2013-12-27 التقرير الأسبوعي

المقدمة: 

اسهمت عطلة عيد الميلاد المجيد بتقلص حجم المواضيع ذات الاهتمام لمراكز الفكر والابحاث الاميركية، بل اغلق البعض ابوابه الى ما بعد اطلالة السنة الجديدة.

سيستعرض قسم التحليل المرفق اداء الرئيس اوباما للعام الحالي، بالرصد وتحليل المعلومة ووضعها في سياقها الزمني والسياسي المناسب، وما يمكن استشرافه من توقعات للعام المقبل، 2014. ينطلق المركز من محصلة احداث سلبية جاءت في خانة الرئيس، تخللتها اخفاقات متعددة على الصعد الداخلية والخارجية. كما توصل المركز الى نتيجة مفادها ان الادارة الراهنة تعاني من السبات السياسي أسوة بكل من سبقها من الرؤساء في ولايتهم الرئاسية الثانية، مدعومة بنتائج استطلاعات للرأي تشير الى امكانية فوز الحزب الجمهوري بمقاعد اضافية في مجلسي الكونغرس، فضلا عن اخفاق الرئيس اوباما في حمل الكونغرس على استصدار قرارات ملزمة نظرا لهشاشة رصيده السياسي.

 ملخص دراسات ونشاطات مراكز الابحاث

سورية

لا ينفك معهد واشنطن عن الترويج لتقسيم سورية الى دويلات عدة، احداها “دويلة الاسد .. وما ستمثله من تهديدات لقدرة المجموعات الاخرى على حكم سورية في مرحلة ما بعد نهاية الحرب ..” واشار المعهد الى عزم “كتائب الجبهة الاسلامية قطع الطرق الرئيسة الواصلة دمشق مع كل من اللاذقية وطرطوس وحمص .. وفرض التقسيم كأمر واقع.” ومضى بالقول ان “دويلة الاسد وما تبقى من القوات العسكرية السورية ربما تستطيع السيطرة على نحو 40% من الاراضي السورية .. وتضم نحو 60 الى 70% من السكان.” واعرب عن ثقته باستمرار موجة القتال المسلح بين “الدويلات .. التي ستسعى للدفاع عن الاراضي تحت سيطرتها .. مما سيؤدي الى مسار صراع يستعصي على الحل ..”

مصر

استبق مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية اعلان الحكومة المصرية رسميا جماعة الاخوان تنظيما ارهابيا بالتحذير من مثالب التنظيم الذي “وصل السلطة .. سواء عبر العنف الثوري او صندوق الانتخابات، فان هدفه يبقى معلنا دون تغيير: (اي) التضييق على المعتدلين الاسلاميين والعلمانيين والمسيحيين وكل الشرائح الاخرى بالانصياع لحكم الشريعة.” واضاف “من حسن الحظ انتفض الشعب المصري بوجه تنظيم الاخوان بحشده ثلاثين مليونا من كافة انحاء البلاد للمطالبة بعزل الرئيس محمد مرسي.” وخلص بالقول ان اعتقال قادة الاخوان وايداعهم السجن “يلقى ترحيبا في معظم اوساط الشعب الاميركي والذي ينظر الى الاجراء كتطور ايجابي بالغ.”

ايران

رصد مجلس العلاقات الخارجية اداء الرئيس الايراني، حسن روحاني، وانعكاسه على مسار السياسة الخارجية قائلا ان المرشد الاعلى علي خامنئي “رضخ لضغوط الاوضاع الاقتصادية .. واذعن لمطالب التفاوض مع الولايات المتحدة حول الملف النووي.” وحذر بالقول انه بصرف النظر عما آلت اليه المفاوضات، فانه “ينبغي اعتبار المرشد علي خامنئي عقبة امام تحسين العلاقات الثنائية بين ايران والولايات المتحدة.”

التحليل:

جردة حساب لانحدار زعامة أوباما …. هل يشهد 2014 سقوطا الى الحضيض ؟!

سطع وهج الارث السياسي للرئيس اوباما العام الماضي مدشنا فترة مشرقة ارفقها بوعود بهية: اذ اعيد انتخابه لولاية رئاسية ثانية؛ وسجل حزبه الديموقراطي بعض التقدم السياسي في انتخابات الكونغرس؛ وشرع في ارساء الاسس لاعادة انتاج الولايات المتحدة بحلة اكثر قابلية عقب ما واجه هيمنتها من معارضة ورفض دوليين؛ بل ذهب بعض انصاره في الكونغرس بعيدا نحو بلورة صياغة مادة لتعديل الدستور تتيح له الترشح للمنصب لفترة رئاسية ثالثة.

باقتراب العام الحالي من نهايته وجد اوباما نفسه في موقع ملاصق لنقطة الحضيض القمري في سياق مستقبل وفعالية حكومته وادارته، لاسيما درة سياساته “برنامج الرعاية الصحية الشامل؛” وهبوط سريع ملحوظ لمدى شعبيته وصلت معدلات ادنى من سلفه جورج بوش، لذات الفترة الزمنية من الولاية الرئاسية. برامجه الوردية التي اعلن عنها عشية بدء ولايته، في رسالته عن حال الأمة، بقيت حبيسة الادراج: سياسة تطوير البرامج التربوية، اصلاح قوانين الهجرة، الحد من استشراء وتقنين السلاح الفردي، سن قوانين للحد من معدلات الاحتباس الحراري، برامج لتشغيل اليد العاملة، تطوير البنى التحتية، اصلاح القوانين الضرائبية، ورفع معدل الحد الادنى من الاجور.

استنادا الى سجل الرئاسة الاميركية منذ بداياتها فان فترة الولاية الرئاسية الثانية اثبتت انها الاشد تحديا ومشبعة بالعقبات. اذ عادة ما تضيق القاعدة الانتخابية ذرعا بذات الوعود والسياسات للحزب الحاكم، وتطلق على الرئاسة وصف “البطة العرجاء” في زمن مبكر، للدلالة على عدم اكتراثها بانجاز برامجها اذ اصبحت لا تتهيب من محاسبتها في الانتخابات المقبلة، في حين يمضي قادة الحزب الحاكم في البحث عن شخصيات قيادية مؤهلة لتولي المسؤولية في المرحلة المنظورة. في حال الرئيس اوباما، معظم الضرر الذي اصاب سياساته وشخصه كان بفعل ذاتي، وان كان لا اراديا.

من بين العقبات برزت مبالغته في حجم التأييد والتفويض الشعبي الذي حصل عليه للمضي في تطبيق سياساته: نسبة فوزه في الانتخابات الرئاسية تقلصت الى ما دون ما فاز به في فترة ولايته الرئاسية الاولى – الأمر الذي يعد استثنائيا لسجل معظم الرؤساء الفائزين بولاية ثانية. ترجمة النتائج تلك تشير الى اقلاع بعض القوى الاجتماعية الموالية عن تأييده مقارنة بما فعلت في الفترة الاولى، واضحت اقل قابلية للتماهي مع سياساته، كما يشهد اخفاقه بتحقيق وعده باغلاق معتقل غوانتانامو، مثلا.

تقلص قاعدة الدعم الانتخابية بدت مؤشراتها تتبلور  قبل احتفالات التنصيب الرئاسية الثانية، فاقمتها مبكرا مجزرة المدرسة الابتدائية، ساندي هوك، بولاية كونيكتكت مع افول عام 2012، كمؤشر على اخفاق سياسته للحد من انتشار السلاح الفردي وتقنينه. اذ سرعان ما اكتشف الرئيس اوباما حقيقة المزاج الشعبي بأن فوزه الانتخابي لم يسهم في تعديل تطلعات الشعب الاميركي حيال مسألة السلاح امام نفوذ القوى والمصالح على الضفة المقابلة. بل حافظ بعض الساسة من الحزب الديموقراطي على نزعة الانتهازية بالقفز من مركب الرئيس واتخاذ مسافة بعيدة عنه مع بداية ولايته الثانية مما اعطى الخصوم في الحزب الجمهوري رصيدا صافيا وتوجيه رسالة الى نظرائهم في الحزب الديموقراطي بأن البقاء في مركب الرئيس اوباما له كلفته السياسية وعليهم التفكير باللحاق مبكرا او مواجهة الخسارة في الانتخابات النصفية المقبلة، لعام 2014.

ما المطلوب

امام هذه المؤشرات المبكرة، ماذا يتعين على الرئيس فعله؟ استقراء توجهات بعض الساسة مثل الرئيس الاسبق بيل كلينتون تشير الى انه كان سيقدم على تعديل مواقفه والتحرك باتجاه اليمين الوسط ، في حين ان الرئيس اوباما استهلك رصيدا ثمينا من ارثه الرئاسي للدفع ببرامجه السياسية داخل اروقة الكونغرس، مع ادراكه التام بأن خصومه الجمهوريين لن يألوا جهدا لافشال توجهاته وتوجس بعض اركان حزبه الديموقراطي من تبديد طاقاتهم السياسية بينما اعينهم مسلطة على الانتخابات المقبلة. فاصلاح قوانين الهجرة، على سبيل المثال، لاقى شعبية واسعة في القاعدة الانتخابية للحزب الديموقراطي، سيما بين الاقليات العرقية، بيد ان النبض الاميركي العام لم يعره اية أهمية وسعى لافشاله قبل انطلاقه.

في الشق المالي وتخصيص بنود الموازنة، اثبت اوباما انه لم يقرأ خارطة التحالفات والمعارضة بشكل دقيق فيما يخص الاستقطاعات التي ستأخذ مفعولها بشكل تلقائي مع بدء العام المالي الجديد. وسعى لتطبيق بعض تجليات تخفيض الميزانية على مرافق البيت الابيض، بتخفيض عدد وحجم دورات الزوار مع تقليص الموارد البشرية المطلوبة لتنفيذ ذلك، والقيام بالمثل في بعض المرافق الحكومية الاخرى (كالمتاحف) معلقا الأمل على ان يؤدي ذلك الاجراء الى تحميل خصومه في الحزب الجمهوري المسؤولية لسيطرتهم على قرار الصرف المالي، في مجلس النواب، واثارة القاعدة الشعبية ضدهم. في النتائج، لم تسعف وجهة الرياح ابحار السفن وسلطت الوسائل الاعلامية الضوء على طلعات الرئيس لممارسة رياضة الغولف واستضافته لفرق موسيقية تحيي احتفالات خاصة بأسرته في البيت الابيض.

الاخفاقات والفضائح

اداء اوباما في السياسة الخارجية لم يختلف نوعيا عما سبق ذكره، وهي الحقل الاوفر حظا بالنسبة له، وادى تعثره في تنفيذ تهديده لشن عدوان عسكري على سورية الى تضعضع مكانته ومصداقية بلاده لدى حلفائه من الدول العربية والاوروبية والبعض في آسيا التي راهنت على ثبات سياسته المعادية لسورية. وجاءت صفقة السلاح الكيميائي لتشكل الصاعق الذي اظهر الكم الهائل للخلافات والتباينات الى السطح، خاصة من دول تابعة وهامشية في سياق الاستراتيجية الاميركية الكبرى.

لاحقت الفضائح السياسية الرئيس اوباما في ولايته الثانية ، وارضيتها نابعة من ممارسته غطرسة القوة والمحافظة على سرية النوايا وكتمان التحركات، والتي لا تشكل شذوذا عن القاعدة العامة لاسلافه من الرؤساء في ولاياتهم الثانية. برزت اولى تجلياتها في استهداف مصلحة الضرائب المركزية للقوى والخصوم السياسيين، خاصة المؤيدة لتيار حزب الشاي، والتي اسهمت بشكل مباشر في انخفاض نسبة فوزه في الانتخابات الرئاسية. وسرعان ما ادت وثائق ادوارد سنودن الى تدحرج كرة الفضائح لتدل بالوثائق على عمق جهود التجسس الاميركية، داخليا والتي كان يتم نفيها على الدوام، وخارجيا ايضا طالت قادة لاهم حلفاء الولايات المتحدة.

الحلقة الاخيرة في مسلسل الفضائح كانت في تعثر اطلاق برنامج الرعاية الصحية الشامل وما رافقه من موجات غضب شعبية غذتها القوى الكبرى المتضررة واخفاق التقنية المعتمدة لاعداد انطلاقة سلسة كما كان يرجى. وهبطت نسبة الدعم الشعبي الى مستويات خطيرة بنحو 38 نقطة جراء ذلك، ليبلغ معدل الرضى الشعبي عن اداء الرئيس اوباما الى 57%؛ اسوة بالنسب المنخفضة التي خبرها المشهد السياسي الاميركي في انتخابات عام 2006 التي اطاحت بسيطرة الحزب الجمهوري عن مجلسي الكونغرس.

اذن، لا جدال بأن عام 2013 حمل اخبارا وتطورات غير سارة او مريحة للرئيس اوباما وحزبه الديموقراطي. فهل سيتغير المشهد للعام المقبل بنحو دراماتيكي؟ النظرة السريعة لا تبعث على الارتياح، سيما وان التاريخ السياسي للرئاسة الاميركية يدل بشكل جلي على تدهور اكبر في معدلات رضى القاعدة الشعبية في الفترة الرئاسية الثانية.

التطلع الى عام 2014

لعل التحدي الاكبر الذي يواجه الرئيس اوباما العام المقبل هو الاحساس الشعبي بأنه لا يحسن الاصغاء ويعتبر “اصماً” للمتطلبات السياسية الشعبية. بخلاف الرئيس الاسبق كلينتون الذي تمتع بقدرته على اعادة انتاج مساره وخياراته السياسية، فان الرئيس اوباما يلجأ الى التشبث بمواقف ايديولوجية مسبقة ويجنح نحو الالتزام بها. ويعتقد اصحاب الشأن في السياسة الاميركية ان هذه الخاصية ستعود على الرئيس بالضرر، لا سيما في علاقاته الداخلية مع زعماء حزبه الديموقراطي خاصة اولئك المقبلون على خوض الانتخابات لعام 2014، والأرق الذي يطبع توجهاتهم في المفاضلة بين اثبات الدعم للرئيس او الاقلاع عن برامجه السياسية.

من صلاحيات الرئيس الدستورية حقه في اصدار “اوامر رئاسية” عوضا عن استصدار قرارات معينة من الكونغرس، الامر الذي سيفسح مجال المناورة امام الرئيس اوباما، رغم ما ينطوي عليه من ارتفاع في معدلات الاحباط بين معارضيه تحديدا؛ كما سيوفر ذخيرة هجومية يستغلها خصومه الجمهوريون في الحملة الانتخابية.

مقارنة بهذا المناخ الاجرائي تجدر الاشارة الى ثبات تدهور شعبية الرئيس اوباما في اوساط القاعدة الانتخابية، اذ اشار احد احدث استطلاعات الرأي، معهد كوينبيك، الى تراجع ملحوظ بين الناخبين المستقلين بلغ نحو 62% في اقصاه، و64% بين الذكور، و49% بين الاناث، ونسبة مرتفعة مقلقة بين الناخبين البيض بلغت 65%. بل الاشد قلقا هو تراجع نسب الدعم بين القواعد التقليدية في الجالية اللاتينية (اميركا الجنوبية) الى 43%، والناخبين السود الى 9%.

ينبغي الاخذ بعين الاعتبار مفاصل اللوحة السياسية المذكورة كمقدمة على استشراف نتائج الانتخابات المقبلة، تشرين الثاني 2014، والتي تدل على اضمحلال حظوظ الحزب الديموقراطي في الفوز بأغلبية مقاعد مجلس النواب او الامساك بنسبة الغالبية الحالية في مجلس الشيوخ. النبض الشعبي الراهن يدل على ان نسبة 41% سيجنحون للتصويت الى الحزب الجمهوري مقارنة بنسبة 38 لصالح الحزب الديموقراطي، وهي المرة الاولى التي يغلب فيها دعم الحزب الجمهوري على خصمه الحزب الديموقراطي للعام الجاري. النسبة الكبرى في التحول جاءت من قاعدة الناخبين المستقلين الذين يميلون راهنا لدعم الحزب الجمهوري بأغلبية 41% مقابل 28% لصالح الحزب الديموقراطي؛ بل اعربت اغلبية 47% منهم مقابل 42% عن ارتياحها لرؤية مجلسي الكونغرس تحت سيطرة الحزب الجمهوري.

في اليوم التالي ليوم عيد الميلاد المجيد، نشرت شبكة (سي ان ان) للتلفزة نتائج احدث استطلاعاتها التي افادت باغلبية من الناخبين، 55%، يرجحون الادلاء باصواتهم لصالح مرشحين للكونغرس ممن يناهضون سياسات الرئيس اوباما، مقابل 40% سيؤيدونه. علاوة على ذلك، يضاف عامل غياب  الحماس لدى القاعدة الانتخابية، 22% للديموقراطيين مقابل 36% للجمهوريين، مما سيسهم في تضخيم نسبة الناخبين لصالح الحزب الجمهوري.

مصير قاسٍ ينتظر اوباما

ما سبق استعراضه يمثل اطلالة شمولية على واقع المشهد الانتخابي الاميركي مطلع العام الجديد.

ان صدقت التوقعات بفوز الحزب الجمهورية باغلبية مجلسي الكونغرس، فان ما تبقى للرئيس اوباما من سنتين اثنتين في ولايته الرئاسية ستشهدا وضعا بالغ الصعوبة والألم واللوم. يتميز الوضع الراهن بغالبية للحزب الديموقراطي في مجلس الشيوخ والذي استطاع توفير الحماية المطلوبة لبرامج الرئيس في الانعطافات السياسية الحساسة، والحد من غيلاء وتهور الحزب الجمهوري في مجلس النواب. خسارة اغلبية مجلس الشيوخ سيفرض على الرئيس اوباما استخدام حق الفيتو بوجه خصومه في الكونغرس ضد تشريعات لا يحبذها، وقد يكون بعضها له صدىً ورضىً  جماهيري، على الاقل ظاهريا. بل الاسوأ سيواجه معارضة حتمية من خصومه لترشيحات قد يقدم عليها لملء مناصب في سلكي القضاء والديبلوماسية.

ما سيتبقى له من خيارات لا تتجاوز الثنائية المفروضة قسرا: اما ان يلجأ الى ادخال تعديلات جوهرية على سياساته ودعم مرشحيي الحزب لما تبقى له من ولاية رئاسية؛ او الابقاء على السير في الاتجاه الراهن وما يحمله من مخاطر تهدد مدى القبول الشعبي لاركان حزبه وتنزل هزيمة بينة بمرشحي الحزب العام المقبل.

اللافت للحظة ان الرئيس اوباما يتجنب التعامل مع نتائج استطلاعات الرأي بصورة مباشرة، وربما له اسبابه المحقة سيما وان الاستطلاعات تشكل نافذة زمنية قابلة للتعديل نظرا لتغير الظروف. وكما اثبت معظم اسلافه من الرؤساء، فقد يلجأ للاستعانة بالسياسة الخارجية وما يعتبره من انجازات في هذا الصعيد يستغلها في المشهد الداخلي لصالحه. وعلى رأس تلك الانجازات، ربما المصيرية بالنسبة لمستقبل الولايات المتحدة، تبرز التسوية النووية مع ايران بصرف النظر عما يعتريها من عقبات لمصادقة الكونغرس عليها في الزمن المرئي.

هنا تبرز الاهمية الاستثنائية للدعم الشعبي الذي سيحتاجه اوباما في تأييد الاتفاق النووي، وهو المدرك بدقة ان معركته في الملف الايراني نواتها الدعم الشعبي الذي ضاق ذرعا من سياسات شن الحروب في مواجهة ممثلي قوى الضغط المتضررة من الاتفاق ممثلة باعضاء الكونغرس من الحزبين. ان صدقت استطلاعات الرأي في الشأن الايراني، فانها تشير حاليا الى شبه انقسام عامودي على الصعيد الشعبي: 44% مؤيد للاتفاق مقابل 46% معارض له، رافقه صعود في نسبة عدم الرضى العام عن اداء الرئيس اوباما من 40 الى 48%.

ما يفاقم مستقبل الاتفاق النووي ايضا معارضة بعض النواب عن الحزب الديموقراطي له لحسابات سياسية داخلية واقتداء بولائهم المطلوب “لاسرائيل،” وخاصة اولئك المقبلين على خوض الانتخابات لاعادتهم لمواقعهم في الكونغرس؛ اعرب بعضهم دون وجل عن عزمه لاستصدار تشريع جديد يشدد العقوبات الاقتصادية. ايران، بدروها، هددت اعضاء الكونغرس بالانسحاب من مفاوضات الملف النووي كليا في حال المضي بسن تشريع عقوبات جديدة، مما سيضاعف الكلفة السياسية للفريق الاميركي المعارض – في مستوى المكانة الدولية على الاقل. بالمحصلة، قد لا يحالف النجاح جهود الرئيس اوباما لمصادقة الكونغرس على الاتفاق ليصبح فاعلا، في المدى المرئي، بيد ان ذلك لن يعني بالضرورة عدم مضي الطرفين الى نهاية طريق المفاوضات والمراهنة على تعديل موازين القوى الداخلية الاميركية في فترات لاحقة.

التسوية في “الشرق الاوسط”

في ملف السياسة الخارجية للرؤساء الاميركيين، يحضر دوما بند التوصل “لاتفاق سلمي للصراع في الشرق الاوسط،” تم اختزاله تدريجيا الى “صراع فلسطيني – اسرائيلي،” مما افقده العمق والرعاية والدعم العربي الاشمل. وبرح كل رئيس اميركي، منذ عقد الستينيات مرورا بالزمن الراهن، الى استدخال تلك  العبارة في الخطاب السياسي للدلالة على انخراط البلاد في “حماية اسرائيل،” وتغاضي تام عن حقيقة الجهود الضرورية  لتسوية وضع الضحية من الشعب الفلسطيني باكمله. لا يجوز لأي متابع للسياسة الاميركية استبعاد عنصر الانتخابات الداخلية كمعيار يحتذي به الرؤساء دون استثناء. ومن هذه الزاوية الضيقة يمكننا الاشارة الى دوافع وزير الخارجية الاميركية، جون كيري، لحث الخطى بين طرفي الصراع، بعد نزع وعزل البعد العربي، للتوصل الى صيغة تسووية قبل موسم الانتخابات الاميركية – كي تتمكن الادارة من استثمارها في البازار الانتخابي.

من المستبعد ان يتم التوصل الى اتفاق على هوى الرئيس اوباما وجون كيري بحكم الاستقطابات السياسية الداخلية، وقدرة اللوبي اليهودي على حرف المسار وافشاله في الكونغرس بالاتساق مع “السياسة الاسرائيلية” التي لن تستسلم بسهولة لهزيمتها في الملف الايراني. لا يخفي ذاك الفريق نواياه للصدام المباشر مع الادارة الاميركية، ان تتطلب الأمر، بصرف النظر عن بنود تقيد اي اتفاق مقبل؛ اذ لا يقبل اركانه اي مساس باستراتيجية الضم والهيمنة “الاسرائيلية” على ما تبقى من فلسطين ارضا وموارد طبيعية. الطرف الاميركي المقابل يشحذ عناصر قوته وامتداداته بالتحذير من “انفجار انتفاضة فلسطينية ثالثة” موجهة للرأي العام “الاسرائيلي” والاميركي على السواء. للدلالة، نشير الى مقالة مترجمة لوزير التعليم العالي السابق في “السلطة الفلسطينية،” على الجرباوي، نشرتها يومية “نيويورك تايمز،” قبل بضعة ايام، قائلا “لا يستغربن احدكم لو اندلعت انتفاضة جديدة في الاشهر القليلة المقبلة .. نظرا لانسداد الافق السياسي” امام السلطة “المهددة بالانهيار جراء الضغط الاميركي للقبول باتفاقية خيانية” تتنكر للمباديء.

بديهي ان اي اتفاق مرتقب سيأتي ثمرة لجهود تدخل اميركية وينبغي حصوله على موافقة ومصادقة الكونغرس ليصبح نافذ المفعول. عند هذا المفصل بالذات تبرز اهمية ونفوذ اللوبي اليهودي واعضاء الكونغرس المؤيدين “لاسرائيل” لتعطيله، ان رأوا فيه ما يلحق بها الضرر، وابتعاد النواب الديموقراطيين عن الرئيس اوباما وتجديد الولاء “لاسرائيل” كضمانة للفوز في الانتخابات وتدفق الدعم المالي. وعليه، تضخّم حجم ونفوذ “اسرائيل” على الادارة الاميركية وتلعب دورا بارزا في تقرير مصير الطرف الفائز في الانتخابات النصفية المقبلة؛ سيما ان تم الاخذ بعين الاعتبار عامل الدور الاكبر للكونغرس في السياسات الداخلية، يعززه عامل اخفاق الرئيس اوباما في كسب ود الممثلين.

صراع السلطتين التنفيذية والتشريعية

يبرر البعض خطأَ انسداد الافق لتعاون سياسي بين السلطتين التنفيذية والتشريعية بجنوح الرئيس اوباما لتخطي هيكلية الكونغرس. اذ ان بعض السياسات التي يروج لها اوباما لا تحظى باجماع شعبي منذ البداية، كموضوع اصلاح قوانين الهجرة. وينسحب الامر ايضا على الاتفاق النووي مع ايران الذي يلقى معارضة وازنة من اعضاء في الحزبين السياسيين، فضلا عما فعلته وسائل الدعاية والاعلام من تجهيل الانسان العادي فيما يتعلق بهذا الشأن. واضطر البيت الابيض الى استغلال قدر لا بأس به من الرصيد السياسي المدخر في التواصل مع زعامات حزبية في مجلسي الكونغرس وحثها على التريث وعدم استباق التوجهات الرئاسية بشأن ايران وتحذيرها مما ستؤول اليه جهودها من انزال انتكاسة في هيبة الولايات المتحدة وموقع رئيسها.

اوباما لن يشذ عن القاعدة للرؤساء الذين لجأوا لاستخدام صلاحياتهم الدستورية لاصدار قرارات رئاسية نافذة المفعول، والتي عادة ما ينظر اليها بأنها اسلوب ينم عن موقع ضعف، ولا يتساوق مع الشفافية الديموقراطية في استصدار القرارات عبر السلطة التشريعية. من مخاطر تلك الاجراءات، لو اقدم عليها اوباما، انه سيفسح المجال لخصومه السياسيين في الحاق الهزيمة به داخل اروقة الكونغرس دون دفع ثمن ذلك سياسيا في الانتخابات نظرا لضعف موقعه. كما ان القرارات الرئاسية مهددة باعلانها مخلة بالدستور من قبل السلطة القضائية، او الغائها كليا من قبل الرئيس المقبل، وهي من ضمن الصلاحيات المتاحة.

وعد الرئيس، بصرف النظر عن انتمائه الحزبي، بتخصيص بعض جهوده لحملة دعائية لمرشح معين هي اسمى ما يطمح اليه المرشح، وتؤتي أكلها في الدوائر الانتخابية المؤيدة للرئيس في تلك الفترة الزمنية. في الازمنة التي يعاني منها الرئيس من هبوط في شعبيته، يصبح حضوره الى جانب اي من المرشحين عبئا سياسيا يصعب تجاوزه، بل يتفاداه المرشحون بأي ثمن، كم حصل في عهد الرئيس السابق جورج بوش الابن. اوباما في الفترة الراهنة امام اختبار اعادة تجربة سلفه بوش كعبءٍ سياسي بدل ان يكون رصيدا يمكن التعويل عليه، خاصة بين المستقلين من الناخبين الذين هبط مدى شعبيته عندهم الى نسبة مقلقة، 30%. وجسد استطلاع شبكة (سي ان ان) تلك المخاوف اذ اشار الى ان نسبة الاغلبية من الناخبين، 55%، يتطلعون للادلاء باصواتهم لصالح مرشح يناصب الرئيس اوباما العداء.

في شق تمويل الحملات الانتخابية، لا زال امام الرئيس اوباما فرصة لدعم مؤيديه في حملاتهم الانتخابية، نظرا لمحافظته على استمرار علاقاته مع كبار الممولين؛ بيد ان الوضع الراهن يشير الى عكس ذلك المنطق. اذ بدى على اوباما علامات التخبط واخفاق جهوده لرفد خزائن الحزب الديموقراطي بارصدة مالية عالية، وعدم تحقيق مستويات النجاح المطلوبة لحشد الصالات بالقوى المرشحة للتبرع المالي.

السائد ايضا ان يقدم الرئيس اوباما، اسوة باسلافه، على عرض عمل لعضو كونغرس مؤيد له تلقى هزيمة انتخابية. ما تبقى من زمن قصير للولاية الرئاسية الراهنة يشير الى تراجع فعالية الوعد الرئاسي (كما تجلى في تعيين كريمة الرئيس كنيدي في منصب السفير الاميركي في طوكيو)، خاصة لاشتراط مثول المرشح لمنصب حكومي رفيع امام لجنة مختصة في مجلس الشيوخ، المهدد بخسارته الاغلبية الديموقراطية. وعليه، تضمحل العوامل المغرية لتعاون مرشحين مهددين بخسارة مناصبهم مع الرئيس اوباما.

المحصلة العامة لذاك السيناريو الواقعي تدل على صعوبة مسعى الرئيس اوباما في الدفع قدما باجندته السياسية لاقرارها من الكونغرس. مع افول العام الحالي، بكل ما فيه وعليه من تحديات، تبدو المتاعب والعقبات التي تنتظر الرئيس اوباما مع انبلاج عام جديد شاحبة مقارنة بما سبق.

العقبات التي واجهها اوباما في العام الجاري الذي شارف على نهايته لم تسفر عن تداعيات قاسية، اذ خلا عام 2013 من حملات انتخابية، باستثناء قلة من مناصب حكام الولايات لاسباب تخصها وحدها، وحافظ وحزبه الديموقراطي السيطرة على البيت الابيض ومجلس الشيوخ. الضرر الاكبر لحق سمعته وهيبته وشعبيته لدى السواد الاعظم من الشعب الاميركي.

خيارات اوباما محدودة

امام هذا الواقع، فان خيارات اوباما لرأب الصدع في المشهد الداخلي تبقى محدودة، بل محدودة جدا. كما سبق واسلفنا، فان الجمهور عادة ما يصل مبكرا الى نهاية شوط تأييده للرئيس مع نهاية السنة السادسة من مجموع ولايتيه الرئاسيتين. قد يفلح اوباما في تعديل بعض نسب الدعم لبضعة اشهر قادمة يستغلها في تعزيز مواقع الحزب الديموقراطي، ان لم يتجاوزها، بيد ان المؤشرات الراهنة تدل على عدم القدرة على تخطي النسب المطلوبة لذلك.

في مجال السياسة الخارجية، التي عادة ما تشكل حصان الرهان الاساسي لتعزيز الموقع الرئاسي، اضطر اوباما لاستهلاك قدر لا بأس به من رصيده لانقاذ صفقة الاتفاق النووي مع ايران امام سد من معارضة تتبلور من اعضاء الحزبين.

التحدي الآخر الذي يواجهه اوباما هو انسداد الافق امامه لاحداث نقلة نوعية في منحى السياسات الداخلية والتي باستطاعتها رفده بالدعم المطلوب لتجاوز عقبة تضاؤل الدعم الشعبي، نظرا لضرورة تنسيق جهوده مع الكونغرس ان اراد تجسيد سياساته، في حين تشير الدلائل الحسية الى ازمة حقيقية بينه وبين زعامات الحزب الجمهوري للتوصل الى صيغ عمل توافقية.

في العام الجديد ليس مستبعدا ان يبدد الحزبين السياسيين جهودا ثمينة لتحديد معالم وبرامج وتحالفات الطرف الآخر في مسعى لشحن قاعدتهما الانتخابية، والابتعاد مجددا عن آفاق العمل سوية لاجترار حلول بقيت مستعصية. كما ان لجوء الرئيس اوباما لاتخاذ قرارات رئاسية، رغم ما سيرافقها من تبريرات، لها تداعياتها لا تستثني المفعول العكسي، كما ورد سابقا.

احتدام الصراع السياسي بين الحزبين سيفرز شخصيات بعضها حديث الخبرة والتجربة، وتقوقع الرئيس اوباما “كبطة عرجاء او كسيحة” لا يقوى على اتخاذ قرارات مصيرية، وغير قادر على تقديم العون السياسي المطلوب لمرشحي الحزب الديموقراطي. على خلفية هذا المشهد القاتم، يتطلع قادة الحزب الديموقراطي الى شخص الزعيم الجامع في مكان آخر، وهنا تبرز وزيرة الخارجية السابق هيلاري كلينتون كأحد اقوى المرشحين لتبوأ ذاك الدور، واصطفاف بعض الطامعين الاخرين للعب الدور عينه.

الحزب الجمهوري، في المقابل، يواجه تصدعات وصراعات داخلية   برز معظمها للعلن، لكنه يزهو بامكانية فوزه بالسيطرة على مجلسي الكونغرس لضخ بعض اللحمة والحماس بين صفوفه. اعرب بعض قادته مبكرا عن نيته استشراف امكانية خوض الانتخابات الرئاسية المقبلة، 2016، من بينهم مرشح تيار حزب الشاي، تيد كروز، وراند بول وبعض حكام الولايات الحاليين كحاكم ولاية نيوجيرسي كريس كريستي، المتهم بالتوجهات الليبرالية من اقطاب حزبه. وعلى المراقب ترصد حركة الساسة الطامعين في المنصب الذين سيهبون لبدء جولاتهم الاستكشافية في ولايتي ايوا ونيوهامبشير، كما تقتضي لوائح الحزب الجمهوري.

ينذر عام 2015 بمتاعب اضافية للحزب الديموقراطي، واضطرار مرشحي الرئاسة خوض الحملة الانتخابية بالابتعاد عن الارث السياسي للرئيس اوباما، كما شهدنا سابقا في حال الرئيس جورج بوش الابن. مع كل يوم يمضي، يخسر الرئيس اوباما قبول مرشحين عرضه لمناصب حكومية شاغرة في مختلف الاجهزة والدوائر، ونزوع العدد الاكبر للابتعاد عن التماهي مع سياساته وموقعه.

منصب رئيس الولايات المتحدة هو الأهم والاقوى سلطة في العالم اجمع، كما خبره الرئيس اوباما وكل اسلافه من قبله. ويتعين عليه التأقلم مع الشق الآخر من مهنة الرئاسة وما يرافقها من احباطات وتعثر وكوابح قد لا ترد في الحسبان.

 

2013-12-20 التقرير الأسبوعي

المقدمة:

تعددت مجالات اهتمام مراكز الفكر والابحاث الاميركية احتفاءا بموسم الاعياد السنوية، تناولت فيها قضايا مختلفة شملت الاتفاق النووي مع ايران والازمة السورية والدستور التونسي المقترح.

سيستعرض قسم التحليل توجه دول مجلس التعاون الخليجي لانشاء قيادة عسكرية مشتركة، بايعاز ودعم اميركي، ورفع مقامها لمصاف دول حلف الناتو لتسهيل حصولها على اسلحة متطورة ودعم عسكري. كما سيتناول التحليل تحديد التهديدات الماثلة امام الهيئة المقترحة ومناحي التعاون والتنسيق العسكري بين دول الخليج المختلفة.

ملخص دراسات ونشاطات مراكز الابحاث

سورية

حث معهد واشنطن الحكومة الاميركية على التواصل مع “حزب الاتحاد الديموقراطي” الكردي، الفرع السوري، بصرف النظر عن علاقته المتينة القائمة مع “حزب العمال الكردستاني.” واستدرك بالقول ان الانفتاح المقصود ينبغي اشتراط “التزام الحزب (الديموقراطي) بمفاهيم التعددية الديموقراطية .. والاخذ بالحسبان المخاوف التركية من طموحات” برنامجه السياسي. كما اقر المعهد بعدم تورط الحزب الديموقراطي “في شن غارات عسكرية داخل حدود تركيا، بل ذهب الى ابعد مدى لتوفير الهدوء على المناطق الحدودية.”

