2023-26-09-التقرير الأسبوعي

العلاقات السعودية الأميركية:
إغراءات واشنطن باتفاق دفاعي مقابل التطبيع

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

تعتبر الحكومات الأميركية المتعاقبة أن جوهر علاقاتها مع الكيان السياسي في السعودية هو “علاقة أمنية طويلة الأجل”، لكنها دوما ما كانت تشهد بعض التجاذب، لخشية الأخيرة من تراجع مكانتها في الاستراتيجية الكونية الأميركية، إذ سرعان ما “تتطوع” لتقديم العون المالي، والبشري عند الضرورة، كقطب مساعد لبسط الهيمنة الأميركية، كما شهدت ساحات عالمية عديدة امتدادا من أفغانستان وليس انتهاء بنيكاراغوا والبوسنة (الاقتباس من تقرير لوزارة الخارجية الأميركيةبعنوان “علاقات الولايات المتحدة مع السعودية”، بتاريخ 11 أيار/مايو 2022).

وفي وقت لاحق، عدّلت الخارجية الأميركية مبتغاها من العلاقة مع السعودية بأنها تتشاطر والأهداف الأميركية في “رسم القضايا السياسية والأمنية، ومكافحة الإرهاب، والاقتصادية وقضايا الطاقة، بما في ذلك ابتكار الطاقة النظيفة، لتعزيز رؤيتنا المشتركة لشرق أوسط أكثر سلامًا، وأمنًا وازدهارًا واستقرارًا”. (تقرير وزارة الخارجية بعنوان “‘علاقة الولايات المتحدة والسعودية: 8 عقود من الشراكة”، 6 حويران/يونيو 2023).

بالمقابل، يجزم الجانب الرسمي السعودي بأن العلاقة مع الولايات المتحدة تستند إلى “أسس راسخة مبنية على الاحترام والتعاون المتبادل والمصالح المشتركة”، خصوصاً بعد انخراطها وقبولها في مجموعة G-20 الصناعية، وعقب زيارة الملك سلمان لواشنطن في أيلول/سبتمبر 2015 (تقرير لوكالة الأنباء السعودية، واس، 15 تموز/يوليو 2022).

تطورت طبيعة العلاقات اطراداً باقتراب الرياض من واشنطن بوتائر أسرع وتقديم معدلات أكبر من “الـخدمات”، وأنها لا تكلّ عن جهود تطويع الإقليم وما بعده للاصطفاف وراء “السيّد الأميركي”، بدءاّ بنقل مصر من مرحلة “الجمهورية العربية المتحدة” إلى الصلح المنفرد مع عدوّها القومي، و”تسويق” تبعيتها للاقتصاد الأميركي بالقضاء تدريجياً على مكتسبات آليات التصنيع في القطاع العام وإعلاء نهم الاستهلاك عوضاً عن التنمية الداخلية.

شددت واشنطن على اختزال العلاقة مع الرياض، منذ مطلع الألفية الثانية، إلى مستويات “ترتيبات أمنية” في الإقليم، ولاتزال السعودية تحتل المرتبة الأولى كأكبر مشترٍ للمعدات العسكرية الأميركية في العالم. ولم تعد واشنطن تولي الأهمية السابقة لمصادر الطاقة في الجزيرة العربية بعد بلوغها المرتبة الأولى عالميا في استخراج وتصدير النفط.

دخلت العلاقات الثنائية بين الرياض وواشنطن أطواراً متعددة منذئذ، نتيجة تطورات القوة العسكرية والاقتصادية الأميركية، وشهدت بعض التجاذب إلى أن بلغت مرحلة تعرّضها إلى هزات وارتجاجات بعد صعود ولي العهد محمد بن سلمان، وانضمام الرياض إلى مجموعة “أوبك +” التي تضم روسيا لخفض انتاج النفط بمعدل مليوني برميل يومياً.

مسار صعود ولي العهد السعودي دشّنه بإبعاد الطاقم “القيادي التقليدي” في الرياض، والموالي بالكامل لواشنطن ولندن، عن مراكز القوى وصناعة القرار، وما لحقه من تداعيات نتيجة اغتيال جمال خاشقجي، في 2 تشرين الأول/أكتوبر 2018، والتي على أثرها أصدر الرئيس الأميركي جو بايدن جملته الشهيرة بأن السعودية تحت “وصاية” محمد بن سلمان أضحت “منبوذة” عالميا، متوعّدا بمعاقبته.

بيد أن المصالح الأميركية العليا اقتضت تراجع الرئيس بايدن بعض الشيء عن معارضته لتصرفات ولي العهد الجديد، وما لبث أن قام بزيارة رسمية للقاء الأخير في جدة لتهدئة العلاقات المتوتّرة، في 16 تموز/يوليو 2022، أسفرت عن “توقيع اتفاقية بشأن شبكات اتصالات السعودية، ووافقت الرياض على فتح مجالها الجوي أمام الرحلات الجوية المدنية الإسرائيلية مقابل السيطرة السعودية على جزيرتي تيران وصنافير في البحر الأحمر، كما تم تمديد الهدنة في اليمن لمدة شهرين آخرين. ومع ذلك غادر بايدن جدّة من دون اتفاق بشأن تعزيز إنتاج النفط أو تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وهما هدفان رئيسيان للزيارة”، بحسب مراكز الأبحاث المقربة من الرياض.

على الرغم مما شهدته الفترة الزمنية القريبة من انفراج نسبيّ في العلاقات بين الرياض وطهران، إلا أن الأولى ما زالت تطرق ما استطاعت من أبواب في مراكز القوى العالمية للتحذير من “امتلاك إيران سلاحاً نووياً”، غير عابئة بتأكيدات وفتاوى صدرت عن المرشد الأعلى يحرّم فيها اقتناء أسلحة نووية.

ويأتي ذلك في سياق دعم “مخاوف إسرائيل” من فقدانها المركز الأوحد نووياً في عموم المنطقة، لتبدأ الرياض باتخاذ خطوات موازية وإعرابها عن “حتمية تطبيع العلاقات مع تل أبيب”، طمعاً فيما تعتقده أنه إمكانية تسخير نفوذ اللوبي الصهيوني في أميركا لخدمة سياسة ولي العهد.

ومن أبرز التطورات في هذا الشأن كانت مقابلة متلفزة مع الأمير الشاب، سُجّلت مسبقاً، أجراها باللغة الإنكليزية التي يتقنها “بطلاقة”، مع شبكة “فوكس نيوز” وهي المنبر الرئيسي لتيار اليمين الأميركي المتشدّد، وللمحافظين الجدد على السواء.

موعد البث جاء بعد وقت قصير من لقاء الرئيس الأميركي جو بايدن مع بنيامين نتنياهو، اثناء وجودهما في نيويورك لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، الأمر الذي طغى على مقابلة الأمير السعودي في وسائل الإعلام.

اللافت في تلك المقابلة كان خفّة اهتمام وسائل الإعلام الأميركية المختلفة، واكتفت معظمها بنقل تسريب شبكة “فوكس نيوز” لمقتطفات منها قبل موعد البث، باستثناء إطراء الشبكة عينها والترويج للمقابلة بأنها “المقابلة الأولى التي يجريها مع شبكة إخبارية أميركية رئيسية منذ عام 2019” (موقع “فوكس نيوز” الإلكتروني، 18 أيلول/سبتمبر 2023).

ربما أهم وأخطر ما جاء من تصريحات في المقابلة المذكورة ، طمأنة ابن سلمان للمتلقي الأميركي، وامتداداَ الغربي، بعزمه تطبيع العلاقات مع “تل أبيب” والتي “يقترب منها يوماً بعد يوم”، بحسب المادة الإعلامية المنشورة، وذلك في سياق نهج ولي العهد في “العلاج بالصدمة” (معهد “كارنيغي”، 27 تشرين الأول/أكتوبر 2020).

أيضاً، وجّه ابن سلمان سهام انتقاداته لإيران من زاوية رجائه لواشنطن بمعاملته أفضل عما ذي قبل، خصوصاً بطرحه سابقاً على الرئيس بايدن خلال زيارته المذكورة لجدّة طالباً المساعدة الأميركية لإنشاء بنية تحتية للأبحاث النووية، “أسوة بإيران” التي “إن امتلكت القنبلة النووية فبنبغي على الرياض حيازتها أيضاً”.

معظم مراكز الأبحاث والنخب السياسية الأميركية تحذر دوماً من “انتشار الأسلحة النووية” في الشرق الأوسط، مع إقرارها بأن “إسرائيل تمتلك أكثر من 200 رأس نووي”، لكنها لا تخضع للمساءلة أو المراقبة.

بيد أن المقابلة المذكورة لا تشكل المرة الأولى التي يتم فيها “طلب مسؤول سعودي” الحصول على قنبلة نووية. إذ قال ابن سلمان في تصريحات أجراها مع شبكة “سي بي أس” الأميركية عام 2018، إنه إذا طوّرت إيران قنبلة نووية فستفعل المملكة العربية السعودية الشيء نفسه في أسرع وقت.

وتبعه رئيس جهاز الاستخبارات السعودية الأسبق الأمير تركي الفيصل بتصريح مماثل لشبكة “أم أس أن بي سي” الأميركية قائلاً: ” يتحتم علينا القيام بكل ما هو ضروري للدفاع عن أنفسنا، بما في ذلك تطوير قنبلة نووية، لمواجهة احتمال وجود إيران مسلحة نوويًا” (موقع “سي أن أن” الإلكتروني العربي، 19 تشرين الثاني/نوفمبر 2021).

أميركياً، لم يُرصد أي تحوّل لافت في الموقف الرسمي من “عدم انتشار الأسلحة النووية”، باستثناء “إسرائيل”. وأبعد ما تذهب إليه دوائر صنع القرار في واشنطن هو التماهي مع “النموذج الإماراتي”، إذ يجري تطوير قدرات نووية دون تخصيب اليورانيوم، بل الحصول عليه من الخارج بكميات تتناسب مع التطبيقات المدنية. يشار أيضاً إلى أن “النموذج الإماراتي” يحظى بتأييد الثنائي واشنطن وتل أبيب، وديمومة التنسيق بينهما.

في الشق القانوني الصرف، يقيّد القانون الفيدرالي 22 ساري المفعول السلطة التنفيذية الأميركية من نشر التقنية النووية ويعتبره “تهديداً مميتاً للأمن والمصالح الأميركية، وكذلك لاستمرار التوجّه العالمي نحو إرساء السلام والتنمية الدوليين”.

لكن في ظل الصراع الكوني بين الولايات المتحدة من جهة، وكلّ من روسيا والصين اللتين تتقدّمان بثبات في شبه الجزيرة العربية، قد تنحو باتجاه تحوّل الرياض شرقاً لتبرم صفقة مماثلة مع الصين التي ستعطي شروطاً أفضل للسعودية.

ربما أفضل الخيارات المتداولة بشدة في العاصمة الأميركية يتمحور حول عقد معاهدة دفاع مشترك مع الرياض لكن بشروط أميركية تبقي على “تفوّق الأسلحة الإسرائيلية”.

تسارع ادارة بايدن لتحقيق اختراق بالتوصّل الى تطبيع سعودي – إسرائيلي وتلوح بتقديم مغريات لولي العهد للإقدام عليها، لكن شروط السعودية لا تزال تواجه عقبات في الداخل الأميركي، ولطبيعة تكوين حكومة نتنياهو العاجزة عن تقديم الحد الأدنى الذي يمنح السعودية الغطاء الذي تحتاجه لتسويق التطبيع، لا يبدو أن فرص بايدن متاحة بشكل وافٍ لتحقيق هكذا إنجاز لتوظيفه في الانتخابات الرئاسية  المقبلة .

