التقرير الأسبوعي 04-10-2013

التقرير الأسبوعي لمراكز الأبحاث الاميركية
نشرة دورية تصدر عن مرصد مراكز الابحاث
مركز الدراسات الأميركية والعربية

10/04/2013
‏4 /تشرين الاول/‏ 2013

المقدمة:

صراع الفريقين السياسين على اقرار الميزانية السنوية احتل مركز الصدارة في سلم الاولويات والاهتمامات، وطغى على اجواء الانفراج السياسي بين الولايات المتحدة وايران، الذي طال انتظاره.

سيتناول قسم التحليل المرفق المسألتين على السواء، والاستفاضة بنتيجة الصراع الاولية التي ادت الى ايقاف انشطة الحكومة المركزية، من زوايا متعددة تاريخيا وسياسيا وانعكاساتها الى المشهد الاميركي بشكل عام. للعلم، فان طاقم الموظفين المتضرر من الاغلاق ينحصر في قطاع الدولة المركزية، بينما تمضي الدوائر المحلية الاخرى في كافة الولايات بنشاطها المعتاد، وتوفير الخدمات للجمهور.

تكرار الازمة بتجلياتها المعتادة في توقف نشاطات الدولة ربما تعود في جذورها الى نقاط الضعف البنيوية في النظام السياسي الاميركي، ويبدو للناظر ان الاميركيين اختاروا بملء ارادتهم نظاما يتيح حيز واسع للخلافات بصرف النظر عن الشلل الذي بدأ يطبع نتائجها. النظام السياسي مبني اساسا على تخفيف دور الدولة المركزية للخشية من تعديها على الحقوق المدنية – كما يعتقد. التجارب التاريخية القريبة تؤدي الى القول ان الاميركيين باتوا يفضلون نظام يحفظ التوازنات السياسية بين الحزبين الرئيسيين على نظام مركزي اشد انضباطا.

ملخص دراسات ونشاطات مراكز الابحاث

تناول مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية شلل عمل الدولة والجدل حول اقرار الميزانية السنوية وتداعياتها على الأمن القومي، معربا عن ازدرائه لتدني مستوى الاهتمام بالقضايا الاساسية بين السياسيين، اذ ان “مساجلات الكونغرس ليس لها مغزى اساسا وتضر بالأمن القومي فحسب، بل ان الاخفاق لتناول قضايا اشمل باسلوب واقعي قد تشكل بعدا اضافيا لفشل الحزبين .. وتهديد حقيقي” لسياسات الولايات المتحدة.

معهد كاتو بدوره اشد سخرية لوطأة اغلاق مرافق الدولة وتسريح قسري لنحو 800،000 موظف، موضحا ان الحدائق والمتاحف العامة اغلقت ابوابها “بينما ستمضي وكالة الأمن القومي في تعقب محادثات المواطنين الخاصة، والقوات العسكرية ستنفق دما واموالا للحفاظ على مصالح حلفائنا الاثرياء ..”

الانفراج الاميركي الايراني

رحب مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بجولة المفاوضات المرتقبة بين الجانبين الاميركي والايراني “وامكانية ارساء ارضية صالحة لمزيد من المحادثات.” ورأى ان اي تقدم في مجال الملف النووي ينبغي ان يؤدي الى “ارساء الطرفين مناخ من الثقة المتبادلة ونزع فتيل الانقسام بينهما وبين معظم دول المنطقة مع ايران،” موضحا ان المسائل الشائكة تتمحور حول “تعزيز ايران لقدراتها العسكرية في الخليج؛ دور ايران في كل من سورية والعراق ولبنان؛ دور قوات القدس الايرانية .. في تهديد او زعزعة استقرار دول اقليمية اخرى.” وحذر المركز كل من الولايات المتحدة و”اسرائيل” من الاستهتار بمناخ الانفراج وعليهما “وخاصة اسرائيل، الاقرار بأن اي مفاوضات وتقارب اميركي مع ايران يتضمنان مسائل حيوية اكبر بكثير من التهديد النووي في المستقبل لاسرائيل …”

انتقد مركز السياسة الأمنية السياسة الاميركية في عهد اوباما، فيما يخص ايران وسورية بأن “خصوم الولايات المتحدة .. لم تأخذ على محمل الجد التهديدات التي اقدم عليها هذا الرئيس الاميركي غير الكفؤ .. بل يتصرفون على هدي ما يعتبرونه العقبة الرئيسة لطموحاتهم: اي تواجد قواتنا العسكرية ..”

الذكرى 40 لحرب تشرين

استهل معهد واشنطن حلول الذكرى الاربعين لحرب تشرين ليعدد مزايا ما ادت اليه من “ارساء دعائم السلام .. وتوقيع معاهدة سلام بين مصر واسرائيل.” واستدرك بالقول ان “التغيرات السياسية الجارية في مصر لم تسفر عن تدمير السلام .. بل وفرت مناخا لعمل مشترك افضل شبه دائم بين الحكومتين في شبه جزيرة سيناء .. يعزز الأمن .. واتاحة الفرصة للمسؤولين المصريين لطمأنة شعبهم بأن القيود السابقة المفروضة على بسط السيادة في سيناء قد ازيلت ..”

التحليل:

قراءة في شلل وتصدع البنيان الحكومي الاميركي

“استدارة” السياسة الاميركية نحو آسيا، كهدف استراتيجي رسمته لمواجهة النفوذ الصاعد لكل من الصين وروسيا، فرض عليها استدارة معاكسة في الآونة الاخيرة نتيجة انكفاء داخلي على خلفية اقرار الميزانية السنوية. الرئيس اوباما عوّل طويلا على لقاء قمة يجمعه بزعماء “منظمة دول جنوب شرق آسيا،” التي تضم روسيا والصين، ينعقد في بروناي يومي 9 و 10 تشرين الاول الجاري، كمنصة انطلاق لتثبيت دعائم الاستراتيجية الاميركية، وطمأنة الدول الدائرة في الفلك الاميركي لحضورها بقوة في المنطقة. في اللحظات الأخيرة، اضطر الرئيس اوباما للاعتذار عن حضور لقاء القمة تحت ضغط مناخ الشلل الحكومي “الذي انعكس بقوة على اعمدة اساسية في السياسة الخارجية الاميركية.”

