مساحة إعلامية أدت إلى إهمال القضايا الملحّة التي يتوق المشاهد إلى طرحها وسماع تباين وجهات النظر حولها. ربما يجزم البعض أن أسلوب “التضليل المتعمد” يصب في عصب الرسالة الإعلامية الأميركية، بتركيزها على المظاهر الثانوية والهامشية  وتفاديها المسائل الجوهرية.

“المزايدات” السياسية بين الحزبين في أوجها بالتزامن مع موعد الانتخابات الرئاسية، ومنها تبادل نشر ما يعتبره كل فريق “فضيحة سياسية” ضد منافسه، لشدّ أنظار الناخبين إلى “عيوب” الآخر، بيد أن الجزء الأعظم منها يندرج في سياق الصراع داخل أركان المؤسسة الحاكمة، والذي يستثمر فيه كل فريق ما بجعبته لتعزيز موقعه داخل المؤسسة، وعبرها لدى الناخب العادي بدرجة أقل.

الحزب الديموقراطي استند إلى نشر مجموعة من الكتب لشخصيات سياسية ابتعدت عن البيت الأبيض، ولإعلاميين أيضاً، والكشف عن “فضيحة” تدني حجم الضرائب التي دفعها الرئيس ترامب عن ممتلكاته لسنوات متعددة بمعدل 750 دولاراً.

الرئيس ترامب وزعماء الحزب الجمهوري ثابروا على استهداف كبار شخصيات إدارة سلفه الرئيس أوباما، أبرزهم مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي (أف بي آي) الأسبق جيمس كومي، والمدير الأسبق لوكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) جون برينان، ووزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون تحت عنوان مشترك “بتوريط حملة الرئيس ترامب الانتخابية بالعلاقة مع روسيا” في العام 2016، والتهديد بكشف مضامين المراسلات الداخلية بين كبار المسؤولين المذكورين بهذا الشأن.

وما دفعنا إلى التطرق إلى تلك المسألة هو المراهنة الخاطئة لوسائل الإعلام، المحلية والدولية، وتعويلها على الاطلاع على تفاصيل بالغة السرية لآليات الحكومات الأميركية المتعاقبة. بيد أن أقطاب المؤسسة الحاكمة، ولا سيما ما يطلق عليه “الدولة العميقة”، وأبرزها المؤسسة الاستخباراتية بكل أجنحتها، لن تعطي ضوءاً أصفر لتكرار تجربة “وثائق ويكيليكس” الدامغة لأساليب البطش والترهيب والقتل الجماعي أينما حلت القوات العسكرية الأميركية، في عصر ما بعد التدخل المباشر للاستخبارات المركزية إبّان عصر الحرب الباردة في مناطق متعددة من العالم.

أما كشف “مكتب التحقيقات الفيدرالي” عن “مخطط خطف حاكمة ولاية مشيغان”، غريتشين ويتمر، المعروفة بمناهضتها الشديدة لسياسات الرئيس ترامب، واعتقال عدد من المتهمين من العنصريين البيض بذلك، فإنه يأتي في السياق أعلاه لظهور الأجهزة الأمنية بموقع الحامي للنظام السياسي والسلم الاجتماعي، وتجسيداً لقدرة تلك الأجهزة على اختراق المنظمات العنصرية والأخرى اليسارية على السواء، وأنها تخضع للمراقبة الدائمة. سارع الحزب الديمقراطي إلى توظيف تلك الحادثة انتخابياً، بتوجيه اللوم إلى ترامب على خلفيّة تشجيعه الجماعات اليمينية المتطرفة وعدم ادانته لها.

المحصلة العامة لتلك المسألة وما سيتبعها من تفاصيل، ربما يومية، تكمن في الحرص على استقرار النظام السياسي بمعزل عن توجهات ورغبات المرشّحين إلى المناصب السياسية العليا، ولها اليد الطولى في الحفاظ على عدم انزلاق تلك المجموعات العنصرية إلى ارتكاب أعمال عنف، وربما الانخراط في إشعال أوار حرب أهلية هدّد بها الرئيس ترامب سابقاً.

استمرار الرئيس ترامب بالتحذير من تزوير الإنتخابات في حال عدم فوزه، يشكل العنصر الأبرز في قلق الأميركيين من دخول أميركا في مرحلة ربما تكون الأخطر في تاريخها.

2020-05-10-التقرير الأسبوعي

مفاجأة اكتوبر الانتخابية:
إصابة ترامب بالفايروس تخلط الأوراق

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

التطورات المتسارعة المرافقة لإصابة الرئيس ترامب بفايروس كورونا أثارت التكهّنات حول مستقبله في المدى المنظور، لناحية التداعيات المترتّبة عن “إمكانية” غيابه عن الساحة السياسية، أو استمراره في الأيام المقبلة وهو يئِنّ من الوهن وعدم التركيز، كأبرز عوارض الفايروس.

من البديهي أنّ كلّ ما يتعلّق بالحالة الصحّية وطرق المعالجة والأدوية والعقاقير والرؤى المستقبليّة، أضحت بيد الطواقم الطبيّة الخاصّة حصراً، فهي المخوّلة بمراقبة حالته الصحيّة، وهي تخضع في المحصّلة لضوابط القرار السياسي الاستراتيجي، لناحية تقنين المعلومات والإفراج “عما يلزم” إعلاميّاً لإدامة السيطرة على مفاصل القرار السياسي.

وعليه، من العسير الاقتراب من تلك الزاوية بغية الإضاءة على الأجزاء المتناثرة من المعلومات المقننة أصلاً، ويفضّل إدراجها ضمن اخصائيي الرعاية الصحية، بيد أن المُتاح ضمن ضوابط الرؤى السياسيّة، وسيرورة معركة الانتخابات الرئاسيّة في شوطها الأخير، يوفران العناصر الضرورية لرسم صورة أقرب إلى الواقعيّة، بعيداً عن الرغبات الذاتية أو الانسياق وراء تفسيرات سطحيّة معلّبة توصل أصحابها إلى نتائج قاصرة.

لا ريب في أنّ توقيت الإعلان السريع عن إصابة الرئيس ترامب ونقله على عجل خلال 24 ساعة ليتلقى العلاج في مستشفى “وولتر ريد” العسكري، على بعد بضعة كيلومترات من البيت الأبيض، يطرح جملة تساؤلات أكثر مما يتوفر من معلومات موثّقة.

يتميّز المشفى بتوفّر أفضل ما توصلت إليه التقنية الحديثة من معدات وأجهزة وأدوية، بعضها لا يتوفر لكبار الاختصاصيين في مجال الرعاية الطبية، وضمه أيضا جناحاً رئاسياً خاصاً يوفر العزلة التامة لنزيله الجديد، نظراً إلى مركزه كقائد أعلى للقوات المسلحة.

أعربت كبريات المؤسّسات الإعلامية الأميركية عن شكوكها في مبررات نقل الرئيس ترامب إلى المستشفى العسكري نظراً إلى ضوابط حركته الصارمة، وبقاء الأمر “غامضاً” لتساؤلاتها المتكررة، وخصوصاً إن البيت الأبيض مجهّز بمعدات طبية ذات تقنية عالية، وطاقم طبي كامل على نفقة الدولة.

أبرز التناقضات في التصريحات الصحافية المرصودة حول حقيقة الإصابة جاء على لسان “الطبيب الخاص للبيت الأبيض”، شون كونلي، في مؤتمر صحفي عقده يوم السبت، 3 تشرين أول/اكتوبر الجاري، يجزم فيه تشخيص إصابة الرئيس ترامب منذ 72 ساعة، أي يوم الخميس.

في المقابل، أعلن الرئيس ترامب عبر تويتر عن إصابته بالفايروس “حوالي الساعة الواحدة من صباح يوم الجمعة”، ولكن يبدو ان العوارض  ظهرت بعد انتهاء مهرجانه الانتخابي في ولاية منيسوتا يوم الأربعاء. ورغم ذلك استمر في جولته يوم الخميس الى نيوجرسي.

الثابت في تصريح الطّبيب الخاصّ هو إقراره بإصابة الرئيس ترامب بالفايروس، عقب التيقّن من إصابة مساعدته هوب هيكس يوم الخميس الأول من الشهر الجاري، ونقله إلى المستشفى العسكري “كإجراء احترازي”. رفض الطبيب كونلي مراراً إلإجابة القاطعة على تلقي الرئيس ترامب وحدات أكسجين لمساعدته على التنفس خلال بثّ مؤتمره الصحافي المذكور، وأنهى المؤتمر على الفور، وتبيّن لاحقا انه تم تزويده بالأوكسجين يوم الجمعة وقبل نقله الى المستشفى.

في بُعد التوقيت الزمني، تنبغي الإشارة إلى أنّ الإعلان عن إصابة الرئيس ترامب بالفايروس جاء عقب انتهاء الجولة الأولى من المناظرة الرئاسية وظهور الإعياء الجسدي عليه، أكدته حملته الانتخابية سريعاً، واكبها تراجع ملحوظ في الدعم الشعبي للرئيس ترامب، وفوز منافسه المرشح الديموقراطي جوزيف بايدن.

