2023-02-08-التقرير الأسبوعي

ينشر بالتعاون مع “الميادين”

أميركا وكوريا الشمالية:
أزمة مرشّحة للتصعيد

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

 ليس من العسير استكشاف طبيعة السياسة الخارجية الأميركية وإدراك مراميها بشأن شبه الجزيرة الكورية، جذرها هو العداء المتأصّل بسبب عدم قدرة واشنطن على حسم “الحرب الكورية” ببسط سيطرتها على الكوريتين، في خمسينيات القرن الماضي. والأهم أن واشنطن أحجمت منذ تلك اللحظة عن إبرام اتفاق ينهي “وقف إطلاق النار لعام 1953” بمعاهدة سلام رسمية.

وشهدت المنطقة منذئذ سلسلة تهديدات أميركية، بعضها رفيع المستوى، بغزو كوريا الشمالية التي ما فتئت تُطوّر إمكاناتها الذاتية للدفاع عن نفسها، أبرزها نجاحها في دخول “نادي الدول النووية”، على الرغم من أن القراءة الاستراتيجية الأميركية تتعامل مع السلاح الجديد وكأنه امتداد للمظلة النووية الصينية، بالقرب من النفوذ الأميركي في اليابان بصورة خاصة (نبأ بعنوان “الصين تقول زعيم كوريا الشمالية تعهّد بنزع السلاح النووي”، وكالة “رويترز” للأنباء، 27 آذار/مارس 2018).

الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون تدارس ومستشارية توجيه ضربة عسكرية استباقية، تستهدف المفاعل النووي لكوريا الشمالية في يونغ بيون، في أيلول/سبتمبر 1994، وسارع بعض العقلاء في واشنطن إلى احتواء الأزمة المفتعلة بإيفاد الرئيس الأسبق جيمي كارتر إلى العاصمة بيونغ يانغ، ولقاء الرئيس كيم إيل سونغ. وسُوّي الأمر بتجميد الزعيم الكوري للبرنامج النووي لنحو عقد من الزمن.

وصرّح الرئيس كارتر بعد عودته أنه أدرك تماماً ما يريده الزعيم الكوري متمثّلاً بإنهاء حالة الحرب عوضاً عن “اتفاق وقف إطلاق النار”، وإنهاء الحصار الاقتصادي الأميركي على بلاده، “مقابل تعاونه” المشار إليه (مقابلة أجرتها الاستاذة الجامعية كريستين آن مع الرئيس كارتر في شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2018، في مقر مركز كارتر للدراسات بمدينة أتلانتا).

جدير بالذكر ما يردّده صقور السياسة الأميركية، أبرزهم السيناتور اليميني ليندسي غراهام، بأن على كوريا الشمالية التخلّي عن سلاحها النووي قبل توقيع إعلان السلام مع الولايات المتحدة.

وما زاد الأمر تعقيدا هو الدور المطلوب أميركياً من كلا الكوريتين في الحرب الأوكرانية الجارية، إذ تمارس واشنطن أقصى ما لديها من وسائل ضغط على كوريا الجنوبية لتوريد أسلحة وذخائر مدفعية إلى كييف، نظراً لشح الإمدادات الموعودة من ترسانة دول حلف الناتو، ووفرة الأسلحة المطلوبة في ترسانة سيؤول. وبالمقابلتسوق الاتهامات لكوريا الشمالية بأنها توّرد أسلحة ومقاتلين لدعم الجيش الروسي هناك.

وعليه، وجّهت دعوة لرئيس كوريا الجنوبية يون سوك يول للمشاركة في قمة حلف الناتو الأخيرة في فيلنياس، والاطلاع عن كثب على احتياجات الحرب الأوكرانية. وبحسب الخبراء العسكريين فإن المراهنة على دخول ترسانة سيؤول لمجريات الحرب “قد يغيّر نتائجها”، وذلك بخلاف مبدأ البلاد بعدم تسليح أي من أطراف الحرب، وساهمت في إرسال معونات إغاثية إلى كييف بقيمة 200 مليون دولار.

وتزيد اللوحة السياسية تعقيدا بالنسبة لكوريا الجنوبية بعد تخطيها بنجاح حجم تبادل تجاري رفيع المستوى مع روسيا قبل نشوب الحرب الأوكرانية، وليس مستبعداً استغلال واشنطن لتلك الخاصية كي تضغط عبر سيؤول على موسكو. وأقر مسؤول رسمي في سيؤول أن “الجانب الروسي أوضح لنا بشدة بأن (توريد) الأسلحة هو خط أحمر، وفي حال تجاوزناه سنواجه بالرد” (مقابلة مع شبكة “بي بي سي” البريطانية 8 تموز/يوليو 2023)

معالم الاستراتيجية الأميركية في شبه الجزيرة الكورية، وامتداداً بحر الصين الجنوبي، اتضحت منذ بدء ولاية الرئيس جو بايدن بتعزيز “التعاون العسكري والاستخباراتي” بين حلف أميركا واليابان مع كوريا الجنوبية وإجراء مناورات عسكرية مشتركة معها، توّجتها بإدخال قطع بحرية نووية وغوّاصات قادرة على إطلاق صواريخ عابرة للقارات إلى مياهها.

خلفية استراتيجية واشنطن أعلاه ليست بدافع تعزيز سبل “ردع كوريا الشمالية” في جوارها، كما يتردّد في وسائل الإعلام، بل هي رسالة أبعد لاحتواء الصين. وعليه، تجمع النخب الأميركية أن إدراك طبيعة السياسة الأميركية في شبه الجزيرة الكورية ينبغي النظر إليها من زاوية “صعود الصين لتحديها للولايات المتحدة” في شبه الجزيرة الكورية وعموم المنطقة الآسيوية، عبر تطويق سواحلها بمعدات عسكرية متقدمة (دراسة بعنوان “الصين تنظر إلى شبه الجزيرة الكورية: ثنائية التحوّل”، نشرت في دورية “غلوبال بوليتيكس آند ستراتيجي”،  26 تشرين الثاني/نوفمبر 2021).

وحذرت الدراسة إدارة الرئيس بايدن أن سياسة “الاحتواء” المتبعة ترفع منسوب التوتر مع الصين في شبه الجزيرة، بما أن تعزير التعاون بين كوريا الجنوبية والولايات المتحدة يؤدي إلى تحفيز الصين في مواجهة كوريا الجنوبية باتباعها ديبلوماسية القوة القسرية، والتي ستنعكس على صراع أميركا مع الصين”، وقد يؤدي إلى تخفيف مدى تحفّظات الأخيرة على كوريا الشمالية، كما نشهد في “رفع الصين لمعدلات عدم تعاونها مع عقوبات الأمم المتحدة على كوريا الشمالية”.

 

كوريا الشمالية

شهد مطلع العام الجاري سلسلة تصريحات متبادلة من رئيسي الكوريتين، عقب استئناف الجار الجنوبي لمناورات عسكرية مشتركة مع أميركا، وتعثّر المحادثات الديبلوماسية مع الجار الشمالي. فرئيس كوريا الشمالية كيم جونغ أون استهل العام الجديد بتعهّد بلاده زيادة “هائلة في الترسانة النووية ” بما يشمل الإنتاج الضخم لأسلحة نووية تكتيكية، وصواريخ باليستية عابرة للقارات”، وأن الولايات المتحدة “تُشكّل نسخة آسيوية من حلف الناتو”.

أما رئيس كوريا الجنوبية يون سوك يول فقد حذّر من أن “المظلة النووية الأميركية لم تعد تكفي لطمأنة” بلاده، على خلفية زيارته الرسمية للبيت الأبيض وإعلان الرئيس جو بايدن إرسال بلاده “غواصات محملة بصواريخ باليستية نووية” للرسوّ هناك للمرة الأولى منذ عقود. ونوّه إلى اعتقاده بأن “واشنطن لن تتدخّل لحمايتهم في حال هجوم” من كوريا الشمالية، إذ شهد العام المنصرم إطلاق “بيونغ يانغ عدداً قياسياً من الصواريخ بمعدل اختبار واحد كل شهر تقريباً” (وكالات، 2 كانون الثاني/يناير 2023).

أما بشأن ترسانة الكوريتين العسكرية، فقد عملتا بشكل مستقل على تعزيز مخزوناتهما من الأسلحة والذخائر “والدخول في تحالفات مضادة، تحضيراً لأي عمل عسكري مقبل” منذ انتهاء الاشتباكات المسلحة عام 1953.

وحطّ وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو في بيونغ يانغ، قبل أيام معدودة، والتقى بالرئيس الكوري، وزارا معاً معرضاً للأسلحة الباليستية، ما أثار شكوك واشنطن بأن الجانبين اتفقا على صيغة لتوريد الأسلحة من كوريا الشمالية إلى روسيا، عمادها قذائف المدفعية وأسلحة خفيفة مضادة للدروع مع ذخائرها.

وقبل الزيارة أعلاه بأيام قليلة، أجرت روسيا والصين مناورات عسكرية مشتركة في مياه بحر اليابان “لتعزيز سبل حماية طرق الملاحة البحرية ودمج تكامل عملياتهما العسكرية”.

آفاق المرحلة المقبلة لا تدعو إلى الارتياح، بل إلى توتير متبادل بين الأقطاب الثلاثة الرئيسية: أميركا وروسيا والصين. ولا يلوح في الأفق أي نية أميركية تغاير المسار التقليدي بإدامة حالة الحرب في شبه الجزيرة الكورية.

أما المساعي المتعثّرة التي قامت بها واشنطن باتجاه بيونغ يانغ، بعد انقضاء 3 عقود، كان سقفها الأدنى “نزع السلاح النووي” من كوريا الشمالية، وإصرار رؤسائها المتعاقبين على عدم “التعايش مع بيونغ يانغ النووية”، والتخلّي عن مساعٍ سابقة فرضتها الظروف الدولية لإجراء “حوار رفيع المستوى” مع حكومة كوريا الشمالية.

ومع دخول عنصر استدامة الحرب الأوكرانية، نظراً لعزم واشنطن على إدماء روسيا و”الحاق هزيمة استراتيجية بها”، معطوفاً على اشتداد التصريحات الكلامية في جولة الانتخابات الرئاسية المقبلة، فالأجواء تنذر بمزيد من التوتر وإعلاء الصدام بدلاً من نزع فتيل الانفجار.

وعزز وزير دفاع كوريا الشمالية القراءة السوداوية للأزمة المتدحرجة بقوله: “الولايات المتحدة ستواجه أزمة لا يمكن تصورها ولم يسبق لها مثيل، إذا حاولت توجيه ضربة نووية ضد كوريا الشمالية” (خطاب في احتفال الذكرى السبعين لهدنة الحرب الكورية، 29 تموز/يوليو 2023).

2023-26-07-التقرير الأسبوعي

ينشر بالتعاون مع “الميادين”

التعقيدات الانتخابية
في المشهد السياسي الأميركي

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

من خصائص دورة الانتخابات الرئاسية المقبلة أنها ستشهد انتخاب كل أعضاء مجلس النواب البالغ عددهم 435، إضافة إلى 34 مقعداً في مجلس الشيوخ من مجموع 100 مقعد، ما يؤشر على دورة انتخابية حامية بين مرشحي الحزبين في ظل أوضاعهما الداخلية التي لا تبعث على الارتياح لكليهما.

تدل المؤشرات الأولية على عزم الرئيس جو بايدن خوض الجولة المقبلة لولاية رئاسية ثانية، متغاضياً عن جملة عوامل وتحذيرات من أقرانه بأن قراره يمثل مغامرة في مستقبل الحزب الديموقراطي، وربما يكلفه خسارة المنصب. أما الحزب الجمهوري، فلا يزال الرئيس السابق دونالد ترامب يتبوأ المرتبة الأولى بين عددٍ من الراغبين في خوض الانتخابات.

لم يعد خافياً على أحد تكوّن شبه إجماع بين الناخب العادي والنخب المختصة، مفاده عزم الحزب الديموقراطي على إثارة جملة عقبات “قانونية” الطابع تهدف إلى تنحية الرئيس السابق ترامب وحرمانه من أداء أي دور سياسي في المستقبل، وتستند إلى تعديل دستوري بالغ القدم يعرف بالفصل 3 من المادة الرابعة عشرة من التعديلات الدستورية، التي تنص على أن”المسؤول رسمي لا يجوز له، بعد أدائه القسم، الانخراط في حالة عصيان أو تمرّد” ضد النظام السياسي.

لكن المادة نفسها تتيح لمجلسي الكونغرس التصويت بنسبة ثلثي الأعضاء، بصورة منفصلة، على إلغاء العمل بذلك الفصل، كما أنها لا تنصّ على مرتبة “المسؤول الرسمي” وهناك ضبابية في تطبيقها على رئيس البلاد. لا ريب في أن الجدل المرافق لتلك الصيغة الفضفاضة سيُطرح على أختصاصيي القانون، وسيستغرق فترة زمنية غير محددة، نظراً لطبيعة المرحلة وخصوصيتها.

وفي حال افتراض نجاح جهود تنحية الرئيس ترامب بفترة زمنية قصيرة بعد فوزه بترشيح مؤتمر الحزب الجمهوري العام المقرر انعقاده في 15 تموز/يوليو 2024، فستشهد البلاد  تحديات غير مسبوقة في تاريخ كيانها السياسي.