خصوم الرئيس اوباما، لا سيما الجناح الاكثر تشددا في الحزب الجمهوري، استغلوا نفوذهم في مجلس النواب لفرض تراجع على الرئيس يفضي بتقييد التمويل او الغاء برنامج الرعاية الصحية الشاملة – والذي تم اقراره مسبقا.

نفذ الجمهوريون وتيارهم المتشدد، حزب الشاي، تهديدهم بعدم اقرار الميزانية واغلاق الدوائر والمؤسسات الحكومية وتسريح نحو 800،000 موظف بشكل قسري، بغية النيل من اولويات جدول اعماله. لم يلبث اوباما ان حذر من “التداعيات الضارة لاغلاق مرافق الدولة .. (وهو) اسلوب غير جدي او مسؤول لتسيير اعمال الحكومة الاميركية.”

القوات المسلحة الاميركية، لا سيما المنتشرة في قواعد عبر العالم، لم يسجل انها تأثرت بحجب الميزانية، فضلا عن ان قواعد الصواريخ الحاملة برؤوس نووية ابقت على برامجها في التأهب على حالها. الجسم الاكبر المتضرر من الاغلاق والتسريح يشمل الموظفين والمتعاقدين في منطقة واشنطن، بينما لا يزال نحو 73% من الاطقم الحكومية تمارس مهامها المعتادة؛ اما بقية الولايات المتحدة الاخرى فان ارتدادات الاغلاق ستكون اقل ضررا عليها وعلى مواطنيها.

بذور اجراءات شلل اعمال الدولة وجدت في مناخ تأسيس اركان الدولة بيئة خصبة، لا سيما في النصوص الدستورية والصيغة الفيدرالية في الحكم، فضلا عن الاصطفافات السياسية الراهنة في واشنطن وتبخر الحلم الاميركي لدى اعداد من افراد الشعب.

قبل تناول تلك العوامل بالتفصيل، علينا التطرق لمناخ الانقسامات والاصطفافات السياسية، ليس بين الحزبين السياسيين فحسب، بل الاستقطابات داخل الحزب الجمهوري والتي باتت تهدد وحدته التقليدية، فضلا عن الصراع التقليدي بين اجنحة متعددة لاسباب عقائدية، والاصطفافات المبكرة من الطرفين تمهيدا لخوض جولة الانتخابات المقبلة، 2014، والانتخابات الرئاسية 2016.

ابدى عدد من زعماء الحزب الجمهوري التقليديين عدم ارتياحهم من تهور التيار المتشدد في حزب الشاي وتداعيات اصراره باغلاق مرافق الدولة على لحمة الحزب. اذ حذر السيناتور جون ماكين، في خطابه امام مجلس الشيوخ، زملاءه من ان “غالبية الشعب الاميركي ابدى تأييده لرئيس الولايات المتحدة وجدد ثقته به لادارة دفة الدولة.” وناشد ماكين، من بين زعامات سياسية اخرى، اعضاء الحزب الجمهوري في مجلس النواب تفادي اجراءات الاغلاق (قبل تنفيذها) والعدول عن سياسة حافة الهاوية التي يدفع بها للواجهة انصار حزب الشاي.

من المفارقة ان اعضاء الحزب الجمهوري تعاهدوا على التصدي لبرنامج الرعاية الصحية الشامل، اوباما كير، ليجدوا انفسهم عرضة للانقسام على خلفية الاصطفاف حول المسألة عينها، لا سيما في ظل غياب رمز قوي يوحد الاجنحة المتعددة. لعل الادق ان جذور الشرخ والانقسام داخل الحزب الجمهوري تعود الى عام 2009 عند بروز تيار حزب الشاي وتصعيد خطابه ضد القوى التقليدية في الحزب طالبا منها اعادة النظر في سياساتها “الواقعية” على حساب “المحافظة على الطهارة الايديولوجية.”

ابرز تجليات الانقسام برزت خلال المرحلة الأخيرة في اقرار الميزانية السنوية، وصعود نجم السيناتور تيد كروز الذي يحسب له افشال محاولات متكررة للتسوية وتفادي اغلاق مرافق الدولة. واستطاع كروز الحصول على دعم 18 نائبا في مجلس الشيوخ، ورفض 27 آخرين الانضمام اليه. جون ماكين لخص ما آل اليه حال الحزب بالقول لشبكة سي بي اس للتلفزة “ما يجري هو انقسام في صفوف الحزب الجمهوري عوضا عن توجيه سهامه للديموقراطيين .. الحزب مختل وغير فعال.”

حالة التماسك في صفوف الحزب الديموقراطي لا تختلف كثيرا عن خصمه الجمهوري، خاصة بالنظر الى آلية التعامل اللينة نسبيا مع التحديات الراهنة، اذ استند في تحركه على نتائج استطلاعات الرأي التي تشير الى جنح المواطن العادي تحميل الحزب الجمهوري المسؤولية عما يحل بالبلاد. ربما يغذي هذا الشعور بالانتصار قرار التشبث بالموقف الاصلي وعدم ابداء مرونة معتادة للتغلب على المأزق.

عودة سريعة للوراء، لعام 1995، تدل على عمق هوة الخلاف بين الرئيس الديموقراطي، بيل كلينتون، ومجلسي كونغرس تحت سيطرة الحزب الجمهوري، على خلفية تمويل برامج معينة مشابهة مما ادى الى اغلاق المرافق الحكومية تماما لمدة 28 يوما. نجم الاغلاق عن معارضة اعضاء الحزب الجمهوري اقرار تمويل برنامج الرعاية الصحية، ايضا، آنذاك.

الرئيس كلينتون فاز بالانتخابات الرئاسية لولاية ثانية بينما حافظ الحزب الجمهوري على سيطرته في مجلسي الكونغرس، مما حدا بالمراقبين السياسيين القول ان تلك النتيجة تدل على تفضيل المواطنين الاميركيين لصيغة توازن سياسي في السلطتين التشريعية والتنفيذية.

