التقرير الأسبوعي 07-04-2013

:المقدمة 

          انتقل مركز ثقل الاهتمامات الشعبية والرسمية من تدهور الاوضاع الأمنية في العراق الى مواكبة قرارات المحكمة العليا التي سددت سلسلة ضربات متتالية للرئيس اوباما وسياساته، في ظل اجواء احتفالات ذكرى استقلال البلاد

          اثبت النظام الاميركي في صيغته الراهنة قدرته النسبية على التعامل بصعوبة مع التحديات الداخلية؛ اما الخارجية فهي مسألة شائكة لا تدعو على الطمأنينة والارتياح بالنسبة لعموم المواطنين. في الشأن الداخلي برز صراع النفوذ بين السلطات، التنفيذية والقضائية، بقوة الاسبوع الجاري في اعقاب اقرار المحكمة العليا سلسلة احكام قضائية مخالفة لتوجهات الرئيس اوباما وسياسات السلطة التنفيذية، رافقه نتائج استطلاعات للرأي متدنية بالنسبة لمكانة الرئيس اوباما ومدى التأييد الشعبي له الذي شهد انخفاضا حادا لم تشهد المؤسسة الرئاسية مثيله منذ 70 عاما

          سيستعرض قسم التحليل آليات النظام الاميركي وركائزه القائمة على مبدأ الفصل بين السلطات وارساء توازن بين مديات نفوذها؛ وتوصيف للتداعيات التي تهدد لحمة النسيج الاجتماعي

ملخص دراسات ونشاطات مراكزالابحاث

العراق

          اعرب معهد الدراسات الحربية عن اعتقاده بأن تنظيم داعش يمضي في استكمال استعداداته للانقضاض على بغداد سيما وانه “يملك قوة هائلة، فضلا عن يسر التنبؤ بخطواته المقبلة بعد كشفه عن عناصر اساسية لاستراتيجيته .. ولم يبلغ اوج انجازاته في العراق بعد.”  واضاف ان الهدف المقبل المرجح لداعش سينصب على ممر الحديثة – الرمادي للانقضاض على مقرات الحكومة المركزية في بغداد

          القى مركز السياسة الأمنية مسؤولية الفشل الاميركي في العراق على كاهل “الساسة وصناعها وليس على الاجهزة الاستخبارية .. سيما وان سيلا غنيا من المعلومات تم تداولها في الوسائل الاعلامية عبر السنة الماضية تشير الى انفجار وشيك للحرب الطائفية في العراق وتنامي قوة داعش في كل من العراق وسورية.” واضاف انه كان يتعين على ادارة الرئيس اوباما الاتعاظ بسيطرة داعش على مدينة الفلوجة ومناطق اخرى في محافظ الانبار “واتخاذ الاجراءات الكفيلة لتعديل سياستها العراقية ..” وذكّر المركز بشهادة مدير وكالة الاستخبارات العسكرية، مايكل فلين، امام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، شباط 2014، محذرا من “سعي داعش للسيطرة على اراضٍ في العراق وسورية جنبا الى جنب مع احتفاظها بعدد من الملاذات الآمنة لنشاطاتها داخل سورية”

          تصاعد وتيرة تصريحات قادة اقليم الحكم الذاتي في كردستان العراق كانت محط اهتمام معهد هدسونمعربا عن اعتقاده ان “التحدي الاكبر يكمن في القدرة على ترسيم الحدود، التي لا تمت بصلة قوية لحق تقرير المصير  او حتى الثروة المادية .. بل في التحولات الجيوستراتيجية وتموضع دول اكبر واشد قوة.” واضاف انه في هذا الجانب “تنفرد اسرائيل على غيرها من اللاعبين الاقليميين والدولين، وعلى رأسها تركيا وايران والولايات المتحدة، بامتلاك الرغبة في ترويج  (انفصال) استقلال كردستان

          بينما اوضح معهد واشنطن لشؤون الشرق الادنى ان “تركيا تبدي استعدادها لرؤية دولة كردية على حدودها وظيفتها تشكيل منطقة عازلة .. وشكل اندفاع داعش السريع ضغطا مضاعفا على تركيا لتطوير علاقاتها مع اكراد العراق وما يتطلبه ذلك من تراجع تركيا عن بعض الخطوط الحمراء التي رسمتها سابقا وعدم تجاوز الاكراد لها ..” واضاف انه عند اقدام اقليم كردستان على اعلان استقلاله “ستكون انقرة في الصف الاول لاستغلاله والاعتراف به .. وباتت التطورات تشير بوضوح الى ان داعش تشكل خطرا داهما اوسع على تركيا مقارنة مع اعلان اكراد العراق الاستقلال”

ايران

          ناشد معهد كارنيغي دول الاتحاد الاوروبي اجراء مراجعة لمواقفه مع ايران “بالتعاون الوثيق مع الولايات المتحدة، وخارج نطاق سبل التعاون الراهنة بين فريقيهما للتفاوض .. سيما وان دور دول الاتحاد حيال الملف الايراني لا يعطى حقه من قبل الشعب الاميركي في الوقت الذي يدخل عامل الكونغرس ليمارس دورا حاسما في عدد من قرارات المقاطعة الاميركية .. وتسخير نفوذه الجمعي لضمان الحصول على موافقة اميركية لتخفيف العقوبات عند التوصل الى اتفاق شامل (مع ايران) او ابتداع مسار جماعي جديد نحو ايران في حال فشل المفاوضات الجارية معها”

مستقبل حلف الناتو

          في تقييم نادر من نوعه، طالب معهد كارنيغي دول حلف الناتو “مراجعة اولوياته” الاستراتيجية على ضوء من افرزته الأزمة الاوكرانية التي اثبتت ان “الحلف لم يوفر مبررات كافية لاستمرارية وجوده .. بل على العكس فان التباينات الواضحة في مواقف اعضاء الحلف حول خطورة تهديد روسيا قد تدفع بدول الحلف الى مزيد من التباعد، كما اثبتت بولندا خيبة أملها (وشكوكها) في استمرارية تماسك الحلف.” وحذر من تحول الحلف الى “صندوق حافظ للادوات والمعدات يستخدم لصالح تحالف الراغبين متى ارادوا، والذي لن يستطيع الحفاظ على ديمومة تماسكه .. الا باستعادة اعضائه مفهوم مشترك لطبيعة التحديات والمخاطر.”  ومما دلت عليه الازمة الاوكرانية “تسليطها الضوء على ما ينبغي على اعضاء الحلف القيام به على وجه السرعة”

:التحليل

:أميركا في ذكرى الاستقلال

مكابرة، ارتباك، وتصدع في بنى مؤسسات الدولة

          يشب الفرد الاميركي منذ نعومة اظفاره متشبعا بنموذجية واستثنائية نظام بلاده السياسي ويزج به باتجاه انه النظام الامثل والافضل في العالم مرجعيته نصوص الدستور وفصل السلطات فيما بينها، من ناحية، وبين السلطة الدينية، بل لما يتميز عن نظام اسلافه في الامبراطورية البريطانية؛ واحتكاره الميزات والخصوصيات والتحكم بمقدرات الشعوب البشرية

          في ذكرى احتفال الولايات المتحدة “باستقلالها” عن اصولها الامبراطورية وزهوها بنص دستوري يعطي مواطنيها الحق في اسقاط الحكومة التي تنتهك حرياتهم، برزت حديثا مؤشرات تدل على تصدع آليات الحكم والاجهزة المتعددة وتوارث التوازنات فيما بينها، بالتوازي مع تنامي مشاعر جماعية ضد استغلال الحكومة لنفوذها للحد من الحريات المدنية المصانة بدلا من تعزيزها وحمايتها. مؤشرات استطلاعات الرأي، التي ابتكرتها القوى النافذة في السلطة لتشريع تدخلها في الوقت الانسب لخدمة مصالحها، تشير مؤخرا بوتيرة ثابتة الى حالة الاحباط العامة من القادة والمؤسسات السياسية، وانحراف مؤسسة المحكمة العليا عن رسالتها في الانتصار لاولوية النصوص الدستورية على الممارسات المُخِلّة بالتوازن والاصطفاف الى جانب فريق ضد آخر، مما استدعى قوى كيرة وشرائح متضررة الى الاحتجاج والتظاهر باستمرار ضد توجهاتها المقيدة للحريات

          في الجانب التقني البحت، اصدرت المحكمة العليا قرارات اربعة متتالية، الاسبوع الماضي، ارضيتها المشتركة ان ادارة الرئيس اوباما “تجاوزت نطاق صلاحياتها الدستورية” وقوضت مساحة الحرية، ليس صونا لنصوص الدستور كما تفترض مهمتها ومبرر وجودها، بل اصطفافا لجانب القوى المناهضة لسياسات الادارة الداخلية، ابرزها برنامج الرعاية الصحية الشامل – اوباما كير، ومصالح الشركات والمصالح الاقتصادية الضخمة. ايضا، عززت قرارات المحكمة العليا جنوح القوى الاجتماعية المحافظة  توجيه غضبها واحباطها السياسي نحو ما تصر على تسميته “الهجرة غير الشرعية” لمواطني دول اميركا الوسطى واللاتينية الى الاراضي الاميركية، واحتجاز الناجين من عذاب الرحلة، صغارا وكبارا من الجنسين، في معسكرات اعتقال لاذلالهم قبل اعادتهم قسرا الى المناطق الحدودية المشتركة مع المكسيك. بالمقابل، سارع الرئيس اوباما، في ذكرى الاستقلال، الى ترويج “تاريخ البلاد الغني كدولة مكونة من المهاجرين تمتثل لسلطة القانون ..” التي تشكل احدى ثوابت الخطاب الرسمي الاميركي، داخليا وعالميا

          الاحتجاجات الشعبية تدل على تنامي الشرخ الاجتماعي، بجذوره السياسية والاقتصادية، مما يستدعي التساؤل ان كان المجتمع الاميركي على ابواب انشقاق اوسع وتصاعد موجات الاحتجاج. المرجح الاكبر ان المشهد الاميركي مقبل على تنامي وتيرة الاحتجاجات والتظاهرات يعززها تفاقم الفروقات الاجتماعية والاقتصادية وتراجع مساحة الحريات وتنامي المعارضة للمتضررين من سطوة الأجهزة الأمنية التي لا زالت اسرار تدخلاتها في صغائر الحياة اليومية للمواطنين تتوارد باضطراد. اوضاع وصفها استاذ القانون في جامعة هارفارد، لورنس لَسيغ، بالقول “يعتقد الاميركيون من كافة انتماءات الطيف السياسي ان النظام السياسي الاميركي محطم ومعطل. ما ينوف عن 90% منا (كمواطنين) يرجح جذر الفشل الى دور المال الطاغي على السياسة” والسياسيين. واضاف محرضا المواطنين على التحرك ان مراكز القوى في “واشنطن معطوبة ولن تبادر لاصلاح نفسها – يتعين على المواطنين القيام باتخاذ مبادرات” لوضح حد لفساد رأس المال والسياسيين

          تنوعت المساهمات والتحقيقات الساعية لاماطة اللثام عن آليات نظام الحكم الاميركي، قلة منها لامست جوهر النظام وتركيبته والغوص في القوانين الاجتماعية والتاريخية الناظمة، ولجأ الجزء الاكبر منها الى اطلاق الاحكام الجاهزة والمعلبة طمعا في التغني بمحاسن النظام مقارة بالنظم الاخرى، لا سيما في عدد من الدول النامية ومن ضمنها الدول العربية، في حين تنعدم ارضية المقارنة العلمية بين نظم معظمها جيء به لتأدية وظيفة او جملة وظائف محددة خدمة للنظام السائد ومفاضلة النمط الغربي والاميركي تحدي

          بجرعة واقعية وموضوعية تدعمهما دقة السرد والتحليل سنسلط الضوء للتعرف النقدي على كنه الآليات والعلاقات الناظمة بين المواطنين الاميركيين والسلطة السياسية وتقديمه للجمهور بمقاربات واقعية  لما اضحى ملموس لديه من اتضاح الشرخ الفاصل بين الدعاية والواقع

سلطات حكومية محدودة، فصل بين السلطات وسيادة مشتركة

          تركيبة النظام الاميركي تقف على دعامة “فصل” السلطات عن بعضها وتعزيز مبدأ الحكم بالتوافق والشراكة بين المكونات الثلاث: التنفيذية (الرئاسة)؛ والتشريعية (الكونغرس بمجلسيه)؛ والقضاء (ممثلا بالمحكمة العليا)، درءا لاحتكار السلطة من قبل احداهن على حساب الاخريتين. مسألة السيادة “الوطنية والقومية” هي ايضا مسألة مشتركة بين الحكومة المركزية وسلطات الولايات المحلية والشعب، تم التوصل الى صيغتها بعد صراع التجربة والخطأ استمر لنحو 15 عاما قبل رسوّ الاختيار على الصيغة الراهنة

          صيغة الحكم الاولى اضحت تعرف بمجلس “الكونغرس القارّي” الذي التأم يوم 5 أيلول 1774 وانتخب “بيتون راندولف” رئيسا له الذي بات الرئيس الاول للاتحاد الاميركي. ورغم اضطلاعه بالسياسة الخارجية وصلاحيات شن الحروب، الا ان سلطته الحقيقية كانت محدودة الطابع نظرا لطبيعة تكوين المجلس كاطار جامع “لدول (ولايات) سيادية” تحد من سلطاته الا اذ توصلت الى اجماع فيما بينها

          مع نشوب الحروب وامتدادها في تلك الفترة اثبتت صيغة “الكونغرس القارّي” عن قصورها وعمق مواطن ضعفها، مما استدعى “المسؤولين” استبدالها بنظام يحتكم الى اعلان مواد كونفدرالية، الذي رسم حدود السلطات المتاحة في ايدي الحكومة المركزية، مقابل اقراره بمبدأ السيادة التامة للولايات المحلية على اراضيها؛ واستمر العمل بتلك الصيغة نحو عقد من الزمن، 1779 الى 1788

          عقب اكتشاف مواطن ضعف بنيوية في تلك الصيغة تم التوصل الى طرح مشروع دستور، الذي بعد المصادقة عليه اضحى دستورا معتمدا لغاية الزمن الراهن. بيد ان ذلك لم يبدد مخاوف الولايات المحلية من تمركز السلطات الحقيقية بيد الحكومة الفيدرالية، الى ان تم التوصل الى وضع بعض الكوابح القانونية في النص، والتي بمجموعها ارست ارضية التوترات وتعارض الصلاحيات التي نشهدها حاليا بين السلطات المركزية والمحلية

          من بين تلك الكوابح تم اضافة بند على الدستور يقر بسيادة المواطنين / المحكومين مقارنة مع الصيغ السابقة التي ارست مبدأ السيادة لسلطات الولايات المحلية، عززها فقرة افتتاحية الدستور التي تنص على “نحن افراد الشعب الاميركي ..،” اثارت جدلا في مراكز القوى اذ اعتبرت بانها تقوض نطاق نفوذها. للدلالة قال احد “الاباء المؤسسين،” باتريك هنري، تندرا بتلك الافتتاحية “ماذا تعني ’نحن الشعب‘ في الديباجة؟ الصيغة التي نحن بصددها هي اتحاد كونفدرالي بين الولايات؛” شاطره الرئيس المقبل للبلاد، صموئيل آدامز، قائلا “اجد نفسي امام عثرة منذ البداية. نحن عبارة عن اتحاد كونفدرالي بين ولايات”

          وعليه، ارسيت قواعد النظام السياسي على اركان توافقية بين سلطات توزعت على عدة هيئات على خلفية الاعتقاد السائد آنذاك بانها الصيغة الامثل لحماية حقوق الشعب والولايات، مع الاخذ بالاعتبار انه لا يشكل صيغة كفؤة وفعالة لنظام الحكم، بل يحجم نفوذ السلطات المركزية من مراكمة سلطات اخرى

:بالنظر الى صيغة التوازنات المنشودة بين السلطات المختلفة نجد التالي

:الحكومة الفيدرالية تستمد سلطاتها من الدستور

الرئيس يطبق القوانين الناظمة ويمارس السياسة الخارجية الى جانب موقعه كقائد اعلى للقوات المسلحة؛

مجلس النواب يتحكم باقرار الميزانيات ومنوط به التقدم بميزانية مقترحة وفرض الضرائب؛

مجلس الشيوخ الذي يعد الممثل الاول للولايات اضحى يمارس دوره كمجلس تشريعي اعلى صلاحياته تتضمن اقرار القوانين والمصادقة عليها؛

.المحكمة العليا وظيفتها تقتصر على اضفاء التفسير الدستوري على القرارات والاجراءات والتيقن من امتثالها لنصوصه

.سلطة الولايات المحلية منصوص عليها دستوريا عززتها مادتي التعديل العاشرة والحادية عشر

:صلاحيات الشعب

          تشمل الصلاحيات الفردية ممارسة حق الانتخابات لاختيار ممثليهم في مستويات الحكم المختلفة: قوميا ومحليا ومناطقيا، ورد ذكرها نصا صريحا بالدستور واعلان حقوق المواطنين (مواد التعديل الدستورية 1 الى 10)، تشمل حريات العبادة والتجمهر والتعبير واقتناء الاسلحة، وتحرم ايواء الجنود (الهاربين) ابان زمن السلم، والحصانة ضد التفتيش الشخصي، وحقوق المتهمين لاجراءات محاكمة عادلة بحضور وكيل قانوني ومحاكمة امام هيئة محلفين، وحظر العقوبات المفرطة، والاقرار بأن كافة الصلاحيات الاخرى غير المنصوص عليها لصالح الحكومة الفيدرالية او مجالس الولايات المحلية هي ملك الشعب

          تجدر الاشارة الى ان اعلان الاستقلال ونصوص الدستور الاميركي بهما اقرار ان “السيادة هي بيد الشعب في نهاية المطاف .. وان الحكومات تستمد سلطاتها من موافقة المحكومين .. واينما نجد ان نظام الحكم  اصبح يهدد الغايات المقصودة، فمن حق الشعب النهوض لتغييره او ازاحته، وتنصيب حكومة جديدة

اعيدت المصادقة على هذا النص من قبل المحكمة العليا عام 2008 اثناء البت في قضية مرفوعة ضد السلطات المحلية في واشنطن العاصمة، اذ اكدت العليا على “حق الشعب اقتناء السلاح كاحد عناصر الدستور الهامة بحكم انه اوفر قدرة لمقاومة الاستبداد.” نظريا، توفر النصوص الحقوقية للشعب الاميركي التمتع بصلاحيات غير متوفرة في عدد من الدول والنظم الاخرى، ويتم استحداث وادخال النص في الخطاب اليومي كوسيلة تذكر الاميركيين “بتفوق” نظامهم السياسي ودلالة على فشل المساعي المتتالية للهيئات الحكومية الحد من انتشار السلاح الفردي في المواطنين الاميركيين

في هذا السياق، تنبغي الاشارة الى سعي الحكومة المركزية، وخاصة السلطة التنفيذية ممثلة بالرئاسة، بثبات واصرار على تركيز السلطات بيدها، ومضت قدما دون استشارة السلطة التشريعية، بل حاولت الاستيلاء على صلاحيات تخص الحكومات المحلية حصرا، الى جانب جهودها لتقييد مجال الحريات العامة. الامر الذي اثار غضب قواعد شعبية متعددة

الرئيس اوباما في مواجهة المحكمة العليا

تلجأ السلطات التنفيذية، المركزية والمحلية في الولايات، الاحتكام للمحكة العليا للبت في مسألة استقواء السلطة المركزية وتعديها على صلاحيات الآخرين، اتساقا مع نصوص الدستور المركزي. يشار الى ان تسليم الحزب الديموقراطي بسطوة اليمين واقطابه من المحافظين الجدد على السلطة التشريعية، ابان فترة الرئيس جورج بوش الابن بشكل خاص، اخل بمعادلة التوازن المرجوة وادى لاحقا الى اصدار العليا عدد من القوانين بعيدة المدى المناهضة للرئيس اوباما وحزبه، على الرغم من دعمه وترشيحه لقاضيين من اعضائها خلال ولايته الرئاسية. ومنذ مطلع عام 2009، تعرضت ادارة الرئيس اوباما الى ما لا يقل عن عشرين قرار هزيمة على ايدي العليا، وفقا لما ذكره السيناتور عن تيار حزب الشاي، تيد كروز

وقال كروز “ان صافي خسارة الرئيس اوباما من معدل قرارات العليا بالاجماع هو ضعف المعدل تقريبا لما تكبده سلفه الرئيس بوش وما يعادل 25% مما لحق بالرئيس الاسبق بيل كلينتون

امتدادا لهذا السياق، اصدرت المحكمة العليا قرارا بالاجماع، 9 مقابل 0، اعتبرت ان الرئيس اوباما تجاوز حدود صلاحياته الدستورية عند لجوئه لتعيين ثلاثة مسؤولين خلال فترة اجازة الكونغرس ليتفادى خضوعه للابتزاز السياسي. اهمية القرار تكمن ايضا في تأييده لحق مجلس الشيوخ الدستوري التصويت على مرشحين لمناصب حكومية رفيعة

واتبعت قرارها بصدمة اخرى للحكومة والاجهزة الأمنية اذ صوتت بالاجماع ايضا على قرار يحد من صلاحيات الحكومة واجهزتها تفتيش الهواتف الشخصية دون توفر امر قضائي مسبق يسمح بذلك نصاً، وفشل ادارة الرئيس اوباما انقاذ مشروعها للسطو على صلاحيات اضافية تقيد الحريات الفردية.  واستندت المحكمة الى نص مادة التعديل الدستوري الرابعة التي تحصن المواطنين من تلك الممارسات – التفتيش دون اجازة قضائية

كما قضت المحكمة العليا ببطلان جهود الادارة الاميركية الزام العمال بعضوية نقابتهم وتسديد رسوم العضوية عند اعتراضهم على توجهاتها السياسية؛ وقضت ايضا بحق المواطنين المناوئين للاجهاض التجمهر والاحتجاج على مقربة من المستوصفات الطبية التي يتم الاجهاض تحت سقفها بذريعة التمتع بحرية الرأي

 ومن بين القرارات المثيرة للجدل صادقت المحكمة العليا على حق الشركات والمؤسسات الخاصة برفض ضم وسائل منع الحمل كجزء من برنامج الرعاية الصحية، كما ينص عليه “اوباما كير،” بدافع انها تتناقض مع المعتقدات الدينية لاصحاب تلك المصالح في المسائل الداخلية الصرفة، اصطفت العليا بقراراتها الى جانب السلطات المحلية في الولايات تعزيزا لسيادتها على قراراتها عند تعارضها مع القرارات المركزية، مما اعاد عقارب الساعة الى الوراء بضعة عقود في مسألة صلاحيات الدولة المركزية لتطبيق بعض مواد قانون التصويت، مثلا، واقرت بمعارضته للنصوص الدستورية

انحسار هيبة الحكومة المركزية

تسارع وتيرة قرارات المحكمة العليا ومناهضتها لتوجهات الادارة الاميركية الراهنة قوّض مقام ووقار الاداء الحكومي والحق اضرارا جمة بسمعة الرئيس اوباما تحديدا، مما اسهم في انخفاض معدلات شعبيته في استطلاعات الرأي التي اجريت مؤخرا واعتبره احدها “اسوأ رئيس اميركي على مدى 70 عاما”

وتتالت الاخبار السيئة تباعا للرئيس اوباما مع اصدار يومية “انفستر بيزنس ديلي” نتائج استطلاع اشرفت عليه يفيد بأن 59% من الاميركيين يحملون الرئيس اوباما مسؤولية أزمة تفاقم “الهجرة غير الشرعية” للاراضي الاميركية؛ و 56% يحملونه مسؤولية تدهور الاوضاع الأمنية في العراق نتيجة قراره بالانسحاب؛ و 65% منهم يعتقدون ان ادارته تجهد لاخفاء الممارسات والتدابير الخاطئة التي اقدمت عليها مصلحة الضرائب باستهدافها منظمات سياسية مناوئة لها في الرأي

امعانا في احراج الرئيس اوباما والاداء الحكومي العام، اصدر معهد غالوب الشهير نتائج استطلاعات للرأي منتصف الاسبوع  مشيرة الى ان 79% من الشعب الاميركي اعربوا عن اعتقادهم بأن الفساد يستشري في عموم الاجهزة الحكومية، مسجلا ارتفاعا بنحو 20 نقطة عن ذات الاراء المستطلعة عام 2006، مما يحيل الولايات الى احتلال مرتبة مرتفعة بين الدول المشهورة بالفساد. بالمقارنة، افادت الاستطلاعات ان نسبة المؤيدين للرئيس لم تتعدى 29%، بينما بلغت 36% في مطلع ولاية الرئيس اوباما. اما الكونغرس فلم يحظى الا على نسبة 7% من الرضى الشعبي، بينما حصدت المحكمة العليا نسبة 30% من الرضى، هي الاعلى من بين كافة المؤسسات الرسمية

ترافقت نتائج الاستطلاعات مع انخفاض نسبة الاميركين الذين يقرون بمركزية بلادهم في مجال الحريات الفردية المتاحة بين الشعوب الاخرى، وانخفض معدل الزهو بالامتيازات بينهم الى نسبة 79% عام 2013 مقارنة مع 91% عام 2006 وفق احصائيات معهد غالوب سالف الذكر

تداعيات الانحسار على المشهد الاميركي

النظرة الموضوعية لما يمور تحت سطح التحولات الاميركية تؤشر على هشاشة النسيج الاجتماعي بمعدلات مقلقة تفوق توقعات الكثيرين. تتمثل عوارضها في: انخفاض حاد في معدلات مستوى المعيشة؛ تنامي القلق من تقلص مساحة الحريات؛ فضلا عن تصاعد معدلات الاحساس الشعبي بفساد الاجهزة الحكومية التي تتآكل مكانتها باضطراد

في هذا السياق لا بد من الاشارة الى تصاعد موجة الاحتجاجات سيما التي شهدتها ولاية كاليفورنيا حديثا باقدام نحو 200 مواطن على التعرض باجسادهم لمنع سير ثلاث حافلات كانت تنقل “مهاجرين غير شرعيين” والالقاء بهم على الجانب الآخر من الحدود المشتركة مع المكسيك، تعبيرا عن مشاعر الاحباط التي تنتاب الطبقة الوسطى في المجتمع من الاولويات المقلوبة للشريحة السياسية؛ مذكرا بحادثة مربي البقر “بندي” في ولاية نيفادا وتصدي مسلحين من مؤيديه الى ممثلين الحكومة المركزية؛ فضلا عن توالي معلومات تفيد بتشكيل ميليشيات خاصة من سكان الولايات الجنوبية، تكساس واريزونا، تجوب المناطق الحدودية المشتركة بحثا عن الموجات البشرية من”المهاجرين غير الشرعيين”

تصدع النسيج الاجتماعي، كما تدل التجارب التاريخية، لا يوقف تدهوره الا خطوات وتدابير تراجعية تبادر اليها الحكومات المركزية؛ اما تجاهل الامر فسيؤدي الى تصاعد الاحتجاجات وانزلاق الاوضاع من سيء الى اسوأ – كما دلت تجربة القيصر الروسي نيقولاس الثاني وغيره

السؤال الذي يتبادر الى الذهن هو هل سيقدم الرئيس اوباما بالابتعاد عن بعض الممارسات التي حصدت توبيخا له من قبل المحكمة العليا وانهيار معدلات شعبيته بين المواطنين؛ الاجابة بالنفي هي الاكثر ترجيحا سيما وانه اعلن عن نيته الاقدام على تعديل قانون الهجرة من جانب احادي، بموازاة تدابير اخرى وعد بها مع ادراكه بعدم تقبل الشعب لها. الأمر الذي سوف يؤدي الى تغذية مسببات الاحتجاج

من العسير الجزم بالمدى المرئي الذي يمكن الرئيس اوباما الذهاب به، بيد ان الثابت هو عقم المضي في المسار الراهن دون المجازفة بتداعيات سلبية تدهم البنية الحكومية والمجتمع بشكل عام

التقرير الأسبوعي 06-27-2013

المقدمة 

        .العراق لا يزال في عين العاصفة اميركيا

        سيستعرض قسم التحليل حلول الذكرى المئوية لحادث بدأ بسيطا وسطحيا بيد انه شكل صاعق انفجار الحرب العالمية الاولى  – اغتيال الدوق الاكبر فرانز فرديناند، واوجه الشبه في الظروف التاريخية آنذاك وما تنذر به الاصطفافات والمحاور وبؤر التوتر في الظروف الراهنة، ومقاربة الظروف التي من شأنها اشعال فتيل صراع يصعب التبؤ بنهاياته

ملخص دراسات ونشاطات مراكزالابحاث

العراق

        اعرب مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية عن اعتقاده بأن الولايات المتحدة “بحاجة ماسة لصياغة استراتيجية جديدة لها لمنطقة شرق البحر المتوسط،” اتساقا مع مطالب القائد العسكري الاعلى السابق لقوات حلف الناتو، جيم ستافريديس، مستدركا انه يتعين على صناع القرار “بدء البحث والتوصل الى مفاهيم عصرية للتحولات الجارية في عموم المنطقة .. واستيعاب التطورات الاقليمية وموائمة ما تطلبه عواصم المنطقة من دور للنفوذ الاميركي .. والعمل على اعادة الاعتبار لسياسة أمنية أقليمية.” وبشر المركز بأن خطته المستقبلية ستسلط الضوء وبذل مزيد من جهوده ودراساته البحثية “لاستكناه منطقة عادت للصدارة الاستراتيجية والخطر” ايضا

        مركز ويلسون للدراسات تناول جانب الخيارات الاميركية في العراق سيما وان “التحديات السياسية للولايات المتحدة هائلة – وربما لا يمكن التغلب عليها ..” محذرا صناع القرار من الانحياز الى “الوصفات الجاهزة والسريعة.” واردف ان تأثير الغارات الجوية متواضع ان لم يقترن “بانخراط القوات الخاصة .. الى جانب قوات الجيش العراقي الموكلة باعمال التطهير، وقوات الشرطة الموكلة بمهام الحفاظ على المناطق، وقيادة سياسية عراقية شرعية تتكفل بمهام النهوض والبناء”

        معهد واشنطن لسياسات الشرق الادنى استعرض “ارسال حزب الله قواته الى العراق ومقارعة تنظيم داعش،” منوها ان قوة صغيرة متواضعة “قد تثبت قدرتها على الحسم .. فالحرب الدائرة في سورية تتطلب التزاما عاليا من حزب الله فيما يخص عديد الافراد وطبيعة التسليح .. ومع الاخذ بعين الاعتبار جاهزية الحزب للامتثال لنداء ايران بتوفير الدعم لسورية، فان الحزب ربما سيتجاوب مع النداء للقتال في العراق ايضا .. فانخراط الحزب لا يتم بالضرورة بنشر اعداد كبيرة بمئات من مقاتليه، بل بعدد محدود من عناصره ذات الخبرة والتجربة في شؤون التدريب ومهام القوات الخاصة.” واستدرك المعهد بالقول ان انخراطا من هذا القبيل “لن يرهق قدرات الحزب

        معهد كارنيغي بدوره اعتبر “تدخل حزب الله في العراق تسبب بانهاك قواه في سورية، واضعفه في الداخل اللبناني،” سيما وانه اضحى “هدفا لتفجيرات السيارات المفخخة منذ شهر تموز من العام الماضي ..” واوضح ان تفاقم الازمة الراهنة في العراق اسهمت في “ضخ زخم جديد لخوض المعركة ضد الحزب في لبنان،” زاعما انه يسهم بنحو5،000 عنصر في سورية. وشكك المعهد بقدرة “حزب الله على ارسال فرقة كبيرة لحماية المقامات الشيعية المقدسة في العراق ..” عقب خطاب السيد حسن نصرالله امام كودار الحزب يعلن فيه استعداده “لتقديم الشهداء في العراق اكثر خمس مرات مما سقط في سورية “

مصر

        استعرض معهد كارنيغي اوضاع مصر ما بعد الانتخابات الرئاسية متهما “النظام العسكري المؤقت بتكرار تجربة اسلافه باسترضاء الناصريين، لا سيما في المحافظة على مواقعهم كموظفين في اجهزة الدولة،” التي يبلغ تعداد موظفيها نحو 6 مليون “وتتضمن اجهزة أمن الدولة وجهازي الشرطة، والشرطة العسكرية.”

