2026-07-03-التقرير الأسبوعي

ينشر بالتعاون مع “الميادين”

أميركا في عيدها الـ 250:
جمهورية الخوف وحلمٌ يختنق تحت ظل ترامب

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

في الذكرى الـ 250 لتأسيس الولايات المتحدة، لا تبدو البلاد مقبلة على احتفال وطني بقدر ما تبدو واقفة أمام محاكمة تاريخية لجمهورية تتآكل من الداخل.

فالمرآة التي تنظر فيها أميركا اليوم لا تعكس مجد “الحلم الأميركي”، بل تكشف عمق الأزمة التي أصابت مشروعها السياسي والاجتماعي والأخلاقي. لم تعد المسألة مجرد انقسام حزبي أو توتر انتخابي؛ إنها سؤال عن بقاء الجمهورية نفسها: هل ما زالت الولايات المتحدة قادرة على الدفاع عن دستورها وروحها المدنية، أم أنها تنزلق نحو صيغة سلطوية مقنّعة تتغذى من الخوف والغضب والكراهية؟

لقد وُلدت أميركا عام 1776 على وعد الحرية وتقييد السلطة وسيادة القانون، لكنها بعد ربع ألفية تجد نفسها أمام سلطة سياسية تسعى إلى إعادة تعريف تلك القيم بما يخدم منطق الزعيم لا منطق الدستور.

وفي قلب هذه العاصفة يقف دونالد ترامب، لا بوصفه مجرد رئيس مثير للجدل، بل بوصفه التعبير الأكثر فجاجة عن انقلاب سياسي وثقافي على فكرة الجمهورية نفسها. فمنذ صعوده، لم يتعامل ترامب مع المؤسسات باعتبارها ضوابط ديمقراطية، بل باعتبارها خصوماً يجب كسرهم أو إخضاعهم: الإعلام عدو، والقضاء عقبة، والكونغرس أداة مساومة، والاستخبارات جهاز لا يُوثق به إلا حين يخدم روايته.

بهذا المعنى، لم يعد الخطر في السياسات وحدها، بل في تحويل الرئاسة من مؤسسة دستورية إلى منصة تعبئة شخصية، ومن موقع خاضع للمساءلة إلى مركز قوة يختبر حدود النظام ويضغط عليها بلا توقف.

والولايات المتحدة التي تفاخر طويلاً بأنها “بوتقة انصهار” للهويات والثقافات، تبدو اليوم كأنها تستدعي أسوأ غرائزها التاريخية تحت شعارات قومية صاخبة. فقد حوّل الخطاب الشعبوي المتشدد الخلاف السياسي إلى معركة هوية، وأعاد تقسيم المجتمع بين “أميركيين أصليين” و”دخلاء”، وبين من يُمنحون حق الكلام باسم الأمة ومن يُدفعون إلى الهامش بوصفهم تهديداً لها. لم يعد الأمر صراعاً تقليدياً بين محافظين وليبراليين، بل هندسة سياسية للخوف، تُستثمر فيها الهجرة والعرق والدين والطبقة لإنتاج عدو داخلي دائم. وفي هذه اللحظة، لا تعيش أميركا انقساماً اجتماعياً فحسب؛ إنها تشهد تآكلاً خطيراً في فكرة الأمة الواحدة، كأنها دخلت حرباً باردة داخلية بين جمهورية الدستور والتعددية، وجمهورية الغضب الأبيض والشعبوية الانتقامية.

وفي قلب هذا الانهيار الأخلاقي يقف سؤال الحلم الأميركي نفسه: ماذا يبقى من هذا الحلم حين يتحول المهاجر، الذي كان رمزاً لقدرة أميركا على التجدد، إلى عدو سياسي جاهز للاستخدام في كل حملة انتخابية؟

لقد تأسس الحلم الأميركي على وعد بسيط وعظيم في آن واحد: أن يستطيع الإنسان أن يبدأ من جديد، وألا يكون أصله أو لونه أو طبقته أو مكان ولادته حكماً أبدياً على مصيره. لكن سياسات معاداة الهجرة، وتوسيع الترحيل، وخنق اللجوء، والدعوات إلى إلغاء أو تقويض حق المواطنة بالولادة، لا تمثل إجراءات إدارية عابرة؛ إنها مشروع سياسي لإعادة تعريف أميركا على أساس النقاء والفرز والاستبعاد. فالمساس بحق الجنسية لمن يولد على الأرض الأميركية هو ضرب مباشر لفكرة المواطنة المدنية، ومحاولة لإحلال منطق الدم والنسب مكان منطق الدستور والمساواة أمام القانون.

وعندما يصبح الطفل المولود في أميركا متهماً قبل أن يتكلم، ومشكوكاً في انتمائه بسبب وضع والديه، فهذا يعني أن الحلم الأميركي لم يعد وعداً عاماً، بل امتيازاً طبقياً وعرقياً وسياسياً تمنحه السلطة لمن تشاء وتحجبه عمن تشاء. إن الهجرة هنا ليست ملفاً أمنياً، بل ساحة فرز عنصري مقنّع، تُستخدم لإعادة إنتاج هرمية قديمة بين “أميركيين كاملي الأهلية” وآخرين يُراد إبقاؤهم في منطقة الشك الدائم. بهذه السياسات، تتحول أميركا من أرض الفرصة إلى دولة اشتباه، ومن جمهورية مواطنة إلى نظام تصنيف، ومن حلم إنساني واسع إلى امتياز ضيق تحرسه الحدود والأسلاك والخطابات التحريضية.

وهذا الانقلاب على معنى الداخل الأميركي لا يبقى محصوراً داخل الحدود؛ فمن يضيّق معنى المواطنة في الداخل يعيد، بالمنطق نفسه، صياغة علاقة أميركا بالعالم. وعلى الصعيد الدولي، لم تعد أميركا الترامبية تتصرف كقوة تقود نظاماً عالمياً، بل كقوة تبتزّه. فمنذ الحرب العالمية الثانية، بنت الولايات المتحدة شرعيتها الدولية على قيادة تحالفات ومؤسسات وقواعد ادّعت أنها تحمي الديمقراطية والاستقرار.

لكن منطق ترامب حوّل التحالفات إلى صفقات، والشراكات إلى فواتير، والقيم إلى أوراق مساومة. وبذلك تخلّت واشنطن تدريجياً عن صورة “الأمة الرسالية” التي تزعم الدفاع عن الحرية، وبدت أقرب إلى قوة قومية ضيقة لا ترى العالم إلا من نافذة الربح والخسارة والولاء الشخصي.

ومن هذا المنطق نفسه، ينتقل الابتزاز السياسي إلى التهديد العسكري. فترامب، الذي قدّم نفسه مراراً زعيماً قادراً على وقف الحروب وإنهاء “المغامرات الخارجية”، كشف في الممارسة عن نزعة لا تقل اندفاعاً نحو استخدام القوة حين تخدم صورته السياسية أو منطق الهيمنة.

وبين خطاب العزلة وادعاء السلام، والقرارات العسكرية والتهديدات المفتوحة، تظهر مفارقة فاضحة: رئيس يهاجم الحروب في العلن، ثم لا يتردد في اللجوء إلى القصف والابتزاز العسكري حين يريد فرض إرادته. وقد تجلى ذلك في الضربات الأميركية على إيران واستهداف منشآتها النووية، بما أعاد شبح الحرب الواسعة إلى الشرق الأوسط، كما ظهر في التصعيد ضد فنزويلا، من التهديدات العسكرية إلى استخدام القوة تحت ذرائع مكافحة المخدرات أو إسقاط الأنظمة المعادية.

أما التهديدات المتكررة تجاه كوبا وغيرها من دول الجوار، فتؤكد أن “أميركا أولاً” لا تعني الانكفاء عن الإمبراطورية، بل إعادة صياغتها بمنطق أكثر فجاجة: إمبراطورية لا تتحدث كثيراً عن نشر الديمقراطية، لكنها لا تتردد في التلويح بالقوة والحصار والعقوبات وتغيير الأنظمة حين ترى في ذلك مصلحة للزعيم أو فرصة لاستعراض القوة. وهكذا يتحول وعد وقف الحروب إلى غطاء بلاغي لنزعة تدخلية انتقائية، لا يحكمها القانون الدولي ولا رقابة الكونغرس بقدر ما يحكمها مزاج الرئيس وحسابات الانتقام والهيبة الشخصية.

وكما تُستخدم القوة في الخارج لاستعراض الهيبة، يُستخدم الاقتصاد في الداخل لإعادة توجيه الغضب الشعبي بعيداً عن جذوره الحقيقية. فخطاب حماية الداخل تحوّل إلى أداة سياسية لتعبئة الغضب أكثر مما هو مشروع إنقاذ حقيقي. فالحمائية والرسوم الجمركية وشعار إعادة التصنيع قُدّمت كوعود للطبقة العاملة، لكنها في العمق كشفت مأزق نموذج اقتصادي لا يريد الاعتراف بأن أزمته ليست في المهاجر ولا في العامل الأجنبي، بل في بنية رأسمالية راكمت الثروة في الأعلى وتركت ملايين الأميركيين فريسة الخوف من السقوط. وهكذا يصبح العامل الغاضب وقوداً لمشروع سياسي يَعِده بالحماية، بينما يوجه غضبه نحو المهاجر والفقير والضعيف بدلاً من مواجهة جذور اللامساواة.

ولكي ينجح هذا التحويل المنهجي للغضب، لا بد من ضرب الحقيقة نفسها. ففي المجال العام، أصبحت الحقيقة ضحية مباشرة لهذا الانحدار. فانتشار المعلومات المضللة، والحرب المفتوحة على الصحافة، وتحويل الإعلام إلى “عدو للشعب”، لا تمثل مجرد تكتيكات انتخابية، بل محاولة منظمة لنزع الشرعية عن كل مؤسسة قادرة على مساءلة السلطة. وحين تصبح الحقيقة مسألة ولاء سياسي، وحين يُطلب من المواطن أن يصدق الزعيم لا الوقائع، تكون الجمهورية قد دخلت أخطر مراحلها: مرحلة انهيار المجال المشترك الذي تقوم عليه الديمقراطية.

وحين تتهاوى الحقيقة وتضعف الرقابة، يصبح الفساد أكثر جرأة وأقل حاجة إلى التخفي. ولا يقف التدهور عند حدود الخطاب والمؤسسات، بل يمتد إلى تفشي نمط خطير من الفساد السياسي وتضارب المصالح واستغلال المنصب العام كأداة للإثراء الشخصي والعائلي.

ففي التجربة الترامبية، لم تعد الرئاسة تبدو موقع خدمة عامة بقدر ما تحولت، في نظر منتقديها، إلى مركز نفوذ مفتوح على المصالح الخاصة، حيث تختلط السياسة بالأعمال، والقرار العام بالمكاسب العائلية، والسلطة التنفيذية بشبكات الأثرياء والحلفاء والممولين.

هنا يصبح المنصب الرسمي رافعة للثروة، لا مسؤولية دستورية؛ وتصبح الدولة مساحة توزيع امتيازات على المقربين، لا مؤسسة محايدة تخدم المواطنين. إن الخطر في هذا النوع من الفساد لا يكمن فقط في شبهات الثراء أو المحاباة، بل في تحطيم الفاصل الأخلاقي بين المال والسلطة، وفي تحويل الحكم إلى صفقة دائمة بين الزعيم وعائلته وأصدقائه من طبقة الأثرياء، على حساب المصلحة العامة وثقة الناس بالديمقراطية.

ومن الفساد إلى الانتقام، يكتمل منطق الدولة حين تُختزل في شخص الحاكم. فالأشد خطورة أن هذا المسار يتقاطع مع نزعة انتقامية واضحة تجاه الخصوم السياسيين والإعلاميين والقانونيين، بحيث لا تُدار الدولة كإطار جامع، بل كأداة عقاب لمن يعارض الزعيم أو يرفض الولاء له. فحين يُستخدم القضاء لا كسلطة مستقلة، بل كسلاح للترهيب والتصفية السياسية، وحين تتحول وزارة العدل أو أجهزة التحقيق إلى ما يشبه وكالة دفاع شخصي عن الرئيس أو ذراع هجوم على خصومه، تكون الجمهورية قد فقدت أحد أهم شروط بقائها: حياد القانون. عندها لا يعود الدستور مرجعاً أعلى، بل يصبح عقبة تُلتف حولها السلطة كلما تعارضت مع رغباتها.

وهذا الاستهتار بالدستور، مقروناً بثقافة الثأر السياسي، يضع البلاد أمام نموذج حكم لا يرى المؤسسات إلا أدوات طيّعة، ولا يرى الخصوم إلا أعداء يجب إخضاعهم، ولا يرى القانون إلا وسيلة انتقائية تُستخدم حين تخدم السلطة وتُهمل حين تقيّدها.

لقد قامت التجربة الأميركية على ركائز كبرى: الدستور قيداً على السلطة، والتعددية هويةً وطنية، والعقلانية السياسية أداةً للحكم، والقيادة العالمية امتداداً للقوة. غير أن المشروع الترامبي يضرب هذه الركائز واحدة تلو الأخرى: يستبدل الدستور بمنطق الزعيم، والتعددية بالهوية المغلقة، والعقلانية بالغضب التعبوي، والقيادة بالانعزال والابتزاز، والنزاهة العامة بثقافة الصفقة والمحسوبية.

ومع تصاعد خطاب الاشتباه بالمهاجرين ومحاولة تقليص معنى المواطنة، وتفشي منطق الانتقام من الخصوم وتسليح القضاء وتطويع المؤسسات، وتحوّل السياسة الخارجية إلى مجال لاستعراض القوة والتهديد والضربات الانتقائية، لا يعود الأمر انحرافاً عابراً، بل محاولة لإعادة بناء أميركا على قاعدة التفوق والإقصاء والولاء الشخصي.

فالبلاد التي قدّمت نفسها أرضاً للفرص والملاذات تبدو اليوم كأنها تشيّد حدوداً داخلية لا تقل قسوة عن حدودها الخارجية: حدوداً بين من يحق لهم الحلم ومن يُطلب منهم إثبات إنسانيتهم كل يوم، وبين من تحميهم السلطة لأنهم جزء من شبكتها ومن يُلاحقون لأنهم رفضوا الخضوع لها. لذلك، فإن الذكرى الـ 250 ليست مناسبة فخر، بل جرس إنذار: إما أن تعود الجمهورية إلى معناها الدستوري المفتوح، أو تواصل السقوط نحو قومية بيضاء مقنّعة بسياسات أمنية وقانونية واقتصادية، ونظام حكم يخلط بين الدولة والزعيم والمال والعائلة والقوة العسكرية.

في عيدها الـ 250، لا تقف الولايات المتحدة أمام أزمة سياسية عابرة، بل أمام لحظة حساب تاريخي مع ذاتها. فالجمهورية التي رفعت شعار الحرية وصدّرت صورتها بوصفها نموذجاً للديمقراطية، تجد نفسها اليوم أمام سؤال لا يمكن الهروب منه: هل تستطيع أن تبقى جمهورية قانون ومواطنة، أم تتحول إلى دولة خوف يحكمها منطق الزعيم والغنيمة والانتقام؟

إن مصير الحلم الأميركي لم يعد يُقاس بقدرة الفرد على الصعود وحده، بل بقدرة الدولة على حماية معنى المساواة من الانهيار، وصون المواطنة من التحول إلى امتياز، وحماية الدستور من أن يصبح ورقة تُطوى عند أول تعارض مع شهوة السلطة.

فإذا عجزت أميركا عن حماية الطفل المولود على أرضها من التشكيك في انتمائه، وعن حماية المهاجر من التحريض، والحقيقة من التزوير، والقضاء من التسليح، والمال العام من المحسوبية، فإنها لا تخسر مجرد سمعتها العالمية، بل تفقد الروح التي منحت تجربتها معناها التاريخي.

لذلك، ليست الذكرى الـ 250 عيداً بريئاً في روزنامة وطنية، بل إنذاراً مكتوباً على جدار الجمهورية: إما أن تستعيد أميركا وعدها الأول كأرض للحرية والمواطنة والكرامة الإنسانية، أو تدخل قرنها الثالث كقوة كبرى تطارد حلمها القديم، وتخنقه بيديها، ثم تسأل العالم لماذا لم يعد يصدقها.

2026-06-16-التقرير الأسبوعي

ينشر بالتعاون مع “الميادين”

الأمن الخليجي بعد تراجع اليقين الأميركي:
في الحاجة إلى أفق إقليمي جديد مع إيران

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

لم يعد الحديث عن أمن الخليج يدور، كما في السابق، حول سؤال تقني ضيق يتعلق بمن يملك أدوات الحماية أو من يتكفل بكلفتها، بل بات يرتبط بسؤال أعمق وأشد تركيباً: أي بنية إقليمية يمكن أن تنتج استقراراً أقل هشاشة في زمن تتبدل فيه أولويات القوى الكبرى وتتراجع فيه يقينيات التحالفات التقليدية.

ومن هذا المنظور، لا تبدو تجربة إدارة دونالد ترامب مجرد عارض أميركي عابر، بل تكشف عن ميل أوسع في السياسة الدولية إلى إخضاع الالتزامات الأمنية لمنطق المراجعة وإعادة التسعير والضغط. لذلك، فإن التفكير في مستقبل الخليج لم يعد يحتمل الاكتفاء بمنطق الحماية المستوردة، بل يقتضي الانتقال إلى تصور أكثر نضجاً يوازن بين القدرة الذاتية، والتفاهمات الإقليمية، والعلاقات الخارجية التي تضبطها المصلحة المتبادلة لا التبعية المزمنة.

تداعيات الحرب على إيران وانكشاف حدود القوة الأميركية بدأت مفاعيلها تبرز إلى السطح ملحقة الضرر بالتخطيط الاستراتيجي الأميركي طويل الأمد. بداية، دعا الأمين العام السابق لحلف “الناتو”، آندرس فوغ راسموسن، دول الحلف إلى الابتعاد عن “الحماية” الأميركية وتشكيل تحالف جديد قادر على مواجهة الولايات المتحدة (12 أيار / مايو 2026: مؤتمر “قمة كوبنهاغن للديمقراطية” الذي يترأسه).

استشعر راسموسن المأزق الأميركي في عهد الرئيس ترامب الذي “تخلى عن الدور القيادي، ولذلك نحن بحاجة إلى قائد جديد للعالم الحر”؛ لمواجهة ما سمّاه الضغوط الاقتصادية من دول مثل الصين وربما الولايات المتحدة” على دول الحلف الأوروبية.

أولاً: لماذا تشكل تجربة “الناتو” في عهد ترامب إنذاراً استراتيجياً لدول الخليج؟

تكمن أهمية استدعاء تجربة “الناتو” هنا في أنها تكشف، بكثافة نادرة، طبيعة السلوك الأميركي حين يُعاد النظر في معنى التحالف نفسه. فإذا كان حلفٌ بحجم “الناتو”، بما يختزنه من تاريخ ومؤسسية وعمق استراتيجي، قد وجد نفسه في مواجهة تهديدات علنية تمس جوهر الالتزام الأميركي، فإن الكيانات الأمنية الأقل تماسكاً والأشد اعتماداً، كما في الحالة الخليجية، تبدو أكثر انكشافاً على التقلبات ذاتها، وربما على نحو أكثر حدة أيضاً.

وأيّدت عدة عواصم أوروبية فكرة قالت إنها ناقشتها مع الرياض “لإعادة النظر في تحالفاتها الأمنية” ونسج اتفاقية على غرار عملية هيلسنكي، في سبعينيات القرن المنصرم التي أدت إلى تخفيف حدة التوتر في أوروبا خلال الحرب الباردة، تستند في جوهرها على إبرام اتفاقية عدم اعتداء بين دول الجوار” ضمنها منح طهران ضمانات بعدم تعرضها للهجوم” (صحيفة “فايننشال تايمز”، 15 أيار/مايو 2026).

  1. 1. تجربة حلف شمال الأطلسي بوصفها نموذجاً مصغراً لما قد تواجهه المنظومة الخليجية

خلال ولاية ترامب الأولى بين عامي 2017 و2021، لم يكتف الرئيس الأميركي السابق بإبداء امتعاضه من مستويات الإنفاق الدفاعي الأوروبي، بل صاغ موقفاً سياسياً متكاملاً يقوم على ربط الالتزام الأمني الأميركي بالكلفة المباشرة التي يتحملها الحلفاء.

وقد تُرجم ذلك في تهديدات علنية ومتكررة بالانسحاب من حلف شمال الأطلسي أو تقليص المساهمة الأميركية فيه إذا لم ترفع الدول الأوروبية إنفاقها الدفاعي إلى سقف 2% من ناتجها المحلي الإجمالي.

لم تكن هذه التصريحات مجرد أدوات تفاوضية عابرة، بل كانت تعبيراً عن تصور أعمق لمكانة الولايات المتحدة في العالم، تصور يرى أن التحالفات يجب أن تُقاس بمنطق العائد المباشر، لا بمنطق الالتزام الاستراتيجي طويل الأمد أو الرمزية الجيوسياسية الثابتة.

وفي هذا السياق، برز شعار «أميركا أولاً» لا باعتباره لازمة خطابية انتخابية فحسب، بل باعتباره إطاراً مرجعياً لإعادة ترتيب الأولويات الأميركية. فالحماية، وفق هذا المنظور، ليست حقاً مكتسباً للحلفاء، وليست التزاماً أخلاقياً أو سياسياً منفصلاً عن المنفعة، بل خدمة استراتيجية قابلة لإعادة التسعير أو المراجعة أو التخفيض.

ومن ثمّ، فإن الرسالة التي التقطها الأوروبيون من تجربة “الناتو” كانت واضحة: حتى التحالفات المؤسسية الصلبة يمكن أن تصبح موضوعاً للمساومة عندما تتغير الإدارة الأميركية أو تتبدل رؤيتها لكلفة الدور الدولي الأميركي.

ولا تقتصر دلالة هذه التجربة على الخطاب وحده، إذ إن قرار إدارة ترامب سحب آلاف الجنود الأميركيين من ألمانيا، مع التلويح بإجراءات مشابهة في دول أوروبية أخرى، أظهر أن إعادة التموضع العسكري ليست مجرد احتمال نظري. ومن منظور خليجي، فإن هذه السابقة يجب قراءتها بكثير من الجدية، لأنها تؤكد أن الركون إلى الوعود الأمنية الأميركية، مهما بدت ثابتة في لحظة معينة، يظل رهناً بحسابات البيت الأبيض والبنتاغون والبيئة السياسية الداخلية في الولايات المتحدة، لا بحاجات الشركاء الإقليميين وحدها.

والدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه خليجياً من هذه السابقة هو أن الالتزامات الأمنية الأميركية ليست أبدية ولا معصومة من التحول؛ فما يقدمه رئيس بوصفه تعهداً استراتيجياً قد يعيد رئيس آخر تعريفه أو يفرغه من مضمونه العملي.