2023-14-09-التقرير الأسبوعي

ينشر بالتعاون مع “الميادين”

العالم أمام تحدّي محاسبة أميركا على
استخدامها قنابل عنقودية ويورانيوم منضب

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

يأتي مخزون الولايات المتحدة من اليورانيوم المنضب في المرتبة الأولى عالمياً، إذ بلغ 480 ألف طن لعام 2002 (بحسب بيانات وزارة الطاقة الأميركية)، وقد استخدمته كسلاح في حرب الخليج الأولى، “عاصفة الصحراء” عام 1991، وأطلقت ما لا يقل عن 300 طن متري، أي ما يعادل 10 آلاف صلية، في أنحاء العراق كافة، (صحيفة “ذي غارديان” اللندنية نقلاً عن تقرير منظمة “السلام العالمي” في هولندا، 19 حزيران/يونيو 2014).

ورصد “برنامج الأمم المتحدة للبيئة” نشر الولايات المتحدة وحلفائها نحو “170 إلى 1700 طن” من اليورانيوم المشعّ خلال غزوها للعراق. أما حصة سوريا فقدّرتها البنتاغون بـ “آلاف الطلقات من ذخيرة اليورانيوم المشعّ” أطلقت خلال الغارات الجوية عليها عام 2015.

مدينة الفلوجة العراقية كانت هدفاً مستمراً للقوات الأميركية، ليس بالذخائر المشعة فحسب، بل في تخزينها وتفجيرها في تربتها، بمكوّناتها النووية والكيميائية والنفايات الطبية والبشرية كافة ، بدءاً من “عام 2003 ولغاية 2011”. وشهدت القاعدة الجوية في بلد العراقية “حرق نحو 90 ألف عبوة بلاستيكية يوميا”، وما ينتج عنه من سحابات دخان كيميائية ضارّة (أسبوعية “نيوزويك”، 4 نيسان/إبريل 2016).

التدقيق في أحدث البيانات الأميركية الخاصة بمخزونها من “فائض اليورانيوم المنضب” لا يأتي بجديد، بل يلاحظ المرء تلاعب الأجهزة الرسمية، من وزارة الطاقة وهيئاتها المختلفة، في عدم الكشف عن حجم المخزون المتزايد واستخداماته، بحسب تقرير لجامعة هارفارد العريقة (“اليورانيوم المنضب، دمر القطاع الصحي: العمليات العسكرية وتلوّث البيئة في الشرق الأوسط”، 22 أيلول/سبتمبر 2021).

يندر أن نجد من يجادل للدفاع عن نهج الولايات المتحدة وحلفائها بإخفاء الحقائق العلمية الموثقة لاستعمال هذه الأسلحة، والأثار السلبية على السلامة العامة للإنسان والحيوان والتربة والمياه الجوفية لمديات طويلة. بل تسخّر واشنطن نفوذها الهائل لدى المؤسسات الدولية ذات الصلة لعدم حظر أو تقييد استخدام تلك الأسلحة، وما يترتب عليها من مساءلة أممية وخطوات عقابية.

يشار إلى أن الاتفاقية الدولية الخاصة بحظر استعمال اسلحة تقليدية معينة، لعام 1980، نصّت على ان “يحظر استخدام أساليب أو وسائل حربية يقصد بها او يتوقع منها ان تسبب للبيئة الطبيعية إضراراً واسعة النطاق وطويلة الأمد وشديدة الأثر “.

الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التابعة للأمم المتحدة، أشارت عام 2009 إلى أن الدراسات التي أجريت في يوغوسلافيا السابقة والكويت والعراق ولبنان وسوريا وليبيا بشأن بقايا اليورانيوم المنضب أنه “لا يشكل خطراً إشعاعياً لسكان المناطق المتضررة أو البيئة”، وذلك على نقيض الحقائق العلمية المتوفّرة والتي تؤكد أن استنشاق غبار اليورانيوم المنضّب يشكل أخطاراً صحية، بما في ذلك السرطان والعيوب الخلقية للأجنّة البشرية.

وصرّحت الناطق باسم البنتاغون سابرينا سينغ بأن “مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها – Centers for Disease Control” ذكرت بأنه لا يوجد دليل على أن ذخائر اليورانيوم المنضّب تسبّب السرطان، كما أن منظمة الصحة العالمية أفادت بأنه لم تسجّل زيادة في حالات السرطان بعد التعرض لليورانيوم المنضّب.

بينما حذّر تقرير سابق صادر عن البنتاغون عام 1993 من ارتفاع نسبة إصابة الجنود بالسرطان بنسبة عالية حين تعرّضهم لغبار اليورانيوم المنضّب، بالرغم من نسبة سميّته المتدنية نحو 40% . كما بيّنت دراسة أجرتها “إدارة شؤونالمحاربين”، بعد حرب الخليج الثانية، أن 67% من أطفال الجنود الذين ولدوا بعد الحرب يعانون من تشوّهات خلقية.

مناسبة هذه المقدمة الكاشفة للمخاطر هي إعلان الحكومة الأميركية عن تزويد أوكرانيا بشحنات جديدة من قذائف اليورانيوم المنضب، من عيار 120 ملم مخصصة لدبابات “أبرامز M1A2” الأميركية، لاستخدامها ضد الدروع الروسية، لتنضم إلى شحنات أخرى من القذائف العنقودية سلمتها لكييف أيضاً.

إجرائياً، يستند الرئيس بايدن في مواصلته تمويل حزمة المساعدات الأميركية لأوكرانيا إلى تفويض السحب الرئاسي، الذي يسمح للرئيس بنقل المعدات والأفراد من دون موافقة الكونغرس خلال حالة الطوارئ.

علمياً، فاليورانيوم المنضّب هو عبارة عن نفايات نووية مشعّة عالي الكثافة، وصفته “الوكالة الدولية للطاقة النووية” بأنه يُستخدم في صنع الأسلحة لأنه عالي الكثافة ويشتعل ذاتياً نتيجة طاقة حركية عالية، ترافقه سحابة حارقة من المعادن والغبار، ويصبح أكثر حدة عندما يخترق الصفائح المدرعة.

عند استخدام سلاح اليورانيوم المنضّب، ينتج عنه غبار “أكسيد اليورانيوم المشع”، الذي يبقى عالقاً في الجو، وينتقل مع الرياح إلى مسافات بعيدة، ويبقى نشطاً نحو 4.5 مليارات سنة، بحسب بيانات “هيئة ضبط الطاقة النووية – Nuclear Regulation Commission” الأميركية.

توقيت الإعلان الأميركي أعلاه يعود إلى مطلع العام الحالي، يناير /كانون الثاني، عندما وافق البيت الأبيض على تزويد أوكرانيا بنحو 31 دبابة من طراز “أبرامز” الأميركية، التي ستطلق الذخائر المشعّة لتعزيز قدرات أوكرانيا على مواصلة هجومها المضاد ومواجهة الدبابات الروسية.

يشار إلى أن “البنتاغون” حثت الساسة الأميركيين على تذخير دبابات “أبرامز” بقذائف اليورانيوم المنضّب، والتي يستخدمها الجيش الأميركي بانتظام وتطلق بسرعة عالية “بما يمكنها من اختراق الدرع الأمامي للدبابة الروسية من مسافة بعيدة”.

التوقيت يندرج أيضاً في صميم الأهداف السياسية الأميركية لتمكين أوكرانيامن  إحراز تقدّم ملحوظ في ساحة المعركة، وتعزيز وضع كييف التفاوضي إن عقدت محادثات السلام.

ما ينتظر أوكرانيا ومحيطها الجغرافي، بعد أن تضع الحرب أوزارها، هو حجم الأضرار الهائلة لتربتها ومياهها الجوفية نتيجة الذخائر المشعّة، فضلاً عن عدد لا يحصى من عبوات وقذائف عنقودية لم تنفجر والتي لا زالت تحصد أرواح أطفال يمارسون نشاطاتهم اليومية في فيتنام وأفغانستان والعراق وليبيا ولبنان وسوريا.

برامج الأمم المتحدة لتخصيص الميزانيات والخبرات المطلوبة لنزع التلوث من البيئة تبقى أسيرة موازين القوى الدولية الراهنة، ويتعثر أداؤها في الأماكن والبلدان التي لا تخضع للهيمنة الأميركية بالكامل، مثل جنوب لبنان، على سبيل المثال.

والمطلوب أممياً هو إعادة صياغة نظم وإجراءات علمية لمعالجة التلوّث البيئي من مخلّفات الحروب، الأمر الذي لا يبشر خيراً في المدى المنظور نظراً لتفاقم الصراع وحدّة الاستقطاب الدولي.

2023-05-09-التقرير الأسبوعي

ينشر بالتعاون مع “الميادين”

انقلاب الغابون: نموذج سياق تحرري
إفريقيا أمام امتحان نزع التبعية للغرب

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

اقترنت ظاهرة الانقلابات العسكرية في الدول النامية، بدور أميركي بارز في أغلبها، سواء لناحية التخطيط المسبق أو لجني مكاسب اقتصادية وسياسية ودعم الصفوف الأولى للانقلابات المتعددة، نظراً لتمثيلها شرائح اجتماعية واقتصادية محلية وثيقة الصلة بالغرب، وتحديداً مؤسستي البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، كمنفذ إجباري لتكريس تبعية البلاد للهيمنة الغربية.

الميول السياسية لمعظم قادة تلك الانقلابات في القارات النامية الثلاث، آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية، تميّزت بإجراءات أمنية مفرطة القسوة داخلياً، وحكم استبدادي فاشي الطابع، وافتتاح سجون ومعتقلات لكل فئات الشعب المتنوّرة، واكبه تراجع ملحوظ في عملية التنمية المحلية وفتح أسواقها أمام المؤسسات الاقتصادية والمالية الغربية، والأميركية بشكل مباشر.

في أوج الحرب الباردة، خصوصاً في الفترة التي تلت نهاية الحرب العالمية الثانية، برزت انقلابات “مموّلة” أميركيا، وامتداداً بريطانياُ، مثل تركيا واليونان وإيران واندونيسيا، ودعمها نماذج الحكم الأشد يمينية وتطرفاً في كل من البرتغال وإسبانيا، في ظل معادلة الصراع الكوني على النفوذ العالمي في مقابل الكتلة الاشتراكية والاتحاد السوفياتي السابق.

الولايات المتحدة في عموم القارة الإفريقية، وخصوصاً جنوب الصحراء الكبرى، ناصبت العداء لمعظم مجتمعاتها القبلية وحركات التحرر والاستقلال الوطني الوليدة، وفاقمت سياساتها بدعمها نظامي التفرقة العنصرية في كل من جنوب إفريقيا وروديسيا (زمبابوي) امتد لمرحلة متأخرة بعد نهاية الحرب الباردة.

وبعد استتاب نسبي للأمن الداخلي في دول أواسط إفريقيا، هي 7 دول منها الغابون، بحسب تعريف بنك التنمية الإفريقي، سارعت واشنطن إلى تكبيل تلك الدول بمعاهدات أمنية وعسكرية، ونيل موافقتها لإنشاء قواعد عسكرية أميركية متعددة المهام والبنى التحتية، وتوسيع رقعة انتشارها امتداداً من القرن الإفريقي إلى معظم الدول الإفريقية الأخرى.

شهدنا في الآونة الأخيرة بزوغ نزعة تحررية في بعض دول غربي إفريقيا، عنوانها الانفكاك من تبعية فرنسا، وإلغاء الاتفاقات السابقة التي تمنحها قواعد عسكرية، والتوجه نحو تصويب بوصلة التنمية المحلية التي لن يكتب لها النجاح من دون القضاء على النفوذ الفرنسي، سياسياً واقتصادياً، في المرحلة الأولى.

راقبت واشنطن انتكاسات فرنسا المتتالية في “مستعمراتها السابقة”، مالي وبوركينا فاسو والنيجر، ونسجت علاقات وثيقة بالمقابل مع معظم البنى العسكرية في تلك الدول، تدريباً وتسليحاً، ولم يسجّل استهداف مباشر لحضورها حتى الآن.

كما أخذت علماً لتباين الموقف الفرنسي الذي دان بشدّة حالة انقلاب النيجر في مقابل عدم تعرّضه سلباً لمجموعة ضباط انقلاب الغابون، ورفضت باريس طلب الضباط مغادرة السفير الفرنسي أراضي البلاد، ما اضطر المحكمة العليا إلى اتخاذ قرار بترحيله عنوة ونزع حصانته الديبلوماسية.