كما ان حدث تجميد الانفاق الحكومي مؤخرا، نتيجة تقليص الميزانية العامة، سيترك تداعيات طويلة الاجل على الناخبين قد يترجم باقصاء بعض الزعماء السياسيين في الدورة الانتخابية المقبلة. البعض يراهن على المسار التاريخي للناخبين بنزوعهم للقفز على الاصطفافات والخلافات الراهنة، مما قد يخدم الحزب الجمهوري سيما وان نحو 17 نائبا جمهوريا في مجلس النواب يمثل دائرة انتخابية صوتت لصالح الرئيس اوباما في الدورة السابقة. خسارتهم جميعا لصالح خصومهم من الديموقراطيين ستعدل التوازن في مجلس النواب، بيد ان احتمالات حدوث ذلك مستبعدة.

المؤشرات الانتخابية الراهنة تقلق الحزب الديموقراطي، سيما وانها تستقرأ خسارة الديموقراطيين لنحو 10 مقاعد في مجلس النواب لتفاقم الهوة الحالية بين الطرفين، وربما تؤدي الى كسب الحزب الجمهوري اكبر نسبة من اغلبية الاصوات منذ عام 1946.

الوضع في مجلس الشيوخ ينذر بخسارة اكبر للحزب الديموقراطي في الجولة المقبلة؛ يعود الفضل الى تركيبة المجلس الحالية في افشال مشروع قرار قدمه مجلس النواب لاقصاء تمويل برنامج الرعاية الصحية الشامل عن الميزانية السنوية. ثماني ولايات محسوبة في صف الحزب الجمهوري ستشهد انتخابات ممثليها لمجلس الشيوخ، وهي الولايات التي خسرها جميعا الرئيس اوباما في الانتخابات الرئاسية السابقة: ويست فرجينيا، اركنساس، كنتكي، ساوث داكوتا، لويزيانا، الاسكا، مونتانا ونورث كارولينا. يسود القلق المندوبين عن تلك الولايات خاصة الذين ادلوا باصواتهم لصالح اقرار مشروع الميزانية، ويخشون معاقبة الجسم الانتخابي المحافظ لهم.

الادراك الشعبي لشل عمل الحكومة

البعض يرى في استفحال الازمة حلقة في الاعيب الساسة الاميركيين لاستدرار عطف الناخبين للحزبين، وتمويل حملاتهما الانتخابية المقبلة. المرشحون يرون في الازمة فرصة مواتية لمخاطبة القاعدة الانتخابية.

قاعدة الحزب الديموقراطي منهكة ولا تبدي حماسا سيما في غياب رمز قوي يحشد صفوفها. اداء الوضع الاقتصادي ضعيف وغير مشجع، كما هو الحال ايضا في اداء الرئيس اوباما لاخفاقه في انجاز الاولويات الموعودة واحباطه التدخل العسكري في سورية. بل ان عددا من الشخصيات الوازنة في الحزب الديموقراطي تبوح علنا لعدم رضاها عما يجري وانعكاساته السلبية على مستقبل الحزب. بل المفارقة في اخفاق اللجنة التنفيذية للحزب الوفاء بالتزاماتها المالية لتدني مستوى التبرعات لحزب يتحكم بالسلطة التنفيذية؛ فالرئيس عادة ما يشكل عاملا اساسيا لاستدرار التبرعات.

اللجنة القومية للحزب الجمهوري لديها فائض مالي يقدر بنحو 12.5 مليون دولار مقابل ديون مستحقة على الحزب الديموقراطي قيمتها 18.1 مليون دولار، وهو امام اختبار قاس لدخول موسم الانتخابات باسطا يديه لمزيد من التبرعات التي ربما لن تكفي لسداد الديون المترتبة. وقد توفر فرصة اغلاق انشطة الحكومة فرصة فريدة للحزب الديموقراطي لبدء حملة تبرعات هو في اشد الحاجة لها.

الوفرة المالية للحزب الجمهوري لن تنقذه بمفردها من مأزق ضيق القاعدة الانتخابية. اذ فاز عدد وازن من المرشحين الجمهوريين في الانتخابات الماضية على قاعدة وعدهم بحجب التمويل عن برنامج الرعاية الصحية وخفض الانفاقات الحكومية، مسائل لا زالت حية ولها صدى داخل القاعدة الانتخابية. الاخفاق الجماعي لتلبية تلك الوعود احدث شرخا لدى نشطاء الحزب، بل ان بعضهم لا يخفي مدى معارضته لأي تفاوض يفضي الى تسوية مع الحزب الديموقراطي.

الاداء الاستثنائي، بمقياس البعض، للنجم الصاعد تيد كروز عزز موقعه وولد تصميم مضاعف للمرشحين المرتقبين لمنصب الرئيس للفوز عليه والاطاحة به. واضحى يشكل تحديا يصد كل طامع في منصب سياسي دون التوجه للتيار الاكثر تشددا داخل الحزب، الذي يدعم كروز بكل قوة. اول الضحايا المرتقبين لنجم كروز رئيس مجلس النواب، جون بينر، الذي سيواجه مرشحا مدعوم من تيار حزب الشاي في دائرته الانتخابية.

وعليه، نجد ان اغلاق انشطة الحكومة، بمعزل عمن يتحمل المسؤولية، يخدم التطلعات الانتخابية لكلا الحزبين، سيما وان التداعيات المباشرة الناجمة لا تعدو كونها اكثر من عامل ازعاج يمكن التغلب عليه، ومصلحة الطرفين تقتضي عدم الحسم الجاد والفوري للأزمة.

اغلاق الحكومة ثغرة في بنية النظام السياسي

تعود جذور اول ثغرة في تطبيق الحكم الى مواد الدستور الاميركي الذي تم التوافق عليه بلهجة متباينة عن سلطة الملك البريطاني، بعد انزال الهزيمة بقواته. هاجس اللجنة الدستورية (ان صح التعبير بعرف الزمن الراهن) كان تحديد سلطة الفرد الحاكم – الرئيس، او السلطة الحاكمة كي لا يستنسخ نظام الاستبداد. وجاءت الصيغة النهائية لتضع توازنات بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية؛ بل آثر واضعوا الدستور على نظام حكم يحمل في ثناياه بعض نقاط الضعف السياسي استنادا الى نظام سياسي ينطوي على بعض الثغرات من شانه توفير حماية افضل للفرد الاميركي من سطوة نظام متماسك وقوي. ولعل هذا ما يفسر نص الدستور صراحة على حق الفرد حيازة السلاح.

