2019-17-05 التقرير الأسبوعي

تكهنات حول أسرار عسكرية إيرانية
وراء التراجع الأميركي

          للمرة الثالثة في عهد الرئيس ترامب يحبس العالم أنفاسه ويبدو مشدوهاً أمام  الإنحدار نحو شفير هاوية حرب قد تتدحرج لتتهدد البشرية جمعاء، بدءاً من كوريا الشمالية وصولاً إلى فنزويلا وإيران؛ ولكن سرعان ما تبددت لهجة الوعيد ونذر الويل والثبور لتضع إدارة ترامب نفسها في سياق تراجعي لم تحسن إخراجه تلقي فيه لائمة مأزقها التصعيدي غير المبرر على “الإعلام المزيف.”

          واتضح ارتباك  المؤسسة الحاكمة في واشنطن  بالتظاهر  انها تمنح  المسار  الديبلوماسي فرصة بعدد تخلي معظم حلفائها الرئيسيين في حلف الناتو، لا سيما بريطانيا، وسحب المانيا واسبانيا وهولندا لجزء من تواجدها العسكري ضمن قوات الناتو في الخليج. وباشرت التراجع والإستدارة بعد موجة الإعتراض والتنديد الداخلية في الكونغرس على  خطواتها  في التصعيد العسكري أحدثها بعض ما جرى من مشاورات في مجلس الأمن القومي، يوم الاربعاء 15 أيار الجاري، ومناقشة “.. عدة خطط .. من بينها الدعوة لنشر 120،000 جندي” بالقرب من ايران، واكبها طلعات طيران “تحذير ية” للقاذفات الاستراتيجية، ب-52، في سماء الخليج.

          عززت واشنطن سعيها على الجبهتين، الديبلوماسية والعسكرية، واكبها لقاء رفيع المستوى بين وزير الخارجية الأميركي وكل من نظيره الروسي والرئيس بوتين “.. تمهيداً للقاء القمة بين ترامب وبوتين” اثناء القمة الصناعية في اليابان، نهاية الشهر المقبل؛ واستقبال الرئيس ترامب نظيره السويسري معلناً انه يود وساطته مع ايران.

          على الطرف المقابل، شدد المرشد الأعلى علي خامنئي على تصميم بلاده عدم التفاوض على ترسانتها من الصواريخ الباليستية، 24 آذار 2019، وتكرار الموقف عينه قبل عام بعد زيارة وزير الخارجية الفرنسي، لو دريان، لطهران لاستمزاج توجهها حول مصير الاتفاق النووي بعد انسحاب واشنطن منه.

          بعض المقربين من صناع القرار في واشنطن أعربوا عن اعتقادهم بأن التصريحات العلنية المتبادلة، بين واشنطن وطهران، حول “شروط” التفاوض تشير إلى أن هناك قنوات اتصال غير مباشرة تجري بعيدا عن الأضواء محورها إعادة النظر في الاتفاق النووي “بشروط معلنة،” تمنح ترامب تعديلات يمكنها تسويقها داخلياً، وتغطي تراجعه عن ذروة التصعيد العسكري مما يتيح لايران القول انها حققت انجازاً ملموساً، أي معادلة الربح للطرفين.

          ولكن هذه المحاولات لا تبدو انها قابلة لإحداث أي إختراق طالما العقوبات الأميركية مستمرة، وهي حالة مشابهة عمليا لمأزق ترامب في إمكانية استئناف التفاوض مع كوريا الشمالية.

مركز ثقل تراجع واشنطن

          عند البحث عن تبدلات المواقف الأميركية، التصعيدية ثم المهادنة وبعض التوسل، تحضرنا بعض الجوانب التي دأب استراتيجيو البنتاغون على التحذير منها منذ زمن بعيد، ولم تحظى بالتغطية الإعلامية التي تستحقها ، ولها علاقة في التطور وتقدم تقنيات الحروب التي لم تعد حصراً على ما تنتجه مراكز  الإبتكارات  العلمية الأميركية، لا سيما وأن محور توجهها لا يزال يكمن في عقلية الحرب الباردة – مواجهة قوى عظمى صاعدة.

          اهتمام اقطاب التقنية الحربية الأميركية بما أقدمت عليه ايران من “السعي لاكتفاء ذاتي” في المجالات العسكرية هي حديثة العهد نسبياً، مع بداية العشرية الثانية من القرن الحالي، في مجالات الصواريخ الباليستية، التي أضحت عناوين الساعة، وتقنية بحرية مضادة للغواصات تستند إلى قاعدة “التكيف الخامل لأجهزة السونار – Passive Sonar” وما رافقها من بناء زوارق حربية سريعة لتدعيم الترسانة البحرية الدفاعية. (اسبوعية ذي ناشيونال انترست، 9 حزيران 2017).

          وحذرت مجلة أميرركية تعنى بالشؤؤون العسكرية من تراجع تقنية “الشبح” الأميركية والتي “تسبق كافة دول العالم الأخرى بعدة أجيال .. أمام خصم يسعى للتماثل التقني مثل الصين وروسيا أو ايران؛ لخاصية استثمارها في تقنيات مضادة زهيدة الثمن.” (مجلة ميليتاري آند ايروسبيس الكترونيكس، 8 شباط 2016).

          وشاطرتها النتيجة التحذيرية دراسة أعدتها جامعة الدفاع الوطنية، تشرين الأول/اكتوبر 2009، جاء فيها “.. نظام التكيف الخامل للرادار (والسونار) لا يصدر طاقة اشعة الراديو (التي يمكن استشعارها وتعقبها) وبالامكان تمويه مصدرها (بفعالية)، كما أنها لا تصدر أي مؤشرات لأجهزة انذار رادار صديقة وتعسّر مهام اكشافها واستهدافها.”

          مراكز أبحاث التقنية العسكرية الأميركية اشارت ايضاً إلى الكم الهائل من الدراسات العلمية الإيرانية في مجال “استشعار السونار” في مياه الخليج، كدليل على مدى الأهمية التي توليها ايران تعزيز قدراتها الذاتية والتقدم الذي أحرزته في هذا المجال المتخصص؛ استطاعت فيه احراز تقدم بنسبة 24% لاستشعار السونار – دراسة لعام 2017 تأليف حامد علائي وحسن فارسي.

 (https://www.preprints.org/manuscript/201709.0084/v1 )

تشير التسريبات العسكرية والتقنية بأن إيران نجحت في تطوير وتجهيز غواصاتها البحرية المسماة “غدير” بتقنية “الشبح” التي لها القدرة على تقادي أنظمة الرادار بالسونار، قيل أنها 7 غواصات.

تعتبر الغواصات أكثر فاعلية في استخدام محطة البحث الصوتي من سفن السطح حيث يمكنها تغيير عمق الغطس وفقاً لدرجات الحرارة ولا يؤثر عليها الطقس العاصف كما أن الضجيج الصادر عنها أقل كثيراً من سفن السطح بالإضافة إلى أنها تعتبر هدفاً بعيد المنال بالنسبة للغواصة التي تهاجمها الطوربيدات. (أدبيات عسكرية متعددة).

في مجال الحرب المضادة للغواصات في المياه الضحلة ، بالتركيز على أشعة السونار النشط، تشير دراسة أميركية أخرى بأن  أربع دول اقليمية لديها غواصات من تلك الفئة: مصر وإيران و”إسرائيل” والجزائر؛ فيما لاتزال مصر وإيران والجزائر تعتمد على غواصات تعود إلى فترة الحرب الباردة من إنتاج شرقي من فئتي ( روميو ROMEO ) و ( كيلو KILO ) ، بينما تمتلك “إسرائيل” ثلاث غواصات من فئة ( دولفين Dolphin ) ، وهي بإنتظار إثنتين أخريين.

الغواصات الموجودة لدى بلدان الشرق الأوسط ، تتميز عن غواصات القوى العظمى في فترة الحرب الباردة، ببصمات صوتية منخفضة جداً، بحيث أضحى السونار الخامد الذي صمم للمياه الزرقاء عديم الفائدة في البيئة الساحلية لإكتشاف هذه الغواصات. وقد تمكن الباحثون من إيجاد وتطوير نظام ( سونار الصفيف )، النشط المقطور ذي الترددات المنخفضة جدا، مما وفر حلا جديدا لكشف الأجسام البحرية في المياه الضحلة على مديات بعيدة. (المجلة العسكرية سالفة الذكر، نقلاً عن الخبير الأميركي في تقنية السونار البحرية ستيف جاكوبز).

تطبيقاً لمقولة فيلسوف الحرب الصيني، سان تسو، بأن “المعرفة تسبق النصر، والجهل يسبق الهزيمة،” ليس من المستبعد توصل دوائر صنع القرار الأميركي، لا سيما المؤسسات العسكرية والاستخباراتية إلى نتائج تفيد بأن ايران أحرزت تقدماً نوعياً لا يمكن تجاهله في مجال التقنية الحربية في عرض البحر وما قد ينجم عن أي مواجهة محتملة من أضرار تلحق بهيبة الترسانة الأميركية؛ إذ أن “.. الحرب ما هي إلا استمرار للسياسة بوسائل أخرى،” وفق الاستراتيجي العسكري كلاوزفيتز.

بعض المراقبين والخبراء العسكريين في واشنطن المحوا لنشرة “المونيتور” باللغة الانكليزية في محادثات استقصائية خاصة أن هناك من يوجه أصابع الإتهام لإيران  بمسؤوليتها عن الإنفجارات التي تعرضت لها حاملات النفط قبالة ميناء الفجيرة. وتسود التكهنات ان العملية تمت بواسطة مجموعات تسللت عبر الغواصات الإيرانية مستخدمة التقنية التي تخفيها عن  رادارات الإكتشاف. لو صحّت هذه التكهنات تكون طهران قد ارسلت رسالة استباقية تحذيرية رادعة لمعسكر التحريض على شن الحرب عليها.

2019-10-05 التقرير الأسبوعي

المقدمة       

                  أمام انشغال العالم بالحشد العسكري الأميركي والتهديد بعدوان ضد فنزويلا، قفز الاهتمام الى “الشرق الأوسط” وتجديد واشنطن تهديداتها لايران مقرونة بتحريكها قطعاً بحرية إضافية للمرابطة في الخليج العربي واتخاذ مهام قتالية ضد ايران “ان تطلب الأمر.”

        سيستعرض قسم التحليل تكثيف واشنطن لتواجدها العسكري في المنطقة على ضوء إعلانها إلغاء بعض التدريبات والمناورات المشتركة لحلف الناتو، مما يجدد التكهنات بتوجهها نحو حرب مع ايران.

 

ملخص دراسات واصدارات مراكز الابحاث

ايران والولايات المتحدة

        أثنت مؤسسة هاريتاج على سياسة “الديبلوماسية المسلحة” للإدارة نحو إيران التي أضحت “أشد عزلة من السابق،” لا سيما في الشق العسكري بارسال مجموعة سفن وحاملات طائرات للمنطقة “لأن (اميركا) تستطيع” القيام بذلك، والتواجد العسكري المكثف هو في سياق “استمرارية صراع العين بالعين بين البيت الأبيض والنظام في طهران.” وأضافت أن إدارة الرئيس ترامب “لا تكن ثقة بالاتفاق النووي الذي وفر لطهران سيولة مالية وإعفاء من العقوبات مقابل قيود واهية” على برنامجها النووي. وأوضحت أن جذر الأزمة مع طهران يتمثل في “.. سعيها لاستخدام الساحة السورية كممر استراتيجي يهدد بقاء إسرائيل.”

https://www.heritage.org/middle-east/commentary/trump-tries-gunboat-diplomacy-iran-heres-why-hes-doing-it

        في تغطية متوازية لمؤسسة هاريتاج، اعتبرت أن الرئيس ترامب أوفى بوعوده “لممارسة أقصى حد للضغوط” على إيران تجلت في “إعلان وزير الخارجية مايك بومبيو عن ادراج الحرس الثوري كمنظمة إرهابية؛ وعدم تجديد اعفاءات استيراد النفط الايراني لثماني دول.”

https://www.heritage.org/terrorism/commentary/maximizing-pressure-terrorism-importer

ما بعد “دولة الخلافة”

        أصدر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية تقريراً يعالج فيه جملة العوامل المتداخلة التي تؤسس “للعصيان المدني وزعزعة الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا .. لكل دولة على حدة.” وأوضح أنه نظراً لطبيعة المنطقة “التي تضم مزيجاً متنوعاً من الهويات ودول مختلفة من الجيران، وفي أغلب الأحيان اختلافات رئيسة في الانتماءات العرقية والإقليمية والقبلية والطائفية .. مما يضعها عرضة للتطرف والإرهاب، وتعسير مهمة تحديد العوامل بدقة.” واعتبر المركز أن الغالبية الساحقة من السكان في تلك المنطقة “مسلمون يعانون من سلسلة تحديات وقضايا على صعيد البنى المدنية هناك والتي قد تؤدي إلى اندلاع اضطرابات سياسية والتطرف والارهاب والصراعات المحلية،” والتي تطرقت لها “تقارير الأمم المتحدة الخاصة بعوامل التنمية العربية .. بالإضافة لعدد كبير من الدراسات الأكاديمية والتقارير الاستخباراتية،” كما أردف. وخلص بالقول ان تلك العوامل التي وردت في تقريره “تشكل دليلاً عملياً لما آلت إليه الأوضاع في دول مثل سوريا والعراق واللتان نالتا مرتبة الدول الفاشلة؛ ودول بغالبية إسلامية أخرى خارج المنطقة مثل أفغانستان والصومال.”

https://www.csis.org/analysis/after-caliphate-factors-shaping-continuing-violent-extremism-and-conflicts-mena-region

تنظيم الإخوان

        ناقض معهد كارنيغي نداءات بعض المسؤولين الأميركيين لإعلان “تنظيم الإخوان المسلمين مجموعة إرهابية .. لما يشكله من تقويض للجهود المستمرة بضمان سلامة الأميركيين من آفة الإرهاب.” واستطرد المعهد أن “الإخوان لا ينطبق عليهم التعريف القانوني كمنظمة إرهابية أجنبية، بل ليس هناك من دليل قاطع لاستخدام التنظيم وسيلة العنف لتحقيق مآرب سياسية، كما أنه لم يستهدف الأميركيين عن قصد.” أما فروع التنظيم الأخرى “والتي تستخدم العنف كحماس وحسم ولواء الثورة قد تم إدراجها على لائحة المنظمات الإرهابية.” وحذر المعهد بأن مضي البعض في أدراج “تنظيم الإخوان المسلمين بشكل أوسع سيحرم الولايات المتحدة من الأدوات التي تمكنها من تعقب تلك المجموعات؛ وسينجم عنه أزمات ديبلوماسية متسلسلة نظراً لعضويته في البرلمانات وحتى الحكومات في عدد من الدول.” وخص المعهد تنظيم الإخوان في مصر الذي إن “تم إدراجه سيؤدي للإضرار بالمصالح الأميركية” في المنطقة.

https://carnegieendowment.org/2019/05/03/nine-reasons-why-declaring-muslim-brotherhood-terrorist-organization-would-be-mistake-pub-79059

اليمن

        اعترض معهد واشنطن على الدعوات المتكررة للسياسيين الأميركيين بوقف دعم واشنطن للمجهود الحربي السعودي في اليمن، معتبراً ذاك الخيار “هو الأقل فاعلية لوقف القتال .. وما يشكله أيضا من مضاعفات على المصالح الأميركية؛ بل أن الانسحاب السعودي من اليمن (أن تم)  سيشجع الحوثيين وداعميهموداعميم الإيرانيين” على عدم التكيف مع وقف اطلاق النار “وتحقيق إنجاز عسكري.” وعلل موقفه بأن  صيغة التسوية التفاوضية “قد  تنهي الحرب في وقت مبكر؛ لكن الأطراف المعنية لا توافق على ذلك إلى أن تصل إلى حالة من الجمود العسكري (داعياً) لتضمين التسوية ترتيبات لتقاسم السلطة بحيث تمنح جميع الفصائل سلطة سياسية وفوائد اقتصادية بما يتناسب مع وزنها الديموغرافي.” والحل الوحيد في عرف المعهد هو “زيادة الدعم الأميركي للتحالف الذي تقوده السعودية وتمكينه من السيطرة على الحديدة (ومينائها) وتسخير النفوذ الناجم عن ذلك لفرض صيغة على الطرفين لانهاء القتال وتوقيع اتفاق لتقاسم السلطة.”

https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/a-real-plan-to-end-the-war-in-yemen

تركيا

        أعرب معهد واشنطن عن ثقته بفوز الرئيس اردوغان وحزبه في جولة أعادة الانتخابات في اسطنبول مستنداً إلى الفارق النسبي البسيط بين مرشح حزب الشعب الفائز، أكرم إمام أوغلو، ومرشح حزب العدالة، بن علي يلدريم، لا تتجاوز 1% من الأصوات. أما “إمام أوغلو فهو يواجه معركة يتعذر عليه الفوز بها لأن اردوغان ل يألو جهدا سواء من النواحي القانونية او السياسية او الديبلوماسية لضمان انتصار مرشحه .. خاصة وأنه يسيطر على ما يقرب من 90% من وسائل الإعلام في البلاد؛ وقد يعلق العمل ببعض الحريات الديموقراطية لقلب موازين القوى لصالح مرشحه.” واضاف بالقول انه في حالة عدم وثوق اردوغان من الفوز “فقد يلغي الجولة المقبلة في 23 حزيران كلياً .. وقراره (في 6 أيار/مايو) وتداعياته المقبلة قد تشوّه مؤسسات البلاد وتعيدها إلى عام 1946” الذي شهد انتخابات متعددة الأحزاب لأول مرة.

https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/why-erdogan-will-win-in-istanbul-and-what-this-means-for-turkish-democracy

الصين

        أعرب معهد كارنيغي عن قلقه من النفوذ الصيني المتنامي في الشرق الأوسط “عبر التنمية الاقتصادية والالتزام بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية” لدول المنطقة؛ واعتقاد بكين أنها قادرة على “تعزيز علاقاتها مع دول متناحرة واقرب للحرب فيما بينها.” وأوضح أن تلك الفرضية (عدم التدخل) على الأرجح “ستثبت سطحيتها خاصة حين يؤكد حلفاء الولايات المتحدة هناك على مصالحهم الخاصة.” وأضاف نقلاً عن ندوة عقدها المعهد النظير في بكين حول الشرق الأوسط أن لدى النخب السياسية والفكرية الصينية “قناعة بأن بلادهم تستطيع تجاوز التورط السياسي باصرارها على مشاريع للتنمية من طهران لتل أبيب؛” معتبراً أن تلك الرؤيا التجارية “لا يمكنها الصمود والديمومة في منطقة يتعذر علاجها؛ بل تخاطر بكين بمستقبل استثماراتها وتفتح فرصاً جديدة أمام الولايات المتحدة.”

https://carnegieendowment.org/2019/04/29/china-s-risky-middle-east-bet-pub-79051

  

 

التحليل


إيران في المرمى الأميركي والهدف

إخضاع الصين بحرمانها من مصادر الطاقة

          شهدت واشنطن في الأيام القليلة الماضية سلسلة اجراءات وتدابير متزامنة أولويتها قرع طبول الحرب ضد إيران، بدءاً بإعلان حالة الاستنفار القصوى في الاسطول الخامس المرابط في البحرين، مقروناً بإعلان مستشار الأمن القومي جون بولتون عن توجه حاملة الطائرات، آبراهام لينكولن، وأربع قاذفات استراتيجية من طراز ب-52 إلى الخليج العربي؛ وإلغاء وزير الخارجية مايك بومبيو لاجتماع مقرر مع المستشارة الألمانية انغيلا ميركل متوجاً للعراق على عجل.