كما أن الحماية الأميركية، حين تستمر، لا تكون مجانية سياسياً أو مالياً، بل ترتبط في العادة بطلبات متزايدة تتصل بصفقات السلاح، والتموضع السياسي، وتوفير الدعم اللوجستي والمالي في صراعات أوسع، وربما بفرض أجندات سياسية لا تنسجم بالضرورة مع أولويات دول الخليج نفسها. وإذا كان التهديد بالانسحاب قد طال “الناتو”، وهو التحالف الأهم في البنية الغربية، فإن افتراض استحالة تكرار سلوك مماثل تجاه الخليج يبدو افتراضاً يفتقر إلى الواقعية الاستراتيجية.

ثانياً: مقاربات ترامب الضاغطة تجاه دول الخليج ومعانيها الاستراتيجية

  1. منطق «الدفع مقابل الحماية» وإعادة تسعير الالتزام الأمني

أعاد ترامب مراراً صياغة العلاقة مع دول الخليج بمنطق تجاري شبه مباشر، يقوم على أن الوجود العسكري الأميركي في المنطقة يجب أن يقابله ثمن مرتفع تدفعه الدول الخليجية بوصفها دولاً «غنية» وقادرة على تمويل هذه الحماية.

وتكشف هذه المقاربة عن تحول جوهري في فهم التحالف: فبدلاً من اعتباره شراكة أمنية تقوم على تداخل المصالح الاستراتيجية بعيدة المدى، جرى التعامل معه كترتيب تعاقدي قابل للتعديل وفقاً لحجم المساهمة المالية المطلوبة. وخطورة هذا المنطق أنه لا يكتفي بزيادة الكلفة الاقتصادية للحماية، بل يجعل استمراريتها نفسها مرتبطة بتقدير سياسي متقلب حول ما إذا كان المقابل المدفوع كافياً أو لا.

  1. الحماية المشروطة سياسياً وإشكالية المقايضة الجيوسياسية

لا تنفصل المقاربة المالية عن بعد سياسي أشد تعقيداً، يتمثل في قابلية الحماية الأميركية للتحول إلى أداة لفرض مقايضات إقليمية كبرى. فحين ترتبط استمرارية الغطاء الأمني بقبول ترتيبات سياسية محددة، أو بالانخراط في مشاريع إعادة هندسة إقليمية لا تحظى بإجماع داخلي خليجي، مثل التطبيع مع الكيان الإسرائيلي، تصبح الحماية نفسها مدخلاً لإعادة تشكيل القرار السيادي للدول المعنية. ومن هنا، تبرز إشكالية «الحماية المشروطة»، حيث لا يكون التهديد الحقيقي فقط في احتمال الانسحاب الأميركي، بل كذلك في استمرار الحماية بصيغة تجعلها وسيلة ضغط سياسي دائم.

  1. 3. حدود الاستعداد الأميركي للتورط العسكري المباشر

أما البعد الثالث فيتمثل في أن فلسفة «أميركا أولاً» تقود، عملياً، إلى تقليص الرغبة في الانخراط البري أو المباشر في نزاعات الشرق الأوسط، حتى حين تمس مصالح حلفاء مقربين. وهذا يعني أن أقصى ما يمكن أن تقدمه واشنطن في بعض السيناريوهات هو الإسناد التسليحي والاستخباري وبيع منظومات الدفاع، لا تحمّل كلفة المواجهة الميدانية بنفسها. وبالنسبة إلى دول الخليج، فإن هذا الاحتمال بالغ الحساسية، لأنه يكشف الفجوة بين وجود قاعدة أو اتفاق أو منظومة سلاح، وبين الاستعداد السياسي الفعلي لاستخدام القوة لحماية الحلفاء عند لحظة الاختبار.

ثالثاً: حدود الحماية الأميركية في التطبيق العملي

تتجاوز الإشكالية هنا مجرد احتمال الانسحاب الأميركي في المستقبل، لتصل إلى سؤال أكثر جوهرية: هل نجحت الحماية الأميركية، حتى في ظل حضورها الكثيف، في إنتاج أمن فعلي ومستقر لدول الخليج؟ إن مناقشة هذا السؤال تكتسب أهمية خاصة، لأن فشل الحماية وهي قائمة فعلاً يضعف، من الناحية المنطقية، صلاحية الافتراض القائل بإمكان الاعتماد عليها بوصفها ضمانة استراتيجية كافية في المدى الطويل.

لقد أظهرت أزمات السنوات الأخيرة أن الحضور العسكري الأميركي لا يعني، بالضرورة، توفير مظلة مانعة للاختراق أو كفيلة بحماية السيادة الخليجية من كل أشكال التهديد.

فوجود القواعد العسكرية لم يمنع وقوع اختراقات أو هجمات أو تحولات ميدانية أثبتت أن الردع القائم ليس مطلقاً، وأن واشنطن قد تعيد تموضع أصولها عند ذروة الخطر بما يراعي سلامة قواتها أولاً، حتى لو ترك الحلفاء في وضع أكثر هشاشة.

كما أن امتلاك منظومات متطورة مثل «باتريوت» و«ثاد» لم يحُل دون نجاح هجمات بطائرات مسيّرة أو صواريخ في إصابة أهداف حيوية، الأمر الذي يكشف أن الحماية القائمة جزئية، وانتقائية، ومشروطة بطبيعة التهديد وبحدود الاستعداد الأميركي للمخاطرة. ومن ثمّ، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط ماذا لو انسحبت الولايات المتحدة، بل أيضاً: ما قيمة حماية لا تستطيع أن تتحول إلى ضمان أكيد حين تتسارع الأزمات؟

رابعاً: البدائل الاستراتيجية المتاحة أمام دول الخليج

إذا كان النموذج التقليدي القائم على الاعتماد شبه الحصري على المظلة الأميركية قد دخل طوراً من التآكل أو عدم اليقين، فإن المطلوب ليس مجرد إعلان الرغبة في الاستقلال الاستراتيجي، بل بلورة مسارات واقعية ومتدرجة يمكن أن تشكل أساساً لنظام أمني أكثر توازناً. والبدائل المطروحة هنا لا تُفهم بوصفها وصفات جاهزة أو خيارات متساوية في الجدوى، بل بوصفها اتجاهات عمل محتملة تتفاوت في كلفتها وواقعيتها وأفقها الزمني.

  1. البديل الأول: التكامل الدفاعي الخليجي بوصفه مساراً لبناء قدرة ذاتية

يقوم هذا البديل على فكرة جوهرية مفادها أن معالجة الهشاشة الأمنية الخليجية لا تكون فقط عبر استبدال الحامي الخارجي بحامٍ آخر، بل عبر رفع مستوى القدرة الذاتية داخل الإقليم نفسه. وفي هذا السياق، يبرز خيار التكامل الدفاعي الخليجي باعتباره خطوة تأسيسية لا غنى عنها، تبدأ بإنشاء منظومة موحدة للدفاع الجوي والإنذار المبكر بدلاً من التشتت الحالي الذي يجعل كل دولة تعمل بمنظومات منفصلة مرتفعة الكلفة ومحدودة الكفاءة عند مواجهة التهديدات المركبة.

كما يشمل هذا المسار تطوير هياكل قيادة وتخطيط عملياتي مشتركة تسمح بتوزيع الأدوار وتقليل الازدواجية وتعزيز سرعة الاستجابة، إضافة إلى الاستثمار التدريجي في قاعدة صناعية دفاعية خليجية مشتركة تقلل الاعتماد على المورد الأجنبي وتمنح الدول المعنية هامشاً أوسع من الاستقلال في الصيانة والإمداد والتطوير. غير أن هذا البديل، على أهميته، يصطدم بعقبات سياسية وسيادية معروفة، من بينها تفاوت أولويات الدول، وحساسية القرار العسكري المشترك، وضعف التقاليد المؤسساتية التكاملية. ومع ذلك، فإن صعوبة هذا المسار لا تعني استحالته، بل تؤكد أن نجاحه يتطلب إرادة سياسية متراكمة، وتعريفاً أوضح للتهديدات المشتركة، ومقاربة تدريجية تبدأ بالوظائف الأقل حساسية قبل الانتقال إلى المستويات الأعلى من التكامل.

  1. 2. البديل الثاني: تنويع الشراكات الخارجية وتخفيف الاعتماد الأحادي

ينطلق هذا البديل من مسلمة استراتيجية بسيطة مفادها أن الاعتماد على حليف واحد، مهما بلغت قوته، يضاعف حجم المخاطر عندما تتغير أولويات ذلك الحليف أو تتراجع إرادته السياسية. لذلك، يصبح تنويع الشراكات الدفاعية والدبلوماسية خياراً عقلانياً يهدف إلى بناء «شبكة أمان متعددة» بدلاً من الارتهان لمصدر واحد للحماية والتسليح والدعم السياسي.

ويمكن لدول الخليج، ضمن هذا الإطار، أن توسع مجالات التعاون مع قوى دولية وإقليمية مختلفة، بحيث تستفيد من مزايا كل طرف في مجاله النوعي، سواء في التكنولوجيا العسكرية، أو منظومات الدفاع الجوي، أو الطائرات المسيّرة، أو التدريب، أو التغطية الدبلوماسية في المحافل الدولية.

إلا أن أهمية هذا البديل لا تكمن في مجرد تعدد المزودين أو الشركاء، بل في خلق توازن تفاوضي يحسن موقع دول الخليج نفسها، ويجعلها أقل عرضة للابتزاز السياسي، وأكثر قدرة على المناورة بين المصالح الكبرى. ومع ذلك، يجب التنبه إلى أن تنويع التحالفات لا يعني بالضرورة سهولة الجمع بين قوى متنافسة، إذ قد يفتح الباب لتعارضات تقنية وسياسية واستراتيجية تتطلب إدارة دقيقة حتى لا يتحول التنويع إلى مصدر جديد للانقسام أو التبعية المركبة.

  1. البديل الثالث: الانخراط الجاد مع إيران بوصفه المسار الأطول والأكثر استدامة

على الرغم من أن هذا المسار يبدو أبطأ من غيره، وربما أكثرها تعقيداً من حيث الشروط النفسية والسياسية، فإنه يظل الأكثر اتصالاً بمنطق الاستدامة الإقليمية وربما الضمان الأمني الحقيقي. فالعلاقات بين إيران ودول الخليج لا يمكن أن تبقى إلى ما لا نهاية رهينة الردع الخارجي أو إدارة الأزمات من بعد؛ إذ إن الجغرافيا تفرض نوعاً من التعايش الاستراتيجي بين ضفتي الخليج. ومن ثمّ فإن الانخراط الجاد مع إيران يجب أن لا يفهم بوصفه تنازلاً مجانياً أو تجاهلاً للخلافات العميقة، بل باعتباره محاولة لإعادة تنظيم هذه الخلافات داخل أطر قابلة للضبط والتفاوض.

ويمكن أن يبدأ هذا المسار من الملفات الأقل تصادمية، مثل التعاون الاقتصادي، والربط في مجالات الطاقة والنقل، والتنسيق في أمن الملاحة، ثم يتدرج نحو ترتيبات أوسع تشمل مبادئ عدم الاعتداء، واحترام السيادة، وآليات منع التصعيد، وتسوية النزاعات بالحوار.

وتزداد أهمية هذا البديل لأنه ينقل مركز الثقل من منطق الموازنة العسكرية المفتوحة إلى منطق إدارة الاعتماد المتبادل، وهو ما قد يخلق، على المدى الطويل، مصالح مشتركة تجعل كلفة الصدام أعلى من كلفة التسوية. ومع ذلك، فإن نجاح هذا المسار يظل مشروطاً بوجود إرادة سياسية متبادلة وخاصة في الجانب الخليجي، وباستعداد فعلي من الجانب الإيراني لمعالجة هواجس النفوذ والتدخل مهما كانت مبالغاتها، لا الاكتفاء بإعلانات عامة لا تغيّر شيئاً في البيئة الأمنية الفعلية.

  1. 4.  البديل الرابع: الردع الذاتي وحدوده العملية في السياق الخليجي

يطرح هذا البديل فكرة بناء قدرة ردع ذاتي مستقلة تقلل الحاجة إلى المظلات الخارجية، سواء عبر تطوير القدرات الصاروخية، أو تعزيز الوحدات الخاصة، أو الاستثمار في مجالات الحرب السيبرانية والرد غير المتماثل. ومن الناحية النظرية، تبدو هذه المقاربة منسجمة مع مفهوم الاستقلال الاستراتيجي، لأنها تمنح الدولة قدرة أكبر على فرض كلفة على الخصم المحتمل.

غير أن التطبيق الخليجي لهذا المسار يواجه إشكالات عميقة، ليس فقط بسبب كلفته المالية والتكنولوجية والسياسية، بل أيضاً لأن بناء أدوات ردع هجومية فعالة يتطلب درجة عالية من التنسيق العقائدي والعملياتي والمؤسساتي لا تبدو متحققة حتى الآن على المستوى الخليجي الجماعي، خاصة في ظل التوترات السعودية – الإماراتية. كما أن الانتقال إلى ردع هجومي قد يفتح الباب أمام سباق تسلح أكثر خطورة، ويزيد من احتمالات سوء التقدير والتصعيد، بدلاً من أن يحقق الاستقرار. ولذلك، يمكن النظر إلى هذا البديل بوصفه خياراً مكملاً أو احتياطياً في بعض المجالات، لا مساراً رئيسياً قابلاً لحمل العبء الكامل للأمن الإقليمي بمفرده.

 

خامساً: استخلاصات مرحلية حول مسارات الأمن الخليجي

تفضي المقاربة السابقة إلى خلاصة يصعب الالتفاف عليها: ما جرى داخل “الناتو” تحت ضغط خطاب الانسحاب والابتزاز المالي في عهد ترامب لا يخص أوروبا وحدها، بل يكشف حدود الركون إلى الضمانات الأميركية بوصفها أساساً نهائياً للأمن الخليجي.

وإذا كانت المظلة الأميركية قد بدت قاصرة حتى في لحظات حضورها الكثيف، فإن الاستمرار في التعامل معها كحل مكتمل لا يبدو سوى تأجيل لمشكلة أعمق. ومن هنا، تتوزع البدائل أمام دول الخليج على ثلاث دوائر متداخلة: دائرة عاجلة تقتضي رفع الكفاءة الدفاعية والتكامل الداخلي، ودائرة متوسطة تقوم على تنويع الشراكات وتقليص الارتهان الأحادي، ودائرة أبعد زمناً، ولكنها الأشد رسوخاً، تتمثل في بناء ثقة متدرجة مع إيران تمهيداً لصيغة أمن إقليمي أكثر استقلالاً.

والنتيجة الأهم أن الأمن، في النهاية، لا يُجلب بوصفه خدمة جاهزة، بل يُصاغ ببطء عبر توازن دقيق بين القدرة الذاتية، والتفاهم الإقليمي، وحسن إدارة العلاقات مع القوى الكبرى.

سادساً: أولوية المنظومة الأمنية الخليجية-الإيرانية في إعادة بناء التوازن الإقليمي

  1. إعادة ترتيب الأولويات: من الداخل إلى الخارج

تقوم الفكرة المحورية هنا على إعادة ترتيب سلّم الأولويات من الداخل إلى الخارج. فبدلاً من تصور الأمن الإقليمي بوصفه امتداداً مباشراً لإرادة القوى الكبرى، تنطلق هذه الرؤية من أن أي منظومة مستقرة لا بد أن تنبع، أولاً، من تفاهم خليجي-إيراني يخفف منسوب العداء ويعيد ضبط الصراع داخل حدود قابلة للإدارة، ثم يأتي دور القوى الخارجية بعد ذلك بوصفها أطرافاً مساندة أو عوامل توازن محدودة، لا مالكة لمفاتيح القرار الأمني في المنطقة.

وتنبع أهمية هذا المنظور من حقيقة جيوسياسية ثابتة: القوى الخارجية قد تنسحب أو تعيد التموضع أو تبدل أولوياتها، أما الجغرافيا فلا تغادر مكانها. ولهذا فإن تقليص احتمال الصدام بين إيران ودول الخليج، وتحويله من احتمال دائم إلى احتمال مستبعد، يظل جوهر أي أمن مستدام في الإقليم.

وتُعد هذه الأولوية قصوى لأن أي منظومة تُبنى من الخارج إلى الداخل تبقى رهينة موازين لا تتحكم بها دول الإقليم نفسها. أما حين يصبح الهدف هو جعل الحرب غير ذات جدوى، أو غير قابلة للتحول إلى خيار مقبول سياسياً، فإن التركيز ينتقل من مجرد كبح الخصم إلى إعادة صياغة البيئة التي تنتج الخصومة أصلاً. وعلى هذا الأساس، لا يكون الأمن الحقيقي في الخليج هو مجرد تجميد الصراع تحت مظلة أمريكية أو غيرها، بل بناء شروط تجعل التعايش المنظم والتنافس المضبوط أقل كلفة وأكثر عقلانية من المواجهة المفتوحة.

غير أن بناء مثل هذه المنظومة لا يخلو من تحديات عملية عميقة. فأزمة الثقة المتراكمة عبر عقود من التنافس والتدخلات المتبادلة تجعل الانتقال المباشر إلى ترتيبات أمنية شاملة أمراً صعباً، وهو ما يفرض اعتماد تدرج محسوب يبدأ بملفات أقل حساسية، مثل الأمن البحري، والتجارة، وإدارة الكوارث، ثم ينتقل لاحقاً إلى الملفات الأكثر تعقيداً.

كما أن مسألة النفوذ الإقليمي وما يرتبط بها من قراءات متباينة لدور كل طرف في محيطه العربي والإسلامي تمثل عقبة أساسية لا يمكن تجاوزها إلا عبر تفاهمات واضحة حول عدم التدخل واحترام السيادة. يضاف إلى ذلك أن القوى الخارجية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، قد لا تنظر بارتياح إلى ترتيبات تقلص احتكارها للدور الأمني؛ الأمر الذي يجعل الحكمة السياسية تقتضي تقديم هذه المنظومة، في مراحلها الأولى، بوصفها إطاراً مكملاً للاستقرار وخفض التصعيد، لا إعلاناً صدامياً عن إحلال طرف محل طرف آخر.

سابعاً: تنسيق المنظومة الإقليمية مع القوى الخارجية دون الارتهان لها

بعد تأسيس الحد الأدنى من التفاهمات الإقليمية، تأتي مرحلة التعزيز الخارجي التي لا تهدف إلى تسليم المنظومة الناشئة إلى قوى كبرى بديلة، بل إلى توفير أغطية دعم وتوازن وضمان محدودة تساعد على تثبيت الاستقرار.

والقاعدة هنا أن الوظيفة الأساسية للقوى الخارجية يجب أن تكون داعمة لا قيادية، ومساندة لا بديلة عن إرادة الأطراف المحلية. ومن هذه الزاوية يمكن التفكير في أدوار متفاوتة للصين وروسيا وباكستان ومصر، وربما تركيا أيضاً، كلٌّ بحسب طبيعة علاقاته وموقعه وأدوات تأثيره.

  1. الصين: شريك توازني وضامن اقتصادي-دبلوماسي محتمل

تبدو الصين، من بين القوى الكبرى، الأكثر قابلية للاضطلاع بدور توازني في هذه المعادلة، بحكم احتفاظها بعلاقات عملية مع كل من إيران ودول الخليج في آن واحد، وبحكم أن مقاربتها للمنطقة ظلت، في معظمها، اقتصادية وبراغماتية أكثر منها أيديولوجية أو عسكرية مباشرة.

ويمكن لبكين أن تسهم في تثبيت المنظومة الإقليمية من خلال تقديم دعم دبلوماسي للاتفاقات، أو لعب دور الضامن السياسي لبعض التفاهمات، أو ربط الاستقرار الأمني بممرات التجارة والطاقة ومشروعات الحزام والطريق، بما يجعل الاستقرار الخليجي مصلحة صينية ملموسة لا مجرد شعار عام. غير أن هذا الدور يظل محدوداً ما لم تقرر الصين تحمّل كلفة سياسية أكبر في إدارة الأزمات، وهو أمر لم يتبلور بعد بصورة كاملة.

  1. روسيا: مصدر نفوذ سياسي وخيار موازن محدود

أما روسيا، فعلى الرغم من أنها أقل حياداً من الصين، فإنها تظل طرفاً يمتلك أوراق تأثير مهمة بحكم علاقتها الوثيقة بإيران، وعلاقاتها السياسية والطاقة مع عدد من الدول الخليجية.

ويمكن لموسكو أن تضطلع بدور داعم في مجالات محددة، مثل توفير غطاء دبلوماسي في المؤسسات الدولية، أو الإسهام في موازنة بعض الضغوط الغربية، أو تقديم خيارات تسليحية بديلة في بعض القطاعات. إلا أن حدود هذا الدور واضحة أيضاً، إذ إن انخراط روسيا في صراعات دولية أخرى، وطبيعة صورتها الاستقطابية لدى بعض الأطراف، يجعلانها أقل ملاءمة من الصين للعب دور الضامن المحايد، وأكثر اقتراباً من وظيفة الموازن السياسي أو المزود الانتقائي للأدوات.

  1. باكستان: وسيط محتمل ورافعة ردع غير مباشرة

تحتفظ باكستان بموقع خاص في أي تصور أمني خليجي موسع، نظراً إلى علاقاتها التقليدية المتينة مع عدد من دول الخليج، وفي الوقت نفسه احتفاظها بقنوات مع إيران بحكم الجوار الجغرافي والمصالح الأمنية المشتركة.

ومن هنا يمكن النظر إليها بوصفها طرفاً يصلح لوظائف متعددة: وسيطاً عند الحاجة، وشريكاً في التدريب والتأهيل العسكري، وعنصراً يضيف إلى معادلة الردع بعداً غير مباشر بحكم مكانتها العسكرية والنووية. ومع ذلك، ينبغي تجنب المبالغة في توقع ما يمكن أن تقدمه إسلام آباد، لأن مصالحها الداخلية والإقليمية المعقدة تجعلها حذرة من الانخراط في ترتيبات قد تدفعها إلى مواجهة مفتوحة مع أي من أطراف الإقليم.

  1. مصر: عنصر توازن عربي ومصلحة مباشرة في الاستقرار الخليجي

أما مصر، فتمثل في هذا التصور عاملاً عربياً مهماً في معادلة قد تضم أطرافاً غير عربية ذات تأثير متزايد، مثل إيران وتركيا وباكستان. وتنبع أهمية القاهرة من امتلاكها ثقلاً سكانياً وعسكرياً وسياسياً، ومن وجود ترابط اقتصادي وبشري واسع بينها وبين دول الخليج، بما يجعل استقرار الخليج جزءاً من مصلحتها الوطنية المباشرة. ويمكن أن يؤدي الدور المصري وظيفة توازنية وسياسية أكثر من كونه وظيفة ضامنة حصرية، بما يتيح إضفاء بعد عربي أوسع على الترتيبات الإقليمية المقترحة.

وفي هذا الإطار، لا يكون المقصود إلغاء العلاقات القائمة مع القوى الدولية الفاعلة، بل إعادة ضبطها بحيث لا تتحول إلى مركز المنظومة الأمنية أو إلى مرجعية وحيدة لاتخاذ القرار الاستراتيجي.