الكونغرس يتمتع بصلاحية صياغة القوانين والتشريعات ورصد الميزانيات المناسبة؛ اما الرئيس لديه سلطة تنفيذ القوانين وانفاق الاموال اللازمة؛ اما الجهاز القضائي فقد اوكل اليه سلطة التحكيم بين الطرفين استنادا للقوانين المنصوص عليها.

التشابه الشديد بين نظامي الحكم في الولايات المتحدة وبريطانيا لا يخفى على احد. فمجلس النواب يقتدي بما يمثله مجلس العموم البريطاني؛ ومجلس الشيوخ يمثل الولايات السيادية كما يمثل مجلس اللوردات طبقة الاسياد الذين حكموا بعض اجزاء بريطانيا. بل ان النظام الضرائبي الاميركي يعود في جذوره الحقيقية الى مرحلة حكم الملك ريتشارد الثاني (1377 – 1399)، الذي ازاح آلية جمع الضرائب والانفاق من سلطة الملك ومجلس اللوردات، واوكله الى الشعب – اي مجلس العموم. واضحى احد ثوابت النظم البرلمانية في العالم، مع الاشارة الى ان النظام الاميركي لا يطبق كافة المواد المنصوص عليها في النظام الملكي، لاسبابه الخاصة.

جيمس ماديسون، المكنى بأبِ الدستور، لعب دورا محوريا في صياغة المواد الدستورية وحرص على اعطاء صلاحية جمع الضرائب في مجلس النواب حصرا لخشيته من سلطة مجلس الشيوخ “الذي بخلاف مجلس النواب لا ينتخب اعضاءه بذات آلية التكرار وهو غير ملزم بالعودة الدائمة (لمناقشة) الناس. اذ يتم انتداب نوابه لستة سنوات من قبل الولايات، وربما يستكينوا في منصبهم الحكومي والسعي لتنفيذ مشاريع تعزز مواقعهم الخاصة .. قيود الصرف (المالي) ينبغي ان تبقى بين ايدي ممثلي الشعب.”

استنادا الى ما سبق، ينبغي على مجلس النواب المبادرة لاستصدار قرار للصرف المالي، قرار التمديد، والذي اصطدم برفض الاغلبية من الجمهوريين. كما ان الدستور الاميركي لا ينص على بطلان التعديلات في مشاريع الميزانية الصادرة عن المجلس الاعلى (الشيوخ)، كما هي الحال في معظم الانظمة المماثلة. وانتهزت الاغلبية الجمهورية في مجلس النواب الفرصة لادخال تعديل جذري على مشروع الميزانية، يقضي بحسم الموارد المرصودة لبرنامج الرعلاية الصحية الشامل، وارساله لمجلس الشيوخ. مارس مجلس الشيوخ صلاحياته الدستورية ورفض الصيغة المقدمة له واستعاد فقرة برنامج الرعاية الصحية.

في مثل هذ الحالة من الخلافات البينة، يعين كل مجلس لجنة متساوية العضوية للتشاور بعيدا عن صخب الخطابات والاستقطابات السياسية بغية التوصل لصيغة مقبولة تضيق هوة الخلاف. مجلس الشيوخ اصر على رفضه تعيين ممثلين عنه للتشاور، مع ادراكه انه عاجز عن تمرير “قرار التمديد” بمفرده. واصطدم الطرفين بتشبث كل فريق بموقفه السابق، مما ادى لدخول الهيئات الحكومية سنة مالية جديدة (1 تشرين الاول من كل عام) خالية الوفاض وغير قادرة على الوفاء بالتزاماتها. ورغم سعي الطرفين لتفادي النتيجة السلبية، الا ان اخفاقهما معا ادى لاغلاق ابواب الاجهزة الحكومية.

على الرغم من تكرار اغلاق انشطة الدولة، في عهود رؤساء ديموقراطيين وجمهوريين على السواء، وتدافع العقلاء للمطالبة بادخال اصلاحات على النظام الحاكم تماشيا مع متطلبات العصر الحديث، الا انها تبوء بالفشل كل مرة. اذ شهد عهد الرئيس ريغان اغلاق المرافق لمرات ثمانية خلال ولايتيه الرئاسيتين (8 سنوات)؛ ومرت الحكومة الاميركية في ازمة الاغلاق لسبعة عشر (17) مرة خلال العقود الاربعة الماضية.

اوباما يبدأ رحلة انهاء القطيعة مع ايران

شكلت المكالمة الهاتفية بمبادرة من الرئيس اوباما مع الرئيس الايراني علامة فارقة في تاريخ العلاقات الثنائية المقطوعة بين البلدين، وحفزت آمال التوصل الى حل ديبلوماسي لملف ايران النووي. الاطراف المتضررة من اجواء الانفراج تمحورت في “اسرائيل” ودول الخليج التي تورطت عميقا في استخراج وتعميم مشاعر العداء لايران في المنطقة، بينما انكفأت “اسرائيل” عن خطاب التحدي ونبهت الدول الغربية الى عدم الوثوق بالتوجهات الايرانية الجديدة واتهمتها بتقطيع الوقت كي تستكمل خططها لتطوير اسلحة نووية.

اللقاء الذي جمع الرئيس اوباما ببنيامين نتنياهو، قبل القاء الاخير خطابه امام الجمعية العمومية، تمحور حول التطورات السياسية الدولية والازمة المالية لاميركا. نتنياهو كان اقل عدوانية وتحديا نحو اوباما، مشيدا بدوره في ممارسة ضغوطات اقتصادية وعسكرية على ايران افضت الى حضورها لطاولة المفاوضات. وقال في حضرة اوباما “اثمن عاليا ما اوضحته بانك ستحافظ على الالتزام بذلك الهدف” اي حرمان ايران من حيازة اسلحة نووية.