الهوية الليبرالية لأنظمة الحكم

        استعرض صندوق “جيرمان مارشال” مستقبل ما اسماه التعددية الليبرالية لحكومات المنطقة، معتبرا ان “تونس تتمتع بأفضل الاحتمالات .. لتطبيق القيم الليبرالية في الوطن العربي ..” ملفتا النظر الى ضرورة اهتمام مراكز الابحاث “والليبراليين من انصار الاصلاح” بالتطورات في تونس. اما فيما تبقى من الدول فينبغي اعتماد “نموذج العناية بالفرد .. وحفز صناع القرار على صياغة اهداف واقعية، وتقبل الحقيقة اللامتناهية بأن الدول العربية محاصرة بقيادات مستبدة ومجتمعات ممزقة”

افغانستان

        اعرب معهد هدسون عن اعتقاده “بتنامي القلق لدى القادة الروس من انسحاب مبكر لقوات حلف الناتو من المنطقة” وتداعياتها الأمنية على بلادهم، سيما وان روسيا “مهددة حقا من قبل المتدينين المتطرفين في منطقة شمال القوقاز ومناطق روسية اخرى التي تضم تجمعات اسلامية كبيرة.” واضاف ان القادة الروس “اعربوا عن عدم رضاهم لقرار حلف الناتو الانسحاب من افغانستان بينما لا يزال خطر تمرد طالبان ماثلا، مما سيسهم في تعزيز الارهاب وتجارة المخدرات وعدم الاستقرار في عموم منطقة آسيا الوسطى”

        اعرب معهد المشروع الاميركي عن عدم رضاه لقرار الكونغرس الابقاء على اسطول الطائرات المقاتلة من طراز A-10، المستخدم في سلاح الجو الاميركي وطلعاته في الاجواء العراقية والافغانية. وقال انه يؤيد قرار قيادة سلاح الجو التخلي عن الاسطول المذكور الذي جاء موازيا لقرار الرئيس اوباما وقيادة الاركان المشتركة بأن الولايات المتحدة “لن تنخرط في عمليات كبيرة لمكافحة الارهاب او اعادة بناء الدول او شن عمليات طويلة الأجل لبسط الاستقرار .. مما يقتضي احالة اسطول المقاتلات من طراز A-10 على التقاعد، والكونغرس سيلتحق بذلك في نهاية المطاف”

:التحليل

في مئوية الحرب العالمية الاولى

البؤر الساخنة تنذر باندلاع حروب جديدة

        يصادف اليوم الاول من رمضان 1435 ه، السبت 28 حزيران 2014، الذكرى المئوية لحادثة ادت لاندلاع الحرب العالمية الاولى، وفق الروايات الرسمية لمراكز النظام الرأسمالي، التي تحددها بعملية اغتيال فرانز فرديناند، الدوق الاكبر والوريث لعرش الامبراطوية الهنغارية النمساوية، تتلطى وراءها لتحجب الصراع المرير بين مراكز رأس المال للسيطرة وبسط الهيمنة والنفوذ. اذ اثبتت حادثة اغتيال فردية على قدرتها في استدراج عدد من القوى الكبرى الى حرب طاحنة ادت لهلاك ملايين البشر وتدمير مجتمعات بأكملها اسست تداعياتها لحالات عدم الاستقرار الراهنة والسيطرة والنفوذ الاجنبي على مقدرات وخيرات الشعوب الاخرى. كما ادى حادث الاغتيال الى سقوط القيصرية في روسيا واندلاع الثورة الاشتراكية التي ارست عناصر الحرب الباردة بعد عدة عقود من الزمن؛ وبروز الفاشية بقيادة هتلر في المانيا وسعيه للسيطرة على الشعوب الاخرى مما ادى الى اندلاع حرب كونية ثانية اشد قسوة وايلاما ودمارا من سابقتها

        اتسمت الفترة الزمنية التي اغتيل فيها فرديناند بعصر ساد فيه السلم بين الدول والقوى العالمية، مع الاخذ بعين الاعتبار ان الدولتين الجارتين فرنسا والمانيا لم تشتبكا في حرب منذ عام 1870؛ كما شهد تقارب بين القوى الاوروبية الاخرى: بريطانيا والمانيا وروسيا القيصرية نظرا لتشابك العلاقات بين العائلات التي حكمتها آنذاك

        في الرواية الرسمية، شكل اغتيال فرديناند نقطة فاصلة غيرت سمات العصر: اشتعلت منطقة البلقان وتنافست الدول الاستعمارية الاوروبية على بسط نفوذها وسيطرتها على موارد الشعوب الاخرى، ممثلة بالمناطق الواقعة تحت سيطرة الامبراطورية الهنغارية النمساوية والامبراطورية العثمانية والامبراطورية الروسية. فالاولى استغلت الحادثة لبسط سيطرتها ونفوذها على مناطق اخرى في البلقان، وطالبت سراييفو عاصمة الدولة الصربية، مكان حادثة الاغتيال، بتقديم تنازلات مذلة والتي ادى رفضها الخضوع لجارتها الى اعلان الحرب عليها، وكرت السبحة بعد ذلك باعلان الحرب على دول اقل شأنا ونفوذا مهدت الارضية لاندلاع الحرب الكبرى

        الامبراطورية الروسية، حليفة صربيا، اعلنت من جانبها الحرب على الامبراطورية الهنغارية النمساوية؛ تلتها المانيا باعلان الحرب على روسيا؛ وفرنسا اعلنت الحرب على جارتيها لدعم حليفتها الروسية؛ واعلنت بريطانيا الحرب على المانيا بعد غزو الاخيرة لبلجيكا في طريقها لاحتلال فرنسا

        من شأن الباحثين والمؤرخين النظر باوجه الشبه بين ظروف الأمس واليوم، وما باستطاعتنا مقارنته بما يحدث في الوطن العربي من حروب وتمزيق وتفتيت مبرمج للمجتمعات وتفكيك الدول الوطنية. آنذاك، عرف عن منفذ الاغتيال صربي الاصل، غافريلو برينسيب، انتماءه السياسي المتطرف؛ اليوم، تعج المنطقة بالتشدد السياسي والديني وتكفير الآخر وقلب للاولويات مما قد يؤدي الى اشعال فتيل الانفجار الشبيه بحادث سراييفو. البلقان آنئذ كانت على برميل بارود قابل للانفجار؛ الوطن العربي برمته يجلس على برميل بارود يشتعل بنزاعات وصدامات تتزايد وطأتها وحدتها بوتيرة متسارعة، وكذلك لموقعه الجيوسياسي المميز وتضارب مصالح الدول الكبرى والصغرى في السيطرة الحصرية على موارده ومستقبله

:عند توجهنا لالقاء نظرة على جملة من السيناريوهات التي من شأنها ان تشكل فتيل انفجار واسع في الاقليم نجد ما يلي

مضيق هرمز

        تعاظمت اهمية وحيوية مضيق هرمز بالنسبة للتجارة العالمية وتدفق النفط الخام وتعبره 20-30 ناقلة نفط يوميا، بمعدل ناقلة كل 6 دقائق في ساعات الذروة، محملة بنحو 40% من صادرات النفط المنقول بحراً على مستوى العالم. وسبق ان هددت ايران مرارا باغلاق المضيق في حال تعرضت اراضيها لعدوان غربي-“اسرائيلي” وسارعت الاوساط السياسية والتجارية الدولية الى نفخ نذير الحرب ان تفاقمت الاوضاع

        جملة عناصر واحداث من شأنها اشعال فتيل الانفجار واغلاق المضيق، ابرزها تحرك اميركي – “اسرائيلي” –  اوروبي مشترك يتعرض لجهود ايران النووية، على رأسها شن “اسرائيل” هجوم على المنشآت النووية الايرانية – والذي سيقتضي ضوءا اخضرا اميركيا بالضرورة. بالمقابل سترد ايران باطلاق وابل من الصواريخ والقذائف الباليستية ضد مصدر العدوان ترافقه باغلاق المضيق امام الملاحة التجارية وحركة الاسطول الاميركي في مياه بحر العرب والخليج العربي، وتعزيز مواقعها العسكرية الراهنة في جزر الطنب وابو موسى

        سيرد حلف الناتو بالاشتراك مع اميركا بنشر قوات عسكرية مهمتها اعادة فتح المضيق امام حركة الملاحة، والتي بمجموعها تستطيع الحاق اضرارا مادية جسيمة في الجانب الايراني الذي سيلجأ لتوسيع رقعة الاشتباك باستهداف مواقع ومصالح غربية اخرى في الاقليم: القواعد العسكرية الاميركية وآبار النفط في دول الخليج اضافة الى “اسرائيل” التي سترد بدورها بقوة ولا يستبعد لجوئها لاستخدام رؤوس نووية ضد ايران

        يتوقع الخبراء الاستراتيجيون بقاء كل من روسيا والصين خارج ساحة الصدام في بداية الأمر، ومن المرجح انخراط سورية وحزب الله، حلفاء ايران، في القتال بشن هجمات صاروخية وربما عمليات توغل في منطقة الجليل المحتل من فلسطين. حينئذ لا تملك “اسرائيل” خيارا سوى الرد وتوسيع رقعة الاشتباك من سواحل البحر المتوسط الى مياه الخليج العربي

        تجمع كافة الاطراف ان تداعيات مثل ذلك الاشتباك ستكون هائلة بكل المستويات، وقد تشهد نتائج شبيهة بتلك التي سادت ابان الحرب الكونية الاولى من سقوط نظم وعائلات حاكمة تستبدل بنظم اشد جذرية وتوجها. في مستوى الخسائر البشرية يتوقع ان ترتفع لاعداد ضخمة نتيجة دخول اسلحة دمار شامل متعددة وانتشار ردود الفعل الى خارج حدود الاقليم

آفاق حدوث انقلاب محلي في احدى دول مجلس التعاون

        العائلات الحاكمة في مجمل دول الخيلج العربي تتداول الحكم بالوراثة ويزداد الشرخ اتساعا بين امتيازاتها شبه المطلقة واوضاع مواطنيها المتردية، ويذكرنا التاريخ الحديث بعدة محاولات انقلاب قامت ضدها وفشلت، بيد ان ذلك لا يعني ان المحاولات قضي عليها او تم وأدها

        العائلات الحاكمة في “السعودية” والبحرين هي الاكثر عرضة للانقلابات التي سيرحب بها حين وقوعها وستنال اعترافا رسميا من ايران، على الاقل، التي قد تحرك بعض وحداتها العسكرية لدعم وتعزيز السلطات الجديدة. الخطوة الايرانية المفترضة قد تدفع دول الخليج الاخرى الى ادخال قواتها ايضا “استجابة لنداء الاخوة في العائلة الحاكمة” للسيطرة على منابع النفط، وقد تتحرك القوات العسكرية للدول الغربية تحت ستار “المحافظة على تدفق منابع النفط” للاسواق الاوروبية، مما سينجم عنه اندلاع حرب تقليدية واسعة تشمل كافة منطقة الخليج

        تعدد الاطراف المنخرطة ومصالحها المختلفة في القتال يعزز الشكوك بأن طبيعة الحرب قد تخرج عن سيطرة القتال بالوسائل التقليدية، وتتجه نحو مزيد من التصعيد فيما لو نجحت ايران باغلاق مضيق هرمز ليس امام حركة الملاحة فحسب، بل لاعاقة اي تعزيزات لقوات حلف الناتو لصالح القوى التقليدية في الخليج. الابقاء على هذا الشكل من الصراع يستبعد انخراط “اسرائيل” وتراجع احتمالات تطور الصراع الى ادخال السلاح النووي ارض المعركة

العراق، سورية وداعش

        ما يشهده العراق من اندلاع واسع للقتال يحمل بين ثناياه امكانية تطوره الى قتال وازمة كبيرة، تنخرط فيه اطراف متعددة، لا سيما الاكراد وداعش وايران، وحكومتي سورية والعراق، فضلا عن القوى المتشددة وداعميها الاقليميين والدوليين التي تتطلع للسيطرة على اهم مرتكزات الهلال الخصيب جغرافيا وسياسيا

        محصلة الواقع الميداني تشير الى عدم قدرة طرف بمفرده على حسم نتيجة المعركة: فحلف ايران وسورية والعراق يسيطر على العواصم والمدن الكبرى، اما المناطق الريفية الاوسع فهي خارجة عن سلطة الدولة المركزية. تنظيم داعش استطاع السيطرة على مساحات كبيرة من الاراضي في العراق وسورية، بيد ان فكره الاقصائي المتشدد لم يسعفه في احراز قاعدة دعم كان يرجوها بين السكان، مما يعد في العلم العسكري هزيمة صافية. بعض القوى المتشددة والتكفيرية الاخرى تجد ملاذا ودعما لها في انظمة ودول الخليج العربي ولم تستطع ترجمة نفوذها المادي الى انتصارات ميدانية تنسبها لنفسها. المستفيد الاكبر في المرحلة الراهنة هو الاكراد ممثلين بحكومة الاقليم الكردي في العراق يستغلون الفرصة لتعزيز مدى نفوذهم وقبضتهم على باقي مناحي كردستان العراق طمعا في انشاء دولة مستقلة على انقاض العراق بعد تفكيكه

        جدير بالذكر ان تنظيم داعش يشن حربه على جبهتين متزامنتين في العراق وسورية معا، وتعثرت مسيرته عن التقدم في ارض السواد، مما حفز الاستراتيجيين من القادة العسكريين القول ان من مصلحة تنظيم داعش تحويل قواه وموارده العسكرية الى الساحة السورية بغية الحاق الهزيمة بالميلشيات السورية الاخرى والحكومة السورية على السواء، والتحول ثانية الى العراق بقوة اضافية بعد تحقيقه اهدافه في سورية

        ممارسات تنظيم داعش في كل من العراق وسورية لا تدل على توفر نية لديه توخي نصائح القادة العسكريين، بل وسع دائرة توغله وتفجيراته غربا للساحة اللبنانية، مزهواً بالكم العالي من الاسلحة والعربات والمعدات التي غنمها من الجيش العراقي عند بدء غزوته. تطور فريد على الجبهة الاعلامية دفع مشغلي وممولي داعش الى التحذير من اخطار تمدده في الاقليم، بالتساوق مع طرفي مواجهته الرئيسيين سورية والعراق، الامر الذي سيعزز طرفي الصراع من دول مجلس التعاون الخليجي وتركيا والاردن، من جانب، وروسيا وايران من جانب آخر الى ضخ المزيد من وسائل الدعم والقتال لابقاء الصراع مشتعلا في سورية وحصد مزيد من الارواح والدمار – الانجاز الوحيد الذي حققه معسكر خصوم سورية

        تحذير الدول الداعمة لتنظيم داعش من خطر تمدده وتهديده لعواصمهم ينذر باتساع رقعة الحرب التقليدية في الاقليم، خاصة في ظل مؤشرات تدل على وضع داعش نصب عينيه منطقة الحدود العراقية مع الجزيرة العربية بالتزامن ايضا مع دعوات قوى وتيارات مناهضة للحكومة العراقية بضرورة توفير الدعم والحماية لداعش مما اثار هلع الاجهزة الأمنية “السعودية” وبقية دول الخليج لادراكها مسبقا انها لن تستطيع الدخول في اشتباك داخل حدودها نظرا للتعقيدات الاجتماعية والولاءات العشائرية التي رسختها منذ زمن بدل الولاء للوطن. وعليه سارع الاردن الى التحرك العاجل و”تحصين” حدوده مع العراق تحسبا لأي طاريء

        تصاعد اوجه الصراع يرجح تدخل الكيان الصهيوني الى مستويات ابعد مما ثبت حتى الآن بتوفير دعم واسناد لوجستي لقوى المعارضة السورية تستغل فرصة انشغال الجيش العربي السوري في محاربة الارهاب وتدفعه خارج جبهة الجولان توطئة لانشاء منطقة عازلة هناك تحمي الكيان الصهيوني. في هذا الصدد، واستنادا الى ان اولويات الكيان الصهيوني ودول مجلس التعاون بالاضافة الى تركيا والاردن هي في تقويض اسس الدولة والكيان السوري، فليس من المستبعد ان تقدم مجتمعة على محاربة تنظيم داعش مجددا في العراق ودعمه لحصر نطاق عملياته في سورية، وربما في لبنان لخلط الاوراق مجددا هناك وابقاء جذوة الصراع ملتهبة

كردستان العراق

        اطماع تركيا في العراق وخيراته ليست وليدة اللحظة، بل لا زالت المناهج التربوية التركية تحت ظل حكومة “حزب الحرية والعدالة” تشير الى محافظة الموصل كمقاطعة تركية ينبغي عودتها لحضن الدولة. الأمر الذي اسهم في توقيت دعمها الراهن لحكومة اقليم كردستان العراق لانشاء كيانه المستقل مقارنة مع موقف تركيا الثابت سابقا بالتهديد بغزو المنطقة في حال اقدم الاكراد على مثل تلك الخطوة درءا لمطالبة اكراد تركيا بالمثل

        المتغيرات الاقليمية والتطورات الدولية ستقف حاجزا مانعا امام اعلان دولة كردية مستقلة بشكل رسمي، بيد ان عدد من الاطراف ابرزها تركيا والكيان الصهيوني ستواصل دعمها لتوطيد استقلال كردستان العراق غير عابئة بالمناخ الدولي لاعتقادها ان ذلك يقوض وحدة وتماسك العراق. وجود تنظيم داعش وتداخله مع المناطق الكردية قد يدفع بحكومة اقليم كردستان الى التفاهم معه بشأن وقف اطلاق النار وحفزه لتسخير قواته الى جبهات اخرى بمواجهة تركيا وايران، وبالتالي مواصلة تهديده لكل من بغداد ودمشق

سورية: انهيار او انقلاب او اغتيال الرئيس الاسد

        خصوم سورية الاقليميون والدوليون اعربوا بصريح العبارة عن سعيهم للاطاحة بالرئيس الاسد اغتيالا، منذ بدء الازمة، وفشلوا في ذلك؛ استنادا الى ادراك القوى الكبرى المحركة لقوى الارهاب لأهمية ومحورية سورية بقيادة الرئيس الأسد والتزامها الصارم بوحدة الأمة ودعمها اللامحدود لقوى المقاومة لا سيما المحيطة بفلسطين المحتلة – اقليم سورية الجنوبي. اما جدلا فان غياب الرئيس الاسد تحديدا دون غيره من القادة العرب عن الساحة سيوفر الفرصة التي انتظرها خصوم سورية وقد يؤدي الى اشعال فتيل صراع اشمل في الاقليم، شبيه بالظروف التي ادت الى غياب الدوق الاكبر  فرانز فرديناند، نظرا لتعقيدات الوضع الدولي وبروز قوى مؤثرة خارج السيطرة الاميركية والغربية، من جانب، وانكفاء القوة الاميركية التقليدية من جانب آخر، فضلا عن هشاشة اوضاع حلفائها الاقليميين في دول الخليج العربي وازمة الكيان الصهيوني، اليد الضاربة تقليديا

        المعارضة السورية المرتهنة للخارج وتشكيلاتها المسلحة، لا سيما تنظيم داعش، لا تزال تأمل في غياب الرئيس الاسد، بصورة او باخرى، بيد ان مشغليها الاقليميين والدوليين     سيحتفظون بالقرار والتحكم، وربما سيكون المستفيد الاكبر من بينها هو تنظيم داعش نظرا للامكانيات والموارد الواسعة التي تقع تحت سيطرته، ليس اقلها آبار ومنابع النفط في سورية. وعليه، ستذهب خطط المشغلين لتدريب وتسليح مزيد من قوى المعارضة ادراج الرياح امام قوات داعش التي لن تسمح لأحد بمنافستها. هذا السيناريو يفترض ايضا قيام الكيان الصهيوني التحرك لقضم مزيد من الاراضي السورية وانشاء منطقة عازلة مترامية الاطراف

الاوضاع في مناطق اخرى من العالم

        لا يجادل احدٌ في ترابط الاوضاع الدولية بعضها ببعض، تشهد عليه صراعات القوى الكبرى ابان الحربين العالميتين. في الحرب الكونية الاولى صعد نجم المانيا، لا سيما في افريقيا، عند توقيع اتفاقيات الهدنة بين القوى المتصارعة، ونقلت سيطرتها على مستعمرات في المحيط الهاديء الى حليفتها اليابان، بينما ركزت الدول الاوروبية الاخرى ومن ضمنها الولايات المتحدة جهودها الميدانية على غزو صربيا وتفتيتها بغية تشتيت انظار القوى السوفياتية الصاعدة في الداخل الروسي، الى جانب اهداف اخرى

        ما اشبه اليوم بالامس البعيد، اذ ساهم سعي الغرب في زعزعة استقرار الشرق الاوسط الى تعزيز روسيا غربا واستعادة اراضيها من اوكرانيا؛ فضلا عن ان توسع حلف الناتو في اوروبا الشرقية حفز روسيا على استعادة مجدها ابان الحقبة السوفياتية. نشر حلف الناتو لقوات عسكرية في الشرق الاوسط سيؤدي بروسيا اعادة النظر وتحريك اولوياتها نحو اوكرانيا ودول بحر البلطيق، عملا بالمفهوم الاستراتيجي ان الفراغ الجيوسياسي غير مسموح به

        ايضا، استغلت الصين فرص انشغال الغرب والولايات المتحدة لتعزيز نفوذها في مياه بحر الصين الجنوبي ولامست الاشتباك عسكريا مع كل من اليابان والفيليبين وفييتنام، ادراكا منها ايضا ان تنامي حدة الصراع في الشرق الاوسط سيتطلب من الولايات المتحدة تحريك عدد من حاملات طائراتها من المياه الآسيوية الى منطقة الخليج العربي، مما سيزيح الخطر الاكبر من امام الصين لبسط سيطرتها ونفوذها هناك

        الأمر عينه ينطبق على كوريا الشمالية التي ستنتهز فرصة انشغال اميركا في الشرق الاوسط لتعزيز دائرة نفوذها في الاقليم

        الاحداث الداخلية الاميركية ايضا من شأنها التأثير بمسيرة التطورات في الشرق الاوسط نظرا لتشابك المصالح وتعدد الاطراف، وتضعضع مكانة وصدقية الرئيس اوباما داخليا، والاعتبارات المتعددة التي ينبغي ان يأخذها بالحسبان قبل الاقدام على اي خطوة، سيما وانه لا يشذ عن سير اسلافه من الرؤساء الذين سعوا لتعويض مآزقهم الداخلية بمغامرات خارجية – تصدير الازمة. في هذا السياق ينبغي النظر الى تصريحات الرئيس اوباما الاخيرة بتخصيص نحو نصف مليار دولار لتدريب وتسليح قوى المعارضة السورية المصطفاة، وهي التي تكبدت هزائم ميدانية لن تستطيع تعويضها في المدى المنظور

        يدرك الرئيس اوباما بدقة مدى معارضة الشعب الاميركي لمغامرات عسكرية جديدة تستند الى نشر قوات عسكرية خاصة في المنطقة العربية التي اذاقتها طعم الهزيمة العلقم بعد هزيمتها في فييتنام. بيد ان صراع القوى والمصالح الداخلية قد يدفعه لاتخاذ مواقف اشد خطورة تنذر بمزيد من الاشتباكات الدائمة، تيمنا بنصائح الليبراليين الجدد من امثال وولفوويتز، وابقاء جذوة الصراع مشتعلة لعقود مقبلة

        نزعة المغامرات تلك هي التي ادت لنشوب حربين كونيتين وسلسلة اعتداءات وغزو للدول والكيانات الوطنية الاخرى: الامبراطورية الهنغارية النمساوية اخفقت في تقدير رد فعل صربيا على انذارها؛ المانيا ايضا اخفقت في تقدير حليفتها بتوفيرها دعم غير مشروط لمغامرات الامبراطورية؛ الامبراطورية الاميركية اخفقت مرارا وتكرارا في تقدير وجهة حروبها التي اعتقدت، جازمة ربما، ان باستطاعتها حسمها خلال بضعة اشهر على ابعد تقدير، ولا زالت تئن من سوء تقديراتها في فييتنام وافغانستان والعراق – وسورية لا تزال شاهدة على سوء التقدير والغطرسة الاميركية

التقرير الأسبوعي 06-20-2013

:المقدمة

  

        انهيار الجيش العراقي واندفاعة “داعش” شكل صدارة اهتمامات مراكز الابحاث الاميركية، ولا زالت الاوضاع غير مستقرة نظرا لاندلاع معارك متجددة هناك

        سيستعرض قسم التحليل الأزمة العراقية والخيارات المتاحة امام الولايات المتحدة في مواجهة عزم “داعش” التوجه والسيطرة على بغداد، والسيناريوهات المتعددة للتدخل من عدمه، والاحتمالات المرجحة التي تنبيء بتقسيم العراق وفق قاعدة “الامر الواقع”

ملخص دراسات ونشاطات مراكزالابحاث

العراق

        اعتبرت مؤسسة راند ان تردد الولايات المتحدة والدول الغربية باتخاذ قرار للتدخل العسكري في كل من سورية والعراق ساهم مباشرة في الانتصارات الميدانية لتنظيم “داعش .. ووفر المناخ الملائم لسيطرته على اراضي شاسعة في الشرق من سورية وغرب العراق .. وتوسيع الفجوة الطائفية بين السنة والشيعة في عموم المنطقة.” واضاف ان ارتدادات الجولة الحالية “وصل صداها الى لبنان .. والاردن .. والسعودية ودول الخليج العربي وقلق الاخيرة من اضطرابات محتملة من مواطنيها الشيعة

        وحذرت المؤسسة من “استمرار موجة تسليح المعارضة السورية اذ ان الخيار العسكري ليس الحل المنشود؛” ملفتا نظر المؤسسة الحاكمة الاميركية الى ان “الحل قد يكمن في مفاوضات تسوية تضم التفاوض مع الرئيس السوري بشار الاسد .. مهما بدا ذلك غير مستساغ للغرب” خاصة وان الازمة السورية “باتت تمثل خطرا جادا لاستقرار كل من لبنان والاردن وتركيا ومنطقة الخليج العربي، الى جانب مصالح الغرب النفطية” في عموم المنطقة

        رحب مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بفحوى خطاب الرئيس اوباما حول العراق “وقراره بارسال نحو 300 عنصر كمستشارين عسكريين .. اذ من شأن ذلك ان يضمن تواجد اميركي ملموس الى جانب التواجد الايراني ..” واوضح ان القرار الاميركي “سيبقي الضغط قائما على نوري المالكي او من سيخلفه للتصدي للتهديدات الحقيقية من المتشددين .. فضلا عن توفير الضمانة لكل من الحلفاء في الاردن والسعودية والامارات بأن الولايات المتحدة لم توفر للمالكي حرية الحركة

        بالمقابل، رفض معهد كاتو التدخل العسكري الاميركي في العراق محذرا من ان “القصف الاميركي لمواقع داعش نيابة عن الحكومة العراقية قد لا يغير في ميزان القوى القائم في العراق .. ومن المرجح ان يدوم تدخلنا هناك لفترة طويلة وقد يؤجل تحقيق الاصلاحات السياسية المطلوبة

         وتطرق مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الى الاطراف المستفيدة من “انتصارات داعش في العراق،” محددا الرئيس السوري بشار الاسد احد تلك القوى “نظرا لسعيه بالتوضيح للعالم انه يصارع جهاديين اجانب .. واحتدام الصراع في العراق يفرض ذهاب الجهاديين من سورية الى هناك.” واختتم بالقول ان “تقدم داعش في العراق يمثل انباءً طيبة (للرئيس) الاسد

                خصص معهد كارنيغي جزءا كبيرا من اهتاماماته للنظر في “السبل والتدابير التي من شأنها الحاق الهزيمة بداعش وحلفائها .. وضرورة تسليط الاضواء على ممارساته القبيحة والمذمومة بجز جماعي للاعناق وصلب الضحايا وسياسته الثابتة في ابتزاز” المواطنين. وعليه، ناشد المعهد “الاطراف العراقية والايرانية او الاميركية ببلورة صيغة مواجهة تأخذ في الحسبان استغلال الانقسامات والتناقضات داخل التنظيم والتحالف الذي انشأه.” وحث المعهد السلطات العراقية على تطبيق اللامركزية “ونقل جزء كبير من السلطات (الادارية) من بغداد الى المحافظات” الاخرى

        انعكاسات الأزمة العراقية على اسواق النفط الدولية كانت من ضمن اهتمامات مركز الدرسات الاستراتيجية والدولية، ملفتا النظر الى ان معظم مناطق استخراج النفط تقع خارج ساحات القتال، وبلغ معدل الانتاج الشهر الماضي “3.4 مليون برميل يوميا، استخرج نحو 75% منه من المناطق الشيعية في الجنوب،” بيد انه حذر من “التهديدات الأمنية واعمال التخريب ضد خطود امدادات النفط

        معهد كارنيغي بدوره اصدر دراسة مطولة حول العراق تناول فيها الظروف والتطورات التي ادت الى انفجار الصراع مجددا، مذكرا ان “عدد كبير من قادة السنة، منذ كانون الاول 2013، ضاقوا ذرعا بممارسات التنظيم الجهادي (داعش) في مناطقهم .. وابدوا دعمهم علنا للحملة العسكرية التي شنتها الحكومة المركزية في العراق ضد قواعد التنظيم.” واتهم نوري المالكي بتبديد الفرصة “للعمل مع هؤلاء من قادة العشائر ورجال الدين لمكافحة الارهاب.”

        وحذر المعهد من تبسيط الوسائل الاعلامية كافة في توصيف التمرد .. واعتبارها لتنظيم الدولة الاسلامية القوة الوحيدة التي تقف خلف السيطرة على عدد من المدن التي يقطنها السنة شمال بغداد .. سيما وان ديناميات تلك المناطق لا تزال شديدة التعقيد .. وانضم لداعش ست مجموعات اخرى على الاقل .. ادت دورا مهما في القتال

        وحول المشاركة في الانتخابات الاخيرة، اوضح المعهد ان “العراقيين من السنة الراغبين بالمشاركة في العملية السياسية يشكلون الاكثرية،” محذرا ايضا من تقارب التعاون الاميركي الايراني في العراق على ضوء التطورات الاخيرة، اذ ان “واشنطن ترتكب خطأً آخراً للحصول على مساعدة ايران محاربة تنظيم داعش

الاردن

        انفرد معهد واشنطن من بين اقرانه في مراكز الابحاث الاخرى بالتحذير من استهداف وشيك للاردن من قبل “داعش،” بالتزامن مع تنامي قلق الدول الغربية من ارتداد وعودة المقاتلين الاجانب لبلدانهم. واضاف ان “تمدد داعش في العراق قد عزز نواة قلق الدول الغربية وحلفائها الاقليميين من المجموعات السنية الاسلامية المتشددة.” واردف ان الاردن “يعاني من تنامي التهديد .. يعززه تجذر قوى الجهاد السلفية (التي) ارسلت مقاتليها الى سورية ويخشى عودتهم”

 وشاطره الرأي معهد “ستراتفور” الاستخباري قائلا ان “داعش” عازم على التمدد في الاردن “البوابة الوحيدة (المطلة على البحر) للدولة الاسلامية في العراق والشام .. بالرغم من جملة قيود وعقبات ميدانية تعترض مساره،” مستندا بذلك الى قاعدة دعم “هامة من السلفيين والجهاديين .. تمكنه من شن هجمات في الاردن متى شاء،” مقارنة بدول اخرى اذ “لا يستطيع الانتشار في تركيا، او التوجه للبنان”

       ونوه المعهد الى ان طموح “داعش” للتمركز في ميناء بحري يضاعف من أهمية ميناء العقبة بالنسبة للتنظيم، وقراره بتنفيذ ذلك مرهون بجملة عوامل  منها تبيان استراتيجيته المقبلة بعد “انتصاراته في العراق .. وضرورة عدم انجراره لتأليب سنة العراق ضده الذين يتخذون من الاردن ملاذا آمنا لتحركاتهم “

سورية

اعرب مجلس السياسة الخارجية الاميركية عن اعتقاده ان تردد الرئيس اوباما في التدخل المباشر هو احدى حلقات سياساته الخاطئة “وربما اضفت مصداقية على زعم مؤيديه بأنه لا يتوفر حلولا جيدة للأزمة السورية .. بعد استنفاذ وتبديد النفوذ القوي الذي كان متاحا في مرحلة بدء الصراع قبل ثلاثة اعوام.” ومضى في انتقاده لسياسات الادارة الاميركية التي كان بامكانها “التحرك بحزم وربما ابعاد، او التخفيف من حدة، الكارثة الانسانية” التي تشكلت لاحقا

:التحليل

محنة اوباما

استنزاف وتهديد العراق بالتقسيم ووقف تمدد داعش

ادعت بعض الدوائر الاميركية بالمفاجأة من سرعة تمدد تنظيم “داعش” مما حفز الدعوات المطالبة بما يتعين القيام به اميركيا، وحسم الرئيس اوباما الجدل سريعا بقطع الطريق على دعاة الانخراط الواسع بالحرب، اذ اكتفى بارسال معونات استخبارية معززة بنحو 300 عنصر من القوات الخاصة ومشاة البحرية، المارينز، لاحكام طوق الحماية الأمنية حول السفارة الاميركية – الاضخم في العالم؛ والعمل “خلف خطوط” الاشتباك بمهام تدريبية واستشارية تقدم للقوات العراقية

واضح اوباما ان بلاده على استعداد لانشاء غرف عمليات مشتركة مع العراق في بغداد وشمالي العراق؛ وارسل وزير خارجيته للمنطقة للتشاور مع “الحلفاء” الاقليميين والاوروبيين. سبق الاعلان نشر قطع بحرية في مياه الخليج العربي، من بينها حاملة طائرات تعمل بالطاقة النووية جورج اتش دبليو بوش (الاب)، وسفينة قتال برمائية تتأهب للتدخل واخلاء الرعايا وحماية المصالح الاميركية عند الحاجة

لم ينتهي الجدل في واشنطن واستعراض سبل التدخل، واعرب عدد من اقطاب معسكر الحرب عن خيبة أمله لضعف التواجد العسكري الاميركي، مجددا مطالبه النظر في خيارات عسكرية اخرى؛ بينما تتجه بعض دول الخليج العربي الى البحث عن حلول سياسية وديبلوماسية للأزمة. قبل الدخول في هذا المسعى، من المفيد استعراض “استراتيجية داعش” في الاقليم

يجمع الخبراء العسكريون ان تنظيم داعش يطبق قوانين حرب العصابات بحذافيرها، ويبدو انه اليوم في المرحلة الاخيرة من مخططه للاطباق على مراكز الدولة المركزية والاشتباك مع قوات الجيش العراقي التقليدية بمجموعات ووحدات عسكرية صغيرة لتحقيق ذلك. التقديرات المتداولة حول حجم الجسم العسكري لداعش تتراوح بين 5،000 الى 20،000 عنصر، مدربين جيدا رغم ضآلة حجمه مقارنة مع تعداد الجيش العراقي الذي اشرفت القوات الاميركية على تدريبه وتجهيزه

تفكك وانحلال وحدات الجيش العراقي في بداية هجوم داعش شهدت تراجعا في الايام  القليلة الماضية مما استدعى “داعش” للتريث وتعزيز انجازاته الميدانية. وسارعت وحدات الجيش العراقي لملء الفراغ السابق وتوطيد خططها الدفاعية. في هذا الصدد، يزعم البعض ان ايران ارسلت نحو 2،000 مقاتل من قوات فيلق القدس لحماية بغداد، الأمر الذي فندته التصريحات الاميركية الرسمية

“داعش” ماضٍ بتصريحاته المهددة للاستيلاء على بغداد، مما يتعذر لحينه امتلاك القدرة لتحقيقه مع استمرار القتال في المناطق الاخرى شمالي العاصمة؛ بل لم يستطع الاستيلاء على مصفاة بيجي، اكبر مصافي النفط العراقية، الواقعة على مسافة قريبة الى الشمال من بغداد، على الرغم من الحشود الكبيرة التي خصصها لتلك المهمة

الاوضاع الميدانية في محيط بغداد غير مستتبة بالنسبة لتنظيم داعش مما اضطره للدفاع عن مواقعه السابقة عوضا عن دخول العاصمة كما أعلن، واضطراره تحريك بعض وحداته لشن هجمات على الطريق الرئيس بين بغداد وسامراء؛ ويزهو بسيطرته الراهنة على مدن تقع غربي العاصمة، كرمة والفلوجة، وما توفره له من فرص لنصب الكمائن او شن هجوم وهجوم مضاد انطلاقا من تلك المواقع

استراتيجية تنظيم “داعش” وحلفاؤه، من واقع تجربته السابقة في العراق، تستند الى تفادي الاشتباكات الدموية في شوارع العاصمة واستنزاف القوى المدافعة عبر شن هجمات خاطفة عليها. وقعت تفاصيل تلك الاستراتيجية بأيدي القوات الاميركية عقب اغتيالها ابو مصعب الزرقاوي عام 2006، وكان يحمل خريطة بدائية لمسرح العمليات؛ ونشرت القوات الاميركية تفاصيل خطة “احزمة بغداد” ابان ذروة اشتباكها مع تنظيم القاعدة والدولة الاسلامية في العراق عامي 2007 و 2008. اقتضت خطة الزرقاوي الاستيلاء والتحكم في المحافظات البعيدة واحزمة بغداد، او المناطق الاساسية المحيطة بالعاصمة. ومن ثم تستخدم الدولة الاسلامية في العراق مواقعها الجديدة للتحكم بطرق الوصول الى بغداد، وتوزيع الاموال والاسلحة وتجهيز السيارات المفخخة وادخال المقاتلين للمدينة. كما تشير الخطة الى نشر قواذف وصواريخ محمولة مضادة للطائرات تستهدف اسقاط الطائرات المروحية الاميركية المحلقة في سماء بغداد

خيارات اميركا

توالت الاتهامات تباعا ضد الرئيس اوباما والريبة في امتلاكه العزيمة السياسية المطلوبة لاتخاذ قرار بالتدخل؛ بينما يدرك وطاقمه الاستشاري تنامي معارضة الشارع الاميركي للتدخل مرة اخرى في العراق وهو ما كان يعارضه اوباما سابقا ايضا. اما حقيقة الأمر فتدل على مديات عالية من  المراهنات امام صناع القرار والخشية من ارتداد الغضب العام ضد الرئيس وتحميله مسؤولية تدهور الاوضاع

تشير المعطيات المتوفرة الى ان “الدولة الاسلامية في العراق والشام” تتأهب لخوض صراع كبير، ربما يشبه الاوضاع السائدة عام 2007 التي استدعت الرئيس السابق جورج بوش الابن الى ارسال وحدات قتالية اضافية للعراق لاخماد شعلة المقاومة. للتذكير، تطلب الأمر انخراط ما ينوف عن 130،000 جندي اميركي يعززهم بضع مئات الالاف من قوى الأمن العراقية التي بالكاد استعادت السيطرة على محافظات الانبار وصلاح الدين وديالى ونينوى وبغداد وما اصطلح على تسميته بـ “مثلث الموت.” استغرقت المواجهة الجديدة ما ينوف عن السنة بدعم مباشر من سلاح الجو الاميركي والطائرات المقاتلة في سلاح البر وشن غارات مداهمة  استهدفت مواقع القيادة والتحكم ومراكز التدريب والقواعد التابعة للدولة الاسلامية في العراق