          وما لبثت القيادة العسكرية الأميركية أن أعلنت تصريحات مغايرة لفريق الحرب في واشنطن (بولتون، وبومبيو، نائب الرئيس مايك بينس) يلمس منها تراجعاً عن خطابات التهديد والوعيد لإيران.

قائد القوات البحرية الأميركية في الشرق الأوسط، جيم مالوي، والذي يتبع تراتبياً للقيادة الوسطى، صرح لوكالة “رويترز” للأنباء أنه سيعطي الأمر لحاملة الطائرات، “آبراهام لينكولن” والمجموعة الهجومية المرافقة لها، بعبور مضيق هرمز إذا احتاج الأمر؛ قاطعاً الجدل بسردية إغلاق المضيق التي تتبناها واشنطن الرسمية.

كما صرّح المبعوث الأميركي الخاص لإيران، برايان هوك، موضحاً بأن “ارسال حاملة الطائرات لمياه الخليج ليس رسالة سياسية، بل دفاعاً عن النفس” في ضوء ورود أنباء عن تهديدات للقوات الأميركية.

المفتش الدولي الأسبق لدى العراق، سكوت ريتر، أكد بأن ارسال حاملة الطائرات المذكورة للخليج “كان إجراءً روتينياً،” وهو ضابط الاستخبارات السابق في سلاح مشاة البحرية، المارينز، الأميركي. الثابت أن الحاملة والقطع المرافقة لها تحركت الشهر الماضي للمشاركة في مناورات بحرية في مياه البحر المتوسط، انطلاقاً من قاعدتها في نورفولك بولاية فرجينيا.

القيادة المركزية للقوات الأميركية أدرجت حاملة الطائرات المذكورة على رأس مهامها القتالية لتتبع ومراقبة “تزايد الوجود البحري الروسي” في مياه المتوسط؛ وطائرات التجسس الالكتروني المرافقة لها كلفت بمراقبة “حجم الغارات الجوية لروسيا في مناطق إدلب وحلب وحماه .. والإبقاء على الجهوزية العسكرية أن تطلبت الظروف تعزيز التواجد العسكري الأميركي شرقي البحر المتوسط؛” من ضمنها شن غارات بصواريخ كروز على سوريا في حال صدور قرار رئاسي بذلك.

تحريك الحاملة والقطع المرافقة لها بالقرب من مياه الخليج اسفر عن إلغاء البنتاغون جملة مناورات مشتركة لحلف الناتو في البحر المتوسط، بل تغيير المهمة من مراقبة العمليات الروسية في سوريا إلى منطقة الخليج ينم عن أمر بالغ الخطورة في مجمل الاستراتيجية الأميركية اقتضى تلك التغييرات الجوهرية، لا سيما وأن القرار بذلكبضلك صدر عن مصدر غير عسكري، جون بولتون، ولم تؤكده البنتاغون إلا بعد مضي 24 ساعة.

ريتر وفي مقال له نشرته أسبوعية ذي أميركان كونسيرفاتيف، 10 أيار الجاري، فنّد ادعاءات كل من بولتون ووزير الخارجية مايك بومبيو، لا سيما وأن الأخير استدعي على عجل لاجتماع رفيع المستوى لمجلس الأمن القومي بطلب من قيادة الأركان المشتركة.

أثارت تصريحات بولتون النارية، لا سيما إعلانه عن حاملة الطائرات بدلاً من البنتاغون، ردود فعل قاسية بين السياسيين والمراقبين على السواء عبرت عن قلقها من قيادته الولايات المتحدة نحو حرب (مع إيران) هي غير مستعدة لها “استناداً إلى معلومات استخباراتية مصطنعة،” قيل لاحقاً أن مصدرها “إسرائيل.”

ريتر، من جانبه وما يمثله من امتداد ونفوذ داخل المؤسسة الاستخباراتية، أوضح أن الثنائي بولتون – بومبيو “ينفذان سياسة أملتها الاستخبارات الإسرائيلية ومررتها لبولتون في اجتماع بالبيت الأبيض يوم 16 نيسان/ابريل 2019.” أما طبيعة المعلومات، بحسب ريتر، فكانت عبارة عن “تحليل أجرته الموساد يتضمن جملة من السيناريوهات (الافتراضية) التي قد تخطط لها إيران.”

وبحكم موقعه وخبرته الاستخباراتية، انتقد ريتر بشدة شبكة (سي أن أن) الإخبارية لترويجها نبأً عسكرياً لم تتثبت من صحته حول “تحريك إيران بطاريات صواريخ باليستية قصيرة المدى على متن زوارق لمياه الخليج.” وقال أن الخبر الذي انتشر كالنار في هشيم واشنطن “سخيف ومنافي للمنطق .. لسنا على يقين بأن لدى إيران القدرة على إطلاق صواريخ (باليستية) من على متن زوارق حربية؛ كما أن ترسانتها الصاروخية هي متحركة على الأغلب؛ واعتراضها عبر غارات جوية شبه مستحيل” في العلم العسكري.

بعض الخبراء العسكريين استهزؤا بتعليل بولتون لإرسال حاملة الطائرات، آبراهام لينكولن، لمياه الخليج بقوله انها رسالة سياسية لإيران بأن “.. أي هجوم على مصالح الولايات المتحدة أو تلك العائدة لحلفائنا سيواجه بقوة لا تلين.”

مضى الخبراء بالقول أن مياه الخليج العربي ضيقة وتحد من مدى مناورة التحرك التي تحتاجه الحاملة، مما يجعلها هدفاً سهلاً للهجمات نظراً لحجمها الهائل. ويعتقد اولئك أن تحويل مهمة الحاملة والقطع المرافقة من مياه المتوسط لمياه الخليج، وفق تصريحات بولتون، يعزز فرضية عكس ما يهدد به فريق الحرب؛ أي أن الولايات المتحدة لا تنوي مهاجمة إيران.

إذن، الهدف الأقرب للتصديق من تلك التحركات والمناورات وتصعيد الخطاب السياسي، وفق منطق الخبراء، يكمن في استفزاز ايران واستدراجها لاشتباك ولو محدود، إما ضد القوات الأميركية أو أهداف أخرى في السعودية، وتحقيق جاذبية الإغراء الذي أعده الثلاثي: بولتون وبومبيو وبينس بضرورة الرد على الهجوم الافتراضي. بل، “من المرجح افتعال التقاط إشارة خاطئة بهجوم على الحاملة” لينتشي فريق الحرب المذكور “.. كما جرى في حادثة الهجوم على السفينة ليبرتي” في حرب حزيران 1967.

توقيت التهديدات الأميركية لم يكن صدفة أو عفوياً، خاصة بعد هزيمة مشروعها لإخضاع فنزويلا والسيطرة على ثرواتها النفطية والمعدنية، وعودة كوريا الشمالية لتجاربها الصاروخية متحدية المؤسسة الحاكمة في واشنطن.

فإيران وفنزويلا لديهما مخزوناً هائلاً من النفط ولا تزالان خارج النفوذ الأميركي. كما أن ايران وقطر تتشاطآن في ثروة ضخمة من الغاز الطبيعي، مما يسيل لعاب صناع القرار الأميركي ومصالح شركاته المعولمة.

في هذا السياق، تعثرت مساعي واشنطن لفرض رؤيتها الاقتصادية على الصين ملوحة بفرض عقوبات عليها عبر رفع التعرفة الجمركية على منتجاتها.

عند الأخذ بعين الاعتبار الدور المركزي للصين في الاقتصاد العالمي، لا سيما عدم امتثالها للعقوبات الأميركية المفروضة على كل من إيران وفنزويلا، وتصميم واشنطن على محاصرتها في قطاع الطاقة تحديداً تتبلور صورة مختلفة عن السرديات الرسمية الساعية لاسترضاء عطف الدول التي تتحكم واشنطن باقتصادياتها، اوروبا الغربية واليابان بشل خاص.

إن لم تستطع واشنطن تحقيق هدفها بالسيطرة على الثروة النفطية في إيران، وهو المرجح، فإنها ستفقد أحد أهم ركائز استراتيجيتها لتطويع الصين عبر التحكم بمصادر الطاقة المختلفة؛ وستدفعها لتكرار المحاولة ربما باستحداث اساليب مختلفة استناداً إلى رفض صناع القرار السياسي القبول بالتغيرات الدولية التي أفرزت منافسين اقوياء للولايات المتحدة، بل هم يتحدونها بسياسات ومواجهات أشد من مناخ الحرب الباردة بين القطبين العظميين؛ وهي منشغلة في الإعداد لانسحابها من أفغانستان بشكل منفرد وعبر ترتيبات وتفاهمات مع روسيا للانسحاب من سوريا.

أما “المعلومات الاستخباراتية” التي تتلطى وراءها واشنطن الرسمية لتبرير تصعيدها حدة التوتر في المنطقة ثبت أنها مفتعلة ولا تستند إلى حقائق ملموسة. سكوت ريتر كان أكثر الخبراء وضوحاً بقوله إن “.. اسرائيل ومن خلف الستار تزود المعلومات الاستخباراتية والتحريض مما يحيل تصرفات بولتون إلى قدر أعلى من المساءلة. وتدل على أن جون بولتون وليس إيران هو ما يمثل الخطر الأكبر على الأمن القومي الأميركي اليوم.”

2019-03-05 التقرير الأسبوعي

بعد انهيار انقلابها في فنزويلا
هل ستلجأ واشنطن لخيار تجنيد المرتزقة

تبخرت آمال ورهانات واشنطن المعقودة على تنفيذ انقلاب عسكري آخر في فنزويلا، بعدما سخّرت لتنفيذه موارد وامكانيات إضافية هائلة لاعتقادها أنها استلهمت دروس الفشل السابقة للإطاحة بالرئيس نيقولاس مادورو وتسليم “عميلها” خوان غوايدو مهام الرئاسة الصورية.

يقظة الشعب في فنزويلا وقواه الحية في الحزب الشتراكي الحاكم الحقا هزيمة منكرة بالمحاولة قبل أن تبدأ؛ وتسارعت الاتهامات في الجانب المعتدي بتحميل غوايدو مسؤولية “تقديم” الموعد المقرر و “عدم انشقاق الرتب العسكرية الكبيرة” في الجيش الوطني التي راهن عليها، وفرار “بعض قادة المعارضة” بحجة لجوء سياسي لسفارات دول أخرى.

من مفارقات الزمن، تصدّر الممثل الأميركي الخاص لفنزويلا، إيليوت آبرامز، مهمة استدراج وتحريض “أنصار الرئيس هوغو شافيز” على الانضمام لجهود واشنطن لنزع الشرعية عن الرئيس مادورو.

وقال في ندوة استضافها معهد أتلانتيك كاونسيل، 25 نيسان الماضي، أن بلاده لا “.. تحبذ اقصاء الحزب الاشتراكي الفنزو يلي الموحد (حزب شافيز) عن المشاركة في مسار الديموقراطية المقبل .. وله الحق في لعب دور لإعادة بناء بلاده؛” مستدركاً أن واشنطن “تعايشت” مع قادة يساريين وصلوا للحكم عبر صناديق الاقتراع في السلفادور، وبإمكانها استيعاب الحزب الاشتراكي في السلطة مرة أخرى.

وزعم آبرامز أن اختيار مادورو كرئيس للحزب كان “بدعم مجموعة صغيرة من الأفراد الوصوليين؛ وماضون في العيش الرغيد أسوة بأصحاب المليارات.”


خيارات بارزة

الإقرار الأميركي بفشل جولة الانقلاب الأخيرة أعاد وتيرة الاهتمام إلى بعث صيغة قديمة متجددة لتجنيد مرتزقة من خارج الجنسية الأميركية والإعداد لمحاولة أخرى.

على رأس سلم تلك “الخيارات،” استنهضت المؤسسة الحاكمة خطة “خصخصة” الجهد الحربي الأميركي بتسليم المهمة “للقطاع الخاص،” الذي ستوكل إليه مهمة تجنيد وتدريب مرتزقة لمهام محدودة.

في هذا الشأن، أعيد إلى الواجهة مشروع شركة “بلاكووتر،” برئاسة الملياردير أريك برينس، الذي هزمته المقاومة العراقية بعد احتلال بلاده للعراق وارتكاب مرتزقته مجزرة ساحة النسور عام   2007 التي ذهب ضحيتها 18مدنياً عراقياً؛ واستمر في العمل تحت اسم جديد “أكاديمي” إذ كانت اليمن ساحة لمقتل مرتزقته المجندين من عناصر عسكرية تم تسريحها من بعض دول أميركا اللاتينية، وعمل كذلك في افغانستان، ومن ثم استحدث هوية أخرى لأعمال القتل والتدخل العسكري تحت واجهة تجارية “مجموعة خدمات الحدود Frontier Services Group” سجلها في هونغ كونغ.

في العراق، شوهد عناصر شركة المرتزقة الجديدة تعمل بحرية تامة في مدينة البصرة.

برينس، من جانبه، عرض على الإدارة الأميركية تسلم المهام القتالية في سوريا خلال اشتداد الجدل الداخلي بعد تصريحات الرئيس ترامب معلناً نيته الانسحاب التام منها قبل تدخل أركان المؤسسة الاستخباراتية والعسكرية الأميركية للإبقاء على تواجد عسكري مباشر هناك.

أجمعت وسائل الإعلام الأميركية في تقارير حديثة على أن السيد برينس، المؤيد بشدة للرئيس ترامب، جدد عرضه السابق للإدارة لإبرام عقد مع مؤسسته لتجنيد قوات مرتزقة للقتال في فنزويلا، قوامها من 4،000 إلى 5،000 عنصر “يتحدثون اللغة الاسبانية” بكلفة أولية نحو 40 مليون دولار.

أسبوعية نيوزويك، 30 نيسان الماضي، أوضحت أن مرتزقة برينس سيتم تجنيدهم من “البيرو، الاكوادور، وكولومبيا” وجنسيات أخرى ناطقة بالإسبانية.

وأردفت المجلة أن “برينس” عقد سلسلة اجتماعات مع مسؤولين أميركيين وقادة في المعارضة الفنزويلية “منتصف شهر نيسان” الماضي لبحث تنفيذ مخططه للإطاحة بالحكومة الشرعية في كاراكاس.

تقارير إعلامية أخرى أشارت أن جيش برينس “سيوضع تحت تصرف خوان غوايدو .. من أولى مهامه شن عمليات استخباراتية” في فنزويلا؛ وشرع برينس بحملة تبرعات مالية لتمويل العناصر المرتزقة من “مؤيدي الرئيس ترامب وأثرياء فنزويليين خارج البلاد.”

علل “برينس” مشروع تدخله في فنزويلا، مطلع الشهر الجاري لوكالة “رويترز” للأنباء، قائلاً أن قوات “الجيش الخاص ستسهم في إحداث تغيير في البلاد عبر دورها المساعد لبلورة وضع ديناميكي من شأنه وضع حد لحالة الجمود الراهنة ..”


أميركا لا تعاقب مجرميها

رموز الإدارة الأميركية الرئيسة وصناع قرارها السياسي أضحت ممثلة بالثلاثي: مستشار الأمن القومي جون بولتون؛ وزير الخارجية مايك بومبيو؛ والمبعوث الرئاسي لفنزويلا إليوت آبرامز، ورابعهم نائب الرئيس مايك بينس.

حافظ ذاك القطب على تعويم سردية إسقاط النظام البوليفاري بالقوة العسكرية والحصار الإقتصادي، مسخراً أبرز الوسائل الإعلامية وأشدها تأثيراً في الحرب النفسية ضد فنزويلا ومؤيديها، أضطرت نيويورك تايمز ونظيرتها الأخرى واشنطن بوست للتخلي عن تبجح ادعاءات الثلاثي المفرطة بالتفاؤل وحملته مسؤولية “ترويج معلومات خاطئة” عن حقيقة الأوضاع الداخلية في فنزويلا وتماسك هيئات ومؤسسات الحكم هناك.

يومية واشنطن بوست خرجت عن المألوف لديها بعنوان حاسم “انهيار خطة المعارضة والبحث عن الخطوة المقبلة” في إشارة صريحة لفشل الرهان على غوايدو وإمكانية التمهيد لاستبداله. نيويورك تايمز من جانبها حملت جون بولتون ومايك بومبيو مسؤولية “الادعاءات المفتعلة،” أي المفبركة، بشنهما حرب نفسية صرح بها الأخير بأن الرئيس نيقولاس مادورو يهم بمغادرة البلاد بالطائرة متوجهاً لكوبا “منفاه الاختياري .. بوساطة روسية،” سرعان ما فندته الخارجية الروسية على لسان الناطق الرسمي، ماريا زاخاروفا، ووصفته بالتضليل أسوة بمزاعم واشنطن السابقة بحق الرئيس الأسد.

أمام الفشل السياسي في قمة الهرم القيادي الأميركي، ينبغي الإشارة إلى عدم رضى القيادات العسكرية الأميركية عن توريط البلاد في حرب جديدة.