والجدير بالذكر ثبات الرئيس ترامب في المرتبة الأولى بين منافسيه من الحزب الجمهوري. أحدث استطلاعات الرأي، أجرته جامعة هارفارد العريقة، وبعد توجيه إدانة رسمية أخرى له في نيويورك، أفاد بأن ترامب يحظى بتأييد 52% من مجموع أصوات الناخبين، في حال عُقدت الانتخابات الرئاسية حالياً، وسيفوز ويتفوّق على منافسه الرئيس جو بايدن بنسبة 45% في مقابل 40%.

أما الرئيس جو بايدن، فقد نال معارضة 68% من مجموع الناخبين القلقين من تدهور حالته الصحية، وأحياناً الذهنية. وتشكل تلك النسبة العالية ضعف معدّل النسبة التي سجّلها عام 2020، بحسب الاستطلاع. وقد أشار إلى تدنِّ ملحوظ بين الناخبين في نظرتهم إلى المؤسسات الرسمية والثقة بها، وخصوصاً وزارة العدل ومكتب التحقيقات الفيدرالي التابع لها (شبكة “أن بي سي”، 27 حزيران/يونيو 2024)

ما يقلق النخب السياسية الحاكمة في الحزبين هو “تردّد” منافسي الرئيس ترامب من مرشحي الحزب الجمهوري وانصياعهم إلى مشيئته، وهم الذين “لا يتحلّون بالشجاعة لمواجهته مباشرة وتوعية الجمهور بأنه يشكّل خطراً محدقاً ثابتاً على النظام الديموقراطي الأميركي”، (يومية “ذي هيل”، 24 تموز/يوليو 2024).

جولة الانتخابات الرئاسية الراهنة تُنذر بتكريس حالة الانقسام الشديدة بين مختلف أطياف المجتمع الأميركي، ويجد المرء سيلاً لا بأس به من تحذيرات متواصلة من قبل النخب السياسية والفكرية بهذا الشأن، مع إقرار ملتوِ أحياناً بتفاقم الأوضاع الاقتصادية للمواطنين، والتي تشكل الركن الأساسي لتوجهات كل الناخبين.

العامل المتجدد في الصراع السياسي الحالي يسلط الضوء على “ضلوع” الرئيس بايدن بما ينسب تلقيه أموالاً من “دولة أجنبية” خلال توليه منصب نائب الرئيس الأميركي، وكذلك تفاقم قضية نجله هنتر وما يساق بأن وزارة العدل ضمن تركيبتها الحالية “منحته طوق نجاة” لا يستطيع المرء العادي المتهم بأقل من ذلك التمتع به.

كما أن قطب اليمين المتشدد في الحزب الجمهوري لا يفوّت فرصة لمطالبة رئيس مجلس النواب كيفين مكارثي بالشروع في ترتيبات محاكمة الرئيس بايدن، وهو الذي بدأ يتساوق مع التوجه من دون الحسم.

أما بشأن وضع الحزب الديموقراطي قبيل بدء الجولة الانتخابية رسمياً، فهو يشهد جملة صراعات داخلية، أبرزها عدم تنحي الرئيس بايدن قبل الانتخابات التمهيدية ووجود مرشحيْن عن الحزب لا يحظيان بدعم المؤسسة الرسمية نظراً إلى مواقفهما “المتقدمة” عنها، هما نجل السيناتور السابق وحامل الإسم نفسه روبرت كنيدي، والمؤلفة ماريان ويليامسون المعارضة بشدة لهيمنة شركات النفط الأميركية، لعدم امتثالها لتدابير الحفاظ على البيئة ودور الوقود الأحفوري في أزمة المناخ.

وضع نائبة الرئيس كمالا هاريس الراهن لا يبعث على ارتياح أقطاب الحزب الديموقراطي، هم يحبّذون غيابها عن المشهد لسوء أدائها وما تسببت به من أضرار ألحقتها مبكراً بالحزب الديموقراطي، فضلاً عن معارضة شديدة لها من بقية الناخبين، لكن دورها الرسمي كرئيس لمجلس الشيوخ، بحسب الدستور، له أهمية بالغة في حسابات التوازنات السياسية، إلى حين.

أحداث جولة الانتخابات الرئاسية التي جرت عام 1968 تعود بقوة إلى الواجهة الآن، إذ أسفرت عن اغتيال المرشح الأقوى للحزب الديموقراطي، روبرت كنيدي، وتمسّك قيادة الحزب بنائب الرئيس آنذاك هيوبرت همفري، على الرغم من تمتع منافسه يوجين مكارثي بدعم عريض من القوى الناشئة التي رأت أنه مرشّح ضد استمرار الحرب الأميركية على فيتنام، وعلى الرغم من الانقسام الحاد في قواعد الحزب أثناء انعقاد مؤتمره العام في شيكاغو داخله وخارجه. وفي النهاية، أدت تلك الحسابات “الضيقة” إلى خسارة الحزب الرئاسة وفوز الجمهوري ريتشارد نيكسون.

الانقسامات السياسية ليست حصراً على مرشّح بعينه، لكن تردي الأوضاع الاقتصادية الراهنة، داخلياً وعالمياً، أعادت تساؤلاً “مكروهاً من المؤسسة الحاكمة”: لماذا يجري ضخ مليارات الدولارات في أوكرانيا، فيما تعاني المرافق الاقتصادية نقصاً شديداً في الموارد  فاقم فعالية البنى التحتية وترديها؟

لكن التاريخ لا “يكرر نفسه”، بل تتشابه الأحداث، وليس بالضرورة النتائج، وخصوصاً إغفال القوى النافذة للاستجابة للدروس المطلوبة من تجاربها السابقة. بعبارة أخرى، المؤسسة الأميركية الحاكمة بقطبيها، الديموقراطي والجمهوري، ماضية بقوة إلى تعزيز هيمنتها العالمية، وقرار الصدام مع القوى الصاعدة والمنافسة تم اتخاذه على أعلى المستويات، ولم يعد سراً.

المرشّح الأوفر حظاً سيواصل اتباع الأولويات السياسية الراهنة، المتمثّلة بالحفاظ على رقعة انتشار عسكري عريضة عبر العالم، وتوتير الأجواء وتقريبها من حافة الصدام مع المنافسين الكبار.

وفي حال استطاع الرئيس ترامب المضي إلى النهاية والفوز بالمنصب الرئاسي، فالأولويات الأميركية المرسومة في الاستراتيجية الكونية لن تشهد تغييراً جوهرياً، بل “إعادة انتشار” ربما، وتوزيع أدوار الأطراف المؤيدة، وخصوصاً دول “حلف الناتو”.

2023-19-07-التقرير الأسبوعي

ينشر بالتعاون مع “الميادين”

قمة “الناتو” لأوكرانيا:
استمروا في القتال والعضوية مؤجلة

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

حسم الرئيس الأميركي جو بايدن سريعاً توقّعات أوكرانيا المفرطة بشأن قبول عضويتها رسمياً في حلف الناتو، قائلاً ما مفاده أن الأمر يمكن إعادة النظر فيه بعد انتهاء الحرب ضدّروسيا، بينما أعلنت دول الحلف الأخرى موافقتها عندما “تستوفي أوكرانيا الشروط” المعروضة، وتطبيق الإصلاحات البنيوية المطلوبة.

تزامن التباطؤ الأميركي لدخول أوكرانيا عضوية الحلف مع تنامي الانتقادات الداخلية في أركان المؤسسة الحاكمة، سياسيا وعسكرياً وأمنياً، لفشل “الهجوم الأوكراني المضادّ”، والذيدأبت كل الأطراف على التعويل على نجاحه، وخصوصاً تزويد أقطاب الحلف أوكرانيا بمعدات وذخائر عسكرية متواصلة وحديثة، آخرها إعلان واشنطن تسليمها قنابل عنقودية.

لكن الأمر عينه لم يحظ بإجماع دول الحلف، إذ أعرب البعض، ومن بينهم ألمانيا، عن تحفظه عن تقديم الدعم العسكري بسبب ما قد يفضي إليه من مواجهة مباشرة مع روسيا، وذلك بعد انقضاء عام على “قمة مدريد” لحلف الناتو، وتبنيها مفهوماً استراتيجياً، وُصف بأنه جديد كون “روسيا تشكّل تهديداً مباشراً” لأعضائه.

كما أن التزام كبار أعضاء الحلف، أميركا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، توفير معدات وذخيرة متطورة لأوكرانيا “سيكون خارج إطار حلف الناتو”، بحسب تحفظات بعض النخبالسياسية الأميركية، في ظل اشتراط واشنطن على سائر الأعضاء تخصيص 2% من ناتجها المحلي الإجمالي للإنفاق العسكري “بحلول عام 2024″، في ظل تردّي الأوضاع الاقتصادية الداخلية في عموم أوروبا الغربية.

بيد أن تلك “الاستراتيجية الجديدة” وسّعت دوائر الخطر المحدقة بالحلف “والتحديات غير المسبوقة”، لتشمل “الإرهاب والتقنيات الجديدة وتحديات المناخ”، جنباً إلى جنب مع التهديدات العسكرية التقليدية.

على الرغم من تصدّر جدول أعمال الحلف البت في عضوية أوكرانيا، حقّقت السويد طموحها بشأن الانضمام إلى الحلف، بعد تراجع تركيا عن شروطها السابقة، في مقابل “وعد أميركي بتقديم دعم اقتصادي” للحيلولة دون انزلاق أدائها الاقتصادي وتعزيز قدرتها على توفير استثمارات أجنبية ضرورية لمعدلات النمو الطموحة.

وقدّمت أنقرة أوراق اعتمادها إلى الجانب الأميركي بالإفراج عن “فوج من قادة آزوف” المحتجزين لديها، مخالفةً ترتيبات سابقة عقدها الرئيس أردوغان مع الرئيس الروسي بوتين، في هذا الشأن.

في المقابل، أقلعت واشنطن عن تحفظاتها السابقة بخصوص صفقة الطائرات المقاتلة لأنقرة من طراز أف-16، الأمر الذي يمهّد الأجواء لاستئناف الأخيرة دورها بالانضمام إلى مجموعة مختارة من حلفاء الولايات المتحدة للمساهمة في عملية إنتاج مكوّنات تدخل في صناعة المقاتلة الأميركية الأحدث، أف-35.

تراجعت تلك الإرهاصات والوعود الأميركية للحلفاء بتصريح للرئيس جو بايدن، خلال مقابلة أجرتها معه شبكة “سي أن أن”، بشأن تطورات الحرب في أوكرانيا، شكا فيه من نقص معدلات الذخائر في الترسانة الأميركية.

وقال الرئيس بايدن إن ” ذخيرة الأوكرانيين تنفد. هذه حرب تتعلق بالذخائر، وذخيرتهم تنفد، وما لدينا منها أصبح قليلا”.

وانتقدت يومية “وول ستريت جورنال”، بتاريخ 10 تموز/يوليو الحالي، إقرار الرئيس بايدن بنقص الذخيرة بأنه يشكل “وصمة عارٍ في حاجة إلى إصلاح عاجل”.

وأضافت أن الولايات المتحدة زوّدت كييف بما يزيد على مليوني قذيفة مدفعية من عيار 155 ملم، والبنتاغون يقول إن أوكرانيا تستهلك 3 آلاف قذيفة يوميا، مطالبة البيت الأبيض ببذل “جهد وطني جديد لتوسيع نطاق إنتاج الأسلحة والذخائر”.

يشار، في هذا الصدد، إلى تقرير نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال”، مطلع العام الجاري، كشفت فيه “خطراً استراتيجياً يواجه الولايات المتحدة، بحيث انخفضت مخزونات الأسلحة لديها، و أن شركات صناعة الأسلحة ليست مجهّزة لتجديد المخزون بسرعة، وتعمل بآلية أكثر ملاءمة لبيئة زمن السلم”، معرّجة على خشية كبار العسكريين الأميركيين من “سرعة نفاد ذخائر الجيش الأميركي في نزاع محتمل مع الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ”. (“وول ستريت جورنال”، 23 كانون الثاني/يناير 2023).

ومنذئذ دقت وسائل الإعلام الأميركية المختلفة، المرئية والمقروءة، جرس الإنذار لما استشعرت من ثُغَر بنيوية في الاستراتيجية الأميركية الكونية، وخصوصاً في مواجهتها الصين، أو احتوائها.

وأبرزت نشرة مختصة بالشؤون العسكرية تحديات نقص الإمدادات والذخيرة في الترسانة الأميركية، وبأن “مسار التوريد لأوكرانيا يشكّل مقدّمة لطبيعة القيود الصناعية، التي قد تعرقل الفعالية العسكرية الأمريكية إذا اشتبكت مع خصم ، مثل الصين ، التي ستتسبب بخسائر فادحة في المعدات والأفراد” (نشرة “وور أون ذا روكس -War on the Rocks”، 16 آذار/مارس 2023).

