التقرير الأسبوعي 30-05-2013

:المقدمة

        شهد الاسبوع الجاري تراجعا في حجم المواد والمواضيع المتناولة من قبل مراكز الدراسات نظرا لبدء فرصة العطل الصيفية، كما اسلفنا الاسبوع الماضي

        سيستعرض قسم التحليل خطاب الرئيس اوباما في الاكاديمية العسكرية العريقة في “ويست بوينت،” وهو الخطاب الذي اعتقدت الغالبية انه سيأتي على تحديد عناصر استراتيجية المرحلة المقبلة واتباع سياسات قد تبدو متباينة مع النهج الحالي، وذلك استنادا الى حجم الترويج الاعلامي الضخم لأهمية الخطاب

        احبط الخطاب كافة التوقعات والتحليلات، وكان بمثابة استغلال رمزية الاكاديمية للدفاع عن سياسات مضت اتسمت بحالة استقطاب شديدة وابتعاد تدريجي لداعمي الرئيس اوباما في الكونغرس عن الاصطفاف خلفه

ملخصدراسات ونشاطات مراكزالابحاث

خطاب اوباما في اعتبارات مراكز الابحاث

        اعرب معهد المشروع الاميركي عن امتعاضه من خطاب الرئيس اوباما في اكاديمية “ويست بوينت،” معتبرا انه “تلاعب بالمفردات، التي يتألق فيها السيد اوباما ..” متهما اياه “بعدم التطابق في الموقف وغير لائق للموقع، كما اثبت في سياسته حيال سورية وليبيا” واخفاقه “المريع في التصدي لنزعة الصين العدوانية .. وتردده في مواجهة التهديدات .. الروسية .. والايرانية.” وخلص بالقول ان نتيجة الخطاب لم تتجاوز “خلط رسائل مشوشة للادارة حول السياسة الخارجية

        مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ايضا ادلى بدلوه منتقدا خطاب الرئيس اوباما واعتباره “مثل غيره من خطابات الرئيس المتعددة، استبدل فن الخطابة بدل بلورة خطط ذات مصداقية .. ومضى يتلاعب بالحقائق ووصف ما يجري في افغانستان نوعا من التقدم الأمر الذي تدحضه الوقائع بكل بساطة .. اذ ان التقارير والاحصائيات الصادرة عن وزارة الدفاع (ومنظمات أممية اخرى) تعري ذلك بوضوح

سورية

        عاد معهد واشنطن للدعوة الى “استعراض” ما يتوفر من خيارات ينبغي على الادارة الاميركية اتباعها نحو سورية حاثا “واشنطن على النظر في القيام بعمل عسكري، بشكل احادي او ضمن تحالف من دول اخرى، لتحقيق عدد من الاهداف. اذ باستطاعتها العمل على التأثير في وجهة او نتيجة الحرب الأهلية .. وباستطاعتها العمل على بلورة وتقوية معارضة معتدلة .. وانشاء مناطق ملاذ آمنة تحميها منطقة حظر للطيران معززة بقوات مشاة

تطبيع العلاقات السعودية مع “اسرائيل”

        استضاف صندوق جيرمان مارشال للتنمية الاوروبية اول لقاء علني بين رئيس الاستخبارات السعودية الاسبق، تركي الفيصل، والرئيس السابق لجهاز الأمن العسكري الصهيوني، عاموس يدلين، يوم 26 ايار الجاري. بدت معالم الوفاق في المواقف بين الطرفين عند تناولهما سورية وخطورة تداعيات وارتدادات الحرب الدائرة، واعرب يدلين عن شكوكه في “دعم قوى المعارضة” كافضل حل ومناشدا “انتهاج مسار يؤدي الى تحييد مصدر القوة الداعمة للرئيس الاسد.” تركي الفيصل من جانبه طالب “المجتمع الدولي الحفاظ على الدولة السورية بعد انتهاء القتال” ومحذراً من “امكانية تكرار غلطة افغانستان.” اما في ملف المفاوضات بين السلطة الفلسطينية و”اسرائيل،” فقد ركز فيها الفيصل على صلاحية المبادرة السعودية لعام 2002 والافضل حلا لضمان تطبيع العلاقات مع الاسرائيليين.” الطرف المقابل رفضها مجددا جملة وتفصيلا “لصعوبة تقديم التنازلات (الاسرائيلية) المطلوبة” مفضلا مسار “الخطوة – خطوة

المغرب العربي

        تناول معهد كارنيغي تنامي التوترات السياسية في المغرب بين “الاسلاميين والعلمانيين” التي ادت الى اغتيال القيادي الطالب عبد الرحيم الحسناوي المقرب من “حزب العدالة والتنمية،” الذي يقود الحكومة، معربا عن اعتقاده ان تلك الصراعات “تقوي موقع الدولة ووتضعف القوى المؤيدة للديموقراطية.” واشار في دراسته حول المسألة الى ان جهود الطرفين “لتكوين جبهة موحدة من اجل فرض اصلاحات ديموقراطية” قد فشلت وادت الى سلسلة من المواجهات والصدامات بين الطرفين، شهد آخرها يوم 24 نيسان الماضي “هجوم ملثمين مسلحين بسيوف وسواطير، مما ادى الى مقتل الطالب عبد الرحيم الحسناو

        وانتقدت الدراسة السلطات المغربية “لتلكؤها في مواجهة العنف الجامعي .. ومنع السلطات الأمنية حفل تأبين للضحية في مكان وقوع الحادث .. وغالبا تقف السلطة مكتوفة الايدي وفي حالات اخرى يتم اصدار احكام مخففة” على الفاعلين. واضافت ” لا يخفي حزب الاصالة والمعاصرة – المقرب من القصر – مساندته للطلبة القاعديين” المناوئين للتيار الاسلامي

        وحذرت الدراسة من فشل مساعي الاطراف المتعددة والتي “ابدت استعدادها لنبذ العنف، اذ ما دام الانقسام مستمر على مستوى النخب، فمن الصعب حصول تقارب بين الفصائل الطلابية في المدى المنظور، الامر الذي يصب في مصلحة القوى المناهضة للاصلاح

افغانستان

        لفت معهد كارنيغي نظر صناع القرار الى ان كان “يتعين على روسيا بلورة استراتيجية خاصة بافغانستان على ضوء انسحاب القوات الاميركية.” معتبرا ان عدم استقرار الاوضاع هناك “يشكل خطرا غير مباشر على الأمن الروسي، خاصة في مجال الاتجار بالمخدرات ..” واوضح ان القوات الاميركية وحليفاتها القوات الدولية المرابطة هناك “اهملت متطلبات الحرب على المخدرات، خشية التداعيات السلبية واستعداء قطاع كبير من الشعب الافغاني

مستقبل الحرس الوطني في الاستراتيجية الاميركية

        خصص مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية جزءا من اهتماماته للبحث في “بلورة نظرة لدور سلاح الحرس الوطني” بالترافق مع انشغال الرئيس اوباما في “بلورة سياسة عسكرية متكاملة ..” واوضح المركز ان قيادة الحرس الوطني التابع لقوات المشاة طلب من “هيئة الاستخبارات الأمنية الكندية اجراء تقييم مستقل يستعرض التحديات الاستراتيجية التي تواجهه فضلا عن الدور المتجدد والعمليات المنوطة به.” وحث صناع القرار الاخذ بالدراسة على محمل الجد سيما وانها “تستعرض المسؤوليات المستقبلية المطلوبة من سلاح الحرس الوطني

