2020-03-08-التقرير الأسبوعي

خلفيات وأبعاد انسحاب
ترامب الجزئي من ألمانيا

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

أثار مناهضو الرئيس ترامب بين القوى السياسية المتعددة زوبعة إعلامية ضد قرار وزير دفاعه، مارك أسبر، سحب “جزء” من القوات العسكرية الأميركية من ألمانيا ونشرها في أماكن أخرى من أوروبا بالقرب من الحدود الروسية، وخصوصاً الأراضي البولندية، بزعمهم أن القرار “يفجّر حِلفاً عمره 75 عاماً دون مبرر.”

في حقيقة الأمر، إن الرئيس ترامب أعلن عن ذلك الإجراء في 30 حزيران/يونيو الماضي، نظراً إلى”فشل” ألمانيا في زيادة إنفاقها العسكري إلى مستوى 2% من مجمل ناتجها السنوي. ومن مجموع 36،000 عسكري أميركي في ألمانيا سيبقى نحو 24،000 منهم مرابطين في أراضيها، وسيتم نشر الباقي، أي نحو 12،000 سيتم نشرهم في مناطق أوروبية مختلفة، والبعض سيعود لقواعده في بلاده.

متطلّبات “استراتيجية الدفاع الوطنية” الأميركية السنوية تخضع للتعديل الدائم، وفق طبيعة التحديات العالمية، وتُصرف لها الميزانيات المطلوبة، ومتطلبات أخرى تحت بند “الطوارئ الخارجية”، والتي أوجزها مؤخراً وزير الدفاع مارك أسبر في وثيقة اعتمدتها القيادة العسكرية الأميركية لأوروبا، محورها التصدي لروسيا في أوروبا والبحر الأبيض المتوسط.

وأوضح وزير الدفاع توجّهات البنتاغون إلى “ردع روسيا” بأنها نتيجة “إدراكنا دخول عصر جديد من تنافس القوى العظمى، فنحن الآن على أعتاب نقطة انعطاف مفصلية في بلورة حلف الناتو، وتطوير المرونة الاستراتيجية الأميركية، وكذلك لدى قيادة العمليات الأوروبية “يورو كوم”.

العنصر الجوهري في تدهور العلاقات الأميركية الألمانية هو مقاومة برلين لضغوط واشنطن، لدفعها إلى التخلي عن أنبوب “السيل الشمالي-2″، الذي سيحمل الغاز الطبيعي من روسيا مباشرة إلى ألمانيا، بطول يبلغ نحو 1200 كلم، وتوقف العمل به العام الماضي، نتيجة تلك الضغوط وإجراءات العقوبات الأميركية ضد روسيا.

تسلّحت ألمانيا بحقها في ممارسة سيادتها على أراضيها، متهمة الولايات المتحدة بالتعدّي على حقها السيادي في إقرار مصدر الطاقة التي تحتاجها، وضاعفت تعزيز علاقاتها الاقتصادية مع روسيا، لتأمين مصدر طاقة مستقل عن النفوذ الأميركي.

وفي سياق مماثل، شدد الرئيس ترامب في كلمة له في ولاية تكساس، في 29 تموز/يوليو الماضي، على أن بلاده “باتت المنتج الأول عالمياً للنفط والغاز الطبيعي، ولن نفقد موقعنا المهيمن في المستقبل البعيد”.

الخبير الاقتصادي للمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، ماكس اوتِ، شدد في لقاءاته مع الصحافيين حول الأمر على أن مسألة زيادة الإنفاق العسكري ما هي إلا قضية ثانوية في مجمل العلاقة الثنائية، بل إن تقليص عدد القوات الأميركية في الأراضي الألمانية مطلب يحظى بدعم شعبي و”الرئيس ترامب أدرك ذلك جيداً”.

واستدرك اوتِ، المستشار وعضو حزب ميركل الحاكم، أن الأجزاء الشرقية من ألمانيا تتميز بمناهضتها الشديدة لتواجد حلف الناتو. وقد انتشر في صفوف المواطنين شعار “دعونا نسحب (قوات) الناتو. دعونا نفعلها بأنفسنا”، جسدته تصريحات المستشارة ميركل في شهر تموز/يوليو الماضي، مشيرةً إلى أن قدرة الولايات المتحدة على الدفاع عن الاتحاد الأوروبي “لم تعد مسألة مسلّماً بها”.

في البعد الأميركي الصرف، تبنّت إدارة الرئيس اوباما مشروع “مبادرة الجهوزية” منذ العام 2014، لنشر قوات عسكرية على الخطوط الأمامية مع روسيا، قوامها تلك المتواجدة في أوروبا. واستقبلت كل من إستونيا ولاتفيا وليتوانيا وبولندا عدة تشكيلات عسكرية في أراضيها في العام 2016، “لتعزيز قوة ردع حلف الناتو”، بل أجمع قادة دول الحلف آنذاك على “إنشاء مقر قيادة إقليمي للقوات في مدينة نابولي في إيطاليا، تحسباً لاضطرابات قد تنشأ في منطقة البحر المتوسط.”

وفود قوات أميركية إضافية إلى إيطاليا، وخصوصاً في الطائرات المقاتلة، من شأنه أن يوفّر للبنتاغون مجال مناورة أوسع لمواجهة الأسطول الروسي في مياه المتوسط، ودعم قيادة القوات الإفريقية “آفريكوم”، بعد إعادتها تموقع مواردها الحربية لمواجهة الصين في المحيط الهاديء.

وعليه، إن إعلان وزير الدفاع الأميركي يأتي متّسقاً مع التوجهات الأميركية لإدارة أسلافها، وخصوصاً الرئيس اوباما، والمبنية على تعزيز الحضور العسكري الغربي على الحدود المشتركة مع روسيا. وأجرت القوات الأميركية في العام 2018 مناورات عسكرية مشتركة مع دول الحلف عنوانها “الدفاع عن أوروبا 2020”.

من جانبهم، ينظر الخبراء العسكريون الأميركيون إلى الجدل الراهن حول ألمانيا على أنّ الأزمة “نشأت من رحم توتر العلاقة الأميركية الألمانية غير الفعّالة، والتي تمتد إلى بضعة عقود زمنية، ومحركها الأساسي هو نظرة البلدين غير المتكافئة إلى القضايا العالمية”. ويضيف بعضهم بأن الصدام بينهما كان حتمياً، ولا بد من حدوثه يوماً ما، لتشبث “الجانب الأميركي سردية تميّزه مقابل القيم الألمانية المستندة إلى حق اوروبا في سيادتها”.

العنصر الأشد حساسية في علاقة البلدين، وفق بعض القادة الأميركيين، هو خشية القيادات الألمانية المتعاقبة من “سرعة انفعال أميركية تؤدي إلى نشوب حرب مع روسيا، تستخدم فيه الأسلحة النووية المخزّنة في الأراضي الألمانية”، وتدور رحاها على أراضيها، وهي التي لم تتعافَ تماماً من آفات الحروب العالمية.

يُشار في هذا الصدد إلى توجهات المستشار الألماني الأسبق، فيلي برانت، إبّان الحرب الباردة، باعتماده سياسة “الانفراج” مع الاتحاد السوفياتي السابق لتكريس “استقلالية ألمانيا”، بعيداً من املاءات واشنطن وحلفائها الاوروبيين، التي كررها أيضاً المستشار غيرهارد شرودر، 1998-2005، بنسج علاقات أوثق مع روسيا، مثيراً غضب إدارة الرئيس جورج بوش الإبن، إبّان الحرب على العراق واحتلاله في العام 2003.

الإعلان الأميركي في ظاهره خفض القوات الأميركية في أوروبا وعودتها إلى بلادها،  ويعزز توقيته موقع الرئيس ترامب، مرحلياً على الأقل، بين مؤيديه قبل الانتخابات الرئاسية، وتكامل سرديته بأنه يفي بوعوده الانتخابية. وفي البعد العملياتي واللوجستي، فإن إعادة تموضع القوات الأميركية أو تقليص عددها في ألمانيا، سيستغرق فترة زمنية قد تمتدّ إلى بضعة أشهر، وربما أطول.

عند هذا المنعطف، لن يستطيع الرئيس ترامب تنفيذ وعوده في حال خسارته الانتخابات الرئاسية المقبلة، كما تشير بيانات استطلاعات الرأي، على الرغم من أن الوقت لا يزال مبكراً لحسم التكهنات بهذا الشأن.

ومن المرجّح أن يقدِم خلفه المقبل، جو بايدن، على عكس اتجاه السياسة الأميركية في مجالات شتى، منها إلغاء قرارات سلفه ترامب بتقليص القوات الأميركية في ألمانيا، وتعزيز دور حلف الناتو في تنسيق وترجمة الاستراتيجية الكونية للولايات المتحدة، بيد أنّ المعضلة التي سيواجهها الرئيس الجديد، في حال فوزه في الانتخابات، هي ترميم العلاقات مع ألمانيا التي ستواجه معارضة قوية داخل الكونغرس، نظراً إلى عدم الرضى الواسع عن انبوب “السيل الشمالي-2″، وتباين وجهات نظر الدول “الاشتراكية السابقة”، بولندا ودول البلطيق ورومانيا وبلغاريا، التي تؤيد بقوّة خطة إدارة الرئيس ترامب لإعادة تموضع القوات الأميركية في أراضيها، نظراً إلى توظيفها كعامل “يعزز مصالحها الأمنية”، كما يسود الاعتقاد بين صفوف قادة البنتاغون.

وهناك بُعد لا يتم التركيز عليه بشكلٍ وافٍ في عملية سحب القوات من ألمانيا، له علاقة بتوفير قوات محمولة خفيفة المعدات، يمكن تحريكها الى جنوب شرق آسيا عند الضرورة في مواجهة الصين، وخصوصاً القوات التي سيتم إعادتها إلى الولايات المتحدة.

2020-29-07-التقرير الأسبوعي

قوات الأمن في المدن الأميركية
قوة فيدرالية أم ميليشيا خاصة لترامب 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

دشّن فوز الرئيس دونالد ترامب في العام 2016، مرحلة جديدة من تحولات سياسية واجتماعية اجتاحت المجتمع الأميركي، في سياق استكمال تطبيق سياسات وتوجهات مناقضة لدولة “الرعاية الاجتماعية” التي شهدت إرهاصاتها في عهد الرئيس الأسبق ليندون جونسون، كما دشّن انعطافة حادة أيضاً لترسيخ قيَم الرأسمالية في الهيمنة والاستغلال والعولمة المتوحشة، ومن ثم دولة القانون والأمن التي ترعرع مفهومها وأضحى، سياسة رسمية في عهدي الرئيسين الأسبقين ريتشارد نيكسون ورونالد ريغان.

تكمن أهمية هذا الثنائي الجمهوري في أن ريغان تقلّد منصب حاكم ولاية كاليفورنيا الليبرالية، على خلفية برنامج “بسط الأمن والقانون” الذي استفاد منه نيكسون لاحقاً كسياسة استقطاب ثابتة.

لم تشكّل حملة الرئيس ترامب الانتخابية بداية مرحلة جديدة في النظام السياسي الأميركي، كما يُجمع عددٌ من خبراء العلوم الاجتماعية، بل نَهَلت من سُبل وسياسات سبقتها، خضعت لحسابات دقيقة كي تضمن “تفوّق وتمسّك” البيض بمفاصل الدولة، تحت شعار نيكسون الشهير “الأغلبية الصامتة”، الذي حقّق له الفوز الساحق على خصمه الديموقراطي الليبرالي نائب الرئيس الأسبق هيوبرت همفري في العام 1968.

استراتيجيَّة الرئيس نيكسون وحزبه الجمهوري عُرفت بسياسة “الجنوب”، لكسب  الولايات الجنوبية التي كانت تؤيد بأغلبية كبيرة الحزب الديموقراطي، واستُنهضت بقوة بعد نحو 6 عقود، جوهرها التوجه إلى تعبئة الشرائح الفقيرة من الأميركيين البيض في جسم انتخابي يحابي همومها وثقافتها وهواجسها العنصرية، بعد استنهاض السلطات الرسمية مخاطر “الهجرة العظيمة” للأميركيين السود من الجنوب باتجاه مدن الحضر في الشطر الشمالي، والتي فاقمها ارتفاع معدلات الفقر والجريمة واستشراء المخدرات.

ولا تزال تلك الاستراتيجية تتصدّر المشهد السياسي الأميركي، وتكتسب زخماً جديداً مع كل دورة انتخابية، وتبرر مراكمتها قوة ذاتية مسلحة بذرائع متعدّدة، يغذّيها خطاب مُتخلّف موجّه لاستنهاض الغرائز الدفينة في مجتمع عنصري بالأساس، يقود اتباعه للاحتماء به وراء شعارات تبسيطية مثل “الحرب على المخدرات”، وكان أحد تجلياته بروز “حزب الشاي” على يمين الحزب الجمهوري.

الاحتجاجات الأخيرة التي اجتاحت كبريات المدن الأميركية كان فتيل تفجيرها قتل الشرطة لجورج فلويد، وتركّزت على مناهضة إفراط قوى الأمن في استخدامها القوة وقتل المتظاهرين، والتي أفرزت آلية معالجة خاصّة بها من قبل السلطات الرسمية، اضطرّت بعد حوادث صدام متتالية إلى التراجع المرحلي عن استخدام القوات العسكرية الرسمية، وعوّلت على فريق مسلّح آخر يخضع لسيطرة “وزارة الأمن الداخلي”، ويتلقى أوامره مباشرة من البيت الأبيض، ويتكوّن أساساً من قوة حماية الحدود.

أولى المحطات كانت نزول تلك القوة إلى مدينة بورتلاند في ولاية اوريغون في أقصى غرب الولايات المتحدة، وقيامها باعتقال محتجين وزجّهم في حافلات مبهمة الهويّة، وارتداء زيٍ عسكريٍ غير مألوف يغطي الوجه بالكامل، وعدم حمل إشارات الجهاز الذي تنتمي إليه.

يُشار إلى أن الاحتجاجات في المدينة حافظت على ديمومة بوصلتها ضد أجهزة الشرطة لشهرين متواصلين، وتخللتها صدامات مع قوى الأمن، واتّجه زخمها الاحتجاجي للسيطرة على بعض المباني الرسمية للحكومة الفيدرالية، مع تراجع قوى الحماية الرسمية، لقلة عددها في ممارسة مهامها.

اندلع حريق في مبنى المحكمة الفيدرالية، احتجاجاً على اعتقال “قوة حماية الحدود” الفيدرالية عدداً من المتظاهين، ولفرط استخدامها القوة لقمع المحتجين الذين لم يعرف إلى أي جهة تم اقتيادهم إليها.

سارع الرئيس ترامب إلى استغلال الحادثة المدروسة بعناية لتبرير خطواته المقبلة ونشر قوات إضافية في مدن كبيرة أخرى تقف سلطاتها المحلية على نقيض من سياساته، أبرزها شيكاغو، ووصف المشهد الأول في بورتلاند بأنه “أسوأ من أفغانستان”.

تفادى الرئيس ترامب ووزارة الأمن الداخلي تنسيق التوجهات مع السلطات المحلية، سواء في المدينة أو مع حاكم ولاية اوريغون، ونشر قوات عسكرية مدرّبة مدجّجة بالأسلحة، مما اضطرّ السلطات الرسمية هناك إلى اللجوء إلى سلطة القضاء للحدّ من تغوّل القوة العسكرية التي لا تخضع لسيطرة أحد باستثناء البيت الأبيض.

ارتفعت أصوات بعض المسؤولين في انتقاد سلوك البيت الأبيض واعتماده على “قوة حماية الحدود”، التي وصفتها أسبوعية “نيويوركر” بأنها تخضع “للسيطرة الفيدرالية، وقياداتها متطرفة بولائها لترامب، ومشبّعة بسياسات أقصى اليمين” (17 شباط/فبراير 2017).

وأعرب عضو مجلس النواب عن الحزب الديموقراطي، واكين كاسترو، عن خشيته وقلقه من استغلال المجموعات اليمينية المتشددة ثغرة السريّة لتلك القوة، وارتداء زيّها العسكري في استهداف خصومها في التيارات اليسارية والقاء القبض عليهم (يومية “نيويورك تايمز” 19 الشهر الجاري).

العلاقة الوثيقة بين الرئيس ترامب و”قوة حماية الحدود” تعود إلى دعم نقابة اعضائها حملته الانتخابية في أوائل عام 2016، وهي المرة الأولى التي تدعم فيها نقابة قوة عسكرية مرشحاَ رئاسياَ بعينه منذ تشكيلها كإحدى أذرع وزارة الأمن الداخلي عام 2001.

وتشير البيانات المتوفرة إلى دعم الرئيس ترامب للمجموعة، ورفدها بعناصر جديدة قوامها 5،000 بعد 5 أيام من دخوله البيت الأبيض، كجزء من المجموع العام البالغ نحو 20،000 عنصر. وفي 26 حزيران/يونيو الماضي، أصدر الرئيس ترامب “قراراً رئاسيا” يخوّل بموجبه “قوة حماية الحدود” حماية التماثيل التذكارية “ومحاربة انتشار العنف الجنائي في الآونة الأخيرة”.

منذ بدايات تشكيل “قوة حماية الحدود،” كانت الشكوك تحوم حولها بالولاء والفعالية والمساءلة. وكشفت نشرة “برو بوبليكا ProPublica” الاستقصائية، العام الماضي، انتساب نحو 9،500 من أعضاء القوة إلى مجموعة عنصرية سرّية تشكلت في شهر آب/أغسطس 2016، تعرف بـ “آيم تن – ففتين (I’m 10-15)” وهو رمز التخاطب بين عناصرها، للإشارة إلى “المهاجرين المعتقلين”.

استاذ مادة التاريخ في جامعة ييل العريقة، تيموثي سنايدر، حذّر من تعاظم حضور عناصر مسلّحة في المشهد السياسي، مؤكداً أن ما “شهدناه في (مدينة) بورتلاند ينبيء بماهية الاحتلال”،  وأضاف أن “الفاشية قد تتجسّد في الولايات المتحدة، وبعض تجلياتها وجدت ترجمتها عملياً، لكن لم نشهد نهايتها بعد” (نشرة “فورين بوليسي” 23 تموز/يوليو 2020).