 في سياق منفصل، شكك معهد واشنطن بقدرة الحكومة السورية على الحسم العسكري “واعلان انتصارها .. مع الاخذ بعين الاعتبار ان مسار المعارك القتالية يصب في صالحها ..” ومضى بالقول ان التحول الراهن يؤشر على “تحقيق النظام هزيمة بطيئة بقوى المعارضة واستعادة الاراضي منها.” وخلص بالقول ان الانجازات الاخيرة تدل على “عدم توفر نية حقيقية للنظام في الذهاب لجنيف للتفاوض مع خصومه .. مسلحا بدعم راسخ من حلفائه، يقابله معارضة منقسمة وعقيمة الجدوى ..”

العراق

حث مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الولايات المتحدة على “بذل جهود مضاعفة” لمعالجة تصاعد “اعمال العنف .. بصرف النظر عن جهودها الجارية للتوصل الى اتفاقية شراكة استراتيجية حقيقية مع العراق ..” واوضح المركز ان للولايات المتحدة “مصالح حيوية لأمنها القومي هناك .. تتمحور حول تحويل العراق الى مصدر آمن لتصدير النفط .. والحد من النفوذ الايراني على الفصائل الشيعية العراقية .. والتي ينبغي توفير ما يلزم من عون ومساعدة لقوات الأمن العراقية للتغلب على التحديات الخطيرة الراهنة.”

تونس

اعرب معهد “صندوق جيرمان مارشال” عن ارتياحه لمواد الدستور المقترح لتونس حاثا “المجتمع الدولي على دعم الاهداف السياسية التونسية بعد المصادقة على الدستور .. والذي باستطاعته لعب دور فاعل للحد من تفاقم الازمة الراهنة،” وموجها اللوم لهيئة الامم المتحدة لاخفاقها في “بلورة مسار تحول سياسي .. وعدم تعيينها وسيطا خاصا للاشراف على الانتخابات” المقبلة.

“الربيع العربي”

استعرض معهد كارنيغي العوامل المتبلورة جراء “الربيع العربي” التي ادت الى “احد اهم النتائج الماثلة في تحول الحركات الاسلامية، جلها اشتقاقات من حركة الاخوان المسلمين، من قوى معارضة الى قوى سياسية اساسية ..” واعرب عن قلقه من اندلاع “التوترات المتنامية بين السنة والشيعة .. لعل افظعها ما يجري في سورية .. وانتقال المطالب السياسية في البلدان المختلفة من الحيز الحقيقي الى الاطار الطائفي.” واوضح ان عامل “القوى العلمانية في بلورة اليقظة العربية دل على عدم تقبلها صعود قوى الاسلام السياسي.”

ايران

الاتفاقية النووية مع ايران كانت موضع اهتمام مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الذي اعرب عن قلقه من ان التوصل الى اتفاق نهائي “يبدو بعيد المنال .. اذ يتضح مضي ايران في مراكمة وبناء قواتها الصاروخية بعيدة المدى .. وقدرات الحرب غير المتوازية التي ستستخدمها في شن مروحة واسعة من الهجمات.” وحذر المركز في تقرير اصدره من “اضطرار الولايات المتحدة وحلفائها من العرب واسرائيل من مواجهة خيار لا يدعو على التفاؤل للمفاضلة بين شن غارات استباقية (او) اقامة تحالف أمر واقع لاحتواء ايران.”

التحليل:

ماذا يعني تشكيل قيادة عسكرية مشتركة لدول مجلس التعاون الخليجي؟

اعلن البيت الابيض حديثا عن عزمه تزويد مجلس التعاون الخليجي معدات وخدمات دفاعية معللا أن الخطوة ستعزز السلام العالمي وتوفر الأمن للولايات المتحدة. سيتم التركيز مبدئيًا على تصدير أنظمة الدفاع الصاروخية ومعدات لتأمين الحدود والملاحة البحرية ومكافحة الإرهاب.

الاعلان أتى ثمرة انعقاد الدورة  الرابعة والثلاثين (34)  لقمة دول مجلس التعاون الخليجي، الاسبوع الماضي في الكويت، والتي تلت انعقاد مؤتمر أمني عربي – اسلامي في ابوظبي، مطلع الشهر الجاري، حضره زهاء 29 وزير خارجية ومسؤولين عربا ووزراء خارجية ماليزيا واندونيسيا وبنغلادش؛ تحدث اليه محاضرا رئيس الكيان الصهيوني شمعون بيريز عبر الفيديو من القدس المحتلة وخلفه علم كيانه الغاصب. الصحف “الاسرائيلية” وصفت الخطاب بأنه “حدث تاريخي،” لافتة النظر الى “عدم مغادرة اي من الوزراء المشاركين .. وحضور نجل العاهل السعودي” لسماع الخطاب.

عودة سريعة لمرحلة تأسيس “مجلس التعاون” ككيان ناظم، في عام 1981، والذي كان بتوجيه آل سعود، الاسرة المالكة في الجزيرة العربية، التي ما برحت تبحث عن أطر ووسائل واشتقاقات لاستبدال اواصر العروبة وروابطها واطرها وما تبقى من تجلياتها، وتوصلت لمخرج يفضي بانشاء مجلس التعاون الخليجي. اللافت تاريخيا ايضا ان التبريرات الرسمية آنذاك، على لسان مسؤولي الاسرة المالكة، أن المجلس ليس جزءاً من الجامعة العربية، بصرف النظر عن هوية وفاعلية تلك المؤسسة من عدمه.

تبلور الاستراتيجية الاميركية في منطقة الخليج

النقلة النوعية في الاستراتيجية الاميركية لتكثيف تواجدها في منطقة الخليج العربي تعود الى عام 1974، تبلورت في خضم أزمة امدادات النفط ابان فترة ولاية الرئيس الاسبق ريتشارد نيكسون. وتشير الاوراق الخاصة لوزير الخارجية الاسبق، هنري كيسنجر، الى تقديم عرض “ثنائي بالاشتراك مع الرئيس نيكسون” الى العاهل السعودي الملك فيصل يقضي “باقامة علاقة خاصة ومميزة (بين اميركا والسعودية) .. مقابل استئناف ضخ النفط باسعار معقولة” للاسواق الدولية. ويتضمن العرض، حسب توثيق كيسنجر في ملفاته المفرج عنها حديثا، التزام الولايات المتحدة بتوفير “سبل العون للحكام في السعودية لسحق المعارضة السياسية في الداخل والخصوم الايديولوجيين في الخارج ..” اي ان الولايات المتحدة ستنخرط مباشرة في حماية النظام الملكي في السعودية. وسرعان ما وصل فريق تابع لوزارة الدفاع الاميركية، البنتاغون، للرياض لوضع اسس استراتيجية عسكرية اميركية – سعودية مشتركة “لضمان أمن المملكة.” (وثيقة كيسنجر مذيلة بتاريخ 11 آذار 1974، أتى ذكرها في مؤلف آندرو سكوت كوبر “ملوك النفط،” 2011، ص 158، 161). وتصاعد الدور الاميركي خلال عهد الرئيس جيمي كارتر في عقد الثمانينيات وتشكيله القوات المركزية للتدخل السريع في منطقة الخليج.

الاعلان الاميركي الرسمي الاخير أتى ايضا على خلفية مفاوضات جنيف النووية مع ايران، والذي اثار الاتفاق المعلن معها خيبة أمل كبيرة وتعبيرات غاضبة لدى الأسرة المالكة وبعض الدويلات التابعة في فلكها في الاقليم، رافقها ايضا خيبة أمل قادة الكيان الصهيوني. في هذا السياق، يشار الى حضور وزير الدفاع الاميركي، تشاك هيغل، منتدى “حوار المنامة في البحرين، 7 كانون الاول الجاري، اذ اوضح ان الولايات المتحدة تنظر الى بيع اسلحة اميركية للدول الاعضاء في المجلس باعتبارها “منظمة واحدة وليس على اساس فردي فقط،” كما كان الأمر عليه في السابق؛ وحثه الدول الاعضاء على “انشاء حلف عسكري .. والعمل بطريقة منسقة” لترتيب تسلمها الاسلحة الاميركية الموعودة التي بلغت تكلفتها المعلنة للحظة زهاء 70 مليار دولار.

وزير الدفاع هيغل من جانبه طمأن هواجس الدول الخليجية بتوجهات بلاده لتعزيز تواجدها العسكري بصرف النظر عن استدارتها وتوجهها نحو الشرق الاقصى كأولوية استراتيجية. واضاف ان الولايات المتحدة ستبقي على نحو 35،000 من القوات العسكرية مرابطة في منطقة الخليج تشمل زهاء 40 قطعة بحرية من ضمنها مجموعة حاملات للطائرات ونظم الدفاع الجوي وشبكات الرادار وطائرات مقاتلة واخرى من الدرونز “التي باستطاعتها الاغارة على اهدافها في فترة زمنية قصيرة.”

سبق اطراء هيغل ببضع سنوات ترويج المملكة السعودية، في عام 2006، لاعتماد مجلس التعاون “قيادة مركزية وقوات لا مركزية،” تساهم فيها كافة الدول الاعضاء؛ اقدمت اثر ذلك بحل “قوات درع الجزيرة،” التي كان تعدادها زهاء 10،000 جندي. واثمرت الجهود السعودية في عام 2009 بانشاء قوة مشتركة للتدخل السريع لدول المجلس، لمواجهة “الاخطار الأمنية” توجتها بالتدخل العسكري المباشر في البحرين مطلع عام 2011.

لاحقا، اوضحت المتحدثة باسم مجلس الأمن القومي الاميركي، برناديت ميهن، طبيعة الأسلحة الاميركية والتي ستشمل معدات “للدفاعات المضادة للصواريخ وأخرى للأمن البحري ولمحاربة الإرهاب.” وتوقفت للقول أن هذا الإجراء يعكس “التزام الولايات المتحدة المتين تجاه دول مجلس التعاون الخليجي، ورغبتها في العمل مع الشركاء في الخليج من أجل تعزيز الاستقرار والأمن في المنطقة على المدى الطويل؛” مستغلة هاجس قلق دول المجلس من تنامي الحضور الايراني في المنطقة. بكلمة اخرى، ان اميركا ستقدم الاسلحة لدول المجلس أُسوة بمعاملتها حلفائها في حلف الناتو لتوريد المعدات العسكرية المتطورة.

تطوير جهود التعاون العسكري بين دول المجلس

نظرا لندرة العامل البشري لجأت الدول الخليجية الى الاعتماد على وسائل التقنية الحديثة لتعويض النقص في عديد القوات المدربة؛ ورصدت ما مجموعه نحو 130 مليار دولار للانفاق العسكري وشراء المعدات الحديثة منذ عام 2012، استثمرت اهمها في نظم الدفاع الجوي والسفن الحربية والطائرات المقاتلة. في هذا الصدد تنبغي الاشارة الى تعاظم دور القوات الباكستانية المسلحة في المملكة السعودية، لتدعيم قوات الاخيرة في الخبرات القتالية، كان احد مؤشراتها لقاء مغلق عقده السفير السعودي في اسلام أباد، عبد العزيز بن ابراهيم الغدير، مع قائد القوات الجوية الباكستانية، الماريشال طاهر رفيق بوت، في مقر قيادة القوات الجوية يوم 6 حزيران من العام الجاري.

لا يسعنا في هذا الصدد الا الاشارة الى الدور التاريخي للمؤسسة العسكرية الباكستانية كأداة تنفيذ تأتمر بأمرة الدول الغربية، بريطانيا سابقا واميركا لاحقا، للتدخل ان تطلب الأمر لحماية النظم الملكية والأسرية في المنطقة، كما تشهد عليه معارك ايلول 1970 في الاردن، بقيادة الجنرال محمد ضياء الحق، الذي كرمه النظام الاردني باطلاق اسمه على احدى الجادات الرئيسة في العاصمة عمان.

تركيز الولايات المتحدة على تزويد دول المجلس بنظم دفاعية ترمي من ورائه الى دمج تلك النظم المتعددة في نظام مركزي لتعزيز قدرات نظم الانذار المبكر واطلاق الصواريخ الدفاعية بشكل اكبر فعالية من النظم الفردية المتناثرة. وعليه، سيزداد الاقبال على شراء نظم دفاعية متطورة من طراز باتريوت / ثاد (نظام الدفاع الجوي للمديات المرتفعة).

آلية شراء الاسلحة قد تعترضها بعض العقبات المتأصلة في رغبة كل دولة على حدة شراء ما تراه مناسبا لسياساتها من النظم المطلوبة، سيما وان مهام مكافحة الارهاب وحماية الممرات المائية لا تستند الى المعدات العسكرية الكبيرة، بقدر ما ترتبط بشكل وثيق بجهود تعاون الهيئات المختلفة فيما بينها. وعليه، فان بلوغ الدول الخليجية مرحلة قيادة متكاملة لادارة العمليات سيعزز آفاق التنسيق فيما بينها؛ واتاحة الفرصة لها، نظريا على الاقل، في توسيع نطاق مهامها واختصاصاتها للافادة المشتركة.

لتحقيق أمن الملاحة الاقليمية ينصح بعض الخبراء العسكريين الغربيين بأنه يتعين على دول المجلس بلورة استراتيجية اوسع نطاقا تفضي بحماية الاقتصادات المحلية بدلا من مجرد حماية الشواطيء الى تسيير دوريات بحرية لحماية التجارة المائية المارة بمحاذاة شواطئها والتصدي للتهديدات الايرانية المحتملة في مضيق هرمز، ورصد ومراقبة التواجد الايراني في مياه الخليج، ونشر سيادتها عبر استعراض قوتها المشتركة على طول شواطيء الخليج ومنصات استخراج النفط في مياهه.

من الثابت ان تسيير دوريات لحماية القوافل البحرية يستدعي جهودا تنسيقية مكثفة، والتي اولت دول الخليج اهتماما ملحوظا فيها عبر انشائها “قوات الحماية البحرية – 152” لهذا الغرض. بالمقابل لن يكون بوسع تلك القوات التصدي لأي ردات فعل انتقامية تصدر عن ايران في حال اقدامها على تعطيل الملاحة البحرية في مياه الخليج اذا تعرضت لهجمات معادية. الامر الذي يتطلب فحص كافة امكانيات قطع الاسطول التابع لدول مجلس التعاون للتيقن من تطوير سبل القيادة والتحكم، واخضاعها لتدريبات تعزز قدراتها على المناورة، كي تتمكن من انجاز مهمة مرافقتها للقوافل البحرية وحمايتها من اي اعتداء. وبهذه الخلفية تمضي دول المجلس في تكثيف مستويات اعتمادها على القطع البحرية الاميركية والتي تمتلك الخبرات والقدرات المطلوبة لتلك المهام.

مهام حماية النقل البحري هي مهام دفاعية بالدرجة الاولى، اما وان رغبت دول المجلس تطوير اساليبها فينبغي عليها الارتقاء الى مرحلة تستطيع فيها تحييد الصواريخ الايرانية المضادة للسفن، وخاصة المنصوبة في جزر تعتبرها الامارات محتلة: ابو موسى وطنب الكبرى والصغرى. تلك كانت الاهداف من التدريبات التي جرت العام المنصرم في مناورات “جزر الولاء” التي اشترك فيها اكثر من اربعين دولة بقيادة الولايات المتحدة تضمنت التدريب على اكتشاف الالغام البحرية وازالتها، وحماية السفن بغية حماية تدفق النفط دون عرقلة حركة الملاحة في الخليج. يضاف الى ذلك انتظام التدريبات السنوية لاسلحة البحرية الخليجية لنزع ومكافحة الالغام البحرية، تعاونها في المهمة نحو 24 دولة اخرى بقدرات مماثلة، تسندها مركبات غواصة مستقلة باحجام متعددة، واخرى اصغر مسيرة عن بعد.

وعليه، كي تبلغ جهود الدول الخليجية مراميها فهي بحاجة ماسة لبلورة نظام فعال لتبادل المعلومات فيما بينها، وانتهاج وسائل ووسائط تعد بالغة الحيوية للحفاظ على الممر المائي خاليا من الالغام قبل نشوب الاشتباكات.

مثالب البنية العسكرية الراهنة في دول الخليج

تدرك دول المجلس عمق الثغرات الاستراتيجية في بنيتها العسكرية ومنظومتها من الاسلحة البحرية المختلفة التي ان أُحسن استخدامها باستطاعتها توفير “قدرة اطول على البقاء” واستدامة الانخراط في عباب البحر وتوفير قاعدة انطلاق برمائية توفر معدات عسكرية ثقيلة، بخلاف القوات الجوية التي تستند الى الهجمات السريعة والخروج الاسرع من مرمى النيران المعادية. الخبراء العسكريون الاميركية اشادوا مرارا بالمعدات والخبرات البرمائية لدولة الامارات، وانها الافضل بين نظرائها من اسلحة دول المجلس خاصة لتنفيذ مهام الانزال لرفد العمليات الحربية. كما يزعم اولئك الخبراء ان سلاح البحرية الاماراتي لديه القدرة على انزال ضربة مدمرة في البنية التحتية لتصدير النفط الايراني، عبر استثماره في التسلح بصواريخ كروز.

لعل البعد اللوجستي هو الأهم في اي استراتيجية عسكرية والتي تعاني دول مجلس التعاون من خلل وتعثر وعقبات في هذا الشأن، الأمر الذي شكل احد المزايا الاساسية لحلف الناتو ابان الحرب الباردة، وعمل الحلف على توحيد اعيرة الذخيرة في مجال الاسلحة الصغيرة، وكذلك الامر في توحيد النظم اللوجستية لتخزين الاسلحة والذخائر بحيث اتاحت الفرصة لوحدة عسكرية اميركية التزود بما تحتاجه من معدات مماثلة من النظام اللوجستي البريطاني، على سبيل المثال، باعتماد العلامات واوصاف البيانات المعتمدة لديها.

تسليح دول مجلس التعاون استند الى التزود بنظم اسلحة كبرى مختلفة وتراجع اهتمامها بالذخيرة المطلوبة لابقائها قيد الخدمة لفترة طويلة. للدلالة، عمدت المملكة السعودية الى شراء زهاء 800 وحدة من صواريخ جو – جو، قبل سنوات ثلاث، عززتها بنحو 1،000 صاروخ دفاعي مضاد للطيران، و 4،000 قنبلة موجهة والتي استخدمتها في قتالها مع “الحوثيين” على الحدود المشتركة مع اليمن في صيف 2009؛ بيد انها استدعت عونا اميركيا عاجلا لاعادة امدادها بما تحتاجه من الاحتياطي في مستودعات القوات الاميركية. بموازاة ذلك، اشترت دولة الامارات ما ينوف عن 400 صاروخ جو- جو يعززه 2،800 قنبلة موجهة، في الفترة من 2007 الى 2011.

النزعات المتنامية لدول المجلس للتسلح تجلت مؤخرا بشراء كميات عالية، اميركية المنشأ، من القذائف والصواريخ المضادة للدروع. واخطرت هيئة التعاون الأمني التابعة للبنتاغون الكونغرس بموافقتها على بيع المملكة السعودية نحو 14،000 وحدة من منظومة “تاو” للصواريخ، اضافة لمعدات تسليحية اخرى بلغت كلفتها نحو 1.1 مليار دولار. كما سيتم تسليم القوات السعودية بما ينوف عن 1،700 قذيفة مماثلة، مما يدل على نيتها لتعزيز مخزونها من الذخائر.

وكما كان متوقعا، فقد حرص الخبراء العسكريون الاميركيون على تجسيد مبدأ الشبكة اللوجستية المتكاملة مما سيوفر القدرة على تحويل الذخائر المطلوبة الى مخزون مركزي لدول المجلس، بسرعة قياسية. كما ان تسلح دول المجلس بذخائر من عيارات متماثلة قد تفسح المجال لطلبات شرائية اكبر حجما واقل كلفة، فضلا عن جهوزيتها عند الحاجة.

وحث الطرف الاميركي دول المجلس على بذل مزيد من جهود التنسيق العسكري فيما بينها كي يتسنى لها معالجة اطياف متعددة من التهديدات، بدءا باعمال ارهابية وامتدادا الى التهديد الماثل من ايران النووية، بالرغم من عدم واقعيته.

التهديدات الماثلة امام قيادة عسكرية متكاملة لدول المجلس

حماية المرافق الاقتصادية: تتربع دول مجلس التعاون على بعض اهم الاهداف الاقتصادية العالمية في المنطقة، تتراوح بين المراكز المصرفية وامتدادا الى منشآت انتاج النفط. فالتهديد لها لا ينحصر في دول خارجية او اقليمية، بل هي هدف موائم للقوى الارهابية التي تسعى لانزال اكبر الضرر وتعطيل التبادل الاقتصادي ان استطاعت الوصول الى مرحلة اغلاق صناعة النفط برمتها.

في هذا السياق، تبرز المنشآت النفطية في المملكة السعودية كأحد اهم الاهداف، لا سيما تلك الواقعة في ميناء رأس التنورة لتصدير النفط، ومصفاة عبقيق الضخمة. وهنا تبرز أهمية توصل دول المجلس الى صيغة تعاون متطورة في مكافحة الارهاب، سيما وهي تنسق مع اجهزة الاستخبارات الاميركية والاوروبية بدرجة عالية في هذا الشأن.

توفير الحماية للمرافق الاقتصادية، من زاوية عسكرية بحتة، تستدعي تطوير وتنسيق كفاءات القوات الخاصة المحمولة في مكافحة الارهاب. تجدر الاشارة الى تحقيق دول المجلس بعض النجاحات في هذا المضمار، اذ اخضعت عناصرها لبرامج تدريب مكثفة اشرفت عليها القوات الخاصة الاميركية والبريطانية على السواء. اما جهود التخصص والتميز وتنسيق جهود الوحدات المختلفة فمن شأنها اعاقة مناخ التوسل للآخر السائد راهنا. للاضاءة على ما سبق، بالامكان توزيع المهام بين دول المجلس بحيث يركن للقوات السعودية الخاصة، مثلا، حماية المنشآت النفطية وبسط سيطرتها عليها، بينما يوكل للقوات الاماراتية ذات الخبرة الاوسع في المهام البحرية حماية واستعادة المنشآت والمنصات النفطية في عرض البحر.

نظم الدفاعات الجوية: تحظى تلك النظم بكل تنوعاتها باهتمامات عالية، وخاصة في سياق الجهود لتكامل الاسلحة. ففي مطلع عام 2006 ارسى نائب وزير الدفاع والطيران السعودي، خالد بن سلطان، منطلقات التوجهات السعودية نحو نظم الصواريخ الايرانية التي اعتبرها بانها تشكل التهديد الاخطر للمملكة السعودية قائلا ان مصدر التهديد “لن يتجسد بسلاح الجو او البحر الايرانيين، او السفن والقوارب البحرية، بل في مجال الصواريخ.”

الثابت ان الاستراتيجية الاميركية تستوجب انخراطا مباشرا، وخاصة في مجال الدفاعات ضد الصواريخ الباليستية، سيما وعند الاخذ بعين الاعتبار تصريحات وزير الدفاع الاميركي، تشاك هيغل، مطلع الاسبوع المنصرم بأن البنتاغون “تعزم على تحقيق دمج افضل لدول مجلس التعاون بغية تعزيز الدفاعات الصاروخية في المنطقة .. وستستمر الولايات المتحدة في تبني وجهة النظر القائلة بأن التوجه المتعدد الاطراف هو الانسب للدفاعات الصاروخية.”

مع التذكير بان سلاح البحرية الاميركية ينشر عدة قطع من الطرادات المسلحة بمضادات للصواريخ في مياه الخليج.

التهديد الايراني المتخيل: منذ زمن صدرت تصريحات متعددة لمسؤولين خليجيين بأن أس العداء يكمن في التهديد النووي الايراني، وليس “اسرائيل،” مما يصب في لب الاستراتيجية الاميركية للمنطقة، ليس في الشق النووي فحسب، بل للأمن الاقتصادي للمجلس ان قررت ايران اغلاق مضيق هرمز وتهديدها للملاحة التجارية. ومن زاوية حساب حداثة الاسلحة الكلاسيكية المتوفرة لدول مجلس التعاون فانها تتفوق على ترسانة ايران. اما في الشق العملياتي فيتعين على دول المجلس اخضاع الاسلحة المشتركة الى قوة متماسكة ان ارادت التصدي لايران بفعالية واستقلالية عن الراعي الاميركي.

المعلومات الاستخبارية الغربية، لا سيما الاميركية والبريطانية، تشير الى نقص المعدات الحديثة المتوفرة لدى سلاح البحرية الايرانية، وان المعدات والامكانيات الاشد حداثة وفتكا، خاصة الزوارق السريعة، هي تحت امرة قوات الحرس الثوري الذي سيلجأ الى كثافة قواته ومعداته لاشغال اسلحة البحرية الخليجية.

ووفق ذات المصادر، فإن ترسانة دول المجلس البحرية تتمتع بمعدات حديثة ذات قدرات عالية باستطاعتها توسيع نطاق مسرح العمليات والبقاء لفترة زمنية اطول في مياه الخليج؛ بعد استثمارها في الحصول على احدث ما يتوفر من سفن الدوريات البحرية سريعة الحركة ومسلحة جيدا، مزودة باجهزة الاستشعار الليلية وقذائف خفيفة دقيقة التصويب ومدافع آلية عديمة الارتداد. وتضيف بأن اسلحة الجو لدول المجلس باستطاعتها توفير مظلة حماية وازنة للقطع والاسلحة البحرية، فضلا عن ميزة الخبرة المكتسبة من خلال المناورات المشتركة مع الاساطيل البحرية الاميركية والبريطانية والفرنسية مجتمعه.

وتجمع المصادر عينها ان ما لدى ترسانة دول مجلس التعاون لا يجوز الاستهانة به “ان توفرت مدارك المعرفة لطواقمها واستخدامها بفعالية.” اذ لديها القدرة على شن عمليات انزال بحرية متواضعة الحجم ضد اهداف ايرانية على طول شاطيء الخليج، فضلا عن امكانية اغارة سلاح الطيران وقصف البحرية لاهداف ومنشآت بحرية ايرانية.

نجاح مواجهات من هذا القبيل تعتمد على توفر الارادة السياسية لاتخاذ قرار حاسم في الوقت المناسب، يسبقه جهود فعالة لدمج القوات والاسلحة المختلفة تحت قيادة موحدة ونظم اسلحة متكاملة.

في هذا الشأن، ينظر بايجابية الى اعلان دول الخليج بلورة قيادة عسكرية مشتركة تسخر طاقاتها مجتمعة للدفاعات الجوية، وبلورة استراتيجية بحرية مناسبة، وحشد الجهود لمكافحة الارهاب – حتى من باب تحديد الاولويات. عوامل الاعاقة لبلوغ ذاك الهدف متعددة، ليس اقلها النزعة الاستعراضية والدعائية لامتلاك اسلحة متطورة وفي تشبث الاطراف المختلفة بالكبرياء الوطني لكل منها مما يحول دون استغلال طاقاتها مجتمعة.

 

2013-12-13 التقرير الأسبوعي

المقدمة:

ارخت قسوة البرد ثلوجها على واشنطن ومؤسساتها العاملة، وتراجع حجم النشاطات المعتادة لدى مراكز الابحاث الاميركية نتيجة تعثر الحياة العادية.

سيستعرض قسم التحليل البنود المسربة للترتيبات الأمنية بين اميركا و”اسرائيل” التي يعتقد ان مغزاها يكمن في وضع ضوابط وقيود على الاتفاق النووي مع ايران بشروط مريحة “لاسرائيل؛” وفوزها بضوء اميركي اخضر ولو ضمنيا لقيامها بشن هجوم عسكري على المنشآت النووية الايرانية؛ والترتيبات الأمنية المهينة ضد الطرف الفلسطيني الناجمة عن زيارة وزير الخارجية جون كيري الاخيرة.

الابتزاز “الاسرائيلي” لمفاوضات جنيف النووية سيكون ايضا محطة اهتمام لقسم التحليل، بالنظر الى تحول مصدر القلق من تخصيب اليورانيوم الى انتاج ايران للبلوتونيوم وتطوير قذائف نووية حديثة. اي ان “اسرائيل” اضطرت للاقرار بحق ايران في تخصيب اليورانيوم على اراضيها وانتاج سلاح من الجيل الاول يستند الى عنصر اليورانيوم-235، والعمل على اعتراض جهودها لانتاج اسلحة اشد تطورا وطاقة تدميرية، من الجيلين الثاني والثالث للاسلحة النووية.

ملخص دراسات ونشاطات مراكز الابحاث

التمهيد لجولة كيري

في توقيت غير مسبوق، عقد مركز صابان التابع لمعهد بروكينغز منتدى فكريا لمناقشة العلاقات الاميركية – “الاسرائيلية” تحدث امامه كل من الرئيس اوباما ووزير الخارجية جون كيري، العائد لتوه من جولة المفاوضات في جنيف. تناول منتدى المركز بحث عدد من القضايا، منها: التحولات الجارية في عموم المنطقة العربية؛ استئناف المفاوضات مع السلطة الفلسطينية؛ المفاوضات النووية مع ايران؛ استمرار الازمة السورية وتردي الاوضاع الانسانية للاجئين السوريين. (لمزيد من التفاصيل يرجى مشاهدة شريط الفيديو على الرابط التالي:

 http://www.brookings.edu/events/2013/12/06-saban-forum-2013-power-shifts-us-israeli-relations-dynamic-middle-east )

المفاوضات النووية

دعا مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الى اشراك كل من الكونغرس و”اسرائيل” في المفاوضات الجارية سيما وان “انتقاد رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو لبنود الاتفاق المتساهلة مع ايران يجد اصداء لدى العديد” من اعضاء الكونغرس ورغبة البعض الآخر ايضا في “امتحان غريزة الرئيس (اوباما) ونزعته لتقديم تنازلات للاعداء.” واوضح انه من اجل نجاح التفاوض مع ايران “ينبغي على الايرانيين الاقرار بامكانية القبول الضمني لدور الكونغرس.”

كما تناول مركز الدراسات عينه القدرات الصاروخية لايران مؤكدا ان “سباق تسلح نووي بين ايران واسرائيل جارٍ على قدم وساق – والذي تملك فيه اسرائيل القدرة على شن هجوم نووي .. كخيار أول لحين توفير ايران قدرات حماية أمنية لقواتها المسلحة بالنووي.” واضاف ان ما سيترتب عليه للجانب الايراني “نشر قواته النووية خلسة .. ومن ثم منافسة القوى التي تملك مخزون نووي اضخم يشمل اسلحة متطورة وحرارية لحين استطاعة ايران تطوير وامتلاك اسلحة اشد تطورا.”

تناول معهد واشنطن امكانية استهداف ايران للسعودية التي “ستصبح قريبا هدفا .. نظرا لدور مجموعة كتائب عبد الله عزام المرتبطة بالقاعدة ومسؤوليتها عن التفجير المزدوج للسفارة الايرانية ببيروت.” واضاف ان المنابر الاعلامية المؤيدة لحزب الله “كصحيفة الاخبار اللبنانية” اشارت الى ان المجموعة مدعومة السعودية، “مما يعزز الفرضية باستهداف المصالح السعودية في لبنان والخارج.”

سورية

اشار معهد كارنيغي الى تشكيل الفرع السوري للاخوان المسلمين حزبا سياسيا تحت اسم “الحزب الوطني للعدالة والدستور – وعد،” وتدعيمه ببعض الشخصيات الوطنية، معربا عن اعتقاده بفشل التجربة نظرا “للغموض الذي يكتنف اهداف وعد،” وكذلك “عدم قدرة تنظيم الاخوان على تفنيد الاعتقاد الشائع بأنه يمسك بتلابيب كافة الخيوط لمشهد المعارضة في الخارج، المجلس الوطني السوري،” بصرف النظر عن “برنامج وعد السياسي المثير للاعجاب.” وخلص بالقول ان “وعد تفتقد لجوهر متطلبات تحولها الى حزب سياسي ليبرالي معتبر.”

اعتبر معهد واشنطن ان استمرار تدفق اللاجئين السوريين “يشكل تهديدا أمنيا،” مستشهدا بتصريحات الرئيس اللبناني ميشيل سليمان عند قوله ان “لبنان يواجه مأزقا حياتيا ومعيشيا” جراء ذلك. كما استشهد المعهد بتصريحات وزير الداخلية اللبنانية مروان شربل الذي “اكد ان عددا من اللاجئين هم في الحقيقة مقاتلين من المتمردين ..”

ظاهرة المقاتلين الاجانب في سورية شكلت محور اهتمام معهد كارنيغي معربا عن اعتقاده ان “العديد منهم .. لا يملك سوى القليل النادر من الخبرة القتالية .. يضاف اليهم عددا ممن خبروا القتال في افغانستان والبوسنة والشيشان واليمن وليبيا .. اذ شارك المقاتلون الاجانب في عمليات تطهير (طائفي) للعلويين من المناطق التي بسطوا سيطرتهم عليها.” وزعم المعهد ان “الميليشيا الشيعية العراقية” التي تقاتل الى جانب الجيش العربي السوري “اسهمت ايضا في تطهير وتجويع جيوب السنة في منطقة الغوطة.”

التحليل:

دبلوماسية كيري: استرضاء “اسرائيل” اولاً

ضمانات اميركية وترتيبات أمنية من ايران الى فلسطين

اعلنت الولايات المتحدة، منذ زمن “بعيد” بدءا من عهود الرؤساء روزفلت وترومان وايزنهاور، ان مفهوم الأمن القومي الاميركي يمتد الى الشرق الاوسط بأكمله، اي الهيمنة السياسية والاقتصادية والعسكرية، مفصله الاساسي حماية المشروع الصهيوني لتمزيق بلاد العرب وكياناتها السياسية، ويؤسس لخروج العرب من التاريخ بتقسيم جغرافيتهم الى “امارات اسلاموية،” يجسدها المشهد السياسي الراهن في القرن الحادي والعشرين.

في الاستراتيجية الاميركية

امعانا في توضيح الاستراتيجية الاميركية وصف احد اهم العقول الاستراتيجية الاميركية، زبغنيو بريجينسكي، الوطن العربي بأنه اقرب ما يكون الى ساحة استقطاب وتسويات وصراع ارادات، بين الدول الاقوى في العالم. (لمزيد من التوضيح  يرجى مراجعة كتابه الصادر عام 1998 بعنوان “رقعة الشطرنج الكبرى The Grand Chessboard” واسهاماته اللاحقة في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية). أهمية بريجينسكي انه لا يزال يعد “الاب الروحي” ومصدر الهام لسياسات الرئيس اوباما واركان ادارته حول العالم قاطبة. بل اعتبر احدهم ان “اوباما صبي بريجينسكي.”