فالعلاقة مع الولايات المتحدة، مثلاً، يمكن أن تستمر في مجالات محددة ومقننة تخدم الاستقرار وأمن الطاقة والتعاون التقني، من دون أن تستبقي منطق التبعية الكاملة. أما بقية الفاعلين الخارجيين، فينبغي النظر إلى أدوارهم من زاوية مساهمتهم في خفض التوتر ودعم التوازن، لا من زاوية استدعائهم لإدارة صراعات الإقليم أو إعادة إنتاجها.

ثامناً: ما الذي تكشفه هذه القراءة لمستقبل الأمن الخليجي؟

مستقبل الأمن الخليجي لا يمكن أن يُبنى على خيار واحد أحادي، سواء تمثل ذلك في استمرار المظلة الأميركية بصورتها التقليدية أو في مجرد الرهان على تنويع الشركاء الخارجيين.

فالمسار الأكثر قابلية للاستمرار يبدو قائماً على تركيب بين ثلاثة مستويات متداخلة: أولهما رفع القدرة الذاتية عبر التكامل الدفاعي والمؤسسي الخليجي؛ وثانيهما بناء مسار متدرج لخفض التوتر مع إيران على قاعدة المصالح المتبادلة وضبط الخلافات؛ وثالثهما الإبقاء على العلاقات مع القوى الكبرى ضمن إطار الدعم والتوازن لا ضمن منطق التبعية الحصرية.

وبهذا المعنى، لا تقود هذه القراءة إلى توصية تقنية بعينها بقدر ما تشير إلى تحول أعمق في تصور الأمن نفسه: من سلعة تُستورد من الخارج إلى بنية تُنتج تدريجياً داخل الإقليم.

تاسعاً: بين التدرج والانتكاس: المسارات المحتملة للأمن الخليجي

إذا ما نُظر إلى المشهد من زاوية التطور المحتمل، أمكن القول إن المنطقة تقف بين ثلاثة مسارات رئيسية. المسار الأول هو استمرار الوضع القائم مع بعض التعديلات المحدودة، بحيث يبقى الاعتماد الأساسي على الولايات المتحدة قائماً مع هامش بسيط من التنويع والتنسيق الخليجي الداخلي، وهو مسار قد يوفر قدراً من الاستقرار المؤقت لكنه لا يعالج الخلل البنيوي في منظومة الأمن.

أما المسار الثاني، وهو الأكثر اتزاناً، فيقوم على التدرج في بناء توازن جديد يرفع منسوب التكامل الخليجي، ويفتح قنوات عملية لخفض التصعيد مع إيران، ويعيد تعريف دور القوى الخارجية بوصفها عوامل دعم لا مراكز قرار. في المقابل، يبقى المسار الثالث، أي مسار الانتكاس، وارداً إذا فشلت جهود بناء الثقة وتصاعدت المنافسة الإقليمية، بما يعيد إنتاج سباق التسلح والتبعية الأمنية الخارجية في صورة أكثر كلفة وهشاشة.

عاشراً: لماذا يبدو هذا المسار صعباً رغم وجاهته؟

تكمن الصعوبة الأساسية في أن المسار الأكثر وجاهة من الناحية الاستراتيجية ليس دائماً هو الأسهل سياسياً. فضعف الثقة المتبادلة بين أطراف الإقليم، وتفاوت أولويات دول الخليج نفسها، واستمرار حساسيات النفوذ والتموضع، كلها عوامل تجعل الانتقال إلى ترتيبات أكثر استقلالاً أمراً بطيئاً ومركباً.

كما أن بعض القوى الخارجية قد تنظر بتحفظ إلى أي صيغة تقلص احتكارها للدور الأمني أو تحد من قدرتها على توظيف المخاوف الإقليمية.

ولهذا فإن بناء منظومة أكثر توازناً لا يمكن أن يتم بالقفز فوق الواقع، بل عبر تدرج محسوب يراكم المصالح المشتركة ويحوّل خفض التوتر من شعار دبلوماسي إلى مصلحة عملية ملموسة.

خاتمة 

إن المعضلة الكبرى أمام دول الخليج لا تكمن في العثور على حامٍ خارجي جديد، بقدر ما تكمن في إعادة تخيل البيئة الأمنية المحيطة بها على أسس أكثر استقلالاً وواقعية.

فالجوار مع إيران حقيقة جغرافية وسياسية ثابتة، في حين أن التزامات القوى الكبرى تظل، مهما بدت راسخة، عرضة للتبدل تبعاً لتحولات الداخل وحسابات الكلفة والعائد.

ومن ثمّ، فإن بناء منظومة أمن إقليمي تشمل إيران ودول الخليج، ولو عبر مسار بطيء ومتدرج، يبدو أقل الخيارات صخباً لكنه أكثرها معقولية وضماناً على المدى الطويل. ولا يلغي ذلك أهمية بقية البدائل، من التكامل الدفاعي الخليجي إلى تنويع الشراكات والاستفادة من أدوار القوى الأخرى، لكنه يعيد وضع هذه البدائل في مكانها الصحيح: أدوات إسناد وتعزيز، لا بدائل عن القاعدة الإقليمية نفسها.

ويقوم هذا الاستنتاج على ثلاث حقائق يصعب تجاوزها: أولها أن الجيران يظلون في الجغرافيا مهما تبدلت خرائط التحالف، وثانيها أن الأمن المستورد يظل هشاً لأنه معقود، في نهاية المطاف، على إرادة خارجية لا يمكن التحكم بها على نحو كامل، وثالثها أن الإقامة الطويلة في مناخ سباق التسلح والمواجهة المفتوحة تستنزف الموارد وتؤجل أولويات التنمية والاستقرار الاجتماعي. لذلك فإن القيمة الحقيقية لأي تصور أمني ناجح لا تُقاس بحجم السلاح وحده، بل بقدرته على نقل التنافس من حافة الصدام المفتوح إلى مجال تضبطه القواعد وتؤطره المؤسسات وتحكمه المصالح المتبادلة.

ومن الناحية التحليلية، تكشف هذه المساهمة أن المعضلة الأمنية الخليجية لا يمكن اختزالها في سؤال الردع العسكري وحده، لأن الأمن، في صورته المركبة، يرتبط أيضاً بأنماط إدراك التهديد، وبطبيعة التفاعلات الاقتصادية، وبموقع الفاعلين المحليين داخل البنية الإقليمية الأوسع. لذلك، فإن أي سياسة جادة تجاه مستقبل الخليج يجب أن تجمع بين ثلاثة مستويات متكاملة: مستوى ردعي يحد من الانكشاف، ومستوى دبلوماسي يخفف احتمالات التصعيد، ومستوى مؤسسي يؤسس لقواعد سلوك مستقرة بين الأطراف الرئيسية. ومن دون هذا التكامل، تبقى المنطقة معرضة لإعادة إنتاج الحلقة نفسها من التسلح والارتياب وإدارة الأزمات المؤقتة.

 

العراق واليمن في قلب المعادلة الخليجية لا على هامشها

من أوجه القصور المتكررة في كثير من النقاشات الإقليمية المتعلقة بأمن الخليج أنها تتعامل، ضمناً أو صراحة، مع العراق واليمن وكأنهما خارج المشهد الخليجي الفعلي، مع أن موقعهما الجغرافي والسياسي وتأثير ما يجري فيهما يجعلان هذا الاستبعاد قاصراً تحليلياً واستراتيجياً. فبناء منظومة أمن إقليمي بين إيران ودول مجلس التعاون، من دون تصور واضح لموقع العراق واليمن فيها أو على أطرافها، يبقى مشروعاً ناقصاً، لأن البلدين يمثلان ساحتين مركزيتين لاختبار نجاح أو فشل أي ترتيبات جديدة.

وفي الحالة اليمنية، يتطلب الدمج الفعلي في أي تصور أمني إقليمي دعم مسار سياسي شامل يفضي إلى وقف مستدام لإطلاق النار، وصيغة داخلية أكثر توازناً من حيث المشاركة والاستقرار والوحدة. كما أن إدراج اليمن في المعادلة ينبغي ألا يقتصر على البعد الأمني الضيق، بل يجب أن يقترن بخطط لإعادة الإعمار وربط الموانئ اليمنية بالاقتصاد الخليجي وتطوير مشاريع طاقة ونقل مشتركة، بما يحول اليمن من ساحة استنزاف إلى شريك في الاستقرار الإقليمي.

أما العراق، فيُفترض أن يُنظر إليه لا كساحة تجاذب بين المحاور، بل بوصفه جسراً جيوسياسياً قادراً، إذا تعزز استقراره الداخلي، على الربط بين الخليج وإيران وتركيا وبلاد الشام. ومن هذا المنظور، فإن دعم استقرار العراق وتوسيع مشروعات الربط الكهربائي والاستثمار الخليجي في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والممرات التجارية يمكن أن يمنحه دوراً بنّاءً داخل أي منظومة إقليمية ناشئة.

وربما يكون من المناسب، في مرحلة لاحقة، تطوير منتدى أمني إقليمي أوسع يشكل إطاراً للحوار والتشاور ويساعد على تهيئة شروط الدمج التدريجي لكل من العراق واليمن ضمن مقاربة متعددة المسارات قائمة على المصالح المشتركة والواقعية السياسية.

2026-05-20-التقرير الأسبوعي

ينشر بالتعاون مع “الميادين”

الأمن الخليجي بعد تراجع اليقين الأميركي:
في الحاجة إلى أفق إقليمي جديد مع إيران

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

لم يعد الحديث عن أمن الخليج يدور، كما في السابق، حول سؤال تقني ضيق يتعلق بمن يملك أدوات الحماية أو من يتكفل بكلفتها، بل بات يرتبط بسؤال أعمق وأشد تركيباً: أي بنية إقليمية يمكن أن تنتج استقراراً أقل هشاشة في زمن تتبدل فيه أولويات القوى الكبرى وتتراجع فيه يقينيات التحالفات التقليدية.

ومن هذا المنظور، لا تبدو تجربة إدارة دونالد ترامب مجرد عارض أميركي عابر، بل تكشف عن ميل أوسع في السياسة الدولية إلى إخضاع الالتزامات الأمنية لمنطق المراجعة وإعادة التسعير والضغط. لذلك، فإن التفكير في مستقبل الخليج لم يعد يحتمل الاكتفاء بمنطق الحماية المستوردة، بل يقتضي الانتقال إلى تصور أكثر نضجاً يوازن بين القدرة الذاتية، والتفاهمات الإقليمية، والعلاقات الخارجية التي تضبطها المصلحة المتبادلة لا التبعية المزمنة.

تداعيات الحرب على إيران وانكشاف حدود القوة الأميركية بدأت مفاعيلها تبرز إلى السطح ملحقة الضرر بالتخطيط الاستراتيجي الأميركي طويل الأمد. بداية، دعا الأمين العام السابق لحلف “الناتو”، آندرس فوغ راسموسن، دول الحلف إلى الابتعاد عن “الحماية” الأميركية وتشكيل تحالف جديد قادر على مواجهة الولايات المتحدة (12 أيار / مايو 2026: مؤتمر “قمة كوبنهاغن للديمقراطية” الذي يترأسه).

استشعر راسموسن المأزق الأميركي في عهد الرئيس ترامب الذي “تخلى عن الدور القيادي، ولذلك نحن بحاجة إلى قائد جديد للعالم الحر”؛ لمواجهة ما سمّاه الضغوط الاقتصادية من دول مثل الصين وربما الولايات المتحدة” على دول الحلف الأوروبية.

أولاً: لماذا تشكل تجربة “الناتو” في عهد ترامب إنذاراً استراتيجياً لدول الخليج؟

تكمن أهمية استدعاء تجربة “الناتو” هنا في أنها تكشف، بكثافة نادرة، طبيعة السلوك الأميركي حين يُعاد النظر في معنى التحالف نفسه. فإذا كان حلفٌ بحجم “الناتو”، بما يختزنه من تاريخ ومؤسسية وعمق استراتيجي، قد وجد نفسه في مواجهة تهديدات علنية تمس جوهر الالتزام الأميركي، فإن الكيانات الأمنية الأقل تماسكاً والأشد اعتماداً، كما في الحالة الخليجية، تبدو أكثر انكشافاً على التقلبات ذاتها، وربما على نحو أكثر حدة أيضاً.

وأيّدت عدة عواصم أوروبية فكرة قالت إنها ناقشتها مع الرياض “لإعادة النظر في تحالفاتها الأمنية” ونسج اتفاقية على غرار عملية هيلسنكي، في سبعينيات القرن المنصرم التي أدت إلى تخفيف حدة التوتر في أوروبا خلال الحرب الباردة، تستند في جوهرها على إبرام اتفاقية عدم اعتداء بين دول الجوار” ضمنها منح طهران ضمانات بعدم تعرضها للهجوم” (صحيفة “فايننشال تايمز”، 15 أيار/مايو 2026).

  1. 1. تجربة حلف شمال الأطلسي بوصفها نموذجاً مصغراً لما قد تواجهه المنظومة الخليجية

خلال ولاية ترامب الأولى بين عامي 2017 و2021، لم يكتف الرئيس الأميركي السابق بإبداء امتعاضه من مستويات الإنفاق الدفاعي الأوروبي، بل صاغ موقفاً سياسياً متكاملاً يقوم على ربط الالتزام الأمني الأميركي بالكلفة المباشرة التي يتحملها الحلفاء.

وقد تُرجم ذلك في تهديدات علنية ومتكررة بالانسحاب من حلف شمال الأطلسي أو تقليص المساهمة الأميركية فيه إذا لم ترفع الدول الأوروبية إنفاقها الدفاعي إلى سقف 2% من ناتجها المحلي الإجمالي.

لم تكن هذه التصريحات مجرد أدوات تفاوضية عابرة، بل كانت تعبيراً عن تصور أعمق لمكانة الولايات المتحدة في العالم، تصور يرى أن التحالفات يجب أن تُقاس بمنطق العائد المباشر، لا بمنطق الالتزام الاستراتيجي طويل الأمد أو الرمزية الجيوسياسية الثابتة.

وفي هذا السياق، برز شعار «أميركا أولاً» لا باعتباره لازمة خطابية انتخابية فحسب، بل باعتباره إطاراً مرجعياً لإعادة ترتيب الأولويات الأميركية. فالحماية، وفق هذا المنظور، ليست حقاً مكتسباً للحلفاء، وليست التزاماً أخلاقياً أو سياسياً منفصلاً عن المنفعة، بل خدمة استراتيجية قابلة لإعادة التسعير أو المراجعة أو التخفيض.

ومن ثمّ، فإن الرسالة التي التقطها الأوروبيون من تجربة “الناتو” كانت واضحة: حتى التحالفات المؤسسية الصلبة يمكن أن تصبح موضوعاً للمساومة عندما تتغير الإدارة الأميركية أو تتبدل رؤيتها لكلفة الدور الدولي الأميركي.

ولا تقتصر دلالة هذه التجربة على الخطاب وحده، إذ إن قرار إدارة ترامب سحب آلاف الجنود الأميركيين من ألمانيا، مع التلويح بإجراءات مشابهة في دول أوروبية أخرى، أظهر أن إعادة التموضع العسكري ليست مجرد احتمال نظري. ومن منظور خليجي، فإن هذه السابقة يجب قراءتها بكثير من الجدية، لأنها تؤكد أن الركون إلى الوعود الأمنية الأميركية، مهما بدت ثابتة في لحظة معينة، يظل رهناً بحسابات البيت الأبيض والبنتاغون والبيئة السياسية الداخلية في الولايات المتحدة، لا بحاجات الشركاء الإقليميين وحدها.

والدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه خليجياً من هذه السابقة هو أن الالتزامات الأمنية الأميركية ليست أبدية ولا معصومة من التحول؛ فما يقدمه رئيس بوصفه تعهداً استراتيجياً قد يعيد رئيس آخر تعريفه أو يفرغه من مضمونه العملي.

كما أن الحماية الأميركية، حين تستمر، لا تكون مجانية سياسياً أو مالياً، بل ترتبط في العادة بطلبات متزايدة تتصل بصفقات السلاح، والتموضع السياسي، وتوفير الدعم اللوجستي والمالي في صراعات أوسع، وربما بفرض أجندات سياسية لا تنسجم بالضرورة مع أولويات دول الخليج نفسها. وإذا كان التهديد بالانسحاب قد طال “الناتو”، وهو التحالف الأهم في البنية الغربية، فإن افتراض استحالة تكرار سلوك مماثل تجاه الخليج يبدو افتراضاً يفتقر إلى الواقعية الاستراتيجية.

ثانياً: مقاربات ترامب الضاغطة تجاه دول الخليج ومعانيها الاستراتيجية

  1. منطق «الدفع مقابل الحماية» وإعادة تسعير الالتزام الأمني

أعاد ترامب مراراً صياغة العلاقة مع دول الخليج بمنطق تجاري شبه مباشر، يقوم على أن الوجود العسكري الأميركي في المنطقة يجب أن يقابله ثمن مرتفع تدفعه الدول الخليجية بوصفها دولاً «غنية» وقادرة على تمويل هذه الحماية.

وتكشف هذه المقاربة عن تحول جوهري في فهم التحالف: فبدلاً من اعتباره شراكة أمنية تقوم على تداخل المصالح الاستراتيجية بعيدة المدى، جرى التعامل معه كترتيب تعاقدي قابل للتعديل وفقاً لحجم المساهمة المالية المطلوبة. وخطورة هذا المنطق أنه لا يكتفي بزيادة الكلفة الاقتصادية للحماية، بل يجعل استمراريتها نفسها مرتبطة بتقدير سياسي متقلب حول ما إذا كان المقابل المدفوع كافياً أو لا.

  1. الحماية المشروطة سياسياً وإشكالية المقايضة الجيوسياسية

لا تنفصل المقاربة المالية عن بعد سياسي أشد تعقيداً، يتمثل في قابلية الحماية الأميركية للتحول إلى أداة لفرض مقايضات إقليمية كبرى. فحين ترتبط استمرارية الغطاء الأمني بقبول ترتيبات سياسية محددة، أو بالانخراط في مشاريع إعادة هندسة إقليمية لا تحظى بإجماع داخلي خليجي، مثل التطبيع مع الكيان الإسرائيلي، تصبح الحماية نفسها مدخلاً لإعادة تشكيل القرار السيادي للدول المعنية. ومن هنا، تبرز إشكالية «الحماية المشروطة»، حيث لا يكون التهديد الحقيقي فقط في احتمال الانسحاب الأميركي، بل كذلك في استمرار الحماية بصيغة تجعلها وسيلة ضغط سياسي دائم.

  1. 3. حدود الاستعداد الأميركي للتورط العسكري المباشر

أما البعد الثالث فيتمثل في أن فلسفة «أميركا أولاً» تقود، عملياً، إلى تقليص الرغبة في الانخراط البري أو المباشر في نزاعات الشرق الأوسط، حتى حين تمس مصالح حلفاء مقربين. وهذا يعني أن أقصى ما يمكن أن تقدمه واشنطن في بعض السيناريوهات هو الإسناد التسليحي والاستخباري وبيع منظومات الدفاع، لا تحمّل كلفة المواجهة الميدانية بنفسها. وبالنسبة إلى دول الخليج، فإن هذا الاحتمال بالغ الحساسية، لأنه يكشف الفجوة بين وجود قاعدة أو اتفاق أو منظومة سلاح، وبين الاستعداد السياسي الفعلي لاستخدام القوة لحماية الحلفاء عند لحظة الاختبار.

ثالثاً: حدود الحماية الأميركية في التطبيق العملي

تتجاوز الإشكالية هنا مجرد احتمال الانسحاب الأميركي في المستقبل، لتصل إلى سؤال أكثر جوهرية: هل نجحت الحماية الأميركية، حتى في ظل حضورها الكثيف، في إنتاج أمن فعلي ومستقر لدول الخليج؟ إن مناقشة هذا السؤال تكتسب أهمية خاصة، لأن فشل الحماية وهي قائمة فعلاً يضعف، من الناحية المنطقية، صلاحية الافتراض القائل بإمكان الاعتماد عليها بوصفها ضمانة استراتيجية كافية في المدى الطويل.

لقد أظهرت أزمات السنوات الأخيرة أن الحضور العسكري الأميركي لا يعني، بالضرورة، توفير مظلة مانعة للاختراق أو كفيلة بحماية السيادة الخليجية من كل أشكال التهديد.

فوجود القواعد العسكرية لم يمنع وقوع اختراقات أو هجمات أو تحولات ميدانية أثبتت أن الردع القائم ليس مطلقاً، وأن واشنطن قد تعيد تموضع أصولها عند ذروة الخطر بما يراعي سلامة قواتها أولاً، حتى لو ترك الحلفاء في وضع أكثر هشاشة.

كما أن امتلاك منظومات متطورة مثل «باتريوت» و«ثاد» لم يحُل دون نجاح هجمات بطائرات مسيّرة أو صواريخ في إصابة أهداف حيوية، الأمر الذي يكشف أن الحماية القائمة جزئية، وانتقائية، ومشروطة بطبيعة التهديد وبحدود الاستعداد الأميركي للمخاطرة. ومن ثمّ، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط ماذا لو انسحبت الولايات المتحدة، بل أيضاً: ما قيمة حماية لا تستطيع أن تتحول إلى ضمان أكيد حين تتسارع الأزمات؟

رابعاً: البدائل الاستراتيجية المتاحة أمام دول الخليج

إذا كان النموذج التقليدي القائم على الاعتماد شبه الحصري على المظلة الأميركية قد دخل طوراً من التآكل أو عدم اليقين، فإن المطلوب ليس مجرد إعلان الرغبة في الاستقلال الاستراتيجي، بل بلورة مسارات واقعية ومتدرجة يمكن أن تشكل أساساً لنظام أمني أكثر توازناً. والبدائل المطروحة هنا لا تُفهم بوصفها وصفات جاهزة أو خيارات متساوية في الجدوى، بل بوصفها اتجاهات عمل محتملة تتفاوت في كلفتها وواقعيتها وأفقها الزمني.

  1. البديل الأول: التكامل الدفاعي الخليجي بوصفه مساراً لبناء قدرة ذاتية

يقوم هذا البديل على فكرة جوهرية مفادها أن معالجة الهشاشة الأمنية الخليجية لا تكون فقط عبر استبدال الحامي الخارجي بحامٍ آخر، بل عبر رفع مستوى القدرة الذاتية داخل الإقليم نفسه. وفي هذا السياق، يبرز خيار التكامل الدفاعي الخليجي باعتباره خطوة تأسيسية لا غنى عنها، تبدأ بإنشاء منظومة موحدة للدفاع الجوي والإنذار المبكر بدلاً من التشتت الحالي الذي يجعل كل دولة تعمل بمنظومات منفصلة مرتفعة الكلفة ومحدودة الكفاءة عند مواجهة التهديدات المركبة.

كما يشمل هذا المسار تطوير هياكل قيادة وتخطيط عملياتي مشتركة تسمح بتوزيع الأدوار وتقليل الازدواجية وتعزيز سرعة الاستجابة، إضافة إلى الاستثمار التدريجي في قاعدة صناعية دفاعية خليجية مشتركة تقلل الاعتماد على المورد الأجنبي وتمنح الدول المعنية هامشاً أوسع من الاستقلال في الصيانة والإمداد والتطوير. غير أن هذا البديل، على أهميته، يصطدم بعقبات سياسية وسيادية معروفة، من بينها تفاوت أولويات الدول، وحساسية القرار العسكري المشترك، وضعف التقاليد المؤسساتية التكاملية. ومع ذلك، فإن صعوبة هذا المسار لا تعني استحالته، بل تؤكد أن نجاحه يتطلب إرادة سياسية متراكمة، وتعريفاً أوضح للتهديدات المشتركة، ومقاربة تدريجية تبدأ بالوظائف الأقل حساسية قبل الانتقال إلى المستويات الأعلى من التكامل.

