2024-08-05-التقرير الأسبوعي

ينشر بالتعاون مع “الميادين”

البحر الأحمر: من منطقة آمنة
إلى ساحة مواجهة خطرة

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

بعد عناد منهجي طويل لتلافي  التطورات المتسارعة في منطقة البحر الأحمر وامتداداتها إلى ساحات أخرى، أقرّت المؤسسة الحاكمة الأميركية بأنالمنطقة “تشهد أهمّ التحولات السياسية خلال جيل واحد”، واستدركت تعقيباً على نجاح اليمن في إنجاز 3 مراحل مواجهة، كما جاء في تصريح يمني رسمي، بأن “هناك نموذجاً جيوسياسياً جديداً آخذاً في الظهور”.

وأوضحت دراسة صدرت حديثاً أن المنطقة مرشحة لجميع الاحتمالات في ظل استمرار الحرب، “والمخاطر الاستراتيجية لهذا التطور أصبحت واضحة منذ كانون الثاني/يناير 2024 وسط تصاعد التوترات الإقليمية بشأن الحرب في غزة”، لمبادرة اليمن “الاستمرار في منعِ الملاحة الإسرائيلية أوِ المتجهة إلى موانئ فلسطين المحتلة في البحرينِ الأحمر والعربيّ”، بحسب البيان المعلن، وشلّ حركة التجارة العالمية. وقد بات اليمن يعد كل السفن الأميركية والبريطانية ضمن أهدافه العسكرية (دراسة “اضطراب في البحر الأحمر”، أصدرها معهد السلام الأميركي، ربيع 2024).

أثبتت الحقائق المتسارعة ارتفاع الكلفة المادية التي تتكبدها واشنطن وحلفاؤها من أجل تكريس “هيمنة تقليدية” متوارثة على البحار والموانيء الدولية الحيوية. جاء إسقاط القوات اليمنية درة التاج في سلاح الطيران المسيّر، MQ-9 Reaper، التي تبلغ كلفة الوحدة نحو 30 مليون دولار، بمنزلة هزّة لا تزال ارتداداتها تتوالى، فضلاً عن الكلفة الأعلى لإطلاق أميركا صواريخ كروز متطورة من البحر لاعتراض الصواريخ اليمنية.

الإطلالة على وضعية الترسانة البحرية، لأميركا وحلفائها الأوروبيين، المنتشرة في مواجهة اليمن تشير بقوة إلى تردي أوضاع طواقمها التي تعاني الإرهاق من طول مدة مرابطتها التي تجاوزت بضعة أشهر، فضلاً عن احتدام حالات إطلاق النار ضدها.

من الدلائل البارزة في هذا الشأن قرار البنتاغون سحب حاملة الطائرات الضخمة “آيزنهاور” والسفن والفرقاطات المرافقة لها من البحر الأحمر عقب مكوثها في المنطقة أكثر من 8 أشهر، وساد القلق من عدم قدرة المجموعة المتكاملة على التصدي لحرب غير معلومة المدى مع اليمن وربما إيران. وصدرت الأوامر إلى المجموعة بالعودة إلى قواعدها الأميركية وإجراء أعمال الصيانة المطلوبة، وهي ترسو حالياً في أحد الموانئ اليونانية.

لا شك في أن هناك تعتيماً وإخفاءً لحجم الخسائر البشرية. ومن المرجّح تعرّض القوات الأميركية والبريطانية لخسائر في صفوفهما نتيجة دقة الإصابات من اليمن على السفن والمدمرات الحربية التي كانت مرابطة هناك، وإغراق سفينة واحدة على الأقل.

وللدلالة على ذلك، صرّح نائب قائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر أن تحديات البحر الأحمر تعدّ “أكبر معركة بحرية للقوات الأميركية بعد الحرب العالمية الثانية” (وكالات، 9 شباط/فبراير 2024).

طبيعة الرد الأميركي على اليمن، تقليدياً كان أو غيره، ، وخصوصاً أن منصّات إطلاق الصواريخ اليمنية لا تعادل كلفة الأسلحة المعادية، ستكون مكلفة  أيضاً.

وفي هذا السياق يبرز الهدف الأعلى لواشنطن في الإقليم في المرحلة الحالية، والمتمثل بـ “احتواء إيران”، وأي تصعيد بين الطرفين يجب أن يأخذ بعين الاعتبار اقتراب الانتخابات الرئاسية، فالرئيس بايدن لا يزال منخرطاً بالوكالة بقوة في مواجهة روسيا، وكذلك في حربه على غزة.

إذاً، التهديدات العسكرية الأميركية “التقليدية” أضحت تضغط بقوة على انحسار مروحة الخيارات المتاحة أمام الإدارة الأميركية في هذا الظرف بالتحديد.

شهدت مرحلة الصدام بالوكالة بين واشنطن وطهران حرص الطرفين على عدم الانزلاق إلى توسيع نطاق الحرب وتحولها إلى حرب واسعة تشمل الإقليم كله.

وساد “العُرف” إلى ما قبل استهداف إيران قواعد عسكرية حيوية في فلسطين المحتلة، وإطلاقها نحو 300 مقذوف وصاروخ، منها صواريخ كروز والفرط صوتية، استطاعت بذلك التملّص من سلسلة متوازية من الدفاعات الجوية، ما أرسل رسالة جديدة إلى صنّاع القرار في واشنطن، فضلاً عن تعرية أداء منظومات الدفاع الجوي “الإسرائيلي” البائس.

السردية الأميركية بشأن تطورات البحر الأحمر في منطقته ومضائقه تعتبر إيران المشغّل الأساس لما يجري، ليس في اليمن فحسب، بل في جبهة جنوب لبنان أيضاً، وتعكس بمجملها “تفعيل طهران خيارات مواجهة أخرى”، بحسب المفردات العسكرية.

وأبرز تلك الفوائد على إيران هو إحجام “حلفاء واشنطن الإقليميين” عن المشاركة في التحالف الدولي المعلن تحت راية الولايات المتحدة، فضلاً عن ارتفاع التكاليف “الاقتصادية على إسرائيل”، وامتداداً على مصالح الولايات المتحدة في المنطقة.

من الجائز القول إنّ النتائج المباشرة “لجبهة البحر الأحمر” تحيلها إلى مرتبة أعلى في سياق الاستراتيجية الإيرانية وتعاظم دورها الذي تذكّر به واشنطن حلفاءها الإقليميين بصورة دائمة.

وتمضي طهران في التحذير من استمرار العدوان على غزة وتطوره إلى حرب إقليمية، الذي يتقاطع مرحلياً مع الاستراتيجية الأميركية الجديدة التي تعود بقوة إلى تأجيج الصراع مع روسيا والصين، وربما تضطر إلى ممارسة بعض الضغط على “تل أبيب” لتجميد جبهة غزة مرحلياً في المدى المرئي.

آفاق السياسة الخارجية للولايات المتحدة “من المرجّح أن تظلّ مركّزة على تحديات المنافسة العظمى في منطقة المحيطين الهندي والهادئ وأوروبا في المستقبل المنظور” (معهد السلام الأميركي، ربيع 2024).

(في أثناء إعداد هذه المادة وردت تقارير تفيد بحتمية التوصل إلى وقف لإطلاق النار في غزة، الأمر الذي يستدعي من واشنطن إعادة تقييم أولوياتها ومحاصرة التهمة الشعبية للرئيس بايدن بأنه “يرأس حرب الإبادة الجماعية” على الشعب الفلسطيني في غزة وتفرغه لحملته الانتخابية).

2024-13-04-التقرير الأسبوعي

ينشر بالتعاون مع “الميادين”

نظرة إلى فعالية ومشكلات
سلاح بحرية حلف “الناتو”

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

احتفل حلف الناتو مطلع الشهر الجاري بمرور 75 عاماً على تأسيسه ودخوله مرحلة الشيخوخة، كما يصفه مناوئو التمدد العسكري الأميركي للنخب السياسية في واشنطن، فيما أكّد الرئيس الأميركي جو بايدن تماسك الحلف الذي “أصبح أقوى، ومفعماً بالنشاط، وكذلك أشد اتحاداً من أي وقت في التاريخ. وبالفعل ارتقى إلى مرتبة  أكثر حيوية لمستقبلنا المشترك”، وأشاد وزير الخارجية الأميركي توني بلينكون بالحلف وبأنه ماضٍ في التمدّد “وقبوله أوكرانيا كعضو في نهاية المطاف”، في خطابه يوم 4 نيسان/إبريل 2024.

لكن الخشية من مستقبل الحلف بدّدت تفاؤل الرؤى السياسية الأميركية بعد إقرار وزير الخارجية بلينكن بالقلق من استمرار الالتزام الأميركي، لكل من أوكرانيا وحلف الناتو، في حال فوز الرئيس السابق دونالد ترامب بالانتخابات الرئاسية بعد أشهر قليلة، قائلاً للصحافيين أنه أصغى جيداً لقلق الحلفاء من “التداعيات البعيدة على الأمن العالمي إن لجأت الولايات المتحدة لأي سبب كان ابتعادها عن التزاماتها” (وكالة “إيه بي”، 4 نيسان/إبريل 2024).

لم يتأخر الأوروبيون في إعلان قلقهم من مستقبل الحلف، معوّلين على جلسات الدورة المقبلة لقمة الحلف التي ستعقد في تموز/يوليو المقبل في واشنطن، والتي “ستمثل فرصة حاسمة للحلفاء والشركاء لضمان وحدة التحالف وقوته وتصميمه في السنوات القادمة، وستكون أيضاً فرصة لحلفاء الناتو لتوضيح التزامهم الثابت بأوكرانيا حرة ومستقلة وآمنة ومنتصرة” (“مركز تحليل السياسة الأوروبية”، واشنطن، نيسان/إبريل 2024).

وقد شدّد “معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام” على رفع الدول الأوروبية معدلات إنفاقها على الشؤون العسكرية “وضاعفت من استيرادها للأسلحة الأساسية بين أعوام 2019 و 2023″، زاعماً أن الصين التي تشكل التحدي الأساسي للحلف زادت معدلات ميزانياتها العسكرية بنسبة 7.2% للعام الجاري”، نقلا عن صحيفة “وول ستريت جورنال”، 5 آذار/مارس 2024.

مهّد حلف الناتو مناسبة إنشائه للإشادة بمتانة الترسانة البحرية للدول الأعضاء، خصوصاً الدول النووية زائد ألمانيا، إذ أضحى “بحر البلطيق بحيرة يسيطر عليها حلف الناتو،”  ما يقود إلى استنتاج أعضائه بأنه “ليس هناك ما يدعو للقلق من المنظور الأمني” (دراسة “معهد كارنيغي”، 18 كانوزن الأول/ديسمبر 2023).

في المقابل، ترى النخب السياسية والعسكرية الأميركية المنادية بإدخال تغييرات بنيوية إلى إطار الحلف أن ما يميز التحالف “هو تقادم رسالته وخواؤها، وخصوصاً أن الشروط الأساسية التي أدت إلى صعود التحالف لم تعد قائمة لأكثر من نصف عُمره.

كما أن الدول الأوروبية الأعضاء مجتمعة تمتلك اليوم قدرات مادية أكثر من كافية لردع روسيا والتكافؤ معها” (معهد “ديفينس برايوريتيز” – Defense Priorities، 4 نيسان/إبريل 2024).

الصراع مع روسيا أصبح ساحة الصراع المحتملة مع الولايات المتحدة وامتداداً حلف الناتو، الذي ما فتئ يستعرض ترسانته البحرية وحمولته من حاملات الطائرات والمدمّرات والطّرادات، فضلاً عن غواصات على متنها أسلحة نووية تابعة للولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا. ويقدّر الخبراء العسكريون أن ياستطاعة دول الحلف تسخير “ما لا يقل عن 2000 سفينة” في أي معركة قادمة.

تبرز بين الفينة والأخرى حجم القيود التقنية لترسانة حلف الأطلسي، عدا عن تراجع أعداد القوى البشرية المختصة المطلوبة، ولم يعد سراً أسباب اصطدام بعض القطع البحرية الأميركية ببعضها البعض، نتيجة قصور برامج التدريب المطلوبة، بحسب تقارير لجان التحقيق المقدمة إلى لجان الكونغرس المعنية.