على ضوء هذه الخلفية الضرورية يمكننا النظر الى الجولة الاخيرة في الرحلات المكوكية لوزير الخارجية الاميركي، جون كيري، واعلانه عما اصطلح على تسميته “مبادرة كيري،” سبقتها مبادرات اميركية اخرى لم تنقطع في جوهر مراميها واهدافها: جون فوستر دالاس، دين راسك، ويليام روجرز، ويليام سكرانتون، هنري كيسنجر، هارولد ساوندرز .. الخ. كيري غلف “مبادرته” للترتيبات الأمنية، التي سنتناولها لاحقا، بالموافقة على انشاء مطار فلسطيني “لكن على الاراضي الاردنية،” يرافقه وضع “اسرائيل” محطات انذار مبكر على كل المرتفعات في نواحي “الضفة الغربية” من فلسطين المحتلة. وحتى لا يبقى تفسير “مبادرة كيري” في باب العموميات والديباجات اللغوية، اوضح “قائد المنطقة الوسطى في قوات الاحتلال الاسرائيلي الجنرال نيتسان الون” في تصريح نشرته الصحف “الاسرائيلية” ان مطالب وادعاءات الفلسطينيين بالسيادة “عبارة عن هراء وتفاهة ..” بل الأهم انه يفند دعوة كيري عينها لصيغة تسوية تفضي الى “دولة فلسطينية.”

مبادرة كيري: الابقاء على أمن “اسرائيل”

شدد كيري في نهاية جولته التفاوضية على عزم الطرفين، “اسرائيل” والسلطة الفلسطينية، التوصل الى اتفاق حول الحل النهائي في غضون شهر نيسان المقبل “يتناول القضايا الرئيسية، مثل الأمن، ومستقبل القدس، ومصير اللاجئين ..” يشار الى ان الجنرال جون الآن، المكلف حديثا بالترتيبات الأمنية، حضر محادثات كيري مع رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس. وطبقا لمصادر فلسطينية عليمة بلقاء كيري، فان الجنرال الاميركي انجز مسودة خططه الأمنية “بحيث تتيح سيطرة عسكرية اسرائيلية مستمرة للسنوات العشرة المقبلة على منطقة الاغوار – بمحاذاة الحدود الشرقية لأي كيان فلسطيني” مسمى دولة. ودأب الجانب الفلسطيني على ترديد معادلة كيري التي طرحها المتمثلة بعقده “مقاربة بين أمن اسرائيل وسيادة فلسطينية.”

“مبادرة” السيد كيري لم تأتِ بجوهر جديد يستوجب عناء البحث والتدقيق والتمحيص، اذ انها تستند الى الاهداف الاميركية و”الاسرائيلية” المعلنة منذ زمن، نقطة ارتكازها “الاعتراف الفلسطيني والعربي بيهودية الدولة .. وشرعنة المستعمرات “الاسرائيلية،” واقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح.” اما جذورها وفواصلها ونقاط حروفها فقد اشتقت من “اتفاق عباس – بيلين” المعقود عام 1995، والذي تبلور ليصبح “مرجعية المفاوضين السياسيين لمرحلة الحل النهائي،” كما ورد في المصطلحات والتفاهمات السياسية المتتالية منذئذ. وثيقة “عباس-بيلين” وما تبعها من ترتيبات، سميت تفاهمات، تلاها اتفاق آخر اجراه ياسر عبد ربه مع يوسي بيلين عينه، عرفت باتفاق جنيف وتضمنت “المباديء الاساسية للحل النهائي بعلم كل من السيد ياسر عرفات واسحق رابين،” كما اوردته صحيفة “هآرتس” في عددها الصادر يوم 23 شباط 1996.

            واوضح الباحث الفلسطيني، حلمي حنون، ان الوثيقة مكونة من “سبع عشرة صفحة اضافة الى ثلاث ملاحق تتضمن خمس خرائط بيانية تفصيلية بالتعديلات التي تقترحها على حدود عام1967م وعلى حـدود بلدية القـدس الكبرى المنصوص عليها كعاصمة أبدية لإسرائيل، إلى جانب حدود بلدية القدس العربية المسـتحدثة (أبو ديـس وجوارها) كعاصمة إدارية للسلطة الفلسطينية يطلق عليها اسـم “القـدس”، وخارطة تتعلق بالمستوطنات ذات الكثافة السـكانية، وأخرى بمصادر المياه المشتركة.” هآرتس ذهبت ابعد من ذلك قائلة ان الوثيقة تنص على إقرار الطرفين بأن اتفاقيتي أوسـلو(1) و(2) هما الأسـاس الذي يقوم عليه الحل النهائي” المحددة معالمه في هذه الوثيقة. (التشديد في الأصل)

ومضى جون كيري في توضيح الثابت من توجهاته ومبادرته، نهاية الاسبوع الجاري، ان “أمن اسرائيل” يشكل اولوية قصوى للولايات المتحدة في جولات المفاوضات النووية مع ايران ومع الفلسطينيين. واضاف لمن لم يقرأ تصريحاته بدقة، “لا استطيع اضفاء مزيد من التشديد على ان أمن اسرائيل في جولة المحادثات الراهنة (مع ايران) على رأس سلم جدول اعمالنا .. أمن اسرائيل يعد الركن الاساسي لهذه المفاوضات.”

أهمية “اسرائيل” بالنسبة للولايات المتحدة لخصها مستشار الأمن القومي الاسبق، وليم كوانت، في عهد الرئيس جيمي كارتر، 1977-1980، بالقول “ان التعامل مع اسرائيل هو بمثابة التنبؤ بربع قرن قادم امامنا، اما التعامل مع العرب فهو تعامل مع سياسة اللحظة الراهنة .. اسرائيل هي الحليف الوفي للولايات المتحدة في المنطقة؛” اكدته ايضا صحيفة “عل همشمار” في عددها الصادر يوم 29 نيسان 1986 بأن “اسرائيل جعلت من جيشها الذراع المستقبلية المحتملة للولايات المتحدة الاميركية.”

ربما المتغير الجديد في “السياسة الاسرائيلية” هو اولوية ايران وبرنامجها النووي مقابل تراجع ملحوظ للمضي في “مفاوضات التسوية” مع السلطة الفلسطينية. الأمر الذي حدا بها الى اطلاق صرخات الاستغاثة العالية لدى عواصم الدول الغربية بضرورة محاصرة تطور البرنامج النووي الايراني، وعدم التوقف عن التهويل بالخيار العسكري ضد المنشآت النووية وغيرها. وكما جرت العادة، فان توجه الكونغرس بمجلسيه نحو المصادقة ودعم اتفاق بهذا الشأن يرتبط عضويا برضى وموافقة “اسرائيل؛” ولا ينتقص منه معارضة الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات “الاسرائيلية،” يوفال ديسكين، الذي انتقد بشدة ايلاء الاولوية لايران على حساب التوصل لتسوية مع السلطة الفلسطينية.

استنادا الى جملة من المعطيات، باستطاعتنا القول ان “لاسرائيل دور تنفذه من خلف الستار” في المفاوضات النووية الجارية تجسد نظرتها لما تعتبره “قيود مقبولة” تفرض على مستقبل البرنامج النووي برمته. واوضحت يومية “هآرتس” الدور الخفي والاساسي بالقول ان “اسرائيل تبقي على اتصال مستمر بطواقم التفاوض (5+1) .. بغية ادخال الصيغة المقبولة لها في تعديلات الاتفاق، ودرءا للتنازلات التي قد تقدم لايران فيما يتعلق بمفاعلها للمياه الثقيلة في اراك ..”

ترتيبات أمنية مقترحة من كيري لمصلحة “اسرائيل”

المبعوث الامريكي السابق لـ “عملية السلام” الجنرال جيمس جونز استكمل الترتيبات الأمنية التي بدأها سلفه الجنرال كيث دايتون، الذي ارسى مفاهيم جديدة لعقيدة “قوى الأمن الفلسطينية” محورها “المحافظة على أمن اسرائيل” والمستعمرين اليهود. في عهد جون كيري تم تعيين الجنرال جون آلان في مهمة “المبعوث الاميركي الخاص لقضايا أمن اسرائيل،” لبلورة الاطار النهائي للحل الاميركي. على رأس مهامه، وفق توصيف كيري، مهمة “تقييم التهديدات المحتملة التي تواجه اسرائيل، والمنطقة، وضمان ترتيبات واجراءات أمنية .. لتوفير اعلى مستوى من الأمن لاسرائيل.”

وما لبث جون كيري ان اوضح مجددا مراميه في حديث ادلى به في منتدى صابان، التابع لمعهد بروكينغز، من تعيين الجنرال الآن بالقول: سيرافق الجنرال طاقم كبير من الخبراء يصل عددهم نحو 160 فردا يضم “خبراء عسكريين، ضباط استخبارات وآخرين في نطاق تحليل المعطيات لبلورة تصور في منتهى الجدية يطرح على طاولة المفاوضات.” ويدعم طاقم الجنرال الآن “خبراء ومسؤولين عسكريين يعملون في بضع عشرات من الاجهزة في الولايات المتحدة، تضم مكتب وزير الدفاع؛ وكالة التعاون والأمن (في البنتاغون)؛ وكالة خفض التهديد؛ وهيئة البنتاغون للابحاث العلمية – داربا التي لها الفضل في انشاء شبكة الانترنت؛ عدا عن قيادة هيئة الاركان المشتركة واسلحة القوات البرية والبحرية والجوية ومشاة البحرية – المارينز .. والذين يجرون تنسيقا عاليا مع جيش الدفاع الاسرائيلي .. والشين بيت والموساد .. وكذلك مع الفلسطينيين ..”

مبادرة وتوضيحات كيري، في الشق الفلسطيني والملف الايراني، تثبت مجددا ان ما يهم اميركا في اي تسوية او تفاق مرتقب هو الاتساق مع المطالب “الاسرائيلية،” بصرف النظر عن تصريحات مسؤولين “اسرائيليين” سابقين تدغدغ عواطف الرأي العام، كتصريحات ديسكين مثلا.

“اسرائيل” محور التسويات الاميركية

تدرك “اسرائيل” بدقة، استنادا لتقارير الاجهزة الاستخبارية الغربية، ان ايران تخطت حاجز القدرة على تخصيب اليورانيوم؛ بيد ان الاولى ترغب في تقييد جهود التطوير المقبلة. الأمر الذي يشي “باستيعاب اسرائيل” لقدرة ايران انتاج الجيل الأول من القذائف النووية، وترمي الى حرمانها من التوصل لانتاج الجيل الثاني المتطور. تقنية الجيل الأول للقذائف النووية تستند الى عنصر اليورانيوم 235، والذي من العسير تحميله كرأس حربي على الصواريخ الايرانية بعيدة المدى نظرا لوزنه الثقيل نسبيا (قنبلة هيروشيما الاميركية بلغ وزنها 4.5 طن وطولها 3 أمتار، وقوة الانفجار الناجم عنها عادل 12.5 الف طن من مادة تي ان تي، امتد انتشاره على دائرة قطرها من 3 الى 5 كلم ليفتك بكل ما تواجد على القشرة الارضية، من انسان وجماد.)

وعليه، فان مفاعل اراك للمياه الثقيلة يشكل المنصة لأي رغبة محتملة لايران للدخول في صلب مشروع الاجيال المتطورة للقذائف النووية، نظرا لدوره في انتاج عنصر البلوتونيوم الضروري لانتاج قذائف اصغر حجما واشد فتكا واقل وزنا من الجيل الأول. لهذا السبب، تعارض “اسرائيل” السماح لمفاعل اراك المضي في دورة الانتاج. تقلق “اسرائيل” وعينها على اجهزة التفجير النووية المتطورة والتي يمكن تفعيل صواعقها بسهولة نسبية. فعنصر البلوتونيوم يتعرض لتفجير داخلي باستخدام صواعق ومواد تفجيرية متطورة ليصل الى الكتلة الحرجة المطلوبة. للبلوتونيوم خاصية اخرى تتعلق بتطويع مكوناته لانتاج قذائف بالتفجير الحراري صغيرة الحجم والوزن، مما يعزز من اهميته في تحميل الرؤوس المتفجرة على صواريخ قاذفة. ومن هنا يمكن الاستدلال على كنه القلق “الاسرائيلي” لجهود تخصيب اليورانيوم القائمة في ايران، ومطالبتها الدول الغربية بموقف متشدد من جهود ايران كي تتسق مع تحويل مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة 20% (190 كلغم) الى اوكسيد اليورانيوم الذي لا يدخل في تطوير وصناعة الاسلحة النووية.

سيناريو “اسرائيل” الخيالي لهجوم عسكري

اضافة لما تقدم، يبقى هاجس “اسرائيل” بشن هجوم عسكري على ايران يراود صناع القرار كوسيلة ابتزاز للدول الغربية، وعلى رأسها اميركا، بعد ارجائها للخيار العسكري ضد ايران. وتطمح “اسرائيل” للحصول على تطمينات “سرية” اميركية تنص على السماح لها بشن هجمات عسكرية ضد المنشآت النووية الايرانية، في حال الفشل بالتوصل الى اتفاق مع ايران، وفي نفس الوقت تعتبر موافقتها الضمنية بالغة الاهمية لاتفاق يتوصل اليه الاميركيون مع الطاقم الايراني المفاوض.

من غير المستبعد حصول “اسرائيل” على موافقة اميركية بهذا الشأن سيما وانها لن تشكل سابقة لضوء اخصر اميركي للجوء الى الخيار العسكري نيابة عنها. ومن المرجح ان تطالب “اسرائيل” بضمانات عدة من واشنطن، منها عدم تعرضها لاجراءات مقاطعة تقودها الولايات المتحدة نتيجة للهجمات العسكرية، وكذلك حماية الدول “الخليجية” والاخرى الميسرة لمرور سلاحها الجوي فوق اراضيها؛ وضمان “تجاهل” القوات الاميركية المتعددة في منطقة الخليج لتنفيذ عدوانها ضد ايران؛ واخيرا ضمان وصولها لاستخدام اسلحة اميركية جد متطورة، مثل القنابل الخارقة للتحصينات.

تطوير العلاقات العسكرية المشتركة بين “اسرائيل” والولايات المتحدة ليس امرا او مطلبا طارئا، بل ستطالب الاولى بالمزيد من المعدات والاجهزة واجراءات التنسيق، للمحافظة على مكانتها كقاعدة عسكرية متقدمة ومتطورة تقوم بمهام الولايات المتحدة نيابة عنها. ومن المجالات البارزة في هذا الشأن، منظومات الدفاع الصاروخية ضد القذائف قصيرة المدى والمديات البعيدة، الامر الذي تعتبره “اسرائيل” مقدمة لموافقتها على تحسين نطاق معاملتها للسلطة الفلسطينية.

“التسوية” الفلسطينية تمر عبر نفق طهران وجنيف

 الاصرار بتوفير الضمانات الاميركية “لأمن اسرائيل” يشكل العنصر الطاغي في مكونات سياسة الادارة الاميركية في الشرق الاوسط. تخلف “اسرائيل” عن دعم اتفاق مع ايران، ولو ضمنيا، سيفرض الفشل لاي مساعي لاتفاق بهذا الشأن، لا سيما اذ نظرنا الى دخول عامل الكونغرس بمجلسيه لتلبية متطلبات الاولى والذي ابدى جهوزيته لانزال عقوبات اقتصادية متشددة ضد ايران مما سيبطل مفعول اي اتفاقية واعاقة الجهود التالية لاحراز تقدم في التوصل لحل ديبلوماسي للأزمة السورية.

عقد توازن بين مطالب ايران و”اسرائيل” هي أس مهمة كيري الديبلوماسية، بحيث يتاح لايران القدرة على تخصيب اليورانيوم على اراضيها، ووعيه لعزم “اسرائيل” حرمان ايران من تطوير جهودها لاقتناء الاجيال التالية من المعدات والصواعق النووية.

يدرك كيري والرئيس اوباما سويا ان موافقة “اسرائيل” على الاتفاق النووي مع ايران مشروطة بابقاء الخيار العسكري قيد التداول برغم معارضة الرئيس اوباما لشن الاولى هجوم عسكري على ايران، بل ستلح على “حقها في اللجوء اليه.” خلافا لذلك، من شبه المؤكد ان تمضي “اسرائيل” في جهودها لتقويض الاتفاق عبر حلفائها الكثر في مجلسي الكونغرس.

من مصلحة “اسرائيل” مطالبة اميركا تكثيف تواجدها العسكري في المنطقة لمستويات ابعد من الحالة الراهنة، على ضوء العلاقات الثنائية المتوترة بين اوباما ونتنياهو. اذ يعتقد الاخير ان مزيدا من عسكرة المنطقة ستدفع ايران الى التفاوض للتوصل الى اتفاق، ويتيح في الوقت نفسه الفرصة للتوصل الى ترتيبات أمنية مع السلطة الفلسطينية.

السياسة الاميركية في المنطقة في عهد كيري تستدعي التوصل الى اتفاق نووي مع ايران ثمرة لمفاوضات جنيف، بحيث تصبح مقبولة لدى ايران و”اسرائيل،” التي تطالب بترتيبات أمنية اضافية مع فريق السلطة الفلسطينية. الزمن كفيل بالاجابة على مدى فعالية وحنكة جون كيري التوصل الى ذلك من عدمه.

2013-12-06 التقرير الأسبوعي

المقدمة:

اتجهت انظار مراكز الابحاث شرقا الى الصين عقب اعلانها “منطقة دفاع جوي” تخضع لسيطرتها الاحادية، مقابل تراجع اولوية الاهتمام بالملف الايراني وسورية وقضايا اخرى.

 سيخصص قسم التحليل جهود البحث الى التحولات التي طرأت على آلية تصةيت وهوية واهتمام “اليهود الاميركيين،” واقترانها بتوتر العلاقات الثنائية بين الرئيس اوباما وبنيامين نتنياهو، وتداعياتها على توجهات الجالية اليهودية في اميركا؛ ورصد بعض المؤشرات الهامة التي تدل على اقلاع نسبي ليهود اميركا عن دعم المواقف المتشددة والانفتاح على المؤثرات الجيوستراتيجية في المنطقة، مقابل تنامي دعم شريحة اميركية اخرى للسياسات “الاسرائيلية” بشكل اعمى، مجموعة الانجيليين المسيحيين وجلهم من البيض وتتقاطع مصالحهم مع خطاب اللوبي “الاسرائيلي” في معاداة العرب والمسلمين.

ملخص دراسات ونشاطات مراكز الابحاث

شؤون التجسس مجددا

اعرب معهد كاتو عن قلقه من سلسلة التطورات الاخيرة التي افادت بتتبع وكالة الأمن القومي زهاء 5 مليارات هاتف شخصي محمول يوميا، اضافة لتفاصيل اخرى تتعلق بجهودها في التجسس على استراليا، حليفتها الوفية. واوضح ان جهود الحكومة الاميركية “لتقنين وتوسيع نطاق نشاطات التجسس بالنفاذ عبر قرارات قضائية سرية .. (يضاف) الى البرامج الاخرى القائمة التي تتيح للوكالة الاستمرار باعمال التجسس دون ضوابط او قيود او اسانيد قضائية تبر ذلك.”

مصر

مسودة الدستور المصري اثارت اهتمام معهد كارنيغي الذي اعرب عن اعتقاده بأن “الرابحين الاساسيين من مسودة الدستور المصري هي المؤسسات الحكومية التي تضافرت جهودها للاطاحة (بالرئيس محمد) مرسي.” واوضح ان المسودة “تكرس استقلالية المؤسسة العسكرية .. والتي لن تعامل بعد الآن كعنصر من مكونات الجهاز التنفيذي بل كجهاز قائم بذاته. ولعل اهم تغيير طرأ هو اشتراط موافقة القوات المسلحة على تعيين وزير للدفاع للولايتين الرئاسيتين المقبلتين.”

سورية

يقلل معهد واشنطن من قوة ونفوذ القوى الاسلامية في المعارضة السورية قائلا “الجبهة الاسلامية لا تشكل قوة جهادية عاملة عابرة للحدود، كما انها ليست مجموعة تم ادراجها اميركيا في خانة المنظمات الارهابية .. بل ينبغي توخي الحذر حين التعاطي معها سيما وانها ترفض المشاركة في مؤتمر جنيف-2، كما ترفض النظام الديموقراطي وحقوق الاقليات.” واستطرد بالقول ان حلفاء الولايات المتحدة في الخليج “قد يقدمون على توفير الدعم لها بصرف النظر” عن تحفظات الولايات المتحدة “مما قد يعقد رغبة ادارة الرئيس اوباما في عقد جنيف-2 واحلال السلام في سورية.”

ايران

حذر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية من تداعيات اهمال برامج تخصيب اليورانيوم في الولايات المتحدة، في غمرة انشغالها ببرنامج التخصيب الايراني. وقال ان اغلاق مجمع ولاية كنتاكي “مطلع السنة الحالية قد حرم الولايات المتحدة من معامل وطنية تستخدم التقنية الاميركية الأصلية لتخصيب اليورانيوم ..” سيما مع تضاؤل مخزون اليورانيوم المخصب ومنتجاته الاخرى، مادة تريتيوم. وحث اصحاب القرار السياسي اطلاق الجهود “لنشر الجيل المتطور من التقنية الاميركية .. لتلبية الاحتياجات المقبلة من هذه المادة الاستراتيجية.”

الانسحاب الاميركي من افغانستان

مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية قلق من بقاء قوات عسكرية اميركية في افغانستان دون توفير الارضية المناسبة لتبرير ذلك مستدركا ان “تلك المخاوف قد تختفي من التداول في حال اقدام ادارة الرئيس اوباما على توفير خططا واضحة فاعلة .. سيما وان ما يتوفر راهنا لا يلبي الحد الادنى من مواصفات التخطيط النموذجي الذي رافق ازمة برنامج الرعاية الصحية الشامل.”

الاستراتجية الاميركية في آسيا

اشار معهد المشروع الاميركي الى عدم تضرر “المهام العسكرية جراء تقليص الموارد تلقائيا .. مع ادراك الادارة الاميركية تنامي المتطلبات العملياتية في منطقة الشرق الاوسط في ظل مناخ عقد متعب من تبعات الحروب.” ولفت النظر الى ان الاستراتيجية الجديدة “بالاستدارة نحو الشرق لم تؤتِ أكلها بعد – والتي تقف الصين لها بمرصاد التحدي في عموم المنطقة، مما يدل على الفجوة القائمة بين خطاب الادارة السياسي والحقائق العسكرية،” التي استدعت “سلاح البحرية الاميركي الاندفاع لتحويل وجهة بعض القطع البحرية وسحبها من مهام الاغاثة في الفيليبين للقيام بمهام الحراسة في مياه البحر الجنوبي وبحر الصين الشرقي كخطوة رد على استفزازات الصين باعلانها منطقة دفاع جوي فوق اجواء الجزر المتنازع عليها مع اليابان.”

التحليل:

على نتنياهو ان يقلق أكثر …

تحولات الصوت اليهودي في اميركا

ابتزاز اللوبي “الاسرائيلي” للساسة والسياسيين الاميركيين امر مسلم به، بل يذهب الى مديات مهينة في بعض المحطات. السيناتور اليهودي عن الحزب الديموقراطي شاك شومر، يتقدم كنصل السهم محاولات تخريب الاتفتاح الاميركي على ايران، ثمرة للمتغيرات الدولية ومساعي اميركا تقليص خسائرها الكونية، من موقعه المؤثر وبالغ الأهمية في عضويته بلجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ ونفوذه الوسع في اوساط الجالية اليهودية. ثمة من ينكر ذاك الواقع والتحولات بالتزامن مع صعود قوى اقليمية، وتنامي قلقلها لا سيما دول الخليج العربي، التي فرضتها “استدارة” الاستراتيجية الاميركية الكونية بعيدا عن سياسة القطب الاوحد والاملاءات السياسية السابقة.

التهويل من قدرات ايران المتنامية اضحى “العفريت” الذي يؤرق القوى الاقليمية، سيما وان الكيان الصهيوني يدرك بدقة انشغال سورية في محنتها الداخلية، ومصر تشهد ايضا تحولات جارية تعيق قدرتهما معا على التحدي الفعال للهيمنة “الاسرائيلية” في المدى المنظور، بصرف النظر عن برود الالتزام باتفاقيات كامب ديفيد. ايران بالنسبة “لاسرائيل” هي العدو الماثل، عززها تصريحات متتالية لبعض اركان الاسرة السعودية بذات المضمون.

تصدعات في مسلمات سابقة

يدرك قادة “اسرائيل” وجهة التحولات الداخلية في الساحة الاميركية، وما تشكله من زعزعة الاعتماد والاستناد التلقائي على دعم لا محدود، شعبيا ومؤسسات حكومية. وبرز في الآونة الاخيرة بعض الامتعاض العلني داخل صفوف الجالية اليهودية نتيجة “استعداء وتحدي” بنيامين نتنياهو الادارة الاميركية بعيدا عن الكياسة الديبلوماسية وتنكرا لدور التابع للاستراتيجية الاميركية في الاقليم، كما يعتقد البعض. وقد اصاب الفرضية والمسلمات السابقة بعض الاهتزاز، سيما وان اصطفاف ودعم الجالية اليهودية والحزب الديموقراطي للسياسة “الاسرائيلية” بدى عليها بعض التصدع، ولا نقول نهائي.

 ادرك الرئيس اوباما مبكرا ان المضي في ابرام اتفاق “مؤقت” مع ايران سيسبب له متاعب داخلية، بعضها من تيارات داخل الحزب الديموقراطي جنبا الى جنب مع معسكر الحرب والمحافظين الجدد، وما يمثلونه من مصالح ونفوذ. اللافت ان الاتفاق المؤقت لم يثر ردة فعل معارضة شاملة ومنظمة داخل اوساط الجالية اليهودية، كما درجت العادة، بل شكل فالقا لشق معارضتها على الرغم من رفض نتنياهو وحكومته للاتفاق جملة وتفصيلا.

اضحى الاستخفاف والاحتقار المتبادل بين الرئيس اوباما ونتنياهو مادة دسمة للصحافيين ومتابعين الشأن العام، والتي برزت على الملأ منذ بضع سنوات في احدى زيارات بنيامين نتنياهو لواشنطن، رافقها رصد بعض المراقبين مغادرة اوباما لقاءه المقرر مع نتنياهو والانصراف لتناول الطعام مع عائلته، بغض النظر عن دقة الرواية، الا انه ينطوي عليها مؤشرات ستطبع علاقتهما المضطربة لاحقا. بعد بضعة اشهر على تلك الحادثة، “ثأر نتنياهو” بوقاحة فاقعة بازداء النصح لاوباما في لقاء صحافي مشترك بالبيت الابيض مذكرا مضيفه بسياسة “اسرائيل” الثابتة حول الاستمرار ببناء المستوطنات وان “عمق اسرائيل قبل عام 1967 لم يتعدى 9 أميال (14.5 كلم) والتي لم تكن حدودا لارساء السلام، بل لشن حروب متتالية.”

وتدنت العلاقة الثنائية مجددا في اواخر عام 2011 حينما نقل عن الرئيس الفرنسي السابق، نيكولا ساركوزي، قوله لاوباما “لا استطيع استساغة نتنياهو؛ فهو كذاب ومراوغ،” ورد اوباما عليه بالقول “انا مضطر للتعامل معه بوتيرة اكبر مما كان عليك القيام به.”

انتقاد قادة “اسرائيل” لا يعني خسارة تلقائية في الانتخابات الاميركية

في ازمنة سابقة، كان نقد زعيم “اسرائيلي” علنا كفيل بترك تداعيات سياسية على مستقبل الرئيس الاميركي وخسارته لجولة الانتخابات المقبلة. اما الرئيس اوباما فقد فاز بولاية رئاسية ثانية بجدارة امام مرشح عن الحزب الجمهوري، ميت رومني، تربطه صداقة شخصية متينة بنتنياهو. وتفوق اوباما على رومني آنئذ بالفوز باصوات الولايات التي تقطنها جاليات يهودية كبرى: نيويورك، فلوريدا وبنسلفانيا.

يجدر التوقف امام ظاهرة انتقاد اوباما لبنيامين نتنياهو والفوز باغلبية الاصوات اليهودية في آن معا

عدة عوامل تتحكم بذلك ذات ابعاد سياسية واجتماعية، لعل اهمها التحولات التي أثرت على اصوات الناخبين اليهود والجالية اليهودية بشكل أعم. من المفارقة ان الناخبين المؤيدين “لاسرائيل” يتواجدون بكثافة داخل اوساط الكنائس الانجيلية في الولايات الجنوبية تحديدا الاشد انحيازا “لاسرائيل” مما قد يجده المرء داخل مراكز التجمع والتعبد اليهودية – كما اشار عدد من استطلاعات الرأي في رصد تلك الظاهرة، ابرزها معهد “بيو” الذي افاد ان تطورا ما طرأ على مشاعر “اليهودي الاميركي العادي .. باستثناء اليهود الارثوذكس” من مختلف قضايا الشرق الاوسط.

ومضى الاستطلاع بالقول ان اليهودي الاميركي يعاني ازمة هوية “يهوديته،” واضحى منخرطا في البوتقة الاميريكية بصورة اكبر من انتمائه كيهودي. واضاف استطلاع “بيو” ان نحو 71% من اليهود من غير الارثوذوكس يتزاوجون باقران من غير اليهود، وزهاء 65% منهم لا يلتزمون بالشعائر اليهودية وارتياد الكنس؛ مما يؤشر على تباين واضح في “دعمهم الاعمى لاسرائيل.”

وفيما يتعلق بآراء اليهود الاميركيين من “اسرائيل،” افاد “بيو” ان نحو 61% من اليهود يعتقدون بفعالية حل الدولتين “تعيشان بسلام جنبا الى جنب،” بينما اعرب نحو 54% من اليهود عن اعتقادهم بثبات معدلات الدعم “لاسرائيل” كدولة يهودية؛ وانتقاد زهاء 31% منهم الولايات المتحدة لما يعتقدونه بفتور دعمها “لاسرائيل.” الارقام المشار اليها تشكل صدمة للمشاعر السابقة طيلة عقود متتالية “بالدعم الاعمى واللامحدود لاسرائيل،” والتي شهدت اشبه ما يكون بالتماهي بين السياسات “الاسرائيلية” وتوجهات الغالبية الساحقة من اليهود الاميركيين، والذي من بين مزاياه واعتباراته تحدر غالبية اليهود في اميركا من اصول اوروبية، اواسط وشرق اوروبا بالتحديد، على غرار معظم المستعمرين اليهود في فلسطين المحتلة. يذكر ان عددا لا باس به من يهود اوروبا هاجر الى فلسطين بهدف استعمارها منذ نهاية القرن الثامن عشر، اتوا من اراضي الامبراطورية الروسية القيصرية.

من ضمن العوامل التي ادت الى بعض التحولات الكبرى في العقدين الماضيين تباعد الفجوة بين اليهود السفارديم، الآتين من البلدان العربية، واليهود الاشكناز المهاجرين من دول اوروبية واميركية، وتشدد الاراء في المعسكرين. فالمسألة الدينية والتفسير اللغوي لها ومواكبتها مع متطلبات العصر ساهمت في اتساع الهوة بين الطرفين. فاليهودي الاميركي جنح بعيدا عن الالتزام الثابت بالتقاليد اليهودية القائمة على الانعزال والتشدد، مقابل تزمت وتشدد قادة “اسرائيل” وتمسكهم بحرفية النصوص الدينية. استطلاع معهد “بيو” افاد ان ميل اليهود الاميركيين نحو عدم الايمان والتشكيك بوجود بالخالق بلغ نحو ثلاثة اضعاف ازاء الفرد الاميركي العادي من المسألة عينها.

أثر السرديات التوراتية والاسقاطات الدينية

ثبات نفوذ المتشددين المتدينين من اليهود في الحكومات “الاسرائيلية” المتعاقبة اسهم في ابتعاد العلمانيين من اليهود الاميركيين عن السرديات التوراتية الكلاسيكية، ربما بفضل اسهامات المؤرخ شلومو ساند في كتابه “اختراع الشعب اليهودي،” (اصدار 2010) وكتاباته اللاحقة بذات المغزى ولماذ لم يعد يشعر بيهوديته، سبقه العلماني “اسرائيل شاحاك” في كتاباته الناقدة للاساطير اليهودية وخرافتها؛ وكذلك روجيه غارودي في كراسه “الاساطير المؤسسة للسياسة الاسرائيلية؛ “وتوكيدا على مقولة كارل ماركس في اسهامه “حول المسألة اليهودية،” 1843 ، نقتطف اشهر ما ورد فيه:  “لا يجب أن نبحث عن سر اليهودي في دينه، بل فلنبحث عن سر الدين في اليهودي الواقعي … ما هو الأساس العملي لليهودية؟ المصلحة العملية والمنفعة الشخصية…،” ويضيف الكراس: “المال هو إله إسرائيل المطماع… هذا هو الإله الحقيقي لليهود… وقومية اليهودي الوهمية هي قومية التاجر، قومية رجل المال.”

تيار اليهود العلمانيين اقترب اكثر من سياسة مرنة تبناها بعض اقطاب الحزب الديموقراطي حول مسائل الشرق الاوسط، التي لا تبتعد عن جوهر السياسة الاميركية الثابة واولويتها في حماية “اسرائيل،” واثمر تنظيم مواز للوبي “اسرائيلي” تحت مظلة “جي ستريت،” يدين بالولاء “لاسرائيل،” ويحبذ انتهاج توجهات اكثر حرفية من المتشددين، وفاز بدعم اوساط يهودية معتبرة.

التحول اليهودي نحو الحزب الجمهوري

من خصائص الحزب الديموقراطي ان تراثه التاريخي يضعه في سياق متسامح وعلماني اكبر مقارنة مع خصمه الحزب الجمهوري – مع التأكيد ان الحزبين يتنافسان على تمثيل مصالح ذات الطبقة الرأسمالية بحماس منقطع النظير. ورأى البعض في امتعاض مندوبي مؤتمر الحزب الديموقراطي، 2012 لاعادة ترشيح الرئيس اوباما، من محاولة الزام المؤتمر بنقل السفارة الاميركية من مقرها في تل ابيب الى القدس مؤشرا على نفاذ صبر القاعدة الحزبية من سيطرة الخطاب الموالي “لاسرائيل،” وابتعادا عن روحية انفتاح الحزب – مقارنة بنقيض ذلك داخل اروقة المؤتمر العام للحزب الجمهوري الذي انعقد في فترة زمنية قريبة.

التقرب من كنه المستويات الحالية المؤيدة “لاسرائيل” تشير الى انها تجد ارضيتها الخصبة بين اوساط اليهود الارثوذوكس، لاسباب عقائدية واساطير تلمودية – والذين ربما يميلون الى دعم الحزب الجمهوري بوضوح اكبر؛ وكذلك بين الانجيليين من المسيحيين البروتوستانت الذين يمثلون حجر الرحى في دعم “اسرائيل” على الساحة الاميركية.

 وقد دلت احصائيات معهد “بيو” على توفر نسبة دعم من بين البيض الانجيليين تمثل “ضعف مثيلتها بين اوساط اليهود،” 82% مقابل 40%، سيما لناحية الاعتقاد بأن “الرب منح الارض لاسرائيل.” ويضيف “بيو” ان تلك الارقام تدل ايضا على تدني نسبة الايمان بالخالق بين اوساط اليهود 72%، مقارنة مع ايمان كافة الانجيليين تقريبا بوجود الخالق. واردف المعهد انه فيما يخص اعتقاد البعض بمنح الرب الارض “لاسرائيل،” فان نسبة اليهود متدنية ايضا اذ بلغت 55% مقابل 82% بين اوساط الانجيليين.