وعبّرت النخب السياسية والاقتصادية الأميركية عن رضاها لما حلّ بالوجود الفرنسي في دول الساحل الإفريقي، إذ شكّل “الانقلاب ضربة جديدة للمصالح الفرنسية في إفريقيا. وحظر قادة الغابون تصدير الخشب الخام ما يعني إلغاء فرص عمل في فرنسا” (صحيفة “نيويورك تايمز” 30 آب/ أغسطس 2023).

موقف واشنطن الرسمي من انقلاب الغابون تحديداً  كان “مهذّباً” ديبلوماسياً بإعراب الناطق باسم مجلس الأمن القومي جون كيربي عن “قلق” بلاده العميق من قادة الانقلاب. وفي موقف موازٍ أُطلق العنان لتصريحات بعض مسؤوليها لتسجيل “تحفظات” رسمية على نتائج الانتخابات الأخيرة في الغابون، وكذلك عدم رضاها عن رفض الرئيس المخلوع علي بانغو إشراف فرق أممية على سير الانتخابات التي كانت نتائجها سبباً مباشراً لتوقيت الانقلاب.

أوفدت واشنطن نائبة وزير الخارجية فيكتوريا نولاند إلى جنوب إفريقيا لبحث عدد من الملفات المشتركة، ومنها حشد دعم بريتوريا لمساندتها في الغابون، وقد قوبلت باهتمام متواضع وتقييم ينبئ بجهلها أوضاع القارة السمراء وإرهاصاتها.

وقال مسؤول في حكومة جنوب إفريقيا: “عملت مع الأميركيين أكثر من 20 عاماً، ولم ألمس ردود أفعال مستميتة (مثل نولاند)، وفوجئت تماماً برياح التغيير التي تعصف بالمنطقة”.

للدلالة على تكيّف واشنطن، وربما تحضيراً لدور ما هناك، أفاد “معهد السلام الأميركي”، التابع لوزارة الخارجية، بضرورة “مبادرة المجتمع الدولي إلى إيلاء أولوية دعمه لتأييد إجراءات إصلاحية في مؤسسات الغابون الرسمية، والتي لا زالت ضعيفة، ودورها التاريخي كان في خدمة النخب” الحاكمة (“معهد السلام الأميركي”، 31 آب/أغسطس 2023).

تثير الولايات المتحدة تنامي حضور كلِّ من روسيا والصين في القارة الإفريقية، وتبني عليه خطابها السياسي وتوجهاتها “لتقويض” نفوذ منافسيها هناك.

يشار إلى حجم الاستثمارات الاقتصادية الضخمة، خصوصاً من الصين، والتي بلغت نحو 155 مليار دولار في الدول الإفريقية جنوب الصحراء الكبرى في السنوات القليلة الماضية. في المقابل، كبّلت الولايات المتحدة العديد من الدول الإفريقية بقواعد عسكرية بذريعة مناهضة التيارات والمجموعات المتشددة، وإبرام اتفاقيات تمنحها حصانة من تطبيق السيادة الوطنية.

في المقابل، استضافت روسيا مؤتمراً لزعماء الدول الإفريقية أو من ينوب عنهم، أسفر عن اتفاقيات لزيادة التبادل التجاري، ووعود من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بتصدير الحبوب الروسية إلى إفريقيا مجاناً لإعانتها على تجاوز حالات المجاعة المتعددة.

اللافت في تداعيات انقلاب الغابون هو تعزيز بعض القادة الأفارقة المحليين أمنهم الشخصي، وبالتالي استدامة نظام الحكم. وقد خطا رئيس رواندا بول كيغامي على عجل بهذا الاتجاه بإقالته نحو 100 من كبار الضباط لتحصين موقعه الرئاسي من تحديات مفترضة.

من المبكّر حالياَ إصدار أحكام عن توجهات قادة الانقلاب محلياً ودولياً، نظراً إلى شح المعلومات الموثقة، باستثناءا ما يتم تداوله بأن “الغابون بلد غني بالنفط”، ولضبابية الأوضاع الانتقالية، التي أدى على أثرها رئيس مجموعة الضباط “ضمن لجنة المرحلة الانتقالية”، بريس أوليغي نغيما، اليمين الدستورية كرئيس مؤقت للبلاد، معرباً على الفور عن عزم مجموعة الضباط على التصدي لأي تدخل عسكري، وخصوصاً من رؤساء دول المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا “إيكواس”.

2023-30-08-التقرير الأسبوعي

ينشر بالتعاون مع “الميادين”

المحيطات ملك للبشرية جمعاء وليست
ملكاً خاصاً لليابان ونفاياتها المشعّة

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

زلزال عنيف هزّ الساحل الشرقي لليابان يوم 11 آذار/مارس 2011، بلغت قوته 9 درجات على مقياس ريختر، تلاه موجات تسونامي ضخمة دمّرت 3 مفاعلات في محطة فوكوشيما داييتشي النووية. أودت الحادثة بحياة نحو 18 ألف شخص، وانهار  في إثرها الجدار الإسمنتي الخارجي للمفاعل “نتيجة انفجار الهيدروجين الناجم عن انخفاض مستوى مياه التبريد”، بحسب التصريحات الرسمية اليابانية.

وأخطرت اليابان العالم مؤخراً بنياتها تصريف “المياه المُعالجة” في المحيط الهاديء. نحو مليون طن من المياه الملوثة بالإشعاع، على 3 دفعات، تمتد لنحو 3 عقود، ستصرف في المحيط، مستندة إلى إجراءات تم الاتفاق عليها مع الوكالة الدولية للطاقة النووية التي “ستدرس عناصر الأمان الرئيسية” في الخطة المعدة.

وستضطلع الوكالة الدولية أيضاً بمراقبة المصادر والبيئة ورصدها للتيقن من البيانات التي تنشرها اليابان وضمان تطابقها مع معايير الأمان الصادرة عنها.

توقيت إعلان اليابان، بالتزامن مع الذكرى ألـ 78 لمأساة هيروشيما، واكبه تنامي تحذيرات دولية متعددة بشأن القلق من انزلاق الحرب الدائرة في أوكرانيا إلى دخول السلاح النووي مسرح العمليات، وما قد ينطوي عليه من دمار شامل للحضارة البشرية.

وجدّدت الأمم المتحدة، على لسان أمينها العام أنطونيو غوتيريش، تحذيراتها من أهوال الطاقة النووية، إذ قال في رسالة أمام نصب السلام التذكاري في هيروشيما: “شبح الحرب النووية الذي كان يلوح في الأفق خلال الحرب الباردة قد ظهر من جديد. وتهدد بعض الدول، بشكل متهور، باستخدام أدوات الإبادة هذه من جديد”.

ارتفع منسوب الجدل الدولي والإدانة أيضاَ لإعلان اليابان وتداعيات إطلاق المياه المشعّة على الثروة السمكية في المحيط الهادئ بالدرجة الأولى، وما ينطوي عليها من انتشار الإشعاعات في المياه الدولية الأخرى. أكبر خطورة ، كما يصفها المختصون، تكمن في توفر عنصر التريتيوم بعد إجراءات المعالجة.

الوكالة الدولية للطاقة الذرية أصدرت تقييمها للمسألة المثارة، فحواها “أن المياه سيكون لها تأثير إشعاعي ضئيل في الإنسان والبيئة. وتبرر اليابان إجراءاتها بحاجتها إلى المساحة الجغرافية التي تشغلها الخزانات الحالية لبناء منشآت جديدة لإخراج المحطة من الخدمة بأمان، لكنها، وبالتوافق مع الوكالة الدولية، غير قادرة على إزالة جميع العناصر المشعة قبل ضخها عبر الأنابيب إلى المحيط.

علمياً، التريتيوم الذي يعرف أيضا بالهيدروجين الثقيل، هو نظير مشعّ للهيدروجين “ونظير مستقل لا يتحلل”، تحتوي نواته على بروتون وإثنين من النيوترونات، وتبلغ وزن كتلته 3 أضعاف وزن الهيدروجين العادي “المستقر”. ويستخدم في استخراج الطاقة النووية بواسطة الاندماج النووي.

تكمن أخطار التعامل معه في عدم توفر وسائل تقنية لإزالته من المياه الملوّثة حالياَ وخطر تسربه. يتفكك التريتيوم عن طريق انبعاث جسيمات بيتا، بعمر نصف يبلغ 12.3 سنة، أي لا يتبقى سوى نصف كمية من التريتيوم بعد انقضاء 12.3 سنة بسبب الاضمحلال الإشعاعي.

لا تجمع الأوساط العلمية والمختصة بدراسات النواة على رأي موحّد بهذا الشأن. بعض علماء الجيولوجيا يؤكد: “نظرياً، يمكنك شرب هذه المياه”، نظراً إلى معالجتها عند تخزينها وتخفيف تركيزها عبر مزجها بمياه المحيط قبل اطلاقها.

الأستاذة الجامعية إميلي هاموند والخبيرة في قانون الطاقة والبيئة في جامعة جورج واشنطن تؤكّد: ” التحدي الذي نواجهه مع النويدات المشعة (مثل التريتيوم) هو أنها تطرح سؤالاً  لا يستطيع العلم الإجابة عليه بشكل كامل: عند التعرض لمستويات منخفضة للغاية منه، ما الحد الذي يمكن اعتباره “آمناً”؟

مختبر البحث والتطوير التابع لسلاح البحرية الأميركية U.S. Naval Research أصدر بياناً في كانون الأول/ ديسمبر 2022، أكّد فيه “عدم اقتناعه” بالبيانات اليابانية المتداولة (موقع شبكة “بي بي سي”، 22 آب/أغسطس 2023).

ربما العامل الأخطر في جهود اليابان لمعالجة المياه المشعّة وتصريفها هو أن “النتائج والاستنتاجات التي يخلص إليها استعراض الوكالة ليست ملزمة قانوناً للحكومة اليابانية، لكنها ستساعد على تزويد المجتمع الدولي بالمعلومات ودعم الهدف العام المتمثِّل في تعزيز الشفافية”.

كما أن “معايير الأمان الصادرة عن الوكالة توضع بالتشاور مع جميع الدول الأعضاء في الوكالة، وتجسِّد توافقاً دوليًّا في الآراء حول ما يشكِّل مستوى عالياً من الأمان لحماية الناس والبيئة من الآثار الضارة للإشعاعات المؤيِّنة”. (موقع الوكالة الدولية للطاقة النووية).

تباين تصريحات مسؤولي الوكالة الدولية للطاقة النووية، كما ذكرنا أعلاه، لا تبعث على الارتياح بل تعزّز الاتهامات ضدها بأن قراراتها “مسيّسة”، و”تحابي السياسة الأميركية” في المجمل العام، وتنحاز ضد الدول والمجتمعات غير النووية.

على الرغم من عدم تطابق إعلان اليابان تصريف المياه الملوّثة مع هول الأسلحة النووية، فإن الولايات المتحدة “تخشى” من تطور تقنية “الذكاء الاصطناعي” إلى شن هجمات نووية “بصورة مستقلة”.

وطالب عدد من أعضاء الكونغرس بإدخال تعديل إلى قرار تفويض الحرب يشترط على البنتاغون بلورة إجراءات من شأنها إيلاء أولوية قرار إطلاق الأسلحة النووية إلى تدخل من العنصر البشري (نشرة “ميليتاري تايمز – Military Times، 4 آب/أغسطس 2023).

الترسانة النووية الأميركية التي تأتي في المرتبة الثانية بعد روسيا تضم “أكثر من 5 آلاف قنبلة نووية، بينها نحو 1700 رأس نووي في وضع الإطلاق الاستراتيجي على متن صواريخ باليستية عابرة للقارات وقاذفات ثقيلة”، بلغت ذروتها عام 1968 بامتلاك أكثر من 31 ألف رأس نووي (بيانات “اتحاد العلماء الأميركيين”، 31 آذار/مارس 2023).