وانضم أحد أكبر مراكز الأبحاث النافذة في صنع القرارين السياسي والعسكري الأميركيين، مبكراً، إلى الجدل الدائر بشأن نقص الذخيرة، قائلاً إنه “بمجرد أن يتم استهلاك مخزون الترسانة، لا تستطيع وزارة الدفاع ببساطة شراء المزيد من الذخائر، وقد يستغرق تصنيعها أعواماً” (دراسة بعنوان “النضوب السريع للذخائر يشير إلى تبنّي تغييرات  ضرورية” عن “مؤسّسة هاريتاج”، 20 كانون الأول/ديسمبر 2022).

الإقرار الأميركي المتواصل بنقص معدلات الذخيرة إلى نِسَب مقلقة، له أكثر من بُعد، إذ لا يجوز تجاهل دور صناعة الأسلحة في ترويج تراجع المخزون طمعاً في حثّ الكونغرس على تخصيص ميزانيات إضافية وعاجلة لعملية إنتاج مكثفة، يشترك فيها بعض الدول المؤيدة لسياسات واشنطن، مثل تركيا.

وفي الشق المقابل، يشير إلى ما سمّاه بعض الخبراء العسكريين مخاطر سياسة خصخصة الانتاج الحربي وتراجع دور الدولة المركزية وإشرافها على وجهة الإنفاق، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

للدلالة على عمق الأزمة البنيوية والنفوذ الطاغي لكبريات شركات الأسلحة، نشر مؤخراً تقرير يتضمن كلفة البنتاغون لشراء “سلة مهملات بسعر  51،600 $” من شركة بوينغ، والتي كانت تبيعها وفق المواصفات نفسها بتكلفة 300 دولار (تقارير ووكالات، 22 حزيران/يونيو 2023).

ترافق ذلك الكشف مع تقرير تدقيق مالي قدّمه البنتاغون لمجموع إنفاقاته للعام الحالي، يشير إلى “خطأ حسابي أسفر عن توافر مبلغ ،قيمته الصافية بلغت 6،2 مليارات دولار” سيتم الإنفاق منه على المعدات العسكرية المخصصة لأوكرانيا (وكالات، 20 حزيران/يونيو 2023).

لم تتم محاسبة قادة البنتاغون من قبل مجلس النواب الذي يصادق على حجم ميزانيات الدفاع سنوياً. واكتفى “4 أعضاء في مجلس الشيوخ” بتقديم مذكرة شديدة اللهجة إلى وزير الدفاع، لويد أوستن، يطالبونه بتقديم تفسير لـ”الخطأ الحسابي”، المشار إليه، باستنادهم إلى تخصيص الكونغرس “أكثر من 113 مليار دولار لمساعدة أوكرانيا لتاريخه”، واتهامه بتفضيل “معاملة أوكرانيا على حساب المصالح الحيوية للولايات المتحدة” (مذكرة بتاريخ 11 تموز/يوليو 2023).

ما تَقدّم يشكل غيضاً من فيض في معدلات الإنفاق على “المسائل العسكرية” الأميركية والهدر المتواصل من دون آليات مراقبة حقيقية أو محاسبة مرتكبيها. بل كرّر الرئيس جو بايدن، في قمة حلف الناتو الأخيرة، ضرورة زيادة أعضاء الحلف نسبة الإنفاق على الشأن العسكري، وأوضح الأمين العام للحلف أنه يتعيّن على الدول الأعضاء تخصيص ما لا يقل عن 2% من الناتج القومي العام لكل منها “لشؤون الدفاع”.

وعليه، فإن كلمة السرّ الأميركية هي المضي في مواجهة كل من روسيا والصين، وتوزيع التكلفة على حلفائها من دول الناتو، وبعض الدول النفطية، بما فيها العربية، عبر حثّها على شراء معدات عسكرية لا تستطيع استيعابها، فضلاً عن استخدامها في أجواء الانفتاح السياسية الأخيرة نسبياً في المنطقة العربية.

2023-06-07-التقرير الأسبوعي

ينشر بالتعاون مع “الميادين”

تمرد مجموعة “فاغنر”: أميركا تنفي
دورها وتراهن على إضعاف بوتين

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

بعد صمت قصير، سارع الرئيس الأميركي جو بايدن إلى “نفي أي علاقة” لبلاده في تمرد رئيس مجموعة فاغنر يفغيني بريغوجين في روسيا، تلاه نفي مدير وكالة الاستخبارات المركزية ويليام بيرنز.

مسار نفي جاء من أعلى الهيئات الرسمية الأميركية أرفقه مدير الاستخبارات بمبادرته الاتصال بنظيره الروسي، سيرغي ناريشكين، لطمأنته وإيصال رسالة مفادها أنّ “الولايات المتحدة ليس لها أيّ دور في الفوضى الداخلية في روسيا”، مشدداً على أن ما جرى هو “مسألة روسية داخلية” (صحيفة “وول ستريت جورنال”، 30 حزيران/يونيو )2023.

لكن مسلسل “النفي” لم يصمد طويلاً، وسرعان ما ناقض مدير الاستخبارات المركزية إعلانه السابق، بعد حرصه على نشر أقواله في كبريات وسائل الإعلام الأميركية، عملاً بمقولة: “يكاد المريب أن يقول خذوني”.

في 2 تموز/يوليو الجاري، حطّ بيرنز في لندن مخاطباً جمهور النخب الفكرية والسياسية البريطانية في  مؤسّسة “ديتشلي”، قائلاً  إن حالة “الاستياء من الحرب ستظل تهُدّ في القيادة الروسية. هذا الاستياء يخلق فرصة لا تأتي إلا مرّة في كل جيل لنا في “السي آي أيه”، ولن نهدر هذه الفرصة”، وهو ما اعتبرته وسائل الإعلام إشارة إلى دور وكالة الاستخبارات المركزية في تجنيد عُملاء لها في أوراسيا تحديداً.

ومضى بيرنز مسترسلاً للحطّ من مكانة روسيا وقدرتها، لافتاً إلى أن “حرب بوتين باءت بفشل استراتيجي، وكشفت عن نقاط ضعف في جيشه”. وأضاف: “من دون أوكرانيا، يتعذّر على روسيا أن تكون قوة عظمى”، وامتداداً “يتعذر على الرئيس بوتين أن يكون زعيماً عظيماً”.

في السياق نفسه، أشارت وسائل الإعلام الغربية إلى قيام مدير الاستخبارات المركزية بزيارة “سرّية” إلى أوكرانيا، قبل تمرد فاغنر المعلن بساعات معدودة، ولقائه “الرئيس فولوديمير زيلينسكي ونظرائه في أجهزة الاستخبارات”.

وأشارت شبكة “سي أن أن” الأميركية إلى أن “الاستخبارات الأميركية كانت تعلم بهذا التمرّد”، لكنها فضلت عدم التحدث به في مراهنتها على “نجاحه”، وحافظت على سرّية ما توصلت إليه من “صورة دقيقة وبالغة التفاصيل لخطط زعيم فاغنر  يفغيني بريغوجين”، وشاركت مجموعة ضيّقة من حلفائها بتلك المعلومات، “من بينهم كبار المسؤولين في بريطانيا” (27 حزيران / يونيو 2023).

يذكر أيضاً أن وكالة الاستخبارات المركزية “دشّنت مؤخراً حملة” تجنيد عبر منصات التواصل الاجتماعي، خصوصاً تلغرام، تستهدف مواطني روسيا، “وتعرض عليهم توجيهات لكيفية التواصل معها” عبر اتصال آمن على شبكة الإنترنت.

ربما يكون تبنّي حكم بالجزم أو النفي لدور الولايات المتحدة سابقاً لأوانه بناء على ما تقدم من معطيات، لكن توارد التصريحات من مختلف المراتب السياسية والعسكرية الأميركية يندرج في إطار الاستراتيجية الأميركية العليا لتهميش روسيا و”إلحاق هزيمة استراتيجية بها”، بحسب تصريحات الرئيس الأميركي جو بايدن.

كما أننا لا نزعم معرفة خلفية التمرّد إن كان “منسقاً” أو جزءاً من خطة الرئيس بوتين للإيقاع بخصومه وكشف مديات الدعم الداخلي والدولي لعناصر المجموعة، كما يتردّد بقوّة بين النخب السياسية والفكرية الأميركية، أو استغلال الجانب الأوكراني لما توفّر له من معلومات بشأن التحرك لتحقيق بعض الإنجازات الميدانية.

أما مستقبل مجموعة فاغنر وزعيمها المنفي في بيلاروسيا فهو منوط بالقرار الروسي حصراً، ولا ينبغي الاسترسال في عدد من الاحتمالات التي لا تستند الى وقائع.

ما يجري راهناً من  تطورات هيكلية في الجيشين الأميركي والروسي هو أمر لافت بكل المقاييس. في الشأن الأميركي، أجمعت وسائل الإعلام المرئية والمقروءة على أن “القوات المسلحة الأميركية تواجه تحديات تجنيد كبيرة في صفوفها تكاد تصل إلى أزمة”. وفي التفاصيل، أخفقت جهود التجنيد الدورية في تحقيق الحد الأدنى المطلوب لأفرع القوات المسلحة المختلفة، ولم تتجاوز نسبة نجاح القوات البرية 52% خلال العام الحالي.

وأفادت شبكة “سي أن أن”، عشية احتفال البلاد بعيد الاستقلال، بأن أفراد وحدات الدفاع الجوي الأميركي مرهقة نتيجة ضغوط المهمة، فيما تعمل القيادة العسكرية على تنفيذ تغييرات لتخفيف بعض الضغط، من بينها تقديم مكافآت مالية لجذب مزيد من المجندين إلى وظائف معينة في سلاح الدفاع الجوي، بما في ذلك تشغيل بطاريات صواريخ باتريوت، ونشر متخصصين في الصحة العقلية لمعالجة أفراد تلك الوحدات من الإرهاق الذي يتعرضون له.

وحذّر القادة العسكريون الأميركيون من أن وحدات الدفاع الصاروخي في الخطوط الأمامية في البلاد استفذت، وهي منهكة للغاية (شبكة”سي أن أن”، 3 تموز/يوليو 2023).

وفي الشأن الروسي، أفادت وكالات الأنباء الغربية بقرار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رفع رواتب قوات الجيش بنسبة 10.5% “بعد أيام من فشل التمرّد المسلّح (30 حزيران/يونيو 2023).

تقييم القادة العسكريين الأميركيين لأداء الجيش الروسي، قبل فشل حالة التمرّد وبعده، أبقى على ارتفاع منسوب ازدراء الخصم الروسي، لكن “استتاب الأوضاع هناك هي حالة ملحّة، وخصوصاً في ظل امتلاكه ترسانة هائلة من الأسلحة النووية”.

وأضاف ضابط الاستخبارات السابق ومسؤول القسم الروسي فيها جون سايفر “نلمس حالة من الخلل الوظيفي في القوات (الروسية) في أوكرانيا، تضاف إلى حالة الخلل العامة وعدم الكفاءة على المستوى الداخلي” (مقابلة أجراها مع شبكة “أن بي آر” للراديو، 28 حزيران/يونيو 2023).

أما تقييم المستويات السياسية الأميركية، فيتطابق في تشاؤمه حيال مستقبل روسيا ووحدة اراضيها. ونشرت يومية “نيويورك تايمز” مقالاً بعنوان ساخر: “بوتين يعتقد أنه لا يزال يسيطر، لكنه بخلاف ذلك”، وأوضحت أن “المتشددين، ومعظمهم يؤيدون بريغوجين، ينشطون بشكل كبير على تطبيق تلغرام، وباستطاعتهم انتقاد السلطة (السياسية) من دون الخشية من أي عواقب، لكن حالة التمرّد أضعفت سيطرة الرئيس بوتين بشكل كبير” (“نيويورك تايمز”، 30 حزيران/يونيو 2023).

بعد التسليم الغربي بفشل “التحدّي غير المسبوق لسلطة الرئيس بوتين”، تشير آفاق المرحلة المقبلة، من وجهة نظر أميركا وحلفائها عبر الأطلسي، إلى مضاعفة جهود الإمدادات العسكرية لأوكرانيا لحثها على مواصلة الحرب لفترة أطول، لعلّها تفضي إلى بعض الانجازات الميدانية، مهما كانت متواضعة، من أجل تنشيط مرحلة المفاوضات الحتمية.

الثابت أيضاً في تلك القراءة ما كان ينتظر روسيا من مخططات لإطاحة الرئيس بوتين، أفصحت عنها وزيرة الخارجية البريطانية السابقة ليز تراس أمام مجلس العموم قائلة: ” نحن وحلفاؤنا، بمن فيهم الأوكرانيون والبولنديون ودول البلطيق، بحاجة إلى التأكد من أن لدينا خطة (جاهزة) في حالة انهيار روسيا” (26 حزيران/يونيو 2023).

ويشاطرها الطرف الأميركي في انتهاز ما أفضت إليه الأزمة من “اهتزاز حكم بوتين. وعلى المدى القصير، قد يبدو الأمر كما لو أن بوتين نجا من محاولة الانقلاب العرضية لبريغوجين فإن شيئا ما قد تغيّر في روسيا”. لكنّ نخبها الفكرية المؤثّرة “لا تعتقد أن الرئيس بوتين ضعف بشكل كبير”، لعدم انضمام أي من التشكيلات العسكرية إلى حملة التمرّد أو انشقاقها.