الاحتواء كان آنئذ، اما الآن فالعراق يخلو من تواجد قوات اميركية هامة، بل لو توفر قرار نشرها فان تموضعها سيستغرق وقتا ربما يطول. تستطيع الولايات المتحدة الاعتماد على نحو 500 عنصر من قوات مشاة سلاح البحرية، المارينز، المرابطة على متن السفن الحربية في مياه الخليج العربي، بيد ان تلك القوة مهما بلغت درجات تعزيزها لن يكون بوسعها تحقيق اي تقدم في عراق مترامي الاطراف، او توفير الحماية لبغداد، فما بالك بالتصدي لداعش وفرض تراجع عليه

كما باستطاعة الولايات المتحدة حشد قوات محمولة جوا على عجل من الفرقتين 82 و 101 والتي باستطاعتها الانتشار خلال ايام معدودة. بيد ان تلك القوات تعتمد على تسليح خفيف للمشاة اما معداتها الثقيلة ستستغرق مدة اطول للوصول الى العراق، فضلا عن التحديات والمعوقات اللوجستية. الأهم ان ارسال قوات للعراق سيتطلب موافقة الكونغرس على المهمة، الأمر الذي تجنبه الرئيس اوباما بحنكة خشية تكرار اخطاء قرار الانخراط في السابق

الخيار الآخر المتداول هو قيام الولايات المتحدة بشن غارات جوية مكثفة بالطائرات القاذفة العملاقة ب-52 و ب-2، تستهدف التشكيلات القتالية لداعش ومقراته الرئيسة وخطوط امداده. نظريا، بامكان القدرة النارية المدمرة والهائلة وقف تقدم تجمعات داعش على بغداد؛ بيد ان حقيقة الأمر تشير الى ان استخدام السلاح المذكور لن يؤتي ثماره الا مع تشكيلات قتالية كلاسيكية واهداف تقليدية ثابتة. وعليه، عند افتراض دخول القاذفات المعركة فان اقصى ما تستطيع تحقيقه هو ابطاء تقدم داعش وليس الحاق الهزيمة به

كما باستطاعة القوات الاميركية شن غارات جوية استئصالية واستخدام صواريخ كروز وطائرات دون طيار – درونز، والتي من شأنها تخفيف التداعيات والاحتجاجات الداخلية وايضا تقليص الكلفة العسكرية. تدرك القيادة العسكرية الاميركية ان تجاربها السابقة في باكستان وافغانستان واليمن والصومال ومناطق اخرى ان استخدام سلاح الطيران لا يجوز الاعتماد عليه كبديل عن ادخال قوات برية لتحديد ادق للاهداف ترسل احداثياتها للطيران. الصواريخ المحمولة المضادة للطائرات التي استولت عليها داعش من مخازن الجيش العراقي ستشكل عقبة امام استخدام الطيران والمروحي بشكل خاص

تواجه الولايات المتحدة ايضا عقبات سياسية في المنطقة ان لجأت الى ادخال بعض مواردها العسكرية دون القوات البرية الى الساحة الملتهبة مما سيضاعف اعتمادها على ايران ونفوذها في العراق كقوة اساسية هامة لاعادة الاستقرار هناك. وعبر وزير الخارجية الاميركي جون كيري عن رغبة الادارة بذلك قائلا  ان واشنطن “منفتحة على اجراء محادثات” مع طهران ان رغبت ايران بالمساهمة لانهاء موجة العنف واستعادة ثقة الحكومة العراقية. وترك كيري الباب مفتوحاً امام نشر قوات عسكرية او اجراء مشاورات مع ايران قائلا انه “لا يستثني اي من الخيارات البناءة”

بالمقابل، اعرب السيناتور جون ماكين عن عميق شكوكه من مجرد امكانية الحديث مع طهران قائلا “انه النظام الايراني ذاته الذي درّب وسلّح اشد المجموعات الشيعية خطورة، واستمر بحض رئيس الوزراء المالكي تبني اجندة طائفية على حساب جهود المصالحة الوطنية، ووفر الصواريخ التي اطلقت على السفارة الاميركية في بغداد، ورعى اعمالا ارهابية في عموم منطقة الشرق الاوسط والعالم قاطبة، ويستمر في استخدام الاراضي والاجواء العراقية لايصال اسلحة ومقاتلين لدعم (الرئيس) بشار الاسد في سورية “

وحث ماكين الادارة الاميركية على “تقليص حجم التدخل الايراني في العراق على الفور، بدل تشجيعها، وهذا يستدعي فعلا اميركيا حازما للحط من الدولة الاسلامية في العراق والشام ووقف هجومها في العراق”

يخشى صقور الحرب في اميركا ان تؤدي الغارات الجوية الاميركية، دون مرافقتها بقوات خاصة على الارض، الى ان يصبح سلاح الجو جزءاً من القوات العسكرية لايران، كما يزعمون

الحل الوسط بالنسبة لبعض القادة العسكريين الاميركيين يكمن في تعزيز العمليات الجوية وادخال اعداد محدودة من وحدات القوات الخاصة في العراق لتنسيق الغارات الجوية وتدريب القوات العراقية والقيام بعمليات سرية. ويصر هؤلاء على ان تخضع تلك القوات للقيادة العسكرية وليس لوزارة الخارجية، عبر السفارة، التي تشرف حاليا على ادارة المصالح الاميركية هناك، وتوسيع نطاق مهامها وعدم حصرها بمهمة دعم الحكومة العراقية بل سيجري استخدامها لدعم الاكراد، تعبيرا عن الوفاء لما قدموه للقوات الخاصة الاميركية من تسهيلات في العدوان الاميركي على العراق عام 2003. تطبيق هذا التصور يفرض على قيادة داعش تحويل بعض قواته من نطاق عمليات بغداد الى حماية الجبهة مع الاكراد.

يناشد بعض ضباط الاستخبارات الاميركية المتقاعدين الادارة شن غارات هجومية على الفور تستهدف تدمير الآليات والعربات المدرعة الاميركية التي غنمها داعش من القوات العراقية “مما يعود بالفائدة على جبهتي سورية والعراق”

ويستطرد هؤلاء بالقول انه يتعين على الادارة الاميركية تغيير سياستها نحو سورية والتوجه للتصدي لداعش الذي ينمو بسرعة وباستطاعته السيطرة على مساحة كبيرة ممتدة من بغداد الى الحدود مع السعودية وشاطيء المتوسط ايضا

الاردن والسعودية قلقين من امكانية تمدد داعش ووصوله الى حدودهما المشتركة وما يترتب عليهما من تدابير يتخذانها  لمواجهته عسكريا وسياسيا، وربما تعديل بوصلة سياستهما الداعمة للمعارضة المسلحة في سورية. السعودية قلقة ايضا من تدهور الاوضاع الأمنية في المنطقة الشرقية المطلة على الخليج العربي والغنية بالنفط نتيجة سياساتها المعادية لطموحات شعب الجزيرة العربية

على الرغم من الانجازات التي حققها داعش الا انه من غير المرجح ان يستطيع السيطرة على بغداد او الاحتفاظ بالمساحات الشاسعة لفترة طويلة، علما انه يدرك عمق الخلافات العقائدية بينه وبين بعض حلفائه من “المقاتلين السنة،” مما يؤشر على وضع يسود فيه الجمود لمدة طويلة. بل قد تشتعل اشتباكات داخل اطرافها على اسس عرقية وطائفية، واندلاع مواجهات شاملة في العراق على تلك الخلفية مع سعي “القوات السنية والشيعية” تطهير مناطقها من الطرف الآخر. ولم تترك داعش فرصة الا ووثقت فيها عمليات اغتيال وقتل جماعي قامت به لأناس خارج طائفتها في المناطق التي سيطرت عليها.

تجمع الدوائر الغربية المختلفة، لا سيما الاجهزة الاستخبارية، ان “الاكراد على ابواب افضل فرصة تاريخية لتشكيل دولة خاصة بهم،” آخذين بعين الاعتبار تدني قدرة كل من العراق وسورية لافشالها “بل ان كردستان قوية تشكل تهديدا لداعش، تركيا ستناهض المشروع لكن سعيها لوأده سيواجه عقبات عدة سيما وهي اكبر مستثمر اجنبي في المناطق الكردية في العراق .. وهددت سابقا بغزو كردستان  ان اعلنت استقلالها، وربما عدلت عن ذلك”

القوات الكردية المسلحة، البيشمركة، لا تعاني من مقتل انتشارها على مساحات جغرافية واسعة، وسارعت للتقدم والسيطرة على المناطق التي اخلاها الجيش العراقي قبل وصول داعش وبعضها متنازع عليها، لا سيما مدينة كركوك والمناطق المحيطة بها الغنية بالنفط

جدير بالذكر ان القوات الكردية احجمت عن الوقوف بوجه قوات داعش المتجهة جنوبا انطلاقا من اراضيها، اذ تتموقع القوات الكردية بالقرب من شبكة الطرق المؤدية من الموصل الى بغداد، وكان بامكانها قطع وسائل اتصال قوات داعش ووقف توجهه الى بغداد

الخلاصة

اعتادت الولايات المتحدة ان تبسط نفوذها وتستخدم قوتها واعتبرت لاعبا اساسيا في الاقليم، بالمقابل يبدو الرئيس اوباما منفصل في عزلة، ويتهمه خصومه بأنه على غير استعداد للنظر بمساعدة حكومة المالكي بقوة عسكرية تكفي لهزيمة او مواجهة داعش في سورية او العراق

اوباما غير راغب بتوفير سبل دعم تعزز استقلال وسيادة العراق، والارجح انه سيخصص عدد محدود من القوات لاستعادة استقرار البلاد، مما يؤشر على نيته او عدم اعتراضه الجدي على تقسيم العراق نتيجة “امر واقع” في المدى القريب على الاقل

التقرير الأسبوعي 06-13-2013

المقدمة

        ابرز الاسهامات جاءت من معهد كارنيغي في دراسة شاملة بعنوان “المتغيرات العالمية للأزمة السورية،” سلط فيها الاضواء على عدد من العوامل والقوى الفاعلة في الصراع، في ابعاده الاستراتيجية والجيوسياسية

        سيتناول قسم التحليل ظاهرة تنامي العثرات وسوء التقدير لادارة الرئيس اوباما، والتعرف على كنه العوامل التي تسهم في صياغة القرار لديها والهفوات والسقطات السياسية المرافقة، والتي تعود اسبابها الى اسباب بنيوية في طبيعة المؤسسة الرئاسية، فضلا عن نرجسية الرئيس وعدم اصغائه جيدا لاراء متباينة خارج دائرة مستشارية المقربين

ملخص دراسات ونشاطات مراكزالابحاث

دروس الحرب الاميركية

        اصدر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية دراسة تناول فيها الدروس المستفادة من العدوان الاميركي على العراق وافغانستان، معتبرا انه ينبغي “تصدر القيم الاستراتيجية الكبرى فوق كل اعتبار في كافة الازمنة .. (وتطبيقها) دون هوادة ..” وحذر من “فخ الوقوع في عشق العملية او تبنيها .. فالحروب التي لا ينطوي عليها تهديد حقيقي للمصالح الاستراتيجية الاميركية تندرج تحت بند الخيارات وبالامكان خسارتها، او تفاديها، او وضع نهاية لها في ظل شروط غير مرضية.” واضاف انه يتعين على صناع القرار “عدم المراهنة على نهاية مرضية للقتال مطلقا .. وايضاح الالتزامات الاميركية المترتبة بشكل جلي كلما امكن ذلك”

سورية

        استعرض معهد كارنيغي دور اللاعبين الاقليميين في ادامة الأزمة السورية موضحا ان “الطبيعة المحلية للصراع تدل على صعوبة استساغة اللاعبين الخارجيين لها، ناهيك عن قدرتهم التحكم بالديناميات المتشابكة والمعقدة على المستوى الشعبي.” واستخلص بالقول انه مهما آلت اليه نهاية الصراع فان مستقبل سورية “يؤشر على انها ستبقى ثابتة الاعتماد على الدعم الخارجي وعرضة للنفوذ الاجنبي لعقود مقبلة”

        وتطرق المعهد الى تنافس مصالح دول الخليج العربي في سورية، معربا عن اعتقاده ان “سياسات مجلس التعاون بشأن سورية سيستمر ترسيمها استنادا الى عامل القلق الأمني في سياق متطلبات كل دولة على حدة .. وسيؤدي نفوذها المتعدد الى مزيد من انقسام الولاءات وبروز نزعات التطرف بين صفوف المعارضة السورية”

        وفي ذات السياق، تناول المعهد دور ايران التي “حالت مساعداتها متعددة الاوجه من انهيار نظام (الرئيس) الاسد، بيد ان ادامة الصراع هناك قد يدل على الصعوبة التي ستواجهها طهران في الحفاظ على مستويات دعمها المالي .. سيما وان خروجها من تحت عباءة اجراءات المقاطعة الاقتصادية لا يبدو وشيكا، مما يضاعف من اجراءات الرقابة الداخلية لجمهور يئن من الضغوط الخارجية وسوء الادارة الداخلية.” وشدد المعهد على ان دور ايران بين “السنة من العرب الى تراجع”

        اما البعد “الاسرائيلي” في الازمة السورية فقد رأى المعهد ان جمهور المستوطنين الصهاينة “مشدود الانتباه الى سبل الحيلولة دون تسرب تداعيات الازمة الى اسرائيل والاردن ولبنان .. وعازم ايضا على الحيلولة دون ان يصبح لبنان منصة انطلاق لشن او دعم اعمال عنفية ضد اسرائيل.” واعرب المعهد عن بالغ قلق القادة الصهاينة “واضطرارهم للتعايش مع اتفاق نووي يتم التوصل اليه مع ايران من شأنه تقليص وانكماش نظام العقوبات الاقتصادية ضدها، ومنحها مساحة اوسع من الشرعية وحرية الحركة للتدخل في الشؤون السورية – اللبنانية”

        كما استعرض المعهد في دراسته آفاق “التهديدات الماثلة امام لبنان نتيجة الأزمة السورية .. سيما وان تداعياتها الآنية تفتح الابواب على مصراعيها لتجنيد اللاجئين السورين المعوزين في صفوف التيارات المتشددة .. وما يترتب عليها من تحديات أمنية متصاعدة”

العراق

        تسارع الاحداث المأساوية في العراق كان من نصيب اهتمامات معهد المشروع الاميركي محملا الرئيس اوباما “عودة ظهور تنظيم القاعدة بقوة في العراق .. والخطر الماثل من عودته لمطاردتنا داخل اراضينا،” مستشهدا بتصريحات مدير وكالة الاستخبارات المركزية، جون برينان، في شهر آذار الماضي اذ قال امام لجنة من اعضاء الكونغرس ان الولايات المتحدة “قلقة لاستخدام القاعدة الاراضي السورية لتجنيد عناصرها وتطوير قدراتها بحيث تؤهلها لشن هجمات داخل سورية، وايضا استخدامها كمنصة انطلاق” لهجماتها الخارجية

        البروز المفاجيء للدولة الاسلامية في العراق والشام، داعش، وسيطرته المؤقته على مدينة الموصل شد انتباه معهد واشنطن، معربا عن اعتقاده انه ربما تدفع الازمة “الفصائل العراقية المختلفة الى اعادة تصويب جهودها نحو تحقيق الاستقرار الوطني .. وبصرف النظر عما ستؤول اليه مسألة توازن التمثيل البرلماني، فان كافة المجموعات الاثنية والعرقية مطالبة بتشكيل حكومة “

:التحليل

اوباما وانهيار مؤسسة الرئاسة  في أميركا

        تعرض مسار ادارة السياسة الاميركية في عهد الرئيس اوباما الى سلسلة من الانتقادات، من المقربين قبل المناوئين، سيما مع تسارع الاخفاقات والتراجعات الواحدة تلو الاخرى، على الصعد الداخلية والخارجية. الأمر الذي حدى بصحيفة واشنطن بوست، المقربة من صناع القرار، توصيف الأمر بأن “العالم أصبح بمثابة مسرح للإخفاقات بالنسبة للرئيس الأمريكي ..” عدد 13 حزيران الجاري

       الأمر بالطبع ليس محصور بطاقم تنفيذ السياسة المخول بالمحافظة على اسس الاستراتيجية القائمة على ارساء الهيمنة الاميركية وتفتيت الدول والكيانات. وشرعت ادارة الرئيس الى التحلي بالتردد والنأي بالنفس في بعض الساحات تفاديا لتكرار الاخطاء السابقة، كما يروج لانسحاب اميركي من العراق وافغانستان، والتدخل غير المسبوق كما يجري في سورية دون تحقيق انجازات ملموسة باستثناء استمرار مسلسل القتل والدمار

        الانتصارات الميدانية التي يحققها الجيش العربي السوري، فضلا عن ترتيبات المصالحة ونزع المنخرطين في القتال ضد الدولة وحملهم على التخلي عن اسلحتهم والعودة الى نسيج المجتمع، اثارت ولا تزال ردود فعل غاضبة ودعوات متنامية للتدخل عسكريا، او على الاقل توفير اسلحة مضادة للدروع ولسلاح الطيران لقوى المعارضة المسلحة. عند هذا المنعطف، اوضحت يومية “واشنطن بوست” ما ينبغي على الادارة فعله وتذكيرها بأن “إستراتيجية تجنب المخاطر قد تؤدي إلى تعقيدات مضاعفة .. الوقت حان للتخلص من الأوهام وإدراك أن تجنب المخاطر عادة ما يقود إلى مزيد من المخاطر

        ساحات وقضايا اخرى لا تزال تنتظر توجهات اوضح الى جانب الاخفاق الابرز لاميركا في سورية، منها: الجدل المتجدد حول حقيقة دور اركان الادارة في احداث بنغازي التي ادت لمقتل السفير الاميركي، كريستوفر ستيفنز، في 11 أيلول 2012؛ الانسحاب الاميركي المرتقب من افغانستان دون التوصل الى اتفاق مسبق مع السلطات المحلية؛ قرار روسيا بضم شبه جزيرة القرم الذي اخذ الاجهزة الاستخبارية الاميركية على حين غرة؛ والأزمة في اوكرانيا؛ وانتقال الصراع في العراق الى الصدارة مترافقا مع اخفاق القوات العراقية المدربة اميركيا عن اداء مهامها. وفي المستوى الداخلي، لا زال مناوئوا الرئيس يلاحقونه ومحاصرة برنامج الرعاية الصحية الشاملة، اوباماكير؛ واستهداف مصلحة الضرائب الاتحادية منظمات بعينها محسوبة على الحزب الجمهوري؛ فضيحة اخفاق هيئة ادارة شؤون المحاربين القدامى واهمال متطلبات رعايتهم الصحية؛ والاحدث طبيعة الصفقة المعقودة مع حركة طالبان التي بموجبها اطلق سراح جندي اميركي معتقل، بو بيرغدال، مقابل اطلاق سراح خمسة من معتقلي تنظيم القاعدة من سجن غوانتانامو

        استطلاعات الرأي العام حول اداء الرئيس اوباما جاءت بنتائج متدنية اقلقت اركان الادارة، اذ بيّن الاستطلاع التي اجرته مؤخرا وكالة رويترز للانباء ان نسبة المؤيدين انخفضت الى 38% مقابل 55% للمناوئين

        مصادر القلق لا تنحصر في قواعد الخصم للحزب الجمهوري فحسب، بل امتدت لعدد من مؤيديه السابقين في الحزب الديموقراطي وشريحة الناخبين المستقلين ايضا. اسبوعية “ناشيونال جورنال،” المؤيدة اجمالا للرئيس اوباما عنونت مقالها الرئيسي “بلغ السيل الزبى،” موضحة ان اقلاع الممثلين الديموقراطيين في الكونغرس عن تأييد الرئيس اوباما في صفقة اطلاق سراح الجندي الاميركي شكل الخطوة الاحدث في مسار “القشة التي قصمت ظهر قادة الحزب الديموقراطي معبرين عن مدى الاحباط من قيادة الرئيس.” ونقلت عن هؤلاء قولهم انهم “يكنون الاحترام والاعجاب لشخص الرئيس لكنهم على اعتقاد بأن منصب الرئاسة قد تعرض للضرر نتيجة قصور ادائه

        ويؤخذ على الرئيس اوباما بأنه “لا يصغي لنصائح محبيه وبات يترنح متنقلا بين مأزق وآخر من صنع يديه.” خطاب الرئيس اوباما في الاكاديمية العسكرية، ويست بوينت، رمى لدحض مشاعر الضعف في اداء السياسة الخارجية. بينما صفقة اطلاق سراح بيرغدال تم توقيتها لتهدئة حدة الانتقادات المتصاعدة لهيئة ادارة شؤون المحاربين القدامى واستغلال العواطف الشعبية لاستعادة جندي أسير، اتهمه الخصوم لاحقا بأنه فار من الخدمة، مما ادى لاختلاط مشاعر المحاربين القدامى بين مؤيد ومعارض. وعلى ضوء التعبئة المناهضة للصفقة اعرب نحو 68% من عائلات المحاربين معارضتهم لها. وتفاقمت ازمة الصفقة مع تشبث الكونغرس بنص قانون يلزم الرئيس اعلامه بشروط صفقة من هذا القبيل خلال 30 يوما قبل اتمامها، الأمر الذي ضاعف من تدهور مصداقية الادارة وباتت في موقف الدفاع لاحتواء الضرر وتداعياته على الممثلين عن الحزب الديموقراطي في مجلسي الكونغرس

        البعض يتساءل عن الدوافع التي ادت بالرئيس اوباما ارتكاب سلسلة مذهلة من الخطوات حصدت الفشل، بيد ان الأمر ينطوي على عدد متشعب من العوامل والحوافز تشمل طبيعة هيكلية المؤسسات الحاكمة واطباع الرئيس اوباما الشخصية فضلا عن كبار مساعديه

سجين البيت الابيض

        نزعة البيت الابيض للعزلة والتقوقع ليست وليدة اليوم، بل تضاعفت مرات عدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. بالمقارنة، يقال ان الرئيس هاري ترومان اعتاد الخروج للتنزه الصباحي دون مرافقة طاقم الحراسة الخاص. الرؤساء ايزنهاور وكنيدي عادة كانوا يركبون سيارات مكشوفة في زياراتهم والتفاعل المباشر مع الناس. اغتيال الرئيس جون كنيدي وضع حدا وفرض اعادة مراجعة بالاجراءات الأمنية وحراسة الرئيس وافراد عائلته. شغف جهاز الحرس الرئاسي باجراءات الحماية الشخصية اضحى خانقا وادى عمليا لعزل الرئيس عن التواصل المباشر مع المواطنين

        الاجراءات المطبقة راهنا تقتضي وقف السير البري والتحليق الجوي في محيط المنطقة التي سيتحرك ضمنها الرئيس، واتخاذ تدابير احتياطية مسبقا لفحص طبيعة المجموعة التي سيلتقي بها لسد ثغرات التهديد الأمني من عناصر عادية مثيرة للشغب، ربما، او لكونهم يحملون آراء سياسية مغايرة. من يقع عليهم الاختيار للقاء الرئيس في البيت الابيض يتم انتقائهم بعناية وتحديد اطار ومدة الظهور مع الرئيس والتقاط الصور التذكارية لاقصر فترة زمنية ممكنة

        جهاز الحرس الرئاسي والاجهزة الأمنية المرافقة تتحكم بقرار مدى تفاعل الرئيس مع اي جمهور مما يؤدي الى تقليص مدة الاحتكاك بين الرئيس والمواطن العادي وعدم اطلاع الأول على هموم ومطالب الناس، ويبقى الأمر على ما هو لحين مغادرة الرئيس البيت الابيض. الاستغناء عن الاحتكاك اليومي المباشر اعطى بعدا اضافيا لاستطلاعات الرأي للتوقف عند الهموم الشعبية، والتي عادة لا تلبي غرض التوقف الحقيقي عند الاهتمامات الشعبية، بل تسعى للوصول الى نتيجة سياسية مسبقة. وعليه، تعددت الاطر والمراكز المهتمة باستطلاعات الرأي التي توظَّف اسئلة منتقاة بعناية لبلوغ النتيجة السياسية المرجوة

        مراكز القوة عادة تعج بالكفاءات والمقربين والمتملقين ايضا والذين يحيطون بصاحب القرار بقوة يسمعونه ما تطرب له اذنيه وحجب الوقائع الجارية خاصة ان لم تحمل انباء سارة. صحيفة “واشنطن بوست” اعربت عن اعتقادها بأن الرئيس اوباما محاط بمستشارين متملقين الذين دفعوا باتجاه انجاز صفقة التبادل مع طالبان قائلة “لا يساورنا الشك بأن تلك المجريات هي من صنع مستشاري الرئيس واستعداهم للموافقة،” متوِّجين “غرائز الرئيس اوباما” في تعامله مع قضايا شتى. كما رأت الصحيفة ان اوباما احاط نفسه “بطاقم من المستشارين يفتقد اما للمكانة او الثقة بالنفس ومواجهته مباشرة لقرار اساء تقديره .. خطورة الصورة الموصوفة هو ان لمرء يستحدث فقاعة يبنيها لعزل نفسه، والمستشارين يصبحون عرضة للميل باتخاذ قرار يرضيه

        وعليه يصبح ساكن البيت الابيض يعتمد بشكل كبير على قلة من مصادر المعلومات الموثوقة واستشعار حقيقة اراء الوسط الانتخابي. ومن المفارقة ان يراكم الرئيس الاميركي معلومات وآراء متعددة عما يدور في المجتمعات الاخرى ويفتقر الى ما يوازيها عن المجتمع والمواطنين الاميركيين. في هذا السياق يستطيع المرء تلمس اجواء وقوع الرئيس ضحية معلومات غير متكاملة يتخذ على اساسها قرارات سياسية تثبت خطأها، والتي كان بامكانه تلافيها لو حرص على التواصل مع النبض الشعبي

طبائع شخصية الرئيس اوباما

        يجمع المقربون من الرئيس اوباما انه ذو شخصية حادة الذكاء منطوية ذاتيا محاط بمجموعة صغيرة من المستشارين الموثوق بهم، مثل فاليري جاريت، يجنح للاحجام عن توسيع دائرة المشاركة السياسية خاصة عند توفر دلائل وقرائن تدل على امكانية اغناء رصيده السياسي بتبنيه هكذا اجراء

        اضحى الرئيس بعيدا عن اكثرية عناصر الاطقم الاخرى المحيطة به، ومنها وزراء على رأس اعمالهم، والذين لا يسمح الضغط اليومي بلقائه سوى على عجل او في جلسات معدة لالتقاط الصور التذكارية. وزيرة الخارجية السابق هيلاري كلينتون، ووزير الخزانة السابق تيم غايتنر اعربا عن امتعاضهما من اقصائهما عن المشاركة في اتخاذ قرارات هامة

        المجلة الشهرية “فانيتي فير،” واسعة الانتشار عنونت احد موادها “الرجل المتيتم،” للدلالة على ان الرئيس اوباما احاط نفسه بفقاعة شخصية وسياسية. وأنبت الرئيس ومستشاريه ابان انكشاف تجسس وكالة الأمن القومي على المستشارة الالمانية انغيلا ميركل قائلة “ماذا حل بمستشاري الرئيس اوباما، هل اصيبوا بالجبن والذعر لابلاغه بذلك؟ هل ادى فصله لنفسه بعدم اثارة الأمر؟ ام الامرين معا؟”

        على خلفية سياق ضحالة المعلومات المتوفرة لدى الرئيس اوباما عند اتخاذه قرار ما، يبتعد عنصر المفاجآت وردات الفعل المتعددة لقرار يقدم عليه الرئيس. يأبى اوباما تقبل النقد، مما يعزز ميل اولئك المحيطين به لمشاطرته الرأي عوضا عن تقديم وجهات نظر قيمة وربما متباينة. وينقل المقربون ايضا عن توتر علاقة الرئيس اوباما بتجمع الممثلين السود في الكونغرس ويصاب بالاحباط امام اي اشارة انتقاد من قبل اعضاء التجمع

        كما ان الرئيس اوباما معروف بقصر انشداد انتباهه، كما اوضحت اسبوعية “ناشيونال جورنال، بالقول ان الرئيس “تظهر عليه علامات الملل والكلل من مهام الرئيس، والحزب الديموقراطي يدفع ثمن ترشيحه .. هو انسان موهوب لكنه غير مهيأ للقيادة

        اما في برنامج عمله اليومي فيلتزم الزهد ويقلع عن العمل ساعات طويلة كما اوضح في مقابلة اجرتها معه شبكة “ايه بي سي” للتلفزة عام 2011، وعادة ما ينهي اعماله اليومية مع حلول الساعة الرابعة بعد الظهر، ويحافظ على تقليد تناول وجبة الغداء مع زوجته واطفاله قدر ما يستطيع، ومن ثم يخلو بنفسه في مكتبه الخاص؛ البعض يعتقد انه يطالع عدد من الملفات والبعض الآخر يغفل ما يجري خلف ابواب مكتبه

        المحصلة النهائية لطبائع شخصية اوباما المنطوية ادت الى تراكم عدد من الازمات لادارته، فضلا النتائج السلبية المرافقة لعنجهية السياسة الاميركية نحو بعض حلفائها، كالتجسس على المستشارة الالمانية، وتضعضع ثقتهم بقدرة الادارة الاميركية على مواجهة التحديات المتنامية. يستشهد خصوم اوباما بصعود روسيا القوي على المسرح الدولي بمديات ابعد مما كانت عليه التوازنات ابان الحرب الباردة اضافة الى عزم الصين ممارسة نفوذها وقوتها في الاقليم ولجوئها لاتخاذ تدابير اقلقت الدول المجاورة في بحر الصين الجنوبي

        ابتعاد اوباما عن النبض الشعبي ادى به الى عدم قراءة التوجهات الانتخابية بدقة، كما برهنت صفقة اطلاق السراح المتبادل وسوء ادارة هيئة شؤون المحاربين القدامى. ولا يزال يعبر عن ثقته العالية بأن مشروع الرعاية الصحية، اوباماكير، ينال رضى الشعب الاميركي الذي تعارضه اغلبية معتبرة. وفي ذات السياق تندرج الازمات السياسية المرافقة للقضايا الداخلية الاخرى

ماذا عن المستقبل؟

        متاعب الرئيس اوباما في ولايته الثانية لا تقتصر على شخصه فحسب، اذ عادة ما يتعاظم مدى النقم الشعبي على الرئاسة في ولايتها الثانية، وربما نال الرئيس اوباما حظا اسوأ بالمقارنة مع اقرانه الآخرين واقلاعه عن اعادة النظر باخطاء السياسات المتبعة

فهل سيستطيع استرداد شعبيته المفقودة؟ على الارجح انه لن يكون بوسعه ذلك.