أما أوضاع البحرية البريطانية، الحليف الأوفى لواشنطن، فليست أفضل حالاً عقب تعرض جوهرة ترسانتها “إيتش أم أس كوين إليزابيث” لحادث عطل في مراوح محركاتها وخروجها من الخدمة قبل أن تبحر بصحبة البحرية الأميركية. وسبقها اصطدام سفينتين حربيتين بريطانياتين في ميناء البحرين “ما أسفر عن إلحاق الضرر بهما” (وكالة “إيه بي” الأميركية للأنباء، 4 شباط/فبراير 2024).

ولم تسلم قطع بحرية أخرى تابعة لكل من الدنمارك وألمانيا  من العطل، “مما أسفر عن عقبات في مهام مرسومة لها في البحر الأحمر”. وأطلقت الفرقاطة الألمانية “هيسن” النار على مسيّرة حربية أميركية من طراز “بريداتور” فوق مياه البحر الأحمر.

وتزامنت الحادثة مع عطل اصاب رادار الفرقاطة “أيفر ويتفيلد” الدانماركية وخروج نظم صواريخها المضادة للطائرات على متنها من الخدمة آنذاك “لنحو 30 دقيقة في ظل استمرار صنعاء إطلاق وابل من صواريخها على القطع البحرية الموجودة” في المياه التي حظرتها على القطع الأميركية والبريطانية. وقد عادت الفرقاطة إلى موانئ بلادها (وكالة “إيه بي”، 4 شباط/فبراير 2024).

كما أن حاملة الطائرات الأميركية جيرالد فورد” الضخمة والعاملة بالطاقة النووية عانت من خروج “نظام المنجنيق” للصواريخ الباليستية عن الخدمة، فضلاً عن حوادث كادت تؤدي إلى عدم اتمام هبوط مقاتلاتها على متنها بسلام، واضطرت إلى العودة إلى قاعدتها في ميناء نورفولك بولاية فرجينيا.

تراجع معدلات المنتسبين للقوات المسلحة، وخصوصاً في الولايات المتحدة، أدى إلى ارتفاع صيحات تفعيل التجنيد الإلزامي لتعبئة الصفوف وتعويض نقص الخبرات.

بموازاة تلك السمات في الترسانة الأميركية، ينبغي العودة إلى جوهر العقيدة العسكرية التي استندت في كل مراحل تطوراتها وتسليحها إلى مواجهة الاتحاد السوفياتي السابق، واقتصرت مهامها في العقود الأخيرة على مكافحة القراصنة والقوى المسلحة غير النظامية.

وسخّرت ميزانيات عالية لبناء قطع بحرية مناسبة لخوض حرب في مياه ضحلة قرب الشواطئ لمكافحة “حرب العصابات”، ووجد قادة البحرية الأميركية أنفسهم في حيرة، في ظل اضطرارهم إلى التوقيع على الإعفاء من الخدمة لعدد من تلك القطع التي لم يمضِ على دخولها الخدمة سوى بضع سنين.

بما أنّ هناك شبه إجماع على القلق على مستقبل الحلف على ضفتي الأطلسي، فماذا يخبئ المستقبل في المديين القريب والمتوسط، مع الأخذ بعين الاعتبار التراجع الهائل في معدلات الانفاق على البرامج الاجتماعية والصحية والتربوية في معظم اعضاء الحلف، وخصوصا دوله النووية زائد ألمانيا؟

أما الدول حديثة العضوية، فأمامها مسار طويل من التكيّف على أنماط العلائق القائمة والانخراط الفعلي لقواتها العسكرية بعد إدخال التعديلات المطلوبة من قبل قيادة الحلف.

وتحذر  بعض النخب السياسية الأميركية الأوروبيين “من الاستعانة التامة بالولايات المتحدة لضمان أمنهم، في ظل التحوّل الطارئ على الأولويات في الداخل الأميركي، وكذلك على مجمل حضورها في آسيا والتحديات الناشئة هناك” (معهد “ديفينس برايوريتيز”، 4 نيسان / إبريل 2024).

اما النخب الفكرية الأميركية التقليدية، فهي دائمة التحذير من “توسيع روسيا رقعة عملياتها السرّية، وهناك دلائل على اتخاذ القوات الروسية مخاطر عملياتية أعلى في بحري البلطيق والشمال”.

وحثّت أعضاء الحلف على  اللحاق بركب التقدم الروسي في تزايد اعتماده على “سلاح المدفعية، وصواريخ كروز والصواريخ الباليستية” التي تتفوّق بمجموعها على كل ما يتواجد لدى دول الحلف (دراسة “معهد كارنيغي”، 18 كانون الأول/ديسمبر 2023).

2024-05-04-التقرير الأسبوعي

ينشر بالتعاون مع “الميادين”

ماذا تفعل البحرية الهندية في البحر الأحمر؟
ما مصير سياسة الحياد؟

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

 تبلور الحضور العسكري الأميركي بقوة في المحيط الهندي وجواره إبّان الحرب العالمية الثانية “وعُزّز طيلة أمد الحرب الباردة، وأضحت مياهه مكوّناً هاماً في استراتيجية واشنطن” في تلك المنطقة.

أمّا نسج أقوى “علاقات الشراكة في عموم المحيط الهندي”، فقد كان من نصيب الهند مع الولايات المتحدة. وقد ارتفع مستوى “التعاون العسكري بين الطرفين إلى أعلى مستوياته عام 2022″، بحسب بيانات البنتاغون (دراسة “معهد كارنيغي”، 15 حزيران / يونيو 2023).

منذ تولّي ناريندا مودي رئاسة وزراء الهند عام 2014، شرع في تطبيق رؤيته لأولوية “القومية الهندوسية” في الداخل، والمطابقة لسياسة حزبه القومي “بهاراتيا جاناتا”، وإحداث تحوّلات استراتيجية في تحالفات الدولة التاريخية التي كانت تنشد سياسة الحياد وتوازن علاقاتها بين موسكو وواشنطن. وكان مودي أول رئيس وزراء في تاريخ الهند يزور “إسرائيل” عام 2017.

وفي السياق عينه، انحاز مودي إلى الموقف الصهيوني بدعمه بنيامين نتنياهو عقب عملية طوفان الأقصى للمقاومة الفلسطينية في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023. وقال في بيان صادر عنه: “لقد صُدمت بشدة من الهجمات الإرهابية في إسرائيل. نصلي وندعو للضحايا الأبرياء وعائلاتهم. نتضامن مع إسرائيل في هذه الساعة الصعبة”.  كما أوعز لمندوب بلاده الدائم لدى الأمم المتحدة بالامتناع عن التصويت لمصلحة مشروع قرار بوقف إطلاق النار في 27 تشرين الأول/أكتوبر 2023.

التطابق التدريجي بين سياسات الهند، إبّان رئاسة مودي، مع أيقاع السياسات الأميركية ليس فيه مبالغة أو تجنِّ. وقد نالت نيودلهي تأييد واشنطن في عدد من الملفات الدولية، على الرغم من ضيق المساحة هنا لتناول دور الهند في محور “بريكس” ومعارضتها القوية لانضمام الجزائر إلى عضوية الحلف الدولي الناشئ.

على الرغم من “عدم مشاركة الهند في تحالف (حارس الازدهار) الأميركي في البحر الأحمر”، شرعت نيودلهي “في تعزيز وجودها في المنطقة الممتدّة من شمال ووسط بحر العرب إلى خليج عدن، وأرسلت 10 سفن حربية بدلاً من اثنتين تتمركزان عادة في المنطقة” (صحيفة “وول ستريت جورنال”، 17 شباط/فبراير 2024).

وأضافت الصحيفة: “الهند سعت من خلال موقفها ذلك لتعزيز تعاونها مع الولايات المتحدة الأمريكية لمواجهة العمليات العسكرية اليمنية في البحر الأحمر،ما يعني تطابق نظرتها إلى الصراع مع منظور الولايات المتحدة، التي اتخذت موقفاً مفاده أن هذا يتم بتحريض إيراني.”

وتُجري القوات البحرية الأميركية ونظيرتها الهندية “مناورات عسكرية مشتركة، ويتم تبادُل المعلومات الاستخباراتية والانخراط المتزامن في التدريبات العسكرية والبرامج التعليمية” (دراسة “معهد كارنيغي”، 15 حزيران/يونيو 2023).

سياسة واشنطن الآسيوية النشطة منذ بداية ولاية الرئيس الأسبق باراك أوباما ركزت جهودها وتحالفاتها الإقليمية والدولية على مواجهة “عسكرية محتملة” مع الصين، وأضحت بوصلة توجهاتها مع القوى الأخرى، بما فيها الهند وما تمثله من قوة اقتصادية وسوق استهلاكي للمنتجات الأميركية.

لكن بعض مراكز الأبحاث والدراسات النافذة في صنع القرار السياسي الأميركي يحذّر باستمرار من مخاطر نشوب صراع مسلّح مع الصين في ظل التحولات الاستراتيجية الدولية في الدرجة الأولى، وبعضها يسلّط الأنظار على تآكل البنية الاستراتيجية بعد نهاية الحرب الباردة، وتداعيات هزائم واشنطن في حروبها منذ إطلالة الألفية الجديدة.

وأشار بعضها بقوة إلى ظواهر “تضاؤل تماسك الحكومة الأميركية (منذئذ)، وتفكّك نسيج المجتمع، وانتشار التهديدات” الداخلية والعالمية، وهي كلّها “تؤشر إلى نهاية عصر القوى الكبرى الصناعية، وولوجها عصر القرون الوسطى”. واستطرد: “شهدنا لعدة سنوات بوادر على تآكل عصر الازدهار وتراخي متانة الأوضاع الداخلية. استنتاجات كل العلوم الاجتماعية تقريباً أشّرت إلى دلائل الانحسار والتقهقر” (دراسة “مؤسّة راند”، 19 آذار/مارس 2024).

يجمع الخبراء العسكريّون على أن من جملة أهداف الهند من تعاونها المتنامي مع الولايات المتحدة يتصدرها صراعها التاريخي مع الصين، إلى جانب طموحها لتصبح أحد الأقطاب الاقتصادية الدولية. نجد تجسيداً لذلك في صفقات المشتريات العسكرية الأميركية التي “تبلغ قيمتها 3 مليارات دولار لشراء 31 طائرة بدون طيار من طراز “بريداتور”، نصفها مخصص لسلاح البحرية.

وأكّد وزير خارجية الهند، سوبرامانيام جيشينكار، حديثاً أن قدرة بلاده “المتنامية ومصالحها وسمعتها تستدعي مساعدتها في المواقف الصعبة”، وقابله القائد الأعلى للبحرية الشرقية الهندية، بيسواجيت داسغوبتا، قائلاً: “هناك تنسيق كافٍ مع الولايات المتحدة والدول الأخرى ذات التفكير المماثل في الجبهة البحرية”.

ولدى الهند حاليا “سفينتان حربيتان في خليج عدن، و12 سفينة حربية في شمال وغرب بحر العرب”، وحاملتا طائرات وتشغيل محطات للرادار ومراكز الرصد في مياه المحيط الهندي لمراقبة التحركات البحرية المختلفة، وطائرات استطلاع في منطقة بحر العرب.

وأنتجت البحرية الهندية خلال الأعوام العشرة الماضية أكثر من 12 سفينة حربية مسلّحة بالصواريخ والطوربيدات، يتم إنتاجها جميعاً محلياً لقوتها البحرية، ووصل إجمالي عدد السفن الحربية في أسطول الهند إلى 140 سفينة.

الصراعات التاريخية على الحدود المشتركة بين الصين والهند انتجت تحالف الصين مع باكستان في إطار ذلك النزاع، فيما اتجهت نيودلهي نحو موسكو، ومن ثم إلى واشنطن. تمدد الصين عالميا عبر استراتيجية “الحزام والطريق” استدعى تعزيز علاقاتها مع باكستان، وإنشاءها قاعدة عسكرية في جيبوتي قرب باب المندب والبحر الأحمر، وتحديثها ميناء جوادر الباكستاني وميناء هامبانتونا في سري لانكا، وآخر في ميانمار، فضلاً عن تطويرها جزيرة اصطناعية في جزر المالديف، وتوسيع قاعدة بحرية في كمبوديا، ما يعني تطويقها للهند في خليج البنغال.

