2021-21-06-التقرير الأسبوعي

“أميركا عادت” .. لكن إلى متى؟

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

تسويق البيت الأبيض للجولة الخارجية الأولى للرئيس بايدن أثمر تجميداً لتدهور العلاقات بين القوتين العظميين، الولايات المتحدة وروسيا، وسعياً لتحقيق تقدم في معالجة أبرز التحديات العالمية وأخطرها بينهما.

بعد أن استهلّ بايدن الجولة بالقول إنها تحقيق حلم عمره “50 عاماً”، انهالت آيات الثناء على ملامح الإنجازات، أهمها من وزير الدفاع الجمهوري الأسبق، تشاك هيغل، الذي قال إن الرئيس بايدن “كان دائماً ما يرى السياسة الخارجية عنصراً غير مستقل عن السياسات الداخلية أو المصالح القومية” للبلاد، نظراً إلى ترابطهما الوثيق، “سواء في مجالات التجارة الخارجية أو قضايا المناخ والإرهاب والشؤون الدفاعية، وكلها مجتمعة تشكل عناصر مصالحنا” (نشرة “بوليتيكو”، 7 حزيران/يونيو 2021).

هذا “التقدم قد تظهر نتائجه بعد 6 أشهر”، بحسب توقعات طواقم مستشاري البيت الأبيض، وهي فترة زمنية قد تشهد جهوداً للتغلب على تشنجات السياسة الأميركية، إرضاءً لعقلية معسكر الحرب الباردة، ثم الانتقال إلى مرحلة “التفاؤل الحذر، للتوصل إلى ترتيبات مهذّبة مع (الرئيس) بوتين” (صحيفة “نيويورك تايمز”، 18 حزيران/يونيو 2021).

وعليه، اعتبرت مراكز صنع القرار السياسي في واشنطن “مجرد لقاء القمة إنجازاً كبيراً” لرؤية الرئيس بايدن، الذي أعطى الأولوية للمسار الديبلوماسي في الانفتاح وتقديم حلول للتحديات الراهنة، محلياً وعالمياً، والذي جسّده إعلان الرئيسين عودة سفيري بلديهما لممارسة مهامهما المعتادة، وترجمةً عمليةً أيضاً لشعار الرئيس بايدن بأن “أميركا عادت، وعادت معها الديبلوماسية”، لرسم معالم المرحلة المقبلة.

أما النخب الفكرية والسياسية الأميركية، فقد اعتبرت أن الرئيس بايدن ينتمي إلى عقلية الحرب الباردة، وخصوصاً أن بوصلة “سياساته الخارجية عالقة في آفاق القرن العشرين، وخططه للأزمات العالمية لا تفارق نمطية حلولٍ تقليدية عفا عليها الزمن”، وذلك في أول تحدٍ حقيقي له خلال العدوان الصهيوني على قطاع غزة “والحظر (الأميركي) المتكرر لإصدار مجلس الأمن الدولي” قراراً يدين العدوان (مجلة “نيو ريببلك”، 4 حزيران/يونيو 2021).

في مجال التوقعات الأميركية “المتواضعة” من الجولة الأوروبية ولقاء القمة، تجمع مراكز صنع القرار على 3 أهداف يمكن تحقيقها، أوجزتها صحيفة “نيويورك تايمز” بالقول: “إقناع الحلفاء الأوربيين بأن أميركا عائدة (لممارسة دورها الريادي)، وحشدهم خلف توجهات واشنطن لاحتواء صعود الصين، وإرساء “خطوط حمر” أمام الرئيس الروسي” الذي أضحى “خصماً معتبراً” (“نيويورك تايمز”، 18 حزيران/يونيو 2021).

النتيجة العامة، وفق تقييم هؤلاء، أن الرئيس بايدن “حقق” الهدف الأول بعودة بلاده بعد انقطاع فاعل وانقسام داخل صفوف دول الحلف. أما في مسألة احتواء الصين، فقد “حقق بعض التقدم لدى بعض الأوروبيين في ظل إعراض هائل لديهم عن التماشي معه باعتبار الصين مصدر تهديد، وخصوصاً في مجال التبادل التجاري”، نظراً إلى اعتماد اقتصاديات الدول الأوروبية، ولا سيما الغربية، على المنتجات الصينية بشكل ملحوظ.

وأعرب عدد لا بأس به من النخب الفكرية الأميركية عن شكوكهم في تمكّن الرئيس بايدن من إحداث تحوّل كبير في السياسة الخارجية في ولايته الأولى برمتها، نظراً إلى عدم اكتراث “قيادة الحزب الديموقراطي الحالية بإعادة التفكير (الجدي) في سياسات بلادها، وتجلياتها بإحاطة الرئيس بايدن نفسه بشخصيات موالية من داخل المؤسسة الحاكمة”، وتأييدها قرار العدوان على العراق وغزوه (مجلة “نيو ريببلك”، 4 حزيران/يونيو 2021).

النخب الفكرية الأميركية الأشد تأثيراً في صنع القرار السياسي، والمنضوية تحت مظلة “مجلس العلاقات الخارجية”، الذي يصدر دورية شهرية رصينة بعنوان “فورين أفيرز”، شاطرت الأوروبيين خشيتهم من تداعيات “أميركا عادت”، متسائلة “لكن إلى متى؟”

وأوضحت أن ترسّخ ذلك الشعور جاء نتيجة “اتساع هوة الخلافات الحزبية العميقة (في واشنطن)، والتي تؤسس لأرضية عدم اليقين بالتوجهات المستقبلية للسياسة الخارجية الأميركية” (“فورين أفيرز”، 14 حزيران/تموز 2021.

أما خلاف الأوروبيين مع توجهات واشنطن برفع حالة العداء مع الصين، فقد ترجم بعدم الرضى عن تصريحات وزير الخارجية الأميركي توني بلينكن، حين اتهم الصين بارتكاب سياسة “التطهير العرقي” بحق أقلية الأيغور، والإقلاع عن الاصطفاف وراء أولويات السياسة الأميركية.

بالنسبة إلى الهدف الأهم للجولة، المتمثل بإرساء تفاهمات عملية مع الرئيس الروسي، فإن المؤشرات الناتجة من مؤتمريهما الصحافيين المنفَصِلين “لا تدل على حدوث اختراق ملموس بوسعه إحداث تغيير كبير في تردي علاقاتهما” (“نيويورك تايمز”، 18 حزيران/يونيو 2021).

بعبارة أوضح، فشل الرئيس بايدن في ترجمة التوقعات الوردية، بسب ما أسماه كبار مستشاريه بأنه يتميز “بدوام التفاؤل، وربما هو الوحيد” الذي يؤمن بذلك، ويأخذ بعين الاعتبار توصيات مستشاريه بضرورة عدم عقد “مؤتمر صحافي مشترك”، لخشيتهم من بؤس أداء الرئيس الأميركي أمام نظيره الروسي، الذي “يعود مجدداً” إلى دائرة الاهتمام العالمي، والذي نجح نجاحاً باهراً في تسجيل تنازل واشنطن عن معارضتها أنبوب الغاز الروسي “نورد ستريم-2” إلى ألمانيا الغربية مباشرة.

التحول في قرار الرئيس بايدن بإجازة استكمال أنبوب النفط والغاز، اعتبرته شبكة “سي أن أن”، بنسختها العربية، أنه يشكل تأكيداً واضحاً على “حرصه تحقيق اختراق في قمة جنيف، ولو كان ذلك خلافاً لتوصية الخارجية الأميركية”.

وربما الأدق في هذا السياق ما أثير قبيل مغادرة الرئيس بايدن البيت الأبيض، بأن الرئيس بوتين استطاع “اختطاف أضواء المسرح الدولي” بسياساته الوطنية محلياً، وتحديه النفوذ الأميركي على المستوى العالمي، كما شهدنا في مؤتمره الصحافي بحضور وسائل الإعلام الأميركية والأوروبية. وعليه، من غير اللائق ظهور الرئيس بايدن إلى جانبه في وضع ضعيف، في ظل تراجع حالته الذهنية وظهور أعراض الشيخوخة عليه، كما يتردد بكثافة في واشنطن هذه الأيام.

العلاقات الثنائية بين العظميين، قبل لقاء القمة، شهدت موجة توترات أوشكت على أن تؤدي إلى نشوب اشتباكات عسكرية مباشرة بينهما، على خلفية تمدد حلف الناتو عسكرياً في منطقة البحر الأسود، أوجزتها مؤسسة “راند” النافذة لدى محافظي المؤسسة الأميركية الحاكمة، بالإشارة إلى انقطاع سبل “التواصل بينهما، والتي شهدت خللاً وظيفياً على كل مستويات العلاقة، بما فيها أعلى المستويات” (مؤسسة “راند”، 10 حزيران/يونيو 2021).

وصعّدت المؤسسة خطابها السياسي الذي يعكس عقلية الحرب الباردة بامتياز، معتبرة أن جدول أعمال الرئيس بايدن يشمل “على الأرجح مناقشة التدخل في الانتخابات (الأميركية)، والحملة الدعائية المضادة، والحد من الأسلحة، والاستقرار الاستراتيجي، وتمظهر روسيا العسكري، وإغلاق البعثات الديبلوماسية” لديهما.

وكذلك فعلت شبكة “سي بي أس” الأميركية للتلفزة، إذ حرّضت على روسيا بالقول: “استباقاً للقاء القمة بين بايدن وبوتين، نفذت روسيا ما وصفته بأنه أضخم مناورة عسكرية بحرية في المحيط الهاديء منذ (أفول) الحرب الباردة”، في إشارة إلى موقع المناورات البحرية التي تبعد عن شواطيء جزر هاوايي الأميركية بنحو 300-500 ميل، والتي “اشتركت فيها سفن عائمة وطائرات مضادة للغواصات وقاذفات بعيدة المدى”.

سرعان ما تبخرت “أجندة مؤسسة راند” في مؤتمر الرئيس بايدن الصحافي، بانتهاجه أسلوباً تصالحياً مع موسكو، قائلاً: “جدول أعمالي ليس معادياً لروسيا”، مؤكداً استكمال “إنجاز ما أتيت لأجله”، أي “انتهاج مسارٍ شديد التفاؤل” في العمل المشترك، والذي “يرسي أرضية لتوجه عظيم للمرة الثانية على الصعيدين الداخلي والخارجي” للرئيس بايدن (نشرة “آكسيوس”، 17 حزيران/تموز 2021).

في هذه الأثناء، برز حجم الهدر المالي في ميزانيات وزارة الدفاع الأميركية، أهمها “إنشاء منظومة دفاعية مضادة للصواريخ”، دشّنها الرئيس الأسبق جورج بوش الإبن في العام 2001، بتخصيص زيادة ثابتة في الميزانية الدفاعية، قيمتها 8 مليار دولار سنوياً، والتي وُوجهت برفض شديد من قبل “الاختصاصيين والديبلوماسيين وقيادات الحزب الديموقراطي” (نشرة “ديفينس وان”، 15 حزيران/يونيو 2021).

وأضافت النشرة أنه تم إنفاق “أكثر من 400 مليار دولار على مدى عدة عقود” على برامج تطوير وانتاج أسلحة لم تثبت نجاعتها، على أقل تقدير. واستعادت تعليقاً للسيناتور بايدن آنذاك، حذّر فيه من الهدر المنظم للموارد المالية، وخصوصاً أن الولايات المتحدة “لا تمتلك بنى تحتية لنظام رعاية صحية باستطاعته معالجة الجراثيم المسببة للأمراض التي تداهمنا على عجل”.

وذكّرت النشرة كل الأوساط السياسية بأن تحذير السيناتور بايدن من سباق التسلح النووي كان باستطاعته “توفير مئات الميارات من الدولارات على أسلحة لم تستوفِ شروط انتاجها، بل فشلت ميدانياً”.

ومضت النشرة المختصة بالشؤون العسكرية محذرةً قيادات البنتاغون ومؤيديهم في الكونغرس بأنهم “تجاهلوا عن عمد” إعلان الرئيس بوتين “دخول 5 نظم تسليح حديثة الخدمة الميدانية، من شأنها التغلب على نظم الدفاعات الأميركية أو تفاديها”، في العام 2018، وطالبتهم “بالاصغاء جيداً الآن”، وترجيح تحذيرات الرئيس بايدن من هول سباقات التسلح وتكاليفها المتزايدة باطّراد، والذي “باستطاعته تصحيح تراكم أخطاء الماضي”.

الاستنتاج الثابت من قمة العظميين أنها أرست مساراً لـ “خفض حدة التوتر” والذهاب النشط للتعاون المشترك في “الحد من التسلح.” أما الملفات المحلية والإقليمية، مثل سوريا وعلاقة روسيا بالصين، فقد تم إرجاؤها للمزيد من البحث بين اللجان المشتركة المختصة في المدى المنظور، والتي ستتأثر سلباً أو إيجاباً بتعاون البلدين في القضايا الكبرى التي تؤسس للاستقرار العالمي.

2021-15-06-التقرير الأسبوعي

الأهداف الكامنة وراء جولة بايدن الأوروبية

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

كأنّما استغرق الإعداد للجولة الخارجية الأولى للرئيس جو بايدن “50 عاماً”، بحسب الناطق باسم البيت الأبيض جن ساكي، لتسويق خبرته السياسية الطويلة أمام نظرائه وجمهور الأوروبيين، مقارنةً مع سلفه. وتشمل الجولة جملة لقاءات رفيعة المستوى، يتوّجها لقاء قمة بين رئيسي الدولتين العظميين جو بايدن وفلاديمير بوتين.

وقد درجت العادة في اللقاءات الدولية ذات الطابع الاستراتيجي تصعيد كل طرف خطابه السياسي عما ينوي نقاشه وتحقيقه مع خصمه. سنتناول في هذا التحليل الزاوية الأميركية والأهداف الكامنة وراء جولة الرئيس بايدن الأوروبية، على أن نستكمل في الجزء الثاني المقبل ما ستسفر عنه قمة الرئيسين بايدن وبوتين، والتي ينتظرها العالم بفارغ الصبر، لما تشيعه من أجواء وخيارات تنعكس سلباً أو إيجاباً على المرحلة القادمة دولياً.

مهّد الرئيس جو بايدن للأجواء الداخلية الأميركية بنشره مقالاً في صحيفة “واشنطن بوست”، ركّز فيه على أهمية التحالفات عبر الأطلسي “بقيادة واشنطن”، وتعزيز قدرة “المؤسّسات الديموقراطية على مواجهة التهديدات والتصدي لتحديات الأعداء في العصر الحديث”، مؤكّداً في خلاصته أنّ “الإجابة هي نعم. لدينا فرصة لإثبات ذلك هذا الأسبوع في أوروبا” (“واشنطن بوست”، 5 حزيران/يونيو 2021).

مراكز القوى المؤثرة في صناعة القرار السياسي الأميركي تدرك بشدة المدى الذي وصلت إليه الدول الأوروبية المختلفة من “خيبة أمل وشكوك في سياسات الإدارة السابقة”، وخصوصاً في ملفات بارزة، أهمها اشتراط واشنطن زيادة مساهمة دول حلف الأطلسي في كلفة الدفاع المشترك إلى معدل 2،5% من ناتجها القومي، وفرض الرسوم الجمركية، وانسحاب واشنطن من المعاهدات الدولية – الاتفاق النووي واتفاقية المناخ.

وعليه، تعلّق النخب السياسية آمالاً كبرى على نجاح مساعي الرئيس بايدن في ترميم العلاقات عبر الأطلسي وإصلاحها من ناحية، والتغلب على تحديات جائحة كورونا، نظراً إلى التراجع الملحوظ الذي ألحقته بالاقتصاد الأميركي والعالمي.