استضافت البنتاغون يوم الجمعة، 3 أيار الجاري، لقاءً رفيع المستوى (في الغرفة المحصنة) لتقييم مغامرة الثلاثي الفاشلة، حضره: جون بولتون، مايك بومبيو، وزير الدفاع بالوكالة باتريك شاناهان، رئيس هيئة الأركان المشتركة جوزيف دانفورد، قائد القيادة الجنوبية كريغ فوللر، مدير الاستخبارات الوطنية دان كوتس، رئيس موظفي البيت الأبيض بالوكالة مايك مولفيني، ومندوبينِ إثنين عن وكالة الاستخبارات المركزية؛ وفق ما صرح به وزير الدفاع بالوكالة لاحقاً دون الولوج في التفاصيل.

من أبرز مواقف المؤسسة العسكرية شهادة رئيس هيئة الأركان المشتركة، دانفورد، أمام لجنة الموازنة في مجلس النواب، الأول من أيار الجاري، يدحض فيها ادعاءات “جون بولتون ومايك بومبيو” مؤكداً ان الخيارات الراهنة هي في العمل “السياسي والديبلوماسي. قائد القيادة الجنوبية، فوللر، أوضح للجنة القوات المسلحة في مجلس النواب ان توجه القيادة العسكرية بوضوح هو العمل على “بناء جملة من الشراكات الإقليمية .. هذا ما ينبغي العمل من أجله، أي التحول الديموقراطي” للسلطة، مؤكداً على فشل الرهان بالعمل العسكري الإقليمي “باستثناء كولومبيا” عبر الميليشيات العاملة هناك.

يشار أيضاً للاجتماع الطاريء والعاصف الذي عقد في البيت البيض، بعد فشل رهان القطب الثلاثي، أعرب فيه نائب رئيس هيئة الأركان، بول سيلفا، عن قناعة المؤسسة العسكرية بصعوبة الحصول على قرار من الرئيس ترامب لعمل عسكري في فنزويلا قد تتخذ زمناً طويلاً، عشية الإعداد للانتخابات الرئاسية المقبلة، حسبما أفادت يومية واشنطن بوست.

باتت سياسة “قلب نظم الحكم” المناوئة وغير المهادنة لسياسات هيمنة واشنطن عناوين ولازمة في االاستراتيجية والتوجهات الأميركية منذ بداية مرحلة توسع امبراطوريتها في العالم، دشنتها بـ “مبدأ مونرو،” الرئيس الأسبق، 1832، لحصر سيطرة واشنطن على قارة أميركا الجنوبية وإقصاء أي من القوى الاستعمارية التقليدية آنذاك، ووسعت رقعة انتشارها العسكري لتصل نحو “800 قاعدة عسكرية” خارج حدود البلاد موزعة على “166 دولة أجنبية؛” تقدر كلفتها السنوية الإجمالية بما ينوف عن “50 مليار دولار، وفق بيانات البنتاغون لعام 2018.

الاحصائيات والبيانات الرسمية المتعددة لم تأخذ بالحسبان محطات أو منشآت عسكرية “مؤقتة،” كقاعدة “التنف” جنوبي سوريا، وأخرى قيد الانشاء في مناطق إقامة الكرد. تشير بيانات البنتاغون، لقيادة القارة الإفريقية العسكرية، آفريكوم، على سبيل المثال إلى “34 قاعدة حديثة في شمال وشرق وقرن القارة الإفريقية؛ ليس من بينها القاعدة في جيبوتي التي توسعت مساحتها من 88 فدان لنحو 600 فدان” مطلع الألفية.

بيد أن التغيرات الدولية التي تدركها جيداً المؤسسة العسكرية تشكل عاملاً كابحاً للمغامرات العسكرية المكشوفة، ولو لبعض الوقت، دون أن يعني ذلك الإقلاع عن الخيار العسكري برمته في أي من الساحات الدولية، بما فيها فنزويلا وربما إيران.

البنتاغون من جانبها تركت باب التكهنات مفتوحاً رافضة التأكيد على نشرها قطع بحرية متعددة بالقرب من شواطيء فنزويلا؛ مكتفية بتعليقات السياسيين بأن روسيا لديها وجود عسكري هناك؛ وبأنها استخدمت حق النقض في مجلس الأمن وشاركتها الصين بعدم إضفاء شرعية دولية على توجهات واشنطن العسكرية.

في تطور ملفت ونادر في الهرم العسكري، اصدرت قيادة القوات الجنوبية بياناً رسمياً، 3 ايار الجاري، عقب انفضاض اللقاء رفيع المستوى، سالف الذكر، تصدرته جملة ينبغي التوقف عندها بأن “نزولاً عند طلب وزير الدفاع بالوكالة، باتريك شاناهان، سيبقى قائد القوات الجنوبية في واشنطن للمساهمة في تقديم أحدث التقييمات حول الأوضاع في فنزويلا وما آلت إليه الخطط والخيارات العسكرية” المتاحة.

ربما يكمن الهدف الحقيقي في ديمومة “الحرب النفسية” ضد فنزويلا، لكن البيان لا يؤشر على نية حقيقية لشن عدوان عسكري أميركي في المدى المنظور. ما يعزز تلك الخلاصة هو تصريح أدلى به “مسؤولينِ اثنين” لنشرة بوليتيكو، مساء الثالث من أيار، بالقول أن “الاستراتيجية الأميركية (ليست إلا) قعقعة سلاح في وجه رئيس محاصر أكثر من إيذانا بعملية عسكرية أميركية في فنزويلا.”

وأضافت نقلاً عن مصادرها في الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، عقب أعلان الرئيس ترامب عن مكالمته الهاتفية مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وبحث جملة قضايا من بينها سوريا وفنزويلا، وتفاديه توجيه أي اتهام لروسيا كا درج كبار مساعديه على ترويجه، قائلة إن “تصاعد التصريحات عن عمل عسكري أميركي من شبه المؤكد أنها جوفاء.”

2019-26-04 التقرير الأسبوعي

المقدمة       

          تراجع الاهتمام الأميركي، الشعبي والرسمي، بتفاصيل تقرير المحقق الخاص روبرت موللر، واحتلت الانتخابات الرئاسية المقبلة المكانة الأبرز لا سيما بعد إعلان نائب الرئيس السابق، جو بايدن، عن ترشحه للانتخابات الرئاسية، ليصبح المرشح الحادي والعشرين عن الحزب الديموقراطي.

          سيستعرض قسم التحليل آفاق العلاقات الروسية – الأميركية على ضوء نتائج تقرير موللر وابتهاج الرئيس ترامب بأن التحقيقات لم تثبت تورطه مع روسيا أو الرئيس بوتين.

 

ملخص دراسات واصدارات مراكز الابحاث
الترسانة النووية الأميركية

          زعم المجلس الأميركي للسياسة الخارجية أن الترسانة النووية لم تحظَ “بتمويل كافٍ” منذ نهاية حقبة الحرب الباردة والتي تفاعلت معها إدارة الرئيس اوباما “.. بخفض مخزونه من الأسلحة النووية وأهميتها في (صون) الأمن القومي للولايات المتحدة .. واتخاذ خطوات لتلافي انتشار الأسلحة النووية والإرهاب النووي؛ وفق الأولويات المتضمنة في (تقرير) مراجعة الوضعية النووية لعام 2010.” كما حمّل المجلس كل من وزارتي الطاقة والدفاع الأميركيتين “آفات عدم تنسيق الجهود بينهما، نظراً للمهام المنوطة بهما في حماية الرؤوس النووية ونظم نشرها، مما أسفر عن تردي الميزة العلمية والهندسية” للبلاد.

https://www.afpc.org/uploads/documents/Nuclear_Weapons_Modernization_Primer_-_March_2019_(web).pdf

حال القطاع الأمني الأميركي

          اعتبر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية خطأ تغيير السياسة الأميركية نحو حلفائها ومضاعفة أعبائهم الأمنية بفرضها مساهمات مالية أكبر تصرف على قطاع التسليح والأمن عوضا عن السياسات السابقة “بتقاسم الأعباء الأمنية، مما أسفر عن تحمل الحلفاء والشركاء التكفل لالجزء الأكبر لشؤون الدفاع.” وحث صناع القرار على مراعاة واشنطن لدورها السابق في بلورة “تدابير الاشراف والمحاسبة وتضمينها في برامج مساعدات القطاعات الأمنية؛ لضمان تحقيق كافة أهداف السياسة الأميركية.”

https://www.csis.org/analysis/shifting-burden-responsibly-oversight-and-accountability-us-security-sector-assistance

داعش

          حثت مؤسسة هاريتاج صناع القرار السياسي “بعدم الاسترخاء أمام تهديد داعش؛ الذي يعمل على الانتقام من هزيمته المنكرة، نفسياً وعسكرياً، في سوريا والعراق.” وأوضحت أن التنظيم يرتكز إلى إيمانه بأن “القوة تعادل الهيبة؛ واستعادته كرامته تستدعي ممارسته قتل الأبرياء وكلما كانت أعداد الضحايا أكبر كلما كان الأفضل.”

https://www.heritage.org/middle-east/commentary/us-must-never-be-complacent-about-isis-threat

اليمن

          اشادت مؤسسة هاريتاج بنقض الرئيس ترامب قرار الكونغرس “.. لوقف الدعم الأميركي” عن التحالف الذي تقوده السعودية في حربها على اليمن؛ مؤكدة أن الرئيس “استند في قراره على ارضية صلبة من الصلاحيات لتبرير سياساته قانونياً ودستورياً وسياسياً.” وشددت المؤسسة على “حكمة”القرار كونه يحمي المصالح الأميركية لا سيما وأن “الولايات المتحدة غير منخرطة في حرب اليمن أو تؤثر فيها.”

https://www.heritage.org/middle-east/commentary/trumps-veto-yemen-war-resolution-protects-us-security-interests

السعودية

          استعرض معهد واشنطن مسألة التوريث في السعودية  ومن بين الاحتمالات المطروحة “عدم تمكن محمد بن سلمان تسلم العرش .. مما يستدعي التحرك السريع من قبل واشنطن العمل مع ابن سلمان للحد من تداعيات تجاوزاته” على الاستقرار الداخلي. وأشار المعهد إلى تدهور الحالة العقلية للملك سلمان لا سيما في ظهوره الأخير في القمة العربية-الأوروبية في شرم الشيخ، شباط الماضي، وارتكابه “اخطاء محرجة” خلال كلمته المعدة، بل “أضاع تركيزه على النص المكتوب مما استدعى تدخل أحد أعوانه لإنقاذ الأمر.” واستدرك بالقول أن “تغييرات قد تطرأ على ظروف سلاسة التوريث، وينبغي الإعداد لتسلم شخصية قد تكون على عداء مع أبن سلمان لكنها ستحافظ على المصالح الأميركية.”

https://www.washingtoninstitute.org/uploads/Documents/pubs/PolicyNote63-Henderson.pdf

تركيا

          تناول معهد كارنيغي نتائج الانتخابات المحلية التركية التي اسفرت عن “خسارة صافية لحزب العدالة والتنمية الحاكم في المدن الرئيسة لصالح المعارضة مما يؤشر على عصر تغيير قادم ..” وشدد المعهد على أهمية خسارة الحزب الحاكم لمدينتي اسطانبول وانقرة، لا سيما وان الأولى شكلت “الحاضنة والداعم الأساس لتراث عائلة اردوغان السياسي منذ عام 1994،” مما يطرح جملة تساؤلات أبرزها، حسب المعهد، ما حل “من تراجع وخسارة لزعيم لا يقهر وحركته السياسية، كيف استطاع الاستمرار في تعزيز مفاصل السلطة لزمن طويل.”

https://carnegieeurope.eu/2019/04/03/turkish-democracy-is-winner-in-these-momentous-local-elections-pub-78765

     

التحليل

مستقبل علاقة أميركا وروسيا:
انفراج ام تنافس لمزيد من التوتر

رؤية الرئيس ترامب للعلاقات الاستراتيجية مع موسكو تعارضت مع توجهات المؤسسات الحاكمة منذ صعوده “السياسي،” وهو الآتي من قطاع العقارات والصفقات التجارية وتكديس الارباح، ولم يشاطر المؤسسة نظرتها “العدائية لروسيا والمكلفة مادياً” دون مردود ربحي، حسب أولوياته.

          باستطاعة ترامب، بعد صدور تقرير المحقق الخاص موللر وعدم إدانته بتهمة التواطؤ مع روسيا، الاستمرار في شن هجومه على خصومه الداخليين ولبس رداء العداء لروسيا دون القلق من اتهامه “بالنفاق أو صرف الأنظار،” اللهم باستثناء ما يضمره رؤساء لجان الحزب الديموقراطي في مجلس النواب لمواصلة محاصرته قانونياً علّها تسعف الحزب في ترجيح كفة الانتخابات نحو مرشحيه وطموحه في الإطاحة وهزيمة الرئيس ترامب.

          العلاقات الأميركية الروسية من العناوين الثابتة والبارزة في الجدل الداخلي الأميركي، لكنها “مستعصية على الحل،” وفق توصيف معهد هدسون اليميني، في معظم الحقبات الزمنية، وتحتل مرتبة الأولوية في جدول أعمال الطرفين.

          هاجس روسيا في أميركا مستمر منذ قرن ونيف من الزمن “لكن دون تحقيق نجاحات كبيرة،” كما يمضي المعهد، باستثناء سقوط الاتحاد السوفياتي ونهوض روسيا القومية مجدداً في مواجهة الولايات المتحدة؛ بينما “لا تشبه اوروبا الغربية اليوم سابقتها الواثقة من مستقبلها بعد انهيار جدار برلين.”.

المشهد الداخلي الأميركي، فيما يخص روسيا تحديداً، وامتداداّ للقوى الدولية الصاعدة الأخرى كالصين، يتسم بفرضية ثابتة بأن مستقبل المؤسسة الحاكمة رهن استمرار عدائها لتلك القوى وتحديث مناخات الحرب الباردة؛ ويرجّح استحداث عقوبات اقتصادية ومالية ضد روسيا في المديين الراهن والمتوسط، لا سيما عند الأخذ بعين الاعتبار “سلاح النفط،” من انتاج وتسعير وتسويق، الحاضر دوما في جعبة السياسة الأميركية، أقلها لمحاصرة المنتجات النفطية والغازية الروسية على المستوى العالمي؛ وكذلك الأمر مع ايران وفنزويلا.

          استناداً إلى التصريحات والمواقف الأخيرة لإدارة ترامب، فيما يخص تدفق النفط على السوق العالمية، واتكاله على كل من “السعودية والإمارات .. لتعويض حصتي إيران وفنزويلا،” يمكننا القول أن أحد الأهداف المرئية في هذا الشأن هو تذليل ما استطاع من عقبات لاستبدال منظمة “الاوبك” العالمية بأخرى أميركية للتحكم المباشر بتلك السلعة الحيوية؛ ومحاصرة روسيا من خلال تلك الوسيلة.

ما يعزز ذاك التوجه لدى الإدارة هو تصدر الولايات المتحدة المرتبة الأولى عالميا في انتاج النفط، وتسخير تلك الميزة لبسط سيطرتها الكاملة على الدول الأخرى، منتجين ومستهلكين؛ وترجمة حقيقية للشعور القومي الشوفيني الذي يمثله ترامب “لنعيد عظمة أميركا.”

علاوة على ذلك، يمكننا القول استناداً إلى رصد ردود الأفعال داخل أوساط اليمين الأميركي المتطرف، ووسيلته الإعلامية الأبرز، فوكس نيوز، أن موجة العداء لروسيا اتشحت برداءة إضافية بعد صدور تقرير المحقق الخاص موللر، قائلة أن “الصراع السياسي الداخلي” حول العداء لروسيا سيستمر في المدى المنظور، مؤكدة أن وسائل الإعلام الرئيسة الأخرى “تغذي مشاعر الهلع والقلق لدى الرأي العام بغية تعزيز العداء لروسيا لديه” (25 آذار/مارس الماضي).

من بين السيناريورهات “الايجابية” المتاحة لدى المؤسسة الأميركية الحاكمة، فيما يخص مستقبل العلاقات الروسية الأميركية، نرصد التالي، دون ترتيب معين:

إعادة الدفء لعقد قمة روسية أميركية قريباً، كما درجت العادة بين الدولتين العظميين منذ وبعد نهاية الحرب الباردة، على ضوء تقرير موللر، ربما العام المقبل قبل موسم اشتداد التنافس الانتخابي؛ وإعادة الأولوية لمناقشة لأسلحة النووية عند الطرفين ورغبتهما معاً في ضم الصين لاتفاقية شبيهة بالسابقة للحد من انتشار الأسلحة النووية عالمياً. بيد أن الرغبة الأميركية قد لا تقابلها حماسة روسية نظراً لطبيعة العلاقة المتينة التي تربطها بالصين وعزمهما مواجهة النفوذ الأميركي. أما الصيين، في هذا الشأن، فهي ليست على عجلة من أمرها وتمضي باستغلال موقعها المتحلل من القيود النووية الدولية في تطوير ترسانتها.

ثانياً، مستقبل العلاقة يعتمد أيضاً على المكتسبات والانجازات الصينية، كما أسلفنا، خاصة بعد فشل مراهنة واشنطن على لعب ورقة “الصراع الصيني الروسي” مرة أخرى، بل استمرار تقاربهما اقتصادياً وعسكرياً، والفرص الهائلة أمام الدولتين التي ستنجم عن استكمال الصين بناء “طريق الحرير” الجديد، الذي سيشكل ما لا يقل عن 30% من الانتاج السنوي العالمي يستفيد منه مباشرة نحو 40% من سكان العالم قاطبة؛ والأهم أنه يضم اوروبا ويستثني الولايات المتحدة.

ثالثاً، ليس مستبعدا بنظر بعض المراقبين أن يفاجئ الرئيس ترامب الجميع بترجمة  بعض تصريحاته السابقة حول علاقة مستقبلية مع سوريا والرئيس الأسد في المدى المنظور، وفق معطيات فرضها الميدان بانتصار سوريا على المؤامرة متعددة الجنسيات، مما يعتبر نصراً صافياً في خانة روسيا التي حافظت على سرديتها “بدعم حكومة علمانية مستقرة، والحفاظ على وحدة وسيادة الدولة على أراضيها.”ويعتقد بعض خبراء مراكز الدراسات في واشنطن أن الطرفان في هذه الجزئية يتشاطران في “تحجيم” النفوذ الإيراني في سوريا، وإن بدرجات متفاوتة. بيد أن سيل العقوبات الأميركية على كل من روسيا وايران حفز موسكو وطهران على التقارب أكثر من ذي قبل في مواجهة العنجهية الأميركية.