  1. 2. البديل الثاني: تنويع الشراكات الخارجية وتخفيف الاعتماد الأحادي

ينطلق هذا البديل من مسلمة استراتيجية بسيطة مفادها أن الاعتماد على حليف واحد، مهما بلغت قوته، يضاعف حجم المخاطر عندما تتغير أولويات ذلك الحليف أو تتراجع إرادته السياسية. لذلك، يصبح تنويع الشراكات الدفاعية والدبلوماسية خياراً عقلانياً يهدف إلى بناء «شبكة أمان متعددة» بدلاً من الارتهان لمصدر واحد للحماية والتسليح والدعم السياسي.

ويمكن لدول الخليج، ضمن هذا الإطار، أن توسع مجالات التعاون مع قوى دولية وإقليمية مختلفة، بحيث تستفيد من مزايا كل طرف في مجاله النوعي، سواء في التكنولوجيا العسكرية، أو منظومات الدفاع الجوي، أو الطائرات المسيّرة، أو التدريب، أو التغطية الدبلوماسية في المحافل الدولية.

إلا أن أهمية هذا البديل لا تكمن في مجرد تعدد المزودين أو الشركاء، بل في خلق توازن تفاوضي يحسن موقع دول الخليج نفسها، ويجعلها أقل عرضة للابتزاز السياسي، وأكثر قدرة على المناورة بين المصالح الكبرى. ومع ذلك، يجب التنبه إلى أن تنويع التحالفات لا يعني بالضرورة سهولة الجمع بين قوى متنافسة، إذ قد يفتح الباب لتعارضات تقنية وسياسية واستراتيجية تتطلب إدارة دقيقة حتى لا يتحول التنويع إلى مصدر جديد للانقسام أو التبعية المركبة.

  1. البديل الثالث: الانخراط الجاد مع إيران بوصفه المسار الأطول والأكثر استدامة

على الرغم من أن هذا المسار يبدو أبطأ من غيره، وربما أكثرها تعقيداً من حيث الشروط النفسية والسياسية، فإنه يظل الأكثر اتصالاً بمنطق الاستدامة الإقليمية وربما الضمان الأمني الحقيقي. فالعلاقات بين إيران ودول الخليج لا يمكن أن تبقى إلى ما لا نهاية رهينة الردع الخارجي أو إدارة الأزمات من بعد؛ إذ إن الجغرافيا تفرض نوعاً من التعايش الاستراتيجي بين ضفتي الخليج. ومن ثمّ فإن الانخراط الجاد مع إيران يجب أن لا يفهم بوصفه تنازلاً مجانياً أو تجاهلاً للخلافات العميقة، بل باعتباره محاولة لإعادة تنظيم هذه الخلافات داخل أطر قابلة للضبط والتفاوض.

ويمكن أن يبدأ هذا المسار من الملفات الأقل تصادمية، مثل التعاون الاقتصادي، والربط في مجالات الطاقة والنقل، والتنسيق في أمن الملاحة، ثم يتدرج نحو ترتيبات أوسع تشمل مبادئ عدم الاعتداء، واحترام السيادة، وآليات منع التصعيد، وتسوية النزاعات بالحوار.

وتزداد أهمية هذا البديل لأنه ينقل مركز الثقل من منطق الموازنة العسكرية المفتوحة إلى منطق إدارة الاعتماد المتبادل، وهو ما قد يخلق، على المدى الطويل، مصالح مشتركة تجعل كلفة الصدام أعلى من كلفة التسوية. ومع ذلك، فإن نجاح هذا المسار يظل مشروطاً بوجود إرادة سياسية متبادلة وخاصة في الجانب الخليجي، وباستعداد فعلي من الجانب الإيراني لمعالجة هواجس النفوذ والتدخل مهما كانت مبالغاتها، لا الاكتفاء بإعلانات عامة لا تغيّر شيئاً في البيئة الأمنية الفعلية.

  1. 4.  البديل الرابع: الردع الذاتي وحدوده العملية في السياق الخليجي

يطرح هذا البديل فكرة بناء قدرة ردع ذاتي مستقلة تقلل الحاجة إلى المظلات الخارجية، سواء عبر تطوير القدرات الصاروخية، أو تعزيز الوحدات الخاصة، أو الاستثمار في مجالات الحرب السيبرانية والرد غير المتماثل. ومن الناحية النظرية، تبدو هذه المقاربة منسجمة مع مفهوم الاستقلال الاستراتيجي، لأنها تمنح الدولة قدرة أكبر على فرض كلفة على الخصم المحتمل.

غير أن التطبيق الخليجي لهذا المسار يواجه إشكالات عميقة، ليس فقط بسبب كلفته المالية والتكنولوجية والسياسية، بل أيضاً لأن بناء أدوات ردع هجومية فعالة يتطلب درجة عالية من التنسيق العقائدي والعملياتي والمؤسساتي لا تبدو متحققة حتى الآن على المستوى الخليجي الجماعي، خاصة في ظل التوترات السعودية – الإماراتية. كما أن الانتقال إلى ردع هجومي قد يفتح الباب أمام سباق تسلح أكثر خطورة، ويزيد من احتمالات سوء التقدير والتصعيد، بدلاً من أن يحقق الاستقرار. ولذلك، يمكن النظر إلى هذا البديل بوصفه خياراً مكملاً أو احتياطياً في بعض المجالات، لا مساراً رئيسياً قابلاً لحمل العبء الكامل للأمن الإقليمي بمفرده.

 

خامساً: استخلاصات مرحلية حول مسارات الأمن الخليجي

تفضي المقاربة السابقة إلى خلاصة يصعب الالتفاف عليها: ما جرى داخل “الناتو” تحت ضغط خطاب الانسحاب والابتزاز المالي في عهد ترامب لا يخص أوروبا وحدها، بل يكشف حدود الركون إلى الضمانات الأميركية بوصفها أساساً نهائياً للأمن الخليجي.

وإذا كانت المظلة الأميركية قد بدت قاصرة حتى في لحظات حضورها الكثيف، فإن الاستمرار في التعامل معها كحل مكتمل لا يبدو سوى تأجيل لمشكلة أعمق. ومن هنا، تتوزع البدائل أمام دول الخليج على ثلاث دوائر متداخلة: دائرة عاجلة تقتضي رفع الكفاءة الدفاعية والتكامل الداخلي، ودائرة متوسطة تقوم على تنويع الشراكات وتقليص الارتهان الأحادي، ودائرة أبعد زمناً، ولكنها الأشد رسوخاً، تتمثل في بناء ثقة متدرجة مع إيران تمهيداً لصيغة أمن إقليمي أكثر استقلالاً.

والنتيجة الأهم أن الأمن، في النهاية، لا يُجلب بوصفه خدمة جاهزة، بل يُصاغ ببطء عبر توازن دقيق بين القدرة الذاتية، والتفاهم الإقليمي، وحسن إدارة العلاقات مع القوى الكبرى.

سادساً: أولوية المنظومة الأمنية الخليجية-الإيرانية في إعادة بناء التوازن الإقليمي

  1. إعادة ترتيب الأولويات: من الداخل إلى الخارج

تقوم الفكرة المحورية هنا على إعادة ترتيب سلّم الأولويات من الداخل إلى الخارج. فبدلاً من تصور الأمن الإقليمي بوصفه امتداداً مباشراً لإرادة القوى الكبرى، تنطلق هذه الرؤية من أن أي منظومة مستقرة لا بد أن تنبع، أولاً، من تفاهم خليجي-إيراني يخفف منسوب العداء ويعيد ضبط الصراع داخل حدود قابلة للإدارة، ثم يأتي دور القوى الخارجية بعد ذلك بوصفها أطرافاً مساندة أو عوامل توازن محدودة، لا مالكة لمفاتيح القرار الأمني في المنطقة.

وتنبع أهمية هذا المنظور من حقيقة جيوسياسية ثابتة: القوى الخارجية قد تنسحب أو تعيد التموضع أو تبدل أولوياتها، أما الجغرافيا فلا تغادر مكانها. ولهذا فإن تقليص احتمال الصدام بين إيران ودول الخليج، وتحويله من احتمال دائم إلى احتمال مستبعد، يظل جوهر أي أمن مستدام في الإقليم.

وتُعد هذه الأولوية قصوى لأن أي منظومة تُبنى من الخارج إلى الداخل تبقى رهينة موازين لا تتحكم بها دول الإقليم نفسها. أما حين يصبح الهدف هو جعل الحرب غير ذات جدوى، أو غير قابلة للتحول إلى خيار مقبول سياسياً، فإن التركيز ينتقل من مجرد كبح الخصم إلى إعادة صياغة البيئة التي تنتج الخصومة أصلاً. وعلى هذا الأساس، لا يكون الأمن الحقيقي في الخليج هو مجرد تجميد الصراع تحت مظلة أمريكية أو غيرها، بل بناء شروط تجعل التعايش المنظم والتنافس المضبوط أقل كلفة وأكثر عقلانية من المواجهة المفتوحة.

غير أن بناء مثل هذه المنظومة لا يخلو من تحديات عملية عميقة. فأزمة الثقة المتراكمة عبر عقود من التنافس والتدخلات المتبادلة تجعل الانتقال المباشر إلى ترتيبات أمنية شاملة أمراً صعباً، وهو ما يفرض اعتماد تدرج محسوب يبدأ بملفات أقل حساسية، مثل الأمن البحري، والتجارة، وإدارة الكوارث، ثم ينتقل لاحقاً إلى الملفات الأكثر تعقيداً.

كما أن مسألة النفوذ الإقليمي وما يرتبط بها من قراءات متباينة لدور كل طرف في محيطه العربي والإسلامي تمثل عقبة أساسية لا يمكن تجاوزها إلا عبر تفاهمات واضحة حول عدم التدخل واحترام السيادة. يضاف إلى ذلك أن القوى الخارجية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، قد لا تنظر بارتياح إلى ترتيبات تقلص احتكارها للدور الأمني؛ الأمر الذي يجعل الحكمة السياسية تقتضي تقديم هذه المنظومة، في مراحلها الأولى، بوصفها إطاراً مكملاً للاستقرار وخفض التصعيد، لا إعلاناً صدامياً عن إحلال طرف محل طرف آخر.

سابعاً: تنسيق المنظومة الإقليمية مع القوى الخارجية دون الارتهان لها

بعد تأسيس الحد الأدنى من التفاهمات الإقليمية، تأتي مرحلة التعزيز الخارجي التي لا تهدف إلى تسليم المنظومة الناشئة إلى قوى كبرى بديلة، بل إلى توفير أغطية دعم وتوازن وضمان محدودة تساعد على تثبيت الاستقرار.

والقاعدة هنا أن الوظيفة الأساسية للقوى الخارجية يجب أن تكون داعمة لا قيادية، ومساندة لا بديلة عن إرادة الأطراف المحلية. ومن هذه الزاوية يمكن التفكير في أدوار متفاوتة للصين وروسيا وباكستان ومصر، وربما تركيا أيضاً، كلٌّ بحسب طبيعة علاقاته وموقعه وأدوات تأثيره.

  1. الصين: شريك توازني وضامن اقتصادي-دبلوماسي محتمل

تبدو الصين، من بين القوى الكبرى، الأكثر قابلية للاضطلاع بدور توازني في هذه المعادلة، بحكم احتفاظها بعلاقات عملية مع كل من إيران ودول الخليج في آن واحد، وبحكم أن مقاربتها للمنطقة ظلت، في معظمها، اقتصادية وبراغماتية أكثر منها أيديولوجية أو عسكرية مباشرة.

ويمكن لبكين أن تسهم في تثبيت المنظومة الإقليمية من خلال تقديم دعم دبلوماسي للاتفاقات، أو لعب دور الضامن السياسي لبعض التفاهمات، أو ربط الاستقرار الأمني بممرات التجارة والطاقة ومشروعات الحزام والطريق، بما يجعل الاستقرار الخليجي مصلحة صينية ملموسة لا مجرد شعار عام. غير أن هذا الدور يظل محدوداً ما لم تقرر الصين تحمّل كلفة سياسية أكبر في إدارة الأزمات، وهو أمر لم يتبلور بعد بصورة كاملة.

  1. روسيا: مصدر نفوذ سياسي وخيار موازن محدود

أما روسيا، فعلى الرغم من أنها أقل حياداً من الصين، فإنها تظل طرفاً يمتلك أوراق تأثير مهمة بحكم علاقتها الوثيقة بإيران، وعلاقاتها السياسية والطاقة مع عدد من الدول الخليجية.

ويمكن لموسكو أن تضطلع بدور داعم في مجالات محددة، مثل توفير غطاء دبلوماسي في المؤسسات الدولية، أو الإسهام في موازنة بعض الضغوط الغربية، أو تقديم خيارات تسليحية بديلة في بعض القطاعات. إلا أن حدود هذا الدور واضحة أيضاً، إذ إن انخراط روسيا في صراعات دولية أخرى، وطبيعة صورتها الاستقطابية لدى بعض الأطراف، يجعلانها أقل ملاءمة من الصين للعب دور الضامن المحايد، وأكثر اقتراباً من وظيفة الموازن السياسي أو المزود الانتقائي للأدوات.

  1. باكستان: وسيط محتمل ورافعة ردع غير مباشرة

تحتفظ باكستان بموقع خاص في أي تصور أمني خليجي موسع، نظراً إلى علاقاتها التقليدية المتينة مع عدد من دول الخليج، وفي الوقت نفسه احتفاظها بقنوات مع إيران بحكم الجوار الجغرافي والمصالح الأمنية المشتركة.

ومن هنا يمكن النظر إليها بوصفها طرفاً يصلح لوظائف متعددة: وسيطاً عند الحاجة، وشريكاً في التدريب والتأهيل العسكري، وعنصراً يضيف إلى معادلة الردع بعداً غير مباشر بحكم مكانتها العسكرية والنووية. ومع ذلك، ينبغي تجنب المبالغة في توقع ما يمكن أن تقدمه إسلام آباد، لأن مصالحها الداخلية والإقليمية المعقدة تجعلها حذرة من الانخراط في ترتيبات قد تدفعها إلى مواجهة مفتوحة مع أي من أطراف الإقليم.

  1. مصر: عنصر توازن عربي ومصلحة مباشرة في الاستقرار الخليجي

أما مصر، فتمثل في هذا التصور عاملاً عربياً مهماً في معادلة قد تضم أطرافاً غير عربية ذات تأثير متزايد، مثل إيران وتركيا وباكستان. وتنبع أهمية القاهرة من امتلاكها ثقلاً سكانياً وعسكرياً وسياسياً، ومن وجود ترابط اقتصادي وبشري واسع بينها وبين دول الخليج، بما يجعل استقرار الخليج جزءاً من مصلحتها الوطنية المباشرة. ويمكن أن يؤدي الدور المصري وظيفة توازنية وسياسية أكثر من كونه وظيفة ضامنة حصرية، بما يتيح إضفاء بعد عربي أوسع على الترتيبات الإقليمية المقترحة.

وفي هذا الإطار، لا يكون المقصود إلغاء العلاقات القائمة مع القوى الدولية الفاعلة، بل إعادة ضبطها بحيث لا تتحول إلى مركز المنظومة الأمنية أو إلى مرجعية وحيدة لاتخاذ القرار الاستراتيجي.

فالعلاقة مع الولايات المتحدة، مثلاً، يمكن أن تستمر في مجالات محددة ومقننة تخدم الاستقرار وأمن الطاقة والتعاون التقني، من دون أن تستبقي منطق التبعية الكاملة. أما بقية الفاعلين الخارجيين، فينبغي النظر إلى أدوارهم من زاوية مساهمتهم في خفض التوتر ودعم التوازن، لا من زاوية استدعائهم لإدارة صراعات الإقليم أو إعادة إنتاجها.

ثامناً: ما الذي تكشفه هذه القراءة لمستقبل الأمن الخليجي؟

مستقبل الأمن الخليجي لا يمكن أن يُبنى على خيار واحد أحادي، سواء تمثل ذلك في استمرار المظلة الأميركية بصورتها التقليدية أو في مجرد الرهان على تنويع الشركاء الخارجيين.

فالمسار الأكثر قابلية للاستمرار يبدو قائماً على تركيب بين ثلاثة مستويات متداخلة: أولهما رفع القدرة الذاتية عبر التكامل الدفاعي والمؤسسي الخليجي؛ وثانيهما بناء مسار متدرج لخفض التوتر مع إيران على قاعدة المصالح المتبادلة وضبط الخلافات؛ وثالثهما الإبقاء على العلاقات مع القوى الكبرى ضمن إطار الدعم والتوازن لا ضمن منطق التبعية الحصرية.

وبهذا المعنى، لا تقود هذه القراءة إلى توصية تقنية بعينها بقدر ما تشير إلى تحول أعمق في تصور الأمن نفسه: من سلعة تُستورد من الخارج إلى بنية تُنتج تدريجياً داخل الإقليم.

تاسعاً: بين التدرج والانتكاس: المسارات المحتملة للأمن الخليجي

إذا ما نُظر إلى المشهد من زاوية التطور المحتمل، أمكن القول إن المنطقة تقف بين ثلاثة مسارات رئيسية. المسار الأول هو استمرار الوضع القائم مع بعض التعديلات المحدودة، بحيث يبقى الاعتماد الأساسي على الولايات المتحدة قائماً مع هامش بسيط من التنويع والتنسيق الخليجي الداخلي، وهو مسار قد يوفر قدراً من الاستقرار المؤقت لكنه لا يعالج الخلل البنيوي في منظومة الأمن.

أما المسار الثاني، وهو الأكثر اتزاناً، فيقوم على التدرج في بناء توازن جديد يرفع منسوب التكامل الخليجي، ويفتح قنوات عملية لخفض التصعيد مع إيران، ويعيد تعريف دور القوى الخارجية بوصفها عوامل دعم لا مراكز قرار. في المقابل، يبقى المسار الثالث، أي مسار الانتكاس، وارداً إذا فشلت جهود بناء الثقة وتصاعدت المنافسة الإقليمية، بما يعيد إنتاج سباق التسلح والتبعية الأمنية الخارجية في صورة أكثر كلفة وهشاشة.

عاشراً: لماذا يبدو هذا المسار صعباً رغم وجاهته؟

تكمن الصعوبة الأساسية في أن المسار الأكثر وجاهة من الناحية الاستراتيجية ليس دائماً هو الأسهل سياسياً. فضعف الثقة المتبادلة بين أطراف الإقليم، وتفاوت أولويات دول الخليج نفسها، واستمرار حساسيات النفوذ والتموضع، كلها عوامل تجعل الانتقال إلى ترتيبات أكثر استقلالاً أمراً بطيئاً ومركباً.

كما أن بعض القوى الخارجية قد تنظر بتحفظ إلى أي صيغة تقلص احتكارها للدور الأمني أو تحد من قدرتها على توظيف المخاوف الإقليمية.

ولهذا فإن بناء منظومة أكثر توازناً لا يمكن أن يتم بالقفز فوق الواقع، بل عبر تدرج محسوب يراكم المصالح المشتركة ويحوّل خفض التوتر من شعار دبلوماسي إلى مصلحة عملية ملموسة.

خاتمة 

إن المعضلة الكبرى أمام دول الخليج لا تكمن في العثور على حامٍ خارجي جديد، بقدر ما تكمن في إعادة تخيل البيئة الأمنية المحيطة بها على أسس أكثر استقلالاً وواقعية.

فالجوار مع إيران حقيقة جغرافية وسياسية ثابتة، في حين أن التزامات القوى الكبرى تظل، مهما بدت راسخة، عرضة للتبدل تبعاً لتحولات الداخل وحسابات الكلفة والعائد.

ومن ثمّ، فإن بناء منظومة أمن إقليمي تشمل إيران ودول الخليج، ولو عبر مسار بطيء ومتدرج، يبدو أقل الخيارات صخباً لكنه أكثرها معقولية وضماناً على المدى الطويل. ولا يلغي ذلك أهمية بقية البدائل، من التكامل الدفاعي الخليجي إلى تنويع الشراكات والاستفادة من أدوار القوى الأخرى، لكنه يعيد وضع هذه البدائل في مكانها الصحيح: أدوات إسناد وتعزيز، لا بدائل عن القاعدة الإقليمية نفسها.

ويقوم هذا الاستنتاج على ثلاث حقائق يصعب تجاوزها: أولها أن الجيران يظلون في الجغرافيا مهما تبدلت خرائط التحالف، وثانيها أن الأمن المستورد يظل هشاً لأنه معقود، في نهاية المطاف، على إرادة خارجية لا يمكن التحكم بها على نحو كامل، وثالثها أن الإقامة الطويلة في مناخ سباق التسلح والمواجهة المفتوحة تستنزف الموارد وتؤجل أولويات التنمية والاستقرار الاجتماعي. لذلك فإن القيمة الحقيقية لأي تصور أمني ناجح لا تُقاس بحجم السلاح وحده، بل بقدرته على نقل التنافس من حافة الصدام المفتوح إلى مجال تضبطه القواعد وتؤطره المؤسسات وتحكمه المصالح المتبادلة.

ومن الناحية التحليلية، تكشف هذه المساهمة أن المعضلة الأمنية الخليجية لا يمكن اختزالها في سؤال الردع العسكري وحده، لأن الأمن، في صورته المركبة، يرتبط أيضاً بأنماط إدراك التهديد، وبطبيعة التفاعلات الاقتصادية، وبموقع الفاعلين المحليين داخل البنية الإقليمية الأوسع. لذلك، فإن أي سياسة جادة تجاه مستقبل الخليج يجب أن تجمع بين ثلاثة مستويات متكاملة: مستوى ردعي يحد من الانكشاف، ومستوى دبلوماسي يخفف احتمالات التصعيد، ومستوى مؤسسي يؤسس لقواعد سلوك مستقرة بين الأطراف الرئيسية. ومن دون هذا التكامل، تبقى المنطقة معرضة لإعادة إنتاج الحلقة نفسها من التسلح والارتياب وإدارة الأزمات المؤقتة.

 

العراق واليمن في قلب المعادلة الخليجية لا على هامشها

من أوجه القصور المتكررة في كثير من النقاشات الإقليمية المتعلقة بأمن الخليج أنها تتعامل، ضمناً أو صراحة، مع العراق واليمن وكأنهما خارج المشهد الخليجي الفعلي، مع أن موقعهما الجغرافي والسياسي وتأثير ما يجري فيهما يجعلان هذا الاستبعاد قاصراً تحليلياً واستراتيجياً. فبناء منظومة أمن إقليمي بين إيران ودول مجلس التعاون، من دون تصور واضح لموقع العراق واليمن فيها أو على أطرافها، يبقى مشروعاً ناقصاً، لأن البلدين يمثلان ساحتين مركزيتين لاختبار نجاح أو فشل أي ترتيبات جديدة.