التحليل

مهارة اوباما الخطابية

الانجاز الوحيد في السياسة الخارجية

        حضر الرئيس اوباما للتفيؤ تحت قباب الاكاديمية العسكرية العريقة في مدينة “ويست بوينت،” بولاية نيويورك على ضفاف نهر هدسون، والقاء كلمة بالخريجين الجدد اتساقا مع ارث ارسته الكلية باستضافة رئيس الولايات المتحدة في هذه المناسبة، وهي المرة الرابعة عشر منذ تأسيسها في آذار عام 1802

      منذئذ، حظي خطاب الرئيس بأهمية بالغة واعتبار مضمونه رسالة سياسية واستراتيجية تسير السياسة المقبلة على هديها. فضلا عن ذلك، روجت ادارة الرئيس اوباما والوسائل الاعلامية والتعبوية المختلفة للخطاب المرتقب عله يضع حدا لتدني حالة الاحباط الشعبية من سلسلة اخفاقات سياسية، داخلية وخارجية، وتنامي موجة الاتهامات للرئيس بالضعف وعدم القدرة على الحسم

        وُضع الجميع في وضع ترقب لخطاب يحدد معالم السياسة الخارجية وآفاق انطلاقها، بيد ان الناتج لم يخرج عن سياق رئيس مضطرب في حال دفاع عن سياسته الراهنة، والتي حصدت انتقادات من كافة اطياف التيارات السياسية. واجمل اوباما دفاعه عن تخبط سياسته الخارجية بالقول “من يعتقد أن (اميركا) تهبط أو أن القيادة العالمية تنزلق من يدها، فاما أنه لم يقرأ التاريخ جيدًا أو أنه منخرط في دهاليز السياسة الحزبية

لعل من أهم قضايا السياسة الخارجية بامتياز ما غاب عن ذكره الخطيب، الا وهي مسألة “الصراع العربي-الاسرائيلي،” والتزامه بالقوافي المعهودة. سورية تصدرت قائمة التوقعات، وخصص لها الرئيس اوباما حيزا لم يشفِ غليل خصومه ومؤيديه على السواء، مؤكدا انه سيعزز مستويات تعاونه وتنسيقه مع اعضاء الكونغرس فيما يخص صرف مقومات الدعم لقوى المعارضة السورية المسلحة، او بعضها – الأمر الذي لم ينطلِ على العاملين بالشأن السياسي نظرا لأن هذا بالضبط ما تقوم به الادارة بكافة اركانها راهنا. ولم يوضح الرئيس اوباما دوافعه لطلب ود الكونغرس بعد طول رفض واصرار لابقائه خارج دائرة الاستشارة لبلورة وتطبيق السياسات الخارجية

استقبلت “ويست بوينت” ضيفها الرئيس ببرود ملحوظ اذ لم يصطف وقوفا للترحيب به سوى نفر لا يتعدى 25% من مجموع الخريجين، فضلا عن فتور حماسة التصفيق. يدرك هؤلاء بدقة الاوضاع الداخلية المتردية في عموم القوات المسلحة، واضطرار عدد لا باس به من الضباط ذوي الخبرة المهنية المكتسبة الى السعي عن مصدر رزق خارج المؤسسة، فضلا عن القلق المضطرد من عدم وفاء المؤسسة العسكرية توفير العلاج والرعاية الطبية المطلوبة عند تعرضهم لحادث ما، كما تبينه التقارير الاعلامية مؤخرا مسلطة الضوء على امتهان كرامة الفرد واحالته للتسول

سياسة خارجية: هل يمكن الدفاع عنها

اعتادت الولايات المتحدة، بسياسييها وادواتها النافذة، التغني بمزايا امجادها والانجازات التي حققتها منذ نحو 75 عاما نظرا لنهج سياسي يدعو للانخراط بقوة على الصعيد العالمي، من ابرز ممثليه الرؤساء فرانكلين روزفلت وهاري ترومان وجون كنيدي. هذا ما تتبناه التيارات المتشددة واليمينية وتحالف المجمع الصناعي – الحربي – المصرفي. ويمضي هؤلاء بأن الانحدار وانحسار القوة بدأ مع العدوان الاميركي على فييتنام وتداعيات الهزيمة التي منيت بها مما ادى الى “فوز الاتحاد السوفياتي بالحرب الباردة” لفترة زمنية هامة. واستمر الحال على هذا المنوال لحين اعتلاء الرئيس الاسبق رونالد ريغان منصب الرئاسة، كما يرددون، كممثل وفيّ للمصالح الاقتصادية والاستثمارات الكبرى، والتحولات الاجتماعية الجذرية في بعض المحطات على الصعيد الداخلي. بالنتيجة، كما يعتقدون، ان ريغان استطاع اعادة الاعتبار لهيبة الولايات المتحدة، محليا وعالميا، وكسب الحرب الباردة

بعد التمدد والانتشار والعدوان الاميركي المتزامن، العراق وافغانستان، وما تبعه من تحولات هامة على الصعيد الدولي بشكل خاص، استُحدِثت اجواء الحرب الباردة كمسار وسياسة، وربما ساهمت الخسارة الاميركية المزدوجة بضيق ذرع الرئيس اوباما لاستعراض القوة العسكرية الاميركية في ظل اوضاع اقتصادية متردية شارفت على الانهيار. ويتوق ذلك الطرف الى استحضار رئيس بمواصفات ريغان – مطواع، خالي الفكر، يعشق الانفاق العسكري وتركيز الثروة بأيدي فئة اقل واصغر من سابقتها

على ضوء هذه الخلفية نستحضر خطاب الرئيس اوباما في الاكاديمية العسكرية وامتعاضه من “عجرفة القوة الاميركية،” كما وصفها السيناتور الاسبق وليم فولبرايت ابان حقبة العدوان على فييتنام. بل برز بعض التباين وربما التناقض في الخطاب الرئاسي في تأكيده بأنه “ينبغي على الولايات المتحدة تصدر الموقع القيادي على الساحة العالمية .. (ثم) يتعين علينا العمل مع الآخرين سيما وان العمل الجماعي في مثل تلك الظروف تتوفر له فرص النجاح على الارجح، والاستدامة، ومن المستبعد ان يؤدي الى اخطاء كارثية.” وفي مكان آخر حذر من الاخطاء الاميركية “منذ الحرب العالمية الثانية، فان بعض اخطائنا المكلفة للغاية .. سببها جهوزيتنا للوقوع في مغامرات عسكرية قبل التفكير والتمعن بما سيترتب عليها من تداعيات