وحذّر المدعي العام في مدينة فيلادلفيا، على خلفية ما جرى في اوريغون، القوات الفيدرالية من ملاحقتها قانونياً، كما حذّر “أي فرد، من ضمنهم عناصر الأمن الفيدرالي، من ارتكاب هجمات غير قانونية واختطاف أناس أبرياء”. وأضاف أن تلك التجليات يتحمل مسؤوليتها الرئيس ترامب “وكلها منصوص عليها في كتب ارشاديّة للعنصريين البيض”.

وزير الأمن الداخلي الأول، توم ريدج، عبّر عن غضبه من تصرفات الرئيس ترامب في تسخير القوات الفيدرالية لمصالح ذاتية. ريدج، من قيادات الحزب الجمهوري، قال “إنشاء الوزارة (في العام 2001) لم يكن لتوظيفها كميليشيا خاصة بالرئيس”.

السؤال الأبرز في أوساط النخب الفكرية والسياسية الأميركية يدور حول توجهات الرئيس ترامب إلى توظيف تلك القوات في صراعاته مع المؤسّسة الحاكمة، ولا سيما في حال خسارته الانتخابات، كما أوضح مبكراً، وما جرى في مدينة بورتلاند لا يعدو كونه تمريناً حياً في الإعداد للمرحلة المقبلة التي تهدد بإشعال حرب أهلية بمسميات مختلفة.

يومية “نيويورك تايمز” كانت من أبرز المؤسّسات التي انتقدت تصرفات الرئيس ترامب، واعتبرت تجربة مدينة بورتلاند “تمريناً استراتيجياً لإعلاء الفاشية، وتسخير النزعات العنصرية (بين البيض) لخدمة استراتيجية سياسية” (25 تموز/يوليو 2020).

كما أوردت نظيرتها الليبرالية، “واشنطن بوست”، نقلاً عن وزير العدل الوفيّ لترامب، ويليام بار، توضيحاً لمسببات إرسال الإدارة قوة عسكرية إلى مدينة بورتلاند، بأنه عبارة عن “رد واشنطن على الاضطرابات المدنية” (25 تموز/يوليو 2020).

المؤشرات الاجتماعية المتوفرة راهناً تشير بشدة إلى تأهب طرفي المعادلة السياسية، ترامب وحلفائه، مقابل السواد الأعظم من الناخبين الأميركيين، لمنازلة ترافق نتائج الانتخابات، مهما كانت.

احتمال لجوء أحد المرشّحيْن إلى الطعن في نتائج الانتخابات ودعوة القضاء للبتّ في نتائج متقاربة ليسا مستبعدين، وتأجيل الإعلان الرسمي للنتائج سيمنح الفريقين زمناً إضافياً للتحشيد والإعداد للمواجهة التي بشّر بها الرئيس ترامب مبكراً، وفي عدة مناسبات.

العامل الجديد في المعادلة المقبلة هو التحشيد والاصطفاف الجديد في المجتمع، والناتج عن مناهضة العنف المفرط لأجهزة الشرطة والأمن، والذي يمكن اختزاله بمشهد “حياة السود مهمة”، الذي قد يدخل كعامل مساعد لإدامة جذوة الأزمة مشتعلة، يعززه مناخ الانقسامات الحادة الناجمة عن تضاؤل الفرص الاقتصادية لمعظم الشرائح الاجتماعية، وإخفاق السلطات المركزية، ليس في معالجتها فحسب، بل في القفز عنها، بتقديمها “رشوة مالية” ضخمة لإحدى كبريات شركات الأدوية، “فايزر”، لتعزيز جهودها في انتاج لقاح لمعالجة فايروس كورونا.

ترامب، من ناحيته، سيحافظ على زخم خطابه السياسي المشبع بالعنصرية، والموجّه إلى قاعدته من الناخبين البيض من الشرائح الوسطى والدنيا، وتوظيف شعارات مرحلة الرئيس الأسبق نيكسون، بسط الأمن وسلطة القانون، للإبقاء على لحمتها وزجها ككتلة “منظّمة” في معركته الانتخابية. وفي الخلفية استنساخ مزاعم سلفه الأسبق ريتشارد نيكسون بأنهما يمثلان طموحات “الأغلبية الصامتة”.

سارع الرئيس ترامب إلى ترجمة توجّهاته باصداره قراراً رئاسياً في 22 تموز/يوليو الجاري، لشرعنة التدخل العسكري “الفيدرالي” في المدن الأميركية، وخصوصاً مدينة شيكاغو، تحت عنوان “عملية ليجيند Operation Legend))”، معللاً في خطابه بصحبة وزير العدل ويليام بار بأن “هناك حركة متطرِّفة (هدفها) تقليص ميزانيات أجهزة الشرطة وتسريح طواقمها وإنهاء وجودها”.

2020-21-07-التقرير الأسبوعي

تصعيد أميركي ضد الصين وسط مخاوف
من استهداف متعمّد لحاملة طائرات

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

ملاحظة: سنستعرض مسألتي التصعيد الأميركي ضد الصين وحريق حاملة الطائرات الأميركية، “بونوم ريتشارد”، ولا نستبعد عامل تقارب الصين وإيران في تأجيج منسوب الغضب الأميركي، لسبر أغوار نوايا واشنطن العدوانية في الهزيع الأخير للرئيس دونالد ترامب.

         “الولايات المتحدة عاجزة عسكرياً وسياسياً” عن مواجهة الصين في المرحلة الراهنة، جملة تختصر المشهد السياسي الراهن من قبل محلّلين عسكريّين أميركيّين، بعد إصدار وزير الخارجية مايك بومبيو بياناً شديد اللهجة يتوعد فيه بكين، على خلفية تواجد عسكري مكثف للبلدين في بحر الصين الجنوبي.

تصعيد أميركي جسده بيان للخارجية وعزمها في البدء بسياسة “جديدة” ضد الصين، أعلن فيه بومبيو بأن الأخيرة لا يتوفر لديها مبررات قانونية لبسط سيطرتها على منطقة بحر الصين الجنوبي. أحد أشكال حملة التصعيد كان عقوبات ضد كبار شخصيات سياسية صينية وضغوطاً اقتصادية ضد مصالحها أثمرت بتراجع لندن عن تعهداتها السابقة لكبريات شركات الاتصال الصينية، هواوي، بمنحها العمل على تحديث شبكات اتصالاتها بالجيل الخامس. الصين ترد بأن ساسة واشنطن “فقدوا عقولهم.”

بكين أعلنت التزامها بسياسة “ناين داش لاين Nine-dash Line””، التي تعتبر أن لها حق التصرف بما لا يقل عن 90% من مياه بحرها الجنوبي، الذي تبلغ مساحته الإجمالية 3،5 مليون كم2، وأنشأت جزراً اصطناعية محصنة هناك للأغراض العسكرية.

سياسة واشنطن الرسمية، قبل بيان بومبيو، كانت تلتزم الحياد نوعاً ما فيما يخص نوايا بكين، والقيام بتحريض “حلفائها” الاقليميين على التصدي لجارتهم الكبيرة، خصوصاً فيتنام والفليبين، من مجموعة دول “آسيان”.

جملة عوامل طرأت على الموقف الأميركي بالذات، ليس أقلها رفض الصين الانضمام لمحادثات الحد من الأسلحة النووية متوسطة المدى، كطرف ثالث لم يكن جزءاً من اتفاقية الحرب الباردة، وتدخّل واشنطن في احتجاجات إقليم هونغ كونغ ضد الصين، فاقمها أيضاً انسحاب واشنطن الأحادي من منظمة الشراكة العابرة للمحيط الهاديء، في العام 2018، ما أدى إلى فقدانها سبل ضغط اقتصادية فعّالة لحمل تلك الدول على تقليص اعتمادها على الصين.

كبار قادة البنتاغون عبّروا عن قلقهم من الاستعراض العسكري الأخير للصين، إذ أبرزت فيه جيلين جديدين من الصواريخ الباليستية، دي أف-21 و دي أف-26، أطلقت عليهما لقب “أسلحة اصطياد حاملات الطائرات” الأميركية. حرّكت واشنطن حاملتي طائرات، نيميتز و رونالد ريغان، للمرابطة في بحر الصين الجنوبي.

قائد سلاح مشاة البحرية الأميركية لتلك المنطقة، الجنرال ديفيد بيرغر، اصدر كراساً لقواته التي يجري إعادة تنظيمها، منتصف الشهر الجاري، يحدد فيه الخطوط العامة للتصرف لكل الوحدات والأسلحة المختلفة، مشيراً إلى الترسانة الصينية. أبرز ما جاء فيه “ينبغي أن نقبل الحقائق الناجمة عن انتشار حرائق دقيقة بعيدة المدى وألغام وأسلحة ذكيّة أخرى، وابتكار وسائل خلاّقة للتغلب على تهديد تلك الأسلحة”.

فيما عبّر ضباط في الاستخبارات العسكرية الأميركية عن قلقهم من اندلاع مواجهة عسكرية مع الصين ليس مضموناً فيها فوز واشنطن نتيجة “عدم جاهزية مشاة البحرية أو سلاح البحرية الأميركية”، بل إن تطوير أسلحة وموارد مناسبة لتلك المهمة تبدو بعيدة المنال وتستغرق “بضع سنوات”.

نائب وزير الدفاع الأسبق للشؤون السياسية، ميشيل فلورنوي، حذرت في مقال نشرته شهرية “فورين أفيرز” المرموقة من “سهولة انزلاق البلدين إلى صدام مباشر”. واضافت  أن “الولايات المتحدة ليس بوسعها بعد الآن توقّع إحراز تفوق  سريع في الجو والفضاء أو في البحر”. لعل أهمية ما ذكرته السيدة فلورنوي هو ما يتردد هذه الأيام عن احتمال ترؤسها لوزارة الدفاع في إدارة جو بايدن المقبلة، كما يرجح.

في هذا الشأن، تتوالى الدراسات والأبحاث الأميركية للتحذير من الانجازات الصينية في مختلف المجالات وتطبيقاتها العسكرية، خصوصاً في نطاق “الذكاء الاصطناعي”. أحدثها كانت بحثاً تحليلياً معمقاً لـ “مؤسّسة راند”، مطلع الشهر الجاري، بعنوان “الحفاظ على عنصر التفوق في الذكاء الاصطناعي ولغة تعليم الآلة”.

إحدى نتائجها كانت “التحذير من فقدان الولايات المتحدة تفوقها المتواضع الراهن في تقنية الذكاء الاصطناعي، خصوصاً في الشرائح الالكترونية، كما أن غياب سياسة أميركية واضحة يخدم خصمها. أما الصين فتتمتّع بتفوقها في مجال قواعد البيانات المركبة الضرورية لتطوير تطبيقات تعتمد على الذكاء الاصطناعي”.

 

تداعيات حريق غير مسبوق في سلاح البحرية الأميركية

نشب حريق هائل على ظهر سفينة برمائية أميركية، “بون اوم ريتشارد”، 12 الشهر الجاري، بعد وقوع انفجار داخلها سُمع من مسافة 21 كلم (13 ميل)، استغرق أربعة أيام بلياليها قبل السيطرة عليه، وهي راسية في ميناء القاعدة البحرية في مدينة سان دييغو لأعمال الصيانة والتحديث، وكان على متنها نحو 160 بحاراً، أصيب العشرات منهم بأضرار طفيفة، من مجموع طاقم يناهز 1000 عنصر، بالاضافة لمخزون من الوقود بلغ مليون غالون.

الأضرار التي لحقت بالسفينة الحربية ضخمة بكل المقاييس، بدءاً بانهيار الصاري الأمامي وتدمير غرفة التحكم والقيادة، وفق بيانات كابتن السفينة، فيليب سوبيك، وارتفاع درجات الحرارة لنحو 649 درجة مئوية (1200 فهرنهايت)، التي من شأنها إحداث اعوجاج في الهيكل الفولاذي السميك للسفينة ، حسبما أفاد خبراء علم المعادن.

التحقيقات في الحادث جارية على قدم وساق، بدقّة وانضباط عسكريين، خصوصاً أن الانباء الأولية أشارت إلى نشوب حريقين منفصلين، في المقدمة والمؤخرة، أمر “غير مسبوق .. ومن الصعوبة بمكان اندلاع حريق يلتهم السفينة بكامل طولها”، مما عزز فرضية حادث مدبر يتصدر جهود التحقيق.

تحديد الجهة أو الأطراف المتورطة في الحادثة أمر تلفه تكهنات متعددة، من بينها اتهام بالمؤامرة وتلميحات بضلوع الصين وإيران ربما، رغم أن التحقيق في ملابسات الحريق سيستغرق وقتا، يبدي بعض الخبراء في مجال صيانة وتحديث السفن الحربية خشيتهم من أن تكون حاملة الطائرات الخفيفة قد تعرضت لعمل تخريبي متعمد من جهة ما.

هذه المخاوف تستند الى عدة مؤشرات من بينها وقوع الحريق في المستودعات التي لم تكن تخضع لأعمال الصيانة ويفترض أن تكون مغلقة بإحكام امام طواقم أشغال الصيانة في الميناء.

يضاف الى ذلك عدم توفر أطقم إخماد الحرائق بشكلٍ وافٍ وجهوزية عادة ترافق أعمال الصيانة مما يعزز فرضية غياب رقابة كافية على دخول وخروج أطقم الصيانة في الميناء خاصة مع وجود عدد قليل من البحارة على متن الحاملة. يرجّح أن تتركز التحقيقات على سبب عدم فعالية وجهوزية أطقم إخماد الحرائق لدى نشوبها والقدرة على التحكم السريع قبل أن يتوسع الحريق وينتشر، كما يجري عادة في التدريبات والتمارين التي يخضع لها البحارة. كما سيتم التدقيق في غياب او تراخي إجراءات الحراسة والمرافقة التي يفترض اتباعها بشكل دائم لأي طاقم صيانة يدخل الحاملة.

العامل الإيراني، في هذا السياق، يأتي ضمن اتهامات متبادلة بين طهران وكل من واشنطن وتل أبيب لاندلاع سلسلة حوادث وحرائق أصابت بعض منشآتها النووية الحساسة، خصوصاً في منشأة نطنز، واندلاع حريق في ميناء بوشهر أدى لتضرر اربع سفن كانت راسية هناك.

كما تنبغي الإشارة إلى توقيت تلك الحوادث في إيران بالتزامن مع توقيعها اتفاقيات استراتيجية مع الصين، في لفتة تحدٍ مشتركة لسياسة العقوبات الأميركية ضد الطرفين.

ولا ينبغي إغفال مفعول الأمر الرئاسي الاستثنائي الذي أصدره الرئيس دونالد ترامب، في العام 2018، يطلق فيه يد وكالة الاستخبارات المركزية، “السي آي إيه”، لشن هجمات متنوعة من بينها في الفضاء الإلكتروني ضد ايران، وملغياً القيود الخفيفة السابقة التي فرضها أسلافه على عمليات الوكالة. وحدد الأمر الرئاسي نطاق العمل باستهداف خصوم الولايات المتحدة “روسيا والصين وكوريا الشمالية” بالإضافة لإيران وفنزويلا.

تخشى النخبة الفكرية والاستراتيجية الأميركية أن تؤدي أجواء التصعيد المتبادلة إلى ارتكاب خطأ في سوء التقدير العسكري ونشوب مواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، عبرت عنه في سلسلة مقالات نشرتها اسبوعية “فورين بوليسي”، وفي الخلفية مساعي واشنطن الفاشلة في استصدار قرار أممي جديد من مجلس الأمن يمدد حظر بيع الأسلحة لإيران بعد انقضاء المهلة الراهنة في شهر تشرين الأول/أكتوبر المقبل.

خصوم الولايات المتحدة يشهدون لها بإجراءات السلامة الصارمة لسلاح بحريتها ولم “يكرس طرف آخر الوقت والجهد لضمان قدرة السفن البحرية البقاء على جهوزيتها .. ولا مجال لمقارنة أحد بهم في هذا الشأن.”

بيد أن تلك العقيدة لم تمنع حدوث اصطدام سفنها الحربية بأخرى تجارية في عرض البحار، طواها النسيان وتحميل مسؤولية عدم كفاءة التدريب للرتب الصغيرة، وحرائق على سفن أميركية متعددة، أبرزها الغواصة النووية ميامي التي تعرضت لحريق هائل في ميناء بورتسموث بولاية فرجينيا، في العام 2012، خرجت جراء ذلك عن الخدمة.

وفيما يخص البرمائية وحاملة الطائرات “بون اوم ريتشارد”، فإن خروجها المتوقع من الخدمة نتيجة الأضرار الهائلة “سيشكل واحدة من أكبر الخسائر” في تاريخ سلاح البحرية، حسبما أفاد خبراء عسكريون، ويؤشر ايضاً على “أزمة مفاهيم وإدارة وأولويات في مهام” القيادات العسكرية، فضلاً عن تردي نوعية وكفاءة البحارة المجندين، إذا ما استثنينا تعرض الطواقم البحرية للإصابة بفايروس كوفيد-19 وخروج حاملة الطائرات العملاقة، روزفلت، من الخدمة في بحر الصين الجنوبي نتيجة ذلك.

في البعد المالي الصرف، بلغ إجمالي كلفة السفينة التي دخلت الخدمة في المحيط الهاديء في العام 1998، نحو 750 مليون دولار، وخضعت لأعمال صيانة وتحديث أجهزة رادار ومعدات متطورة لتمكينها من حمل المقاتلات الحديثة من طراز إف-35 ب، بلغت كلفتها 250 مليون دولار.

سلاح البحرية لا يزال يدرس خيارات ترميم السفينة، بعد تقييم حجم الأضرار، مقابل استبدال برمائية تجاوز عمرها عقدين من الزمن، بكلفة تقديرية تتراوح بين 3.3 – 4 مليار دولار، يستغرق إعدادها بضع سنوات (يومية “يو أس إيه توداي”، 14/7/2020).

لا ريب أن خروج حاملة الطائرات من الخدمة، لفترة زمنية لا تقل عن سنتين في أفضل الأحوال، سيحدث فجوة في حجم الاستعدادات الأميركية في بحر الصين الجنوبي تحديدا، مسرح عمل البرمائية، وتقوّض فعالية التصريحات الأميركية ضد الصين، خصوصاً لوزير الخارجية مايك بومبيو.