في السياق عينه، تباعدت أولويات دول الحلف الأساسية، ألمانيا وفرنسا، اللتين عزفتا عن الانخراط في صراع واشنطن وبكين وما يستدعيه من مهام عسكرية رديفة للتواجد الأميركي في المياه والقواعد الآسيوية، بينما انفردت بريطانيا بإرسالها حاملة طائراتها الحديثة “الملكة اليزابيث”، وعلى متنها سربا طائرات مقاتلة من طراز “أف-35″، لتعزيز التواجد العسكري الأميركي مقابل الصين.

ومن أبرز معالم تباين الأولويات على جانبي الأطلسي توقيع المجموعة الأوروبية “الاتفاق الشامل حول الاستثمار” مع الصين، عقب فوز بايدن، بعد مفاوضات طويلة استغرقت 7 سنوات، وتجميده حديثاً على خلفية الضغوط الأميركية المكثّفة على الصين.

تشير مراكز المؤسّسة الحاكمة في واشنطن إلى “تخوّف الدول الأوروبية” من التماهي مع السياسات الأميركية في المرحلة الراهنة، نظراً إلى خشيتها من عودة الحزب الجمهوري بتياره اليميني المتشدّد إلى السلطة، ليس في الانتخابات الرئاسية في العام 2024 فحسب، بل في الانتخابات النصفية في العام المقبل أيضاً، بحسب ما تتناقله المؤشرات واستطلاعات الرأي العام.

كما اعتبر الأوروبيون إقحام الرئيس الأميركي نفسه إلى جانب سياسات لندن الأخيرة أمراً غير مبرر، وذلك بإعلانه تأييد توحهات رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون فيما أطلق عليه سياسة تصدير “النقانق والشرائح الدسمة” إلى إيرلندا الشمالية التي تعارضها الدول الأوروبية بشدة، على خلفية الاحتقان العام، جراء انسحاب لندن من الاتحاد الأوروبي.

وفي هذا الصدد، أوضحت النشرة السياسية اليومية المتخصصة في شؤون الكونغرس “رول كول ((Roll Call” ما يدور من قلق في أروقة السياسة الأوروبية حيال تداعيات “اندفاع الحزب الجمهوري نحو اليمين، والذي لم يشهد تراجعاً منذ خسارة الرئيس دونالد ترامب إعادة انتخابه”، وما سيترتب عليه من تكرار التجربة الإقصائية السابقة (“رول كول”، 9 حزيران/يونيو 2021).

ما يدركه الأوروبيون أيضاً، بحسب النخب السياسية الأميركية، أن نسبةً ضئيلةً نسبياً من أصوات الناخبين الأميركيين شكّلت الفارق لخسارة الحزب الجمهوري، وهو ما أوضحته صحيفة “واشنطن بوست” حين قالت إنّ “الجمهوريين اقتربوا من السيطرة” على السلطتين التشريعية والتنفيذية في واشنطن، “بفارق 90،000 صوت” (“واشنطن بوست”، 9 شباط/فبراير 2021). ولولا تفشي جائحة كورونا وسوء إدارتها ربما، لتمكّن الجمهوريون من “تحقيق هدفهم”، كما تعتقد دوائر سياسية متعددة في واشنطن.

وأردفت “رول كول”، نقلاً عن “مركز التقدم الأميركي”، قائلة: “ألاوروبيون قلقون من أن عودة أميركا قد تكون مؤقتة”، للدلالة على شعار الرئيس بايدن بأنّ بلاده “عادت” لتتبوأ مركزها الدولي السابق. وشاطره الرأي “مجلس الأطلسي” في واشنطن وقراءته لتوجهات “الأوربيين وشعورهم بالخيبة في الأشهر الأولى لإدارة الرئيس بايدن” في عدد من الملفات الرئيسية، واعتقادهم الشائع بأنّ نزعة “أميركا أولا” التي روّجها الرئيس السابق ترامب “لم تأتِ من فراغ”، بل هي من صلب “الاستثنائية الأميركية”، بحسب شارلز كوبشان، المدير الأسبق للشؤون الأوروبية في مجلس الأمن القومي خلال ولاية الرئيس أوباما، والباحث البارز في “مجلس العلاقات الخارجية” المرموق.

رصدت الدوائر السياسية الأوروبية تباين تصريحات الرئيس الأميركي مع أفعاله وسياساته المعلنة، وخصوصاً تشديده على نيّته العمل بصورة جماعية، بينما “تصرّف على انفراد في عددٍ من المواقف، من دون التنسيق المسبق مع الشركاء الأوروبيين”، أبرزها إعلانه انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان في شهر نيسان/إبريل الماضي على انفراد، ما دفع ألمانيا إلى “الإسراع في بلورة خطة انسحاب منظمة لقواتها منها، والتي يبلغ تعدادها 1،300 جندي”.

آخر الحوادث بالنسبة للأوربيين كان إعلان الرئيس بايدن، من دون أدنى تنسيق معهم، “تنازل الولايات المتحدة عن براءات اختراع لقاحا مضادة لفايروس كورونا” (صحيفة “نيويورك تايمز”، 6 أيار/مايو 2021).

في موازاة ظاهرة بروز اليمين الأميركي المتطرف ، تشهد أوروبا صعوداً ملحوظاً لـ “اليمين المتطرف” الذي استطاع الوصول إلى الرايخستاغ (البرلمان) الألماني لأول مرة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وانتعاش النزعات الانفصالية داخل “المملكة المتحدة” بعد بريكست. ويبدو  أن المشهد الفرنسي لا يقل سوءاً عن نظيره في ألمانيا، فمن المتوقّع أن يواجه الرئيس إيمانويل ماكرون منافسته المرشحة اليمينية مارين لوبان في الانتخابات الرئاسية المقبلة، والتي تشير استطلاعات الرأي الفرنسية إلى أن “حظوظها أفضل بكثير من انتخابات العام 2017” (وكالة “رويترز” للأنباء، 9 نيسان/إبريل 2021).

 

مجموعة الدّول السبع

مهّد البيت الأبيض لحضور الرئيس بايدن لقاء مجموعة “الدول السبع” الصناعية كمقدّمة لفرض الأجندة الأميركية على اللقاء الذي تحضره الدول الغربية، إضافة إلى “كوريا الجنوبية وجنوب إفريقيا واستراليا والهند”، عقب دعوتها لأول مرة بصفة “ضيف”، تحشيداً للتوجه الأميركي المناهض للصين وروسيا.

وأوضح بيان البيت الأبيض أن الرئيس بايدن ينوي الحصول على تأييد تلك الدول لخطة “إعادة بناء العالم بشكل أفضل” ،لمنافسة خطة “طريق الحرير الجديدة” الصينية، بحسب بيان البيت الأبيض في 12 حزيران/يونيو 2021.

لتسويق تلك الرؤيا الأميركية، تبنّى البيان الختامي للمجموعة خطّة “تبرّع الدول السبع إلى لدول النامية بنحو مليار جرعة لقاح مضاد لكورونا، تكون حصّة الولايات المتحدة منها 500 مليون جرعة”، وتسليم “200 مليون جرعة مع نهاية العام الحالي”، مع ما يترتب عليها من إنشاء صندوق مالي “لمساعدة الدول المحتاجة”.

أهمية تكتل “الدول السبع” ومستقبلها لا يزالان قيد البحث، وسط انتشار شكوك داخل النخب السياسية الأميركية في جدوى تلك المجموعة، في ضوء المتغيرات والتطورات الدولية، وخصوصاً أن العنوان الرئيسي لأجندتها يتمحور حول “إدامة التوتر مع روسيا والصين”، بينما يواجه القادة الأوروبيون “قائمة طويلة من التحديات الداخلية، أبرزها إدارة تداعيات بريكست والمحافظة على قدر معقول من التماسك الداخلي، في ظلّ تصاعد النزعات القومية”، بحسب وصف “مجلس العلاقات الخارجية” في 8 حزيران/يونيو 2021.

لإنقاذ سمعة الولايات المتحدة وهيبتها المتدهورة “ينصح” رئيس مجلس العلاقات الخارجية، ريتشارد هاس، صنّاع القرار  بتبنّي “تكتّل جديد من القوى، يضم الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي والهند واليابان وروسيا، ويضع نصب عينيه التعاون العملياتي، عوضاً عن التحالفات الإيديولوجية”، وتكون مهمّته “بحث إدارة القضايا ذات الطابع العالمي، مثل الاقتصاد والأمن الدوليين وسياسة الطاقة”. إنها شهادة واضحة بانتفاء غرض انشاء التكتل الغربي في مواجهة صعود روسيا والصين.

 

قمة بايدن وبوتين

سيتوّج الرئيس بايدن جولته الأوروبية بلقاء قمة مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين في جنيف في 16 حزيران/يونيو الجاري، تتزاحم فيها الملفات الدولية والثنائية، وكذلك “الاستقرار النووي الاستراتيجي والصراعات الإقليمية”، بيد أنّ توقعات الطرفين بنتائج ملموسة تبقى باهتة ومتواضعة، كما جاء على لسان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، الذي قال: “ليس لدى روسيا توقّعات مبالغ بها” لنتائج القمة، على الرغم من أهمية المحادثات المباشرة بينهما.

بدوره “ألمح” الجانب الأميركي إلى أنّ لقاء القمّة “لا يشمل عقد مؤتمر صحفي مشترك”، بخلاف لقاء هيلسنكي في العام 2018 بين الرئيس السابق دونالد ترامب والرئيس الروسي بوتين، ما يدل على “توتر وصراع محتدم” داخل دائرة صنع القرار الأميركي.

الاستراتيجية الأميركية الثابتة تعتبر “الصين، لا روسيا”، مصدر التهديد الرئيسي عالمياً للولايات المتحدة، التي يدعو بعض مفكّريها الاستراتيجيين إلى اتّباع نهج “تحييد روسيا عن الصراع المباشر، وإبداء بعض الليونة تجاهها”، ما فسّره البعض “تنازلاً” من الرئيس بايدن عن معارضة بلاده لمشروع أنبوب الغاز الروسي إلى ألمانيا “نورد ستريم-2″، وفي الطرف الآخر تأكيد منه، قبل بدء جولته الأوروبية، أنّ “مسألة الهجمات الإلكترونية ستكون مدرجة” على جدول أعمال نقاش الجانبين، وفي الخلفية “تأكيد مكتب التحقيقات الفيدرالي تورط مجموعة قرصنة الكترونية مرتبطة بروسيا في استهداف أكبر شركة لحوم في العالم، وتقديم مجموعة “ريفيل” إلى العدالة”، 3 حزيران/يونيو 2021.

وأكدت الناطق باسم البيت الأبيض جن ساكي أن الرئيس بايدن “سيبحث مع الرئيس بوتين” قضية الأمن السيبراني، في ظلّ الهجوم الإلكتروني على شركة اللحوم المذكورة في 3 حزيران/تموز 2021.

وإمعاناً في نقل الرسالة بوضوح، صرّح وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن لشبكة “سي أن أن”، الناطقة باللغة الإسبانية، أنه “يتعيّن على روسيا وقف الهجمات الإلكترونية”، وذلك في 4 حزيران الجاري، بينما قال الرئيس الأميركي في وقت سابق: “في الوقت الحالي ليس لدى المخابرات الأمريكية أيّ دليل على تورط روسيا في الهجوم على مشغل خط أنابيب كولونيال”.

2021-06-06-التقرير الأسبوعي

أميركا تتجسس على حلفائها
و”إسرائيل” تتجسس عليها

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

تزامن إعلان البيت الأبيض عن زيارة الرئيس جو بايدن الأولى لأوروبا، من 11 إلى 14 حزيران/يونيو الحالي، مع تبلور أزمة ثقة علنية بين واشنطن وكبار حلفائها الأوروبيين، بعد الكشف عن “تنصّت وكالة الأمن القومي” على كبار السياسيين في ألمانيا والسويد والنرويج وفرنسا، عبر خطوط شبكة الانترنت الدانماركية تحت الماء من العام 2012 إلى 2014.

وقد شمل التنصّت “مراسلات الهاتف الخاص للمستشارة الألمانية أنغيلا ميركيل، ووزير خارجيتها (السابق) فرانك فالتر شتاينماير، وزعيم المعارضة (آنذاك) بير شتاينبروك، والرئيس الفرنسي مانويل ماكرون”.

استغلت واشنطن “اتفاقية الكابل” المبرمة مع الدانمارك في تسعينيات القرن الماضي للتجسس على المسؤولين الأوروبيين. تسمح هذه الاتفاقية لواشنطن بالوصول إلى “كابلات الاتصالات السلكية واللاسلكية في (أراضي ومياه) الدانمارك”. وقد آثرت الصمت بعد انتشار الخبر، تأكيداً على سياستها التي تعتبر “العمليات الاستخباراتية السرية أداة مشروعة”. أما الاستخبارات الدانماركية، “شريكتها في الجريمة”، فقد رفضت التعليق على ما نشر.

على الرغم من تحالفهما الاستراتيجي أثبتت واشنطن أنها لا تثق بالمستشارة الألمانية التي عارضت عدوان حلف الناتو على ليبيا في العام 2011، والكشف عن تجسس واشنطن على هاتف ميركل الشخصي في العام 2013، “لشكوكها في مدى توافق مصالح الآخرين مع مصالحها”، بحسب النخب السياسية في مركز أبحاث “مؤسسة أميركا الجديدة”. وتتجسد عدم الثقة بينهما فيما يخص السياسة الأميركية نحو روسيا، وإصرار ألمانيا على استكمال العمل في مشروع بناء أنبوب الغاز الروسي “نورد ستريم 2”.

مقارنة مع عدم الثقة المتبادلة بين برلين وواشنطن، تعزز الأخيرة سبل التعاون الاستخباراتي مع تحالف “العيون الخمس”، أي الدول الغربية الناطقة بالانكليزية، وهي أميركا وبريطانيا وكندا واستراليا ونيوزيلندا، والتي يشاع أنها “لا تتجسس على قادة بعضها بعضاً”. في حقيقة الأمر، استثمرت واشنطن بشكل دائم وسخي في مقر الاستخبارات البريطانية وقدراتها التي تعدّها “الأكثر قيمة للاستخبارات الأميركية”.

أوضحت الوثائق السرّية التي كشف عنها المتعاقد السابق مع “وكالة الأمن القومي”، إدوارد سنودن، مديات التعاون الوثيق بين جهازي الاستخبارات الأميركي والبريطاني، ما دفع صحيفة “الغارديان” البريطانية القول إن وكالة الأمن القومي الأميركية موّلت ميزانية نظيرتها البريطانية “بنحو 100 مليون جنيه استرليني لمدة 3 سنوات في الحد الأدنى، لضمان نفوذها وسطوتها على برامج التجسس البريطانية”، منها نحو 15.5 مليون استرليني لتحديث مقرٍ استخباراتي موازٍ لها في مدينة “بود” الساحلية شمال شرق كورنوال (“الغارديان”، 1 آب/أغسطس 2013).

وأضافت الصحيفة أن سنودن حذّر من مخاطر العلاقة الوثيقة بين جهازي الاستخبارات المذكورين، “نظراً إلى جهودهما المشتركة في تطوير آليات تعينهما على التقاط مكالمات واتصالات عبر الانترنت وتحليلها، بل إن الجهاز البريطاني أسوأ من نظيره الأميركي”.

وأردفت في توضيح العلاقة الاستخباراتية قائلة إن “وكالة الأمن القومي تتحمل نصف كلفة موقع تنصت بريطاني في قبرص. وعليه، ينبغي للاستخبارات البريطانية الأخذ بعين الاعتبار وجهة النظر الأميركية عند إقرارها بأولوياتها العملياتية”.