وطالبت مجلة “فورين أفيرز” النافذة الولايات المتحدة وحلفاءها “بالتحلّي باليقظة والاستعداد لمواجهة جميع السيناريوهات” وخصوصاً إذا ترافقت أجراءات الرئيس الروسي المقبلة مع بعض مظاهر عدم الاستقرار”، ومراقبة ما يجري بحذر شديد ، و”ليس هناك مصلحة للغرب في الإطاحة المفاجأة بحكم بوتين” (مجلة “فورين أفيرز”، 27 حزيران/يونيو 2023).

2023-26-06-التقرير الأسبوعي

أطيب التمنيات لكم بعيد أضحى مبارك، وكل عام وأنتم بخير

 

شكوك في مساعي بايدن لتوظيف
الهند ضد الصين وروسيا

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

 ركّزت مراسم الاستقبال التاريخي لرئيس وزراء الهند ناريندا مودي في البيت الأبيض على الأبعاد الشكلية الاحتفالية: السجادة الحمراء بحضور نحو 7،000 من المدعوّين، وإلقاء الزائر خطاباً أمام جلسة مشتركة لمجلسي الكونغرس، وذلك طمعاَ من الرئيس جو بايدن في القفز عن مآزقه المتواصلة، وآخرها إدانة نجله هنتر بتجاوزات ضريبية، وربما أهمها سعيه للخروج من مأزق أوكرانيا بأقل الخسائر، وتوزيع مردود الهزيمة على عدة أطراف دولية.

الرئيس الأميركي أسرف في مديحه لضيفه الزائر وتكريمه، مؤكداً أن علاقات البلدين من بين “الأكثر أهمية وتأثيراً” في العلاقات الدولية النموذجية، وأنها “أقوى وأوثق وأكثر فعالية من أي وقت في التاريخ”.

في المردود الآني للزيارة، برزت أسبوعية “تايم” بعنوان مثير يعبّر عن ديمومة الأزمات بين البلدين، قائلةً: “لقاء بايدن – مودي جسّد فشل الديموقراطية”، في إشارة واضحة لتفادي الرئيس الأميركي الإلتزام بإيقاعات السياسة الأميركية لإثارة مسألة “انتهاكات حقوق الإنسان” المتزايدة خلال ولاية رئيس الوزراء الزائر، المتمثلة “بسياسة التمييز ضد الأقليات الدينية وقمع المعارضين”، وفردت وسائل الإعلام الأميركية مساحات لنقل التظاهرات الاحتجاجية ضد الزيارة أمام البيت الأبيض.

وشرع البيت الأبيض بالتمهيد لغياب مسألة “حقوق الإنسان” بتصريح أدلى به مستشار الأمن القومي جيك سوليفان قبيل بدء الزيارة بالقول إنّ الرئيس الأميركي جو بايدن لن يعطي دروساً لرئيس وزراء الهند ناريندا مودي في حقوق الإنسان. واستطرد بأن ّسياسة بلاده “تقوم على أساس توضيح وجهات نظرنا بطريقة لا نسعى فيها إلى أعطاء دروس” (21 حزيران/يونيو 2023).

وانضم الرئيس السابق باراك أوباما إلى فريق التبرير لتجاوز “حقوق الإنسان”، ممثلاً بزيارة رئيس وزراء الهند، قائلاً في مقابلة مع شبكة “سي أن أن” الأميركية: “لقاء (الرؤساء) بالدكتاتوريين أو بقادة معادين للديموقراطية هو أحد تعقيدات الرئاسة الأميركية” (مقابلة مع شبكة “سي أن أن”، 22 حزيران/يونيو 2023).

وتنبأ أوباما قبل ذلك ببضعة أيام بأن الهند “قابلة للتفكك”، في سياق إشارته إلى حقوق الأقليات الدينية المهضومة،  وتحديداً “المسلمين والمسيحيين وأقليات أخرى”، بحسب تغطية شبكة “بي بي سي” من واشنطن.

وأشارت مجلة “تايم” الأميركية إلى وتيرة الجدل الداخلي بشأن التقييم الدقيق لدور الهند في ظل رئاسة حزب “بهاراتيا جاناتا” للبلاد، “بابتعادها عن القيم المشتركة ومعايير الديموقراطية”، واحتضان الحزب ورئيسه القومية الهندوسية ومطاردة معارضيه، وخصوصاً رئيس المعارضة الهندية “راحول غاندي” الذي يواجه القضاء بتهم “ثأر سياسية” (مجلة”تايم”، 24 حزيران/يونيو 2023).

وربما الملاحظة الأهم بهذا الشأن في الساحة الأميركية هي “إغفال” المؤسسات البحثية والنخب السياسية الأميركية التطرق أوكيل المديح لرئيس وزراء الهند، على غير تقاليدها الجمعية، مما يشير إلى أزمة عميقة داخل المؤسسة الحاكمة بشأن تقديم البيت الأبيض “بعض” التنازلات الشكلية لضيفه الزائر، مثل أبقاء باب هجرة الأدمغة العلمية إلى الولايات المتحدة مفتوحاً.

أما طبيعة تلك “التنازلات” المشار إليها، فيمكن الاستدلال عليها في البيان الختامي المشترك الذي أسهب في التركيز على منافع التقنية الحديثة وتعزيز التجارة بين البلدين،إضافة إلى اعتبار النخب السياسية والفكرية الأميركية أن “تجديد التزام الولايات المتحدة لنيل الهند مقعداً دائماً في مجلس الأمن للأمم المتحدة” جائزة كبيرة لرئيس الوزراء الهندي.

واستطردت النخب الأميركية بأن مراسم الاستقبال الاستثنائية، في البيت الأبيض والكونغرس لم تسفر عن تحقيق طموح الرئيس الأميركي بكسب اصطفاف الهند ضد روسيا، وفق متطلبات الاستراتيجية الكونية لواشنطن، بل كان تأييد رئيس الوزراء لأوكرانيا “فاتراً في أفضل الأحوال”.

أجندة البيت الأبيض رمت إلى تحقيق اختراق ملموس في علاقات البلدين، بالتعويل على تبنّي الهند سياسة يعكس حجم نفوذها للوقوف أمام الصين في منطقة المحيط الهادئ – الهندي، كما تشير السردية الأميركية.

في التعاون العسكري بين البلدين وتعزيز أطر المشاركة بينهما طمعٌ في ابتعاد سياسة نيودلهي الطويلة عن الاعتماد على المعدات العسكرية الروسية. وقد جاء البيان المشترك ببند يشير إلى موافقة الهند استخدام سلاح البحرية الأميركية موانئها لأعمال الصيانة، وإشراكها في المناورات العسكرية المشتركة، وانضمامها إلى تشكيلة الأمن الرباعية التي تضم الولايات المتحدة واليابان وأستراليا، الأمر الذي يفتح الموانئ الهندية أمام سفن بحرية تلك الدول.

في بُعد التعاون العسكري وقّع البلدان عقوداً تجارية كبيرة شملت إنتاج محركات طائرات مقاتلة تصنعها شركة “جنرال إلكتريك” بالتعاون مع شركة “هندوستان” المملوكة للدولة، وشراء مسيّرات أميركية متطورة من طراز MQ-9B.

وغابت مسألة السلاح النووي عن الأجندة. تمتلك الهند صواريخ باليستية تحمل رؤوساً نووية وقطعاً بحرية مزوّدة بالنووي أيضاً. وقد امتلكت قنبلتها النووية بتصنيع محليّ أبهر العالم، وكانت الأولى خارج نطاق الدول الخمس الكبرى؛ الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن. واقترب البلدان من إبرام “صفقة نووية كبيرة” عام 2005، لكنها تعثرت نتيجة تمرير قانون في الهند “أعاق شراء” المفاعلات النووية من الولايات المتحدة.

في تعقيدات التبادل التجاري، تدرك واشنطن حاجة نيودلهي إلى شراء النفط الروسي بسعر مخفّض بعملتها المحلية الروبية، وانعكاساتها على تحسين الأداء الاقتصادي. وتغضّ الطرف مرحلياً لعدم استفزاز الهند بفرض عقوبات عليها لخرقها الحظر الأميركي.

تعوّل واشنطن على استمالة الهند للانخراط في استراتيجتها الكونية المتصادمة مع الصين وروسيا، بسياسة الإغراء، كما جاء في كلمة الرئيس بايدن الترحيبية، قائلاً: “التحديات والفرص التي تواجه العالم في هذا القرن تتطلب بأن تعمل وتقود الهند والولايات المتحدة معا”.

في المحصلة العامة للزيارة، أبقت الولايات المتحدة على سياستها لهجرة العقول والكفاءات العلمية إليها، وربط العجلة الاقتصادية باحتياجات السوق الأميركية خصوصاً قطاع الخدمات التقنية، من مايكروسوفت وغيرها.

أما الهند، التي تنعم بتخريج آلاف الكفاءات العلمية والمهندسين والأطباء سنوياً، فلم تستطع إنشاء شركة خدمات سيبرانية، على شاكلة “مايكروسوفت” أو “غوغل”، وفشلت تباعاًفي توفير فرص عمل مناسبة لتلك الكفاءات، ما يحرمها من استقلالية القرار على المديين المتوسط والبعيد. في المقابل، استطاعت الصين إنتاج خدماتها الإلكترونية وشبكة انترنت خاصة بها تضاهي نظيراتها الأميركية إن لم تتفوّق علىيها، أبرزها “علي بابا، و”تنسينت”، و”هواوي”، و”بايدو”.

2023-21-06-التقرير الأسبوعي

ينشر بالتعاون مع “الميادين”

الانتخابات الأميركية: أزمة الخيارات
بين بايدن ودونالد ترامب

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

ثمة حدثان مترابطان بقوة في الشكل والمضمون والسياق السياسي الأميركي العام، ويشكلان مقدمات معاكسة لموسم الانتخابات الرئاسية المقبل والذي بدأت حملاته الأولية للحزبين، الديموقراطي والجمهوري، على قدم وساق.

الحدث الأول هو إقرار نجل الرئيس الأميركي هنتر بايدن بارتكابه “مخالفات ضريبية” في سياق تسوية قضائية تمت بينه وبين المدّعي العام الفيدرالي ووزارة العدل الأميركية، والآخر هو وقوف الرئيس السابق دونالد ترامب في مواجهة مباشرة مع لوائح اتهام أصدرتها وزارة العدل، مصرّاً على براءته من كل التهم الموجّهة اليه تباعاً.

من المفيد أن نذكر أن التطور الأول يدخل في سياق محدّد عنوانه “التضحية بنجل الرئيس أمام القضاء لإنقاذ الرئيس جو بايدن” وحملته الانتخابية من انحراف مسار التحقيقات الجارية للتأثير في مستقبله السياسي المهتز. ويُعتقد أنه كان حلاً “وسطياً” مرغوباً من بعض قيادات الحزب الديموقراطي لتفويت الفرصة على منتقديه، وتفادي الإحراج الإعلامي والمساءلة لشخص الرئيس خلال جولاته الانتخابية.

وفيما يخص الرئيس السابق دونالد ترامب، ينبغي النظر إلى لوائح الاتهام المتجددة في سياق إصرار المؤسّسة الحاكمة، بقطبيها الحزبين الديموقراطي والجمهوري، على إقصائه من الترشح للانتخابات المقبلة، وتسديد ضربة معنوية موجعة تنال مصداقيته، في أدنى الاحتمالات، أمام جمهور ناخبيه الذين “لم يبتعدوا عنه، بل تعززت مكانته لديهم” أمام المرشحين الآخرين من الحزب الجمهوري.

للدلالة على “أهلية” الرئيس السابق، أصدر الخبير في استطلاعات الرأي الأميركية فرانك لانتز Frank Luntz، بياناً يتراجع فيه عن تقديراته السابقة بتهميشه دونالد ترامب عام 2021، قائلاً “عليّ الإقرار بأن هناك فرصة حقيقية لانتخاب دونالد ترامب رئيساً. لم أتوقع ذلك العام الماضي”. وأضاف “تكهّني بنتائج الانتخابات آنذاك كان خاطئاً. ترامب يصعد بقوّة الآن، ويستطيع الفوز على (الرئيس) بايدن” (محاضرة ألقاها في مؤتمر عقده “مركز الدراسات السياسية” في لندن بتاريخ 13 حزيران/يونيو 2023).

وتطرّق لانتز إلى حظوظ الرئيس جو بايدن قائلاً: “لم أتصوّر منافساَ (ترامب) بهذا القدر من تدنّي الكفاءة ليسهم في بتعزيز موقعه بالفعل”، وتنبأ أيضاً بمصير قاتم لحلف الناتو الذي يمر بمرحلة “حرجة واضحة”، وقال إن “أوكرانيا لن تحظى بدعم أميركي بعد الآن”.

أما تقديرات مراكز القرار في الحزب الديموقراطي بشأن ترامب، فقد أوجزها المدّعي العام ووزير العدل السابق إريك هولدر، مؤكداً “استمرار ترامب في حملته الانتخابيةلعام 2024، على الرغم من مواجهته لائحتي اتهام”، الوثائق السرّية ودفع أموال لممثلة إباحية. وفي حال فوزه، بحسب تقديرات هولدر، فسيواجه “إجراءات عزله وإقالته من منصبه (مقابلة متلفزة مع شبكة “أم أس أن بي سي” الأميركية، 9 حزيران/يونيو 2023).