عند هذا المفصل الحرج، برزت جملة تكهّنات بين كبار المحللين والمراقبين السياسيين الأميركيين، مفادها أنّ الرئيس ترامب أراد مخرجاً سريعاً يؤدي إلى ااستعادة بعض ما فقده من الدعم والتأييد، وربما توصّل وبعض كبار أعوانه إلى إثارة مسألة إصابته بالفايروس واضطراره إلى العزل في فترة زمنية بالغة الحساسية من الحملة الانتخابية، ما أدّى إلى استدرار التعاطف الشعبي والعالمي على السواء مع الرئيس ترامب، وانكفاء منافسه بايدن عن المضي قدماً في متطلبات الحملة الانتخابية.

أوقفت الآلة الإعلامية الأميركية النشطة والمناوئة للرئيس ترامب منسوب هجومها المعتاد دون انقطاع وتعدادها “أخطائه وأكاذيبه”، لبعض الوقت، أبرزها استهتاره بخطورة الجائحة التي ضربت العالم بأسره، كتعبير عن تعاطفها وتحسّسها لوضعه الصحّي، الأمر الذي سيصبّ في خانة دعمه في المحصلة العامة.

في الشق المقابل، أثار نشر كتاب الصحافي الاستقصائي الشهير، بوب وودوورد، بعنوان “غضب”، حملة مناوئة جديدة بموجب مضمون المنشور الناجم عن سلسلة طويلة من المقابلات الخاصّة أجراها مع الرئيس، وإقرار الأخير بأنّه كان يدرك خطورة تفشي الجائحة وضرورة مواجهتها مباشرة، لكنّه “رجّح التخفيف من خطورتها على المستوى الشعبي” وعدم تبني إجراءات احترازية إلزامية، كارتداء الكمامات الواقية، حسبما جاء في الكتاب.

وفي هذا الصدد، أجمع المراقبون من مؤيدي الرئيس ترامب ومعارضيه على دخول الحملات الانتخابية في “حيرة بالغة” وعدم اليقين مما يخبّئه المستقبل القريب، “وربما انتشار الفوضى”، كنتيجة مباشرة لإقصاء الرئيس ترامب أو غيابه عن المشهد اليومي.

الأمر الآخر هو عدم التيقّن من تعرض المنافس الديموقراطي جوزيف بايدن للفايروس عقب انفضاض المناظرة التي دامت 90 دقيقة، ما يلقي ظلالاّ كثيفة حول سير الانتخابات برمتها. بيد أنّ هذه المسألة سابقة لأوانها لحين تثبّت العكس. وتتزايد المطالب السياسية في حثّ المرشح بايدن على تعليق نشاطات حملته الانتخابية، بالتوازي مع غياب الرئيس ترامب مرحلياً.

استأنف بايدن حملته بعد تجميد مؤقت خضع فيه لإختبار الإصابة بالفيروس بنتيجة سالبة، ولكنه أوقف الإعلانات والدعاية الإنتخابية المنددة بترامب شخصيا. في الشق العملياتي والأقرب إلى التطبيق، يجري تداول “مخارج دستورية” في حال غاب الرئيس ترامب، أبرزها استمرار التسلسل في السلطة التنفيذية بتسلّم نائب الرئيس مايك بينس مهام المنصب كخيار أولي، لكن ذلك يستوجب مصادقة خطية من الرئيس ترامب، ينقل فيها صلاحياته لنائبه، “طوعياً أو بشكل مؤقت”.

جرى اعتماد النص أعلاه دستورياً فيما يسمى “مادة التعديل الـ 25” للدستور، والتي صادق عليها الكونغرس في العام 1967، ولجأ الرئيس الأسبق جورج بوش الإبن إلى تفعيلها مرتين بعد تعرضه لعمليات جراحية طفيفة، في العامين 2002 و 2007، وتسلّم نائبه ديك تشيني مهام المنصب لفترة قصيرة.

يرافق ذلك الاحتفاظ بتصّدر الرئيس ترامب بطاقات الانتخاب كما هي، وذهاب أصوات مؤيديه إلى البديل المعتمد من قبل اللجنة المركزية للحزب الجمهوري. تبرز حينئذ تعقيدات عملياتية تتعلق بانتهاء الفترة الزمنية المطلوبة لتسجيل واعتماد المرشحين للمنصب في عموم الولايات، والتي تتباين جداولها المقررة بمواعيد مختلفة، إضافة إلى انتهاء السلطات الرسمية في نحو 29 ولاية من طباعة وإعداد بطاقات الانتخاب للتوزيع بالبريد العادي. بيد أنّ حساسية الظرف الراهن وفرادته ستفرز آليات مستحدثة للتغلب على تلك العقبات.

الاحتمال الآخرهو ما المنتظر القيام به في حال أصيب نائب الرئيس، إضافة إلى الرئيس، بالفايروس، وأُقعِدا عن ممارسة مهامها. النصوص الدستورية تحدد التراتبية بتولي رئيس/ة مجلس النواب مهام المنصب، في حال عدم قيام الرئيس ونائبه بمهام المنصب.

ولكنّ العقدة الأساسية في هذا الاحتمال هي الانتماء السياسي لرئيسة مجلس النواب، نانسي بيلوسي، المناويء للحزب الجمهوري، الأمر الذي مهّد لتواتر الرؤى الافتراضية بنضوج ما يُعرف بـ “مفاجأة أوكتوبر”، أو حلّ الساعة الأخيرة في السباق الرئاسي، وتم التكهّن بافتعال الرئيس ترامب نزاع يؤدي إلى شن حرب على إيران أو دولة أخرى، لخلط الأوراق وكسب التأييد الشعبي.

وساد مناخ الخشية والترقب من “تعهّد” الرئيس ترامب أثناء المناظرة الرئاسية بعدم تسليمه بنتائج الانتخابات الرئاسية إن جاءت لصالح منافسه، مبرراً ذلك بادعاءات لم تثبت صحتها بشكل قاطع تتمحور حول “فساد المؤسسة (المناوئة له) بتضخيم بطاقات الانتخاب” المرسلة بريدياً.

نجح الرئيس ترامب في أثارة زوبعة من الشك وإرباك الجمهور حول مزاعم لجوء الطرف المنافس، الحزب الديموقراطي، إلى حشد الناخبين بأعداد كبيرة “والتزوير”، حسبما يزعم، ما سيؤدي إلى تآكل قاعدة التأييد الثابتة لمناصريه في الحزب الجمهوري.

يعوّل الرئيس ترامب ومناصروه في الحزب الجمهوري على تماسك قاعدته الانتخابية، وخصوصاً القطاعات الانجيلية المتطرفة والمنظمات العنصرية وميليشياتها من البيض، والتي رفض إدانتها أو التنصل منها بشكل صريح خلال المناظرة الرئاسية.

وفّرت المناظرة فرصة ذهبية للمرشح الديموقراطي جو بايدن للظهور بموقف يتحكّم به بكل ملابساته، واستطاع تسجيل بعض “الضربات” الكلامية للرئيس ترامب واستدراجه إلى مربع الرد، كما أوضح التباين الصّريح، بل المتناقض في تناول المرشحيْن للقضايا العاجلة.

واعتقد بايدن أنه وجد ضالته في إحراج الرئيس ترامب الذي “تسبّب في انقسام المجتمع طيلة ولايته الرئاسية”، وارتفاع معدلات العنف والجريمة، وفشله الصارخ في التصدي لجائحة كورونا، وما سبّبه من ارتفاع مريب في أعداد ضحاياها، فضلاً عن محاصرتها، لعدم احترامه لنتائج الانتخابات وتسليم السّلطة بشكل سلس، كما هو المعتاد.

الرئيس ترامب تبنّى المجموعات العنصرية عملياً، والتي أفردت لها الوسائل الإعلامية مساحات واسعة لإدانة أساليبها وتعصّبها الأعمى، رافضاً إدانة “العنف الذي تمارسه ميليشيات المجموعات اليمينية والعنصرية من البيض”. بل طالب عناصر مجموعة تدعى “براود بويز Proud Boys” بديمومة نشاطاتها، طارحاً شعار “تأهّبوا واستعدوا”، الذي تبنّته الميليشيا فور انفضاض المناظرة، كتحفيز رسمي على اساليبها الممهورة بالعنف المسلّح، وشكّلت تصريحات الرئيس ترامب إيذاناً لمناصريه بالتأهّب والنزول المسلّح إلى الشوارع، عند الإشارة إلى رفض نتائج الانتاخابات وإثارة الفوضى والعراقيل.

والجدير بالذكر أنّ سجلات مكتب التحقيقات الفيدرالي “أف بي آي” تشير إلى نحو 300 مجموعة مسلحة من الميليشيات اليمينية في طول وعرض الولايات المتحدة، تلقّى جزءٌ لا بأس به من عناصرها تدريبات عسكرية داخل صفوف القوات المسلحة الأميركية، وأثبتت قدرتها على التسلّح بمعدات قتالية واستخدامها عند الحاجة، أبرزها كان النزول بقوات مدجّجة بالأسلحة والعربات المدرعة في ولاية مشيغان، تعبيراً عن اعتراضها على قرار حاكمة الولاية “الديموقراطية”، وبتحريض من الرئيس ترامب، في شهر أيار/مايو الماضي.