في الطرف المقابل، تنشط الهند في تكثيف حضورها الاقتصادي في مياه ودول الخليج العربي، منها عُمان التي منحتها حق الرسوّ في موانئها، والمشاورات الثنائية بينهما لإنشاء خط أنبوب غاز طبيعي تحت المياه. كما لدى الهند علاقات وثيقة مع كل من السعودية والإمارات. وقد تشاركت الدول الثلاث في مناورات بحرية في عام 2021.

يلفت بعض الاقتصاديين الأنظار إلى أهمية العامل البشري الهندي في دول الخليج العربي كأحد عناصر السياسة الهندية المتّبعة، إذ يقدر حجم العنصر الهندي في دولة الإمارات بنحو 38% من مجوع السكان بما فيهم “الوافدون”. وبذلك، فإنهم يشكلون أكبر مجموعة عرقية في الإمارات، وبنسبة 3 أضعاف المصريين في المرتبة الثانية، بنحو 10%.

تزايد استهلاك الهند للنفط ومشتقاته في الآونة الأخيرة ينذر بتعريض إمدادات الطاقة للخطر، إذ احتلت المرتبة الثالثة عالميا باستهلاكها نحو 205 ملايين طن من المشتقات النفطية عام 2022. كما تعتبر الهند مستورداً رئيسياً للنفط الخام الروسي بعد إنزال واشنطن العقوبات بصادرات موسكو النفطية، وبلغ نحو 4 ملايين برميل من النفط الخام، كما تطمح نيودلهي إلى زيادة حجم مساهمتها في تصدير المنتجات النفطية، خصوصاً إلى أوروبا، عبر البحر الأحمر وقناة السويس.

اقتصاد الهند بحسب صندوق البنك الدولي يصنّف بأنه “اقتصاد سوقي نامٍ متوسط الدخل”، وهو نظام يستند إلى سياسات اقتصادية حمائية دعمتها الحكومات المتعاقبة منذ الاستقلال، ويعتبر سادس أكبر سوق استهلاكي عالمياً. وقد بلغ حجم اليد العاملة في الهند نحو 500 مليون عامل لعام 2019.

يشكل قطاع الخدمات نصف الناتج المحلي. وقد ارتفع معدّل الدين العام إلى 86% من الناتج الإجمالي للعام نفسه، والهند من الدول الأولى عالميًّا من حيث عدد فاحشي الثراء من شريحة المليارديريين، وتعاني من تفاوت شديد في الدخل، وتقلّص فرص العمل إلا تلك التي تحتاجها الأسواق الغربية، خصوصاً الأميركية، في صناعة الأدوية، لتدني كلفة إنتاجها ووفرة أرباحها.

تميّزت الهند في العقود القريبة الماضية بازدهار عمالتها التقنية في مجال تكنولوجيا المعلومات نظراً إلى تدني أجور العمّال، إذ بلغت نحو 3.7 مليون من إجمالي 500 مليون في السوق، لكنها أضحت مهددة بمنافسة التقنيات الجديدة لتحل محل الأيدي العاملة، مقرونة بتباطؤ كبير في توظيف عمالة جديدة. وتشير بيانات البنك الدولي إلى تعرّض نحو 69% من الوظائف للتهديد (تقرير شبكة “بي بي سي”، 25 أيار/مايو 2017).

على الرغم من مجمل الخطوات الاقتصادية لحزب ناريندا مودي، وتخبّط التطبيقات، واتساع الهوّة الفاصلة في توفر اليد العاملة، فإن تلك السياسات أخفقت في توفير فرص عمل لطواقم الخريجين والمهارات التي انتقلت إلى العمل في الأسواق الغربية لتتسع الفجوة مرة أخرى، ويتم حرمان المناطق الريفية من الأطباء والاختصاصيين بسبب تلك السياسات.

تحاول الهند تبرير تزايد وجودها البحري ونشاطها في منطقة البحر الأحمر بمحاربة القرصنة، وخصوصاً بعد عودة نشاط القرصنة من الصومال، ولكنها باستعراضها آخر عملية ملاحقة ناجحة لقراصنة صوماليين ترغب في إرسال اشارة اقليمية ودولية بأنها قوة متنامية يفترض احتسابها في ظل الصعود الصيني اقتصادياً وعسكرياٍ.

لتاريخه، لم يتم استهداف سفنها من قبل انصار الله في اليمن، ولكن اذا تبين انها تنشط لدعم الكيان الصهيوني، فستكون عرضة لما يطال القوات البحرية الأميركية وكل من يساند جيش الإحتلال الإسرائيلي في حرب إبادة الشعب الفلسطيني في غزة.

2024-21-03-التقرير الأسبوعي

ينشر بالتعاون مع “الميادين”

جسر أميركي عائم في غزة:
منصة للإغاثة أم التهجير؟

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

راوغت السردية الأميركية الرسمية لصرف الأنظار عن مسؤوليتها المباشرة لاستمرار العدوان على غزة لنحو 6 أشهر، وتموضعت خلف زعم دورها “الريادي” في تقديم الدعم الإنساني وحماية المدنيين، بعد حصيلة قاسية أودت بحياة اكثر من 100 ألف مدني، بين شهيد وجريح ومعوّق، وبحسب بعض الإحصائيات من خارج المنظومة الرسمية للبيانات الأميركية المعتمدة فقد تصل الخسائر البشرية إلى أبعد مما تم ذكره.

انتقل مركز ثقل الاهتمام الإعلامي، الإقليمي والعالمي، حديثاً إلى تدارس خطة واشنطن لإنشاء ممرّ ورصيف بحري عائم على شاطىء غزة، والذي سيستغرق بضعة أشهر لإنجازه في حال صدق الطرف المسؤول، مقابل الإبقاء على الحصار البري مُطبَقاً ومنع دخول الشاحنات المتكدسة على الجانب المصري من حدود غزة.

ما يهمنا تناوله في هذا الشأن موقع “المشروع الأميركي المقترح” في سياق استراتيجية واشنطن الكونية وأهمية غزة ضمن أولوياتها الما بعد إقليمية، وما يترتب عليها من خطوات تترك تداعياتها على المشهد الجيوسياسي كله.

بداية، التعديلات الميدانية والتحركات السياسية الملموسة، بوحي وإشراف من واشنطن، لم تأتِ مفاجئة، وبضمنها الإعلان عن “الممر والرصيف البحري”، بل لما اقتضته نتائج العدوان الذي لا يزال جارياً، من اتخاذ خطوة تبدو بأنها تراجع لكنها في الحقيقة ثمرة مأزقها الإقليمي، بالدرجة الأولى، وتعثّر تقدّم استراتيجيتها على المستوى الدولي، خصوصاً أمام روسيا والصين.

أضحت غزة إسماً معتبراً في الأروقة الدولية بعدما تركها ما يسمّى بالمجتمع الدولي فريسة سياسة الحصار والتجويع لأكثر من عقد ونصف العقد. على المستوى العام، غيّرت غزة ومقاومتها المواقف الدولية لصالح الشعب الفلسطيني، وبدأ بتبنّي شعار التحرير “من النهر إلى البحر” من قبل جمهور واسع من الأجانب المؤيدين للحق الفلسطيني.

وساهم أحد أهم مراكز الدراسات للنخب الفكرية الأميركية ليصحّح البوصلة بعد صمود غزة بمقاومتها وشعبها. وعن غزة قال “معهد كارنيغي” وبالنظر إلى الأمام “فإن العام المقبل سيكون عاماً لغزة (الذي سيشهد) تغيّرات متزايدة – ولن تكون سهلة بأي حال من الأحوال” (دراسة “معهد كارنيغي”، 26 شباط/فبراير 2024).

أما “معهد بيكر لدراسات السياسة العامّة”، والذي يترأسه المبعوث الأميركي الخاص إلى غزة ديفيد ساترفيلد، كان الأسبق في تعريف معركة غزة التي “تسلّط الضوء على خطر التجاوز الاستراتيجي للولايات المتحدة في وقت تواجه فيه أيضًا تحديات في أوروبا وشرق آسيا، حيث نرى بوضوح إمكانية نشوب نزاع مسلّح مع الصين ” (“معهد بيكر”، 17 تشرين الأول/أكتوبر 2023).

وعن حيوية معركة غزة واكتساب تداعياتها أهمية استثنائية نرصد مقولة تفيد “بالتأكيد ستترك تأثيراً لا يمحى على الخارطة الجيوسياسية في الشرق الأوسط، بضمنها مستقبل مسار النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني” (يومية “جابان تايمز”، 15 كانون الثاني/يناير 2024).

كما أن دخول اليمن بقوة وبأس شديدين لإسناد غزة دفع النخب السياسية الأميركية إلى حثّ صنّاع القرار على عدم الاستخفاف بما يجري وآفاقه المفتوحة فإن “قوات الحوثي اليمنية دفعت أمن البحر الأحمر وأولويته إلى مرتبة أعلى جديدة أمام صنّاع القرار السياسي (“معهد كارنيغي”، 26 شباط/فبراير 2024).

من الجائز أن إنشاء الممرّ والرصيف العائم له جملة أبعاد وأهداف، المعلن والمستتر، أبرزها إيجاد حلّ لتهجير الأهالي، طوعاً تصحبها وعود برّاقة، وذلك بعد فشل سلسلة من محاولات الدول الغربية وهيئة الأمم المتحدة، منذ الخمسينيات، لتهجير الغزّيين إلى سيناء، وإحلال المستوطنين الصهاينة، وبعد فشل العدوان الصهيوني في فرض التهجير القسري و”إنهاء” القضية الفلسطينية.

وأغفل الإعلان الأميركي الرسمي لإنشاء ممرّ ورصيف عائم إحداثيات الموقع، عن سبق إصرار وترصّد على الأرجح. إذ سيبعد الجسر العائم واحداً ونصف كلم من حقل الغاز الموجود في المنطقة الوسطى من بحر غزة. الأمر الذي يكشف حقيقة نوايا الاستراتيجية الأميركية من وراء ذلك لتعزيز هيمنتها على مصادر الطاقة في العالم.

في البعد التقني ومتطلبات إنجاز الجسر العائم، يقال أنه سيستغرق نحو شهرين من الزمن، يشارك فيه سلاح البحرية الأميركية بشكل مباشر، بصرف النظر عن هوية صاحب الفكرة التي أثيرت في “مؤتمر باريس للسلام”، في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، من أجل “نقل المعونات الغذائية المحمّلة على السفن من مرافئ جزيرة قبرص” بعد إتمام التدقيق بمحتوياتها، ومن ثم إلى شاحنات بعد تفريغها.

وعليه، أرسل سلاح البحرية إحدى أكبر سفنه اللوجستية، يو أس إيه في فرانك بيسون، إلى مياه البحر المتوسط لمباشرة إعمال الإنشاء بطواقم أميركية. بيد أن السيطرة على البقعة الأرضية ما زالت تحت سيطرت قوات الاحتلال، ما يعني أنها عملية “سلِّم واستلم” لفريقين مكمّليْن لبعضهما البعض، وما ينطوي على ذلك من إدامة سيطرة الاحتلال على القطاع، إن تسنّى لها النجاح (الناطق باسم البنتاغون “باتريك رايدر”، 2 آذار/مارس 2024).

الخطة الأميركية المعلنة تنطوي على إنشاء 3 أرصفة وميناء يربطها جسر عائم في مياه عميقة، وترافقها طواقم عسكرية مختصة في الإنشاءات وبناء محطة رسوّ، والقيام بأعمال الصيانة المستدامة بسبب أمواج ورياح البحر. وهذا يتطلّب، بحسب المتطلّبات العسكرية، وجود طواقم عسكرية على الشاطئ وأخرى لصيانة الجسر وضمان أهليته لتفريغ البواخر القادمة.

أما مسألة توفير الأمن لكل ذلك فصورتها ضبابية في أحسن الأحوال بسبب تعدّد التصريحات بشأنها من الطرفين، الاحتلال والقوات الأميركية. وربما الصيغة الأمثل تكمن في إشراف أميركي من وإلى الجسر العائم والرصيف البحري، واستلام قوات الاحتلال المهمّة قبل مغادرة الشاحنات.