في هذا الصدد استذكر الرئيس اوباما سلفه الرئيس ايزنهاور لتماثله مع توجهاته في تخفيض الانفاقات العسكرية، مما ادى الى استقالة ثلاثة من قادة اركان الجيش على التوالي، ابان عهد ايزنهاور. بيد ان الذاكرة النضرة للتاريخ القريب لا تسعف مقاربة اوباما. فبالرغم من معارضة ايزنهاور في البداية لمذكرة مجلس الأمن القومي الموجهة للرئيس ترومان، 7 نيسان 1950، بتسليط الضوء على “المد الشيوعي” واحتواء الاتحاد السوفياتي، شهد عهد ايزنهاور تطبيق ما عارضه بحماس منقطع النظير، وعرف لاحقا “بمبدأ ايزنهاور.” المذكرة المذكورة عرضت جملة خيارات استراتيجية وحثت على قيام الولايات المتحدة “بترميم عاجل للقوة السياسية والاقتصادية والعسكرية للعالم الحر .. ودعم المساعي الضخمة لتطوير وبناء اسلحة تقليدية ونووية على السواء؛”  وهي عناصر مبدأ ايزنهاور

“مبدأ اوباما” يستند الى اعادة الهيبة للسياسة الاميركية عبر “انهاء الحروب المكلفة وغير القابلة للفوز .. واعادة تأهيل البنية الاقتصادية،” مؤكدا للخريجين ان الحروب تمثل “اكبر حماقة وغباء مأساوي للبشرية”

ذكّر اوباما جمهور الاكاديمية العسكرية بأن سياسته تلتزم الطريق الوسط الواقع بين فريق “الواقعيين،” الذين يعارضون الانخراط العسكري الخارجي، وبين دعاة “التدخل من الطرفين في اليمين واليسار،” ولم يوفر فريق “المتشككين الذين عادة ما يخففون فعالية العمل المشترك متعدد الاطراف .. واعتقد انهم على خطأ.” وأنّب اوباما خصومه الذين يطرحون “خيارات خاطئة” تترجم في السياسة الخارجية الى ثنائيات مقيتة: التدخل مقابل الانعزال، الحرب مقابل الديبلوماسية؛ منوها الى انه فاز بالانتخابات الرئاسية لانهاء الحروب، وليس اشعالها. بالطبع، لم يشأ اوباما التعرض لقراره بزياد التدخل الاميركي في افغانستان وشن عدوان على ليبيا وعمليات الاغتيال بطائرات الدرونز.

كما وجه اوباما سهامه الى خصومه السياسيين الذين يرددون مثالب الوضع الاقتصادي وانعكاساته، بمن فيهم اعضاء الكونغرس، مشددا على ان الولايات المتحدة ستحافظ على موقعها الريادي في العالم اذ انها “نادرا ما تمتعت بقوة اكبر (من الراهن) مقارنة مع بقية العالم؛ وعيّب على اعضاء الكونغرس لتخلفهم عن توفير “قيادة تتماثل بالتجربة” في قضايا عدة منها التغير المناخي ومعاهدة قانون البحار التي تحدد الحدود المائية للدول بمساحة تصل الى 200 ميل، ويرفضونها؛ متهما الاعضاء “بالتراجع الى الوراء .. والوهن” وعدم دعمه كما يجب في التوترات الراهنة في بحر الصين الجنوبي

في تعداد انجازاته، ذكّر اوباما بوفائه بالعهد وان “أمريكا أنهت الحرب بالعراق وتستعد لإنهائها في أفغانستان نهاية العام الجاري وقضت على قيادات بتنظيم القاعدة، ولم يعد هناك أسامة بن لادن،” مستدركا أن الولايات المتحدة ستستخدم القوة العسكرية أحادية الجانب في حال تعرض مواطنوها أو مصالحها الأساسية في العالم للتهديد،” متعمدا التمسك بالغموض وعدم تحديد الظروف التي تستدعي التدخل لدرء “التهديد الأمني الذي يواجهه حلفاءنا

ملامح المستقبل

لا يحتاج المرء لعناء التدقيق والتفكير للتوصل الى ماهية المرحلة المقبلة، سيما وان الخطاب لم يأتِ بجديد في رؤيته، ربما باستثناء انشاء صندوق لمكافحة الارهاب تسهم فيه عدد من الاطراف، يصل تمويله الى 5 مليارات دولار، واعادة التذكير بالحرب على سورية. ما عدى ذلك لم يخرج عن مصاف اعادة انتاج السياسات السابقة والراهنة، وتأكيده للخريجين انهم سيكونوا جزءا من قادة المستقبل وادارة دفة القيادة العسكرية

وسار اوباما على درب سلفه جورج بوش الابن باعتبار المجموعات الارهابية مصدر تهديد مباشر للولايات المتحدة، مناشدا الخريجين بانه “يتعين علينا تطوير استراتيجيتنا في مكافحة الارهاب – والاستفادة من انتصارات واخفاقات تجربتنا في العراق وافغانستان

سورياً، قال اوباما كلمته ومشى “لا حلولا عسكرية للأزمة،” وارفقها بسياق الصندوق المشترك المقترح لمكافحة الارهاب؛ وتوفير مزيد من الدعم الاميركي “للاردن ولبنان وتركيا والعراق .. وقوى المعارضــة السورية ..” وتناول اوباما السياسة الاميركية من مصر من زاوية “التزامها بالاتفاقيات المبرمة مع اسرائيل،” كما كان متوقعا، وهو محور الاستراتيجية الاميركية في المنطقة. ايران والمفاوضات النووية الجارية معها ايضا وردت في سياق “ضمان أمن اسرائيل

ساحات التوتر الدولية الاخرى نسب لادارته انجاز “نزع فتيل” الانفجار في اوكرانيا باتاحة الفرصة لشعبها “تقرير مستقبله؛” وتبنى الانجاز السياسي في ميانمار (بورما) العائد لنهج “الديبلوماسية الاميركية”

اميركا استثناء عن العالم اجمعه

تشبع الاميركيون بالنظر الى نظامهم السياسي والاجتماعي بأنه مميز و”استثنائي” وافضل مما لدى كافة شعوب الكرة الارضية، طيلة ما يناهز 200 عام من عمر الدولة الفتية. وشكلت “الاستثنائية” نقطة ارتكاز لتعبئة الجمهور وتعزيز شعوره بالتميز والتفوق العنصري، وتأييد المغامرات العسكرية الخارجية للقوى المسيطرة “بدءا بالمكسيك .. وانتهاء بالعراق؛” الضحية الراهنة لمزاعم اركان السلطة “بنشر الديموقراطية والقيم الاميركية” بقوة السلاح

اوباما الابن الوفي للمؤسسة الحاكمة ببشرة سوداء لم يشذ عن تلك القاعدة مؤكدا “اؤمن بالاستثنائية الاميركية في كل عرق من دمائي. لكن ما يرفعنا الى مصاف الاستثناء لا يكمن في قدرتنا على السخرية من الاعراف الدولية وسيادة القانون، بل في عزمنا على صون تلك القيم عبر افعالنا. ولهذا سأمضي قدما في الدعوة لاغلاق معتقل (غوانتانامو) – فالقيم الاميركية والارث القضائي لا تخولنا احتجاز أناس خارج حدودنا الى أجل غير مسمى

بعبارة اخرى، رمى اوباما الى نزع الوجه القبيح عن السياسة الاميركية “واعادة تعريف النزعة الاستثنائية” لتواكب المرحلة الراهنة من التطور البشري، فضلا عن ربطها بسياق العمل الخيري واضفاء طابع ايجابي عليها رغم ادراكه التام انها ذاتها في الجوهر لم تتغير