لعل الجديد والأكثر خطورة في تعاون واشنطن ولندن الاستخباراتي استحداثهما نظاماً للتجسس على طائرات النقل المدنية منذ عام 2005، “لمراقبة الهواتف المحمولة جواً، وتتبّع إشارات الأقمار الاصطناعية والمحطات الأرضية السرّية”، وهو الأمر الذي أضحى متاحاً بعد سماح معظم شركات الطيران المدني باستخدام الهواتف الخاصة على متنها. من جانبه، نقل سنودن عن وثيقة داخلية لوكالة الأمن القومي في العام 2009 بأن “السماء يمكن أن تصبح مُلكاً للوكالة الأميركية”.

 

“تجسس إسرائيل” على أميركا

لم يكن الجاسوس مزدوج الجنسية جوناثان بولارد الأول أو الأخير في مسار التجسس “الإسرائيلي” على أركان الدولة الأميركية ومرافقها الرسمية والتجارية والفكرية، وهو الذي أمضى 30 عاماً خلف القضبان. وما فتئت الحكومات “الإسرائيلية” تسخّر ما استطاعت من موارد وجهود ومواطن ضغط من أجل إطلاق سراحه قبل انتهاء محكوميته، ما اضطر مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأسبق، جورج تينيت، التهديد بتقديم استقالته، في العام 1998، في حال رضخت إدارة الرئيس بيل كلينتون لضغوط “اللوبي الإسرائيلي”.

الثابت في علاقة الطرفين “المميزة” هو مسار طويل من التجسس المتبادل، أحدثها كان عثور الأجهزة الأمنية الأميركية على “أجهزة مراقبة للهواتف المحمولة قرب البيت الأبيض ومواقع أخرى حساسة في واشنطن” في العام 2019، ولكن لم يقم الرئيس السابق دونالد ترامب “بتوبيخ الحكومة الإسرائيلية” على فعلتها، كما درجت العادة. وأكدت الأجهزة الأمنية الأميركية مسؤولية “إسرائيل” في زرع أجهزة تنصت في أنحاء مختلفة من العاصمة واشنطن.

وعليه، تصدرت “إسرائيل” قائمة الدول النشطة في التجسس على الولايات المتحدة روسيا والصين، بحسب تقارير المسؤولين الأمنيين، كما وثقت نشرة النخب السياسية “بوليتيكو” ذلك بتاريخ 12 أيلول/سبتمبر 2019. ونالت “إسرائيل” مرتبة “الاستخبارات الأجنبية المعادية” للولايات المتحدة، بموجب وثيقة استخباراتية سرّية في العام 2013.

وأكد مدير قسم الموارد العالمية لمكافحة التجسس لدى “وكالة الأمن القومي” مكمن الخطر في مذكرة سرّية في العام 2008، بتحديده “إسرائيل” مراراً بصفتها أول مصدر تهديد للأمن القومي الأميركي، قائلاً: “أحد أكبر التهديدات التي تواجهها وكالة الأمن القومي مصدره وكالات استخباراتية صديقة، مثل إسرائيل”.

ومنذ أحداث 11 أيلول / سبتمبر 2001، عززت الأجهزة الأمنية الأميركية جهودها الاستخباراتية. ونشرت صحيفة “واشنطن بوست” تقريراً أطلقت عليه “الميزانية السوداء” لمجمّع الأجهزة الاستخباراتية الأميركية، تحدثت فيه عن رصد ميزانية تقدر بـ 52.6 مليار دولار لتلك الجهود في العام 2013 (“واشنطن بوست”، 29 آب/أغسطس 2013).

واستطردت الصحيفة قائلة إن “إسرائيل” جاء ذكرها في نواحٍ متعددة من من تقرير الميزانية المذكورة، بصفتها “هدفاً استخباراتياً رئيسياً”، ووصفت أيضاً بأنها “جهاز استخبارات أجنبي معادٍ” للولايات المتحدة.

الضابط السابق في الـ”سي آي إيه”، بول بيلار، بعد استقالته من الخدمة التي دامت 28 عاماً، كان شاهداً على عدد من حوادث تجسس “إسرائيل” على بلاده، أولها تجسس “الملحق العسكري الإسرائيلي في واشنطن، فرايم بن أرتزي” في العام 1948.

وقال لمجلة “نيوزويك” إن “الحركة الصهيونية أرسلت جواسيسها إلى الولايات المتحدة قبل إعلان قيام دولة إسرائيل”، وإنهم “حصلوا على المكونات الرئيسية لقنابلهم النووية من أميركا” (“نيوزويك”، 6 أيار/مايو، 2014).

تورد “وكالة الأمن القومي”، بين الفينة والأخرى، بيانات تتحدث عن “استهداف إسرائيل للحكومة الأميركية عبر أجهزة تنصت الكترونية، من ضمنها أجهزة هواتف محمولة مخترقة” اصطلح على تسميتها نظم “ستينغ راي”، والتي تقوم بخداع الأجهزة المحمولة لإرسال مواقعها وبيانات هويتها الخاصة ومحتوى البيانات المستخدمة، وهو ما كشفته نشرة “بوليتيكو” (12 أيلول/سبتمبر 2019).

واستطردت النشرة قائلة إن أحد ضباط جهاز مكتب التحقيقات الفيدرالي أكد أن قسم “مكافحة التجسس” لديه أجرى تحليلاً لتحديد مصدر تلك الأجهزة، “ومن الواضح أن الإسرائيليين كانوا مسؤولين” عنها.

يشكو ضباط الاستخبارات الأميركية من إفراط عملاء الاستخبارات “الإسرائيلية” في الثقة بنفسهم وإفلاتهم من العقاب. وقد أوضح المنسق السابق لمكافحة الإرهاب، دانيال بينجامين، الأمر في مقابلة مع نشرة “بوليتيكو”، قائلاً: “أبلغني مسؤول رفيع في الموساد بأن إسرائيل لا تتجسس على الولايات المتحدة. فرددت عليه بأن نقاشنا انتهى ما دام يشك في مستوى ذكائي” (“بوليتيكو”، 12 أيلول/سبتمبر 2019).

بناء على ما تقدّم، ليس المراد تحديد حوادث التجسّس المستمرة من تل أبيب ضد واشنطن، وعلى المستويات كافة، بل الإضاءة على زاوية كانت وسائل الإعلام الأميركية، الرسمية وشبه الرسمية، تتفادى الدخول في متاهاتها، تجنباً لعواقبها وما ستسفر عنه من تداعيات على مجمل المشهد السياسي الأميركي.

2021-30-05-التقرير الأسبوعي

كيف نظرت أميركا إلى المعركة الأخيرة
واختراق غزة للقبة الحديدية “الإسرائيلية”

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

لم تستطع وسائل الإعلام الأميركية ومراكز صنع القرار الاستمرار بالتباهي بفعالية أداء التقنية العسكرية “الإسرائيلية” أمام استمرار المقاومة الفلسطينية بإطلاق صواريخها واختراقها الدفاعات الجوية للاحتلال ودرتها “القبة الحديدية”، التي تعاقد الجيش الأميركي لشرائها من “إسرائيل” في شهر شباط/فبراير 2019، نظراً إلى “احتياجات الجيش الفورية”، واحتوائها مكونات من صناعة شركة “رايثيون” الأميركية، بحسب بيانات الطرفين آنذاك.

سيستعرض “التحليل” الجوانب العسكرية في المواجهة الأخيرة في غزة بأبعاد أميركية وغربية صرفة، وتداعياتها على المشهد السياسي العام.

من غير المألوف إشارة الجانب الأميركي إلى ما لديه من “مخزون استراتيجي” ضخم من الأسلحة في المنطقة. لقدلاأوضحت نشرة النخب السياسية “بوليتيكو” أن واشنطن “أوجدت منشآت عسكرية احتياطية في إسرائيل لتخزين معدات عسكرية تشمل ذخائر وقنابل “ذكية” وصواريخ وعربات عسكرية”.

أما الهدف الأصلي فهو “استخدامها من قبل القوات الأميركية في المنطقة”، لكن المعدات “تسلمتها إسرائيل في ظروف استثنائية للاستخدام خلال المواجهات، من ضمنها الحرب على غزة في العام 2014″، (“بوليتيكو”، 19 أيار/مايو 2021).

في الشق العسكري الصرف، تصدرت “ترسانة حماس الصاروخية” اهتمامات مختلف منابر النخب السياسية والعسكرية على السواء طيلة فترة الاشتباكات وما بعدها. من بين تلك المنابر، نشير إلى مجلة المال والأعمال “فوربز”، التي نشرت تحقيقاً مطولاً من جزأين؛ الأول سلط الضوء على “كيفية تحكّم ترسانة حماس بمجريات حرب غزة في أيار/مايو 2021″، والآخر سيصدر قريباً، وسيتناول “الأسلحة الإسرائيلية المستخدمة في الحرب وتأثيرها في حماس والغزاويين بشكل عام” (25 أيار/مايو 2021).

كما رصدت كبريات الصحف الأميركية، “نيويورك تايمز” و “واشنطن بوست”، و شبكة “سي أن أن”، تطور الترسانة الصاروخية في غزة، و”الإشادة” بفعالية القبة الحديدية، نقلاً عن “الناطق العسكري الإسرائيلي”، ما اضطر شبكة “سي أن أن” إلى التبرير بأن “القبة الحديدية الإسرائيلية لا تلاحق كل صاروخ ترصده” (18 أيار/مايو 202).

تجاهلت وسائل الإعلام الأميركية الكبرى قدرة تخطيط المقاومة لتفادي “القبة الحديدية” واختراق نطاق تغطيتها، وربما انفردت اسبوعية “ناشيونال انترست” في التشكيك بفعالية منظومة الدفاع الجوي في الأيام الأولى للقصف الصاروخي، متسائلة: “هل تكفي قبة إسرائيل الحديدية لحمايتها من حماس؟”، واعتبرت “فشل حوالي 400 صاروخ من مجموع 1600 صاروخ أطلقتها حماس في الوصول إلى إسرائيل” نصراً يدعم السردية إن “نسبة النجاح في التصدي والتدمير تزيد عن 90%” (13 أيار/مايو 2021).

مع تطور المواجهة واستمرارها فترة 11 يوماً متواصلة، يمكننا رصد تحولات أولية في مسلمات العلاقة الثنائية بين “الولايات المتحدة وإسرائيل”، وخشية النخب من انجرار واشنطن إلى حرب لا ترغب فيها في الشرق الأوسط ، في الوقت الذي توجه مواردها الاستراتيجية باتجاه الصين وروسيا، ما دفع مجلة “فورين بوليسي” في 27 أيار/مايو  2021 إلى التأكيد أن “الأهمية الاستراتيجية لإسرائيل أقل بكثير مما كانت عليه خلال الحرب الباردة” بالنسبة إلى واشنطن، بل ذهب بعض النخب السياسية إلى اتهام “إسرائيل بأنها نزيف كبير في الخزانة الأميركية،” وأنها “تستهلك موارد هائلة من المعونات العسكرية وغير العسكرية”.

في بُعد قدرات فصائل المقاومة في غزة وأدائها، نقلت وسائل الإعلام الأميركية عن تقارير لمحطة “بي بي سي” البريطانية وغيرها، كي لا تسجل على نفسها مسؤولية الإقرار بعكس السردية النمطية والارتكاز على “الناطق العسكري الإسرائيلي”.

ومنذ اللحظة الأولى، اعتبرت أن “أهم سلاح في ترسانة الفلسطينيين هو امتلاكهم مجموعة متنوعة جداً من صواريخ أرض – أرض، الجزء الأكبر منها مصنع محلياً. وقد أدت الخبرة والمعرفة الإيرانية دوراً مهماً في بناء هذه الصناعة” (“بي بي سي”، 14 أيار/مايو 2021).

أشار تحقيق مجلة “فوربز” إلى إطلاق “كتائب القسام وحركة الجهاد الإسلامي نحو 4،300 صاروخ من مجموع مخزون يبلغ تعداده 14،000″، لكن الصواريخ تعاني من فقدان “نظم توجيه” الكترونية” (25 أيار/مايو 2021). أما صحيفة “نيويورك تايمز”، فقد اعتبرت أن ما تبقى لدى حركة “حماس” هو 8،000 صاروخ (21 أيار/مايو 2021).

اللافت في تحقيق “فوربز” إقرارها الفريد بين قريناتها بأن “صورايخ حماس والجهاد لم تستهدف مراكز السكن المدنية بصورة حصرية، بل استهدفت 6 قواعد عسكرية اسرائيلية ومطارات على الأقل، ومنصات نفط بحرية، ومفاعلات توليد الطاقة وتوزيعها، وخزان نفط في عسقلان، وكذلك أنبوب نفط اسدود – إيلات، وأغلقت مجال السفر في عدد من المطارات الإسرائيلية”. أما حجم الدمار الذي لحق بالمنشآت “الإسرائيلية”، فقد تم التغاضي عنه.

تكتيك فصائل المقاومة للتغلب على “القبة الحديدة”، بحسب التقرير، انصب على توجيه “صليات متزامنة وصلت إلى نحو 50 صاروخاً، للتغلب على بطاريات القبة الحديدية وإمطارها بأهداف أكبر من طاقتها”.

وأضافت المجلة أن لدى “حماس والجهاد” مخزوناً كبيراً من قذائف الهاون، منها نموذج 82- ملم السوفياتي، والأشد قوة 120-ملم، ونموذج “أتش أن-16” الإيراني الصنع، وهي أدق في الإصابة من الصواريخ، لكن مداها يتراوح بين 3 – 5 أميال، كما أنها تغطي المستوطنات “الإسرائيلية” وتمركز القوات على حدود غزة. وتسببت “صلية من 50 قذيفة هاون بمقتل اثنين من العمال التايلانديين في مجمع اشكول الإقليمي”.

كما تضم ترسانة الصواريخ في غزة “مخزوناً كبيراً من الصواريخ القصيرة المدى، مثل القسام (بمدى يبلغ 10 كلم) والقدس – 101 (بمدى 16 كلم)، وصاروخ غراد (بمدى 55 كلم)، وصاروخ سجيل – 55 (بمدى 55 كلم)”، وكذلك مجموعة من الصواريخ الطويلة الأمد، “مثل أم-75 (بمدى 75 كلم)، الفجر (بمدى 100 كلم)، 160-آر (بمدى 120 كلم)، أم-302-أس (بمدى 200 كلم)”، إضافة إلى صاروخ “عيّاش 250” (بمدى 220 كلم) (“بي بي سي”، 14 أيار/مايو 2021).

الصاروخ المضاد للدبابات، “كورنيت”، نال حيزاً بارزاً من الاهتمام الأميركي، لكونه “روسي الصنع، ويعمل بأشعة الليزر الموجهة” بفعالية عالية “تؤهله لاختراق أكثر الدبابات تحصيناً عن بُعد لأكثر من 3 أميال”. وتمتلك الترسانة في غزة  صواريخ سوفياتية قديمة من طراز “ماليوتكا وفاغوت 9 أم 111، وقذائف كونكورس 9 أم 113 ، ونموذج صاروخ فاغوت من انتاج كوريا الشمالية يدعى بولسيه 2” (“فوربز”، 25 أيار/مايو 2021).

واستطردت المجلة قائلة إن قيام قوات الفصائل الفلسطينية بإطلاق مضادات الدبابات كان “وسيلة فعالة وحيدة لاستهداف القوات الإسرائيلية، لكن هذه المضادات تعرضت لاستهداف إسرائيلي، زعم أنه قضى على 7 فرق منها، عبر موارد استخباراتية لرصد تلك المجموعات واستهدافها”.