احتمال نشوب اشتباكات مسلحة في عدد من المدن الأميركية الكبرى هو احتمال واقعيّ حذّر منه عدد من الأجهزة الأمنية، لكن محاولات التصدي الجاد لتلك المجموعات مشوبة بالحذر والريبة، نظراً إلى تعدد ولاءات عدد لا بأس به من القوات الأمنية الرسمية، وانتساب عناصرها إلى صفوف المجموعات العنصرية.

من المرجّح أن تغضّ الأجهزة النظر عن ممارسات تلك المجموعات عند تجسّد تلك الفرضية على أرض الواقع، وإبقائها تحت السيطرة ضمن سقف متوسط لا تسمح لها بتجاوزه، لكن مسألة انضباط الطرفين أمر يصعب الجزم به، وربما ستؤدّي الاشتباكات إلى ما يشبه ساحة حرب حقيقيّة لبعض الوقت، كما يحذّر، بل يجزم به، بعض قادة الأجهزة الأمنية.

في الحسابات الاستراتيجيّة، تأتي ديمومة النظام السياسيّ على رأس سلّم الأولويات، وستنفّذ الأجهزة الرسمية مهامها من دون اعتبار لأعداد الضحايا، كما جسّدته مراراً في تصديها للمجموعات اليساريّة والليبراليّة، نذكر منها قصف أجهزة الشرطة في مدينة فيلادلفيا لحيّ سكني مكتظ بأكمله في 13 أيار/مايو 1985، كانت تقطنه عائلات من السود تدين بالولاء لمجموعة “موف MOVE” التي صنّفتها الأجهزة الرسمية “حركة تحرر”.

أسفر هجوم الأجهزة الشرس بالطائرات والقاء القنابل الحارقة عن اندلاع النيران في 65 منزلاّ، ومقتل 11 فرداً من ضمنهم 5 أطفال. وصرّح بعض الناجين من المحرقة أنّ الأجهزة الرسمية جنّدت 500 من عناصرها المدجّجين بالأسلحة، وأطلقت الرصاص مباشرة على المدنين الهاربين من الحرائق.

ربما كانت تلك الحادثة الدموية تمريناً لمواجهات لاحقة، كما يعتقد ضحايا العنف الأميركي الرسمي.

2020-30-09-التقرير الأسبوعي

خلفيات وابعاد الصراع الدائر
حول تركيبة المحكمة العليا

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

حالف الحظّ الرئيس ترامب بمنح ولايته الرئاسية فرصة ثالثة لتعيين قاضٍ لدى المحكمة العليا على قياسه وإرضاء جمهوره المحافظ، بعد أن غيّب الموت القاضية “الليبرالية” روث بادر غينسبيرغ.

وعلى الفور ثارت ثائرة الحزب الديموقراطي ومؤيديه وبعض المستقلين، لحرمان الرئيس من ممارسة صلاحياته، نظراً إلى ضيق الفسحة الزمنية بسبب موعد الانتخابات الرئاسية، وخصوصاً أن سلفه الرئيس الديموقراطي باراك اوباما واجه واقعا مشابهاً، ورضخ لمطالب الحزب الجمهوري بتأجيل ترشيح القاضي الليبرالي ميريك غارلاند إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية.

حقيقة الأمر تكمن في ما يعيه الطرفان، الديموقراطي والجمهوري، بأنّ معركة النفوذ على تركيبة المحكمة العليا، السلطة الثالثة في النظام السياسي، هي معركة ممتدة ودائمة منذ ما يزيد على 60 عاماً، لما تتمتع به من نفوذ “مستقلّ” لترسيم السياسات والتوجهات الداخلية والخارجية على السواء، وتأثير ذلك في الأوضاع الاجتماعية والسياسية بشكل مباشر.

يشار إلى أن المحكمة العليا شرعنت العبودية في ذلك الزمان البعيد، بموجب تفسيرها بنود الدستور، وحرمت السكان الأصليين من ملاحقة انتهاكات الحكومة الفيدرالية لتعهّداتها لهم، وتراجعت عن مسألة العبودية بعض الشيء، لتواجه تحديات العصور التاريخية المتتالية، وتصطف في بعضها إلى جانب القضايا العادلة للمرأة وحقوق الأقليات، تسجل تحيّزها الفاضح إلى جانب السلطة السياسية في قضايا مصيرية قريبة زمنياً، وخصوصاً في ما يتعلق بالمهاجرين وبناء الجدار العازل على الحدود المشتركة مع المكسيك.

يعود تاريخ “التحوّل” في وجهة المحكمة العليا إلى عهد الرئيس الأسبق دوايت آيزنهاور، بتعيينه القاضي الليبرالي إيرل ووران رئيساً لها، برفقة 8 قضاة آخرين يميلون إلى التوجهات الليبرالية أيضاً، ودرجت وسائل الإعلام على وسمها بـ “محكمة ووران”، لدورها المميّز في التصدي لمسائل التفرقة العنصرية وتقييد نفوذ الحكومة الفيدرالية في الحياة اليومية للمواطنين وقضايا أخرى.

من بين أبرز القضايا التي تناولتها “محكمة ووران”، قرارها المميز في العام 1962 باعتبار أداء الصلوات الدينية في المدارس والمعاهد العامة “غير دستوري”ن لانتهاكه الحريات الفردية، تلاه قرار آخر في العام التالي يعتبر “قراءة الإنجيل او أداء الصلوات” في تلك الأماكن منافياً للدستور.

قوى اليمين في المجتمع تلقّت جملة ضربات منذئذ، وخصوصاً مع بروز “حركة الحقوق المدنية” ونضالات السود طلباً للمساواة في المجتمع الأميركي، لكنها كانت تُعِدّ لقفزة لاحقة بتؤدة وتأنٍ، جسدها المرشح اليميني عن الحزب الجمهوري باري غولدووتر في العام 1964، مطالباً وأقرانه اللاحقين بضرورة تعيين قضاة “محافظين” في المحكمة العليا. ونجح الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون بتعيين المحافظ ووران بيرغر رئيساً للمحكمة العليا، تلاه الرئيس ريغان بتعيين قضاة محافظين. ولاحقاً، مال ميزان القوى لصالح التيار المحافظ مع تعيين القاضي “الكاثوليكي اليميني” انتونين سكاليا.

القاضي سكاليا لعب دوراً كبيراً في رسم السياسات العليا للبلاد، وخصوصاً في علاقاته الوثيقة مع نائب الرئيس الأسبق ديك تشيني. ولعل الأهم من ذلك راهناً أنّ المرشحة من قبل الرئيس ترامب، آيمي كوني باريت، عملت كمساعدة لسكاليا، وتشاطره التديّن على المذهب الكاثوليكي، وتعتبره قدوة لها في توجّهاتها.

المثير في سجلّ المرشّحة باريت مدى قربها من مؤسّسات فكريّة يسيطر عليها اليمين المحافظ، أبرزها “فيدراليست سوسيتي Federalist Society”، برئاسة ليونارد ليو، المكلف من قبل الرئيس ترامب “مراجعة وتصفية سجلات المرشحين للمناصب القضائية”، علاوةً على ارتباط المؤسّسة ورئيسها بكبار مموّلي التيارات اليمينية، الأخوين كوك Koch Brothers. وقد نجحت المؤسسة في فرض خياراتها مرتين خلال ولاية الرئيس ترامب، بتعيين كل من القاضيين نيل غورسيتش Neil Gorsuch وبريت كافانو Brett Kavanaugh.

للدلالة على خطورة توجّهات تلك المؤسسات والقائمين عليها، تناولت بعض وسائل الإعلام “الدور المحوري لوكالة الاستخبارات المركزية ومركز الإعلام الكاثوليكي – اوبس دي Opus Dei” أو “عمل الله”، الذي أسّسه القس الاسباني بالإسم نفسه في العام 1928، وينتسب إليه وزير العدل الحالي ويليام بار.

من ضمن المعلومات المتوفرة عن تعاون المؤسستين المذكورتين، بالإضافة لمصرف تشيس مانهاتن ووزير الخزانة في عهد الرئيس نيكسون – ويليام سايمون، ثبوت تمويل “السي آي إيه” لمؤسسة رديفة لـ”أوبس دي” في تشيلي، إبان رئاسة ويليام كولبي للوكالة، عرفت باسم “معهد تشيلي للدراسات العامة”، والتي لعبت دوراً بارزاً في الانقلاب العسكري على الرئيس المنتخب سلفادور اليندي، “ونال عدد من أعضاء المعهد مناصب وزارية” في حكومة العسكر بزعامة اوغوستو بينوشيه (تحقيق صحافي مطول لأسبوعية “مذر جونز “Mother Jones، عدد مزدوج تموز/آب 1983).