وفي الحالة اليمنية، يتطلب الدمج الفعلي في أي تصور أمني إقليمي دعم مسار سياسي شامل يفضي إلى وقف مستدام لإطلاق النار، وصيغة داخلية أكثر توازناً من حيث المشاركة والاستقرار والوحدة. كما أن إدراج اليمن في المعادلة ينبغي ألا يقتصر على البعد الأمني الضيق، بل يجب أن يقترن بخطط لإعادة الإعمار وربط الموانئ اليمنية بالاقتصاد الخليجي وتطوير مشاريع طاقة ونقل مشتركة، بما يحول اليمن من ساحة استنزاف إلى شريك في الاستقرار الإقليمي.

أما العراق، فيُفترض أن يُنظر إليه لا كساحة تجاذب بين المحاور، بل بوصفه جسراً جيوسياسياً قادراً، إذا تعزز استقراره الداخلي، على الربط بين الخليج وإيران وتركيا وبلاد الشام. ومن هذا المنظور، فإن دعم استقرار العراق وتوسيع مشروعات الربط الكهربائي والاستثمار الخليجي في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والممرات التجارية يمكن أن يمنحه دوراً بنّاءً داخل أي منظومة إقليمية ناشئة.

وربما يكون من المناسب، في مرحلة لاحقة، تطوير منتدى أمني إقليمي أوسع يشكل إطاراً للحوار والتشاور ويساعد على تهيئة شروط الدمج التدريجي لكل من العراق واليمن ضمن مقاربة متعددة المسارات قائمة على المصالح المشتركة والواقعية السياسية.

2026-05-13-التقرير الأسبوعي

ينشر بالتعاون مع “الميادين”

قمة ترامب – شي: لحظة مصالحة أم محطة لمنافسة تتصاعد

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

رغم بعض التكهنات التي عززها ترامب بتصريحاته الأخيرة – وإن كانت تلميحاً – بإمكانية أن تلعب الصين دوراً في التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب الأميركية -الإسرائيلية على إيران، ولا سيما في العقدة الشائكة المتعلقة بالملف النووي ومصير كمية التخصيب العالية.
إلاّ أن القراءة الأولية لمعظم الخبراء الأميركيين في العلاقات الصينية- الأميركية لا تتوقع حدوث اختراق في هذا الملف وإن وجدت في القمة وتوقيتها فرصة لمناقشة الدور الصيني واستكشاف آفاقه في ظل محدودية خيارات ترامب، بعد الرد الحازم الإيراني حول شروط التوصل إلى إنهاء حالة الحرب عليها. ويمكن ملاحظة تقاطع التحليلات الأميركية حول أهمية القمة وتقييمها وفق الملخص الآتي
لطالما كانت لقاءات القادة الكبار أكثر من مجرد مناسبات بروتوكولية؛ فهي لحظات كاشفة لاتجاهات التاريخ عندما تتغير موازين القوة أو تُعاد صياغة قواعد اللعبة الدولية. ومن هذا المنظور، تبدو قمة دونالد ترامب وشي جين بينغ في بكين حدثًا لافتًا، لا بسبب الصور والتصريحات، بل لأنها تأتي فيما تتسارع وتيرة المنافسة الأميركية–الصينية على الاقتصاد والتكنولوجيا والنفوذ العالمي. القمة، إذاً، ليست سوى واجهة دبلوماسية لصراع أعمق يتشكل في الخلفية، وقد يحدد ملامح النظام الدولي في السنوات القادمة.
تظهر سياسة ترامب تجاه الصين كمزيج متنافر بين نزعة “الصفقة” ونزعة “المواجهة”. ففي ولايته الأولى، بدا مترددًا بين السعي إلى اتفاق تجاري كبير يمكن تقديمه كإنجاز داخلي، وبين الانخراط في مسار تنافسي أشبه بحرب باردة جديدة. ومع الوقت، انتهت هذه التذبذبات إلى حقيقة واحدة: انتقال العلاقات نحو منافسة أشد، مع تصاعد أدوات الضغط الاقتصادي وتوسّع الحديث عن المخاطر الاستراتيجية المرتبطة بصعود الصين.
وفي ولايته الثانية، اتجه ترامب إلى التصعيد عبر فرض تعريفات كبيرة في 2025، على افتراض أن الصين في وضع أضعف يسمح بانتزاع تنازلات سريعة. غير أن بكين ردّت بصلابة مستخدمة أدوات ضغط أكثر حساسية للاقتصاد الأميركي، من بينها القيود المرتبطة بالمعادن النادرة، وإجراءات تُربك سلاسل التوريد، وعقوبات مضادة. وقد أفضى ذلك إلى تراجع واشنطن نحو هدنة تجارية، بما يعكس أن المواجهة الاقتصادية ليست طريقًا أحادي الاتجاه، وأن للصين قدرة متزايدة على إيلام خصمها حين تختار ساحة الضغط بعناية.
ومع أن الخطاب الأميركي يروّج للمنافسة من دون الصدام مع الصين، فإن قرارات ترامب كثيرًا ما بدت مربِكة للحلفاء. فقد تزامنت إشارات عن تخفيف قيود تصدير الرقائق إلى الصين مع مواقف متناقضة تتعلق بتايوان، وانتقاد بعض الشركاء الآسيويين في لحظات حساسة. هذه الرسائل المتضاربة زادت قلق الحلفاء من قابلية السياسة الأميركية للتبدل وفق الحسابات اللحظية.
لكن هذه الصورة لا تعني أن سياسة ترامب “استسلامية”. ففي المقابل، اتُّخذت خطوات تعزز الردع في المحيط الهادئ، مثل توسيع التعاون العسكري مع اليابان وأستراليا، والموافقة على صفقات تسليح كبيرة لتايوان وإن كان هناك بعض الغموض يلف مواعيد تسليمها، وإطلاق شراكات مرتبطة بالمعادن الحيوية، ودعم مبادرات تهدف إلى تأمين سلاسل التوريد. وبذلك تظهر السياسة الأميركية—وفق هذا المسار—قوية في بعض الملفات، لكنها تفتقر إلى الاتساق الذي يطمئن الشركاء ويقيّد هامش المناورة الصيني.
على الجانب الآخر، تتحرك الصين بثقة أكبر وبأدوات أوسع، في منافسة لم تعد تُختزل في العجز التجاري أو الرسوم الجمركية. فبكين طوّرت ترسانة اقتصادية أدق من أدوات الضغط التقليدية كحظر السياحة أو منع الواردات، وأصبحت تمتلك أطرًا قانونية وإجرائية للتحكم في المعادن النادرة، وفرض إجراءات عقابية على دول بعينها مثل اليابان، وبناء وسائل تساعدها على إرباك فعالية العقوبات الأميركية. والهدف من هذا التحول هو امتلاك القدرة على الضغط من دون أن تُعرّض نفسها بسهولة لضغط مضاد مماثل.
غير أن ساحة المعركة الأهم تبقى التكنولوجيا. ويسود الاعتقاد لدى أوساط أميركية وأوروبية بأن الصين تقترب بسرعة من الولايات المتحدة في مجالات حاسمة مثل الذكاء الاصطناعي، والبطاريات، والبيو تكنولوجيا، والرقائق، والأمن السيبراني. وما يزيد القلق الأميركي هو سعي بكين إلى دمج كل تقدم تكنولوجي في خدمة الاقتصاد والقدرة العسكرية معًا، بما يهدد تفوق الولايات المتحدة في المجالات التي كانت تاريخيًا مصدر قوتها ورافعة نفوذها العالمي.
وتتسع المنافسة كذلك إلى الجغرافيا السياسية، حيث يتقاطع الصراع على النفوذ في مناطق بعيدة عن شرق آسيا، وتشهد عمليات شدٍّ وجذبٍ يمتد من أميركا اللاتينية إلى الشرق الأوسط: فالولايات المتحدة اتخذت خطوات ضد حلفاء للصين مثل نيكولاس مادورو في فنزويلا، بينما ردّت بكين بممارسات ضغط في محيط حيوي مثل الملاحة المرتبطة ببنما. وفي الشرق الأوسط، تدعم الصين إيران في وقت تتخذ واشنطن موقفًا صداميًا معها، مستفيدةً من أي انشغال أميركي لتروّج لفكرة أن الولايات المتحدة مشتتة عن آسيا، وأن قدرتها على التركيز الاستراتيجي آخذة في التراجع.
أما تايوان فتبرز بوصفها الاختبار الأخطر. إذ تعتمد الصين نهجًا أقرب إلى مفعول أفعى “الأناكوندا”: ضغط متدرج يهدف إلى إضعاف إرادة التايوانيين من دون الاضطرار إلى غزو مباشر، عبر محاكاة الحصار، وتصعيد الهجمات السيبرانية، وتكثيف حرب المعلومات، وتنفيذ مناورات عسكرية واسعة. هذا الأسلوب يراهن على إنهاك الخصم سياسيًا ونفسيًا واقتصاديًا، مع إبقاء كلفة الحرب الشاملة مؤجلة ما أمكن.
ضمن هذا السياق، يمكن وصف رؤية شي جين بينغ بالأكثر وضوحًا وحسمًا: قناعة بأن الولايات المتحدة تسعى إلى محاصرة الصين، وأن العالم يتجه نحو اضطرابات أكبر، وأن المواجهة مع واشنطن قادمة عاجلاً أم آجلاً. لذلك، يتعامل شي مع أي تهدئة على أنها ترتيبٌ للوقت لا تغييرٌ للمسار؛ فيخزّن الغذاء والوقود، ويعدّ الجيش لسيناريوهات مرتبطة بتايوان في أفق 2027، ويستخدم الدبلوماسية مع ترامب لكسب مساحة مناورة، بالتوازي مع محاولات لتفكيك تماسك الحلفاء الغربيين وتشجيع الشركات الأميركية لممارسة ضغوط على إدارة ترامب من أجل تخفيف القيود. الهدنة هنا تبدو، وفق هذا التصور، استراحة تكتيكية قبل جولة أشد.
ويبقى السؤال: هل لدى ترامب استراتيجية متماسكة تجاه الصين، أم أنه يتصرف بعفوية ويترك النتائج تتراكم؟ كما جرت العادة في التعامل مع ملفات مختلفة يمكن تلخيص المسار وفق احتمالين متعارضين؛ أولهما أن ترامب يناور ببراغماتية شديدة، فيشتري الهدوء مؤقتًا بينما يعزز التحالفات في المحيط الهادئ، ويبني سلاسل توريد بديلة، ويستخدم مساحة تصدير التكنولوجيا كورقة لإبقاء الصين معتمدة جزئيًا على المنظومة التقنية الأميركية، بالتوازي مع زيادة الضغط على حلفاء بكين مثل إيران وفنزويلا.
أما الاحتمال الثاني فهو أن هذه التحركات نفسها قد تُضعف الموقف الأميركي دون قصد: فالحروب في مناطق أخرى قد تستنزف الذخائر والقدرات التي تحتاجها واشنطن لردع الصين في آسيا، وأي إعادة تموضع للقوات بعيدًا عن اليابان وكوريا تقلّص قوة الردع، كما أن الرسائل المتناقضة في ملفات حساسة—مثل قيود الرقائق—تربك الحلفاء وتفتح مساحات للصين لاستمالة دول جنوب شرق آسيا، فضلًا عن احتمال اتساع فجوة الثقة مع أوروبا. وفي نهاية المطاف، يظل الغموض سيد الموقف: هل الهدف هو التفوق الاستراتيجي طويل المدى على الصين، أم مجرد صفقة تجارية تبدو “رائعة” في الداخل الأميركي؟
خلاصة القول إن قمة ترامب – شي لا تُقرأ بوصفها لحظة مصالحة، بل بوصفها محطة في مسار منافسة تتصاعد على كل الجبهات: الاقتصاد، والتكنولوجيا، وتوازنات النفوذ من آسيا إلى الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية، مع بقاء تايوان بؤرة الخطر الأكثر قابلية للاشتعال. شي جين بينغ يبدو أكثر وضوحًا في تصوراته واستعداده للمواجهة، بينما يظل موقف ترامب في موقع غير قابل للتنبؤ بالكامل، وهو ما يزيد من قلق الحلفاء ويفتح مجالًا واسعًا للحسابات الخاطئة. في مثل هذه الأجواء، قد تتحول الدبلوماسية إلى لغة تهدئة مؤقتة.

2026-05-08-التقرير الأسبوعي

ينشر بالتعاون مع “الميادين”

انكشاف هشاشة النموذج الاقتصادي الأمني الخليجي

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

النموذج الاقتصادي والأمني الخليجي أضحى مرادفاً لمن بنى “قصوراً زجاجية” اقتصادية على أرضٍ أمنية هشّة، استطاعت إيران ضرب عصبه الحيوي الجديد (الملاحة، الثقة الأجنبية، سلاسل التوريد) فتحوّلت نقاط القوة إلى نقاط ضعف.
التنافس الحادّ بين نظم دول الخليج العربية سبق الحرب الأميركية – الإسرائيلية الأخيرة، التي أرست تغيّرات جيوسياسية ليس في منطقة الخليج فحسب، بل على المستوى الدولي الأوسع؛ وهو بحاجة إلى مناقشة جادّة مستمرة.
عند رصد التنابذ السعودي – الإماراتي الأخير، إذا استثنينا لبرهة انسحاب أبو ظبي من منظّمة أوبك، نجد أنّ علاقتهما سادها تنافس شديد في المحيط العربي والإقليمي: البحر الأحمر وموانئ القرن الأفريقي وسعيهما المشترك لتفادي عقدة المرور بمضيق هرمز.
تجدر الإشارة المبكرة إلى موقف واشنطن من خلافات حليفيها، أبو ظبي والرياض، إذ آثرت “عدم التدخّل”، كما تجسّدت في تصريحات وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو قبل بضعة أيام؛ ووصفته “نيويورك تايمز” بأنه بمثابة “انهيار مبدأ كارتر”، (الرئيس الأسبق)، عن توفير الحماية الأميركية لتلك الدول، وعجزها عن “ترجمة” تهديداتها لإيران بضرورة فتح مضيق هرمز للتجارة البحرية. (نيويورك تايمز، 2 أيار/مايو 2026).
النموذج الاقتصادي والأمني الخليجي أضحى مرادف لمن بنى “قصوراً زجاجية” اقتصادية على أرضٍ أمنية هشّة، استطاعت إيران ضرب عصبه الحيوي الجديد (الملاحة، الثقة الأجنبية، سلاسل التوريد) فتحوّلت نقاط القوة إلى نقاط ضعف.
جوهر النموذج (الاقتصادي الأمني) الخليجي يقوم على الربط الوثيق بين تحقيق ازدهار اقتصادي واستقرار أمني إقليمي داخلي.
يرتكز هذا النموذج على وفرة الموارد الطاقية واقتصاد الريع، أي اعتماد اقتصادات دول الخليج بشكل أساسي على عوائد النفط والغاز، مما يولّد فائضاً مالياً يُستخدم في بناء الدولة ومشاريع البنية التحتية، وفي تعزيز قدراتها الدفاعية والأمنية. ويتمّ ربط استقرار العوائد من خلال الأمن وإدراك أن تدفّق النفط واستقرار أسعاره يعتمدان على أمن المنطقة
لذا، يتمّ استثمار جزء من العوائد النفطية في بناء تحالفات أمنية واستراتيجية (مع الغرب غالباً) في تسليح القوات المسلحة لحماية المنشآت الحيوية والممرات المائية.
إنه باختصار النمط الريعي للدولة حيث تستخدم عوائد النفط مباشرة لتمويل رواتب الموظفين، العقود الحكومية، ومشاريع الرفاه الاجتماعي. هذا ينشئ عقداً اجتماعياً يتبادل فيه النظام السياسي الدعم المالي والخدمات مع المواطنين مقابل الولاء السياسي والقبول، أي أنه نموذج تسعى فيه الدول الخليجية لضمان أمنها الاقتصادي (استمرار تدفّق عوائد النفط) عبر تعزيز أمنها العسكري والسياسي، مع الحفاظ على استقرارها الداخلي من خلال نظام الريع الاجتماعي.
رغم استناد الدول الخليجية إلى النمط الريعي إلّا أنه يمكن ملاحظة ثلاثة نماذج بارزة تشترك في فكرة “المقايضة“: استخدام الثروة النفطية لشراء الأمان الأميركي، مقابل بناء اقتصادات ما بعد النفط.
السعودية: نموذج “المشروع العملاق” (نيوم، مدن صناعية).  استند إلى فرضيّة “أميركا تحميني،” وأنا أبني مستقبلاً بلا نفط.
الإمارات: نموذج “الدولة المنصة” (مركز مالي، سياحي، لوجستي)، بناء على فرضيّة الاستقرار مستمر، ودبي آمنة دائماً.
قطر: نموذج “القوة غير المتماثلة” (الغاز، الاستثمارات العالمية). بناء على فرضيّة أنا شريك لا غنى عنه لأوروبا حصرياً، وأميركا والدول الآسيوية بشكل ثانوي.
كيف انكشفت الهشاشة أثناء الحرب؟
عندما ردّت إيران عسكرياً (عملية “الوعد الصادق” وغيرها)، انهارت الافتراضيّات وأوهام العظمة:
البنية التحتية المدنية أصبحت هدفاً: تعرّض ميناء جبل علي (الإمارات) ومنشآت الغاز (قطر) ومصفاة البحرين لهجمات
المعنى: إيران لم تهاجم النفط فقط، بل هاجمت “الواجهة المتحضّرة” للخليج (وكان لها مبرّراتها أو منطقها الدفاعي، كما سيأتي لاحقاً).
انهيار “أمان” الطيران واللوجستيات: إغلاق الأجواء وتوقّف السفن جعل مراكز الطيران (الإمارات، قطر) معزولة عن محيطها وعن دول العالم الأخرى؛ وارتفعت أقساط التأمين إلى 400%، وهرب المستثمرون.
توقّف العمل في المشاريع العملاقة: نيوم ومشاريع دبي السياحية التي تحتاج لثقة المستثمرين وتدفّق بشري. الحرب أوقفت ذلك تماماً، وبدأت العمالة الأجنبية بمغادرة دبي وقطر.
التكلفة الاقتصادية الفعلية:
انكماش اقتصادات الخليج بنسبة -0.2% في 2026 (كان متوقّعاً النمو بنسبة 4.5%)؛
خسائر الدول العربية: 200 مليار دولار و3.6 ملايين وظيفة (بيانات الأمم المتحدة).
المفارقة: ارتفاع أسعار النفط لم يعوّض خسائر السياحة والعقار واللوجستيات.
الخلاصة في جملة واحدة: النموذج الخليجي بنى “قصوراً زجاجية” اقتصادية على أرضٍ أمنية هشّة
إيران ضربت العصب الحيوي الجديد لهذه الدول (الملاحة، الثقة الأجنبية، سلاسل التوريد) فتحوّلت نقاط القوة إلى نقاط ضعف.
ما هو “النموذج الاقتصادي الأمني” الذي سعت له هذه الدول؟
لم يكن هناك نموذج واحد متماثل، بل استراتيجية مشتركة يمكن تسميتها “اقتصاد الريع المُنوّع المحمي خارجياً“.
فكرته الأساسية: استخدام الثروة النفطية والغازية الضخمة لبناء اقتصادات متطوّرة في مجالات السياحة والطيران والتكنولوجيا والخدمات المالية (أي اقتصاد ما بعد النفط)، مع الاعتماد على الضمان العسكري الأميركي لحمايتها من أيّ تهديد إقليمي، وخاصة إيران.
هذا النموذج افترض ضمنياً أنّ “الحرب” لن تطال البنى التحتية المدنية الجديدة (ناطحات السحاب، المطارات، المدن الذكية) لأنها ليست أهدافاً عسكرية تقليدية مثل حقول النفط. وكان الرهان أنّ الاستقرار السياسي والعسكري يمكن “شراؤه” من خلال التحالفات الدولية، بينما ينشغل الاقتصاد بالتنويع وجذب الاستثمارات الأجنبية.
النماذج الخاصة بكلّ دولة
أولاً: النموذج الإماراتي (دولة المنصة – Platform State
· الوصف: حوّلت الإمارات، وخاصة دبي وأبو ظبي، نفسها إلى منصة عالمية للخدمات. فالميناء (جبل علي)، والطيران (طيران الإمارات)، والخدمات المالية (دبي المالي العالمي)، والسياحة (بُرْج خليفة، الجزر الاصطناعية) كلها تشكّل عصب الاقتصاد.
· الفرضيّة الأمنية: كون الإمارات “مركزاً للعالم” يعني أنّ أيّ زعزعة لاستقرارها ستضرّ بمصالح الجميع،
وبالتالي فإنّ القوى الكبرى (أميركا، أوروبا، الصين) ستدافع عنها ضماناً لحماية مصالحها.  كما افترضت أنّ “الأمان” أصبح سمة ملازمة لعلامة دبي التجارية.
ثانياً: النموذج السعودي (المشروع العملاق – Giga-Project Model)
· الوصف: تحت رؤية 2030، تسعى السعودية لبناء مدن ضخمة بالكامل من الصفر مثل “نيوم” و”البحر الأحمر” و”القدية”.  هذه المشاريع تحتاج إلى تريليونات الدولارات، وهي موجّهة للاستثمار في صناعات جديدة: السياحة، الترفيه، التكنولوجيا، والطاقة المتجدّدة.
·الفرضيّة الأمنية: حجم المشاريع السعودية كبير جداً لدرجة أنها أصبحت “أكبر من أن يُسمح بفشلها”. افترضت السعودية أنّ أميركا والصين وأوروبا ستمنع أيّ حرب قد تعطّل هذه المشاريع، لأنّ خسائرها ستكون عالمية.
ثالثاً: النموذج القطري (القوة غير المتماثلة – Asymmetric Power)
· الوصف: اعتمدت قطر على موقعها كأكبر مصدّر للغاز الطبيعي المسال في العالم. فأبرمت عقوداً طويلة الأجل مع دول أوروبية وآسيوية، وجعلت نفسها شريكاً لا غنى عنه في مجال الطاقة. كما بنت اقتصاداً قائماً على الاستثمارات العالمية (صندوق الثروة السيادية القطري) والإعلام والسياحة.
· لفرضيّة الأمنية: بما أنّ أوروبا تعتمد على الغاز القطري، فإنّ أيّ هجوم على قطر هو هجوم على الأمن الطاقي الأوروبي.   
هذا “الرهان على الحاجة الدولية” كان درعاً واقياً، مع وجود القاعدة العسكرية الأميركية في “العديد” كضمان أخير.
كيف انكشفت الهشاشة أثناء الحرب الأميركية – “الإسرائيلية” على إيران؟
عندما اندلعت الحرب، ردّت إيران بهجمات مباشرة مثل عملية “الوعد الصادق” في نيسان/أبريل 2024، والهجمات بالصواريخ والمسيّرات على أهداف في الإمارات والسعودية، وانهارت الافتراضيات الثلاثة دفعة واحدة. وهنا تفاصيل نقاط الهشاشة:
البنية التحتية المدنية “الواجهة” أصبحت هدفاً عسكرياً
استخلصت إيران أنّ معظم الدول الخليجية تشارك مباشرة أو بصورة غير مباشرة بالعدوان الأميركي – الإسرائيلي عليها، وخاصة لجوء الولايات المتحدة إلى استخدام البنية التحتية الخليجية كمنصات لوجستية لتسهيل عدوانها مما جعلها بنظر إيران أهدافاً مشروعة في حربها الدفاعية.
ما حدث: تعرّضت مصفاة الألمنيوم في البحرين (المملوكة للإمارات) لهجوم. واستُهدف ميناء جبل علي في دبي، وهو أكبر ميناء للحاويات في المنطقة. وتعرّضت منشآت الغاز في رأس لفان (قطر) إلى تهديدات مباشرة.
·الهشاشة المكشوفة: ردّ إيران لم يستهدف حقول النفط فقط (كهدف تقليدي) ، بل هاجمت “الوجه الحديث” للاقتصاد الخليجي
·الموانئ، المصانع، ومنشآت الغاز. أثبت هذا أنّ أيّ منشأة اقتصادية، حتى لو كانت مدنيّة، يمكن أن تصبح هدفاً إذا كانت حيوية لاستمرار الاقتصاد
· تحوّلت “ناطحات السحاب” من رموز فخر إلى أهداف مكشوفة.
انهيار افتراضية “الأمان” في قطاعات النقل والخدمات والسياحة
·          ما حدث: بمجرّد أن هدّدت إيران بإغلاق مضيق هرمز (الذي يمرّ فيه 30% من النفط العالمي) ، وأُغلق عملياً لاحقا تعطلت سلاسل التوريد. سفن الحاويات التي كانت تتجه إلى جبل علي توقّفت أو غيّرت مسارها، تهديد الملاحة الجوية أدى إلى إغلاق مؤقت للأجواء في بعض الدول، أو تحويل مسارات الطيران لوجهات أخرى بديلة، مما شلّ حركة شركتي طيران الإمارات والقطرية.
·          الهشاشة المكشوفة: تعتمد هذه القطاعات (اللوجستيات، الطيران، السياحة) كليّاً على “الثقة” و”الاستقرار”. إذ أول ما يختفي في زمن الحرب هو الثقة، حيث ارتفعت أقساط التأمين على السفن والطائرات بنسبة تصل إلى 400%، وبدأت شركات الشحن العالمية تجنّب موانئ الخليج. السياحة توقّفت فوراً، وهرب رجال الأعمال والمستثمرون.
توقّف المشاريع العملاقة (نيوم وغيرها) وهروب العمالة الأجنبية
·          ما حدث: مشاريع مثل نيوم السعودية أو جزيرة “ذا وورلد” في دبي تحتاج إلى تدفّق مستمر للاستثمارات والعمالة الأجنبية والزوّار.  الحرب أوقفت تدفّق رؤوس الأموال الجديدة، وبدأ المستثمرون بتجميد قراراتهم.
·          الهشاشة المكشوفة: هذه الدول تعتمد على العمالة الأجنبية بنسبة تصل إلى 85% في قطر، و40% في دبي.
عندما يلمح أيّ خطر أمني، تكون هذه العمالة أول من يغادر، وانهيار قطاع العقار (الذي يعتمد على شراء الأجانب للشقق والفيلات) مباشرة. المفارقة أنّ الحرب لم توقف بناء ناطحات السحاب فقط، بل جعلت من يعمل فيها يهرب.
التكلفة الاقتصادية الفعلية (الأرقام)
· الناتج المحلي: بحسب تقديرات Oxford Economics، انكمشت اقتصادات دول الخليج مجتمعة بنسبة -0.2% خلال عام 2026، مقارنة بتوقّعات قبل الحرب التي كانت تشير إلى تحقيق نمو بنسبة 4.5%. هذا تراجع حادّ جداً.
· خسائر الدول العربية: قدّرت الأمم المتحدة الخسائر الإجمالية للدول العربية (معظمها خليجية) بنحو 200 مليار دولار أميركي من الناتج المحلي الإجمالي المفقود، إضافة إلى فقدان 3.6 ملايين وظيفة.
· المفارقة القاتلة: ارتفع سعر النفط مؤقتاً بسبب الحرب، مما ملأ خزائن الدول الخليجية مالياً. لكنّ هذا الارتفاع لم يعوّض الخسائر الفادحة في القطاعات غير النفطية (السياحة، العقار، الطيران، الخدمات المالية) التي توقّفت أو تراجعت بشدّة. أي المكسب النفطي القصير لم ينقذ الانهيار الاستراتيجي للاقتصاد المستقبلي.
الخلاصة
النموذج الاقتصادي الأمني الخليجي كان قائماً على بناء “قصور زجاجية” اقتصادية (مدن ذكية، موانئ عملاقة، مراكز سياحية) فوق أرضيّة أمنية هشّة تعتمد على حماية خارجية (أميركا)
كشفت الحرب الأميركية – “الإسرائيلية” على إيران، وردودها المباشرة، أنّ الأخيرة لم تعد تستهدف النفط فقط، بل “العصب الحيوي الجديد” لهذه الدول: حرية الملاحة، الثقة الأجنبية، سلاسل التوريد، والعمالة الوافدة.
وتحوّلت نقاط القوة الاقتصادية (المراكز المالية، الطيران، السياحة) إلى نقاط ضعف عسكرية واستراتيجية،
لأنها أهداف مكشوفة وسهلة ومكلفة للغاية. النتيجة: في زمن الحرب تبيّن أنّ اقتصاد “ما بعد النفط” الخليجي أكثر حساسية وهشاشة من اقتصاد النفط نفسه