وأردفت قائلة إن المقاومة استخدمت “عدداً من الطائرات المسيّرة الهجومية في حرب أيار/مايو 2021، من دون رصد أي نجاحات، من ضمنها طائرة “شهاب” الانتحارية المصنوعة في غزة طبقاً لنموذج إيراني من طراز أبابيل-2″.

واستناداً إلى ما نقلته عن “الناطق العسكري الإسرائيلي” فإن “مسيّرة “شهاب” حاولت الانقضاض على منصة النفط البحرية، ولكنْ أسقطتها مقاتلة من طراز أف-16، وثمة مسيّرات أخرى اسقطتها القبة الحديدية”. كما أكد “الناطق العسكري اعتراض 4 مسيّرات أخرى باستخدام وسائل سرية، ربما يقصد عبر التشويش الالكتروني”.

لم يتطرق التقرير المطول المذكور إلى مسألتين بالغتي الأهميةن هما “كيفية اختراق حماس للقبة الحديدية” و كيفية “تمكن غزة من تصنيع صواريخها وقذائفها في ظل حصار مطبق عليها”.

في المسألة الأولى، اختراق القبة، استندت التغطية الإعلامية إلى تقرير لصحيفة “تلغراف” البريطانية بعنوان “كيف اخترقت حماس درع القبة الحديدية الشهير لإسرائيل؟”، للدلالة على إطلاقها “عددتً هائلاً من الصواريخ  يمكنه أن يشكل تهديداً للقبة الحديدية، إذ تبلغ تكلفة كل صاروخ اعتراض نحو 50 ألف دولار، وفقاً للجيش الإسرائيلي.”

 

صواريخ مصدرها مواسير مياه وذخيرة بريطانية

أما شبكة “بي بي سي” البريطانية، فقد أرجعت الأمر إلى “اختراق صيني، إذ تمكن قراصنة إلكترونيون من الاستيلاء على عدة وثائق سرّية من شركتين حكوميتين اسرائيلتين طورتا القبة الحديدية”. وأوضحت أنها “اطّلعت على أدلّة في تموز/يوليو 2014 تؤكد” الاختراق الذي استمر  لعدة أشهر.” وحول طبيعة “الأدلّة”، قالت الشبكة الإذاعية إنها تتعلق بـ “صواريخ آرو 3، وطائرات من دون طيار، وقذائف صاروخية”، لكن لم يؤكد إي من المصادر الرسمية أو شبه الرسمية ما ذهبت إليه “بي بي سي”.

بالنسبة إلى التصنيع المحلي في غزة للترسانة والذخيرة المطلوبة، أوضح بعض الخبراء العسكريون أن “كتائب القسام نفذت مشروعاً أطلقت عليه جمع مخلفات القذائف والقنابل الإسرائيلية  (بالآلاف) التي لم تنفجر في العام 2014، وقامت بإعادة تصنيعها واستثمارها، وضاعفت قوتها الصاروخية، وحققت كثافة وإدامة للنيران”.

مصادر المواد الأولية كانت من المخلفات في باطن الأرض والبحر: “خطوط مياه إسرائيلية، وذخائر غرقت في بحر غزة” خلال الحرب العالمية الثانية.

خطوط المياه، كما فسّر أولئك الخبراء، هي ثمرة “نجاح الفصائل الفلسطينية في الوصول إلى خطوط أنابيب طويلة وضخمة، كانت إسرائيل قد مدتها بهدف سرقة المياه الجوفية من غزة. وقد وفّرت هذه الأنابيب المعادن الكافية لصناعة الصواريخ” والصناعات الحربية الأخرى.

أما الذخائر القديمة الغارقة، فهي ثمرة “تمكّن وحدة الضفادع البشرية لدى (كتائب) القسام من الوصول إلى بقايا مدمرتين بريطانيتين غارقتين في سواحل غزة منذ الحرب العالمية الثانية، وشكلت الذخائر المخزنة فيهما مصدراً جديداً زاد من القوة التدميرية للصواريخ الفلسطينية”.

ما تقدم أعلاه من تفسير، يؤكده بعض أهالي غزة في أحاديثهم الشخصية، بناء على ما تلقوه من معلومات ميدانية من بعض المنتسبين إلى فصائل المقاومة. ويضيف هؤلاء أن “الفصائل الفلسطينية استثمرت بحر غزة كميدان تجارب للصواريخ الجديدة، ووظفتها في استهداف الترسانة المسلحة الإسرائيلية، وكانت نتائجها مجدية وفعّالة”.

وبحسب تقرير شبكة “بي بي سي”، فإن كلفة صواريخ فصائل المقاومة “القصيرة المدى تقدر بين 300 – 800 دولار للصاروخ الواحد، مقابل ما لا يقل عن 50،000 دولار لصاروخ اعتراض القبة الحديدية، التي تحتاج إلى وقت طويل لإعادة تذخيرها”، مؤكدة في نهاية تقريرها أن “المخابرات الإسرائيلية في أحسن الأحوال لديها تقديرات غير كاملة” عن حجم الترسانة الصاروخية في غزة (“بي بي سي”، 13 أيار/مايو 2021).

وختمت مجلة “فوربز” تقريرها بالإشادة بالتصنيع المحلي قائلة: “أثبتت حماس قدرتها على التصنيع المحلي لترسانة صاروخية مترامية الأطراف، والتي بفضلها تستطيع إدامة استهدافها للمدن الإسرائيلية على الرغم من القصف الإسرائيلي الهائل. ويمكنها توجيه قدرة نارية أكبر، وفي مديات أبعد مما شهدته إبان الحرب في العام 2014”.

لا نجد مفراً من تناول ظاهرة تتداولها كبريات وسائل الإعلام الأميركية بالتزامن مع الانتصار المرحلي للجانب الفلسطيني، وهي استحداث “ارتفاع مؤشرات العداء للسامية” في أميركا تحديداً، وفي الدول الغربية بشكل عام. وتكاد لا تخلو تغطية من التذكير بذلك، لصرف الأنظار عن هزالة أداء الكيان وتراجع دوره الوظيفي في مجمل الاستراتيجية الأميركية، “وتصريف منسوب العداء بعيداً عنه”، ما اضطر الرئيس بايدن إلى التدخل المباشر وإقراره بأنه أجرى ما يزيد عن “60 مكالمة هاتفية مع زعماء المنطقة” لفرض وقف إطلاق النار. وربما سيجري تناول تلك “الظاهرة” بتفصيل أعمق في المستقبل القريب.

أما بيانات استطلاعات الرأي الأميركية، فتشير إلى أزمة “إسرائيل” في مكان آخر، شكّل في السابق مخزوناً موثوقاً لدعمها، فقد تقلّصت مستويات تأييدها “بين صفوف المسيحيين الإنجيليين إلى 33%”، مقارنة مع 75% في العام 2018 (استطلاع أجرته جامعة “نورث كارولينا في بيمبروك”، نقله “معهد بروكينغز”، 26 أيار/مايو 2021).

بعيداً من سطحية التناول الإعلامي “الموجّه” لشيطنة الفلسطينيين، فإن للنخب الأميركية، بين عسكريين واستراتيجيين، رؤى متباينة وأشد واقعية. على سبيل المثال، عنونت مجلة “فورين بوليسي” الرصينة مقالها بالتالي: “آن الأوان لإنهاء “العلاقة الخاصة” مع إسرائيل” (27 أيار/مايو 2021). وتساءل العنوان الفرعي أيضاً عن استمرار تلك العلاقة المميزة بالقول: “فوائد الدعم الأميركي (لإسرائيل) لم تعد تفوق التكاليف، وفوائد تلك السياسة هي صفر، والكلفة باهظة، وإلى صعود”.

المرشح الرئاسي السابق بيرني ساندرز انتقد السياسة الأميركية حيال “اسرائيل” بشدة، قائلاً في مقال نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” إنه “يتعيّن على الولايات المتحدة إنهاء موقفها المدافع عن حكومة نتنياهو” (14 أيار/مايو 2021)، لما يشكله من مؤشر قوي بين قواعد الحزب الديموقراطي، وخصوصاً جناحه الليبرالي، في معارضة السياسة الأميركية الرسمية والمطالبة بمحاسبتها و”فرض قيود على مستويات الدعم العسكري” المقدم لها.

2021-25-05-التقرير الأسبوعي

مؤشرات على تنامي دور
القوات المسلحة في السياسة الغربية

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

تتوالى السّردية الرسميّة الأميركيّة في رسم صورة دور أفرع القوات المسلحة كافة، بعيداً من تدخلها في رسم السياسات الأميركية المتعددة أو التأثير فيها، فيما يتطور العالم، وكذلك متطلبات الاستراتيجية الأميركية الكونية. وقد شهدت أميركا ترجمة ملموسة تنافي مسلّمات السّردية، وخصوصاً خلال ولاية الرئيس السابق دونالد ترامب.

انتعشت موجة انتقادات دور المؤسسة العسكرية منتصف العام الماضي، بين “الإدعاء أنّ القوات العسكرية ينبغي أن تكون غير مسيّسة هو أمر مضلّل وغير مجدٍ” (معهد بروكينغز، 12 حزيران 2020)، والتحذير القاسي من أن “تسييس القوات العسكرية الأميركية يشكل وصفة كارثية” (مجلة “فورين بوليسي”، 18 حزيران 2020).

تلقّت قيادات هيئة الأركان العسكرية الأميركية عرائض متعددة من ضباط وعسكريين متقاعدين، تحثها على “التدخل”، بحسب مواصفات اللحظة الزمنية المعنية وتحدياتها. ووجّه نحو 55 ضابطاً متقاعداً مذكرة في العام 2017 يحذرون فيها من “عدم صلاحية الرئيس ترامب في منصبه كقائد أعلى للقوات المسلحة”، ومحاولة أخرى مشابهة في 11 آب/أغسطس 2020 موجّهة إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة، تناشده خلع الرئيس ترامب من منصبه. في المقابل، وجّه نحو 124 ضابطاً من المتقاعدين مؤخراً مذكرة موازية تشكك في “صلاحية الحالة الذهنية والجسمانية للرئيس بايدن”.

جاءت تلك التوجّهات، وأخرى مشابهة، لتؤكد حقيقة أنّ “للقوات العسكرية توجهات سياسية” بعضها مناويء لساكن البيت الأبيض، ما استدعى من كبار القيادات العسكرية التذكير بالتراتبية العسكرية وضرورة “تركيز جهود العسكر على طبيعة المهمة الراهنة، وليس على المعتقدات السياسية لمرؤوسيهم”، على الرغم من تباينها مع ما تلقّاه الضباط ومراتبهم العليا من دروس تاريخية في الاستراتيجية، وخصوصاً مقولة الاستراتيجي الألماني كلاوس فون كلاوسفيتز بأن “الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى”.

واعتبرت النشرة العسكرية المتخصصة “ميليتاري تايمز” أن تسارع الأحداث السياسية والضغوط من أجل تدخل القوات المسلحة مباشرة بمثابة “نقطة غليان في السياسة الأميركية”، مستشهدة بتصريحات وزير الدفاع آنذاك مارك أسبر، وقوله: “بذلت جهوداً كبيرة لعدم تدخل البنتاغون في الشأن السياسي (الانتخابات الرئاسية)، وإبقائها بعيدة عن التوجهات والتجاذبات السياسية” (4 حزيران 2020).

وسجّل البنتاغون قلقاً حقيقياً في تلك الأثناء من زجّ الرئيس ترامب القوات العسكرية في أتون التطورات السياسية، وإمكانية إصداره أمراً رئاسياً تحت سقف “قانون التمرد”، لتوظيف الكتيبة 101 المحمولة جواً في “قمع الاحتجاجات الشعبية” التي وصفها بأنها مدعومة من “الجناح الراديكالي في اليسار” الأميركي، وهو ما شاركه فيه مناصروه.

يشار إلى أنّ وزير الدفاع الأسبق جيم ماتيس شارك في نشر كتاب بعنوان “محاربون ومواطنون: رؤى أميركية لقواتنا العسكرية” في العام 2016، جادل فيه بـ “ضرورة فصل القوات المسلحة عن أي دور في سياسات الحزبين”، ضمن سعيه وآخرين إلى تحسين صورة القوات العسكرية في أذهان الشعب الأميركي، عقب رصد تراجع معدلات الدعم الشعبي وتقلّص أعداد “المتطوعين” في الأفرع العسكرية المختلفة. كما أكدت مجلة “فورين بوليسي” على توجيه رسالة إلى الحزبين تناشدهم فيها “إبقاء القوات العسكرية (والضباط الكبار المتقاعدين) بعيداً عن السياسة والانتخابات” (18 حزيران 2020).

بموازاة القلق الأميركي من تعاظم دور العسكر في السياسة، برزت محاولة متجددة للضباط والمتقاعدين لتسييس الجيش الفرنسي أيضاً، وهي المحاولة الجدية الأولى التي رُصدت منذ 60 عاماً ونهاية استعمار فرنسا للجزائر. وكذلك شهدنا مساعي موازية لقيادات عسكرية في حلف الناتو للإدلاء بدلوها في الشأن السياسي في بلدانها.

وقد وجه نحو 60 ضابطاً متقاعداً من القوات العسكرية الفرنسية عريضة للرئيس مانويل ماكرون يحذرونه فيها من “تقديمه تنازلات سياسية لقوى الإسلام المتشدد”، تلتها مجلة “فالير آكشوال” الباريسية بنشرها الأسبوع الماضي رسالة لمجموعة من الجنود لا يزالون في الخدمة العسكرية يحذرون الرئيس الفرنسي أيضاً من الأمر عينه، لكن اللافت في تلك المذكرة خلوّها من التأكيد على دور القوات المسلحة في الحفاظ على النظام في حال اندلاع حرب أهلية.

وفي تزامن غير معلن، وجه نحو 124 ضابطاً متقاعداَ وأدميرال بحر “رسالة مفتوحة” إلى الرئيس بايدن. أطلقت المجموعة على نفسها إسم “ضباط العَلَم لخدمة أميركا”، وحذرت من مخاطر عودة “اليسار المتشدد” إلى واجهة السياسة الداخلية، ما سيفرض تسييس القوات العسكرية “وفرض سياسات محرجة على بنية القوات المسلحة حول العنصرية “، بحسب الرسالة.

استعادة “الخطر الشيوعي” في الخطاب السياسي الأميركي يجد صداه مع تردي الأوضاع الاقتصادية وحلول الاستقطاب الحاد في واجهة المشهد السياسي، وقد جسّد هذا التوجه كبار الموقعين على الرسالة المفتوحة، منهم النائب الأسبق لمساعد وزير الدفاع لشؤون الاستخبارات الفريق ويليام بويكن، والنائب الأسبق لمستشار الأمن القومي جون بويندكستر. كما شددت الرسالة على “توجه الكونغرس والإدارة الراهنة بشدة نحو اليسار الساعي لتطبيق مسار اشتراكي ونموذج ماركسي مستبد للحكم الذي ينبغي مواجهته”.

واضاف القائد السابق للقوة الفضائية ماثيو لوهماير، قبل إقالته مؤخراً، جدلاً إضافياً في انتقاد المؤسسة العسكرية واتهامها بالاختراق من قبل “الأيديولوجية الماركسية واسعة الانتشار في صفوف القوات العسكرية” التي برزت منذ عدة سنوات، وإصداره كتاباً مستفزاً منتصف الشهر الجاري بعنوان “ثورة لا يمكن مقاومتها: الأهداف الماركسية في الاحتلال وتفكيك القوات العسكرية الأميركية”. ومن ضمن أهم توجهاته، جاء اتهامه البنتاغون في الكتاب “بالتحول المفاجيء عن سياسته والتركيز على انتشار التعصب في صفوف القوات”.