في هذا الشأن، لفت مركز أبحاث أميركي مرموق الأنظار إلى “خطر وقوع صراع نووي غير متعمّد بين الولايات المتحدة وروسيا ؛ صراع يبدأ حين يخطئ أحد البلدين في تأويل ما حدث على أنه مؤشر استفزاز أو هجوم نووي” (دراسة بعنوان “الإنذارات الكاذبة، أخطار حقيقية؟”، موقع مؤسسة “راند”، 2016).

حديثاً، جددت واشنطن، ومعها طوكيو ودول أخرى، تحذيراتها من تنامي القدرات النووية الصينية، واعتبار الأمر تهديداً يستدعي التعامل معه، مع العلم ان كلاً من اليابان وكوريا الجنوبية “تتمتعان بحماية المظلة النووية الأميركية”  كمصدر حماية لهما يعززانه بوجود عدة قواعد عسكرية أميركية في أراضيهما.

موافقة واشنطن الضمنية حليفتها اليابان لتصريف المياه الملوّثة إشعاعياَ تأتي في سياق استراتيجيتها العليا لـ “محاصرة” الصين واحتوائها ، والإضرار باقتصادها بكل السبل. ويمكن اعتباره امتداداً لسياسة “العقوبات الاقتصادية” الأميركية ضد مناوئيها وخصومها الدوليين.

2023-12-08-التقرير الأسبوعي

ينشر بالتعاون مع “الميادين”

انقلاب النيجر: طرد الاستعمار القديم
وواشنطن تعدّ غزواً عسكرياً بالوكالة

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

إعلان “قوات الأمن والدفاع” في النيجر عزل الرئيس محمد بازوم واحتجازة في القصر الرئاسي، يوم 26 تموز/يوليو 2023، وإغلاق حدود البلاد، جاءا صادمَين لعدد من محطات صنع القرار في الولايات المتحدة، والتي تكهّنت طويلاً بطلب الدول الإفريقية مغادرة القوات الفرنسية أراضيها، بينما ما زالت النيجر تستقبل القوات الأميركية بناءً على “ترتيبات” سابقة بين واشنطن والرئيس بازوم.

تُّوج نجاح “الانقلاب” السلمي بعقد مؤتمر قمة روسية-أفريقية في اليوم التالي في سان بطرسبرغ، بحضور واهتمام لافتين من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ومندوبين عن “قوات الأمن والدفاع” النجيري ونحو 49 من القادة الأفارقة، بينهم 17 رئيس دولة.

لا يُعتقد ان هناك رابطاً مباشراً بين الحدثين، سوى في المغزى والرسائل، التي اراد المشاركون ايصالها إلى العالم بكل وضوح: إفريقيا تدخل عصراً جديداً تمارس فيه سيادتها وحماية ثرواتها وطرد فرنسا الاستعمارية، بالإضافة إلى صدى لقاء سان بطرسبرغ المدوّي، إيذاناً ببزوغ عالم متعدد الأقطاب، وقطع اختلال التبادل التجاري السابق بين إفريقيا وأوروبا الاستعمارية، وإبداله بصيغة أكثر عدلاً وإفادة بين الدول الإفريقية وروسيا، تحت عنوان “سيادة الغذاء”.

ولم يفت مراعاة روسيا لتاريخ الاتحاد السوفياتي السابق بدعم حركات التحرر في إفريقيا، بصورة خاصة، وأعادت إحياء “جامعة باتريس لومومبا للصداقة بين الشعوب”، في 5 شباط/فبراير 2023، لتعزيز الدور التاريخي لهذا الصرح في “تطوير العلاقات التعليمية والعلمية الدولية، وتدريب الكوادر الوطنية في الدول الصديقة لدولة روسيا الاتحادية”، كما جاء في إعلان الخارجية الروسية.

ما يهمنا في هذا التطور هو تسليط الضوء على طبيعة “الرد” الأميركي على انقلاب قاده عسكريون انطلاقاً من دوافع وطنية، بحسب معايير المؤسسة الإعلامية الأميركية، واستقراء ما في جعبة واشنطن، التي قادت تاريخيا كل الانقلابات المعادية لطموح الشعوب، في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، آخرها انقلاب باكستان على رئيس الوزراء المنتخب عمران خان.

بدايةً، لا نستطيع الجزم بمعرفة أجهزة الاستخبارات الأميركية مسبّقاً بالانقلاب، بحيث تشير الدلائل المتعدّدة إلى عكس ذلك، يعززها تقاسم المهمّات بين الدول الغربية في أفريقيا: فرنسا في مستعمراتها السابقة، والولايات المتحدة كطرف داعم بوجود 3 قواعد عسكرية أميركية في النيجر، على الرغم من إقرار البنتاغون بوجود قاعدة وحيدة هناك، وقاعدة أخرى للطائرات المسيّرة.

الثابت أن الولايات المتحدة أدانت رسمياً الانقلاب، وكذلك حليفتاها بريطانيا وفرنسا، وطالبت بإعادة الأوضاع إلى سابق عهدها، وحمّلت روسيا و”مجموعة فاغنر” مسؤولية التمدد في أفريقيا لمقارعة الوجود الأميركي.

الشخصية الرئيسية في الانقلاب كانت رئيس الحرس االرئاسي، عبد الرحمن تشياني، بدعم عدد من كبار قادة الجيش والقوات المسلحة، الأمر الذي يدلّ على تفاقم حالة تذمّر عامة في اوساط القادة العسكريين، أبرز أسبابها انصياع الرئيس بازوم لتنفيذ متطلبات فرنسا، بينها حق طلب تدخلها عسكرياً في بلاده، علاوة على تدهور الأوضاع الأمنية، وانتشار الاتجار غير المشروع بثروة الذهب الوطنية.

لم تُخفِ واشنطن نياتها في التدخل العسكري وإعادة الرئيس المعتقل وإبرام معاهدات عسكرية وأمنية جديدة تحابي المصالح الأميركية، لكن ما يمنعها في هذا الظرف بالتحديد جملة عوامل، لولاها لشهدنا تكرار الغزوات في ليبيا والعراق.

بين تلك العوامل، حساسية المسألة الداخلية من جراء استنزاف حرب أوكرانيا لموارد الدولة من دون أفق مرئي، وتفشي حالات العنف والانتحار بين جنودها العائدين من حروب أفغانستان والعراق، والانتشار العريض للقوات العسكرية الأميركية عبر العالم، وتكثيف حضورها في مواجهة الصين وروسيا، والجاهزية القتالية المشكوك فيها للقوات الأميركية، بعيداً عن الضخ الإعلامي الدعائي.

بشأن حالة الجاهزية، تُبلغنا مجلة “نيوزويك” فشل التكتيكات القتالية الأميركية في أوكرانيا، استناداً إلى تقرير داخلي للبنتاغون، من ضمن ما ذكره حالة الذهول بين القادة الاستراتيجيين الأميركيين بسبب عدم تحقيق أي تقدم ملحوظ ضد روسيا، وربما “التدريبات القتالية لم تنجح بالقدر أو المستوى الذي كان متوقعاً”، مضيفاً أن القوات الأوكرانية “طرحت جانباً الأساليب القتالية الأميركية، وطبقت التكتيكات التي تعرفها جيداً”، والعائدة إلى الحقبة السوفياتية (أسبوعية “نيوزويك”، 10 آب/أغسطس 2023).

والنتيجة الصادمة التي أثارتها المجلة الأميركية،- جاءت بصيغة سؤال وجواب: “إذاً، لماذا نشهد فشلاً للتكتيكات الحربية الأميركية في أوكرانيا؟”. وجواب المجلة المباشر “لأن القتال الحقيقي ضد روسيا لا يشبه أي فيلم تُخرجه هوليوود، عنوانه الجندي الأميركي يطلق النار بغزارة”.

أمام تلك الاعترافات الصادمة، والتي ليست متاحة للتداول بسهولة، ما يتبقى من خيارات لواشنطن لبسط سيطرتها على مناطق العالم هو “القتال بالإنابة”، أي تجنيد قوات من دول أخرى تدور في فلك واشنطن للقيام بالمهمة، وهي تنفذ ذلك حالياً في أوكرانيا.

ونتيجةً لهذه الأسباب مجتمعة، بالإضافة إلى الدعم الشعبي لعناصر الانقلاب، أوكلت مهمة “التصدي للانقلاب وعكس مساره” إلى مجموعة من الدول الأفريقية المجاورة للنيجر، بعد تعثر فرنسا في القيام بالمهمة، تحت مسمّى اقتصادي هذه المرة “المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا” – “إيكواس”. تأسست المجموعة عام 1975 بعضوية 15 دولة، ومقرها عاصمة نيجيريا أبوجا، وانسحبت موريتانيا من العضوية عام 2001.

وعليه، تزخر وسائل الإعلام الأميركية بعنوان مشترك “إيكواس توافق على التدخل العسكري في أقرب وقت ممكن”، نقلاً عن رئيس ساحل العاج، الحسن واتارا، عقب اجتماع المجموعة لتدارس الخطوة المقبلة بإيعاز من واشنطن.

الإعداد للتدخل العسكري المنشود سيستغرق “نحو 6 أشهر”، بحسب قائد عسكري رفيع في “إيكواس” لصحيفة “وول سترتيت جورنال،  بتاريخ 11 آب/أغسطس 2023، وسط أنباء رصدت وصول “معدات عسكرية أوروبية إلى نيجيريا”. وانضمت روسيا سريعاً إلى دعم قادة النيجر الجدد بإصدارها تحذيراً لدول “إيكواس” بعدم التدخل عسكرياً لما ينطوي عليه من مخاطر بحرب طويلة الأمد وتدهور الاستقرار في منطقة الساحل الإفريقي.

وطبّقت نيجيريا وصفة التدخل بقطعها التيار الكهربائي عن النيجر، وسارعت الجزائر إلى تدارك الموقف وتوريد الطاقة “مجاناً” إليها.

أرفقت واشنطن موقفها المعلن بإعادة الاعتبار إلى الرئيس السابق بإرسال نائبة وزير الخارجية فيكتوريا نولاند، للقاء قادة الانقلاب و”الاطمئنان” على صحة الرئيس المعتقل. استقبلها قادة النيجر الجدد بمقاطعتها ورفض اللقاء المباشر معها، وعدم السماح لها برؤية الرئيس السابق، بل التحدث إليه هاتفياً. وأقصى ما حصلت عليه هو لقاء مع الجنرال موسى سالو بارمو “الذي نصّب نفسه وزيراً للدفاع”، وهو الذي “عمل مع القوات الخاصة الأمريكية في النيجر عدة أعوام”، أرفقته بإعلان وقف المساعدات الأميركية المقررة للنيجر.

بعض النخب السياسية الأميركية عدّ زيارة نولاند تمهيداً لاستدراج القادة الجدد بتصفية الرئيس المعتقل كي يتوافر لها مبرر التدخل العسكري المباشر. لكن يقظة القادة وحنكتهم أفشلتا مرامي نولاند المشهورة بتوزيعها الحلوى في ساحة “ميدان” في كييف عقب انقلاب أطاح رئيسها المنتخب عام 2014.

لم تتراجع حظوظ الوصفة الأميركية المفضّلة بالتدخل العسكري، بالرغم من العقبات الواردة أعلاه، لكن خطابها اليومي يزخر بالتمسك بالديموقراطية وإعادة “الرئيس المنتخب”، ريثما تنضج بعض الظروف قيد الإعداد، ضمن سقف الاستراتيجية الكونية للولايات المتحدة.

لكن تمدد خطابها العدواني ضد روسيا والصين معاً قد يدفعها إلى التريث في تطبيق ذلك مباشرة، وإيلاء المهمة للقوات النيجيرية تحت سيطرة رئيس البلاد الموالي لواشنطن، بولا تينوبو، الأمر الذي يعزز هدف وصول المعدات العسكرية الغربية إلى نيجيريا في ظلّ هذا الظرف المتوتر.