رابعاً، توثيق العلاقة بين كوريا الشمالية وروسيا، عبر القمة الرئاسية الأخيرة، ضاعف المأزق الأميركي دون المساس بالصين الحليف الطبيعي لكوريا الشمالية؛ وقد يشكل حافزاً للرئيس ترامب توسيط الرئيس بوتين في الشأن الكوري الشمالي مقابل تنازلات معينة.

ما تقدم لا يشكل ارضية كافية لعودة دفء العلاقات بين العظميين، لاسيما في عصر تصدر اليمين الأميركي المتطرف للمشهد والقرار السياسي. بل ستمر العلاقات في ثنائية المد والجزر بينهماالاصطدام المباشر في أي من الساحات الدولية.

السياسة “الواقعية الأميركية محاصرة وتعاني من شح فرصها،” وفق توصيف معهد هدسون سالف الذكر، وتجمع النخب السياسية والفكرية الأميركية على استمرارية الوضع الراهن بكل ما يتضمنه من معاني وفرص وأزمات. فعلاقة العظميين  “لم ولن تكون على ما يرام، لكنها ليست بمقدار السوء المتخيل، وشائكة دوماً.”

 

2019-12-04 التقرير الأسبوعي

المقدمة       

          تنفس الرئيس ترامب الصعداء عقب تسليم المحقق الخاص لتقريره لوزير العدل، متعبراً عدم اثبات تهمة التواطؤ مع روسيا تبرئة له. بيد أن الجدل السياسي بين الفريقين يتصاعد بقوة ليدخل موسم الانتخابا الرئاسية المقبلة.

          سيستعرض قسم التحليل القرار الأميركي تصنيف الحرس الثوري الإيراني “تنظيماً ارهابياً،” وما ينطوي عليه من مفاقمة الأزمات الإقليمية وربما الدولية.

 

ملخص دراسات واصدارات مراكز الابحاث
تداعيات الانسحاب الأميركي مع روسيا

حلف الناتو

          تصدت مؤسسة هاريتاج، أحدى أبرز ركائز اليمين الأميركي ومعقل المحافظين الجدد، للعزف على ضرورة بقاء حلف الناتو “لحاجة أميركية” صرف، وكذلك روسيا أذ “استغل الزعيم الروسي وجود الحلف لتبرير عدائه للغرب .. وهو أمر سخيف.” وشددت المؤسسة على أن الحلف “لا يشكل أي خطر بالعدوان، وكان دوماً تحالف دفاعي الطابع .. ولا يضمر اي مخططات ضد روسيا السوفياتية وحلفائها.” وأردفت أنه بعد انهيار الاتحاد السوفياتي “تعايش حلف الناتو وروسيا الجديدة بسلام جنباً إلى جنب لعدة سنوات، لحين تبني (الرئيس) بوتين تلك الفريّة لاعتقاده أن انضمام اعضاء جدد للحلف أضحى الناتو في وضع يستطيع بموجبه التعدي على روسيا وتهديد أمنها.”

https://www.heritage.org/europe/commentary/america-needs-bigger-nato-stymie-russias-ambitions

          بالمقابل، اعتبر معهد كاتو أن حلف الناتو استنفذ دوره التاريخي إذ تم انشاؤه في ظل مناخ الحرب الباردة “.. وأسهم في تعافي دول اوروبا الغربية من ويلات الحرب العالمية الثانية.” واستشهد المعهد بتصريح شهير لوزير الخارجية الأميركية الأسبق، دين آتشيسون، محذراً أن دوره لمساعدة الاقتصاد الاوروبي “لن يدوم إلى الأبد .. مؤكداً للكونغرس أن (اميركا) لن تحتاج لإرسال قوات عسكرية أميركية هناك بشكل شبه دائم.” بل إن الرئيس الأميركي الأسبق واقائد الأول لقوات الحلف “حذر من عسكرة قوات أميركية في الدول الاوروبية .. التي من شأنها تثبيط التطور الطبيعي الضروري لنمو قوات عسكرية خاصة بدول اوروبا الغربية.” وخلص المعهد بالقول أن واشنطن حرصت على مطالبة الدول الاوروبية زيادة حصصها للانفاق العسكري على الحلف لكن الأخيرة “وافقت وكانت مساهمتها أدنى” من المتطلبات الأميركية، مما يحث “الجيل الجديد من القادة الاوروبيين على الاعتقاد بأنه مهما فعلوا (لتعزيز الحلف) فإن واشنطن ستدافع عن اوروبا” في نهاية المطاف.

https://www.cato.org/publications/commentary/outdated-alliance

السياسة الأميركية في الإقليم

        سعى مركز الدراسات الاستراتيجية والأميركية لإعادة تثقيف الساسة الأميركيون حول مفهوم “الشرق الأوسط وشمال إفريقيا،” كمنطقة حيوية للمصالح الأميركية “تضم 18 دولة، تمتد من الدار البيضاء بالمغرب إلى مشهد في إيران وشمالاً من حلب السورية إلى عدن جنوبي اليمن؛ ويبلغ سكانها نحو 424 مليوناً، وهي متعددة العرقيات والإثنيات واللغات والقبائل ..” وأردف أنه على الرغم من أن الغالبية العظمى تعتبر نفسها “عربية إلا ان ذلك لا ينفي وجود توترات داخلية جدية، فضلاً عن الانقسامات بينهم وجيرانهم والتي لا ينبغي أن تفرض قيوداً جدية على إنشاء شراكات استراتيجية بين تلك الدول.”

https://www.csis.org/analysis/shaping-effective-strategic-partnerships-mena-region

سوريا

          استعرض المجلس الأميركي للسياسة الخارجية التواجد الروسي والإيراني في سوريا “استناداً لاتفاق أبرم بين الطرفين عام 2015 .. بيد أن دخول روسيا شكل بداية لتوجه ايراني معقد في سوريا – رمى لاستغلال المنافع الناجمة عن التواجد الروسي وفي الوقت عينه الالتفاف على القيود المحتمل فرضها على اجندة ايران التوسعية.”

https://www.afpc.org/uploads/documents/Iran_Strategy_Brief_No_12.pdf

          اعترف مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بالانتصار الذي حققه الرئيس السوري، وإن على مضض. موضحاً أن الرئيس الأسد “يسيطر على كافة المراكز السكانية الرئيسة في البلاد، بينما تبعثر خصومه، واعداءه الدوليين لا ينازعون  حكمه بعد الآن .. بخلاف ما كان عليه الأمر قبل التدخل الروسي العسكري.” وأوضح أن المعركة المقبلة “لتأمين الشمال الشرقي من البلاد حتمية، لكن ما يتبقى هو تعريف الشروط التي بموجبها سيلقي خصومه السلاح.” أما استراتيجية الدول الغربية، وفق المركز، فإنها “تراهن على أن حاجة الأسد لإعادة إعمار البلاد ستوفر لهم مدخلاً للتأثير على صياغة مرحلة السلام المقبلة،” محذراً أن تلك المراهنة “في غير محلها.” وعوضاً عنها، يطالب المركز الغرب “إعارة اهتمامه لتحشيد الحلفاء من الدول المجاورة لسوريا .. (الرئيس) الأسد يبدو أنه على استعداد لاجهاض مساعي اولئك كافة، وما ملايين اللاجئين السوريين سوى جزء من خطته.”

 https://www.csis.org/analysis/rubble-refugees-and-syrias-periphery

تركيا

          أقر معهد كارنيغي بهزيمة الرئيس اردوغان وحزبه في الانتخابات المحلية الأخيرة لصالح “المعارضة .. مما يبشر ببزوغ عصر للتغيير على الصعد المحلية.” واعتبر خسارة حزب العدالة والتنمية لمدينتي اسطنبول وأنقرة خسارة “فادحة نظراً لسيطرة ارث اردوغان السياسي والعائلي عليهما منذ عام 1994.” وأضاف أن السؤال المركزي الآن هو كيف “خسر زعيم لا يقهر وحركة سياسية ارضية دعمهما، لا سيما وانهما استطاعا توطيد القوة لفترة زمنية طويلة.”

https://carnegieeurope.eu/2019/04/03/turkish-democracy-is-winner-in-these-momentous-local-elections-pub-78765

ايران

          رحبت مؤسسة هاريتاج  بالقرار الأميركي تصنيف الحرس الثوري الإيراني ضمن “المجموعات الإرهابية .. فهو الدرع والرمح للثورة الإسلامية في ايران؛ وسيساعد الولايات المتحدة على تشديد العقوبات المفروضة ضدها.” وزعمت المؤسسة أن جهاز الحرس الثوري “منوط به مهاجمة اعداء ايران في الخارج، ودعم شبكات الارهاب الأجنبية الموالية، وسحق المعارضة السياسية” للنظام.

https://www.heritage.org/middle-east/commentary/sanctioning-revolutionary-guard-terrorist-group-will-hit-iran-hard-heres-why

          اعتبر معهد واشنطن ان القرار الأميركي لتصنيف الحرس الثوري “كان متداولاً من قبل، وتوقيته هو الأسوأ بالنسبة لإيران .. في ظل تصريحات المتشددين والمعتدلين في طهران بأنه سيسفر عن رد فعل قاسٍ” تجاه القوات والمصالح الأميركية في المنطقة. وأشار المعهد إلى ما أسماه “تخفيف حدة تصريحات” المسؤولين الإيرانيين، لا سيما قائد الحرس الثوري علي جعفري، مشيراً إلى أن رد بلاده على القرار الأميركي “سيكون متبادلاً .. أي متناسباً مع خطوة واشنطن؛” الأمر الذي يعزى إلى “الظروف الداخلية” الحالية في البلاد جسدها توجيهات المرشد الأعلى علي خامنئي الذي تطرق للحرب الاقتصادية الأميركية على بلاده مما يستدعي اتخاذ “تدابير مضادة ضرورية ذات طابع اقتصادي ونفسي وليس عسكري.” ورجح المعهد أن تلجأ ايران “لزيادة حدة مضايقاتها للقوات البحرية الأميركية في الخليج .. وقد تحتجز مزيداً من المواطنين الأجانب بتهمة التجسس كورقة مساومة مع الولايات المتحدة؛ واعتقال أفراد تربطهم صلات مباشرة أو غير مباشرة بالجيش الأميركي.”

https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/the-irgc-designation-couldnt-come-at-a-worse-time-for-iran

     

التحليل

واشنطن تدفع باتجاه التصعيد
إلى حافة الاشتباك مع ايران

 

          القرار الأميركي بتصنيف الحرس الثوري الإيراني ضمن المنظمات الإرهابية العالمية أثلج صدور أطراف ثلاثة معادية لإيران، واشنطن وتل ابيب والرياض؛ مقابل توجس وقلق عالمي من الإسهام بتصعيد حدة التوترات في الإقليم، دون استبعاد نشوب حرب بين طهران والرياض لتدمير البلدين “بتشجيع أميركي اسرائيلي،” على غرار حرب الخليج بين ايران والعراق.

          سياسة ترامب ومحافظيه الجدد ثابرت على اقصاء ايران من كافة المحافل الدولية وحفزت الدول الاوروبية  وبعض اللاتينيةعلى مقاطعتها ومحاصرتها، طمعاً في استدراجها لنقطة الصدام المباشر، أو على أقل تعديل تكبيل أيادي أي رئيس أميركي قادم وتضييق مجال المناورة لديه/ا.

          عداء المؤسسة الأميركية لإيران متجذر منذ سقوط الشاه، ووجدت أرضية خصبة لاستمرار وتجديد موجات العداء عقب أزمة الرهائن الأميركيين؛ بالحفاظ على سرديتها أن النظام السياسي هو نظام “الملالي المتخلف،” وتبتعد المؤسسة بوعي عن الإقرار بعوامل التفاعل الديناميكية في المجتمع الإيراني بأكمله.

          العامل المغيب لدى العديد من الساسة والمراقبين، عند استعراض السياسة الأميركية في عموم منطقة الوطن العربي والإقليم، هو “عدم استثنائها لعداوات دائمة؛ بل تعززها وتشيد حضارتها على أنقاض المنطقة ونهب خيراتها،” حسب وصف أحدهم من الأميركيين. ونزيد أن الولايات المتحدة تعتبر “سموّ رسالتها” هي في السيطرة التامة على المنطقة؛ بتجديد الأعداء وشن الحروب اللامتناهية.

          بالعودة لحيثيات قرار الرئيس الأميركي فإن إدراج الحرس الثوري جاء ثمرة وفي سياق سلسلة العقوبات المفروضة على ايران منذ الرئيس السابق اوباما في عام 2007، تجددت مرتين عام 2011، على خلفية برنامجها للصواريخ الباليستية، وعام 2012 بحجة انتهاكها لحقوق الإنسان. وزارة الخزانة الأميركية أدرجت الحرس الثوري على لائحة الإرهاب الدولية عام 2017 بحجة دعمه لفيلق القدس التابع له والذي كان مدرجاً على اللائحة منذ عام 2007.

          كثافة حجم الوجود العسكري الأميركي وامتداداً حلف الناتو، في مياه الخليج العربي، شكلت عاملاً رادعاً للرئيسين السابقين، جورج بوش الإبن وباراك اوباما، بعدم استدراج ايران للمواجهة، وأحجم كليهما عن إدراج الحرس الثوري كمجموعة ارهابية “رغم الضغوط التي خضعا لها بذاك الاتجاه،” خشية وقوع ضحايا أميركيين.

          تشبث الرئيس ترامب بآرائه المثيرة للجدل وفاقدة المصداقية دوماً متهماً ايران “بدعم وإيواء تنظيم القاعدة” على اراضيها، اكتوبر 2017، طمعاً في حشد أكبر موجة دعم له داخل المؤسسة الحاكمة ولصرفه الأنظار عن الملاحقات السياسية والقضائية والأخلاقية.

          ردود الفعل الإيرانية استقرأها ضابط الاستخبارات الأميركية الأسبق، باتريك لانغ، قائلاً أن “ايران وقواتها العسكرية تعد لحرب مع الولايات المتحدة منذ زمن بعيد .. وربما اولى الخطوات التي ستتخذها تصنيفها للقوات الأميركية (في المنطقة) كمؤسسة إرهابية،” 7 نيسان الجاري.

ردّ “مجلس الأمن القومي” الإيراني على تصعيد واشنطن بتصنيفه الولايات المتحدة “دولة راعية للإرهاب .. والقوات الأميركية المنتشرة في المنطقة جماعات إرهابية .” وحمّل واشنطن مسؤولية التداعيات الخطيرة لقرارها، وتصنيفه قيادة قواتها المركزية “سنتكوم” وكافة القوات الأخرى العاملة تحت لوائها بـ”الجماعات الإرهابية.”

          ومضى ضابط الاستخبارات الأميركية (لانغ) محذراً من تداعيات القرار بأنه ينطوي على “ايجاد أرضية قانونية للقوات الأميركية العاملة في الخليج (والمحيط الهندي) لشن هجوم على الحرس الثوري وممتلكاته من الزوارق البحرية والدوريات أينما تواجدوا وتحت أي ظرف كان – إنه إعلان حرب.” بالمقابل، ما ينطبق على الحرس الثوري يسري تلقائياً على سلاح البحرية الأميركية، وتصعيد مديات خطر الاشتباك إلى “مستويات كارثية.”

          الاعتقاد السائد في اوساط النخب الفكرية الأميركية أن دوافع الرئيس ترامب لما أقدم عليه تتلخص في مسألتين: تحطيم إيران ونيل رضى نتنياهو؛ لا سيما وأن الثنائي، وزير الخارجية مايك بومبيو ومستشار الأمن القومي جون بولتون، المتنفذ يتناوبان التأكيد على ضرورة “تغيير النظام في ايران.”

          المؤسسة الحاكمة في الولايات المتحدة تتشوق لحلول يوم 3 أيار/مايو المقبل وهو الموعد الذي ستطبق فيه حزمة عقوبات إضافية ضد إيران “لتصفير صادراتها النفطية.” ويتأهب الطرفان لاستعراض عضلاتهما في مضيق هرمز الحيوي لا سيما بعد تواتر أنباء أن طهران حذرت حاملة الطائرات الأميركية الضخمة، جون ستينيس، الاقتراب من زوارق البحرية للحرس الثوري في المنطقة.

حادثة احتجاز ايران لرهائن لبحارة في سلاح البحرية الأميركية، 2016، كان ينبغي أن يشكل مثالاً ساطعاً للمحافظين الجدد، اذ لو تكررت تلك الحادثة اليوم فلن تكون نهايتها مطابقة وستتعامل ايران مع طواقم البحارة كعناصر إرهابية وليس كجنود في مؤسسة عسكرية، وربما تمضي في مقاضاتهم والحكم عليهم بالسجن او الاعدام او الإثنين معاً.

تتعدد السيناريوهات في هذا الشأن، في حال تصادم مباشر بين البحرية الايرانية والاميركية، وتضيق الخيارات المتاحة أمام الرئيس ترامب وفريقه السياسي من المحافظين الجدد، الذين “يصرون” على اقصاء ايران من المنطقة واستثمار ما سينجم عنه في صيغة ضغوط إضافية على “لبنان والعراق للابتعاد عن ايران.”

تجدر الإشارة إلى حقيقة موقف المؤسسة العسكرية، البنتاغون، في هذه المسألة بالغة الخطورة. نُقل على لسان رئيس هيئة الأركان المشتركة، جون دنفورد، معارضته للتوجه الرئاسي خلال سلسلة نقاشات داخلية رفيعة المستوى؛ وكذلك معارضة كبار المسؤولين من غير العسكريين لخشيتهم من “مدى الضرر الذي سيلحق بحلفاء أميركا في المنطقة، والخطر الذي ستتعرض له القوات الأميركية هناك.”