يخلط عدد كبير من منتسبي الأكاديميات العسكرية الأميركية بين “العنصرية والماركسية”، ما يؤدي إلى تيسير مهمة القوى الحاكمة في عدم التعرض لمسألة تفشي التوجهات العنصرية. وتشير الدلائل أن الأكاديمية البحرية المرموقة “ويست بوينت” سجّلت ارتفاعاً في تحذير إدارتها من فشلها في التصدي “للعنصرية المنظمة”، ومطالبتها بالسماح للنشاطات المناهضة للعنصرية داخل حرم الأكاديمية، وتبني سياسة تشجيعية لانخراط الأقليات والسود ضمن صفوفها.

وتلقّفت الرسالة عناصر في “أكاديمية سلاح الجو” الأميركي، التي طالب أعضاء فريقها لكرة القدم الإدارة بعدم التوقف عند ترديد شعار مناهض للعنصرية فحسب، بل تبني خطوات ملموسة أيضاً، وخصوصاً دعم حركة “حياة السود غالية” ونشاطاتها بين المنتسبين.

تستمر مراكز قوى التيار المحافظ في الولايات المتحدة في الادعاء بأن “الأيديولوجية الماركسية استشرت إلى ما هو أبعد من الأكاديميات العسكرية بين صفوف الجيش والبحر والجو”، ما أدى إلى خروج عناصر مشاة البحرية (المارينز) من الخدمة بأعداد كبيرة ىعتراضهم علىالايديولوجية السياسية الجديدة المفروضة عليهم – بحسب أدبيات كبار الصحافيين المحافظين.

أمام هذه الوقائع، لا تزال الساحة السياسية الأميركية محكومة بحالة انقسام حادّة منذ الانتخابات الرئاسية وتأييد نحو “75 مليون ناخب للرئيس ترامب” والأجندة المحافظة، من ضمنها استحداث “الخطر الشيوعي”، والتحضير المتأني لخوض جولة الانتخابات النصفية المقبلة في العام 2022، بتسخير جملة عوامل ومزاعم لحشد صفوف القوى والتيارات الدينية المتشددة والمحافظين أيضاً، من بينها “التشكيك بصدقية الانتخابات الرئاسية الماضية”، واتهام الإدارة بمسايرة كل من روسيا والصين، مقارنة بالسياسات المتشددة السابقة وإجراءات العقوبات المتتالية ضدهما.

2021-13-05-التقرير الأسبوعي

أهداف التوظيف الأميركي
لحاملة طائرات بريطانية حديثة

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

 تباينت مواقف بعض دول أوروبا الغربية مع أولويات الولايات المتحدة في القارة الأوروبيّة، سعياً لتكريس حقها السيادي، ولو بشكل محدود، بخلاف لندن التي خرجت من عباءة “الاتحاد الأوروبي” بدعم وتأييد مباشر من واشنطن، في تكاملٍ تامٍ لجهودهما المشتركة واستكمالٍ للمهام الاستعمارية في بسط السيطرة وتوسيع مناطق نفوذهما.

تُرجم ذلك مطلع العام الجاري بإعلانٍ عسكري أميركي – بريطاني في 19 كانون الثاني/يناير 2021، عن تدشين “تدريبات القتال المشتركة” بنشر “مجموعة حاملة طائرات الملكة اليزابيث الضاربة”، والتي تضمّ أحدث المقاتلات الأميركية من طراز “أف-35 ب”، في وقت لاحق من فصل الربيع، ترافقها مجموعة المدمّرات الأميركية “ذي سوليفانز – دي دي جي – 68” المسلّحة بصواريخ موجّهة من طراز “إيجيس”، والمرابطة في مياه المحيط الأطلسي.

البيان الأميركي الصّادر بهذا الشأن أوضح بشكل مقتضب هدف التعاون المشترك “الفريد من أجل الإعداد لعمليات على الصعيد العالمي، تنفّذ استناداً إلى العلاقة الخاصّة التي تربط الولايات المتحدة بالمملكة المتحدة”، بحسب الممثل الأميركي لمجموعة المملكة المتحدة الضاربة، سايمون دوران، “لتعزيز المصالح القومية الأميركية والأمن والاستقرار في أوروبا وأفريقيا”.

وحذّر دوران الخصوم بأن “عليهم القلق للقدرات القتالية التي تمتلكها مجموعة “ذي سوليفانز” للقوة الضاربة” المشتركة، والتي تشترك فيها مجموعة من الدول، إلى جانب أميركا وبريطانيا، منها بلجيكا وكندا والدانمارك وإستونيا وفرنسا وألمانيا ولاتفيا وليتوانيا وهولندا والنرويج والبرتغال.

غادرت “مجموعة الملكة اليزابيث” قاعدتها الأم مطلع شهر أيار/مايو الجاري، في مهمة “بحرية دولية تُدعى مجموعة 21 الضاربة”، وهي الأضخم منذ ما ينوف على 4 عقود، ومنذ احتلال بريطانيا لجزر فولكلاند (مالفيناس الأرجنتينية، وهي مجموعة أرخبيل من نحو 200 جزيرة) في العام 1982. وستنضم سفن حربية أخرى إلى المجموعة خلال مهام مناوراتها الحربية، أبرزها من الهند وفرنسا واستراليا والولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية.

عقب استكمال المناورات الحربية لحلف الناتو،  ستمضي “القوة الضاربة” الجديدة لتنفيذ مهام مماثلة في البحر الأبيض المتوسط، بمشاركة حاملة الطائرات الفرنسية النووية “شارل ديغول”، ومن ثم تتجه إحدى مجموعاتها نحو البحر الأسود، وتمضي البقية لعبور قناة السويس والرسوّ في القاعدة البحرية البريطانية في عُمان. الوجهة الأخيرة والأساسية هي بحر الصين الجنوبي لاستكمال المناورات العسكرية، بمشاركة الولايات المتحدة واليابان واستراليا ونيوزيلندا وكوريا الشمالية وماليزيا وسينغافورة.

التوجّهات البريطانية “الجديدة” جاءت تتويجاً لخطة بريطانيا في “مراجعة استراتيجيتها” التي أدرجت روسيا على رأس سلّم “التهديدات الكبيرة”، والصين بصفتها منافساً دولياً، والتي تترتّب عليها استثمارات غير مسبوقة في حجم الإنفاق العسكري، بقيمة 221 مليار جنيه استرليني لمدة 4 سنوات، أي ما يعادل 2،2% من الناتج المحلي الإجمالي، في سياق سعي لندن لـ “إيجاد مكانة جديدة لها على الساحة الدولية”، وفي ظل تدهور علاقاتها مع روسيا والصين.

وفي السّياق عينه، أكّد رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون استعداد بلاده “لإرسال قوات عسكرية إلى اليمن”، أمام مجلس العموم البريطاني في 24 آذار/مارس 2021، سبقه تصريح لرئيس هيئة الأركان البريطانية السابق ديفيد ريتشاردز بأن هناك “ضغوطاً لنشر قوات في المنطقة”.

مهام عسكرية في “منطقة الشرق الأوسط” منوطة بالدول الأوروبية، في سياق تقليص الولايات المتحدة رقعة انتشار قواتها في المنطقة وتركيزها على مواجهة الصين وروسيا. تلك هي نتيجة تصريح “مسؤول رفيع في الاتحاد الأوروبي” مبشراً بإنشاء “قوة عسكرية للتدخل السريع”، قوامها كتيبة مؤلفة من حوالي 5،000 عنصر، مدعومة بسفن وطائرات حربية، تشارك فيها 14 دولة، هي فرنسا وألمانيا واليونان وقبرص والنمسا وبلجيكا وجمهورية التشيك وإيرلندا وإيطاليا وهولندا والبرتغال وإسبانيا وسلوفينيا ولوكسمبورغ.

والجدير ذكره أن فكرة “التأسيس” تم تداولها أوروبياً في العامين 1999 و 2007، لكنها لم تحظَ بترجمة جدية آنذاك. أما ما يميزها راهناً، فهو الدعم القويّ لها فرنسياً وألمانياً، تحت غطاء التخلي عن ضغوط حلف الناتو واستبداله لتحقيق أهداف أوروبية في الدرجة الأولى، بعد أن كانت تعثرت خلال ولاية الرئيس السابق دونالد ترامب (شبكة “دويشه فيلي” الألمانية، 12 آذار/مارس 2019).

وأضاف المسؤول أن ما تودّ أوروبا القيام به هو “أن نكون قادرين على نشر قوة التدخل هذه بسرعة، في حال (توفر) حكومة شرعية في دولة ما تخشى نفوذ مجموعة إرهابية وسيطرتها عليها. وتكون هذه القوة قادرة على إدارة الأزمات الخارجية والانتشار سريعاً”، أي قوة عسكرية أوروبية “مجهّزة قتالياً ولوجستياً” للانتشار خارج حدود دول الاتحاد الأوروبي، في مناطق الخليج العربي و”الشرق الأوسط” والساحل الشرقي لأفريقيا، تكون مرتبطة بشكل أو بآخر بقيادة حلف “الناتو”، نظراً إلى عضوية عدد كبير من الدول المشاركة فيه، والتي أكّدها نائب أمين عام الحلف ميرشيا جيوانا، قائلاً إن هناك “أهمية للتعاون بين الاتحاد الأوروبي والناتو في مسألة جاهزية التحرك العسكري وحفظ الأمن الجماعي” (ندوة في المجلس الأوروبي، 6 أيار/مايو 2021).

ترجمة المبادرة العسكرية الأوروبية يشوبها كثير من الشكوك في الزمن الراهن، لتباين توجهات سياسيي الاتحاد الأوروبي، كما يبدو، من خلال عدم تناغم مساهمات تمويلها، ما يعيد الأنظار إلى حقيقة السياسة الأميركية في حثّ بريطانيا على الخروج من الاتحاد الأوروبي، بريكست، وجاهزيتها لأداء دور مكمّل للسيطرة الاستعمارية واستعادة حلمها السابق الذي وصفه رئيس وزرائها جونسون بالسعي إلى أن “تصبح أكبر قوة بحرية في أوروبا”.

ويستطيع المرء التوصّل إلى حقيقة المعلن والمضمر في المواقف الأميركية والبريطانية من خلال زيارة وزير الخارجية أنتوني بلينكن إلى اجتماع الدول السبع على مستوى وزراء الخارجية، إضافة إلى الهند، الشهر الجاري في لندن، وتأكيد نظيره البريطاني دومينيك راب على أن البلدين “يعارضان روسيا بحزم” في أوكرانيا، ويتفقان على ضرورة “وفائها بالتزاماتها الدولية، من خلال منظمة الأمن والتعاون في أوروبا”.

تبعية السياسة البريطانية للولايات المتحدة هي علاقة جدلية بين طرفين يكمل منهما الآخر في مهام السيطرة على الموارد الرئيسية حول العالم، يعزّزها حلم الإمبراطورية القديم بإحياء مجدها التليد. وعقب الجدل الساخن في واشنطن حول سحب قواتها “القتالية” من أفغانستان، أعلنت بريطانيا أنها “ستسحب كل قواتها تقريباً” أيضاً، والتي يبلغ عددها نحو 750 جندياً (صحيفة “ذا تايمز” البريطانية، 13 نيسان/إبريل 2021). اللافت في الإعلان تبرير الخطوة بأن الجنود البريطانيين “كانوا سيواجهون ظروفاً صعبة من دون دعم أميركي”.

راجعت بريطانيا، أسوةً باستراتيجية الولايات المتحدة الجديدة، سياساتها السابقة، ونشرتها في مذكرة رسمية صادرة عن وزارة خارجيتها بعنوان “بريطانيا الكونية/العالمية في عصر تنافسي: المراجعة المتكاملة للأمن والدفاع والتنمية والسياسة الخارجية”، بتاريخ 16 آذار/مارس 2021، تزامناً مع إدارة بايدن الجديدة في البيت الأبيض، والتي “تأتي في حقبة مهمة للمملكة المتحدة” ومكانتها في العالم. وقد واكبها قرار لندن بتقليص نحو 10،000 جندي من قواتها العسكرية لمصلحة الاستثمار في تقنيات “الانسان الآلي والطائرات المسيّرة والحروب الإلكترونية، وزيادة في عدد السفن والغواصات البحرية” وطواقمها.

وأوضح رئيس وزرائها بوريس جونسون أن المهام والأهداف المستقبلية لبلاده ثمرة للمراجعة الاستراتيجية، وأهمها “زيادة الحدّ الأقصى من الرؤوس النووية من 180 إلى 2660، وتخصيص ميزانيات قتالية في مجالات الفضاء الخارجي وشبكة الانترنت”، وإنشاء قيادة للقوات الفضائية المستحدثة. السفن الحربية الجديدة ستستبدل “الفرقاطات القديمة” في سلاح البحرية، كما دلّ نشر حاملة الطائرات الملكية “إتش أم أس كوين اليزابيث”، للقيام بمهام في مناطق المحيطين الهندي والهاديء، وسترسل بريطانيا قوات “لمواجهة التطرف الإسلامي والنفوذ الروسي والصيني في إفريقيا، على متنها نحو 250 عنصر من سلاح مشاة البحرية الأميركي. حاملة الطائرات هي إحدى أكبر سفينتين حربيتين تم بناؤهما لسلاح البحرية الملكية بمواصفات ومعدات عالية التطور، والأخرى هي “برينس أوف ويلز”.

تحرر بريطانيا من “قيود” عضوية الاتحاد الأوروبي أسهم مباشرة في إنعاش حلمها الإمبراطوري، متكئةً على تحالفها الوطيد وتكامل مهامها مع الولايات المتحدة عبر العالم، وخصوصاً في مواجهة صعود روسيا والصين، لفرض نموذج ديموقرطيتها و قيم السوق التجارية، في منافسة شديدة مع التغيرات العميقة في النظام العالمي القديم.

كانت بريطانيا شريكاً غير منسجمٍ مع أهداف الاتحاد الأوروبي، في مشروع بوتقة الانتماء الأوروبي ونقل صلاحيات دوله “القومية” إلى المؤسسات الأوروبية الوليدة، واعتبرته عقبة يحمّلها أعباء مالية إضافية لدعم دول أوروبية أقل ثراءً وشأناً، وكانت تتحيّن الفرص لمغادرته منذ العام 2016، إلى أن جاءها الدعم المباشر من إدارة الرئيس دونالد ترامب، باستكمال إجراءات خروجها في الأول من شباط/فبراير 2020، وتعويض واشنطن لها عن الخسائر الاقتصادية التي ستلحق بها بعد بريكست، بإبرام اتفاقية اقتصادية شاملة معها، وفق تصريح مستشار الأمن القومي الأسبق جون بولتون.

لم تكشف بريطانيا سرّاً إمبراطورياً في عودتها إلى ممارسة فاعلة في قضايا الشعوب العربية في الدرجة الأولى، بل تتباهى بأنها خرجت من المنطقة لتعود إليها مجدداً بعد التغيرات الإقليمية والدولية، واستبدالها الامبراطورية الأميركية التي تعتبرها “الأخ الأصغر” بالتعاون الاستعماري مع فرنسا.

2021-04-05-التقرير الأسبوعي

قلق أميركي من تفوّق الصين
في ميدان المعادن النادرة

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

تتباين المفردات اليومية والتعابير الصادرة في واشنطن – والمعنى واحد – حول وجهة استراتيجيتها في الشرق الأقصى، وتتراوح بين “المنافسة” في الخطاب الرسمي و”الصراع” بين عظميين في الخطاب العام والتعبئة الإعلامية والسياسية.