2023-08-08-التقرير الأسبوعي

ينشر بالتعاون مع “الميادين”

روسيا تتحدى “الناتو” غرباً
والحلف يكرّس البلطيق “بحيرة الناتو”

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

استكملت روسيا مناوراتها البحرية الأخيرة، درع المحيط 2023، في مياه بحر البلطيق، بمشاركة نحو 30 سفينة حربية وأسطول دعم عماده 20 قطعة و 6،000 عنصر. وأعلنت  وزارة الدفاع الروسية أن من بين مهام المناورة “تحريك قوات إلى منطقة البلطيق”، وضمناً إلى جيب كالينينغراد، ما سجّل ارتفاعاً في منسوب التوتر لدى قادة حلف “الناتو” والقلق أيضاً، خصوصاً بعد إقراره عضوية كل من فنلندا والسويد المتشاطئتين عليه، واعتباره المناورات تحدياً لسيطرته نظراً لاعتباره المنطقة “بحيرة للناتو”.

تفاقمت الأوضاع مجدداً عقب اتهام بولندا لجارتها بيلاروسيا بانتهاك طائراتها المروحية أجواءها، والتي لم تسجّل أجهزة راداراتها للأجسام الطائرة استشعارها بالسرعة المطلوبة. كما أرسلت بولندا “تحذيراً” لمجموعة “فاغنر”، المرابطة في أراضي جارتها، من السعي لاختراق حدودها متنكّرين “بزيّ مهاجرين مدنيين أو هيئة حرس حدود بيلاروسيين”، بحسب تصريح رئيس وزراء بولندا ماتيوز موراويكي، 28 تموز/يوليو 2023.

في واشنطن، نفى المتحدث باسم مجلس الأمن القومي جون كيربي عِلم واشنطن بأي تهديد يشكله وجود قوات “فاغنر” في بيلاروسيا على بولندا أو أعضاء آخرين في حلف “الناتو”، مستطرداً أن الإدارة الأميركية “تراقب الوضع من كثب”، بالتزامن مع بدء بولندا نشر أكثر من 1000 جندي بالقرب من الحدود المشتركة مع بيلاروسيا. (وكالة “رويترز”، 1 آب/أغسطس 2023).

أنظار طرفي الصراع، روسيا وحلف الناتو، مشدودة نحو  ممر “سوفالكي” الاستراتيجي، الفاصل بين دول البلطيق وأوروبا، والذي تم انتزاعه من ألمانيا بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى ومنح الحلفاء جزءاً منه إلى بولندا، ولا يزال مصدر توتر العلاقات البلدين إلى الآن.

ويشكّل الممر مصدر قلق إضافياً لأطراف الحرب الدائرة في أوكرانيا، إذ ستعزل السيطرة عليه دول البلطيق الثلاث، بولندا وليتوانيا وبيلاروسيا، عن بقية دول الناتو. كما يفصل الممر بيلاروسيا عن مقر اسطول بحر البلطيق الروسي في كالينينغراد. أما السيطرة عليه فتمنح القوات الروسية وحليفتها البيلاروسية ميزة استهداف وعرقلة أي امدادات عسكرية تتحرك براً من بولندا إلى ليتوانيا.

سعت بولندا لاستغلال مكانتها الفريدة لدى حلف الناتو بمطالبته إنشاء قاعدة عسكرية قوامها فرقة مدرّعة، وأرجأ الحلف قراراً بهذا الشأن لخشيته من تمدد رقعة انتشاره وصعوبة الدفاع عنها لاحقاً، واستعاض عنها بإجراء مناورات عسكرية متتالية بالقرب من الممر.

لدى حلف “الناتو” وجود عسكري دائم في محيط الممر الاستراتيجي، يضم: لواء الذئب المدرّع الميكانيكي، والفوج 185 من سلاح المشاة الأميركي، يعاونهم نحو 400 عنصر من سلاح الفرسان الملكي البريطاني. وفي المحيط القريب، يرابط نحو 40،000 عسكري تابع لقيادة حلف “الناتو” بالإضافة إلى عدد من الوحدات العسكرية البولندية التابعة لقيادة الحلف. كما “وعد” رئيس الحلف يانس ستولتنبيرغ بتعزيز القوات العسكرية بنحو 300 ألف عنصر  كجزء من “قوات رد الحلف” على المخاطر.

وأشد ما يخشاه صنّاع القرار في واشنطن مطالبة روسيا بممرّ مباشر من بيلاروسيا إلى كالينينغراد، الأمر الذي “قد يفك ارتباط دول البلطيق بحلف شمال الأطلسي” (مقالة بقلم أحد أعمدة المحافظين الجدد روبرت كايغان في “واشنطن بوست”، 21 شباط/فبراير 2022).

تتضاعف أهمية ممر سوفالكي الضيق، وطوله 60 ميلاً، بوجود “المنتجعات الصحية والبحيرات الساحرة والتاريخ العنيف”، وفيه قضى الزعيم النازي هتلر معظم سنوات الحرب العالمية الثانية متحصناً في أحد مخابئه. وتزخر الأدبيات الأميركية بشكل خاص بالإشارة إلى “وجود نحو 30 ألف جندي روسي في بيلاروسيا”، مزودين بأسلحة هجومية وبطاريات صواريخ أس-400، للدلالة على “إحدى أبرز أوراق الضغط التي يملكها الرئيس الروسي” ضد الغرب بشكل عام في حال اندلاع مواجهة مع حلف “الناتو.”

تحضيراً للمعركة المقبلة بشأن ممر سوفالكي، نظرياً على الأقل، تكشف الدوائر العسكرية الأميركية نيّاتها بتعالٍ وعنجهية مطالبة الإدارة  بـ “ضمان الوجود الدائم للدروع والطيران القتالي والحرب الإلكترونية والطائرات المسيّرة والمهندسين ووحدات الدفاع الجوي. كما يجب على إيطاليا وإسبانيا وفرنسا – نظرا لحجمها العسكري وأهميتها في التحالف – الالتزام بتركيز وحدات قابلة للتشغيل المتبادل بحجم كتيبة قوامها 800 جندي في قواعد دائمة في بولندا أو ليتوانيا أيضًا” (دراسة صادرة عن “كلية الحرب التابعة لسلاح الجيش الأميركي”، 19 تموز/يوليو 2020).

كما تعوّل أيضاً على “استمرار وحدة حلف الناتو” في مواجهة روسيا، على الرغم من التصدع داخل دول الحلف بدرجات متفاوتة، وبروز تحديات أكثر جرأة للنفوذ الأميركي والغربي بشكل عام، خصوصاً في إفريقيا.

يوضح الخبير في الشؤون الروسية ومدير برنامج “أوراسيا” في معهد “كوينسي”، أناتول ليفين، عوامل أربعة لاستمرار “وحدة” الناتو: حالة الاقتصاد الأوروبي؛ مخاطر التصعيد إلى حرب نووية؛ تراجع الثقة بانتصار أوكرانيا؛ إقدام روسيا على وقف إطلاق النار (وكالة “دوتشي فيلي” الألمانية، 25 شباط/فبراير 2023).

بيد أن التحركات الأخيرة لروسيا باتجاه تعزيز مواقعها في كالينينغراد ومواردها العسكرية أيضاً ستعرقل  قدرة حلف الناتو على فتح جبهة استنزاف جديدة طويلة الأمد، على غرار أوكرانيا، وذلك بالرغم من الدعوات الرغائبية في واشنطن تحديداً لـ ” التحسين السريع للبنية التحتية ذات الصلة عسكريًا في منطقة سوفالكي، وتعزيز صفوف قوات الحلفاء بشكل كبير ودائم في شمال شرق أوروبا، كما يجب على التحالف أن يأخذ في الاعتبار مستويات القوة الروسية والقدرات العسكرية المزعزعة للاستقرار الموجودة في كالينينغراد وبيلاروسيا، وأن يقترب من مطابقتها على الأقل من الناحية النوعية من أجل ردع موسكو” (نشرة “فورين بوليسي”، 3 آذار/مارس 2022).

2023-02-08-التقرير الأسبوعي

ينشر بالتعاون مع “الميادين”

أميركا وكوريا الشمالية:
أزمة مرشّحة للتصعيد

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

 ليس من العسير استكشاف طبيعة السياسة الخارجية الأميركية وإدراك مراميها بشأن شبه الجزيرة الكورية، جذرها هو العداء المتأصّل بسبب عدم قدرة واشنطن على حسم “الحرب الكورية” ببسط سيطرتها على الكوريتين، في خمسينيات القرن الماضي. والأهم أن واشنطن أحجمت منذ تلك اللحظة عن إبرام اتفاق ينهي “وقف إطلاق النار لعام 1953” بمعاهدة سلام رسمية.

وشهدت المنطقة منذئذ سلسلة تهديدات أميركية، بعضها رفيع المستوى، بغزو كوريا الشمالية التي ما فتئت تُطوّر إمكاناتها الذاتية للدفاع عن نفسها، أبرزها نجاحها في دخول “نادي الدول النووية”، على الرغم من أن القراءة الاستراتيجية الأميركية تتعامل مع السلاح الجديد وكأنه امتداد للمظلة النووية الصينية، بالقرب من النفوذ الأميركي في اليابان بصورة خاصة (نبأ بعنوان “الصين تقول زعيم كوريا الشمالية تعهّد بنزع السلاح النووي”، وكالة “رويترز” للأنباء، 27 آذار/مارس 2018).

الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون تدارس ومستشارية توجيه ضربة عسكرية استباقية، تستهدف المفاعل النووي لكوريا الشمالية في يونغ بيون، في أيلول/سبتمبر 1994، وسارع بعض العقلاء في واشنطن إلى احتواء الأزمة المفتعلة بإيفاد الرئيس الأسبق جيمي كارتر إلى العاصمة بيونغ يانغ، ولقاء الرئيس كيم إيل سونغ. وسُوّي الأمر بتجميد الزعيم الكوري للبرنامج النووي لنحو عقد من الزمن.

وصرّح الرئيس كارتر بعد عودته أنه أدرك تماماً ما يريده الزعيم الكوري متمثّلاً بإنهاء حالة الحرب عوضاً عن “اتفاق وقف إطلاق النار”، وإنهاء الحصار الاقتصادي الأميركي على بلاده، “مقابل تعاونه” المشار إليه (مقابلة أجرتها الاستاذة الجامعية كريستين آن مع الرئيس كارتر في شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2018، في مقر مركز كارتر للدراسات بمدينة أتلانتا).

جدير بالذكر ما يردّده صقور السياسة الأميركية، أبرزهم السيناتور اليميني ليندسي غراهام، بأن على كوريا الشمالية التخلّي عن سلاحها النووي قبل توقيع إعلان السلام مع الولايات المتحدة.

وما زاد الأمر تعقيدا هو الدور المطلوب أميركياً من كلا الكوريتين في الحرب الأوكرانية الجارية، إذ تمارس واشنطن أقصى ما لديها من وسائل ضغط على كوريا الجنوبية لتوريد أسلحة وذخائر مدفعية إلى كييف، نظراً لشح الإمدادات الموعودة من ترسانة دول حلف الناتو، ووفرة الأسلحة المطلوبة في ترسانة سيؤول. وبالمقابلتسوق الاتهامات لكوريا الشمالية بأنها توّرد أسلحة ومقاتلين لدعم الجيش الروسي هناك.

وعليه، وجّهت دعوة لرئيس كوريا الجنوبية يون سوك يول للمشاركة في قمة حلف الناتو الأخيرة في فيلنياس، والاطلاع عن كثب على احتياجات الحرب الأوكرانية. وبحسب الخبراء العسكريين فإن المراهنة على دخول ترسانة سيؤول لمجريات الحرب “قد يغيّر نتائجها”، وذلك بخلاف مبدأ البلاد بعدم تسليح أي من أطراف الحرب، وساهمت في إرسال معونات إغاثية إلى كييف بقيمة 200 مليون دولار.