يشار إلى أن البرمائية حاملة الطائرات، بعد إتمام عمليات الصيانة والتحديث، كانت على موعد للمرابطة في بحر الصين الجنوبي، نهاية العام الجاري،  بحمولتها المتطورة من المقاتلات الأحدث في الترسانة الأميركية، برفقة ثلاث حاملات أخرى مجهزة بحمولة مماثلة من المقاتلات الحربية من الجيل الخامس، أف-35 ب.

وأكد قبطان متقاعد من سلاح البحرية، جيري هندريكس، تداعيات غياب حاملة الطائرات “بون اوم ريتشارد” عن الخدمة الذي سيترك “فراغاً هائلاً .. بعد مكوثها نحو سنتين من التحديث وتزويدها بمعدات متطورة” (يومية “ديفينس نيوز”، 13/7).

في العودة لما أشار إليه كبار قادة البنتاغون في جهوزية وإعداد طواقم مشاة البحرية، تم الكشف عن نتائج مخيفة في مستويات التدريب وتردٍ ملحوظ التي تجريها “كلية الضباط المنتسبين Officer Candidate School”، خصوصاً في خضوع المنتسب لتدريب لا يتجاوز 24 ساعة على مهام حماية السفينة من الغرق ومكافحة حرائق على متنها، والتي كانت تستغرق مدة أطول في السابق.

2020-14-07-التقرير الأسبوعي

التحليل

إقتناء محموم للسلاح في أميركا
 والسود يستعرضون  ميليشيا مسلحة

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

تزامنت احتفالات الولايات المتحدة بعيد “استقلالها”، مطلع الشهر الجاري، بصعود خطاب اليمين المتشدّد وارتفاع مطّرد في منسوب العنصرية منذ تسلّم الرئيس دونالد ترامب مهام ولايته الرئاسية. ورُصِد قلق قطاعات متعدّدة من النخب السياسية والفكرية الأميركية من تعاظم احتمالات الصدام والعنف خلال المهلة الدستورية لتسليم السلطة وتسلّمها عقب الانتخابات الرئاسية.

حَرِص الرئيس ترامب على تبني خِطاب العنف في كلمته الاحتفالية يوم 3 تموز/يوليو الجاري، أمام النصب التذكاري العملاق لأربعة رؤساء أميركيين في جبل “رشمور” في ولاية ساوث داكوتا، الذي دُشّن في العام 1941، واستغرق العمل به نحو 14 عاماً. وحمّل ترامب المتظاهرين مسؤولية تنامي العنف، وخصوصاً بعد تطوّر موجة الاحتجاجات، لتستهدف النصب التذكارية المتعددة لرموز العبودية والعنصرية في التاريخ السياسي الأميركي.

أوساط الحزب الجمهوري النافذة قلِقة من اندلاع موجات عنفٍ احتجاجاً على إعادة انتخاب الرئيس ترامب. وفي المقابل، يشاطر الحزب الديموقراطي قلق نظيره من تجدد العنف في حال هزيمة الرئيس ترامب.

توقّعات استطلاعات الرأي أيّدت قلق الفريقين، نظراً إلى اعتقادهما بأنّ المرحلة الحالية من العنف والعنف المضاد ستتصاعد باتجاه الصّدام الحتمي. وجاءت نتائج أحد أبرز مراكز الاستطلاع، راسموسن، لتلقي حجراً في مياه الانقسامات الراكدة حيث عبّر ما لا يقل عن نصف مجموع عيّنة المستطلعة آراؤهم عن اعتقادهم باحتمال وقوع انقلاب داخل السلطة السياسية الأميركية “خلال العقد المقبل”، وخصوصاً بين صفوف المجموعة العمرية من 25 عاماً إلى 44 عاماً.

وأضاف الاستطلاع أنّ ارتفاع معدّلات البِطالة وتداعيات فايروس كورونا دفعت نحو ثُلُثي العاطلين من العمل إلى ترجيح حدوث انقلاب “بالسُبل العنفية في السنوات العشرة المقبلة”.

وتشير سجلات مكتب التحقيقات الفيدرالي، إف بي آي، وبياناته إلى ارتفاع مخيف في حجم مبيعات الأسلحة والذخائر، بزيادة معدلات مبيعات الأسلحة المرخصة منذ شهر حزيران المنصرم بنسبة 177% عن مثيلاتها للعام 2019، والبنادق الأوتوماتيكية بنسبة 144% للفترة عينها. أما مجموع الأسلحة الفردية التي بيعت الشهر الماضي، فقد بلغ 2،3 مليون قطعة، من ضمنها البندقية الرشاشة من طراز AR-15””.

واللافت أيضا في سجلات المكتب أنّ أعداد مشتري الأسلحة لأول مرة شهدت ارتفاعاً ملحوظاً، وبلغ عددهم منذ مطلع العام الجاري ما ينوف عن 2 مليون شخص، وكانت حصة قطاع النساء نحو 40% من مجموع المشتريات.

يوم عيد الاستقلال، 4 تموز/يوليو، تداعى نحو “1،000 عنصر من السود مدجّجين بالأسلحة” إلى الاحتشاد في معقل ولادة المنظمة العنصرية الأبرز “كو كلاكس كلان” في حديقة “ستون بارك” في ولاية جورجيا، للمطالبة بإزالة نصب تذكاري ضخم للرئيس الأسبق جيفرسون ديفيس والجنرالين روبرت إي لي وتوماس جاكسون، يمجّد زمن العبودية.

وأوضحت مجلة “نيوزويك” في 5 تموز/يوليو أنّ جهاز الشرطة المحلية أقرّ بسلمية احتجاج المجموعة السوداء “أن أف إيه سي” ( (NFAC، امام التمثال الهائل المحفور بالصخر الذي “يعادل ارتفاعه بناية مكونة من 9 طبقات”، وعلى مساحة بحجم ملعب كرة، وأنها لا تمت بصلة إلى المجموعة الأشهر “حياة السود مهمة”. كما أن موقع “ستون ماونتين” يشكّل السود نحو 80% من مجموع سكانه.

ونقلت أيضاً على لسان رئيس المجموعة السوداء، غراند ماستر جاي، أنّ جهود استقطاب وتنظيم عناصره من السود حصراً، ممن خدموا في القوات العسكرية الأميركية، “والهدف الأول هو فرض وجود الميليشيا في “ستون ماونتين” وإرسال رسالة بالوجود المسلّح للسود” لمن يعنيهم الأمر . وقدّرت الأجهزة الأمنية عدد أفراد المجموعة بنحو 12،000 عنصر تحت السلاح.

ويُعرف القليل عن زعيم هذه الميليشيا الذي يطلق على نفسه “غراند ماستر جاي”، وسبق له ان خدم في القوات المسلّحة الأميركيّة، كما يعد خطيباً بارعاً ومغنياً شعبياً متمرساً للراب،  ويتمتع بكاريزما قيادية والتزام صارم بالتقاليد الإنضباطيّة العسكرية.

وفي تصريح أخير له قال: “نحن متقاعدون عسكريون في غاية الإنضباط، ولدينا خبرة في إطلاق النار بدقّة المحترفين. لا نهوى الكلام، ولا نرغب في التفاوض (على نيل حقوقنا)، ولا نكتفي بالهتافات وحمل الشعارات في أرض المعركة. نحن تنظيم يؤمن العين بالعين، وعندما نقرّر نفعل، وبطريقة قانونية، كما يفعل الآخرون.”

كما نُقل عنه دعوته إلى انفصال السود، وتكوين دولتهم المستقلة بالسيطرة على ولاية تكساس، اذا لم تتحقق مطالبهم بالمساواة مع البيض أو التعويض عن حقبة العبودية للسود.

واللافت في تلك المجموعة المسلّحة أنها لا تُحرّض على مهاجمة المؤسّسة الأمنية، ولا تستهدف رجالات الشرطة، كما هو الحال مع مجموعات أخرى تقع ضحية التطرف والعنصرية، بل تحرُص على تمييز نفسها عن منظمة “الفهود السود” التي شهدت أوج نضالاتها المسلحة ضد العنصرية وتجلياتها في المؤسسة الرسمية خلال عقدي الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي.

ويشدد مسؤولو المجموعة على أنها “لا تمت إلى الفهود السود بأي صلة، بل ثمة رجال سود مسلّحون يتظاهرون ضد الظلم الاجتماعي .. ويلتزمون بمادة التعديل الثانية من الدستور” التي تتيح للفرد العادي حمل السلاح، والذين ضاقوا ذرعاً بعُقم مسيرات “الاحتجاجات المدنية” في اوساط السود منذ بدء عقد الستينيات من القرن الماضي.

التركيبة الاجتماعية للمجموعة السوداء معظمها من مراكز المدن والأحياء المحرومة، مقارنة مع الميليشيات البيضاء ذات الطابع الريفي، وتتباين نشاطاتهما وحضورهما وفق تلك الآلية. ومن غير المرجح توقع حدوث تصادم بالسلاح بينهما في المدى المنظور، بيد أن الأمر قابل للتطور قبيل موسم الانتخابات الرئاسية وخلاله، بحكم توازنات مراكز القوى الراهنة.

ينبغي التحذير من عدم الانزلاق للنظر إلى المسلّحين السود، بصرف النظر عن دقة الأعداد المذكورة سابقاً، من زاوية توفّر قرار مركزي بنيّة التصدي المسلّح للدفاع عن مطالب المساواة والعدالة الاجتماعية.

الأدق ربما أنها ظاهرة قد تتعايش معها المؤسّسة الحاكمة، ولو مرحلياً، لقطع الطريق على تبلور نماذج وسبل تعبير أرقى وأشمل، كما شهدته أحياء السّود خلال عقد الستينيات في منظمة الفهود السود المسلحة، وحاجة المؤسّسة بجناحيها، الجمهوري والديموقراطي، إلى الظهور بمظهر تقديم بعض التنازلات التي لن تمسّ جوهرها العنصري والاستغلالي، وإدامة الفوارق الطبقية التي تدحرجت إلى نسب عميقة لم تشهدها البلاد منذ قبل.

اما ما ستسفر عنه الانتخابات الرئاسيّة من ظواهر وتجلّيات قد تحابي اليمين المتطرف وتنظيماته المسلّحة المتعددة، وربما استخدام محدود للسّلاح بين المجموعات المختلفة، فستجري وفق سقف ما تأمل المؤسّسة الحاكمة استيعابه وضبط ايقاعاته، ولن يُسمح لأي منها الانفلات وتحكيم السلاح، حتى لو خسر الرئيس ترامب الجولة الانتخابية، ولكن الأوضاع مفتوحة على احتمالات الانفلات عن أي ضوابط ترغب المؤسّسة الحاكمة في تكريسها.

 

     

2020-19-06-التقرير الأسبوعي

الميليشيات المسلحة الأميركية
خلفيات التكوين والدور المحتمل

 د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

         تميّز عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب ببروز ملحوظ للميليشيات اليمينيّة المسلّحة، عدداً وتسليحا،ً وبخطاب سياسيّ ينشد تبسيطاً مُخلّاً للقضايا المعقّدة، يُؤجّل معالجات حقيقية مطلوبة للأزمات المختلفة والمركبة التي يعاني منها المجتمع الأميركي. وانتعشت تجليات حضور هذه الميليشيات مجدداً كردّ فعلٍ على موجة الاحتجاجات الشعبية عقب اغتيال الشرطة لجورج فلويد، وانطلاق صيحة موحّدة مدويّة للمحتجين، تطالب بمساواة حقوق السّود في أميركا، استجاب لصداها العالم أجمع، باحتجاجات موازية تنديداً بالطبيعة القمعية للأجهزة الأمنية.

         اتّخذ الصراع المجتمعي في الداخل الأميركي طابعاً تصعيدياً، للإطاحة بتماثيل رموز العنصرية والعبودية البغيضة في الولايات المتحدة، وبريطانيا أيضاً، تطوّعت فيه الميليشيات اليمينية بدور الحامي لتلك التماثيل ورمزيتها، استمراراً للسردية الرسمية السائدة بأن هؤلاء الرموز يشكّلون جزءاً حيوياً من التاريخ الأميركي، ولجأت إلى استخدام السلاح ضد الخصوم المحتجين في الدفاع عن معتقداتها بأفضلية الرجل الأبيض.

          برزت فعالية التجمعات والمنظّمات المسلحة في أميركا منذ بدء موجات الاستيطان الأوروبي للاميركيتين، باستهداف إبادة السكّان الأصليين والسّيطرة على أرضهم، وسيلة الإنتاج الأهمّ، وتباعاً ضد نزعات التحرر من ربقة العبودية والاضطهاد الاجتماعي، وكانت هذه المنظمات ولا تزال، ذراع اًاحتياطية للمؤسّسة الحاكمة لتهديد الأقليات والمضطهدين، ما دفع الكاتب الأميركي الساخر جورج برنارد شو إلى القول “إنّهم يَعتبرون قتل الآخرين شجاعة.”

         امتشقت الميليشيات السّلاح للدفاع عن الكيان الاستيطاني الانكليزي الوليد، وأبلت بلاءً حسناً في “حرب السنوات السبع” لصالح البريطانيين ضد الفرنسيين، ومن ثم قاتلت البريطانيين، وحاصرت حاميتهم في 9 نيسان/ابريل 1775، في مدينة بوسطن، وشكّلت النواة الأولى للجيش الأميركي تحت قيادة جورج واشنطن.

         يشير تاريخ الكيان السياسيّ الأميركيّ إلى إحجام تلك الميليشيات عن تقديم الدعم لجيوش جورج واشنطن والهروب من أرض المعارك، ما أسهم في استصدار “مادة التعديل الثانية” من الدستور الأميركي، لتحفيز الميليشيات على البقاء وتشريع حيازتها للأسلحة.

لعلّ أبرز تجلّيات الميليشيات الأميركية المسلّحة عبر التاريخ كانت منظمة سرّية تدعى “كو كلاكس كلان،” تأسّست في خضم أجواء الحرب الأهلية الأميركية على أيدي التيارات المتطرفة الأصولية، وترعرت بحماية المؤسّسات الرسمية المحلية والفيدرالية لها في القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين، واشتهرت بتعليق السود، رجالاً ونساءً، على اعواد المشانق وإحراق الصليب كشعار عن مسؤوليتها.

اقتضت تطوّرات القرن العشرين مواجهة “كو كلاكس كلان” ومحاصرتها وولادة منظمات متطرفة يمينية أخرى، تعبيراً عن استمرارية دفاعها عن النظام السياسي من منطلقات عنصرية، وأحياناً استوجبت المواجهة المسلّحة مع الأجهزة الأمنية الفيدرالية، بدءاً بالاعتصام المسلّح في منطقة نائية تدعى روبي ريدج في ولاية آيداهو في العام 1992، والذي اعتبرته الدولة تاريخ ولادة الميليشيات المسلحة في أميركا، وخصوصاً أنّ التنظيمات النازية الجديدة تتّخذ من تلك الولاية ميداناً ومقراً لنشاطاتها العنصرية.

تلى ذلك مواجهة في العام 1993 بمدينة ويكو في ولاية تكساس، ومواجهة مسلّحة أخرى في العام 1995، في انفجارات طالت مباني رسمية في اوكلاهوما سيتي، ما سلّط الضّوء على تنامي جهود تنظيمية واسعة لتشكيل منظمات مسلّحة موازية في عدة ولايات أميركية، اعتمدت آلية استقطاب عناصر جديدة أثناء معارض الأسلحة التي تقام في عموم الولايات المتحدة.

بيّنت وثائق الأجهزة الأمنية أن القسم الأعظم من جسم تلك الميليشيات أتى من صفوف القوات المسلّحة الأميركية، لا سيما اولئك العائدون من أفغانستان والعراق، ونقل خبراتهم المكتسبة في استخدام صنوف الأسلحة والمتفجرات وأجهزة الاتصال المتطورة إلى الأعضاء الجدد، عبر إقامة معسكرات تدريب صيفية مرخّصة.

هوية الميليشيات المسلّحة وأعدادها معروفة للأجهزة الأمنية، ولا سيما عناصرها القياديّة والمؤثّرة. وتشير البيانات الرسميّة إلى ما لا يقلّ عن 165 مجموعة مسلحة منظّمة في عموم الولايات المتحدة، تنتمي معظمها إلى لتيارات “العنصرية من البيض .. تمارس القتل والتّهديد بالقتل ورمي المتفجرات.” وقد رُصد استقطاب بعضها لعناصر من أجهزة الشرطة.

ولعل أكبرها عدداً، وفق بيانات مكتب التحقيقات الفيدرالي، منظمة “حرّاس القسم،” التي تضم نحو 3،000 عنصر أتوا من صفوف القوات العسكرية النظامية وأجهزة الشرطة المحلّية، و “أقسموا على عدم إطاعة أوامر غير دستورية تصدر عن الدولة” الفيدرالية. وقد برز صيتها في العام 2014 خلال مواجهة بين المزارع المتشدد بَندي والأجهزة الأمنية قرب مدينة لاس فيغاس، واستطاعت المجموعة استقطاب عناصر من منظمات مؤيّدة مدجّجة بالسلاح إلى مركز المزرعة، مما دفع جهاز مكتب التحقيقات الفيدرالي إلى التراجع وعدم الاصطدام معها.

كشف مركز التحقيقات الاستقصائية في العام 2019 عن انضمام نحو 150 عنصر شرطة، “بعضهم لا يزال على قمة عمله الرسمي” إلى تنظيم مؤيّد لحرّاس القسم ينشط في وسائل النشاط الاجتماعي، ولا سيما فيسبوك.

وأضاف أنّ جهوده أدت إلى التعرّف إلى منظومة أوسع من رجالات الشرطة، تُدين بالولاء للتيار اليميني المتعصب، ومركزه الولايات الجنوبية، وهو تيار معادي للإسلام والمسلمين، وللمرأة أيضاً.

واشار المركز إلى أحد أبرز الأمثلة التي تخص رئيس قسم الشرطة في مقاطعة رافاللي في ولاية مونتانا، غريغ ماكويرتر Greg McWhirter، وعضويته في ما لا يقل عن 15 مجموعة مسلّحة، من بينها “حرّاس القسم”، بنشره شريطاً مصوراً مطلع العام الماضي يحذر فيه من “جهود اليسار لإغراق الولايات المتحدة بالمهاجرين الذين سيصوّتون لصالح الحزب الديموقراطي وقلب معادلة توازن القوى القائمة،” من دون أدلّة أو بيانات داعمة.