2025-11-24-التقرير الأسبوعي

ينشر بالتعاون مع “الميادين”

طائرات أف-35 للسعودية : عقبات وخيارات بديلة

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

تأتي المناقشات حول إمكانية بيع صفقة طائرات أف-35 في إطار الجهود الأميركية لتحقيق تطبيع العلاقات بين السعودية والكيان الإسرائيلي، وعرضت الولايات المتحدة بشكل غير رسمي دعم صفقة F-35 كجزء من حزمة حوافز لتشجيع السعودية  على   توقيع اتفاقية تطبيع.

تجدر الإشارة إلى امتلاك الكيان حالياً أسطولاً متطوراً من طائرات F-35 (وهي أول دولة في المنطقة تحصل عليها). أي صفقة للسعودية ستثير حتماً مخاوف إسرائيلية بشأن الحفاظ على “التفوق النوعي” العسكري الإسرائيلي في المنطقة، وهو مبدأ تلتزمه الولايات المتحدة تقليدياً.

في عام 2008، أصدر الكونغرس تشريعاً يفرض على أي اقتراح لبيع أسلحة أميركية لأي دولة في الشرق الأوسط غير “إسرائيل” أن يتضمن إخطاراً إلى الكونغرس يؤكد أن بيع أو تصدير مثل هذه الأسلحة لن يؤثر سلباً على التفوق العسكري النوعي لـ”إسرائيل”.

العقبات والتحديات الرئيسية

  • التفوق النوعي الإسرائيلي (QME): هذا هو التحدي الأكبر. قانون أميركي يلزم الإدارة الأميركية بضمان تفوق “إسرائيل” النوعي في القدرات العسكرية على جيرانها. أي بيع F-35 للسعودية يجب أن يأتي بضمانات وقيود فنية (مثل إصدار “مقيد” من الطائرة) لإرضاء الكيان.
  • العلاقة مع الصين: تعارض الولايات المتحدة بشدة تعاون السعودية العسكري أو التقني مع الصين، خاصة في مشاريع الدفاع الجوي والصواريخ البالستية. قد تشترط أن توقف الرياض أي تعاون من هذا النوع كشرط مسبق لأي صفقة F-35.
  • موافقة الكونغرس: حتى لو وافقت الإدارة الأميركية، سيواجه البيع معارضة شديدة في الكونغرس من كلا الحزبين بسبب سجل السعودية في مجال حقوق الإنسان وحرب اليمن وسياستها حول إنتاج النفط.
  • القدرة التشغيلية: امتلاك طائرة بهذا التعقيد يتطلب بنية تحتية لوجستية وتدريبية هائلة، وهو استثمار طويل الأمد.

الآثار المحتملة للموافقة على الصفقة

سيعزز ذلك التحالف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والسعودية على المدى الطويل، ويعمق علاقة اعتمادية عسكرية للسعودية.

كما سيعيد رسم الخريطة العسكرية في الشرق الأوسط، ما قد يدفع دولاً أخرى (مثل الإمارات وقطر) للسعي للحصول إلى تكنولوجيا مماثلة.

وسيثير قلق إيران ويدفعها لتسريع برنامجها الصاروخي وللمسيرات، ما قد يزيد من حدة سباق التسلح في المنطقة.

الخيارات البديلة؟

بيع طائرات F-35 للسعودية هو أكثر من مجرد صفقة عسكرية؛ إنها قضية سياسية واستراتيجية بالغة التعقيد. هو ورقة مساومة في مفاوضات أكبر حول التطبيع مع “إسرائيل” والحد من النفوذ الصيني.

بينما تريد السعودية تعزيز قدراتها الدفاعية والرمز السياسي الذي تمثله هذه الطائرة، فإن أي صفقة مستقبلية ستكون مشروطة بتخطي عقبات سياسية وقانونية هائلة في واشنطن، وبتقديم تنازلات من الجانب السعودي، خاصة فيما يتعلق بعلاقاتها مع الصين وضماناتها لـ”إسرائيل”.

لكن لو تعقدت فرص إبرام الصفقة وأُغلق الباب الأميركي لأي سبب كان، ما هي الخيارات البديلة للسعودية؟

خيارات إفتراضية بديلة

الـ F-35 هي مقاتلة من الجيل الخامس، ما يعني أنها تجمع بين خمس صفات رئيسية: 1) التخفي المتقدم، 2) حساسات متطورة وتقنية دمج البيانات، 3) شبكية مع الأصول الأخرى (Networked)، 4) قدرة على الاشتباك Beyond Visual Range (BVR)، و5) قدرة متعددة المهام (هجوم جوي، تفوق جوي، استطلاع).

دعنا نقارن أبرز المنافسين:

  1. الطائرة الروسية: Sukhoi Su-57 “Felon”
  • نقاط القوة:
  • مناورة عالية: تصميمها يعطيها تفوقاً في القتال الجوي القريب (Dogfight) مقارنة بالـ F-35.
  • سرعة عالية: أسرع من F-35 ويمكنها الطيران بسرعات فوق صوتية من دون استخدام الحارق (Supercruise).
  • تسليح متنوع: تحمل صواريخ بعيدة المدى ومتقدمة جداً.

نقاط الضعف أمام F-35:

  • التخفي: مستوى التخفي لديها أقل كفاءة من الـ F-35. يعتبرها كثير من الخبراء “طائرة شبحية من الجيل 4.5” وليس جيلاً خامساً حقيقياً.
  • التقنية والإلكترونيات: أنظمة الحساسات وتقنية دمج البيانات لا تزال متأخرة عن نظيراتها الأميركية.
  • التطوير والإنتاج: عانت من تأخيرات كبيرة ولم يتم إنتاجها بأعداد كبيرة حتى الآن.

الخلاصة: Su-57 منافس خطير في القدرة على المناورة والسرعة، ولكنها تتخلف في مجال التخفي والتكامل الشبكي والتقنيات الإلكترونية.

  1. الطائرة الصينية: Chengdu J-20 “Mighty Dragon”
  • نقاط القوة:
  • التصميم: مصممة بشكل واضح لتكون طائرة شبحية.
  • الحجم: طائرة كبيرة وطويلة المدى، مصممة لدور “قاطع الطريق” لضرب الأصول الأميركية البعيدة مثل ناقلات الطائرات ومحطات الرادار.
  • التطوير السريع: تم تطويرها وإدخالها الخدمة بسرعة قياسية.
  • نقاط الضعف أمام F-35:
  • المحركات: أكبر نقطة ضعف لديها. تعتمد على محركات روسية قديمة أو محركات صينية محلية لا توفر الأداء الكافي. هذا يحد من سرعتها وقدرتها على الطيران بسرعات فوق صوتية من دون حارق.
  • التخفي: يُعتقد أن جودتها أقل من F-35، خاصة في استخدام المواد الماصة للموجات الراديوية.
  • التقنيات الداخلية: أنظمة الرادار والحساسات الإلكترونية لا تزال متخلفة عن النظير الأميركي، رغم التقدم الكبير.

الخلاصة: J-20 هي الخصم الأقرب من حيث المفهوم لـ F-35، ولكنها لا تزال تعاني من ثغرات تقنية، خاصة في المحركات، ما يمنعها من منافستها بالكامل.

  1. الطائرة الأوروبية (فرنسا/ألمانيا/إسبانيا): Dassault Rafale & Eurofighter Typhoon
  • هذه الطائرات مصنفة من الجيل 4.5 وليست جيل خامس.
  • نقاط القوة:
  • مناورة استثنائية: خاصة الـ Eurofighter، تعتبر من أفضل الطائرات في القتال الجوي القريب.
  • تقنيات متطورة: تمتلك رادارات فعالة وأنظمة إلكترونية متقدمة.
  • تعدد المهام: خاصة الـ Rafale، معروفة بقدراتها الممتازة في الهجوم الجوي والدعم.
  • نقاط الضعف أمام F-35:
  • التخفي: لا تمتلك خاصية التخفي المتقدم. لديها بعض التقنيات لتقليل المقطع الراداري (RCS) ولكن ليس بمستوى الطائرات الشبحية.
  • التكامل الشبكي: قدراتها في دمج البيانات من الحساسات المختلفة (Sensor Fusion) أقل تطوراً من الـ F-35.

الخلاصة: طائرات ممتازة في نطاق الجيل 4.5، ويمكنها التفوق على F-35 في معارك القتال القريب، ولكنها ستكون في موقف صعب جداً في مواجهة بعيدة المدى بسبب عدم قدرتها على اكتشاف الـ F-35 بينما يتم اكتشافها هي.

  1. الطائرة الأوروبية القادمة (مستقبلية): FCAS (فرنسا/ألمانيا/إسبانيا & Tempest بريطانيا/إيطاليا/اليابان.)
  • هذه برامج طموحة لتطوير مقاتلات من الجيل السادس، من المتوقع أن تدخل الخدمة بعد 2035.
  • من المفترض أن تتفوق على الـ F-35 من خلال دمج تقنيات مثل: الذكاء الاصطناعي، والطائرات المسيرة المرافقة (Loyal Wingman)، أسلحة موجهة بالطاقة (Directed Energy Weapons)، وتخفٍّ متقدم جداً.

الخلاصة النهائية

لا توجد حالياً طائرة غير أميركية توازي الـ F-35 في حزمة القدرات المتكاملة (التخفي + دمج الحساسات + الشبكية). الـ Su-57 و J-20 هما المنافسان الرئيسيان، ولكل منهما نقاط قوة وضعف تجعلهما متفوقتين في سيناريوهات معينة (مثل القتال القريب للـ Su-57) ومتأخرتين في أخرى (مثل التخفي والتقنيات الإلكترونية).

لذلك، عندما تفكر دولة مثل السعودية في طائرة توازي الـ F-35، فإن الخيارات الحالية هي إما الانتظار لسنوات للحصول على F-35 بشروط، أو شراء طائرة من الجيل 4.5 مثل Rafale أو Eurofighter والتي هي طائرات ممتازة ولكنها لا تمتلك الميزة الحاسمة للطائرة الشبحية.

نظرة فاحصة على أسباب تفوق طائرات F-35 الإسرائيلية (Adir)

الخلفية: البرنامج الفريد لطائرات F-35 الإسرائيلية (Adir)

تمتلك “إسرائيل” ترتيباً خاصاً لشراء طائرات F-35 تحت اسم “Adir” (العبري للـ “مهيب”). بموجب هذا الترتيب، حصلت على موافقة فريدة من نوعها من الحكومة الأميركية والشركة المصنعة (لوكهيد مارتن) لتثبيت أنظمتها الإلكترونية الخاصة.

كيفية التعديل: برنامج “تمكين القدرات الفريدة” (UPC)

هذا هو الإطار الرسمي الذي يسمح لـ”إسرائيل” بتعديل الطائرات. العملية تتم على مرحلتين رئيسيتين:

  1. وحدة التكامل المفتوحة (OIU – Open Architecture Interface):
  • هذه هي القلب التقني للعملية. بدلاً من العبث بالشيفرة المصدرية الأساسية للطائرة (والتي تتحكم بها لوكهيد مارتن والبنتاغون)، توفر OIU منفذاً (واجهة) آمناً ومعتمداً تصل من خلاله إسرائيل أنظمتها الخاصة بالشبكات والأنظمة الأساسية للطائرة.
  • يمكن تشبيهها بـ “منفذ USB” عالي الأمان. تسمح لإسرائيل بتوصيل برمجياتها وأجهزتها الخاصة من دون تعطيل الأنظمة الحساسة للطائرة.
  1. إدخال الإلكترونيات والأنظمة الإسرائيلية الخاصة:

من خلال الـ OIU، تقوم “إسرائيل” بدمج مجموعة من الأنظمة المحلية الصنع:

  • أنظمة الحرب الإلكترونية (ECM): هذا هو أحد أهم المجالات. تستبدل “إسرائيل” أو تكمل أنظمة الحرب الإلكترونية القياسية الأميركية بأنظمتها المتطورة والمصممة خصيصاً للتهديدات الموجودة في مسرح العمليات في الشرق الأوسط (مثل أنظمة الدفاع الجوي السورية سابقاً أو الصواريخ الإيرانية). شركة “إلتا سيستمز” الإسرائيلية هي المورّد الرئيسي هنا.
  • أنظمة الاتصالات (CNI): تقوم “إسرائيل” بدمج أنظمتها الاتصالية الآمنة لضمان التوافق مع الشبكات العسكرية الإسرائيلية الأخرى (مثل طائرات F-15I, F-16I المخصصة لـ”إسرائيل”) ومراكز القيادة والسيطرة، مع الحفاظ على قدرة الاتصال مع الأنظمة الأميركية والحلفاء عند الحاجة.
  • برمجيات التخطيط للمهمات Mission Planning Systems: تسمح لها باستخدام برمجياتها الخاصة لتخطيط المهام، والتي تأخذ في الاعتبار التضاريس والتهديدات والتحالفات الخاصة بمنطقة العمليات بدقة أكبر.
  • قواعد البيانات الاستخبارية (IBD): تدمج قواعد بياناتها الاستخبارية الشاملة عن الأهداف والتهديدات في المنطقة.

الأسباب الاستراتيجية وراء هذه التعديلات

  1. الاستقلال التشغيلي والسيادي: لا تريد “إسرائيل” الاعتماد كلياً على الولايات المتحدة في تحديث البرمجيات أو التكيف مع التهديدات الجديدة. هذا يمنحها مرونة وسرعة في الاستجابة.
  2. التكامل مع البنية التحتية القتالية الإسرائيلية: يضمن ذلك أن تعمل الـ F-35 كجزء عضوي من الجيش الإسرائيلي، متصلة بشبكات القيادة والسيطرة والاتصالات المحلية بسلاسة.
  3. ميزة تقنية نوعية: تمتلك “إسرائيل” صناعة دفاعية متطورة، خاصة في مجالات الحرب الإلكترونية والاتصالات. هذه التعديلات تضمن أن طائرتها F-35 هي الأكثر تطوراً في الأسطول العالمي، متفوقة حتى على الطائرات الأميركية في بعض الجوانب التكتيكية.
  4. التكيف مع التهديدات المحددة: الأنظمة الأميركية مصممة لتهديدات عالمية، بينما تركز “إسرائيل” على التهديدات المباشرة من دفاعات جيرانها وأنظمتها المصممة خصيصاً لاختراق هذه الدفاعات والتغلب عليها.

العلاقة مع بيع F-35 للسعودية

نجاح “إسرائيل” في تعديل طائراتها يعد سابقة. ستطالب السعودية حتماً بحق مماثل لدمج أنظمتها الخاصة أو على الأقل الحصول على طائرة غير مقيدة.

  • التفوق النوعي الإسرائيلي (QME): تعتبر “إسرائيل” أن قدراتها الإلكترونية المتقدمة والمخصصة هي جزء أساسي من تفوقها النوعي. أي منح السعودية إمكانية الوصول إلى نفس مستوى التخصيص أو حتى بيعها طائرات متطورة تقنياً سيهدد هذا التفوق.
  • الحل الوسط المتوقع: إذا تمت الصفقة، سيدفع “إسرائيل” (وستوافق الولايات المتحدة) لبيع السعودية نسخة “مقيدة” أو “تصديرية” من الـ F-35:
  • إلكترونيات قياسية: من دون أنظمة الحرب الإلكترونية الأميركية المتطورة أو الإسرائيلية.
  • قدرات محدودة: قد يتم تقييد قدراتها في التخفي أو مدى عمل الرادار أو التكامل مع أنظمة الأسلحة.
  • رقابة على البرمجيات: ستحتفظ الولايات المتحدة بالسيطرة الكاملة على الشيفرة المصدرية وتحديثات البرامج، ما يمنع السعودية من إجراء تعديلات مستقلة.

أوجزتها وكالة “رويترز” للأنباء بأن المقاتلات المخصصة للسعودية “ستكون أقل تطوراً تقنياً من تلك التي بحوزة إسرائيل؛ ولن تشمل تضمينها أنظمة النسور والحرب الإلكترونية المثبتة في طائرات F-35 الإسرائيلية” (“رويترز”، 19 تشرين الثاني/نوفمبر 2025.)

تعديلات “إسرائيل” لطائرات F-35 تمثل مستوى غير مسبوق من الثقة والتعاون العسكري التكنولوجي مع الولايات المتحدة. هي ليست مجرد “ترقية”، بل هي إعادة هندسة جزئية للطائرة لجعلها سلاحاً إسرائيلياً بحق. هذا النجاح هو بالضبط ما يجعل “إسرائيل” حذرة للغاية من أي بيع محتمل للسعودية، لأنه يمس مباشرة بمصدر قوتها التكنولوجية والتشغيلية ويجعل مسألة “التفوق النوعي” ليست مجرد مسألة امتلاك الطائرة نفسها، بل ما بداخلها من إلكترونيات وبرمجيات.

من أبرز قيود واشنطن الصارمة لتصدير تلك المقاتلة المتطورة هو اشتراطها بعدم استخدامها في أي “حرب عدائية ضد إسرائيل تحت أي ظرف”، بعبارة أخرى ممنوع التصادم مع المصالح “الإسرائيلية”.

2025-10-29-التقرير الأسبوعي

ينشر بالتعاون مع “الميادين”

الحرب الأميركية في الكاريبي غطاء للفشل الداخلي في “الحرب على المخدرات

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

الحقيقة التي تنكرها واشنطن وسط الحشود العسكرية في الكاريبي، والتهديدات بالتدخّل العسكري ضدّ فنزويلا وكولومبيا، تتمثّل بفشل إدارة ترامب على غرار سابقاتها في اتخاذ إجراءات داخلية فعّالة للحدّ من الطلب على المخدّرات.