كما أن هنالك عوامل وقدرات متعددة ينبغي الأخذ بها لبناء الجسر، أبرزها آلية وصول المعدات الثقيلة والفترة الزمنية الطويلة التي ستستغرقها في الوصول إلى شواطئ غزة. كما أن تفاقم الأوضاع الإنسانية في عموم القطاع لا تتوقّف والمعونات الشحيحة لا تفي بالغرض، ما يؤثّر على آلية إنجاز الميناء والفترة الزمنية المتاحة.

وعليه تتضح أهمية إنشاء الجسر العائم للمصالح الأميركية أولاً، والذي سيشكّل مبرراً للقيادات السياسية بإبقاء طواقم حماية عسكرية أميركية في مياه ورمال غزة، وتأمين ما تبقّى من مهام عجز عنها “جيش” الاحتلال في عدوانه.

واستناداً إلى ما تقدم يستطيع المرء الاستنتاج بغياب احتمال خروج القوات الأميركية من سوريا والعراق وليبيا، طواعية في أي وقت قريب، لأنّ السيطرة على مصادر الطاقة شكلت دوافع احتلالها لتلك الأراضي والخيرات، والتصرّف بمردودها حصراً بعد حرمان الشعوب العربية من ثرواتها الطبيعية.

2024-06-03-التقرير الأسبوعي

ينشر بالتعاون مع “الميادين”

أبعاد تحذيرات بوتين
من نشوب حرب نووية

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

في السابع من شهر آذار/مارس الجاري سيلقي الرئيس الأميركي جو بايدن خطابه السنوي المعتاد “حالة الأمة”، أمام جلسة مشتركة لمجلسي الكونغرس، في ظل أجواء سياسية وشعبية غير مواتية، أبرزها تراجع حالته الذهنية والصحية، فضلاً عن مأزقه بإدارة الملفات الدولية وخاصة في أوكرانيا وقطاع غزة.

قبل أيام قليلة، ألقى الرئيس الروسي أيضاً خطابه السنوي “إلى الأمة”، 29 شباط/فبراير 2024، فحواه تقييم مؤسسة الرئاسة لأوضاع البلاد، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، واجتراح سياسات وتدابير مناسبة لمعالجتها.

حدّد الرئيس بوتين في خطابه أمام “الجمعية الفيدرالية الروسية” جملة مراسيم “تعيد تنظيم الهيكل الإداري والعسكري في روسيا، منها إعادة تشكيل منطقتي موسكو ولينينغراد” عسكرياً، إضافة إلى “المناطق الأربع التي أُعلن ضمّها إلى الاتحاد الروسي، وشبه جزيرة القرم أيضا” (“معهد دراسة الحرب – Institute for the Study of War”، 26 شباط/فبراير 2024).

وخلص المعهد المدعوم من البنتاغون إلى أن “مراسيم الرئيس الروسي توحي باستعداده خوض حرب عالمية واسعة مع حلف الناتو”، كما أن إنشاء منطقة عسكرية في لينينغراد، القريبة من فنلندا “يدلّ على أن روسيا تستعد لصراعات محتملة مع دول البلطيق وحلف شمال الأطلسي”.

تصدّرت ألمانيا دول حلف “الناتو” في التحوّل إلى “اقتصاد الحرب”، أوجزها المستشار الألماني أولاف شولز قائلاً: “اليوم، لا يمكن لأي إمرئ التشكيك بما أعرضنا نحن في ألمانيا عن القيام به لزمن طويل، وهو حاجتنا لقوات مسلحة قوية” (نشرة “بوليتيكو” الأوروبية، 10 تشرين الثاني/نوفمبر 2023). واعتمدت استراتيجية وعقيدة عسكرية جديدة، في عام 2023، جاء في مستهلّ نسختها المعتمدة “عادت الحرب إلى أوروبا. ينبغي على ألمانيا وحلفائها التعامل مع التهديد العسكري مرة أخرى. نحن نعيش على مفترق طرق” (المصدر السابق).

وبناء على تلك العقيدة صرّح وزير الدفاع الألماني، بوريس بستورياس، أن باستطاعة الرئيس الروسي “شنّ هجوم على حلف الناتو في غضون 5 إلى 8 سنوات”، ويجب على “حلف الناتو الاستعداد إلى أسوأ الاحتمالات” (اسبوعية “نيوزويك”، 19 شباط/فبراير 2024).

تجدّد الهجوم الإعلامي الأميركي على روسيا والرئيس بوتين شخصيا  في توقيت عالي التنسيق بين كبرى الوسائل المقروءة والمرئية، يوم 29 شباط/فبراير الماضي، بأن الرئيس بوتين “يهدّد بشنّ حرب نووية” استناداً إلى جملته الشهيرة في خطابه المذكور حين شدّد على “الجهوزية الكاملة للقوات النووية” الروسية.

خطاب الرئيس الروسي جاء عقب تصريحات مثيرة أطلقها الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون بأن “على الدول الغربية أن لا تستبعد نشر قوات برية في أوكرانيا”. وأوضح أن “إلحاق الهزيمة بروسيا أمر ضروري ولا غنى عنه لاستتباب الأمن والاستقرار في أوروبا” (صحيفة “نيويورك تايمز”، 28 شباط/فبراير 2024).

وسعت الصحيفة على الفور التنصل من تصريحات ماكرون قائلة أن “تصريحاته الاستفزازية تزامنت مع شعوره بالعزلة الداخلية في بلاده، وثبت أنه زعيم هامشيّ في سير الحرب بين إسرائيل وحماس”. كما أنها “تشير إلى حجم الهوة بين فرنسا وألمانيا في حرب أوكرانيا إذ استثنى المستشار الألماني أولاف شولز نشر أي قوات ألمانية”.

حرب نووية:

تحذير الرئيس الروسي لدول حلف “الناتو”، بأنّ مساعيها لنشر قوات مسلحة في أوكرانيا “سيضاعف من احتمالات نشوب حرب نووية” وأنّ بلاده “تمتلك أسلحة قادرة على ضرب أهداف في أراضيها”، أرخت ظلالاً شديدة القتامة على المشهد الدولي.

الردّ الأميركي جاء كما هو متوقّع بأنّ “تهديدات (الرئيس) بوتين لاستخدام أسلحة نووية ينبغي أخذها بكل جدّية، ولا تليق بزعيم دولة نووية”، مشدّداً على أن واشنطن “لا يرعبها خطاب بوتين” (الناطق باسم الخارجية الأميركية، 1 آذار/مارس 2024).

كما بادرت الصين بالتحذير من استخدام الأسلحة النووية، استناداً إلى عقيدتها الثابتة بأنها “لن تكون البادئة باستخدام السلاح النووي”، مذكّرة العالم بتعهّد “زعماء الدول النووية الخمس في بيان مشترك، كانون الثاني/يناير 2022، بأن لا يوجد طرف منتصر في الحرب النووية ويجب عدم خوضها بالمرّة” (بيان وزارة الخارجية الصينية، 1 آذار/مارس 2024).

معاهد الدراسات والأبحاث الأميركية تعجّ بطواقم “أخصائيين في شؤون الأمن والحرب النووية”، ما يضفي أهمية عالية على بعض انتاجها، خصوصاً تلك المعروفة بنفوذها على صناّع القرار  الاستراتيجي في الحزبين، الديموقراطي والجمهوري.

ربما أبرزها “مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية”، ومقرّه واشنطن، الذي حدّد “تحدّيات الأسلحة النووية الرئيسية في عام 2024″، مستدركاً أن حرباً شاملة بين الولايات المتحدة والصين، أو روسيا، أو أزمة كبيرة مع كوريا الشمالية “ليست حتمية” في المدى المنظور. أما الانزلاق إلى التراشق بالنووي “خصوصاً النووي التكتيكي” فهو الأكثر ترجيحاً (دراسة بعنوان “التفكير في المستحيل: خمسة مسائل أسلحة نووية لمعالجتها عام 2024″، مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، 9 شباط/فبراير 2024).

الأسلحة النووية التكتيكية ليست أقل فتكاً وتدميراً في نطاق جغرافي أضيق، وهي عبارة عن “رؤوس نووية حربية صغيرة مع أنظمة إطلاق مخصصة للاستخدام في ساحة المعركة، ومصمّمة لتدمير أهداف العدو في منطقة معيّنة دون التسبب في تداعيات إشعاعية واسعة النطاق”. ذاك هو التعريف النظري لسلاح لم يستخدم إلا في مناورات التجارب على الأسلحة.

القوة التدميرية “لأصغر سلاح نووي تكتيكي تصل إلى 1000 طن (من مادة تي إن تي المتفجرة)، وقد يصل إلى 100 ألف طن”. القوة التدميرية لسلاح نووي تقليدي بالمقارنة “قد تصل إلى مليون طن وتُطلق من مسافات بعيدة”.

التحديات المشار إليها من قبل مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية منوطة بمؤسّسة الرئاسة الأميركية للعام الحالي، وهي:

إدارة التهديات النووية الروسية والحرب في أوكرانيا في آن؛ الإنشاء التدريجي المبهم للأسلحة النووية الصينية؛ التوتر المستمر مع كوريا الشمالية؛ التزامات الردع الأميركية ودمجها مع موارد الحلفاء؛ تطوير سبل تحديث الترسانة النووية الأميركية.

في البند الخامس، الترسانة النووية الأميركية، أوضحت الدراسة أن “إجراءات التحديث تطال كل عنصر أو مكوّن أساسي في الترسانة النووية” الأميركية. أما تحدياتها الراهنة فهي تعاني من تأجيل مطرد لجهود الإنجاز، وما يرافقه من زيادة مستمرة في الكلفة النهائية.

وحذّرت الكونغرس وصنّاع القرار السياسي من أنه “إذا دخلت الولايات المتحدة حرباً، فهل لديها الجاهزية (والموارد المطلوبة) لإدارة الإنزلاق إلى النووي والرد على إمكانية استخدام سلاح نووي؟”

في المحصّلة، هي دعوة “عاجلة” لتعزيز سباق التسلّح النووي للهروب من تراجع مكانة الولايات المتحدة الاستراتيجية على مستوى العالم قاطبة. كما يبدو أن تسريب الـ “فاينانشل تايمز”، لما اعتبرته وثيقة  سرّية حول الشروط والضوابط والحالات التي قد تلجأ فيها روسيا لاستخدام السلاح النووي،  يصبّ في الإتجاه نفسه لتبرير تعزيز ترسانة الناتو النووية، وتقديم الذرائع لإستمرار واشنطن في تركيز اسلحة نووية في قواعد أوروبية.

2024-29-02-التقرير الأسبوعي

ينشر بالتعاون مع “الميادين”

لا نهاية قريبة لحروب أميركا:
أوكرانيا نموذجاً

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

في الذكرى السنوية الثالثة لبدء “العملية العسكرية الخاصة” في أوكرانيا، بحسب  سردية روسيا، انبرى العديد من المختصّين والإعلاميين الأميركيين للتوقّف عندها بغية “استخلاص دروس” مناسبةيضعونها في تصرّف القيادتين العسكرية والسياسية الأميركيتين.

وفي السياق عينه يلحظ المرء “اعترافات” متأخرة بشأن الدور الأميركي في تأجيج النزاعات العالمية، بضمنها أوكرانيا، مع التركيز على استثمار ما يمكن استخلاصه لصياغة “أولويات الاستراتيجية الأميركية الكونية”، والابتعاد الواعي عن نقد تجلّيات تلك الاستراتيجية وما تخلّفه من دمار أينما رأت المؤسسة الحاكمة لذلك سبيلاً.

سنسلّط الضوء هنا على استعراض أهم الأبعاد “الاستراتيجية” لنتائج الحرب في أوكرانيا، في بُعدها الأميركي، مُدركين أن الجوانب السياسية وحتى العسكرية جرى تناولها بكثافة.

يلحظ المرء محاولات متعددة لدى كبار “المختصّين” الأميركيين لإعادة تعريف عناصر الاستراتيجية في العصر الحالي، انفردت بها الخبيرة الاستراتيجية في سلاح البر المقدم كيتي كروم بأن القوات المسلحة الأميركية، خصوصاً سلاح الجيش، تواجه “نقطة انعطاف استراتيجية خلال انتقالها من مرحلة قتال الغوار، قبل 20 عاماً، وضرورة إعادة الاعتبار إلى مبدأ خوض عمليات قتالية واسعة، وإعدادها لخوض  صراعات مستقبلية” (دراسة نشرتها “الكلية الحربية الأميركية لسلاح الجيش”، خريف 2023).