إلى جانب “حرّاس القسم”، يأتي في التراتبية من ناحية الأهمية: حرّاس سلسلة الجبال الغربية، حركة 912، وحركة 3%. هذه المنظمات تعتمد في نشاطاتها، وفق البيانات الرسمية، على مجموعات مسلّحة صغيرة الحجم تستطيع طلب المساعدة من مجموعات أكبر عند الضرورة، تفادياً لانكشافها أمنياً.

واستنتج المركز قائلاً:  “صعود حركة الميليشيات الأميركية يغذّيها الشعور بتفوق العنصر الأبيض والإيمان بنظرية المؤامرة والتعصّب.”

         انتشار “عدة مجموعات من الميليشيات” حديثاً في المدن الأميركية جاء بناءً على قلقها ورغبتها في توفير الحماية “للنصب التذكارية” لرموز العنصرية والعبودية المتعددة من غضب المحتجّين، على خلفية المطالبة بالمُساواة والعدالة بعد مقتل جورج فلويد، كما أشار مؤخراً مكتب التحقيقات الفيدرالي.

         ساد قلق عالي الوتيرة لدى الأجهزة الأمنية الأميركية عقب نشر وحدة مؤلّلة تابعة لـ”ميليشيا البحرية الاستعمارية” لسلاحها المدرع في مدينة هيلزديل بولاية مشيغان، الأسبوع الماضي، وقوامها “18 عربة مدرعة.”

         تمّ إنشاء تلك المجموعة في عقد الثمانينيات من القرن المنصرم على أيدي عناصر متقاعدة من سلاح مُشاة البحرية الأميركية في ولاية انديانا، واستطاعت استقطاب عناصر مماثلة منظمة في مجموعات تنتشر في “48 ولاية” أميركية، مقسمة على 116 فريقاّ قتالياّ، وتستند إلى استقلالية تسليح كل وحدة على حدة، مع ما يتطلبه ذلك من توفير “عناصر لوجستية خاصة، ووسائل اتصال متطورة، ومعدات طبية .. مسلحة بعربات مدرعة ومدافع خفيفة آلية الطلقات، تساندها موارد محمولة جواً، وطائرات نقل، وأخرى نفاثة”، تؤهّلها للانتشار السريع نحو أي بقعة من عموم الولايات المتحدة.

         تاريخ الكيان السياسي الأميركي حافل بدور مميز للمجموعات المسلّحة ومواجهتها لأجهزة الدّولة الفيدرالية، منها ،على سبيل المثال، حالة التمرد الشاسعة في العام 1791، التي قامت ضد قرار الكونغرس بفرض رسوم إضافية على المشروبات الكحولية، قيمتها 25% للغالون، بدعم من الرئيس جورج واشنطن ووزير ماليته أليكساندر هاملتون، في العاصمة فيلادلفيا آنذاك، بغية تمويل العجز في ميزان المدفوعات الناجم عن موجة الحروب الأولى لتأسيس الدولة المركزية.

         عارض توماس جيفرسون، الأب الروحي لإعلان الاستقلال، القرار بشدّة، معتبراً المحاولة “ضريبة جهنمية،” مُطالباً إمّا بإلغاء القرار أو خفض قيمته. ونجم عن تلك المحاولة انقسام في قمة القرار السياسي، كاد يطيح بوحدة الإقليم، وانضم جيمس ماديسون إلى جيفرسون حينئذ في التعرض للقوانين “غير الدستورية والقمعية،” التي أدت إلى بروز تيار سياسي متباين من رحم المجموعة المؤسّسة للكيان الجديد (حزب الفيدراليين)، كان نواة تبلور نظام الحزبين الحالي.


مخاطر الميليشيات

         تتّخذ السلطات الأمنيّة الأميركية إجراءات عقابيّة ضد بعض ممارسات المجموعات المسلّحة بين الفينة والأخرى، كي لا تخرج عن السّياق المسموح به، ووفق الضّوابط الدستورية السارية، إلى ما دون مرحلة الصدام المباشر.

         إن توفر أسلحة قتاليّة في أيدي الميليشيات المسلّحة، يعزّزها التدريب العسكري الحديث لعناصرها، ويشكّل مصدر قلقٍ حقيقياَ للأجهزة الأمنية المنوطة بتوفير الحماية لمناطق واسعة، كما ظهرت في الآونة الأخيرة، وبدا عليها الإعياء أثناء مساعيها للحد من الاحتجاجات، ولا سيما ضد المقرات الرسمية في العاصمة واشنطن والقواعد العسكرية عند الحاجة. في المقابل، تستطيع الميليشيات المسلّحة الانتشار بصورة فعّالة حين تقرّر ذلك، بالاعتماد على الخبرة القتالية لعناصرها.

         تعجّ أدبيات التنظيمات العنصرية والميلشيات المسلّحة بضرورة إعداد عناصرها لمواجهة مقبلة مع الدولة المركزية شبيهة بحرب أهلية، على قاعدة خوض جولة ثانية من “الثورة الأميركية،” مسترشدة بتوجيهات قائد ميليشيا “لكسينغتون” في ولاية ماساتشوستس، جون باركر، في 19 نيسان/إبريل 1775، ضد القوات الملكية البريطانية مخاطباً أتباعه: “لا تطلقوا النار إلا للدفاع عن النفس، لكن إن ثبت أنَّهم ينوون شنّ حرب، فلنبدأ بها هنا.”

2020-22-05-التقرير الأسبوعي

آفاق الانتخابات الرئاسية تحت سقف
الفشل في التصدي لوباء كورونا

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

        يسعى النظام السياسي الأميركي إلى التكيّف مع ما أفرزته حالة كورونا من شللٍ وتعميق لأزمته البنوية التي كشفها الوباء بصورة جليّة، تمثّلت بالعَجز والتخبّط والفشل في احتوائه.

ويعمل هذا النظام جاهداً للتوصّل إلى صيغة تضمن استمرار آليات انتخابية مقبولة للاستحقاقات الإنتخابية. ويتم إختبار إجراءات العودة الى الحياة الطبيعية  وضوابطها في معظم الولايات دون التيقّن مما ستحمله الأيام والشهور القادمة من نتائج، في ظل أجواء الخوف والحَذَر من مواجهة موجة متجددة لتفشّي الوباء.

يرغب الحزبان، وخصوصاً الرئيس ترامب، في أن يتحقّق مناخ شبه طبيعي قبل موعد الإنتخابات بفترةٍ كافيةٍ كي لا يتمّ الاضطرار إلى تأجيلها  ودخول النظام في أزمة مُستعصية.     

         لتاريخه، تتعثّر محاولات الحزبين، الديموقراطي والجمهوري، للتفاهم على دفعة رابعة من خطط الطواريء لإنقاذ الاقتصاد، إذ يتوخى كل طرف أن تُسهم في خدمة أجندته الانتخابية.

أمام تحديات فايروس كورونا والأفق الضبابي للوضع الاقتصادي برمّته، لا زال تعويل الطرفين سارياً على الاستمرار بالجدول الزمني للانتخابات الرئاسية المقبلة، التي قد تشهد تطوّرات غير مسبوقة في التاريخ السياسي للبلاد، واحتمالات متعدّدة ربما تفضي لتأجيل الموعد المُقرّر، على الرغم من ضآلة حظوظه.

البوصلة العامة لنتائج الانتخابات “الخاصة” التي جرت مؤخرا في ولايتين  لمقعدين شاغرين في مجلس النواب، إما بدواعي استقالة العضو أو الوفاة، تساهم حالياً في تحديد الأفق والخطاب السياسي للطرفين، ولا سيما الحزب الفائز.

        بهذه الخلفية، استطاع الحزب الجمهوري الفوز مؤخراً بمقعد نائب عن الحزب الديموقراطي لولاية كاليفورنيا في الكونغرس، استقالت من منصبها بعد تسرّب شريط فيديو عن علاقة عاطفية تجمعها بأحد مُساعديها.

أهمية الفوز للجمهوريين تتمثل في أن المقعد لم يحسب تقليدياً لصالح مرشّح الحزب الجمهوري منذ عقدين من الزمن، بل إن المرشّحة السابقة للرئاسة عن الحزب الديموقراطي، هيلاري كلينتون، فازت بأصوات الدائرة الانتخابية عينها بنسبة 6% في العام 2016. وفاز المرشّح باراك أوباما بأصوات الولاية في دورتين مُتتالين في العام 2008 والعام 2012، بِنسَب مُريحة.

        كذلك فاز مرشّح الحزب الجمهوري في جولةٍ انتخابيةٍ خاصة في ولاية ويسكونسن بنسبة كبيرة (14%)، والذي أيضاً لم يكن متوقّعاً نجاحه في ولاية تُعتبر ليبرالية، على الرغم من تصويت أغلبيّتها لصالح المرشّح الرئاسي دونالد ترامب في الجولة السابقة.

استناداً إلى تلك الجزئية المُشجّعة عادة في المشهد الانتخابي العام، قد لا تُترجم لصالح الحزب الجمهوري في النتائج النهائية، سواء في السباق الرئاسي أو في تحقيق رغبته في السيطرة على مجلس النواب، إلى جانب احتفاظه بأغلبية التمثيل في مجلس الشيوخ.

ما تشهده الساحة السياسية في الأيام الأخيرة من اتهاماتٍ مُتبادلةٍ بين الرئيس السابق باراك أوباما والرئيس دونالد ترامب، سيؤدي إلى تعديلات في المُقارَبة السياسية والانتخابية لدى فريقي الحزبين، ولا سيما أن المرشّح عن الحزب الديموقراطي جو بايدن اختار الصفوف الخلفيّة في المرحلة الراهنة، مدركاً أن دخول أوباما  في السِجال السياسي مع ترامب يمنحه فرصة التعويض عن فتور حملته،  في ظلّ الشعبية الوازنة للرئيس السابق في أوساط القاعدة الحزبية الديموقراطية.

عند إضافة تدهور الحالة الاقتصادية ألى المُعادلة الانتخابية، لا يستطيع الرئيس ترّامب تنفّس الصُعداء، لكونه راهَن كثيراً على تمايُز الأوضاع الاقتصادية لصالحه وصالح حزبه.

وجاءت أحدث استطلاعات الرأي، التي أجرتها جامعة “هارفارد،” نُشرت نتائجها في 18 أيار/مايو الجاري، مُخيّبة لآمال السياسيين، إذ أعرب نحو 65% من الجمهور عن قلقه من الأوضاع والسياسات الاقتصادية، مقابل 27% من المؤيّدين. النسبة الأخيرة تُشير بوضوح إلى جمهور مؤيّدي الرئيس ترامب، الذين تراوحت نِسَبهم بين 27 و 33% من مجموع الناخبين، واكتساب بعض النِسَب الضئيلة أحياناً على خلفية آلة التحريض الهائلة ضد الحزب الديموقراطي ومرشّحيه، ولا سيما خلال الانتخابات التمهيدية وانسحاب المرشّح بيرني ساندرز لصالح جو بايدن.

كذلك عند الأخذ بعين الاعتبار الآثار المترتّبة على فشل الأداء الحكومي لمُكافحة وباء كورونا، واستمرار تصاعُد حالات الوفيات جنباً إلى جنب مع الارتفاع في عدد الإصابات، يجد المرء نتائج مُغايرة للواقع والحقائق العلمية معاً.

        سياسات الإدارة الأميركية بتسليط سيوف الاتهام على الصين، والزَعْم بمسؤوليّتها عن تفشي الوباء، وما تكبّده الاقتصاد الأميركي نتيجة ذلك، أعطت أكلها في تزايُد تأييد القاعدة الشعبية للرئيس ترامب، كما جاء في استطلاع رأي مُشترك لكل من شبكة “سي أن أن” ومجلة “نيوزويك” الاسبوعية، إذ أفاد الاستطلاع بتقدّم الرئيس ترامب بنسبة 7% على مُنافسه جو بايدن في مجموعة الولايات الحاسمة، بينما تفوق الأخير في ولاية كاليفورنيا “الليبرالية،” كما كان مُتوقعاً.

        يُشار أيضاً إلى أهميّة عامل المؤتمرات الصحفية اليومية التي “كان” الرئيس ترامب يعقدها في البيت الأبيض للحديث عن مراحل مُكافحة الفايروس، لكنه دأب على اتهام إدارة أوباما بالتقصير وتحمّل مسؤولية فُقدان المعدّات الطبية وغيابها، ومُهاجمة الصين ومُطالبتها بتعويض الخزينة الأميركية عن خسائرها نتيجة ذلك، مما حفّز قواعده الانتخابية وجمهور “الحرب الباردة” للتغاضي عن مسؤولية الحكومة الأميركية وتحميل الصين كامل اللوم.

        الحال الذهنية للمرشّح الديموقراطي جو بايدن تُقلق مؤيّديه وتُسعد خصومه، وسبق “لمركز الدراسات العربية والأميركية” أن تناول التدهور الملحوظ في صوابية تصرّفاته الشخصية وتصريحاته السياسية، مما يُضاعِف المُراهنة على اختياره لنائب رئيس باستطاعته/ا مِلء الفراغ بسرعةٍ قياسية، وأيضاً نَيْل ثقة جمهور الناخبين وحماستهم.

        أشارت بعض الأوساط في الحزب الديموقراطي، قبل مدة وجيزة، إلى ضرورة تحرّك قادة الحزب لتفادي العثرات المقبلة للمُرشّح بايدن، بالبحث عن بديلٍ قبل مؤتمر الحزب الذي تمّ تأجيله، من مُنتصف شهر تموز/يوليو إلى مُنتصف آب/أغسطس المقبل، رغم ما قد ينجم عنه من مشاعر عدم اليقين لدى كبار مُموّلي الحزب وقادته التاريخيين.

        يتعزّز هذا الاقتراح مع تصاعُد صدقيّة الاتهامات الموجهة إلى جو بايدن بالتحّرش الجنسي بواحدةٍ من عدّة نساء، واتهامه باعتداء جنسي على أخرى كانت ضمن فريق عمل مكتبه مطلع تسعينيات القرن الماضي.

        وثمّة عامِل مُساعِد قد يخدم الاقتراح غير المسبوق أعلاه، وهو أن عدداً من الولايات لم تعقد انتخاباتها التمهيدية، وأخرى أجّلتها، مما يطرح مسألة تتعلق بوجهة مندوبي الحزب وتأييد الفريق الواسع الذي لم يُعلن عن توجّهاته من تلك الولايات قَيْد المراجعة، وتسهيل سيناريو البديل في اللحظات الأخيرة قبل انعقاد المؤتمر.

        ذاك السيناريو يُعطي حكام الولايات عن الحزب الديموقراطي صلاحيات واسعة في “اختيار” المندوبين أو تسميتهم، وفق آليات وضوابط تتحكّم بها الولاية وممثليها في الكونغرس بشكلٍ كبير.

في حقيقة الأمر، ليس هناك ما يُلزم قانونياً المندوب الذي وقع عليه/ا الاختيار للتصويت لصالح مُرشّح محدّد، مما سيُعزّز خروج المؤتمر بصيغة ترضية يمارس فيها كبار قادته والرئيسان أوباما وكلينتون وحكّام الولايات دوراً مركزياً لتوجيه الأصوات نحو مرشّح يحظى برضاهم أولاً، على حساب المزاج الشعبي داخل أروقة المؤتمر.

        في حال رسى الاختيار على “صيغة الترضية،” من الُمرجّح أن يحظى مؤيّدو السيناتور بيرني ساندرزبدورٍ أشد تأثيراً عما قبل، يُعيد لهم ولمُرشّحهم الاعتبار مرة ثالثة، على الأقل في عملية اختيار البديل، وهو ما سترفضه قيادات الحزب والرؤساء السابقون بقوّة.

        ثمة استنتاج تلقائي بأن الأزمة الاقتصادية كفيلة بالاطاحة بالرئيس ترامب. ورغم ما ينطوي عليه من صحّة، فإن التاريخ السياسي الأميركي لا يدعم ذلك، فقد فازالرئيس الأسبق فرانكلين روزفلت بدورةٍ ثانيةٍ خلال أزمة الركود العالمي، مدعوماً من مفاصل القطاعات الاقتصادية، ولا سيما التصنيعية منها.

        في الشق الآخر من المُعادَلة، يُطالب قادة الحزب الجمهوري، بتأييد كُبريات الشركات والمؤسّسات الاقتصادية، بتسريع الخُطى لعودة عَجَلة الإنتاج واستئناف العمال لمهامهم، مقابل رفض شكلي لقادة الحزب الديموقراطي المُطالبين بأولوية التصدّي لوباء كورونا قبل إعادة آليات الإنتاج، وهم الذين رضخوا لضغوط خصومهم الجمهوريون في إعادة استئناف جلسات مجلسي الكونغرس، وإن بوتيرة أخفّ عما قبل.

        أنصار الرئيس ترامب، ولا سيما في ولاية مشيغان، التي تحكمها مُرشّحة مُحتَمَلة لمنصب نائب الرئيس عن الحزب الديموقراطي، وتحتوي على مفاصل أساسية من صناعة السيارات، يلوّحون بمُلاحقتها قضائياً لانتهاك “حقوقهم الدستورية” بعدم استجابتها لمطالبهم بالعودة التامة إلى الأوضاع الطبيعية والتخلّي عن القيود المفروضة راهناً.

يعتقد بعض المُراقبين أن إحدى أبرز خلفيّات تحرّك المُعارضين ضد حاكِمة الولاية، غريتشين ويتمر، تمت بإيعاز من أوساط مؤيّدة لترامب، للإطاحة بحظوظها في أن تُختار لمنصب نائب الرئيس، لأن اختيارها سيعني حُكماً خسارة ترامب لولاية ميشيغان التي فاز فيها في الانتخابات الرئاسية بأصواتٍ قليلة، ولكنها كانت من مُفاجآت الانتخابات البارزة، لكون الولاية محسوبة تقليدياً على الحزب الديموقراطي.

        تزخر البيانات اليومية بنماذج فردية لأرباب عمل يتحدّون القيود المفروضة في ولايات مُتعدّدة لمُزاولة أعمالهم، على الرغم من المُخالفات المالية المُرتفعة المفروضة عليهم من قِبَل السلطات المحلية.