        الاستدارة السياسية لمعالجة الاوضاع الراهنة تتطلب توفر شرطين: طاقم جديد من المستشارين المقربين وتعديل اوباما لمسلكه في التعاطي مع الامور. وبعكس اسلافه من الرؤساء يبتعد الرئيس اوباما عن اتخاذ اجراءات قاسية باركان ادارته بما فيها اقالتهم من مناصبهم، بيد ان استقالة وزير شؤون المحاربين القدامى جاءت استثناءاً لتلك القاعدة بعد اشتداد حملة الاستقطاب في الكونغرس ورفض استمراره في منصبه. وعليه، يبقى استمرار الرئيس اوباما في انتهاج ما سلف ذكره اكثر ترجيحا، وربما سيشهد مزيدا من تقلص اعضاء مستشاريه بالترافق مع اشتداد المعارضة لسياساته

        من المستبعد اقدام الرئيس اوباما على تعديل طبائعه وآلية اتخاذه للقرارات في المدى المنظور نظرا لصعوبة المثابرة على توجهات مغايرة احيانا. وينقل بعض المقربين انه يعيش اجواء ما بعد انتهاء ولايته الرئاسية والاهتمام بتفاصيل التطبيقات، منها تركيزه على انشاء مكتبة رئاسية تتضمن اوراقه الخاصة والعامة، اسوة بمن سبقوه من الرؤساء

        بما ان الرئيس اوباما يعد رئيسا للحزب الديموقراطي ايضا، تتسع ابعاد المعضلة امام الحزب سيما وانه مرتبط ارتباطا عضويا بالسياسات المقررة وانعكاساتها التي ستدخل موسم الانتخابات عليها قبل نهاية العام الجاري. بالمقابل، تشير كافة الدلائل ان الحزب الجمهوري سيحافظ على مكانة الاغلبية في مجلس النواب وربما يستطيع الفوز ايضا باغلبية تمثيلية في مجلس الشيوخ

        في ظل هذا السيناريو يتحكم بالحزب الجمهوري بمقاليد السلطة التشريعية كافة والذي ينذر بمتاعب جديدة للرئيس اوباما فيما تبقى له من ولايته الرئاسية؛ ومن المرجح ان يعزل نفسه داخل فقاعة تدخل اليه بعض الطمأنينة الذاتية بانتظار يوم مغادرته البيت الابيض، 20 كانون الثاني 2017

        ترف خيار الانعزال والتقوقع لا يتوفر للحزب الديموقراطي الذي سيسارع الخطى لبحث عن شخصية قيادية تدير دفة مستقبله السياسي تمهيدا للانتخابات الرئاسية المقبلة، 2016. في هذا الصدد، برزت وزيرة الخارجية السابق هيلاري كلينتون في مكانة تتهيأ فيها لقيادة الحزب والتميز عن سياسات الرئيس اوباما السابقة. وقد يسعفها تخبط سياسات البيت الابيض في بلوغ مكانتها امام القوى المؤثرة في الحزب، سيما في قدرتها على جمع التبرعات المالية لمرشحي الحزب لخوض الانتخابات المحلية والقومية

        بيد ان سجل السيدة هيلاري ينوء من اعباء سياسات ساهمت في صنعها وباتت محل انتقاد تهدد مسيرتها الطامحة، لا سيما فيما يخص اخفاقات السياسة الاميركية بمجملها في ليبيا وسورية وروسيا، وقد تضطر لتبرير موقفها عما مضى ومواجهة مطالبات البعض لماذا لم تقدم استقالتها مبكرا احتجاجا على سياسات تزعم معارضتها لها

        قسم كبير من الشعب الاميركي لا يكن احتراما لهيلاري ويتهمونها بتصلب الشخصية والمبالغة بما يخدم اغراضها، لعل اخرها قبل بضعة ايام للترويج لكتابها الجديد بالزعم انها وزوجها بيل كلينتون كانا على حافة الافلاس المالي عند مغادرته البيت الابيض، رغم توقيعها عقدا بقيمة 8 مليون دولار لكتابة مذكراتها آنئذ، وشرائهما بيتا خاصا في نيويورك لتلبية شرط الاقامة قبل دخول الانتخابات كمرشحة عن الحزب في مجلس الشيوخ. يخطيء من يعتقد من المرشحين ان بوسعه التحايل على الذاكرة الجمعية

        يسود اجماع بين المراقبين السياسيين يفيد بأن نفوذ البيت الابيض في تراجع، وعثراته بنيوية الطابع لن يتغلب عليها بيسر. في المقابل، يتأهب الحزب الجمهوري استغلال ما يستطيع من ثغرات حقيقية او متخيلة لمصلحته السياسية في الانتخابات المقبلة، مطمئنا ان خصمه الديموقراطي يحث الخطى للتوصل الى شخصية قيادية تخلف الرئيس اوباما

التقرير الأسبوعي 06-06-2013

:المقدمة

        بذلت مراكز الابحاث المختلفة جهودا مكثفة للاهتمام بزيارة الرئيس اوباما لاوروبا، اذ جمعه لقاء قمة حلف الناتو في بروكسل وحضور احتفالات ذكرى انزال قوات الحلفاء على شواطي نورماندي الفرنسية الى جانب رؤساء دول متعددة، من بينها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين

تمت زيارة الرئيس اوباما على خلفية تنامي دعوات معسكر صقور الحرب “لاستدارة” الحلف بكامل اعضائه ومواجهته “التهديد الروسي” المتخيل. سيستعرض قسم التحليل تلك المسألة وتبيان العوامل المرافقة التي شهدت تعقيدات تختلف عن ظروف الحرب العالمية الثانية، وصعوبة مهمة حلف الناتو لأقلمة دول اوروبا الشرقية واعضاء حلف وارسو سابقا خاصة لتواضع امكانياتها العسكرية وبُناها المؤسساتية، مما يضعها في مرتبة متدنية عن نظيراتها اعضاء الحلف من الدول الغربية، وما سيترتب على الحلف القيام به من خطوات واجراءات وتدابير

ملخص دراسات ونشاطات مراكزالابحاث

جولة اوباما الاوروبية

        روسيا كانت الشاغل الاساس لمؤسسة هاريتاج حول زيارة اوباما الاخيرة، اذ حثته على “ابلاغ روسيا بكل وضوح ان اي عدوان عسكري موجه ضد دولة عضو في حلف الناتو سيحتم عليه استدعاء الحلف للانعقاد على الفور والعمل بموجب المادة الخامسة من اتفاقية شمال الاطلسي لعام 1949 .. والتأكيد للحلفاء الاوروبيين بأن مستقبل الحلف مرهون بزيادة معدلات الانفاق على القدرات الدفاعية، وجاهزية كافة اعضاء الحلف الوقوف بوجه مساعي روسيا لاستعادة منطقة نفوذ في دول اوروبا الشرقية المستقلة والقوقاز.” وطالبت المؤسسة دول الحلف ابطال الاتفاقية المعقودة مع روسيا عام 1997″ التي تحد من التواجد العسكري للحلف في اوروبا الشرقية

        تراجع عديد القوات المسلحة لحلف الناتو اعتبره معهد المشروع الاميركي تطوير لمهامه المستحدثة في انشاء “قوات برية صغيرة وسريعة الحركة مكلفة اساسا بالتعاطي مع عدد واسع من حالات الطواريء خارج نطاق انتشارها.” واضافت ان تلك القوات “اكتسبت خبرة قتالية في ساحات البلقان وافريقيا والعراق وافغانستان،” ملفتة النظر الى ان تخفيض اعدادها ربما “ناتج عن قيود الميزانيات العسكرية، وافتقادها للمعدات المطلوبة لنشرها سريعا،” اذ ان “التخفيضات المقررة للقوات البرية الاميركية .. ستؤدي الى قرب فقدان حلف الناتو دعم عضو اساسي يمتلك قدرات استراتيجية – اي القدرة على التحكم بالاراضي والسكان معا

        اعرب معهد واشنطن عن انزعاجه من محاولات تركيا “النأي بالنفس عن الحلف .. والقاء نظرة فاحصة على توجهاتها المستقبلية طويلة الامد تثير القلق.” واوضح ان “التغيرات الجارية في النبض الشعبي الداخلي، وانماط الاتجار، والتفكير الجيوستراتيجي” كلها مؤشرات اساسية على تحولات في توجه تركيا نحو الغرب لعقود مقبلة.” وطالب صناع القرار بالعمل على “دراسة تلك التحولات والسعي لتخفيف التداعيات السلبية كلما كان ذلك ممكنا

        اعرب معهد كاتو عن اعتقاده ان نصيب الولايات المتحدة من ميزانية الانفاق العسكري هي الاعلى من بين دول حلف الناتو مما حفز اعضائه “الاتكال على الانفاقات الاميركية لتعزيز اوضاعهم الدفاعية . . الناجمة عن ثقافة الاعتماد والتبعية التي اوجدناها لديهم.” واضاف ان اقلاع الدول الاوروبية عن تخصيص مزيد من الموارد للشؤون الدفاعية ادى الى “وضع اضحى فيه حلفاءنا الاثرياء بينهم اجنحة تابعة” لاميركا وسيبقى الوضع على ما هو عليه “والوضع العسكري للحلف مهمش وغير ذات صلة

سورية

        اعتبر معهد كارنيغي ان الانتخابات الرئاسية في سورية “وطدت توجه القيادة السورية في حملة مكافحة الارهاب،” اتساقا مع الحملة الشبيهة” للرئيس المصري المنتخب، عبد الفتاح السيسي. وزعم المعهد ان الحكومة السورية “ستستمر في السماح للمجموعات المسلحة العاملة داخل سورية مثل الدولة الاسلامية في العراق والشام بممارسة نشاطاتها من اجل تركيز الانظار على تقاطع مصالح سورية والدول الغربية في مكافحة الارهاب .. وسيسوق الرئيس الاسد نفسه كشريك موثوق به للجهود العالمية لمكافحة الارهاب.” وحذر المعهد الدول الغربية من “عدم تكرار الخطأ الماثل في المشهد المصري .. ويتعين على الغرب العمل بشكل حاسم للخروج من دوامة النفاق التي مهدت لعدد من الديكتاتوريات العربية .. التموضع كحلفاء أمنيين للغرب

مصر

        حث معهد واشنطن الحكومة الاميركية المضي قدما في علاقتها مع مصر “ورفعها الى المستوى الاستراتيجي .. مما يتطلب (اميركيا) تعزيز التحالفات الثنائية التي تضعضعت، والتركيز على أهمية التعاون الأمني .. وتشجيع الاصلاحات الاقتصادية والديموقراطية.” واستدرك بالقول انه تبغي بالولايات المتحدة “ادراك حدود تأثيرها ونفوذها .. وتبني نظرة بعيدة المدى وترتيب الاولويات للفوز بدعم متعدد الاطراف لأي مبادرة سياسية

العراق

        اشارت مؤسسة هاريتاج الى أهمية التصدي “لارهاب الدولة الاسلامية في العراق والشام، متهما ادارة الرئيس اوباما بالتقصير “لاخفاقها في التعاطي مع تفشي تهديدات تنظيم القاعدة في العراق .. وينبغي عليها العمل بشكل وثيق مع الحكومة العراقية الجديدة لمحاربة داعش وتطبيق استراتيجية شاملة وللمصالحة الوطنية بغية تجفيف منابع الدعم للمتمردين

        جدد مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية نظرته الى مصدر التحديات التي يواجهها العراق “وهي تراكم سلسلة اخطاء ارتكبت قبل وبعد الغزو بقيادة اميركا .. والركض المستمر لترميم جراح ناجمة عن افعال ذاتية ..” وحث الحكومة العراقية على عدم التطلع للخارج لحل مشاكلها “وليس باستطاعة اي قوة خارجية تغيير الاوضاع.”

“مفاوضات السلام”

        حث معهد كارنيغي دول الاتحاد الاوروبي التحرك لاعادة احياء جولة المفاوضات الثنائية بين السلطة الفلسطينية و”اسرائيل،” نظرة يعززها “عقود عدة متواصلة كانت اوروبا حاضنة لاقتراحات حلول متعددة؛” ملفتا النظر الى ان المجموعة الاوروبية سبقت الولايات المتحدة في تبنيها لاقتراح وزير خارجيتها حل الدولتين عام 1971

تنامي قوة التنظيمات الجهادية والسلفية

اوضحت دراسة اصدرها معهد “راند” ان اعداد “السلفيين والمجموعات الجهادية والمقاتلين” قد تضخمت بشكل مقلق “منذ عام 2010،” وتشعبت رقعة انتشارها، مما يتعين على الولايات المتحدة “ادامة التركيز على هدف مكافحة انتشار المجموعات الجهادية، التي استعادت قواها في شمالي افريقيا والشرق الاوسط

        وجاء في الدراسة ان هيكلية المجموعات الجهادية قد تطورت وابتعدت عن النمط المركزي، اذ “توزع قرار القيادة والتحكم على اربع مستويات: 1 – مجموعة النواة المركزية للقاعدة بزعامة ايمن الظواهري ومقرها الاراضي الباكستانية؛ 2 – مجموعتان في ساحات سورية والصومال واليمن وشمال افريقيا اعلنتا الولاء للنواة المركزية ؛ 3 – مجموعات متنوعة من جهاديي السلفيين معلنة ولاءها للقاعدة بيد انها عازمة على اقامة امارة اسلامية؛ 4 – شبكات وافراد معجبين” برسالة القاعدة

        واضافت ان تهديد تلك المجموعات متباين ومتشعب سيما وانها “ابدت اهتماما ضعيفا في مهاجمة الاهداف الغربية، بينما تشكل مجموعات اخرى، مثل القاعدة في شبه الجزيرة العربية، تهديدا مباشرا للاراضي الاميركية .. وعدد من المجموعات الجهادية السلفية تشكل تهديدا متوسط المدى نظرا  لرغبتها وقدرتها على استهداف مواطنين ومؤسسات اميركية خارج الاراضي، تتضمن السفارات الاميركية

        وحثت الدراسة صناع القرار على ضرورة التوصل لصيغة مقبولة لتوفير الامكانيات اللازمة بالتزامن مع متطلبات الاستراتيجية الجديدة المتجهة نحو آسيا في ضوء قيود تخفيض الميزانيات العسكرية، “وبلورة استراتيجية تتأقلم مع متطلبات مكافحة الارهاب تستهدف المجموعات الجهادية السلفية في سورية، التي بلغت حصتها اكثر من نصف كافة المجموعات لعام 2013 في العالم قاطبة، والتصدي لها سواء بالسبل السرية او بالتعاون مع الحلفاء الاقليميين والمحليين

:التحليل

زيارة اوباما الاوروبية: تحريض الناتو لمواجهة روسيا

تجديد مهام حلف الأطلسي

شهدت الساحة السياسية الاميركية ترويجا واسعا وآمالا كبيرة علقت على زيارة الرئيس اوباما لكل من بروكسل، لحضور مؤتمر قمة الدول الصناعية السبع باستثناء روسيا، وفرنسا للاحتفال بمعركة الحلفاء التي عدت حاسمة لهزيمة النازية، تمثلت بانزال عسكري ضخم على شواطيء مقاطعة نورماندي الفرنسية. ايضا، ترتب على الزيارة مساعي اميركية كبيرة “لتفعيل” حلف الناتو عسكريا واعادة الدول الاوروبية المشاركة الى حظيرة الحلف في ظل اوضاع اقتصادية داخلية متردية، واعلان اوباما (تبعه ايضا تصريح وزير الدفاع الاميركي، تشاك هيغل)، ان بلاده استحدثت صندوقا ماليا بقيمة مليار دولار لدعم مساهمات الاوروبيين بغية حثهم ايضا على “اعادة هيكلة تراتبية الحلف” دون المساس باهدافه “وانشاء قوات تدخل عسكري تابعة له للانتشار في ساحات الشرق الاوسط وآسيا وافريقيا

        الأهم ربما التوقعات المتباينة والمتناقضة احيانا بامكانية لقاء ثنائي مباشر بين الرئيس الاميركي ونظيره الروسي، فلاديمير بوتين، لبحث اهم الملفات الساخنة بين البلدين: اوكرانيا وسورية، اللتين شهدتا انتخابات رئاسية متزامنة؛ حظيت الاولى بدعم وتأييد اميركي، بينما واجهت الثانية مقاطعة استباقية للنتائج ووصفها باقذع الاوصاف قبل حدوثها، لتؤكد نتائجها التفاف ملايين الشعب السوري والادلاء باصواتهم بكثافة لافتة حفاظا على الدولة السورية ومشروعها الوطني

        اللقاء المرتقب خيب آمال عديدة بعد تمنّع الرئيس اوباما الظهور مع الرئيس بوتين او بالقرب منه، مما اضطر المضيف الفرنسي، فرانسوا اولاند، الى تناول مأدبة العشاء مرتين بفاصل ساعتين مع الضيفين دون ان يلتقيا. احد مستشاري الرئيس اوباما لشؤون الأمن القومي والمرافق له في الزيارة، بن دورس، صرح بأن الرئيسين اوباما وبوتين اجريا لاحقا نقاشا ثنائيا على هامش مراسيم الاحتفال، مشددا على انه نقاش غير رسمي “إنها محادثة غير رسمية وليست اجتماعاً ثنائياً رسميا،ً”في اعقاب اعلان قصر الاليزيه عن لقائهما

ربما ما كان يدور في ذهن الرئيس اوباما امتعاضه الشديد من اعلان فرنسا قبل ساعات قليلة من لقاء القمة انها ماضية قدما في تلبية التزاماتها التجارية نحو روسيا التي اشترت سفينتين حربيتين من طراز “ميسترال” لحمل قوات مشاة البحرية والطائرات العمودية المقاتلة

        ترتيبات الزيارة الرسمية للرئيس اوباما اصيبت بانتكاسة عملياتية قبل ان تبدا، اذ تعرض المسؤول الاميركي “الكبير” المكلف بالترتيبات في نورماندي الى اصابة خطرة بانفلونزا الخنازير، H1N1، قبل بضعة ايام من بدء الزيارة نقل على اثرها الى المستشفى لتلقي العلاج  ارفقتها السلطات الفرنسية بالاعلان عن تعرض نحو 20 مواطنا للاصابة بالمرض والاشتباه بتعرض 10 آخرين لذات العارض

        الاحداث والتطورات الدولية منذ انهيار الاتحاد السوفياتي السابق اعادت تسليط اضواء اعضاء حلف الاطلسي على استمرار المساهمه في الميزانية ومبررات وجوده، سيما وان الهدف المعلن لتأسيسه قد تبخر، اي حماية الدول الغربية لاراضي ألمانيا الاتحادية من هجوم بري مدرع مصدره حلف واسو

        تسابق دول اوروبا الشرقية سابقا الى الفوز بعضوية حلف الاطلسي (الناتو) بعد خروجها من عباءة حلف وارسو احيا الأمل برفد الاول بدماء جديدة في البداية، خاصة دول بحر البلطيق الثلاث: لاتفيا واستونيا وليثوانيا، سرعان ما رافقها مضاعفة الاعباء العسكرية الملقاة على عاتق الاطلسي نظرا لهشاشة القوات العسكرية لتلك الدول التي “لا تملك اي طائرة مقاتلة وبالكاد تستطيع تخصيص ثلاث مدرعات مجتمعة.” للدلالة على مدى الأزمة الاقتصادية المرافقة، طُلِب من استونيا تخصيص 2% من ناتجها القومي السنوي للانفاق على الشؤون العسكرية، تليها دول البلطيق الاخرى في تخصيص نسبة متصاعدة من الدخل السنوي للشؤون العسكرية

        الدول الاوروبية الرئيسة في الحلف تقتطع اضعاف تلك النسبة من ناتجها السنوي للانفاق على الشؤون العسكرية، والتي تحثها واشنطن باستمرار على المشاركة بنسبة أعلى من الدخل القومي؛ وتراجعت قليلا امام شبح التضخم والمصاعب الاقتصادية. وامتثلت كل من بريطانيا واليونان للمساهمة بنسبة 2%، جنبا الى جنب مع مساهمة استونيا، مما دفع باليونان الى تبرير خطوتها بأنها جاءت بدافع التصدي للاطماع التركية وليس لمواجهة روسيا. باقي الدول كانت مشاركتها ادنى من تلك النسبة: بولندا 1.8%؛ المانيا 1.3%، ايطاليا 1.2%؛ واخفقت كل من فرنسا وتركيا في المساهمة المطلوبة. الأمر الذي تسبب بتراجع الميزانية العامة لحلف الناتو 1.6% للعام المنصرم

        في المقابل، بلغ انفاق الولايات المتحدة نحو 4.1% من الناتج القومي على الشؤون العسكرية

تبدلات مهمة حلف الناتو

        استطاعت الولايات المتحدة تطوير مشاريع هيكلية القوة العسكرية للحلف من تشكيلات عسكرية تقليدية، قبل انهيار حلف وارسو، الى قوات اصغر حجما سريعة الحركة تستخدم في مهام التدخل السريع عبر العالم، مما انعكس في تخفيض الانفاق الاوروبي على القوات العسكرية وتحويلها المدخرات للانفاق على البرامج الداخلية

        وسارع بعض الخبراء الغربيين الى توصيف حلف الناتو بعد انتهاء الحرب الباردة بـ “حلف من الديموقراطيات اكثر منه حلفا عسكريا.” المعلق اليميني المعروف، شارلز كراوثهامر، تنبأ عام 2002 أنه “ينبغي اعادة النظر بدور حلف الناتو ليصبح اكثر فائدة. ومهمته الجديدة يجب ان يهتم باستدراج روسيا كحاضنة لدخولها لاوروبا والتكامل مع الغرب. وذلك عائد بالضبط  الى تحول الناتو من حلف عسكري الى نادٍ من الديموقراطيات عابرة للمحيط الاطلسي يسهّل على روسيا الانضمام بسلاسة .. حلف الناتو (القديم) قد ولى. دعونا نستقبل روسيا للانخراط في الحلف الجديد

        غني عن القول ان تلك النبوءة قد ولت ايضا، بيد ان الحلف لن يكون بوسعه العودة لممارسة مهمته الاصلية بتجهيز ومرابطة قوات عسكرية تقليدية ضخمة على الاراضي الالمانية من ضمن خطة طواريء. فقد برزت ساحات مواجهات متعددة تنتظر ماذا سيفعله الحلف فضلا عن ضرورة تخصيص موارد اضافية لحماية بعض اعضائه الضعفاء واعانتهم على النهوض والاعتماد على قواهم الذاتية

        وعليه، تحتل بولندا مركزا متقدما وحيويا في النظرة المتجددة للحلف، سيما وانها تمتلك اكبر مؤسسة عسكرية، عدة وعتادا، بين منظومة دول اوروبا الشرقية وتنتهج سياسات عدائية ضد روسيا. كما اسهمت بولندا في ارسال عدد من قواتها العسكرية ضمن قوات حلف الناتو الى افغانستان، مما يعزز امتلاكها نواة قوات عسكرية مدربة. ولدى القوات العسكرية البولندية نحو 900 مدرعة وما ينوف عن 100 طائرة مقاتلة، جلها من صناعة الاتحاد السوفياتي لكنها تسندها بمدرعات المانية حديثة من طراز “ليوبارد

        يدرك القادة العسكريين والاستراتيجيين الاميركيين ضعف القوات العسكرية لدول الحلف التي تشترك حدوديا مع روسيا، باستثناء تركيا وبولندا. الأمر الذي يستدعي تشعب مهام الحلف بالتصدي لروسيا بتحريك قوات عسكرية تقليدية بطيئة الحركة يرافقها قوات محمولة سريعة الحركة تتخذ مواقعها على الفور على اراضي الدولة العضو في الحلف المهددة، وباستطاعتها الاشتباك سريعا مع القوات الروسية

        وشرعت الولايات المتحدة العمل لتحقيق ذلك منذ زمن، وارسلت في شهر نيسان الماضي نحو 600 عنصر من المظليين من اللواء 173 المحمول جوا للمرابطة في استونيا ولاتفيا وليثوانيا وبولندا “للاشتراك في مناورات عسكرية يجريها الحلف.” كما عززت المفرزة الجوية البولندية بطائرات مقاتلة اضافية من طراز اف-16 مع طواقمها بغية التواصل وتنمية سبل التعاون مع سلاح الجو البولندي. وذلك اضافة لثلاث طائرات نقل ضخمة من طراز C-130J التي ترابط في قاعدة بوويدز الجوية في بولندا، كجزء من اجراءات التناوب الاعتيادية التي تتم كل اسبوعين

        يجادل اولئك الخبراء والاستراتيجيين ان لحلف الناتو ضرورة اخرى تتمثل بنشر قوات ومعدات مسبقا في الدول التي تشترك حدوديا مع روسيا مما يعزز مهمتها كقوة اشتباك اولية تسمح لرفدها بتعزيزات سريعة في زمن الازمات

        وتشكل العمليات الجوية لحلف الناتو في دول بحر البلطيق تطبيقا مبكرا على ابعاد المهمات المقبلة. وقامت الولايات المتحدة في شهر آذار الماضي بنشر ست طائرات مقاتلة اخرى من طراز F-15C لتعزيز الطائرات الاربعة من ذات الطراز والمرابطة في ليثوانيا تمكنها من تحريك سريع للطائرات المعترضة المتوفرة لدى سلاح الجو بغية حماية دول  البلطيق. جدول التناوب للقوات الاميركية بدء مطلع العام الجاري وانتهى في بداية شهر ايار الماضي. ومنذ ذلك الحين تسلمت كل من بولندا وبريطانيا وفرنسا والدانمارك مهام الحماية الجوية لبلدان بحر البلطيق

        كما اقدم حلف الناتو على تعزيز تواجده قواته العسكرية في جنوب شرق اوروبا، رغم تراجع واضمحلال فرص تعرضها لتهديد ما. وساهمت كندا بعدة طائرات مقاتلة لتعزيز مهام قوات الحلف في الحماية الجوية هناك. فضلا عن ذلك، هناك ايضا قوات التناوب للبحر الاسود ومقرها قاعدة “ميخائيل كوغالنيشيانو،” الجوية في رومانيا والتي تتضمن مرابطة نحو 250 عنصر من قوات مشاة البحرية الاميركية (المارينز)، يضاف اليها نحو 500 جندي و 175 عنصر مارينز اميركي يقيمون بشكل مؤقت في القاعدة الجوية المذكورة. قوات مشاة البحرية هي احد مكونات قوات المارينز الخاصة لمهام جو-ارض، التي شكلت بغية نشرها سريعا للتعامل مع عدد كبير منالعمليات العسكرية في افريقيا واوروبا

        بالعودة للقاء قمة حلف الناتو في بروكسيل تجدر الاشارة الى اتخاذها تدابير اضافية لبلوغ تعزيز عاجل لقوات دول الحلف. فقد صادق وزراء دفاع الحلف على “خطة عمل للاستعداد القتالي،” التي ترمي لتطوير قدرات قوات التدخل لدول الحلف، وتحديث القدرات الاستخبارية والاستطلاعية للحلف، وتخزين معدات ولوازم عسكرية مسبقا في دول الحلف المطلة على روسيا، وتركيز هدف التدريبات العسكرية لقوات الحلف على مواجهة التهديد الروسي. الولايات المتحدة من جانبها وعدت بتوفير بضعة آلاف من القوات العسكرية لتعزيز قوات التدخل السريع، تتضمن لواء من قوات فرقة الفرسان الاولى، وعدد من طائرات تزويد الوقود جواً وسفن حربية مرافقة

        كما صادق وزراء الدفاع على خطة اعدتها المانيا لتعزيز تواجد القوات متعددة الجنسية في دول اوروبا الشرقية. ورحب الأمين العام للحلف بقرار الدانيمارك والمانيا وبولندا لرفع جهوزية القوات متعددة الجنسيات المرابطة في الشطر الشرقي الشمالي من بولندا. وقال “من شأن القرار شد عضد قدراتنا للتعامل مع التحديات المستقبلية في المنطقة. فضلا عن انها مساهمة معتبرة لمسألة الدفاع المشترك

        في سياق هذا التمدد وتجديد المهام المنوطة بحلف الناتو ينبغي على قيادته تعزيز سبل التعاون مع الدول غير الاعضاء في الحلف “والمؤيدة للغرب.” وعقب لقاء وزراء دفاع الناتو مع نظيرهم الاوكراني، ميخائيل كوفال، اعرب المجتمعون عن دعمهم للحكومة الاوكرانية في سعيها لبسط الأمن وتحقيق الاصلاحات الدفاعية. كما اجمع اعضاء اللقاء على بلورة حزمة مساعدات شاملة لاوكرانيا من شأنها تثبيت اقدام قواتها المسلحة، وسيتم التوصل للصياغة النهائية خلال الاسابيع المقبلة

        تدرك قيادة حلف الناتو قصور امكانياتها في نشر وحدات عسكرية كبيرة في “الدول الأمامية،” وحاجتها لتصعيد وتيرة الدورات التدريبية التي تتطلب تدوير قوات اضافية على اراضي تلك الدول، وفي الوقت نفسه تعزيز اطر التعاون مع القوات المسلحة المتعددة. ونفذت قيادة الحلف العسكرية مناورات عسكرية كبيرة اطلقت عليها مناورات “الرمح الثابت 1،” على اراضي استونيا بدأت يوم 16 ايار وانتهت في 23 منه. وشارك في المناورات نحوة 6,000 جندي ينتمول لبلجيكا والدانيمارك واستونيا وفرنسا ولاتفيا وليثوانيا وبولندا وبريطانيا، الى جانب مشاركة اميركية. يشار الى ان عدد لا باس به من القوات المشاركة تموضع مسبقا في استونيا والمشاركة في مناوراتها التي بدأت يوم 5 أيار وامتدت بهم المهمة للمشاركة في مناورات حلف الناتو لاحقا

        المستجدات الهيكلية على حلف الناتو قد تستدعي بقاء وحدات مدرعة في الخدمة بعد نيلها ارشادات بالتسريح، منها عدد تابع لاعضاء الحلف المشارك في الحرب على افغانستان والذين كانو يتأهبون لاخراج المدرعات الثقيلة من ساحة القتال. كما قد ينطوي على المتغيرات اعادة الاهتمام لتقنية المدرعات وتعاظم الاعتماد عليها بشكل اكبر مما شهدته ابان العقد المنصرم. وعليه، سيحظى قطاع المجمع الصناعي العسكري الاميركي بنصيب الاسد من الميزانيات المرصودة للقوات العسكرية وجهود تحديث معداتها ولوازمها

هل تكفي التدابير المتخذة

        بعد انتهاء الحرب الباردة وتقليص ميزانيات الانفاق العسكرية تراجع حجم قوات حلف الناتو، وتصاعدت المشاورات بين اعضاء الحلف سعيا لترميم توجهات الحلف بما يلائم التحديات الراهنة، وافساح المجال لكل دولة عضو المضي في تحديث قواتها العسكرية

        لا يزال الحلف ينعم ببعض المزايا منها تضخم النطاق الدفاعي عما كان الأمر خلال الحرب الباردة، اذ وقعت معظم دول اوروبا الغربية آنئذ تحت مرمى نيران القوات السوفياتية. اما اليوم، فقد غاب ذلك التهديد عن كل من المانيا وفرنسا وبريطانيا، واضحى اكثر تعقيدا بالنسبة لروسيا ان تقدم على توجيه ضربات عسكرية محكمة لدول الحلف الاساسية

        يصنف القادة العسكريين الاميركيين من ضمن مزايا الحلف تطور التقنية العسكرية المتقدمة لدوله الاساسية: اميركا، بريطانيا، فرنسا والمانيا؛ بينما لا يزال الجيش الروسي يعتمد على معدات من مخلفات الحرب الباردة، كما يقولون

        ومن المزايا الاخرى للحلف ان نهاية الحرب الباردة وفرت له فرصة لبلورة قوات للتدخل السريع باستطاعتها القيام بمهام قتالية، كما يجري في افغانستان، والتي يتم اعدادها لمواجهات مباشرة مع القوات الروسية. وهي الفرصة التي حفزت قيادات الحلف على تعويض القصور بالانتشار الواسع في دول اوروبا الشرقية مترامية الاطراف الى الاعتماد على قوات سريعة الحركة باستطاعتها الانخراط على الفور في اي ساحة تتطلب ذلك. يشار الى ان تلك القوات تتضمن عددا كبير من العناصر القتالية المجربة في العراق وافغانستان مما يعزز اداءها الميداني اضعاف عددها المباشر

        ويزهو قادة حلف الناتو بامتلاكهم شبكة واسعة ومنتشرة من سبل الدعم اللوجستي – في المستويين العسكري والتجاري. الأمر الذي يترجم بنشر سريع وناجع للقوات المطلوبة في دول اوروبا الشرقية عند نشوب ازمة؛ فضلا عن القاعدة الاقتصادية الواسعة للحلف مقارنة بما يتوفر لدى روسيا

        تعتبر الشريحة العسكرية المولعة بالمغامرات والحروب ان روسيا لا زالت تشكل تهديدا لاوروبا، وامتدادا لاميركا، وتنفرج اساريرهم لعزم دول الحلف اخذ الأمر على قدرٍ عالٍ من الجدية. وتدرك تلك الشريحة حاجة الدول الاعضاء الاحدث في الحلف لتحديث قدراتها القتالية مما يعني تعاظم اعتمادها على دول الحلف الاساسية لتوفير قوات محترفة متطورة تقنيا وسريعة الحركة، لجسّ ومواجهة القوات المسلحة الروسية. ما لم يعد يقينا لدى تلك الشريحة هو مدى التزام وتضحية دول الحلف الاوروبية بموارد مالية هي في امسّ الحاجة اليها للانفاق على وَهْم متطلبات التحضير للدخول في حرب باردة مجددا يبقى المستفيد الاكبر المجمع الصناعي العسكري على ضفتي الاطلسي

التقرير الأسبوعي 30-05-2013

:المقدمة

        شهد الاسبوع الجاري تراجعا في حجم المواد والمواضيع المتناولة من قبل مراكز الدراسات نظرا لبدء فرصة العطل الصيفية، كما اسلفنا الاسبوع الماضي

        سيستعرض قسم التحليل خطاب الرئيس اوباما في الاكاديمية العسكرية العريقة في “ويست بوينت،” وهو الخطاب الذي اعتقدت الغالبية انه سيأتي على تحديد عناصر استراتيجية المرحلة المقبلة واتباع سياسات قد تبدو متباينة مع النهج الحالي، وذلك استنادا الى حجم الترويج الاعلامي الضخم لأهمية الخطاب

        احبط الخطاب كافة التوقعات والتحليلات، وكان بمثابة استغلال رمزية الاكاديمية للدفاع عن سياسات مضت اتسمت بحالة استقطاب شديدة وابتعاد تدريجي لداعمي الرئيس اوباما في الكونغرس عن الاصطفاف خلفه

ملخصدراسات ونشاطات مراكزالابحاث

خطاب اوباما في اعتبارات مراكز الابحاث

        اعرب معهد المشروع الاميركي عن امتعاضه من خطاب الرئيس اوباما في اكاديمية “ويست بوينت،” معتبرا انه “تلاعب بالمفردات، التي يتألق فيها السيد اوباما ..” متهما اياه “بعدم التطابق في الموقف وغير لائق للموقع، كما اثبت في سياسته حيال سورية وليبيا” واخفاقه “المريع في التصدي لنزعة الصين العدوانية .. وتردده في مواجهة التهديدات .. الروسية .. والايرانية.” وخلص بالقول ان نتيجة الخطاب لم تتجاوز “خلط رسائل مشوشة للادارة حول السياسة الخارجية

        مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ايضا ادلى بدلوه منتقدا خطاب الرئيس اوباما واعتباره “مثل غيره من خطابات الرئيس المتعددة، استبدل فن الخطابة بدل بلورة خطط ذات مصداقية .. ومضى يتلاعب بالحقائق ووصف ما يجري في افغانستان نوعا من التقدم الأمر الذي تدحضه الوقائع بكل بساطة .. اذ ان التقارير والاحصائيات الصادرة عن وزارة الدفاع (ومنظمات أممية اخرى) تعري ذلك بوضوح

سورية

        عاد معهد واشنطن للدعوة الى “استعراض” ما يتوفر من خيارات ينبغي على الادارة الاميركية اتباعها نحو سورية حاثا “واشنطن على النظر في القيام بعمل عسكري، بشكل احادي او ضمن تحالف من دول اخرى، لتحقيق عدد من الاهداف. اذ باستطاعتها العمل على التأثير في وجهة او نتيجة الحرب الأهلية .. وباستطاعتها العمل على بلورة وتقوية معارضة معتدلة .. وانشاء مناطق ملاذ آمنة تحميها منطقة حظر للطيران معززة بقوات مشاة

تطبيع العلاقات السعودية مع “اسرائيل”

        استضاف صندوق جيرمان مارشال للتنمية الاوروبية اول لقاء علني بين رئيس الاستخبارات السعودية الاسبق، تركي الفيصل، والرئيس السابق لجهاز الأمن العسكري الصهيوني، عاموس يدلين، يوم 26 ايار الجاري. بدت معالم الوفاق في المواقف بين الطرفين عند تناولهما سورية وخطورة تداعيات وارتدادات الحرب الدائرة، واعرب يدلين عن شكوكه في “دعم قوى المعارضة” كافضل حل ومناشدا “انتهاج مسار يؤدي الى تحييد مصدر القوة الداعمة للرئيس الاسد.” تركي الفيصل من جانبه طالب “المجتمع الدولي الحفاظ على الدولة السورية بعد انتهاء القتال” ومحذراً من “امكانية تكرار غلطة افغانستان.” اما في ملف المفاوضات بين السلطة الفلسطينية و”اسرائيل،” فقد ركز فيها الفيصل على صلاحية المبادرة السعودية لعام 2002 والافضل حلا لضمان تطبيع العلاقات مع الاسرائيليين.” الطرف المقابل رفضها مجددا جملة وتفصيلا “لصعوبة تقديم التنازلات (الاسرائيلية) المطلوبة” مفضلا مسار “الخطوة – خطوة

المغرب العربي

        تناول معهد كارنيغي تنامي التوترات السياسية في المغرب بين “الاسلاميين والعلمانيين” التي ادت الى اغتيال القيادي الطالب عبد الرحيم الحسناوي المقرب من “حزب العدالة والتنمية،” الذي يقود الحكومة، معربا عن اعتقاده ان تلك الصراعات “تقوي موقع الدولة ووتضعف القوى المؤيدة للديموقراطية.” واشار في دراسته حول المسألة الى ان جهود الطرفين “لتكوين جبهة موحدة من اجل فرض اصلاحات ديموقراطية” قد فشلت وادت الى سلسلة من المواجهات والصدامات بين الطرفين، شهد آخرها يوم 24 نيسان الماضي “هجوم ملثمين مسلحين بسيوف وسواطير، مما ادى الى مقتل الطالب عبد الرحيم الحسناو

        وانتقدت الدراسة السلطات المغربية “لتلكؤها في مواجهة العنف الجامعي .. ومنع السلطات الأمنية حفل تأبين للضحية في مكان وقوع الحادث .. وغالبا تقف السلطة مكتوفة الايدي وفي حالات اخرى يتم اصدار احكام مخففة” على الفاعلين. واضافت ” لا يخفي حزب الاصالة والمعاصرة – المقرب من القصر – مساندته للطلبة القاعديين” المناوئين للتيار الاسلامي

        وحذرت الدراسة من فشل مساعي الاطراف المتعددة والتي “ابدت استعدادها لنبذ العنف، اذ ما دام الانقسام مستمر على مستوى النخب، فمن الصعب حصول تقارب بين الفصائل الطلابية في المدى المنظور، الامر الذي يصب في مصلحة القوى المناهضة للاصلاح

افغانستان

        لفت معهد كارنيغي نظر صناع القرار الى ان كان “يتعين على روسيا بلورة استراتيجية خاصة بافغانستان على ضوء انسحاب القوات الاميركية.” معتبرا ان عدم استقرار الاوضاع هناك “يشكل خطرا غير مباشر على الأمن الروسي، خاصة في مجال الاتجار بالمخدرات ..” واوضح ان القوات الاميركية وحليفاتها القوات الدولية المرابطة هناك “اهملت متطلبات الحرب على المخدرات، خشية التداعيات السلبية واستعداء قطاع كبير من الشعب الافغاني