في عام 1996 نشر الصحافي الاستقصائي الأميركي غاري ويب سلسلة مقالات تحت عنوان “التحالف المظلم” أوضح فيها الرابط السُّري بين وكالة الاستخبارات الأميركية، سي آي إيه، ومجموعات “الكونترا” التي كانت تسلّحها واشنطن مباشرة للإطاحة  بنظام “الساندانيستا” في نيكاراغوا؛  مسلّطاً الضوء على العلاقة بين ارتفاع معدلات تناول المخدّرات في مدينة لوس أنجيليس مع  سياسات واشنطن لتمويل عصابات الكونترا.

صباح يوم 10 كانون الأول/ديسمبر 2004، وُجد ويب الحائز على جائزة بوليتزر للصحافة مقتولاً داخل بيته نتيجة “رصاصتين في الرأس”، وسجّلت الحادثة على أنها “انتحار”!

يبدو أنه من السهل على ترامب توجيه اللوم إلى عصابات المخدّرات الأجنبية والزعم برعاية الحكومات لها، بدلاً من الاعتراف بالفشل الداخلي في معالجة أسباب الطلب. الإنكار يتجاهل الاعتراف بتفشّي ما يمكن وصفه بوباء حقيقي يتسبّب في وفاة عشرات الآلاف سنوياً، وتجنّب معالجة إدمان الملايين من المواطنين كونها تتطلّب استثمارات ضخمة في أنظمة الرعاية الصحية والصحة النفسية واعادة التأهيل.  وهذه أنظمة تعاني من نقص مزمن في التمويل. ويمكن إضافة تأثير جماعات الضغط من قبل ما يعرف بلوبي صناعة الأدوية الذي يقوم بعملية ترويج دعائية ضخمة للمسكّنات الأفيونية. وما علينا سوى لحظ كثافة إعلانات الترويج الطاغية في وسائل الإعلام الأميركية.

حالياً تشنّ إدارة ترامب حملة عسكرية ودعائية وتحريضية ضدّ فنزويلا وكولومبيا تحت ذريعة الحرب على المخدّرات ومصادرها. يشكّل هذا النهج العدائي المهدّد بعمليات خارجية عسكرية، استمراراً للنهج العقابي – الأمني الذي يركّز على ملاحقة المهرّبين وبناء السجون، بدلاً من اعتبار الإدمان مرضاً يحتاج إلى علاج.

من حملة محلية إلى قضية عالمية

ما يُعرف بـ “الحرب الأميركية على المخدّرات”، كانت لها محطات متنوّعة وتظهر تطوّرها من حملة محلية إلى قضية عالمية معقّدة ذات تداعيات اجتماعية وسياسية كبيرة.

يمكن اعتبار المرحلة التأسيسية والبدايات في السبعينيات – الثمانينيات من القرن الماضي حيث تمّ تبنّي الحرب رسمياً (1971) وأعلن الرئيس ريتشارد نيكسون أنّ “تعاطي المخدّرات” يعتبر العدو رقم واحد للولايات المتحدة، ويطلق رسمياً مصطلح “الحرب على المخدّرات”.

تمثّلت الإجراءات بزيادة تمويل وكالات إنفاذ القانون مثل (BNDD) وزيادة عمليات المنع على الحدود. كما زاد التمويل لبرامج العلاج، مما يشير إلى التوجّه نحو نهج مزدوج في ذلك الوقت رغم أنّ برامج العلاج لم تأخذ مداها التطبيقي بصورة وافية. كما تمّ إنشاء إدارة مكافحة المخدّرات DEA (1973)، ودمج عدة وكالات في وكالة فيدرالية واحدة مخصّصة لمكافحة المخدّرات.

أصبح الـ DEA رمزاً للحرب على المخدّرات وأداة رئيسية في تنفيذها محلياً ودولياً. إذ شهدت (الثمانينيات) انتشار الكوكايين بكثافة في المدن الأميركية، متبوعاً بظهور “الكوكايين الكراك” (Crack Cocaine) الأرخص ثمناً والأكثر إدماناً.

جاء الردّ الحكومي بإصدار قانون “مكافحة تعاطي المخدّرات” (Anti-Drug Abuse Act) في 1986 و 1988. لكنه دشّن تأسيس مرحلة تفاوت جائر في فرض القانون بعقوبات أشدّ بكثير على جرائم تعاطي “الكراك” (المنتشر بين الفقراء والأقليات) مقارنة بمسحوق الكوكايين (المنتشر بين البيض والأغنياء). حيث فرضت عقوبة السجن 5 سنوات لحيازة 5 غرامات من الكراك، بينما تطلّب الأمر حيازة 500 غرام من الكوكايين المسحوق للعقوبة نفسها.

وأدّى ذلك الى تصاعد هائل في عدد السجناء، خاصة من مجتمات الأقليات (السود واللاتينيين).

التوسّع العالمي والعسكرة (التسعينيات)

الغزو الأميركي لبنما (1989):

أمر الرئيس جورج بوش الأب بغزو بنما عسكرياً تحت ذريعة رئيسية هي القبض على رئيسها مانويل نورييغا ومحاكمته بتهمة الاتجار بالمخدّرات.  مثّلت هذه الخطوة عسكرة واضحة للحرب على المخدّرات وتدخّلاً عسكرياً مباشراً في دولة أخرى تحت هذه الذريعة.

في عهد كلينتون انطلقت خطة كولومبيا (بداية من 1999)، المتمثّلة ببرنامج مساعدات ضخم بقيمة مليارات الدولارات من الولايات المتحدة إلى كولومبيا، والهدف المعلن هو مكافحة إنتاج الكوكايين والتضييق على الثوّار اليساريين (FARC) الذين اتهموا بانّهم يموّلون أنفسهم من تجارة المخدّرات.

وتركّزت الإجراءات على تمويل عمليات الرشّ الجوي للمبيدات لتدمير مزارع الكوكا، وتدريب وتجهيز الجيش الكولومبي. لكنّ الخطة تعرّضت للانتقادات فاتُهمت بتأجيج النزاع المسلّح داخلياً، وبتسبّب الرشّ الجوي في أضرار بيئية وصحية، من دون أن تقضي بشكل فعّال على إنتاج الكوكايين.

مرحلة إعادة التقييم والتحوّل (القرن الحادي والعشرون)

مع بداية القرن الحالي تزايد الوعي بالتكاليف الباهظة للحرب على المخدّرات: ازدحام السجون، التفاوت العنصري، والتكلفة المالية الهائلة من دون تحقيق نصر حاسم.

انطلقت مبادرات على صعيد الولايات (كاليفورنيا كانت رائدة) في تقنين الماريجوانا الطبية (1996) ثم الماريجوانا الترفيهية لاحقاً، متحدّية بذلك القانون الفيدرالي. في عام 2011، اعترف رئيس الولايات المتحدة باراك أوباما علناً بأنّ “الحرب على المخدّرات” مصطلح غير مناسب وأنها كانت “غير ناجحة”.

لاحقاً في 2016، أصدرت لجنة في الكونغرس تقريراً يؤكّد أنّ الحرب على المخدّرات فشلت في تحقيق أهدافها. وفي العام نفسه، اعترف أريك هولدر، النائب العام السابق في إدارة اوباما، بأنّ السياسات السابقة زادت من عدم المساواة العنصرية.

أزمة الأفيونيات (بداية من 2010 واستمرارها):

شهدت بدايات العقد الثاني من القرن الحالي ظهور وباء جديد وأكثر فتكاً تمثّل في إدمان مسكّنات الألم الأفيونية الموصوفة طبياً، ثمّ الانتقال إلى الهيروين، وأخيراً الفنتانيل الاصطناعي القاتل.

أجبرت هذه الأزمة الحكومة الفيدرالية والولايات على إعادة التركيز من النهج العقابي إلى نهج الصحة العامّة، مع زيادة تمويل العلاج وتوفير النالوكسون (Naloxone) لعكس آثار الجرعات الزائدة.

تطوّر مشكلة تعاطي المخدّرات 

الحرب الأميركية على المخدّرات لم تكن مساراً واحداً ثابتاً، بل تطوّرت عبر محطات رئيسية:

  • من التركيز على العقاب إلى الاعتراف بأهمية العلاج والصحة العامّة (خاصة مع أزمة الأفيونيات).
  • من السياسات التي زادت التفاوت العنصري إلى حركات إصلاحية تسعى لتخفيف هذه الأحكام.
  • من الحظر المطلق إلى تقنين الماريجوانا على مستوى الولايات.
  • من الحملة المحلية إلى مشروع عالمي مع تدخّلات خارجية عميقة.

على الرغم من التحوّل في الخطاب والسياسات في بعض الجوانب، لا تزال الحرب على المخدّرات قائمة بإطارها الأساسي، خاصة على الصعيد الدولي وفي مكافحة المخدّرات الاصطناعية مثل الميثامفيتامين والفنتانيل.

تُظهر أحدث البيانات من الأمم المتحدة أنّ مشكلة تعاطي المخدّرات عالمياً آخذة في الاتساع، حيث وصل عدد المتعاطين إلى 316 مليون شخص على مستوى العالم في عام 2023، وهو ما يمثّل نحو 6.3% من السكان البالغين. فيما يلي نظرة مفصّلة على أبرز الإحصائيات:

 نظرة على الفشل واتجاهات مقلقة:

  • تسجيل أرقام قياسية في الإنتاج: ارتفع الإنتاج غير المشروع للكوكايين إلى 3,708 أطنان في 2023، بزيادة 34% عن العام السابق.
  • تكاليف بشرية باهظة: تسبّبت اضطرابات تعاطي المخدّرات في وفاة نحو نصف مليون شخص، وفقدان 28 مليون سنة من سنوات الحياة الصحية بسبب الإعاقة والوفيات المبكرة في عام 2021 فقط.
  • فجوة كبيرة في العلاج: شخص واحد فقط من بين كلّ 12 شخصاً يعاني من اضطرابات التعاطي تلقّى أيّ شكل من العلاج في عام 2023.
  • الرجال أكثر عرضة: معدّلات اضطراب تعاطي المخدّرات بين الرجال أعلى منها بين النساء في دول العالم.

 بؤر إقليمية ساخنة

  • انتشار الكوكايين خارج أسواقه التقليدية: تتوسّع شبكات الجريمة المنظّمة في أسواق جديدة بآسيا وأفريقيا، كما تزداد سطوة جماعات غرب البلقان على هذا السوق في أوروبا الغربية.
  • بؤر إنتاج المخدّرات الاصطناعية: تشكّل مناطق الصراع مثل سوريا مراكز رئيسية لإنتاج مادة “الكبتاغون”، التي يتمّ تهريبها بشكل رئيسي إلى دول شبه الجزيرة العربية. كما أشارت تقارير سابقة إلى أنّ أوكرانيا شهدت ارتفاعاً حاداً في عدد مختبرات الأمفيتامين التي تمّ تفكيكها.

إنّ فشل سياسة واشنطن في حربها على المخدّرات هو حقيقة يُقرّ بها قادة دول وحتى الإدارة الأميركية نفسها في فترات سابقة، ويبرز هذا الفشل من خلال استمرار ارتفاع معدّلات الإنتاج والاستهلاك، والتكاليف البشرية والاجتماعية الباهظة، إلى جانب تعقيدات جديدة فرضتها الجريمة المنظّمة العابرة للحدود.

مظهر الفشل والبديل المُقترح

وصول استخدام المخدّرات إلى مستويات قياسية جديدة (316 مليون متعاطٍ عالمياً عام 2023) عزّز من دعوات التحوّل من النهج العقابي إلى نهج الصحة العامّة، مع التركيز على العلاج والوقاية. ولكنها توجّهات بقيت قاصرة وخاصة في الولايات المتحدة.

استمرار توسّع الأسواق وتنوّعها (سوق الكوكايين يحطّم الأرقام القياسية، وتوسّع سوق المخدّرات الاصطناعية) وتبنّي سياسات قائمة على الأدلة للتخفيف من الآثار الصحية والاجتماعية لتعاطي المخدّرات.

ارتفاع التكلفة البشرية (نصف مليون وفاة سنوياً بسبب اضطرابات التعاطي) إبرام اتفاقيات دولية جديدة تعترف بفشل “الحرب” وتتبنّى سياسات أكثر شمولاً.

تخصيص موارد هائلة من دون تحقيق نصر حاسم، معالجة الأسباب الجذرية لتجارة المخدّرات على امتداد سلسلة التوريد، وتوفير سبل عيش بديلة للمجتمعات المنتجة.

 تعقيد المشهد العالمي للمخدّرات

تساهم عوامل عالمية في تفاقم التحدّي، مما يجعل الأساليب التقليدية أقلّ فعّالية:

  • تعقيد الشبكات الإجرامية: تستفيد الجماعات الإجرامية المنظّمة من عدم الاستقرار العالمي، وتستهدف الفئات الهشّة، وتطوّر باستمرار أساليبها في الإنتاج والإخفاء.
  • ظهور بؤر إقليمية جديدة: لم تعد المشكلة محصورة في أميركا اللاتينية. فقد برزت سوريا في ظل الحصار الاقتصادي والانفلات الأمني للجماعات المسلحة، على سبيل المثال، كمركز رئيسي لإنتاج مادة “الكبتاغون”.
  • العسكرة والتدخّلات الخارجية: في بعض الحالات، يتمّ استخدام “مكافحة المخدّرات” كذريعة لأجندات سياسية أوسع، كما هو الحال في التصعيد الأميركي الأخير تجاه فنزويلا، مما يزيد من تعقيد الأوضاع الإقليمية ويُبعد التركيز عن الحلول الفعّالة.

 دروس من المحاكمات الدولية

بدأت المنظّمات الدولية في محاسبة القادة على السياسات القمعية التي تُنفّذ باسم “الحرب على المخدّرات”. حيث وجّهت المحكمة الجنائية الدولية اتهامات للرئيس الفلبيني السابق رودريغو دوتيرتي بارتكاب جرائم ضدّ الإنسانية خلال حملته على المخدّرات، والتي اتسمت بقتل الآلاف من الفقراء بشكل منهجي. يمثّل هذا التحوّل التاريخي اعترافاً قضائياً بأنّ الأساليب الوحشية في “مكافحة المخدّرات” يمكن أن تشكّل جرائم دولية، مما يضع قيوداً أخلاقية وقانونية على هذه الحملات.

إحصائيات عن التعاطي للمخدّرات في أميركا 

  • فشلت سياسة واشنطن لأنها اعتمدت بشكل كبير على الحلول العسكرية والعقابية، متجاهلة الطبيعة المعقّدة لظاهرة المخدّرات كقضية صحية واجتماعية واقتصادية في الأساس.
  • البدائل الفعّالة تكمن في التحوّل الجذري نحو سياسات تركّز على الصحة العامة، والعدالة الاجتماعية، والتعاون الدولي الذي يعالج الأسباب الجذرية من خلال التنمية وليس القبضة الأمنيةفقط.

    بناءً على أحدث البيانات المتاحة من المصادر الأميركية الرسمية (المعهد الوطني لتعاطي المخدّرات NIDA ومراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها CDC)، تفيد بإحصائيات ضحايا المخدّرات والمتعاطين في الولايات المتحدة وحدها، والتي تصوّر أزمة مستمرة ومتفاقمة، خاصة مع انتشار المواد الأفيونية الاصطناعية.

  • عدد المتعاطين (12 فما فوق): بلغ عدد الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 12 عاماً أو أكثر والذين تعاطوا مخدّراً غير مشروع نحو 70.3 مليون شخص في عام 2023.
  • الماريجوانا: لا تزال أكثر المخدّرات غير المشروعة استعمالاً، حيث أبلغ نحو 22% من السكان (12 عاماً فما فوق) عن تعاطيها في العام الماضي.
  • المتعاطون الجدد: يُقدّر أنّ نحو 3.2 ملايين أميركي جرّبوا مخدّراً غير مشروع للمرّة الأولى في عام 2023.

تشكّل الوفيات الناجمة عن الجرعات الزائدة من المخدّرات المقياس الأكثر واقعية لأزمة المخدّرات في أميركا. الأرقام صادمة وتظهر اتجاهاً متصاعداً:

  • الرقم القياسي للوفيات في عام 2023: سجّلت الولايات المتحدة ما يقدّر بـ 107,941 حالة وفاة بسبب الجرعات الزائدة من المخدّرات على مدار الـ 12 شهراً المنتهية في كانون الأول/ديسمبر 2023.
  • التكلفة البشرية: هذا يعني وفاة شخص واحد كلّ 5 دقائق تقريباً بسبب جرعة مخدّرات زائدة.
  • المادة القاتلة الرئيسية: الفنتانيل
  • مسؤولية الفنتانيل: يشكّل الفنتانيل والمشتقّات الأفيونية الاصطناعية الأخرى النسبة الأكبر من هذه الوفيات، حيث كان متسبّباً في نحو 74% من جميع حالات الوفاة بجرعات زائدة في عام 2022.
  • الخطر المميت: يتميّز الفنتانيل بقوة تفوق الهيروين بـ 50 مرة، مما يجعله مادة قاتلة حتى بجرعات صغيرة جداً.

 تطوّر أزمة الجرعات الزائدة (2010-2023)

لتوضيح حجم التفاقم، بجرعات المخدّرات الزائدة في الولايات المتحدة على مدى العقد الماضي، تفيد البيانات المختصرة من مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها(CDC)  بتطوّر الوفيات السنوية (2010-2023)” من 21211  إلى 107941.

 التأثير على الفئات المختلفة

  • الفئات العمرية: أعلى معدّلات الوفيات بجرعات زائدة تكون بين الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 35 و44 سنة.
  • التباين العرقي: كانت أعلى معدلات الوفيات بين السكان الأميركيين الأصليين والسكان السود، مما يشير إلى تفاوت صحي حادّ.
  • التباين الجغرافي: كانت الولايات الواقعة في الغرب (كاليفورنيا) والجنوب الشرقي (تينيسي، فلوريدا) من بين الأكثر تضرّراً من حيث العدد الإجمالي للوفيات.

 اضطرابات تعاطي المخدّرات 

  • عدد المصابين باضطراب التعاطي: عانى ما يقرب نحو 21.5 مليون شخص من اضطراب تعاطي المخدّرات في العام الماضي.
  • فجوة العلاج: من بين هؤلاء، تلقّى 17.5% فقط (نحو 3.7 ملايين شخص) أيّ شكل من أشكال العلاج المتخصّص.

هذه الإحصائيات لا تعكس فقط حجم مشكلة التعاطي، بل تؤكّد تحوّلها إلى أزمة صحية عامّة طاحنة، تتمحور حالياً حول المواد الأفيونية الاصطناعية القاتلة مثل الفنتانيل، وتتطلّب استجابة عاجلة تركّز على العلاج والوقاية وإنقاذ الأرواح بدلاً من الأساليب العقابية التقليدية.

2025-10-20-التقرير الأسبوعي

ينشر بالتعاون مع “الميادين”

البنتاغون تقيّد حرّية الصحافة : تصعيد ومواجهة

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

يمكن تقييم علاقة ترامب مع الصحافة على أنها استمرار لمسار التصعيد والمواجهة مع كلّ الخصوم، حيث انتقلت من هجمات خطابية في ولايته الأولى إلى إجراءات مؤسّسية وقانونية ملموسة في ولايته الثانية، مما دفع منظّمات دولية لتصنيف حرية الصحافة في الولايات المتحدة بأنها “إشكالية”.

جانب المقارنة بين الولاية الأولى (2017-2021) والولاية الثانية (2025 حتى الآن) يتجلّى بهجمات لفظية مكثّفة، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ووصف وسائل الإعلام بـ “عدو الشعب الأميركي”، ثمّ الانتقال من الخطاب إلى الإجراءات الفعليّة مثل حظر صحافيين، وسحب تصاريح، ودعاوى قضائية.

الأداة الأساسية للهجمات كانت ولا تزال منصات التواصل الاجتماعي (تويتر/إكس سابقاً). كذلك أدوات وموارد الدولة: البيت الأبيض، وزارة الدفاع (البنتاغون)، والسلطة القضائية (دعاوى قضائية وتحقيقات اتحادية) .

وشهدنا استهدافاً عامّاً للمؤسسات الإعلامية الكبرى (مثل CNN، نيويورك تايمز)، واستهدافاً انتقائياً وممنهجاً تركّز على منع وكالات أنباء محدّدة (مثل أسوشيتد برس)، وإقصاء وسائل الإعلام من البنتاغون، والتحقيق مع شبكات كبرى عبر لجنة الاتصالات الفيدرالية.

ردّ فعل الإعلام/المجتمع المدني تجلّى بانتقادات وبيانات شجب من منظّمات حماية الصحافة، عبر تنظيم المواجهة من خلال تأسيس شبكات للتضامن وتقديم الدعم القانوني للصحافيين تحت الضغط. كما سجّلت المحاكم بعض الانتصارات للصحافة، كإلغاء بعض قرارات الحظر.

 تراجع تصنيف حرية الصحافة

كان للاستراتيجية الجديدة في الولاية الثانية للرئيس ترامب تأثير ملموس على التصنيف العالمي لحرية الصحافة في الولايات المتحدة.

حيث أشارت تقارير “مراسلون بلا حدود” إلى تراجع الولايات المتحدة إلى المركز الـ 57 في مؤشّر حرية الصحافة العالمي لعام 2025، ليتمّ تصنيف وضعها للمرة الأولى على أنه “إشكاليّ” وليس “مُرضياً”.

نظرة على المستقبل

في ظلّ هذه الديناميكية، يبدو أنّ علاقة ترامب مع الصحافة تتجه نحو مزيد من التصعيد:

لم تعد العلاقة مجرّد خلاف سياسي، بل تحوّلت إلى اختبار حقيقي للضمانات الدستورية التي تحمي حرية الصحافة في الولايات المتحدة .

تأزّمت العلاقة بين الصحافة والبنتاغون بشكل غير مسبوق في الأسابيع الأخيرة، بعد أن فرض وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث قيوداً جديدة تطلّب من الصحافيين التوقيع على تعهّد بعدم نشر أيّ معلومات من دون موافقة مسبقة من الوزارة. وقد واجهت هذه القيود رفضاً قوياً من قبل معظم وسائل الإعلام الأميركية الكبرى، مما دفع بالعديد منها إلى عدم التوقيع وخسارة تصاريح الدخول إلى البنتاغون.

الخلفية والسياق جزء من نمط متصاعد من القيود تحت قيادة هيغسيث، الذي طرد سابقاً عدة وسائل إعلام من مكاتبها في البنتاغون.

تقف العلاقة بين الصحافة والبنتاغون عند مفترق طرق حاسم. تشير التطوّرات الأخيرة إلى أنّ المشهد يتجه نحو:

– تقلّص حادّ في الشفافية: مع خروج عدد كبير من المراسلين الرئيسيين من البنتاغون، ستضعف القدرة على مراقبة ومحاسبة أكبر مؤسسة عسكرية في البلاد.

– صحافتان: صحافة رسمية (تمثّلها الوسائل الموالية التي وقّعت على التعهّد) وأخرى مستقلة ترفض هذه القيود وتغطي الشؤون العسكرية من خارج أسوار البنتاغون.

– معركة قانونية محتملة: لا تزال المؤسسات الإعلامية تدرس التحدّيات القانونية، وقد ينتهي الأمر بهذه القضية إلى المحاكم للبتّ في تقويض مساحة حرّيتها المهنية.