        أحدهم ذهب به التحدي إلى الاستنجاد بميليشيا مُسلّحة في ولاية ميشيغان توفّر الحماية الفعلية لمؤسّسته من المُلاحقة الرسمية، وتُطمئِن الزبائن بمُمارسة أعمالهم اليومية.، مما اضطر سلطات الأمن المحلية إلى التراجُع والتعهّد بعدم إلقاء القبض على صاحب المؤسّسة، كما يستوجب القانون الساري، بل انضمّ القضاء في الولاية إلى جانب صاحب العمل، مُتحدّياً صلاحيات حاكِمة الولاية بعدم شرعيّة إجراءاتها.

        في ظلّ تلك اللوحة من العوامل والمحطّات والتوجّهات المُتناقِضة في المشهد السياسي، لكل من الفريقين، ليس مُستبعداً فوز الرئيس ترامب بولاية ثانية. تُسعفه في ذلك بيانات مُشجّعة عن قرب التوصّل إلى إنتاج لقاح مُضاد لفايروس كورونا، أعلنت عنه شركة “موديرنا” بولاية ماساتشوستس.

        إمكانية أن ينجح الحزب الديمقراطي في الوصول الى مُفاجأة، بإختيار مُرشّح رئاسة (بديل عن بايدن) ونائب له، يوفّران زخما وجاذبيّة تُدخِل الحماس والثقة بتحريك ما هو أبعد من الناخبين الديموقراطيين وضمان تأييد قطاعات المُستقلّين والمُتردّدين.

2020-15-05-التقرير الأسبوعي

الاختراق الصهيوني وتطبيع النخب
العربية في الولايات المتحدة

 

 د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

        تناوبت الدول الغربية النافذة على تطويع النخب الفكرية والسياسيّة العربية للقبول بالكيان الصهيوني، منذ ما قبل اغتصاب فلسطين سياسيّاَ وجغرافيّاً، وظهور “اليشوف” كتجمع استيطاني صهيوني. سنسلّط الضوء هنا على أساليب “التطبيع” في الولايات المتحدة، بالمؤسسات والأفراد والأدوات، دون إغفال الجهود الأساسية داخل اقطار الوطن العربي المختلفة.

        فيما يخص السياسات الأميركية، بصورة رئيسية، سيتم معالجة “التطبيع،” انطلاقاً من تعريفه للقبول “بالكيان الإسرائيلي” كأمر واقع في سياق جدلية استراتيجية واشنطن بكافة مؤسّساتها الحاكمة لإعادة رسم مستقبل “المشرق العربي” تحت غطاء “تحقيق السلام في الشرق الأوسط.”

        في البعد “الفلسطيني،” ترمي مساعي التطبيع إلى القفز عن حقوق الشعب الوطنية ممثلة بحقّ العودة إلى أراضيه ووطنه، وتمويه حقيقة الاحتلال بمسمّيات متعددة، طمعاً في شرعنة اغتصابه المتتالي، 1948 و 1967 والمصادرات الجارية للأراضي.

        التطبيع كمطلب قسري يعكس اختلال موازين القوى لصالح الكيان الصهيوني، يمثل نهجاً يستخدم أدوات وموارد متعددة للتأثير في الوعي العربي، طمعاً في إسقاط حالة عدائه للكيان الصهيوني وإلغائها.

لعل الأهم والأخطر أن تلك المساعي تصاعدت حدّتها مع تراجع القيادات الفلسطينية “الرسمية،” مدعومة بمنظومة الحكم العربية السائدة، عن توصيف طبيعة المرحلة، من “مرحلة تحرر وطني” إلى السعي للتعايش مع احتلال استيطاني لا يقبل بالهوية العربية الأصلية.

        زاوجت الدول الغربية الاستعمارية، بريطانيا فرنسا وأميركا، بين سبل الضغط العسكري، وفق موازين القوى المختلة لصالحها، وتسخير سُبلها “الناعمة” المتعددة لفرض القبول الجمعي “بالكيان الإسرائيلي،” في مختلف الساحات، ومنها الداخل الأميركي.

        أبرز الأدوات التطبيعية “الناعمة” قامت بها البعثات الاستشراقية والتبشيرية الغربية منذ فرض الانتداب البريطاني على فلسطين، تحت مسمى “التقارب الديني،” وارتبط بما عرفه الفلسطينيون بمشروع “مِسْ كيري – أو مِسكري،” كناية عن صاحبته المستشرقة والمبشرة البريطانية “السيدة أليس ماي كاري Miss Alice May Carey، في العام 1933، عقب ثورة البراق في العام 1929 التي اندلعت في القدس، واستطاعت بناء “معبد ديني” بدعم من المؤسسة الأنكليكانية البريطانية في قرية عين كارم، على مقربة من القدس، والتي تحتوي على كنيسة القديس يوحنا المعمدان منذ القرن الرابع للميلاد.

        فشل مشروع “مِس كيري .. للتقريب بين الديانات السماوية،” وغيّرت الحركة الصهيونية معالم الوطن الأصلية محوّلة “المعبد” إلى منشأة عسكرية تضم أحد أبرز أقسام الاستخبارات “الإسرائيلية” وأكثرها تطوراً في الوقت الراهن.

        نسوق ذلك للدلالة على ما سيتبع من محاولات متواصلة متعددة لم تنقطع عن تثبيت “الكيان الاسرائيلي” في الوعي العربي بسبل مباشرة وغير مباشرة بشكل عام، واستبيان أغراض الجمعيات الأميركية المتعددة العاملة تحت عناوين مختلفة، بغطاء انساني، وبعنوان تقديم الدعم للّاجئين، ودور تبشيري تعليمي عبر مؤسسات تستقطب المتفوقين للدراسات العليا في المعاهد الأميركية، واستنسختها أيضاً في منظمات ومؤسّسات للرعاية الصحية بهدف “إرساء السلام في الشرق الأوسط.”

سردية الهولوكوست كمقدمة للاستقطاب

        تمايزت الادارات الأميركية المتعاقبة في سبل استقطابها “للأقليّات العرقية،” ومن ضمنها المهاجرون العرب في الولايات المتحدة، بدءاً بما دشنته إدارة الرئيس الأسبق جيمي كارتر، وشعارها باحترام الحقوق الإنسانية، وما آلت إليه احتياجات الاستراتيجية الأميركية من متطلبات ضرورية لتكريس هيمنتها في المنطقة منذ معاهدات “كامب ديفيد،” مروراً بحربي الخليج وغزو “اسرائيل” للبنان عام 1982، ومؤتمرات “السلام” في مدريد، وما تبعها من مفاوضات مباشرة بين وفود الدول العربية و”اسرائيل،” وتوقيع قيادة م ت ف على اتفاقيات اوسلو مع العدو التاريخي، وتتويجها في مراسيم البيت الأبيض، تلاها معاهدة وادي عربة بين الكيان والأردن، والمسار “التفاوضي المباشر” منذئذ دون تحقيق أي من الأهداف “المرحلية الفلسطينية.”

        في السياق عينه، انجرّت معظم النخب الفكرية والسياسية والمجتمعية العربية في أميركا وراء وهْم التماثل مع “المنظمات اليهودية الأميركية” ونفوذها الطاغي في بلورة القرار السياسي الأميركي ورسمه، وشرعت في بناء منظمات هي أقرب إلى مفهوم “اللوبيات،” أو جماعات الضغط، كمنصة “تفاوض” مع بعض الدوائر الرسميّة، متناسين أن الدور المنوط بالأكاديميين والمثقفين هو نقد السياسات الأميركية وكل من يستجدي تعاطفها معه.  

اتخذت حركة تلك النخب مسارات خطيرة منذ عام 1982 ومروراً بمرحلة غزو العراق واحتلاله، لكنها سرعان ما انصاعت إلى قوّة التمويل الخليجي المنظّم وأضحت بالوتيرة المتسارعة نفسها صورة تعبر عن مصالح عواصم دول النفط. هذا لا ينفي بالطبع وجود عناصر مدفوعة بالحس الوطني في هياكلها القيادية والشعبية، بيد أن تأثيرها السياسي تلاشى لصالح مصادر التمويل.

        فلسطينياً، منذ تبني م ت ف البرنامج المرحلي في العام 1974 دعمت قيادتها، سياسيّاً وتمويلياً، أجندات وبرامج وشخصيات محددة “لفتح حوارات” مع المنظمات اليهودية الأميركية، بدءاً بمجموعة “حملة حقوق الإنسان الفلسطيني – Palestine Human Rights Campaign،” التي تزعمها لسنوات طويلة الناشط جيمس زغبي، تارة مع التيارات الكنسية وأخرى مع أعضاء في الكونغرس.

بعد استنفاذ أغراض الحملة، انتقل الزغبي “للمنظمة العربية الأميركية لمكافحة التمييز Arab-American Anti-Discrimination Committee“، بزعامة السيناتور الأسبق جيمس أبو رزق، إلى أن انتهى به المطاف إلى مؤسسة خاصة به تدعى “المعهد العربي الأميركي Arab American Institute.”

        وشارك في تلك الجهود التي رصد لها موارد مالية عالية، أكاديميون ومثقفون عرب – أميركيون، منهم إدوارد سعيد وإبراهيم أبو لُغُد وهشام شرابي ووليد الخالدي في أواخر سبعينيّات القرن الماضي، اعتقاداً منهم  بجدوى الاتصال بالبيت الأبيض لفتح قناة دبلوماسية مع منظمة التحرير، وفشلوا تماما في ذلك، ولم يقدّروا حماقة تلك السياسة إلّا في تسعينيات القرن الماضي، بعد أن نجحت الولايات المتحدة في احتواء منظمة التحرير الفلسطينية وتوقيع اتفاق أوسلو.

        عند توقيع معاهدة “كامب ديفيد” في العام  1979 مع مصر، لم تَغِب قيادة م ت ف عن مساعي حضور القمة والتوسل لدى شخصيات قيادية أميركية في إدارة الرئيس كارتر، ولا سيما مستشاره للأمن القومي زبغنيو بريجينسكي وعضو المجلس لشؤون الشرق الأوسط ويليام كوانت.

تردد آنذاك أن شخصيتين فلسطينيين ذات طابع أكاديمي أدتا دوراً مباشراً في التواصل مع الرئيس السادات، الأولى كان الدكتور هشام شرابي، والثانية الدكتور ادوارد سعيد، الذي سنعود لدوره لاحقاً.

        بموازاة المهام المتوقعة من “جيمس زغبي” وامتداداته المحدودة لدى دوائر صنع القرار الأميركي، استثمرت القيادة الفلسطينية مساعي اتصالاتها في مؤسستين في توقيت متزامن، تحت ضغط التيار الوطني لدى الجالية في أميركا، للتقرب من القطاعات “التقدمية والليبرالية” الأميركية، دون أن تتخلى عن مساعيها “لفتح خطوط تواصل مع المنظمات اليهودية.”

        أولى المؤسستين كانت “منظمة الخريجين العرب Arab-American University Graduates – AAUG“، التي شكلت ثقلاً معتبراً داخل الصرح الأكاديمي الأميركي بأساليب علمية عصرية، والثانية “المجلس الفلسطيني في أميركا الشمالية – Palestine Congress of North America“، الذي شكل حاضنة لكل المنظمات الشعبية والطلابية الفلسطينية على الساحة الأميركية.

        تداعيات خروج القوات المسلحة الفلسطينية من لبنان في أيلول/سبتمبر 1982 تُرجم سياسياً لناحية تعاظم طابع التفاوض ونسج علاقات علنية مع المنظمات اليهودية في أميركا، بمواكبة تراجع زخم النشاط الفلسطيني عما سبق في الولايات المتحدة، وبدأنا نلمس محاولات “جريئة” من أنصار القيادة الفلسطينية للتماثل مع السردية الصهيونية، لا سيما في مسألة “المحرقة،” وتبني مصطلح “دولة اسرائيل” كجسر عبور لطلب ودّ المنظمات النافذة في صنع القرار الأميركي.

احتكار “عقدة الضحية” وإهانة عرفات

        السردية الصهيونية المتمثلة بالتسليم وتبني الآخر رواية “المحرقة” كانت على رأس أولويات المنظمات الصهيونية، تارة تحت اتهام الناشطين العرب بمعاداة السامية، وأخرى لرفضهم الإقرار بما تعرّض له اليهود على أيدي ألمانيا النازية.

        في الشطر الأخير من شهر كانون الثاني/يناير 1998 كان رئيس م ت ف، ياسر عرفات، على موعد لزيارة واشنطن لجولة تفاوضية مع الرئيس كلينتون وبنيامين نتنياهو. وأقدم على اتخاذ “خطوة تصالحية” مجانية بطلب مسبق لزيارة “متحف الهولوكوست” في واشنطن العاصمة، عبر عضوي مجلس إدارته وأعضاء إدارة كلينتون في الآن عينه، دينيس روس ومساعده آرون ميللر. وجاءه رد مجلس الإدارة برفض سريع لطلبه “كضيف شرف.”

        شعور عرفات بالإهانة لم يكبح أو يعيق مساعيه للتقرب من اليهود وسردية الهولوكوست، فقام بزيارة متحف الشابة اليهودية “آن فرانك” في امستردام في 30 آذار/مارس 1998، مؤكداً للطواقم الصحافية أنه قام بالزيارة “ليرى بأمّ العين واقع وحقائق المعاناة التي تعرضوا لها.”

        سعى عدد من الكفاءات العلمية والنشطاء، عرباً وأجانب في أميركا، عقد مؤتمر في بيروت عام 2001 لمناقشة أهداف استغلال سردية “المحرقة” وتفنيدها، فتدخّل اللوبي الصهيوني بقوة للضغط على رئيس الوزراء اللبناني آنذاك رفيق الحريري الذي ألغى استضافة المؤتمر.

        برز في تلك الأثناء دور الاستاذ الجامعي الفلسطيني ادوارد سعيد في مناهضته تنامي تيار لتفنيد سردية المحرقة كحدث استثنائي استهدف اليهود دون غيرهم. وصَفَ سعيد في مقابلة مع صحيفة “الغارديان” البريطانية مسعى التيار بأنه “يرتقي لمرتبة معاداة السامية .. ومحاولة غير مجدية تؤدي لنتائج عكسية في سياق مكافحة الصهيونية.”

        وفي معرض تأبين الصحيفة اللندنية لإدوارد سعيد في 26 أيلول/سبتمبر 2003، أوضحت أن سعيداً “واجه معارضة من الفلسطينيين الذين اتهموه بالتضحية بالحقوق الفلسطينية عبر تقديم تنازلات غير مبررة للصهيونية.”

        وأردفت على لسان إدوارد سعيد قوله في العام 1977 “لا انكر مزاعم” اليهود في فلسطين، بموازاة “إقرار حفنة قليلة من الفلسطينيين وتسليمها بالروابط التاريخية لليهود في فلسطين.”

نال ادوارد سعيد عضوية “المجلس الوطني الفلسطيني” كمستقل في العام 1997، مدشّناً دوره الجديد بتبني سياسة “حل الدولتين ونبذ الكفاح المسلح،” التي أضحت سياسة رسمية للمجلس في العام 1988. ورحبت به وسائل الإعلام الأميركية منذئذ كسياسي يبرر “التنازل التاريخي للفلسطينيين نحو الدولة اليهودية.”

        تماثَل إدوارد سعيد مع الرواية الصهيونية بوعي وإصرار، ونحن لسنا بصدد تقييم انجازاته ومساهماته الفكرية والعلمية التي أبرزها مخطوطته الشهيرة “المسألة الفلسطينية” 1992، للتدليل على خطورة ما أرساه من توجهات، وما استتبعها من اختراق في الوعي الجمعي بإسهامات متتالية. ولا يزال اسم إدوارد سعيد مقروناً بالفرقة الموسيقية التي أنشأها شراكة مع “الموسيقي الاسرائيلي” دانيل بارينبوم عام 1999، كإنجاز تطبيعي ناعم.

التطبيع الفكري والسياسي عربياً

        لم تتوانَ الإدارات الأميركية المتعاقبة عن اشتراطاتها من كال الأطر النشطة والنخب الفكرية والأكاديمية، سواء في الساحة الأميركية أو في الوطن العربي بأكمله، العمل من أجل “إنهاء كل أشكال المقاطعة لإسرائيل، وإقامة علاقات اقتصادية وسياسية كاملة معها،” كمقدمة لتسهيل تمويل نشاطاتها، عبر وكالتها الدولية للتنمية “يو أس إيد،” أو منظمات رديفة أو جمعيات خيرية.

        الغزل الديبلوماسي، فلسطينياً وعربياً، للمنظمات اليهودية الأميركية ومفاصل القرار السياسي، بدأ بقوة مع اتفاقيات “كامب ديفيد،” واشتد عوده، واتسعت نشاطاته، وتنوعت أدواته، بعد تبني “م ت ف” الاعتراف “بالكيان الإسرائيلي” في العام 1988.

التنازل الرسمي لـ “م ت ف” شكل عاملاً مشجعاً لبروز عناصر حديثة العهد بالحضور السياسي أو الإنتاج الأكاديمي المتواضع في الساحة الأميركية، لكنها ارتأت الدخول من بوابة تبنيها السرديّة الصهيونية بالكامل، وكوفِئت بعضوية بعض مراكز الأبحاث “المؤثرة،” وكذلك بنشر اسهاماتها الضارة بالقضية العربية في كبريات الصحف الأميركية وغيرها.

بادرت إدارة الرئيس بيل كلينتون، عقب توقيع عرفات على اتفاق اوسلو، المسمى “إعلان المباديء،” في البيت الأبيض، والذي تضمّن تنازله عن فلسطين، بحثّها الخطى لتجسيد الاعتراف “بالكيان الاسرائيلي” ببرامج “اقتصادية – سياسية” متعددة، رفدتها بشخصيات عربية وفلسطينية، أبرزها كان برنامج “بنّاؤو السلام،” ورديفه مخيمات “بذور السلام” للشباب “الفلسطيني والاسرائيلي،” والأول أشرف عليه وترأسه نائب الرئيس آل غور، بشراكة من جيمس زغبي، في العام 1995، لدعم “نمو الاقتصاد الفلسطيني عبر أطر اتفاقيات أوسلو للسلام.” 