وعليه، استنادا الى استطلاعات “بيو” باستطاعة المرء استنتاج تأييد عدد اكبر من الانجيليين البيض البروتوستانت (69%) لسياسة اميركية تحابي “اسرائيل” أعلى من تلك بين اوساط اليهود الاميركيين (54%)

 تداعيات الهجوم على مركز التجارة العالمي، 11 سبتمبر 2001، اسهمت في ميل المزيد من الانجيليين البروتوستانت البيض لتأييد سياسة اميركية مناهضة للعرب والمسلمين، لاعتقادهم ان الاعتداءات التي قيل ان تنظيم القاعدة وراءها كانت اعتداء على الهوية المسيحية بقدر ما كانت اعتداءا على الاراضي والمعالم الاميركية. وعزز خطل هذا الرأي هجمات قام بها متشددون من الجماعات الاسلامية المختلفة ضد المسيحيين في كل من مصر وسورية، مما فسح المجال مجددا “لاسرائيل” استغلال تلك الفجوة لصالحها وتعزيز اواصرها بمجموع المسيحيين الانجيليين.

ولاء الحزام الانجيلي اقوى

 في المستوى السياسي، يتم ترجمة وتجسيد تلك المشاعر الى تأييد وجهة نظر “اسرائيل” دون مناقشة في اغلب الاحيان، سيما وان غالبية الانجيليين يظهرون نظرة اخف تفاؤلا من اليهود فيما يتعلق بآفاق التسوية السياسية للقضية الفلسطينية. واعربت اقلية من الانجيليين البيض، 42%، عن اعتقادها بقيام تعاون ما بين دولة فلسطينية و”اسرائيل،” مقابل اعتراض 50% منهم؛ ودعم نحو 61% من اليهود لحل الدولتين.

 تلك الارهاصات والتحولات الاجتماعية لم تغب عن اهتمامات القيادات “الاسرائيلية،” يجسدها الحفاوة النسبية التي يتلقاها بنيامين نتنياهو في ترحاله اينما حل على الولايات المتحدة وتصدر شبكة البث المسيحية للتلفزيون لاجراء مقابلات معه، مما يوفر له منصة لمخاطبة قاعدة مؤيديه من الانجيليين. يضاف الى ذلك عامل نشأته في الولايات المتحدة واتقانه مخاطبتها بسلاسة والتواصل مع القيم والعادات الاجتماعية السائدة.

 في المحصلة العامة، يمكننا القول ان تحولا قد طرأ على المشهد السياسي الاميركي نحو “اسرائيل.” في السابق رافق المواقف السياسية العلنية المؤيدة “لاسرائيل” امتيازات سياسية لا سيما في ولايات اساسية: نيويورك، فلوريدا، بنسلفانيا، نيوجيرسي وولايات اخرى في الساحل الشرقي. في المقابل، حظيت تلك المواقف المؤيدة “لاسرائيل” بدعم وتأييد القاعدة الانتخابية في ولايات الوسط الشمالي الزراعية والولايات الجنوبية، معقل العنصرية سابقا والنفوذ الانجيلي راهنا.

 هذا لا يعني بالضرورة ان سياسة تأييد الانجيليين البيض “لاسرائيل” هي ملاصقة للسياسات “الاسرائيلية،” بقدر ما كانت توجهات اليهود الاميركيين السياسية مرتبطة بالسياسة “الاسرائيلية” او ارتباط سياسة الحزب الديموقراطي بالسياسة الاسرائيلية. ما ينطوي على هذا التحول هو الاقرار بان النظرة الخارجية للسياسة الاميركية ينبغي عليها ادراك نقاط التقاطع والاختلاف بين القضايا التي تهم الانجيليين المسيحيين والسياسة “الاسرائيلية.”

 

2013-11-22 التقرير الأسبوعي

مراكز الأبحاث الاميركية
نشرة دورية تصدر عن مرصد مراكز الابحاث
مركز الدراسات الأميركية والعربية

11/22/2013

22 /تشرين الثاني/‏ 2013

المقدمة:

الملف النووي الايراني وجولة المفاوضات المعقودة في جنيف شكلا ابرز القضايا ذات الاهتمام لمراكز الابحاث الاميركية، والتي وجدت فيها فرصة ملائمة للاتكاء عليها والاشارة الى تباين وجهات النظر داخل طاقم الادارة الاميركية حول كيفية ادارتها واستثمارها داخليا.

سيستعرض قسم التحليل المرفق حيثيات وتبلور آفاق السياسة الخارجية الاميركية، لا سيما ما اضحى يتم تداوله في العلن من تباين الرؤى بين طاقمي وزارة الخارجية والبيت الابيض ممثلا بمجلس الأمن القومي؛ واللاعبين الاساسيين في كل منهما؛ والابعاد الشخصية التي تضفي بعدا ماثلا في صيغة القرار النهائية.

ملخص دراسات ونشاطات مراكز الابحاث

توتر العلاقات الاميركية مع حلفائها

لفت معهد بروكينغز النظر الى التوتر في العلاقة الاميركية مع معظم حلفائها، حسب وصفه، نتيجة سياساتها الشرق اوسطية، لا سيما مع بوادر انفتاحها على ايران. وقال في توصيفه ان “الحلفاء في مرتبة الحموات، من العسير المحافظة على رضاهم لأمد طويل.” وحذر في الوقت عينه من الاخفاق في طلب ودهم “سيما وان تعرضت الولايات المتحدة الى ضيق، فلن يقف الى جانبها الا اصدقائها.” ونبهت الرئيس اوباما الى “عدم الاستهانة بالحلفاء وتهميش دورهم، خشية اكتشافه وحيدا في عالم لا يعرف الرحمة والتسامح.”

حث مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية صناع القرار على ولوج “توجه جديد” للتفاعل مع الراي العام في الدول الاسلامية، يستند الى سلسلة قضايا “تبدأ بالنظرة الاستراتيجية الاشمل؛ وتتعلق القضايا المتبقية بالتطبيقات العملية للسياسة العامة .. وينبغي عليها بلورة اهدافها .. والتاثير على بلورة التوجهات في المنطقة لخفض الدعم للمجموعات المتطرفة ..”

في سياق متصل، حذر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الولايات المتحدة من اهمال اولوية “مهامها الدولية الحساسة في حماية تدفق النفط للاسواق العالمية” من منطقة الخليج العربي، وعدم الركون الى التقديرات الراهنة بقرب اكتفائها ذاتيا في مصادر الطاقة الناجمة عن الاكتشافات الجديد من الوقود الصخري. واضاف، ان مهمتها تمتد ايضا الى “ضمان عدم حلول اي قوية دولية اخرى مثل الصين مكانها” في حماية الامدادت العالمية

المفاوضات بين السلطة و”اسرائيل”

حذر معهد صندوق جيرمان مارشال من “فشل محتوم” لجولة المفاوضات الجارية سيما وان الولايات المتحدة “تدفع الطرفين الى ولوج المرحلة النهائية” للتفاوض الموسومة بعدم التغلب على العقبات القائمة. واضاف، انه “منذ العام 2007 لم يتم اي تغيير يذكر على تعديل الشروط للتوصل الى اتفاق .. وبصرف النظر عن ذلك، فان اي جهد يبذل لتنشيط مسار المفاوضات السلمية مرحب به،” وينبغي التعويل على الدور الاميركي لتحقيق اي تقدم بين الطرفين.

المغرب

بالتزامن مع زيارة العاهل المغربي، محمد السادس، الرسمية لواشنطن، 22 تشرين الثاني، اشاد معهد ابحاث السياسة الخارجية “برؤية الملك للاسلام كحاضنة للتنوع الثقافي والديني والعرقي .. يبنى عليه كنموذج للتسامح في العالم العربي .. سيما وان القانون المغربي يضمن المساواة في الحقوق للاقلية من مواطنيه اليهود .. ويقوم الملك بدور مباشر في انتقاد المنكرين للمحرقة ويحث رعاياه على احياء ذكراها – فضلا عن دور بلاده التاريخي ككقناة خلفية لتسوية النزاع العربي – الاسرائيلي ودعمه المباشر لحل الدولتين.”

ايران

رحب معهد ويلسون بحذر بزيارة رئيس الوكالة الدولية للطاقة النووية، يوكيا امانو، لايران كفاتحة “مسار استئناف جهود التفتيش” على المنشآت النووية الايرانية؛ معتبرا الزيارة بادرة أمل للوكالة “واختراق لجدار الاقصاء” لدورها .. والتي لا ينبغي ان تكون الاخيرة في نهاية المطاف.”

جدد معهد واشنطن معارضته “للبرنامج النووي الايراني .. الذي لا يمت الا بالقليل للتطبيقات السلمية للطاقة النووية .. سيما وان ايران استثمرت القليل من مواردها في البنية التحتية المطلوبة للمضي في برنامج للطاقة النووية،” موضحا ان البرنامج له ابعاد اخرى تتعلق “لمكانة ايران الدولية ..”

تخفيض ترسانة الصواريخ العابرة للقارات

حذرت مؤسسة هاريتاج الادارة الاميركية من المضي في سياستها “لخفض مخزونها من الصواريخ الباليستسة العابرة للقارات .. سيما وانها الاوفر كلفة وسريعة الانطلاق لاهدافها” مقارنة مع المكوناتها الثلاثية لمخزون الترسانة النووية: القاذفات الاستراتيجية، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والصواريخ الباليستية المحملة على الغواصات. واضافت ان الترسانة الاميركية من الصواريخ الباليستية، البالغ تعدادها نحو 450 رأس نووي “منتشرة على رقعة واسعة، وعرضة لاستهداف اسلحة نووية اصغر حجما تتوفر لدول ناشئة.”

التحليل:

ماذا يجري داخل مجلس الأمن القومي الاميركي: كيري يخطف الاضواء والمواقف من فريق الأمن القومي

برز الى العلن مؤخرا تباين في وجهات النظر داخل فريق اوباما الرئاسي على خلفية وجهة السياسة الخارجية الاميركية نحو مصر، اعتبرها البعض انها تشكل انعطافا في السياسة الرسمية ليمضي ويبني عليها فرضيات مفرطة في التفاؤل، سيما وان وزير الخارجية وصف تنظيم الاخوان المسلمين بانه “سرق الثورة المصرية” من اصحابها الحقيقيين.

بداية، تباين وجهات النظر بين فريقي وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي ليس جديدا او مقصورا على الادارة الراهنة، ولا ينبغي النظر الى جزئية محددة في مجمل الاستراتيجية تناسب بعض الاطراف لتمعن في تعميم الظاهر من الخلاف واسقاطه على السياسة الخارجية برمتها.

الشق الآخر والابلغ أهمية يكمن في تلمس الاستراتيجية الاميركية وجهتها وتحديد معالمها في مرحلة اعادة اصطفافها وترتيب انكفاءاتها من المسرح الدولي باقل الخسائر الممكنة. لعل المرء يجد ادق تعبير عن ذلك في ذات الخطاب الذي القاه وزير الخارجية، جون كيري، مطلع الاسبوع المنصرم امام مؤتمر لمنظمة الدول الاميركية، والذي ركز على “رغبة الولايات المتحدة في اعادة انخراطها” في الاميركيتين في الظرف الراهن؛ من جانب، ومن جانب آخر اكد كيري على “نهاية عصر مبدأ مونرو،” الذي صاغه الرئيس الاسبق جيمس مونرو نهاية عام 1823، يجرّم فيه الدول الاوروبية لتدخلها في شؤون “الاميركيتين.”

بعبارة اخرى، منحت الولايات المتحدة لنفسها احتكار السيطرة على شعوب القارتين في ظل ظروف تراجع وافول نجم الاستعمارين الاسباني والبرتغالي في اميركا الجنوبية (اللاتينية)؛ بل في ظرف شارفت مستعمراتهما السابقة على نيل استقلالها من نير احتلاليهما. تشير الوثائق التاريخية الثابتة لذاك العصر الى “تواطؤ الولايات المتحدة وبريطانيا لاقصاء الدول الاوبية الاخرى من التوغل في القارة الجنوبية.” الاعتقاد الرائج بين شعوب القارة اللاتينية يفيد بأن “مبدأ مونرو” وضع حجر الاساس لهيمنة الولايات المتحدة على شعوب القارة، تارة تحت عنوان “حماية الدول الصغرى،” واخرى بالاخضاع المباشر كما تشهد عليه الحرب الاميركية على المكسيك واحتلال كوبا ونيكاراغوا مع مطلع القرن العشرين، ومساندتها لتفتيت كولومبيا وانسلاخ بنما عنها، فضلا عن ادارتها ورعايتها للانقلابات العسكرية المتعددة.

في هذا السياق، ينبغي النظر الى تصريح وزير الخارجية جون كيري الواعد “بالاقلاع عن مبدأ مونرو” للتدخل. باستثناء الولايات المتحدة فالدول الاخرى لا شأن لها في التدخل المباشر وغير المباشر للسيطرة على شعوب وموارد القارة الجنوبية. وعليه، فان تصريح كيري لا يعدو كونه وعدا زائفا لا يلبي طموحات شعوب القارة، التي تعاني بشدة من فرض الولايات المتحدة على حكوماتها الطيعة تسخير موارد بلدانها لخدمة اهداف السياسة الاميركية، بدل استثمارها في النمو والازدهار الاقتصادي، تحت عناوين متعددة: مكافحة المخدرات ومواجهة موجات الهجرة الجماعية الناجمة عن تضاؤل الفرص الاقتصادية بسبب اختلال ميزان توزيع الثروة.

فيما يخص السياسة الاميركية نحو مصر، نطق جون كيري بتسعة عشر كلمة اعتبرها البعض اقلاعا وربما تحديا “لتوجيهات” مجلس الأمن القومي برئاسة سوزان رايس التي حثت كيري على التشدد في التعامل مع القيادة الجديدة في مصر وطرح مستقبل الرئيس المعزول محمد مرسي ومحاكمته على بساط البحث؛ وتجاهل كيري للأمرين معا وذهابه بعكس ما كان متوقعا له. في حمأة التصريحات والتصريحات المضادة، تراجع أهمية أمر التطور الاوسع والاشمل: انفتاح مصر وروسيا على بعضهما البعض توجت بزيارة تاريخية لوزيري الدفاع والخارجية على رأس وفد كبير بيده سلطة اتخاذ قراراته على الفور، وما يمثله ذلك من توجهات استقلالية، او اكثر استقلالية بشكل ادق، لمصر بعد ثورة 30 يونيو/تموز، بل تخفيف غول الاعتماد الحصري على الولايات المتحدة.

ما قاله كيري ضمن سياق اشمل لمعالم السياسة الخارجية الاميركية هو “.. وعندئذ تم سرقتها (الثورة) على يد المجموعة الوحيدة الافضل تنظيما في البلاد، التي كانت الاخوان.” اقرار كيري المتأخر زمنيا جاء في اعقاب اخفاق المحاولات الاميركية المتكررة للنيل من القيادة الجديدة في مصر واعادة عقارب الساعة الى الوراء لصالح الاخوان المسلمين. واستخدمت اميركا سلاح العصا منذ اللحظة الاولى، حتى السيناتور المعادي للحقوق العربية جون ماكين وتوأمه السياسي ليندسي غراهام اطلقا تصريحات في القاهرة تطالب بعودة الرئيس المعزول. بعض الردود المصرية جاءت على لسان صحيفة الاهرام شبه الرسمية التي اشارت الى “تواطؤ الحكومة الاميركية مع تنظيم الاخوان ومرسي لتقسيم البلاد وتشظيها الى محميات صغيرة متناثرة،” وكذلك الى العلاقات التاريخية التي تربط الاخوان كوكيل محلي لتنفيذ الاجندات الغربية. وعليه، فان اقرار كيري بواقع مسلم به لا يشي بتغيير جوهري في مجمل السياسة الاميركية، بل سعي لضبط الايقاعات وتخفيف الاعباء والاضرار التي لحقت وقد تلحق بالمصالح الاميركية في مصر والمنطقة.

خروج كيري عن النص المعد له في اروقة مجلس الأمن القومي لا شك اغضب رئيسة المجلس المستشارة سوزان رايس التي تحظى بعلاقة وطيدة وثقة كبيرة من الرئيس اوباما، وتدل في الجانب الآخر على حرص اوباما اطلاق يد وزير خارجيته في بعض الملفات الاقليمية عملا بأولوية الديبلوماسية عن المواجهة العسكرية غير المضمونة الآفاق والنتائج. مجلس الأمن القومي يحتكم الى التوازنات والاصطفافات الداخلية ويميل عادة الى النهج المتشدد، كما شهدت على ذلك الادارات الرئاسية المتعاقبة. وليست هي المرة الاولى التي ينتصر فيها الرئيس الاميركي لصالح فريق على آخر، وفق ما يرتئيه من ميول سياسية واعتبارات داخلية تعزز اجندته.

من اسطع الامثلة على ذلك دور هنري كيسنجر كرئيس لمجلس الأمن القومي في عهد الرئيس الاسبق نيكسون، ومن ثم توليه رئاسة وزارة الخارجية ايضا، ومفاضلته موقعه اينما حل على الاعتبارات المهنية: تغليب وجهة نظر مجلس الأمن القومي في البداية، واستبعاد دور وزارة الخارجية في صياغة السياسة الاميركية، ومن ثم انتقل مركز الثقل الى وزارة الخارجية عند انتقال كيسنجر اليها.

اما الرئيس اوباما فقد ارجأ دور وزارة الخارجية الى المرتبة الثانية في ولايته الرئاسية الاولى واستنبط عددا من المناصب الموازية لدور وزير الخارجية (كلينتون) لادارة ملفات محددة – اي تهميش دور الخارجية لصالح فريقه الجديد المنتقى بعناية. يذكر ان جون كيري لم يكن المرشح الأول لاوباما في ادارة دفة وزارة الخارجية اذ روج لسوزان رايس، سفيرته في الامم المتحدة، لتولي المنصب لحين مواجهتها معارضة شديدة داخل مجلس الشيوخ على خلفية تصريحاتها “المغايرة” لوقائع ما جرى في حادثة الهجوم على البعثة الديبلوماسية الاميركية في بنغازي.
كيري في وزارة الخارجية

من خصائص جون كيري قاعدته السياسية العريضة بحكم خدمته الطويلة في مجلس الشيوخ عن ولاية ماساتشوستس، وخوضه غمار الانتخابات الرئاسية عام 2004، وتراكم رصيده السياسي على ضوء ذلك. ويدرك جيدا ان باستطاعته العودة متى يشاء الى ولايته ودخول الانتخابات لاستعادة منصبه كممثل عنها في مجلس الشيوخ، فضلا عن الكلفة السياسية العالية للرئيس اوباما ان قرر معاقبته على خلفية تضاد الاراء بينهما.

كما يعي الطرفين، اوباما وكيري، ان اي تصعيد للخلافات بينهما سيعود سلبا على الرئيس اوباما نظرا لحتمية دخول مجلس الشيوخ على المسالة وعقد جلسات استماع لزميلهم السابق الذي سيعتبر انه لحقه الاذى من الرئيس – لو تم ذلك. تضاؤل شعبية الرئيس اوباما بالتساوق مع تعثر برامجه داخل مجلسي الكونغرس تصب في خدمة الطرف الآخر، ويعطي كيري حافزا افضل ومجال مناورة اكبر في تخطي املاءات البيت الابيض استنادا الى قاعدة دعم لا بأس بها بين زملائه اعضاء الكونغرس بمجلسيه.

فريق السياسة الخارجية في البيت الابيض

يتردد ان مستشارة الرئيس، فاليري جاريت، تستحوذ على درجة عالية من ثقة الرئيس اوباما وتتمتع بصلاحيات واسعة تؤثر في صياغة السياسة الخارجية الاميركية، حتى ان البعض اطلق عليها “راسبوتين اوباما،” بل ان رئيس مكتب موظفي البيت الابيض السابق، رام عمانويل، تشاحن معها مرات عدة وشبهها بعدي صدام حسين لما لها من نفوذ واسع.

يذكر ان صداقة جاريت مع الرئيس اوباما وعقيلته تعود الى نحو عقدين من الزمن، قبل صعود نجمه السياسي. وفي مجال توصيف اوباما لها اعتبرها بمثابة “احدى شقيقاته .. جديرة بثقته التامة.” على ضوء تلك الخلفية، تتمتع جاريت بميزة “الوصول غير المقيد او المحدود، هو اشبه بالتصوف” طلبا للرئيس اوباما متى شاءت.

يذكر ان جاريت ولدت في شيراز بايران، عام 1956، لابويين غربيين من عرق مختلط، ابيض واسود، كما هي خلفية الرئيس اوباما، مما دفع البعض اتهامها بالتحيز لصالح ايران وانتهاج رؤية لينة وناعمة في مسألة برنامجها النووي. تتربع جاريت على رأس طاقم كبير من موظفي البيت الابيض يناهز 30 فردا، وتشرف على اتخاذ قرارات بعدد من المسائل التي تخص آلية عمل البيت الابيض: تحديد قائمة المدعويين لعشاء البيت الابيض، واختيار الهدايا المقدمة للزعماء الاجانب، واستعراض المرشحين لمنصب في المحكمة العليا، وتعيين شخصية بمرتبة سفير في موقع شاغر، وتحديد المستحقين لنيل وسام الحرية الرئاسي. وعليه، فان سلطتها طاغية تغيب خصومها بسرعة وتبقي الموالين لها. يعتقد ان السر وراء بقاء وزيرة الخدمات الانسانية، كاثلين سيبيلياس، في منصبها هو بسبب علاقتها الحميمية مع جاريت، على خلفية اخفاقات وزارتها في ادارة برنامج الرعاية الصحية الشامل وما رافقه من تداعيات ادت لايقاف العمل به مؤقتا.

كما لجاريت الفضل في بقاء سوزان رايس وسمانثا باور، سفيرة الولايات المتحدة في الهيئة الدولية، في منصبهن وتعزيز دورهن داخل طاقم البيت الابيض للسياسة الخارجية، وضمان ولائهن المباشر للرئيس اوباما بخلاف وزير الخارجية جون كيري الذي يستند الى قاعدة دعم واسعة من خارج اسوار البيت الابيض. في صياغة السياسة الخارجية، تتشاطر رؤيتي رايس وباور مما يضفي بعدا جديدا على التباينات الموسمية بين البيت الابيض وطاقم وزارة الخارجية.

لسوزان رايس وجون كيري اسلوبهما المستقل عن الآخر، سيما وان تجربة كيري الطويلة في اروقة الكونغرس استندت الى التوصل لارضية مشتركة مع الاطراف الاخرى والاستئناس والتآلف معها، والتحلي بالكياسة الديبلوماسية. اما رايس فتشتهر بشخصية صدامية مع الآخرين دون اعتبار لمواقعهم، منهم على سبيل المثال مشاحنتها مع المبعوث الرئاسي الخاص للسودان سكوت غريشن. بل تتميز “رايس بمزاج حاد بحاجة الى ترويض،” كما وصفها رئيس مجلس العلاقات الخارجية المرموق، ليسلي غيلب. واضاف انها “سريعة الانفعال واطلاق الاحكام، مما يترتب عليها التمترس خلف مواقفها. ويتعين عليها العد للمئة – بل للألف – قبل توصلها لقرار معين، وفي ذات الوقت يتعين عليها الاصغاء بعناية الى اراء الآخرين.”

بالنسبة للرئيس اوباما فان سوزان رايس شديدة الولاء له، اذ كانت خياره الأول لمنصب مستشار الشؤون السياسية منذ حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2008، فضلا عن علاقتها الحميمية الخاصة مع اوباما وعقيلته ميشيل. لذا يمكن اعتبار رايس من ضمن الدائرة الخاصة بالرئيس اوباما، تحظى بصداقة شخصية معه – وليس لامتلاكها خبرات بارزة في مجال السياسة الخارجية. خلال فترة خدمتها في منصب سفير الولايات المتحدة في الهيئة الدولية حافظت على متانة علاقتها مع الرئيس، واستطاعت ان تمضي فترات زمنية في واشنطن بالقرب منه اطول من اسلافها السابقين.

كانت رايس المرجعية الاعلامية الاولى ابان حادث الاعتداء على البعثة الديبلوماسية الاميركية في بنغازي مما جر عليها متاعب جمة نالت من مصداقيتها لاصرارها على ان الحادث نجم عن احتجاجات تلقائية وعفوية تعبيرا عن الغضب الشعبي لشريط الفيديو المعادي للمسلمين. ورأى فيها خصوم الرئيس ذريعة سهلة للنيل منه، مما دفعه لسحب ترشيحه لها لمنصب وزير الخارجية – مما يقتضي موافقة مجلس الشيوخ بعد جلسات استجواب قاسية تنكأ الجراح. وتوصل الرئيس الى عرض منصب مستشار الأمن القومي عليها، والذي لا يشترط موافقة مجلس الشيوخ.

في ظل ادارة الرئيس اوباما، تعاظم دور مجلس الأمن القومي في ملف السياسة الخارجية على حساب طاقم وزارة الخارجية، مما دفع البعض الى توصيفها “بتركيز القوة بين يديها – اي ان كافة القضايا تمر عبر قناة مجلس الأمن القومي.”

وينظر الى سجل وزير الخارجية جون كيري انه يتحلى بالواقعية والبراغماتية، مقارنة بسوزان رايس الاداة الوفية للرئيس اوباما وترجمة رؤيته عبر تطبيقات السياسة الخارجية للولايات المتحدة. اذ وصفتها صحيفة نيويورك تايمز بأن تعيين رايس في رئاسة مجلس الأمن القومي “يلوح بدخول طاقم يتحلى بالمثالية واستخدام القوة العضلية لبلورة السياسة الخارجية لاوباما.”

كما لا يجوز اغفال الدور المحوري الذي تلعبه سمانثا باور، المندوب الاميركي الدائم في الأمم المتحدة، في التاثير على صياغة القرارات للحلقة الضيقة المحيطة بالرئيس اوباما، سيما وان اسهاماتها المنشورة ادت الى نيلها جائزة بوليتزر عام 2003، مما يضفي عنصر “المصالح الانسانية” في بلورة المصالح الاستراتيجية الاميركية، الأمر الذي تجلى بوضوح في الخطاب السياسي الاميركي خلال احداث ما اطلق عليه “الربيع العربي.”

باور لعبت ايضا دورا محوريا في صياغة سياسة الادارة الاميركية نحو سورية، ولم يؤثر عليها تغيبها عن حضور جلسة خاصة للأمم المتحدة حول الاسلحة الكيميائية السورية، في شهر آب المنصرم، بسبب غيابها لزيارة عائلية خاصة في ايرلندا، موطنها الاصلي. دلالة الأمر ان باور معنية بالبعد الايديولوجي في السياسة على حساب الواقعية السياسية وما تتطلبه من توازنات وتحالفات على الطريق، ويضعها على تعارض مع متطلبات مهمتها الاممية لحشد الدعم الدولي لصالح وجهة النظر الاميركية.

يمكننا القول ان خطاب الرئيس اوباما الاخير حول سورية، قبل نحو شهرين، طغى عليه رؤية واراء السيدة باور السياسية، سيما وان الشطر الاساسي فيه استند الى تحقيق اهداف انسانية، مقابل اشارة عابرة وغير مؤثرة للتهديدات التي تواجهها المصالح الاميركية في المنطقة. المحور الاساسي في اراء السيدة باور يدور حول ادراكها “لامتناع صناع السياسة الخارجية الاميركية عن المغامرة” لتحقيق اهداف انسانية، ومحاسبة نقدية للزعماء الاميركيين لتخليهم عن “ضخ مزيد من الامكانيات لصالح القوات المسلحة” الضرورية لدرء وقوع مزيد من المجازر. واوضحت في ادبياتها ان المسؤولين الاميركيين عادة ما “يهولون من عقم وضلالة وتهور اي تدخل مقترح.”

من المفارقة ان سوزان باور عارضت التدخل العسكري في سورية ومنطقة الشرق الاوسط، على الرغم من اسهاماتها الادبية المؤيدة لنقيض ذلك عبر ما تسميه “التدخل الانساني،” موضحة ان هناك “عدد من المصالح التي ينبغي اخذها بعين الاعتبار،” اذ من شأن استخدام العامل العسكري في المنطقة التاثير على اسعار النفط ومن ثم على مجمل الاقتصاد الاميركي. وقالت “ليس من بيننا ما قد يدعي اننا في الادارة اسرى لقضية منفردة.”
تباينات السياسة الخارجية بين البيت الابيض ووزارة الخارجية

من الثابت ان الارضية الفلسفية لتباين الاراء بين الفريقين قد طبعت السياسة الخارجية في عهد الرئيس اوباما، اسوة بالادارات السابقة. اذ بذل جون كيري جهودا ثابتة في بداية تسلمه مهام منصبه لترميم العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا، والبناء عليها كمنصة انطلاق للبحث عن حلول سياسية لمسالة لملف النووي الايراني والحرب الدائرة في سورية. واستند كيري الى العلاقة المتبلورة بينه وبين نظيره الروسي، سيرغي لافروف، واستغلالها للتوصل الى تفاهمات حول عدد من القضايا بين البلدين. بالمقابل، فان سوزان رايس تبادلت الاتهامات العلنية مع نظيرها الممثل الروسي في الامم المتحدة على خلفية ذات القضايا الخلافية.

فيما يخص الملف السوري، نقل المقربون من سوزان رايس انها في اللقاءات الداخلية ايدت انشاء منطقة حظر للطيران فوق الاجواء السورية، واعربت عن خشيتها من تسليح القوى المصنفة ليبرالية داخل المعارضة السورية. وعليه، فانها لا تثق الا باستخدام القوة العسكرية الاميركية لتحقيق الاهداف المرجوة.

كيري بالمقابل، بذل جهودا طويلة مع الجانب الروسي بغية التوصل لحل سياسي دولي للأزمة السورية، مرتكزا الى حد كبير للعلاقة الوثيقة التي ترعرت بينه وبين نظيره الروسي، واقصاء الخيار العسكري مرحليا على الاقل.

التغيرات المتسارعة في مصر شكلت ارضية خلافية بين فريقي الخارجية ومجلس الأمن القومي، ولم تكن وليدة لحظة بروزها الى السطح مؤخرا، بل ثمرة تباين وخلاف في وجهتي النظر وأحقية دور كل منهما في رسم السياسة الخارجية في المنطقة. عمدت الادارة الى اجراء مراجعة شاملة لعلاقاتها مع مصر، وتبين ان كلا من وزيري الدفاع والخارجية بذلا جهودهما للابقاء على برامج الدعم القائمة لمصر، بينما اصرت سوزان رايس على تعليق معظم المساعدات العسكرية الاميركية لحين تلمس تحقيق الحكومة المصرية تقدما في الوفاء بوعودها لتطبيق خطة الطريق المقترحة، ورغبتها في اقصاء القوات المسلحة عن دورها في السياسة المصرية.

ووصف احد المقربين من الادارة الاميركية حالة الانقسام بشأن مصر ان “هناك خلافات حقيقية تتمحور حول هوية التوجه بشأن مصر بين سوزان رايس وجون كيري .. ولم نكن لنشهد اي تعليق للمساعدات المقررة لو كان الأمر بيد جون كيري وتشاك هيغل” وزير اللدفاع.

كما ان طبيعة تكوين الطاقم الرئاسي لاوباما، الذي يضع مسألة الولاء على راس الاولويات، ساهم في تراجع تعدد الاراء داخل الدائرة الضيقة له. ويشار الى خروج ثلاثة من اهم صقور الحرب من الولاية الرئاسية الثانية: هيلاري كلينتون وروبرت غيتس وديفيد بيترايوس، مما ضيق هامش تباين وتعدد الاراء. ويسجل لجون كيري انه ربما الشخصية الوحيدة داخل الادارة لديها الحنكة والعزم السياسي لطرح وجهة نظر مغايرة للثلاثي الموالي للرئيس: فاليري جاريت وسوزان رايس وسمانثا باور.

سياسة الادارة نحو مصر تجلت في ارسال اشارات متناقضة للمسؤولين المصريين نتيجة تعدد الاراء وعدم انسجامها في لحظات محددة، ادت الى حيرة الجانب المصري في كيفية صياغة الرد المناسب على الاجراءات الاميركية الاخيرة. ومنها على سبيل المثال، تخلف الادارة عن تحديد ما تراه مطلوب من مصر اتخاذه بغية استعادة المساعدات المعلقة، ولو جزئيا، حسبما اوضحت مصادر الحكومة المصرية.

للتذكير، فان خلفية سمانثا باور هي في المجال الفلسفي النظري تروج للاعتبارات الانسانية في صياغة السياسات عوضا عن النظر بمنظار المصالح الاستراتيجية؛ وسوزان رايس هي الاداة التنفيذية لتلك الرؤى عبر موقعها الحساس في رئاسة مجلس الأمن القومي. اما فاليري جاريت، المحامية بالمهنة، فتوفر الغطاء السياسي للتوجهات باستغلال علاقاتها الوثيقة مع الرئيس اوباما للفوز بموافقته على توصياتها، وامتدادا تحييد وجهات النظر المغايرة.

مصالح الدول مهما بلغ شأنها ومقامها تأخذ في الاعتبار الابعاد الاستراتيجية لتحقيق اهدافها بعيدة المدى، غير مقيدة بفريق سياسي معين في السلطة، مما يضع فريق وزير الخارجية جون كيري في عين العاصفة يراكم انجازاته ويبنى عليها للفريق المقبل بعد انتهاء ولاية الرئيس اوباما. اما السياسات المبنية على تحقيق اهداف آنية تعود بنتائج سريعة، باستغلال البعد والاعتبارات الانسانية، فمن شأنها ترجيح كفة الثلاثي المذكور عند الرئيس اوباما وتسخيرها في خدمة خطابه السياسي في مواجهة خصومه الكثر.

2013-11-15 التقرير الأسبوعي

مراكز الأبحاث الاميركية
نشرة دورية تصدر عن مرصد مراكز الابحاث
مركز الدراسات الأميركية والعربية

11/15/2013

15 /تشرين الثاني/‏ 2013

المقدمة:

ابرز العناوين ومواضيع البحث لمراكز الابحاث تناولت المفاوضات النووية مع ايران وزيارة وزير الخارجية الاميركية لبعض دول المنطقة، وزيارة الوفد الروسي الموسع لمصر.

سيستعرض قسم التحليل حيثيات زيارة الوفد الرسمي الروسي وما رافقه من حيثيات وصفقة تسليح لمصر، وما اعتبره البعض بانها تشكل استدارة وتحولا في السياسة المصرية بعيدا عن ارتباطها بالولايات المتحدة، الأمر الذي تدحضه الحقائق العلمية والوقائع العملية، سيما وان الطرف المصري اكد مرارا ان تحسن علاقاته مع روسيا لن تفضي الى استبدال دور دولة بأخرى، بل لتعزيز الخيارات المتاحة للسياسة المصرية.

كما سيتناول التحليل احتياجات مصر التسليحية التي تعاني من فجوة كبيرة في نظم سلاح الدفاعات الجوية التي من المرجح ان يتم الاتفاق بشانها مع مصر، وتشمل طائرات مقاتلة روسية حديثة من طراز ميغ-29، وما ستتركة الاتفاقية من انعكاسات ايجابية على الاقتصاد الروسي وصناعته التسليحية بعد توفر مصادر تمويلية اضافية تعد بتخفيض كلفة انتاج الطائرات المقاتلة ومنافستها المالية لمثيلاتها في الترسانة الغربية. تمويل الصفقة المصرية، على الارجح، سيتم من مصادر سعودية او دولة الامارات، او الاثنتين معا، لاسباب تخصهما وحدهما كتعبير عن مدى الامتعاض من التقارب الاميركي الروسي وكذلك مع ايران.