علاقة ما تقدم بالمرشحة لمنصب المحكمة العليا، آيمي كوني باريت، تأتي للدلالة على أنّها لم تأتِ من فراغ سياسي أو بموجب أهليتها الأكاديمية، كمحاضرة جامعية في جامعة نوتردام الكاثوليكية، وولائها المعلن لتراث قدوتها انتونين سكاليا، أو تميّزها المهني كقاضية في محكمة الاستئناف الفيدرالية للدائرة القضائية السابعة، وهي التي عيّنها الرئيس ترامب في ذلك المنصب في العام 2017.

سجل باريت العملي يتميز بالسطحيّة، إذ مارست  مهنة القانون في القطاع الخاص لمدة سنتين فقط، “ولم تتقدم بالمرافعة أو استئناف قضية ما، ولو لمرة واحدة، كما لم تجادل أمام المحكمة العليا في أي قضية” طيلة حياتها المهنية، بخلاف زملائها الآخرين أعضاء المحكمة العليا.

يجمع المراقبون والأختصاصيون في القوانين الدستورية على أنّ تيار اليمين المتطرف الأميركي أضحى قاب قوسين أو أدنى من تحقيق “حلمه التاريخي” في الانقلاب على قرارات المحكمة العليا السابقة: إعادة ترديد الصّلوات الدينية في المدارس العامة، إلغاء قرار حرية المرأة باختيارها وحقّها في الإجهاض، المعروف بقضيّة Roe v Wade، والتّراجع عن المكاسب التي حقّقتها الأقليات، وخصوصاً السود في أميركا.

يضيف أولئك الخبراء أنّ الولايات المتحدة تقف أمام تحدٍ غير مسبوق “منذ ترشيح القاضي الليبرالي الأسود ثيرغود مارشالThurgood Marshsall  في العام 1967″، بترؤس المحكمة شخصية لم تناصر الحقوق المدنية خلال طيلة حياتها العملية، في إشارة إلى المرشحة باريت، بل تسود الخشية من قرارات المحكمة المقبلة “بشرعنة استمرار بناء الجدار العازل” مع المكسيك. الرئيس الأسبق جورج بوش الإبن استبدل بمقعد مارشال في المحكمة العليا اليميني المتطرف كلارينس توماس، الأكبر سناً بين أقرانه ويتمتع بامتياز المفاضلة.

التحدي الأكبر قضائياً في المرحلة القريبة يكمن في تراجع سيطرة الحزب الديموقراطي وتياره الليبرالي في تراتبية الولايات المتعددة، ومحاصرته من قبل القضاة المحافظين في المستويات الأولى من المحاكم، بموجب نفوذ الحزب الجمهوري ومناصريه في المراتب المتعددة في الولايات، وخصوصاً في السلك القضائي برمته.

انعكس ذلك جلياً بعزوف قادة الحزب الديموقراطي في مجلسي الكونغرس عن مقارعة منافسيهم في الحزب الجمهوري، الذي يحظى بأغلبية مريحة في مجلس الشيوخ، وانعدام القدرة على تحدي القرارات المصيرية التي أعدّ لها “اليمين المتطرف وتيار الانجيليين” جيداً منذ زمن، ويتأهّب لقطف ثمار جهوده حتى بغياب الرئيس ترامب عن المشهد السياسي، كما يرغبون.

من بين المسلّمات السياسية في أروقة الكونغرس، مراهنة قادة الحزب الديموقراطي على تعديل قرار “بعض” زملائهم الجمهوريين معارضة ترشيح الرئيس ترامب لباريت، وبناء حسابات عليها، عقب ايماءات مشجّعة من عضوين في مجلس الشيوخ، سرعان ما عدلتا عن ذلك، إضافة إلى منافس الرئيس ترامب الدائم، السيناتور ميت رومني، الّذي أكد تأييده ترشيح قاضية محافظة، على الرغم من عدائه المعلن للرئيس ترامب.

محورية الترشيح قبل الانتخابات لا تغيب عن ساسة واشنطن والعامة على السواء. التوقعات المرجّحة للانتخابات تشير إلى تشبّث الرئيس ترامب بموقفه المناهض للنتائج المخالفة لإعادة انتخابه، ما يحيل المسألة إلى المحكمة العليا للبتّ بها، أسوة بما حصل بين المرشحيْن جورج بوش الإبن وآل غور.

حينئذ ستكون موازين القوى وقرارها في المحكمة العليا محسومة سلفا، 6 مقابل 3. أما في حال تعادل مستبعد في القرار 4 مقابل 4، قبل المصادقة على المرشحة باريت، فستزداد رقعة التعقيد في المشهد العام، وستؤدي الولايات عبر حكامها دوراً مركزياً في إقرار الفائز.

ضمن التّوازنات الراهنة، يحظى الحزب الجمهوري بأغلبية 26 ولاية، تُضاف إليها ولايتان إضافيتان قد تؤيدان توجّهاته. فالقرار النهائي، بموجب الدستور والأعراف، هو صوت واحد لكل ولاية تنحاز إلى جانب الأغلبية البسيطة التي تحابي الحزب الجمهوري بجلاء.

2020-25-09-التقرير الأسبوعي

تراجع شعبيّة أميركا
وتقلّص هيبتها عالمياً
 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

تكثفت في الآونة الأخيرة، وبالتزامن مع اشتداد حملة الانتخابات الرئاسيّة، حملة انتقادات قاسية من داخل أركان المؤسّسة الحاكمة، ترصد “تهاوي مكانة أميركا دولياً” جراء السياسات الراهنة لإدارة الرئيس ترامب، والّتي “أخفقت في معالجة جائحة كورونا” وتداعياتها على الاقتصاد الأميركي.

تأرجحت السّياسة الأميركية الخارجية، منذ الحرب الكونية الأولى والثانية بين سياسة الانطواء على الذات والانفتاح، سعياً إلى بسط السيطرة والهيمنة الأميركية على “مصادر الطاقة والثروات الطبيعية” عبر العالم.

ومنذ عهد الرئيس جورج بوش الإبن وتبنّيه “استراتيجية الحرب على الإرهاب” 2001، اشتدّ التنافس بين القوى العالمية الصاعدة وواشنطن، بسيطرة النخب السياسية من “المحافظون الجدد”، أضفى عليها الرئيس ترامب طابعه بإثارة “القومية الشعوبية البيضاء” من حلفائه داخل تيار اليمين الانجيلي، تمخّض عنها بلورة استراتيجية ثابتة تقضي بعدم السماح بقيام قوى منافسة، والعودة إلى سباق التسلّح وخصوصاً الأسلحة النووية.

الثابت في معظم ولاية الرئيس ترامب أنّ المجتمع الأميركي يعاني من التصدّع واشتداد حالة الانقسام الداخلي، معطوفاً على تراجع هيبة مكانة الاقتصاد الأميركي عالمياً، نتيجة جائحة كورونا واعتماد سياسات داخليّة تحابي أصحاب رؤوس الأموال وتقلِّص الاستثمارات الداخلية.

محصّلة ولاية الرئيس ترامب، والنظام السياسي الأميركي برمته، أنّ الإفراط في الشعور بالتفوق، حضارياً واقتصادياً وعلمياً، بدأ يعاني من الترهل ومواجهة الحقيقة جسّدها تراجع الإنتاج المحلي العام بنسبة 24% لواشنطن مقابل نحو 15% للناتج المحلي للصين.

على المستوى العالمي، رصد مركز “بيو” لاستطلاعات الرأي، ويعدّ الأكثر حصافة ومصداقية، زيادة “منسوب الكراهية” لسياسات الولايات المتحدة عبر العالم، وهي تقارب أو تتخطّى الأجواء العامة العالمية لمناهضة الحرب وغزو العراق في العام 2003، حسبما أفاد الاستطلاع.

النخب الفكرية والسياسية الأميركية أخذت علماً بتلك النتائج، معبّرة عن تصاعد منسوب القلق من المستقبل، وخصوصاً أنّ أبرز حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا كانوا الأقل تأييداً ومراعاةً للاعتبارات الأميركية.

الاستطلاعات أجريت قبل تفشي جائحة كورونا في بريطانيا وفرنسا  وألمانيا وكندا والسويد واستراليا واليابان. نسب عدم الرضا والارتياح لسياسات واشنطن جاءت كالتالي: بريطانيا 65%، فرنسا 75%، ألمانيا 79%، كندا 67%، السويد 69%، استراليا 60%، اليابان 68%.

أما نسب “الرضا” عن سياسة الولايات المتحدة عند طرح السؤال بطريقة ايجابية، فقد جاءت بنتائج موازية: بريطانيا 41%، فرنسا 31%، ألمانيا 26%، اليابان 41%.