نظراً إلى ضيق المساحة، سنفرد بعض الأمثلة للتدليل على مدى الاختراق الصهيوني لتلك النخب المستجدة في الساحة الأميركية، فلسطينياً وعربياً.

فلسطينياً، تصدر مهام التطبيع عقب غزو العراق واحتلاله الطبيب المقدسي زياد العسلي، بتأسيسه منظمة “فريق العمل الأميركي من أجل فلسطين American Task Force for Palestine،” بتمويل سخي من مصادر “بعضها كان أثرياء فلسطينيين يدعمون حل الدولتين،” وكذلك من قيادات “م ت ف.”

وقد استُقبل العسلي بحرارة من كبريات المؤسسات الإعلامية الأميركية و”الإسرائيلية،” ولا سيما صحيفة “هآرتس” وإذاعة “صوت أميركا” وشبكات “فوكس نيوز” و “سي ان ان”، واستِضافَتِه للإدلاء بشهادة أمام لجان الكونغرس للترويج لحل الدولتين.

وفي العام 2007، انضم العسلي إلى الوفد الأميركي برئاسة نائب وزير الخارجية، كارين هيوز، لزيارة “الاراضي الفلسطينية في الضفة الغربية،” والاحتفال بإطلاق “برنامج مبادة الاستثمار للشرق الأوسط،” الذي تبنته وزيرة الخارجية كونداليسا رايس برفقة “رئيس الوزراء الفلسطيني” سلام فياض.

من أبرز انجازات الدكتور زياد العسلي وأخطرها، حضوره حفلاً في “سفارة إسرائيل” في واشنطن لإحياء “ذكرى الاستقلال،” في أيار/مايو 2012، والتقاطه صوراً تذكارية مع السفير “الإسرائيلي” مايكل أورن، مما اضطر عدداً من أعضاء مجلس إدارة منظمته إلى التحرك والمطالبة بإقالته ومستشاره الإعلامي حسين إيبش. وانتهت بعد ذلك منظمة العسلي.

        استقطب “معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى Washington Institute،” المؤسسة الفكرية للوبي “الإسرائيلي،” وربما الأشد تأثيرا، الناشط السابق في الحركة الطلابية بالجامعة الأميركية في بيروت، محمد الدجاني الداودي، وأفرَدَ له ولآخرين من “مستشارين للسلطة الفلسطينية،” عضوية المعهد مُسنداً إليه مهمة التصدي للرفض العربي والفلسطيني لمسألة توظيف الهولوكوست.

        وجاء في مقال مشترك نشرته صحيفة “نيويورك تايمز،” في 29 آذار/مارس 2001، للدجاني ورئيس المعهد روبرت ساتلوف “لماذا يتعين على الفلسطينيين معرفة الهولوكوست،” رداً على وصف الثنائي رفض الشعب الفلسطيني مساعي وكالة الإغاثة الدولية للفلسطينيين (الأونروا) ادراج الهولوكوست في المنهاج الدراسي لطلبة الوكالة في قطاع غزة.

        وعرّف الثنائي هويتهما بالقول: “نحن – مسلم-فلسطيني وعالم اجتماع، والآخر مؤرخ يهودي-أميركي – نعتقد أن الجواب هو نعم، نظراً إلى حرمان الطلبة العرب من دراسة تاريخهم الخاص وكذلك التاريخ العالمي.” ساتلوف يشغل منصب “المدير التنفيذي” للمعهد المذكور.

فلسطينياً أيضاً، برز الدكتور شبلي تلحمي، الذي يشغل استاذاً لكرسي بيغن-السادات للسلام والتنمية في جامعة ماريلاند، في العام 1997، بتمويل من جيهان السادات. اتخذت اسهاماته منحى استطلاعات الرأي “في المجتمعات العربية،” لقياس مدى ترويضها وقبولها للسردية اليهودية والأميركية معاً.

بحسب رأي “معهد واشنطن،”  فإن “تلحمي يُعتبر من بين الخبراء الأكثر احتراماً وفكراً ومعرفة وتوازناً في هذا المجال الفكري المليء بالاستقطابات” ولقي كتابه بعنوان “العالم بعيون عربية،” 2011، إطراءً عالياً من “معهد واشنطن” في مراجعته الوافية للكتاب في “شتاء 2014،” قائلا بالاستناد إلى مضامينه: من المثير للاهتمام .. أن السكان العرب الذي يقطنون إسرائيل يشعرون بالتعاطف مع ضحايا الهولوكوست اليهود بنسبة تزيد في المتوسط  4 مرات عن العرب الذين يقطنون ست دول عربية شملها الاستطلاع، وهي مصر والأردن والمملكة العربية السعودية والمغرب ولبنان والإمارات العربية المتحدة .. في المتوسط المرجح، أن ثلثي هؤلاء الذين تم استطلاع رأيهم في الدول العربية الست سوف يقبلوا حل الدولتين من أجل إنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بينما يرى ربع السكان فقط في هذه الدول أنه ينبغي على العرب مواصلة القتال مع إسرائيل إلى الأبد.”

عربياً، برزت عناصر تتبنى الموقف الأميركي-الصهيوني وسرديته من أمثال اللبناني فؤاد عجمي، الذي صعد نجمه صهيونياً وأميركياً في الساحة في الثمانينيات، وطرح نفسه على أنه من أتباع المؤرخ الصهيوني برنارد لويس (لحق به فيما بعد العراقي كنعان مكيّة في أوائل التسعينيات، وإن افتقد الأخير لأي موهبة، ما عدا الدعاية السياسية الفجّة لقصف العراق دون هوادة منذ عام 1991 وحتى احتلال بغداد).

كما برز الكاتب والمحاضر الجامعي اللبناني غيلبير الأشقر، مدّعي الانتماء للماركسية، في الساحة الأكاديمية بقوّة وسرعة ملحوظتين، بعد نشره كتابه بعنوان “العرب والهولوكوست،” في العام 2010،  معللاً اطروحته للصحافة الأجنبية بأن “الهولوكوست كانت تطهيراً عرقياً، وكانت أيضاً مأساة أكبر بكثير من عذابات الفلسطينيين منذ عام 1948.” (التشديد من عندنا).

واضاف الأشقر “أعتقد أيضاً أن نكران الهولوكوست في العالم العربي خطأ ومخادع وضارّ لقضية العرب والفلسطينيين.” (صحيفة “جروساليم بوست،”  15 أيار 2010.)

        شكلت مرحلة غزو العراق واحتلاله انتكاسة جديدة للعمل الوطني في الساحة الأميركية، رافقها تصعيد في مساعي التقرب والتماهي مع المنظمات الصهيونية على أرضية تخلّي “الجانب العربي” عن الحقوق الفلسطينية، وعلى رأسها حقه في العودة لوطنه.

        في مطلع الألفية الثانية، شهدت الساحة الأميركية إرهاصات متعددة لتحديد أفق النشاطات الوطنية على قاعدة التمسك بالقضية المركزية للأمة العربية، واجهتها تحركات معاكسة بتمويل سخي ومتعدد الهويات عبر استمرار التودد مع المنظمات اليهودية الأميركية.

        لضيق المساحة المتاحة سنتناول مسعىً بدأ بأعضاء برلمانيين في بريطانيا، في العام 2000، وانتقل إلى الولايات المتحدة، 2004، عنوانه “التيقن من تمثيل الفلسطينيين المغيبين من اتفاقيات اوسلو،” وايجاد حل لمسألة اللاجئين في أماكن تواجدهم.

        انطلق الجهد الاوروبي تحت مظلتي “سيفيتاس” و “بانوراما،” وحاولت “مديرة سيفيتاس” السيدة كرمة النابلسي من مقرها في جامعة اوكسفورد، انشاء منظمات رديفة في مدن الكثافة السكانية الرئيسة في أميركا، خلال جولة شملت معظم المدن الكبرى، بتمويل سخي من الاتحاد الاوروبي، كما أوضحت أدبيات سيفيتاس. انصبّت جهود النابلسي ومموّليها على استغلال حالة الاحباط العامة وغياب الأفق السياسي لـ “م ت ف” وقياداتها، ولاقت تجاوباً من بعضهم في البداية.

        كما لا بد من الإشارة أن تلك الفترة الزمنية التي اعقبت غزو العراق واحتلاله شهدت تحركات حثيثة موازية في اتجاه مماثل لاستقطاب النخب الفكرية والسياسية والعلمية، فلسطينياً وعربياً، في الساحة الأميركية، أرضيتها الاعتراف “بالكيان الاسرائيلي” وحجز موقع قدم في مسار التسوية.

تلك التحركات عمّرت فترة أطول عن مثيلاتها الأخريات، لكونها أتت بدعم وتمويل قَطَري مباشر عبر عضو الكنيست السابق عزمي بشارة، في الشق الفلسطيني الصرف.

يلاحظ تنامي المساعي الخليجية، وخاصة القَطَرية والإماراتية والسعودية، وتنافسها لتشكيل مؤسسات ومراكز دراسات خاصة بها في واشنطن، تعمل على شكل لوبي، وبحرص شديد على تجنّب تناول طرح القضية الفلسطينية ارضاءً لطلبات المنظمات الصهيونية النافذة في الداخل الأميركي، لا بل تتصرف على أساس أن التقارب معها يشكل الضمانة لتحقيق نفوذ داخل الإدارات الأميركية.

التيار الإسلامي والإحتواء الأميركي

مساعي تنظيم الجاليات الإسلامية يعود الى عام 1963 بتأسيس “الرابطة الإسلامية لأميركا الشمالية،” فرع تنظيم جماعة الإخوان، وحلقة الوصل بين التنظيم الأم والبيت الأبيض، كما تدل أدبياتها، تحولت إلى “الرابطة الإسلامية لأميركا الشمالية ISNA، في العام 1981، بتمويل سخيّ من السعودية. قدمت الإدارات الأميركية المتعاقبة تسهيلات ملحوظة لتلك التنظيمات، مدركة التقاطع في المصالح لمواجهة الخطر الشيوعي الذي كان الإتحاد السوفياتي يمثله.

شهدت العلاقة الرسمية الأميركية مع الإخوان تقلبات بحسب التطورات وكيفية توظيف العلاقة لصالح الأجندة الأميركية، من التعاون الوثيق خلال التدخل السوفياتي في افغانستان او الغزو الاميركي للعراق، الى حالة من التوجس والملاحقة بعد هجمات 11 أيلول/ سبتمبر، في ظل حالة الهلع والإسلامافوبيا التي شهدتها أميركا.

اشتدت حملة الملاحقة النشطة للمنظمات العربية المؤيدة للقضية الفلسطينية، وخصوصاً حركة حماس، في أعقاب هجمات أيلول/سبتمبر 2001، وشكلت نقطة تحوّل في توجهات وأجندات المنظمات الإسلامية، الطلابية والمجتمعية على السواء، وحرصت على تأكيد انتمائها والمبالغة بولائها للمجتمع الأميركي.

ولكن الأجهزة الأميركية تغاضت عن نشاط بعضها، وشجعت على بروز دور “رجال الدين” في صدارة النشاطات، أبرزها كان “المجلس الإسلامي الأميركي” الذي قامت السلطات الأمنية في عام 2003 باعتقال مديره التنفيذي عبد الرحمن العمودي بتهمة انتهاكه لقرار مقاطعة نظام العقيد معمر القذافي في ليبيا وتلقي أموال منه.

المنظمة الأخرى التي برزت فهي  “مجلس العلاقات الأميركية – الإسلامية – كير،” وريثة حركة الإخوان المسلمين، التي تأسست في العام 1994، تحت ستار منظمة للحقوق المدنية، ما دام سلّم أولوياتها لا يتضمن دعم القضية الفلسطينية.

يشار إلى حرص الحكومات الأميركية على عدم إدراج التنظيمات الإسلامية ضمن “المنظمات الإرهابية،” لا سيما إبان عهد الرئيس الأسبق باراك اوباما، وانفتاحه على التنظيم الأم (مصر) لفترة وجيزة، واختياره عناصر إخوانية كهمزة وصل بين إدارته والمنظمات الإسلامية، منهم المحامي السوري مازن الأصبحي، ولاحقاً السوداني محمد ماجد، رئيس مؤسسة ADAMS في ضواحي واشنطن العاصمة، الذي شارك الحاخام روبرت نوسانشوك (Robert Nosanchuk) بمبادرة لبناء الجسور بين التجمعات الدينية، وعُيّن كمستشار في كل من وزارة الأمن الداخلي ومكتب التحقيقات الفيدرالي.

طُلب من “كير” بدهاء، واستجابت لشروط التعاون الأمني مع الأجهزة الأميركية المعنية، “لمراقبة أي نشاط داخل الجالية ومساجدها يمكن تصنيفه دعما للإرهاب،” حسب التعريف السياسي الأميركي المقتصر على مناهضة السياسات الأميركية.

وهكذا حصرت تلك الأطر أنشطتها بالعمل المدني وحقوق أتباعها في التأقلُم والاندماج في العملية الانتخابية وإشاعة التقارب الديني، وخاصة مع المعابد والمنظمات اليهودية، في مسار تكاملي مع توجهات الأسرة السعودية الحاكمة، وايضا مع أسرة آل ثاني الحاكمة في قطر، والتي تساهم في تقديم الدعم المالي لـ “كير” تحت شعار “حوار الأديان.”

حركة مقاطعة “اسرائيل” 

نمت حركة المقاطعة الإقتصادية والثقافية والأكاديمية والفنية “لإسرائيل” في الولايات المتحدة “بي دي أس،” بالدعوة إلى سحب الاستثمارات من “إسرائيل،” وحققت نجاحات مهمة على صعيد الشركات التي امتنعت عن التعامل مع دولة “الإحتلال.”

وكذلك، تصاعدت النشاطات الطلابية في العديد من الجامعات الأميركية، مما دفع المنظمات الصهيونية إلى محاربة حركة المقاطعة بشراسة، إلى درجة تدخل الكونغرس لإصدار قرارات تجرّم المقاطعة. وقد حذت بعض الولايات التي يحكمها جمهوريون حذوه إلى تشريعات مماثلة.

        أجواء “التسوية السياسية” ومسارها اقتضى إقلاع مناضلي الأمس من فلسطينيين وعرب عن التحالفات التقليدية في المجتمع الأميركي، بين الأقليات والمضطهدين والسكان الأصليين، التي بنيت عبر العقود الماضية، وأثمرت دعماً وتأييداً لا ينبغي تجاهله.

        التشكيلات الناجمة عن تغيير البوصلة السياسية لم تصمد طويلاً أو تترجم مسار “الاعتراف بالكيان الاسرائيلي” بانجازات موازية أقلها الاعتراف بالحقوق “المشروعة” للشعب الفلسطيني.

تجدر الإشارة إلى أن أخطر أنواع التطبيع هو ما نشهده من سعي لإختزال الحقوق الفلسطينية بما يتم الترويج له من مشاريع اقتصادية وتعويضات أو تجنيس للاجئين في دول الشتات. وما يُدعى بـ”صفقة القرن” هوالتجسيد المتجدد لمحاولات وأد القضية الفلسطينية، بذريعة تقديم العون للشعب الفلسطيني.

 

2020-01-05-التقرير الأسبوعي

ترامب يستعجل إعادة فتح المرافق
الاقتصادية معرّضا العمّال للخطر

د. منذر سليمان و جعفر الجعفري

         تداعيات فايروس كورونا بدأت تتجذّر بصورة سوريالية على الداخل الأميركي، في ظل “التقصير” الرسمي وانكشاف أبعاده المخيفة. الإدارة الأميركية تستجيب لضغوط سوق المال والأعمال بضرورة استئناف الأعمال الاعتيادية وتنشيط عجلة الانتاج، مقابل انقسام شعبي ورسمي بيّن، محوره السلامة العامة ومراعاة الالتزام بإجراءات العزل والتباعد الشخصي.

         عضو فريق البيت الأبيض الصحي، الدكتور آنثوني فاوسي، حذّر من ميل ولايات ومدن متعددة “للقفز على متطلبات المرحلة الأولى من الإجراءات الفيدرالية لإعاد افتتاح المرافق قبل الأوان،” وذلك بالتباين مع توجهات الإدارة الأميركية في هذا الصدد.

         أكثر من نصف عدد الولايات الخمسين تجاوبت مع دعوة الرئيس ترامب لرفع إجراءات العزل، وإن تدريجياً بقرار من حاكم الولاية المعنية. بعض الولايات سمحت لقطاع التجارة بالتجزئة والفندقة والمطاعم بفتح أبوابها “مع الالتزام بتقييد العدد الأقصى للمواطنين المسموح لهم التجمهر في آن واحد.”

         المواطن الأميركي عبّر عن “ضيق وتذمّر” من حجرٍ لم يشهده مطلقاً وينتهك الضوابط في العصر الحديث. من بين الاحصائيات الدّالة أفادت شركة “يوناكاست،” المعنية برصد وتحليل بيانات الهواتف النقالة، أن يوم الجمعة، 25 نيسان/ابريل، شهد 103 مليون زيارة لمراكز التسوق، لكن بيانات المبيعات لم تتوفر على الرغم من تلقي قطاع لا بأس به من المواطنين شيكاً حكومياً مقطوعاً قيمته 1200 للفرد، لن يفي بمطالب الشعب الأميركي لإنقاذه من وطأة الجائحة.

         قلّة من الولايات، أبرزها “ساوث داكوتا” لم تُصدر أو تُلزم مواطنيها بأمر بالحجر المنزلي منذ بداية انتشار الفايروس، بينما سمحت سلطات ولايات أخرى باستئناف المرافق الصحيّة مهامها الاعتيادية، من ضمنها إجراء العمليات الجراحية.

         على الطرف المقابل، في ولاية مشيغان “تسلّل مئات المتظاهرين وبعضهم مسلحون” لمقر الكونغرس المحلي، دون ارتداء معظمهم للكمّامات الطبية، احتجاجاً على تمديد المسؤولين لحالة الطواريء والقيود السارية لمكافحة فايروس كورونا لنهاية شهر أيار/مايو الجاري.