وقطع هولدر الشك باليقين من مساعي المؤسّسة الحاكمة والحزب الديموقراطي لاستهداف الرئيس السابق وإقصائه عن المشهد السياسي، قائلاً: “في مرحلة ما، سيتأثر البعض الآخر سلبًا بجميع هذه القضايا المرفوعة ضده. أعتقد أن ذلك سيكون له تأثير في تصويتهم في الانتخابات.، ولذلك، فإن احتمال أن يكون قادراً على النجاة من هذا الأمر والفوز في الانتخابات ضئيل جدًا”.

أشارت بيانات استطلاعات الرأي ، التي أجريت بعد توجيه لائحة التهم الأخيرة، بوضوح إلى تمدّد شعبية الرئيس السابق دونالد ترامب، واستمرار منسوب تأييده بين “الناخبين المستقلّين وقطاع المرأة في الحزب الجمهوري”، بما ينافي توقّعات قيادات الحزبين ومعظم وسائل الإعلام الرئيسية.

وأفادت البيانات بفوز الرئيس السابق على منافسه الرئيس جو بايدنن بنسبة ضئيلة، لكنها مهمة عند الأخذ بعين الاعتبار أن المنافس الجمهوري الأوفر حظاً، رون دي سانتيس، حصل على نسبة 34% في مقابل 54% لترامب.

وبناء عليه، تنتفي رغبات الحزب الديموقراطي وتمنياته بخسارة المرشح ترامب أمام أحد منافسيه في جولة الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري، الذين لم يتجاوزوا نسبة أعلى من 10% من تأييد ناخبي الحزب.

دفاع الرئيس ترامب والتشديد على براءته من التهم المنسوبة إليه يعيد إلى الأذهان “ازدواجية معايير العدالة” وآليات تصرفها “المخفّف” مع المرشحة الرئاسية السابقة هيلاري كلينتون، والدور المحوري الذي قام به “مكتب التحقيقات الفيدرالي – أف بي آي” في طي ملفها خلال جولة الانتخابات السابقة.

وكان جهاز الأف بي آي يحقق في المسألة لتوفّر “52 سلسة مراسلات الكترونية تتضمن معلومات سرّية، ونحو 33 ألف رسالة الكترونية خاصة بها أثناء شغلها منصب وزير الخارجية”. وقد حرصت على عدم الامتثال لقرار الكونغرس بتوفيرها للجان التحقيق، الأمر الذي مهّد الأرضية لمواصلة حملتها الانتخابية مع إفراط مؤيديها في توقع فوزها.

إحدى التهم الموجهة إلى ترامب تدور حول “عرقلته جهود التحقيق”، فيما أقرّ مكتب التحقيقات بعقده جلسة استجواب للمرشحة كلينتون استغرقت 3 ساعات ونصف ساعة، خرج على أثرها مدير مكتب الأف بي آي، جيمس كومي، بتصريح مثير مفاده: “لا يوجد مدعٍ عامّ عاقل كان سيوجّه تهمة إلى كلينتون بارتكابها جريمة”.

في السياق عينه، حيازة وثائق رسمية دون وجه حق، يشار إلى نصوص الدستور الأميركي التي تجيز للرئيس، أي رئيس، التصرف بمدى “سرّية” الوثائق خلال ولايته، وحقه في رفع تصنيف “السرّية” عن أي وثيقة تقتضيها الظروف. وبناء عليه، يتسلح الرئيس السابق بصلاحياته الدستورية وحقه في حيازة وثائق، مهما كانت درجة تصنيفها، استاداً إلى القسم الرئاسي في بدء ولايته الرسمية.

نستطيع القول أن البت في المرحلة اللاحقة لتوجيه لائحة الاتهام المطولة إلى الرئيس ترامب هو من اختصاص القضاء حصراً. وقد ترفع القضية إلى المحكمة العليا الفيدرالية للبت النهائي بها، مع علم الطرفين بموازين القوى المختلة داخلها لمصلحة التيار المحافظ والمقرّب من الحزب الجمهوري.

ولكن الحقائق الدامغة والسائدة في المرحلة الحالية تشير إلى عمق المأزق السياسي لكلا الحزبين؛ فالحزب الديموقراطي يدعم على مضض الرئيس بايدن الذي تنامت هفواته الجسدية والعقلية مع تقدمه في السن، ويُعتقد أن البحث عن بديل معتبر له يجري تداوله خلف الأبواب المغلقة. ومن أبرز المرشحين حاكم ولاية كاليفورنيا، غافين نوسم، مما يقتضي أيضاً البت بمصير نائبة الرئيس كمالا هاريس في ظل تواضع مديات تأييدها داخل مراكز القوى.

أيضاً، لا يبدو المرشح المنافس روبرت كنيدي الإبن ينعم بدعم كبير داخل الحزب الديموقراطي نفسه، لطبيعة أجندته التي ينتقد فيها بشدة أداء المؤسّسة ونفوذ الشركات الكبرى على صنّاع القرار في الكونغرس والدوائر الرسمية الأخرى، كما أنه لم يتجاوز نسبة 20% من تأييد الناخبين له، بحسب البيانات المتداولة.

أما حال الحزب الجمهوري فلا تبشّر بالخير أيضاً، إذ يستمر الصراع بوتيرة عالية بين تياري قيادة الحزب التقليدي والتيار الشعبوي الذي يتصدره الرئيس ترامب، الذي استطاع فرض نفسه على السجال العام بعد فشل محاولات إقصائه بكل الوسائل، وخصوصاً بعد تصريح زعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ، ميتش ماكونيل، مطالباً القاعدة الانتخابية بتجاوز الرئيس ترامب وفسح المجال أمام مرشحين آخرين لدخول الجولة الانتخابية.

لكن البيانات المتداولة جاءت مخيّبة لتلك الرغبات، إذ  أشارت استطلاعات الرأي بشأن الانتخابات الرئاسية، في حال غياب الرئيس ترامب، بفوز الرئيس جو بايدن على المنافس الجمهوري الأوفر حظاً رون دي سانتيس بنسبة 41% للأول في مقابل 36% للثاني.

ما يقلق المؤسّسة الحاكمة حقاً هو تدني معدلات ثقة العامة بمكتب التحقيقات الفيدرالي، أف بي آي، ومعارضة تدخله في الانتخابات بنسبة 70%، إضافة إلى النفوذ الطاغي للأجهزة الأمنية الأخرى في الحياة العامة. وقد تترجم تلك النسبة ببراءة الرئيس ترامب من التهم الموجهة إليه، عقب انعقاد المحكمة الفيدرالية، أو أن يسفر قرار هيئة المحلفين على انقسام داخلها، وهو أمر محتمل أيضاً في ظل المعطيات الحالية.

و هناك إشارة رسمية إلى العقبات التي ستعترض سير المحاكمة استناداً إلى “قانون التجسّس” الذي يحاكم بشأنه الرئيس ترامب. وأوضح ويل شارف، المدّعي الفيدرالي السابق، أن القضاء الأميركي لم يواجه حالة مشابهة قبل الآن، إذ “لم يتم الاستناد إلى قانون التجسّس لمحاكمة” مسؤول أميركي رسمي، ليمضي بالقول إن من المرجّح أن ترفض المحكمة العليا البت بالقرار عند صدوره.

2023-13-06-التقرير الأسبوعي

“مغامرة” الناتو الجديدة ضد روسيا:
هجوم أوكرانيا المضاد

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

جاء “الهجوم المضاد” الأوكراني الأخير ثمرة تعهّدات “قمة مجموعة السبع”، في هيروشيما باليابان، برفع مستويات دعمها لكييف إلى معدلات عالية، لتحفيزها على تحقيق هدف الرئيس الأميركي جو بايدن المعلن باستنزاف روسيا “مهما طال أمد الصراع”. وفي حال فشله، كما هو متوقّع، سيستأنف الغرب استثماراً متعدّد الأوجه في سياق مشاركته المباشرة فيالحرب على روسيا، ومدركاً خفايا تصريحات قادته العسكريين بأن ترساناته المتعددة أوشكت على الاستنزاف إلى حد بعيد.

تشير وسائل الإعلام الأميركية والغربية إلى زيارة قام بها الرئيس الأوكراني فولاديمير زيلينسكي إلى الخطوط الأمامية في جبهة خيرسون، في الـ 8 من الشهر الجاري، للإطلاع على التطورات الميدانية، لطمأنة جمهورها الذي يعرب عن شكوكه في إعلان كييف المتواصل بتحقيقها إنجازات ميدانية “تصعب استساغتها”.

وتستدرك هذه الوسائل بأن زيلينسكي “سمع أخباراً لم يشأ سماعها” من قادته الميدانيين، بأن الهجوم المضاد لا يسير على ما يرام مع ارتفاع الخسائر البشرية والمادية، فضلاً عمّا أفادت به وكالات الأنباء من قدرة الجيش الروسي على تدمير عدد من المعدات الغربية الحديثة، ولا سيما دبابات برادلي الأميركية وليوبارد الألمانية وعربات الاستطلاع المدرّعة الفرنسية.

الجائزة الروسية الكبرى، بنظر الخبراء العسكريين، كانت تدمير رادار نظام الدفاع الجوي من طراز IRIS-T Hensoldt، الذي تسلّمته كييف مؤخراً، باستخدام طائرة مسيّرة انتحارية، مما أفشل خطة الهجوم العسكرية للواء 47 الأوكراني المجوقل الذي تمّ إعداده وتدريبه وتسليحه في دول الناتو الأوروبية، ليشمل عتاده “مناظير ليلية، معدات استشعار حرارية، ودبابات قتالية وعربات مدفعية من طراز HIMARS”.

لا تزال ارهاصات معارضة الأميركيين للحرب في أوكرانيا  في مهدها، مقارنة بما واجهته آلة حربها المدمّرة في فيتنام من رفض واضح وصريح. ووجّه نحو 14 شخصية سياسية وديبلوماسية خطاباً مفتوحا للرئيس جو بايدن، نشرته يومية “نيويورك تايمز” في 16 أيار/مايو الماضي، يناشدونه التزام الحل الديبلوماسي وإنهاء الحرب في أوكرانيا، مذكّرين بتعهّد حلف الناتو للرئيس السوفياتي غورباتشوف بعدم التمدّد شرقاً. واعتبرت المجموعة حلف الناتو بأنه “أحد مظاهر عسكرة السياسة الخارجية الأميركية الموصوفة بأحادية التوجّه وتغيير النظم وشن الحروب الاستباقية”.

تضم المجموعة حديثة العهد، تحت مظلة “شبكة آيزنهاور للإعلام”، نخباً سياسية وعسكرية وأمنية وازنة، أبرزها العقيد لورانس ويلكرسون، والأستاذ الجامعي جيفري ساكس، وضابط مكتب التحقيقات الفيدرالي الأسبق السيدة كولين راولي، والديبلوماسي السابق ماثيو هو، والسفير الأميركي الأسبق في موسكو جاك ميتلوك، ومستشار الأمن القومي الأسبق وينسلو ويلر.

من الجائز القول إن “المساعدات المالية الأميركية لأوكرانيا”، والتي بلغت أكثر من 30 مليار دولار، قد أرخت ظلالها على المشهد السياسي الأميركي الذي يعاني من التضخّم وزيادةأسعار الوقود والطعام يرافقه خفض ملحوظ في ميزانيات التعليم والرعاية الصحية والاجتماعية، فضلاً عن إفلاس مصارف مالية كبرى.

كما نشطت بعض النخب الفكرية في لفت الأنظار إلى خطورة الطاقم الثلاثي الذي “يدير السياسة الأميركية نيابة عن الرئيس الصوري”، بحسب توصيفهم، والمكوّن من المحافظين الجدد: مستشار الأمن القومي جيك سوليفان، وزير الخارجية آنتوني بلينكن ونائبته فيكتوريا نولاند، وانضم إليهم مؤخراً مرشّح بايدن لترؤس هيئة الأركان المشتركة، شارلز براون، المعروف بتشدّده حيال الصين وروسيا.

تصدّع الثقة في عزم واشنطن “توريط” أوكرانيا ضد روسيا له خلفياته في صلب النخب السياسية والفكرية، وحتى العسكرية. في عنوان صادم للشعب الأميركي، الذي صدّق سردية البيت الأبيض طويلاَ، طالعتنا إحدى النشرات الموزونة بأن “فريق الرئيس بايدن يخشى تداعيات فشل هجوم أوكراني مضاد”، مستطردة أن ما يجري “خلف الأبواب المغلقة يقود إلى قلق الإدارة مما يمكن لأوكرانيا تحقيقه” من أهدافها المعلنة الممثّلة باستعادة مساحات واسعة في شرقيّ وجنوبيّ البلاد (نشرة “بوليتيكو”، 24 نيسان/إبريل 2023).

والنتيجة، بحسب النشرة، في حال تواضع إنجازات أوكرانيا فقد أعرب عدد من “مسؤولي الإدارة رفيعي المستوى” عن قلقهم في مواجهة “وحش ذو رأسيْن”، صقور وحمائمالطيف السياسي الأميركي والأوروبي، ولجوء الأخير إلى انتهاج مسار “المفاوضات” بين موسكو وكييف.