 

2019-05-04 التقرير الأسبوعي

تجربة الهند الصاروخية تؤكد
سباق التسلح المحموم في الفضاء

 

تسارعت وتيرة التحذيرات والقلق الأميركية في الآونة الأخيرة من “تفوق” دول أخرى علىيها ومنافستها على تلك المرتبة في تقنية الأقمار الاصطناعية والأسلحة المضادة لها، رصدتها وكالة الفضاء “ناسا” ووزارة الدفاع، البنتاغون، عقب تجربة ناجحة أجرتها الهند، 27 آذار الماضي، اسقطت فيها قمراً اصطناعياً هالكاً لها في الفضاء الخارجي بواسطة صاروخ؛ هي التجربة الأولى للهند.

مدير وكالة ناسا، جيم بريدينستاين، اعتبر التجربة “عمل رهيب .. تشكل خطراً على محطة الفضاء الدولية،” موضحاً أن منسوب خطر اصطدام الحطام بالمحطة الدولية ارتفع “بنسبة 44% بعد 10 أيام” من التجربة الهندية.

وزير الدفاع الأميركي بالوكالة، باتريك شاناهان، التزم الهدوء الصوري قائلاً لمجموعة من الصحفيين أنه “ينبغي أن لا نزعزع استقرار الفضاء .. انه مكان يجب أن يتمتع فيه (الجميع) بحرية العمل.”

الهند بدورها أيضاً اختارت التهدئة عبر وزارة خارجيتها التي سعت لطمأنة العالم بأن التجربة “.. جرت على ارتفاع (270 كلم) من الأرض .. وستتحلل بقايا (الحطام) وتسقط أرضاً في غضون أسابيع” معدودة. رئيس وزراء الهند حرص على التذكير أن بلاده “.. ستكون رابع دولة فقط تستخدم تلك الصواريخ المضادة للأقمار الاصطناعية،” بعد الولايات المتحدة وروسيا والصين.

في خلفية التحذيرات الأميركية نشير إلى سلسلة متواصلة من الدراسات والتقييمات العسكرية بهذا الشأن، أحداها كانت للبنتاغون مع نهاية عام 2017، أبرزتها يومية واشنطن تايمز، قائلة أن تقنية الاتصالات الأميركية بالأقمار الاصطناعية العسكرية “.. تواجه أزمة تهددها مجموعة من الأسلحة الأجنبية، تتراوح بين الإعاقة والتدمير” والتي تتضمن الهجمات الالكترونية وأشعة الليزر والتشويش الالكتروني “والاسلحة المضادة للأقمار الاصطناعية.”

وكشف ذاك التقرير وحزمة كبيرة من دراسات وتوصيات تصدرها البنتاغون تباعاً، مباشرة أو عبر مؤسسات متعاقدة معها، عن مواطن الضعف في التقنية الأميركية منها “.. أن محطات التحكم الأرضية الحالية تفتقر إلى قدرات فعّالة لمكافحة التشويش؛ وينبغي الإسراع في انتاج وتجهيز المحطات المتطورة للاتصالات عالية التردد والسرعات الفائقة.”

تفاقم قلق المؤسسة العسكرية الأميركية في الأسابيع الأخيرة عقب اقدام ضابط هندي متقاعد رفيع المستوى نشر صور مفصلة بالأقمار الإصطناعية عن موقع صيني تكشف عن مجمع متكامل “للأسلحة المضادة للأقمار بأشعة الليزر” على اراضيها. (سنعالج المسألة أدناه بالتفصيل).

واكب ذلك نشر دراسات حديثة صادرة عن أبرز مراكز الأبحاث الأميركية، المختصة بالشؤون العسكرية، مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، 4 نيسان الجاري، بعنوان “تقييم المخاطر في الفضاء لعام 2019،” صوبت بوصلتها على تحديد دول أربعة “تشكل الخطر الأكبر على الولايات المتحدة: الصين وروسيا وايران وكوريا الشمالية.” كان لافتا أن الدراسة، رغم حداثتها تفادت التطرق للهند وتجربتها المذكورة آنفاً. كما أنه ليس مصادفة أن يقدم الضابط الهندي عينه على نشر تلك الصور عن الموقع الصيني الحساس بعد نجاح تجربة بلاده لتفتيت قمرها المتقادم.

بيد أن المركز تناول بدقة التفاصيل ما وصلت إليه الصين من وضع متقدم مما أهّلها “للتفوق على الولايات المتحدة في عدد التجارب الفضائية لعام 2018،” 38 تجربة نفذتها الصين مقابل 34 لأميركا، دشنتها الأولى في “الهبوط الناجح لمركبة فضائية على الجانب المظلم من القمر.”

وأشار المركز الأميركي سالف الذكر إلى التجارب الروسية المتطورة منها “.. اجراء التجربة السابعة على منظومة صاروخية مضادة للأقمار الاصطناعية من طراز PL-19 Nudol،A-235 ونظام الدفاع الجوي S-500 والمقاتلة ميغ-31 الموكلة بحمل الصواريخ المضادة جوا.”

في السياق عينه، صدر عن اليابان ما يفيد بتحقيقها تجربة “للبحث العلمي” في الفضاء الخارجي تضمنت توجيه شحنة متفجرة استهدفت كويكباً لدراسة تكوين كوكبنا الأرضي في المنظومة الشمسية.

منذ تسلم الرئيس ترامب مهام منصبه حافظ على وعوده لتعزيز القوات الأميركية عتاداً ونوعية متطورة، بما فيها “انشاء قوة للفضاء،” رافقها جدل واسع حول الصلاحيات والميزانيات المطلوبة. بيد أن “مبادرته” لم تكن وليدة مهامه الجديدة، إذ كلف الكونغرس وزير الدفاع الأسبق، دونالد رامسفيلد، 2001، ترؤس “لجنة لشؤون الفضاء،” لتفادي ما وصفوه “قصور آليات التواصل بين وكالة الاستخبارات المركزية ووزارة الدفاع،” اسفرت دراسة لجنته عن توصية بانشاء “هيئة للفضاء داخل قيادة القوات الجوية .. تتحول مع الزمن إلى إدارة قائمة بذاتها؛” دشنتها البنتاغون بتمديد خدمة قائد سلاح الجو لستة سنوات العام الماضي.

سينضم لطواقم “القوة الفضائية” الجديدة كبار علماء الفضاء والفيزياء وخبراء الاسلحة والصواريخ، حسبما جاء في سلسلة تصريحات لقادة البنتاغون؛ مهمتها العمل خارج نطاق الاتفاقية الدولية لعام 1967 التي أكدت على الاستخدام السلمي للفضاء.

وكيل وزارة الدفاع الأميركية لشؤون الهندسة والبحوث، مايكل غريفين، أوجز قبل بضعة أسابيع، في شهر آذار الماضي، استراتيجية بلاده لبسط تفوقها التي “.. قد تلجأ لتفعيل خطط قديمة (تعود لثمانينيات القرن المنصرم) من بينها اطلاق مركبات فضائية مزودة بمدافع إشعاعية قادرة على استهداف الصواريخ التي تطلق من مراكز على الأرض واستهداف أجسام في الفضاء في نفس الوقت.”

خرجت حرب الفضاء من باب التكهنات والتحليلات إلى الواقع الملموس بفضل استراتيجية واشنطن للتشبث بسياسة تفوق القطب الواحد وحرمان الآخرين من امتلاك ناصية العلم والتقنية والمنافسة.

يعتبر خبراء الصواريخ وأسلحة الفضاء أن الصين هي موطن ولادة “اقمار اصطناعية صغيرة قابلة للتحكم وتغيير مداراتها والقيام بعمليات اعتراض متعددة ضد أقمار أخرى،” بخلاف السردية السائدة أن روسيا هي المبادرة، وذلك استناداً إلى تجربة محورية دشنتها الصين عام 2007 بإطلاق صاروخ من الارض باتجاه قمر FY-1C وتدميره وتحويلة لآلاف القطع المتناثرة.

يشار إلى أن الصين لم تكن مشمولة بالاتفاقية الدولية لعام 1967 بين القوى النووية آنذاك، واستغلت نصوصها الرمادية “باستخدام الفضاء لأغراض سلمية وعسكرية على حد سواء.”

في سياق سبر أغوار برنامج الصين المضاد للأقمار الاصطناعية، استضاف مركز الدراسات الأميركية والعربية أحد الخبراء المتقاعدين العاملين في مجال قراءة وتحليل صور الأقمار الاصطناعية، وقدم مشكوراً قراءته التحليلية للصورة المنشورة عن الموقع الصيني الحساس، المثبتة أعلاه، ونورد أدناه بعض استنتاجاته:

قفزت تقنية الصين لتتبع الأقمار بسرعة البرق، ولديها عدة محطات مراقبة منتشرة على أراضيها، توفر لها بيانات دقيقة حول الأقمار المستهدفة؛ تصوب باتجاها أسلحة بالغة الطاقة الحرارية، تعمل بأشعة ليزر الكيميائية، أنشئت في خمس مواقع مختلفة، أحدها في مقاطعة شينجيانغ.

سلاح الصين أعلاه نموذج محلي للسلاح الأميركي – “الاسرائيلي،” سلاح ليزر تكتيكي بطاقة فائقة، المصمم لاستهداف وتدمير صواريخ ذات مديات قصيرة، مثل قواذف الكاتيوشا والطائرات متدنية الارتفاع. يتميز السلاح الجديد بمدياته البعيدة وقدرته على تدمير الأقمار الإصطناعية في مدارات متدنية.

سلاح “الليزر الكيميائي،” العامل بمركب فلوريد الدوتيريوم، يعرف أيضا بليزر الكاوبوي لدى الأميركيين، ينطوي على تقنية عالية رغم قوته التدميرية، لكن الصين تغاضت عنه، مفضلة انتاج سلاح يعمل ضمن موجة متوسطة من الأشعة تحت الحمراء، وغاز ثلاثي فلورايد النيتروجين ينتج غاز الاثيلين عند احتراقه.

الصورة في اقصى اليسار تضم خزان دائري محاط بسياج أمني وتشير إلى معامل الليزر الكيميائي التي تستخدم وقودا سميّاً.

بالنظر إلى التطور التقني في مجال الليزر الكيميائي الذي توصل إليه الجانب الأميركي، نستطيع الافتراض أن الصين توصلت لتطويع التقنية عينها بطاقة تحسب بعدة ميغاوات؛ والتي لديها ميزة حرق واختراق اجسام مدرعة وقادرة على إلحاق الأذي بمجسات الأقمار الاصطناعية عن بعد.

صور الاقمار الاصطناعية تشير أيضاً إلى أن الصين تجاوزت العمل باسلحة ليزرية تعمل بالطاقة الكهربائية.

بالاضافة إلى الدول الأربعة (اميركا، روسيا، الصين والهند)، يمكن أيضاً إضافة اليابان، ومن المرجح امتلاك دول أخرى للتقنية عينها مثل “اسرائيل،” التي لديها نظم دفاعية مضادة للصواريخ الباليستية بطاقة عالية، وكذلك الهند، قادرة على تطويع ترسانتها الصاروخية لاستهداف أقمار اصطناعية في المدارات المتدنية.

تلك كانت أبرز الاستنتاجات التي توصل اليها الخبير الذي أحجم الكشف عن هويته نظراً لحساسية المسألة، وفق رؤيته.

2019-26-03 التقرير الأسبوعي

المقدمة       

        في الساعات الأخيرة قبل بدء عطلة نهاية الأسبوع، تم الإعلان عن استكمال المحقق الخاص روبرت موللر وفريقه اجراءاته لملاحقة التهم المنسوبة ضد الرئيس ترامب بتورط حملته الانتخابية مع روسيا، وقدم تقريره النهائي لوزير العدل، وفق الأصول المعمول بها. التسريبات الأولية الصادرة عن اولئك الذين اطلعوا على التقرير تشير إلى انتفاء دلائل مادية تثبت الاتهام.

        الأزمة الأكبر التي تواجه واشنطن هي في “تلكؤ وتراجع” زخم سياستها لتغيير النظام بالقوة في فنزويلا، على الرغم من بعض التأييد الذي حظي به ترامب حديثاً بزيارة رئيس البرازيل للبيت الأبيض وأعلانهما المشترك عن “تطابق الرؤى لتنفيذ حل جذري” للإطاحة بالرئيس نيكولاس مادورو.

        سيستعرض قسم التحليل تلك المحطة من السياسة العدوانية لواشنطن، والخيارات المتبقية أمامها في ظل عزلتها داخل مجلس الأمن والأمم المتحدة لمحاصرة فنزويلا دولياً.

          

               

ملخص دراسات واصدارات مراكز الابحاث

تراجع النفوذ الأميركي

        اصدر معهد هدسون دراسة حديثة حول “انحسار الردع الأميركي الذي اعتادت الولايات المتحدة توظيفه” كامتداد لقوتها العسكرية في بسط “نفوذها وسياستها الردعية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية .. مع استمرار ادارة ترامب الاعتماد عليها.” واستدركت الدراسة مشيرة إلى “التغيرات الدولية الهائلة التي طرأت على المناخ العام الحاضن لسياسة الردع، ويستمر في التغيير .. بما فيها الاستراتيجيات السابقة المعتمدة والتي أثبتت فشلها.” وأوضح المعهد “.. انقلاب بعض الفرضيات المحورية السابقة المتعلقة بكيفية تصرف العنصر البشري عند اتخاذه قرارا تحت تأثير ظروف تنم عن مخاطر نتيجة التقدم العلمي في العلوم المعرفية والسلوك البشري.”

https://www.hudson.org/research/14871-the-decline-of-deterrence

 

تداعيات السياسة الخارجية على الداخل الأميركي

        اعتبر معهد كارنيغي أن الأزمات الإجتماعية والاقتصادية المتلاحقة، التي تمر بها الولايات المتحدة، قد أحدثت تغيراً في “وعي الطبقة المتوسطة وتبايناً ملحوظاً في التسليم بالفرضيات السابقة بأن الدور الأميركي في الخارج لم يعد يلبي مصالحها الاقتصادية وازدهارها .. على الرغم من البيانات الاقتصادية التي تشير لمعدلات نمو وانخفاض البطالة، لكن العائلات الأميركية تعاني لمجرد الحفاظ على مستوى حياتي يليق بها.” وزعم المعهد ان “نظام العولمة الاقتصادي جاء بالنفع على الشريحة الأميركية الأشد ثراء وخدم الصين ودول منافسة أخرى.”

https://carnegieendowment.org/2018/12/10/u.s.-foreign-policy-for-middle-class-perspectives-from-ohio-pub-77779

        في ذات السياق، أشار معهد كاتو إلى تنامي “الهوة (الاجتماعية) الناجمة عن انفصام سياسات النخب في واشنطن عن هموم الداخل الأميركي،” وتداعياتها على المستوى العالمي الذي يتساءل بدوره حول “مدى استمرار الرأي العام بدعم سياسة خارجية نشطة ذو توجهات استراتيجية.” الجواب برأي المعهد “نعم بشروط .. نظراً لتنامي هوة توافق الأميركيين مع كيفية إدارة واشنطن لانخراطها على المستوى العالمي.”

https://www.cato.org/blog/mind-gap-foreign-policy-disconnect-between-washington-america

سوريا

        أشار المجلس الأميركي للسياسة الخارجية إلى علاقة “الشراكة المعقدة بين روسيا وإيران في سوريا،” على خلفية لقاء عقد عام 2015 بين “وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف والمرشد الأعلى آية الله (علي) خامنئي .. الذي كرس دخول روسيا وبدء توجهات ايرانية معقدة في سوريا” معتبراً أن طهران رمت “لتسخير فوائد الوجود الروسي والتغلب على أي قيود محتملة ناجمة عنه على أجندتها التوسعية.”

https://www.afpc.org/uploads/documents/Iran_Strategy_Brief_No_12.pdf

الانتخابات “الإسرائيلية”

        تناول معهد واشنطن لائحة الاتهامات الموجهة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من زاوية مدى تأثيرها “بتقويض مساعي (جاريد) كوشنر للسلام،” معتبراً أن “صفقة القرن .. قد تُطرح بعد فترة وجيزة” من الانتخابات الشهر المقبل، مؤكداً أن “خطوطها العامة ستناسب (نتنياهو) حتى لو اعترض على بعض عناصرها.” وحذر المعهد من “الرياح السياسية المتغيرة” في تل أبيب التي قد تعصف بالصفقة مشيراً إلى تبدل الخارطة السياسية “.. اندماج حزبان؛ وانضمام غير مسبوق لثلاثة رؤساء أركان سابقين (الذين) بإمكانهم إفشال ميزة نتنياهو” في النفخ بالتهديدات الأمنية، لكن إذا قدر له الفوز فإن “الملاحقة القانونية ستؤرق مستقبله السياسي لعدة أشهر قادمة.” وأضاف أن تصريحات كوشنر في مقابلة له مع شبكة “سكاي نيوز العربية” أثارت الشكوك مجدداً حول “الصفقة” معتبراً أن تأكيد كوشنر على تعامل “خطته مع مسألة الحدود ما هو إلا مؤشر على إقامة دولة فلسطينية.”

https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/are-israeli-politics-dooming-kushners-peace-push

ايران

        جدد مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية تحذيره من “تنامي الحضور الإيراني في الشرق الأوسط، بالرغم من فرض عقوبات أميركية جديدة عليها وانسحاب (واشنطن) من الاتفاق النووي .. خاصة وأن الأوضاع الاقتصادية الصعبة لم تؤدي لتدهور نشاطها في المنطقة أقله ليس بعد.” وأوضح أن استنتاجاته تأتي ثمرة “جهود تجميع وتحليل البيانات المتوفرة .. التي تؤشر على تنامي عدد وقدرات القوات الأجنبية المتشاركة مع قوات الحرس الثوري وفيلق القدس .. والتي يلمس حضورها في دول مثل سوريا والعراق ولبنان واليمن وافغانستان.” واضاف زاعماً أن “ايران تسعى ايضاً لانشاء ممر بري متواصل عابر في المنطقة وزيادة قدرتها على تحريك مقاتلين ومعدات من مسرح قتالي إلى آخر.”

https://www.csis.org/analysis/war-proxy-irans-growing-footprint-middle-east-0

الصراع الهندو-باكستاني

        حذرت مؤسسة هاريتاج من تدهور تداعيات الاشتباكات الأخيرة بين الهند وباكستان حول أقليم كشمير، إذ دلت على أن المنطقة “دخلت مرحلة جديدة وخطيرة في العلاقات الثنائية؛ مما يتعين على المجتمع الدولي مضاعفة الجهود لإنهاء آفة الإرهاب التي ترعاه الدولة في باكستان ، ممثلا بمجموعة جيش محمد؛”  مؤكداً أن ذاك التنظيم “أعلن مسؤوليته عن حادثة تفجير اودت بحياة 40 جندي هندي.”

https://www.heritage.org/middle-east/commentary/india-and-pakistan-living-borrowed-time

 التحليل

ترامب واحتمالات المغامرة العسكرية في فنزويلا

          الولايات المتحدة “لا تخشى استعادة تطبيق مبدأ مونرو .. (فنزويلا) بلد يقع في حديقة نفوذنا وكانت هدفاً (للسيطرة) لكافة الرؤساء الأميركيين منذ (الرئيس الأسبق) رونالد ريغان ..” هكذا تفوه مستشار الأمن القومي جون بولتون، بعنجهية وصلافة معهودة، مطلع شهر آذار الجاري، مقروناً بتسريبه المتعمد خطياً أمام الصحافيين أن جدول أعماله يتضمن إرسال “5،000 جندي لكولومبيا،” تهيئة لتدخل عسكري مباشر سرعان ما تعثر أمام تصميم الشعب الفنزويلي وقيادته على التصدي الحازم لواشنطن.