مستقبل الحرس الوطني في الاستراتيجية الاميركية

        خصص مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية جزءا من اهتماماته للبحث في “بلورة نظرة لدور سلاح الحرس الوطني” بالترافق مع انشغال الرئيس اوباما في “بلورة سياسة عسكرية متكاملة ..” واوضح المركز ان قيادة الحرس الوطني التابع لقوات المشاة طلب من “هيئة الاستخبارات الأمنية الكندية اجراء تقييم مستقل يستعرض التحديات الاستراتيجية التي تواجهه فضلا عن الدور المتجدد والعمليات المنوطة به.” وحث صناع القرار الاخذ بالدراسة على محمل الجد سيما وانها “تستعرض المسؤوليات المستقبلية المطلوبة من سلاح الحرس الوطني

التحليل

مهارة اوباما الخطابية

الانجاز الوحيد في السياسة الخارجية

        حضر الرئيس اوباما للتفيؤ تحت قباب الاكاديمية العسكرية العريقة في مدينة “ويست بوينت،” بولاية نيويورك على ضفاف نهر هدسون، والقاء كلمة بالخريجين الجدد اتساقا مع ارث ارسته الكلية باستضافة رئيس الولايات المتحدة في هذه المناسبة، وهي المرة الرابعة عشر منذ تأسيسها في آذار عام 1802

      منذئذ، حظي خطاب الرئيس بأهمية بالغة واعتبار مضمونه رسالة سياسية واستراتيجية تسير السياسة المقبلة على هديها. فضلا عن ذلك، روجت ادارة الرئيس اوباما والوسائل الاعلامية والتعبوية المختلفة للخطاب المرتقب عله يضع حدا لتدني حالة الاحباط الشعبية من سلسلة اخفاقات سياسية، داخلية وخارجية، وتنامي موجة الاتهامات للرئيس بالضعف وعدم القدرة على الحسم

        وُضع الجميع في وضع ترقب لخطاب يحدد معالم السياسة الخارجية وآفاق انطلاقها، بيد ان الناتج لم يخرج عن سياق رئيس مضطرب في حال دفاع عن سياسته الراهنة، والتي حصدت انتقادات من كافة اطياف التيارات السياسية. واجمل اوباما دفاعه عن تخبط سياسته الخارجية بالقول “من يعتقد أن (اميركا) تهبط أو أن القيادة العالمية تنزلق من يدها، فاما أنه لم يقرأ التاريخ جيدًا أو أنه منخرط في دهاليز السياسة الحزبية

لعل من أهم قضايا السياسة الخارجية بامتياز ما غاب عن ذكره الخطيب، الا وهي مسألة “الصراع العربي-الاسرائيلي،” والتزامه بالقوافي المعهودة. سورية تصدرت قائمة التوقعات، وخصص لها الرئيس اوباما حيزا لم يشفِ غليل خصومه ومؤيديه على السواء، مؤكدا انه سيعزز مستويات تعاونه وتنسيقه مع اعضاء الكونغرس فيما يخص صرف مقومات الدعم لقوى المعارضة السورية المسلحة، او بعضها – الأمر الذي لم ينطلِ على العاملين بالشأن السياسي نظرا لأن هذا بالضبط ما تقوم به الادارة بكافة اركانها راهنا. ولم يوضح الرئيس اوباما دوافعه لطلب ود الكونغرس بعد طول رفض واصرار لابقائه خارج دائرة الاستشارة لبلورة وتطبيق السياسات الخارجية

استقبلت “ويست بوينت” ضيفها الرئيس ببرود ملحوظ اذ لم يصطف وقوفا للترحيب به سوى نفر لا يتعدى 25% من مجموع الخريجين، فضلا عن فتور حماسة التصفيق. يدرك هؤلاء بدقة الاوضاع الداخلية المتردية في عموم القوات المسلحة، واضطرار عدد لا باس به من الضباط ذوي الخبرة المهنية المكتسبة الى السعي عن مصدر رزق خارج المؤسسة، فضلا عن القلق المضطرد من عدم وفاء المؤسسة العسكرية توفير العلاج والرعاية الطبية المطلوبة عند تعرضهم لحادث ما، كما تبينه التقارير الاعلامية مؤخرا مسلطة الضوء على امتهان كرامة الفرد واحالته للتسول

سياسة خارجية: هل يمكن الدفاع عنها

اعتادت الولايات المتحدة، بسياسييها وادواتها النافذة، التغني بمزايا امجادها والانجازات التي حققتها منذ نحو 75 عاما نظرا لنهج سياسي يدعو للانخراط بقوة على الصعيد العالمي، من ابرز ممثليه الرؤساء فرانكلين روزفلت وهاري ترومان وجون كنيدي. هذا ما تتبناه التيارات المتشددة واليمينية وتحالف المجمع الصناعي – الحربي – المصرفي. ويمضي هؤلاء بأن الانحدار وانحسار القوة بدأ مع العدوان الاميركي على فييتنام وتداعيات الهزيمة التي منيت بها مما ادى الى “فوز الاتحاد السوفياتي بالحرب الباردة” لفترة زمنية هامة. واستمر الحال على هذا المنوال لحين اعتلاء الرئيس الاسبق رونالد ريغان منصب الرئاسة، كما يرددون، كممثل وفيّ للمصالح الاقتصادية والاستثمارات الكبرى، والتحولات الاجتماعية الجذرية في بعض المحطات على الصعيد الداخلي. بالنتيجة، كما يعتقدون، ان ريغان استطاع اعادة الاعتبار لهيبة الولايات المتحدة، محليا وعالميا، وكسب الحرب الباردة

بعد التمدد والانتشار والعدوان الاميركي المتزامن، العراق وافغانستان، وما تبعه من تحولات هامة على الصعيد الدولي بشكل خاص، استُحدِثت اجواء الحرب الباردة كمسار وسياسة، وربما ساهمت الخسارة الاميركية المزدوجة بضيق ذرع الرئيس اوباما لاستعراض القوة العسكرية الاميركية في ظل اوضاع اقتصادية متردية شارفت على الانهيار. ويتوق ذلك الطرف الى استحضار رئيس بمواصفات ريغان – مطواع، خالي الفكر، يعشق الانفاق العسكري وتركيز الثروة بأيدي فئة اقل واصغر من سابقتها

على ضوء هذه الخلفية نستحضر خطاب الرئيس اوباما في الاكاديمية العسكرية وامتعاضه من “عجرفة القوة الاميركية،” كما وصفها السيناتور الاسبق وليم فولبرايت ابان حقبة العدوان على فييتنام. بل برز بعض التباين وربما التناقض في الخطاب الرئاسي في تأكيده بأنه “ينبغي على الولايات المتحدة تصدر الموقع القيادي على الساحة العالمية .. (ثم) يتعين علينا العمل مع الآخرين سيما وان العمل الجماعي في مثل تلك الظروف تتوفر له فرص النجاح على الارجح، والاستدامة، ومن المستبعد ان يؤدي الى اخطاء كارثية.” وفي مكان آخر حذر من الاخطاء الاميركية “منذ الحرب العالمية الثانية، فان بعض اخطائنا المكلفة للغاية .. سببها جهوزيتنا للوقوع في مغامرات عسكرية قبل التفكير والتمعن بما سيترتب عليها من تداعيات

في هذا الصدد استذكر الرئيس اوباما سلفه الرئيس ايزنهاور لتماثله مع توجهاته في تخفيض الانفاقات العسكرية، مما ادى الى استقالة ثلاثة من قادة اركان الجيش على التوالي، ابان عهد ايزنهاور. بيد ان الذاكرة النضرة للتاريخ القريب لا تسعف مقاربة اوباما. فبالرغم من معارضة ايزنهاور في البداية لمذكرة مجلس الأمن القومي الموجهة للرئيس ترومان، 7 نيسان 1950، بتسليط الضوء على “المد الشيوعي” واحتواء الاتحاد السوفياتي، شهد عهد ايزنهاور تطبيق ما عارضه بحماس منقطع النظير، وعرف لاحقا “بمبدأ ايزنهاور.” المذكرة المذكورة عرضت جملة خيارات استراتيجية وحثت على قيام الولايات المتحدة “بترميم عاجل للقوة السياسية والاقتصادية والعسكرية للعالم الحر .. ودعم المساعي الضخمة لتطوير وبناء اسلحة تقليدية ونووية على السواء؛”  وهي عناصر مبدأ ايزنهاور

“مبدأ اوباما” يستند الى اعادة الهيبة للسياسة الاميركية عبر “انهاء الحروب المكلفة وغير القابلة للفوز .. واعادة تأهيل البنية الاقتصادية،” مؤكدا للخريجين ان الحروب تمثل “اكبر حماقة وغباء مأساوي للبشرية”

ذكّر اوباما جمهور الاكاديمية العسكرية بأن سياسته تلتزم الطريق الوسط الواقع بين فريق “الواقعيين،” الذين يعارضون الانخراط العسكري الخارجي، وبين دعاة “التدخل من الطرفين في اليمين واليسار،” ولم يوفر فريق “المتشككين الذين عادة ما يخففون فعالية العمل المشترك متعدد الاطراف .. واعتقد انهم على خطأ.” وأنّب اوباما خصومه الذين يطرحون “خيارات خاطئة” تترجم في السياسة الخارجية الى ثنائيات مقيتة: التدخل مقابل الانعزال، الحرب مقابل الديبلوماسية؛ منوها الى انه فاز بالانتخابات الرئاسية لانهاء الحروب، وليس اشعالها. بالطبع، لم يشأ اوباما التعرض لقراره بزياد التدخل الاميركي في افغانستان وشن عدوان على ليبيا وعمليات الاغتيال بطائرات الدرونز.

كما وجه اوباما سهامه الى خصومه السياسيين الذين يرددون مثالب الوضع الاقتصادي وانعكاساته، بمن فيهم اعضاء الكونغرس، مشددا على ان الولايات المتحدة ستحافظ على موقعها الريادي في العالم اذ انها “نادرا ما تمتعت بقوة اكبر (من الراهن) مقارنة مع بقية العالم؛ وعيّب على اعضاء الكونغرس لتخلفهم عن توفير “قيادة تتماثل بالتجربة” في قضايا عدة منها التغير المناخي ومعاهدة قانون البحار التي تحدد الحدود المائية للدول بمساحة تصل الى 200 ميل، ويرفضونها؛ متهما الاعضاء “بالتراجع الى الوراء .. والوهن” وعدم دعمه كما يجب في التوترات الراهنة في بحر الصين الجنوبي

في تعداد انجازاته، ذكّر اوباما بوفائه بالعهد وان “أمريكا أنهت الحرب بالعراق وتستعد لإنهائها في أفغانستان نهاية العام الجاري وقضت على قيادات بتنظيم القاعدة، ولم يعد هناك أسامة بن لادن،” مستدركا أن الولايات المتحدة ستستخدم القوة العسكرية أحادية الجانب في حال تعرض مواطنوها أو مصالحها الأساسية في العالم للتهديد،” متعمدا التمسك بالغموض وعدم تحديد الظروف التي تستدعي التدخل لدرء “التهديد الأمني الذي يواجهه حلفاءنا

ملامح المستقبل

لا يحتاج المرء لعناء التدقيق والتفكير للتوصل الى ماهية المرحلة المقبلة، سيما وان الخطاب لم يأتِ بجديد في رؤيته، ربما باستثناء انشاء صندوق لمكافحة الارهاب تسهم فيه عدد من الاطراف، يصل تمويله الى 5 مليارات دولار، واعادة التذكير بالحرب على سورية. ما عدى ذلك لم يخرج عن مصاف اعادة انتاج السياسات السابقة والراهنة، وتأكيده للخريجين انهم سيكونوا جزءا من قادة المستقبل وادارة دفة القيادة العسكرية

وسار اوباما على درب سلفه جورج بوش الابن باعتبار المجموعات الارهابية مصدر تهديد مباشر للولايات المتحدة، مناشدا الخريجين بانه “يتعين علينا تطوير استراتيجيتنا في مكافحة الارهاب – والاستفادة من انتصارات واخفاقات تجربتنا في العراق وافغانستان

سورياً، قال اوباما كلمته ومشى “لا حلولا عسكرية للأزمة،” وارفقها بسياق الصندوق المشترك المقترح لمكافحة الارهاب؛ وتوفير مزيد من الدعم الاميركي “للاردن ولبنان وتركيا والعراق .. وقوى المعارضــة السورية ..” وتناول اوباما السياسة الاميركية من مصر من زاوية “التزامها بالاتفاقيات المبرمة مع اسرائيل،” كما كان متوقعا، وهو محور الاستراتيجية الاميركية في المنطقة. ايران والمفاوضات النووية الجارية معها ايضا وردت في سياق “ضمان أمن اسرائيل

ساحات التوتر الدولية الاخرى نسب لادارته انجاز “نزع فتيل” الانفجار في اوكرانيا باتاحة الفرصة لشعبها “تقرير مستقبله؛” وتبنى الانجاز السياسي في ميانمار (بورما) العائد لنهج “الديبلوماسية الاميركية”

اميركا استثناء عن العالم اجمعه

تشبع الاميركيون بالنظر الى نظامهم السياسي والاجتماعي بأنه مميز و”استثنائي” وافضل مما لدى كافة شعوب الكرة الارضية، طيلة ما يناهز 200 عام من عمر الدولة الفتية. وشكلت “الاستثنائية” نقطة ارتكاز لتعبئة الجمهور وتعزيز شعوره بالتميز والتفوق العنصري، وتأييد المغامرات العسكرية الخارجية للقوى المسيطرة “بدءا بالمكسيك .. وانتهاء بالعراق؛” الضحية الراهنة لمزاعم اركان السلطة “بنشر الديموقراطية والقيم الاميركية” بقوة السلاح

اوباما الابن الوفي للمؤسسة الحاكمة ببشرة سوداء لم يشذ عن تلك القاعدة مؤكدا “اؤمن بالاستثنائية الاميركية في كل عرق من دمائي. لكن ما يرفعنا الى مصاف الاستثناء لا يكمن في قدرتنا على السخرية من الاعراف الدولية وسيادة القانون، بل في عزمنا على صون تلك القيم عبر افعالنا. ولهذا سأمضي قدما في الدعوة لاغلاق معتقل (غوانتانامو) – فالقيم الاميركية والارث القضائي لا تخولنا احتجاز أناس خارج حدودنا الى أجل غير مسمى

بعبارة اخرى، رمى اوباما الى نزع الوجه القبيح عن السياسة الاميركية “واعادة تعريف النزعة الاستثنائية” لتواكب المرحلة الراهنة من التطور البشري، فضلا عن ربطها بسياق العمل الخيري واضفاء طابع ايجابي عليها رغم ادراكه التام انها ذاتها في الجوهر لم تتغير

بلاغة في الخطاب ام تحول حقيقي

اصدر الرئيس اوباما عددا من التصريحات خلال فترتيه الرئاسيتين مفعمة بالأمل والوعود بمعالجة عدد من القضايا الكبيرة؛ واخفق بامتياز في تحقيق اي انجاز ملموس، بل رضخ لابتزاز خصومه السياسيين. فهل سينسحب ذلك على وعوده الراهنة بانتهاج نمط جديد للسياسة الخارجية؟

نظريا، ربما. بيد ان الحقيقة الماثلة امام اعين جميع القوى والتيارات السياسية ان عام 2014 سيشهد جولة انتخابات تنبيء بتغيير موازين القوى لصالح خصومه وامكانية خسارة الاغلبية البسيطة في مجلس الشيوخ لحزبه، وما سيترتب على نتائجها من عقبات ومعوقات اضافية تعرقل قدرته على الوفاء بأي من التزاماته التي قد تصطدم مع رؤى مغايرة، خاصة عند الاخذ بعين الاعتبار ان هم الناخب هو الوضع الداخلي وليس السياسة الخارجية كعامل حاسم. وان تحققت تلك التوقعات، فان الرئيس اوباما سيمضي جل وقته وجهده في استرضاء الكونغرس والتركيز لتنفيذ اجندته السياسية الداخلية. ويبدو ان احجامه عن اطلاق مبادرات حلول جادة على الصعيد الخارجي في ملفات ساخنة هو خشيته من الا تخدم معركة الحزب الديموقراطي في انتخابات نوفمبر القادم. ولحينه وحتى تتكشف حصيلتها سيبقى اسيرا للمراوحة في ادارة الازمات لا السعي لحلها ويترقب امكانية المراهنة على التوصل الى اتفاق في مفاوضات الملف النووي الايراني

الاكاديمية في “ويست بوينت” وفرت منبرا سياسيا للرئيس اوباما بصبغة عسكرية، يصعد من خلاله لتعزيز سمعته والتصدي لخصومة ومنتقديه، وممارسة الدور المنوط به كزعيم قوي لدولة هي الاقوى بين الاقوياء الآخرين. الخطابات الرئاسية الرنانة لها مفعول قصير المدى ايجابياً او سلبياً يمتد لزمن طويل يلاحق الارث الرئاسي، كما يحصل حاليا مع جورج بوش وصعوده لحاملة الطائرات وخلفه لوحة اعلانية بانتهاء المهمة التي لم تنتهي للآن؛ او ان يسهم فعلها بتعديل سمعة الرئيس واضفاء مصداقية على خطابه سرعان ما يلقى ادراج النسيان.

يبدو اوباما عاجزا ومكابرا معا لا يجرؤ على الاعتراف بانه حان الوقت لكي يدير تنظيم الانكفاء الاميركي وتحمل تبعات ذلك ولا يبدو ان المؤسسة الحاكمة في اميركا قادرة او راغبة في ان تفرز قيادة تتخلى عن اوهام اساطير التفرد والاستثناء

التقرير الأسبوعي 23-10-2013

المقدمة

        بداية ينبغي التنويه الى العطلة الرسمية مطلع الاسبوع المقبل، التي تعتبر بدء عطل فصل الصيف وما ينطوي عليها من تخفيف حجم الانتاج الفكري لمراكز الابحاث

        سيستعرض قسم التحليل مسألة نظام سلاح جديد مضاد للصواريخ تروج له المؤسسة العسكرية “الاسرائيلية” يستند الى زعم تطوير مختبراتها التسليحية “لشعاع حديدي،” بمشاركة الولايات المتحدة؛ وايضا تناول المناورات العسكرية المشتركة بينهما التي جرت مؤخرا، تعرف باسم كوبرا العرعر

        يشكل “الشعاع الحديدي” احدث انتاج مشروع الدفاع الصاروخي والذي يسخر طاقة الشعاع الليزري لاعتراض وتدمير الاجسام الموجهة، سواء قذائف صاروخية او مدفعية او طائرات الدرونز؛ وهي تقنية بالغة التعقيد لم تستطع اي دولة للحظة تطويع الطاقة الكامنة في شعاع الليزر للاستخدامات العسكرية. يضاف ايضا ان المشروع يحاط بجدار سميك من السرية، وادت جهود البحث والتوثيق الى اماطة اللثام عن عدد من الحلقات المقفلة. وتوصل المركز في تحليله الى نتيجة ان الكيان الصهيوني لم “يحقق خرقا تقنيا،” كما يزعم، بل ما توصل اليه هو بلوغ نتائج بحثية متقدمة، محدودة وبكلفة جدا عالية، لبلورة نظام دفاعي واعد

ملخص دراسات ونشاطات مراكزالابحاث

الدور العالمي للولايات المتحدة

        شددت مؤسسة هاريتاج على أهمية دور الولايات المتحدة “في الحفاظ على الاستقرار والأمن العالميين .. مما يستدعي سياسة أمن قومية اميركية فعالة .. تحقق عنصر الأمن .. وتتفادى الكلفة الرهيبة الناجمة عن ضعف القوة الحميدة.” وناشد صناع القرار الى الاستثمار في “اعادة بناء القدرات العسكرية الاميركية ..” لاستعادة هيبتها العالمية

معركة كسب الرأي العام العربي

        اشار معهد ابحاث السياسة الخارجية الى التحولات في الرأي العام العربي و”تأرجح جهود الولايات المتحدة التواصل اعلاميا معه .. والخسارة الكبيرة التي لحقت مؤسسة الجزيرة وانتقال جمهورها الى شبكات تلفزة قومية تركز على الحوارات الداخلية في الدول المعنية ..” وحث المعهد الولايات المتحدة على “اعادة النظر باستراتيجيتها الاعلامية نحو الرأي العام العربي .. واعتماد ترتيبات تستند الى عقد شراكة محلية مع الوسائل الاعلامية .. لا سيما تلك المتماثلة مع القيم والمصالح الاميركية.” واضاف ان بعض تلك التدابير ينبغي ان تتمحور حول عنوان “مواضيع التغيير .. مثل سيادة سلطة القانون، وتراث المساواة والمسامحة، وتعزيز مناخ سياسي يقوم على التفكير المنطقي والنقاش التداولي

سورية

        سخر معهد المشروع الاميركي من المعايير التي تعتمدها الولايات المتحدة “لانتقاء قوى من المعارضة السورية استنادا الى مواقفها الايجابية من اسرائيل حصريا .. سيما وان تلك المجموعات .. لا تشاطر الولايات المتحدة قيمها بدعم اسرائيل وحقوق المرأة وتعديل اختلال توزيع الدخل .. الخ” وحذر من الاستمرار في تلك السياسة “اذ ان تداعياتها ستضر بالولايات المتحدة وحلفائها ومصالحها .. فالخيار المتاح هو غض النظر عن مرحلة سورية ما بعد الاسد، كما فعلنا في العراق وليبيا وقريبا في افغانستان؛ او بلورة سياسة خارجية حقيقية

        تداعيات الانجازات الميدانية للجيش العربي السوري كانت موضع اهتمام معهد الدراسات الحربية. وقال ان اهوالها “طالت كافة المناطق الرئيسة تقريبا في لبنان” الذي شهد تنامي موجات التفجير وتفخيخ السيارات “قبل السيطرة على معقل المعارضة في يبرود .. التي شكلت منصة استقطاب وانطلاق اساسية وقاعدة دعم للمجموعات السنية المتشددة

        “الخيارات العسكرية” المتاحة للولايات المتحدة شهدت اهتماما متجددا لمعهد واشنطن، مشددا على ادراكه “لنزعة الساسة بعدم التدخل العسكري .. والتي لا ينبغي ان تعني نشر قوات مشاة .. بيد ان كلفة عدم التدخل قد تكون اشد.” واستدرك بالقول انه يمكن مرافقة الخيار العسكري باجراءات وتدابير اخرى منها “تعزيز اجراءات المقاطعة وعمليات القرصنة الالكترونية وحشد القوات (العسكرية) .. بيد ان تصرف اميركي حكيم وصارم قد يكسبها حماية مصالحها” في المنطقة

مصر

          اشار معهد الدراسات الاستراتيجية والدولية الى “بعض” المتغيرات بما يخص وضع مصر في المعادلة الاقليمية ومن هي الاطراف التي تملك نفوذا على السلطة الجديدة “خاصة بعض دول مجلس التعاون الخليجي .. وتهميش دور الولايات المتحدة سيما وان البعض في اميركا ابتهج للابتعاد عن مصر وانزلاقها نحو النظم العشائرية الخليجية بالغة الثروة.” واوضح ان استراتيجية فعالة للولايات المتحدة ينبغي ان “تحدد الاولويات المشتركة المتقاطعة مع تلك النظم للسير بمصر نحو وجهة واعدة افضل

العراق

          اشار معهد واشنطن الى الدور الكامن للولايات المتحدة الذي تسطيع القيام به لتخفيف التوتر بين الحكومة المركزية في بغداد وكردستان العراق، في اعقاب الانتخابات النيابية الاخيرة، مناشدا الساسة الاميركيين “الانطلاق من نتائج الانتخابات والبناء عليها بغية تعزيز استقرار الحكومة” والبلاد. كما ناشدهم تفعيل “اتفاقيات تصدير النفط وتقاسم الايرادات مما سيمهد الارضية لمشاركة كردية في الحكومة العراقية المقبلة .. بصرف النظر عن رئاسة المالكي مرة اخرى او شخصية بديلة

ليبيا

        اعتبر معهد واشنطن ان شبح الحرب الاهلية في ليبيا “يشكل تحديات جادة للسياسة الاميركية ..” مدركا ان لدى واشنطن “مصلحة كبيرة في الحاق الهزيمة بالمتشددين،” موجها انتقاده للتحركات الاخيرة “لخليفة حفتر وانصار الفيدرالية وميليشيا الزنتان المعادين للمجلس الوطني ..”  وحث المعهد الولايات المتحدة على دعم “لجنة صياغة الدستور المكونة من 60 فردا وتعزيز جهود الحوار الوطني عوضا عن الوقوف بجانب المجلس الوطني

افغانستان

        اعرب مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية عن مخاوفه من ملامح المرحلة المقبلة في افغانستان، سيما وان الولايات المتحدة وحلفاءها اخفقوا في “بلورة استراتيجية واضحة تحدد الكلفة وشروط توفير الدعم،” بعد انسحابها جميعا نهاية العام الجاري. ووجه انتقادا للرئيس اوباما الذي يبدو انه يفضل “الانخراط في مسار غير متناهي لاعادة النظر والبحث عن خيارات جديدة، لكنه فشل في بلورة خطة واضحة معتبرة تتضمن الكلفة المطلوبة والشروط التي ينبغي توفرها، او التوجه بخطاب استراتيجي وافق سياسي يشرح موقف الادارة والدور المنتظر من الولايات المتحدة ان تقوم به في افغانستان بعد (استكمال الانسحاب) عام 2014

 

التحليل:

تفنيد علمي لمزاعم الكيان

عن سلاح الشعاع الحديدي

        قد لا نأتي بجديد عند القول ان الكيان الصهيوني مسكون بهاجس أزمة وجودية أمنية واستراتيجية، وهوسه بالأمن والدفاع خير دليل على ذلك. ودشن الكيان مطلع العام الجاري بحملة اعلامية واسعة للترويج الى عزمه نشر سلاح درع صاروخية جديدة يعزز فعالية منظومة “القبة الحديدية،” يعرف باسم “الشعاع الحديدي Iron Beam” العام المقبل

نظريا، يعمل السلاح بتكثيف أشعة الليزر الحرارية وتسليطها لاعتراض وتدمير الصواريخ قصيرة المدى وقذائف الهاون – المورتر والطائرات من دون طيار – الدرونز.وارفق حملته بأنه يرمي الى الترويج رسميا للمنظومة في معرض الصناعات الجوية قبل انعقاده في سنغافورة نهاية شهر شباط الماضي، طمعا في البقاء على قائمة الدول المصدرة للاسلحة. التقنية المعلن عنها هي ذات التطور التقني المستخدم في مسلسل الخيال العلمي الشهير “حرب النجوم

        تقنية “القبة الحديدية،” المصممة للمديات القصيرة، تعمل باستشعار اجهزة الرادار لجسم ما وتطلق الصواريخ الموجهة بالتكامل مع نظام صواريخ “آرو 2” لاعتراض الصواريخ الباليستية في الغلاف الخارجي، والذي سيتم دمجه مع الجيل الاحدث للصواريخ “آرو 3،” ومقلاع داوود اللذين لا زالا في مرحلة الاختبار والتجربة. وتجدر الاشارة في هذا الصدد الى تباين احصائيات فعالية القبة الحديدية التي استخدمت بكثافة ابان العدوان على غزة، 2008/2009، والتي تراوحت بين 30% و 80% التي اصرت عليها القيادات العسكرية الصهيونية، وتزعم ايضا ان نسبة نجاح “الشعاع الحديدي” بلغت 90%، دون توفير ادلة حسية تدعم فرضياتها. كما ينبغي التنويه الى انخفاض كلفة تقنية الليزر والتكثيف الحراري لاعتراض وتدمير جسم ما مقارنة مع تحقيق نتيجة مشابهة باستخدام صواريخ اعتراضية

        بعد انقضاء زيارة وزير الدفاع الاميركي، تشاك هيغل، حديثا لفلسطين المحتلة، وبالتزامن مع انعقاد جولة المفاوضات النووية مع ايران المعقودة في باريس، اُعلن عن البدء في مناورات مشتركة يوم 18 أيار الجاري تستمر لخمسة ايام بين القوات العسكرية الاميركية وقوات “اسرائيلية،” اطلق عليها “كوبرا العرعر 2014،” استمرارا لسياق المناورات المشتركة بينهما منذ عام 2001تدور المناورات في الفضاء الالكتروني لسلاحي الجو، اسهمت اميركا بوحدات عسكرية قوامها نحو 700 عنصر، يعززها “قوات اميركية اخرى،” تتبع القيادة الاميركية للدفاع الجوي والصاروخي من مقرها في المانيا، ونحو 6،000 عنصر من القيادة المركزية لاوروبا – يوكوم، ومدمرتين مزودتين بنظام ايجيس للصواريخ الموجهة الاعتراضية. هذا بالاضافة الى ترسانة صواريخ الباتريوت الاميركية المنصوبة في مناطق عدة من فلسطين المحتلة. تجري المناورات بشكل دوري، مرة كل سنتين، بغية “تعزيز مديات التلاحم والتناغم في عمل واداء القوات المسلحة للبلدين تأهباً ومحاكاةً لتعرض اسرائيل لهجوم بالصواريخ الباليستية

اجراءات التدريب والتحضير “لكوبرا العرعر 14” استغرقت نحو18 شهرا، بعد تأجيل المناورة السابقة التي كان من المقرر ان تجري عام 2012 عزاه البعض الى رغبة الولايات المتحدة في تهدئة سعار التوتر مع ايران، واستعاض عنه بتدريبات اخرى نهاية ذلك العام اطلق عليها مناورات “تحدي التقشف” الصاروخية، للدلالة على تخفيض الميزانية العسكرية في البلدين، نشرت على اثرها الولايات المتحدة بطاريات اضافية لصواريخ باتريوت حول القدس وتل الربيع.

جدير بالذكر ان الولايات المتحدة اوكلت لقيادة قواتها المركزية في اوروبا، يوكوم، مهمة “الدفاع عن اسرائيل في حال الطواريء” اطلقت عليها خطة “اوبلان 4305،” كما وثقها الكاتب الاميركي ويليام آركن صاحب المؤلف المفصلي حول توزيع القوات والقواعد العسكرية الاميركية في العالم

(“Code Names: Deciphering U.S. Military Plans, Programs and Operations.”)

 

ادعاءات فعالية الاوهام

        يدرك كل سويّ الفرق الشاسع بين الحقيقة والخيال في استخدام اسلحة تعمل باشعة الليزر والاغراءات التي توفرها المشاهد السينمائية بامكانية التوصل للنتائج المراد زرعها في الذهن البشري. اما تسخير التقنية للاستخدامات العسكرية فهي مقيدة بالقوانين العلمية الصارمة وبعزلة عن الرغبات الذاتية للبعض. من المعروف ايضا ان الولايات المتحدة سخرت جهودا وامكانيات مكثفة فاقت كلفتها كل جهود الدول الاخرى مجتمعة لتطوير اسلحة تعمل باشعة الليزر. والنتيجة، نموذج يتيم تم تحميله على متن سفينة حربية، سيما بالنظر الى حقيقة المعلومات الموثقة بتواضع ادائه وفعاليته مقارنة بما يدعي قادة الكيان العسكريين بانهم استطاعوا “تطويع التقنية للتطبيقات العسكرية بنجاح

        وعليه، ينبغي التعرف عن كثب على ما ينطوي عليه الزعم “الاسرائيلي” بتحقيق اختراق تقني في مجال الاسلحة العاملة باشعة الليزر، وربما الاقرب الى الحقيقة انه تم التوصل الى تطبيق عسكري لاشعة الليزر ينطوي عليه ثغرات كبيرة، تستدعي التدقيق والتمحيص العلمي وتكرار التجربة في مختبرات اخرى

        اشعة الليزر المشبعة بطاقة حرارية عالية ارست ارضية متفائلة للتطبيقات العسكرية الدفاعية، في المجال النظري، ورافقها تحدي لضرورة التغلب على عقبات حقيقية والتي بمجملها اعاقت القدرة على تطوير نموذج صالح للاستخدام خارج مراكز الابحاث العلمية. ما تم التوصل اليه علميا هو انتاج بلور عصا الليزر وشعاع ليزري ينتج عن تفريغ انبوب الغاز واللذين جاءت نتائجهما مخيبة للآمال المعقودة سيما لتدني الفعالية وما نتج عنها من تبديد معدل الطاقة الناجمة الى طاقة وحرارة منفلتة. وعليه، فان نجاح تجربة التوصل الى اشعة ليزرية مشبعة بطاقة عالية تنتج حرارة متبددة ربما تؤدي الى ابطال مفعول المعدات وتدميرها

        وتوصل العلماء الى اكتشاف واعد لشعاع ليزر ناتج عن عملية تفاعل كيميائية، والذي يقارب بالنتيجة عمل محركات صاروخية منه الى شعاع ليزر عادي قابل للتطويع. وتستند التقنية الى استخدام وقود دفع الليزر، ينتج عنه تفاعل واحتراق خليط من العناصر الكيميائية ينفث غازا كيميائيا عادما يتم تكثيف خروجه عبر فوهة انبوب او جهاز، من ضمن خصائصه احتوائه لجزيئات مشبعة بالطاقة الحرارية، والتي تستند طاقتها الاجمالية الى طبيعة وقود الدفع والعناصر الاخرى الاضافية المستخدمة في العملية ويجري تسخين الناتج الى حالة اعلى لانتاج شعاع الليزر. مقارنة مع تطبيقات المجهر – التلسكوب، عند وضع زوج من المرايا المترافقة على جانبي التيار العادم المنبعث، سينتج عنه عملية انتاج شعاع الليزر وتراقص جزيئات الكم الضوئي (الفوتون) بين المرايا، واستخراج الطاقة عبر التحكم بوضعية احدى المرايا

        هكذا ببساطة يتم التحكم بانتاج طاقة الليزر في المختبرات العلمية، والتي ينطوي عليها مستويات عدة معقدة ينبغي التغلب عليها قبل ان تصبح صالحة للتطبيقات العسكرية والتجارية. الطاقة الحرارية العالية الناتجة تصل ما بين 1000 الى 2000 درجة مئوية، تعتمد نتيجتها النهائية على مكونات خليط الوقود المستخدم. تكثيف الطاقة للمرور عبر فوهة انبوب او جهاز تتطلب جهود تحكم بالغة الدقة كي تكتمل دائرة انتاج الشعاع، وخاصة لخليط الغازات المنبعثة ومعدلات الضغط والانسياب المطلوبة. يذكر ان بعض الوقود الليزري وما ينتج عنه من غازات عادمة تتميز بدرجة عالية من السمية والتآكل. تثبيت المرايا المترافقة ينبغي ان يتم باقل معدل خسارة بصرية، اذ ان خسارة نسبة 1% في مجمل ميغاوات حراري ليزري يعادل خسارة 10 كيلواط من الطاقة المبددة على المرايا

        للمقاربة، فان هذه العملية بالغة التعقيد لانتاج شعاع ليزري بالتفاعل الكيميائي الذي يكمن في صلب “الشعاع الحديدي.” بعض ابتكارات الغرب العلمية ابتعدت عن انتاج شعاع ليزر فردي، واستخدمت سلسلة من اشعة الليزر ومرآة لانتاج شعاع بطاقة عالية

        تحلى الكيان الصهيوني بالحذر من توفير معلومات دقيقة حول الشعاع وألمح الى ان الليزر ناتج عن تفاعل الكتروني في حالة الصلب، أسوة بانتاج الشعاع الليزري الاول عام 1960. واخفق في توفير مزيد من المعلومات العلمية ربما لزرع الظن انه توصل الى اختراق تقني فريد في هذا المجال لم تقدر اي دولة اخرى على تكرار التجربة. بكلمة اخرى، ما رشح عن الكيان من معلومات هي اقرب الى تضليل الأمم الاخرى