ملخص دراسات ونشاطات مراكز الابحاث

عقبات تعترض السياسة الاميركية

تناول مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS التحولات الدولية وما ينبغي ان يسلكه مسار السياسة الخارجية الاميركية في الشرق الاوسط. وحث صناع القرار السياسي على “توخي التأني والصبر الاستراتيجي والمضي بالجهود الراهنة قدما للعقد المقبل من الزمن على الاقل. اذ يتعين تقبل حتمية الانتكاسات الكبرى، وتحمل كلفتها، ومواصلة المسار مرة تلو اخرى .. فالعصر الراهن سيشهد تحولات بطيئة تستدعي اشراك الحلفاء والمؤسسات الدولية .. وجاهزية لقبول التعقيدات المترتبة بانها لا تتساوق دوما مع القيم الاميركية ..”

مصر

زيارة الوفد الروسي رفيع المستوى الى مصر اثار قلق الدوائر السياسية الاميركية خشية عودة روسيا بقوة الى المنطقة، ولفت ومركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS النظر الى نقيض المعادلة بالقول ان “الزعماء الاقليميين لا يصطفون طلبا للقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين .. بل ان العلاقات الروسية ساءت مع السعودية وتركيا ومعظم دول الخليج العربي منذ بدء احداث الربيع العربي في كانون الثاني 2011.”

في نطاق متصل، حث مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الادارة الاميركية اجراء مراجعة لسياستها مع مصر والتي “كانت نواة توترها طبيعة العلاقة الاتكالية بينهما .. بعد فوز الغرب في الحرب الباردة واعادة صياغته لمسألة الصراع العربي-الاسرائيلي .. واتكال المصريين على برنامج المساعدات الاميركية بأنه حق لهم.” وسريعا بدأت الانتقادات المصرية تعلو لبرنامج المساعدات بأنه “ثمة مساعدات تذهب للشركات والموردين الاميركيين .. وصيغة من الضمان الاجتماعي لها على حساب الشعب المصري.”

ايران

المفاوضات النووية مع ايران ستفضي بالضرورة الى تخفيف نظام العقوبات الاقتصادية المفروض عليها، مما اثار غضب معهد المشروع الاميركي American Enterprise Institute، توجه بالادلاء بشهادة امام لجنة العلاقات الخارجية التابعة لمجلس النواب. وجاء فيها انه “بفضل نظام العقوبات تنادت ايران لطاولة المفاوضات .. وينبغي تشديد الاجراءات لحثها على التفاوض الجاد.” ووجه المعهد نقده لسياسة الادارة الاميركية سيما وان “التنازلات المرتقبة من العسير سحبها من التداول.”

افاق التوصل الى اتفاقية بشأن الملف النووي اثارت الذعر ايضا لدى معهد واشنطن Washington Institute محذرا “انها لن تضع حدا للعقبة الراهنة .. سيما وان الجانب الايراني يعتقد ان الولايات المتحدة حريصة طل الحرص على تفادي استخدام القوة واضحت رهينة الرأي العام (المناهض للحرب) مما يدفعها للقبول باي صيغة” تلبي ذلك. وطالب صناع القرار التشدد مجددا نحو ايران “ومطالبتها بخفض نوعي لعدد اجهزة الطرد المركزي، وشحن كامل مخزونها من اليوانيوم المخصب الى الخارج، وتحويل معمل انتاج المياه الثقيلة الى انتاج مياه خفيفة ..”
مستقبل الاحزاب السياسية

اعرب معهد كارنيغي Carnegie Endowment عن امتعاضه من صدقية الاحزاب السياسية في المنطقة التي “في غالبيتها العظمى فشلت في انجاز اي مطلب عدى التسجيل القانوني لشرعية عملها لدى الدولة .. اهملت العمل الشعبي واضحت احزابا على الورق .. مما ترك الساحة فريسة استقطاب للقوى والمجموعات الدينية وبرامجها في تقديم الخدمات الاجتماعية ..”

واضاف كارنيغي ان سقوط الرئيس الاخواني محمد مرسي “لم يسفر عن بروز احزاب تطالب بفصل الدين عن الدولة .. واستعادت معظم قطاعات الشعب المصري ارتكازها الى مؤسسة الازهر كأفضل ممثل للاسلام .. وتجاوبت مع نداءاته بالوقوف الى جانب قوى التغيير وادانته لجماعة الاخوان المسلمين.” واردف ان الازهر يقف على اعتاب مرحلة جديدة يتمتع فيها بحيز كبير من السلطة الذاتية والنفوذ اكبر من اي وقت مضى.

التحليل:

ضوابط الابعاد العسكرية في العلاقات الروسية –المصرية

الولايات المتحدة منغمسة في اعادة تموقعها على المستوى الدولي وضمان ديمومة شبكة مصالحها الكونية بعدما ادركت انكفائها عن بعض الساحات والملفات، وتراجعها جزئيا عن قيادة القطب الواحد للعالم. واحتارت في استنباط سويّة السبل لاعادة ترميم عاجلة لعلاقاتها مع مصر، التي ما لبثت قيادتها الجديدة ان استدارت لفتح وتنشيط خطوط تقليدية باتجاه الشرق، اثمرت زيارة رفيعة المستوى لوفد روسي ذو حجم معتبر ويملك صلاحية اتخاذ القرار على الفور، على الصعد السياسية والاقتصادية والعسكرية.

وازداد القلق الاميركي مما يلوح لعودة روسيا الى مصر بقوة بعد اقصائها من قبل السادات وحسني مبارك. وجاء الرد الاميركي بخطوتين تثيران الشفقة بدلا من اثارة مشاعر الخوف والرهبة في الاقليم، تزامنتا مع وصول الوفد الروسي ولقائه بوزيري مصر للخارجية والدفاع: الاولى اعلان وكالة المخابرات المركزية عن رفع السرية عن “بضع” وثائق تتعلق بمفاوضات كامب ديفيد، للتشويش على الداخل المصري والعربي؛ والثانية اعلان البنتاغون وقف عقد شرائها طائرات مروحية روسية الصنع لافغانستان، تعبيرا عن امتعاضها من التوجه لاستعادة مواقعها السابقة ومزاحمتها في اهمية مصر.

روسيا بدورها استبقت زيارة وفدها رفيع المستوى برسو طراد الصواريخ “فارياغ” في ميناء الاسكندرية لمدة ستة ايام، الاولى من نوعها للشواطيء المصرية منذ نهاية الحرب الباردة. القادة المصريون افصحوا بصريح العبارة عن نيتهم “تنويع مصادر السلاح” وشراء اسلحة متطورة روسية الصنع تعزز الدفاعات الجوية، التي قيدتها اتفاقية كامب ديفيد وعدم تحديثها فضلا عن الرفض الاميركي تزويد مصر “شبكة دفاع جوية متطورة بامكانها تهديد اسرائيل.”

ينبغي النظر الى آفاق الزيارة في سياق تبادل طبيعي للعلاقات بين البلدين، ورغبتهما المشتركة في رفع مستوى العلاقات في كافة المجالات، السياسية والعسكرية والاقتصادية، خدمة لمصالحهما. لعل الافراط بالتفاؤل لعودة روسيا بقوة الى مصر سابق لاوانه، سيما وان مصر لا تزال مقيدة باتفاقيات تتناقض مع هويتها واهدافها ومصالحها، والاختراق الغربي لمصر في كافة مناحي الحياة وتهديد متانة البنية الاجتماعية وهشاشة الاوضاع الاقتصادية التي رافقها هجرة رؤوس اموال كثيفة الى الخارج.

الافراج عن وثائق رسمية من قبل جهاز حكومي اميركي اضحى موضوع مستهلك ولا يثير شغف الكثيرين، خاصة في ظل توفر وثائق اصلية غير منقحة والناجمة عن جهود الثنائي ادوارد سنودن وتشيلسي مانينغ. النظرة غير المتأنية للكم الوثائقي المفرج عنه لم يأتِ بجديد خارق يستحق الاهتمام، اذ فحواها لا يتعدى بعض المناقشات الدائرة بين ضباط الاجهزة الاستخبارية، وعلى رأسها الوكالة المركزية، لتوفير احدث المعلومات للرئيس جيمي كارتر قبل الشروع في مفاوضات كامب ديفيد، ايلول 1978؛ اي بعد انقضاء بضعة أشهر على زيارة السادات للقدس المحتلة، في تشرين الثاني 1977. ولكن ماذا عن مصير وثائق “كامب ديفيدية” اخرى جرت في تموز 2000 في حضرة الرئيس بيل كلينتون بين ياسر عرفات وقادة “اسرائيل،” التي ساهم فشلها الاولي في اندلاع “انتفاضة الاقصى،” لتجهض بعد زمن قصير وتفضي الى تنازلات جوهرية وتاريخية لصالح “اسرائيل.”

“تنويع مصادر السلاح،” الذريعة التي سوقها السادات وانصار كامب ديفيد آنذاك للتوجه غربا، أمر بالغ الصعوبة في الاوضاع الراهنة، نظرا للاستثمارات المصرية العالية في منظومة الاسلحة الاميركية والغربية، والتي تصل الى بضع مليارات من الدولارات، لا يمكن تخطيها بقرار او اجراء سريع دون المجازفة بمخاطر كبرى. كما ينبغي لفت النظر الى ان انتقال مصر بعد حرب اكتوبر الى الاصطفاف مع دول حلف الناتو، وبعد مضي زهاء اربعة عقود، قد جردت الكفاءات العسكرية الملمة بتشغيل الاسلحة الروسية ومنظومتها القتالية، بصرف النظر عن الحجم المعتبر للاسلحة الروسية التي لا تزال عاملة في الترسانة المصرية، والتي يجوز اعتبارها خارج الخدمة لفقدانها قطع الغيار الضرورية لتحديثها.

صقيع العلاقات المصرية الاميركية لن يدم طويلا لاسباب عدة، منها نهاية ولاية الرئيس اوباما في غضون ثلاث سنوات، وحاجة مصر الى دعم اميركي للحفاظ على ما لديها من “مكتسبات،” سواء في المعدات او التجهيزات والقوى البشرية المدربة. الرئيس الاميركي المقبل قد ينهج سياسة مغايرة تماما لسياسة الرئيس اوباما، مع استبعاد ذلك، بيد ان التطورات المقبلة في مصر تشير الى ظروف واعدة لمصلحة مصر، داخليا واقليميا ودوليا.

متطلبات واحتياجات مصر من المعدات التسليحية ورفع مستوياتها لتتلائم وتتسق مع تحديات وتقنيات العصر تبقى ثابة وعلى رأس الاولويات العسكرية ومشترياتها. مصر بحاجة ماسة وملحة لاسلحة حديثة ومتطورة في الدفاع الجوي ، الشق التسليحي الذي استثنته الولايات المتحدة من صادراتها العسكرية لمصر خشية تهديد “اسرائيلها.” ورضخت لمصر لتلك الشروط القاسية وما تبقى لديها من نظم صاروخية ورادار سوفياتي الصنع اضحى خارج الخدمة منذ زمن، وبحاجة ماسة الى التحديث. مصر في حال استعراض لاحتياجاتها من نظم دفاع جوية روسية من طراز Buk M2 (الصاروخ الذي اسقط الطائرة التركية فوق المياه الاقليمية لسورية) وTor M2 متوسط المدى وبانتسير Pantsir-S1 للمديين القصير والمتوسط، والسعي لتوفير تمويل كاف لشرائها. تجدر الاشارة الى تغير ظروف تسديد كلفة الاسلحة الروسية التي كان الاتحاد السوفياتي يقدمها مجانا كمساعدة، اما روسيا اليوم فهي تتعامل بمنطق السوق وتطلب تسديد الثمن مسبقا. الامر الذي يضع عراقيل اضافية امام نية التخلي عن المصادر الغربية في الفترة الحالية.

مصر ايضا تتطلع للحصول على احدث الطائرات الروسية المقاتلة، من طراز ميغ-29 ام 2، تبدأ بشراء 24 طائرة مقاتلة تبلغ كلفتها الاجمالية نحو 1.7 مليار دولار. هل سيؤدي ذلك الى شروع مصر في خطة شاملة لتحديث ترسانتها العسكرية بالاعتماد على الصناعات الروسية بشكل رئيسي. الاجابة تتطلب استعراض وضع الاسلحة المختلفة للقوات المصرية.
سلاح المشاة

تعداد القوات العسكرية المصرية هو الاعلى بين دول المنطقة، استكمل تسليحه بالاستناد الى تشكيلة اسلحة لدول حلف الناتو الرئيسة: اميركا وبريطانيا وفرنسا. كما لديها بعض الاسلحة مصدرها البرازيل والصين، وان بكميات ضئيلة نسبيا. الصناعات العسكرية المصرية لا باس بها وتنتج مكونات دبابة ابرامز (ام 1 أ 2) الاميركية.

اما الاسلحة الخفيفة فهي تعود لمصادر في حلف الناتو: المسدسات صناعة ايطالية؛ الرشاشات الخفيفة صناعة ألمانية؛ البنادق الهجومية من صنع اميركا وايطاليا؛ الرشاشات الثقيلة صناعة بلجيكا. ويمتلك الجيش المصري بنادق هجومية من طراز مصر، تعود للعهود السوفياتية، والتي تم اخراجها من الخدمة في روسيا منذ عقود خلت. كما تنتج المصانع الحربية طلقات متعددة الاحجام لاسلحة سوفياتية قديمة لا زالت تستخدم في القوات المصرية.

القاذف السوفياتي الشهير المضاد للمدرعات، ار بي جي، لا يزال يستخدم بكثافة في القوات المصرية التي عبرت قناة السويس بفضل حسن استخدامه. اما دول الناتو فلديها قذائفها الخاصة المضادة للمدرعات: ميلان الفرنسية، سوينغ فاير البريطانية، تاو الاميركية. الدول الاوروبية ستتاثر سلبا بصورة اكبر من الولايات المتحدة في حال تخلت القوات المصرية عن منتجاتها المضادة للدبابات.

سلاح المدرعات المصري هو الاحدث من بين كافة صنوف الاسلحة نظرا لموافقة الولايات المتحدة على قيام مصر بصنع مكونات مدرعات ابرامز الحديثة على اراضيها، مما وضعها في المرتبة الثانية، بعد “اسرائيل،” في تعداد وحداثة المدرعات المتوفرة.

ما كانت تملكه مصر من دبابات سوفياتية الصنع فهي في تعداد الاحتياط وخارج الخدمة الفعلية لعدم تحديثها منذ عقود، الامر الذي وضعها في مرتبة متدنية نسبة الى الدبابة الاميركية الحديثة. اذ احدث ما تملكه من صناعة سوفياتية يعود لعام 1976 من طراز تي-80، المعروفة باستهلاكها الكبير للوقود الى جانب بعض الثغرات في الاداء القتالي. يذكر ان روسيا اهدت عددا منها لكوريا الجنوبية لسداد ديون سوفياتية قديمة مترتبة.

لدى الترسانة المصرية ايضا نسخة معدلة من دبابة تي-55، من طراز رمسيس2، وعدد من المدرعات القديمة من طراز تي-62، والتي تم تحديثها بعض الشيء من قبل دول حلف الناتو، خاصة بريطانيا والمانيا وايطاليا، ومصر لا زالت في وضعية طلب ود دول الحلف لفترة مرئية. حقيقة الأمر ان بعض قطع الاسلحة الروسية الحديثة تتفوق على مثيلاتها في ترسانة حلف الناتو. كما ان الصناعة الحربية المصرية لا زالت توفر قطع الغيار وما يلزم من صيانة للترسانة القديمة من اسلحة سوفياتية.

سلاح الجو المصري

يعد سلاح الجو المصري احد اكبر الاسلحة عددا في المنطقة، قوامه 216 طائرة مقاتلة اميركية الصنع من طراز اف-16، مما يضعه في المرتبة الرابعة من بين الدول التي تعتمد على ذاك الطراز؛ ولديه عدد من طائرات الاعتراض الفرنسية الحديثة من طراز ميراج-2000؛ و579 طائرة اخرى مقاتلة و 149 طائرة مروحية مسلحة من بينها 35 من طراز اباتشي AH-64D، فضلا عن مقاتلات ميغ-21 المستخدمة بكثافة، واخرى من طراز سكايبولت اف-7، والفانتوم اف-4، وميراج 5، وطائرات شحن من طراز هيركيوليز سي-130.

شرع سلاح الجو المصري بتحديث الهياكل المتقدمة لطائرات ميغ-21 بمساعدة اوكرانيا، لكن مستوى النجاح لم يكن مرضيا.

قرار الرئيس اوباما بايقاف توريد الشحنة المستحقة من مقاتلات اف-16، على خلفية عزل الاخوان المسلمين عن السلطة، عزز اهتمام مصر بالحصول على المقاتلة الروسية الحديثة، ميغ-29، التي صممت خصيصا كرديف متطور عن اف-16.

العقبة الكبرى التي يعاني منها سلاح الجو المصري هي برامج التدريب المكثفة للطيارين واعمال الصيانة للطائرات المقاتلة، اذ شهد اعلى نسبة حوادث لطائرات اف-16، مما يؤشر على معضلات بنيوية في سلاح الجو. اضافة مقاتلات الميغ-29 الحديثة الى الترسانة لن يؤدي بحد ذاته الى التغلب على تلك العقبة، بل يضيف اعباء اخرى على اجهزة وطواقم الصيانة وتعاملها مع تعدد نظم قطع الغيار وبرامج الصيانة.

على الشق الآخر من المعادلة، اقتناء سلاح الجو لمقاتلات حديثة مشهود بكفاءتها يعد مصدر اعتزاز وثقة بالنفس وفخر وكبرياء على الصعيد الشعبي. دخول المقاتلات الروسية لترسانة سلاح الجو المصري، في الجانب المعنوي، سيعد صفعة توجه للولايات المتحدة من الطرفين، الروسي والمصري. دخول الميغ الى الخدمة الفعلية يستغرق بضع سنوات عادة لاتمام برامج التدريب والصيانة والتسليم.

سلاح البحرية المصري

مقارنة بالاساطيل البحرية الغربية والروسية التي تمخر عباب البحر المتوسط فسلاح البحرية المصرية يحتل موقعا متواضعا، كما ونوعا، سيما وان معظم القطع البحرية في حوزته هي من صناعة دول حلف الناتو المختلفة وتستخدم معايير الحلف في الاسلحة والطلقات والقذائف والاجهزة الالكترونية والرادار الخاصة به.

في الشق المقابل، فان سلاح البحرية الروسي لم يتماشى نوعا وكفاءة مع ترسانة حلف الناتو من ذات الفئة والتصنيف. ادخال التقنية والمعدات الحربية الروسية الى سلاح البحرية المصرية لا يشكل اضافة نوعية في هذا الصدد، بل ربما انتكاسة في القدرات ويضيف اعباء على برامج الدعم اللوجستية للقطع البحرية في حوزته.

في الشق السياسي، ان قيام روسيا بانشاء قاعدة بحرية لدعم وصيانة اسطولها في المياه المصرية واتاحة الفرصة للجانب المصري في استخدامها من شأنه تعزيز قدرات سلاح البحرية المصرية، مع الاخذ بعين الاعتبار طبيعة وكفاءة الصيانة المقدمة لقطع بحرية من صنع دول الناتو.
آفاق العلاقات الاقتصادية مع روسيا

بدأ التعاون الاقتصادي بين مصر والاتحاد السوفياتي عام 1948، بعد توقيع الاتفاقية الاولى لتوريد القطن المصري مقابل الحبوب والاخشاب ومنتجات اخرى سوفياتية. بلغت اوجها في عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، لا سيما في مجالات توليد الطاقة والمشروعات الصناعية في التعدين والحديد والصلب.
تعرضت العلاقات الى هزات بنيوية وانتكاسات منذ تخلي انور السادات عن دعم الاتحاد السوفياتي، وشهدت بعض بوادر الانتعاش منذ منتصف عقد التسعينيات وبروز قيادة وطنية لروسيا وصعود الرئيس بوتين. والتفتت مصر الى اهمية التعاون العسكري بين ايران وروسيا للاستفادة منه في تعزيز العلاقات التاريخية مع موسكو.

شهد مطلع عام 2001 تعاونا مشتركا في المجالات التجارية والاقتصادية والعلمية والتكنولوجية سبقت زيارة رسمية للرئيس حسني مبارك لموسكو اثمرت توقيع عدد من الاتفاقيات الثنائية في مجالات متعددة: الاستخدام السلمي للطاقة النووية والاتصالات والاقمار الاصطناعية والمجالات الطبية والادوية؛ تبعها اربع زيارات رسمية لموسكو كان آخرها في آذار 2008. وتوجت العلاقات بزيارة رسمية للرئيس الروسي ديميتري ميدفيديف للقاهرة في منتصف عام 2009، اسفرت عن توقيع معاهدة شراكة استراتيجية بين البلدين.

اقتصاديا، تطلعت مصر الى تعزيز التبادل التجاري بين البلدين وازالة ما يعترضها من عقبات ورسوم جمركية امام المنتجات المصرية، سيما بعض انضمام روسيا الى منظمة التجارة العالمية منتصف عام 2012.

ارتفعت تدريجيا الصادرات المصرية الى روسيا، وبلغ حجم التبادل التجاري بينهما نحو 2.3 مليار دولار لعام 2011، هي الاعلى منذ انتكاساتها: منها 332 مليون دولار للصادرات المصرية من المنتجات الزراعية، و 1.94 مليار دولار للواردات المصرية من روسيا.
وقع البلدان سلسلة اتفاقيات تعاون اقتصادية منذ منتصف عقد التسعينيات، لعل اهمها اتفاقية انشاء منطقة للصناعات الهندسية الروسية ببرج العرب، في الاسكندرية، وتنمية روسيا للتطبيقات السلمية للطاقة الذرية وانشطة الابحاث والتطوير في انشاء محطات انتاج الكهرباء من الطاقة النووية، وتفعيل اتفاقيات التعاون العلمي والتقني بينهما باشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

مصر شريكا كبيرا لروسيا!

تتعاظم حاجة البلدين لتنمية وتثبيت علاقات التبادل بينهما في شتى المجالات، والتي تجري وفق قواعد السوق وجني الارباح بخلاف ما كان يوفره الاتحاد السوفياتي آنئذ من مساعدات عسكرية مجانية وسلع تشجيعية ودعم سياسي ثابت لمصر. حاجة مصر الراهنة والملحة لتعزيز قدراتها الدفاعية، لا سيما في مجال نظم الدفاعات الجوية، ادى بها للسعي لتمويل ما تتطلبه من مشتريات من دول خليجية، السعودية او الامارات وربما الاثنتين معا. وهذا الشق بحد ذاته كفيل ان يضع مصر في مصاف دولة رئيسية لروسيا وصناعاتها العسكرية ومنتجاتها الزراعية، خاصة القمح. بالمقابل، تحول مصر شرقا سيترك تداعيات عدة على علاقاتها المتشابكة مع دول حلف الناتو، وتسعى لتفادي التباعد عنها واستحداث ازمة سابقة لاوانها.

تتحكم مصر ببعض نقاط القوة والتفاوض مع الولايات المتحدة، وتسعى لتسخيرها لمصلحتها بخلاف نظم الحكم السابقة منذ عهد انور السادات، اهمها مصير اتفاقية كامب ديفيد التي تحرص الولايات المتحدة على استمرارية العمل بها تقابله بمساعدات عسكرية لمصر، ثبت انها غير كافية لمتطلبات وطموح المؤسسة العسكرية المصرية لحماية أمن وسيادة بلادها. استخدام واشنطن سلاح الترهيب لمصر، بقطع بعض المساعدات، يعرض تلك الاتفاقيات لافاق مفتوحة مناوئة للسياسة الاميركية، فضلا عن الكلفة الاقتصادية للشركات والمصالح الاميركية بتوقف المساعدات المالية التي تمول الشركات الاميركية وصناعاتها الحربية بالدرجة الاولى؛ فضلا عن تداعيات الكساد الاقتصادي على القاعدة الانتخابية الداخلية والانتخابات المقبلة على الابواب.

الثابت ان كلا من روسيا ومصر اتخذتا قرارا لا رجعة عنه بتعزيز اوجه التعاون وتنمية العلاقات بينهما، مما يعزز قدرة مصر على تحدي السياسة الاميركية في بعض المجالات، وتوفر فرصة لا تعوض لروسيا توجيه صفعة اخرى للولايات المتحدة، وما ستتركه من تداعيات على المستويات العالمية.

فرضت الولايات المتحدة شروطا قاسية ومذلة على مصر في مجال المنتجات الزراعية، خاصة مادة القمح، في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، امعانا في التحكم والسيطرة على سيادة مصر. روسيا، المورد التاريخي والثابت، للقمح والحبوب الاخرى لمصر استمرت في تصدير القمح لمصر بمعزل عن الضغوط والقيود الاميركية، مما شكل مصدر قلق لصناع القرار السياسي الاميركي، عبرت عنه المؤسسة الاستخبارية البحثية، معهد ستراتفور، بالقول:

“تستطيع روسيا دعم مصر بكميات كبيرة من صادرات الحبوب. في موسم الحبوب لعامي 2012-2013، بلغ حجم الصادرات الروسية ما مجموعه ثلث الاحتياجات المصرية من الحبوب، اي ما يقارب 2.7 مليون طن. يبشر العام الحالي سنة رغد لانتاج روسيا من الحبوب، ومن المتوقع ان تشهد الصادرات ارتفاعا ملحوظا لعامي 2013-2014. العقبة الاخيرة بين مصر وروسيا تمحورت حول التسعيرة والكلفة – اذ لا تستطيع مصر تسديد كلفة الحبوب الروسية، التي تفوق معدلاتها مصادر الحبوب الاخرى مثل اوكرانيا. ومن المحتمل ان يتوصل الطرفين الى اتفاقية تتيح التصدير باسعار مخفضة.”

التقرير الأسبوعي08 -11-2013

التقرير الأسبوعي لمراكز الأبحاث الاميركية
نشرة دورية تصدر عن مرصد مراكز الابحاث
مركز الدراسات الأميركية والعربية

11/08/2013

‏8 /تشرين الثاني/‏ 2013

المقدمة:
دب النشاط في معظم مراكز الابحاث على خلفية اعلان وزير الخارجية قيامه بجولة في دول المنطقة العربية والاقليم، وتناولتها من زاوية آفاقها المرتقبة على مجمل العلاقة الاميركية مع المنطقة.
سيستعرض قسم التحليل خفايا الزيارة ومحطاتها والرسائل المراد اصدارها في كل منها، على ضوء العقبات التي يتعرض لها الرئيس اوباما على الصعيد الداخلي، والفضائح المتلاحقة للتجسس الاميركي على الشعوب والدول الاخرى. ويلوي التحليل على معالجة طموح الرئيس اوباما من منظار عدم ايلائه الاولوية للسياسة الخارجية، واضطراره للاستدارة لمعالجة الملفات الداخلية والمحافظة على ارثه وحضوره السياسي. على ضوء ذلك، فان جولة جون كيري، وما سيتبعها من جولات مقبلة قريبة، لا تعدو سوى ايهام الاخرين باهتمام الادارة الاميركية لمصالحهم ومصادر القلق دون تقديم خطوات حقيقية ملموسة.

ملخص دراسات ونشاطات مراكز الابحاث

سورية

اعرب صندوق جيرمان مارشال عن قلقه لسياسات الدول الغربية “التي تجلب الضرر لقوى المعارضة السورية،” نظرا لترددها في اتخاذ خطوات فاعلة. وقال ان النتيجة جاءت لتصب في صالح القوى الجهادية والمتطرفة، “والتي تجلت في الاشتباكات الكثيفة بينها وبين الجيش الحر” في فصل الصيف. وحمل الحكومة الاميركية مسؤولية عدم معاقبة الحكومة السورية “لاستخدام الاسلحة الكيميائية .. مما الحق ضربة مدمرة بصدقية قوات الائتلاف والجيش الحر على السواء.”

مصر

روج معهد كاتو لوصفة صندوق النقد الدولي الاقتصادية حاثا الحكومة المصرية على “وقف دعمها للسلع الاساسية من غذاء ووقود .. واستبدال اثمانها بتحويلات مالية من شأنها تحقيق قدر هام من التوفير للموارد الشحيحة ..” واضاف انه يتعين على الحكومة المصرية تبني “سياسات الاقتصاد الكلي، تتضمن تقليص معدلات التضخم .. والحد من التداعيات المرتقبة لارتفاع اسعار الغذاء والوقود على الشرائح الاجتماعية الفقيرة.”

الصيغة المستقبلية للدستور المصري كانت محطة اهتمام معهد كارنيغي، معربا عن اعتقاده ان القرار الحاسم هو “بيد عنصر غير عضو في لجنة الصياغة،” في اشارة الى الفريق عبد الفتاح السيسي. واوضح ان الصيغة المقبلة كيفما جاءت من شأنها “اعادة الهيبة وتعزيز منصب الرئاسة الذي هيمن على مصر منذ الغاء النظام الملكي.” وحث المعهد الفريق السيسي على عدم الترشح لمنصب الرئاسة “لضمان استمرار عمل اجهزة الدولة المصرية باسلوب اللامركزية ..”

حذر معهد هدسون وزير الخارجية جون كيري من ان توجهه الراهن نحو مصر “هو في الوجهة الخطأ،” نظرا لدرجة “عدم الاكتراث الفائقة عند الفريق السيسي وتمزيقه اركان الدولة واقصاء ملايين الغاضبين المصريين الذين انتخبوا (محمد) مرسي .. مستندا الى التفويض الشعبي لاستئصال تنظيم الاخوان.” ولفت النظر الى تجاهل ادارة الرئيس اوباما “لحقيقة ان التظاهرات الشعبية العارمة في مصر .. جاءت بمشاركة واسعة معادية لاميركا بل الاخطر انها معادية لاسرائيل.”

العراق

حثت مؤسسة هاريتاج صناع القرار الاميركي استغلال فرصة زيارة رئيس الوزراء العراقي “لتحقيق درجة عالية من التفاهم والتعاون المشترك بين البلدين لمكافحة الارهاب.” وطالبت الرئيس اوباما الضغط على نوري المالكي لبذل جهود اكبر “لاحتواء التوترات المذهبية وعزل المتطرفين في العراق والاقليم. الامر الذي يقتضي ابتعاد حكومة المالكي عن انظمة ايران وسورية .. والا فالعراق مقبل على حالة تشظي على الارجح، اسوة بما يجري في سورية.”

الجزيرة العربية

حث مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الحكومة الاميركية على رفع مستوى علاقاتها مع السعودية لمصاف “دولة هامة تقع على الخطوط الامامية لحفظ السلام الاقليمي.” واستدرك بالقول ان ذلك لا يعني الاقلاع عن المطالبة بضرورة ادخال اصلاحات سياسية “لكنه يقتضي ادراك افضل لدوافع السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي الاخرى، والانظمة الصديقة في مصر والاردن والمغرب .. المهددة بمجملها بمنظومة قوى (اقليمية) افقرت او اوقفت التنمية الاقتصادية” في معظم المنطقة.

الجزائر والمغرب

انصب اهتمام معهد واشنطن على الخلافات الثنائية بين الجزائر والمغرب على خلفية التوتر في مستقبل ملف الصحراء الغربية، والزيارة المقررة لوزير الخارجية جون كيري القيام بها وتوسطه بين البلدين، قبل ان يعلن عن تأجيلها لانخراطه المكثف في المفاوضات حول النووي الايراني. وحذر المعهد ان اي ميل للسياسة الاميركية نحو طرف دون آخر “سيفقد الادارة نفوذها عند الطرف المقابل .. وينبغي التقيد بأهمية حشد جهود الطرفين للتعاون في شؤون مكافحة الارهاب،” وتوفير دعمها وخبرتها للدولتين في هذا الشأن.

تركيا

التحولات الاقليمية الاخيرة لفتت انتباه معهد واشنطن والدور الرئيس في المنطقة الذي كانت تطمح في تبوئه تركيا ، قائلا ان “بروز تنظيم الاخوان المسلمين كمجموعة سياسية متشددة في المنطقة قد ادخلت تحولا على مسار الصعود التركي للمركز الاول في الاقليم.” ووجه نقدا للحكومة التركية التي “ادركت متأخرة حدود القوة الناعمة التي لا يمكن تحويلها لقوة عسكرية .. مما دفع انقرة الى الاستدارة في نهج سياستها الخارجية ..”

تقليص الميزانية العسكرية الاميركية

حذرت مؤسسة هاريتاج مجددا من تداعيات تخفيض الميزانيات العسكرية، واستضافت عضوين سابقين في مجلس الشيوخ لترويج قلقها. وقال الثنائي كايل وتالينت في دراسة مشتركة ان “سلاح البحرية تقلص الى ادنى مستوى لما كان عليه قبل الحرب العالمية الاولى ..” والاسلحة الاخرى ايضا شهدت تخفيض مماثل في قواتها ومعداتها. واضاف الثنائي ان قوات سلاح البر تعاني من الارهاق ووطأة الحروب “بل انها تعرضت لتقليص ميزانياتها قبل غزو العراق وكانت بحاجة ماسة لتوفير الموارد الضرورية التي تمكنها من استبدال مخزون ترسانتها.”

التحليل:
اوباما محاصر بين تآكل شعبيته وتصدع سياسته الشرق اوسطية

الاخفاقات الداخلية وتدحرج فضيحة التجسس على المواطنين منغصات تلاحق الادارة الاميركية التي اتجهت بالاستدارة للخارج والقفز للامام هربا من تداعياتها الداخلية، وسعيا لحرف مسار شعاع الضوء المسلط عليها. وتمت المراهنة على جولة وزير الخارجية جون كيري لتشكل منعطفا محوريا ورافعة لترميم ما اصابها من تدهور وضرر. ادارة الرئيس اوباما تشكل امتدادا وليس استثناءاً لسياسة او منظومة الهروب اسوة بكل من سبقها من رؤساء.

في الشق الداخلي، تلقت الادارة صفعة قاسية مصدرها فشل برنامج الرعاية الصحية الشامل من تخطي العقبات التقنية التي حالت دون تطبيقه، واضطراره الاعتذار رسميا عن اخفاق البرنامج، سيما وانه ترافق مع اجراء جولة من الانتخابات المحلية لمناصب على مستوى حكام الولايات، وادراك بعض مؤيديه من الحزب الديموقراطي تأثير ذلك على مرحلة الانتخابات النصفية المقبلة. وأتت استطلاعات الرأي لتؤكد انخفاض نسبية شعبية الرئيس بصورة ملحوظة والنيل من ارثه السياسي.

في شأن السياسة الخارجية، واجهت الادارة بعض الضغط من زعماء الكونغرس على خلفية الاختلاف في الموقف مع السعودية من ناحية، وكذلك مع مصر من ناحية اخرى ومطالبته ببذل جهد لرأب الصدع؛ الى جانب ترنح المفاوضات بين وفد السلطة الفلسطينية و”اسرائيل” خلافا للتوقعات والخطط السابقة. لهذه الاسباب مجتمعة شرع وزير الخارجية جون كيري بزيارة سريعة للمنطقة للقاء كافة الاطراف، للتخفيف من رعب اطراف اقليمية جراء الانفتاح الاميركي على ايران، وتقليص التداعيات المحتملة على مسار السياسة قبل انقضاء الولاية الرئاسية الثانية.

خروج آل سعود عن السلوك المألوف

درج المسؤولون والخبراء الغربيون على نقد نظام الحكم في الجزيرة العربية وانتمائه للقرون الوسطى وعدم قدرته على التكيف مع متطلبات العصر، بل بأنه خرج من التاريخ. ووصف العرش السعودي بأنه “آيل للسقوط .. مستبد يحكم بالحديد والنار يزرع الرعب والارهاب اينما حل، ويدعي تمثيله للعالم الاسلامي .. ويتبنى آل سعود مبدأ الوهابية، وهو مفهوم غامض وملتبس يبغضه المسلمون المتمسكون بروح الاسلام وجوهره السلمي.”