اجمعت الاوساط السياسية ان نتنياهو وافق مرغما على توجه الرئيس اوباما نحو ايران، حاثا الولايات المتحدة على فرض تنازلات فورية على ايران تبدأ بوقف برامجها النووية الحساسة او مواجهة ضغوطات دولية اشد وطأة ان اخفقت. من ناحيته، سعى اوباما لطمأنة ضيفه بابقاء الحذر عاليا من الوعود الايرانية. وقال “سيقتضي اي اجراء نتخذه اعلى درجات التحقق كي نستطيع توفير بعض العون لتخفيف العقوبات التي اعتقد انهم يسعون اليها.”

نتنياهو بحاجة ماسة للدعم المالي الاميركي، عوضا عن المساعدات العسكرية المباشرة، وليس بوسعه تحدي الرئيس اوباما علنا كما فعل في السابق. اما ايران فهي بحاجة ماسة ايضا لترميم اقتصادها جراء العقوبات المجحفة، مما يفسر استدارة رئيسها الجديد لطلب ود اميركا بغية رفع العقوبات. الرئيس اوباما بدوره في مأزق سياسي على المستوى الداخلي يستهلك رصيده بسرعة كبيرة، وهو بحاجة ايضا الى تحقيق انجاز ديبلوماسي ذو مغزى يعوض فيه بعض خسارته.

2013-03-05 التقرير الأسبوعي

التقرير الأسبوعي لمراكز الأبحاث الاميركية
نشرة دورية يصدر ها مرصد مراكز الابحاث
لمركز الدراسات الأميركية والعربية

05/03/2013
‏3 أيار / مايو‏ 2013

المقدمة:

توقفت مراكز الابحاث طويلا عند مزاعم استخدام سورية لأسلحة كيميائية، وتداعياتها على تصريحات الرئيس اوباما ووصف بعضهم له بانه اقدم على “التراجع” عن تهديداته السابقة.

الخيارات المتعددة المتوفرة للادارة الاميركية في هذا الشأن، ستكون موضع بحث واهتمام قسم التحليل، سيما مع تنامي وتيرة المطالبة بالتدخل العسكري استنادا الى تطابق مزاعم استخدام الكيميائي مع “الخوط الححمر” التي رسمها الرئيس اوباما. محصلة استعراض الخيارات المختلفة تقودنا للقول ان ليس من بينها ما يوفر ضمانة للقضاء على استخدام السلاح الكيميائي في الازمة السورية، لأي من الطرفين.

ملخص دراسات ونشاطات مراكز الابحاث

تراجع القدرات العسكرية الاميركية لم تعد تقتصر على تحليل المعطيات، اذ اشار مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS الى ما ادت اليه اوضاع القوات العسكرية اذ “تواجه القوات البرية الاميركية ضغوطا حقيقية في الوقت الراهن لبلورة (خطط) الطواريء المستقبلية .. في ظل تراجع ملموس لسيناريوهات خوض الحروب التقليدية .. يواكبها تضاؤل ملحوظ في حجم الموارد المتوفرة.”

استنادا الى مناهضة الرأي العام الاميركي للتدخل العسكري في سورية، اوضح مركز التقدم الاميركي Center for American Progress ان عملية التدخل تنطوي على تعقيدات سياسية جمة “لخلو صفوف قوى المعارضة من القوى العلمانية” وسيطرة القوى المرتبطة بتنظيم القاعدة على الساحة. وحث الولايات المتحدة العمل سوية مع دول “حلف الناتو والشركاء الاقليميين لترسيم معالم رد اميركي” على مزاعم استخدام السلاح الكيميائي.

مؤسسة هاريتاج Heritage Foundation بدورها حثت الولايات المتحدة في توفير الدعم لقوى المعارضة “الذي من شأنه تهيئة القوى المنخرطة ايجاد حل لمسألة الاسلحة الكيميائية السورية .. التي تشكل التهديد الاقوى للمصالح الحيوية الاميركية.”

معهد الدراسات الحربية Institute for the Study of War حذر من “الاثار المترتبة عن استخدام الاسلحة الكيميائية في سورية كونها تشكل نقطة انعطاف رئيسية” في مسار الصراع. واوضح ما ينطوي من مخاطر جراء قرار الدول الغربية شراء النفط السوري الخام الواقع تحت سيطرة القوى المعارضة، وما توفره من اشتداد حدة المنافسة بينها جميعا “وبروز انشقاقات بين صفوفها .. مما قد يشجع النظام السوري على تسديد ضرباته لها.”
في سياق متصل، سلط المعهد الضوء على ما زعم بانه “مشاركة مفتوحة لمسلحي شيعة العراق في سورية .. كمؤشر على تقييد حركة النفوذ الايراني في المشرق.”

حذر معهد واشنطن لشؤون الشرق الادنى Washington Institute من “الآثار المترتبة على استخدام اسلحة كيميائية في سورية .. اذ امام تعثر بلورة رد غربي مناسب، سيعزز النظام من فرص استخدامها على نطاق اوسع.” وحث الادارة الاميركية على “توفير اسلحة لقوى المعارضة جنبا الى جنب لتشغيل بطاريات صواريخ الباتريوت في قواعدها التركية لدرء مزيد من الغارات الجوية على صفوفهم.”

ومضى المعهد ايضا بتسليط الضوء على تداعيات استخدام سورية لصواريخ ارض- ارض، وحث الادارة الاميركية على توفير سبل الدعم المطلوبة لقوى المعارضة لمواجهة ذلك التحدي، وتوفير معلومات استخبارية تتعلق بالانذار المبكر لاطلاق تلك الصواريخ ووضعها بتصرف قوى المعارضة. وطالب القوى الغربية دون مواربة “تجنيد وتدريب وتسليح وحدات معينة من الجيش الحر لشن هجمات على مواقع اطلاق الصواريخ” السورية.

معهد واشنطن ايضا، Washington Institute، تناول انعكاسات الازمة السورية من زاوية “توفيرها فرصة لتطوير العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة .. اذ ان استمرار الازمة السورية تضع تركيا في وضع خطر، يسهم في اضعافها وتطلعها لاقامة علاقات اقوى مع الولايات المتحدة.”

معهد بروكينغز Brookings Institute يحذر من السقوط الحتمي للسلطة في مصر نظرا “لتنامي اوجه الفساد، وانخفاض معدلات الناتج القومي العام يقابله ارتفاع ملحوظ في نسبة البطالة .. وتزايد العجز في الميزانية من 8%، عام 2010 الى 11% لعام 2011، وقد يتخطى معدل 13% العام الجاري.”