        منذ التوصل الى اكتشاف اشعة الليزر في حالة الصلب المشار اليها، فان اهم عقبة تواجهها هي الكلفة العالية وتطويع التطبيق وتسخير الطاقة الناتجة في تطبيقات اخرى. التقنية “التقليدية” لانتاج شعاع الليزر تستغل نحو 10% كحد اقصى من الطاقة الناجمة وتحويلها الى شعاع؛ اي يبدد ما تبقى من 90% من الطاقة والتي قد تضر بالحالة الصلبة للصمامات الثنائية وتدمرها. “النموذج الليزري الاميركي،” سالف الذكر، سيتم وضعه على متن سفينة حربية في وقت لاحق من فصل الصيف القادم (الذي سيحل في 21 حزيران الشهر المقبل) بقوة تتراوح بين 15-50 كيلواط (اما الرقم الحقيقي فهو حبيس ادراج السرية). الفعالية الثابتة للنموذج هي في التصدي للطائرات الصغيرة او الزوارق سريعة الحركة المتجهة نحو السفينة

        يتضح اذا ان سلاح “الشعاع الحديدي” يتطلب طاقة حرارية اكبر من النموذج المذكور، سيما عند الاخذ بعين الاعتبار ان طاقة بقوة 100 كيلواط باستطاعتها تدمير اهداف صغيرة مثل طائرات الدرونز والزوارق الحربية الصغيرة. اما الاجسام والاهداف المتطورة مثل الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز، فتتطلب طاقة حرارية بعدة معدلات من الميغاواط. التقنية الراهنة المتوفرة لانتاج الطاقة بحالة الصلب، solid state، بعيدة كل البعد عن الاقتراب من المعدلات الحرارية المطلوبة

        ما يتبقى من خيارات علمية لانتاج الطاقة الليزرية يعيدنا الى الشعاع الناجم عن تفاعل كيميائي، الذي يوفر، نظريا، معدلات طاقة تقاس بالميغاوات

        المعلومات المخبرية لشركة رافائيل “الاسرائيلية،” المنتجة “للشعاع الحديدي،” متوفرة للخبراء والاخصائيين. ويمكننا القول ان ما توصلت اليه ابحاث الكيان هو تقنية مشتقة من تقنية التكثيف الحراري التكتيكي بالليزر التي توصلت اليها الجهود والابحاث المشتركة للولايات المتحدة و”اسرائيل

        رمت المؤسسة العسكرية الاميركية من وراء تقنية “ذيل” الى انتاج سلاح الاشتباك وتدمير الصواريخ قصيرة المدى، مثل الكاتيوشا والقذائف المدفعية والطائرات التي تحلق على علو منخفض – وهي اهداف تتماثل مع نظام “الشعاع الحديدي.” استنادا الى المعلومات المعلنة فان النظام ينطوي على توليد طاقة حرارية بمعدل ميغاواط واحد

        اجريت الاختبارات على نظام “ذيل” بين اعوام 2000-2004، وقيل انه استطاع تدمير صواريخ بعيارات عدة (28 و 122 و 160 ملم)، تحاكي صواريخ الكاتيوشا وراجمات الصواريخ وقذائف الهاون وهجوم بصليات من قذائف الهاون

خلفية علمية

        تذكر ادبيات وزارة الدفاع الاميركية انها عاكفة على تطوير ثلاثة نظم اسلحة شعاعية للتطبيقات في الفضاء الخارجي وما دون طبقة الغلاف الجوي، تستند كلها الى تفاعل خليط مواد كيميائية ينتج عنه شعاع ليزري. كما تدل تلك الادبيات الى ان انتاج وتطبيق سلاح ليزري في الفضاء الخارجي سيستغرق عقدين من الزمن، على الاقل. والنظم الثلاث التي تجري التجارب عليها: غاز فلوريد الهيدروجين؛ غاز فلوريد الديوتريوم؛ وغاز اكسجين اليود

        يتميز غاز فلوريد الديوتريوم بتفاعله على نسق نواة الفلوريد بخلاف فلوريد الهيدروجين التي تتم مرحلة التفاعل على مستوى جزيئات الهيدروجين، وذرات غاز الديوتريوم اكبر كثافة من ذرات الهيدروجين، مما يعني انه افضل على السير في الغلاف الجوي محتفظا بخصائصه. التجارب الاولى عليه اشارت الى قوة حرارية ناتجة بمعدل يفوق ميغاواط

        اما غاز اكسجين اليود والذي يعتقد انه يدخل في تطبيقات النظم الدفاعية ضد الصواريخ الباليستية، فان الطاقة تنتج عن تفاعل غازي الكلور وفوق اكسيد الهيدروجين مما يثير ذرات الاوكسجين التي تنقل طاقتها الحرارية الى ذرات اليود. يبلغ معدل طول الموجة الناجمة 1.3 ميكرون (جزء من المليون على المتر)؛ اي اقصر من الموجات المتولدة خلال التفاعلين الاخرين، بلغت طاقتها الحرارية عدة مئات من الكيلواط، اي الافضل مواءمة للاسلحة في الفضاء الخارجي

        تنبهت بعض الدول والهيئات العلمية المعتبرة مبكرا الى خطورة ادخال الاسلحة الى الفضاء الخارجي وتهديده على البشرية بأكملها، وتوصلت الى سن اتفاقية عام 1967 تحرم استخدام الاسلحة في الفضاء والتي تشمل سطح القمر ايضا. وتبنت الامم المتحدة الاتفاقية والمصادقة عليها عام 1999 بتوقيع 138 دولة عليها، وامتناع دولتين: الولايات المتحدة و”اسرائيل

سلاح الليزر بالتكثيف الحراري التكتيكي (THEL ذيل)

يعمل النموذج “ذيل” وفق تقنية غاز فلوريد الديوتريوم لانتاج الليزر، بخلاف التجارب السابقة العاملة بغاز فلوريد الهيدروجين، ينتج عن التفاعل موجة شعاع ليزري يتراوح طولها بين 3.6 – 4.2 مايكرومتر (تعرف ايضا بالاشعة الحرارية تحت الحمراء). يدخل في عملية الاحتراق غاز الايثيلين وغاز ثالث فلوريد النيتروجين، الذي يمزج بغازي الديوتريوم والهيليوم لانتاج غاز فلوريد الديوتريوم في حالة الهيجان. ثم يمرر الناتج الغازي عبر فوهات محكمة شبيهة بمثيلاتها في التفاعلات الكيميائية الاخرى المنتجة لشعاع الليزر

Untitled-1

The THEL prototype tested by Israel and the United States

نموذج نظام “ذيل” الذي اجريت عليه التجارب الاميركية و”الاسرائيلية” المشتركة

الغازات المنبعثة خلال عملية التفاعل سمية وبالغة الخطورة على الجنس البشري، ولذا ينبغي استحداث نظام متطور لتبديد الغازات وتحييد وامتصاص الغاز العادم لفلوريد الديوتريوم. الغازات العادمة تحتوي ايضا على طاقة حرارية مبددة والتي يعسر التغلب عليها في تجارب الاسلحة الليزرية السابقة

حجم النموذج التجريبي الاول كان كبيرا وشغل مساحة ثلاث مقطورات يصعب التحكم والسيطرة عليها. تزعم شركة رفائيل “الاسرائيلية” انها استطاعت التغلب على خاصية الحجم وانتجت نموذجا مصغرا للشعاع الحديدي يسهل تحريكه. بيد ان عقبة الحجم ليست الوحيدة التي تواجه نشر شعاع الليزر كسلاح. اقلعت الولايات المتحدة عن المضي في البرنامج واوقفت تمويله نظرا لعقبات متعددة واجهتها، بينما مضت “اسرائيل” في جهود تطويره بمساعدة اميركية، كما تشير بنود ميزانيات وزارة الدفاع الاميركية. استنادا الى المعلومات التقنية والتجريبية المتوفرة، من المرجح بقاء تلك العقبات دول حلول ناجعة

احدى تلك العقبات تتعلق بانتشار الطاقة الحرارية العالية  وتفاعلها كيميائيا مع الغلاف الجوي، وانتشار شعاع الليزر وطاقته الكامنة في المنطقة المحيطة به. لعل افضل اسلوب للتغلب على تلك الظاهرة توصل العلماء الى اصدار ومضات قصيرة من طاقة الليزر لتبديد الهدف قبل بدء تفاعل الانتشار. بالمقابل، ينطوي على هذه التقنية الحد من حجم الضرر الذي كانت ستتسبب به اشعة الليزر لجسم كبير الحجم

من خصائص شعاع الليزر انه قابل للامتصاص من قبل عناصر طبيعية متعددة: ذبيبات الغبار، بخار الماء، السحب، الضباب، الثلج، والمطر. اذ ان طول موجة الشعاع، 3.6 – 4.2 ميكرومتر، تمكنه من حرية الحركة عبر اجواء صافية وجافة، بينما يتأثر سلبا بالرطوبة مهما بلغت درجة تشبع الهواء بها وحرف الشعاع عن هدفه. كما ان الشعاع يتأثر سلبا بغاز ثاني اكسيد الكربون وعنصر الهيدروكربون اللذين يحدثا تحللا في تركيز الشعاع وافقاده مفعوله. وعليه، يصبح تطبيق شعاع الليزر افضل في المناطق والاجواء الجافة ذات كثافة سكانية شحيحة، التي تنطبق على بعض مناطق فلسطين المحتلة؛ بيد ان مفعوله يتناقص في المناخات الرطبة ومناطق الكثافة السكانية المقامة على طول الشريط الساحلي لفلسطين المحتلة

استنادا الى الحقيقة الثابتة ان بخار الماء يحد من فعالية شعاع الليزر، يصبح “الشعاع الحديدي” فعالا في مجال النظم الدفاعية حصرا، بحماية منطقة جغرافية ضيقة حول بطارية الصواريخ. اما الزعم بأنه صمم لاعتراض الصواريخ والقذائف المنهالة على الكيان من قطاع غزة، مثلا، يبدد سريعا امام المعلومات الموثقة لضعف ادائه في المناخات الرطبة، واقل كثيرا من المديات التي تدعيها شركة رفائيل المصنعة

عامل الكلفة الاجمالية ايضا يدخل ضمن حسابات اعتمماد السلاح، اي سلاح، خاصة عن الاخذ بعين الاعتبار الكلفة العالية للطلقة الواحدة. فالشعاع الحديدي يماثل الى حد كبير اشعة الليزر الناتجة عن تفاعل فلوريد الهيدروجين، التي يتراوح طول موجة الطاقة من 2.7 الى 2.9 ميكرومتر، وهي الموجة التي يمتصها الغلاف الجوي مما يضعف قوة الشعاع ويخفف من المسافة التي من المفترض وصوله اليها، الا في الحالات الاستثنائية التي قد يتم استخدامه في الفضاء الخارجي

تزعم شركة روفائيل انها استطاعت التغلب على تلك العقبة بادخال عنصر وقود باهظ الكلفة ونادر الوجود، باستخدام نظائر الهيدروجين النادرة حينها يستخدم غاز الديوتريوم عوضا عن الهيدروجين، والذي تبلغ طول موجة الطاقة الناجمة من 3.6 الى 4.2 ميكرومترا. في هذا الحالة من الخاصية الكيميائية، يصبح استخدام شعاع فلوريد الديوتريوم افضل حالا في النظم المضادة للصواريخ. اما الوقود النادر المذكور فكلفة انتاجه باهظة جدا (اذ يشكل الغاز نسبة 0.0156% من كافة غاز الهيدروجين في الكرة الارضية بأكملها، ومن هنا كلفته العالية وقد تبلغ عدة آلاف من الدولارات لكل طلقة، والنتيجة ليست مضمونة بأي حال. في عام 1980 اصدر مختبر الاسلحة لسلاح الجو الاميركي دراسة جاء فيها ان كلفة انتاج وقود الليزر قد تصل الى 1،000$ لكل ميغاواط في الثانية الواحدة. وتم تقدير كلفة شعاع الليزر لنظام “ذيل” بنحو 3،000$ للطلقة الواحدة

ومن هنا يتضح جملة عوامل اقلاع الولايات المتحدة عن استخدام مركبات غاز الفلورايد والديوتريوم واستبدالها بمضخات كهربائية لانتاج الشعاع

وكما اسلفنا في المقدمة، فان مزاعم “اسرائيل” بتحقيق قفزات نوعية واختراقات علمية في تطبيقاتها “الشعاع الحديدي” بحاجة ماسة الى دلائل حسية ومعلومات موثقة؛ ويرجح استخدامها لتقنية اميركية تخلت عنها الولايات المتحدة بدوافع الكلفة العالية والعقبات التقنية الاخرى ومنها ضرورة امداد عملية الاحتراق بعناصر كيميائية بالغة السمية للجنس البشري، وتحديات الفعالية التي تواجهها امام عوامل الرطوبة الطبيعية وقصر المديات النهائية

تندر البعض للكلفة العالية للشعاع الحديدي بانه ينبغي ان يطلق عليه شعاع البلاتين

2014-05-21 تقرير خاص

تجسساسرائيلعلىاميركاهليفاجي آحدا؟

          قامت اجهزة المخابرات الاميركية مؤخرا بتسريب معلومات حساسة تتعلق بالنطاق الواسع للتجسس “الاسرائيلي” على الولايات المتحدة، نشرتها اسبوعية “نيوزويك” بقلم محرر الشؤون الاستخبارية، جيف ستاين، التي وصفت “تصرفات اسرائيل بأنها الاسوأ وتخطى “خطوطا حمراء” لم يجرؤ احد (من الحلفاء) على تجاوزها في السابق.” عقب الضجة المناهضة المتوقعة، تابع ستاين بمقالة ثانية بعد يومين تحت عنوان “تجسس اسرائيل النشط في الولايات المتحدة غالبا يتم طمسه

          تجمع الاوساط الاستخبارية الاميركية ان الجرأة والصراحة التي تحدث بها ستاين جاءت نيابة عن المؤسسة الاستخبارية، التي ضاقت ذرعا “ونفذ صبرها” بعد سلسلة دلائل حسية تحتفظ بها امام مسائليها في السلطة التشريعية “التي تتحكم بميزانياتها.” لعل الأهمية الاستثنائية في التقريرين تكمن في خطاب الاثبات لمصير “العملاء الاسرائيليين الذين يتم القبض عليهم متلبسين بالجرم وغالبا يطلق سراحهم دون عقاب،” الأمر الذي وصفه ستاين بأنه “اسلوب عمل اعتيادي، عادة ما يلقى دعما وتواطؤاً من اعلى وارفع المستويات في الحكومة” الاميركية

عدد ضئيل من المتابعين ربط توقيت ومغزى “التسريب” غداة وصول وفد اميركي رفيع المستوى برئاسة مستشارة الرئيس لشؤون الأمن القومي، سوزان رايس، في زيارسة رسمية الى تل ابيب، مما يؤشر على ان التسريب كان مقصودا ومدروسا على ارفع المستويات لتحقيق عدد من الاهداف، وعلى رأسها التخفيف من ضغط اللوبي “الاسرائيلي” على الادارة الاميركية لاطلاق سراح الجاسوس جوناثان بولارد بعد ادانته بالتجسس والذي يقضي عقوبة السجن مدى الحياة

اشار هؤلاء البعض الى القول المأثور “ان كان لديك اصدقاء على هذه الشاكلة، فلست بحاجة الى اعداء” للدلالة على عمق عمليات التجسس “الاسرائيلية” داخل مختلف الاوساط الرسمية الاميركية، والتجارية والتقنية ايضا، لعقود متتالية لم تشهد انقطاعا، عززتها سلسة احداث موثقة، منها: اكتشاف السفير الاميركي الاسبق لدى تل ابيب، عام 1954، سماعات لاقطة داخل مكتبه “زرعها الاسرائيليون،” كما ورد في تقريره للوزارة. وبعد الحادثة بنحو سنتين اكتشف الملحق العسكري الاميركي في تل ابيب ايضا اجهزة للتنصت على المكالمات الهاتفية داخل منزله

السفير الاميركي الاسبق لدى قطر، اندرو كيلغور، صرح لزملائه ان تنصت “اسرائيل” على السفارات والبعثات الديبلوماسية الاميركية “اضحت جزءا عاديا من الروتين اليومي

          السفير الاميركي في تل ابيب عام 1997، مارتن انديك، سلم رسالة خاصة غاضبة من واشنطن “للحكومة الاسرائيلية تشكو فيها من سبل المراقبة المشددة التي يقوم بها رجال الاستخبارات الاسرائيلية، والذين يتتبعون حركة موظفي السفارة الاميركية في تل ابيب وتفتيش غرف الفنادق للزوار الاميركيين الرسميين.” كما اورد مقال “نيوزويك” حادثة تعرض نائب الرئيس الاميركي الاسبق، آل غور لزرع جهاز تنصت في غرفة فندق اقامته اثناء زيارة رسمية

“لاسرائيل” باع طويل في التجسس

للتجسس “الاسرائيلي” على الولايات المتحدة تاريخ طويل يسبق الاعلان الرسمي “للكيان،” سيما وانها وفرت لرجالات الاستخبارات الاسرائيلية الحركة والتنقل بحرية في بداية عقد الاربعينيات. وبات التجسس مادة ثابتة موثقة دوريا في اميركا عبر عدة آليات معلنة، احداها التقرير السنوي لمكتب التحقيقات الفيدرالي، اف بي آي، المقدم للكونغرس حول “توثيق جهود التجسس الاقتصادية والصناعية الأجنبية،” الذي عادة ما يصنف “اسرائيل” في المرتبة الثانية بعد الصين. فعلى سبيل المثال جاء في التقرير المقدم لعام 2005 ان “اسرائيل تملك برنامجا نشطا لجمع  واستخدام  معلومات حصرية داخل الولايات المتحدة،” ابرزها “التسلل داخل اجهزة الكمبيوتر

وزير الخارجية الاميركي الشهير وقائد القوات الاميركية الاسبق، جورج مارشال – الذي تنسب اليه عدد من الانتصارات العسكرية المفصلية في الحرب العالمية الثانية – ابرق للرئيس هاري ترومان في 29 تشرين الاول/اكتوبر 1948 عقب انفضاض جلسة للأمم المتحدة عقدت في باريس قائلا انه اكتشف ان “الاسرائيليين” كانوا على علم مسبق بتوجيهات الرئيس للوفد الاميركي “ربما بالتزامن مع تسلم الوفد الاميركي للبرقية المعنية.”الرئيس هاري ترومان فرض حظرا آنذاك على “كافة نشاطات تهريب المعدات الحربية الى فلسطين ..” Leonard Slater, The Pledge (New York, 1970), pp. 319-320

اللافت في الأمر ان الحكومة الاميركية لم تسن تشريعات تجرم تسليم معلومات سرية “بواسطة مواطنين اميركيين الى اسرائيل” الا عام 1954، بعد انفضاح أمر رئيس شعبة الاستخبارات “الاسرائيلية،” حاييم وايزمان وتعيينه ملحقا عسكريا في واشنطن عام 1950 وغادرها عام 1954. وايزمان سعى للحصول على معلومات “عسكرية تخص الاردن” من عنصر عسكري اردني ملحق بالسفارة الاردنية في واشنطن، والذي “تم تجنيده لاحقا من قبل الاستخبارات الاسرائيلية

حذر تقرير هيئة االاستخبارات الدفاعية، التابعة للبنتاغون، في عام 1996، من “جمع المعلومات التقنية والعلمية للولايات المتحدة، والذي يأتي في المرتبة الثالثة من حيث الأهمية والأولوية للاستخبارات الاسرائيلية .. مباشرة بعد مرتبة جمعها معلومات سرية تتعلق بالسياسات او القرارت الاميركية التي تخص اسرائيل

          ايضا في العام عينه، اصدر مكتب المحاسبة العام، هيئة تنفيذية ملحقة بالكونغرس، تقريره بعنوان “أمن الصناعة الدفاعية: ثغرات التدابير الاميركية الأمنية مع المقاولين الاجانب (لوزارة) الدفاع،” اشار الى ان “البلد أ – اي اسرائيل – .. تنفذ عمليات تجسس عدوانية ضد الولايات المتحدة من بين كافة الحلفاء،” بغرض الحصول على “معلومات سرية وتقنيات عسكرية اميركية حساسة تحتل رأس سلم اولويات نشاطاتها.” واوضح التقرير انه “تم القاء القبض على عدد من مواطني (اسرائيل) بعد ضبطهم متلبسين بسرقة تقنية حساسة داخل الولايات المتحدة تستخدم في صناعة صمامات المدافع

في عام 1991، اصدر الصحافي الاميركي الشهير سيمور هيرش مخطوطه “خيار شمشون” موثقا سلسلة عمليات سطو ذات طبيعة أمنية قامت بها الاستخبارات “الاسرائيلية،” لا سيما في شأن الابحاث النووية التي ينسب الى احد كبار علمائها الاميركيين، صموئيل كوهين، اقراره بتسليم علماء الذرة الاميركيين لاسرائيل اسرار الاسلحة النووية. واضاف هيرش ان “وكالة الاستخبارات المركزية وفرت العون للاسرائيليين للحصول على معلومات تخص التقنية النووية في نهاية عقد الخمسينيات” من القرن المنصرم

اخطبوط “اسرائيل” يمتد عميقا في المؤسسات الاميركية

هناك ندرة في المعلومات الموثقة المتداولة حول شؤون التجسس، وبعضها يأتي في سياق نشاطات اميركية اخرى. على سبيل المثال، جاء في كتاب  النائب  السابق في مجلس النواب، بول فيندلي، نقلا عن مسؤول رفيع في الخارجية آثر عدم الافصاح عن هويته بالقول:  ان حجم “تسريب المعلومات الى اسرائيل هائل. ان كان لدي أمر ينبغي اطلاع وزير الخارجية عليه ولا ارغب كشفه من قبل اسرائيل، وجب علي الانتظار لحين تسنح الفرصة بلقاء الوزير شخصيا .. لا يتوفر لنا قدر كاف من الجرأة والجسارة لتدوين معلومات حساسة ورقيا .. بل يتحاشى هؤلاء الرسميون (في الخارجية) الحديث بحرية في مجلس مزدحم حول تلك القضايا.”     (Findley, Paul. They Dare to Speak Out. Chicago, IL: Lawrence Hill Books. 1989. Pgs 139-164)

اثناء حرب تشرين 1973 تقدمت “اسرائيل” بطلب من اميركا تزويدها بكميات ذخيرة معينة عيار 90 ملم. احد ضباط الاستخبارات في وكالة الأمن الدولي، التابعة للبنتاغون، توماس بيانكا، علق قائلا “قمنا بالتفتيش في كل مكان، واستفسرنا كافة فروع القوات المسلحة – القوات البرية والبحرية والمارينز، ولم نعثر على ذخيرة من عيار 90 ملم بالمطلق.” وجاء الرد “الاسرائيلي” صاعقا لبيانكا وآخرين بالجزم ان “لديكم تلك الذخيرة، وتعدادها 15000 وحدة ذخيرة وهي متوفرة في مخازن تابعة لمشاة البحرية في هاواي

سطو “اسرائيل” على مكونات ومعدات تدخل في صناعة القنبلة النووية، لا سيما حادث تهريب اليورانيوم المخصب من منشأة نووية في ولاية بنسلفانيا، تم توثيقها بدقة من قبل الصحافي سيمور هيرش، سالف الذكر. واتهم هيرش جيمس انغلتون، مسؤول قسم التنسيق بين وكالة الاستخبارات المركزية و”اسرائيل،” بأنه “وفّر للاسرائيليين معلومات تقنية (نووية) في منتصف عقد الستينيات” من القرن الماضي. لم تسفر حادثة السطو على اليورانيوم “توجيه تهم محددة” رغم معرفة هوية الاشخاص الفاعلين، وهم يهود اميركيين، بل اسقطت قضائيا ضدهم في شهر ايار عام 1969

          علاقات التعاون الوثيقة بين اميركا و”اسرائيل” تخللتها بعض محطات التنافس نظرا لتباين المصالح بينهما، ابرزها تشغيل الاخيرة لجوناثان بولارد وتمرير بعض المعلومات الحساسة للاتحاد السوفياتي آنذاك بغية “ارساء الدليل لدى موسكو بأن اسرائيل حليف افضل لها من الدول العربية،” كما ورد في مخطوطة سيمور هيرش المذكورة

كما اغضبت “اسرائيل” وكالة الاستخبارات المركزية التي سخرت موارد كبيرة لتجنيد “عالم سوري على دراية ببرنامج الاسلحة الكيميائية والبيولوجية السورية،” ابان ولاية الرئيس جورج بوش الابن،والذي اختفى ولم يعثر عليه. وجاء في المعلومات ان وكالة الاستخبارات “اشتكت من الاسرائيليين لتسريبهم معلومات (العالم السوري) بغية ممارسة ضغط على الحكومة السورية وارغامها على الاقلاع عن برنامجها” التسليحي. استطاعت الاجهزة السورية تحديد هوية المخبر والاقتصاص منه، دل على ذلك ما نقله المخبر لمشغله مدير محطة السي آي ايه المحلية بأن الاستخبارات العسكرية السورية كشفت أمره. (تقرير اوردته وكالة اسوشيتدبرس الاميركية، 29 تموز 2012

http://www.prisonplanet.com/israel-betrayed-u-s-spy-within-syrian-chemical-weapons-program.html

 

اميركا و”اسرائيل” معا للتجسس على الجالية العربية

وضعت الاجهزة الاستخبارية “الاسرائيلية” نصب اعينها جمع معلومات مكثفة عن الفلسطينيين المقيمين في الولايات المتحدة، مباشرة بعد هزيمة حزيران 1967؛ وتم توثيق التعاون الرسمي بين الاجهزة الاميركية و”الاسرائيلية” بين سنوات 1968-1974، وفق افضل المعلومات توثيقا في هذا الشأن. وشنت الاجهزة الاميركية، وكالة الاستخبارات ومكتب التحقيقات الفيدرالي، حملة مشتركة ضد النشطاء والمؤيدين للنضال الفلسطيني، اطلقا عليها حملة “كيوس – فوضى،” كان ابرز ضحاياها محامي عربي مقيم في ديترويت، عابدين جبارة. واوضح جبارة لاحقا انه نمى لعلمه ان “مكتب التحقيقات الفيدرالي وفّر معلوماته الخاصة لثلاث حكومات أجنبية ..” احداها كانت “اسرائيل

شنت حملة “كيوس” بالتزامن مع حملة اوسع على امتداد الولايات المتحدة “لاصطياد” القيادات الطلابية والعمالية واليسارية في عقد الستينيات، اطلق عليها اسم “كوينتيل برو – عملية مكافحة التجسس،” ذهب ضحيتها عشرات القيادات الواعدة والمئات من الحلقات النشطة وتدجين النقابات العمالية والمهنية الاخرى، اسوة بالضحايا من القادة التقدميين في البلدان النامية: كوامي نكروما، باتريس لومومبا، تشي غيفارا؛ فضلا عن المؤامرات المتواصلة الاخرى ضد فيدل كاسترو وجمال عبد الناصر، ولاحقا ضد احمد سوكارنو وانديرا غاندي

“اسرائيل” كان لها دور واضح وفاضح في معظم نشاطات الحملة الاميركية، خاصة عند الأخذ بعين الاعتبار ان الحركات الاحتجاجية والطلابية في المدن والجامعات الاميركية المختلفة ومناهضتها للعدوان الاميركي على فييتنام، آنذاك، بلورت وعيا معتبرا ضد شرعية الكيان وتنامي نزعة جماعية عريضة مناهضة للصهيونية داخل معظم اوساطها، مما وضعها في دائرة الاستهداف الصهيونية

          كما دأبت الولايات المتحدة على تسليم “اسرائيل” عدد من النشطاء الفلسطينيين القادمين من الارض المحتلة، بعد اعتقالهم، كثمرة للتعاون الوثيق بينهما: سامي اسماعيل – 1978؛ زياد ابو عين – 1981؛ ورسمية ابو عودة حاليا التي تقاوم محاولات تسليمها “لاسرائيل” بعد ان قضت ردحا من الزمن في سجونها؛ وآخرين لا تتسع المساحة ذكرهم جميع.

          اميركا والكيان الصهيوني كشفا عن تأصل العنصرية في ثقافة الغرب الامبريالي والمعولم (بعض الدول الاوروبية لم تمارس الاحتلال الامبريالي المباشر، بيد انها تشكل حلقة اساسية في اخطبوط العولمة لاخضاع الشعوب وثرواتها الطبيعية الى احتكاراتها)، وتنامي الاستهداف العنصري للعرب والمسلمين عموما، منذ تفجير برجي التجارة العالمية في ايلول 2001

من ضمن ما اسفرت عنه تلك الحملة تعاظم ابتزاز الاقتصاديات والسياسات الاقليمية من جانب، وترويض “قادة” الجمعيات العربية والمسلمة في الداخل الاميركي، وتحييدها بشكل اساسي عن ممارسة دورها المنوط بها في مناهضة الحروب الاميركية العدوانية على العراق وافغانستان، وما تبعها من تدمير واحتلال لليبيا وتدمير سورية واثارة الفوضى والدمار في مصر. وتغلغلت الاجهزة الاميركية داخل اوساط الجمعيات بكل تلاوينها ومشاربها دون استثناء كي تضمن ولاء قادتها ومجالس اداراتها وعدم خروج سياساتها عن الحدود المرسومة له

“اسرائيل”: علاقة “تنافس” ضمن معادلة التعاون والولاء المشترك

          تشير الوثائق الرسمية الاميركية الى نشاط تجسسي متواصل “لاسرائيل” يمتد لنحو 70 عاما، لعل ابرزها عملية منظمة اشرفت عليها “اسرائيل” للسطو على معدات اميركية بالغة التطور تدخل في صناعة المكونات النووية. وقد حصلت الاولى على نحو “800 صاعق كرايترون بين اعوام 1979 – 1983” والتي تكمل دائرة التفجير في الاسلحة النووية، من شركة “ميلكو” الاميركية في كاليفورنيا لصالح “وزارة الدفاع الاسرائيلية،” دون العودة للحصول على تصاريح تصدير من وزارة الخارجية الامير

الخارجية الاميركية رفضت سلسلة طلبات قدمت لها بذاك الأمر سابقا. اعتقل رئيس الشركة، ريتشارد كيلي سميث، لاحقا مع عقيلته بعد فراره الى اسبانيا، ووجهت له لائحة من 40 تهمة بالتهريب وتزوير الوثائق، وصدر أمرا بسجنه لمدة 40 عاما، منتصف عام 2001، الا انه استطاع “نيل حريته بعد 4 سنوات” فقط. شارك سميث في عملية التهريب مخرج سينمائي في هوليوود يحمل جوازا “اسرائيليا،” ارنون ميلكان، الذي اقر لاحقا انه تم تجنيده على يد “رافي ايتان” مشغل الجاسوس جوناثان بولارد، الذي وصفته الوثائق الرسمية الاميركية “بالجاسوس النموذجي

صحيفة “نيويورك تايمز” ناقضت الرواية الرسمية للخارجية الاميركية بان “اسرائيل ابدت تعاونا كبيرا” اثناء عملية التحقيق في شحن صواعق كرايترون، قائلة ان “الاسرائيليين قدموا تفسيرا غير مقنعا في بداية الأمر .. فضلا عن ان الدوائر الرسمية الاميركية عملت على اخراج المسألة من التداول العام على الفور.” (New York Times, May 16, 1985

          علاوة على ما تقدم، تخشى الدوائر الرسمية والاستخباراتية الاميركية “مشاركة اسرائيل لدول اخرى” بالمعلومات التقنية التي بحوزتها، خاصة تلك التي تعتبرها خصما لها مثل الصين. وجاء في تقرير صادر عن “مكتب استخبارات سلاح البحرية،” ان الصين استطاعت الحصول على “التقنية الاميركية عن طريق اسرائيل في برنامج تعاونهما على (تطوير) المقاتلة ليفي وربما ايضا تقنية الصواريخ المضادة للطيران.” واوضح التقرير عينه ان الأمر “ينطوي عليه خطوة دراماتيكية للامام بالنسبة لسلاح الجو الصين

          في عام 2000، حاولت “اسرائيل” بيع الصين “ما توفر لديها من تقنية طائرات الانذار المبكر – فالكون، التي صممت وفق تقنية مرخصة اميركيا.” واعرب تقرير صادر عن مكتب التحقيقات الفيدرالي، لعام 2005، حول الأمر ان “عمليات السطو (الاسرائيلية) تقوض ميزات التطور للعسكرية الاميركية، ووفرت للقوى الاجنبية الفرصة للحصول على تقنيات باهظة الكلفة والتي استغرق تطويرها عدة سنوات.” البعد التجسسي “الاسرائيلي” لا يقتصر على النواحي الاستخبارية والعسكرية والتقنية والأمن القومي فحسب، بل ايضا تتم لصالح القطاع الاقتصادي والشركات “الاسرائيلية” وتحصينها بامكانيات توفر لها القدرة على المنافسة في المستوى الدولي، كما تشهد بذلك تجارة تصدير “الاسلحة الاسرائيلية” الرائجة، والتي تتم في بعض الاحيان على حساب المصالح الاميركية، كما يعتقد البعض، او ربما من باب توزيع الادوار بينهما لحساسية الانخراط الاميركي المباشر في بعض الدول والمناطق العالمية

          ضمن هذا الاطار يستطيع المرء التوصل الى حقيقة موقف الولايات المتحدة  لعدم “التساهل” في اطلاق سراح جوناثان بولارد، نظرا لخطورة المعلومات التي وفرها “لاسرائيل” والتي ثبت انها قامت بتمريرها للاتحاد السوفياتي، ودلالة على عمق درجة الاحباط من توقعاتها بتصرف “اسرائيل” خلافا لما قامت به

          المعلومات المتوفرة والمتداولة لا تفي لعرض تقييم حجم الضرر الناجم عن “تجسس اسرائيل على الولايات المتحدة” بشكل دقيق. في هذا الشأن، اوضح الصحافي سيمور هيرش في كتابه المذكور، خيار شمشون، نقلا عن مسؤول رفيع في الاستخبارات الاميركية قوله ان جهود الاولى “نجم عنها خسارات متعددة في الارواح وآليات جمع المعلومات الاستخبارية داخل حدود الاتحاد السوفياتي والتي تسبب بها جوناثان بولارد .. بغية الرغبة الاسرائيلية في اثبات قدرتها الاستراتيجية للحفاظ على ديمومة” كيانها

في الجانب العملياتي، اوضحت صحيفة واشنطن بوست ان طلبها للحصول على مخصصات الميزانية السنوية “السرية،” لوكالة الأمن القومي بناء على وثائق وفرها الموظف السابق ادوارد سنودن، جاء بنتيجة ان بند الميزانية المخصصة لمكافحة جهود تجسس الاعداء على الولايات المتحدة يضم “ايران وكوبا .. واسرائيل ايضا ..” ونقلت الصحيفة عن تقرير الميزانيات المالية لصالح الكونغرس لعام 2013 بالاشارة الى ان الولايات المتحدة “تستثمر في جهود تتبع الاهداف وعمليات مكافحة التجسس ضد اهداف حساسة، في بلدان مثل الصين وروسيا وايران واسرائيل وباكستان وكوبا

لماذا المفاجأة الآن

صاحب المقال المنشور في “نيوزويك،” جيف ستاين، اوضح مباشرة الغرض من المجاهرة في مقالته الثانية، بتاريخ 8 أيار الجاري، بالقول نقلا عن مسؤول رفيع في مكتب التحقيقات الفيدرالي شارك في التحقيقات المتعددة “ليس بوسع اي  امرءٍ  احراج اسرائيل .. ارباكهم يعد ضربا من المستحيل. قمنا بالقبض عليهم متلبسين (بجرم التجسس)، لكنهم هزوا اكتافهم استهجانا بالقول “حسنا، وماذا بعد الآن؟”