وتزيد اللوحة السياسية تعقيدا بالنسبة لكوريا الجنوبية بعد تخطيها بنجاح حجم تبادل تجاري رفيع المستوى مع روسيا قبل نشوب الحرب الأوكرانية، وليس مستبعداً استغلال واشنطن لتلك الخاصية كي تضغط عبر سيؤول على موسكو. وأقر مسؤول رسمي في سيؤول أن “الجانب الروسي أوضح لنا بشدة بأن (توريد) الأسلحة هو خط أحمر، وفي حال تجاوزناه سنواجه بالرد” (مقابلة مع شبكة “بي بي سي” البريطانية 8 تموز/يوليو 2023)

معالم الاستراتيجية الأميركية في شبه الجزيرة الكورية، وامتداداً بحر الصين الجنوبي، اتضحت منذ بدء ولاية الرئيس جو بايدن بتعزيز “التعاون العسكري والاستخباراتي” بين حلف أميركا واليابان مع كوريا الجنوبية وإجراء مناورات عسكرية مشتركة معها، توّجتها بإدخال قطع بحرية نووية وغوّاصات قادرة على إطلاق صواريخ عابرة للقارات إلى مياهها.

خلفية استراتيجية واشنطن أعلاه ليست بدافع تعزيز سبل “ردع كوريا الشمالية” في جوارها، كما يتردّد في وسائل الإعلام، بل هي رسالة أبعد لاحتواء الصين. وعليه، تجمع النخب الأميركية أن إدراك طبيعة السياسة الأميركية في شبه الجزيرة الكورية ينبغي النظر إليها من زاوية “صعود الصين لتحديها للولايات المتحدة” في شبه الجزيرة الكورية وعموم المنطقة الآسيوية، عبر تطويق سواحلها بمعدات عسكرية متقدمة (دراسة بعنوان “الصين تنظر إلى شبه الجزيرة الكورية: ثنائية التحوّل”، نشرت في دورية “غلوبال بوليتيكس آند ستراتيجي”،  26 تشرين الثاني/نوفمبر 2021).

وحذرت الدراسة إدارة الرئيس بايدن أن سياسة “الاحتواء” المتبعة ترفع منسوب التوتر مع الصين في شبه الجزيرة، بما أن تعزير التعاون بين كوريا الجنوبية والولايات المتحدة يؤدي إلى تحفيز الصين في مواجهة كوريا الجنوبية باتباعها ديبلوماسية القوة القسرية، والتي ستنعكس على صراع أميركا مع الصين”، وقد يؤدي إلى تخفيف مدى تحفّظات الأخيرة على كوريا الشمالية، كما نشهد في “رفع الصين لمعدلات عدم تعاونها مع عقوبات الأمم المتحدة على كوريا الشمالية”.

 

كوريا الشمالية

شهد مطلع العام الجاري سلسلة تصريحات متبادلة من رئيسي الكوريتين، عقب استئناف الجار الجنوبي لمناورات عسكرية مشتركة مع أميركا، وتعثّر المحادثات الديبلوماسية مع الجار الشمالي. فرئيس كوريا الشمالية كيم جونغ أون استهل العام الجديد بتعهّد بلاده زيادة “هائلة في الترسانة النووية ” بما يشمل الإنتاج الضخم لأسلحة نووية تكتيكية، وصواريخ باليستية عابرة للقارات”، وأن الولايات المتحدة “تُشكّل نسخة آسيوية من حلف الناتو”.

أما رئيس كوريا الجنوبية يون سوك يول فقد حذّر من أن “المظلة النووية الأميركية لم تعد تكفي لطمأنة” بلاده، على خلفية زيارته الرسمية للبيت الأبيض وإعلان الرئيس جو بايدن إرسال بلاده “غواصات محملة بصواريخ باليستية نووية” للرسوّ هناك للمرة الأولى منذ عقود. ونوّه إلى اعتقاده بأن “واشنطن لن تتدخّل لحمايتهم في حال هجوم” من كوريا الشمالية، إذ شهد العام المنصرم إطلاق “بيونغ يانغ عدداً قياسياً من الصواريخ بمعدل اختبار واحد كل شهر تقريباً” (وكالات، 2 كانون الثاني/يناير 2023).

أما بشأن ترسانة الكوريتين العسكرية، فقد عملتا بشكل مستقل على تعزيز مخزوناتهما من الأسلحة والذخائر “والدخول في تحالفات مضادة، تحضيراً لأي عمل عسكري مقبل” منذ انتهاء الاشتباكات المسلحة عام 1953.

وحطّ وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو في بيونغ يانغ، قبل أيام معدودة، والتقى بالرئيس الكوري، وزارا معاً معرضاً للأسلحة الباليستية، ما أثار شكوك واشنطن بأن الجانبين اتفقا على صيغة لتوريد الأسلحة من كوريا الشمالية إلى روسيا، عمادها قذائف المدفعية وأسلحة خفيفة مضادة للدروع مع ذخائرها.

وقبل الزيارة أعلاه بأيام قليلة، أجرت روسيا والصين مناورات عسكرية مشتركة في مياه بحر اليابان “لتعزيز سبل حماية طرق الملاحة البحرية ودمج تكامل عملياتهما العسكرية”.

آفاق المرحلة المقبلة لا تدعو إلى الارتياح، بل إلى توتير متبادل بين الأقطاب الثلاثة الرئيسية: أميركا وروسيا والصين. ولا يلوح في الأفق أي نية أميركية تغاير المسار التقليدي بإدامة حالة الحرب في شبه الجزيرة الكورية.

أما المساعي المتعثّرة التي قامت بها واشنطن باتجاه بيونغ يانغ، بعد انقضاء 3 عقود، كان سقفها الأدنى “نزع السلاح النووي” من كوريا الشمالية، وإصرار رؤسائها المتعاقبين على عدم “التعايش مع بيونغ يانغ النووية”، والتخلّي عن مساعٍ سابقة فرضتها الظروف الدولية لإجراء “حوار رفيع المستوى” مع حكومة كوريا الشمالية.

ومع دخول عنصر استدامة الحرب الأوكرانية، نظراً لعزم واشنطن على إدماء روسيا و”الحاق هزيمة استراتيجية بها”، معطوفاً على اشتداد التصريحات الكلامية في جولة الانتخابات الرئاسية المقبلة، فالأجواء تنذر بمزيد من التوتر وإعلاء الصدام بدلاً من نزع فتيل الانفجار.

وعزز وزير دفاع كوريا الشمالية القراءة السوداوية للأزمة المتدحرجة بقوله: “الولايات المتحدة ستواجه أزمة لا يمكن تصورها ولم يسبق لها مثيل، إذا حاولت توجيه ضربة نووية ضد كوريا الشمالية” (خطاب في احتفال الذكرى السبعين لهدنة الحرب الكورية، 29 تموز/يوليو 2023).

2023-26-07-التقرير الأسبوعي

ينشر بالتعاون مع “الميادين”

التعقيدات الانتخابية
في المشهد السياسي الأميركي

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

من خصائص دورة الانتخابات الرئاسية المقبلة أنها ستشهد انتخاب كل أعضاء مجلس النواب البالغ عددهم 435، إضافة إلى 34 مقعداً في مجلس الشيوخ من مجموع 100 مقعد، ما يؤشر على دورة انتخابية حامية بين مرشحي الحزبين في ظل أوضاعهما الداخلية التي لا تبعث على الارتياح لكليهما.

تدل المؤشرات الأولية على عزم الرئيس جو بايدن خوض الجولة المقبلة لولاية رئاسية ثانية، متغاضياً عن جملة عوامل وتحذيرات من أقرانه بأن قراره يمثل مغامرة في مستقبل الحزب الديموقراطي، وربما يكلفه خسارة المنصب. أما الحزب الجمهوري، فلا يزال الرئيس السابق دونالد ترامب يتبوأ المرتبة الأولى بين عددٍ من الراغبين في خوض الانتخابات.

لم يعد خافياً على أحد تكوّن شبه إجماع بين الناخب العادي والنخب المختصة، مفاده عزم الحزب الديموقراطي على إثارة جملة عقبات “قانونية” الطابع تهدف إلى تنحية الرئيس السابق ترامب وحرمانه من أداء أي دور سياسي في المستقبل، وتستند إلى تعديل دستوري بالغ القدم يعرف بالفصل 3 من المادة الرابعة عشرة من التعديلات الدستورية، التي تنص على أن”المسؤول رسمي لا يجوز له، بعد أدائه القسم، الانخراط في حالة عصيان أو تمرّد” ضد النظام السياسي.

لكن المادة نفسها تتيح لمجلسي الكونغرس التصويت بنسبة ثلثي الأعضاء، بصورة منفصلة، على إلغاء العمل بذلك الفصل، كما أنها لا تنصّ على مرتبة “المسؤول الرسمي” وهناك ضبابية في تطبيقها على رئيس البلاد. لا ريب في أن الجدل المرافق لتلك الصيغة الفضفاضة سيُطرح على أختصاصيي القانون، وسيستغرق فترة زمنية غير محددة، نظراً لطبيعة المرحلة وخصوصيتها.

وفي حال افتراض نجاح جهود تنحية الرئيس ترامب بفترة زمنية قصيرة بعد فوزه بترشيح مؤتمر الحزب الجمهوري العام المقرر انعقاده في 15 تموز/يوليو 2024، فستشهد البلاد  تحديات غير مسبوقة في تاريخ كيانها السياسي.

والجدير بالذكر ثبات الرئيس ترامب في المرتبة الأولى بين منافسيه من الحزب الجمهوري. أحدث استطلاعات الرأي، أجرته جامعة هارفارد العريقة، وبعد توجيه إدانة رسمية أخرى له في نيويورك، أفاد بأن ترامب يحظى بتأييد 52% من مجموع أصوات الناخبين، في حال عُقدت الانتخابات الرئاسية حالياً، وسيفوز ويتفوّق على منافسه الرئيس جو بايدن بنسبة 45% في مقابل 40%.

أما الرئيس جو بايدن، فقد نال معارضة 68% من مجموع الناخبين القلقين من تدهور حالته الصحية، وأحياناً الذهنية. وتشكل تلك النسبة العالية ضعف معدّل النسبة التي سجّلها عام 2020، بحسب الاستطلاع. وقد أشار إلى تدنِّ ملحوظ بين الناخبين في نظرتهم إلى المؤسسات الرسمية والثقة بها، وخصوصاً وزارة العدل ومكتب التحقيقات الفيدرالي التابع لها (شبكة “أن بي سي”، 27 حزيران/يونيو 2024)

ما يقلق النخب السياسية الحاكمة في الحزبين هو “تردّد” منافسي الرئيس ترامب من مرشحي الحزب الجمهوري وانصياعهم إلى مشيئته، وهم الذين “لا يتحلّون بالشجاعة لمواجهته مباشرة وتوعية الجمهور بأنه يشكّل خطراً محدقاً ثابتاً على النظام الديموقراطي الأميركي”، (يومية “ذي هيل”، 24 تموز/يوليو 2024).

جولة الانتخابات الرئاسية الراهنة تُنذر بتكريس حالة الانقسام الشديدة بين مختلف أطياف المجتمع الأميركي، ويجد المرء سيلاً لا بأس به من تحذيرات متواصلة من قبل النخب السياسية والفكرية بهذا الشأن، مع إقرار ملتوِ أحياناً بتفاقم الأوضاع الاقتصادية للمواطنين، والتي تشكل الركن الأساسي لتوجهات كل الناخبين.

العامل المتجدد في الصراع السياسي الحالي يسلط الضوء على “ضلوع” الرئيس بايدن بما ينسب تلقيه أموالاً من “دولة أجنبية” خلال توليه منصب نائب الرئيس الأميركي، وكذلك تفاقم قضية نجله هنتر وما يساق بأن وزارة العدل ضمن تركيبتها الحالية “منحته طوق نجاة” لا يستطيع المرء العادي المتهم بأقل من ذلك التمتع به.

كما أن قطب اليمين المتشدد في الحزب الجمهوري لا يفوّت فرصة لمطالبة رئيس مجلس النواب كيفين مكارثي بالشروع في ترتيبات محاكمة الرئيس بايدن، وهو الذي بدأ يتساوق مع التوجه من دون الحسم.