أما كيفية تعامل الرئيس جو بايدن مع “متغيّرات” الاستراتيجية الكونية مستقبلاً فقد أوجزتها المحللة العسكرية المرموقة جوليا غليدهيل باتهامه بالتشبّث بالعناصر التقليدية منذ الحرب الباردة. وقالت “بدلاً من إعادة تشخيص بُعد الحد الأقصى في الاستراتيجية الأمنية القومية اعتمدت (الإدارة) مضاعفة الخطأ الأوّلي”.

وأوضحت أن الرئيس بايدن “ينوي الارتقاء بالولايات المتحدة إلى وضعية حرب دائمة، وإدارته فاقدة الرؤيا لآليات تقليص التصنيع العسكري” عند الحاجة (“مركز المعلومات الدفاعية “Center for Defense Information، 23 شباط/فبراير 2024)”.

وشاطرها الرأي في استراتيجية الحروب الدائمة ضابط الاستخبارات في “مجلس الاستخبارات الوطنية”، يوجين رومر، قائلاً: “تُوَفّر السنة الثالثة للحرب فرصة لاستخلاص الدروس من السنتين الماضيتين، وكذلك وضع أوكرانيا وحلف الناتو في مرحلة تَعِد بمواجهة طويلة الأجل لا هوادة فيها مع خصم قوي وخطير. لا يوجد في الأفق ما يؤشر إلى نهاية قريبة للحرب” (“معهد كارنيغي”، 7 شباط/فبراير 2024).

ونقلت وسائل الإعلام الأميركية عن مسؤولين في البنتاغون لم تحدّد هويتهم أن “صياغة استراتيجية الدفاع المقبلة تعتمد على دراسة سرّية تتعلق بالدروس المستفادة من الحرب”. وأضاف رئيس أركان الجيش الجنرال راندي جورج زاعماً: “إننا نتعلم من ساحة المعركة وخاصة في أوكرانيا، أن (تفوّق) الاستطلاع الجوي قد تغير بشكل جذري” (صحيفة “واشنطن بوست”، 22 شباط/فبراير 2024).

في بُعد الإعداد الأميركي المسبق للحرب في أوكرانيا، اختارت “وكالة الاستخبارات المركزية، سي آي إيه” الإقلاع” عن استراتيجية غموض مواقفها التقليدية وترك الأبواب مفتوحة أمام التفسيرات المتعددة، بالاعتراف الصريح بأنها “أنشأت قواعد تجسس في أوكرانيا” بمحاذاة الحدود الروسية منذ 8 سنوات “بضمنها 12 موقعاَ سرّياً” هناك، أحدها يستخدم كمحطة تنصّت وهو الأشد سرّية بينها، أنشئ تحت الأرض “يشكّل مركز أعصاب القيادة العسكرية الأوكرانية” بإشراف وتمويل أميركي، إضافة إلى إنشاء “شراكة استخباراتية سرّية مع أوكرانيا لأكثر من عقد من الزمن” (صحيفة “نيويورك تايمز”، 25 شباط/فبراير 2024).

الهيمنة الأميركية “شبه المطلقة” على قرار دول الاتحاد الأوروبي لم تعد مجرد تكهّنات، بل أضحت ركناً ثابتاً في الاستراتيجية الأميركية لبسط نفوذها على دول “حلف الناتو”، على الرغم من بعض الجدل الداخلي بشأن ضرورة الإبقاء على الحلف ضمن أجواء مزايدات انتخابية.

عودة سريعة إلى كنه الالتزام الأوروبي بالحلف نجده في ثنايا تصريحات السكرتير العام الأول للحلف، اللورد إسماي، بأن هدف إنشاء الحلف هو “إبقاء نفوذ الاتحاد السوفياتي خارج أوروبا، ودخول أميركا إليها، وكبح ألمانيا”، مع إقرار دول الحلف بأن “روسيا لم تُقدِم على غزو أي من أعضاء الحلف” (موقع حلف الناتو الدولي، 3 آب/أغسطس 2023)

الرؤيا الأميركية لمستقبل حلف الناتو يجمع عليها التيارات المتعددة داخل المؤسّسة الحاكمة، من حيث ديمومته وتوسيع عدد أعضائه ومهامه العسكرية المنوطة.

المستشار العسكري والأمني للرئيس الأميركي، جيمس جاي كارافانو، أوضح حديثاً عناصر الرؤى الأميركية قائلاً: “من الضروري بمكان أن يكون لحلف الناتو دور في مهام المساعدات الأمنية كمجموعة، ويجب حثّ دول الحلف على بناء قواتها العسكرية التقليدية وكذلك منشآت الصناعات الدفاعية ونظم الدعم اللوجستي، وترسانة من الذخائر وقطع الغيار أيضاً” (“مؤسسة هاريتاج”، 19 أيار/مايو 2023).

واستجابت دول الحلف لطلبات واشنطن منذ الحرب الأوكرانية، ودراسة الأداء الميداني للاستفادة منه في رسم سياسات مستقبلية تأخذ بعين الاعتبار “هجوماً روسياً يستهدف دولاً أوروبية أخرى”، وأرسلت إشارات جليّة بأن تخزين الأسلحة والذخائر تقف على رأس سلّم أولوياتها في المرحلة الحالية.

وتعد مسألة تخزين الأسلحة والذخائر وتحديث البنى التحتية للصناعات العسكرية أحد “الدروس المستفادة” من الحرب الأوكرانية لدول حلف الناتو، كما يشاع.

يستغل خصوم الرئيس السابق دونالد ترامب تصريحاته المندّدة بدول الحلف طالباً منها تخصيص “ما لا يقل عن 2% من ناتجها السنوي الإجمالي لشؤون الدفاع”، ما يسهم في تقليص حجم الإنفاق الأميركي على الشأن العسكري، كما أوضح.

إضافة إلى حساسيته من استمرارية رصد أموال أميركية لدول الحلف، يدرك ترامب حجم النبض الشعبي من بقاء الولايات المتحدة في حالة حرب “مستمرة” حول العالم. وعزا بعض مستشاريه توسع انتشار القوات العسكرية الأميركية بأنه يأتي على حساب جهود تحديث الآلة العسكرية الأميركية.

ويلتقي ترامب وخصومه في قيادات الحزب الديموقراطي حول “ضرورة التوجه لحصار الصين” في السنوات المقبلة، وهنا تكمن أيضاً أهمية الدور المنوط بحلف الناتو “كمجموعة شديدة الأهمية لمواجهةتحديات الصين” (“مؤسسة هاريتاج”، 19 أيار/مايو 2023).

كلفة الحرب الأوكرانية مالياً على دول حلف الناتو غير مسبوقة في حجمها العالي، خصوصاً لرائدتها الولايات المتحدة. فقد بلغت الميزانيات التي صادق عليها الكونغرس لهذا الشأن نحو 113 مليار دولار، لنهاية العام الماضي. أما ماذا تحقّق نتيجة تلك الميزانيات فلا يزال محط جدل واسع داخل النخب السياسية الأميركية، مقارنة مع سردية الإدارة الأميركية التي تصّر على المضي في حرب “تلحق هزيمة استراتيجية بروسيا”.

بعبارة مباشرة، أوضح الأستاذ الجامعي المرموق جون ميرشايمر حصاد الحرب الأوكرانية قائلاً: “أعتقد أن أوكرانيا قد خسرت الحرب، فهي بطبيعتها أضحت حربأً استنزافية” (مقابلة مع شبكة “بي بي أس” للتلفزة، 22 شباط/فبراير 2024).

البعد المسكوت عنه أميركيا في الحرب الأوكرانية هو العامل النووي مجسّداً بسياسة أميركية ثابتة “تلعب على حافة الهاوية” لتستدرج ردّ خصومها وتعفي نفسها من مسؤولية الرد باستخدام السلاحالنووي.

يشار في هذا الصدد إلى مذكرة الأب الروحي لليمين الأميركي الرئيس رونالد ريغان، بتوقيعه على بيان مشترك مع الرئيس السوفياتي آنذاك، ميخائيل غورباشوف، وإبرام “معاهدة خفض الأسلحةالاستراتيجية”، عام 1985، إذ قال: “لا يمكن الفوز في حرب نووية ويجب أن لا تخاض”.

بيد أن العقيدة العسكرية الأميركية الثابتة لم تستثنِ استخدام السلاح النووي من خططها. يشار إلى جنرال سلاح الجو الأميركي كيرتيس لوماي وحماسته الملحوظة لاستخدام السلاح النووي، وليس التهديد به فحسب. فإبان الحرب الباردة، برز اسمه في مواجهة الرئيس جون كنيدي. الأول طالب الرئيس بقصف جزيرة كوبا بالسلاح النووي “للقضاء على النفوذ السوفياتي”، والرئيس كنيدي اختار “سلاح الحصار” وانتصر مرحلياً.

كما أشرف لوماي في شهر حزيران/يونيو 1950، على “مناورات ضخمة استخدمت فيها القاذفات الاستراتيجية ب-29 في الأراضي الأميركية  لمحاكاة حملة قصف ضد مدن الاتحاد السوفياتي”. وجاء في مذكرة لمرؤوسيه “الحرب المقبلة ستكون حرباً جوية استراتيجية والهجوم النووي ينبغي أن ينتهي إعداده في غضون ساعات”، موضحاً أن حملة القصف المقترحة ستستهدف “تدمير 70 مدينة سوفياتية خلال 30 يوماً باستخدام 33 قنبلة نووية” لإنجاز المهمة (تحقيق أجرته “ذي نيو يوركر”، 11 حزيران/يونيو 1995).

على ضوء ما تقدم، من أبرز الاحتمالات المستقبلية في العام الثالث للحرب الأوكرانية، هو العودة الأميركية لسباق تسلّح نووي يشمل تصنيع صواريخ حاملة للرؤوس النووية عابرة للقارات، من الجيل الأحدث.

على صعيد الحرب التقليدية المستمرة في أوكرانيا بدا نقص مخزونات الذخيرة للصواريخ والمدفعية الثقيلة جلياً لدرجة جعلت قادة أوكرانيا يبرّرون فشل هجومهم المضاد، وتراجع وانسحاب قواتهم من مواقع هامة، بنقص الذخيرة التي يوفّرها لهم عادة حلف الناتو.

كما تبيّن أن العديد من المعدات العسكرية المخزّنة لدى دول “الناتو” تحتاج الى صيانة، وتمّ تقديمها لأوكرانيا في حالة تستوجب اسابيع أو أكثر من أعمال الصيانة. وتبيّن أيضاً إفتقار معظم دول “الناتو” إلى بنية  تحتية لتصنيع عسكري فعّال نظراً لاعتمادها على شراء المعدات من الولايات المتحدة.

2024-20-02-التقرير الأسبوعي

ارتباك وهلع أميركي من سلاح
روسي مضاد للأقمار الاصطناعية

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

حالة ارتباك وعدم يقين اجتاحت المؤسسة الحاكمة الأميركية، منتصف شهر شباط الحالي، بسبب تصريحات عن سلاح فضائي روسي متطور أدلى بها “رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس النواب مايك تيرنر”، مطالباً البيت الأبيض برفع السرّية عن المعلومات الاستخبارية المتعلقة “بتهديد خطير للأمن القومي”، وبأن الأمر يتعلق بنظام نووي روسي غامض، لم يتم نشره بعد من شأنه تعريض الأقمار الاصطناعيةالأميركية وحلفائها للخطر.

وسارع البيت الأبيض تحركه إلى إرسال رسائل طمأنة بأنه “لا توجد تهديدات مباشرة لسلامة أي شخص، (وهو) سلاح لا يمكن استخدامه لمهاجمة البشر أو التسبب بدمار مادي هنا على الأرض”. لكنه أكّد أن روسيا تطوّر قدرات مقلقة لنشر أسلحة مضادة للأقمار الاصطناعية.

في تلك الأثناء، واصل رئيس لجنة الاستخبارات “تيرنر” بث تحذيراته غير المستندة إلى أدلّة مادّية أو معلنة بشأن التكهّن بزرع طاقة نووية في الفضاء الخارجي لأغراض عسكرية، قفزاً على اتفاقيات دولية مثل “معاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967″، والتفجيرات النووية في الفضاء محظورة بموجب “معاهدة الحظر الجزئي للتجارب النووية” المصادق عليها عام 1963.