في مستوى الاستراتيجية الكونية، نبه مجلس العلاقات الخارجية Council on Foreign Relations الى أهمية تطوير آليات الدفاع الاميركية ضد الصواريخ الباليستية، والتي ينبغي ان تستند الى “اقامة شراكة مع الحلفاء عبر العالم لتوسيع شبكة النظم الدفاعية ضد الصواريخ الباليستية وكذلك تطوير قدرات الردع لديها.” واوضح ان التعاون الوثيق في هذا المجال “يعد مكونا حيويا لعلاقة اسرائيل الاستراتيجية مع الولايات المتحدة .. الرامية لمواجهة التحديات الاقليمية، بما فيها ايران.”

التحليل:

هل هناك خيار عسكري اميركي للتدخل في سوريا؟

اميركا تعلن عن شن طائرات مقاتلة اسرائيلية غارة جوية على سورية، و”اسرائيل” تنقل عنها النبأ بعد تردد. الرواية الاميركية اوضحت ان “الطائرات الاسرائيلية لم تدخل المجال الجوي السوري، بل قصفت هدفا عن بعد؛” وكأن الاعلان الاميركي يرمي الى تجديد المراهنة على الوظيفة الأمنية الاقليمية “لاسرائيل.” بينما اطلقت الاخيرة تصريحات متسارعة حذرة تنفي التأكيد السابق وعدم تبني المسؤولية عنه. ولم ينسى الاعلان الاميركي الاشارة الى ان “الغارة” سبقها تحليق مكثف للطيران الحربي “الاسرائيلي” فوق الاجواء اللبنانية لنحو 24 ساعة متواصلة.

جاء الاعلان الاميركي اللافت في الساعات الاولى من صباح يوم السبت، عطلة اليهود، ويوم سبت النور بعد الجمعة العظيمة لدى الكنائس المسيحية الشرقية وتزامنه مع الاجراءات المتشددة لسلطات الاحتلال تطويق الاماكن المقدسة ومحاصرة كنيسة القيامة المجيدة واعاقة الاحتفالات الدينية، بل انشاء طوق أمني حولها اوقف الحركة بالاتجاهين.

توقيت الاعلان الاميركي أتى ايضا في ظل اجواء تنامي الجدل داخل المؤسسة الاميركية وصناع القرار لاقرار آلية الرد الاميركي على مزاعم استخدام سورية لاسلحة كيميائية، التي وصفها الرئيس اوباما “خطا احمرا” يستدعي رد تلقائي؛ فضلا عن اعلان الادارة حديثا بأنها في صدد النظر، او اعادة النظر، بتسليح المعارضة السورية المسلحة. وسال حبر كثيف في نسج السيناريوهات المختلفة همُّها استعادة الهيبة الاميركية في اعقاب تواصل معلومات ميدانية تشير الى تقدم مضطرد للجيش السوري في القضاء على اهم معاقل المعارضة المسلحة، بعضهم وصفها بالمناطق الاستراتيجية، والتي اضحت تحت سيطرة الدولة السورية.

هناك قول مأثور في الاوساط العسكرية يفيد: الهواة يتناولون امور الاستراتيجية والتكتيك، اما المهرة والمهنيين فيتناولون الامور اللوجستية.

لو سعينا تطبيق القول على المشهد الاميركي الراهن، فيما يخص سورية، لخرجنا بخلاصة مفادها ان القائد العام للولايات المتحدة حقا يصطف مع الهواة، بالنظر الى افراط تركيز جهوده وتصريحاته في رسم ملامح الحدود التي لا يتعين تخطيها في “الخط الاحمر” باستخدام الاسلحة الكيميائية، فقد نحى جانبا او رفض الدخول في آليات تطبيق التهديد المعلن؛ بصرف النظر عن تباين الدلائل والقرائن التي يزعم بعض حلفاء واشنطن التوكيد على ترسبات في عينات التربة تشير الى آثار غازات سامة. وعليه، اضطر الرئيس اوباما الى التراجع وسحب تهديداته، مما افسح المجال لخصومه السياسيين توجيه اتهاماتهم له بالنيل من مصداقية الولايات المتحدة في المنطقة، فضلا عن التسبب بمزيد من الارتباك بين صفوف حلفائها.

الحقائق العلمية وتحليلات الخبراء العسكريين بشأن التخلص والقضاء على الاسلحة الكيميائية المزعومة في سورية تشير الى صعوبة تحقيق المهمة، خاصة في ظل الامكانيات التقنية العالية المتوفرة لدى الترسانة العسكرية الاميركية؛ الا في حال اقرار الولايات المتحدة الدخول المباشر في حلبة الصراع وتخصيص قواتها العسكرية للمشاركة الفعلية. حتى في ظل تلك الظروف فان تنفيذ المتطلبات اللوجستية لازالة خطر الاسلحة الكيميائية، نظرا لانتشارها على بقعة جغرافية ممتدة، تزيد في تعقيدات المهمة؛ الامر الذي يحد من الخيارات المتاحة امام الرئيس الاميركي للقيام بها.

عند استعراض الخيارات المختلفة للولايات المتحدة، بعد ان اشبعت تداولا، نجد التالي:

القيام بشن غارات جوية على مواقع تخزين الاسلحة الكيميائية: هناك اجماع بين الخبراء على ان تنفيذه لا يشكل خيارا مواتيا، لا سيما وان مواقع التخزين محصنة جيدا ضد القصف والاغارة، فضلا عن ان الاصابة قد تؤدي الى تسرب وانتشار المكونات الكيميائية في الغلاف الجوي، مما يشكل خطرا اكبر باضعاف من امكانية استخدامه من قبل اي من الطرفين.
حظر استباقي لاستخدام الاسلحة الكيميائية: انه خيار ميؤوس منه في المستوى التطبيقي، سيما وانه من الممكن مراقبة واستهداف الوحدات المختصة بتركيب رؤوس كيميائية على صواريخ سكود، لكن تدقيق وتتبع وحدة تنوي اطلاق عبوة مدفعية محشوة بالمكونات الكيميائية أمر بالغ الصعوبة.