بالمقابل، تمضي النخب السياسية والفكرية المرتبطة بالمؤسسة الحاكمة في تأليب مشاعر الرأي العام ضد روسيا، واجتراح “انتصارات” وهمية لحلفائها في كييف. وزعمت نشرةالمعهد الفكري لحلف الناتو، أتلانتيك كاونسيل، أن الحرب ستستمر “طالما أن روسيا يقودها (الرئيس فلاديمير) بوتين، وروسيا في حالة حرب معنا”، أسوة بالسردية الرسمية المؤيّدة لنهج “زعامة الولايات المتحدة للنظام العالمي الجديد، كونها القوة العظمى المتبقية” (نشرة “ذي أتلانتيك”، 9 حزيران/يونيو 2023).

وما فاقم القلق الأميركي المشار إليه تسريب “مذكّرة بالغة السريّة” من البنتاغون، انتشرت بقوة على وسائل التواصل الاجتماعي، فحواها عدم تحقيق أوكرانيا أهدافها بعد إطلاقها للهجوم المضاد (“واشنطن بوست”، 10 نيسان/إبريل 2023).

وواصلت نشرة “بوليتيكو” الكشف عن جدل دوائر القرار المغلقة بأن مضمون التقييم الأميركي الأحدث لأداء أوكرانيا يشير إلى “إمكانية تحقيق كييف بعض التقدّم في الجنوب (زابوريجيا) والشرق (دونيتسك)، لكنها لن تستطيع تكرار النجاحات التي حقّقتها العام الماضي”، خصوصاً بعد تيقّن تلك الأوساط من أداء القوات الروسية “بتطبيقها الصارم لعقيدتها العسكرية ما أسفر عن إيقاع خسائر إضافية في صفوف القوات المهاجمة”.

تحاول النخب الفكرية الأميركية تصويب بوصلة الجدل اليومي باتجاه “التفاوض على وقف إطلاق النار، خصوصاً في حال فشل أوكرانيا بتحقيق انتصارات ميدانية ملموسة”.وتمضي لتسليط الضوء على عُجالة إنهاء الحرب في أوكرانيا لأن استمرارها “مرهق ومكلف ومخزون ذخائرنا ينفذ، ولدينا حالات طوارئ أخرى عبر العالم ينبغي علينا الإعداد لها” (ريتشارد هاس، رئيس “مجلس العلاقات الخارجية”، الذراع الفكري لوزارة الخارجية الأميركية، 24 نيسان/إبريل 2023).

كما يسود قلق مضاف داخل الإدارة الأميركية بشأن استمرار الكونغرس في المصادقة على مزيد من أموال الدعم لأوكرانيا، بعد نفاذ الجزء الأخير، والخشية أيضاً من انعكاس أيتراجع ميداني للجانب الأوكراني، كنقيض للهدف المعلن باستعادة شبه جزيرة القرم، على ميول أعضاء مجلس النواب في تركيبته الراهنة للتخلّص من الاستنزاف الأوكراني، وتحميل المسؤولية كاملة للإدارة والحزب الديموقراطي.

إنهاء الحرب أصبح أحد مكوّنات الجدل السياسي الأميركي، خصوصاً بين النخب السياسية والفكرية وبعض العسكرية، مسترشدة بصعوبات الموقف الميداني بعد الخسائر البالغةالتي تكبدتها كييف، ومحذّرة من تكرار سوء تقدير سياسي وعسكري لما هو آتٍ، كما شهد العالم في الحرب العالمية الثانية حينما تكبّدت القوات النازية خسائر جمة استمر استنزافها 8 أشهر من أجل احتلال القاعدة البحرية السوفياتية في سيفاستوبول في جزيرة القرم.

أما “تسويق” إنهاء الحرب مع حفظ مياه الوجه لحلف الناتو وأوكرانيا فقد بدأ على قدم وساق في الدوائر المصغّرة والنافذة في صنع القرار بحيث “تصاغ في سياق وقف إطلاق النار للجانب الأوكراني، وليس كمنصة انطلاق مفاوضات سلام دائمة”.

ما تقدم من “سيناريوهات” إخراج لمأزق حلف الناتو وقوات كييف سوية يناقض الأهداف السابقة المعلنة باستعادة شبه جزيرة القرم والجمهوريات الأخرى التي انضمت إلى روسيا. ويلمس المرء عبر ذلك إقراراً صريحاً بأن تلك الأهداف أثبتت أنها “غير واقعية أسوة بهدف واشنطن المعلن لإلحاق الهزيمة بروسيا”.

ومهّد استاذ العلوم السياسية في جامعة هارفارد ستيفن وولت أرضية “التفاوض عبر قوة دولية عظمى”، أي الصين، قائلاً إن “ما تحتاجه أوكرانيا  هو إحلال السلام، وليس المضي في شنّ حرب استنزاف طويلة الأجل”، خصوصاً في ظل عزم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على “تحقيق أهدافه الاستراتيجية بحيادية أوكرانيا” (“فورين بوليسي”، 18 نيسان/إبريل 2023).

ما ينتظر مركز قرار حلف الناتو، الإدارة الأميركية، هو البت في مطلب توسيع نطاق الحرب لتضم دول أوروبا الشرقية، وهي مسألة سيتناولها قادة الحلف في القمة المرتقبة التيستعقد الشهر المقبل في ليتوانيا، إضافة إلى وفاء واشنطن بوعودها لتسليح أوكرانيا بمقاتلات أميركية من طراز أف-16، التي لا تزال محط جدل داخلي تشوبه الخشية من انزلاق واشنطن إلى مواجهة مباشرة مع موسكو.

2023-10-05-التقرير الأسبوعي

ينشر بالتعاون مع “الميادين”

متاعب الهجرة إلى أميركا:
تدابير عسكرية لأزمة إنسانية

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

حرّكت إدارة الرئيس بايدن مواردها سريعاً صوب الحدود الجنوبية مع المكسيك قبيل تكهّنات بتدفق غير مسبوق من لاجئي أميركا اللاتينية قبل انتهاء مفعول المادة 42، في 11 أيار/مايو الحالي، من القانون المؤقت للرعاية الصحية للمهاجرين الذي أفرزته جائحة وباء كورونا، والذي يفتح كوة ضئيلة في قانون الهجرة الرسمي لاستقبال المصابين ومعالجتهم والسماح لهم بالبقاء “المؤقت”، باستثناء بتّ  قضايا اللجوء السياسي.

وقد جنّدت على الفور نحو 1،500 عنصر من القوات العسكرية الرسمية ليتخذوا مواقع مانعة على امتداد الحدود الجنوبية، وعزّزت قوات أخرى قوامها “2،500 عنصر من قوات الحرس الوطني ونحو 19 ألف ضابط من جهاز حرس الحدود” في مهام مراقبة واعتراض سيل المهاجرين، مكمّلة بعضها بعضاً.

درج السياسيّون الأميركيون من الحزبين على المبالغة في أعداد المهاجرين واللاجئين من أميركا الوسطى والجنوبية، كلّ لتحفيز مناصريه ضد الآخر، وتكاد لا تخلو أجندة المرشحين لمناصب سياسية مهمة من لهجة التحذير من “خطورة الهجرة غير المشروعة على الداخل الأميركي”، وتحميلها مسؤولية آفات المجتمع من تصاعد موجات الجريمة المنظمة وتفشي المخدرات والاتجار بها.

جوهر المسألة أن قوننة تلك القضية يبقى من صلاحيات الكونغرس لاستصدار تشريعات موازية وقوانين فعّالة، لكنه بمجلسيه لم يُقدم على “تنظيم” موجات العمّال الموسميين الآتين عبر الحدود الجنوبية، نظراً إلى الاستفادة القصوى لرؤوس الأموال من تلك اليد العاملة والرخيصة، وكذلك لنفوذ الشركات الكبرى الطاغي في واشنطن.

لا يحظى أولئك العمّال بأي رعاية أو حماية قانونية من سطوة أصحاب المؤسسات المشغّلة، علماً أن أجورهم المتدنّية ترفد الخزانة الأميركية باقتطاع الضرائب المستحقة منهم، وتشكّل حافزاً لأرباب العمل للإبقاء على تدني الأجور في قطاعات عدة من النشاطات الاقتصادية. على سبيل المثال، يشكّل مبلغ 15 دولاراً في الساعة الحد الأدنى للأجور “رسمياً”، لكن ذلك ينطبق على معدلات المعيشة لأكثر من 40 عاماً، بحسب الخبراء.

من بين الإجراءات المرجّح إقدام الإدارة الأميركية عليها “للحد من موجات الهجرة” يبرز  خيار إنشائها “مراكز جديدة لبت طلبات اللاجئين في كل من غواتيمالا وكولومبيا واستقبالهم”، مما يتيح لطالبي اللجوء السياسي “تقديم طلباتهم هناك قبل عبور الحدود الجنوبية” بحسب شبكة “أن بي سي”، بتاريخ 5 أيار/مايو الحالي.

البيانات الرسمية الأميركية تشير إلى اكتظاظ نحو 40 ألف مهاجر “يخيّمون على الحدود شمالي المكسيك” بانتظار انتهاء مفعول قانون الرئيس السابق دونالد ترامب، الذي سُمح للسلطات المحلية بموجبه بإعادة المهاجرين قبيل اجتيازهم الحدود الأميركية كـ “جزء من إجراءات احترازية لمواجهة جائحة كورونا”، كما جاء في النص الأصلي للمادة 42.

البيانات الرسمية الأميركية لأعداد المهاجرين ترسم صورة مقلقة لجانبي الحدود الأميركية. وزير الأمن الداخلي السابق، جيه جونسون، قدّر المهاجرين شمالاً بنحو ألف شخص يومياً آنذاك، ليرتفع إلى ما بين 8 إلى 14 ألف في الفترة الحالية.

ووصلت معدلات الهجرة إلى الشمال نحو 13 ألفاً شهرياً عام 2019، لتصل إلى أكثر من 50 ألفاً شهرياً العام الماضي، بلغت نسبة ترحيل الأفراد أكثر من 91%، ونحو 65% للعائلات، بحسب دراسة أعدها “معهد كاتو” للأبحاث نشرها بتاريخ 20 كانون الأول/ديسمبر 2022.

المواجهات والإجراءات القاسية التي تعتمدها السلطات والهيئات الأميركية المتعددة لمنع تدفق المهاجرين، زادت وتيرتها في المرحلة الحالية بإعلان وزير الدفاع الأميركي ومسؤولين آخرين في إدارة الرئيس جو بايدن تعزيز “قوات الحماية” المحلية بقوات من الجيش النظامي الذين “سيكلّفون بمهام إدارية، ولن يشاركوا بشكل مباشر في جهود إنفاذ القانون”، بحسب الناطق الرسمي باسم البنتاغون، باتريك رايدر، بتاريخ 5 أيار/ماية الحالي.

اللافت في هذا الشأن وعود الرئيس بايدن خلال حملته الانتخابية، وتعهّده بمعالجة جوانب الهجرة المتعددة، منها “استصدار تشريع يؤدّي إلى تجنيس نحو 11 مليون مهاجر يقيمون بشكل غير قانوني” في الولايات المتحدة، لكنه لم يصدره.

ويتبادل الحزبان الاتهامات لتبرير عدم اتفاقهما على معايير واضحة بشأن مسألة الهجرة، لكن المرء يجد توافقاً  وشبه إجماع بين مختلف التوجهات السياسية في الحزبين على إبقاء باب المهاجرين مفتوحاً “لمعالجة نقص معدّلات العمالة” الأميركية في نشاطات اقتصادية متعددة.

أجرت منظمة “أطباء بلا حدود” دراسة عام 2017 استغرق إعدادها نحو سنتين، للتوقف على دوافع موجات الهجرة إلى الشمال، جوهرها تفشي عنف العصابات وارتكابها “جرائم القتل وأعمال الاختطاف والابتزاز والعنف الجنسي” لمواطني أميركا الوسطى، وخصوصاً غواتيمالا وهندوراس والسلفادور، أو ما يطلق عليها “دول المثلث الشمالي” لأميركا الوسطى.

وأضافت دراسة المنظمة أن الولايات المتحدة والمكسيك، قبل تولي رئيسها الحالي منصبه في عام 2018، تعاملان “مهاجري المثلث الشمالي كمهاجرين اقتصاديين يجب اعتقالهم وترحيلهم بدلاً من توفير الحماية” والفرص البديلة لهم. وقد طالبت المنظمة حكومات البلدين بوقف إجراءات ترحيل المهاجرين إلى مناطق خطرة فرّوا منها أصلاً.

يشار في هذا الصدد إلى زيارة الرئيس الأميركي جو بايدن المكسيك، في 20 كانون الثاني/يناير 2021، للمشاركة في قمة جمعت رؤساء أميركا والمكسيك وكندا، لمعالجة سلسلة من القضايا، أبرزها بالنسبة إلى واشنطن كانت “الهجرة غير الشرعية على الحدود الجنوبية، والاتجار بالمخدرات والأسلحة على الحدود الأميركية، ومخاطر انضمام المهاجرين إلى تنظيمات الجريمة المنظمة، ومناقشة العلاقات الصينية مع أميركا اللاتينية”.