ولعل ادق وصف جريء جاء مؤخرا على لسان “فينيان كانينغهام” المحرر العلمي السابق للمجمع الملكي للكيمياء في جامعة كامبريدج، اذ قال “غدرت العربية السعودية وحنثت بالشعوب العربية على الدوام .. خدمة للمصالح الامبريالية .. وما برز مؤخرا من انباء حول لقاء (الامير) بندر بن سلطان مع مدير الموساد تامير باردو سرعان ما تبين انه لقاء عادي يتم دوريا بين الاسرائيليين والسعوديين ..”

السعودية، وعلى لسان مسؤوليها، وزير الخاجية ومدير استخباراتها، ارغدت وازبدت في العلن للاعراب عن عدم رضاها من سياسة الرئيس اوباما حول ملفي ايران وسورية، اللذين يعتبران الهدف الاول بالنسبة لها والاطاحة بقيادتهما. وذهب البعض لاعتبار التصريحات النارية غير المعتادة لآل سعود بأنها تمثل مؤشر على نقطة انعطاف ربما لنيتهم بالابتعاد عن نفوذ واشنطن، بيد ان الأمر لا يرقى لمرتبة التصادم مع واشنطن او استقلال في اتخاذ القرار ورسم سياسة خاصة.

ادراكا منا لعدم ضرورة الخوض في تلك التصريحات المعلنة، سواء لأهمية او جدية ما تمثله من عدمها، نسوق كلاما اشد خطورة جاء على لسان مدير الاستخبارات السابق تركي الفيصل، السفير المتجول والغير مقيد بالكياسة الديبلوماسية، القاه في حفل خاص عقد لاعضاء نادي كوزموس، نادي نخبة النخب السياسية والاقتصادية، في واشنطن ليلة 6 تشرين الثاني الجاري. الافكار الواردة هي تدوين لاحد حضور “حفل تكريم تركي الفيصل،” كما جاء في الدعوة الموجهة، نحتفظ بهويته بناء على طلبه.

 حث الفيصل الولايات المتحدة على شن غارات جوية وبحرية على سورية والقضاء على سلاحها الجوي ومطاراتها الحربية بغية تحقيق توازن ميداني مع المعارضة السورية.
 ستبذل “السعودية” كل ما هو مطلوب منها لمنع الدول المجاورة الحصول على اسلحة رادعة، او ممارسة اي نفوذ لها في كل من العراق والبحرين ولبنان.
 “السعودية” جاهزة لتمويل اي جهد دولي يرمي الى زعزعة استقرار الدول المتعاطفة مع ايران.
 تستطيع السعودية الانفاق دون حدود من اموالها الاحتياطية البالغة نحو 850 مليار دولار.
 ينبغي على الولايات المتحدة وقف اي جهود تسووية مع ايران.
 “السعودية” تتفهم امكانية قيام بنيامين نتنياهو بقصف جوي وبحري ضد ايران ومنشآتها النووية.

وبعد هذا السرد والوعيد، اوضح تركي الفيصل عداءاً عميقا يكنه آل سعود ضد “الشيعة،” بشكل عام، دون لبس او ابهام.
جدول زيارة كيري المكوكية للمنطقة رتب على عجل لتهدئة الملفات العالقة، ومنها مفاوضات السلطة الفلسطينية التي وجدت نفسها مهانة من نتنياهو وتدور في حلقة مفرغة من المفاوضات العبثية مع استمرار بناء المستوطنات؛ وكذلك اعادة “آل سعود” الى موقعهم المرسوم كطرف يملى عليه ولا يملي على أحد. كما خصص كيري اكثر من لقاء مع بنيامين نتنياهو لتهدئة المخاوف واضعا نصب عينيه المحادثات النووية الجارية مع ايران الواعدة بالتوصل الى اتفاق يجمد الازمة.

برع كيري في جولته العربية استخدام لغة ومفردات لا تصرف في علم السياسة، مطمئنا الرياض وابو ظبي والدوحة وعمّان والقاهرة بأن “الولايات المتحدة ستقف الى جانب تلك الدول .. ولن ندعها تتعرض للاعتداء الخارجي. سنقف الى جانبهم.” وعاد مرة اخرى للاتفاق الروسي الاميركي حول سورية، اهم نقطة خلافية للدول المذكورة، معربا عن اعتقاده ان “الخلاف في الرأي حول اتباع تكتيكات محددة في بلورة سياسية للموقف لا تعني بالضرورة وجود خلاف حول الهدف الجوهري للسياسية ..” كما صرح في حضرة وزير الخارجية المصري نبيل فهمي.

الولايات المتحدة لا تخفي قلقها من ابتعاد القاهرة عنها والتقرب من موسكو، رافقها تقرير استخباراتي “اسرائيلي” زعم ان روسيا طلبت انشاء قاعدة بحرية لها في مصر لخدمة اسطولها في البحر المتوسط، مقابل توفيير موسكو اسلحة ومعدات ومساعدات اقتصادية لمصر. المسؤولون في مصر اوضحوا رغبتهم بالعمل مع اطراف اخرى “الى جانب الولايات المتحدة” ونيتهم عقد اتفاق لشراء طائرات مقاتلة روسية من طراز ميغ-29 الى جانب معدات عسكرية اخرى يقدرها البعض بنحو 15 مليار دولار. كما اعلن عن زيارة وشيكة لوفد روسي آخر رفيع المستوى يشمل وزيري الخارجية والدفاع.

المنطقة في منظور الادارة الاميركية

يخطيء البعض في تفسير الخطوات الاميركية المتسارعة في المنطقة ورعايتها العلنية لعدد من الملفات بالتزامن مع بعضها البعض على انه مؤشر على جدية ادارة الرئيس اوباما في الانخراط الفعلي في هموم المنطقة، بل ان نظرة الادارة مغايرة تماما سيما وانها عاجزة لا ترى في الملفات الاقليمية فرصة لاستعادة تآكل هيمنتها ونفوذها، وما جولة كيري سوى محطة من محطات التلاقي مع الزعامات المحلية وليس للتشاور معها.

النظرة الفاحصة للتوجهات الاميركية تدل دون لبس على انخفاض حاد للرضى عن اوباما في اوساط الشعب الاميركي، اذ افاد احد استطلاعات الرأي اجرته شبكة “ان بي سي” للتلفزة ان شعبيته انخفضت الى نسبة 42%، مقابل اغلبية 51% من المعارضين. الاستطلاعات الاخرى ايضا جاءت بنتائج متقاربة 39% من المؤيدين مقابل 53% من المعارضين. كما ان الفترة الزمنية الراهنة اضحت بالغة الحساسية والأهمية بالنسب للرئيس اوباما، الذي كان يتوق للانطلاق والترويج لبرنامج الرعاية الصحية الشامل، تمهيدا للحملات الانتخابية المقبلة، واستغلال اخطاء خصومه في الحزب الجمهوري والرفض العام الذي رافق اغلاق الجمهوريين لمرافق الدولة.

المشهد السابق لتدهور الشعبية يعيد الى الاذهان حقبة الرئيس جورج بوش الابن في ولايته الثانية التي حافظت على نسبة مرضية من التأييد، الى حين اعصار كاترينا الذي ضرب مدينة نيو اورلينز ومحيطها على خليج المكسيك. وبلغت النسبة نحو 38% من المؤيدين عشية شهر تشرين الثاني 2005، واوباما حاليا بلغت نسبته 39%. يذكر ان الرئيس بوش لم يستطع التغلب على تلك النسبة المتدهورة بعدئذ.

ادارة الرئيس اوباما تعي حراجة موقفها في استطلاعات الرأي راهنا، ولديها متسع من الوقت للتغلب على مآزقها، بيد ان تقلص دائرة الداعمين من الاميركيين يؤشر على عمق التحدي لتغلبها على النواحي السلبية.

استراتيجية الادارة في الشق الداخلي رمت الى اعتماد برنامج الرعاية الصحية الشامل على رأس سلم اولوياتها. التقارير الاعلامية اليومية بما يواجهه البرنامج من متاعب نزلت به الى درجة التندر والسخرية، ويتناسب طردا مع هبوط شعبية الرئيس. واشار بعض زعماء الحزب الديموقراطي الى ملاحقة البرنامج ينفث سمومه امامهم وامام الرئيس اوباما، مما حدى بالخصوم الجمهوريين الاتعاظ بنصيحة نابليون بونابرت حين قال “لا تعيق عدوك وهو يرتكب خطأً.” وفضل الجمهوريون مغادرة المدينة وأخذ قسط من الراحة عشية موسم العطل الرسمية، تفاديا للتعليق على الأمر.

كما ان انتقادات برنامج الرعاية الصحية الشامل لم تقتصر على الخصوم الجمهوريين، بل شملت عدد من اشد الاعضاء الديموقراطيين دعما للرئيس اوباما، على خلفية العقبات التقنية والشهادة التي ادلت بها امام الكونغرس مديرة برامج الرعاية الصحية والاجتماعية، ماريلين تافنر، وتفسيرها المقلق لاعضاء اللجنة والتي رسخت فيها مشاعر عدم الثقة، عن غير قصد. سبق حضور السيدة تافنر سلسلة فضائح مالية تتعلق بسوء ادارة التمويل والصرف. على سبيل المثال، تحمل برنامج الرعاية الصحية مبلغ 23 مليون دولار لعام 2011 صرفت على تقديم خدمات طبية “لمرضى قضوا منذ زمن.”

الحالة الاقتصادية الحرجة للولايات المتحدة بشكل عام اسهمت بدورها في مفاقمة مأزق الرئيس اوباما، وهو الذي يتطلع لتحسن الاحوال المعيشية التي لا تدعمها الحقائق والارقام والبيانات الملموسة. وربما يصح القول دون ادنى مبالغة بأن الولايات المتحدة تمر في اسوأ مرحلة لاسترداد عافيتها الاقتصادية منذ الحرب العالمية الثانية، دون توفر بديل في الافق القريب. وعليه، راى الرئيس اوباما ان عليه ترويج مسألة فرص العمل كأولوية سياسية لتسليط الضوء على جهوده الذاتية.

اما والانتخابات المقبلة شارفت على مداهمة المشهد السياسي، العام المقبل، وما تنذر به من انتقال التوازن ونسبة الاغلبية في كل من مجلس الشيوخ ومجلس النواب الى الخصوم، تشكل ضغوطا اضافية على المرشحين الديموقراطيين وخاصة اولئك الذين تقع دوائرهم الانتخابية في بيئة اغلبيتها من الجمهوريين، وليس مستبعدا ان نشهد قفز البعض منهم من قارب الرئيس اوباما للمحافظة على مستقبله السياسي والوظيفي. انتقال مركز القيادة في مجلسي الكونغرس الى الخصوم الجمهوريين لم يعد يندرج تحت باب التخمين والتحليل، بل حقيقة يخشى وقوعها، مما سيفاقم ما تبقى للرئيس اوباما من زمن في ولايته الثانية وتصدي خصومه لسياساته سعيا لافشالها والانقلاب عليها.

انعكاسات ذاك المشهد على ملفات المنطقة العربية والاقليم سيبرز سلبا بوضوح اذ ستتدنى أهمية المنطقة للرئيس اوباما المحاصر داخليا عندئذ. ولعل جل ما يخشى حدوثه ازمة كبيرة على نطاق دولي تؤدي لانكفائه مجددا. اما الازمات الصغرى فلن يكلف نفسه الالتفات اليها وستختفي من الصفحات الاولى لوسائل الاعلام.

يلخص ما تقدم الحالة الذهنية السائدة في تفكير الرئيس واعوانه حيال المنطقة العربية، اذ يعتقد الرئيس اوباما ان الخلافات السعودية التي برزت للعلن مؤخرا ما هي الا سحابة صيف سرعان ما تزول. اما المشهد السوري فسيبقى مصدرا للارق في ظل ترسخ قناعة صناع القرار السياسي بأن الرئيس بشار الاسد باقٍ في منصبه، مما يعني العدول عن تبريرات تقديم المعونات لقوى المعارضة السورية. ايضا، باستطاعتنا قراءة آلية تفكير الرئيس اوباما بالنسبة للسعودية اذ يراهن على تواضع وقصر ذاكرتها.

ويدرك الرئيس اوباما ودائرة مساعديه الضيقة ان تبلور سياسة مصرية اكثر محاباة لموسكو ستأخذ زمنا طويلا كي تتجذر، خاصة في مستوى اتمام صفقات الاسلحة، فضلا عن ان القوات المسلحة المصرية في وضعها الراهن تستند الى التقنيات والمفاهيم الاميركية، مما يستدعي مرور بضع سنوات الى ما بعد انتهاء ولايته الرئاسية لبذل جهود مناسبة تعيق ذلك التوجه.

في الملف الايراني، تولدت قناعة لدى الرئيس واعوانه منذ زمن بعقم الجهود الدولية المدعومة اميركيا للحيلولة دون امتلاك ايران سلاحا نوويا معينا، بفضل توفر فائض من الكفاءات والخبرات العلمية والامكانيات المادية لديها. ولعل ما يجري من تقارب وتفاهم وربما توقيع اتفاقيات دولية ملزمة للطرفين ينظر اليه الرئيس اوباما كمحطة لاخراج الملف النووي من التداول اليومي في الداخل الاميركي، وبعيدا عن اهتمام الناخب العادي بتعقيدات الأمر، عدا عن امكانية ترويج اي اتفاق انه انجاز كبير حققه اوباما في زمن تشح فيه الانجازات.

ويمكن القول عند هذا المنعطف ان الرئيس اوباما لا يولي أهمية كبيرة لمصالح حلفاء اميركا الاقليميين لاعتقاده انهم مجتمعين لا يقدمون مكسبا سياسيا، باستثناء القاعدة المتقدمة “اسرائيل” التي تتكفل الجالية اليهودية ببقاء وديمومة حضورها. آلية عمل الهيئات الحكومية الاميركية المختلفة ستمضي على وتيرتها الراهنة، فهي ليست بحاجة لادخال تعديلات على انماط علاقاتها مع الدول الاقليمية، ربما باستثناء مصر لسرعة تقلب المشهد السياسي مما قد يدفع بالرئيس اوباما بالاصطفاف الى جانب الطرف المناهض للحكومة المؤقتة.

آفاق مكوكية كيري

من غير المنتظر ان يطرأ تعديل جوهري على الجولات المكثفة لوزير الخارجية جون كيري للمنطقة، وسيستمر يروح عن نفسه عملا بمبدأ “الحركة من اجل الحركة،” والذي لا ينبغي ان يفسر بأنه اهتمام للرئيس اوباما او نية جادة لطرح مبادرات حل لقضايا مستعصية. وسيُرَحّل الثنائي اتخاذ قرارات حاسمة لمرحلة او مراحل لاحقة، بينما تنصب الجهود الحقيقية على انقاذ ما يمكن انقاذه للحد من التدهور والدعم تحضيرا للانتخابات العام المقبل.

سيبقى حضور كيري في المنطقة عاملا فاعلا وباعثا لآمال البعض بأحقية المراهنة على الدور الاميركي الذي لن يتبلور. ملفي ايران وسورية سيفرضا نفسيهما على اجندة كيري جيئا وذهابا، اما ما عداهما من اهتمامات اقليمية ستبقى تراوح مكانها دون أفق للحل او الاهتمام الى ما بعد نهاية الولاية الرئاسية الحالية.

قراءة اولية في نتائج الانتخابات الاخيرة المحدودة

شهد الموعد التقليدي لعقد انتخابات، اول يوم ثلاثاء في شهر تشرين الثاني المنصوص عليه دستوريا، حضورا قويا للناخبين في بعض الجولات. وجاءت نتيجتها لتضيف منصب حاكم ولاية فرجينيا لصالح الحزب الديموقراطي، واحتفاظ الحزب الجمهوري بمنصب حاكم ولاية نيوجيرسي، كريس كريستي، الذي لمع نجمه خلال حضوره الثابت في معالجة آثار اعصار ساندي الذي ضرب سواحل الولاية العام الماضي. وجاء اعادة انتخابه ليجسد طموحه لدخول الانتخابات الرئاسية المقبلة عن حزبه.

ولاية كولورادو كانت امام تصويت حاسم يقضي بزيادة نسبة الضرائب، والذي هزمه الناخبون بقوة؛ فضلا عن بروز تصدع في وحدة الولاية اذ صوتت 5 مقاطعات من مجموع 11 لصالح الانقسام وتأسيس الولاية رقم 51، سعيا للمحافظة على الطابع والتوجهات المحافظة لسكانها الذين يقطنون مناطق الريف الشاسعة، ويكنون العداء للسلطة المركزية في العاصمة دنفر.

فوز الحزب الديموقراطي في ولاية فرجينيا لم يأتِ بالسهولة التي رافقت استطلاعات الرأي، بل ان الفارق بين المرشحين كان ضئيلا، مرده التحولات الديموغرافية في بعض مناطق الكثافة السكانية المحيطة بالعاصمة واشنطن. تعاني الولاية من مسألة نقاء العرق نظرا لموقعها المركزي ابان اصطفافها مع الولايات الجنوبية في فترة الحرب الاهلية. بلغت نسبة الناخبين “من البيض” نحو 72% من المجموع العام، وهي النسبة عينها تقريبا التي يشارك فيها سكان الولاية في الانتخابات المحلية والرئاسية، التي بلغت اوجها عام 2009 بمشاركة 78% من الناخبين البيض.
عول الحزبين المتنافسين على استقطاب الاعداد النسائية المتصاعدة لجانبهم، الا ان نتائج الانتخابات جاءت لتؤكد مشاركة نسبة أعلى من الاقليات والمهاجرين لصالح الحزب الديموقراطي، مما سيبنى عليها نظريات وسياسات مقبلة في الانتخابات الرئاسية القادمة.

في الجانب المقابل، شهد الحزب الجمهوري بعض الأمل لمستقبله في الولاية اذ جاءت النتائج النهائية لتؤكد معارضة اغلبية بلغت 53% من الناخبين لبرنامج الرعاية الصحية الشامل، مقابل نسبة 45% للمؤيدين؛ مع الاخذ بعين الاعتبار بمناصفة القاء اللوم على الحزبين للتوترات الاخيرة التي ادت الى اغلاق المرافق الحكومية: 47% وجهوا اللوم للحزب الجمهوري مقابل 46% حملوا الرئيس اوباما وحزبه المسؤولية. خلاصة الأمر ان مراهنة الرئيس اوباما على تحميل خصومه الجمهوريين تعطيل الحكومة لم تؤتِ ثمارها المطلوبة، واستمرار القلق من مستقبل المشهد الساسي للحزب الديموقراطي على ضوء ذلك.

التقرير الأسبوعي 01-11-2013

التقرير الأسبوعي لمراكز الأبحاث الاميركية
نشرة دورية تصدر عن مرصد مراكز الابحاث
مركز الدراسات الأميركية والعربية

11/01/2013
‏1 /تشرين الثاني/‏ 2013

المقدمة:
تجددت المناورات السياسية في واشنطن وسعي الحزب الجمهوري الدائم “لافشال” اي تقدم جاد لبرامج الرئيس اوباما، وخاصة برنامج الرعاية الصحية الشامل، اوباماكير، واستغلال الثغرات التقنية التي واجهت انطلاقته لابعد الحدود.

زيارة رئيس الوزراء العراقي الرسمية لواشنطن حظيت باهتمام سياسي، رافقه شبه تجاهل في وسائل الاعلام وعدم اكتراث مراكز الابحاث بمجملها، بل ذهب بعضها الى التقليل من قيمتها. اما الشق الرسمي فقد رحب بدعوة نوري المالكي الى الدعوة لتنشيط الجهود المشتركة في محاربة الارهاب العالمي، وكذلك لتأكيده على تفعيل اتفاقية “التعاون والشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة،” التي وعدته بتقديم مساعدات مختلفة للعراق لجهود مكافحة الارهاب.

احد الخبراء الاستراتيجيين في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، انثوني كوردسمان، سخر من زيارة المالكي والاهداف المعول عليها. وقال انها بمثابة “خطاب اعلامي دون أفق واضح .. رافقها فجوة تغطية اعلامية .. وتجنب البيت الابيض ووزارة الخارجية تقديم اجابات شافية للاستفسارات الجادة.”

سيستعرض قسم التحليل التفاعلات المستمرة لمسار تجسس وكالة الأمن القومي، التي لا ينبغي ان تفاجأ احدا، رسميين وعاديين؛ وتفنيد التعليلات الرسمية بضرورة المضي فيها “كجزء من استراتيجية مكافحة الارهاب،” وتسليط الضوء على استغلال المعلومات لخدمة التجسس الاقتصادي على الدول والمؤسسات الاجنبية، وعلى رأسها الدول “الصديقة والحليفة” للولايات المتحدة.

ملخص دراسات ونشاطات مراكز الابحاث
اضرار التجسس

سعى مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الى طمأنة المعنيين بالأمر بالتخفيف من هول التداعيات الناجمة عن استمرار الكشف عن اختراقات وكالة الأمن القومي لسيادة الدول القريبة والحليفة للولايات المتحدة، والتصميم على معالجتها وتجاوزها. واستدرك بالقول ان “ضرر التسريبات الاستخبارية سيتخذ مفعولا قصير الأجل، بيد ان الضرر الذي سيلحق بالنفوذ الاميركي سيدوم بعض الوقت بسهولة .. نظرا للاستدارة بتطبيق قدرات شبكة الانترنت ضد النظم الديموقراطية .. ورسم صورة قاسية للفعل الاميركي بانه ناجم عن (حماية) المصالح الذاتية ..” وحث صناع القرار على بلورة “استراتيجية شاملة” تأخذ بعين الاعتبار المتغيرات الدولية “وتقلع عن التواري وراء مكافحة الارهاب .. ولا تستند الى تفوق وتميز القوة العسكرية.” وذكّر المركز الساسة المعنيين بأن “عصر القطب الواحد قد انتهى منذ زمن طويل .. والاستدارة لمعالجة تداعيات التسريبات التي انزلت اضرارا اكبر كثيرا مما نرغب في الكشف عنه.”

سورية

اسند معهد كارنيغي اعادة التموضع بين قوى المعارضة السورية المسلحة المختلفة بانه نتيجة طلب من السعودية، محذرا من فشل مساعيها في توحيد القوى المسلحة “مما سيقوّض مصداقية الرياض، بل الاسوأ ان السعودية ستجد نفسها امام استنساخ تجربتها السابقة في افغانستان ..” واردف ان “استمرت في تكثيف جهودها ومقدراتها المالية والتسليحية لتصعيد الضغط العسكري على النظام في غياب بلورة استراتيجية سياسية موازية لهزيمته .. فانها تغامر بمواجهة مصير مماثل .. فجيش محمد قد يعود ادراجه لوطنه في مكة.”

زيارة المالكي لواشنطن

The Washington Institute غالى معهد واشنطن في ترحيبه بلقاء الرئيس اوباما ورئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، مذكرا صناع القرار السياسي بان “العراق يحتل مكانة فريدة ومؤسفة (سوية) في صنع السياسة الاقليمية للولايات المتحدة،” وينبغي العمل لتقديم مساعدات مباشرة “خاصة في جهود مكافحة الارهاب .. وتجاوز وصمة عار الاحتلال عند الاميركيين والنظر الى مكانة العراق بعيون جديدة.” وطالب المعهد صناع القرار استغلال الاجواء الانتخابية المقبلة التي ستوفر فرصة لتبيان مصداقية “التزام واشنطن بدعم عراق ديموقراطي مزدهر.”

مصر

توتر الاوضاع الأمنية في شبه جزيرة سيناء كان محطة اهتمام معهد بروكينغز من زاوية مصالح القوى المنخرطة: مصر وحركة حماس و”اسرائيل،” وما اعتبره “مناطق تثير قلقا مشتركا للاطراف.” ونبه المعهد الى تقاطع مصالح تلك الاطراف في “التصدي لصعود الحركة الجهادية-السلفية في سيناء والسعي الى تفادي التوترات الحدودية التي قد تنجم عنها والحيلولة دون تصعيدها الى نزاع مفتوح.” كما لفت المعهد النظر الى طبيعة العلاقات المعقدة بين الاطراف الثلاثة، مما يتعين على الولايات المتحدة “حث الخطى لبناء اواصر الثقة والتعاون الاستخباراتي بين مصر واسرائيل.”

المغرب العربي

تناول مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الوضع الجيوسياسي في المغرب ومحيطه، معربا عن اعتقاده “بتزايد أهمية منطقة جنوبي الصحراء الافريقية لمستقبل المغرب اقتصاديا وأمنيا .. سيما وانه يواجه عددا من التحديات لترجمة حضوره” في تلك المنطقة الشاسعة. وحث المركز المغرب بذل جهود اضافية “لتنويع علاقاته مع الاقتصاديات الافريقية الاوسع والتغلب على قيود الحركة الناجمة عن الصراع في الصحراء الغربية.” واوضح ان دورا ينتظر الولايات المتحدة للقيام به “لدعم انخراط المغرب في افريقيا، مما يتمم اهداف السياسة الخارجية الاميركية في كل من المغرب ومنطقة جنوبي الصحراء الافريقية.”

ايران

The Washington Institute حذر معهد واشنطن من تلكؤ جولة المفاوضات مع ايران “نظرا لمخاوف عدد من الاطراف من التطور (التقني) لايران مما يضعها على حافة مكانة دولة نووية بالأمر الواقع .. وخشيتهم ايضا من ان يؤدي اتفاق بينها وبين الدول الغربية الى تأكيد واشنطن على تلك المكانة.” وحث واشنطن وحلفائها “المضي قدما بالتفاوض على وجه السرعة، وانجاز تقدم ملموس ينزع مخالب ايران وتهدئة مخاوف حلفاء الولايات المتحدة.”

افغانستان وشبح القاعدة

فند معهد المشروع الاميركي ادعاءات الادارة الاميركية بانه “تم تمزيق القاعدة .. او انها شارفت على الهزيمة” في منطقتي باكستان وافغانستان. وقال في شهادة ادلى بها فريديريك كاغان امام احدى لجان الكونغرس انه “لا يرى ضوءا في نهاية النفق للتهديدات المحدقة بالأمن الاميركي ومصالحه” في تلك المنطقة الواسعة. واردف ان القاعدة تمددت الى اليمن والعراق وسورية وشمالي افريقيا “مما ينبغي ان يشكل قلقا كبيرا” لاميركا. وحث صناع القرار على تعزيز “علاقات الشراكة الاستراتيجية مع افغانستان، وتوفير الدعم المادي والعسكري، بالتوازي مع استمرارية الانخراط في باكستان، والذي يشكل الأمل الاخير لضمان المصالح الاميركية وسلامة الاميركيين في المنطقة.”

تركيا

اشار معهد كارنيغي الى الصراع الجاري بين “حزب العدالة والتنمية (اردوغان) وبين حركة غولن” الاسلامية ايضا والتداعيات على السياسة التركية. ولفت النظر الى “حتمية انفصال الطرفين .. او على الاقل تفاقم الشرخ القائم” تجلى في تباين وجهة النظر بالنسبة للحملة التي قادتها حكومة اردوغان في قمع الاحتجاجات السلمية في حديقة غيزي. واستدرك بالقول انه على الرغم من تصدع العلاقات بين الطرفين، الا ان “الانتماء الفكري المشترك” للطرفين يبقيهما قريبين من بعضهما البعض.

التحليل:

هدف التجسس الاقتصاد ام الارهاب
تسريبات سنودن متواصلة في احراج اوباما

لم تفلح تطمينات الرئيس اوباما بالايحاء تارة والمداراة تارة اخرى بتعرضه لخذلان المؤسسة الأمنية ومسؤوليها لتفادي الانتقادات المتزايدة، واستبق التحرك قبل بدء تدحرج كرة الثلج لتهدئة مخاوف الحلفاء الاوروبيين والداخل الاميركي. وسارعت وزارة الخارجية الاميركية (31/10) للاعلان عن جولة واسعة عاجلة يقوم بها جون كيري تشمل دولا اوروبية وعدد من الدول العربية و”اسرائيل،” بغية استيعاب تداعيات التجسس على عدد من الزعماء، وعلى رأسهم المستشارة الالمانية انغيلا ميركل.

واعترف وزير الخارجية بالتزامن مع الاعلان عن جولته بتجاوز وانتهاك الاجهزة الأمنية لصلاحياتها، مستدركا انها حدثت “دون علم المسؤولين الرئيسيين” في الادارة الاميركية. وقال “هناك جهود لتجميع المعلومات، نعم، على نحو غير ملائم في بعض الاحيان ..”

ايضا، رافق اعتراف جون كيري دعوة مجموعة من كبريات شركات الاتصالات في اميركا الى تبني “اصلاحات جذرية” في برامج التجسس الداخلي تعزز اجراءات الرقابة والشفافية، على ضوء كشف وثائق ادوارد سنودن عن اختراق وكالة الأمن القومي للكوابل الضوئية التي تربط اجهزة شركتي ياهو وغوغل بمختلف مناطق العالم والتنصت على المعلومات الهائلة التي تمر عبرها يوميا.

جهود التنصت والتجسس الاميركية على نحو 35 من زعماء العالم اعاد للواجهة ماهية طبيعة ومهام وكالة الأمن القومي، التي برزت شهرتها على خلفية زعمها انها تتصدى للارهاب وحصدت معلومات ضخمة وشديدة الخصوصية لعدد كبير من الافراد والمجموعات، لسس آخرها التنصت على زعماء اسبانيا ورصيد ضخم من المكالمات الهاتفية التي جرت في الجزيرة العربية. يجري توجيه سهام خصومها في المؤسسات الاعلامية المختلفة بانها ركزت جهودها على نواحي اخرى تتعدى ادعاءها بمكافحة الارهاب.

نطاق وانعكاسات التجسس على المنطقة العربية والمحيطة

لا يساور احدا الشك بأن الوكالة ماضية قدما في مراكمة كميات هائلة من البيانات في كافة اركان المعمورة، التي قدرت بما ينوف عن 124.8 مليار محادثة هاتفية لشهر كانون الثاني / يناير 2013 فقط. واشار الموقع المختص بتتبع الوثائق الحكومية والتجارية المنشورة، كريبتوم Cryptome، ان الجزء الاكبر من تلك المكالمات كان مصدرها افغانستان (21.98 مليار) وباكستان (12.76 مليار) و (7.8 مليار) لكل من العراق والجزيرة العربية، ومصر (1.9 مليار) وايران (1.73 مليار) والاردن (1.6 مليار)؛ فضلا عن ترصد الوكالة لنحو 70 مليون محادثة هاتفية في فرنسا لذات الفترة.

واوضحت مجلة بانوراما الايطالية ان جهود التنصت على الهواتف الخاصة طالت الفاتيكان ابان الخلوة السرية لانتخاب بابا جديد، واتهمت المجلة الولايات المتحدة بالتنصت على المكالمات الهاتفية الواردة والصادرة عن الفاتيكان، والتي شملت ترتيبات الاقامة للكاردينال خورخي ماريو بيرغوغليا قبل انتخابه البابا فرانسيس.
تقرير المجلة اتى عقب كشف “كريبتوم” عن اعتراض الولايات المتحدة نحو 46 مليون مكالمة هاتفية تمت على الاراضي الايطالية بين شهري كانون الاول 2012 وكانون الثاني 2013، والتي تضمنت مكالمات الفاتيكان في الاتجاهين. واردفت بانوراما ان “المخاوف تسود المعنيين لاستمرار تنصت الآذان الاميركية على محادثات الاساقفة وصولا الى انعقاد الخلوة .. هناك شكوك بأن المحادثات التي اجراها البابا القادم قد تم رصدها والتنصت عليها.”

ما تم التوصل اليه من انتهاكات الوكالة الاميركية لخصوصيات الشعوب المختلفة، ورصد زعماء محددين من بينهم المستشارة الالمانية والبابا والناس العاديين، يطرح سؤالا في الاوساط الاميركية حول صلب مهمة التجسس. اذ تبين بالدليل القاطع ان جهودها واولوياتها ليست منصبة على مكافحة المجموعات الارهابية كالقاعدة او الدول التي ترعى الارهاب، كما تزعم؛ وليست منصبة كذلك على الدول التي تمتلك اسلحة الدمار الشامل، كما يُظن.

الاعتقاد السائد كان ينظر الى قيام الوكالة بالتنصت على وسائل الاتصالات للدول غير الديموقراطية، كما رُوّج منذ التبشير ببداية القرن الاميركي. وعليه، كان ينبغي استثناء الحكومات الديموقراطية المنتخبة من شباك التجسس. اذا استثنينا تعليل الوكالة والاجهزة الاميركية الرسمية بان اولوية المهام هي “نشر الديموقراطية ومكافحة الارهاب الدولي،” فما هي المهام الاخرى المنوطة بالوكالة. معدل الكشف عن موجة واسعة من جهود التجسس على المانيا، تحديدا، تجاوز نطاقها الجهود المبذولة لتعقب الصين والعراق والجزيرة العربية. اذ اوضحت يومية “دير شبيغل” واسعة الانتشار ان احدى وثائق الوكالة السرية التي اطلعت عليها تضع المانيا في مرتبة “الطرف الثالث للشراكة الاجنبية،” غير مؤهلٍ للاستثناء التجسسي كما هو الامر حصرا للدول الحليفة لاميركا والناطقة باللغة الانكليزية: بريطانيا، استراليا، كندا، ونيوزيلندا. (بمعنى آخر استثناء “العرق الانجلو ساكسوني”).

ومضت اليومية الالمانية بالقول يبدو ان الولايات المتحدة رمت للحصول على معلومات من خلف الستار للمفاوضات التي كانت تجريها المستشارة انغيلا ميركل مع زعماء اوروبيين آخرين حول الاجراءات المصرفية المرغوب اتخاذها والتي من شأنها التأثير على مستقبل العملة والاقتصاد الاميركيين. في هذا الصدد، اوضحت “بانوراما” الايطالية ان احد اهداف تنصت وكالة الامن القومي كان للتعرف على “التهديدات الماثلة امام النظم المصرفية.”

الولايات المتحدة مسكونة بهاجس احتوائها وسيطرتها على الجميع، خاصة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. في مرحلة الحرب الباردة في المانيا، مثلا، تعهد المستشار غيرهارد شرودر بتنفيذ مشروع مشترك مع الروس (الاتحاد السوفياتي) لخط انابيب ينقل الغاز الطبيعي من اراضي مدينة فايبورغ الروسية مرورا ببحر البلطيق ليصب في مدينة غرايفسوالد الالمانية. عقب انتهاء ولايته كمستشار، تربع شرودر على منصب رئيس اتحاد شركات غازبروم، باغلبية روسية، والتي انجزت خط الانابيب. ولا يخفى على احد المكانة المتقدمة للاسواق المصرفية الالمانية والتي تعد من اولويات التحكم بها لكل راغب في بسط الأمن الاوروبي.

تبرز بعض التوترات المالية بين الولايات المتحدة والمانيا، من حين لآخر، وبصورة خاصة ما يتعلق بمخزون الذهب الالماني المودع في الاقبية المخصصة لحفظ الذهب لدى فرع البنك المركزي (الفيدرالي) في نيويورك. اختلال التوازن الاقتصادي بين دول جنوبي القارة الاوروبية، اليونان وقبرص واسبانيا وايطاليا، والدول الاخرى شكل عاملا ضاغطا على قيمة عملة اليورو الموحدة. متانة الاقتصاد الالماني على الدول الاروروبية الاخرى عزز موقع المانيا للعب دور العامل الحاسم في بلورة اقتصاد الاتحاد الاوروبي، مما قد يتطلب منها بيع بعض من ممتلكاتها من الذهب وتوفير السيولة المالية المطلوبة.