بلاغة في الخطاب ام تحول حقيقي

اصدر الرئيس اوباما عددا من التصريحات خلال فترتيه الرئاسيتين مفعمة بالأمل والوعود بمعالجة عدد من القضايا الكبيرة؛ واخفق بامتياز في تحقيق اي انجاز ملموس، بل رضخ لابتزاز خصومه السياسيين. فهل سينسحب ذلك على وعوده الراهنة بانتهاج نمط جديد للسياسة الخارجية؟

نظريا، ربما. بيد ان الحقيقة الماثلة امام اعين جميع القوى والتيارات السياسية ان عام 2014 سيشهد جولة انتخابات تنبيء بتغيير موازين القوى لصالح خصومه وامكانية خسارة الاغلبية البسيطة في مجلس الشيوخ لحزبه، وما سيترتب على نتائجها من عقبات ومعوقات اضافية تعرقل قدرته على الوفاء بأي من التزاماته التي قد تصطدم مع رؤى مغايرة، خاصة عند الاخذ بعين الاعتبار ان هم الناخب هو الوضع الداخلي وليس السياسة الخارجية كعامل حاسم. وان تحققت تلك التوقعات، فان الرئيس اوباما سيمضي جل وقته وجهده في استرضاء الكونغرس والتركيز لتنفيذ اجندته السياسية الداخلية. ويبدو ان احجامه عن اطلاق مبادرات حلول جادة على الصعيد الخارجي في ملفات ساخنة هو خشيته من الا تخدم معركة الحزب الديموقراطي في انتخابات نوفمبر القادم. ولحينه وحتى تتكشف حصيلتها سيبقى اسيرا للمراوحة في ادارة الازمات لا السعي لحلها ويترقب امكانية المراهنة على التوصل الى اتفاق في مفاوضات الملف النووي الايراني

الاكاديمية في “ويست بوينت” وفرت منبرا سياسيا للرئيس اوباما بصبغة عسكرية، يصعد من خلاله لتعزيز سمعته والتصدي لخصومة ومنتقديه، وممارسة الدور المنوط به كزعيم قوي لدولة هي الاقوى بين الاقوياء الآخرين. الخطابات الرئاسية الرنانة لها مفعول قصير المدى ايجابياً او سلبياً يمتد لزمن طويل يلاحق الارث الرئاسي، كما يحصل حاليا مع جورج بوش وصعوده لحاملة الطائرات وخلفه لوحة اعلانية بانتهاء المهمة التي لم تنتهي للآن؛ او ان يسهم فعلها بتعديل سمعة الرئيس واضفاء مصداقية على خطابه سرعان ما يلقى ادراج النسيان.

يبدو اوباما عاجزا ومكابرا معا لا يجرؤ على الاعتراف بانه حان الوقت لكي يدير تنظيم الانكفاء الاميركي وتحمل تبعات ذلك ولا يبدو ان المؤسسة الحاكمة في اميركا قادرة او راغبة في ان تفرز قيادة تتخلى عن اوهام اساطير التفرد والاستثناء

التقرير الأسبوعي 23-10-2013

المقدمة

        بداية ينبغي التنويه الى العطلة الرسمية مطلع الاسبوع المقبل، التي تعتبر بدء عطل فصل الصيف وما ينطوي عليها من تخفيف حجم الانتاج الفكري لمراكز الابحاث

        سيستعرض قسم التحليل مسألة نظام سلاح جديد مضاد للصواريخ تروج له المؤسسة العسكرية “الاسرائيلية” يستند الى زعم تطوير مختبراتها التسليحية “لشعاع حديدي،” بمشاركة الولايات المتحدة؛ وايضا تناول المناورات العسكرية المشتركة بينهما التي جرت مؤخرا، تعرف باسم كوبرا العرعر

        يشكل “الشعاع الحديدي” احدث انتاج مشروع الدفاع الصاروخي والذي يسخر طاقة الشعاع الليزري لاعتراض وتدمير الاجسام الموجهة، سواء قذائف صاروخية او مدفعية او طائرات الدرونز؛ وهي تقنية بالغة التعقيد لم تستطع اي دولة للحظة تطويع الطاقة الكامنة في شعاع الليزر للاستخدامات العسكرية. يضاف ايضا ان المشروع يحاط بجدار سميك من السرية، وادت جهود البحث والتوثيق الى اماطة اللثام عن عدد من الحلقات المقفلة. وتوصل المركز في تحليله الى نتيجة ان الكيان الصهيوني لم “يحقق خرقا تقنيا،” كما يزعم، بل ما توصل اليه هو بلوغ نتائج بحثية متقدمة، محدودة وبكلفة جدا عالية، لبلورة نظام دفاعي واعد

ملخص دراسات ونشاطات مراكزالابحاث

الدور العالمي للولايات المتحدة

        شددت مؤسسة هاريتاج على أهمية دور الولايات المتحدة “في الحفاظ على الاستقرار والأمن العالميين .. مما يستدعي سياسة أمن قومية اميركية فعالة .. تحقق عنصر الأمن .. وتتفادى الكلفة الرهيبة الناجمة عن ضعف القوة الحميدة.” وناشد صناع القرار الى الاستثمار في “اعادة بناء القدرات العسكرية الاميركية ..” لاستعادة هيبتها العالمية

معركة كسب الرأي العام العربي

        اشار معهد ابحاث السياسة الخارجية الى التحولات في الرأي العام العربي و”تأرجح جهود الولايات المتحدة التواصل اعلاميا معه .. والخسارة الكبيرة التي لحقت مؤسسة الجزيرة وانتقال جمهورها الى شبكات تلفزة قومية تركز على الحوارات الداخلية في الدول المعنية ..” وحث المعهد الولايات المتحدة على “اعادة النظر باستراتيجيتها الاعلامية نحو الرأي العام العربي .. واعتماد ترتيبات تستند الى عقد شراكة محلية مع الوسائل الاعلامية .. لا سيما تلك المتماثلة مع القيم والمصالح الاميركية.” واضاف ان بعض تلك التدابير ينبغي ان تتمحور حول عنوان “مواضيع التغيير .. مثل سيادة سلطة القانون، وتراث المساواة والمسامحة، وتعزيز مناخ سياسي يقوم على التفكير المنطقي والنقاش التداولي

سورية

        سخر معهد المشروع الاميركي من المعايير التي تعتمدها الولايات المتحدة “لانتقاء قوى من المعارضة السورية استنادا الى مواقفها الايجابية من اسرائيل حصريا .. سيما وان تلك المجموعات .. لا تشاطر الولايات المتحدة قيمها بدعم اسرائيل وحقوق المرأة وتعديل اختلال توزيع الدخل .. الخ” وحذر من الاستمرار في تلك السياسة “اذ ان تداعياتها ستضر بالولايات المتحدة وحلفائها ومصالحها .. فالخيار المتاح هو غض النظر عن مرحلة سورية ما بعد الاسد، كما فعلنا في العراق وليبيا وقريبا في افغانستان؛ او بلورة سياسة خارجية حقيقية