صراع مكتوم يجري الآن بين الولايات الجنوبية الحدودية والحكومة الفيدرالية، طمعاً في توفير الأخيرة المزيد من الموارد والخدمات لمعالجة التحديات الاجتماعية والاقتصادية والتربوية الناجمة عن “استيعاب الآلاف” في النسيج الاجتماعي والصحي والتربوي.

وهدّد حاكم ولاية تكساس غريغ آبوت بتسيير قوافل عربات محملّة بالمهاجرين من هناك لترحيلهم إلى مدن الشمال الصناعية، منها شيكاغو ونيويورك، مطالباً عمداءها بالضغط على “إدارة الرئيس بايدن لتحمّل مسؤولياتها” للحد من تدفق موجات الهجرة وتخصيص المزيد من ميزانيات الطوارئ الفيدرالية لذلك.

لا يبدو في الأفق أي نية حقيقية لدى صنّاع القرار للتوصل إلى إجراءات وتدابير تنظّم موجات الهجرة، أو إنشاء حوافز اقتصادية في البلدان المعنية للنهوض الاقتصادي هناك، وهي مسألة تصب في صلب النظام الرأسمالي الساعي وراء تكديس الأرباح وتقليص الأجور في كافة النشاطات الاقتصادية.

ما يمكن تلمّسه من خيارات أميركية متاحة هو إعادة إنتاج تدابير سابقة عنوانها نسج “اتفاقيات تعاون” بين واشنطن وبلدان أميركا الوسطى والجنوبية، وتحميل الجزء الأكبر من تداعيات هجرة الأيدي العاملة للحكومات المحلية، ورفدها بمكاسب شكلية مثل “مساعدة حكومة كولومبيا في استيعاب المهاجرين من فنزويلا، في مقابل توفير الأدوات التقنية والموارد البشرية الأميركية لها من أجل تشديد إجراءات المراقبة الحدودية”، وخصوصاً في ممرّ “داريان غاب” المحفوف بالمخاطر بين البلدين.

2023-03-05-التقرير الأسبوعي

بايدن يترشّح لولاية رئاسية ثانية
ولكن المسار محفوف بالمفاجآت

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

إعلان الرئيس الأميركي جو بايدن عن نيّته الترشح لولاية رئاسية ثانية، عام 2024، لم يأتِ بجديد في سياق التكهّنات التقليدية. الأمر الثابت في تاريخ الرئاسات الأميركية هو عزم الرؤساء على إعادة ترشّحهم “وبالمجمل يكسبون الجولة”، خصوصاً في ظل أجواء حروب قائمة تنخرط فيها القوات العسكرية الأميركية.

راهناَ، يواجه الرئيس بايدن جملة تحديات على صعيد الانجازات الداخلية، تتعاظم إخفاقاتها مع الوقت، أبرزها تراجع حالته الذهنية وتقدّمه في السن، بلوغه الـ 80 عاماً، وفتور دعم مؤسّسات الحزب الديموقراطي له في الجولة الانتخابية المقبلة، فضلاً عن تدنّي الأحوال الاقتصادية والارتفاع المستمرّ لتكاليف الحياة اليومية للمواطن، وتصدّع البنى التحتية.

تزخر وسائل الإعلام الأميركية المختلفة بردود أفعال قاسية لإعلان الرئيس بايدن، يميناً ويساراً، وإجماعها على “عدم توفّر أو بروز مرشّح بديل عنه”، يواكبها تراجع ملحوظ في نسبة التأييد الشعبي لأدائه. إذ حاز على نسبة 53% من التأييد في بداية ولايته الرئاسية الحالية، تقلصت إلى 38% وشهدت ارتفاعاً طفيفاً بنسبة 42% في أفضل الأحوال.

استمرّ منسوب التراجع الحاد منذ “الانسحاب المذلّ للقوات الأميركية من أفغانستان”، وإخفاقات الرئيس بايدن في ترجمة أجندته الانتخابية خصوصاً تراجعه عن وعوده لإعفاء الطلبة من ديونهم، التي لا زالت مسألة معلّقة بانتظار قرار البت بها من قبل المحكمة العليا.

في المستوى الشعبي العام، هناك تراجع كبير في معدلات تأييد إعادة انتخابه، أوجزته إحدى كبريات الصحف بأن “عدداً كبيراً من الديموقراطيين لا يؤيدون ترشحه” مرة أخرى، بنسبة 73% من الناخبين، وبمعدلات تأييد متدنية، 52%، من الناخبين الديموقراطيين، بحسب أحدث استطلاع أجرته وكالة “أسوشيتدبرس” للأنباء؛ مقابل 55% من الناخبين الجمهوريين يؤيدون ترشّح الرئيس السابق دونالد ترامب (صحيفة “وول ستريت جورنال”، 1 أيار/مايو 2023).

في مؤشّر مقلق للحزب الديموقراطي، أعلن السيناتور جو مانشين عن نيته “القفز من قارب الحزب” وتخلّيه عن دعم أجندته في مجلس الشيوخ، “ربما قبل بدء جولة الانتخابات الرئاسية” العام المقبل، وهو العضو “المشاكس” لحزبه في المجلس. الأمر الذي سيفرض تداعيات جديدة “غير محبّبة” على قيادة الحزب وبرامجه الموعودة، خصوصاً وأن مجلس النواب أضحى تحت سيطرة الخصم الجمهوري، وأي تعديل ولو طفيف في توازن الحزب في مجلس الشيوخ سيفضي إلى خسارته اغلبيته الحرجة الراهنة (مقابلة أجراها مانشين مع شبكة “فوكس نيوز”، 2 ايار/مايو 2023).

في البحث عن الدوافع الحقيقية لإعلان الرئيس بايدن إعاد ترشّحه، بالزعم أن “التصويت له هو تصويت للديموقراطية”، كما جاء في متن الإعلان، يجب عدم إغفال آخر التطورات السياسية الناجمة عن مضمون الوثائق التي سلّمتها وزارة الخارجية الأميركية إلى اللجنة القضائية في مجلس النواب بطلب منها، في سياق سعيها للتوقّف عند بعض ملابسات جولة الانتخابات الرئاسية الماضية.

ما سُمِح بنشره حتى اللحظة هو ثبوت تورّط وزير الخارجية، آنتوني بلينكن، عبر الضغط على إدارة وكالة الاستخبارات المركزية، سي آي إيه، للموافقة على عريضة تُعلن براءة نجل الرئيس بايدن من الاتهامات بشأن جهاز حاسوبه الخاص، إذ زعم “نحو 50 ضابطاً متقدماً ورؤساء سابقون في المؤسسة الأمنية” أن اتهامات الرئيس السابق دونالد ترامب لنجل بايدن هي مجرد “دعاية روسية” لا أكثر.

تصرّف بلينكن آنئذٍ ثبُتَ بأنه كان بطلب مباشر من المرشح الرئاسي جو بايدن، والذي كان يستعد لمواجهة خصمه الجمهوري في مناظرة عامة تُبثّ على الهواء، وتسلُّحه بتلك الوثيقة أمام كاميرات التلفزيون لتفنيد “اتهامات” خصمه. والنتيجة العامة كانت بإعلان المؤسسة الحاكمة فوز المرشح بايدن.

من المرجّح عودة تلك المسألة إلى التداول العام مرة أخرى، في أعقاب توفّر دلائل حسيّة على مدى تلاعب الحزب الديموقراطي ببوصلة الانتخابات الرئاسية ونتائجها، والتي على أثرها ارتفعت أصوات سياسية مطالبة بإقالة وزير الخارجية، توطئة لنزع حصانته الراهنة وربما الإدعاء عليه لاحقاً.

المسألة برمّتها مرهونة ببقاء الرئيس السابق ترامب كمرشّح عن الحزب الجمهوري، خصوصاً أن قادة الحزب التقليديين، بزعامة ميتش ماكونيل، يكنّون عداءً شديداً للرئيس السابق، ولديهم القابلية للمساومة على صيغة تتجاوز طرح تلك المسألة على الشأن العام.

 

مرشحو الحزب الديموقراطي

سبق ترشيح الرئيس بايدن نفسه مرشحان آخران عن لائحة الحزب الديموقراطي، ومن المبكر إطلاق أحكام عليهما لدواعٍ زمنية، مع استعراض سريع لمرشحين محتملين للمنصب.

المرشحة الأولى هي الكاتبة ماريان ويليامسون، وكانت قد أعلنت ترشيحها في الجولة السابقة “واضطرت” للانسحاب أمام أجندة متقاربة مثّلها المرشح السابق بيرني ساندرز. حظوظها الراهنة لا تبدو أنها ستشهد تعديلاً جوهرياً عن الجولة السابقة.

المرشح الثاني، وربما الأهم، هو نجل السيناتور السابق روبرت كنيدي، ويحمل الإسم ذاته. مهنته المحاماة واشتهر بتصديه للمؤسسة الحاكمة لإسرافها المالي على شركات العقاقير والأدوية إبّان وباء كورونا، الأمر الذي أحاله إلى خانة “المغضوب عليهم”، ونال نحو 19% من تأييد الناخبين الديموقراطيين، بحسب استطلاع أجرته شبكة “فوكس نيوز” حديثاً.

أيضاً، يواجه روبرت الإبن مقاومة من داخل أسرة كنيدي نفسها لجملة أسباب منها تفرّده بإعلان براءة سرحان سرحان عن اغتيال والده، عام 1968، وتحديه كذلك للسرديات الرسمية بشأن والده والرئيس الأسبق جون كنيدي.

في يوم إعلانه ترشّحه بمدينة بوسطن، في 19 نيسان/إبريل الماضي، لم يلحظ وجود أي “فرد مميّز من عائلة كنيدي” من بين الحضور، أو حتى من رموز الحزب الديموقر اطي في المدينة، بل طغى طابع التمثيل الأوسع لشرائح المجتمع على الحضور من مؤيديه “مستقلين ومحافظين” سياسياً، أتى بعضهم بالطائرة من أماكن متفرقة من أميركا.

نائبة الرئيس كمالا هاريس، رغم تدنّي معدلات تأييدها إلى مستويات أقل من الرئيس بايدن نفسه، إلا أنها دخلت حلبة السباق الرئاسي كامتداد للرئيس بايدن لتبقى مرشّحة كنائب له. أما شعبيتها داخل أوساط الحزب الديموقراطي فهي متواضعة في أفضل الأحوال، وسبق أن طالب بعضهم الرئيس بايدن بإقالتها واستبدالها نتيجة تخبطها في ملفات سياسية رئيسية، منها إخفاقها في التعامل مع مسألة المهاجرين على الحدود الجنوبية مع المكسيك.

من بين الأسماء المتداولة، وإن كانت غير ناضجة بعد، تبرز عقيلة الرئيس الأسبق ميشيل أوباما، التي تتمتع بمعدلات احترام وتأييد واسعة، لكنها أعلنت عدم رغبتها دخول السباق الرئاسي، حتى اللحظة.

كذلك وزير النقل الحالي بيت بوتيجيج، بحسب وجهة نظر صحيفة “واشنطن بوست”، بتاريخ 19 شباط/فبراير 2023، والمؤيدة للبيت الأبيض، وذلك لأدائه المتقدّم في الجولة الرئاسية السابقة وفوزه بعدد أكبر من مندوبي ولاية أيوا خلال الانتخابات التمهيدية آنذاك. وسرعان ما بدّد جزءاً كبيراً من شعبيته وتأييد قيادات حزبه له نتيجة سلسلة إخفاقات ارتكبها، أشهرها بطؤه في معالجة خروج قطار عن سكته في مدينة باليستين بولاية أوهايو، وما نجم عنه من انبعاث غازات سامة نتيجة حريق.

 

مرشحو الحزب الجمهوري

لا يزال السباق وباب الترشيح في بداياته الأولى، لكن الرئيس ترامب يتصدر القائمة حتى اللحظة، وكذلك أكبر نسبة من تأييد جمهور الناخبين الجمهوريين له، بمعدل 44%، “برغم سلسلة من الفضائح التي يواجهها، منها الاعتداء على الكابيتول” في 6 كانون الثاني/يناير 2021. أما نسبة تأييده بين جمهور محافظي الحزب الجمهوري فتقارب 70% (استطلاع أجراه موقع “فايف ثيرتي إيت”، 1 أيار/مايو 2023).

حاكم ولاية فلوريدا، رون دي سانتيس، يأتي في المرتبة الثانية بعد الرئيس ترامب، لكن بنسبة بعيدة جدا، 20%. يلقى دعماً ملحوظاً من قيادات الحزب التقليدية، نظراً لخلافاتهم مع الرئيس ترامب، لكنه لم يستطع القفز بمعدلات تأييد أعلى من السابق. حظي دي سانتيس بنسبة تأييد 28 % من الجمهوريين مقابل 52% للرئيس ترامب، بحسب صحيفة “نيويورك تايمز”، بتاريخ 17 آذار/2023. لكنّ أركان المؤسسة الإعلامية الكبرى تركّز هذه الأيام على مدى ارتفاع نسبة تأييده بين ناخبي ولاية فلوريدا، كما يحظى الرئيس ترامب بدعم نسبة لا يستهان بها هناك.

يتمثّل جوهر مأزق دي سانتيس الأول في مدى قابليته الذهاب لانتقاد الرئيس ترامب أمام الناخب الجمهوري، بما يتضمّنه ذلك من مخاطر عداء قسم لا بأس به، وفي الوقت نفسه المحافظة على سمعته بأهلية ترشّحه بديلاً عن الرئيس السابق.