قبل فترة وجيزة، اشار البنك المركزي الالماني الى نيته تحريك مدخراته من الذهب المودعة في نيويورك، يقدر قيمته 36 مليار دولار مما يشكل نحو نصف احتياطيها من الذهب، من خزائن نيويورك الى خزائن البنك المركزي “بونديسبانك” في مدينة فرانكفورت. الطلب الالماني ووجه بصمت وتحفظ الحكومة الاميركية للموافقة على تحويل الذهب، بل اجاب البنك المركزي الاميركي (الاحتياطي الفيدرالي) بأنه لا يستطيع البت في عملية التحويل والتي قد تستغرق نحو 7 سنوات (2020) لانجازها. وسارع الجانب الالماني الى طلب زيارة المصرف الاميركي والاطلاع على مدخرات بلاده وجردها للتيقن من وجودها فعلا، ورفضت الحكومة الاميركية السماح لالمانيا فحص مخزونها من الذهب عللتها باسباب “أمنية .. وعدم جهوزيتها لاستقبال الزوار.” (المصدر:

http://www.spiegel.de/international/germany/german-politicians-demand-to-see-gold-in-us-federal-reserve-a-864068.html)

وبعد سلسلة نقاشات مطولة استطاع وفد الماني مختص زيارة فرع البنك المركزي في نيويورك وسمح له بدخول بهو الخزنة ورؤية 5 او 6 سبائك ذهبية “نموذجا للاحتياط،” ولم يسمح له ابعد من ذلك. وعاد الوفد في زيارة ثانية “سُمِحَ” له بالدخول لغرفة واحدة من مجموع 9 غرف لحفظ الاحتياط ورؤية عينة من سبائك مكدسة لكن لم يسمح له بالدخول التام او اللمس.

وعليه يتضح ان التنصت على هاتف المستشارة الالمانية يتيح للولايات المتحدة التعرف على موجة المناورات المالية الدائرة بين اقطاب الاتحاد الاوروبي، وتوفير معلومات اساسية للبنك المركزي الاميركي حول نوايا المانيا المقبلة لاستعادة احتياطيها من الذهب.

التجسس في جزيرة العرب

اما عملية التجسس المتشعبة في الجزيرة العربية فتدل على عدد من الاهداف “بالاضافة الى الارهابيين.” فالسعودية كمنتج اساسي للنفط تبقى في دائرة الاستهداف كقطب اقتصادي لاطلاع الحكومة الاميركية على نواياها فيما يخص تحديد الاسعار وحجم الانتاج قبل الآخرين. كما ترمي الى ترصد اي تحرك او نية للسعودية بتحريك مدخراتها واصولها المالية بالدولار، سيما وانها منذ زمن طويل اعتمدت الدولار الاميركي كمقياس لآلية الاسعار مما يكثف الطلب الدولي على العملة الاميركية.

على الرغم من التناغم الوثيق بين السياسة التي تنتهجها السعودية والاهداف الاميركية، الا ان ادارة الرئيس اوباما تنوي الاطلاع عن كثب على تبلور عناصر السياسة الخارجية السعودية ونواياها المقبلة، يعززه قرار السعودية الاخير باقصاء نفسها عن اعتلاء مقعد في مجلس الأمن الدولي كرسالة احتجاج والابتعاد عن السياسة الخارجية الاميركية في الاقليم.

راهنت السعودية بقوة على صلابة الدعم الاميركي لموقفها فيما يتعلق بالصراع على سورية والبرنامج النووي الايراني، وافصحت بعيدا عن الكياسة الديبلوماسية المعتادة عن عدم رضاها للتحول الاميركي بالاتفاق مع روسيا وترجيح الحل السياسي في سورية، وفي الجانب الآخر غضبت ايضا للانفتاح الجزئي على ايران، وغياب خيار التدخل العسكري الاميركي في الحالتين. وتبقى آلية التجسس على وسائل الاتصالات احدى الآليات المعلوماتية حول الحراك الداخلي في الاسرة الحاكمة لاعانة صناع القرار الاميركي في توفير المرشح الاوفر حظا لخلافة العاهل السعودي المريض، ورسم آفاق سياساتها المقبلة.

فيما يتعلق بالتنصت على الساحة السورية، اهداف وكالة الأمن القومي تجاوزت مجرد معرفة الاتصالات الديبلوماسية والعسكرية السعودية، لتمرير ما ترغب به من شذرات معلوماتية لمجموعات غير منحازة للسعودية او لحلفائها في المعارضة السورية. قيمة المعلومات قد تحدد الحاق هزيمة عسكرية بحلفاء السعودية في سورية او نصب كمائن لقواتها المسلحة. كما تعزز الاختراقات فرص اعتراض شحنات الاسلحة الى المعارضة السورية او الدعم المالي.

توضح الوثائق المسربة ان جهود التنصت الهائلة توضع في خدمة عدد من المصالح القومية، تتضمن السياسات الاقتصادية والخارجية. وبناءاً على محتويات ما رشح من الوثائق، ينبغي على المسؤولين والعامة على السواء اتخاذ اقصى درجات الحيطة والحذر خلال التعامل بالوسائط الاليكترونية، اذ انها ستجد طريقها الى الجانب الاميركي حتما.

كيف نحافظ على خصوصية المعلومات

لتعميم الفائدة، نستعرض بعض الاجراءات التي يمكن القيام بها لتضييق فرص الاختراق التي مصدرها وكالة الأمن القومي وليس التغلب عليها بالضرورة. فالوكالة تستند في انجاز عملها التجسسي على خاصيتها المميزة في قدرتها الفائقة على اعتراض كافة الاتصالات الالكترونية والهاتفية وعرضها على اجهزة الكمبيوتر الضخمة لتحليلها ورسم نماذج محددة واستخلاص بعض الاهداف.

تجنب وسائل الاتصالات الالكترونية قدر المستطاع، والعزوف عن استخدام الهاتف والبريد الالكتروني والرسائل النصية والارسال بالمسح الضوئي (الفاكس)، واستخدام طرق بديلة كالبريد العادي سيما وان اختراق آلياته تتطلب أمرا قضائيا لمضي الاجهزة الأمنية في انجاز اعتراض المرسل.

ينصح العودة لاستخدام الآلات الكاتبة للمحادثات الخاصة، وتصويرها ان تتطلب الأمر شريطة التيقن من خلو “لوحة جهاز التصوير” من ترسبات كامنة بتشغيلها لاستنساخ بضعة اوراق فارغة.

العودة لارسال الرسائل عبر دائرة البريد او مؤسسات تجارية تقدم خدمة صندوق بريد لتقليص امكانية الاعتراض، واستلام الرسائل بطريقة مماثلة.
عند استخدام دائرة البريد، يفضل اعتياد عدد من الدوائر وليس موقعا ثابتا لارسال واستلام البريد لتعزيز الخصوصية.

التعود على استخدام خدمة السعاة، افرادا او شركات متواضعة، كوسيلة بديلة لارسال الرسائل البريدية او الالكترونية – شريطة تفحص مسلك الوسيط والثقة به. يجب ان يكون معلوما ان وكالة الأمن القومي تحتاج لأمر قضائي لاعتراض الساعي الوسيط، والذي يستغرق جهدا اضافيا، والادراك ان الوكالة لا تألو جهدا لاعتراض مراسلات المشتبه بهم، بيد ان المقترح يدخل في تعزيز الشعور بالأمان للفرد العادي.

وينبغي على الدوائر الرسمية بلورة نظام مراسلات خاص بين دوائرها المختلفة عوضا عن استخدام البريد الالكتروني او الاتصالات الهاتفية. فعلى سبيل المثال، يحظر على المسؤولين الرسميين في “وزارة الدفاع الاسرائيلية” التعليق على اي أمر يندرج تحت بند السرية باستخدام الهاتف، وحتى المشفر منها. وتوضح يومية “معاريف” ان المعلومات السرية يجري تداولها عبر مغلفات مغلقة مختومة بالشمع.

تقنية الاقراص المدمجة توفر قدرا لا بأس به من اليقين، بخلاف تقنيات الذاكرة المحمولة USB. وينبغي استخدامها لتخزيم معلومات الكترونية باستخدام جهاز غير مشبوك بالشبكة العالمية.

وعي المستخدم خارج الولايات المتحدة ينبغي ان يستند الى ادراك اعتراض البعثات الديبلوماسية الاميركية لكافة الاتصالات الالكترونية المحلية.

الوعي الدائم لطبيعة واختصاص وكالة الأمن القومي بقطاع الاتصالات، بينما هناك اجهزة استخباراتية اميركية اخرى معنية بالاستدلال على المعلومات وترشيح مجندين للخدمة في صفوفها والتي تحصل على حصتها ايضا من التقدم التقني ووسائط اختراقه. في هذا الصدد، ينبغي ادراك دور الاقمار الاصطناعية المختلفة كوسيلة رصد وتجميع للمعلومات، والتي تستهدف دولا سيادية متعددة، منها ايران وسورية وكوريا الشمالية، ولا تستثني روسيا والصين ودول البريكس الاخرى او الدول الصديقة والحليفة للولايات المتحدة.

التقرير الأسبوعي 25-10-2013

التقرير الأسبوعي لمراكز الأبحاث الاميركية
نشرة دورية تصدر عن مرصد مراكز الابحاث
مركز الدراسات الأميركية والعربية
10/25/2013
‏25 /تشرين الاول/‏ 2013

المقدمة:

الدور الطاغي لوكالة الأمن القومي في التجسس ومراقبة نشاطات الاميركيين وزعماء دول اجنبية كان له السبق في الاهتمام والجدل الدائر في واشنطن، والذي فرض تراجعا في اولوية الازمة المالية وما ادت اليه من شلل وتعطيل في اداء الاجهزة الحكومية المختلفة – واختفت الكلفة المادية الهائلة التي تسبب بها الاغلاق، 24 مليار دولار، من الننقاش الجاد والمسؤول. اخضاع “حلفاء” اساسيين لاميركا لجهود التجسس والقرصنة، فرنسا والمانيا و35 زعيما دوليا آخرين، ادى الى ضعضعة ثقتهم وتعريض علاقاتهم المشتركة بالولايات المتحدة للخطر.

سيستعرض قسم التحليل المرفق برنامج التجسس المشار اليه، وتطوره ليواكب التطورات التقنية الهائلة، مما اتاح لوكالة الأمن القومي القدرة الفائقة على جمع كمية غير مسبوقة من المعلومات المختلفة وتصنيفها واخضاعها للتنقية والتحليل، بغية التوصل الى رسم نماذج سلوكية معينة تحولها الى ملاحقة افراد ومؤسسات وقوى حددتها الوكالة.

كما سيتناول التقرير عرضا لبرامج الحماية من القرصنة والتشفير المتوفرة مجانا في بعض الاحيان، ونلقي نظرة فاحصة لخبير عربي في مجال اجراءات الأمن والحماية للمعلومات الشخصية.

ملخص دراسات ونشاطات مراكز الابحاث

حرد السعودية

حث معهد واشنطن الادارة الاميركية على احتواء الازمة مع السعودية، سيما وان السفير الاميركي لدى الرياض، جيمس سميث، غادر عائدا الى واشنطن “في ظل هذا المنعطف الخطير” في علاقات البلدين، ولم يتم ترشيح سفير آخر لهذا المنصب. واوضح ان طبيعة “الاحداث الاخيرة تعد نزقا ومسلكا مشاكسا في نظر العامة، وينبغي على واشنطن ارسال وفد رفيع المستوى على عجل” للتشاور المسؤول مع الرياض بغية “تلطيف الاجواء او تبديد تهديداتها الاخيرة .. بدءا في هيئة الأمم المتحدة .. اذ ان هناك متسع من الوقت لاعادة السعودية النظر في موقفها من عضوية مجلس الأمن.”

مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية اتخذ دور الوسيط بين السعودية واميركا، ناصحا الاخيرة بالنظر الى ان “التهديد السعودي .. هو رسالة تذكير للمفاوض الاميركي بأن هناك دول اخرى لديها قلق من الامكانيات والنوايا الايرانية.” وحثت الادارة الاميركية على ضرورة “معاملة شركائنا الأمنيين في منطقة الخليج وباقي الشرق الاوسط كشركاء حقيقيين ..” وطمأنتهم بان مصالحهم سيتم الاخذ بها بعين الاعتبار “وعدم حصر مفاوضاتنا بالمسالة النووية دون عداها.” بل ينبغي بذل جهود اكبر “للاصغاء لهم، وطلب استشارتهم ووضعهم في صورة الموقف ..”

اعتبر معهد كارنيغي جذر الازمة الاخيرة انه عنوان يدل على “التباين بي مواقف دول الخليج في ادارة اوضاعها الداخلية نتيجة الفتنة والمحنة التي تمر بها المنطقة .. سيما وان حكام الخليج عادة يميلون للخلط بين التهديدات الايديولوجية الخارجية والمعارضة السياسية في الداخل .. التي ينظر اليها كعامل يزعزع استقرار المشيخات الخليجية.”

سورية

ذكر معهد كارنيغي “بالمصالح الحيوية المشتركة لكل من روسيا والولايات المتحدة وايران في انجاح التسوية حول الاسلحة الكيميائية بسرعة ودقة” متناهيتين، محذرا من فشل المساعي التي ستنعكس عليهم جميعا “واتهامهم باستغلال التحرك على جبهة الاسلحة الكيميائية وسيلة للتغاضي عن استمرارية الحرب التقليدية .. وينبغي المضي بعزم لعقد مؤتمر جنيف2 بحضور كافة الاطراف ذات العلاقة.”

ايران

حذرت مؤسسة هاريتاج صناع القرار من الوثوق بلهجة الخطاب الايراني الملطفة “اذ ان ايران لا زالت ترفض اي عروض لوقف جهودها في التخصيب واعادة التدوير .. وهي عرضت تنازلات تكتيكية تتضمن قيود محدودة على جهود التخصيب طمعا في رفع العقوبات الدولية ..” وحثت الولايات المتحدة على “الزام ايران باتخاذ اجراءات ملموسة لا رجعة عنها في الامتثال لالتزامات حظر الانتشار ..” وضرورة تضمين الاتفاقية المقبلة “نصوصا تبقي على موانع بعيدة الاجل للحد من انتشار التقنية النووية الايرانية” الى بلدان اخرى.

باكستان وطائرات الدرونز

خفض معهد كارنيغي من سقف توقعات نتائج زيارة رئيس الوزراء الباكساني، نواز شريف، سيما وان “كلا من الولايات المتحدة وباكستان تواجهان بشكل جلي قيود استراتيجية وسياسية للنتائج المتوقعة من الزيارة التي تؤشر على حاجة الطرفين لبعضهما البعض.” وحذر من فرط توقعات الجانبين لطبيعة التنازلات التي يمكن تقديمها، اذ ان القراءة الخاطئة “قد تؤدي الى دورة توترات جديدة بينهما والتي من شأنها تقويض ليس الاهداف الاميركية قصيرة المدى في افغانستان، بل ايضا ستترك تداعياتها على المصالح الاستراتيجية (الاميركية) الاشمل في منطقة جنوب آسيا.”

مارسة ضغط) لتقليص النفوذ الطاغي للقوات العسكرية الباكستانية” في الحياة السياسية، ويتعين عليها “تجديد التزامها ببرنامج المساعدات للقطاعات المدنية في باكستان، والذي ينتهي تمويله في عام 2014.” واوضح المركز ان القانون الاميركي يطلب تزكية الحكومة الاميركية لامتثال القوات المسلحة الباكستانية للشروط المنصوص عليها في مكافحة الارهاب توطئة لتلقي الدعم، والتي “لجأت ادارة الرئيس اوباما باصدار اعفاء مؤقت” لباكستان خلال العام المنصرم نظرا “لاعتبارات واحتياجات الأمن القومي” الاميركي.

الانتخابات الافغانية

اعرب معهد كارنيغي عن شكوكه في اتمام جولة الانتخابات المقبلة في افغانستان، محذرا من ان تؤدي النتائج “الى جولة جديدة من التشكيك بشرعيتها .. سيما وان الحكومة الراهنة تفتقد الى مركز الثقل لدعمها .. وضبابية صلاحيات المؤسسات الرسمية وغياب آلية جلية للتحكيم ..”

التحليل:

اوباما “رئيسا متفرغا للاعتذار” عن فضائح التجسس
شكرا سنودن: وثّقت ما كنا ندركه بالتحليل وبعض الدليل

(يبدو ان الصفة الجديدة التي التصقت باوباما هي “الرئيس المعتذر”
Chief Apologist

لماذا لا يقدم اعتذارا عاما لكل الرؤساء وليس بالتقسيط كلما انكشفت فضيحة جديدة من ملفات سنودن السرية
تعليق خاص لأحد المراقبين في واشنطن

لم تدم طويلا فرحة الرئيس اوباما بالانفتاح على ايران، والزهو بتحقيق “انتصار” نسبي على خصومه الجمهوريين حول اقرار الميزانية العامة، الا ولاحقه شبح سنودن، مما دفعه لبذل جهود استثنائية فورية لتهدئة مخاوف حلفائه ورؤساء دول صديقة، المانيا وفرنسا، من “تجسس” وكالة الأمن القومي الاميركية على الاتصالات الهاتفية والالكترونية لزعمائها. سبقها الغاء رئيسة البرازيل ديلما روسيف لزيارة رسمية مقررة للبيت الابيض اثر نشر وثائق تفيد بتجسس اميركي عليها وافراد حكومتها وبعض مؤسسات بلادها الاقتصادية.

وما لبث اوباما ان هوى متدحرجا عقب تلقيه صدمة اخرى كشفت فيها وثائق الموظف السابق ادوارد سنودن، قيام وكالة الأمن القومي بالتجسس على 35 زعيما من زعماء العالم، لم تحدد هوياتهم، ونشرتها على صدر صفحتها الاولى جريدة الغارديان البريطانية. وشرع في الحد من تدهور مكانة بلاده في عيون الحلفاء، والتي تهاوت الى مستويات لم تعهدها اميركا منذ ازمة الانهيار الاقتصادي عام 1929.

الوثيقة الاخيرة كشفت ايضا عن جهود الوكالة الحثيثة لاختراق “عشرات الملايين” من اجهزة وشبكات كمبيوتر على نطاق العالم وقرصنتها بزرع برامج خبيثة (فايروسات)، شملت سفارات دول اجنبية في اميركا، ورصدت لها ميزانية ضخمة بلغت نحو 652 مليون دولار لعام 2011 فقط. اطلقت الوكالة على جهود قرصنتها “برنامج الجنية.”

فجأة ودون مقدمات برز دور الموساد “الاسرائيلي” كأحد الاطراف الضالعة في التجسس على فرنسا، كما تناولته صحيفة “لوموند” بتاريخ 25 الشهر الجاري، اذ اوضحت ان نحو 70 مليونا من المراسلات الالكترونية والمكالمات الهاتفية تم “اعتراضها” في غضون شهر؛ وبذلك فرضت تراجعا، ولو الى حين، عن الرواية الاصلية التي حملت مسؤولية جهود التجسس هناك لاميركا ووكالة أمنها القومي.

الرصد التجسسي والمتورطين

لعل من اخطر الابعاد في سياق الكشف عن جهود التجسس ما جاء في كشوفات سنودن (30،000 وثيقة باعتراف مسؤول في وكالة الأمن القومي) بأن الولايات المتحدة تعاونت مع اجهزة استخبارية متعددة في العالم، حول عدد من المسائل تشمل “تقديرات استخبارية ذات طبيعة عسكرية لدول الجوار: نظم الاسلحة والصواريخ والسفن وسلاح الطيران،” والتي تم التنسيق بشأنها بسرية فائقة مع عدد محدود من المسؤولين. وجل ما تخشاه الاجهزة الأمنية الاميركية انكشاف هوية الشخصيات المتورطة وطبيعة العلاقات السرية التي عادة كانت تتم بمعزل عن ادراك او معرفة اجهزة رسمية او مسؤولين اخرين داخل البلد الواحد. وعليه، سارعت وكالة الأمن القومي لاخطار بعض تلك الدول بامكانية الكشف عن سرية العلاقات وما سينجم عنها من ارتدادات وتداعيات وحرج كبير للطرفين، بل “اهتزاز الثقة بمصداقية الولايات المتحدة،” كما وصفها مسؤول أمني رفيع المستوى لصحيفة واشنطن بوست (24 تشرين2).

للدلالة، كشفت الاجهزة الأمنية الاميركية عن وجود تفاهم عالي المستوى بينها وبين الرئيس الباكستاني الاسبق، برويز مشرف، وموافقته الخطية على السماح لطائرات الدرونز الاميركية شن غاراتها داخل اراضي الباكستان. تزامن الكشف مع الزيارة الرسمية لرئيس الوزراء الباكستاني، نواز شريف، لواشنطن الذي بدا متحفزا لحث الولايات المتحدة على انهاء طلعات الدرونز في اجواء بلاده. (واشنطن بوست، 24/10) في سياق مماثل، تم الكشف ايضا عن “موافقة صريحة” للرئيس اليمني عبد ربه منصور وسلفه علي عبد الله صالح لشن غارات بطائرات الدرونز فوق الاراضي اليمنية؛ مما يحرج ادعاءات منصور بعكس ذلك خلال زيارته الاخيرة لواشنطن.

دور الموساد و”وحدة الاستخبارات الالكترونية الاسرائيلية” في عمليات التجسس على فرنسا برز بوضوح في مذكرة سرية لجهاز عملياتي متخصص في الحرب الالكترونية تابع لوكالة الأمن القومي، هيئة تاو، اذ ورد فيها “تعمدت هيئة تاو عدم مسائلة كل من الموساد ووحدة الاستخبارات الالكترونية الاسرائيلية ان كانتا متورطتين، اذ ان فرنسا لم يصادق عليها كهدف يستدعي التشاور المتبادل.” (صحيفة “لوموند،” 25/10).

وعي دولي متأخر للاختراقات

القضية الاساسية التي ثبتها ادوارد سنودن، للحظة، هي اليد الطولى لوكالة الأمن القومي في التجسس على كافة الاتصالات الكترونية والهاتفية للاميركيين وشعوب الدول الاخرى دون استثناء لأحد. وعلى أثر الكشف عن التجسس على مكالمات المستشارة الالمانية والرئيس الفرنسي ورئيس المكسيك السابق، بادرت المانيا بالتعاون مع البرازيل في التوجه للأمم المتحدة بغرض استصدار قرار أممي يضمن الحرية الشخصية على الشبكة العنكبوتية، اسوة بالمعاهدة الدولية لحماية الحقوق المدنية والسياسية للافراد؛ بل تنادت شركات الخدمة الالكترونية في البلدين الى عرض بناء شبكات خاصة داخل بلديهما لاقصاء الاعتماد على الولايات المتحدة وحرمانها من التجسس اليسير.

صحيفة “دير شبيغل” الالمانية اوضحت ان رئيس المكسيك السابق، فيليب كالديرون، كان مستهدفا بشكل خاص من قبل الاستخبارات الاميركية، التي توكل تلك المهام الحساسة الى جهاز تابع لوكالة الأمن القومي يدعى “العمليات المصممة خصيصا – تاو.” في مذكرة صادرة عن “تاو” في شهر ايار 2010، تبجح الجهاز بانجازه قائلا “استطاع تاو اختراق جهاز خادم بريد الكتروني بنجاح في شبكة القصر الرئاسي المكسيكي بغية النفاذ مباشرة للحسابات البريدية العامة التي يتعامل بها الرئيس فيليب كالديرون.” واضاف تقرير “دير شبيغل” ان لغة الخطاب المتعالية تدل على عمق الجهود الاستخبارية للاجهزة الاميركية في التنصت على جارتها الجنوبية،” اذ ان واشنطن تشيد ما استطاعت بتعاون حكومة المكسيك في جهود مشتركة لمكافحة المخدرات.

وعلى هذه الخلفية دعت البرازيل، ومن قبلها الرئيس الفنزويلي الراحل اوغو شافيز، دول اميركا اللاتينية الى بلورة جهود جماعية لانشاء نظام اتصالات خاص بها ومستقل عن النظم الاميركية للحد من تجسس “اليانكي” الاميركي. وجاء في احدى وثائق وكالة الأمن القومي ان “وسائل الاتصالات والاطقم المشرفة عليها التابعة لرئيسة البرازيل ديلما روسيف ودائرة مستشاريها الخاصين .. تقع ضمن دائرة الاهداف (المصنفة) بالغة الحساسية.” وعرجت المذكرة ايضا على البرنامج النووي للبرازيل كهدف ذو اولوية. تتدارس البرازيل اتخاذ عدة اجراءات لتعزيز خصوصيتها وسيادتها، منها استصدار قانون يفرض على شركات الخدمة الاميركية الكبرى، غوغل وفيسبوك، تخزين المعلومات في اجهزة داخل البرازيل بدل القفز الى تخزينها في الولايات المتحدة، وبالتالي خضوعها لسلطة القوانين البرازيلية المعنية بخصوصية البيانات – الأمر الذي نجحت الصين في حمل غوغل على الامتثال لطلبها المماثل قبل فترة زمنية قريبة.

المستشارة الالمانية انغيلا ميركل صدمت وغضبت من اختراق جهاز هاتفها الشخصي، الى جانب جهود اخرى اشمل نالت كل ما هو هام وحيوي للدولة الالمانية، سيما بعد التقارب ومشاعر الود الاخيرة بينها وبين المسؤولين الاميركيين. وصرحت ميركل بأنه في صدد ارسال مسؤولي اجهزة الاستخبارات الالمانية، الداخلية والخارجية، الى واشنطن لبحث المسألة على عجل، مما يؤشر على عمق مشاعر الغضب الشعبي المناهض للتجسس الاميركي، وعزم ميركل على احتواء الازمة سريعا قبل استفحالها. واوضحت ايضا ان دول الاتحاد الاوروبي تطمح لانشاء صيغة تفاهم مع واشنطن تحظر تجسس الطرفين على بعضهما البعض، اسوة بالاتفاقية القائمة بين بريطانيا واميركا.

ادوات التجسس

التقدم التقني للولايات المتحدة، لا سيما في مجال الالكترونيات، حفزها واجهزتها الأمنية على استغلال تلك الخاصية لابعد الحدود بما يخدم مصالحها دون ادنى اعتبار للاطراف الاخرى. وكالة الأمن القومي تعتمد بشكل حصري على اجهزة التنصت والاختراق والاقمار الاصطناعية ومعالجة مختلف البيانات آليا باستخدام اجهزة كمبيوتر متطورة، الامر الذي اتاح لها فرصة تطوير اساليبها تباعا في جمع وتحليل البيانات الهائلة.

كما ادركت وكالة الأمن القومي مبكرا النفوذ الطاغي للمؤسسات الاميركية في قطاع الاتصالات بمختلف تشعباته على امتداد العالم، وانتهاج صناع القرار السياسي سياسات اقتصادية تعزز موقعها الريادي. وردا للجميل، شرعت بعض المؤسسات الكبرى التعاون مع الوكالة طواعية، احيانا، وباسلوب لي الاذرع احيانا اخرى تشرعها الوكالة باستصدار اوامر قضائية سرية. فالوكالة بحاجة لوسيط تقني لتوفير خدمة المرور للقواعد البيانية الهائلة، فخطوط الاتصالات، السلكية والضوئية، مملوكة للقطاع الخاص في معظم الاحيان. ولا تتورع الوكالة عن اختراق وسائط الاتصالات المختلفة والنفاذ الى مرافق “آمنة” تحتوي بداخلها على اجهزة كمبيوتر ضخمة.

في حقبة الحرب الباردة بداية عقد الستينيات انشأت وكالة الأمن القومي نظاما لجمع البيانات بالاقمار الاصطناعية اطلقت عليه نظام “ايشيلون – النسق” مهمته رصد وسائط الاتصالات الديبلوماسية والعسكرية للاتحاد السوفياتي ودول حلف وارسو. ومثّل ايشيلون قمة التطور التقني في مجال الكمبيوتر آنذاك. آفاق التطور التقني الحديث فسح المجال للتعامل مع البيانات المختلفة بوسائط متطورة ايضا وسرعة لا تقارن بسابقها، وبات لها القدرة على رصد شبكات اتصالات متعددة عبر العالم، تتعدى النطاق الديبلوماسي والعسكري.

وشرعت وكالة الأمن القومي الى انشاء اضخم مبنى لجهاز حكومي في اميركا قاطبة، بلغت كلفته للحظة ما ينوف على 1.45 مليار دولار، لمركزة السيطرة على البيانات الهائلة المتدفقة وتخزينها وفهرستها وتحليلها واستخراج نتائج محددة مبنية على اسس علم الرياضيات، المعروفة بالجداول الخوارزمية، المصطلح الادق والذي يطلق عليها خطأً في بلادنا العربية والاسلامية “علم اللوغارتمات” المحرف عن مؤسس علم الجبر والرياضيات التكاملية، الخوارزمي.

باستطاعة المنشأة الجديدة تخزين معلومات وبيانات الكترونية يتراوج حجمها من 3 الى 12 مليار غيغابايت، في المدى المنظور، او ما يعادل 1.25 تريليون قرص مدمج، وتحليلها آنيا والتي تشمل كافة محتويات صناديق البريد الالكترونية الخاصة والمحادثات الهاتفية الهائلة ووسائط البحث على الانترنت ومكونات معلومات شخصية لا حصر لها تشمل بطاقات الائتمان ونشاطاتها وايصالاتها، والمعاملات المصرفية، وخطط سير رحلات السفر والمشتريات العادية، وبيانات الكترونية اخرى.

كان من المقرر الانتهاء من انشاء المبنى الضخم منتصف العام الماضي، الا انه تعرض لسلسلة حوادث تقنية وحرائق سببها تماس التيار الكهربائي، وعوارض تصميم وانشاء للمبنى والخدمات المطلوبة. في احدث حريق كهربائي، قبل نحو عشرة ايام، اغلق المبنى ابوابه بعد تعرض العاملين الى الصعق الكهربائي واضطرارهم لتناول الرعاية الطبية المطلوبة في المستشفيات، وتسريح الآخرين.
الجداول الخوارزمية في خدمة التجسس

الكم الهائل للبيانات والمعلومات المختلفة يخضع لمعالجة معادلات رياضية متطورة تستند الى علم الجداول الخوارزمية، بغية التوقف على انماط معينة من السلوكيات التي تم تحديدها مسبقا، وتنقيتها والتركيز على العناصر المستخرجة من المعادلات. مثلا، سياقات اتصالات افراد معينين مشتبه بهم واستكمال دائرة اتصالاتهم سواء مع افراد بعينهم او مؤسسات. كما يدخل في حسبان الجداول نشاطات البحث على شبكة الانترنت التي قد تتضمن مفردات معينة ومواقع محددة يتم تصفحها باستمرار، وقائمة الكتب المقترحة من متاجر امازون تدخل ضمن العناصر المطلوب تتبعها، ونشاطات اخرى. البيانات المصرفية توفر للوكالة مصدرا اساسيا للتعرف على طبيعة واليات ووجهة الصرف للافراد او المؤسسات، ويتم ادخالها في الجداول المذكورة بغية استخراج بعض الدلائل وتحديد الفاعلين.

وتجدر الاشارة الى التعاون الوثيق بين وكالة الأمن القومي والاجهزة الحكومية الاخرى والمؤسسات الخاصة، سيما تلك التي توفر بيانات طلبات جوازات السفر وسجلات الضرائب وسجل بيانات العمل للافراد المعنيين.

كما يتم التكامل مع المعلومات المشتركة والمتقاطعة مع اكثر من مصدر لتحديد نسق سلوكي معين، تتضمن كثافة الاتصالات الهاتفية الصادرة من جهة محددة وتتبع وجهتها وخاصة تلك التي تتم مع دول اجنبية.

للدلالة، قام الباحث المختص في معهد ماساتشوستس للتقنية الشهير، ام آي تي، ايف اليكساندر دي مونتويي، بتجربة على بياناته الخاصة، واستطاع جمع نحو 1.5 مليون سجل بياني لاتصالات هاتفية اجراها بنفسه. على ضوئها، بمساعدة فريق من زملائه الباحثين استنتج انه بالمستطاع التوصل الى رسم نمط سلوكي معين استنادا الى ما لا يزيد عن اربع (4) مكالمات هاتفية او رسائل نصية تمت في فترات زمنية متباعدة واماكن جغرافية مختلفة، من البيانات الهائلة. واوضح ان النتائج التي توصل اليها كانت كافية لمن يرغب برسم صورة ومسلك محدد لشخص معين ضمن تلك البيانات الضخمة.

على الشاطيء المقابل من المحيط الاطلسي، سعى احد السياسيين الالمان، مالتي سبيتز، الى اجراء تجربة على بيانات مشابهة مطعمة بمعلومات تخص نشاطات تصفح شبكة الانترنت. واستطاع بعد جهد الحصول على سجل خاص به من شركة تيليكوم للاتصالات الهاتفية الالمانية، وجند فريق تقني مساعد في جريدة “داي زايت” لاجراء التجربة. وجاءت النتائج لتفيد بقدرة ميسرة مكنته من رسم خريطة جغرافية تحدد كافة نشاطاته وتحركاته، ودلت على عدد المكالمات التي اجراها والمدة التي استغرقتها وحسبان الفترة الزمنية التي تصفح فيها الانترنت.

اما الاجهزة والمعدات والكفاءات المتوفرة لوكالة الأمن القومي فباستطاعتها رسم صورة مسلكية اكثر دقة لاي فرد مستهدف، وبسرعة فائقة. يذكر ان الحكومة الهندية اقرت مؤخرا بقرصنة وكالة الأمن القومي التي “جمعت” نحو 13.5 مليار بيانات معلوماتية في ظرف 30 يوما تضمنت مكالمات هاتفية وبيانات لاجهزة الدولة المختلفة. (صحيفة “هندو” باللغة الانكليزية، 23 ايلول 2010)

كيف نتفادى مراقبة وكالة الأمن القومي

منذ الكشف عن انتهاكات وكالة الأمن القومي لحقوق الانسان وخرقها لسيادة الدول المستقلة، بل “استباحة المواثيق الدولية،” لوحظ طفرة في اهتمام العامة لحماية خصوصية بياناتهم واجهزتهم، وشرع عدد لا بأس به من المختصين بشؤون الكمبيوتر بتحميل برامج وارشادات متنوعة ترمي لاتخاذ اجراءات حماية محددة وتحميل برامج للتحصين ضد القرصنة، بعضها يتوفر مجانا.

سنستعرض قائمة مختارة من البرامج المتداولة بغية تعميم الفائدة، دون التقيد بها او مفاضلة احدها على الآخر، ومن ثم نستفيد من وجهة نظر لخبير عربي مختص بأمن الاجهزة والشبكات الالكترونية، ادلى بها حصرا للتقرير الاسبوعي لمركز الدراسات، ضمنها نصائح محددة صادقة وصريحة، وربما صادمة للبعض.

عرض برامج الحماية

للهواتف الذكية: برامج Silent Circle and/or RedPhone المتوفرة على الشبكة العنكبوتية. باستطاعتها تشفير المكالمات الهاتفية الصادرة وارسالها عبر خطوط تتفادى الشركات المتعاقد معها من قبل المستخدم. بيد ان طبيعة الحصانة التي توفرها تتضمن بعض الثغرات التقنية والتي تستطيع وكالة الأمن القومي التغلب عليها بسهولة.