خيار المهمة المستحيلة: يتخذ الخيار عنوانه من مسلسل تلفزيوني بذات العنوان ويعكس بكل أسف نمط التفكير العسكري التقليدي بين الهواة والمغامرين.

محور الخيار المذكور ينطوي على ادخال طواقم مختصة عالية التدريب من القوات الخاصة سرا الى سورية، لتحييد اي مقاومة مرتقبة، والشروع في اخراج الاسلحة الكيميائية خارج البلاد قبل ان يستيقظ السوريين على ما يجري حولهم. يزعم البعض، ممن يطلق عليهم الخبراء، بأن لدى سورية احدى اضخم ترسانات الاسلحة الكيميائية في الشرق الاوسط، قوامها بضعة أطنان من المكونات الكيميائية. ويمضون بالقول، ان الترسانة موزعة على عدة مستودعات لتخزينها تشمل انماطا متعددة من قذائف المدفعية الى الرؤوس المحمولة على الصواريخ.
ان ثمة التفكير بادخال متزامن ومنسق لاطقم عدة من القوات الخاصة لتنفيذ هجماتها و”تحييد” الحراسات السورية على المستودعات، ومن ثم اخراج بضعة أطنان من الاسلحة الى مركبات وناقلات تحملها على متن طائرات لاخراجها من سورية، لأمر بالغ السذاجة. سيما وان السيناريو لا ياخذ بعين الاعتبار المخاطر البيئية والانسانية التي ستتسبب بها عملية النقل عبر الاراضي والاجواء السورية. كما انها ستكون لقمة سائغة وهدفا دسما لو وقعت بايدي قوى تتطلع لاستخدامها وادانة الدولة السورية بفعلتهم. ليس مستبعدا ان تتعرض الحاويات الكيميائية الى الضرر والتلف وتسرب مكوناتها الى البيئة والاجواء الطبيعية نتيجة ذلك.

خيار الانزال الجوي بواسطة مظليين: اطقم القوات الخاصة المطلوبة، مهما بلغ حجمها، لن تتوفر لديها القوى البشرية المطلوبة لتنفيذ مهام حساسة وشديدة التعقيد بهذا الشمول، ومن ثم قد يمضي البعض في التفكير بانزال اطقم اضافية في محيط مستودعات الاسلحة قوامها القوات الاميركية والبريطانية والفرنسية (على افتراض توافق تلك الاطراف على طبيعة وأفق العملية). كما تستند الى فرضية اخرى تتعلق بتوفير قدرة نارية كافية للتغلب على الحمايات الامنية والحراسات لاطباق السيطرة واخراج الاسلحة من مهاجعها، ونقلها جوا الى خارج الاراضي السورية.

من الناحية النظرية، ينطوي هذا السيناريو على حظوظ اكبر من النجاح، بيد ان الترتيبات والتجهيزات اللوجستية لعملية ضخمة بهذا الحجم مذهلة وبالغة التعقيد. اذ تقدر بعض الاوساط العسكرية ان المهمة تحتاج الى نحو 70،000 عسكري مدجج بكامل الاسلحة (حسب وصف دورية “فورين بوليسي”)، مما يعادل اضعاف الاطقم المحمولة جوا المتوفرة لدى الثلاثي: الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا. هذا فضلا عن التداعيات والانعكاسات السياسية لما سيرافق عملية عسكرية كبيرة بهذا الحجم. امام هذا الامران ليس مستبعدا قيام تضافر مرحلي بين بعض قوى المعارضة المسلحة فيما بينها والتوحد لمحاربة الغزو الخارجي.

ميدانيا، لو تم اعتماد هذا الخيار، فليس من الحكمة تشتيت وتوزيع انتشار رقعة الانزال الجوي، لا سيما في ظل مواجهة خصم يحسب له ألف حساب سيما وان حجم قوى الدفاع السورية يفوق حجم القوى المهاجمة عدة اضعاف، باستطاعتها الحاق هزيمة محققة بها وما ستتركه من تداعيات سياسية على الرئيس اوباما والمشهد الاميركي الداخلي – ولنا في خطة انزال فرق اميركية خاصة في الصحراء الايرانية بغية انقاذ الرهائن الاميركيين وتحطم طائراتها المروحية وفشل المهمة بالكامل، خير مثال. كما ان القوات البريطانية فقدت نحو 80% من قوات المظليين في الحملة الاولى لانزال جوي فاشل على سواحل هولندا خلال الحرب العالمية الثانية كجزء من حملة اشمل لقوات الحلفاء، مشكلا مادة سينمائية لفيلم “جسر بعيد جدا،” يحاكي الفشل الذريع للعملية.

على خلفية هذين المشهدين، سيجد سلاح الجو الاميركي نفسه امام تحدٍ مضاعف للابقاء على عدة جسور جوية عاملة في مواجهة اسلحة الدفاعات الارضية السورية المختلفة وتعريض ناقلاته الجوية متواضعة السرعة الى هدف سهل الاصطياد. فضلا عن ان ناقلات الطائرات وعلى متنها مكونات كيميائية قد تتعرض لهجمات تصيبها بالعطل ام تدمرها تماما وما سينتج عنها من تلويث الاجواء السورية والاقليمية بالعناصر الكيميائية السامة.

تجمع الدوائر الغربية المختصة على حيوية وكفاءة نظم الدفاعات الجوية السورية وبأنها من افضل النظم على نطاق العالم، والتي جرى تحديثها بمساعدة روسية. للدلالة، افرد رئيس هيئة قيادة الاركان الاميركية، مارتن ديمبسي، حيزا مميزا “لقوة نظام الدفاع الجوي (السوري) كونه يشكل عامل الاعاقة الاكبر امام تدخل اميركي،” كما اوردت صحيفة وول ستريت جورنال. اما التجربة الليبية التي ينظر لها بأنها تدخل غير مكلف بشريا، فيجري استبعادها على الفور من السيناريو السوري.