والتقطت أجهزة الإعلام إشارة شيطنة روسيا مجدداً، من بينها تقرير بثته شبكة “بي بي أس : نيوز أور – PBS News Hour”، زعمت فيه أن روسيا تنوي نشر قمر اصطناعي يعمل بالطاقة النووية مع قدرة على شن حرب إلكترونية تستهدف الأقمار الأميركية، العسكرية والمدنية (شبكة “بي بي أس” 14 شباط/فبراير 2024).

العالم الأميركي المختص بفيزياء الفضاء، نييل دي غراس تايسون، شكّك في موجة التهويل من “الخطر” المزعوم، إذ تمتلك بعض الدول النووية، من ضمنها الولايات المتحدة، تقنية إسقاط قمر اصطناعيتُعرف بـ “التدمير الحركي النشط” (أي الذي لا يستوجب استخدام رأس متفجر)، نظرأً إلى أن سرعة الأقمار الحالية تبلغ 18،000 ميل/الساعة، وقال “أشك في مدى خطورة الأمر كما هو مطروح، نظراً إلى تشبث كل فرد بعواطفه أو ميوله” حول تقدير الخطر (نشرة “ذي هيل”، 16 شباط/فبراير 2024).

نقض “المجلس الأطلسي” فرضية الفيزيائي الأميركي قائلاً: “شن هجوم ديناميكي من الأرض نحو قمر اصطناعي صغير بمفرده سيكون عديم الفاعلية.

أما شن هجوم نووي، فهو ينطوي على معضلات أوسع”، ليس أقلها تعرض الأقمار الأميركية ذاتها للتدمير غير المقصود (نشرة “المجلس الأطلسي”، 15 شباط/فبراير 2024). بيد أن تلك المزاعم والإثارة لا تصمد طويلاً أمام حقائق يجمع عليها الطرفان، وأرضيتها تخلّف التطور العلمي في الولايات المتحدة في هذا المجال عن مثيله في روسيا، ومن بينها:

–        امتلكت روسيا/الاتحاد السوفياتي التقنية العلمية لتطوير وسائل مضادة للأقمار الاصطناعية منذ عام 1968. وأطلقت وكالة الفضاء الروسيى صاروخاً اعترض قمراً اصطناعيا لها خرج عن الخدمة، عام 1970. ولروسيا نظام مضاد للأقمار الاصطناعية في الفضاء منذ بداية عقد الثمانينيات من القرن الماضي. وأجرت تجارب حية عليه في شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2021.

–        أجرت الولايات المتحدة تجربة نووية في الفضاء الخارجي عام 1962، أطلقت عليها إسم عملية “ستار فيش”، ونجم عن الإشعاع الصادر إتلاف أو تدمير نحو ثلث جميع الأقمار الاصطناعية الموجودة في مدار منخفض للأرض.

–        تميز الاتحاد السوفياتي بوحدانية امتلاكه نظاماً مضاداً للأقمار الإصطناعية أطلق عليه “مدمّر الساتلايت” (نظام مضاد للأقمار في المدارات المشتركة)، خلال الحرب الباردة، أجرى عليه تجارب عملياتية عام 1963، واعتمد في أواخر سبعينيات القرن الماضي.

–        تم تركيب “أجهوة تشويش تعمل في نطاق واسع من الترددات” على الأقمار  الروسية، أهميتها القصوى تكمن في تدمير الأقمار الاصطناعية المنتشرة بكثرة مثل “ستار لينك”.

–        في المقابل، البرنامج الأميركي المضاد للأقمار الاصطناعية  المعتمد كان “أصغر كثيراً من مثيله السوفياتي”، وجرى العمل على تطوير نظامين أرضيين يعملان برؤوس حربية نووية (برنامج  505 لسلاح البر ، 437 لسلاح الجو)، تم إلغاء الأول عام 1966، والثاني عام 1975 لعدم استيفاء شروط الأداء السليم.

–        المؤسسة العسكرية الأميركية وضعت مفاعلاً نووياً في المدار عام 1965.  (معظم المادة مقتبسة من نشرة “ذي سبيس ريفيو – The Space Review، 16 تموز/يوليو 2018).

 

توقيت الحملة الأميركية المتجددة على روسيا في سياق الفضاء الخارجي له بعد أممي، لكونه يسبق انعقاد اللقاء الأول لمنظمة الأمم المتحدة “المجموعة العاملة المفتوحة” التي أقرتها الجمعية العمومية العام الماضي من أجل البحث في السبل المتوفرة “لخفض التهديدات من الفضاء”. ومن المقرر أن تبدأ أعمال المجموعة الأممية  في 9 أيار/مايو المقبل في جنيف.

يشار في هذا الصدد إلى تصريح لنائبة الرئيس الأميركي، كمالا هاريس، في قاعدة “فاندنبيرغ” لسلاح الجو في كاليفورنيا بأن الإدارة الأميركية “لن تجري تجارب مدمّرة. ببساطة، تنطوي تلك التجارب على مخاطر، ولن نقوم بإجرائها” (نشرة “ذي سبيس ريفيو”، 25 نيسان/إبريل 2022).

كما مهّدت الأرضية لما تنوي أميركا إنجازه في اللقاء الأممي وهو “إظهار قيادتنا في هذا المضمار وتوجيه النقاش في هذا الاتجاه”، واستطردت أن “نظام القيم والقواعد الدولي يواجه خطراً، ويجب علينا صياغة القواعد الجديدة، وتبوؤ مركز القيادة”.

المعلومات العلمية الموثّقة بشأن التقنية الروسية لاستخدامات الفضاء الخارجي شحيحة، سوى أنها تقنية لها بعد نووي، لكنه لا يجاري سلاحاً نووياً تقليدياً، وهو أقرب إلى الجيلين الثالث والرابع من الأسلحة النووية، ويشير إلى إمكانية نجاح روسيا في نشر مكونات نووية لا تتوفر لدى الولايات المتحدة.

التطور العلمي الحالي يشير إلى سلاح مضاد للأقمار الاصطناعية استناداً إلى شعاع ليزر كيميائي قوي، والذي تم تطويره بشكل مشترك بين الولايات المتحدة و”إسرائيل”. لكنه ينطوي على جملة تحديات كبيرة قد أدت بالجانب الروسي إلى طرحه جانباً.

السلاح الروسي بتقنية الليزر يعمل على استغلال فلوريد الدوتيريوم ويعمل ضمن موجة طولها 3.6 إلى 4.2 مايكرومتر (موجة متوسطة فوق الحمراء)، وينطوي على احتراق ثالث فلوريد النيتروجين يتم خلطه بالدوتيريوم والهيليوم لينتج فلوريد الدوتيريوم في حالة الإثارة، ويضخ بفوهات خاصة تجاري أشعة الليزر الكيميائي الأخرى.

وشعاع الليزر الناجم عن التفاعل الكيميائي يشكل خطراً على البشر، لكن استخدامه في الفضاء الخارجي قد يستدعي تعديلات بسيطة نسبياً في جهاز العادم المتطور لتحييد الغازات الخطرة المنبعثة.

وأقدمت الدول النووية على إجراء تجارب في تقنية الاحتراق دون الحرج لانتاج الطاقة النووية المطلوبة، في موازاة التقنية التقليدية وما تتطلبه من توفّر كميات كبيرة لليورانيوم أو بلوتونيوم، بيد أن تلك التجارب لم تدرج كأنشطة نووية بسبب طبيعتها لعدم تولّد الكتلة الحرجة المطلوبة للتفاعل التسلسلي المستدام. كما أن تلك التقنية لا تخضع لضوابط وقيود “معاهدة الحظر الشامل للتجارب” على الأسلحةالنووية.

من الجائز أن روسيا تجري تجارب متعددة لإنتاج سلاح مضاد للأقمار الاصطناعية، والولايات المتحدة أيضاً، لكن هوة التقدم بينهما لا تزال كبيرة، بحسب بيانات وزارة الطاقة الأميركية.

وقد وجّه “المجلس الأطلسي” نصائحه إلى صنّاع القرار الأميركي بالإقلاع عن “الهستيريا” من التهديد المتخيّل عند هذا المنعطف، والالتفات إلى “تمويل” أبحاث وتجارب مطلوبة لضمان فاعلية خطط الدفاع الأميركية وحمايتها من نظم غير مجربة في الفضاء الخارجي”.

2024-13-02-التقرير الأسبوعي

ينشر بالتعاون مع “الميادين”

الانتخابات الرئاسية الأميركية:
مأزق بايدن يتّسع وحظوظ ترامب ترتفع

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

من بين مسلّمات الانتخابات الرئاسية الراهنة اقتصار المنافسة على مرشحَيْن في وقت مبكّر جداً لانتخابات ستجري بعد 9 أشهر، وتكراراً للجولة السابقة بين الرئيس السابق دونالد ترامب ونائب الرئيس (آنذاك) جو بايدن. والنتيجة، بحسب النبض الشعبي الحالي، تميل إلى ترجيح الأول.

بين المسلّمات أيضاً إجماع كل القوى والأطراف السياسية والنخب الفكرية والمالية على عدم أهلية الرئيس بايدن في البقاء في سباق انتخابي قاسٍ مع خصمه اللدود، دونالد ترامب، وخصوصاً أنه أثبت ديمومة إمساكه بمفاصل القرار داخل الحزب الجمهوري، على الرغم من سيل الملاحقات القضائية التي بدأ انهيار بعضها بصورة حثيثة.

كما أن أحدث استطلاعات الرأي، التي أجراها “معهد بيو” المرموق، أشارت إلى دعم “41% لسياسات الحزب الجمهوري، في مقابل 31% للحزب الديموقراطي”. أما الفارق بين المرشحَيْن فنسبته كبيرة. ولا تزال القضية “الرئيسة”، والتي تُقلق معظم الولايات الجنوبية، وأبرزها تكساس، هي سياسة مواجهة تدفق “الهجرة غير الشرعية” إلى البلاد، وانكشاف عبث السياسات الراهنة للإدارة الأميركية في الحد منها، وهو ما ينذر بخسارة مركّبة لرصيد الرئيس بايدن.

حالة الرئيس جو بايدن الذهنية تصدرت اهتمامات كلا الحزبين، قيادة وقواعد، والمستقلين أيضاً، بعد مشاهدة بؤس أدائه الأسبوع الماضي واستشهاده بـ “الرئيس المكسيكي السيسي”، فضلاً عن تدخل قويّ لمستشاريه في إلغاء عُرْف سنوي يُجري فيه الرئيس مقابلة تلفزيونية خلال تجمهر عشرات ملايين الشعب الأميركي لمتابعة مباراة البطولة لكرة القدم (الأميركية)، يوم الأحد 11 شباط/فبراير الحالي.

جدلياً، يمكن لمستشاريه إعداده  من أجل إجراء مقابلة في وقت لاحق، لكن إعلان المحقق الخاص،  روبرت هير، تقريره بشأن حيازة الرئيس وثائق رسمية سرّية، جاء بمثابة الصاعقة على مستقبل جو بايدن السياسي، إذ اكتفى بالإشارة إلى أنه “رجل طاعن في السن وضعيف الذاكرة”، وصفه “المجلس الأطلسي” الداعم للحزب الديموقراطي بأنه “تقييم مدمّر لحالة بايدن الذهنية” (أسبوعية “المجلس الأطلسي”، 8 شباط/فبراير 2024).

في الخلفية، التقى المحقق الخاص الرئيس جو بايدن يوم 8 تشرين الأول/اكتوبر 2024، رفقة “طاقم محاميه وضباط استخبارات مكتب التحقيق الفيدرالي” في البيت الأبيض لاستجوابه على مدى 5 ساعات متواصلة، أسفر عن استنتاجاته المعلنة في التقرير المشار إليه (“واشنطن بوست”، 10 شباط / فبراير 2024).

لا يزال الجدل داخل قيادات الحزب الديموقراطي محتدماً، وبعضه يرشح للإعلام، بشأن مصير الرئيس بايدن كمرشّح للحزب من عدمه، وما الخيارات الممكن تحقيقها والتي تعود بأقل ضررٍ على مرشحي الحزب في الجولة المقبلة.