أعلنت حاكمة ولاية ساوث كارولينا السابقة نيكي هيلي عن ترشّحها عن الحزب الجمهوري، لكن معدلات تأييد الناخبين لها بقيت أقل من 10%. الأمر الذي يشير إلى تنامي عقبات جدية أمامها مقابل الرئيس السابق ترامب ورون دي سانتيس. وربما تهيّء نفسها لمنصب “نائبة الرئيس” عن الحزب الجمهوري، كما يعتقد بعض المراقبين.

كما أعلن رجل الأعمال ذو الأصول الهندية، فيفك راماسوامي، عن ترشّحه أيضاً، مستغلاً ثغرة العداء بين رون دي سانتيس وشركة ديزني للترفيه، ومقرها ولاية فلوريدا، مستهدفاً حاكم الولاية لقفزه عن القوانين الناظمة للضرائب ومنحه الشركة إعفاءات ضريبية من قانون “قام بالمصادقة عليه نفسه”.

ينحدر فيفك من ولاية أوهايو بالغة المكانة الحسّاسة للفوز في جولة الانتخابات الرئاسية، ومن شأنه تسخير نفوذه وثروته البالغة نحو 600 مليون دولار لدعم أجندة تروق له.

وهناك بعض المرشحين الآخرين الذين تتفاوت حظوظهم بين الانسحاب مبكّراً  أو  لاحقاً لعدم تأهّلهم في الانتخابات التمهيدية للحزب، أو قبلها، منهم: حاكم ولاية آركنسا الأسبق آسا هتشيسون والمذيع لاري إلدر الآتي من ولاية كاليفورنيا إذ حاز على نسبة معتبرة من التأييد في انتخابات الولاية الاستثنائية الرامية لإقصاء حاكمها، غافين نوسم، والذي استطاع الفوز والاحتفاظ بمنصبه الراهن.

أما حظوظ الرئيس جو بايدن، عند هذا المفصل الجوهري، فيرى بعض المراقبين أن الدافع الحقيقي لإعلانه إعادة ترشحه هو من أجل الإفلات من ملاحقات قضائية، له ولنجله وبعض أفراد عائلته، مع استمرار توسّع دائرة الاتهامات له بالفساد والمحسوبية، متسلّحاً بحصانة منصبه الرئاسي من الملاحقة، ولقناعته أيضاً أن المناخ السياسي العام لا يشجّع على إعادة تجربة “مقاضاة وإقصاء” الرئيس، كما جرى مع سلفه.

الجزم بمستقبل الرئيس بايدن ليس مرئياً بعد، أو ما سيتمخض على قادة الحزب الديموقراطي لاحقاً من تصرّف حيال حالته الذهنية المقلقة، والوقوف عند مرشّح أقوى نسبياً.

أما وإن جرت الانتخابات الرئاسية وفق المعطيات الراهنة، فإن “الرئيس ترامب سيفوز إن صوّت الناخبون بناء على وضعهم المعيشي” ممثلاً بتراجع كبير في الازدهار الاجتماعي والسلم الأهلي، بحسب صحيفة “وول ستريت جورنال”، بتاريخ 1 أيار/مايو الحالي.

2023-26-04-التقرير الأسبوعي

ينشر بالتعاون مع “الميادين”

الصراع على السودان:
محاور دولية بأدوات محلية

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

قرار بدء الحرب وقرار “الوقف المؤقت” لإطلاق النار أُعلنا من واشنطن، في سابقة فريدة من نوعها: اليمن في الحالة الأولى عبر وزير الخارجية السعودي عادل الجبير في 26 آذار/مارس 2015، والسودان في الحالة الثانية بلسان وزير الخارجية الأميركيتوني بلينكن في 24 نيسان / إبريل الحالي.

ثمة عوامل مشتركة تجمع قراري الحربين، لكن من المفيد الإشارة إلى أنّ “مرتزقة” عسكريين من السودان شكلوا أكبر جسم قتالي لراعِيَي الحرب في اليمن، السعودية والإمارات، بدلالة أعداد الأسرى والجرحى منهم لدى الحكومة اليمنية، واكتساب عناصرهم خبرات ميدانية سيتم توظيفها في ميادين أخرى لاحقاً.

أولئك “المرتزقة” يتبعون قيادة الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، الملقب بـ “حميدتي”، والتي تشكّلت عام 2013. ويمكن القول إنّ “دوراً إقليمياً ما” كان يُعدّ لتلك القوات، ليس من مموّلي حرب اليمن، السعودية والإمارات، فحسب، بل من أركان الاستراتيجية الأميركية أيضاً، للسيطرة على ممرات البحر الأحمر في الدرجة الأولى وإخضاع اليمن للهيمنة الأميركية.

في الحربين، برز أيضاً الدور الفاعل “للكيان الإسرائيلي” تصاعدياً بإنشاء قاعدة عسكرية في جزيرة سقطرى التي تسيطر عليها الإمارت. وفي الصراع الجاري في السودان، عرضت “تل أبيب وساطتها” باستضافة قيادة فريقي الصراع في فلسطين المحتلة (نشرة “آكسيوس” الأميركية، 24 نيسان / إبريل 2023).

وأضافت النشرة المذكورة أنّ تفاصيل الحراك “الإسرائيلي” بشأن التوسط لدى طرفي القتال في السودان تمت بتنسيق تام مع كل من إدارة الرئيس بايدن ودولة الإمارات.

من دون الخوض في تفاصيل القتال وأسباب اندلاعه بين الفريقين رغم أهميتها، يجب فحص وتحديد الطرف أو الأطراف المستفيدة مما يحدق بالسودان بعد اقتطاع جنوبه وحرمانه من ثروته النفطية، وما يتداول من جدل واهتمام دولي بشأن مستقبل إقليم دارفور في غرب السودان، نظراً إلى ثرواته المعدنية، وأبرزها الذهب، وتحديد الأطراف الإقليمية المساعدة في تفكيك السودان.

سنستثني لبرهة الدور  المنتظر من مصر وتأييدها المعلن للقوات المركزية السودانية بقيادة عبد الفتاح البرهان، وكذلك انشغالها بترتيبات جارية لاقتسام مياه النيل العابر لكل أراضي السودان، والتركيز على سمات الاستراتيجية الأميركية، وخصوصاً عقب تأهيل “القيادة الأميركية لأفريقيا – أفريكوم” لإدارة الأزمات في القارة السمراء، من أجل سبر أغوار إعلان وزير الخارجية الأميركية عن “وقف مؤقّت لإطلاق النار لمدة 72 ساعة”، بحسب توقيت واشنطن، وليس لاعتبارات تحفظ حرمة عيد الفطر.

لماذا السودان؟

لا تخفي مراكز القوة الفعلية وصناعة القرار في الولايات المتحدة، وامتداداً في عموم الغرب، أطماعها للفوز بثروات السودان الطبيعية والباطنية، والعين دائماً على استهداف مصر دوراً وموقعاً وحضارة ونفوذاً إقليمياً.

يشكّل السودان “موقعاً استراتيجياً غنيّاً بالموارد الطبيعية”، هذا التوصيف يوجز رؤية صنّاع القرار في واشنطن والعواصم الغربية الأخرى التي “تطمع كلها للفوز بقطعة منه، لأنه مرشّح للاستحواذ” والسيطرة عليه (صحيفة “نيويورك تايمز”، 22 نيسان / إبريل 2023).

هذا هو هدف الغرب المعلن باختصار شديد. أما توقيت اندلاع الصراع على السيطرة بين قادة الطرفين المواليين لأجندة واشنطن، فله بعد دولي يدخل في صلب الصراع الكوني بين الولايات المتحدة ومنافسيها في روسيا والصين، وجوهره موافقة السودان، منذ عهد الرئيس المخلوع عمر البشير، وتباعاً من البرهان وحميدتي، على إنشاء قاعدة بحرية روسية.

في هذا السياق الواسع لرقعة الصراع، نجد لاعبين آخرين من دول النفط العربية نيابة عن واشنطن، الإمارات والسعودية وقطر، قدموا، وما زالوا يقدمون، إمدادات عسكرية في الدرجة الأولى لقطبيي الصراع الحالي، البرهان وحميدتي.

أيضا، لا يجوز إغفال العامل “الإسرائيلي” في تأجيج الصراع والدخول على خط “فرض وقف إطلاق نار”. وفي الجوهر، تفكيك كيان السودان الحالي، بعد نجاح الغرب وأدواته المحلية في فسخ جنوب السودان عن باقي أراضيه.

في اللحظة الحالية، يجري تسليط الضوء في دول الغرب على “دور دولة الإمارات العربية المتحدة التي توسّع نفوذها بقوة في منطقة القرن الإفريقي”. وقد رمت أبو ظبي مبكراً إلى استغلال مساحة أراضي السودان الشاسعه “لتلبية احتياجاتها الغذائية واستمرار سبل توريدها”، أبرزها صفقة شراء أراضٍ شاسعة لحساب “الشيخ طحنون بن زايد تبلغ مساحتها 100  ألف هكتار (ما يعادل أكثر من 400 ألف دونم) وقيمتها 225 مليون دولار” (صحيفة “نيويورك تايمز”، 22 نيسان / إبريل 2023).

وفي السياق ذاته، ينبغي رؤية دخول قطر على خطّ تأجيج أزمات السودان، وخصوصاً بعد نشوب خلافات بينها وبين كل من السعودية والإمارات، وفي الخلفية إحجام الخرطوم والرئيس عمر البشير عن الاصطفاف معها ضد جيرانها. وليس من باب المصادفة تحرك السعودية والإمارات مباشرةً بعد إطاحة الرئيس البشير وإعلانهما تقديم مساعدة مالية للسودان “الجديد” قيمتها 3 مليارات دولار .

وترى أوساط النخب السياسية الأميركية أنّ الجنرال حميدتي، كما يسمّى، كدّس ثروة هائلة جراء دوره في “التنقيب عن الذهب والاتجار به وتصديره إلى أسواق دبي” في الإمارات. وقد ارتكز على ما جناه من إيداعاته في المصارف الإماراتية لإنشاء قوات شبه نظامية “تتفوق في تسليحها على الجيش السوداني الرسمي”، وتم نشر أعداد كبيرة منها في اليمن لحساب الإمارات والسعودية في قتال اليمنيين.

عند استعراض “السيناريوهات” المستقبلية للصراع الجاري، من وجهة النظر الأميركية في الدرجة الأولى، نجد أن جوهرها يصب في خانة استمرار وتيرة الصراع بين الطرفين، وضمان استمرار توريد الأسلحة المختلفة، والحيلولة دون انتصار فريق على آخر بشكل حاسم.

بعض الأختصاصيين أشاروا إلى “توريد بقايا داعش والقاعدة” من ليبيا وسوريا وبلدان أخرى باتجاه المسرح السوداني، فضلاً عن نضوج مناخات تجنيد جماعات طائفية وعرقية سودانية وتسليحها.

في المقابل، تنشط “الجهود الديبلوماسية” الغربية المطالبة بتمديد وقف إطلاق النار، والنفخ في بوق إجلاء الرعايا الأجانب، فيما يستمر التستّر على بقاء فرق “القوات الخاصة والخبراء العسكريين والأمنيين” في السودان لإدارة المعركة، والمهمة الموكلة إليهم عنوانها قطع دابر روسيا وتمدد الصين في عموم القرن الإفريقي.

نستطيع القول إنّ هدف الغرب الآني، إلى جانب تفسيخ السودان، هو السعي لمحاصرة مصر وتعطيل دورها الإقليمي، وإبقائها أسيرة أزماتها المعيشية، وحرمانها من ترجمة ثقلها ونفوذها الطبيعي في عموم المنطقة.

وفي تفاصيل مخطّط استهداف مصر، تستعرض الأوساط المالية الدولية “مصادر تمويل بناء سد كهرومائي ضخم على مجرى نهر النيل الأبيض” في دولة ما يُسمى جنوب السودان، الأمر الذي سيقلص حصة مصر من مياه النيل، وخصوصاً بعد تداعيات “سد النهضة” في إثيوبيا وحجبه كمية وفيرة من المياه.

من نافل القول أنّ ظاهر الاستراتيجية الأميركية، فيما يخص مصادر المياه، هو “تسليعها وبيعها”، بحيث تأخذ إبعاداً سياسية واقتصادية وبيئية أيضاً، نجد ترجمتها في تقليص رقعة الأراضي الزراعية في مصر تحديداً، وتقليص نصيب المواطن المصري من مياه الشرب.

بموازاة ما تقدم من التحكم في مصادر المياه، بإشراف غربي مباشر أو غير مباشر، تبرز تركيا أيضاً التي أنشأت عددا من السدود المائية، والتي تخطط لإنشاء سدود أخرى، بغية التحكم في القرار السياسي لكل من سوريا والعراق.

للأسباب المذكورة أعلاه، يبقى احتمال استمرار الصراع المسلح في السودان، وإن تباينت وتيرته بين آونة وأخرى، هو المرجّح في أولويات الاستراتيجية الأميركية، لبسط هيمنتها إقليمياً وسد الطريق أمام خصومها الدوليين، روسيا والصين، إن استطاعت إلى ذلك سبيلاً.