          “مبدأ مونرو” باختصار شديد عنوان الاستراتيجية الأميركية ، منذ عام 1832، للسيطرة التامة لواشنطن على كامل القارة الأميركية الجنوبية “وإقصاء دول الاستعمار الاوروبي” التقليدية عنها. تدخلت واشنطن عسكريا وبشكل مباشر نحو 56 مرة لتغيير نظم الحكم المتعددة منذ مطلع القرن العشرين وحده، دون احتساب محاولاتها المتعددة بانقلابات عسكرية وعصابات الكونترا والقوات الخاصة والحصار الاقتصادي والديبلوماسي واساليب أخرى.

          تعثرت مساعي واشنطن لانجاز انقلاب على السلطة الفنزويلية، عسكرياً واقتصادياً وأعمال تخريب للبنى التحتية وشبكات الكهرباء والمياه، استدعى عودتها إلى أسلوبها العسكري المفضل، بإقامة قواعد عسكرية (جوية) في كل من كولومبيا والبرازيل، تحت غطاء إغرائهما بموقع مميز في حلف الناتو.

          كولومبيا ومنذ نهاية أيار/مايو 2018 نالت رضى واشنطن كأول “شريك دولي” لحلف الناتو في اميركا اللاتينية، اعتبرتها فنزويلا خطوة عدائية لوضع جارتها نفسها “في خدمة مخطط لدول نووية تعينها على التمدد في اميركا اللاتينية والبحر الكاريبي، مما يهدد مباشرة قضايا السلم والاستقرار الإقليمي.”

          جدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب دعوته “لتسهيل” بلاده اجراءات انضمام البرازيل لحلف الناتو خلال استقبالة الرسمي للرئيس البرازيلي الزائر، مطلع الأسبوع، مضيفاً أنه “سينظر في الأمر بقوة سواء كانت عضوية حلف شمال الأطلسي أو شيء يتعلق بالحلف.” ما قصده ترامب في الشطر الأخير هو إغراء البرازيل بعضوية “منظمة التعاون الاقتصادي والتمنية” الدولية التي حاولت دخولها كعضو منذ عام 2017.

          فرنسا، العضو البارز في حلف الناتو ودعم السياسات الخارجية الأميركية عارضت موقف ترامب بشدة قائلة إن “معاهدة الحلف لا تتيح انضمام دول غير اوروبية،” وفق البند العاشر الذي ينص على اي محاولة لضم دول غير اوروبية يتطلب تعديلاً لنصوص المعاهدة.

          يشار إلى ان الرئيس البرازيل مهد لزيارته الرسمية لواشنطن ببضعة أيام إعلان جهوزية حكومة بلاده “.. السماح للولايات المتحدة استخدام اراضيها لإطلاق صواريخ ومركبات فضائية تحمل أقمارا إصطناعية من مركز “الكانتارا” الفضائي” في جنوب البرازيل.

          بالمقابل، صرح وزير الدفاع البرازيلي، فرناندو أزيفو، مطلع العام الجاري معارضته السماح لواشنطن بانشاء قاعدة عسكرية في بلاده “.. لا أرى سبباً وجيهاً لإقامة مثل تلك القاعدة.” وذلك رداً على تصريح الرئيس الجديد بولسنارو خلال مقابلة متلفزة معلناً “.. استعداده للسماح بإقامة قاعدة أميركية في البرازيل.” نائب الرئيس البرازيلي، هاميلتون موراو، أيضاً عارض انشاء القاعدة بثبات منذئذ ورفضه لأي تدخل عسكري أميركي في فنزويلا.

          قبل استعراض ما تبقى في جعبة واشنطن من أساليب ضغط، لا سيما الديبلوماسية، تبغي الإشارة إلى العقوبات الإقتصادية المتواصلة على المؤسسات والقوى والشخصيات التي تتعامل مع أو لديها مصالح في كاراكاس، أحدثها كان حجزها لأموال وممتلكات شركة التعدين الفنزويلية، مينيرفين، في الولايات المتحدة، 20 آذار الجاري.

          في تبريره لقرار العقوبات الاميركية، أوضح وزير الخزانة ستيف منيوشن أن بلاده “.. استهدفت مصفاة الذهب (المملوكة) لمنيرفين،” أذ يعتبر استخلاص الذهب من أهم مصادر الدخل للاقتصاد الفنزويلي.

          قبل القرار الأميركي ببضعة ايام، أوضح الرئيس الفنويلي مادورو أن حكومته بصدد المصادقة على التنجيم بنحو 32 منجم جديد للذهب مؤكداً “.. كل المؤشرات تدل على أن بلادنا ستحتل المركز الثاني عالمياً في احتياطي الذهب.”

          فنزويلا، وفق التقارير الإعلامية الحديثة، لديها علاقة تجارية وطيدة مع تركيا لتكرير الذهب الخام في مصفاة تقع بالقرب من شواطيء البحر الأسود بمدينة جوروم التركية، مما حدى بوكالة بلومبيرغ الأميركية توجيه اتهام لتركيا بأنها ضالعة في استخراج ما قيمته 900 مليون دولار من الذهب الفنزويلي خارج البلاد “واستوردت نحو 41 مليون دولار من الذهب الفنزويلي مطلع عام 2018.”

          يشار أيضاً إلى سلسلة اتهامات بالاتجار الاقتصادي مع فنزويلا وجهتها واشنطن لعدد من البلدان النامية، منها “.. استيراد يوغندا نحو 300 مليون دولار من الذهب الفنزويلي،” منتصف آذار الجاري.

          بالعودة للإجراءات العقابية الأميركية، تزامنت زيارة الرئيس البرازيلي لواشنطن مع إعلان المتحدث باسم الخارجية الأميركية، روبرت بالادينو، عن استيلاء/تسليم المعارضة الفنزويلية مقر بعثتي البلاد، العسكرية بواشنطن والقنصلية بنيويورك.

          تلك الخطوة الاستعراضية لم تأتِ من موقع قوة أو ثقة بالنفس، بل سبقها تصريح لنائب الرئيس الأميركي، مايك بينس، يعرب فيه عن ضيق ذرعه من فشل مساعي “الرئيس المؤقت” خوان غوايدو للإطاحة بالرئيس مادورو، قائلاً لمعاونيه أن غوايدو طمأنهم سابقا بسهولة المهمة التي لن تستغرق سوى أيام قليلة؛ فضلاً عن فشله في تحشيد “مئات الآلاف” من الفنزويلين مرافقته للحدود المشتركة مع كولومبيا “لتحرير” قافلة الشاحنات الأميركية على الطرف المقابل.

          كذلك سرعان من ثبت عدم مصداقية إدعاء المعارضة الفنزويلية، وامتداداً الإعلام الأميركي، بتحميل مسؤولية اضرام النيران ببعض الحافلات على عاتق مؤيدي الحكومة الفنزويلية. واضطرت بعض الوسائل الأميركية الرئيسة الإقرار بذلك لاحقا وإن بخجل.


تعثر الغزو العسكري

          لا زالت المطالب الأميركية المعلنة تتمحور حول استغلال “كافة الخيارات،” بما فيها الخيار العسكري، إما بالغزو المباشر أو باساليب توظيف الوكلاء المحليين والإقليميين لتلك المهمة في أعمال تخريب واسعة.

          للوقوف على حقيقة الموقف، استضافت لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب الأميركي بعض الخبراء لمناقشة الغزو المباشر، انطلاقاً من شبه إجماع داخل مجلسي الكونغرس بدعم مساعي الرئيس ترامب للتدخل العسكري، وتوقفت عند إقرار أحدهم بأن عملية عسكرية لتحقيق ذاك الهدف – تغيير النظام – تتطلب تسخير “نحو 100،000 إلى 150،000 جندي أميركي لمواجهة نحو ثلاثة أضعاف ذلك العدد من القوات الفنزويلية المسلحة،” في أراضٍ مترامية تبلغ ضعف مساحة العراق.

          استمرار مراهنة المؤسسة الحاكمة الأميركية على تطبيق نموذج ما من التدخل العسكري أدى بها لاستحداث قواعد عسكرية شبه ثابتة في البلدين المجاورين لفنزويلا، مع توظيف شبكات من قوى الثورة المضادة، الكونترا، وفرق القوات الخاصة الأميركية للإشراف على عملياتها والتدخل المباشر حينما تقتضي الظروف العملياتية ذلك.

          أضحى الرهان الأميركي على ترجيح التدخل العسكري مصدر سخرية حتى داخل بعض أركان المؤسسة، بمن فيهم “المبعوث الأميركي لفنزويلا إيليوت آبرامز،” الذي غابت عنه لهجة الجزم بموعد الإطاحة بالرئيس مادورو، وتعثر كلماته في مؤتمر داخل وزارة الخارجية مؤخراً جاهداً لإيجاد مخرج مقنع للفترة الزمنية السابقة التي حددتها واشنطن، مدعياً أن “.. زمن الفترة الانتقالية وطولها 30 يوماً” لإنهاء مهام الرئيس مادور لن تبدأ قبل مغادرته القصر الرئاسي.

          لكن جملة الترتيبات الأميركية “بعيدة المدى” لا زالت تصطدم بحائط متنامي من الرفض الدولي، يشهد عليها تلكؤ مساعيها في حشد دعم “دول صديقة لفنزويلا،” لم تتعدى الخمسين دولة بقليل، على الرغم من التباينات الواسعة بينها جميعا، سواء كانت اوروبية أم أميركية لاتينية؛ وأخذ المؤسسة الحاكمة تلك المسألة بعين الاعتبار خاصة بعد مواجهتها لقرار فيتو مزدوج في مجلس الأمن من قبل روسيا والصين مما نزع عنها محاولات التخفي وراء مزاعم دعم “أممي” للإطاحة بحكومة بلد عضو في الهيئة الدولية.

          العقوبات الأميركية، لا سيما الاقتصادية منها، سيستمر صعودها البياني؛ لكن المؤسسات الفنزويلية المختلفة تتخذ إجراءات مبتكرة للتغلب عليها والتعايش مع تداعياتها؛ مسترشدة بتجارب دول عظمى دولية وإقليمية، روسيا وكوبا وإيران. لعل أبرزها كان غضب واشنطن من نقل معاملات كاراكاس المالية الدولية إلى موسكو لتفادي إجراءات المقاطعة وما توفره روسيا من ثقل دولي وعسكري أيضاً في مواجهة مشتركة مع واشنطن.

          أما أعمال التخريب في المرافق المدنية والبنى التحتية فلن تتخلى عنها واشنطن، بل ستحاول زيادة وتيرتها قدر الإمكان، كما شهدنا في تخريب شبكة توزيع الكهرباء وتعطل المرافق كافة لبضعة ايام استطاعت فنزويلا بخبراتها الذاتية وبدعم من حلفائها الدوليين إعادة التيار إلى العمل بشكل تدريجي واتخاذ تدابير وقائية لمنع تكرارها.

يبقى ان مقاربة ترامب الجديدة والمعاكسة لمواقف معلنة سابقا حول السعي لتغيير الأنظمة،  تجد تأييدا من جهات نافذة في الحزب الديمقراطي رغم معارضتها اللفظية للتدخل والتغيير في فنزويلا بالقوة العسكرية، وقد يغري هذا الوضع ترامب للإقدام على مغامرة  قد تكون تحت ستار دعم اطلاق تمرد عسكري انشقاقي او انقلاب عسكري داخلي. تراهن  إدارة ترامب على مسعى انشقاق قيادات عسكرية بارزة في فنزويلا تسيطر على مجموعات عسكرية وتوظف جماعات شبه عسكرية معارضة؛ ولا تزال هذه المحاولات تصطدم بلحمة القيادة السياسية والعسكرية لحكومة مادورو الشرعية.

2019-15-03 التقرير الأسبوعي

دراسة  أميركية عن سيناريوهات الحروب :  هزيمة ساحقة أمام روسيا والصين


          اعتادت المؤسسة الحاكمة الأميركية المضي في سباق مستمر لزيادة الانفاقات العسكرية دون مقاومة داخلية تعاونها (أو تتواطأ معها) المؤسسات الإعلامية الضخمة، ولا تنقصها الذرائع والتبريرات على اجتراح “اعداء” عند كل حقبة تاريخية؛ والضخ الإعلامي غير المنقطع للترويج إلى “الآلة العسكرية الأميركية الفريدة التي لا يضاهيها أحد في الكون .. سواء في قدرة القوات الجوية أو البحرية.”

          الميزانية المقدمة من البيت الأبيض للسنة المالية الجارية، 2019-2020، تضمنت اقتطاعات غير مسبوقة في البرامج الاجتماعية والرعاية الصحية والتعليمية تقدر بنحو “2.7 تريليون دولار للعقد المقبل؛” تم تحويل المبلغ إلى زيادات في الانفاق العسكري على قطاعات “البنتاغون والأمن الداخلي والجدار الحدودي والشرطة ..،” معطوفة على “بلورة شعور عام مبهم بحالة طواريء،” تمهد لتعاطف شعبي ومؤسساتي مع سياسات الانفاق “غير المسبوقة” تؤدي لرفع معدلات العجز المالي إلى 22.5 تريليون دولار للسنة الحالية؛ مقارنة مع عجز بلغ 19.5 تريليون عند تسلم الرئيس ترامب مهام منصبه.

          المعدل العام للعجز المالي الأميركي، وفق بيانات مكتب الكونغرس للميزانية، سيبلغ 34 تريليون دولار مع حلول عام 2028؛ ما نسبته 900 مليون دولار سنويا كلفة خدمات الدين العام وحده.

          ما يميز العجز المتصاعد هو التراجع المستمر في عائدات الميزانية العامة نظراً لتخفيضات دائمة في قيمة الضرائب على الشرائح الأكثر ثراءً وكبريات الشركات أيضاً، مقابل “زيادة ميزانية الانفاقات العسكرية” قيمتها 750 مليار دولار للسنة المقبلة.

          السردية الرسمية لتبرير الانفاقات المتصاعدة دوما لا تنعكس ايجاباً  على نوعية واداء القوات العسكرية، بكافة قطاعاتها واختصاصاتها، حسبما تورده تقارير المؤسسات الدفاعية وقياداتها العسكرية عينها، وعلى أرفع المستويات.

          رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة، جوزيف دنفورد، حذّر بلاده “بتراجع تدريجي” لهيبتها العسكرية أمام الصين وروسيا  اللتان “عملتا على تعزيز قوتهما في مجالات الحرب الالكترونية والتصدي للأقمار الاصطناعية والصواريخ المجنحة المضادة للسفن والصواريخ الباليستية” للحيلولة دون تمدد القوات العسكرية الأميركية في منطقتي المحيط الهاديء واوروبا.

          جاء ذلك في معرض ندوة أدارها مع أفول عام 2017 أمام حشد من طلبة جامعة “تافتس Tufts ” بولاية ماساتشوستس الأميركية، موضحاً أيضاً ان الخصوم “وفي مقدمتهم روسيا والصين .. عملوا بعناية وتأني على دراسة كل العمليات العسكرية التي شنها البنتاغون بدءاً من حرب الخليج (الثانية) عام 1990، واستمروا في تطوير الجهود المضادة التي تتيح لهم التفوق على الولايات المتحدة في مجال الأسلحة التقليدية.”

          مساعدة وزير الدفاع بالإنابة، كاثرين ويلبارجر، أوضحت في شهادتها أمام “لجنة القوات المسلحة” في مجلس النواب، 13 آذار الجاري، أن الصين وروسيا “ومنذ عقد التسعينيات من القرن الماضي عكفتا على دراسة متأنية لكيفية مواجهة التحدي الاسراتيجي امامهما – الولايات المتحدة؛ وتحديث بكين وموسكو لقواتهما العسكرية .. تضع واشنطن في موقع لا تحسد عليه للرد عليهما بأساليب قد تفسّر بأنها تصعيد للأزمة المتنامية – وهو مسار مليء بالتعقيدات عند الأخذ بعين الاعتبار قدراتهما النووية المسلحة.”

          نائب وزير الدفاع الأميركي السابق، روبرت وورك، الخبير في “محاكاة الحروب” أوضح تدني القدرات الجوية الأميركية قائلاً أن “.. مقاتلات إف-35، الأكثر تطوراً وحداثة، معرضة للخطر؛ عندما تحلق عاليا فهي تتحكم في الحرب الجوية، لكنها عرضة للتدمير باعداد كبيرة في مرابضها عندما تستهدفها القوات المعادية مع نشوب المعارك .” وأضاف إلى قتامة توقعاته أن “القوات الحمراء دمرت بكفاءة مراكزنا للقيادة والتحكم، مما اضطرنا لوقف التجربة؛” مضيفاً أنه لو وقعت حرب بالقرب من دول البلطيق “فسيكون بوسع القوات الروسية الوصول إلى عواصم تلك الدول في غضون 48 إلى 72 ساعة.”

          في النصف الأول من شهر آذار الجاري، قدمت مؤسسة راند، تحت رعاية البنتاغون، نتائج “سيناريوهات متعددة لمحاكاة حرب لاختبار مدى قدرة القوات (والأسلحة) الأميركية” مواجهة القوى الأخرى الصاعدة في العالم. جاء في أحدها أن “.. الولايات المتحدة تكبدت خسائر فادحة، على الرغم من انفاقاتها العسكرية المضطردة” التي تجاوزت 700 مليار دولار سنوياً.