كما تواجه الولايات المتحدة تحديا اكبر في هذا الشأن، اذ هي غير متيقنة من مواقع كافة الاسلحة الكيميائية في سورية، كما عبر أحد المسؤولين الكبار لنشرة “ديلي بيست” الالكترونية، “فقدنا تعقب العديد من هذه الامور .. ولا ندري اماكن تواجد معظمها.” ويعتقد ان القوات العسكرية السورية شرعت بنقل الحاويات التي تحفظ مخزونها من غازات السارين والخردل على متن شاحنات متحركة تجول رقعة البلاد بكاملها، ويتعثر التيقن من اماكنها في لحظة محددة. وقد رصدت اجهزة الاستخبارات الاميركية تحريك سورية لمخزونها من الاسلحة العام الماضي، وزادت وتيرته منذ شهر كانون الاول/ديسمبر.

في العودة للتوقف عند الابعاد السياسية لاستمرارية الجسر الجوي، قد تتردد بعض الاطراف الاقليمية، مثل تركيا والاردن والعراق و”اسرائيل،” من توفير اراضيها قواعد جوية للانطلاق وتنفيذ تلك المهام. الامر الذي يتطلب قيام الولايات المتحدة باستخدام قواعد بعيدة كمنصات انطلاق كالتي تتواجد في ايطاليا، وما يترتب على ذلك من تمديد خطوط الامداد وانعكاساته على الدعم المطلوب توفيره لكل جسر جوي. كما من شأنه تعريض وحدات القوات المحمولة جوا الى مزيد من الهجمات السورية ضدها.

غزو بري شامل: ينطوي هذا الامر على حملة عسكرية شاملة لغزو سورية باستخدام القوى النظامية للولايات المتحدة وحلفائها. كما يتطلب الأمر غزو وانزال برمائي للسواحل السورية، وهجمات تشن من اراضي دول مجاورة – على افتراض انها ستدخل المعركة اما مباشرة او عبر توفير التسهيلات المطلوبة.

سيناريو من هذا القبيل يتطلب وقتا اطول لتوفير كل ما يلزم، فضلا عن اعادة تموقع موارد اساسية واسلحة تقليدية في المنطقة؛ وانشاء شبكة لوجستية كبيرة لدعم عملية بهذا الحجم. كما ستحتاج الى بضعة اسابيع، وربما عدة أشهر، للسيطرة على مواقع ومكونات الاسلحة الكيميائية.

في ظل المناخ الاميركي العام لتقليص رقعة انتشار القوات العسكرية التقليدية، لاعتبارات سياسية ومالية واستراتيجية، يواجه السيناريو المذكور جملة عوائق وتساؤلات حول قدرة الولايات المتحدة القيام بذلك وتحقيق اهدافها المرجوة في هذه الفترة الزمنية. سورية، بلا شك، تمتلك سلاح مدرعات كبير الحجم؛ وبذلت الولايات المتحدة كل ما تستطيع من اساليب استهداف ودمار لاجل تخفيض حجم الوحدات المدرعة العاملة خلال حرب السنتين الماضيتين. من المستبعد نجاح قدرة الولايات المتحدة على حشد قوات نظامية كبيرة للقيام بغزو سورية شبيه بغزو العراق منذ عقد من الزمن.

الاقدام على تنفيذ سيناريو الغزو الشامل سينطوي على عواقب كارثية للولايات المتحدة على الصعيد الدولي. الدول الاقليمية المعدودة في معسكر الولايات المتحدة، بغالبيتها ان لم يكن كلها، ليست على استعداد للتهور في عملية مثيرة للجدل مثل سورية؛ فضلا عن تحفيز الغزو لكافة القطاعات من السوريين لتوحيد الجهود لمقاومة العدوان الاميركي.

الرأي العام الاميركي ايضا لا يبدي حماسا للتدخل في سورية، حسبما افادت احدث استطلاعات الراي التي اوضحت ان نسبة لا تتجاوز 10% من الاميركيين تؤيد التدخل العسكري، مقابل 61% يعارضونه. وعند سؤال العينات عما ينبغي فعله ان استخدمت سورية اسلحة كيميائية، قفزت نسبة التأييد الى 27% فقط، مقابل ثبات نسبة معارضي التدخل عند 44% منهم.

بالمجمل، وعند التدقيق في مغزى تهديدات اوباما لعدم تجاوز “الخطوط الحمر،” من العسير التوقف عند خيار عسكري قابل للتنفيذ في هذه الفترة الزمنية. كما من غير المستبعد ان يؤدي اي عمل عسكري اميركي، محدود او شامل، الى اندلاع حرب اوسع قد ينطوي عليها تدخل روسي مباشر كرد فعل على النوايا العدوانية الاميركية بكل ما يعنيه من نشوب او الاصح نزاع عالمي. امام مواجهة اوباما للخيارات المحدودة ومخاطرها وتداعياتها، يهرب هو وادارته الى الامام لادخال تعديل على مسار السياسة الاميركية من موقع عدم تزويد قوى المعارضة باسلحة فتاكة الى الميل نحو تزويدها باسلحة مميتة، في محاولة لحرف مسار الانتقادات الدولية والداخلية عنه.

الخيار الواقعي للتعامل الاميركي مع الازمة مبني على التعاون مع روسيا، لما لها من نفوذ واسع ومعلومات دقيقة حول مجمل الاوضاع السورية ومصير ترسانة الاسلحة الكيميائية على السواء. كما ان روسيا هي الدولة الوحيدة من بين الدول الاجنبية الاخرى، اعضاء مجلس الأمن، مرشحة للسماح لها بتوفير سلامة مستودعات الاسلحة الكيميائية، ان تطلب الأمر. من نافل القول ان تعاون روسيا في هذا الشأن له ما يبرره من اثمان: مطالبة ثنائية روسية سورية لوقف الولايات المتحدة دعمها للمتمردين، وتقديم دعم عسكري روسي اضافي لسورية، وقبول الولايات المتحدة ضمنيا لتواج قواعد حربية بحرية لروسيا في سورية.

ان استمر الرئيس اوباما في تثبيت خطوطه الحمراء فيما يتعلق بالاسلحة الكيميائية في سورية، يتعين عليه التوصل الى تسوية ما تضم عناصرها التعهد بالاقلاع عن فكرة تجاوز القيادة السورية والرضوخ لحقيقة توسيع رقعة التواجد والنفوذ الروسي في منطقة الشرق الاوسط.