        تداعيات الانجازات الميدانية للجيش العربي السوري كانت موضع اهتمام معهد الدراسات الحربية. وقال ان اهوالها “طالت كافة المناطق الرئيسة تقريبا في لبنان” الذي شهد تنامي موجات التفجير وتفخيخ السيارات “قبل السيطرة على معقل المعارضة في يبرود .. التي شكلت منصة استقطاب وانطلاق اساسية وقاعدة دعم للمجموعات السنية المتشددة

        “الخيارات العسكرية” المتاحة للولايات المتحدة شهدت اهتماما متجددا لمعهد واشنطن، مشددا على ادراكه “لنزعة الساسة بعدم التدخل العسكري .. والتي لا ينبغي ان تعني نشر قوات مشاة .. بيد ان كلفة عدم التدخل قد تكون اشد.” واستدرك بالقول انه يمكن مرافقة الخيار العسكري باجراءات وتدابير اخرى منها “تعزيز اجراءات المقاطعة وعمليات القرصنة الالكترونية وحشد القوات (العسكرية) .. بيد ان تصرف اميركي حكيم وصارم قد يكسبها حماية مصالحها” في المنطقة

مصر

          اشار معهد الدراسات الاستراتيجية والدولية الى “بعض” المتغيرات بما يخص وضع مصر في المعادلة الاقليمية ومن هي الاطراف التي تملك نفوذا على السلطة الجديدة “خاصة بعض دول مجلس التعاون الخليجي .. وتهميش دور الولايات المتحدة سيما وان البعض في اميركا ابتهج للابتعاد عن مصر وانزلاقها نحو النظم العشائرية الخليجية بالغة الثروة.” واوضح ان استراتيجية فعالة للولايات المتحدة ينبغي ان “تحدد الاولويات المشتركة المتقاطعة مع تلك النظم للسير بمصر نحو وجهة واعدة افضل

العراق

          اشار معهد واشنطن الى الدور الكامن للولايات المتحدة الذي تسطيع القيام به لتخفيف التوتر بين الحكومة المركزية في بغداد وكردستان العراق، في اعقاب الانتخابات النيابية الاخيرة، مناشدا الساسة الاميركيين “الانطلاق من نتائج الانتخابات والبناء عليها بغية تعزيز استقرار الحكومة” والبلاد. كما ناشدهم تفعيل “اتفاقيات تصدير النفط وتقاسم الايرادات مما سيمهد الارضية لمشاركة كردية في الحكومة العراقية المقبلة .. بصرف النظر عن رئاسة المالكي مرة اخرى او شخصية بديلة

ليبيا

        اعتبر معهد واشنطن ان شبح الحرب الاهلية في ليبيا “يشكل تحديات جادة للسياسة الاميركية ..” مدركا ان لدى واشنطن “مصلحة كبيرة في الحاق الهزيمة بالمتشددين،” موجها انتقاده للتحركات الاخيرة “لخليفة حفتر وانصار الفيدرالية وميليشيا الزنتان المعادين للمجلس الوطني ..”  وحث المعهد الولايات المتحدة على دعم “لجنة صياغة الدستور المكونة من 60 فردا وتعزيز جهود الحوار الوطني عوضا عن الوقوف بجانب المجلس الوطني

افغانستان

        اعرب مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية عن مخاوفه من ملامح المرحلة المقبلة في افغانستان، سيما وان الولايات المتحدة وحلفاءها اخفقوا في “بلورة استراتيجية واضحة تحدد الكلفة وشروط توفير الدعم،” بعد انسحابها جميعا نهاية العام الجاري. ووجه انتقادا للرئيس اوباما الذي يبدو انه يفضل “الانخراط في مسار غير متناهي لاعادة النظر والبحث عن خيارات جديدة، لكنه فشل في بلورة خطة واضحة معتبرة تتضمن الكلفة المطلوبة والشروط التي ينبغي توفرها، او التوجه بخطاب استراتيجي وافق سياسي يشرح موقف الادارة والدور المنتظر من الولايات المتحدة ان تقوم به في افغانستان بعد (استكمال الانسحاب) عام 2014

 

التحليل:

تفنيد علمي لمزاعم الكيان

عن سلاح الشعاع الحديدي

        قد لا نأتي بجديد عند القول ان الكيان الصهيوني مسكون بهاجس أزمة وجودية أمنية واستراتيجية، وهوسه بالأمن والدفاع خير دليل على ذلك. ودشن الكيان مطلع العام الجاري بحملة اعلامية واسعة للترويج الى عزمه نشر سلاح درع صاروخية جديدة يعزز فعالية منظومة “القبة الحديدية،” يعرف باسم “الشعاع الحديدي Iron Beam” العام المقبل

نظريا، يعمل السلاح بتكثيف أشعة الليزر الحرارية وتسليطها لاعتراض وتدمير الصواريخ قصيرة المدى وقذائف الهاون – المورتر والطائرات من دون طيار – الدرونز.وارفق حملته بأنه يرمي الى الترويج رسميا للمنظومة في معرض الصناعات الجوية قبل انعقاده في سنغافورة نهاية شهر شباط الماضي، طمعا في البقاء على قائمة الدول المصدرة للاسلحة. التقنية المعلن عنها هي ذات التطور التقني المستخدم في مسلسل الخيال العلمي الشهير “حرب النجوم

        تقنية “القبة الحديدية،” المصممة للمديات القصيرة، تعمل باستشعار اجهزة الرادار لجسم ما وتطلق الصواريخ الموجهة بالتكامل مع نظام صواريخ “آرو 2” لاعتراض الصواريخ الباليستية في الغلاف الخارجي، والذي سيتم دمجه مع الجيل الاحدث للصواريخ “آرو 3،” ومقلاع داوود اللذين لا زالا في مرحلة الاختبار والتجربة. وتجدر الاشارة في هذا الصدد الى تباين احصائيات فعالية القبة الحديدية التي استخدمت بكثافة ابان العدوان على غزة، 2008/2009، والتي تراوحت بين 30% و 80% التي اصرت عليها القيادات العسكرية الصهيونية، وتزعم ايضا ان نسبة نجاح “الشعاع الحديدي” بلغت 90%، دون توفير ادلة حسية تدعم فرضياتها. كما ينبغي التنويه الى انخفاض كلفة تقنية الليزر والتكثيف الحراري لاعتراض وتدمير جسم ما مقارنة مع تحقيق نتيجة مشابهة باستخدام صواريخ اعتراضية

        بعد انقضاء زيارة وزير الدفاع الاميركي، تشاك هيغل، حديثا لفلسطين المحتلة، وبالتزامن مع انعقاد جولة المفاوضات النووية مع ايران المعقودة في باريس، اُعلن عن البدء في مناورات مشتركة يوم 18 أيار الجاري تستمر لخمسة ايام بين القوات العسكرية الاميركية وقوات “اسرائيلية،” اطلق عليها “كوبرا العرعر 2014،” استمرارا لسياق المناورات المشتركة بينهما منذ عام 2001تدور المناورات في الفضاء الالكتروني لسلاحي الجو، اسهمت اميركا بوحدات عسكرية قوامها نحو 700 عنصر، يعززها “قوات اميركية اخرى،” تتبع القيادة الاميركية للدفاع الجوي والصاروخي من مقرها في المانيا، ونحو 6،000 عنصر من القيادة المركزية لاوروبا – يوكوم، ومدمرتين مزودتين بنظام ايجيس للصواريخ الموجهة الاعتراضية. هذا بالاضافة الى ترسانة صواريخ الباتريوت الاميركية المنصوبة في مناطق عدة من فلسطين المحتلة. تجري المناورات بشكل دوري، مرة كل سنتين، بغية “تعزيز مديات التلاحم والتناغم في عمل واداء القوات المسلحة للبلدين تأهباً ومحاكاةً لتعرض اسرائيل لهجوم بالصواريخ الباليستية