باختصار، لم يعد الوصول إلى المعلومات داخل البنتاغون أمراً مفروغاً منه، بل أصبح امتيازاً مشروطاً بموافقة الحكومة، مما يهدّد بتغيير جوهري في طبيعة العلاقة بين السلطة الرابعة والمؤسسة العسكرية في الولايات المتحدة.

الإجراءات التي أقدم عليها وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث لتقييد عمل الصحافة في البنتاغون تواجه اعتراضات قوية من وسائل الإعلام والخبراء القانونيين، الذين يرون أنها تنتهك الضمانات الدستورية لحرية الصحافة، مما يضعها في موقف قانوني هشّ.

 طبيعة القيود المثيرة للجدل

فرض البنتاغون بقيادة هيغسيث سياسة جديدة تلزم الصحافيين بالتوقيع على تعهّد كشرط للاحتفاظ بتصاريح الدخول. تتلخّص أبرز بنود هذه السياسة في:

– الموافقة المسبقة على النشر: يشترط التعهّد أن يحصل الصحافي على موافقة مسؤول في البنتاغون قبل نشر أيّ معلومات، حتى لو كانت غير مصنّفة كأسرار رسمية.

– تقييد حرية الحركة: لم يعد مسموحاً للصحافيين بالتجوّل بحرية في أروقة البنتاغون، وأصبح وجودهم مقصوراً على مناطق محدّدة مع ضرورة وجود مرافق رسمي في كثير من الأحيان.

– عواقب الرفض أو المخالفة: يؤدّي رفض التوقيع على التعهّد أو مخالفة شروطه إلى سحب التصريح الممنوح ومنع الصحافي من دخول المبنى.

 الانتهاكات الدستورية والقانونية المحتملة

يرى خبراء قانونيون ونشطاء في مجال حرية الصحافة أنّ هذه السياسة تتعارض مع الدستور الأميركي للأسباب الآتية:

انتهاك التعديل الأول: يشكّل جوهر الاعتراض على أنّ هذه القيود تنتهك التعديل الأول للدستور الأميركي الذي يضمن حرية الصحافة والتعبير. حيث أنّ اشتراط الحصول على موافقة حكومية مسبقة على نشر المعلومات يعتبر شكلاً من أشكال “الرقابة المسبقة”، وهو من أخطر أشكال انتهاك حرية التعبير.

تقييد حقّ الجمهور في المعرفة: تمنع هذه السياسة الجمهور من الحصول على تقارير مستقلة عن المؤسسة العسكرية التي تُموّل من أموال دافعي الضرائب، وهو ما يقوّض الشفافية والمساءلة.

غموض المصطلحات: استخدام مصطلحات فضفاضة مثل “معلومات غير مصرّح بها” يمنح البنتاغون سلطة تقديرية واسعة لتطبيق السياسة بشكل انتقائي واعتبار أيّ صحافي “تهديداً أمنياً” بناءً على تقاريره.

أعلنت وسائل الإعلام رفضاً جماعياً للتوقيع من مؤسسات كبرى (مثل نيويورك تايمز، واشنطن بوست، سي أن أن) ووصفت السياسة بأنها “غير مسبوقة” و”مهينة”. كما اعتبرت منظمات حقوقية، “لجنة المراسلين من أجل حرية الصحافة”، بأنه يمكن استغلالها “لإسكات التقارير المستقلة”.

تدّعي البنتاغون (هيغسيث) بأنّ القواعد ضرورية لـ”تنظيم حركة الصحافة” و”حماية الأمن القومي”، وترى أنّ الوصول إلى البنتاغون “امتياز وليس حقّاً”.

 التطوّرات والمستقبل المحتمل للأزمة

معركة قانونية محتملة: أشارت تقارير إلى أنّ وسائل الإعلام الكبرى تستعدّ لخوض معركة قانونية ضدّ سياسة البنتاغون، وهو ما قد يدفع القضاء الأميركي للبتّ في مطابقتها للدستور.

سابقة خطيرة: إذا نجحت هذه السياسة، فقد يتمّ تطبيق نموذج مشابه في قطاعات حكومية أخرى، مما يقوّض قدرة الصحافة على مراقبة عمل الحكومة بشكل أوسع.

إنّ الإجراءات التي يتخذها هيغسيث تقع في منطقة رمادية قانونياً وتواجه معارضة شرسة. يُتوقّع أن يكون مصيرها النهائي رهناً بما ستسفر عنه أيّ معركة قضائية محتملة، والتي ستكون حاسمة في تحديد حدود سلطة الحكومة في تقييد الصحافة مقابل ضمانات حرية التعبير الدستورية.

تؤثّر القيود الجديدة التي تفرضها البنتاغون بشكل مباشر وسلبي على نوعية التغطية الإخبارية، حيث تقوّض قدرة الصحافيين على أداء دورهم الأساسي في مراقبة السلطة وإطلاع الجمهور على المعلومات الدقيقة. يعتمد هذا التأثير على عدة ركائز أساسية تهدّدها هذه القيود.

إذ إنّ اشتراط الموافقة المسبقة على نشر المعلومات (حتى غير السرية) يحول دون نشر معلومات مهمة للجمهور، ويقوّض استقلالية الصحافيين التحريرية، مما ينتج تقارير غير كاملة وقد تكون غالباً منحازة .

كما أنّ تقييد حركة الصحافيين داخل البنتاغون واشتراط وجود مرافق يحدّ من القدرة على التحقّق من المعلومات بشكل مستقل، ويقلّل فرص الحصول على مصادر أولية ومتنوّعة، مما يضعف عمق ودقة التقارير.

اعتبار الصحافيين “تهديداً أمنياً” لمجرّد كشفهم معلومات من دون إذن يخلق بيئة من الرقابة الذاتية والخوف، حيث يتجنّب الصحافيون تناول مواضيع حسّاسة لكنها مهمة، خشية فقدان تصاريحهم أو الملاحقة.

إنّ طرد وسائل إعلام كبرى وتقليص انعقاد المؤتمرات الصحفية يقلّل من تنوّع المصادر والوجهات الإعلامية، ويحرم الجمهور من وجهات نظر متعدّدة، وهي أساس تكوين صورة متكاملة عن الحقائق.

 تهديد المبادئ الأساسية للصحافة

تتعارض هذه الإجراءات مع المبادئ الأساسية للصحافة المستقلة التي تؤكّد الدراسات الأكاديمية أهميتها:

الشفافية والمساءلة: تمنع القيود الصحافيين من أداء دورهم الرقابي على عمل المؤسسات الحكومية المموّلة من أموال دافعي الضرائب.  كما يحرم الجمهور من حقّه في المعرفة ويضعف المساءلة العامّة.

حرية التعبير والدستور: وصفت وسائل إعلام القيود بأنها “تتعارض مع أسس العمل الصحافي” وتقوّض الحقوق المنصوص عليها في التعديل الأول للدستور الأميركي، الذي يكفل حرية الصحافة . كما أنّ اشتراط الموافقة المسبقة هو شكل صريح من أشكال الرقابة التي تتعارض مع الممارسات الصحافية الحرّة.

تنوّع المصادر والآراء: يؤدّي طرد وسائل إعلام معيّنة وتفضيل أخرى موالية إلى خلق بيئة إعلامية غير متوازنة، لا يعكس فيها المحتوى الإخباري سوى رواية واحدة، مما يضرّ بقدرة الجمهور على تكوين آراء مستنيرة.
مستقبل التغطية في ظلّ هذه القيود

على الرغم من هذه التحدّيات، أعلنت المؤسسات الإعلامية الكبرى عزمها على مواصلة التغطية باستخدام استراتيجيات بديلة، والتمسّك بمبادئ الصحافة الحرة والمستقلة، وقد يشهد المستقبل اتجاهين متوازيين:

تعزيز الصحافة الاستقصائية: قد تزيد الوسائل الإعلامية من اعتمادها على التحقيقات الخارجية والتعاون مع مصادر داخلية للتعويض عن ضعف الوصول المباشر.

اللجوء إلى القضاء: من المحتمل أن تتصاعد التحدّيات القانونية لهذه السياسات، حيث تستعدّ بعض الوسائل لخوض معركة قضائية للطعن في دستوريتها.

باختصار، تدفع هذه القيود نوعية التغطية الإخبارية نحو مزيد من السطحية والتبعية للرواية الرسمية، مما يحول دون حصول الجمهور على تقارير شفافة ودقيقة ومستقلة حول شؤون الدفاع والأمن القومي التي تهمّ المصلحة العامّة.

رفضت معظم وسائل الإعلام الأميركية الكبرى التوقيع على وثيقة القيود الجديدة التي فرضتها البنتاغون على الصحافيين، بينما وقّعت عليها قناة إخبارية واحدة معروفة بمواقفها المؤيّدة للرئيس دونالد ترامب.

أبرز وسائل الإعلام الممتنعة عن التوقيع

يعتبر رفض التوقيع على وثيقة البنتاغون موقفاً جماعياً شمل وسائل إعلامية متنوّعة، من بينها:

نيويورك تايمز (The New York Times) صحيفة

واشنطن بوست (The Washington Post) صحيفة

وول ستريت جورنال (The Wall Street Journal) صحيفة

سي أن أن (CNN) شبكة تلفزيونية

فوكس نيوز (Fox News) شبكة تلفزيونية

ايه بي سي (ABC) شبكة تلفزيونية

سي بي أس (CBS) شبكة تلفزيونية

أن بي سي (NBC) شبكة تلفزيونية

ذا أتلانتيك (The Atlantic) مجلة

أسوشيتد برس (Associated Press) وكالة أنباء

رويترز (Reuters) وكالة أنباء

فرانس برس (Agence France-Presse) وكالة أنباء

أن بي آر (NPR) راديو/منصة رقمية

هوف بوست (HuffPost) منصة رقمية

ذا غارديان (The Guardian) صحيفة

نيوزماكس (Newsmax) شبكة تلفزيونية محافظة

بريكينغ ديفينس (Breaking Defense) منصة متخصصة في الشؤون الدفاعية.

 الوسائل الموقّعة

أعلنت قناة “ون أميركا نيوز” (One America News Network) المعروفة بمواقفها المؤيّدة للرئيس ترامب، أنها وقّعت على وثيقة القيود الجديدة .

علّق وزير الدفاع (الحرب)، بيت هيغسيث، على إعلانات الرفض من وسائل الإعلام بنشر رمز تعبيري لليد تلوّح بالوداع على منصة “إكس” .

2025-10-09-التقرير الأسبوعي

ينشر بالتعاون مع “الميادين”

تبريرات أميركية زائفة تمهّد للاعتداء على فنزويلا

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

وفقًا لما أعلنه مؤخراً وزير (الحرب) الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، فإن القوات الأميركية تنفذ ضربات ضد زوارق يشتبه في تهريبها للمخدرات في منطقة البحر الكاريبي، مدعيةً وجود تفويض لمثل هذه العمليات.

تصاحب هذه العمليات تحركات عسكرية أميركية ملموسة في المنطقة، حيث قامت الولايات المتحدة بنشر ثماني سفن حربية وغواصة تعمل بالطاقة النووية في جنوب البحر الكاريبي، كما أُرسلت عشر طائرات مقاتلة من طراز F-35 إلى جزيرة بورتوريكو.

أكد هيغسيث أن هذه الضربات “ستتواصل حتى تتوقف الهجمات ضد الشعب الأميركي”. وقد سبق أن أعلنت إدارة الرئيس دونالد ترامب أن الولايات المتحدة في حالة “صراع مسلح” مع ما سمتهم “العصابات المنظمة وعصابات المخدرات”.

قامت الإدارة بتصنيف كارتلات المخدرات كـ “جماعات مسلحة غير حكومية” واعتبرت أنشطتها “هجومًا مسلحًا” ضد الولايات المتحدة، كما وصفت المشتبه فيهم بأنهم “مقاتلون خارجون عن القانون”. هذا التصنيف هو الأساس القانوني الذي تقدمه واشنطن لتبرير عملياتها العسكرية المباشرة.

الاستهدافات العسكرية الأميركية للقوارب التي تزعم أنها محملة بالمخدرات بالقرب من فنزويلا تواجه انتقادات قانونية واسعة واعتبرتها جهات متعددة غير قانونية.

كما حذّر البعض ممّا وصفوه برغبة إدارة ترامب في توظيفها ضمن عمليات التحريض والدعاية الهادفة إلى زعزعة استقرار فنزويلا وإطاحة نظامها المناهض للولايات المتحدة.

أبرز الانتقادات والمواقف القانونية

القانون الدولي:

– انتهاك للقانون الدولي والبحري، حيث اعتبر خبراء في الأمم المتحدة هذه الضربات “عمليات قتل خارج نطاق القضاء”.

– عدم تقديم الولايات المتحدة أدلة ملموسة تثبت صحة ادعاءاتها حول وجود مخدرات على متن القوارب المستهدفة.

القانون الأميركي

– إثارة جدل حول الشرعية الدستورية، حيث إن القانون الأميركي لا يفرض عقوبة الإعدام على جرائم الاتجار بالمخدرات.

– انتقاد من أعضاء في الكونغرس (من الديمقراطيين وبعض الجمهوريين) للإجراء نظراً لغياب “محاكمة عادلة” و”مسار قضائي واضح”.

الردود الدولية

-إدانة من خبراء حقوق الإنسان في الأمم المتحدة للضربات واعتبارها غير قانونية.

– اعتبار فنزويلا وعدد من حلفائها في دول الكاريبي هذه العمليات “غير قانونية” وذريعة لـلسعي إلى “تغيير النظام” فيها.

 خلاصة الوضع القانوني

حتى الآن، لا تعتبر هذه العمليات قانونية بشكل واسع، وتواجه معارضة قوية على أسس قانونية دولية ومحلية.

تعتمد الإدارة الأميركية تبريرات تقوم على “حماية الأمن القومي” و”مواجهة الإرهاب”، بينما يرى معظم الخبراء القانونيين (كما نلحظ أدناه) أنها تفتقر إلى سند قانوني رصين وتشكل سابقة خطيرة.

تبريرات أميركية تفتقر إلى السند القانوني

تعتمد التبريرات القانونية الأميركية لاستهداف القوارب في الكاريبي بالقرب من فنزويلا على مزاعم تتعلق بمكافحة “الإرهاب المخدراتي”، لكنها تواجه تشكيكًا قانونيًا وسياسيًا كبيرًا:

التبرير القانوني المقدم من الولايات المتحدة يتركّز على:

تصنيف الخصم المزعوم هنا، تصنيف عصابات مثل “ترين دي أراجوا” كـ “منظمات إرهابية مخدراتية”.   لكن مصطلح “إرهاب مخدراتي” ليس مصطلحًا معترفًا به في القانون الدولي ولا يخلق استثناء من قواعد حقوق الإنسان والقانون الإنساني.

كذلك الادعاء بوجود حالة من “النزاع المسلح” مع هذه المنظمات، ما يخوّل القوات الأميركية استخدام القوة المميتة بموجب قانون الحرب.

لكن لو سلمنا جدلاً بأن الجماعات المستهدفة هي عصابات مخدرات منظمة، فالقوانين الدولية وحتى الأميركية ترفض فكرة وجود نزاع مسلح لأن جماعات الجريمة المنظمة، مهما بلغ عنفها، لا تُعتبر أطرافًا في نزاع مسلح وفقًا للقانون الدولي.

كما أن الادعاء بالاعتماد على السلطات الدستورية للرئيس (ترامب) بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة ورئيس السلطة التنفيذية لإدارة العلاقات الخارجية لا يستقيم هنا لغياب التفويض القانوني من الكونغرس (القانون المحلي) الذي يصرّح بشكل محدد باستخدام القوة العسكرية في هذا السياق.

أما الادعاء بمشروعية العمل الاستباقي باختيار تدمير القوارب لـ”إرسال رسالة واضحة للعصابات” بعدم التسامح مع نشاطها، يعد ببساطة انتهاكاً للحق في الحياة وخطر الحرمان التعسفي من الحياة بموجب القانون الدولي، حيث إن القوة المميتة في وقت السلم مسموح بها فقط لإنقاذ حياة بشكل فوري لا كرسالة رادعة.

باختصار، تقدم الإدارة الأميركية تبريراتها من خلال إطار “النزاع المسلح مع منظمات إرهابية”، بينما يرى خبراء قانونيون ومعارضون أن هذه العمليات تفتقر إلى سند قانوني رصين في القانونين الدولي والأميركي، وتشكل سابقة خطيرة لاستخدام القوة العسكرية ضد مدنيين مشتبه فيهم خارج نطاق القضاء. والبعد الآخر غير الصريح هنا هو خلق أجواء تحريضية عدائية لتبرير استهداف فنزويلا بعمليات عسكرية على أراضيها.

2025-10-06-التقرير الأسبوعي

ينشر بالتعاون مع “الميادين”

تحذيرات ترامب من العدو الداخلي

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

حظي اجتماع الرئيس الأميركي دونالد ترامب ووزير الدفاع بيت هيغسيث مع القادة العسكريين في قاعدة كوانتيكو بتغطية إعلامية واسعة، وتركزت الحصيلة حول خطابات مثيرة للجدل وحملت تحذيرات من تبلور “عدو داخلي”، وإعلان خطط لإصلاح هيكلية القوات المسلحة، ما أثار ردود فعل قلقة.

تركّز خطاب ترامب على التحذير من “عدو داخلي”، واتهام “الديمقراطيين الراديكاليين” بإضعاف سلطة القانون في المدن الأميركية.

وكرر الإعلان عن خطة لاستخدام قوات مسلحة للتجول في مدن أميركية بكامل عتادها، تعتبر غير آمنة بنظر ترامب (معظمها تحت سيطرة الحزب الديمقراطي) كمواقع تدريب للجيش.

برز في خطاب هيغسيث إعلانه عن خطة إصلاحية من 10 نقاط تستهدف تجديد المنتسبين لمنظومة “أخلاق المحارب”، وتشمل فرض اختبارات لياقة بدنية صارمة ومعايير مظهر أكثر تقليدية.

تصاعدت الردود والانتقادات على الخطب حيث وصف مسؤولون سابقون ونواب في الكونغرس الخطابين بـ “الأكثر عدائية تجاه المدنيين” محذّرين من “تسييس المؤسسة العسكرية”، كما انتقد قادة عسكريون كبار حرصوا على عدم الإفصاح عن هوياتهم الاجتماع واعتبروه “إشكالياً”.

بعض تفاصيل الخطابات المثيرة للجدل

تحذيرات ترامب من “عدو داخلي”: في خطابه الذي استمر قرابة ساعة، لم يحدد ترامب ماهية هذا العدو بوضوح، لكنه اتجه إلى اتهام “الديمقراطيين الراديكاليين” بجعل المدن الكبرى مثل نيويورك وشيكاغو “غير آمنة”، ودعا إلى إعادة تشكيل الجيش ليكون “أقوى وأشرس”. كما هاجم سلفه جو بايدن بشدة فيما يتعلق بالانسحاب المذلّ من أفغانستان.

خطة هيغسيث للإصلاح: ركز وزير الدفاع على ما سماه منظومة “أخلاق المحارب” التي يجب استعادتها، معلناً عن خطة من 10 نقاط تشمل :

فرض اختبارات لياقة بدنية صارمة مرتين سنوياً؛ والعودة إلى “المعايير الذكورية الأعلى” في وحدات القتال؛ وتطبيق معايير صارمة للمظهر متعلقة بالحلاقة.

وانتقد إيديولوجية اليقظة” (Woke) التي تستدعي الوعي بمفاعيل التحيز والتمييز العنصريين أو الظلم الاجتماعي عموماً وداخل المؤسسة العسكرية.

أثار الخطاب والاجتماع بشكل عام ردود فعل غاضبة ومستاءة:

قلق دستوري: أعرب مسؤولون سابقون في البنتاغون ونواب في الكونغرس عن قلقهم العميق من تجاوز القيود الدستورية في استخدام القوات المسلحة لمهام داخل المدن الأميركية، وامتداداً من محاولة تسييس المؤسسة العسكرية.

انتقادات داخلية: نقلت تقارير عن جنرالات أميركيين مجهولي الهوية انتقادهم الحاد للاجتماع، حيث وصفه أحدهم بأنه “أشبه بفيلم”، وتساءل آخر عن سبب انعقاده من الأساس، معتبرين أنه كان من الممكن إرسال محتواه عبر البريد الإلكتروني.

رسالة داخلية بغطاء عسكري

يمكن القول إن الحصيلة الفعلية للاجتماع تتلخص في توجيه رسالة سياسية داخلية حادة لتقويض الحريات العامة تحت غطاء عسكري، مع الإعلان عن توجّهات لإجراء تغييرات ثقافية واسعة في الجيش الأميركي، وهو ما قوبل بقلق من مراقبين ومسؤولين سابقين يرون في هذه الخطوات خطراً على الحياد التقليدي للمؤسسة العسكرية الأميركية.

ردود الفعل الداخلية على الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأميركي دونالد ترامب ووزير الدفاع بيت هيغسيث كانت واسعة أيضاً، راوحت بين الاستياء والقلق من جانب مسؤولين سابقين وأعضاء في الكونغرس، والترحيب من قبل المؤيدين.

خطاب ترامب حول ما وصفه بـ “حرب من الداخل” أثار القلق من تجاوز النصوص الدستورية لاستخدام الجيش داخلياً، أي تسييس الجيش، ويعدّ كسراً للتقليد الراسخ بإبقاء المؤسسة العسكرية بعيدة عن الصراعات السياسية.

تهديد ترامب وهيغسيث للعسكريين بالعزل أو التسريح من الخدمة يمكن تفسيره بأنه محاولة لفرض الولاء الشخصي وتعزيز مناخ الخوف داخل البنتاغون.

خطة هيغسيث “لإصلاح الجيش” أثارت انتقادات من داخل البنتاغون، كما كان متوقعاً، من دون الإفصاح عن هوية المنتقدين، حيث شكّك مسؤولون (وفقاً لنشرة “بوليتيكو) في جدوى استدعاء مئات كبار القادة لمحاضرة عن “أخلاق المحارب”، ورأوا أن ذلك إهانة للقادة المخضرمين.

كما وُجهت اتهامات بالتبذير حول تكلفة وتوقيت الاجتماع، حيث قُدرت تكاليف سفر القادة بملايين الدولارات. كما عبّر بعض أعضاء الكونغرس عن استيائهم (خاصة الديموقراطيين) مطالبين بالحصول على إجابات من البنتاغون بشأن التكاليف والمخاطر الأمنية للاجتماع المفاجئ.

باختصار، أحدث خطاب ترامب وهيغسيث حالة من الاستقطاب والجدل والانقسام في الداخل الأميركي، حيث نظر إليه الموالون على أنه تأكيد لجدية الإدارة في تعزيز الأمن وإصلاح الجيش، بينما رأى فيه المنتقدون خطوة غير مسبوقة نحو تسييس المؤسسة العسكرية وتجاوزاً للضوابط الدستورية والتقاليد العسكرية الراسخة، ما أثار قلقاً واسعاً بشأن مستقبل الدور المهني المستقل للجيش الأميركي.