مسألة استقالة الرئيس بايدن أو انسحابه مبكّراً من السباق الانتخابي، لا تروق لكبار قيادات الحزب، وما يرونه حلاً هو الاستمرار في السباق الانتخابي، مع الإدراك التام لهزيمته أمام الخصم الجمهوري.

بخلاف ذلك، يتعيّن عليهم “الإقرار” بأولوية نائبة الرئيس كمالا هاريس، في استكمال ولايته، وحضورها مراسم القسم وتسليم السلطة إلى الفائز يوم 20 كانون الثاني/ يناير المقبل. وهي لا تحظى برضى قيادات محورية في الحزب.

الاحتمال الآخر هو إقناع الرئيس بايدن إعلان عدم استمرار ترشيحه بعد انفضاض مؤتمر الحزب، من 19 إلى 22 آب/أغسطس المقبل. حينذاك تتسلم قيادات الحزب مهمة إعلان مرشحَيْها، للرئيس ونائب الرئيس، بحيث يجري التوافق عليهما قبل المؤتمر، كما تقتضي الظروف العملية.

من غير المرجح أن يستمر الحزب في التمسك بنائبة الرئيس كمالا هاريس بالاستمرار في السباق الرئاسي، نظرأ إلى ضعف مؤهلاتها وتواضع أدائها، وتراجع منسوب الدعم السياسي لها.

إذاً، ما يتبقى لقيادات الحزب هو التعامل مع شخصيات أخرى معروفة و”مؤهلة”، وجرى طرح بعضها في الفترة الماضية، ربما كبالون اختبار لقياس ردود الأفعال داخل قواعد الحزب النشطة وفريق مموليه أيضاً.

أبرزهم يُطرح حاكم ولاية كاليفورنيا غافين نيوسم، الذي يتمتع بكاريزما وسلاسة خطابية وقربه من القواعد، على الرغم من إشرافه (ومسؤوليته) على العجز الكبير في ميزانية الولاية نتيجة ارتفاع نِسَب الضرائب المتعددة مثلاً. لا يمكن التنبؤ بمدى “تعاون” وسائل الإعلام لتسويق نيوسم، الموصوف بميله الليبرالي وانفضاض محافظي الحزب عنه، وهم مجموعة ليست هامشية.

الشخصية الأخرى، ربما من حيث الأهمية، هي حاكم ولاية مشيغان، غريتشين ويتمر، وتم طرح اسمها سابقاً في قائمة كبار مرشحي الحزب. وتداول بعض قادة الحزب ترشيحها لمنصب نائب الرئيس، وربما تشغل المنصب في حال وفاة الرئيس بايدن أو تردي حالته الذهنية بصورة أكبر.

وطُرحت زوجة الرئيس الأسبق ميشيل أوباما مرشّحةً رئاسية. بصرف النظر عن مؤهلاتها أو عدم تسلّمها سابقاً منصباً منتخباً، ومناشدة بعض قادة الحزب لها لترشيح نفسها. فالقواعد العريضة للحزب ستَعُدّ ذلك تكراراً أو توريثاً لعائلات معينة لشغل منصب الرئيس، رعلى غم أن باراك أوباما هو الأسود الوحيد الذي ترأس البلاد، لكن نفوذه الطاغي داخل الحزب سيشعل غضب أولئك ممن كانوا يؤيدون الرئيس كلينتون وزوجته لاحقاً، وتحميل الرئيس أوباما مسؤولية خسارة الحزب الجولة السابقة لمصلحة دونالد ترامب.

تضاؤل خيارات الحزب الديموقراطي يقابلها حسم مسبق لمرشح الحزب الجمهوري بشأن أولوية الرئيس السابق دونالد ترامب أمام منافسته الوحيدة نيكي هيلي. كان لافتاً قبل بضعة أيام فوز الرئيس ترامب بمندوبي الحزب في ولاية ساوث كارولينا التي ترأستها سابقاً نيكي هيلي.

الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري التي جرت حتى الآن (شباط/فبراير 2024) أسفرت عن فوز ساحق للرئيس ترامب فيها حتى الولايات التي لم يزرها من أجل تحشيد الدعم له.

أما القضايا القانونية المتعددة ضده فبدأت تنهار عملياً، وكان أبرز مؤشراتها اصطفاف المحكمة العلية الاتحادية إلى جانبه ضد مساعي البعض لعدم إدراجه على القوائم الانتخابية، فضلاً عن تقرير المحقق الخاص بشأن أهلية الرئيس بايدن.

من بين المرشحين المحتملين لمنصب نائب الرئيس يجري  ترويج بعض الأسماء المعروفة سابقاً وأخرى حديثة العهد في العمل السياسي.

في هذا السياق يبرز السيناتور الأسود عن ولاية  ساوث كارولينا كوسيلة لاستقطاب أصوات السود والأقليات العرقية الأخرى، وخصوصاً في ظل تيقّن مفاصل القرار السياسي في الحزبين من ابتعاد الشبان السود، رجالا ونساء، عن تأييد الرئيس بايدن على خلفية دعمه اللامحدود للكيان الصهيوني.

الشخصية الأخرى تعود إلى المرشح السابق عن الحزب الجمهوري، فيفيك راماسوامي، الذي أيد الرئيس ترامب مبكراً ودافع عنه خلال المناظرات المتلفزة بين المرشحين، فضلا عن انتمائه إلى جيل الشباب (38 عاماً) الذين سيصوتون بقوة كما يعتقد.

من بين المرشحين أيضا حاكم ولاية ساوث داكوتا السيدة كريستي نوم، التي دعمها ترامب علنا بصفتها “محاربة من أجل القيم الأميركية”.

من الخيارات الأبعد ربما معلق التلفزيون السابق تاكر كارلسون، الذي أشعل ردود أفعال قاسية داخل أقطاب المؤسسة الحاكمة من الحزبين، بسبب إجرائه مقابلة مطولة مع الرئيس الروسي فلاديمير  بوتين.

ومن جملة تلك الخيارات أعضاء حاليون في الكونغرس: النائب المشاكس، والذي يعَدّ من كبار مؤيدي الرئيس ترامب، مارجوري تايلور غرين، والنائبة الواعدة في تراتبيات قيادة الحزب الجمهوري، ايليز ستيفانيك، على رغم صغر سنّها (39 عاماً)، لكن موقعها داخل مجلس النواب سيوفر خدمة أكبر للرئيس ترامب. الآخر وربما الأبعد حظاً عضو مجلس الشيوخ عن ولاية أوهايو جاي دي فانس، وتقلب في ميوله السياسية بين “معادٍ ومؤيدٍ لترامب”.

يتشاطر الحزبان في أولوية القضايا المهمة لقطاعات الشعب الأميركي، عبر كل انتماءاته، وأبرزها معالجة استكمال بناء الجدار العازل عند الحدود المشتركة مع المكسيك. وأظهرت نتائج استطلاع للرأي أجرته مؤسسة “هاريس” انقساماً متساوياً بين قواعد الحزب الديموقراطي، 50-50%. أما بين قواعد الحزب الجمهوري والمستقلين فبيّنت النتائج تأييد 75% من الجمهوريين و 71% من المستقلين لسياسة بناء الجدار وسن تشريعات مفصلة للحد من موجات الهجرة.

عادة تتصدر حالة الاقتصاد أولويات اهتمامات الشعب الأميركي في الجولات الانتخابية، بيد أن الجولة الحالية تتميز بصعود مسألة “الهجرة غير الشرعية” وما يُعَدّ “تساهل” السلطات الفيدرالية مع تدفق موجات المهاجرين.

الرئيس السابق دونالد ترامب استطاع فتح كوّة داخل قيادات الحزبين في تناول المسألة، في شقها القانوني، وأرجئت إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية، الأمر الذي يوفر له ذخيرة إضافية لانتقاد خصمه الديموقراطي، الرئيس بايدن، أو مرشح آخر.

2023-20-11-التقرير الأسبوعي

صمود غزة أدخلها الانتخابات الأميركية
بايدن: “لا مكان لحماس”

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

يعاني الرئيس جو بايدن وكبار مستشاريه من سلسلة أزمات داخلية هم صانعوها، وترهّل مكشوف في إنجازات سياساته الخارجية، وتداخل أولويات الاستراتيجية الأميركية لتفرض اختيارات عاجلة كانت إدارته ترغب في ترحيلها إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية، خصوصاً في ملفَي أوكرانيا وتايوان. بيد أن اندلاع الصراع في قطاع غزّة فرض التحرك الفوري على أعلى المستويات و”تجميد” الملفات الأخرى في الوقت الحالي.

بعد سبات شتوي أدلى الرئيس الأميركي جو بايدن برأيه “خطياً” محاولاً الإجابة على سؤال لا يزال مطروحاً بقوة، وهو “ماذا تريد الولايات المتحدة من غزة”، انطلاقاً من رفضها الثابت لفرض وقف إطلاق النار، وتصوّرها لمرحلة إعادة البناء بعد أن تضع الحرب أوزارها، كما تصفه النخب السياسية والفكرية.

بداية، مقال الرئيس بايدن في صحيفة “واشنطن بوست”، نُشر يوم السبت وليس الأحد الذي يستقطب جمعاً  أكبر من القرّاء الأميركيين، رمى إلى مخاطبة الجمهور الأميركي الداخلي وبعث الطمأنينة في مفاصل الكيان السياسي الأميركي، لجملة أسباب:

أبرزها، حالة التململ داخل أروقة الإدارة ومرافق الحكومة الأميركية المختلفة معارضةً سياسة البيت الأبيض في دعمه اللامحدود لـ”إسرائيل”. وذهبت صحيفة المال والأعمال “وول ستريت جورنال” إلى وصف المعارضة لسياساته بـ “التمرّد” بعد رصدها عرائض جماعية موقعّة من “ما لا يقلّ عن 500 عنصر عامل في الدوائر الحكومية – من ضمنها مجلس الأمن القومي ووزارة العدل، وأكثر من 1000 موظّف في الوكالة الدولية الأميركية للتنمية”، مُطالبة الرئيس بايدن التدخّل لوقف إطلاق النار في غزة. هذا إلى جانب حالات استقالة مسؤولين وآخرين داخل وزارة الخارجية احتجاجاً على مسار السياسة الأميركية (افتتاحية “وول ستريت جورنال”، 14 تشرين الثاني/نوفمبر 2023).

في زاوية أشدّ عمقاً وقلقاً للإدارة وللحزب الديموقراطي معاً، وهي تجذّر حالة الغضب الشعبي العام واتساعها في الشارع الأميركي، واحتجاجاته المستمرة في طول وعرض البلاد دعماً لغزة ومطالباً بوقف إطلاق النار، والتوعّد أيضاً بالقصاص من الرئيس ومؤيديه في الكونغرس في جولة الانتخابات العام المقبل.

جدير بالذكر ما عاناه عضو مجلس النواب السياسي المخضرم آدم شيف، في حملته الانتخابية لمقعد في مجلس الشيوخ عن ولاية كاليفورنيا، في مدينة ساكرامنتو، بمواجهته مباشرة من قبل معارضين لتأييده سياسة “الإبادة الجماعية” في غزة، ما اضطره إلى المغادرة المبكرة وإنهاء الجلسة وسط هتافات تدينه (يومية “بوليتيكو”، 18 تشرين الثاني / نوفمبر 2023)

كما تنبغي الإشارة إلى بروز عنصر فريق احتجاجي جديد وله تأثيره البالغ في الشأن العام الأميركي، ألا وهو انضمام المئات وربما آلاف المتظاهرين من اليهود الأميركيين، معظمهم من النساء، إلى النشاطات الاحتجاجية بعنوان مشترك على قمصان سوداء موحّدة، وهتاف “وقف إطلاق النار الآن”.

وأخذت الدوائر الرسمية المعنية علماً بدخول نحو “450 متظاهر يهودي” مقر مجلس النواب الأميركي، في 18 تشرين الأول / اكتوبر 2023، باليافطات دعماً لغزة، واعتقال عدد منهم، وقد أطلق سراحهم فيما بعد. وتكرّر المشهد عينه في أكثر من مناسبة، ورفع المتظاهرون شعارات مطالبة بوقف إطلاق النار. ونقلت وسائل الإعلام عن إحداهن قولها: “نطالب الحكومة الأميركية بوقف تمويل حملة إسرائيل للإبادة الجماعية للفلسطينيين” (صحيفة شؤون الكونغرس “رول كاول Roll Call -“، 16 تشرين الثاني / نوفمبر 2023).