اجراءات التدريب والتحضير “لكوبرا العرعر 14” استغرقت نحو18 شهرا، بعد تأجيل المناورة السابقة التي كان من المقرر ان تجري عام 2012 عزاه البعض الى رغبة الولايات المتحدة في تهدئة سعار التوتر مع ايران، واستعاض عنه بتدريبات اخرى نهاية ذلك العام اطلق عليها مناورات “تحدي التقشف” الصاروخية، للدلالة على تخفيض الميزانية العسكرية في البلدين، نشرت على اثرها الولايات المتحدة بطاريات اضافية لصواريخ باتريوت حول القدس وتل الربيع.

جدير بالذكر ان الولايات المتحدة اوكلت لقيادة قواتها المركزية في اوروبا، يوكوم، مهمة “الدفاع عن اسرائيل في حال الطواريء” اطلقت عليها خطة “اوبلان 4305،” كما وثقها الكاتب الاميركي ويليام آركن صاحب المؤلف المفصلي حول توزيع القوات والقواعد العسكرية الاميركية في العالم

(“Code Names: Deciphering U.S. Military Plans, Programs and Operations.”)

 

ادعاءات فعالية الاوهام

        يدرك كل سويّ الفرق الشاسع بين الحقيقة والخيال في استخدام اسلحة تعمل باشعة الليزر والاغراءات التي توفرها المشاهد السينمائية بامكانية التوصل للنتائج المراد زرعها في الذهن البشري. اما تسخير التقنية للاستخدامات العسكرية فهي مقيدة بالقوانين العلمية الصارمة وبعزلة عن الرغبات الذاتية للبعض. من المعروف ايضا ان الولايات المتحدة سخرت جهودا وامكانيات مكثفة فاقت كلفتها كل جهود الدول الاخرى مجتمعة لتطوير اسلحة تعمل باشعة الليزر. والنتيجة، نموذج يتيم تم تحميله على متن سفينة حربية، سيما بالنظر الى حقيقة المعلومات الموثقة بتواضع ادائه وفعاليته مقارنة بما يدعي قادة الكيان العسكريين بانهم استطاعوا “تطويع التقنية للتطبيقات العسكرية بنجاح

        وعليه، ينبغي التعرف عن كثب على ما ينطوي عليه الزعم “الاسرائيلي” بتحقيق اختراق تقني في مجال الاسلحة العاملة باشعة الليزر، وربما الاقرب الى الحقيقة انه تم التوصل الى تطبيق عسكري لاشعة الليزر ينطوي عليه ثغرات كبيرة، تستدعي التدقيق والتمحيص العلمي وتكرار التجربة في مختبرات اخرى

        اشعة الليزر المشبعة بطاقة حرارية عالية ارست ارضية متفائلة للتطبيقات العسكرية الدفاعية، في المجال النظري، ورافقها تحدي لضرورة التغلب على عقبات حقيقية والتي بمجملها اعاقت القدرة على تطوير نموذج صالح للاستخدام خارج مراكز الابحاث العلمية. ما تم التوصل اليه علميا هو انتاج بلور عصا الليزر وشعاع ليزري ينتج عن تفريغ انبوب الغاز واللذين جاءت نتائجهما مخيبة للآمال المعقودة سيما لتدني الفعالية وما نتج عنها من تبديد معدل الطاقة الناجمة الى طاقة وحرارة منفلتة. وعليه، فان نجاح تجربة التوصل الى اشعة ليزرية مشبعة بطاقة عالية تنتج حرارة متبددة ربما تؤدي الى ابطال مفعول المعدات وتدميرها

        وتوصل العلماء الى اكتشاف واعد لشعاع ليزر ناتج عن عملية تفاعل كيميائية، والذي يقارب بالنتيجة عمل محركات صاروخية منه الى شعاع ليزر عادي قابل للتطويع. وتستند التقنية الى استخدام وقود دفع الليزر، ينتج عنه تفاعل واحتراق خليط من العناصر الكيميائية ينفث غازا كيميائيا عادما يتم تكثيف خروجه عبر فوهة انبوب او جهاز، من ضمن خصائصه احتوائه لجزيئات مشبعة بالطاقة الحرارية، والتي تستند طاقتها الاجمالية الى طبيعة وقود الدفع والعناصر الاخرى الاضافية المستخدمة في العملية ويجري تسخين الناتج الى حالة اعلى لانتاج شعاع الليزر. مقارنة مع تطبيقات المجهر – التلسكوب، عند وضع زوج من المرايا المترافقة على جانبي التيار العادم المنبعث، سينتج عنه عملية انتاج شعاع الليزر وتراقص جزيئات الكم الضوئي (الفوتون) بين المرايا، واستخراج الطاقة عبر التحكم بوضعية احدى المرايا

        هكذا ببساطة يتم التحكم بانتاج طاقة الليزر في المختبرات العلمية، والتي ينطوي عليها مستويات عدة معقدة ينبغي التغلب عليها قبل ان تصبح صالحة للتطبيقات العسكرية والتجارية. الطاقة الحرارية العالية الناتجة تصل ما بين 1000 الى 2000 درجة مئوية، تعتمد نتيجتها النهائية على مكونات خليط الوقود المستخدم. تكثيف الطاقة للمرور عبر فوهة انبوب او جهاز تتطلب جهود تحكم بالغة الدقة كي تكتمل دائرة انتاج الشعاع، وخاصة لخليط الغازات المنبعثة ومعدلات الضغط والانسياب المطلوبة. يذكر ان بعض الوقود الليزري وما ينتج عنه من غازات عادمة تتميز بدرجة عالية من السمية والتآكل. تثبيت المرايا المترافقة ينبغي ان يتم باقل معدل خسارة بصرية، اذ ان خسارة نسبة 1% في مجمل ميغاوات حراري ليزري يعادل خسارة 10 كيلواط من الطاقة المبددة على المرايا

        للمقاربة، فان هذه العملية بالغة التعقيد لانتاج شعاع ليزري بالتفاعل الكيميائي الذي يكمن في صلب “الشعاع الحديدي.” بعض ابتكارات الغرب العلمية ابتعدت عن انتاج شعاع ليزر فردي، واستخدمت سلسلة من اشعة الليزر ومرآة لانتاج شعاع بطاقة عالية

        تحلى الكيان الصهيوني بالحذر من توفير معلومات دقيقة حول الشعاع وألمح الى ان الليزر ناتج عن تفاعل الكتروني في حالة الصلب، أسوة بانتاج الشعاع الليزري الاول عام 1960. واخفق في توفير مزيد من المعلومات العلمية ربما لزرع الظن انه توصل الى اختراق تقني فريد في هذا المجال لم تقدر اي دولة اخرى على تكرار التجربة. بكلمة اخرى، ما رشح عن الكيان من معلومات هي اقرب الى تضليل الأمم الاخرى