من بين القضايا المثارة تراجع واشنطن عن انتاج “المعادن النادرة” وسيطرتها على مجموعة من “17 عنصراً كيميائيّاً” لمصلحة الصين، التي أضحت تتحكم بنحو 90% من مجمل الانتاج العالمي، بلغ إنتاجها 140،000 طن في العام 2020، مقابل 38،000 طن للولايات المتحدة،  و2،700 طن لروسيا. بينما “العلاقة الثنائية مع الصين أصبحت محفوفة بالمخاطر، لتسليط الضوء على نظام توريد” تلك المعادن بانتظام إلى الأسواق (نشرة “إينفستينغ نيوز” الاقتصادية، استناداً إلى بيانات الهيئة الجيولوجية الأميركية، 23 آذار/مارس 2021).

العناصر/المعادن الأرضية النادرة، هي كذلك نظراً  لمحدودية المواقع الجغرافية العالمية التي تستخرج منها، وهي مجموعة من “17 عنصراً  كيميائياً في الجدول الدوري”، بحسب تعريف “الاتحاد الدولي للكيمياء البحتة والتطبيقية (https://iupac.org/“)، المخوّل بتطوير المعايير القياسية “لتسمية العناصر الكيميائية ومركباتها”، والذي تأسس في العام 1919، وُصفت بال “نادرة” لأهميتها الفائقة في دورة التقنية الحديثة، ولا سيما “نواقل الطاقة االعالية وصناعة السيارات (المدجنة – الهايبرد) وأشعة الليزر والأجهزة الإلكترونية الضوئية”.

من بين المعادن النادرة، على سبيل المثال، البلاديوم الذي تعدّ روسيا من أكبر الدول العالمية الخمس المصدّرة له، والذي يدخل في صناعة السيارات لتنقية انبعاثاتها من الغازات الملوثة للبيئة، والصناعات الإلكترونية، من شرائح وهواتف وحواسيب، وشرائط فحص نسبة السكر في الدم، وطب الأسنان والأدوات الجراحية، وصناعة المجوهرات وتنقية الهيدروجين. وقد تخطى ثمنه أسعار الذهب في الأسواق العالمية مؤخراً، إذ تجاوز سعر الإوقية/الأونصة 3،000 دولار.

تصنّف الولايات المتحدة تلك المجموعة من المعادن النادرة بأنّها “استراتيجية للقرن 21″، وأشدّ ما تخشاه مراكز صنع القرار هو “ضمور المخزون الأميركي وتراجع عمليات إنتاجها، ما يقيّد حرية شنّها حرباً” في مناطق حيوية من العالم، وكذلك إقدام “الصين على التهديد بتوظيف المعادن كعنصر نووي” في علاقاتها الاقتصادية مع أميركا، ولجوئها مؤخراً إلى تقييد نظام تصديرها إليها، في سياق احتدام “الحرب التجارية الشرسة” بينهما.

نتيجة تفشي القلق لدى مراكز صنع القرار الأميركي من تخلّف الصناعات الأميركية مقارنة بنظيراتها الصينية، طلب الرئيس السابق دونالد ترامب من وزارة التجارة الأميركية إجراء تحقيق مكثف وشامل للتوقف على حقيقة قدرة البلاد على إمدادها بتلك المعادن في حالات الطواريء.

وجاء في تقرير الوزارة بعد عامين أن “الولايات المتحدة تعتمد بقوة على صادرات حساسة من المعادن الثمينة”، محذراً، “في حال قررت الصين أو روسيا وقف صادراتها إلى الولايات المتحدة وحلفائها لفترة زمنية طويلة، كما فعلت الصين عندما منعت صادراتها من المعادن النادرة عن اليابان في العام 2010، من أن ذلك سيؤدي إلى هزات كبيرة” تطال الاقتصاد الأميركي وصناعاته العسكرية.

للدلالة على مركزية المعادن النادرة في الصناعات العسكرية، جاء في بيانات البنتاغون بأنها تدخل في عمليات انتاج القنابل الذكية، والحرب المضادة للغواصات، والمناظير الليلية، وأجهزة الليزر والرادار، ونظم التوجيه الالكتروني، والأقمار الاصطناعية، وإلكترونيات الطائرات المدنية والعسكرية على السواء. وتعتمد منظومة الإنتاج على ديمومة خطوط الإمداد بالمعادن النادرة بشكل كبير، لكنّ وزارة الدفاع حذّرت من طول الفترة الزمنية التي ستستغرقها عملية إيجاد البدائل، والتي قد تبلغ 10 سنوات، بحسب تقرير “مكتب الرقابة الحكومي” التابع للكونغرس.

في أوج الحرب الباردة، أنتجت الولايات المتحدة النسبة الأكبر من المعادن الثمينة للأسواق العالمية من منجمها الرئيسي “ماونتين باس” في ولاية كاليفورنيا، وبلغت مرحلة الاكتفاء الذاتي من احتياجاتها لها، وخصوصاً في عقد الستينيات من القرن الماضي، الذي شهد طفرة كبيرة في انتاج شاشات تلفزة ملوّنة، وغيرها من المعدات التي تدخل في صناعة الأدوات المنزلية وفي الاستخدامات العسكرية، لكنّ النقطة المميتة لعملية انتاج الخام من المنجم  الأميركي كانت الاضطرار لشحن الكمية كلّها إلى الصين لتنقيتها وتكريرها، لعدم توفر مصافٍ أميركية جاهزة لذلك، ونظراً إلى الكلفة المرتفعة لعملية التنقية داخل الأراضي الأميركية، والتي تزامنت مع ازدياد منسوب الاهتمام العام بحماية البيئة.

وكثّف البنتاغون جهوده في الآونة الأخيرة لإعادة التنقية وعملية الانتاج إلى الأراضي الأميركية وتشجيعه “القطاع الخاص” على بناء مصفاة لتكرير المعادن، والتي ستبدأ عملياتها في العام المقبل على أقرب تقدير.  كما قدم مساعدة مالية في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، قدرها نحو 10 مليون دولار، لإنجاز عملية التصفية قرب المنجم، لتحفيز الشركة المشرفة “إم بي ماتيريالز” على بلوغ مرحلة “المنتج الأكبر للمعادن”.

وفي هذا السياق، برز عامل سياسي يُستثمر لإقصاء حاكم ولاية كاليفورنيا غافين نيوسم من مركزه، على خلفية سياساته البيئية المتشددة وتهديدها قطاع التنقيب وهيمنة الشركات الكبرى، واستُحدثت عريضة لجمع تواقيع عدد كبير من الناخبين لتنحيته “بطرق مشروعة”.

على الشاطيء المقابل للمحيط الأطلسي، يبرز الدور المتعاظم لكبريات شركات السيارات، وخصوصاً الألمانية، وطموحها في انتاج سيارات “صديقة للبيئة” لا تنبعث منها الغازات الملوثة، لكن تلك التقنية تعتمد كلياً على الواردات الصينية، ما يثير جملة تساؤلات حول قدرة تلك الشركات على ممارسة الضغط على حكوماتها لتقديم بعض التنازلات القاسية للصين مقابل استمرار خطّ الإمداد بالمعادن النادرة.

2021-27-04-التقرير الأسبوعي

صاروخ ديمونا
فشل مزدوج “اسرائيلي – أميركي”

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

سارع رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة كينيث ماكينزي إلى تخفيف وطأة إخفاق أحدث نظم الدفاعات الجوية الأميركية، “الباتريوت”، في الكشف عن صاروخ أطلقته سوريا في 22 نيسان/إبريل الجاري، ضد أهداف جوية “إسرائيلية”، وفي تعقبه والتصدي له، والحد من قلق المؤسسة العسكرية ومراكز صنع القرار على السواء، وكذلك الحلفاء، من تداعيات الحادثة، وخصوصاً بعد نفاذه بنجاح إلى أقصى مداه الافتراضي نحو 250-300 كلم.

وأكّد ماكينزي للجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، في 22 نيسان/إبريل الجاري، أن الصاروخ “انحرف عن مساره لفقدان (سلاح الجو السوري) القدرة على إصابة الطائرات المغيرة”. وأضاف أن الحادث “يعكس عجز نظام الدفاع الجوي السوري، ولا أعتقد أنه كان هجوماً مقصوداً، لغياب القدرة” الميدانية.

كان لافتاً غياب حدث مهم يخص القوات الأميركية في سورية عن التغطية الإعلامية أو مجرد الإشارة له في شهادة ماكينزي، وهو تعرض قافلة مؤن عسكرية أميركية لهجوم  عندما كانت في طريقها إلى حقل العمر النفطي في شمال شرقي سوريا، يوم 21 نيسان/إبريل 2021، وُصف بأنه الأول من نوعه ضد قافلة مسلّحة.

تصدّر “انحراف” الصاروخ السوري، الذي أشار إليه البنتاغون بأنه أرض – جو من طراز “سام-5” مجمل اهتمامات الخبراء العسكريين والسياسيين ووسائل الإعلام، تعبيراً عن قلق دفين من “تنامي مخاوف التصعيد (العسكري) في منسوب التوترات الراهنة بين إسرائيل وسوريا وإيران”، لسقوطه قرب بلدة أبو قرينات على بعد “30 كلم من منشأة ديمونا النووية”، بعد قطعه مسافة بلغت نحو “256 كلم من حدود هضبة الجولان” المحتلة (يومية “واشنطن بوست”، 22 نيسان/إبريل 2021) .

ونقلت الصحيفة على لسان رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية “أمان” السابق، عاموس يدلين، قوله إن الصاروخ السوري “قديم، وهو مضاد للطائرات، ولم يُعدّ لضرب أهداف أرضية”، في سعيه لاستبعاد استهداف مفاعل “ديمونا” بسلاح من سبعينيات القرن المنصرم.

بعض التقارير الميدانية الأولية حدّدت موقع سقوط الصّاروخ وشظاياه في بلدة عرعرة النقب التي تبعد نحو 10 كلم شمال ديمونا، وقد سُمع صوت “إطلاق صافرات الإنذار” في بلدة أبو قرينات الفلسطينية ” قرب مفاعل ديمونا”، كما رُصد سقوط بعض شظاياه في بركة سباحة في حيّ سكنيّ في مستعمرة “أشليم” جنوب مدينة بئر السبع (شبكة “فوكس نيوز” نقلاً عن شبكة “بي بي سي” البريطانية، 22 نيسان/إبريل 2021).

العنصر الكامن في القلق الأميركي هو ما يحمله الرأس المتفجر للصاروخ (217 كلغ من  مواد شديدة الانفجار، وباستطاعته حمل رأس نووي) من رسائل لمن يعنيهم الأمر، وخصوصاً تهديده المباشر لما أطلق على تسميته “مبدأ الأخطبوط الإسرائيلي”، الذي يطالب بتسديد ضربات موضعية لدول ومنظمات مناوئة لسياسة الولايات المتحدة، بدءاً من سوريا، وامتداداً إلى “حزب الله”، ومن ثم إيران.

من خصائص الصاروخ الخمسيني المعروفة أنه صُمّم كسلاح مضاد لأهداف متوسطة إلى عالية الإرتفاع، ويصل مداه إلى نحو 300 كلم، بعلوّ  أقصاه 30 كلم عمودياً. يبلغ وزنه عند الإطلاق نحو 10،000 كلغ، وينطلق بمحرك ذي ثلاث مراحل دفع، بسرعة قصوى تصل إلى 3.5 ماخ. تتكون كل بطارية من “سام-5” من 6 قواذف صواريخ ورادار للتحكم بالنيران، ويمكن وصله بمحطة رادارية بعيدة المدى، وهو يوجّه لاسلكياً في مرحلة الانطلاق الأولى، ومن ثم بتوجيه راداري إيجابي (شبكة “سبوتنيك” الروسية للأنباء).

إضافة إلى فشل منظومات “الدفاع الإسرائيلية” المتعددة (السهم والمقلاع والقبة الحديدية)، وهي العنصر الأشد أهمية في التصدي للصاروخ، فقد فشلت أيضاً أحدث منظومة للدفاع الجوي الأميركي من بطاريات “الباتريوت” التي كان ينبغي لها “تفعيل نظمها بعد رصد واستقراء الموقع الذي سيسقط فيه الصاروخ، ومن ثم إطلاق صافرات الإنذار في المنطقة المحددة، تتبعها عملية الاعتراض”.

روّجت وزارة الدفاع الأميركية لمنظومة “باتريوت” بأنها “واحدة من بين منظومات الدفاع الجوي الأكثر تطوراً في العالم” (بحسب بيانات شركة “راثيون” المصنّعة). دخلت الخدمة الفعلية في العام 1976، وجرّبت ميدانياً في حرب الخليج في العام 1991. تنقسم منظومة الصواريخ أرض-جو  إلى 3 أجزاء: مركبة الرادار وغرفة التحكّم ومنصّة الصواريخ، وهي تستخدم نوعين من الصواريخ “PAC-2” القديمة، وتحمل 4 صواريخ تطلق عن بُعد بالألياف البصرية، و “PAC-3” المطورة، التي دخلت الخدمة في العام 2002، وهي تحمل 16 صاروخاً تمتد فعاليتها إلى أكثر من 100 كلم، وتستهدف أكثر من 100 هدف وتتبعها في آن واحد.

يقوم الرادار عبر المسح الإلكترونيّ السلبيّ بتحديد الأهداف ورصدها وتحديد سرعتها ومسارها، وما إذا كانت معتدية أو صديقة، ويرسل بياناته إلى غرفة التحكم التي تصدر بدورها أوامر الإطلاق إلى منصة الصواريخ التي تطلق الصاروخ المناسب للهدف، سواء كان طائرة أو صاروخاً باليستياَ (شبكة “سي أن أن”، 4 تشرين الأول/أكتوبر 2018).

الثابت في هذا الشق العملياتي قرب مفاعل “ديمونا” أنه “لم يجرِ اعتراض الصاروخ أساساً، إذ انفجر في الجو ،كما يبدو، ووقعت شظاياه في النقب” (بحسب بيانات “الجيش الإسرائيلي”)، الأمر الذي دفع “رئيس حزب إسرائيل بيتنا” أفيغدور ليبرمان إلى التصريح بأن “قوة الردع سُحقت”.

يُشار أيضاً إلى فشل المنظومة الأميركية للدفاع الجوي المزودة بأحدث أجهزة الرادار في “كشف وإسقاط الطائرات المسيّرة اليمنية” التي تستهدف مواقع عسكرية ومنشآت اقتصادية حيوية في عمق الأراضي السعودية.

رافق إقرار البنتاغون بإخفاق منظومته الأحدث في الدفاعات الجوية اعتراف “وزير الأمن الإسرائيلي” بيني غانتس  في مؤتمر صحفي، سعياً لاحتواء تداعيات الفشل، قائلاً: “تم إطلاق صاروخ مضاد للطائرات من نوع “SA-5″ وقد اجتاز المنطقة. جرت محاولة لاعتراضه، لكنها لم تنجح. لا زلنا نحقق في الحادث”.

تخصص الولايات المتحدة وحلفاؤها جهوداً متجددة للتوقف على مكامن الفشل أو الإخفاق في عمل المنظومة التي صدّرتها إلى عدد من الدول، بما فيها الدول العربية، مثل مصر ودول الخليج، وخصوصاً في ظل استراتيجيتها التصعيدية ضد الصين وروسيا في البعد الجيو استراتيجي والصراع الكوني بطبعته الراهنة.