          واسترسلت راند بالإقرار أن “التواجد العسكري الهائل وقواعد الإمداد لحلف الناتو على امتداد القارة الأوربية، قوامها 58 لواءً أميركيا مقاتلاً ، تقف عاجزة عن الدفاع عن نفسها أمام صواريخ كروز وطائرات الدرونز والمروحيات .. نظراً لقرار قيادة القوات البرية التخلص من قوات الدفاع الجوي المحمولة.”

          ونقلت يومية بريكينغ ديفينس، الأميركية المختصة بشؤون البنتاغون، عن جزءٍ يسيرٍ من دراسة راند أن “روسيا والصين هزمتا القوات الزرقاء (الأميركية) في المحاكاة؛” التي شملت جميع أشكال المعارك: البرية والبحرية والجوية والفضائية والإلكترونية وأسلحة طائرات الدرونز.

          الخبير الأميركي في مؤسسة راند واحد المشاركين في السيناريوهات المذكورة، ديفيد اوشمانك، رسم أفاقاً مقلقة لوضع وأداء القوات والسلحة الأميركية قائلاً “في ألعاب (المحاكاة) عندما نقاتل ضد روسيا والصين، تتكبد القوات الأميركية هزيمة ساحقة .. نفقد الكثير من القوات والمعدات، وعادة ما نفشل في تحقيق هدفنا” المتمثل في منع الخصم من شن عدوانه.

          يشار إلى أن مؤسسة راند، المتعاقدة بكثافة مع البنتاغون وبرامجها العسكرية المختلفة، تجري مناورات سنوية لمحاكاة الحروب والأسلحة المختلفة، تطلق عليها “أحمر على أزرق،” منذ عام 1952، ترمز إلى القوات الأميركية “الزرقاء” باستطاعتها التصدي والتغلب على “الخصوم الحمر؛” روسيا والصين؛ ترمي لبلورة القطاعات العسكرية المختلفة استراتيجيات مستحدثة للتدريبات المختلفة والأسلحة المطلوبة.

          في المجال الاستخباراتي أيضاً تتراجع قدرات الولايات المتحدة، حسبما افاد به مدير المخابرات الوطنية، دان كوتس، في إفادته أمام لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ، نهاية كانون الثاني/يناير 2019، محذراً من أن “.. روسيا والصين تشكلان أكبر مصدر تهديد للولايات المتحدة حين يتعلق الأمر بالتجسس والهجمات الالكترونية؛ بل هما أكثر تقارباً مما كانتا عليه” في العقود السابقة.

          كوتس أدلى بشهادته برفقة مجموعة من قادة الأجهزة الاستخباراتية شملت: وكالة المخابرات المركزية  ومكتب التحقيقات الفيدرالي وآخرين؛ محذراً من أن “.. بعض حلفاء الولايات المتحدة يسعون لممارسة قدر أكبر من الاستقلالية ..” عن واشنطن “وهم أكثر استعدادا لإقامة علاقات مشتركة جديدة.”

          التحذيرات الأميركية المستمرة من تراجع هيبة ترسانتها التسليحية جاءت بالتساوق مع نتائج دراسات عسكرية داخلية من أبرزها تلك التي  اجراها قسم دراسات سلاح الجو التابع لأكاديمية العلوم الأميركية المرموقة تشير إلى جهود الصين وروسيا “اجراء تجارب على اسلحة تتمتع بقدرة فائقة على المناورة (الصواريخ الأسرع من الصوت) مما يمثل خطراً على القوات الأميركية المنتشرة .. وحتى الأراضي الأميركية؛ إذ يمكنها العمل والمناورة على ارتفاعات شاهقة وسرعات عالية تحيل وسائط الدفاع الجوي (الراهنة) والأسلحة القتالية المتوفرة عديمة الفائدة.”

          وجاء على لسان رئيس القسم المشرف على الدراسة، مارك لويس، قوله أن مجموعة الخبراء الأميركيين توصلوا لنتيجة مفادها أن “.. الولايات المتحدة قد تصطدم بمخاطر مصدرها نوع جديد من الأسلحة يتميز  بفعالية عالية السرعة وقدرة كبيرة على المناورة والتحليق العالي.”

          واشنطن والعواصم العالمية الكبرى تدرك تراجع الهيبة الأميركية وانعكاساته على فرادية تحكمها بقرارا العالم، ومقاومتها الشديدة لتعدد القطبية الدولية؛ على الرغم من تصريحات كبار المسؤولين الأميركيين، من بينهم نائب الرئيس مايك بينس، في مؤتمر ميونيخ للأمن مؤكداً أن بلاده “.. أصبحت مرة أخرى زعيمة للعالم الحر.”

          أكبر الصحف الألمانية، دير شبيغل، فندت مزاعم بينس وآخرين بالرد قائلة “الرؤى الأميركية لا تتطابق مع (الواقع) .. أميركا لا تقود العالم لأنها تفقد قوتها أمام بلداناً كروسيا والصين وحتى إيران.”

          تآكل أو أفول مفهوم “القطبية الواحدة” سينعكس بالضرورة على مستويات متعددة، منها الاستراتيجي والآخر ذو طبيعة تكتيكية: التوازن العسكري على الصعيد العالمي، الجغرافيا السياسية، الاقتصاد الدولي، التكنولوجيا بكافة تنوعاتها، والأحلاف العسكرية خاصة التي تستحدثها وتتشبث بها واشنطن.

          استثمار واشنطن بالبعد العسكري الصرف، كما ورد أعلاه، لن يوقف توجه العالم باتخاذ مواقع بديلة حتى وإن تأخر بلورة الموقف النهائي من تعدد القطبية، ويتوج نهاية “الحرب الباردة – القديمة والمتجددة،” وابتعاد ما يشبه توصيف علماء الطاقة الذرية بابتعاد المركز/النواة اكثر عن فضائه الملحق به؛ وتآكل مفهوم “العولمة” التي بشرت به واشنطن لتبرير مفهوم أحاديتها القيادية للمركز العالمي، خاصة عند الأخذ بعين الاعتبار التقدم التقني الذي لم يعد حكراً على المركز الأميركي بالدرجة الأولى.

          أحدث التحذيرات الأميركية عن أفول النفوذ الأميركي جاء أيضاً على لسان مؤسسة راند، 15 شباط 2019، لتنبيه مراكز القرار من تداعيات “الانسحاب الأميركي من سوريا مما يوفر فرصة لدخول الصين لتعزز دورها كلاعب دولي مركزي هناك؛ وتقديمها مساعدات عسكرية تتمحور حول ارسالها خبراء في مجال الاستخبارات والمستشارين الاستراتيجيين والقوات الخاصة.”

          الدراسة المذكورة آنفا قد لاتكون بعيدة عن تأكيد واقعية تراجع القوة الأميركية ولكنها تخدم غرضا آخر يتلخص بتوفير الذرائع للمجمع الصناعي الحربي للإستمرار في الترويج للمزيد من الإنفاق العسكري.

2019-08-03 التقرير الأسبوعي

المقدمة       

          أوفى الحزب الديموقراطي بوعوده الانتخابية التي قطعها العام الماضي بتشديد مسارات التحقيق ضد الرئيس ترامب وكبار معاونيه، عقب تسلمه موقع الأغلبية في مجلس النواب. مما أعاد إلى الواجهة مطلب البدء باجراءات العزل للرئيس.

          سيسلط قسم التحليل الضوء على فك الغاز “استراتيجية الحزب الديموقراطي” لمحاصرة الرئيس ترامب، ومن خلفه الخصوم الجمهوريون ليس للإطاحة به، كما يتمنى البعض، بل لزعزعة ثقة جمهوره به وتقليص حظوظه في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

                          

ملخص دراسات واصدارات مراكز الابحاث
سوريا

          اعتبر معهد واشنطن بقاء قوات رمزية أميركي في سوريا بأنها لا تتعدى إشارة “للحلفاء في سوريا باستمرار التزامات الولايات المتحدة .. أما من وجهة النظر العسكرية فإن 200 مستشار عسكري لن يكون بوسعهم تعويض خسارة المراقبين الأميركيين على الارض؛ والذين كانوا يقدمون معلومات استخباراتية أسهمت في توجيه قوى التحالف لاستهداف الغارات الجوية والقصف المدفعي ضد الدولة الإسلامية.”

https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/options-for-a-lighter-u.s.-footprint-in-syria

          اعتبر مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية أن القيادة السياسية في واشنطن تفتقر الرؤى والخطط بعيدة المدى مؤكداً على توصيف وزير الدفاع السابق، جيمس ماتيس، بقوله “واشنطن منطقة آمنة متحررة من الاستراتيجية،” بل الأدق أنه “كان لها دوماً توجه استراتيجي مقنّع  .. أو هدف لا يتعدى بذل جهود قصيرة الأجل.” وشدد على أن مراكز القوى المتناحرة حولت صنع القرار إلى “ساحة للاستراتيجية الخطأ.”

https://www.csis.org/analysis/looking-beyond-syria-and-isis-americas-real-strategic-needs-middle-east

          تناول معهد واشنطن مساعي تركيا لإنشاء “منطقة آمنة” في سوريا بالتنسيق مع “وفد أميركي” يزور انقرة لوضع الترتيبات المتضمنة في قرار الرئيس ترامب “ابقاء 400 جندي موزعين بالتساوي بين شمال وجنوب سوريا؛ والتداعيات الناجمة عن احتمال انشاء والحفاظ على منطقة عازلة مقترحة .. وكذلك على مصير وحدات الحماية الشعبية الكردية.”

https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/a-turkish-safe-zone-in-syria-prospects-and-policy-implications

اليمن

          انتقد معهد كاتو محاولات رئيس مجلس الشيوخ، ميتش ماكونيل، صرف النظر عن قرارمقدم من مجلس النواب “لوقف الدعم الأميركي عن السعودية في حربها على اليمن،” متمسكاً بحيلة برلمانية تجيز له تصنيف القرار في أسفل سلم اولويات جدول الأعمال. وأوضح أن كلفته ستحرم مناصري القرار من فرصة “إدراجه بالقوة على جدول الأعمال والتصويت عليه بنسبة الأغلبية البسيطة،” وهو ما كان مضمون. وأردف أن مساعي مؤيدي القرار ستمضي قدماً لاستصدار قرار من مجلس الشيوخ، لكن الفرصة الزمنية تتبدد “.. ما يعني أن الانخراط الأميركي في الصراع سيستمر وسيقوض الأمن الأميركي.” ولفت المعهد النظر إلى سجل رئيس مجلس الشيوخ، ماكونيل، وسعيه الدؤوب لعرقلة انهاء التدخل الأميركي في حروب خارجية “.. لكنه ليس استثناء لقيادات الحزب الجمهوري.”

https://www.cato.org/publications/commentary/dont-allow-mcconnell-thwart-vote-yemen

الهند وباكستان

          عقب تجدد النزاع المسلح بين الهند وباكستان، زعمت مؤسست هاريتاج أن “أشد ما تخشاه باكستان هو الضغوط (المحتملة عليها) من واشنطن واللامبالاة من بكين” أكثر من نشوب حرب مع الهند .. مما يؤشر على أن البلاد قد تتجه نحو انسداد استراتيجي للسياسات الجيوسياسية في جنوب آسيا.” وأوضحت أن من بين التحولات التي طرأت على الإقليم فإن “الهند تركز انظارها على لعب دور قوي في جغرافيا الهند – وللمحيط الهاديء وصعودها كقوة اقتصادية عالمية ..” بيد أن تراجع أهمية الباكستان “لا يخدم مصالحها أو مصالح الولايات المتحدة.”

https://www.heritage.org/global-politics/commentary/problem-plagued-pakistan-faces-incredible-challenges-beyond-its-rivalry

          أعرب معهد كارنيغي عن تعاطفه مع الهند نتيجة الهجوم المسلح الذي تعرضت له على أيدي مجموعة “جيش محمد .. المرتبطة بباكستان،” قد “أثبت مرة اخرى بكل أسى أن الهند لا زالت هدفا دائما للإرهاب؛ ويقتضي انشغال أجهزة الاستخبارات الهندية لأجل قد يطول.” وأردف أن الهند “حافظت على تقديم غصن الزيتون لباكستان عبر انخراطها بسلسة حوارات معها، إلى جانب خيار استخدام القوة العسكرية .. والتوسل لدى القوى الدولية التدخل للجم اندفاعة باكستان؛” بيد أن خياراتها “السلمية لوقف الإرهاب الباكستاني” قد تقلصت إلى الحد الأدنى.

https://carnegieendowment.org/2019/02/25/pakistan.will.not.change-pub-78440

أفغانستان

          أثنى معهد كاتو على مشروع قرار مقدم في مجلس الشيوخ الأميركي يقضي بحث “السلطة التنفيذية على سحب كامل القوات الأميركية من أفغانستان خلال سنة .. لا سيما وأن المفاوضات الجارية مع (حركة) طالبان تسير باتجاه واعد” لانهاء الحرب. واشار المعهد إلى نتائج استطلاعات الرأي الاخيرة التي “تؤيد الانسحاب بشكل كبير .. بيد أن القوى السياسية في واشنطن لا زالت تعارض انهاء حالة الحرب” هناك. ونبه الساسة الأميركيين إلى ضرورة الإقرار بأن الولايات المتحدة “تكبدت خسارة الحرب، وفشلت جهودها في مهمة إعادة بناء أركان الدولة؛ بل لم تفلح محاولاتها في تهدئة مقاومة طالبان .. التي أضحت تسيطر على رقعة أوسع من الاراضي أكثر من أي وقت مضى منذ عام 2001،” بدء الغزو الأميركي.

https://www.cato.org/publications/commentary/lets-withdraw-afghanistan-learn-hard-lessons

     

التحليل

سباق الانتخابات الرئاسية

في استراتيجية الحزب الديموقراطي

إلهان عمر وظاهرة التحدي

          من ابرز التطورات السياسية الراهنة في الساحة الأميركية كانت الحملة المنظمة الرامية لإقصاء النائبة إلهان عمر على خلفية تصريحات لها مسلطة الضوء على نفوذ “اللوبي الإسرائيلي – إيباك،” في رسم السياسات الأميركية اعتبرتها المؤسسة الحاكمة بأنها “انتهاك للممنوع” تستوجب اجراءات عقابية.

          مسيرة إلهان عمر إلى الكونغرس شابها إلصاق تصنيفات جاهزة رغماً عنها، أبرزها تحديد هويتها طائفياً وهي التي لم تعرف نفسها بها بل شددت على أنها “مواطنة أميركية مهاجرة من الصومال،” تتميز بتوجهات شعبية (ليبرالية) للدفاع عن الحقوق المدنية والاجتماعية للمواطنين.

          اسباغ الهوية الدينية عليها لم يكن صدفة من قوى متنفذة بالقرار السياسي الأميركي، في الحزبين، كمؤشر خادع “لتسامح” النظام السياسي، من ناحية، وعدم المساس بالمسلمات وموازين القوى التقليدية، لا سيما المحافظين بكافة تلاوينهم، من ناحية أخرى. من الضروري ايضاً الإشارة إلى تضافر مصالح اولئك مع القوى التقليدية من “حلفاء” الولايات المتحدة في “الشرق الأوسط،” في التصدي المبكر لنماذج شابة من المرشحين يمثلون التحولات الاجتماعية والطبقية الجديدة في المجتمع الأميركي.

          عقب فرز نتائج الانتخابات “النصفية” الأميركية العام الماضي أفردت اسبوعية فورين بوليسي، 11 كانون الأول/ديسمبر 2018، تحقيقاً مطولاً بعنوان لافت السعودية تعلن الحرب على نواب أميركيين مسلمين مؤكدة أن “مشيخات الخليج العربي تسخّر نزعات العنصرية والتزمت والانباء الكاذبة لإدانة أحدث حالة تصنع التاريخ السياسي في واشنطن .. والمحافظين الجدد ليسوا هم من تمادوا في شن حرب واستهداف الشخصيات السياسية البارزة والصاعدة من (خلفيات) عربية أو إسلامية في الحزب الديموقراطي (بل) السعودية والإمارات.”

          ما نرمي إليه في هذه العجالة هو سبر أغوار الحملة السياسية الأخيرة التي تتخذ أبعاداً بلبوس طائفية تحاكي الغرائز الطبيعية للبشر والأقليات تحديداً لصرف الأنظار عن حقيقة القوى والتوجهات السياسية في المجتمع الأميركي، الذي يمر كما غيره من المجتمعات البشرية بسلسلة تحولات تعيد إلى الأذهان الجذور الحقيقية لمسؤولية القوى النافذة عن تردي التماسك الاجتماعي وتدهور الأحوال القتصادية والاستغلال المستمر لإدماء شرائح الأغلبية في المجتمع.

          التحقيق المشار إليه أعلاه أورد فقرة لها دلالاتها العميقة بنص اقتبسته النشرة عن “المستشار الثقافي في السفارة السعودية بواشنطن” يهاجم فوز إلهان عمر بمنصب في مجلس النواب الأميركي جازماً بأنها “ستكون معادية لدول الخليج وداعمة للإسلام السياسي ..”

          في المقابل، حافظت القوى السياسية الأميركية التقليدية، بمن فيهم المحافظون الجدد، على إلصاق تهمة “العداء للسامية” بالنائبة عمر على خلفية انتقاداتها لمراكز الضغط “.. اللوبيات، لا سيما ايباك” في انحياز الكونغرس “لإسرائيل” نتيجة الدعم المالي لأعضائه؛ أتبعته بتوضيح أشد صراحة بالإشارة إلى أن “أنصار اسرائيل في الكونغرس يدينون بالولاء لبلد أجنبي.”

          بين دعوات لإقصاء النائبة عمر ومطالبة الرئيس ترامب لقادة الحزب الديموقراطي بإقالتها نتيجة انتقاداتها “للممنوعات” في السياسة الأميركية، انبرى عدد من زملائها في مجلس النواب للدفاع عنها، وتشكل فريق مشترك من النواب السود ومن ذوي اصول لاتينية، ممن اطلق عليهم النواب التقدميون، للدفاع عن حقها في ممارسة ابداء الرأي ومعارضة إدانتها رسمياً، مما أرسل رسالة قوية لرئاسة وقادة المجلس عن تشكل حالة تنذر بانقسام في صفوف الحزب، استوجب تدخلاً لطرح صيغة توفيقية لقرار صودق عليه “يدين اللاسامية والانحياز ضد الاسلام والمسلمين.”