أمام هذه اللوحة القاتمة أمام مرشحي الحزب الديموقراطي، من صحوة جماهيرية شبه منظّمة وتصاعد المواجهات السلمية إلى داخل أروقة صنع القرار، يصبح من العسير على الحملات الانتخابية المقبلة للحزبين تفادي وجهة بوصلة السياسة الأميركية  أو تجاهل مسؤوليتها المباشرة عن عدم التحرّك لفرض وقف إطلاق النار، كما هي الرسالة الموحّدة التي تلقّاها الجميع.

الرئيس جو بايدن لا يزال المرشح الأول للحزب الديموقراطي، إن لم يحصل أي تدخّل بخلاف ذلك لإنقاذ الحزب من تداعيات بقائه. بالمقابل، الرئيس السابق دونالد يتصدر أعلى نسب التأييد من مؤيدي الحزب الجمهوري، على الرغم من ملاحقاته القضائية المتعددة لتهميشه والإطاحة “السلمية” بشخصه.

وقد ينبئ ذلك بإعادة جولة انتخابات عام 2020 السابقة، رغم تغيّر الظروف المحلية والدولية في ملفات شتّى. ومن جانب آخر، من الجائز أن يشهد الحزب الديموقراطي تراجعاً ملحوظاً في نسبة تمثيله في مجلسي الكونغرس، الشيوخ والنواب، فضلاً عن منصب الرئاسة.

كما أن حالة الرئيس بايدن العقلية أضحت عاملاً مقلقاً للناخب العادي وهو يرى رئيس أقوى بلد في العالم عاجزاً عن السير بخط مستقيم لخطوات معدودة دون السقوط أرضاً أو الارتطام بحاجز وهمي، وتصريحاته المزدوجة التي سرعان ما يتدخّل مستشاروه للتنصّل منها. إضافة إلى كل ذلك في الشأن العام فإن النخب السياسية والفكرية اعتبرت تصريحاته بعد انفضاض لقاء القمة مع نظيره الصيني انتهاكاً للكياسة الديبلوماسية، و”فجّة” في لغتها، وغير موفقة في زمانها، حين أعاد توصيف الرئيس شي جين بينغ بـ”الديكتاتور”.

وقد أفادت أحدث استطلاعات للرأي، التي أجرتها صحيفة “نيويورك تايمز”، باعتقاد نحو 62%  من الناخبين الأميركيين أن الرئيس بايدن لم يعد كفؤاً ذهنياً لتبؤّ منصب الرئيس، مقابل 54% يعتبرون الرئيس ترامب مؤهّلاً للمنصب. تداعيات نتائج الاستطلاع أعلاه ستشكّل “هزّة تكتونية في عموم مفاصل الحزب” الديموقراطي، كما وصفها مستشار الرئيس أوباما السابق ديفيد آكسيلرود.

نتائج الانتخابات الأولية، التي جرت مطلع الشهر الجاري في عدد من الولايات، معطوفة على نتائج استطلاعات للرأي تشير بمجملها إلى انتقال الحزب الديموقراطي من مركز مريح نسبياً، خصوصاً في الولايات المتأرجحة، أريزونا وجورجيا ومتشيغان ونيفادا وبنسلفانيا،  إلى تراجع فوري في تأييد تلك الولايات، خصوصاً في ولاية لويزيانا، التي فاز بها بايدن سابقاً، إذ فاز بها مرشّحان عن الحزب الجمهوري لمنصبي وزير الداخلية والمدعي العام للولاية، فضلاً عن معارضة متنامية من الجالية العربية والإسلامية الكبيرة في ولاية متشيغان بشكل خاص.

تميّزت أجواء الانتخابات الرئاسية الأميركية السابقة، 2020، بترسيخ حالات الانقسام والاصطفاف السياسي لكلا الفريقين، الديموقراطي والجمهوري، واتهامات متبادلة بينهما بلجوء أحدهما إلى “العصيان المدني” وربما المسلّح، الأمر الذي أيقظ المؤسسة الأمنية بفروعها المتعددة إلى تحديث خططها لمواجهة أي ترجمة عملية لأي من تلك الاحتمالات، ودقّت ناقوس الخطر مراراً بأن تقويض النظام السياسي الأميركي و”فرادة أميركا في قيادة العالم” لن يواجه بالسكوت، بل باستخدام “كل الإمكانيات والموارد المتاحة” لتلافي ذلك.

مرة أخرى، تتجدد بعض تلك التهديدات وربما تحت عناوين متعددة لكنها تؤدي إلى المنبع ذاته: أزمة بنيوية داخل النظام السياسي وتحكّم “أقلية نخبوية”، سياسية ومالية وإعلامية، بمفاصل القرار في مواجهة تزايد أعداد الشرائح الاجتماعية المهمّشة وانخفاض منسوب حصتها من الثروة العامة وبرامج التنمية المطلوبة بشدة، وابتعادها تدريجياً عن توفير “الدعم اللامحدود” إلى أوكرانيا، ومن ثم انتقال تلك الأموال إلى “إسرائيل” بينما الأوضاع الداخلية تستشري فقراً وتدهوراً.

سير الانتخابات المقبلة، للرئاسة الأميركية وأعضاء مجلسي الكونغرس، سترسل إشارات غاية في الوضوح عن تخلّي الدولة عن واجباتها في حماية السلم والأمن الداخليّين، ودخول ملف تأييد “الإبادة الجماعية” وعدم الدفع بمبادرة لـ”وقف إطلاق النار” ستشكّل عوامل ضغط إضافية على مرشّحي المؤسسة الرسمية.

2023-03-10-التقرير الأسبوعي

ينشر بالتعاون مع “الميادين”

أميركا: تفادٍ مؤقت لإغلاق الحكومة
والأزمة مرشّحة للتكرار

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

إعلان “مذهل” توصّل إليه طرفا الصراع في الكونغرس بالموافقة على مشروع تمويل قصير الأجل لعمل الحكومة، لمدة 45 يوما، ما يتيح فرصاً أوسع للبحث عن حلول لجملة من القضايا الخلافية، أبرزها بند تمويل أوكرانيا، وقيمته 40 مليار دولار، كما طالب به الرئيس جو بايدن والذي تم ترحيله إلى مرحلة زمنية أبعد.

المذهل في الموضوع، بحسب توصيف الإعلام الأميركي، سرعة الاتفاق في الدقائق الأخيرة قبيل انتهاء المدة الزمنية؛ لحاجة الطرفين إلى إنقاذهما من مأزقهما المتصاعد بين القواعد الانتخابية، واختلال دخل ما يقرب من 4 ملايين موظف حكومي لو استمرّ عناد الطرفين، فضلاً عن تعطيل عمل مصلحة الضرائب الفدرالية لرفد الخزينة المركزية.

ليست هي المرة الأخيرة التي تواجه فيه إقرار الميزانية العامة معارضة نفر ضئيل لبعض تفاصيلها، بل يمكن القول إن المسألة أضحت طقساً سنوياً عند انتهاء السنة المالية الرسمية في 30 أيلول/ سبتمبر من كل عام. فمنذ بدء جدل التهديد بإغلاق الحكومة في اللحظات الأخيرة الحاسمة عام 1990، تم التوصل إلى حل مرحلي باعتماد الكونغرس “قراراً مكملاً” للميزانية يجسر الهوة الزمنية الفاصلة بين السنة المنقضية والجديدة.

وشكّل عام 2019  المرة الأخيرة التي أغلقت فيها مرافق الدولة، باستثناء الدوائر والخدمات الضرورية، نتيجة خلافات داخلية بشأن بعض البنود المدرجة لتمويلها، واستمرت 34 يوماً، إذ أضحت أطول مدة في تاريخ الكيان السياسي الأميركي تغيب فيها الخدمات الحكومية بكاملها عن التداول، ليصل تعدادها نحو 10 حالات إغلاق منذ عام 1976، طالت رؤساء جمهوريين مثل رونالد ريغان وديموقراطيين مثل بيل كلينتون الذي شهد عهده إغلاقاً استمر 21 يوماً.

بداية، استطاع فريق الحزب الجمهوري الضغط على خصمه الديموقراطي وموافقته على اقتطاع نحو 2 تريليون دولار من البنود المخصصة “للرعاية الصحية والأمن الاجتماعي” وبعض البرامج الأخرى، في الجولة الأولى من المفاوضات الشائكة.

هذا بالرغم من تبجّح قادة الحزب الديموقراطي بعدم المغامرة ببرامج الرعاية الصحية والاجتماعية، التي تشكل مجتمعة جوهر أجندة الحزب ومبرر وجوده إلى حد بعيد.

في المحصلة العامة، حظي رئيس مجلس النواب كيفين مكارثي على أكبر حجم من الأضرار السياسية، نتيجة “تهاونه”  مع مطالب الخصم الديموقراطي، كما أشيع، وتعرضه أيضاً لانتقادات إضافية من “كتلة اليمين المحافظ” في الحزب وتمرّد نحو 20 عضواً عليه، ومغامرته في حتمية مواجهة مطلبها بالاستقالة، وهو احد الشروط التي وافق عليها العام الماضي عقب 15 محاولة لإعلان فوزه بالمنصب.

وأفردت إحدى كبريات الصحف مساحة واسعة لتغطية مصير رئيس مجلس النواب “لانقلابه الاستراتيجي المعاكس” في اللحظة الأخيرة بتبنّيه مبادرة استطاع فيها الحصول على دعم “معظم الأعضاء” من الحزبين لتفادي شبح الإغلاق بالموافقة على تمديد التمويل لمدة 45 يوماً (صحيفة “واشنطن بوست”، 30 أيلول / سبتمبر 2023).

وأردفت الصحيفة أن “كتلة القبان” المشكّلة من “أقصى اليمين الجمهوري كانت منكبة على التخطيط لأيام عدة بغرض إطاحة رئيس مجلس النواب من منصبه، فضلاً عن غيظهم الشديد من توسله الدعم من أصوات الديموقراطيين” لتفادي الإغلاق.

يشار إلى أن منصب رئيس مجلس النواب كان يتطلب مبادرة من 5 أعضاء في السابق لإزاحته أو عزله، لكنه وافق على تخفيض العدد إلى عضو أوحد، خلال مشارواته الماراثونية مع أعضاء الكتلة المتراصة مطلع العام الحالي قبل موافقتهم على انتخابه رئيساً.

بند دعم أوكرانيا تصدّر الجدل السياسي/المالي في الدورة الحالية للكونغرس، نتيجة جملة عوامل داخلية، اهمها رفض كتلة النواب الجمهوريين المتشددين لإدراجه، ونجحوا في وقف المفاوضات بين قادة الحزبين، وكذلك لانقشاع غيمة التغطية الإعلامية المضلِّلة لمجريات الحرب في أوكرانيا والتي ترجمت بعزوف قطاعات من الأميركيين عن تحمل تبعات الحرب.

صرّح الرئيس جو بايدن بعد إعلان الاتفاق بأنه “لا يمكن تحت أي ظرف من الظروف أن نسمح بقطع الدعم الأميركي لأوكرانيا؛ تبعه بيان مشترك لكبار قادة الحزبين في مجلس الشيوخ يؤكدون فيه عزمهم “ضمان استمرار الحكومة الأميركية تقديم الدعم لأوكرانيا”. من أبرز الموقّعين كان زعيم الأقلية الجمهورية في المجلس ميتش ماكونول.

ونتيجة للفوارق البسيطة لسيطرة الأغلبية من الحزبين على مجلسي الكونغرس، الجمهوريون بنسبة ضئيلة والديموقراطيون بفارق صوت واحد، فإن أي إجراء بشأن أوكرانيا، أو أي مسألة خلافية أخرى، يحتاج إلى توافقهما عليها.

وعليه، من المرجح أن نشهد تكراراً لطقوس الجذب والتهديد بالإغلاق مجدداً، خلال الأسابيع القليلة المقبلة، والتي لا تبشّر بجاهزية الطرفين تقديم تنازلات “قاسية” لبعضهما البعض، بل قد يشتدّ الخلاف بين أعضاء الحزب الجمهوري بوتيرة أعلى نتيجة الشعور بالخيبة من تصرفات رئيس مجلس النواب كيفين مكارثي.