        منذ التوصل الى اكتشاف اشعة الليزر في حالة الصلب المشار اليها، فان اهم عقبة تواجهها هي الكلفة العالية وتطويع التطبيق وتسخير الطاقة الناتجة في تطبيقات اخرى. التقنية “التقليدية” لانتاج شعاع الليزر تستغل نحو 10% كحد اقصى من الطاقة الناجمة وتحويلها الى شعاع؛ اي يبدد ما تبقى من 90% من الطاقة والتي قد تضر بالحالة الصلبة للصمامات الثنائية وتدمرها. “النموذج الليزري الاميركي،” سالف الذكر، سيتم وضعه على متن سفينة حربية في وقت لاحق من فصل الصيف القادم (الذي سيحل في 21 حزيران الشهر المقبل) بقوة تتراوح بين 15-50 كيلواط (اما الرقم الحقيقي فهو حبيس ادراج السرية). الفعالية الثابتة للنموذج هي في التصدي للطائرات الصغيرة او الزوارق سريعة الحركة المتجهة نحو السفينة

        يتضح اذا ان سلاح “الشعاع الحديدي” يتطلب طاقة حرارية اكبر من النموذج المذكور، سيما عند الاخذ بعين الاعتبار ان طاقة بقوة 100 كيلواط باستطاعتها تدمير اهداف صغيرة مثل طائرات الدرونز والزوارق الحربية الصغيرة. اما الاجسام والاهداف المتطورة مثل الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز، فتتطلب طاقة حرارية بعدة معدلات من الميغاواط. التقنية الراهنة المتوفرة لانتاج الطاقة بحالة الصلب، solid state، بعيدة كل البعد عن الاقتراب من المعدلات الحرارية المطلوبة

        ما يتبقى من خيارات علمية لانتاج الطاقة الليزرية يعيدنا الى الشعاع الناجم عن تفاعل كيميائي، الذي يوفر، نظريا، معدلات طاقة تقاس بالميغاوات

        المعلومات المخبرية لشركة رافائيل “الاسرائيلية،” المنتجة “للشعاع الحديدي،” متوفرة للخبراء والاخصائيين. ويمكننا القول ان ما توصلت اليه ابحاث الكيان هو تقنية مشتقة من تقنية التكثيف الحراري التكتيكي بالليزر التي توصلت اليها الجهود والابحاث المشتركة للولايات المتحدة و”اسرائيل

        رمت المؤسسة العسكرية الاميركية من وراء تقنية “ذيل” الى انتاج سلاح الاشتباك وتدمير الصواريخ قصيرة المدى، مثل الكاتيوشا والقذائف المدفعية والطائرات التي تحلق على علو منخفض – وهي اهداف تتماثل مع نظام “الشعاع الحديدي.” استنادا الى المعلومات المعلنة فان النظام ينطوي على توليد طاقة حرارية بمعدل ميغاواط واحد

        اجريت الاختبارات على نظام “ذيل” بين اعوام 2000-2004، وقيل انه استطاع تدمير صواريخ بعيارات عدة (28 و 122 و 160 ملم)، تحاكي صواريخ الكاتيوشا وراجمات الصواريخ وقذائف الهاون وهجوم بصليات من قذائف الهاون

خلفية علمية

        تذكر ادبيات وزارة الدفاع الاميركية انها عاكفة على تطوير ثلاثة نظم اسلحة شعاعية للتطبيقات في الفضاء الخارجي وما دون طبقة الغلاف الجوي، تستند كلها الى تفاعل خليط مواد كيميائية ينتج عنه شعاع ليزري. كما تدل تلك الادبيات الى ان انتاج وتطبيق سلاح ليزري في الفضاء الخارجي سيستغرق عقدين من الزمن، على الاقل. والنظم الثلاث التي تجري التجارب عليها: غاز فلوريد الهيدروجين؛ غاز فلوريد الديوتريوم؛ وغاز اكسجين اليود

        يتميز غاز فلوريد الديوتريوم بتفاعله على نسق نواة الفلوريد بخلاف فلوريد الهيدروجين التي تتم مرحلة التفاعل على مستوى جزيئات الهيدروجين، وذرات غاز الديوتريوم اكبر كثافة من ذرات الهيدروجين، مما يعني انه افضل على السير في الغلاف الجوي محتفظا بخصائصه. التجارب الاولى عليه اشارت الى قوة حرارية ناتجة بمعدل يفوق ميغاواط

        اما غاز اكسجين اليود والذي يعتقد انه يدخل في تطبيقات النظم الدفاعية ضد الصواريخ الباليستية، فان الطاقة تنتج عن تفاعل غازي الكلور وفوق اكسيد الهيدروجين مما يثير ذرات الاوكسجين التي تنقل طاقتها الحرارية الى ذرات اليود. يبلغ معدل طول الموجة الناجمة 1.3 ميكرون (جزء من المليون على المتر)؛ اي اقصر من الموجات المتولدة خلال التفاعلين الاخرين، بلغت طاقتها الحرارية عدة مئات من الكيلواط، اي الافضل مواءمة للاسلحة في الفضاء الخارجي

        تنبهت بعض الدول والهيئات العلمية المعتبرة مبكرا الى خطورة ادخال الاسلحة الى الفضاء الخارجي وتهديده على البشرية بأكملها، وتوصلت الى سن اتفاقية عام 1967 تحرم استخدام الاسلحة في الفضاء والتي تشمل سطح القمر ايضا. وتبنت الامم المتحدة الاتفاقية والمصادقة عليها عام 1999 بتوقيع 138 دولة عليها، وامتناع دولتين: الولايات المتحدة و”اسرائيل

سلاح الليزر بالتكثيف الحراري التكتيكي (THEL ذيل)

يعمل النموذج “ذيل” وفق تقنية غاز فلوريد الديوتريوم لانتاج الليزر، بخلاف التجارب السابقة العاملة بغاز فلوريد الهيدروجين، ينتج عن التفاعل موجة شعاع ليزري يتراوح طولها بين 3.6 – 4.2 مايكرومتر (تعرف ايضا بالاشعة الحرارية تحت الحمراء). يدخل في عملية الاحتراق غاز الايثيلين وغاز ثالث فلوريد النيتروجين، الذي يمزج بغازي الديوتريوم والهيليوم لانتاج غاز فلوريد الديوتريوم في حالة الهيجان. ثم يمرر الناتج الغازي عبر فوهات محكمة شبيهة بمثيلاتها في التفاعلات الكيميائية الاخرى المنتجة لشعاع الليزر

Untitled-1

The THEL prototype tested by Israel and the United States

نموذج نظام “ذيل” الذي اجريت عليه التجارب الاميركية و”الاسرائيلية” المشتركة

الغازات المنبعثة خلال عملية التفاعل سمية وبالغة الخطورة على الجنس البشري، ولذا ينبغي استحداث نظام متطور لتبديد الغازات وتحييد وامتصاص الغاز العادم لفلوريد الديوتريوم. الغازات العادمة تحتوي ايضا على طاقة حرارية مبددة والتي يعسر التغلب عليها في تجارب الاسلحة الليزرية السابقة