في الداخل الأميركي، جاءت النتائج مفزعة للمؤسّسة الحاكمة بأكملها، ونشر “مجلس شيكاغو” للأبحاث الاستراتيجية نتائج استطلاعه الدوري للعام 2020 من بيانات ومعلومات استقصاها بين مطلع ومنتصف شهر تموز/يوليو العام الجاري، ومحوره “كيف ينظر الأميركيون إلى أهمية السياسة الخارجية لبلادهم”، جسّد حالة الانقسام الحادة “بين الديموقراطيين والجمهوريين” في بلورة انخراط بلادهم في القضايا العالمية وتنفيذه.

من أبرز ما توصّل إليه الاستطلاع المذكور، الذي يطبّق كل أربع سنوات بالتزامن مع الانتخابات الرئاسيّة، أنّ عهد الرئيس ترامب تميّز بمحاباة النزعة القومية، والإحجام عن الانخراط عالمياً، وإعلاء مفهوم “أميركا أولاً”، مقابل “وعد” المرشح الديموقراطي جو بايدن بإعاد الحياة إلى سياسات “الشراكة وبناء التحالفات” التقليدية.

بلغة الأرقام أعرب نحو 58% من الجمهوريين عن تفضيلهم لشعار “أميركا أولاً” والتصّرف أحادياً، مقابل 18% من الديموقراطيين أيّدوا سياسة الانطواء الداخلي، بينما ايّد نحو 80% من الديموقراطيين التعاون مع الدول الأخرى، مقابل 40% من الجمهوريين.

اللافت أن يومية “واشنطن بوست” تناولت نتائج استطلاع مركز “بيو” في اليوم التالي لاحتفالية البيت الأبيض بتوقيع حكومتي الإمارات والبحرين اتفاقيتي تطبيع مع “الكيان الإسرائيلي”، ما فسّره المراقبون بتهميش “توهّج نجاح البيت الأبيض”.

يؤخذ على القائمين على استطلاع مركز “بيو” الدوري إضافة دولتي الدانمارك وبلجيكا لجمهور الاستطلاع، خروجاً عن القاعدة السابقة التي رسمها للدول المعنية. كما أنّ إرجاء المركز إعلان النتائج لتتزامن مع تنافس حملات الانتخابات الرئاسية رمى من ورائها إلى التأثير في وعي الناخب بالتصويت “ضد ترامب”.

قواعد استطلاع الرأي لا يتم التلاعب بها عادة، كما جرى في الحملة الرئاسية السابقة للعام 2016، وفق خبراء الاستطلاع والرافضين لنتائج “مركز بيو”، حين رصدت بيانات الاستطلاع تفوّق المرشحة هيلاري كلينتون على خصمها الجمهوري بنسب عالية، بينما فاز المرشح ترامب  بأصوات المجمّع الانتخابي بنسبة مريحة.

في بريطانيا، بحسب نتائج الاستطلاع المذكور، كانت نسبة تأييد الرئيس ترامب عالية بين أوساط مؤيدي سياسة الخروج من الاتحاد الاوروبي، بريكست، و”بريطانيا أولا”. كما أن الاحزاب اليمينية الاوروبية تتشاطر منسوب العداء للمهاجرين مع انصار الرئيس ترامب بين الجمهوريين.

تناغمت نسب وجهات النظر للولايات المتحدة مع مدى ثقة الجمهور بأداء الرئيس، كما يقول “مركز بيو”، وانخفضت بشكل حاد في العام 2017، السنة الرئاسية الأولى لترامب، وزاد منسوب الانخفاض منذئذ باطراد “وبشكل أكبر في كلّ دولة شملها الاستطلاع”.

في السعي إلى إجابة شافية على مسألة “هبوط هيبة الولايات المتحدة وهيمنتها” عالمياً، لا ينبغي الإصغاء لنتائج استطلاعات الرأي بصورة حصرية، على الرغم مما تعكسه من توجهات شعبية حقيقية في فترة زمنية معينة، ووفق قيود صارمة تتحكّم بصياغة التساؤل أو تأثير صياغة معينة في طبيعة الإجابات التي بُنيت عليها النتائج، بل تجدر الإشارة إلى الأهمية البالغة التي توليها الحكومة الأميركية لمدى شعبيتها عالمياً، “وخصوصاص منذ الحرب العالمية الثانية”.

ميزانية الولايات المتحدة السنوية تتضمن بنداً ثابتاً  بعنوان جذاب وخادع هو “برامج الديبلوماسية العامة”، ومعدّله نحو 2 مليار دولار، للإنفاق على المؤسّسات الإعلامية الأميركية الموجهة إلى الخارج، مثل “صوت أميركا” وإذاعة “سوا” وتلفزيون “الحرة”، والتمويل السخي “للمنظّمات الأهلية غير الحكومية” في الدول المعنيّة لتحسين صورتها فيها، فضلاً عن برامج تمويل أخرى تشرف عليها مباشرة وزارة الخارجية الأميركية، كوكالة التنمية.

ختاماً، تنبغي الإشارة الى آخر مظاهر تراجع مكانة أميركا على المسرح الدولي، بعجزها عن تنفيذ رغبتها في تجديد العقوبات الدولية على ايران، وفشل كلّ مساعيها في مجلس الأمن.

2020-08-09-التقرير الأسبوعي

واشنطن تتأهب للمواجهة ..
والصّين هادئة ويقظة 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

” تفوَّقت الصين على الولايات المتحدة في مجالات محدّدة، في بناء السفن والصواريخ الباليستية وصواريخ كروز ونُظم الدفاع الجوي”. كان ذلك مُلخّص تحذير في تقرير سنوي أعدَّته وزارة الدفاع الأميركية وقُدم إلى لكونغرس، في الأول من شهر أيلول/سبتمبر الجاري، حول “التطورات العسكرية والأمنية لجمهورية الصين الشعبية”.

تزامن التقرير مع تقديم البنتاغون ميزانيته للعام المقبل إلى الكونغرس، والتي تقدّر بنحو 740 مليار دولار، ما حفّز البعض على اعتباره تهديداً مبطناً للساسة الأميركيين بالموافقة على الميزانية، تعزّزه “المبالغة” في تقييم التّهديدات التي تعتبرها واشنطن عثرة أمام “مصالحها الكونيّة”. ولا شكّ في أن المجمّع الصناعي الحربي الأميركي هو المستفيد الأول من مبالغات تقرير البنتاغون، لأنه يوفّر الذريعة الجاهزة لتبرير الإنفاق الهائل على المنظومات العسكرية.

شدّد التقرير، كما التّقارير السابقة المقدّمة، على عزم القيادة الصينية على تطوير أداء قواتها المسلحة وتحديث ترسانتها العسكرية مع حلول عام 2049 في “الذكرى المئوية للثورة الصينية الشعبية”، وبأنّ الرئيس الصيني شي جين بينغ يُعدّ لاستعادة جزيرة تايوان للسيادة الصينية  بحلول العام 2050 بموجب سياسة “الصين الواحدة” الموّحدة.

تقارير البنتناغون حول الصين، بدءاً منذ العام 2000، ألقت ظلالاً من الشكّ على قدرة الصين على النهوض عسكرياً في المدى القريب، معتبرةً أنّ “عقيدة القوات المسلحة الصينية هي في الإعداد لمواجهة حرب بّرية كبيرة على طول حدودها، وبأن أسلحة قواتها البرية والجوية والبحرية قديمة وعفا عنها الزمن”. بعضهم وصفها تهكّماً بأنها عبارة عن “نمر من ورق”.

واعتبر مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض، روبرت أوبرايان، أنّ سياسة واشنطن تجاه بكين تعد “أكبر فشل للسياسة الخارجية الأميركية منذ الثلاثينيات”. وقد انتقدت الصين الأمر على أرفع مستوياتها الرسمية، ورفضت توصيف تقرير البنتاغون. وقالت المتحدثة باسم وزارة خارجيتها خوا تشينغ يينغ إنّ التقرير الأميركي “مليء بالتحيّز”، مشدّدة على التزام بلادها بمسار التنمية السلمية.

وزارة الدفاع الصينية اعتبرت أنّ التقرير تحكمه “عقلية الحرب الباردة والمعادلة الصفرية”، ويسيء تفسير سياسة بكين الدفاعية واستراتيجيتها العسكرية، ويحرّض على نشوب مواجهات في مضيق تايوان.

يُشار في هذا الصدد إلى تواتر تقارير أميركية متعدّدة “تغذّي حالة العداء للصين”، منها تقرير موسّع لصحيفة “واشنطن تايمز”، اليمينية والمقربة من البيت الأبيض، محذراً من “مؤشرات” قامت بها الصين بأنها تعدّ لعمل عسكري ضد الولايات المتحدة التي “دقت جرس الإنذار داخل الجيش وأجهزة استخباراتها”، (29 تموز/يوليو 2020).

وحذّرت أيضاً من عبثية جهود “بناء الثقة مع جيش التحرير الشعبي الصيني، والتي فشلت إلى حد كبير في إقامة علاقات أو تعاون أوثق”، معتبرة التهديد “ملحّاً الآن ومن دون الانتظار إلى العام 2030 ، إذ باتت كل القواعد الأميركية في منطقة قيادة المحيط الهادئ معرضة لخطر الهجوم، بعدما عززت الصين قدراتها مؤخرا، ولا سيّما من الصواريخ الباليستية متوسطة المدى”.