أجهزة الشرطة المحلية هناك أفادت أن “كثيرين من المحتجّين هم من مؤيدي الرئيس ترامب.” عضوة الكونغرس المحلي السيناتور ديانا بولانكي أوضحت أن بعض زملاءها سارعوا لارتداء سترات واقية من الرصاص بعد صعود مسلحين على شرفة قاعة الاجتماعات.

         عودة مَرافق الاقتصاد الأميركي لنشاطاته بمعدلات أعلى من السابق لن تتم إلا بتدخل مباشر من الدولة المركزية، وفق الخبراء الاقتصاديين، الذين يشيرون إلى قرارات الرئيس ترامب يفرض بموجبها على بعض المصانع الكبرى انتاج مواد يحتاجها الاقتصاد بصورة عاجلة مثل الأجهزة والمعدات الطبية.

         استرضاءً لكبريات المؤسّسات التجارية أقدم الرئيس ترامب، بموافقة خصومة في الحزب الديموقراطي، على منحها “قروضاَ وهبات غير مقيّدة” قيمتها الأولية 500 مليار دولار، استفاد منها قطاع الطيران وصناعة السيارات والأغذية والمصارف الكبرى وآخرين. وضخّ أيضاً سيولة كبيرة في عجلة الاقتصاد لصالح مؤسّسات متوسّطة الحجم، لكن غالبيتها الساحقة ذهبت لجيوب كبار المستثمرين.

         يشير خبراء الاقتصاد الأميركي إلى أن تلك الوصفة، ضخ سيولة قوية، هي من سمات اقتصاد الحرب، مما قد يؤشر على نوايا المؤسسة الحاكمة في المرحلة المقبلة، لا سيما ضد الصين وروسيا وإيران، نشهد بوادرها في تعزيز الولايات المتحدة لتواجدها العسكري في المياه الإقليمية للصين وإيران.

         في السياق عينه، تقف مدينة نيويورك، العاصمة الاقتصادية للبلاد، على حافة الإفلاس وتعاني عجزاَ في موازنتها يبلغ “116 مليار دولار لعام 2020، ومرشح للارتفاع لنحو 123 مليار لعام 2021.”https://cbcny.org/research/nyc-debt-outstanding

         شريحة ذوي الدخل المحدود وما كان يعرف بالطبقة الوسطى هي المتضرّر الأكبر من عملية اغلاق الاقتصاد، التي تقلصت مداخيلها بمعدلات ملحوظة، وكانت عماد الإنتاج المدني من سلع وخدمات مختلفة. من غير المرجّح في المدى المنظور أن يحظى القطاع العريض المتضرر من الإغلاق بمساعدة مالية إضافية، على الرغم من التوسلات المتكررة للإدارة بذلك.

         يشار إلى أن الإدارة الأميركية استثنت من المعونات المالية المقررة قطاعاً واسعاً من العمال الموسميين يقدر بنحو 4،5 ملايين، بعضهم لا يحمل أوراقاً ثبوتية، والسواد الأعظم يُقتطع من أجره المتدني أموال لضرائب مركّبة.

         لخّصت يومية “نيويورك ريفيو” تفاقم الأزمة، اقتصاديا وصحياً،  بالقول إن “أميركا لم تكن يوما مصَمّمة لتوفير العناية لأولئك الذين يسهمون في بنائها، أو لمنحهم حقوقهم.” (27 نيسان/ابريل 2020).

         على الرغم من الضخ الرسمي من أموال استفادت منها المؤسّسات الكبرى بالدرجة الأولى، يرفض قطاع المصارف خفض أسعار الفائدة على ديون “البطاقات الائتمانية” التي ترزح تحت كاهلها تلك الشرائح المتضرّرة، وناهز حجم ديون تلك البطاقات العائدة للأسر الأميركية مليار دولار.

الإغلاق يؤدي للكساد

         قرار عودة الاقتصاد إلى وتيرة ربما أعلى من ذي قبل مرغوب ومطلوب في آن معاً، مهّدت له المؤسّسة الحاكمة بتدخل الدولة مباشرة بتوفيرها السيولة المالية، لكن من دون الإشراف المباشر على القطاعات الإنتاجية لضبط سيرورتها. القرار رمى أيضاً لطمأنة اليد العاملة إلى استئناف نشاطاتها بالاستناد إلى بيانات صحية مضلّلة تفيد بالتوصل للقاح يخضع للتجارب المخبرية.

         تنشط الإدارة الأميركية في تجنيد شخصيات مؤثرة في كافة المستويات لدعم قرارها باستئناف النشاط الاقتصادي، في ظل ضبابية وعدم اليقين من تأثير الفايروس على مجمل الاقتصاد، توظف فيه شبكة فوكس نيوز، وبالاستناد أيضاً إلى بعض التجارب الاوروبية، السويد مثلاً التي رفعت اجراءات الحظر، وأيّدتها منظمة الصحة العالمية.

         شهد شهر نيسان/ابريل المنصرم إغلاق بعض من أكبر مؤسّسات توريد اللحوم بكافة أنواعها، نتيجة إصابة بعض عمّالها بالفايروس. وانعكس ذلك على أماكن التسويق التي اختفى منها بعض تلك المنتجات. المفارقة أن أسعار اللحوم المتوفرة ارتفعت منذ انتشار الفايروس، بينما انخفضت أسعار الأبقار والثروة الحيوانية لدى المزارعين، وانهارت بعض المزارع تماماً.

         إحدى كبريات تلك المؤسّسات “تايسون فودز” شنت حملة إعلامية تحذر فيها من نقص الإمدادات وتضرّر شبكة التوزيع. وجاء في إعلان صحفي مدفوع الأجر “مسالخ تعبئة لحوم الخنزير والبقر والدجاج اضطرت لإغلاق أبوابها .. ستختفي ملايين الكميات (المعتادة) من شبكة التوزيع .. شبكة توريد الأغذية تنهار.”

         الرئيس ترامب بدوره تدخّل بتفعيل قرار رئاسي في حالات الطوارئ يُلزم فيه تلك المؤسّسات إعادة فتح أبوابها خلال الأزمة، خشية مزيد من التدهور الاقتصادي وتردي السلم الاجتماعي، ودرءاً لاستيراد اللحوم من البرازيل واستراليا لسدّ الحاجات المحلية.

         تصنيفات ومهارات اليد العاملة لن تعود إلى حالها السابقة في بعض القطاعات، خاصة الخدماتية وانتاج المواد الغذائية، من جراء تداعيات فايروس كورونا. ومن المرجّح أن تعاني تلك القطاعات من نقص في الأعداد والمهن الضرورية للمحافظة على معدلات انتاجية مقبولة.

         عانت الولايات المتحدة من نقص شديد في الأيدي العاملة في عام 1942، عقب دخولها الحرب العالمية الثانية، واضطرّت لإبرام اتفاقية مع المكسيك توفر بموجبها أيدي عاملة “لمديات قصيرة برواتب متدنية” لسد النقص الكبير، واستمر العمل بها لعام 1964، “استفاد” منها نحو 4،5 مليون عامل تعرّض معظمهم لحالات من الاضطهاد وتدني الأجور والملاحقة والتسفير، كما هو الحال في المرحلة الراهنة.

         المؤسّسات الإنتاجية الأميركية التي استأنفت نشاطاتها، وفازت بمعونات وهبات مالية، لم تستطع توفير بيانات مؤكدة حول حجم الأضرار التي تعرّضت لها أو المنافع العائدة عليها، أو التأكيد بأن مصدر الأضرار ناتج عن انتشار الفايروس.

         تحتل الولايات المتحدة المرتبة الأولى بين الدول الصناعية، مجموعة العشرين، لحجم اليد العاملة التي لجأت لبرامج المعونة نتيجة فقدانها فرص العمل، نحو 15% وفق  البيانات المتوفرة. بالمقارنة، شهدت ألمانيا تقلصاً في عدد العمال للحصول على المعونات الرسمية، نحو 20% (دراسة “لمعهد بروكينغز،” 27 نيسان/ابريل).

         وزعمت الدراسة أنه لا توجد “علاقة واضحة بين سياسة الابتعاد الشخصي وحجم الضرر الاقتصادي،” على الرغم من استنادها إلى بيانات واحصائيّات ضئيلة حين توفرها، مما سيعزز توجهات الإدارة الأميركية وأرباب كبريات الشركات الدفع باتجاه استئناف عاجل لعجلة الانتاج الاقتصادي.

         غاب عن الدراسة الإشارة إلى الدوافع المالية التي تتحكم بالقرار السياسي. عودة بعض القطاعات العمالية لوظائفها سيوفّر على الدولة الفيدرالية وصناديق التعويض عن العمل في الولايات المحلية أموالاً كبيرة سرعان ما استنفذ جزء ليس يسير من تلك الصناديق، من دون أفق واضح.

         محصلة الأمر أن القوى العاملة، عمّالاً وموظّفين، ستضطر للعودة إلى ممارسة أعمالها، ولو جزئياً، من دون توفير الدولة والأجهزة المحلية المختصة ضمانات صحية، ومن يتعرض للإصابة سيتم استبداله بآخرين بصرف النظر عن تحذيرات المرجع الصحي الأعلى في طاقم البيت الأبيض من مخاطر العودة المبكّرة من دون احتواء الفايروس.

الاستغلال البشع لليد العاملة قبل كورونا مستمر خلالها، وبدلا من أن يكون عيد العمال مناسبة للإحتفاء بدورها الحيوي في عجلة الحياة لكل المجتمعات، يتم تعريضها لأقصى المخاطر من دون تقديم أدنى الحقوق والمكتسبات.

2020-24-04-التقرير الأسبوعي

انكشاف الجهوزية الأميركية بسبب كورونا

د. منذر سليمان و جعفر الجعفري

من أبرز تداعيات جائحة كورونا حالة الإرباك داخل المؤسّسة العسكرية الأميركية، وتضارب التصريحات الرسميّة حول انعكاساتها على حالة “الجهوزية” للقيام بمهامها وفق الاستراتيجيات المعدّة، رافقها حجب قادة البنتاغون معلومات حقيقية عن إصابة طواقمها البحرية مما أخرج 4 حاملات طائرات عملاقة وما لا يقل عن 5،000 جندي من “الخدمة .. في مواجهة الصين، ومن ثم إيران،” وذهب بعض المحلّلين العسكرين توصيف الأمر بأنه انهيار للمنظومة السائدة وتقويضٌ لجهوزية القوات العسكرية.

         تكهّنت صحيفة واشنطن تايمز المحافظة، 31 آذار/مارس، بجدية تَحدي كورونا بأنه “الأعظمْ أمام القيادات العسكرية الأميركية منذ عقود” والتي سعت إلى مزاوجة استمرار حالة “التأهّب بين القوات في مراقبة تهديدات الأعداء وفي الوقت نفسه تحصين القوات النظامية من تفشي الوباء.”

واستدركت الصحيفة بالإشارة إلى طبيعة بنى القوات المسلّحة وهياكلها، بفروعها كافة، التي كانت ولا تزال، “حاضنة وناقلة للأمراض في آن معاً .. والتي ستتأثّر جهوزيتها على الأرجح نتيجة لانتشار الوباء.”

         المحافظة على الجهوزية العسكرية، في القوات الأميركية، تستند إلى قاعدة مركبة من الاعتبارات، أبرزها بالطبع الموارد والمعدات والأسلحة المطلوبة لكل فرع من فروعها المتعددة. المفهوم عينه لدى القيادات العليا في المؤسّستين السياسية والعسكرية ينطوي على جملة مستويات: الأولوية تحاكي التطابق بين الاستراتيجيات المعتمدة وقدرة القوات على مواجهة التحديات المطروحة، الصين وروسيا مثلاً، وبلورة توجهات جديدة وفق الحاجة.

         وهناك بعد تجاري في مسألة الجهوزية يُستخدم كمبرر للحصول على ميزانيات إضافية، خارج الميزانيات السنوية المقررة، وما يرافقها من أسلحة جديدة أو أخرى بحاجة للتحديث، كلما حانت الفرصة.

         مفهوم الجهوزية، وفق تعريف وزارة الدفاع الأميركية، ينطوي على “قدرة القوات العسكرية للقتال وتنفيذ المهام المسنودة إليها،” ويشكّل “أداة تستخدمها الولايات المتحدة للتأثير على آليات تفكير الدول الأخرى وتصرّفها.” (صحيفة “واشنطن بوست،” 19 آذار/مارس 2020).

معيار الجهوزية لدى القوات المسلحة يستند إلى مدى “تطابقها مع حلقات الجهوزية وأهدافها .. وضع القوات، مدى انجازها لتدريباتها، أسلحتها، ومصادر إمدادها.” التزود بالمؤن والذخيرة وما شابه يعتمد بشكل واسع على سفن سلاح البحرية ومخازنها المنتشرة على رقعة جغرافية واسعة.

صيانة تلك المخازن عمل مستمرّ للحفاظ على صلاحيتها. عدد من دراسات البنتاغون اشار إلى “الحالة الرثة” لعدد لا بأس به من تلك المواقع، تفاقمها “طواقم صيانة غير متمرسة وتعاني من الالتزام بإنجازمهامها وتخطيها المواعيد المقررة.” (صحيفة “واشنطن بوست.”)

         النخب الفكرية الأميركية ومراكز الأبحاث أكدت أيضاً التداعيات المتتالية لتفشّي الوباء متسائلة عن الآليات المتوفّرة “للإبقاء على جهوزية القوات العسكرية .. لحين الاستدلال على لقاح مضاد تحقن به القوات.”

وأعربت عن اعتقادها بأن حالة الإرباك ستستمرّ “لنهاية السنة الحالية وبداية العام 2021، وربما تبلغ نسبة التردي نحو 10-20%.” (معهد “بروكينغز،” 22 نيسان الجاري).

         ينبغي التشديد على أن ما تتعرض له القوات العسكرية الأميركية، نتيجة تفشي الوباء، هي مسألة عرضية حتى لو طالت مدتها، لا سيما وان أعداد المصابين تبقى ضمن نسبة متدنية مقبولة هي 10-20% وفق إحصائيات البنتاغون و “تطميناته.” وباستطاعة القيادات العسكرية العليا تعديل أولويات “المهام الاستراتيجية” لتتناسب مع مجمل الأوضاع العامة، كما هي الحال في القوات العسكرية للدول الكبرى الأخرى.

         السيناريو الأسوأ للبنتاغون، والناجم عن تقويض جهوزية بعض الوحدات العسكرية، يكمن في “انهيار سريع لحالة القوات العسكرية كما شهده بحارة حاملة الطائرات روزفلت،” معطوفاً على “اضطرار القيادة العسكرية إلى إغلاق بعض القواعد العسكرية الرئيسة أو وضع وحدات بأكملها في الحجر الصحي لعدة أسابيع.” (صحيفة “واشنطن تايمز،” 31 آذار/مارس).

تنامي المخاوف المذكورة لم يمنع الرئيس الأميركي من الاستمرار في منسوب تصعيد التوتر مع إيران، بدءاً من انسحابه من الاتفاق النووي وإلى اللحظة، بتصديره “تعليمات” صادرة عن القائد الأعلى للقوات المسلحة لسلاح البحرية الأميركية في مياه الخليج “بتدمير أية زوارق إيرانية، إذا ما تحرشت بسفننا في البحر.” (تغريدة الرئيس ترامب، 22 نيسان/ابريل).

         قرار الرئيس ترامب، عبر تويتر، استند إلى رواية سلاح البحرية الأميركية، قائلاً إن “11 زورقاً حربياً تابعاً للحرس الثوري الإيراني قام مراراً وتكراراً بسلوكٍ خطيرٍ ومضايقات ضد السفن البحرية الأميركية العاملة في المياه الدولية.”

         في تلك الأثناء، أطلقت إيران قمراً اصطناعياً وصل مداره المُعدّ بنجاح، ما أثار موجة نقدٍ شديدةٍ وتجديدٍ لنزعة المواجهة العسكرية بالزّعم أن طهران تنوي التمكن من “إطلاق رأس نووي،” باستخدام التقنية عينها، من دون دليل. جاء الرد سريعاً ومن عدة مستويات في موسكو، بأن لإيران الحق في إطلاق أقمار إصطناعية، ولا سيما انها لا تنتهك بذلك القوانين الدولية.

         وفي الفترة الزمنية عينها، شهدت مياه البحر الأبيض المتوسط اعتراض مقاتلةٍ روسيةٍ من طراز “سوخوي-35” طائرة استطلاع أميركية “من طراز بي – 8 بشكل خطير وغير آمن، بينما كانت تحلق في المجال الجوي الدولي.” وأوضح بيان للبنتاغون أن المقاتلة “الروسية قامت بإجراء مناورة صدامية وبسرعة فائقة على مسافة 25 قدم مباشرة أمام الطائرة” الأميركية، دامت نحو 42 دقيقة.

         بالتزامن مع حادثة الاعتراض، أصدرت قيادة القوات الفضائية في سلاح الجو الأميركي بياناً يشير إلى “إجراء موسكو اختباراً لصاروخٍ مضادٍ للأقمار الاصطناعية،” (15 نيسان).

         أما على الأرض، فقد شرعت روسيا في تعزيز وجودها في شرق نهر الفرات من الأراضي السورية بمواجهة مباشرة مع القوات الأميركية، ولا تزال احتمالات الاشتباك “المحدود” بينهما مرجّحة أكثر من ذي قبل.

         كما شهدت الآونة الأخيرة تضافر عددٍ من “التحديات” للنفوذ الأميركي، أبرزها في الحركة النشطة للسفن الحربية الصينية في بحر الصين الجنوبي، إضافةً إلى قرار بكين تعزيز الطلعات الجوية والدوريات البحرية التي تجوب المياه على مَقربة من جزيرة تايوان.

         من جانبها، نشرت القوات الأميركية قوة بحرية بديلة عن حاملة الطائرات “روزفلت،” قوامها السفينة البرمائية “أميركا” وعلى مَتنها 5 مقاتلاتٍ من طِراز “إف-35” وعددٍ من المروحيات للمرابطة في مياه بحر الصين الجنوبي، مقابل حاملة الطائرات الصينية الحديثة “لياونينغ” التي دخلت الخدمة مؤخراً. وذلك إضافة إلى القطع الحربية الأخرى في المحيط الهاديء التي حافظت على ابتعادها عن مصادر الاحتكاك بالفايروس وبقيت “سليمة،” وتستطيع تنفيذ مهامها العسكرية المرسومة إن اقتضى الأمر.