 

الأثر الردعي المحتمل للصّاروخ السوري

بقطع النّظر عن التكهّنات التي راجت بأن إطلاق الصاروخ كان مقصود التوجيه، بزاوية  تجعله يستهدف منطقة ديمونا ،فإن الفشل “الإسرائيلي – الأميركي” المزدوج في التصدي له يعيد التذكير بحقيقة امكانية استخدام مثل هذه الصواريخ ، كصواريخ أرض – أرض، وفق زاوية معينة، وإن كان لا يمكن التحكم بدقة التوجيه المعتمدة في صواريخ أرض- أرض التقليدية. وخلال أي عدوان، سيتيح تفعيل هذا الخيار لصدّ الإعتداءات الإسرائيلية المتكررة على سوريا قدرة ردعية لا يجوز التقليل من أهميتها.

سبق لأحدهم أن وصف الكيان الإسرائيلي بأنه في نهاية المطاف مجرد “جيش إحتلال له دولة”، ويمكننا القول في حروب العقود الأخيرة أنه مجرد “سلاح جوّ لجيش ودولة”. وعندما يتمّ لجم سلاح الجو الإسرائيلي وشل فعاليته بمنظومات دفاع فعّالة او بإطلاق الصواريخ الدقيقة، رداً على أي إعتداء إسرائيلي، يصبح الكيان على شفير الانهيار والاستسلام .

2021-19-04-التقرير الأسبوعي

مناورة انسحاب واشنطن من أفغانستان
مع بقاء 18 ألف جندي “متعاقد”

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

دخل يوم 30 نيسان/ابريل 1975 التاريخ الإنساني، منصفاً للشعوب المكافحة، ومعلناً هزيمة الولايات المتحدة في فيتنام. الأول من أيار/مايو 2021، “وَعَدت” الولايات المتحدة بأن يكون يوم بدء سحب قواتها “النظامية المقاتلة” من أفغانستان، ضمن منظومة ترتيبات وتدابير تتيح لها البقاء هناك بمسميات وعناوين مختلفة. بعد 46 عاماً من أكبر هزيمة تلقّتها واشنطن في العصر الراهن، لا يلمس المرء استفادة الأخيرة من الدروس القاسية لتدخلاتها العسكرية وقهر الشعوب.

حظي إعلان الرئيس جو  بايدن (14 نيسان/ابريل الجاري) انسحاب 3،500 جندي من أفغانستان بمزيج من مشاعر الارتياح الشعبي وتشكيك بعض مراكز القوى ومعارضة كبار القادة العسكريين، رافقه إعلان البنتاغون على الفور أنّ “قوات إضافية سيتم إرسالها إلى أفغانستان” لضمان أمن وسلامة القوات المنسحبة

تشير البيانات الرسمية للبنتاغون إلى تواجد “3،500 جندي نظامي في أفغانستان” منذ مطلع العام الجاري، وهم الذين يدور الحديث حولهم. أما سجلات وزارة الخارجية الأميركية، فتشير إلى تواجد إضافي لنحو “18،000 متعاقد أميركي وأفغاني ومن دول أخرى” في أفغانستان، “جلّهم من المرتزقة” ولديهم كفاءات عسكرية واستخباراتية، وآخرين من القوات الخاصة، أي ما يعادل 7 أضعاف القوات النظامية.

وقد أوضح رئيس هيئة الأركان المشتركة، مارك ميللي، رؤية البنتاغون ببقاء الوجود العسكري هناك، قائلاً أمام “معهد بروكينغز” إنّ بلاده ستحتفظ بقاعدتين عسكريتين في أفغانستان بعد الانسحاب الرسمي، وستبقي أيضاً على “عدد من القواعد العسكرية المنتشرة” داخل الأراضي الأفغانية وخارجها (أسبوعية “يو أس نيوز آند وورلد ريبورت”، 2 كانون الأول/ديسمبر 2020).

كما تعهّد وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن أمام لقاء لحلف الناتو في 15 نيسان/إبريل الجاري، باستمرار “الولايات المتحدة بتمويل قدرات هامة لأفغانستان” بعد الانسحاب الأميركي، “مثل سلاح الجو الأفغاني والقوات الخاصة، والاستمرار بدفع رواتب قوات الأمن الأفغانية”. وأضاف في مؤتمر صحفي للحلف أنّ بلاده “قد تحافظ على تواجد أميركي لمكافحة الإرهاب في المنطقة”.

السؤال المركزي في إعلان الرئيس بايدن عن الانسحاب يتمحور حول حقيقة قرار “مغادرة” أفغانستان وصدقيّته، بصرف النظر عن الجدل اليومي المرافق له. وحذرت يومية “نيويورك تايمز” مراكز صناع القرار  من أن الولايات المتحدة “لا يمكنها كسب حرب في أي بلد، فحلفاؤها يعانون ضعف القوة العسكرية، بينما استطاع خصومها التأقلم مع المتغيرات وراكموا قدرات عسكرية” متطورة (9 نيسان/إبريل 2021).

وتتالت النصائح والتحذيرات تباعاً من “أنصار الرئيس بايدن”، وخصوصاً ضمن النخب السياسية والفكرية، عن ضرورة تجاوز مسألة خسارة “الحرب الأطول” والانتقال إلى مواجهة التحديات الدولية الأخرى. وقد أوضحت نشرة “فورين بوليسي” الرصينة أنّ إعلان الانسحاب يشكّل “إقراراً، ولو متأخراً، بعدم تحقيق الولايات المتحدة نصراً” (14 نيسان/إبريل 2021).

وذكّرت النشرة مراكز صنع القرار بأن التجربة الأميركية المرهقة، قائلة: “بعد انقضاء 20 عاماً من الحرب التي حصدت آلاف الضحايا، يعترف المسؤولون الأميركيون بأن (حركة) طالبان أضحت أقوى عسكرياً وكثّفت هجماتها بشكل ملحوظ على مدى السنة الماضية”.

نشير في هذا الصدد إلى دراسة أجرتها وزارة الطاقة الأميركية في العام 2007 تخصّ أفغانستان وترصد ما في جوفها من موارد طبيعية مهمة تثير نهم سيطرة القوى الغربية. وقد قدرت قيمتها بنحو “تريليون دولار” من المعادن الثمينة، وخصوصاً الذهب والنحاس والكوبالت والليثيوم. وفي مذكرة داخلية للبنتاغون، علّقت على الدراسة بالقول إن أفغانستان “قد تحتلّ مركز الصدارة في معدن الليثيوم بشكل يوازي موقع السعودية ” بالنفط.

أيضاً، غزت الولايات المتحدة أفغانستان في العام 2001، استناداً إلى قرار رئاسي أصدره الرئيس جورج بوش الإبن في 18 أيلول/سبتمبر 2001، وأرساله وحدات من القوات الخاصّة بعد بضعة أيام من الحادثة. جاء ذلك في سياق صراع سيطرة القطب الواحد على الموارد العالمية، ولقربها من الصين وإيران وروسيا وما يمثّله ذلك من ثقل جيوستراتيجي لواشنطن، ولدروها المحوري في مرور خطوط أنابيب النفط والغاز المتجهة إلى أوروبا، وما ينتظرها من دور متعاظم في استراتيجية الصين المعروفة “بالحزام والطريق”. وقد تموضعت القوات والقواعد العسكرية الأميركية قرب حدود خصومها الدوليين.

من بين رهانات واشنطن التي أثبتت خطلها الذريع، مراهنتها على “استقطاب” فييتنام ضد الصين وتقديمها شتى العروض المغرية لقاء السماح للبنتاغون بإنشاء “قواعد صاروخية على أراضيها” (2018). واتساقاً مع توجهات واشنطن التاريخية بازدراء القوى الأخرى، تعمدت الأخيرة القفز على كل المؤشرات التي ساقتها فيتنام، وربما تجاهلتها، للدلالة على عدم رغبتها في الدخول في صراع ضد الصين، وهي التي حافظت حتى الآن على مسافة واحدة في صراع البلدين.

قرار الانسحاب جاء كمحصّلة لمواقف وأولويات استراتيجية أميركية متجدّدة، حتى إنه تباين مع السردية الرسمية التي حافظت عليها المؤسّسة الحاكمة بفرعيها العسكري والاستخباراتي، في اتهامها لروسيا بعرض مكافآت مالية على مقاتلي طالبان لقاء مقتل جنود أميركيين (2019)، وارتأى البيت الأبيض الكشف عنها، محمّلاً مسؤولية ترويجها “للأجهزة الاستخباراتية” المختلفة، بعد توصله إلى قناعة بأن مدى اليقين من تلك التهمة كان “متدنياً إلى متوسط”، ما ترجم إلى فقدان المصداقية وشروط الإسناد (بيانات البيت الأبيض 15 نيسان/إبريل الجاري).

اللافت في كشف البيت الأبيض عن خطل اتهامات روسيا ونشرها عبر أبرز المنابر الإعلامية المعروفة بعدائها الشديد لها، تسريب لصحيفة “واشنطن بوست” (13 نيسان) ونشرة “ذي ديلي بيست” الالكترونية (15 نيسان)، معزّزة تبريرها بأنّ اجهزة الاستخبارات الأميركية “استندت إلى اعترافات موقوفين لدى السلطات الأفغانية انتزعت خلال التعذيب، وأحدهم يُدعى ابن الشيخ الليبي”.

تحميل البيت الأبيض القادة العسكريين والأجهزة الاستخباراتية مسؤولية تقديمهم النصائح لمركز صنع القرار وتملصه من حقيقة تصعيد العداء لروسيا والصين، مع جملة تهديدات عسكرية ضد روسيا وإرسال قطع بحرية أميركية إلى البحر الأسود، ومن ثم انسحابها على عجل بعد توعد موسكو بحماية أراضيها، يشير إلى “اضطرار” الرئيس بايدن معارضة قرار القيادات العسكرية في المرحلة الراهنة وفي ملف محدّد على الأقل.\

إنّ ما يعزّز الاستنتاج أعلاه هو خطاب الرئيس بايدن والذي بدى عليه الإعياء، وظهر كأنه ضاق ذرعاً بمماطلة القادة العسكريين وطلب منحهم المزيد من الفرص الزمنية لحسم المعركة عسكريا، وخصوصاً لتساؤله ” إذاً، متى ستكون الفرصة مؤاتية للانسحاب؟ هل هي سنة أخرى أو سنتان أو 10سنوات؟”. كما دلّ خطابه على تجنيب البنتاغون تكرار هزيمة بلاده في فيتنام والمشهد المحفور في الذاكرة الجمعية بهروب السفير الأميركي هناك عبر طائرة مروحية وسقوطها في رحلة أخرى عن سقف مقر السفارة الأميركية في سايغون سابقاً (مدينة هوشي منه حالياً).

ينقل المقرّبون إلى الرئيس جو بايدن ثبات معارضته لاستمرار التدخل في أفغانستان، بالإشارة إلى مذكّرة قدمها بخط يده للرئيس الأسبق باراك اوباما في العام 2009، يناشده فيها رفض توجه القيادات العسكرية لحشد المزيد من القوات الإضافية في أفغانستان، وخسارته أمام إصرار أوباما على التكامل مع قرار البنتاغون (اسبوعية “ذي نيو يوركر”، 14 نيسان/إبريل 2021).

وأوضحت المجلّة أنّ الرئيس بايدن في خطابه بالانسحاب ذكّر الشعب الأميركي بأن الرئيس أوباما انتدبه في العام 2008 للسفر إلى أفغانستان والتوقّف على الأوضاع هناك مباشرة وتقديم تقييمه بذلك، وبأنه توصل إلى نتيجة مشابهة آنذاك لما أعلنه مؤخراً، مفادها أن “العملية الأميركية، كما يجري تطبيقها، مصيرها الفشل، نظراً إلى أن الوجود العسكري الأميركي اللامتناهي لن يستطيع إنشاء حكومة أفغانية قابلة للحياة أو المحافظة عليها”.

للدلالة على معارضة القيادات العسكرية، السابقة والراهنة لخفض مستوى الوجود العسكري الأميركي، لا لإنهائه، نسوق تصريحاً للمستشار الأسبق للأمن القومي الجنرال إتش آر مكماستر، قال فيه: “قرار الولايات المتحدة الانسحاب من أفغانستان بينما تستمر طالبان في شن هجماتها الدموية ضد المدنيين والقوات الأمنية الأفغانية يشكّل استسخافاً أخلاقياً وكارثة استراتيجية” (15 نيسان/إبريل 2021).

وتحفل الأدبيات الإعلامية الأميركية المختلفة بتصريحات شبيهة معظمها من المقربين من البنتاغون والأجهزة الاستخباراتية، أبرزهم القائد الأسبق للقوات الأميركية في أفغانستان ديفيد بيترايوس، ومدير الاستخبارات الوطنية الأسبق جيمس كلابر، ومدير وكالة الاستخبارات المركزية الأسبق جون برينان.

في هذه الأثناء، أصدرت الأجهزة الاستخباراتية الأميركية تقريرها السنوي حول “التهديدات العالمية” التي تواجهها الولايات المتحدة في 9 نيسان/إبريل الجاري، وفحواه رسم صورة قاتمة لمستقبل التواجد الأميركي في أفغانستان، وبأن “آفاق التوصل لتسوية سلمية ستبقى متدنية، نظراً إلى يقين قيادات طالبان بقدرتها على تحقيق انتصار”.

تعاظم دور تلك الأجهزة بمختلف مسمياتها في الحياة اليومية للأميركيين الّذين “تتجسّس” عليهم بشكل دوري ومفتوح منذ تداعيات هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001. كانت أفعالها في التجسّس الداخلي غير منشورة أو متداولة لحين ذاك التاريخ. وأضحت الحواجز الأمنية والتحقيقات على الموانيء والمطارات أمراً مألوفاً ومقبولاً بعض الشيء، إذ يضطر المسافر عبر القطارات والطائرات وحافلات الباصات الداخلية إلى إبراز بطاقات هوية “رسمية” والتعرض أيضاً لتفتيش شخصي، وهي إجراءات كانت محصورة بـ “النظم الديكتاتورية” في الماضي القريب.

مهّد الرئيس الأسبق جورج بوش الإبن غزو بلاده لأفغانستان بتحذير الشعب الأميركي من ترقّب “حملة عسكرية طويلة الأمد، وعلى نطاق لم تشهده البلاد في أي وقت مضى”، وربما ستستمر لنحو 50 عاماً، تحت مسمّى  مخادع هو “الحرب على الإرهاب”. وتطورت “المهمة الأميركية” إلى التصدي لتنامي القوة العسكرية لكل من الصين وروسيا ومحاصرتها ، على قاعدة صراع الدول الكبرى.

صوت الحكمة أتى على لسان أحد أبرز رموز العداء لروسيا والصين، وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر، محذراً مراكز صنع القرار في واشنطن من تداعيات “استفزاز روسيا والصين”، إذ يتعيّن عليها إما القبول بالمتغيرات الجارية على النظام العالمي، وإما الإيغال في تصعيد منسوب التوتر الذي “سيؤدي إلى مواجهة مشابهة لما شهده العالم عشية الحرب العالمية الأولى”.

توجّه كيسنجر (1 نيسان/إبريل 2021) إلى قيادات بلاده السياسية والعسكرية والاستخباراتية محذراً “إن لم نستطيع التوصل إلى تفاهم عملي مع الصين، فسنكون أمام وضع شبيه بما شهدناه قبل اندلاع الحرب العالميةو الأولى”، وذلك في خطاب أمام المنتدى الفكري البريطاني الأبرز، تشاتام هاوس، بمشاركة وزير الخارجية البريطاني الأسبق جيريمي هانت.