يُشار إلى أنّ التواجد العسكري الأميركي الضّخم في جزر غوام، قبالة الفيلبين في المحيط الهادىء، يضم 3 قواعد عسكرية ضخمة “هي مصدر قلق خاصّ، لأنه يصعب الدّفاع عنها”. وزعمت الصحيفة أنّ هناك “شائعات عن صراع سياسيّ كبير على السلطة في بكين، بين الرئيس الصيني شي جين بينغ وعناصر موالية لنائب الرئيس الصيني السابق تسنغ تشينغ هونغ، حليف الرئيس الصيني الأسبق جيانغ زيمين”.

وأكدت مصادر عسكرية أميركية لوسائل الإعلام أن “مسار التوتر في العلاقات مؤخرا بين البلدين على خلفية ملفات عدة، أكّد مخاوف متزايدة من أنّ الولايات المتحدة معرضة لتهديدات بالغة من الصين، وأن أي قتال سيؤدي إلى معاناة الولايات المتحدة من خسائر فادحة” (17 أيار/ مايو 2020).

وأردفت المصادر العسكرية قائلة أنّ الصين “تمتلك صواريخ باليستية بعيدة المدى مضادة للسفن، وصواريخ تفوق سرعتها سرعة الصوت (أكثر من 5 أضعاف)”. كما أعلن الرئيس الأميركي ترامب متفاخراً عن جهود بلاده تطوير “صاروخ متطور أسرع من الصوت بـ 17 مرة من الصواريخ الحالية” (17 أيار/مايو 2020).

مستشارة الحكومة الأميركية لشؤون شرقي آسيا (من أصول أسترالية)، بوني غلاسر، أفصحت عن إجراء جملة دراسات وتمرينات نظرية لمحاكاة التهديد الصيني بحلول العام 2030، قام بها عدد من الخبراء الأميركيين في الآونة الأخيرة، وأسفرت نتائجها عن “هزيمة الولايات المتحدة” (19 أيار/مايو 2020).

بالعودة إلى تقرير البنتاغون، لفت مختصّون في الشؤون العسكرية إلى خلوّ التقرير من جداول وبيانات مفصّلة مفيدة، كما جرت العادة والتقليد العسكري، وأغفل مقارنة فعالية الترسانة الصينية بنظيرتها الأميركية، بل “أسهب في توصيفات غامضة” غير دقيقة، مثل قوله: “تمتلك الصين الشعبية أكبر سلاح بحرية في العالم، ولديها قوة محاربة تعادل نحو 350 سفينة وغواصة. في المقابل، القوة الأميركية المحاربة تشمل نحو 293 سفينة (تحت الخدمة) منذ مطلع العام 2020”.

تفادى تقرير البنتاغون أيضاً الإقرار بمسلّمة يدركها العسكريون حول طبيعة السفن الحربية الصينية، وهي ذات طبيعة “خفيفة الحركة تصلح للدفاع عن سواحل البلاد”، وليس للإبحار البعيد. وأعلنت الصّين حديثاً عن دخول “حاملة طائرات تعمل بالطاقة التقليدية” الخدمة، وهي أصغر من مثيلاتها الأميركية.

سلاح البحرية الأميركية المنتشر يضم “11 حاملة طائرات نووية، 3،700 مقاتلة حربية”، بينما ترسانة الصين الجوية لا تتعدى 1،000 طائرة هجومية وقاذفة قنابل. أما نُظم الدفاع الجوية في الصين، فيعتقد الخبراء العسكريون أنّها مبالغ بها، وخصوصاً أنها تعتمد على النظم الروسية من أس-400 وأس-300 التي لم تختبر جدياً في ساحات الحرب.

وأشار بعض المعلقين الأميركيين إلى إستمرار الإعتداءات الإسرائيلية على سوريا، رغم توفّر هذه المنظومات التابعة للقوات الروسية هناك، كدليل على عدم تفوّقها أو على تمكّن الإسرائيليين من تطوير تكتيكات تتجاوزها.

القوات المسلحة الصينية، فيب رأي الخبراء العسكريين، تواجه تحديات متشعّبة لإعادة بناء ترسانتها، واستناد عقيدتها العسكرية إلى الاعتماد على وحدات “جيش التحرير الشعبي”، ذو هيكلية أقرب إلى وحدات ايديولوجية ترتبط مباشرة بالقيادة السياسية للبلاد، أما تطوير عقيدتها وعتادها إلى مستويات الجيوش النظامية الحديثة، فلن يتحقّق ضمن طموح قادة البلاد بإنجاز ذلك مع حلول العام 2049. عندئذ ستصبح أسلحتها للعام 2020 قديمة ومحدودة الفعالية.

وأوضح تقرير البنتاغون للعام 2019 هذه المسألة بالإشارة إلى توقعه بـ “فشل جيش التحرير الشعبي في إنجاز أهدافة بالتّطوير والتّحديث، وهو لا يزال على مسافة نحو سنتين قبل الوصول إلى مرحلة المكننة”.

إصدار البنتاغون تقريره حول “تهديد الصين” لم يغفل المناخ السياسي الراهن في واشنطن، والمنهمك بالإعداد لمنافسة انتخابية “حامية الوطيس” بين الحزبين وداخلهما أيضاً، والضّغط على قادة الكونغرس  للمصادقة على الميزانية المطلوبة قبل تبدّل موازين القوى المتوقّعة عقب انتهاء الانتخابات.

2020-03-09-التقرير الأسبوعي

تنامي فرضية عدم الحسم في الانتخابات الأميركية
سيناريوهات محتملة
 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

استطاع الرئيس ترامب جرّ خصومه ومنافسيه السياسيين إلى مربّع الإثارة والموقف الأضعف في البحث عن بدائل للاقتراع الانتخابي، مصعّدا من تشكيكه لاعتماد سلطة البريد العادي وسيلة آمنة للانتخاب غيابياً، والإعلان عن إعتبار النتائج مزوّرة في حال خسارته، والتلويح بإمكانية تأجيل موعد الانتخابات.

تصريحاته وهجومه الشرس على أركان المؤسّسة أضيف أيضاً لمنسوب القلق الدائم بين أقطاب الحزب الجمهوري من إقبال مكثّف على صناديق الاقتراع، والذي سيستفيد منه المرشّحون المنافسون، سواء الحزب الديموقراطي أو المستقلون وحزب الخضر.

انبرى كبار قادة الحزب الديموقرطي لاتهام الرئيس ترامب بالسعي إلى “التلاعب” بنتائج الانتخابات بتقليص الاعتماد على التصويت بالبطاقات عن بُعد واستخدام البريد العادي كآلية مضمونة لذلك، وخصوصاً أنها هيئة “مستقلة” مموّلة من الكونغرس، وبمشاركة قطبي الحزبين في إدارتها، فضلاً عن زيادة اعتماد الناخبين على الاقتراع بالبريد نتيجة تفشي جائحة كورونا.

كما حقّق الرئيس ترامب قسطاً من أهدافه في صرف الأنظار بعيداً عن تدهور الأوضاع الاقتصادية، ولو مرحلياً، والطعن في نتائج الانتخابات قبل إجرائها، ونيّته في تأجيل الانتخابات، ما وضع خصومه في خانة التشبث بالنصوص الدستورية لإجراء الانتخابات في موعدها، وخصوصاً أنها لا تمنح رئيس البلاد صلاحية تغيير موعد الانتخابات الرئاسية المقررة في “أول يوم ثلاثاء يتبع أول يوم إثنين من شهر تشرين الثاني/نوفمبر”، الذي يوافق الثالث من ذلك الشهر هذا العام.

كما ينصّ الدستور على أنّ الموعد النهائي لولاية الرئيس ونائبه “الساعة 12 ظهراً من يوم 20 كانون الثاني/يناير” من العام 2021. الخبراء في القوانين الدستورية يميلون إلى التفسير بأنّ الرئيس الذي لم يُنتخب لولاية ثانية، بعد انقضاء فترته الرئاسية عليه مغادرة السلطة.

أقرّ الكونغرس قانوناً في العام 1948 يثبّت فيه موعد الانتخابات، يوم أول ثلاثاء من شهر تشرين الثاني/ نوفمبر، على أن يتولّى مندوبو “الكلية الانتخابية” مهمة اختيار الرئيس المقبل للبلاد وفق آلية تمنح الولايات صلاحية “تعيين مندوبيها” بمقاعد محددة توازي المجموع العام لمجلسي الكونغرس وبالتوزيع النسبي المعتمد ذاته.

من تعقيدات الانتخابات الأميركية، تنصّ القوانين السارية على “اجتماع المندوبين لانتخاب الرئيس ونائب الرئيس في كل ولاية، والذين يمنحون أصواتهم في أول يوم إثنين بعد ثاني يوم أربعاء من شهر كانون الأول/ ديسمبر”، الذي يوافق 14 كانون الأول/ ديسمبر العام الجاري.