         كما أن الأوضاع في كوريا الشمالية لا تسرّ الجانب الأميركي، سواء في إطلاق الأولى تجربة صاروخية ناجحة مؤخراً، أو فيما يتردد بأن الوضع الصحي للزعيم كيم جونغ اون “مقلق،” عقب أنباء مصدرها موقع الكتروني ممول من “مؤسسة الدفاع عن الديموقراطية” في واشنطن، تزعم أنه تعرض لعملية جراحية، وحالته “حرجة .. وغاب عن الظهور في احتفال مركزي” لبلاده. ولا تزال التقارير غامضة حول حقيقة  الأوضاع في العاصمة بيونغ يانغ، باستثناء زيارة فريق صيني “يتضمن اختصاصيين في الطب” إلى العاصمة.

         بعض النخب الفكرية الأميركية، ممثلة في نشرة “فورين بوليسي،” حذرت من استسهال الانجرار خلف “إشاعات مزوّرة حول وفاة وشيكة لكيم جونغ أون.. وربما الإشاعة المقبلة قد تزعم أنه اقترب من شنّ هجوم نووي.” وحثّت صنّاع القرار، لا على توخي الحذر فحسب، بل أيضاً على انتهاج سياسة أكثر واقعيّة لتفادي اندلاع نزاع جديد، من ضمنها تطبيع العلاقات وتبادل السفراء. (24 نيسان/إبريل 2020).

         من غير المرجّح أن تقدم الولايات المتحدة على اتخاذ اجراءاتٍ لتعديل حجم وجودها ورقعته في شبه الجزيرة الكورية، حيث لا يزال شبح انتشار وباء كورونا ماثلاً، بينما ستستمر التعزيزات العسكرية الأميركية في مياه الخليج ومضيق هرمز وبحر العرب، وقد تتدحرج الأوضاع إلى اشتباك محدود ومحسوب من الطرفين، درءاً لاندلاع حربٍ مباشرةٍ مكلفة ومدمرة للمنطقة.

         عند إضافة عامل النفط وما تعرضت له الأسواق العالمية من انهيار في أسعار الخام الأميركي وتقلص في أسعار النفط الأخرى، باستطاعة المراقب التكهن بنشوب اشتباكاتٍ عسكريةٍ محدودة من شأنها رفع أسعار النفط الخام إلى مستوياتٍ أعلى بقليل مما هي عليه الآن، كما يطالب بذلك قطاع منتجي النفط الأميركي. كما أن لإيران مصلحة موازية في التأثير والاستفادة من ارتفاع اسعار النفط،  وتبقى الخشية من تدهور الأوضاع  وانزلاقها نحو الأسوأ هي الفيصل.

         سوريا ستبقى ساحةً للصراع والتنافُس ومحاولة واشنطن تأخير قرارها بالاضطرار إلى الإنسحاب، وخصوصاً عند الأخذ بعين الاعتبار تقلص حجم التواجد العسكري للأسطول السادس الأميركي في مياه المتوسط، والتفاتِه إلى منطقة الخليج لمُساندة القوات الأخرى، والذي فسّر كأحد العوامل التي عزّزت جرأة القوات الجوية الروسية على تحديها للقوات الأميركية في المنطقة.

إحدى ركائز الإنتشار العسكري والنفوذ العالمي لأميركا تستند الى القدرة الفائضة لسلاح بَحريّتها، ويبدو أن كورونا أحدث انكماشاً غير مسبوقٍ في قوّتها البحرية تسعى جاهدة إلى إخفائه.

2020-17-04-التقرير الأسبوعي

بايدن أمام قرار تاريخي حاسِم

 مَن سيختار لنائب الرئيس ؟

منذر سليمان ، جعفر الجعفري – واشنطن

دشن الرئيس السابق باراك أوباما دخوله العَلني في السباق الرئاسي بظهورٍ متلفَز لمدّة 12 دقيقة، لدعم المرشّح الأقوى المُتبقي جوزيف بايدن، بعد انسحاب مُتتالي لمُنافسيْه، بيرني ساندرز واليزابيث ووران. البُعد الأهم في رسالة اوباما هي في تثبيت حضوره وما يمثله من إرث ونفوذ بارزَين بين الناخبين، ولا سيما شرائح السود وذوي الأصول اللاتينية.

         من بين أهم عناصر فوز الرئيس اوباما في ولايتين سابقتين تصدّره وسط قطاع الشباب  معطوفاً على حماسته وقُدرته على سرعة التحرّك، وهو العنصر الذي ميّز حملة المرشّح بيرني ساندرز أيضاً، خاصة الشريحة العُمرية بين 18-29 عاماً. عنصر  افتقدته حملة جو بايدن، إضافة إلى عوامل أخرى كانت من نصيب مُنافسيْه المذكورين.

         وعليه، يجمع أخصائيو استطلاعات الرأي والبيانات الانتخابية على أن عناصر القوة للحزب الديموقراطي تتمثل في ثلاثة شرائح: قطاع الشباب والمرأة والأقليات أبرزها السود وذوي الأصول اللاتينية. وأن أي خَلَل أو  تراخٍ  في مدى تأييد أيّ منها مُنفردة أو مُجتمعة سيقضي على حظوظ  الفوز الحزب.

         في معرض استعراضها لسجل جو بايدن وأعبائه الثقيلة، حدَّدت يومية نيويورك تايمز، 14 نيسان/ابريل الجاري، العناصر التالية: فشله في تحفيز وتأييد قطاع الشباب في الانتخابات التمهيدية، خسارته المتدرّجة والثابتة لأصوات اللاتينيين، فُقدانه لعنصر تحفيز  وحماس القاعدة الانتخابية “كما فشلت المرشّحة هيلاري كلينتون في تحفيز الناخبين قبله.”

وشدّدت الصحيفة المذكورة على محورية حرارة الحماس في الحملات الانتخابية، إذ أن  مؤيدي الرئيس ترامب يتمتّعون بمنسوبٍ عالٍ من الاندفاع  “أعلى بكثير من مؤيّدي بايدن.”

وعلى هذا الأساس وبهذه الخلفية ينبغي قراءة صمت الرئيس السابق باراك اوباما في بداية السباق الرئاسي، ودخوله بقوّة وحَزم لمُساندة نائبه السابق جو بايدن والذي  تشوب حملته تحفّظات وشكوك داخل الحزب الديموقراطي، خاصة في قطاع المرأة على خلفيّة عدم مُحاصرته لمُرشّح المحكمة العليا عن الحزب الجمهوري كلارينس توماس، أيلول/سبتمبر 1991، بعد اتهامه بالتحرّش الجنسي، وكذلك سطحية منسوب شعبيّته بين صفوف السود (الأميركيون من أصول افريقية.)


اعتبارات اختيار نائب الرئيس

تجري عملية اختيار “نائب الرئيس” من مُرشّحي الحزبين، وفق أصول التوازُنات الانتخابية الأميركية، وتتحكّم بها جملة عناصر أبرزها الأخذ بعين الاعتبار التمثيل الجغرافي لشخصية النائب إلى جانب عُمق خبرته السياسية.

التمثيل الجغرافي ليس قاعدة يُحتذى بها، بل عُرف تفرضه الظروف والعوامل الانتخابية بشكل عام، لإرضاء بعض القطاعات الرئيسة والمصالح الاقتصادية المعنية في اعتبارات قيادات الحزبين.

بهذه الخلفية، اختار المُرشَّح السابق باراك أوباما، ذو الخبرة السياسية المتواضِعة، نائبه السيناتور جو بايدن: الأول من أواسط البلاد والثاني من الساحل الشرقي ولديه سجل حافل في الكونغرس ولجانه النافذة. وكذلك فعل الرئيس الأسبق جون كنيدي، من الساحل الشرقي، باختيار نائبه ليندون جونسون من ولاية تكساس الجنوبية. وفعل أيضاً الرئيس ترامب الآتي من ولاية نيويورك على الساحل الشرقي باختيار نائبه مايك بنس من ولاية انديانا في وسط البلاد ولتمتُّعه بتأييد التيار المتشدد في الحزب الجمهوري.

عند استعراض العناصر التي سيأخذ بها المُرشّح جو بايدن لاختيار نائبه، تنبغي الإشارة إلى تراجع عامل الخبرة السياسية كشرطٍ متوفر في نائبه، نظراً إلى خبرته السياسية الشخصية، لكنه بحاجة إلى مُرشّح أو مُرشّحة لسدّ الثغرات الجماهيرية وتمثيل القطاعات الأشدّ احتياجاً  لها  لضمان الفوز .

في السياق عينه، يتعرض المُرشّح جو بايدن إلى جملة تحفظّات على أهليته العقلية، نظراً لتقدّمه في العُمر – 77 عاما، وبسبب بعض تصريحاته غير المُتوازِنة خلال المُناظرات الرئاسية، والتي يعتبرها بعض المُراقبين في واشنطن بأنها دليل  على أن بايدن “عاجز تماماً على تذكّر حقائق أساسية بسيطة .. والتساؤلات  حول  حالته  الصحية  أضحت سراً  مُتداولاً في واشنطن.”

الطبيبة والمرشّحة الرئاسية السابقة عن حزب الخضر، جيل ستاين، علّقت بقولها إن بايدن “اختلط عليه الأمر بين شقيقته وزوجته، ونسي إسم الرئيس اوباما .. الخطر الأكبر يكمن في تراجع قدرته المعرفية” (7 آذار/مارس 2020).


الُمرشّحة لمنصب نائب الرئيس

ألزم المُرشّح جو بايدن نفسه باختيار امرأة كنائبةٍ له، في إحدى المُناظرات الانتخابية. بينما أعرب نحو 41% من الناخبين عن أهمية اختيار بايدن لشخصية مناسبة  أكثر ليبرالية من توجّهاته، دون اعتبار للجنس.

دخول الرئيس السابق بقوّة على الحملة الانتخابية عزَّز توقّعات المُقربين من بايدن بأنه يميل إلى اختيار أمرأة سوداء.

قائمة المُرشّحين لمنصب نائب الرئيس، وفق استطلاعات الرأي وتوجّهات قيادات الحزب الديموقراطي تشمل التالي:

المُرشّحة السابقة والسيناتور عن ولاية كاليفورنيا كمالا هاريس، التي تحظى بتأييد الرئيس اوباما تقديراً لخدماتها الجليلة لإدارته السابقة.

أما القاعدة الانتخابية من السود والليبراليين فلديها جملة تحفّظات على هاريس، على الرغم من بشرتها السوداء، أبرزها سِجِلّها المُعادي للسود وذوي الأصول اللاتينية إبان شغلها منصب المدّعي العام لولاية كاليفورنيا، لتواطؤ مكتب المدّعي العام مع شبكات المخدّرات ما أسفر عن إخلاء سبيل نحو 1000 حالة من تجّار المخدّرات، ولجهودها أيضاً في إخفاء أدلّة جنائية كان من شأنها إطلاق سراح متَّهم حُكِم عليه بالإعدام، واضطرارها إلى الامتثال لقرار المحكمة بتوفير الأدلّة بعد تباطؤ وتأجيل.

المرشّحة الأخرى هي السيناتور والمرشّحة السابقة للرئاسة آيمي كلوبوشار، الآتية من منطقة ولايات الوسط الهامة في التوازنات الانتخابية، ولاية منيسوتا، التي مالت إلى تأييد الحزب الجمهوري في جولة الانتخابات الرئاسية السابقة.

حاكمة ولاية مشيغان، غريتشتن ويتمر، أيضا من ولايات الوسط الهامة، أثبتت جدارتها بإدارة فعّالة لوباء كورونا وإن شابها بعض التردّد والتقلّب في آليات التطبيق سُرعان ما نفّذت إجراءات مشدّدة لاحتواء الفايروس. الرئيس ترامب، من جانبه، حرّض قواعده الانتخابية في الولاية للتظاهر ضد ويتمر أمام مقر الولاية والمطالبة بـ “تحرير مشيغان” من سيطرة الحزب الديموقراطي.

السيناتور والمرشّحة السابقة إليزابيث ووران حازت على إطراء نادر من المرشّح جو بايدن عقب انسحابها وإعلان تأييدها له، وصرّح وقتها قائلاً “أفتخر بانضمام مناضلة شرِسة، السيناتور ووران، إلى جانبي.”

لكن العلاقة بينهما مشوبة باختلافات وعدم اتفاق، منذ عام 2005، وفق سردية مجلة ذي نيويوركر الأسبوعية، 15 نيسان/ابريل الجاري، حين أيّدت  ووارن مشروع قرار لتشديد الرقابة على إجراءات الإفلاس للشركات الكبرى مقابل تأييد بايدن لمشروع أقل تشدّدا. واضافت المجلة أن الأخير أقرّ “بهجومها القاسي عليه” عام 2013 إبان تصويت مجلس الشيوخ على عضويّتها فيه، مُستدركاً أن أداء ووران في هذا المنصب “سيكون رائعاً.”

وبحسب تحقيق صحيفة نيويورك تايمز، 14 نيسان/ابريل الجاري، فإن المُرشّح بايدن، ومنذ فوزه الواقعي بترشيح الحزب الديموقراطي، بدأ يميل لتبنّي توجّهات السيناتور ووران “حول عدد من القضايا، من ضمنها (ضرورة) إصلاح نظام الإفلاس.”

السيناتور من ولاية ويسكونسن تامي بولدوين، أيضا من ضمن قائمة المُرشّحين لمنصب نائب الرئيس، مع إدراك حقيقة توجّهها، مثلية الجنس، وقدرتها على مواجهة مساعي الحزب الجمهوري لإسقاطها في الانتخابات النصفية الماضية. توجّهاتها العامة تميل إلى التيار الليبرالي بموازاة توجّهات اليزابيث ووران وبيرني ساندرز، لكن حضورها السياسي ضعيف ضمن الحزب الديموقراطي.

المُرشّحة السابقة لمنصب حاكم ولاية جورجيا، ستيسي آبرامز، كان بإمكانها أن تشكّل سابقة في ولايتها المحافظة كأول امرأة سوداء تفوز بالمنصب، وتحظى بدعم قوي من قطاع المرأة، لكنها قليلة الخبرة السياسية.

قاعدة تأييدها للمنصب أتت من قبل يومية نيويورك تايمز، 14 نيسان/ابريل، التي ناشدت المُرشّح بايدن بالنظر إلى ما تمتلكه من مؤهلات وقاعدة دعم هو بحاجة ماسة إليها بين قطاع الشباب، خاصة وأن آبرامز “تفوّقت بمنسوب التأييد الشعبي للشباب على المُرشّح الرئاسي باراك اوباما في ولاية” جورجيا بنسبة 30%.

السيناتور عن ولاية نيفادا، كاثرين كورتيز ماستو، من أصول لاتينيةٍ تتمتّع بتأييد نظرائها من أصولٍ مُشابهة، وهو قطاع بالغ الأهمية للحزب الديموقراطي.

باختيارها لمنصب نائب الرئيس سيحظى بايدن بدعم عريض لقاعدة أخفق في كسبها كونها المرة الأولى التي تصعد فيه مُرشّحة من أصول لاتينيةٍ إلى منصب سياسي حسّاس مُتقدّم، وكذلك للوجود القوي لتلك القواعد في ولايات كولورادو وكاليفورنيا ونيفادا. وتتمتّع السيناتور كورتيز ماستو بدعم صريح من رئيس مجلس الشيوخ الأسبق وممثل ولاية نيفادا، هاري ريد، الذي لا يزال يُشكّل مركز ثقل مُعتبر داخل الحزب الديموقراطي.

         المُرشّحة الأخرى ضمن قائمة الاحتمالات هي حاكم ولاية نيو مكسيكو، ميشيل لوهان غريشام، وهي أيضاً من أصولٍ لاتينيةٍ ومن شأنها تعزيز اللحمة ووحدة الحزب الديموقراطي بين قطاعاته المختلفة. صعد نجم حاكمة الولاية غريشام بتصدّيها ومعارضتها لسياسات الرئيس ترامب حول “تجييش الرقابة على الحدود الجنوبية” مع المكسيك، لا سيما عند معبر “إل باسو” الشهير الذي شهد اشتباكات عديدة بين مسلّحين أميركيين ومهاجرين.

         اختيار الأوفر حظاَ من بين القائمة السابقة لمنصب نائبة الرئيس أمر ليس سهلاً. من أبرزها السيناتور والمُرشّحة السابقة آيمي كلوبوشار على خلفيّة تأييدها المُبكر للمُرشّح بايدن، والذي أسهم في فوزه بانتخابات “الثلاثاء الكبير،” وما تمثله كذلك من رصيد يعوّل عليه في ولايات الوسط. عناصر تحظى أيضاً بترجيح كفّتها لدى قيادات الحزب، مدعومة بتأييدها لسياسات المؤسّسة الحاكِمة، لا سيما ميزانيات الدفاع، خلال الفترة السابقة.

         على الرغم مما تقدّم، فإن كلوبوشار قد لا تكون الخيار الأنسب لقواعد الحزب العريضة، لا سيما مؤيّدي السيناتور بيرني ساندرز وكذلك الأمر لمؤيّدي إليزابيث ووارن، وهو عامل سيصعد على سلّم أولويات الحزب لاختيار امرأة سوداء أو من أصولٍ لاتينيةٍ ربما، وتكريم اللواتي لم يفزن بالاختيار بمناصب عُليا في الإدارة المقبلة، تعزّز حضور المرأة والأقليات في آنٍ واحد.

حظوظ ووارن كإختيار مُرجّح تبقى قوية بسبب قوّة التيار اليساري في القاعدة الإنتخابية الديموقراطية ورجحان نسبة المؤيّدين لأطروحات التيار في مُعالجة الملفات الإقتصادية والرعاية الصحية خلال أزمة كورونا.

إختيار نائب الرئيس يرتدي طابعا هاما جدا في هذه الجولة من الإنتخابات لأن المُرشّح سيكون عملياً الرئيس المُنتَخب أيضاً في حا تعرّض بايدن لما يمنعه من شغر المنصب في الدورة الأولى، عدا عن كونه/ا المرشحة التلقائية للرئاسة في الدورة الثانية عام 2024  في حال فاز الحزب الديموقراطي بانتخابات نوفمبر/تشرين الأول 2020.