وكان أشدّ وضوحاً في تحذير صقور الحرب في بلاده قائلاً: “إن كان لديكم تصور بأن العالم سيلزم نفسه بدخول صراع مفتوح الأجل، استناداً إلى بسط الهيمنة من قبل الطرف الأقوى راهناً، فإن زعزعة النظام الراهن ستكون حتمية، وتداعياته ستكون كارثية”.

2021-12-04-التقرير الأسبوعي

واشنطن قد تخسر السّباق مع روسيا والصّين
في صناعة صواريخ أسرع من الصوت

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

منذ الأشهر الأولى لتسلم الرئيس دونالد ترامب مهامه، سرى قلق جدي في البنتاغون، وعلى أعلى مستويات القيادات الهرمية، منبعه تبلور القوة العسكرية الصاروخية لكل من الصين وروسيا بمعدلات سبقت فيها الولايات المتحدة، وذلك بإقرار مدير مختبرات البحث والتطوير في البنتاغون، ستيفن ووكر، معلناً أن الصين تخطت خصمها الأميركي “بنسبة مرتين أو ثلاث مرات”، ومطمئناً قادة الكونغرس، وخصوصاً صقور الحرب، إلى أنّ الجهود الأميركية الحثيثة ستفضي إلى إجراء أول تجربة “على صاروخ أسرع من سرعة الصوت قبل حلول العام 2020”.

مع حلول منتصف العام 2018، تداعى ثلاثة من كبار القيادات المدنية في البنتاغون إلى الكونغرس، في جلسة مشتركة شارك فيها وزير سلاح القوات البرية مارك أسبر، ووزير سلاح البحرية ريتشارد سبسنر، ووزيرة سلاح القوات الجوية هذر ويلسون، وأعلنوا العمل المشترك لتطوير “أسلحة فائقة السرعة وقادرة على اختراق اكثر نظم الدفاع الجوي العالمية تطوراً” (نشرة “ستارز آند سترايبس”، 25 تموز/يوليو 2018).

تعود خطط البنتاغون في تصميم وإجراء التجارب على أسلحة “فائقة السرعة باستطاعتها التحليق بما يفوق 5 مرات سرعة الصوت، 5 ماخ، إلى نحو عقد من الزمن”، بحسب سجلات الجلسة المشتركة المشار إليها. وذهبت وزيرة القوات الجوية ويلسون إلى التعهّد أمام الكونغرس بأنّ نموذجها للتجارب سيكون جاهزاً  “بين العام 2020 و 2021، وأنه سيحيل نظم الدفاع الجوي ضده إلى مهمة بالغة الصعوبة، وسيتميّز بدقة تصويب أفضل في المديات البعيدة”.

وصادق وزير الدفاع الأسبق، جيم ماتيس، على صرف نحو 257 مليون دولار من ميزانية العام 2019 على جهود البحث والتطوير للأسلحة السرع من الصوت، والتي نالت زيادات متتالية في الإنفاق بمعدلات عالية قاربت نحو مليار دولار منذ ذلك الوقت.

وحذّر رئيس القيادة العسكرية الأميركية للمحيط الهاديء (باكوم)، هاري هاريس، مراكز صنع القرار من تفوق الصين في “تطوير أسلحة أسرع من الصوت”، مضيفاً “لقد تجاوزتنا بذلك.  “نحن تأخرنا” (نشرة “ستارز آند سترايبس”، منصف شباط/فبراير 2018).

وشاطره كبار القادة العسكريين الأميركيين، وخصوصاً أجهزة الاستخبارات العسكرية، الرأي والقلق من نجاح جهود روسيا “تطوير صاروخ يعمل بالطاقة النووية دون الصوتية، يمكنه التحليق حول الغلاف الجوي للأرض، والانقضاض للهجوم من اتجاهات غير متوقعة”، وأن روسيا “تجازف بحدود العلم (الفيزياء) والمعاهدات الدولية” لتطوير أسلحة جديدة. كان هذا السلاح يعتبر “غير مجدٍ”، بحسب التطور العلمي في بدايات القرن العشرين.

وقد صرّح رئيس قيادة القوات الفضائية الأميركية جون ريموند عن مدى القلق في هذا المجال في نيسان/ابريل 2020، معتبراً أن “الصواريخ الروسية الاعتراضية والموجّهة إلى خارج الغلاف الجوي تمثل تحدياً للمصالح الأميركية في الفضاء الخارجي”، وموضّحاً أن الصواريخ الروسية الجديدة تحلّق فوق الهدف لمدة زمنية مفتوحة قبل الانقضاض عليه، “بعكس الصواريخ الأخرى التي تملك فترة زمنية محددة”.

الرد الأميركي على صواريخ الخصوم “فائقة السرعة” يتمركز في حثّ الخطى لانتاج سلاح مماثل، رغم الفجوة التقنية بين الجانبين، واتخاذ خطوات آنية تتمثل في “نشر طبقة من أجهزة الاستشعار في الفضاء لرصد صواريخ العدو” تؤيدها الإدارة الراهنة، ما يتيح الفرصة لواشنطن “للتصدي للأجسام العدوة في الدقائق الأولى من تحليقها، والتي ما تزال المحركات فيها تتغذى بالاحتراق” (نشرة “ميليتاري تايمز”، 24 كانون الأول/ديسمبر 2019).

تلقى البنتاغون نكسة قبل أيام معدودة في 6 نيسان/ابريل الجاري، بإعلان سلاح الجو عن فشل تجربته الثانية لإطلاق صاروخ أسرع من الصوت، محمول على القاذفة الضخمة من طراز “بي-52” فوق أجواء المحيط الهاديء، للتيقن من “قدرة الصاروخ على الوصول إلى السرعات التشغيلية وجمع البيانات المهمة الأخرى”، بحسب بيان سلاح الجو، ومن ثم عودة القاذفة بحمولتها إلى قاعدة “إدواردز” الجوية في ولاية كاليفورنيا. وأقرّ عدد من الخبراء العسكريين بأنّ الجهود المبذولة للتوصل إلى نتائج سريعة قفزت عن المعايير المطلوبة في إجراء تجارب مكثفة على كل مراحل التطوير قبل الانطلاق.

كما أعلن البنتاغون في مرحلة سابقة عن خططه الطموحة لإجراء “نحو 40 تجربة” على صواريخ فائقة السرعة في السنوات الخمس القادمة، مع علمه بعدم توفر ما يكفي من بُنى تحتية مهيأة لذلك في الوقت الراهن، مثل توفر “أنفاق رياح لقياس سرعات أعلى من سرعة الصوت”، وتقليصه المتعمّد لمديات التجارب الميدانية.

بالتزامن مع القلق الأميركي المعلن من تقدّم الخصوم، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في 1 آذار/مارس 2018 عن أسلحة جديدة “لا تقهر”، وعن دخول الصاروخ الباليستي “كينجال” (الخنجر) الخدمة، وهو يتميّز بسرعة فوق صوتية، ويطلق من الجو “لتدمير التحصينات الثابتة والمدمّرات وحاملات الطائرات”، وتصل سرعته إلى 10 أضعاف سرعة الصوت، ويحلق في مسارٍ متعرج يمكّنه من اختراق نظم “اصطياد الصواريخ”، بما فيها النظم الأميركية المتطورة من طراز “إيجيس”.

يحمل الصاروخ على متن المقاتلة الاعتراضية “ميغ-31 ” الأسرع من الصوت، التي ترتفع لملامسة سقف الغلاف الجوي إلى نحو 15 كلم. ومن هناك تطلق “الخنجر” الذي سيصل العاصمة الأميركية “في غضون 32 دقيقة”. في التفاصيل التقنية، أعلنت وزارة الدفاع الروسية ان اعتماد المقاتلة “ميغ-31” جاء بعد نجاحها في تنفيذ “أكثر من 250 طلعة جوية لإتقان عمل الأنظمة الصاروخية”.

أعلنت روسيا مع أفول عام 2019 عن دخول “المقذوف الأسرع من الصوت – أفانغارد” الخدمة الفعلية، وهو يستطيع التحليق بسرعة أكبر بـ 20 مرة من سرعة الصوت (وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو، 27 كانون أول/ديسمبر 2019). من خصائص المقذوف/المركبة “أفانغارد” حمل رأس نووي محمول على صاروخ “سارمت” العابر للقارات، يمكنه المناورة والانعطاف، ما يعقّد جهود نظم الدفاع الجوي لاعتراضه والتصدي له بعد بلوغه سرعة قصوى تصل 20 ضعفاً من سرعة الصوت – 20 ماخ.

اللافت هنا سماح السلطات الروسية لخبراء أميركيين بفحص مقذوف “أفانغارد” في 26 تشرين الثاني/نوفمبر 2019، اتساقاً مع المعايير المتفق عليها في معاهدة “ستارت الجديدة” في العام 2010، والتي سعت إلى تقليص عدد منصات إطلاق الصواريخ النووية الاستراتيجية (موقع محطة “بي بي سي”، 27 كانون الأول/ديسمبر 2019).

تستند نظرية التفوق العسكري الأميركية إلى ترسانتها الضخمة من حاملات الطائرات والقطع البحرية الأخرى، والتي يعمل بعضها بالطاقة النووية المنتشرة في بحار الكون، مطمئنة إلى فعالية أسلحتها من صواريخ “كروز” وأخرى هائلة التدمير، لتشكّل “رادعاً للخصوم”. سلاح البحرية الأميركي يطمح إلى الإبقاء على 12 حاملة طائرات مزودة بالطاقة النووية في ترسانته، مقابل سفينة وحيدة لروسيا (نشرة “ميليتاري دوت كوم” الأميركية، 2021).

وقد أكّد ذلك رئيس القيادة الاستراتيجة الأميركية جون هايتن أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ مطلع العام 2019، قائلاً:  “التهديد بالرد هو أفضل خيار، وربما يكون الوحيد، لموازاة خطر الأسلحة الأسرع من الصوت”. واستطرد قائلاً: “لا نملك راهناً أي سلاح دفاعي من شأنه مضاهاة أو منع الخصم من نشر سلاح كهذا ضدّنا. وعليه، فإن ردنا يكمن في قوتنا الردعية”.

اهتزت أركان نظرية التفوق العسكري وقائماتها، ليس لدخول صاروخ “أفانغارد” الروسي فحسب، بل أضيف إليه أيضاً صاروخ “زيركون” المجنح المضاد للسفن والأسرع من الصوت بـ 8 مرات (تشرين الأول/اكتوبر 2020)، الذي صادف الإعلان عن نجاح تجربته بالتزامن مع “عيد ميلاد الرئيس بوتين الـ 68”. يطلق حلف الناتو على “زيركون” تسمية ” أس أس – أن – 33″.

تناولت الدورية العلمية الأميركية “بوبيولار ميكانيكس” مزايا هذا الصاروخ عندما كان في مرحلة التطوير، وقالت محذّرة: “لو استطاعت سفينة أميركية رصد تحليقه من مسافة بعيدة تبلغ 100 ميل، فلن يتوفر لديها سوى دقيقة واحد (60 ثانية) للتصرف حياله” (26 نيسان/إبريل 2016).

وأضافت أن درّة الدفاع الجوي الأميركي، ممثلة بمنظومة “إيجيس”، تتطلّب من “8 – 10 ثوانٍ لاتخاذ قرار اعتراض الأجسام المهاجمة. في تلك الثواني الحساسة، سيكون الصاروخ الروسي “زيركون” قطع مسافة 20 كلم، والصواريخ المعترضة لا تحلق بسرعة كافية للحاق به”.

وتعرضت النشرة العسكرية الأميركية “ميليتاري دوت كوم” للمسألة قائلة أن: “زيركون 3 أم 22 الروسي يطير بسرعة عالية جداً بفعل وقود متطور، 6 ماخ، في مسار صاروخي هوائي متدنٍ، يشكل الضغط الهوائي الناتج أمامه غيمة من البلازما قادرة على امتصاص الموجات الهوائية، ما يحيله إلى جسم غير مرئي على شاشات نظم الرادار” التقليدية المضادة للصواريخ (مقال بعنوان “لماذا لا يستطيع الرادار اكتشاف صواريخ روسيا الفرط صوتية؟”، 2021).

لو عاد المرء بضعة عقود إلى الوراء لتوصّل يقيناً إلى أنّ التقنية الصاروخية المذكورة لم تكن وليدة العقد الثاني من القرن العشرين، بل بدأ العمل بها خلال الحقبة النازية في الحرب العالمية الثانية. وتوصل العالم الألماني يوجين سانغر إلى تصميم مركبة تنزلق بسرعة تفوق سرعة الصوت، أطلق عليها إسم “سيلبرفوغل” أو “الطائر الفضي”، في مدار الأرض، باستطاعتها قصف أهداف في الولايات المتحدة انطلاقاً من أوروبا، وتتميّز بالإنزلاق السريع من المدار الخارجي والعودة إليه مرة أخرى أثناء التحليق، بسرعة قصوى تفوق سرعة الصوت بـ 17 مرة، 17 ماخ.

تصوّر التصميم الأولي لسانغر تحليق المركبة على مدى 19،000 إلى 24،000 كلم، ومكوثها فوق الهدف وقصفه بقنبلة تزن 8،800 رطل، والعودة إلى قواعد آمنة لدول الحلف في اليابان، استناداً إلى قانون الطاقة النسبية في الفيزياء: الطاقة = ضرب الكتلة في مربع سرعة الضوء. وما حال دون تحقيق سانغر رؤيته هو التطور البدائي للعلوم الطبيعية، وخصوصاً الفيزياء، في ذلك الزمن الغابر (نشرة “إيروسوسايتي دوت كوم”، 22 تشرين الأول/اكتوبر 2019).

إنّ تطوّر التقنيات والعلوم الحديثة وفّر للأقمار الاصطناعية فرصة استشعار الهواء الساخن الناتج من انزلاق مركبة بسرعة تفوق سرعة الصوت عدة أضعاف. وتمتلك كل من الولايات المتحدة وروسيا نظم إنذار مبكر على  متن الأقمار الاصطناعية، تستطيع رصد القوة الحرارية الهائلة الناجمة في مرحلتي احتراق وتزلج المركبة الحاملة للصاروخ خلال خط تحليقها في الفضاء الخارجي، لكن تقنية الرصد لا يواكبها توفر نظم دفاعية مضادة للصواريخ للتعامل مع تلك الأجسام الطائرة بسرعات فائقة.

في العصر الراهن، تنحصر جهود الولايات المتحدة في انتاج سلاح تقليدي أسرع من الصوت، وهي في سباق متسارع مع الصين وروسيا لإنتاج نموذج صالح لدخول الخدمة العسكرية في أقرب فرصة زمنية ممكنة. في المقابل، أدخلت روسيا صواريخ فائقة السرعة لأغراض استراتيجية، من مثل “أفانغارد” و “كينجال”، من شأنها أن تحل محل الصواريخ الباليستية بتقنيتها الراهنة.

أما الصين، بحسب البيانات العسكرية المتوفرة، فهي تعكف على إنتاج صواريخ أسرع 5 مرات من الصوت، ماخ-5، وبكلفة أقل،  أطلقت عليها إسم جيل “أس أف-17”. ونظراً إلى تدني كلفة الانتاج مقارنة بالتقنية الأعلى، تستطيع الصين إطلاق سيل كبير منها في حالة الهجوم، بشكل يربك نظم الدفاع الجوية الأميركية، وخصوصاً تلك المتموضعة على السفن الحربية الحديثة.

تسير بريطانيا وفرنسا بالتوازي لإنتاج صواريخ فائقة السرعة، لاستبدال نظم “هاربون” و “اكسوسيت” تباعاً، ويتوقع دخولها الخدمة في العام 2030.