          تلك المقدمة كانت ضرورية للنفاذ إلى صلب التحولات السياسية الرامية لتسليط الضوء على سلسلة تحقيقات تهدف لإحراج الرئيس ترامب تمهد الأرضية لمناقشة أجراءات عزله دون المضي قدماً بذلك، نظراً لضيق المساحة الزمنية التي تستغرقها، وايذائه بما فيه الكفاية لخسارة الانتخابات الرئاسية المقبلة.


ترامب في مرمى الاستهداف

          عوّل الحزب الديموقراطي وأركان المؤسسة الحاكمة على نجاح مساعي الاتهامات الموجهة للرئيس ترامب بتواطؤه مع روسيا، لتقييد حركته ومن خلفه الحزب الجمهوري، متسلحاً بالتحقيقات الموكلة “للمحقق الخاص روبرت موللر،” وتقريره المنتظر قريبا.

          التسريبات الآتية من داخل فريق “موللر” خيبت تلك الآمال بإشارتها إلى عدم تبلور دلائل حسية تدعم تلك الاتهامات للحظة؛ مما استدعى مراكز قوى الحزب الديموقراطي تشديد الهجوم بأدوات بديلة عمادها تمتعه بأغلبية مقاعد مجلس النواب وما يمثله من حق لجانه المتعددة المضي بإجراء تحقيقات متعددة ترمي شباكها في اتجاهات متعددة علها تصطاد دليلاً يعزز مصداقيتها أمام العموم.

          خفضت اسبوعية تايم من سقف التوقعات الشعبية استناداً لفريق موللر بالقول أن مضمون تقريره ونتائجه “.. ستأتي مخيبة للآمال، وهي ليست نتيجة خطأ ارتكبه. بل خطأ كل من انجَرّ وراء التهم الباطلة ضد ترامب المتمحورة حول سردية إثبات موللر (تهمة) التواطؤ .. وهي توقعات يستحيل تحقيقها،”( 1 آذار الجاري.)

بعض المتنفذين في القرار السياسي يعتقدون أن أحد أهداف لجان التحقيق هو “محاولة” لبلورة تقرير موازٍ لتقرير المحقق الخاص موللر، يذهب بعيداً في استنتاجاته بتسليط الضوء على شخص الرئيس والمخالفات المالية خصوصاً.

          في الوعي الجمعي، تهمة التواطؤ مع دولة أجنبية تقود “حتماً” للبدء بإجراءات عزل الرئيس، التي تتطلب موافقة ثلثي اعضاء مجلس الشيوخ لإقراره، وهو أمر غير متوفر في ظل التوازنات الراهنة وسيطرة الحزب الجمهوري على أغلبية مقاعده؛ فضلاً عن التعقيدات المتضمنة والقيود الدستورية المفروضة على تلك الإجراءات مما يحيلها إلى حالة غير قابلة للتحقيق في أي وقت منظور.

          علاوة على ذلك، فإن مجلس النواب المخول ببدء إجراءات العزل غير مقبلٍ على المضي بذلك، رغم تصريحات عدد من قادة الحزب الديموقراطي الترويج لذلك، أبرزها تصريحات رئيس اللجنة القضائية المعنية للتقيد بإجراءات العزل عن الحزب الديموقراطي، جيري نادلر، مؤكداً قناعته بأن “الرئيس ترامب أعاق سير العدالة بكل وضوح.”

          الهدف الحقيقي للحزب يتعدى التصدي لشخص ومكانة الرئيس، وما يمثله من حجر الأساس في النظام السياسي وقيوده بعدم المساس من هيبته، لاستحداث قضايا تحظى بتأييد جماهيري يمكنه من دخول السباق الرئاسي بموقع متميز. بعبارة أخرى، أقصى ما يرمي إليه الحزب هو “التسبب في إدماء الرئيس سياسياً” أمام الجمهور.

          الحزب الديموقراطي، ممثلاً بقيادته في مجلس الشيوخ، شاك شومر، يعاني من شح توفر مرشحين “اقوياء” باستطاعتهم منافسة الرئيس ترامب بحزم؛ وما سيل التصريحات للتهديد بإجراءات العزل سوى أسلوب ضغط تكتيكي لإبقاء السيف مسلطاً على ترامب دون تنفيذه حقاً، يعززها اتساع دائرة التحقيقات لدى لجان مجلس النواب التي تعمل في سباق ضد الزمن.

          استطلاعات الرأي الأخيرة تدعم الفرضية أعلاه بأن التلويح بالعزل لن يتجسد أبعد من التهديد به، إذ تشير معظمها إلى استمرار تماسك قاعدة دعم الرئيس ترامب بنسب عالية نسبياً، أدناها 37% وأعلاها 44% عقب “نجاحه” في تعيين قاضٍ شديد المحافظة للمحكمة العليا، بريت كافانو. بالمقارنة فإن أقصى نسبة دعم حققها بعد مراسيم تسلمه منصبه الرئاسي كانت 46%.

هدد عدد من مؤيدي ترامب النافذين بأنه “لن يقبل خسارته الانتخابات الرئاسية” بسهولة، ملوحين إلى نزول مؤيديه إلى الشوارع احتجاجاً على ذلك، لا سيما وأن معظمهم مدججين بكافة أنواع السلاح؛ مما استدعى تحذير مبكر من اندلاع حرب أهلية على ضوء تلك التطورات المرتقبة.

          مؤيدوا الرئيس ترامب، لا سيما في المؤسسة الإعلامية الهائلة، استبقوا تحقيقات لجان مجلس النواب للدفاع عن حق الرئيس الدستوري “بإقالة مسؤولين كباراً في السلطة التنفيذية مثل (رئيس مكتب إف بي آي السابق جيمس) كومي؛” كما أوضحت يومية المال والأعمال وول ستريت جورنال.

          ما يستدل من تلك التطورات والمنابر المؤيدة للرئيس ترامب نجاح مساعي تحشيد قواعد مؤيديه وشحنهم إعلامياً ضد خصومه، في الحزبين، وهم الذين يصوتون بحضور قوي شبه منظم، مقابل تراجع تماسك قواعد الحزب الجمهوري وانقسام ما يسمى شرائح “المستقلين،” الذين صوتوا ضد المرشحة عن الحزب الديموقراطي هيلاري كلينتون بنسبة معتبرة أدت لخسارتها أمام مرشح “لم يتوقع هو نفسه الفوز” بالانتخابات الرئاسية.

 

2019-01-03 التقرير الأسبوعي

كوريا الشمالية تشبثت بسيادتها

وأحبطت الإبتزاز الأميركي

          في ظرف ساعات معدودة هوى سقف توقعات القمة الثانية للرئيسين الأميركي  والكوري الشمالي الى النقيض أثارت جملة أسئلة جوهرية تسعى للدخول إلى كنه الساعات الأخيرة التي “قلبت” حسابات الفريق الأميركي المنكب على صياغة البيان الختامي المشترك.

          في سياق سبر أغوار القوى المتضررة من تفاؤل الرئيس ترامب التوصل لاتفاق مشترك على أرضية “نزع السلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية،” ينبغي التذكير بفرضية إجماع القوى الأميركية الرئيسة بالتوجه نحو “التعايش مع كوريا الشمالية بأسلحتها النووية،” وفق آليات وترتيبات معقدة تتيح لواشنطن مواصلة سردية هدفها “بنزع الأسلحة النووية لبيونغ يانغ.”

          ما تقدم أبعد ما يكون من ثمة فرضية، بل استناداً لأدبيات الأطراف المنخرطة مباشرة في “الوساطة” بين الطرفين، وتصريحات وتحركات قادة دول إقليمية أبرزها الصين وروسيا وكوريا الجنوبية، بدءاً من نقطة تصعيد التوتر الأميركي في شهر أيلول/سبتمبر 2017 أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بتوعد الرئيس ترامب خصمه الكوري الشمالي برد مزلزل “بتدمير كوريا الشمالية ومحوها عن الوجود.”

          قبل اعتلاء الرئيس ترامب منبر الأمم المتحدة ببضعة أسابيع، “سربت” الأجهزة الأمنية الأميركية تقريراً تقيّم فيه الحالة الراهنة للأسلحة النووية لدى كوريا الشمالية بالزعم أنها استطاعت تطوير “رأس نووي صغير يمكنها تحميله على صاروخ باليستي،” باتجاه الولايات المتحدة.

انفعال الرئيس ترامب كان متوقعاً مطلقاً وعيده برد “لاهب وغاضب Fire and Fury؛” وتباهى رئيسسي البلدين بامتلاكهما “الزر النووي الأكبر” بتفعيله لإفناء الآخر، والبشرية معاً.

مروراً بالمراسلات المباشرة المتبادلة بين ترامب والرئيس كيم جونغ اون، وصفها الرئيس الأميركي بأنه “وقع في حب” خصمه الكوري الشمالي، 30 أيلول/سبتمبر 2018، وأن فحوى رسائل الجانب الكوري “حميمية؛” مما مهد الأرضية لإمكانية لقاء وزيري خارجية البلدين في بيونغ يانغ، والإعداد للقاء القمة الأول بين الرئيسين.

في تلك الأثناء تحرك عراب التسوية، رئيس كوريا الجنوبية، مون جيه إن، بزيارات مكوكية لتبريد مناخ التصعيد والتهديد، مباشرة وعبر مندوب موثوق له ورفيع المستوى، أثمرت موافقة الطرفين على لقاءات مباشرة عالية بدءأ من وزيري خارجية واشنطن وبيونغ يانغ، في كوريا الشمالية، تأجلت لاحقاً بقرار أميركي؛ ثم تطورت بلقاءات القمة بين الرئيسين ترامب وكيم جونغ اون: الاول في 12حزيران/يونيو 2018 في سينغافوره، والثاني في هانوي، 27 شباط/فبراير الماضي. ويمكننا القول أن رئيس كوريا الجنوبية كان يطمع في استضافة لقاء قمة ثالثة في عاصمته سيؤول، أو في بيونغ يانغ بحضوره.

تطورات الساعة الأخيرة

حمّلت اسبوعية نيوزويك الأميركية، 28 شباط، مسؤولية فشل لقاء القمة إلى مستشاري الرئيس ترامب قائلة “فشل الاتفاقية نظراً لدور جون بولتون .. وممارسته نفوذه على الرئيس ترامب في اللحظات الأخيرة،” وهو الذي لم يخفِ رغباته في “عدم التوصل لاتفاق من أي نوع مع كوريا الشمالية.”

الجانب الكوري الجنوبي، المتابع بكثب لترتيبات وسير المفاوضات، أوضح للمجلة عقبات “اللحظة الأخيرة” التي وضعها بولتون إذ “.. اشترط تضمين كوريا الشمالية نصاً يلزمها بالكشف ليس عن أسلحتها النووية فحسب، بل مخزونها من الأسلحة االكيميائية والبيولوجية” أيضا، وفق رواية وزير الوحدة السابق بين الكوريتين، جونغ سي-هيون؛ الذي عبر عن تفاؤله “شبه المطلق” توصل الطرفين لإتفاق يعلنان عنه في الجلسة الختامية “متفائل بنسبة 100% تقريباً.”

على الطرف المقابل، سرت شكوك قبيل لقاء القمة على مستويات متعددة في الجانب الأميركي تتعلق بصدقية الرئيس كيم جونغ اون في الذهاب لنزع الأسلحة النووية، فندته نيوزويك بتقرير ميداني بتاريخ 26 شباط تؤكد فيه على تعويل الرئيس كيم اجراء مفاوضات جادة “باصطحابه فريق كبير من كبار مستشاريه .. على رأسهم نائب رئيس اللجنة المركزية لحزب العمال (الحاكم) كيم يونغ شول، المبعوث الكوري للمفاوضات النووية مع الجانب الأميركي كيم هيوك شول، المدير الأعلى للشؤون الخارجية كيم تشانغ سون، ونائب مدير هيئة الاعلام في الحزب (الحاكم) كيم يو جونغ .. فضلاً عن مدير مكتب الرئيس، وشقيقته الموثوقة (وهي) ربما الشخصية الأشد تأثيراً على توجهات الحزب الحاكم.” بل توجه مدير مكتب الرئيس كيم، كيم تشانغ سون، إلى هانوي قبل اسبوعين من انعقاد القمة للإشراف على كافة التفاصيل المتعلقة لإنجاح القمة.

وأضافت المجلة نقلاً عن ضابط وكالة المخابرات المركزية الأسبق والخبير بالشأن الكوري، واين مادسين، أن الرئيس كيم جونغ اون “.. أحدث تغييرات بنيوية في مناصب كبار المسؤولين قبل فترة وجيزة، بصعود عدد من المسؤولين من مرتبات دنيا إلى الأعلى، كمؤشر للقوى الدولية على السير بجدية لإنجاز تسوية ما.”

المجموعة الأميركية الداعية لعدم نشر الأسلحة النووية، بلاوشير فَنْد Ploughshare Fund؛، واكبت الاعدادات وسير المفاوضات بدقة، واعربت عن موقفها الصريح بأن سردية الجانب الأميركي لا تدعمها الحقائق، بل انها “أميَل لتصديق” رواية كوريا الشمالية للنتائج المخيبة للآمال “إذ ليس من المستساغ أن يقدم (الرئيس) كيم على السفر مسافة 2،000 ميل لنحو ثلاثة أيام بالقطار دون أن يقدم مطالب عقلانية.” أما المستشار الأميركي، وفق المجموعة، جون “بولتون، على النحو المقابل، فليس له أي رغبة للتوصل إلى اتفاق مع كوريا الشمالية،” حسب توصيف مسؤولة المجموعة كاثرين كيلوغ، منوهة إلى مقالة بولتون المنشورة في يومية وول ستريت جورنال، قبيل انضمامه لطاقم الإدارة رسميا بعنوان “المبرر القانوني لقصف كوريا الشمالية أولاً.”

وشاطرها الرأي بمسؤولية بولتون النائب السابق  في مجلس النواب جون تيرني، الذي يشغل منصب المدير التنفيذي لمركز الحد من انتشار الأسلحة في واشنطن، قائلاً “.. بولتون أوضح بمعنى الكلمة أنه لا يؤمن بالاتفاقيات والمعاهدات الدولية.”

السؤال المحوري هو هل يعقل أن يملك أي فرد، مهما علا شأنه، ذاك القدر من النفوذ والتأثير على سياسة دولة مؤسسات عظمى بحجم الولايات المتحدة؟ وهل كُلّف بولتون، وما يمثله من امتدادات، جر الرئيس ترامب لتلك النهاية المفزعة للسياسة الأميركية. بالطبع بولتون يتصرف بوحي تام من مؤسسة كاملة من الأجهزة السياسية والعسكرية والاستخباراتية وكذلك من مسؤولين لم يبرحوا عقلية “الحرب الباردة” ولا يتوانون عن استعراض العضلات طمعاً في طلب تأييد الجمهور الأميركي وسردية فرادية بلاده و”تزعمها” للعالم.

تلك المؤسسة وبعض عقلائها ينطلقون من مسلمة استمرار الحرب “.. التي لا يُقصد منها أن تنتصر بل أن تستمر،” كما وصفها بعض الخبراء الاستراتيجيين؛ مما يعزز فرضية ما ذهبنا إليه أعلاه بأنها تطمح لاستمرار الوضع الراهن بما فيه “التعايش مع كوريا الشمالية واسلحتها النووية،” كي توفر الأرضية لاستمرار ابتزازها للدول الإقليمية بشكل رئيس.

هانوي

عند الساعة الثانية بعد الظهر، بتوقيت هانوي، عقد الرئيس ترامب مؤتمراً صحافياً على عجل ليفسر “أسباب انهيار” لقاء القمة محملاً المسؤولية لكوريا الشمالية لاصرارها على “رفع تام لنظام العقوبات.”  وأضاف بمرارة أن الفريق الأميركي المرافق له “أعدّ وثائق للتوقيع من قبل الطرفين.” بل أبلغ المكتب الإعلامي للبيت الأبيض الصحافيين الأميركيين موعداً محدداً “لاحتفالية التوقيع،” دون التطرق لطبيعة بنود الاتفاقية التي لم ترى النور.

وفد كوريا الشمالية، ممثلاً بوزير الخارجية ري يونغ هو، سارع بعقد مؤتمر صحفي مباشرة بعد الرئيس ترامب مما يوحي الأهمية البالغة التي “اضطرته” لعقد مؤتمرٍ موازٍ لعرض وجهة نظره على الفور مبيناً أن بلاده “عرضت على الجانب الأميركي عزمها على تقنين مبادرتها بتاريخ 20 نيسان (2018) لوقف التجارب على الصواريخ الباليستية طويلة المدى والمركبات النووية.”

يشار إلى أن سلسلة المفاوضات الثنائية السابقة تمحورت حول المنشأة النووية في “يونغ بيون التي تحوي بداخلها مفاعلاً نوويا يعمل بغاز الغرافيت بطاقة 5 ميغاوات، ومعدات الطرد المركزي لتخصيب اليورانيوم.” أما مراكز الأبحاث في الموقع المشار إليه ومنشآت أخرى فهي باقية ولم تدرج ضمن العرض الكوري أو إثارتها من الطرف الأميركي.

وزير الخارجية لكوريا الشمالية مضى موضحاً في لقائه الصحفي في هانوي قائلاً إن بلاده “كان لديها مطالب متسلسلة غاية في الوضوح” أبلغتها مراراً للجانب الأميركي أبرزها “رفع نظام العقوبات الخمسة الأخيرة من قبل مجلس الأمن الدولي مقابل (تفكيك) منشآت الانتاج النووية في منطقة يونغ بيون.”

مجموعة بلاوشير فَنْد وخبراء أميركيين أخرين أوضحوا لاحقاً أن الجانب الكوري الشمالي مضى قدماً بناء على “وعود” أميركية برفع نظام العقوبات، ومرحباً باتفاق ينهي حالة الحرب في شبه الجزيرة الكورية عارضاً  استعداده لافتتاح مكتب أميركي للتنسيق في العاصمة بيونغ يانغ. ولعل هذا الأمر ما دفع اصطفاف مسؤولة المجموعة وآخرين إلى “تصديق رواية كوريا الشمالية.”