          واضاف ستاين ان كل المسؤولين، من كلا الحزبين، يخشون سطوة “اللوبي الاسرائيلي.” ونقل عن مسؤول سابق في جهاز مكافحة التجسس قوله انه “ارتكب مخاطرة باثارة غضب اسرائيل لسبب بسيط وهو توفيره تقارير استخبارية دورية لمسؤولين اميركيين، ورجال اعمال وعلماء في طريقهم لاسرائيل للمشاركة في ندوات وجلسات عمل.” موضحا “كان يتعين علينا ممارسة اقصى درجات الحذر عندما نتوجه باخطار المسؤولين الاميركيين” لأمر جلل، “كنا نتلقى مكالمات غاضبة من اعضاء في الكونغرس نابعة من عدم موافقتهم على التحذيرات الأمنية الصادرة (من الاجهزة الأمنية) قبل التوجه لزيارة اسرائيل .. كان يحلق فوق رؤوسنا دوما هاجس اعتبار الحساسية السياسية المرهفة التي ينبغي اخذها بالحسبان” حينما يتعلق الأمر “باسرائيل

          وتابع ستاين ان ردود الافعال الاولى من “اللوبي الاسرائيلي” كانت توجيه اتهامات بالجملة للمسؤولين الاميركيين “بمعاداة السامية،” ولذا كان لزاما عليه، يقول متابعا، توضيح الأمر بمعزل عن التهم الواهية. واوضح انه بعد نشر الحلقة الاولى من تحقيق نيوزويك، 6 أيار، فان “نفرا صغيرا من ضباط سابقين في الاستخبارات المركزية ومكتب التحقيقات الفيدرالي والمؤسسة العسكرية (الذين التقاهم) ولديهم معرفة دقيقة بهذا الشأن اعربوا عن عميق بهجتهم لما نشرته” نيوزويك. واضاف “لا يوجد بينهم اي فرد يمكن تصنيفه بمعاداته للسامية. بل على العكس، المسألة لا تتعلق بمعادة السامية بالمرة. ان جذر المسألة يتعلق  بطبيعة الرد (الاميركي) الواهي الذي تقابل به اسرائيل ..” في كل مرة يتم التثبت من خرقها للقوانين الاميركية

الضابط السابق في وكالة الاستخبارات المركزية، فيليب غيرالدي، علق محذرا من سطوة “البعبع الاسرائيلي،” بالقول انه “بصرف النظر عن طبيعة الحزب الحاكم، ينبغي عدم النيل من اسرائيل ان كان المرء يرمي التقدم في مساره المهني .. معظم موظفي الوكالة قلقون من جهود اسرائيل التجسسية على الاراضي الاميركية وكذلك للتحركات الاسرائيلية المناهضة للمصالح الاميركية .. كلهم يمقتون الفعلة، بيد انهم يخشون البوح بمعلوماتهم خشية التداعيات السلبية على مسارهم المهني. لاسرائيل حظوة الامتياز وهكذا ستسير الامور على عواهنها. انه لضرب من الجنون، والكل يدرك انه جنون بحق

في جانب التكهنات، من المرجح ان توقيت المقال المشار اليه تم بايعاز من البيت الابيض مباشرة لسببين: الاول تزامنا مع زيارة مستشارة الأمن القومي، سوزان رايس، لتل ابيب بغية ممارسة مزيد من الضغوط التي فشلت في السابق لحث نتنياهو وفريقه السياسي ابداء بعض المرونة فيما يخص ملفات المفاوضات الثنائية مع السلطة الفلسطينية، والملف النووي الايراني، وقضايا اقليمية اخرى. الثاني، له بعد اجرائي بخلفية سياسية، تتعلق بمطالبة نتنياهو الحكومة الاميركية معاملة “الاسرائيليين” الزائرين بافضلية وتسهيل دخولهم للاراضي الاميركية دون الاضطرار للحصول على تأشيرة دخول مسبقا

          كما انه من غير المرجح ان يؤدي الافراج عن تلك المعلومات الموثقة والرسمية الى “تراجع جهود التجسس الاسرائيلية،” بل ستمضي قدما دون ادنى اعتبار كما اعتادت على ذلك لما ينوف عن عقود سبعة. ربما الرابح الوحيد من عملية تسليط الاضواء على جهود التجسس هو الشعب الاميركي الذي يكن عداء متأصلا لأي جهود تتعلق بالتجسس على بلاده، خاصة في اعقاب موجات الغضب العامة لتجسس وكالة الأمن القومي على خصوصياته، التي وثقها ادوارد سنودن

2014-05-16 التقرير الأسبوعي

 

: المقدمة

        .شهدت مراكز الابحاث الاميركية نشاطا مكثفا نسبيا في حجم وتنوع المواضيع المتناولة، في فترة  تسبق عطلة رسمية لعيد المحاربين في اميركا تمهيداً لبدء موسم العطلة الصيفية

        سيستعرض قسم التحليل الاوضاع الذاتية لقوى المعارضة السورية المسلحة في ضوء سلسلة هزائم تلقتها في مواطن قوتها المركزية، وتوجه داعميها لتنشيط الجبهة الجنوبية لسورية بعد استكمال الاستعدادات اللوجستية والتدريبات التي جرت على الاراضي الاردنية باشراف القوات الخاصة الاميركية وحلفائها الغربيين، وحرص “اسرائيل” على توفير سبل دعم متعددة لقوى المعارضة. كما سيمر التحليل على طبيعة الاسلحة التي دخلت الخدمة الميدانية بعد افصاح الولايات المتحدة عن نواياها بتوفير اسلحة متطورة مضادة للطيران والدروع لقوى المعارضة، ومنها الصاروخ المضاد للدبابات من طراز تاو

ملخصدراسات ونشاطات مراكزالابحاث

الدولة الاسلامية في العراق والشام

تناول معهد الدراسات الحربية في دراسة اولية اوضاع داعش، مشيرا الى تنامي قواها و”تنفيذها هجمات متطورة تقنيا وتسليحيا في دير الزور .. وكذلك في جهودها لانشاء مجالس حكم محلية بينما تمضي في حملتها المنظمة جيدا داخل الاراضي العراقية. واوضح انه بصدد اصدار دراسات اخرى معمقة تتناول جوانب مختلفة من الدولة، ومنها النشاطات غير العسكرية التي تقوم بها في سورية

المجموعات السلفية

        تناول معهد كارنيغي المجموعات السلفية الكويتية ونفوذها على الساحتين السورية واللبنانية، بالاشارة الى “الشبكات المالية العابرة للحدود لتمويل التيار السلفي العالمي .. مما عزز سيطرتها على النطاق الدولي.”  واضاف ان نشاط المجموعات السلفية في الكويت “اسهم مباشرة في احداث انقسامات واستقطابات في اوساط القوى السلفية المتواجدة في شمال لبنان .. كما ان حملات التمويل التي يشرفون عليها في الكويت دعمت جهودهم لرعاية عدد من المنجموعات السلفية المختلفة في سورية، مما اسهم في بلورة التعصب الطائفي وتشظي قوى المعارضة السورية

العراق

        لفت معهد المشروع الاميركي النظر الى تعزيز ايران “نطاق نفوذها في العراق عبر دعمها الميليشيات الشيعية.” واوضح ان تداعيات الامر قد يؤدي “اما الى ردود فعل عنيفة داخل الشريحة المنوي تمثيلها او الى خسارتها للنقاء الايديولوجي .. سيما وان القادة في ايران راغبون في رؤية طرف عراقي مطواع او حتى لعب دور الوكيل .. ويتضح ان شيعة العراق لا يبدون الانصياع بالاكرا

النظام الملكي السعودي

        تناول معهد واشنطن “التغييرات المفاجئة” التي طالت المؤسسة العسكرية في المملكة، والتعيينات الجديدة واقصاء عدد من رموز مراكز القوى التقليدية. واوضح المعهد انه بصرف النظر عما ستؤول اليه الاوضاع فان “الثابت في الأمر ان التعيينات الاخيرة ستترك تأثيرا هاما على قدرات وسياسات القوات الملكية المسلحة.” واضاف انه يلمس مؤشرات حسية تدل على “خفض المملكة السعودية مستويات دعمها للمقاتلين الجهاديين في سورية

تركيا

        الانتخابات الرئاسية المقبلة في تركيا كانت محور اهتمام معهد واشنطن، موضحا “النجاحات التي حققها حزب الحرية والعدالة في عدة نواحي .. منها مغازلة الكتلة الكردية القوية والتشديد على السياسات الاقتصادية لاردوغان .. مما يدل على اعتمادها في حملة الرئاسة الانتخابية” المقبلة

افغانستان

        اعرب مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية عن قلقه “لغياب الدور القيادي الاميركي في المرحلة الانتقالية” الافغانية، موضحا انه كان ينبغي على واشنطن ودول حلف الناتو “بلوغ مرحلة تحدد خطوات حقيقية للمرحلة الانتقالية .. تشمل الرؤية الاستراتيجية وكلفتها المادية والشروط المطلوب توفرها للاستمرار في تقديم المعونات” الدولية. واتهم المركز ادارة الرئيس اوباما بالفشل “لاخفاقها في بلورة خيارات ذات مصداقية .. والدور المنوط بالولايات المتحدة ان تلعبه في افغانستان” بعد اتمام انسحابها نهاية العام الجاري.

        معهد كارنيغي بدوره اوضح ان الاستقرار في افغانستان غير مستتب، موضحا في دراسته “التداعيات المحتملة التي ستنجم عن الانسحاب الاميركي .. والتعريح على المصالح والاولويات السياسية للاعبين الاقليميين .. وما سينجم عنها من تطور.” وحثت السلطات الافغانية المقبلة على تبني عقد “موتمر وطني جامع تحت اشراف الامم المتحدة للبحث في الادوار المحتمل قيامها بها

: التحليل

 

عودة الرهان الاميركي على تسخين الجبهة الجنوبية لسورية

       تردد على السنة بعض “قادة” المعارضة السورية قولهم “ليوقف الرئيس بشار الأسد عملية الانتخابات (الرئاسية)، وستتوقف الهجمات من الشمال الى الجنوب،” في اقوى اشارة الى ان قرار ادارة المعارك المتواصلة في حلب وكسب في الشمال الى بعض مناطق غوطة دمشق يرتبط مباشرة بقوى اقليمية ودولية، عززها لقاء لندن نهاية الاسبوع الجاري “لاصدقاء سورية” الذي “ادان عقد الانتخابات الرئاسية” خشية على ما يبدو لما ستفرزه عملية حرية اختيار المواطن العربي في سورية من نتائج “تزعج” الداعمين الدوليين والاقليميين لمسلحي المعارضة، خاصة بعد سلسلة هزائم تكبدوها على ايدي القوات المسلحة والقوى الشعبية في حمص، التي اعدوها لتصبح “عاصمة الثورة،” ولفظتهم بقوة واصرار اهلها الذين عادوا الى اطلال منازلهم المدمرة بتصميم على اعادة البناء

        تجدر الاشارة الى تراكم مستويات الغضب من قبل الداعمين والممولين الاقليميين والدوليين للمعارضة المسلحة بعد نجاح سلسلة المصالحات الوطنية وتسليم المسلحين اسلحتهم للدولة السورية، ليس في حمص وريف دمشق فحسب، بل في “بلدة جاسم” المطلة جنوبا على تلال مدينة درعا مما ادى الى خروج “حوالي 2000 عنصر مسلح يتبعون جبهة النصرة والجيش الحر .. وتسوية وضع كل من يسلم نفسه خلال 48 ساعة، الا اذا كان مطلوبا بجرم او جناية” للدولة السورية. الممولون الخليجيون سبق وان اصدروا تهديدات لمقاتلي المعارضة، نيسان الماضي، تتوعد بمعاقبة قادة المعارضة العسكريين بالقتل والاغتيال ان لجأوا الى عقد تسوية مع الجيش العربي السوري

        تردد منذ مطلع العام الجاري ان “وزارة الخارجية الاميركية ابلغت معارضين سوريين في باريس .. ان قرارا سعوديا – اميركيا مشتركا قد اتخذ بفتح الجبهة الجنوبية مجددا .. بتنسيق سعودي – اردني – اميركي .. بعد زيارة العاهل الاردني لواشنطن وقبيل توجه الرئيس اوباما الى الرياض،” في 22 آذار الماضي، وصفت بانها “المعركة الاخيرة للسعودية للسيطرة على دمشق

سبق الاعلان المذكور توفير “اسرائيل” تسهيلات لوجستية وقتالية من مرابضها ومحطاتها المقامة على جبل الشيخ لقوات المعارضة لا سيما بالتشويش الالكتروني على اتصالات وحدات الجيش السوري. ومنذئذ تتالت “التسهيلات العسكرية والميدانية الاسرائيلية” لاحتضان وتوجيه ودعم تسليحي ومعالجة المصابين من مسلحي المعارضة في مشافي فلسطين المحتلة برفقة حملة دعائية واسعة

طبيعة المخطط “الاسرائيلي” اوجزه الباحث في “معهد واشنطن،” معقل اللوبي ليهود اميركا، ايهود يعاري، بالقول “اعتقدت دوما ان مفتاح الحل للأزمة سيكون في القطاع الجنوبي (من سورية) ويبدو انه يميل بذلك الاتجاه. النظر الى طبيعة انتشار تشكيلات الجيش السوري وحلفائه مثل حزب الله (في المنطقة) يقودنا للقول ان جبهة قد انفتحت على مصراعيها في الجنوب.” الجبهة المقصودة تمتد على طول الحدود السورية مع الاردن وفلسطين المحتلة، ولعلها ابلغ أهمية من الجبهات الاخرى، بعد استنزاف مجاميع المسلحين الدوليين وهزيمتهم وتكبدهم خسائر بشرية كبيرة في غوطة دمشق والقصير وحمص وكسب وحلب

اهمية الجبهة الجنوبية لسورية نابعة ايضا من عدة اعتبارات، ابرزها انها طريق الامداد الرئيس الآمن لكافة سبل الدعم العسكرية والتمويلية والتسليحية وممر عبور للمقاتلين بالنسبة للمملكة السعودية ودول الخليج الاخرى المنخرطة في مؤامرة تدمير الدولة السورية. ثانيا، انها تشكل قاعدة لمعسكرات تدريب تشرف عليها القوات الخاصة الاميركية والبريطانية والفرنسية، انطلاقا من الاراضي الاردنية. ايضا، اهميتها لتباين السيطرة والنفوذ للحكومة الاردنية على الشريط الحدودي مقارنة مع الجبهة الشمالية المسيطرة عليها من تركيا “الحرية والعدالة” والتي تعتبرها منطقة امتداد لعمقها وسيطرتها الاستراتيجية على الاقليم. العامل الابرز هو الدور “الاسرائيلي” الطامح في عزل جبهة الجولان وابقائها تحت السيطرة التامة للكيان الصهيوني، عبر توسيع نطاق شريط حدودي آمن على غرار جنوب لبنان قبل تحريره في 25 ايار 2000

لبلوغ الهدف المعلن، كثفت القوى الداعمة من جهودها بغية شن قوى المعارضة المسلحة هجمات متعددة مصدرها هضبة الجولان وتدمير مرابض الجيش السوري، وانشاء شريط عبور آمن يمتد من اراضي الهضبة المحتلة الى منطقة مدينة القنيطرة المحررة وطرق مواصلاتها التي لا تزال في قبضة الجيش السوري. الهجوم المدعوم “اسرائيليا” استهدف اللوائين المدرعين 61 و 91 التابعين للفرقة العاشرة السورية، المرابضين على هضبة الجولان، اذ لا تنسى “اسرائيل” الهزيمة الماحقة التي تعرضت لها فرقتها 90 المدرعة في 10 حزيران 1982 على ايدي اللواء السوري 91 المدرع في معركة السلطان يعقوب الشهيرة التي دامت ساعات ستة تكبدت “اسرائيل” خسارة 8 دبابات وحوالي 30 قتيلا “وفشلت في تدمير دباباتها المعطلة في ارض المعركة، من طراز ام-48 ايه 3،” والتي لا تزال تعرض احداها في متحف بانوراما حرب تشرين في دمشق. اللافت ايضا ان “اسرائيل” فقدت 3 جنود لم يعرف مصيرهم لليوم، احدهم “اسرائيلي-اميركي،” زخاري بوميل، ويهودا كاتس وتسفي فيلدمان، والذين اسرتهم القوات السورية وطافت بهم في شوارع دمشق محمولين على ظهر دباباتهم التي تم الاستيلاء عليها. لعل هذا ما يفسر شراسة الاشراف والدعم “الاسرائيلي” للهجوم على القوات السورية المذكورة، في تل الجابية والتل الاحمر، التي تراجعت قدرتها القتالية بشكل ملحوظ حسبما افادت الانباء الصحافية؛ بينما حافظت الفرقة السورية الثالثة على تماسكها وسيطرتها على الجزء الشمالي من مدينة درعا، ويسيطر المسلحون على مناطق اخرى من المدينة

البعد الاردني في معركة درعا

القوى الغربية المشرفة والمسيرة للقتال لاجل تدمير الدولة السورية، الغرب بقيادة الولايات المتحدة وادواتها الاقليمية من المملكتين السعودية والاردنية وتركيا وقطر، رعت منذ زمن فلول المنشقين عن الجيش السوري وفتحت لهم معسكرات تأهيل وتدريب في الاراضي الاردنية بادارة واشراف القوات الخاصة الاميركية والبريطانية والفرنسية. واتساقا مع خصخصة الحكومة الاميركية لبعض مهام التدخل العسكري، تم رصد عدد من قوات المرتزقة الاميركية المنخرطة تحت لواء “شركة بلاكووتر – او “اكاديمي” التعريف الذي اختارته بعد انفضاح دورها في العراق والامارات المتحدة امعانا في تضليل حقيقة دورها – في مراكز ومعسكرات التدريب الاردنية

برامج التدريب “استثنت” للحظة الصواريخ المضادة للطيران المتطورة، من طراز ستينغر، وشملت اسلحة رشاشة روسية: كلاشنيكوف بطبعتيه ايه كي 47 والاحدث 74، وقذائف صاروخية آر بي جيه، والرشاشات الروسية المضادة للدروع من عيار 14.5 ملم، وكذلك قذائف مضادة للطيران من عيار 23 ملم. اختيار الاسلحة روسية الصنع تم نظرا لتوفرها بوفرة في مخازن الجيش الليبي بعد اغتيال الزعيم معمر القذافي واحتلال ليبيا، وكذلك طمعا في الاستيلاء على بعضها من مخازن الجيش السوري، اضافة لتلك التي تسيطر عليها وكالة الاستخبارات المركزية وقامت بالاشراف على شحنها من ليبيا الى سورية مرورا بالاراضي التركية والاردنية سويا. تمتد فترة التدريب نحو اسبوعين من الزمن لعناصر لا يتعدى تعدادها 40 فردا لكل دورة

من المرجح ان القوى الداعمة للعناصر المسلحة اقدمت على تزويدها ببعض القذائف الصاروخية المحمولة روسية الصنع، من طراز ستريلا-2 او سام-7، والتي تمثل الجيل الاول من الصواريخ الروسية المحمولة المضادة للطائرات اذ دخلت الخدمة الميدانية عام 1968؛ واستخدمت بكثافة من قبل الجيش السوري في لبنان ضد الاجتياحات “الاسرائيلية” المتعددة، ويعتقد ان وكالة الاستخبارات المركزية سيطرت على مخزون كبير منها من الترسانة الليبية. بينما احجمت تلك القوى الداعمة عن توفير اسلحة متطورة اميركية الصنع يطالب بها المسلحون السوريون للشروط الاميركية المقيدة على تسليمها لطرف ثالث

كثفت وكالة الاستخبارات المركزية جهودها لعقود عدة للاحتفاظ بترسانة اسلحة سوفياتية وروسية الصنع بغية توفيرها للقوى المضادة للثورة والمؤيدة للمشاريع الاميركية في بلادها. الأمر الذي وفر لها “ذريعة” لنفي دورها في الصراعات الدموية التي اشرفت عليها، لا سيما في تسليحها للقوى الافغانية ضد الاتحاد السوفياتي في عقد السبعينيات من القرن الماضي؛ ودعم قوى الانفصال في جنوب السودان ومناطق اخرى من الوطن العربي واميركا الوسطى العالم

العدوان الغربي واحتلاله لليبيا وفر مخزونا هائلا من الاسلحة السوفياتية / الروسية للوكالة بشكل رئيس، فضلا عما سيطرت عليه من ترسانة بحوزة دول اوروبا الشرقية المنضوية في حلف وارسو سابقا. يمكننا القول ان الاستراتيجية الاميركية ارتكزت على تجنيد الآخرين لخوض حروبها باسلحة غير اميركية، بغية الحفاظ على عدم وقوعها بايدي قوى قد تنقلب عليها كما واجهته في القوى الافغانية بعد خروج الاتحاد السوفياتي من افغانستان

وربما فرضت التطورات الميدانية على الولايات المتحدة اعادة النظر في عدة ساحات بتلك الاستراتيجية يدل عليها مشاهدة موثقة لصواريخ اميركية مضادة للدروع، من طراز تاو-71، في ايدي قوى المعارضة المسلحة السورية. معروف ان القوات “السعودية” اشترت عددا كبيرا من تلك الصواريخ، بقاذفاتها ورؤوسها المتفجرة، من الولايات المتحدة كجزء من مشترياتها التسليحية الدورية، ومن المرجح انها وفرتها لقوى المعارضة السورية – بمعرفة الولايات المتحدة، كما تشترط اتفاقية شراء الاسلحة. ايضا، قوات الاحتلال “الاسرائيلية” تمتلك عددا لا بأس به من تلك القواذف والرؤوس استخدمتها بكثافة خلال عدوانها على لبنان عام 1982 في معركة استهدفت 11 مدرعة سورية دمرتها يوم 11 تموز 1982؛ كما رصد استخدام السلاح المذكور في العدوان الاميركي والغربي على العراق عام 2003

افادت المصادر الاميركية ان قواذف وصواريخ تاو سالفة الذكر شوهد استخدامها من قبل “حركة حزم” المرتبطة بالجيش الحر في سورية تحت إمرة الضابط المنشق سليم ادريس، والمشكلة من الناجين من “كتائب الفاروق” المنحلة. وتجهد المصادر الاعلامية الاميركية الى التمييز بين تلك المجموعة “المعتدلة” والقوى الاخرى “المتشددة” للدلالة على التزام الادارة الاميركية بتوفير الدعم للقوى المعتدلة حصرا. واوضحت التقارير الميدانية والاعلامية المتابعة للمعارك في الجزء الجنوبي من سورية ان تلك الاسلحة استخدمت بكثافة ضد المدرعات السورية وحققت اصابات مباشرة افقدتها بعض الاتزان وحرية الحركة لشن هجمات مضادة

واوضحت شبكة “فوكس نيوز” ان تلك الاسلحة سلمت “لحركة حزم” منذ شهر آذار الماضي بعد اضافة اجهزة تتبع ومراقبة متطورة تعمل باستشعار بصمة الاصابع للتعرف على هوية المستخدم قبل توجيه القذيفة. ومن المرجح ان تدخل تلك التقنية في قواذف وصواريخ ستينغر للتحقق من هوية مستخدميها والتيقن من عدم وقوعها في ايدي قوى غير مرغوب بها

الثابت في هذا الصدد ان القرار الاستراتيجي الاميركي اتخذ سلفا لتصعيد الموقف الميداني واستنزاف الجيش السوري عبر اسلحة اميركية متطورة، وتراجع المراهنة على عقد جولة جديدة لمؤتمر جنيف بغية التوصل لحل سياسي

 يشار ايضا الى ان الاستراتيجية الاميركية “المعدلة” التزمت تحشيد قوى المعارضة المدربة حديثا ضمن تشكيلات كبيرة من كتائب وألوية وادخالها الاراضي السورية خروجا عن الطور التقليدي بادخال مجموعات صغيرة مقاتلة. الأمر الذي يؤشر على بلورة اهداف اكبر للمعارضة، التي يعتقد ان قوتها تبلغ نحو 20،000 عنصر، وتمكينها من الاشتباك طويلا مع وحدات الجيش السوري

وقد رصد اشتباك تشكيلات كبيرة من هذه القوى مؤخرا في مواجهات على الجبهة الجنوبية لسورية، بانخراط لوجستي وتسليحي “اسرائيلي” مباشر، اسهم في اعاقة سيطرة اللوائين السوريين المدرعين، 61 و 91 على هضبة الجولان، بيد ان القوى المعارضة، على الرغم من تراكم الدعم الدولي والاقليمي وتعدده، لا تملك القوى البشرية الكافية المطلوبة لازاحة سيطرة الجيش السوري عن مدينة القنيطرة ومحيطها

موضوعيا، تعدد مهام المواجهة والتصدي المفروضة على الدولة السورية ادت الى نشر قواتها المسلحة على رقعة جغرافية اوسع، فضلا عن الخسائر البشرية في قواتها، مما ضاعف من بلورة مهام ومستويات مواجهة دفعتها لانخراط قوات الدفاع المدني لمديات اعلى مما ترغب به، وهي الادنى تدريبا وتسليحا من القوات النظامية، وبالتالي تنامي اعتمادها على الفرقة المدرعة التاسعة، لحماية المداخل الجنوبية للعاصمة دمشق، والمرابطة في الكسوة وقطنة وكناكر

العامل “الاسرائيلي”

الاسلحة “الاسرائيلية غير الفتاكة” المتطورة تصل “سرا” وبالعلن الى ايدي القوى المعارضة بشقيها “السياسي والعسكري،” ليس ادل على ذلك من تصريحات متتالية “لقادة” المعارضة للتبرع بالتخلي عن كامل هضبة الجولان للكيان الصهيوني مقابل مساعدته لهم تسلم السلطة في دمشق – بسذاجة متناهية – لم يدركوا بعد فشل مراهناتهم ومموليهم وداعميهم النيل من الدولة السورية رغم اثخان الوطن بجراح وتشريد وانقسام ودمار، وهو كل ما استطاعوا “انجازه

تبعد القنيطرة نحو كيلو متر واحد من “خط وقف اطلاق النار” الذي تم التوصل اليه بعد حرب تشرين 1973. نظرا لهذه الأهمية الاستثنائية ومرابطة القوات المسلحة السورية فيها وحولها فان اي جهد لابعاد شبح السيطرة السورية المركزية تبقى على رأس سلم اولويات حلم الكيان الصهيوني لتحييد الجيش السوري واستبداله بعناصر طيعة لا تطمح سوى لتحقيق مكاسب ذاتية مقابل تسليم الوطن لاعدائه

“اسرائيل” لم تكن غائبة يوما عن تصعيد الصراع المسلح في سورية، بصرف النظر عن التصريحات المعلنة بغير ذلك وتلميح الادارة الاميركية بخطورة دخولها المباشر على الخط. وينبغي استحضار تصريح ادلى به “ايهود يعاري،” سالف الذكر، بالقول “لن يكون خطأً الافتراض بوجود بعض الاتصالات بين الجيش الاسرائيلي وبعض المجموعات” الارهابية. يشار ايضا الى غياب اي تعليق ينفي ما جاء بهذا التصريح، سواء من تلك القوى المدعومة اقليميا ودوليا، او من مراكز القوى الفاعلة الساعية الى تفتيت كيان الدولة السورية

بل لم يشأ يعاري ان يعرض تصريحه للتأويل، وقال موضحا “تسعى تلك القوى للمحافَظة على عدم اثارة واستفزاز الاسرائيليين على الطرف المقابل من الحدود – كجزء من تطمينات اخرى – مع العلم ان اشتباكها مع الجيش السوري يتم على بعد بضعة أمتار فقط من الخط الفاصل” في الجولان المتفق عليه عام 1974. ويعتقد المراقبون العسكريين ان الجيش السوري النظامي يعاني من نقص في عدد القوات النظامية المطلوبة للحفاظ على مواقعه في الجزء الجنوبي للجولان الذي بات يشكل “الخاصرة الرخوة للنظام.” كما ان الاخير، كما يقال، غير راض عن جهوده لحشد مزيد من القوات المجندة حديثا لصد الهجوم الذي وعد به قادة المعارضة المسلحة، الذين يدركون جيدا ان ظهرهم الميداني مسنود بقوة من “اسرائيل

وتشير التقارير الاعلامية من المنطقة الى “تسهيلات عدة يقدمها الجيش الاسرائيلي لهجمات المعارضة على مواقع ومرابض وتحصينات الجيش السوري في منطقة القنيطرة.” وليس ادل على ذلك الوضع من اعلان “اسرائيل .. منطقة الحدود المشتركة على الجولان منطقة عسكرية مغلقة ..” والتي شهدت نشاطا استخباريا وأمنيا مكثفا بالتوازي مع الاعلان المذكور

كما تفيد احدث التقارير الاعلامية الى تلقي نحو 1600 مقاتل من المعارضة السورية علاجا طبيا في مشافي فلسطين المحتلة، ورصد تقديم “اسرائيل” بعض “المساعدات الانسانية” لقوات المعارضة المتواجدة في قرى المنطقة الحدودية

يشار ان صحيفة “الوطن” الاماراتية افادت مؤخرا قيام “عملاء اسرائيليين بتوزيع معونات مالية كبيرة على فصائل المعارضة السورية،” استنادا الى معلومات زودها مصدر من داخل احد فصائل المعارضة في جنوبي سورية مؤكدا بدوره تسلم ثلاثة فصائل معارضة على الاقل مبالغ كبيرة بلغت عدة مئات الالاف من الدولارات قدمها عملاء اسرائيليون بحثا عن معلومات لتحديد هوية كافة المقاتلين الاسلاميين الذين انشأوا قواعد انطلاق خاصة بهم بالقرب من الحدود السورية مع فلسطين المحتلة

المرء ليس بحاجة الى دلائل مادية لتورط “اسرائيل” وانخراطها في تأجيج الصراع المسلح داخل سورية، سيما وانها تقر بأن دورها يقتصر على توفير “مساعدات انسانية.” بيد ان المراقبين يؤكدون وجود تعاون وطيد بين “اسرائيل” والاردن خاصة في مجالي الاستخبارات والمساعدات التقنية التي توفرها الاولى للاردن

ماذا يخبيء المستقبل لسورية

        لم يفاجأ احد بالتفاتة الولايات المتحدة الى الحل العسكري في سورية مرة اخرى والذي جاء في اعقاب سلسلة اخفاقات سياسية وعسكرية تكبدتها في الاقليم، وهزائم حلفائها ميدانيا هناك مما سيترجم سلبا في معادلتها السياسية؛ والتحولات الاقليمية بعد تراجع بيَّن لتركيا وقطر والمملكة السعودية، والدولية التي قامت واشنطن باشعال فتيل انفجارها في اوكرانيا وعدم تمكنها من السيطرة على تداعياتها وبلوغ مراميها لمحاصرة روسيا في حديقتها الخلفية كما ارادت. بل هي لم تتخلّ يوما عن خيار التصعيد العسكري في سورية الا للانتقال من معركة الى اخرى بذرائع متجددة

        الغائب الوحيد ربما في لهجة الخطاب الرسمي الاميركي هو القفز عن المطالبة السابقة بتنحي الرئيس الاسد، بعد اتضاح عُقم المطلب، وحماية لما تبقى لها من مصالح اقليمية بحاجة الى بعض الاهتمام المباشر كي لا تضطر لحرف بوصلتها المتجهة شرقا نحو آسيا لمحاصرة روسيا والصين في المياه الاقليمية هناك

        ولجأت مرة اخرى في تحشيد دعم الدول التقليدية، اوروبيا وعربيا واقليميا، ولم يتجاوز عددها 11 دولة صنفت نفسها من “اصدقاء سورية،” هوى العدد من 70 دولة عند التئامها في اسطنبول بتاريخ الاول من نيسان 2012. ولم يتمخض عن هذا الحشد سوى بيان مقتضب بنقطتين “لادانة قرار الحكومة السورية المضي بعقد الانتخابات الرئاسية” في موعدها المقرر؛ مقارنة بما كان يصدر عنها سابقا من تهديد ووعيد بأن الرئيس الاسد “لن يكون له موقع في صيغة الحل” المقبلة

وسعت لحفظ ماء وجهها ووجه قوى المعارضة السورية باستضافة رئاسة الائتلاف الوطني في واشنطن ومنحه مساحة اعلامية واسعة تخللتها ترتيب لقاءات متعددة مع مسؤولين في الحكومة الاميركية ومجلس الأمن القومي وعدد من قادة الكونغرس من الحزبين وبعض مراكز الابحاث، واطلاق العنان لتصريحات اعلامية بأنها ستضاعف من دعمها “غير الفتاك” لقوى المعارضة

        الترجمة الحقيقية للتصريحات الرسمية الاميركية جاءت  على لسان “قائد المجلس العسكري الاعلى المعَيّن عبد الاله البشير النعيمي،” اذ زعم ان الولايات المتحدة اوفت بوعودها في مضاعفة توريد اسلحة متطورة لبعض اركان الجيش الحر، مشيرا الى توفر صواريخ مضادة للطائرات من طراز “تاو” للتشكيلات التابعة لإمرته. زعم البشير (كما يشار اليه) ان “الهدف الرئيس لزيارة واشنطن يتمحور حول الحصول على اسلحة مضادة للطيران .. ويحدونا الأمل ان تستجيب الولايات المتحدة لطلب مساعدتنا وتحييد سلاح الجو” السوري

        وتصدر وزير الخارجية الاميركي جون كيري التصريحات الاعلامية لتوزيع اللوم على “المجتمع الدولي والذي اهدر سنة كاملة” وفشل في اتخاذ تدابير من شأنها الاطاحة بالرئيس الأسد. وقال كيري موجها كلامه لرئيس الائتلاف الزائر، احمد الجربا، في مؤتمر صحفي مشترك في وزارة الخارجية، ان دولا متعددة فشلت في تنسيق جهودها بفعالية لزمن طويل؛ مؤكدا ان غياب التنسيق بينها افضى الى تراجع الزخم الدافع باتجاه تنحية الرئيس الاسد “ومكافحة تنامي تهديد الارهاب في سورية

        استطاع الجربا لقاء مستشارة الأمن القومي، سوزان رايس، اذ وصف اللقاء بلغة ديبلوماسية معهودة بأنه كان “بناءا ومفيدا،” اي بعبارة اخرى لم ينطوي عليه مضمون جدي

        نقل عدد من الاوساط الاعلامية مدى الاحباط الذي ينتاب وزير الخارجية كيري نتيجة اخفاقات السياسة الاميركية في سورية، وتحول موقفه الى التأييد الثابت والهاديء لتوريد اسلحة فتاكة لقوى المعارضة السورية، خاصة بعد انهيار مفاوضات جنيف 2؛ وتدخل البيت الابيض مباشرة لاحباط ذلك المسعى بدعم وتأييد المؤسسة العسكرية

        بيان “اصدقاء سورية” سالف الذكر، الصادر من لندن، ينطوي على جملة من الدلالات تحدد معالم المرحلة المقبلة من المستقبل المنظور. امام عزم سورية التمسك باستحقاقات الدستور المحلي والمضي بعقد الانتخابات الرئاسية في موعدها، ستقابله الولايات المتحدة بالعزوف عن الحل السياسي من ناحية، وتصعيد حدة المعارك واستخدام الاسلحة “الجديدة” التي سلمتها لقوى المعارضة للتأثير على سلاسة العملية الانتخابية، من ناحية اخرى. اذ لا تملك واشنطن وحلفاءها الاقليميين والدوليين اي خيار متماسك من شأنه ان يشكل ارضية للبناء عليه لعقد جولة متقدمة من الحوار على غرار مؤتمر جنيف-2، وليس امامها سوى التعطيل والمزيد من الدمار واراقة الدماء، وهي تدرك جيدا ان هزيمة حلفائها في حمص تعد “خطوة تراجعية كبرى” في مخططاتها نحو سورية، وهزيمة للمخطط “السعودي” بعد اقصاء بندر بن سلطان عن ادارة المسلحين في سورية