أما بشأن وضع الحزب الديموقراطي قبيل بدء الجولة الانتخابية رسمياً، فهو يشهد جملة صراعات داخلية، أبرزها عدم تنحي الرئيس بايدن قبل الانتخابات التمهيدية ووجود مرشحيْن عن الحزب لا يحظيان بدعم المؤسسة الرسمية نظراً إلى مواقفهما “المتقدمة” عنها، هما نجل السيناتور السابق وحامل الإسم نفسه روبرت كنيدي، والمؤلفة ماريان ويليامسون المعارضة بشدة لهيمنة شركات النفط الأميركية، لعدم امتثالها لتدابير الحفاظ على البيئة ودور الوقود الأحفوري في أزمة المناخ.

وضع نائبة الرئيس كمالا هاريس الراهن لا يبعث على ارتياح أقطاب الحزب الديموقراطي، هم يحبّذون غيابها عن المشهد لسوء أدائها وما تسببت به من أضرار ألحقتها مبكراً بالحزب الديموقراطي، فضلاً عن معارضة شديدة لها من بقية الناخبين، لكن دورها الرسمي كرئيس لمجلس الشيوخ، بحسب الدستور، له أهمية بالغة في حسابات التوازنات السياسية، إلى حين.

أحداث جولة الانتخابات الرئاسية التي جرت عام 1968 تعود بقوة إلى الواجهة الآن، إذ أسفرت عن اغتيال المرشح الأقوى للحزب الديموقراطي، روبرت كنيدي، وتمسّك قيادة الحزب بنائب الرئيس آنذاك هيوبرت همفري، على الرغم من تمتع منافسه يوجين مكارثي بدعم عريض من القوى الناشئة التي رأت أنه مرشّح ضد استمرار الحرب الأميركية على فيتنام، وعلى الرغم من الانقسام الحاد في قواعد الحزب أثناء انعقاد مؤتمره العام في شيكاغو داخله وخارجه. وفي النهاية، أدت تلك الحسابات “الضيقة” إلى خسارة الحزب الرئاسة وفوز الجمهوري ريتشارد نيكسون.

الانقسامات السياسية ليست حصراً على مرشّح بعينه، لكن تردي الأوضاع الاقتصادية الراهنة، داخلياً وعالمياً، أعادت تساؤلاً “مكروهاً من المؤسسة الحاكمة”: لماذا يجري ضخ مليارات الدولارات في أوكرانيا، فيما تعاني المرافق الاقتصادية نقصاً شديداً في الموارد  فاقم فعالية البنى التحتية وترديها؟

لكن التاريخ لا “يكرر نفسه”، بل تتشابه الأحداث، وليس بالضرورة النتائج، وخصوصاً إغفال القوى النافذة للاستجابة للدروس المطلوبة من تجاربها السابقة. بعبارة أخرى، المؤسسة الأميركية الحاكمة بقطبيها، الديموقراطي والجمهوري، ماضية بقوة إلى تعزيز هيمنتها العالمية، وقرار الصدام مع القوى الصاعدة والمنافسة تم اتخاذه على أعلى المستويات، ولم يعد سراً.

المرشّح الأوفر حظاً سيواصل اتباع الأولويات السياسية الراهنة، المتمثّلة بالحفاظ على رقعة انتشار عسكري عريضة عبر العالم، وتوتير الأجواء وتقريبها من حافة الصدام مع المنافسين الكبار.

وفي حال استطاع الرئيس ترامب المضي إلى النهاية والفوز بالمنصب الرئاسي، فالأولويات الأميركية المرسومة في الاستراتيجية الكونية لن تشهد تغييراً جوهرياً، بل “إعادة انتشار” ربما، وتوزيع أدوار الأطراف المؤيدة، وخصوصاً دول “حلف الناتو”.

2023-19-07-التقرير الأسبوعي

ينشر بالتعاون مع “الميادين”

قمة “الناتو” لأوكرانيا:
استمروا في القتال والعضوية مؤجلة

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

حسم الرئيس الأميركي جو بايدن سريعاً توقّعات أوكرانيا المفرطة بشأن قبول عضويتها رسمياً في حلف الناتو، قائلاً ما مفاده أن الأمر يمكن إعادة النظر فيه بعد انتهاء الحرب ضدّروسيا، بينما أعلنت دول الحلف الأخرى موافقتها عندما “تستوفي أوكرانيا الشروط” المعروضة، وتطبيق الإصلاحات البنيوية المطلوبة.

تزامن التباطؤ الأميركي لدخول أوكرانيا عضوية الحلف مع تنامي الانتقادات الداخلية في أركان المؤسسة الحاكمة، سياسيا وعسكرياً وأمنياً، لفشل “الهجوم الأوكراني المضادّ”، والذيدأبت كل الأطراف على التعويل على نجاحه، وخصوصاً تزويد أقطاب الحلف أوكرانيا بمعدات وذخائر عسكرية متواصلة وحديثة، آخرها إعلان واشنطن تسليمها قنابل عنقودية.

لكن الأمر عينه لم يحظ بإجماع دول الحلف، إذ أعرب البعض، ومن بينهم ألمانيا، عن تحفظه عن تقديم الدعم العسكري بسبب ما قد يفضي إليه من مواجهة مباشرة مع روسيا، وذلك بعد انقضاء عام على “قمة مدريد” لحلف الناتو، وتبنيها مفهوماً استراتيجياً، وُصف بأنه جديد كون “روسيا تشكّل تهديداً مباشراً” لأعضائه.

كما أن التزام كبار أعضاء الحلف، أميركا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، توفير معدات وذخيرة متطورة لأوكرانيا “سيكون خارج إطار حلف الناتو”، بحسب تحفظات بعض النخبالسياسية الأميركية، في ظل اشتراط واشنطن على سائر الأعضاء تخصيص 2% من ناتجها المحلي الإجمالي للإنفاق العسكري “بحلول عام 2024″، في ظل تردّي الأوضاع الاقتصادية الداخلية في عموم أوروبا الغربية.

بيد أن تلك “الاستراتيجية الجديدة” وسّعت دوائر الخطر المحدقة بالحلف “والتحديات غير المسبوقة”، لتشمل “الإرهاب والتقنيات الجديدة وتحديات المناخ”، جنباً إلى جنب مع التهديدات العسكرية التقليدية.

على الرغم من تصدّر جدول أعمال الحلف البت في عضوية أوكرانيا، حقّقت السويد طموحها بشأن الانضمام إلى الحلف، بعد تراجع تركيا عن شروطها السابقة، في مقابل “وعد أميركي بتقديم دعم اقتصادي” للحيلولة دون انزلاق أدائها الاقتصادي وتعزيز قدرتها على توفير استثمارات أجنبية ضرورية لمعدلات النمو الطموحة.

وقدّمت أنقرة أوراق اعتمادها إلى الجانب الأميركي بالإفراج عن “فوج من قادة آزوف” المحتجزين لديها، مخالفةً ترتيبات سابقة عقدها الرئيس أردوغان مع الرئيس الروسي بوتين، في هذا الشأن.

في المقابل، أقلعت واشنطن عن تحفظاتها السابقة بخصوص صفقة الطائرات المقاتلة لأنقرة من طراز أف-16، الأمر الذي يمهّد الأجواء لاستئناف الأخيرة دورها بالانضمام إلى مجموعة مختارة من حلفاء الولايات المتحدة للمساهمة في عملية إنتاج مكوّنات تدخل في صناعة المقاتلة الأميركية الأحدث، أف-35.

تراجعت تلك الإرهاصات والوعود الأميركية للحلفاء بتصريح للرئيس جو بايدن، خلال مقابلة أجرتها معه شبكة “سي أن أن”، بشأن تطورات الحرب في أوكرانيا، شكا فيه من نقص معدلات الذخائر في الترسانة الأميركية.

وقال الرئيس بايدن إن ” ذخيرة الأوكرانيين تنفد. هذه حرب تتعلق بالذخائر، وذخيرتهم تنفد، وما لدينا منها أصبح قليلا”.

وانتقدت يومية “وول ستريت جورنال”، بتاريخ 10 تموز/يوليو الحالي، إقرار الرئيس بايدن بنقص الذخيرة بأنه يشكل “وصمة عارٍ في حاجة إلى إصلاح عاجل”.

وأضافت أن الولايات المتحدة زوّدت كييف بما يزيد على مليوني قذيفة مدفعية من عيار 155 ملم، والبنتاغون يقول إن أوكرانيا تستهلك 3 آلاف قذيفة يوميا، مطالبة البيت الأبيض ببذل “جهد وطني جديد لتوسيع نطاق إنتاج الأسلحة والذخائر”.

يشار، في هذا الصدد، إلى تقرير نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال”، مطلع العام الجاري، كشفت فيه “خطراً استراتيجياً يواجه الولايات المتحدة، بحيث انخفضت مخزونات الأسلحة لديها، و أن شركات صناعة الأسلحة ليست مجهّزة لتجديد المخزون بسرعة، وتعمل بآلية أكثر ملاءمة لبيئة زمن السلم”، معرّجة على خشية كبار العسكريين الأميركيين من “سرعة نفاد ذخائر الجيش الأميركي في نزاع محتمل مع الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ”. (“وول ستريت جورنال”، 23 كانون الثاني/يناير 2023).

ومنذئذ دقت وسائل الإعلام الأميركية المختلفة، المرئية والمقروءة، جرس الإنذار لما استشعرت من ثُغَر بنيوية في الاستراتيجية الأميركية الكونية، وخصوصاً في مواجهتها الصين، أو احتوائها.

وأبرزت نشرة مختصة بالشؤون العسكرية تحديات نقص الإمدادات والذخيرة في الترسانة الأميركية، وبأن “مسار التوريد لأوكرانيا يشكّل مقدّمة لطبيعة القيود الصناعية، التي قد تعرقل الفعالية العسكرية الأمريكية إذا اشتبكت مع خصم ، مثل الصين ، التي ستتسبب بخسائر فادحة في المعدات والأفراد” (نشرة “وور أون ذا روكس -War on the Rocks”، 16 آذار/مارس 2023).

وانضم أحد أكبر مراكز الأبحاث النافذة في صنع القرارين السياسي والعسكري الأميركيين، مبكراً، إلى الجدل الدائر بشأن نقص الذخيرة، قائلاً إنه “بمجرد أن يتم استهلاك مخزون الترسانة، لا تستطيع وزارة الدفاع ببساطة شراء المزيد من الذخائر، وقد يستغرق تصنيعها أعواماً” (دراسة بعنوان “النضوب السريع للذخائر يشير إلى تبنّي تغييرات  ضرورية” عن “مؤسّسة هاريتاج”، 20 كانون الأول/ديسمبر 2022).

الإقرار الأميركي المتواصل بنقص معدلات الذخيرة إلى نِسَب مقلقة، له أكثر من بُعد، إذ لا يجوز تجاهل دور صناعة الأسلحة في ترويج تراجع المخزون طمعاً في حثّ الكونغرس على تخصيص ميزانيات إضافية وعاجلة لعملية إنتاج مكثفة، يشترك فيها بعض الدول المؤيدة لسياسات واشنطن، مثل تركيا.

وفي الشق المقابل، يشير إلى ما سمّاه بعض الخبراء العسكريين مخاطر سياسة خصخصة الانتاج الحربي وتراجع دور الدولة المركزية وإشرافها على وجهة الإنفاق، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

للدلالة على عمق الأزمة البنيوية والنفوذ الطاغي لكبريات شركات الأسلحة، نشر مؤخراً تقرير يتضمن كلفة البنتاغون لشراء “سلة مهملات بسعر  51،600 $” من شركة بوينغ، والتي كانت تبيعها وفق المواصفات نفسها بتكلفة 300 دولار (تقارير ووكالات، 22 حزيران/يونيو 2023).

ترافق ذلك الكشف مع تقرير تدقيق مالي قدّمه البنتاغون لمجموع إنفاقاته للعام الحالي، يشير إلى “خطأ حسابي أسفر عن توافر مبلغ ،قيمته الصافية بلغت 6،2 مليارات دولار” سيتم الإنفاق منه على المعدات العسكرية المخصصة لأوكرانيا (وكالات، 20 حزيران/يونيو 2023).