وتنصّ مادة أخرى من قانون الانتخابات على إعلان الولايات نتائج انتخاباتها في غضون أسبوع بعد إقفال صناديق الاقتراع، وإرسال أصوات مندوبيها إلى الكونغرس، بتشكيلته القديمة، مع حلول يوم 23 كانون الأول/ديسمبر، ويتم فرز أصوات المندوبين في جلسة مشتركة لمجلسي الكونغرس تعقد “عند الساعة الواحدة بعد ظهر يوم السادس من كانون الثاني/يناير”.

وفي حال لم يتأهّل أيّ مرشح لمنصب الرئيس أو نائبه، يختار مجلس النواب الرئيس المقبل، ويختار مجلس الشيوخ نائباً له بالتوازي. بعبارة أخرى، ستعكس تركيبة الكونغرس الجديدة هوية الرئيس المنتخب ونائبه، في حال إخفاق أعضاء “الكلية الانتخابية” بتلك المهمة.

سيسعى كل من الطرفين، الديموقراطي والجمهوري، إلى تجيير النصوص الدستورية والأعراف السائدة لخدمة برنامجهما ولأقصى الحدود، وسيواجهان تعقيدات المشهد السياسي، في ظل تحدّي الرئيس ترامب لنصوص الاقتراع الانتخابي وآلياته ، ومنها الاحتمالات التالية:

1-   تباين النتائج بين الأصوات الشعبيّة وأصوات مندوبي “الكلية الانتخابية”، وتوجه حاكم الولاية سياسياً وما يتمتّع به من صلاحيات بدءاً بإبطاء فرز النتائج، وخصوصاً بطاقات التصويت غيابياً، وما ستفرز عنه من عدم استيفاء شروط تعيين المندوبين بعد أسبوع من نهاية الانتخابات.

في تلك الحالة، تحرم القوانين السارية الولاية المعنيّة من ممارسة تصويتها في “الكلية الانتخابية”. وتلقائياً، ستتأهب المحكمة العليا للبتّ في تلك النتائج، أسوة بما شهدناه في انتخابات العام 2000 بين المرشحيْن آل غور (عن الحزب الديموقراطي) وجورج بوش الإبن. وشهدت أميركا آنذاك تدفق حشود شعبية إلى مراكز الاقتراع خلال عملية الفرز وتهديد المشرفين على العملية. تكرار ذلك في العام الحالي سيكون أشدّ عنفاً وانقساماً، وربما سيلقى تشجيعاً من الرئيس ترامب وأنصاره.

كما أنّ توازن تركيبة المحكمة العليا مهدّدٌ بتردي الحالة الصحية للقاضي روث غينزبيرغ، ما سيحيل النتيجة إلى تساوي الأصوات، 4 مقابل 4، وما سينجم عنه من تعقيدات إضافية.

2-   رفض إحدى أو بعض الولايات ارسال مندوبيها إلى الكلية الانتخابية، في ظاهرة حيّة لأكبر ولايتين، كاليفورنيا ونيويورك، وإعرابهما عن الرغبة في الانسلاخ عن الاتحاد الفيدرالي. حينئذ، سيفوز الرئيس ترامب تظلّله سحابة شك في شرعيته.

3-   إختيار رئيس بالإنابة في حال عدم التوصّل إلى النتائج النهائية، قبل نهاية الفترة الرئاسية يوم 20 كانون الثاني/يناير، ويتعين على مجلس النواب اختيار رئيس بالإنابة، مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ تركيبة مجلس النواب في ذلك اليوم هي الهيكلية القديمة، ولن تعكس حجم الطرف الفائز في الانتخابات التشريعيّة، ما يضاعف من تعقيدات الخيارات المطروحة.

4-   تعديل بوصلة مجلس النواب كنتيجة للانتخابات التشريعية، والتي ستحفز، في حال عدم الحسم بنتائجها، أحد الطرفيين على تأجيل الفرز طمعاً في إعلاء المرشح الرئاسي الموالي له، وما سينجم عنه من صفقات سياسية تعقد خلف أبواب موصدة تسفر عن ممارسة ضغوط على هيئات الفرز في الولايات المتعددة لإعلان نتائجها النهائية.

5      – يتمّ تبديل المندوبين في حال الطعن في شرعية الانتخابات، ما سيتطلّب من مجالس الولايات التشريعية تعيين مندوبيها والتغاضي عن إفرازات توجّهات الناخبين عبر صناديق الاقتراع، إن تطلب الأمر.

6-   رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي ستقفز تلقائياً إلى منصب رئيس البلاد في حال عدم التوصّل إلى تسمية رئيس ونائبه في الموعد المحدد، 20 كانون الثاني/ يناير، شرط بقاء الحزب الديموقراطي مسيطراً على أغلبية مقاعد مجلس النواب، وفوزها في ولايتها كاليفورنيا، وذلك وفق المادة 19 من القانون الأميركي.

 

وفي هذا السياق، تجدّدت مطالب بعض كبار قادة الحزب الديموقراطي للمرشح جو بايدن بعدم التنازل التلقائي نتيجة فرز الانتخابات، ما سيعيد المسألة إلى مجلس النواب ورئيسته لتولي المهمة، بمعزل عن شخص بايدن نفسه.

كل ما سبق من احتمالات “نظرية” قد تطرأ عليها تعديلات تغذيها حالة الانقسام الحاد السائدة في المشهد السياسي، والتحديات المضاعفة أمام قادة الحزبين للتوصّل إلى “حلٍ مُرضٍ”، للحيلولة دون تعريض هيبة النظام السياسي لتحدٍ غير مسبوق، وضرورة التضحية من الطرفين ببعض الرموز صوناً لاستمرارية المؤسسة.

علاوة على ما تقدّم، يدرك قادة الحزبين المخاطر والتحدّيات الراهنة من توسّع رقعة انتشار الاحتجاجات والاضطرابات المدنية التي تغذيها العنصرية المتأصلة في المؤسّسات الأمنية، وهم في غنى عن التسبّب بمزيد من الانقسام والتدحرج نحو الأسوأ، وخصوصاً في ظلّ انتشار جائحة كورونا.

تجدر الإشارة الى أنّ ما يجري من استعراضات عسكرية الطابع لمؤيدي الرئيس ترامب في عدة ولايات، وإقدامهم على استفزاز المحتجين  السلميين أو الإعتداء عليهم، قد يعزّز مناخ الفوضى والإضطرابات التي قد تشهدها بعض مراكز الإقتراع ما يعطّل العملية الإنتخابية في العديد من الولايات .

2020-26-08-التقرير الأسبوعي

أميركا : دعوات لتدخل القوات العسكرية
لتنفيذ انتقال السلطة بعد الانتخابات

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

اعتادت الولايات المتحدة تمييز تجربتها السياسية “الانتقال السلمي والسلِس للسلطة” عقب نهاية الاقتراعات الانتخابية، وتسليم الرئيس المنتخب مقاليد السلطة من سلفه بتنسيق متدرّج بين الفريقين، تهيئة للتسليم الرسمي في 21  كانون الثاني/يناير من العام التالي.

يشكّل عهد الرئيس ترامب، صعوده واستمراره وربما نهايته، شذوذاً عن القواعد والأعراف المعهودة، وهو الذي هدّد في أكثر من مناسبة بعدم إقراره بنتائج الانتخابات في حال عدم فوزه، بل ذهب إلى القول إنه لن يغادر البيت الأبيض تلقائياً وأوعز إلى مؤيّديه المدجّجين بالسّلاح التأهب لدخول العاصمة واشنطن، لحمايته من رد فعل أفرع المؤسسات الرسمية الأخرى.

تتميز جولة الانتخابات الرئاسية الراهنة بانقسام عمودي وشرخ اجتماعي على مستويات متعددة، كتعبير عن حدة الصراعات المتنامية بين أقطاب المؤسّسة الرسميّة، ودخول بعض القيادات العسكرية على الخط، مناشدين قيادة هيئة الأركان المشتركة التأهب للتدخّل “عسكرياً” بإخلاء الرئيس ترامب بالقوة، إن استمر في تعنّته وتحدّيه لأعراف المؤسسة الحاكمة وتقاليدها.

تراتبياً تتبع المؤسسة العسكرية بأفرعها وتشكيلاتها كافة لقرار السلطة التنفيذية، دستورياً وعُرفياً، وهي المرّة الأولى التي تخضع لاختبار حقيقي في مهماتها وواجباتها المنصوص عليها في معادلة التوازن التقليدي بين الشقين العسكري والمدني لأركان السلطة، وتفتح الأبواب مشرعة على احتمالات لم تشهدها البلاد منذ بدء كيانها السياسي.

وفي هذا السياق، ناشد ضابطان متقاعدان من سلاح الجيش رئيس هيئة الأركان المشتركة، مارك ميللي، الإعداد للتدخل المباشر “بإخلاء الرئيس ترامب من البيت الأبيض في حال اعتراضه على نتائج الانتخابات وعدم فوزه بولاية ثانية” (نشرة “ديفينس وان”، 18 آب/أغسطس الجاري).