اجهزة الكمبيوتر: اتباع بعض الاجراءات البديهية للحد من قرصنة الجهاز، منها التيقن من محتويات الاجهزة عند شرائها وخلوها من برامج “مجانية” او مكونات غريبة، والحيطة من عدد البرامج المستخدمة للحد الادنى، والحذر الشديد من الرسائل المجانية التي تظهر عبر الاتصال بالانترنت والواعدة بتحصين الجهاز من الفيروسات وازالتها على الفور. فضلا عن ضرورة التيقن من عدم احتواء الجهاز على وصلات غريبة او مثيرة للشكوك، لدى الخبراء، سيما اثناء الاستخدام في الاماكن العامة.

تقنية الاتصال اللاسلكي شائعة ومغرية الى حد كبير، وينبغي توخي الحذر الشديد من الاعتماد عليها كونها تشكل احدى الثغرات لنفاذ القراصنة وبرامجهم الخبيثة، بصرف النظر عن هويتهم واغراضهم. وفي ذات السياق، ايلاء اهمية قصوى لوحدات التخزين الثانوية، USB على سبيل المثال، او الاقراص الصلبة المحمولة، والتي اضحت وسيلة دعاية مجانية لعدد من المؤسسات التجارية، او تعمل بواجهة تجارية، توزع بداخلها ملفات معينة والتي تشكل ثغرة جديد لاختراق الاجهزة.

برامج وادوات تعزز الحصانة:
• ارشادات قيمة على موقعي Electronic Frontier Foundation و Prism-Breaking.org
• برنامج تشفير شائع الاستخدام: Pretty Good Privacy – PGP
• برنامج تشفير القرص الصلب TrueCrypt
• برنامج بديل للآلية البحث، غوغل: DuckDuckGo
• برنامج تصفح الانترنت: Tor Browser و Mozilla Firefox
• برنامج لتمويه الهوية عند التصفح: disconnect.me
• برنامج للمحادثات الالكترونية، شات: OTR (off the record)
• برنامج للاتصالات الهاتفية عبر شبكة الانترنت: Silent Circle و Redphone
• برنامح للاتصالات عبر الهواتف الذكية: Wickr

ارشادات خبير عربي في الاتصالات الآمنة:

برامج التشفير: ينبغي عدم المبالغة بقدرة البرامج التجارية على توفير جدار حصين وآمن لاجراء الاتصالات الهاتفية وغيرها، اذ ان وكالة الأمن القومي تستطيع اختراق اي من ادوات التشفير، والتي تستند الى معادلات رياضية معقدة قاعدتها الجداول الخوارزمية.

“تنزيل” برامج لتشفير الاتصالات على الاجهزة الشخصية يخلق اطمئنانا كاذبا عند المستخدم، سيما وان وكالة الأمن القومي باستطاعتها التوجه للاجهزة القضائية لاستصدار أمر قانوني بالسماح لها اختراق وتتبع جهة معينة، اينما ومتى شاءت.

كما ينبغي تنبيه المستخدمين الى خطورة برنامج تشفير شائع بوفرة، يدعى CheckPoint، والذي يعد المعيار الاساس للمعاملات المصرفية والمالية عبر العالم. اما الحكومة الاميركية فقد اصدرت اوامر صارمة تمنع استخدامه منعا باتا في اجهزتها ودوائرها المختلفة، رغم شيوعه وانتشاره. السبب، ان CheckPoint برنامج “اسرائيلي” المنشأ، وخشية الاجهزة الاميركية من تضمينه ثغرات أمنية لترصد واختراق وسائط “الانفاق” الالكترونية للاتصالات الآمنة.

القاعدة الاساسية التي ينبغي الاستناد اليها: اي معلومة او جزيْء يرسل عبر شبكة الانترنت معرضة للاختراق والترقب والتحليل لاغراض غير معلومة للمرسل، كما يجب ادراك الجميع ان تخزين المعلومات وطرائق ارسالها الكترونيا يجري في اجهزة متعددة لا تخضع لاشراف جهة فردية حصرا، وينطبق عليها القانون المحلي للبلد (اميركا) الذي هو بخدمة الاجهزة والمؤسسات الحكومية.

وعليه، ينبغي الاقرار بعدم توفر الاجراءات او البرامج الكفيلة لتمويه النشاط الالكتروني على شبكة الانترنت، مهما بلغت تراتبية برامج التشفير المستخدمة، والتي تتضمن ايضا الاتصالات بالهواتف الذكية.

القوات المسلحة الاميركية، مثلا، تستند الى شبكة اتصالات خاصة بها معزولة تماما عن شبكة الانترنت التجارية، تتضمن برامج وآليات تشفير خاصة من العسير اختراقها، لكنه ليس مستحيلا. الكلفة الباهظة لانشاء شبكة مماثلة في الدول الاخرى هي العامل الرئيس لعدم اعتمادها في الفترات السابقة. وبعد انكشاف “جزء” يسير من جهود التجسس والاختراق الاميركية، عزمت بعض دول البريكس، البرازيل والهند، على تخصيص موارد كافية لانشاء شبكات مستقلة تعزز استقلاليتها وسيادة قوانينها الوطنية على شركات الخدمة المتعددة، لا سيما الاميركية العاملة في اراضيها.

اخيرا، ممارسة الفرد للحيطة والحذر وعدم الاعتماد او التعويل على سلامة اجهزة الحاسوب الخاصة، والمحمولة بصورة اساسية، بصرف النظر عن اجراءات الوقاية المتبعة، والتي قد تتضمن ارشادات بمسح شامل للقرص الصلب. الحقيقة ان آلية المسح لا تتخلص من الملفات والاجراءات السابقة بشكل تام، وباستطاعة بعض البرامج المختصة استعادة الملفات بكاملها حتى لو تعرض القرص لاذى فعلي. الاجهزة الرسمية الاميركية، ومن ضمنها القوات المسلحة بكافة تشعباتها، تتخلص من الاقراص الصلبة عبر آليات مركبة تشمل التخلص من خاصية التمغنط وتمزيق فعلي للاقراص قبل التخلص منها تماما، نظرا لدرايتها بتقنية استعادة المعلومات بجهد معتدل.

التقرير الأسبوعي 18-10-2013

التقرير الأسبوعي لمراكز الأبحاث الاميركية
نشرة دورية تصدر عن مرصد مراكز الابحاث
مركز الدراسات الأميركية والعربية

10/18/2013

‏18 /تشرين الاول/‏ 2013
رئيس التحرير: د. منذر سليمان
نائب رئيس التحرير: جعفر الجعفري

المقدمة:

الصراع حول اقرار الميزانية السنوية للحكومة الاميركية، بين قطبي المؤسسة الحاكمة، كان الشغل اليومي لمراكز الابحاث ووسائل الاعلام المختلفة على السواء.

سيستعرض قسم التحليل بوادر المعركة الانتخابية المقبلة بالنظر الى آليات وادوات الصراع الراهنة والاستقطابات المتجددة في المشهد السياسي الاميركي. بوسعنا القول ان الحزبين الرئيسيين يتطلعان للاستفادة القصوى من الأزمة الراهنة ونتائجها، وتوظيفها في خدمة حملتيهما الانتخابيتين للفوز بالجائزة الكبرى: السيطرة على مجلس الشيوخ الذي يعتقد الحزب الجمهوري ان بوسعه كسب المقاعد الثلاثة المرجح انتقالها لصالحه، بينما يسعى الحزب الديموقراطي لتتشبث بكل ما لديه من قوة وسيطرة وبأس وموارد للمحافظة على اغلبيته في المجلس.

كما سيتناول التحليل التطورات المتسارعة في الملف النووي الايراني والاصطفافات الجديدة بين اقطاب السلطة السياسية. وعلى سبيل المثال، طالب معهد كارنيغي صناع القرار انتهاج سياسة تتسم بالواقعية فيما يخص استخدام الدول الاخرى للتقنية النووية، والتوجه نحو التوصل الى اتفاق تعاون للطاقة النووية السلمية بين الدول، “وما قد يستوجبه ذلك من ابرام معاهدات جديدة تتضمن التزامات قانونية تمنع تخصيب واعادة تدوير الوقود النووي.”

ملخص دراسات ونشاطات مراكز الابحاث

تخبط الديبلوماسية السعودية

تناول معهد كارنيغي تخبط السياسة الخارجية السعودية وهي هائمة تبحث عن وجهة تستقر عليها “في ظل التحولات التي تشهدها السياسة الخارجية الاميركية،” قبل انسحابها من عضوية مجلس الأمن الدولي. واعرب عن ثقته بديمومة مواصلة “السعودية ودول الخليج بشكل عام المضي في سياسات تصطف خلف التوجهات العامة للاستراتيجية الاميركية .. وقد تصطدم في بعض الاحيان مع المصالح الاميركية.” واوضح قلقه من “تبلور انفصام حاد بين وجهات النظر السعودية والاميركية (جسدتها) التوترات الاقليمية التي استدعت حملة أمنية قاسية ضد عدد واسع من المتمردين، وبروز الطائفية، واستخدام الرقابة بصورة مثيرة للقلق.”

جاذبية الحركة السلفية

اعرب مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية عن قلق الاوساط السياسية الاميركية لتنامي صفوف الحركات السلفية “في شمالي افريقيا .. والتي تستقطب الجيل الشاب من الناشطين” لحمل السلاح “والقتال ضد الحكومات (المحلية) المدعومة من الغرب .. وتشكل تهديدا لاستقرار الحكومات الهشة وبلورة النزعات المتطرفة لدى العامة في مجتمعات منقسمة.” وحث المركز صناع القرار على انتهاج “وسائل مواجهة اشد تطورا من ثمة التصدي لمكافحة الارهاب وتوظيف الانقسامات الاقتصادية والاجتماعية المحلية، وكذلك الانقسامات الدينية والسياسية” لمحاربتها.

مصر

كرر معهد واشنطن تحذيراته للتداعيات الناجمة عن وقف المساعدات الاميركية لمصر، وحذر صناع القرار السياسي “من المضي في ترسيخ مفهوم جامد وبعيد عن الواقعية .. لنشر الديموقراطية في الخارج، اذ ان نتائجها على الارجح ستكون كارثية على مصر وعموم المنطقة وخاصة المصالح الاميركية هناك.” واعاد المركز الى الاذهان “جواب (العقيد) جمال عبد الناصر الذي ابلغ الرئيس ايزنهاور جملته الشهيرة باخذ اي شروطاميركية تفرض على المساعدات واغراقها في المياه.” واوضح ان استذكار الحادثة “يرمي الى ارساء تحذير هام وتوجيه الخطوات المستقبلية الهشة التي ينبغي اتباعها في العلاقات الاميركية المصرية المعقدة والضرورية على المدى البعيد.”

سعى مركز ابحاث السياسة الخارجية التعرف على كنه شخصية الفريق عبد الفتاح السيسي منوها الى “هدوء الشخصية يعرف بقلة الكلام والاحتفاظ برأيه الشخصي،” معربا عن شكوكه في تجذر الديموقراطية في المنطقة ابان فترة دراسته في المعاهد الاميركية، “بيد انه يوضح قائلا ان ارساء الديموقراطية في الشرق الاوسط ينبغي ان تستند ليس الى العلمانية، بل الى الاسلام.”

الذكرى 40 لحظر النفط

استعاد مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية تجربة حظر النفط قبل عقود اربعة “جذورها وتداعياتها،” حاثا الدول الغربية “الالتفات الى التغييرات الهامة التي طرأت على اسواق الطاقة المحلية والدولية .. سيما وان الولايات المتحدة تقف على عتبة صعودها الى المرتبة الاولى عالميا في انتاج النفط والغاز، وتحقيق اكتفاء الاحتياجات الذاتية بنسبة 90% من موارد الطاقة.” واوضح ان نسبة الاستهلاك الاميركي للطاقة “اضحت اقل من النصف مما كانت عليه في عقد السبعينيات” نتيجة التقدم الهائل الذي طرأ على تقنية استخراج وسائل الطاقة.

المغرب العربي

اشار معهد واشنطن الى “تضاؤل نفوذ الاسلاميين” في تركيبة الحكومة المغربية الجديدة، معربا عن عدم قلقه “من تقويض (الاسلاميين) لأفق الدمقرطة في المغرب .. سيما في غياب البديل الفاعل للوضع الراهن.” واشاد المعهد بجهود العاهل المغربي “لاحتواء واضعاف الاسلاميين .. وتهيئة الارضية اللازمة لحزب العدالة والتنمية (الحركة الشعبية الدستورية الديموقراطية سابقا) للخروج السياسي الهاديء” من السلطة، في ظل تبلور مناخ مناهض لحكم الاسلاميين في المنطقة. واشاد المعهد بالدور الذي يؤديه وزير الخارجية المغربي، صلاح الدين مزوار، خاصة “في توصله لتوقيع اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة” والتعويل عليه للعب دور مركزي في “تدعيم العلاقات الثنائية المغربية – الاميركية بالغة الاهمية للطرفين.”

افغانستان

الاصطفافات السياسية قبل عقد الانتخابات الرئاسية في افغانستان كانت محور اهتمام صندوق جيرمان مارشال، الذي اعرب عن استغرابه من حالة عدم الانسجام في لوائح المرشحين “اذ شهدنا توحد جهود اعداء سابقين .. وتضافرها مع المنادين بدولة مركزية قوية.” ونبه الصندوق الى ضرورة مضي المرشحين بالخطوات المقبلة الى نهاياتها والتي تتطلب “توحيد رؤية المرشحين غير المتطابقة، وتعزيز بنية التحالفات الجديدة، وبلورة مطالب محقة، وادارة حملة انتخابية في ظرف زمني قصير.”

التحليل:

صفقة الميزانية:

هدنة اضطرارية في صراع الحزبين على الانتخابات القادمة

اتفاق اللحظة الاخيرة بين قطبي المؤسسة الحاكمة افضى لتأجيل اندلاع الصراع بحدة أشد، تحت وطأة الضغط الشعبي وتنامي قلق الاوساط المالية العالمية. القراءة السطحية لحصيلة جولة الصراع توحي بخسارة صافية للحزب الجمهوري في اعقاب انكشاف دوره المعطل وتشبثه بموقف ايديولوجي متشدد. بينما تقودنا القراءة الفاحصة الى القول ان “معادلة التسوية – الصفقة” تمت على ارضية ووفق الشروط المعلنة للقطب المتشدد، سيما وان المرحلة المقبلة من المفاوضات حول الميزانية الحكومية ستجري وفق الاخذ بعين الاعتبار عدد هام من القضايا “المقدسة” للحزب الجمهوري، على راسها تثبيت المستوى الراهن لخفض حجم الانفاقات الحكومية كقاعدة نقاش بنود الميزانية تراعي “ميل” الحزب الديموقراطي لاقتطاع بعض التمويل المخصص “لبرامج بقرته المقدسة،” الرعاية الاجتماعية والرعاية الصحية ونظام التقاعد.

اما الموقف المعادي لبرنامج الرعاية الصحية الشامل – اوباماكير، شكليا ومبدئيا بالنسبة للجمهوريين، فلم يطرأ عليه اي تعديل يذكر. نستطيع القول ان اوباما كير ربما كان ذريعة هجوم الجمهوريين استخدموها كورقة مساومة مدركين انها خاسرة سلفا بغية عدم المس بالسقف الراهن للميزانية وتقليص الخدمات المركزية وتخفيض الضرائب على شريحة الاثرياء، سيما وان الرئيس اوباما وافق على عدم ادراج مسألة زيادة الضرائب على بساط البحث منذ بداية ولايته الرئاسية.

بدافع تسهيل الرؤيا عند القاريء، لا بد من الاشارة الى مسألتين: الاولى، جاء توقف الخدمات الحكومية خلال الأزمة نتيجة سياسة خصخصة القطاع الحكومي لشركات متعاقدة جنت عوائد هائلة؛ والثانية حجم التعويض

الهائل الذي تتلقاه كبريات الشركات من الميزانية المركزية، دون مقابل او جهد يذكر، والذي لم يجر تداوله في وسائل الاعلام المختلفة. اذ اوضحت دراسة صادرة عن جامعة بيركلي المرموقة بولاية كاليفورنيا، مطلع الاسبوع المنصرم، ان غياب دور النقابات العمالية الفاعلة اطلق العنان للشركات الخاصة للتلاعب بالاجور ومفاقمة مستويات الفقر، سيما وان الرواتب المتدنية لعمال قطاع مطاعم الوجبات السريعة، ماكدونالدز واقرانه زائد اضخم شركة تجزئة “وولمارت،” تكلف الخزينة العامة 7 مليار دولار سنويا تذهب كوسائل دعم اقتصادي، كوبونات غذائية، لتخفيف وطأة العوز والمساعدة لمحدودي الدخل، منها 3.9 مليار دولار تذهب مساعدات ونفقات مباشرة للرعاية الصحية.

يذكر ان الحد الادنى الراهن للأجور يبلغ 7.25 دولار في الساعة، وهو ثمن وجبة سريعة تقريبا ويطبق في نحو 30 ولاية، مما يعادل راتبا سنويا يساوي 15،000 دولار شريطة العمل بمعدل 40 ساعة اسبوعيا؛ الأمر الذي لا تطبقه الشركات المذكورة الا نادرا. المعدل العام الذي اعتمدته الدراسة بلغ 8.69 دولارا لساعة عمل. تجدر الاشارة هنا الى تقاعس الرئيس اوباما عن الوفاء بوعوده الانتخابية (2008) لزيادة الحد الادنى من الاجور امام الرفض الحاد للحزب الجمهوري وبعض اعضاء الحزب الديموقراطي ذاته. وعليه، تصاعدت وتيرة الاضرابات العمالية في مختلف القطاعات الاقتصادية السنة الجارية، بل اضحت مادة يومية يشاهدها العامة في مدينة واشنطن، على سبيل المثال.

وخلصت الدراسة المذكورة بالقول “الاسس التي يقوم عليها سلم الرواتب المتدنية في قطاع مطاعم الوجبات السريعة ونشاطات وخدمات اخرى محلية تؤشر على تناغم عوامل متطلبات السوق والخيارات السياسية” التي تتحكم بارساء قواعد ومعايير الحد الادنى من الاجور.

فيما يتعلق بجوهر مطالب الحزب الجمهوري وتيار الشاي بداخله، تقليص حجم قطاعات الدولة واجهزتها المختلفة مما سيستدعي تخصيص ميزانيات مخفضة، فالمستهدف هو جملة برامج دعم الرعاية الصحية والاجتماعية وكذلك دعم المزارعين التي تستفيد منها بشكل رئيس شركات الاغذية الكبرى، وتستثني الانفاقات الدفاعية والاجهزة الأمنية التي تضخمت ولا تزال تشهد نموا في بنيانها. اما مسألة التفاوت الهائل في المداخيل فهي لم تكن يوما على جدول اعمال الحزب وما يمثله من مصالح لكبرى الشركات والصناعات والاستثمارات.

الصراع السياسي داخل الحزب الجمهوري طفا على السطح ولم يعد بالامكان تأجيله او تجاهله. القيادات الحزبية التقليدية القت باللائمة على تهور “المجموعة الانتحارية” المحسوبة على تيار حزب الشاي لتراجع وضع الحزب في الاوساط الشعبية. ردت تلك المجموعة باتهام قياداتها التقليدية والمخضرمة بانها “مجموعة استسلام” امام الرئيس اوباما والحزب الديموقراطي، ووعدت قواعدها بالمضي في الصراع في المرحلة المقبلة (15 كانون ثاني 2014) وتحقيق مطالبها “المؤجلة” في اقرار تمويل الميزانية المركزية.

للدلالة، نقتطف بعض التوصيفات للزعامات التقليدية اطلقت بحق “المجموعة الانتحارية.” السيناتور الرمز ليندسي غراهام حذر قائلا “ان استمر السير بالوتيرة الراهنة، فاننا حتما سنؤذي الحزب الجمهوري على المدى البعيد.” عضو مجلس النواب الشهير، بيتر كينغ، حذر ايضا بالقول “هذا الحزب جنّ وفقد عقله.” العقل المفكر للحزب والمساعد الاسبق للرئيس جورج بوش الابن، كارل روف، كان اشد حزما اذ اعتبر المسألة “نتيجة شرك نصبه (الرئيس) ووقع في شباكه بعض الجمهوريين في الكونغرس .. بالنتيجة تعززت مكانة الرئيس وتدنى موقع الحزب، فبرنامج اوباماكير اضحى اوفر شعبية .. حان الوقت لاقرار الجمهوريين ان الاساليب والتكتيكات السيئة تسفر عن نتائج وخيمة.”

في حيثيات الاتفاق المرحلي، توصل الطرفين الى صيغة تقضي بتمويل الميزانية ضمن المستويات الراهنة ولغاية 15 كانون الثاني من العام المقبل، ووقف التهديد بتجميد سقف الاقتراض لغاية 7 شباط 2014، يتلوهما جلسات مشتركة بين قطبي الحزبين لمواصلة النقاش حول اقرار الميزانية. اما واجهة الامتعاض للحزب الجمهوري، اوباما كير، فلم يخضع للاقصاء كما طالب به وادخل تعديلا شكليا يقضي بالتدقيق في اهلية المنتسبين.

معركة القطبين تعيد الى الاذهان الاحتقانات المترتبة على جولة الانتخابات الرئاسية الماضية، وتؤشر على طبيعة المعركة الانتخابية المقبلة وما سينتج عنها من توازنات قد تعيد الحزب الديموقراطي للسيطرة على اغلبية مجلس النواب، فضلا عن بدء مسار جديد للرئيس اوباما بعد استعادته لنفوذ سياسي تآكل سريعا بفضل تلكؤه الحسم مع الحزب الجمهوري في المرحلة السابقة. بالمقابل، قد تؤدي الى تنامي التصدي لسياساته في مجلسي الكونغرس وتعطيل برامجه وركنه في خانة رئيس بلا نفوذ “بطة عرجاء.”

الخيار الآخر هو ان تسفر الاجواء عن انقسام حاد ينذر بمزيد من الترهل وعدم الحسم.

وعليه، يمكن تلمس حرص الطرفين على التشبث بشدة بمواقفهما المعلنة استعدادا لخوض المعركة المقبلة، التي عادة تنذر بخسارة الحزب المسيطر على البيت الابيض، استنادا الى المسار التاريخي لنتائج الانتخابات النصفية لمجلسي الكونغرس. فالرئيس السابق جورج بوش الابن خسر مكانة الاغلبية في مجلسي الكونغرس ابان انتخابات عام 2006؛ والمؤشرات الشعبية الراهنة تدل على تقارب نسبة الرضا على الرئيس اوباما مع سلفه بوش آنذاك.

خسارة الحزب الديموقراطي لمكانة الاغلبية في مجلس الشيوخ ينذر بتعطيل تام لبرامج الحزب والرئيس اوباما التي ينوي المضي بها في المرحلة الاخيرة لولايته الرئاسية. الطرفان يتصارعان بشدة على كسب، او اعادة كسب، شريحة الناخبين المستقلين لجانبهم.

ليس عسيرا الاستنتاج بميل المزاج الشعبي لتحميل الحزب الجمهوري مسؤولية الاضرار بمصالح الدولة، في المدى المنظور، بيد ان هناك متسعا من الزمن للتعويل على ذلك من عدمه في نتائج انتخابات العام المقبل. حقيقة الأمر تتعدى المزاج الشعبي الصرف، اذ لا يجوز اغفال عامل سيولة الدعم المالي للحملات الانتخابية التي يتفوق فيها راهنا الحزب الجمهوري على خصمه، مما قد يفسر احد اسباب تشبث الحزب بمواقفه المتشددة بصرف النظر عمن يكون في المقدمة من الشخصيات الحزبية.

يدرك الطرفين حساسية معركة السيطرة على مجلس الشيوخ الذي تبلغ نسبة الخطأ فيه ثلاثة (3) مقاعد لصالح الحزب الجمهوري ليتمكن من السيطرة عليه. استطلاعات الرأي المتوفرة، قبل نشوب الازمة المالية، تشير الى ميل الحزب لكسب المقاعد المطلوبة للسيطرة.

وهذا ما يفسر، جزئيا، عدم اقدام مجلس الشيوخ التصويت على مشروع قرار مجلس النواب باختيار بعض المرافق والاجهزة الحكومية واستثنائها من التقشف المالي. هنا تكمن اهمية ودقة موقف رئيس مجلس الشيوخ، الديموقراطي هاري ريد، الذي تباطأ في تبني المشروع ولم يعرضه على التصويت خشية تداعيات الموقف على نتيجة الانتخابات المقبلة، وربما لخشيته من اصطفاف بعض اقطاب الحزب الديموقراطي الى جانب المشروع لدوافع انتخابية صرفة. رئيس المجلس ريد اجرى حسابات دقيقة ابعدته عن ثمة النظر بالمشروع لما سيؤدي من اطباق الحصار على مشروع “اوباما كير،” لفترة زمنية طويلة.

وآثر رئيس مجلس الشيوخ عدم الأخذ بمشروع مجلس النواب مدركا لهشاشة الاغلبية التي يتمتع بها، والتي لا تتعدى اربعة (4) مقاعد، مغامرة تنذر بمخاطر قاسية للحزب، وهي ذات المقاعد التي يعول الحزب الجمهوري على كسب ثلاثة منها على الاقل في الا نتخابات المقبلة، سيما وانها تقع في دوائر انتخابية موالية للحزب الجمهوري وايدت المرشح السابق ميت رومني العام المنصرم.

المقاعد المهددة بتغيير كفة الرجحان هي: الاسكا واركنساس ولويزيانا، والتي تشير استطلاعات الرأي المتوفرة الى تضاؤل شعبية ممثليها في مجلس الشيوخ الى ما دون نسبة 50%، والتي تعد بالغة الحساسية في هذه المرحلة الدقيقة من التحضير للانتخابات.

ولاية الاسكا التي تزهو بمرشحتها لنائب الرئيس السابق سارة بيلين عادة تصطف الى جانب الحزب الجمهوري. السباق الانتخابي بين الممثل الديموقراطي الحالي، مارك بيغيش، وخصمه الجمهوري ميد تريدويل على اشده مع تقدم للأول بنسبة 1% على الخصم، 43% الى 42%. المرشح الجمهوري الآخر للمنصب، دان ساليفان، يتخلف عن خصمه الديمقراطي بنقطتين مئويتين، 43% الى 41%. نسبة شعبية بيغوفيتش الديموقراطي تدنت الى 39% مقابل معارضة 42%.

المقعد الآخر هو لولاية اركنساس، مسقط رأس الرئيس بيل كلينتون، التي تميل كفتها نحو الحزب الجمهوري بعد ولاية كلينتون الرئاسية. السباق الانتخابي بين الممثل الديموقراطي مارك برايور وخصمه الجمهوري، عضو مجلس النواب راهنا، توم قطن، متقارب النسبة الى حد بعيد، وترجح احدى استطلاعات الرأي النسبة الى 3% لصالح الممثل الديموقراطي، 45% الى 42%؛ واخرى ترجح الفارق بنسبة 2% لصالح الديموقراطي. سر تقدم الممثل برايور يعود الى تفوق شعبيته على شعبية الرئيس اوباما بين الناخبين في ولايته.

ولاية لويزيانا تعد المقعد الحساس الثالث، وهي التي عادة ما كانت تميل للتصويت لصالح الحزب الديموقراطي، بينما يحقق الحزب الجمهوري تقدما على حساب خصمه لا ينبغي تجاهله. فالممثلة الحالية ماري لاندرو تحظى بنسبة تأييد بلغت 47% مقابل معارضة 44% من الناخبين. احد الاستطلاعات رجح الفارق بين لاندرو وخصمها الجمهوري بيل كاسيدي الى نسبة 2%، 46% مقابل 44%، لصالح الاولى. استطلاع آخر اجرته هيئة مستقلة رجحت تفوق المرشح الجمهوري بنسبة 40% مقابل 37% لخصمه الديموقراطي.

مقعد ولاية ويست فرجينيا، الذي يشغله الممثل جاي روكفلر، قابل للتأرجح ايضا سيما وان روكفلر اعلن عن نيته التقاعد من الحياة السياسية. شعبية الرئيس اوباما في الولاية متدنية للغاية، اذ لم تتعدى نسبة 25% مقابل 65% من المعارضين، مما سيخدم الحزب الجمهوري موضوعيا، اذ تشير استطلاعات الرأي الى تفوق الحزب الجمهوري بنسبة 48% من التأييد الشعبي مقابل 36% لصالح الحزب الديموقراطي. المرشحة عن الحزب الجمهوري، شيللي مور كابيتو، تتفوق على خصمها الديموقراطية ناتالي تينانت بنسبة 51% مقابل 34%.

القاعدة السارية في الحياة السياسية تفيد بان المرشح الذي يحصد في الاستطلاعات تأييد اقل من نسبة 50% من الناخبين سيلاقي صعوبة سيما وان تيار الناخبين المستقلين يميل اكثر لتأييد المرشح المنافس. ومن هنا تتضح الصورة لحساسية المقاعد الثلاثة التي ينوي الحزب الجمهوري اضافتها لصالحه في الانتخابات المقبلة.

التوازنات الراهنة داخل مجلس النواب ستمتد في تأييد الحزب الجمهوري، سيما وان عددا لا بأس به من المقاعد المرشحة تقع في دوائر انتخابية اغلبيتها من الناخبين الجمهوريين، وذلك كنتيجة مباشرة لاعادة تقسيم الدوائر الانتخابية في عموم الولايات ابان عهد الرئيس السابق جورج بوش الابن، جرى تصميمها بدقة بحيث تقصي وتهمش مؤيدي الحزب الديموقراطي وترفع شأن الحزب الجمهوري.

بعض الممثلين عن الحزب الديموقراطي في مجلس النواب معرضين للخسارة في دوائرهم الانتخابية، اذ استحدثت اللجنة القومية للحزب الجمهوري قائمة وصفتها بالمقاعد السبعة (7) لممثلين ديموقراطيين الاكثر عرضة للخسارة بحكم الجغرافيا التي تضع تلك الدوائر في مصاف الحزب الجمهوري. كما تجدر الاشارة الى ان جهود حملات التبرع في خمسة من تلك الدوائر اسفرت عن تفوق المردود المالي للمرشحين الجمهوريين عن خصومهم الديموقراطيين، وما يتطلبه ذلك من تشتيت جهود الحزب الديموقراطي كرد فعل للحفاظ على مكتسباته الراهنة.

جولة الانتخابات النصفية تتيح للناخب ابداء الرأي في اداء الرئيس، بصرف النظر عن انتمائه الحزبي. وعليه، فالصورة الراهنة تدل بوضوح على تردي صورة الرئيس اوباما لدى عموم الناخبين، بمن فيهم قطاع لا باس به من الموالين للحزب الديموقراطي. استطلاعات الرأي تشير الى نسبة تأييد للرئيس اوباما تقل عن 40%، وهي نسبة حصدها الرئيس بوش الابن عشية الانتخابات النصفية لعام 2006، والتي جاءت نتائجها مخيبة لآمال الحزب الجمهوري. كما دلت نتائج الانتخابات الاستثنائية الاخيرة وفوز المرشح الديموقراطي (بنسبة متواضعة) عن ولاية نيوجيرسي لمجلس الشيوخ عن النسبة المتدنية لشعبية الرئيس، في ولاية تعد من اقوى قواعد الحزب الديموقراطي منذ عام 2000.

وهذا ما حفز الحزب الجمهوري التشبث بآرائه والتصدي للرئيس اوباما بصرف النظر عن صيغة التسوية الاخيرة لوضع حد لشلل الاجهزة الحكومية، ويدرك نتائج استطلاعات الرأي التي تميل لتأييده بثبات ليحسن استثمارها في الانتخابات المقبلة.

المحرك الاساسي في الصراع الجاري يكمن في المعركة الانتخابية ويذهب ابعد من ثمة خلافات على اقرار الميزانية الحكومية، والتي تتكرر كل سنة دون نتائج حاسمة.

مغزى التغييرات الهيكلية في وكالة الأمن القومي

بهدوء ودون ضجيج سياسي اعلن مدير وكالة الأمن القومية، كيث اليكساندر، ونائبه كريس انغليس عن استقالتيهما من منصبيهما مع نهاية العام الجاري، وما يمثله الاعلان من بدء تدحرج ضحايا برنامج التجسس الداخلي الذي كشف ملابساته الموظف السابق ادوارد سنودن. اليكساندر سيغادر بعد نائبه ببضعة اشهر في ربيع العام المقبل، مما يدل على حجم الضغط للتضحية بهما هي سابقة بحد ذاتها، بعد ادائهما البائس والمضلل خلال جلسات استجوابهما من لجان الكونغرس.

ترأس اليكساندر وكالة التجسس منذ عام 2005 دون انقطاع، وجمع بين ذلك المنصب ومنصب رئاسة قيادة الاختراق الالكتروني المستحدثة لدى البنتاغون. استقالته ستوفر للرئيس اوباما فرصة التأمل في ضرورة فصل الجهازين عن بعضهما البعض، وتعيين مسؤولين جديدين لهما، سيما وان عدة ضباط استخبارات سابقين اعربوا عن خطورة الجمع بين المنصبين، وفرصة التضحية باحدهما لصالح الآخر.

رئيس اللجنة القضائية في مجلس الشيوخ، باتريك ليهي، اتهم اليكساندر بتضليل اعضاء لجنته ابان مثوله امامها في اواخر شهر ايلول الماضي؛ وفند ادعاءات الاخير ووكالته التجسسية بافشال ما ينوف عن 54 محاولة اعتداء ارهابية قائلا “ببساطة هذا الادعاء خاطيء .. المحاولات لا تشكل مؤامرات بمجملها، ولم يجر افشالها جميعا ..” عضو اللجنة عن الحزب الجمهوري، تشاك غراسلي، اتهم طاقم وكالة التجسس “بتوظيف وسائل المراقبة الهائلة للتجسس على زوجاتهم .. مما ولد أزمة ثقة عميقة ..؛” الاتهام استولد رد اليكساندر برسالة اعتذار رسمية لموظفي الوكالة وافراد عائلاتهم، بتاريخ 13 أيلول 2013.

مفاوضات الملف النووي الايراني

انعقدت جولة مفاوضات للاطراف الدولية المعنية في جنيف، كثمرة حضور الرئيس الايراني دورة الامم المتحدة والقائه كلمة “تصالحية.” واسفرت الجولة عن تبدد الغيوم الملبدة في لاجواء السابقة وسيادة لغة التسوية وخفض اجراءات العقوبات القائمة. وفد الولايات المتحدة تضمن المسؤول عن ملف فرض العقوبات في وزارة المالية، مما فسره البعض كبادرة حسن نية اميركية لعزمها فتح كوة في جدار العقوبات.

اصرت ايران على طرح موقفها الثابت في حقها بحيازة التقنية النووية لاغراض سلمية، وتخصيب وقود اليورانيوم لدرجة تسمح لها تشغيل مفاعلاتها النووية لتوليد الطاقة الكهربائية. وشددت ايران في عرضها على الاهداف السلمية لبرنامجها وبددت مخاوف الدول الغربية حول حيازة السلاح النووي الذي لم يعد صالحا كوسيلة ردع في الزمن الراهن. بالمقابل، بادر الوفد الايراني بطرح تصوره للخطوات المطلوبة من الدول الغربية القيام بها لانهاء نظام العقوبات المفروضة على بلاده.