لم تتم محاسبة قادة البنتاغون من قبل مجلس النواب الذي يصادق على حجم ميزانيات الدفاع سنوياً. واكتفى “4 أعضاء في مجلس الشيوخ” بتقديم مذكرة شديدة اللهجة إلى وزير الدفاع، لويد أوستن، يطالبونه بتقديم تفسير لـ”الخطأ الحسابي”، المشار إليه، باستنادهم إلى تخصيص الكونغرس “أكثر من 113 مليار دولار لمساعدة أوكرانيا لتاريخه”، واتهامه بتفضيل “معاملة أوكرانيا على حساب المصالح الحيوية للولايات المتحدة” (مذكرة بتاريخ 11 تموز/يوليو 2023).

ما تَقدّم يشكل غيضاً من فيض في معدلات الإنفاق على “المسائل العسكرية” الأميركية والهدر المتواصل من دون آليات مراقبة حقيقية أو محاسبة مرتكبيها. بل كرّر الرئيس جو بايدن، في قمة حلف الناتو الأخيرة، ضرورة زيادة أعضاء الحلف نسبة الإنفاق على الشأن العسكري، وأوضح الأمين العام للحلف أنه يتعيّن على الدول الأعضاء تخصيص ما لا يقل عن 2% من الناتج القومي العام لكل منها “لشؤون الدفاع”.

وعليه، فإن كلمة السرّ الأميركية هي المضي في مواجهة كل من روسيا والصين، وتوزيع التكلفة على حلفائها من دول الناتو، وبعض الدول النفطية، بما فيها العربية، عبر حثّها على شراء معدات عسكرية لا تستطيع استيعابها، فضلاً عن استخدامها في أجواء الانفتاح السياسية الأخيرة نسبياً في المنطقة العربية.

2023-06-07-التقرير الأسبوعي

ينشر بالتعاون مع “الميادين”

تمرد مجموعة “فاغنر”: أميركا تنفي
دورها وتراهن على إضعاف بوتين

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

بعد صمت قصير، سارع الرئيس الأميركي جو بايدن إلى “نفي أي علاقة” لبلاده في تمرد رئيس مجموعة فاغنر يفغيني بريغوجين في روسيا، تلاه نفي مدير وكالة الاستخبارات المركزية ويليام بيرنز.

مسار نفي جاء من أعلى الهيئات الرسمية الأميركية أرفقه مدير الاستخبارات بمبادرته الاتصال بنظيره الروسي، سيرغي ناريشكين، لطمأنته وإيصال رسالة مفادها أنّ “الولايات المتحدة ليس لها أيّ دور في الفوضى الداخلية في روسيا”، مشدداً على أن ما جرى هو “مسألة روسية داخلية” (صحيفة “وول ستريت جورنال”، 30 حزيران/يونيو )2023.

لكن مسلسل “النفي” لم يصمد طويلاً، وسرعان ما ناقض مدير الاستخبارات المركزية إعلانه السابق، بعد حرصه على نشر أقواله في كبريات وسائل الإعلام الأميركية، عملاً بمقولة: “يكاد المريب أن يقول خذوني”.

في 2 تموز/يوليو الجاري، حطّ بيرنز في لندن مخاطباً جمهور النخب الفكرية والسياسية البريطانية في  مؤسّسة “ديتشلي”، قائلاً  إن حالة “الاستياء من الحرب ستظل تهُدّ في القيادة الروسية. هذا الاستياء يخلق فرصة لا تأتي إلا مرّة في كل جيل لنا في “السي آي أيه”، ولن نهدر هذه الفرصة”، وهو ما اعتبرته وسائل الإعلام إشارة إلى دور وكالة الاستخبارات المركزية في تجنيد عُملاء لها في أوراسيا تحديداً.

ومضى بيرنز مسترسلاً للحطّ من مكانة روسيا وقدرتها، لافتاً إلى أن “حرب بوتين باءت بفشل استراتيجي، وكشفت عن نقاط ضعف في جيشه”. وأضاف: “من دون أوكرانيا، يتعذّر على روسيا أن تكون قوة عظمى”، وامتداداً “يتعذر على الرئيس بوتين أن يكون زعيماً عظيماً”.

في السياق نفسه، أشارت وسائل الإعلام الغربية إلى قيام مدير الاستخبارات المركزية بزيارة “سرّية” إلى أوكرانيا، قبل تمرد فاغنر المعلن بساعات معدودة، ولقائه “الرئيس فولوديمير زيلينسكي ونظرائه في أجهزة الاستخبارات”.

وأشارت شبكة “سي أن أن” الأميركية إلى أن “الاستخبارات الأميركية كانت تعلم بهذا التمرّد”، لكنها فضلت عدم التحدث به في مراهنتها على “نجاحه”، وحافظت على سرّية ما توصلت إليه من “صورة دقيقة وبالغة التفاصيل لخطط زعيم فاغنر  يفغيني بريغوجين”، وشاركت مجموعة ضيّقة من حلفائها بتلك المعلومات، “من بينهم كبار المسؤولين في بريطانيا” (27 حزيران / يونيو 2023).

يذكر أيضاً أن وكالة الاستخبارات المركزية “دشّنت مؤخراً حملة” تجنيد عبر منصات التواصل الاجتماعي، خصوصاً تلغرام، تستهدف مواطني روسيا، “وتعرض عليهم توجيهات لكيفية التواصل معها” عبر اتصال آمن على شبكة الإنترنت.

ربما يكون تبنّي حكم بالجزم أو النفي لدور الولايات المتحدة سابقاً لأوانه بناء على ما تقدم من معطيات، لكن توارد التصريحات من مختلف المراتب السياسية والعسكرية الأميركية يندرج في إطار الاستراتيجية الأميركية العليا لتهميش روسيا و”إلحاق هزيمة استراتيجية بها”، بحسب تصريحات الرئيس الأميركي جو بايدن.

كما أننا لا نزعم معرفة خلفية التمرّد إن كان “منسقاً” أو جزءاً من خطة الرئيس بوتين للإيقاع بخصومه وكشف مديات الدعم الداخلي والدولي لعناصر المجموعة، كما يتردّد بقوّة بين النخب السياسية والفكرية الأميركية، أو استغلال الجانب الأوكراني لما توفّر له من معلومات بشأن التحرك لتحقيق بعض الإنجازات الميدانية.

أما مستقبل مجموعة فاغنر وزعيمها المنفي في بيلاروسيا فهو منوط بالقرار الروسي حصراً، ولا ينبغي الاسترسال في عدد من الاحتمالات التي لا تستند الى وقائع.

ما يجري راهناً من  تطورات هيكلية في الجيشين الأميركي والروسي هو أمر لافت بكل المقاييس. في الشأن الأميركي، أجمعت وسائل الإعلام المرئية والمقروءة على أن “القوات المسلحة الأميركية تواجه تحديات تجنيد كبيرة في صفوفها تكاد تصل إلى أزمة”. وفي التفاصيل، أخفقت جهود التجنيد الدورية في تحقيق الحد الأدنى المطلوب لأفرع القوات المسلحة المختلفة، ولم تتجاوز نسبة نجاح القوات البرية 52% خلال العام الحالي.

وأفادت شبكة “سي أن أن”، عشية احتفال البلاد بعيد الاستقلال، بأن أفراد وحدات الدفاع الجوي الأميركي مرهقة نتيجة ضغوط المهمة، فيما تعمل القيادة العسكرية على تنفيذ تغييرات لتخفيف بعض الضغط، من بينها تقديم مكافآت مالية لجذب مزيد من المجندين إلى وظائف معينة في سلاح الدفاع الجوي، بما في ذلك تشغيل بطاريات صواريخ باتريوت، ونشر متخصصين في الصحة العقلية لمعالجة أفراد تلك الوحدات من الإرهاق الذي يتعرضون له.

وحذّر القادة العسكريون الأميركيون من أن وحدات الدفاع الصاروخي في الخطوط الأمامية في البلاد استفذت، وهي منهكة للغاية (شبكة”سي أن أن”، 3 تموز/يوليو 2023).

وفي الشأن الروسي، أفادت وكالات الأنباء الغربية بقرار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رفع رواتب قوات الجيش بنسبة 10.5% “بعد أيام من فشل التمرّد المسلّح (30 حزيران/يونيو 2023).

تقييم القادة العسكريين الأميركيين لأداء الجيش الروسي، قبل فشل حالة التمرّد وبعده، أبقى على ارتفاع منسوب ازدراء الخصم الروسي، لكن “استتاب الأوضاع هناك هي حالة ملحّة، وخصوصاً في ظل امتلاكه ترسانة هائلة من الأسلحة النووية”.

وأضاف ضابط الاستخبارات السابق ومسؤول القسم الروسي فيها جون سايفر “نلمس حالة من الخلل الوظيفي في القوات (الروسية) في أوكرانيا، تضاف إلى حالة الخلل العامة وعدم الكفاءة على المستوى الداخلي” (مقابلة أجراها مع شبكة “أن بي آر” للراديو، 28 حزيران/يونيو 2023).

أما تقييم المستويات السياسية الأميركية، فيتطابق في تشاؤمه حيال مستقبل روسيا ووحدة اراضيها. ونشرت يومية “نيويورك تايمز” مقالاً بعنوان ساخر: “بوتين يعتقد أنه لا يزال يسيطر، لكنه بخلاف ذلك”، وأوضحت أن “المتشددين، ومعظمهم يؤيدون بريغوجين، ينشطون بشكل كبير على تطبيق تلغرام، وباستطاعتهم انتقاد السلطة (السياسية) من دون الخشية من أي عواقب، لكن حالة التمرّد أضعفت سيطرة الرئيس بوتين بشكل كبير” (“نيويورك تايمز”، 30 حزيران/يونيو 2023).

بعد التسليم الغربي بفشل “التحدّي غير المسبوق لسلطة الرئيس بوتين”، تشير آفاق المرحلة المقبلة، من وجهة نظر أميركا وحلفائها عبر الأطلسي، إلى مضاعفة جهود الإمدادات العسكرية لأوكرانيا لحثها على مواصلة الحرب لفترة أطول، لعلّها تفضي إلى بعض الانجازات الميدانية، مهما كانت متواضعة، من أجل تنشيط مرحلة المفاوضات الحتمية.

الثابت أيضاً في تلك القراءة ما كان ينتظر روسيا من مخططات لإطاحة الرئيس بوتين، أفصحت عنها وزيرة الخارجية البريطانية السابقة ليز تراس أمام مجلس العموم قائلة: ” نحن وحلفاؤنا، بمن فيهم الأوكرانيون والبولنديون ودول البلطيق، بحاجة إلى التأكد من أن لدينا خطة (جاهزة) في حالة انهيار روسيا” (26 حزيران/يونيو 2023).

ويشاطرها الطرف الأميركي في انتهاز ما أفضت إليه الأزمة من “اهتزاز حكم بوتين. وعلى المدى القصير، قد يبدو الأمر كما لو أن بوتين نجا من محاولة الانقلاب العرضية لبريغوجين فإن شيئا ما قد تغيّر في روسيا”. لكنّ نخبها الفكرية المؤثّرة “لا تعتقد أن الرئيس بوتين ضعف بشكل كبير”، لعدم انضمام أي من التشكيلات العسكرية إلى حملة التمرّد أو انشقاقها.

وطالبت مجلة “فورين أفيرز” النافذة الولايات المتحدة وحلفاءها “بالتحلّي باليقظة والاستعداد لمواجهة جميع السيناريوهات” وخصوصاً إذا ترافقت أجراءات الرئيس الروسي المقبلة مع بعض مظاهر عدم الاستقرار”، ومراقبة ما يجري بحذر شديد ، و”ليس هناك مصلحة للغرب في الإطاحة المفاجأة بحكم بوتين” (مجلة “فورين أفيرز”، 27 حزيران/يونيو 2023).