تأتي تلك المناشدة العلنية للتدخل العسكري على نقيض تراث المؤسسة العسكرية، بإعداد كبار الضباط على  مستوى قادة الأركان، وتمسكها الصارم بالتراتبية المهنية ووظيفتها بالانصياع إلى قرار المؤسسة السياسية، كما تشير أدبيات المعاهد العسكرية المتعددة، وأبرزها “الكليات الحربية”، فضلاً عن تداعيات ذلك على المستويات الاستراتيجية والبعيدة المدى ومخاطرها على النموذج السياسي الأميركي في حال تحققها.

وجاء في مذكّرة الثنائي العسكري المذكور أن “واجب رئيس هيئة الأركان المشتركة إصدار سلسلة أوامر لا يشوبها الغموض، تمنح القوات العسكرية صلاحية دعم وتأييد الانتقال السلمي للسلطة وفق النصوص الدستورية”. ومضت المذكّرة محذّرة، في حال إخفاق رئيس الهيئة الامتثال للواجبات الدستورية، بأنه “سيكون متواطئاً في حملة انقلاب عسكري” على السلطة.

في تلك الأثناء، تصاعدت موجات التحشيد الإعلامي والعسكري والأمني ضد “التدخّلات الأجنبية، وخصوصاً روسيا”، في سير الانتخابات الأميركية، وفق السردية الرسمية. وحذّرت كل أذرع المؤسسة الأمنية والعسكرية من تلك المحاولات التي لم تقدم للحظة أدلّة مقنعة للعامة بهذا الشأن.

ومن بين تلك المساعي تحذير لرئيس القيادة العسكرية الأميركية للفضاء الالكتروني، السيبراني، في وكالة الأمن القومي، بول ناكاسوني، من التدخلات الأجنبية، مؤكداً “جهوزية الوكالة للتحرك” إذا ما تعرضت جولة الانتخابات للهجوم، ومعتبراً أن الهدف الأول هو ضمان “سير الانتخابات للعام 2020 آمنة ومؤمّنة وشرعية” (20 تموز/يوليو 2020).

بعض المراقبين الأميركيين “شدّد” على ما ورد في تحذير ناكاسوني بضمان شرعية الانتخابات، كرديف لما يدور في أروقة المؤسستين العسكرية والأمنية من نيات بالتدخل للسيطرة على “سلاسة تقليد التسليم والاستلام السلمي” للسلطة.

وما يعزز تلك المخاوف، على الصعيدين الرسمي والشعبي هو الجدل الدائر حول آلية التصويت، في ظلّ تفشي جائحة كورونا، والتزام الأغلبية بارشادات المراجع الصحية بعدم الاختلاط والتجمهر، ومطالب موازية للتصويت عبر بطاقات الاقتراع بالبريد الرسمي، والذي عارضه الرئيس ترامب وبعض قيادات الحزب الجمهوري، لخشيتهم من تفشي محاولات التزوير، كما يشاع، ولعدم التيقّن من هوية الناخب بشكل مباشر.

البعض اعتبر مضمون المذكرة “بالون اختبار” أطلقه مقربون من حملة المرشح الديموقراطي جو بايدن، بهدف إثارة بعض القضايا والاهتمامات التي يتم تداولها داخل المراتب العسكرية العليا.

واشار اولئك إلى تقيّد المؤسسة العسكرية الصارم بـ “عدم التدخل في السلطة السياسية”، ممثلاً باستقالة الرئيس الأسبق دوايت ايزنهاور من منصبه العسكري الرفيع في العام 1952، لدخول الحلبة السياسية والترشح لرئاسة البلاد بعد انتصاراته في الحرب العالمية الثانية.

فرادة الظرف السياسي الذي تمرّ به الولايات المتحدة “قد” تسعف حملة الرئيس ترامب في المحصّلة النهائية، ليس بدوافع أهليته، بل لاعتبارات ضمور أهلية المرشح جو بايدن، والإعياء الذي بدى على حالته الصحيّة وإجهاده، وربما تتفاقم حالته سلباً مع طبيعة الضغوط اليومية لحضور يومي ودائم للمرشح في المشهد السياسي.

من بين الاحتمالات الواقعية الأخرى، في حال عدم الحسم بنتيجة الانتخابات العامة بين المرشحيْن، وإخفاق مجمع “الكلية الانتخابية” في التوصل إلى نسبة الأغلبية المطلوبة بين أعضائها (270 صوتاً) لإعلان الفائز، أن يُحال الأمر إلى مجلس النواب، الذي يتعيّن عليه “اختيار” رئيس مرحلي لحين جلاء الصورة قبل المهلة الزمنية الدستورية لتنصيب الرئيس رسمياً في 21 كانون الثاني/يناير 2021.

دور المؤسسة العسكرية، وامتداداً الأمنية، في اجواء الجدل الناجم عنه أقل من واضح وصريح بهذا الشأن، بعيداً من الرغبات الذاتية لكل من الفريقين السياسيين، وهي ستتبع رؤية مجلس النواب في الصيغة “المرحلية” اتساقاً مع مهامها كمؤسسة تتبع السلطة التنفيذية والتشريعية تباعاً. يعزز ذلك حملة النقد اللاذع للمذكّرة من قبل الرئيس الأسبق لقيادة القوات الخاصة، ريموند توماس، بوصفها “عديمة المسؤولية”.

وانضمت كبريات المؤسسات الإعلامية إلى الجدل الانتخابي ببعده النظري، في محاولة لتسليط الضوء على أبرز السيناريوهات المحتملة، فقد تناولت يومية “نيويورك تايمز” في 2 آب/أغسطس الجاري سيناريو انتخابياً بإشراف  معهد “مشروع صدقية تسليم السلطة”، يحاكي  جملة احتمالات، منها “فوز الرئيس ترامب بأصوات مجلس الكلية الانتخابية وخسارته الأصوات الشعبية”، استناداً إلى فرضية خسارة المرشح المنافس جو بايدن لولاية بنسلفانيا “المحورية”، والتي لن تستطيع الإعلان عن نتائج الانتخابات النهائية لبضعة أسابيع ربما.

وأوضح السيناريو أن “الخاسر” الديموقراطي سيلجأ إلى اتهام خصمه بقمع أصوات الناخبين، والسعي لإقناع حكام ولايتي مشيغان وويسكونسن الديموقراطييْن بتعيين مندوبين مؤيدين للمرشح بايدن. في المقابل، مضى السيناريو، هدّدت ولايات كاليفورنيا واوريغون وواشنطن المطلّة على الساحل الغربي للولايات المتحدة بالانشقاق عن الاتحاد الفيدرالي القائم في حال تسلم الرئيس ترامب مهام ولاية رئاسية ثانية.

النصوص المرعية الراهنة في الولايات المتعددة توضح أن الرابح بالأصوات الشعبية في الولايات المختلفة تفرض على مندوبي الكلية الانتخابية تأييد التصويت للفائز عينه.

التهديد بالانشقاق المشار إليه لثلاث ولايات ليس وليد اللحظة الراهنة، بل سبق أن استخدمته ولاية كاليفورنيا في الجولة الانتخابية السابقة في العام 2016، وسعت القوى المختلفة إلى تضمين ذلك كنص انتخابي في عموم الولاية في العام 2018، لكنه فشل في الحصول على الأصوات الضرورية.

عند النظر في “تجدد فرضية الانشقاق”، رغم مخاطرها على تماسك الصيغة الفيدرالية، ربما سيجد الرئيس ترامب فرصته لتهديد تلك الولايات بسحب القواعد العسكرية والبحرية المتعددة من أراضيها، بما فيها تلك المتواجدة في ولاية هاواي، مما سيعرّض الاستراتيجية الأميركية العليا للخطر أمام توجّهها لمحاصرة الصين في بحر الصين الجنوبي والمحيط الهاديء على السواء، أو يتم التوصّل إلى صيغة تعاقد بإيجار الولايات تلك القواعد للحكومة الفيدرالية لفترة زمنية محددة ترجىء خطر الانشقاق وتفتّت الصيغة الأميركية.

التحديات الأخرى الناجمة عن تغوّل الأجهزة الأمنية المختلفة في المدن الأميركية، لا تزال ماثلة وقابلة للاشتعال مرة أخرى، وخصوصا في كبريات المدن، مثل بورتلاند وسياتل في الساحل الغربي، وشيكاغو في الوسط، ونيويورك في الساحل الشرقي.

تفاقَمَ ولاء الأجهزة الأمنية أيضاً عقب إصدار الرئيس ترامب أوامره لقوى أمنية فيدرالية بالتدخّل المباشر في تلك المدن، وما نجم عنها من تصادم في صلاحيات المدن والولايات من جهة، ونفوذ الدولة الفيدرالية من جهة أخرى.

إضافة إلى كلّ ما تقدّم، فإنّ التحديات والتعقيدات اليومية الناشئة عن تجدّد انتشار جائحة كورونا لا تزال حاضرة بقوة في الوعي الشعبي العام، وستأخذ حيزاً مهماً في قرار الناخب الأميركي عشية جولة الانتخابات القادمة.