        يضاف الى ذلك ما فرضته التطورات الميدانية لصالح الدولة السورية من تداعيات تجسدت في استقالة المبعوث الدولي الاخضر الابراهيمي بعد انتفاء الحاجة له ولدوره، بل لمهمته بأكملها، خاصة وان استقالته جاءت قبل انعقاد جلسة مغلقة لمجلس الأمن الدولي لمناقشة تقريره، وعدم تسمية المجلس خليفة له

        ايضا تسارع التطورات في اوكرانيا عزز من اتساع الهوة في الموقف بين روسيا والولايات المتحدة، مما يضعف احتمالات توصل الطرفين الى تفاهم مشترك “لانهاء” الصراع المسلح. وفي هذا الصدد، تبرز أهمية المراهنة على الدور “الاسرائيلي” في اشعال جبهة الجولان، وان جزئيا، لحرمان الدولة السورية ومواطنيها من الشعور بالأمن والاطمئنان، وتصدر حربة الاستراتيجية الاميركية باستنزاف سورية لفترة اطول، ان استطاعت بلوغ ذلك

2014-05-09 التقرير الأسبوعي

:المقدمة 

        .تعددت مواضيع اهتمامات مراكز الفكر والابحاث الاميركية، مع الاشارة الى ان اولوية الاحداث الاوكرانية لا تزال في صدارتها

        سيستعرض قسم التحليل الازمة الاوكرانية من جوانب عدة، احداها وضعها في سياق تجديد اجواء الحرب الباردة بين القطبين العالميين كما يرغب اقطاب التشدد والمحافظة في الجانب الاميركي. ويسلط الضوء على استراتيجية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وتفاعله بدراية وروية مع الاحداث والسعي لتفادي الاقدام على خطوات غير محسوبة مما اكسبه تنامي شعبيته في الداخل الروسي وتميزه عن تهور اطراف محددة في حلف الناتو وعدم الانجرار الى فخ التدخل العسكري الواسع المنصوب له، بل اضحى جليا انه قاب قوسين او ادنى “من الفوز المتدرج بالنقاط” على خصومه الدوليين

ملخص دراسات ونشاطات مراكزالابحاث

اوكرانيا

        تناول صندوق “جيرمان مارشال” تداعيات الازمة الاوكرانية على تركيا، معربا عن اعتقاده انها “مقبلة على حالة جدل حادة لتحديد موقعها الاستراتيجي ودورها في الترتيبات الأمنية العابرة للمحيط.” واشار الى ان الاستراتيجية التركية المعهودة “اعرضت في الماضي عن مواجهة التحديات الجيوسياسية وفضلت النظر الى مركزية البلاد في الشؤون الاقليمية. واثبتت الاحداث الاوكرانية ان نافذة التوجه المذكور شارفت على الاغلاق سريعا

        ناشدت مؤسسة هاريتاج الادارة الاميركية “تعزيز العلاقات العسكرية المشتركة مع جمهورية جورجيا،” ملفتة نظرها الى خطورة اعتمادها على تعاون روسيا في عملية اجلاء القوات الاميركية من افغانستان، اذ ان “موسكو تجد نفسها غير ملزمة بتوفير طرق المرور السالكة” في اعقاب الازمة الاوكرانية، بينما “عرضت جورجيا استخدام اراضيها وبنيتها التحتية وقدراتها اللوجستية لمرور قوات حلف الناتو ومعداتها.. وشرعت في تحديث مطاراتها الرئيسة ومرافق موانئها .. وبناء خط للسكك الحديدية ينتهي العمل به العام الجاري ويربط اذربيجان بتركيا عبر الاراضي الجورجية

فلسطين المحتلة

        استعرض معهد المشروع الاميركي ردود افعال ايران على اداء منظومة القبة الحديدية معتبرا ان “ايران تدرك التحديات التقنية التي تمثلها المنظومة امام قدرتها على شن هجمات صاروخية .. وان قادتها العسكريين يغامرون بمثالب وعيوب القبة مما قد يتملكهم شعور خاطيء بالثقة وربما توفير الاغراء لشن ضربة اولى ارضاء لخيارات المتشددين الايرانيين

        اما مجلس السياسة الخارجية الاميركية فقد وضع نصب عينيه المفاوضات النووية الجارية معربا عن اعتقاده ان “ايران تناور لكسب مزيد من الوقت .. فتخفيف الضغوط الغربية يستدعي انخراط الغرب في مزيد من جولات المفاوضات.” واوضح ان “نواة المصلحة الايرانية في كسب الوقت هي تعزيز الوضع الاقتصادي .. وما تغير هو قناعة القادة الايرانيين ان افضل السبل لتحقيق ذلك هو عبر الكشف عن المعلومات بدل اخفائها

        حذر معهد المشروع الاميركي من “تنامي اليد الضاربة لسلاح البحرية الايرانية” نظرا لرسو عدد من السفن الايرانية في ميناء جيبوتي ” خاصة وان الرسو طال اراضي شريكا اساسيا للولايات المتحدة .. مما قد لا يثير شهوة التغطية الاعلامية لو عبرت السفن قناة السويس او جدلية الزعم بان ايران تنشر سفنها في مياه قريبة من الساحل الشرقي للولايات المتحدة.” وكرس المعهد خشية المسؤولين الاميركيين من تفسير الجانب الايراني ان رسو السفن في ميناء جيبوتي “يعد تحديا لهيبة الولايات المتحدة .. فضلا عن احداثه خرقا في عزلة ايران

افغانستان

        حذر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية من “تنامي موجة الفساد” في الحكومة الافغانية وارتفاع معدلات الرشوة “من 158 دولارا الى 214 دولار (للحادثة الواحدة)، بزيادة بلغت 29% .. اذ لوحظ ان قطاع التربية هو اشد القطاعات الحكومية تعرضا للفساد

الاخوان المسلمون

        زعم معهد كارنيغي ان “الولايات المتحدة لا تدعم تنظيم الاخوان بالضرورة .. بالرغم من توفر ارضية ثابتة لانتقاد وجهة السياسة الاميركية حيال مصر .. التي حافظت على اتزانها بالتعاون مع اي هيئة او شخصية تدير الشؤون المصرية.” واستدرك بالقول ان “حنق المصريين على السياسة الاميركية له ما يبرره .. بيد ان عيوبها لم تتضمن محاباة متأصلة لواشنطن نحو الاسلاميين او رغبتها لرؤية تسلم الاخوان المسلمين زمام الامور في مصر

:التحليل

 

اوكرانيا: اختبار لغلبة بوتين 

على محاولات الاستدراج والتطويق الاميركية

       يعد الديبلوماسي والمفكر الاستراتيجي الاميركي، جورج كينان، الاب الروحي لسياسة “الاحتواء،” التي انتهجتها الولايات المتحدة مع نهاية الحرب العالمية الثانية في مواجهة الاتحاد السوفياتي. واشتهر بالقول ان “.. الطبيعة الذاتية (للنظم) الديموقراطية تعيق قدرتها على بلورة استراتيجية واقعية ..” مطالبا باجراء مراجعة دائمة للاستراتيجية الكونية المعتمدة وتعزيز القدرات العسكرية باستمرار. كما طالب بجرأة في كتاب نشره عام 1993، The Cragged Hill،بتقسيم الولايات المتحدة الى “12 جمهورية صغرى لتيسير ادارتها

اتساقا مع النزعة الفكرية الاميركية المتأصلة في تحقيق ضالة التوسع والهيمنة المنشودة، انتقل مركز ثقل استراتيجيتها العالمية، بعد اعاقة تحقيق اهدافها في سورية، مباشرة الى الحديقة الخلفية لروسيا، اذ جرى تهيئة “الثورة البرتقالية” منذ افول الاتحاد السوفياتي لاطلاقها عند نضوج ظروف الصراع مع روسيا. ومشت الادارة حائرة بعد تصعيد لهجة خطابها السياسي والتهديد باجراءات المقاطعة الاقتصادية ضد روسيا التي لم تنكسر شوكتها وصعدت بالمقابل من اجراءاتها واستعدادها للمواجهة

       فوجئت الادارة الاميركية بحالة الانقسام الداخلي حول الوسيلة الانجع اتباعها في مواجهة روسيا، نظرا لتشبع الساسة  لثقافة المواجهة منذ ما ينوف عن نصف قرن من الزمن، جسدتها الخلافات الحزبية في الكونغرس بين الجمهوريين المطالبين بالمضي في فرض نظام عقوبات متشددة، ونظرائهم في الحزب الديموقراطي الذين تباينت اراءهم حول الأمر. السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام شدد على ضرورة “مقاطعة قطاع الطاقة الروسي، وقطاع المصارف المالية في روسيا، والعمل على الاطاحة بالاقتصاد الروسي .. كما العمل على توريد السلاح للشعب الاوكراني وتمكينه من الدفاع عن نفسه.” لا ينفك الثنائي المتشدد غراهام-ماكين عن حث الادارة الاميركية للانخراط مباشرة في الصراع الدائر في اوكرانيا. وهرعت صحيفة “وول ستريت جورنال” الى الاصطفاف لجانب طروحات الثنائي بالقول ان الاسلحة المقصودة لاوكرانيا هي “دفاعية لكنها فتاكة – تشمل الغام ضد الدروع والمدافع، وتوفير مزيد من العتاد الذي من شأنه رفع كلفة وخطورة التدخل” الروسي

        مستشار الأمن القومي الاسبق، زبغنيو بريجينسكي، اوضح في مقابلة مع شبكة (سي ان ان) للتلفزة ان الولايات المتحدة والدول الغربية الحليف خلقت ظروفا مؤاتية لضغط الرأي العام على قادتها “لتوفير معونات عاجلة لاوكرانيا، ربما ليس عبر تدخل عسكري مباشر، بل بمعدات تسليحية .. وانا اضيف بصراحة انه لا ينبغي علينا الاخفاق او التردد في تحقيق ذلك ..” مستدركا انه ينبغي تفادي اي تصرفات او ردود افعال “من شأنها الحط من مكانة الروس بل التقدم بعرض صفقة تتيح لاوكرانيا فرصة التحالف بحرية مع الاتحاد الاوروبي والابقاء على علاقة طبيعية مع روسيا في نفس الوقت .. اي وضع مثيل لما هو الحال عليه مع فنلندا.” (13 نيسان 2014)

رئيس لجنة العلاقات الخارجية عن الحزب الديموقراطي في مجلس الشيوخ، بوب مننديز، اوضح حجم الانقسام بين اعضاء لجنته على خلفية تقييم الموقف حول روسيا، بخلاف انسجام المواقف بين مننديز ونظيره الجمهوري بوب كوركر في اللجنة المذكورة عند مصادقتهما سوياً على قرار يجيز التدخل العسكري الاميركي في سورية، قبيل اندلاع الازمة الاوكرانية

يشار ايضا في هذا الصدد ان الرئيس الاميركي الاسبق، دوايت ايزنهاور، احجم عن تسليح “المعارضين في المجر،” ابان احداث عام 1956؛ كما احجم الرئيس ليندون جونسون عن تسليح المحتجين في “ربيع براغ” عام 1968 خشية الانجرار الى مواجهة اميركية مباشرة مع الاتحاد السوفياتي آنذاك

        وسارعت ادارة الرئيس اوباما الى حشد قواها للترويج لسياسة “الانخراط الاميركي” في الشؤون الدولية، مستبقة دعوات المطالبة بالانسحاب من الالتزامات الخارجية والالتفات لترميم الاوضاع الداخلية. في هذا السياق، برز وزير الدفاع الاميركي، تشاك هيغل، محاضرا مطلع الاسبوع الجاري امام حشد نخبوي “لمجلس شيكاغو للعلاقات الدولية” محذرا من خطورة دعوات الانكفاء التي “ستترك تداعيات قاسية من شأنها الحاق الضرر بالاميركيين انفسهم.” وسعى هيغل للتوفيق بين مهمة تعزيز القوة العسكرية الاميركية وهيبتها غير الكافية للجمع بين “الدفاع عن الأمن القومي الاميركي والنظام العالمي” في آن واحد

        تخفيض ميزانية الدفاع الاميركية رافقها تنامي مطالبتها لحلفائها في حلف الناتو بضرورة زيادة نسبة مساهماتهم في الميزانية العسكرية للحلف، بيد ان الاعضاء لديهم اولويات اخرى في ظل تردي اوضاع بلادهم الاقتصادية. يشار في هذا الصدد انه منذ عهد وزير الدفاع السابق، روبرت غيتس، درجت البنتاغون على “الترديد امام الحلفاء الاوروبيين عن ضيق ذرع اعضاء الكونغرس لاضطرارهم تعويض حصصهم الدفاعية في الحلف ضمانا للأمن الاوروبي.” واوضح عضو الكونغرس الجمهوري مايك تيرنر حجم الأزمة بأنه “يتعين على الاوروبيين الكف عن تحويل كلفة أمنهم الدفاعي الى الولايات المتحدة،” مستدركا ان متطلبات الأمن القومي الاميركي تستدعي توفير التدابير المطلوبة “لضمان ردع عدوان روسي

        مجلة “الايكونوميست” الرصينة عنونت غلاف عددها الاسبوع الجاري متسائلة “ماذا تنوي اميركا القتال لأجله؟” للدلالة على الاخفاقات المتتالية للاستراتيجية الاميركية في “شبه جزيرة القرم واوكرانيا وسورية،” كما اوضحت. واوجز المعلق السياسي المقرب من دوائر صنع القرار، فريد زكريا، مأزق الرئيس اوباما في مقال نشرته صحيفة واشنطن بوست، 9 ايار، قائلا مشكلة أوباما هو أنه يدلي بتصريحات هامة بشأن قضايا لا ينوي استخدام القوة الأمريكية فيها، وتعتبر سورية والربيع العربي الأمثلة الأوضح على ذلك. فقد أصبح الخطاب السياسي بديلاً عن العمل، وفي القضايا التي انخرطت فيها الولايات المتحدة – مثل أوكرانيا وآسيا – كانت تصريحاته صامتة بغرابة .. كان الرئيس يتحدث (أمام القادة الأوروبيين حول أوكرانيا) عن التدابير التي لن يتخذها بدلاً من تلك التي سينفذها بالفعل

        وما لبث الساسة الاميركيون ان تنفسوا الصعداء عقب اعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن نيته سحب القوات الروسية المرابطة بالقرب من الحدود مع اوكرانيا، واستمر الجدل الداخلي حول مغزى الخطوة ان كانت كافية “للتساوق مع مطلب الولايات المتحدة بنزع فتيل الازمة،” او”على الاقل اعطاء الدليل على ان روسيا تسعى لذلك،” كما جاهد معهد ستراتفور الاستخباري في سرديته لايجاد بارقة أمل للخروج من الازمة. وارفق اعلانه بمناشدة قادة “جمهورية دونيتسك الشعبية” تأجيل موعد استفتائهم لقياس دعم المواطنين للاستقلال عن الحكومة المركزية في كييف. رد قادة “الجمهورية” باعلان عزمهم المضي في اجراء الاستفتاء في موعده يوم الاحد 11 ايار الجاري “لخشيتهم من فقدان مصداقيتهم امام الجمهور ان استجابوا لطلب الرئيس بوتين

        مجلة “تايم” اعربت عن “ضيق ذرع الاستراتيجيين الغربيين لرزانة ودهاء الرئيس الروسي الواثق من نفسه .. والذين عكفوا على مراجعة شاملة لفرضياتهم السابقة حول الاستقراء والتنبؤ بالخطوات المستقبلية التي قد يقدم عليها .. والتي جاءت على نقيض استنتاجاتهم.” وبناء على ما تقدم، لا زالت مخاوف وهواجس عقلية الحرب الباردة مسيطرة على صناع القرار، سياسيين وعسكريين، وقد ينجم عنها التوصل الى تقديرات خاطئة وربما غير مسؤولة من شأنها ان تقود الى اتخاذ قرارات سياسية قاصرة

        لعل النظرة الادق والاكثر واقعية هي التوجه لرؤية القضايا الماثلة من منظار الطرف الذي يتحكم بزمام المبادرة، اي روسيا والرئيس بوتين

تباشير المستقبل في عيون بوتين

        الدور المركزي للرئيس فلاديمير بوتين في اعادة نبض الحياة الى روسيا وتعزيز هيبتها ليس محط جدل ونقاش، سيما في ظل الادراك الجمعي لدول وقادة العالم ان روسيا “تستعرض” عضلاتها العسكرية والاقتصادية لتحقيق مآربها في ظل ولاية الرئيس بوتين. بعض المكونات السابقة للاتحاد السوفياتي تنظر بقلق شديد لما يجري في اوكرانيا وامكانية تشظيها الى عدة مقاطعات متناثرة. ويكثر الحديث عن “نهضة الدب الروسي بعد سبات عميق” للدلالة على عمق القلق داخل اوساط بلدان اوروبا الشرقية آخذين بعين الاعتبار الفارق الزمني والجيوسياسي لما كان عليه الأمر ابان نفوذ الاتحاد السوفياتي السابق. فما تبقى لروسيا اليوم من نفوذ لا يقاس بسابقه الاتحاد السوفياتي، سيما لتقلص مساحة الجغرافيا وما ينجم عنها من تراجع في الموارد الصناعية، وبروز مؤسسات وهيكلة للدولة خالية من اجراءات الفساد السابقة، فضلا عن اقدمية العامل البشري. بالمقارنة، فان وضع حلف الناتو مميز بحجمه الاقتصادي والعسكري عند النظر الى الارقام والاحصائيات الجامدة. واستنادا الى القاعدة القائلة بأن القوة والهيبة العسكرية هي نتاج القوة الاقتصادية، فان حلف الناتو يتفوق على روسيا اليوم، خاصة عند الاخذ بعين الاعتبار ان عددا من دول حلف وارسو المنحل انتقلت الى عضوية حلف الناتو، بعداء واضح لروسيا

        يعتبر الخبراء العسكريين في الغرب ان روسيا لا تزال تسعى للحاق بالتقنية العسكرية الغربية، على الرغم من تنامي استثماراتها في هذا المجال، واقرارهم بأن روسيا حققت بعض التقدم على خصومها الغربيين في بعض الاسلحة كتقنية الطائرات المقاتلة والدفاعات الجوية وشؤون الفضاء، بيد انها لا تستطيع الضخ بمزيد من اموال الاستثمارات في مجالات اخرى. ويشير هؤلاء الى احدث مدرعة في سلاح البر الروسي، تي-90، وان الاقبال على شرائها بقي محدود مع تحويل الجيش الروسي اولوياته الى تطوير الجيل الجديد منها، تي-99، كعربة قتالية متعددة المهام من المقرر ان تدخل الخدمة الفعلية عام 2020

        تتفاقم جهود روسيا تحديث اسلحتها، وفق اولئك الخبراء، مع عدم قدرتها على التغلب على ارتفاع كلفة الانتاج وحال المصانع الحربية الراهنة. ويشيرون الى رغبة سلاح الجو الروسي بتحديث اسطوله من مقاتلات ميغ-29 الى النموذج الاكثر تطورا، ميغ-29 اس ام تي، والعقبات المالية التي واجهته لادخالها الخدمة ضمن الفترة الزمنية المنشودة. يشار ايضا الى ان تراكم عدد من التحديات اثناء فترة التصميم ومراقبة الجودة ادت الى تأجيل تسليم نحو 37 مقاتلة من طراز اس يو – 35 الى نحو سنتين اضافيتين، والتي لن تدخل ترسانة سلاح الجو الا عام 2016

        كما اضطرت روسيا الى النظر خارج اراضيها لاستيراد بعض الاسلحة المتطورة لجسر الهوة القائمة في تحديث تقنيتها، منها طائرات الدرونز من الكيان “الاسرائيلي،” وعربات مقاتلة خفيفة الحركة من طراز آيفكو الايطالية، وسفن ميسترال البرمائية من فرنسا. وقد تتضرر جداول تسليم تلك الاسلحة نتيجة الاحداث الاوكرانية والضغوط الاميركية على حلفائها الاوروبيين لمعاقبة روسيا

        يشار ايضا الى المتاعب الاضافية التي واجهت روسيا في عملية تحديث كافة مراحل الانتاج العسكري الناجمة عن خروج بعض المكونات السابقة للاتحاد السوفياتي عنها، والتي احتفظت بالبنى التحتية الحديثة للمصانع الانتاجية على اراضيها وحرمت روسيا من استغلالها، بينما احتفظت داخل اراضيها بالبنى القديمة لمصانع الانتاج. وشهدت تلك المرحلة بعد سقوط الاتحاد السوفياتي تقلصا كبيرا في ميزانية الدفاع الروسية، وبلغ احد ادنى مستوياتها في المشتريات العسكرية عام 1998 اذ لم تستطع شراء الا نحو ما معدله 10 مدرعات و 30 عربة ناقلة للجند في العام

        ذهب القسم الاكبر من طفرة الانفاقات العسكرية في السنوات الاخيرة الى القطاع البشري ضمن سعي روسيا الطموح لبناء جيش عصري محترف، مع بقاء ثغرة تحديث الاسلحة وعدم مواكبتها المتطلبات التسليحية. يذكر ان نسبة المجندين الذين يؤدون الخدمة العسكرية لمدة سنة واحدة تشكل نحو نصف تعداد الجيش الروسي برمته، الذي لم تجرب امكانياته وقدراته بشكل كامل منذ افول مرحلة الاتحاد السوفياتي، لا سيما القوات البرية

        تشارف الخدمة الالزامية للمجندين على نهايتها العام الجاري وعودتهم لنمط الحياة المدنية، مما قد يقلص نوعية القدرات القتالية لما تبقى من الجيش الروسي المرابط على الحدود المشتركة مع اوكرانيا. ويعتقد المسؤولون الغربيون ان هذ الوضع قد يضطر الرئيس بوتين الى القيام بأحد أمرين: شن هجوم على اوكرانيا في غضون الاسابيع القليلة المقبلة او الانتظار فترة اضافية لرفع القدرة القتالية للمجندين الروس، وادراكه للتحديات الاضافية التي يمثلها نقص المعدات وتدني الجهوزية القتالية لقواته

        ويضيف هؤلاء ان الرئيس الروسي يواجه ضعف اداء الاقتصاد الروسي، على الرغم من توفر موارد الطاقة وجاهزية الاوروبيين لشراء الغاز الروسي، يرافقه العقوبات الاقتصادية الغربية وتراجع قيمة الروبل وهروب الارصدة المالية من روسيا والتصنيفات المالية المتدنية للاقتصاد الروسي التي تفاقم قدرته على الاستقراض الخارجي لتمويل عجلة التحديث. ويخلص هؤلاء بالقول ان الرئيس بوتين يتطلع الى الاستيلاء على اوكرانيا باقل كلفة ممكنة

        نجح الرئيس بوتين، الى حد معتبر، في خلق حالة شلل سياسي لدى السلطات الاوكرانية في كييف، وعوضا عن التدخل المباشر لجأ الى شن حملة مضادة عبر المعارضة الشعبية في الشرق الاوكراني المناهض لسلطة كييف، والذي من شأنه تحقيق عدد من الاهداف، على رأسها “ابطاء حركة تحول اوكرانيا الى جانب حلف الناتو، وتوفير الغطاء السياسي الضامن لشل حرية حركة قادة حلف الناتو .. عبر الاتكاء على جهوزية عدد قليل من القوات الخاصة عالية التدريب عوضا عن القوات النظامية الروسية

        وبرزت نتائج الخطوة سريعا في تدني الكلفة الروسية وتوسيع هامش مناورتها السياسية والعسكرية ايضا وتوفير ارضية للمراجعة الشاملة استنادا على ما ستؤول اليه الاوضاع الميدانية. ومن شأن تلك الاستراتيجية اضعاف سيطرة السلطة المركزية في كييف واتاحة الفرصة لبروز سلطة مؤيدة لموسكو في الشطر الشرقي من اوكرانيا، وربما يؤدي الى انفصاله وتعميق الازمة لدى السلطة المركزية الموالية للغرب، فضلا عن اضعاف القدرة القتالية للقوات الاوكرانية المهددة بالانشقاق

        الاسلوب الراهن ينطوي ايضا على بعض المخاطر لروسيا لا سيما عند الاخذ بعين الاعتبار توتر العلاقات بينها وبين اوكرانيا في البعد التاريخي، مما قد يدفع سلطات كييف الى شن حرب وقائية ضد السكان الروس المقيمين على اراضيها بالاعتماد على القوات العسكرية تحت امرتها ودعم غربي متعدد الاوجه

        في هذا الصدد، اوضح معهد ستراتفور سالف الذكر للقادة الغربيين انه “من غير المرجح لجوء روسيا الى اجراء عملية عسكرية واسعة ابعد مما جرى في شبه جزيرة القرم؛” وبناء عليه يستبعد ايضا تدخل روسي مباشر لحماية الروس المقيمين في اوكرانيا. ومضى المعهد بتعزيز فرضيته ان السلطات الروسية اخذت علما بتجربة الاتحاد السوفياتي القاسية في افغانستان، وكذلك بالمأزق الاميركي في افغانستان والعراق ولن تقترف خطأ التدخل المباشر ضمن الظروف المرئية، وادراكها ايضا ان حلف الناتو يتوثب لاستدراجها لحرب تستنزف انجازاتها وقدراتها وتريح دول الحلف بنقل معركته الى الداخل الروسي

        في هذا السياق تجدر الاشارة الى دراسة اجراها مركز رازمكوف في مقره بكييف عام 2009، اوضح فيها ان المصانع الحربية في الشرق الاوكراني تنتج محركات طائرات تستخدمها روسيا لتشغيل ترسانتها من الطائرات المروحية العسكرية؛ اضافة لعدد من المعدات والمحركات التي تدخل في تشغيل روسيا لطائراتها المقاتلة وسفنها الحربية. وعلى سبيل المثال، فان شركة انطونوف للطيران ومقرها الرئيسي في كييف تصنع طائرات النقل الروسية من طراز ايه ان-70، والتي قد تصبح مصانعها عرضة لاعمال التخريب والانتقام من التوجهات السياسية للطرفين، وانخراط اوسع لحلف الناتو في اعمال المراقبة العسكرية على الشواطيء والحدود المشتركة لاوروبا مع روسيا، وما يتطلبه ذلك من زيادة دول الحلف انفاقاتها العسكرية لتحقيق توازن وتعادل في قوة الردع، واستدراج سباق تسلح بين الطرفين يضاعف مفاقمة الاوضاع الاقتصادية المتردية اصلا

        يذكر ان اسواق السلاح الفردي في الولايات المتحدة استوعبت اسلحة رشاشة روسية الصنع من طراز كلاشنيكوف ايه كي – 47، لعام 2013، اعلى من مشتريات الجيش الروسي وقوات الشرطة الروسية مجتمعين لذات السلاح. ومن الثابت ان الحكومة الاميركية ستلجأ لمقاطعة المنتجات الروسية لحرمانها من حصة السوق ومردودها المالي المعتبر

المستقبل بعيون حلف الناتو

        يراوح حلف الناتو في دائرة ردود الفعل في مسعاه للثبات على استراتيجية محددة للرد على التحركات الروسية، ولا تبدو عليه علامات الجهوزية للتضحية بالاستثمارات الاقتصادية والتقنية التي نسجتها مع روسيا لفترة طويلة استجابة للرغبة الاميركية بفرض اجراءات عقابية قاسية، اذ ان المصالح الاوروبية ستكون اول من يدفع الثمن، كما عبرت عنه الشركات الالمانية بامتعاض كبير، وهي التي تعي جيدا مدى اعتماد اقتصادياتها على توريدات الغاز الروسي لادامة دوران انتاجية المصانع. اما الولايات المتحدة فتعتمد بشكل رئيسي على التعاون مع روسيا وتقنيتها في شؤون الفضاء الخارجي لنقل الامدادات من والى محطة الفضاء العالمية. فضلا عن تعويل الولايات المتحدة على التعاون الروسي التام في توفير التسهيلات اللوجستية المطلوبة لانسحاب قواتها بسلام من افغانستان

        وعمدت الحكومة الاميركية على اظهار جانب التحدي لروسيا بارسالها اسراب من طائراتها المقاتلة، من طراز اف-15 و اف-16، للمرابطة في اجواء بولندا ودول البلطيق؛ ونشر قوات من مشاة البحرية والمظليين وطائرات النقل العملاقة، سي-130، في بولندا وقوات اقل عددا في رومانيا لطمأنة قيادات تلك الدول بجدية قراراتها؛ بدعم ومساهمة بريطانية وفرنسية ودانماركية، فضلا عن تحريك عدد من قطعها البحرية للمرابطة على شواطيء البحر الاسود. ويدرك الطرفين المتقابلين، حلف الناتو وروسيا، ان تلك القوات غير مؤهلة بحد ذاتها للدخول في مواجهة حقيقية، بل كعنصر يردع روسيا عن بسط نفوذها غرب حدودها الاقليمية

        نشرت الولايات المتحدة ايضا طائراتها من طراز الانذار المبكر المتطورة في عدد من دول اوروبا الشرقية لمراقبة حدودها، مما يوفر لها القدرة على تحريك سريع لقوات قتالية عند الحاجة؛ وابقت على موعد اجراء مناورات مشتركة بين قوات حلف الناتو والقوات الاوكرانية. الأهم ان الولايات المتحدة لم تتخلى او تتراجع عن استراتيجيتها بنشر نظام الدفاع الصاروخي على اراضي اوروبية بالقرب من الحدود الروسية، رغم رسائلها السابقة بالتطمين والعزوف عن ذلك؛ وفي ذات السياق قد تذهب ايضا لنشر منظومات مضادة للصواريخ الباليستية في اوروبا الشرقية ايضا

        الاستراتيجية الاميركية لمحاصرة روسيا استدعت “ترميم” علاقات دول حلف الناتو مع تركيا التي تمتلك اكبر جيش من حيث العدد بين دول الحلف، واستعادة وظيفتها ككيان ينغص الحياة على روسيا نيابة عن الولايات المتحدة يعززه استضافتها عدد من القواعد الاميركية العسكرية والجوية والبحرية كمنصة انطلاق ضد روسيا

        كما تستدعي الاستراتيجية الاميركية ابتعاد اعتماد اوروبا على مصادر الطاقة الروسية، والذي سيستغرق وقتا طويلا، في افضل التوقعات، والتأهب لتصدير موارد الطاقة المكتشفة حديثا في القارة الاميركية الى اوروبا، واستمرار تحكمها بمصادر وطرق تسويق الطاقة المدفونة في عمق الارض العربية

        الشق العسكري في الاستراتيجية الاميركية ما فتأ يطالب الحلفاء بزيادة حصصهم للانفاق على الشؤون الدفاعية تحت ذريعة “مكافحة ارهاب القاعدة ومشتقاتها،” والاستثمار في تحديث المعدات والاسلحة لتخفيف اعباء الدفاع عن الميزانية والقوات الاميركية واضطلاع الاوروبيين بمهمة حماية أمنهم. وسارعت بولندا الى استثمار الهواجس الاوروبية والاميركية من روسيا بتجديد طلبها لمرابطة قوة عسكرية من قوات الناتو قوامها كتيبتين قتاليتين على اراضيها بشكل دائم

        والتقطت الولايات المتحدة فرصة تفاقم العلاقات مع روسيا لاستئناف العمل بنشر نظم مضادة للصواريخ الباليستية في اوروبا، دشنتها بالاعلان عن نشر بطاريات صواريخ اعتراضية من طراز ايجيس في بولندا تستكمل عام 2018، وربما تضغط الاحداث الجارية بتسريع الانتشار الى موعد اقرب من المقرر، سيما وان رومانيا ستستقبل بطارية اعتراض صاروخية عام 2015؛ والهدف المعلن روسيا وايران

        تتميز بولندا بامتلاكها احد اكبر الجيوش العسكرية عددا بين دول الحلف الاوروبية، قوامها 900 عربة مدرعة وما ينوف عن 100 طائرة مقاتلة، معظمها سوفياتية الصنع، وتمضي لتحديث ترسانتها بمدرعات ليوبارد الالمانية؛ وخصصت جزءا اكبر من موازنتها السنوية للشؤون العسكرية، فضلا عن مشاركة قواتها ضمن القوات الاجنبية في افغانستان ومناطق اخرى كما تقتضيه المصلحة الاميركية، ومشاركة قواتها في المناورات العسكرية المشتركة مع اوكرانيا. ومن المتوقع ان تلعب بولندا حجر الزاوية في استراتيجية حلف الناتو الدفاعية في دول اوروبا الشرقية

الخلاصة

        ينبغي لفت الانتباه الى تميز الازمة الاوكرانية الراهنة عن اجواء الحرب الباردة، التي يتوق اليها اقطاب معتبرة من صناع القرار السياسي الاميركي. اولها ان حلف الناتو لا يواجه “امبراطورية سوفياتية” مترامية الاطراف، بل روسيا “تغادر مواطن الضعف السابقة” في مواجهة خصم اكبر عددا وعتادا يضم معظم حلفائها السابقين في حلف وارسو المنحل، ويتفوق عليها اقتصاديا وعسكريا. غاب عن الصورة النموذج السابق لخشية اوروبا من “حشد هائل من المدرعات السوفياتية تجتاح اواسط اوروبا.”  واوضح الباحث في مكتب الدراسات العسكرية الاجنبية، التابع للقوات البرية الاميركية، يعقوب كيب، ان القوة السوفياتية كانت “ساحقة لديها القدرة على مراكمة نسق عسكري فوق آخر. وهذا ما كنا نخشاه في حلف الناتو: اي قوات عسكرية كبيرة مدربة ترابط على حدود المانيا ذات قدرة على تنظيم وحشد مجتمع باكمله للانخراط في حرب ذات كثافة علية ضد اهداف صناعية

        واضاف كيب ان روسيا اليوم “تفتقد قدرة الحشد العالية .. مما يعني انه في زمن نشوب الازمات العسكرية سيجد الكرملين نفسه في مواجهة خيارات غير جذابة

        الثابت في المعادلة الراهنة ان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عازم على تحديث الآلة العسكرية الروسية كوسيلة لبسط النفوذ على المستوى العالمي. وينقل عن الخبراء الغربيون قولهم ان بوتين يغامر بالمراهنة على قوات عسكرية غير مجربة خاصة وان اي فشل تواجهه سيترجم كارثة سياسية رئيسة

         ليس سرا ان حلف الناتو يجهد في ادراك حجم مواطن الضعف الروسي واستغلالها لصالحه، سيما لتقلبات الاوضاع الاقتصادية رغم فائض مخزون موارد الطاقة. من جانبه يدفع الرئيس بوتين حلف الناتو الى قراءة مخطئة لنواياه وحصرها بمعادلات الحرب الباردة بين خصمين متقاربين في القوة

        اسلوب ادارة الرئيس بوتين الحاسم للازمة مع اوكرانيا عزز موقعه وشعبيته في الداخل الروسي، وكذلك في الاوساط العالمية التواقة للخروج من سيطرة احادية للولايات المتحدة على مقدرات العالم. ويدرك بدقة حقيقة مواطن القوة لحلف الناتو، فرادى ومجتمعين، ويسعى بدوره لتوسيع شقة التباينات داخل صفوفه بالتقرب من المانيا التي لا زالت غاضبة من جهود التجسس الاميركية عليها وعلى مسؤوليها، كما اوضح ادوارد سنودن، وتبديد زخم الاندفاع الاميركي ولجمه