حجم النموذج التجريبي الاول كان كبيرا وشغل مساحة ثلاث مقطورات يصعب التحكم والسيطرة عليها. تزعم شركة رفائيل “الاسرائيلية” انها استطاعت التغلب على خاصية الحجم وانتجت نموذجا مصغرا للشعاع الحديدي يسهل تحريكه. بيد ان عقبة الحجم ليست الوحيدة التي تواجه نشر شعاع الليزر كسلاح. اقلعت الولايات المتحدة عن المضي في البرنامج واوقفت تمويله نظرا لعقبات متعددة واجهتها، بينما مضت “اسرائيل” في جهود تطويره بمساعدة اميركية، كما تشير بنود ميزانيات وزارة الدفاع الاميركية. استنادا الى المعلومات التقنية والتجريبية المتوفرة، من المرجح بقاء تلك العقبات دول حلول ناجعة

احدى تلك العقبات تتعلق بانتشار الطاقة الحرارية العالية  وتفاعلها كيميائيا مع الغلاف الجوي، وانتشار شعاع الليزر وطاقته الكامنة في المنطقة المحيطة به. لعل افضل اسلوب للتغلب على تلك الظاهرة توصل العلماء الى اصدار ومضات قصيرة من طاقة الليزر لتبديد الهدف قبل بدء تفاعل الانتشار. بالمقابل، ينطوي على هذه التقنية الحد من حجم الضرر الذي كانت ستتسبب به اشعة الليزر لجسم كبير الحجم

من خصائص شعاع الليزر انه قابل للامتصاص من قبل عناصر طبيعية متعددة: ذبيبات الغبار، بخار الماء، السحب، الضباب، الثلج، والمطر. اذ ان طول موجة الشعاع، 3.6 – 4.2 ميكرومتر، تمكنه من حرية الحركة عبر اجواء صافية وجافة، بينما يتأثر سلبا بالرطوبة مهما بلغت درجة تشبع الهواء بها وحرف الشعاع عن هدفه. كما ان الشعاع يتأثر سلبا بغاز ثاني اكسيد الكربون وعنصر الهيدروكربون اللذين يحدثا تحللا في تركيز الشعاع وافقاده مفعوله. وعليه، يصبح تطبيق شعاع الليزر افضل في المناطق والاجواء الجافة ذات كثافة سكانية شحيحة، التي تنطبق على بعض مناطق فلسطين المحتلة؛ بيد ان مفعوله يتناقص في المناخات الرطبة ومناطق الكثافة السكانية المقامة على طول الشريط الساحلي لفلسطين المحتلة

استنادا الى الحقيقة الثابتة ان بخار الماء يحد من فعالية شعاع الليزر، يصبح “الشعاع الحديدي” فعالا في مجال النظم الدفاعية حصرا، بحماية منطقة جغرافية ضيقة حول بطارية الصواريخ. اما الزعم بأنه صمم لاعتراض الصواريخ والقذائف المنهالة على الكيان من قطاع غزة، مثلا، يبدد سريعا امام المعلومات الموثقة لضعف ادائه في المناخات الرطبة، واقل كثيرا من المديات التي تدعيها شركة رفائيل المصنعة

عامل الكلفة الاجمالية ايضا يدخل ضمن حسابات اعتمماد السلاح، اي سلاح، خاصة عن الاخذ بعين الاعتبار الكلفة العالية للطلقة الواحدة. فالشعاع الحديدي يماثل الى حد كبير اشعة الليزر الناتجة عن تفاعل فلوريد الهيدروجين، التي يتراوح طول موجة الطاقة من 2.7 الى 2.9 ميكرومتر، وهي الموجة التي يمتصها الغلاف الجوي مما يضعف قوة الشعاع ويخفف من المسافة التي من المفترض وصوله اليها، الا في الحالات الاستثنائية التي قد يتم استخدامه في الفضاء الخارجي

تزعم شركة روفائيل انها استطاعت التغلب على تلك العقبة بادخال عنصر وقود باهظ الكلفة ونادر الوجود، باستخدام نظائر الهيدروجين النادرة حينها يستخدم غاز الديوتريوم عوضا عن الهيدروجين، والذي تبلغ طول موجة الطاقة الناجمة من 3.6 الى 4.2 ميكرومترا. في هذا الحالة من الخاصية الكيميائية، يصبح استخدام شعاع فلوريد الديوتريوم افضل حالا في النظم المضادة للصواريخ. اما الوقود النادر المذكور فكلفة انتاجه باهظة جدا (اذ يشكل الغاز نسبة 0.0156% من كافة غاز الهيدروجين في الكرة الارضية بأكملها، ومن هنا كلفته العالية وقد تبلغ عدة آلاف من الدولارات لكل طلقة، والنتيجة ليست مضمونة بأي حال. في عام 1980 اصدر مختبر الاسلحة لسلاح الجو الاميركي دراسة جاء فيها ان كلفة انتاج وقود الليزر قد تصل الى 1،000$ لكل ميغاواط في الثانية الواحدة. وتم تقدير كلفة شعاع الليزر لنظام “ذيل” بنحو 3،000$ للطلقة الواحدة

ومن هنا يتضح جملة عوامل اقلاع الولايات المتحدة عن استخدام مركبات غاز الفلورايد والديوتريوم واستبدالها بمضخات كهربائية لانتاج الشعاع

وكما اسلفنا في المقدمة، فان مزاعم “اسرائيل” بتحقيق قفزات نوعية واختراقات علمية في تطبيقاتها “الشعاع الحديدي” بحاجة ماسة الى دلائل حسية ومعلومات موثقة؛ ويرجح استخدامها لتقنية اميركية تخلت عنها الولايات المتحدة بدوافع الكلفة العالية والعقبات التقنية الاخرى ومنها ضرورة امداد عملية الاحتراق بعناصر كيميائية بالغة السمية للجنس البشري، وتحديات الفعالية التي تواجهها امام عوامل الرطوبة الطبيعية وقصر المديات النهائية

تندر البعض للكلفة العالية للشعاع الحديدي بانه ينبغي ان يطلق عليه شعاع البلاتين

2014-05-21 تقرير خاص

تجسساسرائيلعلىاميركاهليفاجي آحدا؟

          قامت اجهزة المخابرات الاميركية مؤخرا بتسريب معلومات حساسة تتعلق بالنطاق الواسع للتجسس “الاسرائيلي” على الولايات المتحدة، نشرتها اسبوعية “نيوزويك” بقلم محرر الشؤون الاستخبارية، جيف ستاين، التي وصفت “تصرفات اسرائيل بأنها الاسوأ وتخطى “خطوطا حمراء” لم يجرؤ احد (من الحلفاء) على تجاوزها في السابق.” عقب الضجة المناهضة المتوقعة، تابع ستاين بمقالة ثانية بعد يومين تحت عنوان “تجسس اسرائيل النشط في الولايات المتحدة غالبا يتم طمسه

          تجمع الاوساط الاستخبارية الاميركية ان الجرأة والصراحة التي تحدث بها ستاين جاءت نيابة عن المؤسسة الاستخبارية، التي ضاقت ذرعا “ونفذ صبرها” بعد سلسلة دلائل حسية تحتفظ بها امام مسائليها في السلطة التشريعية “التي تتحكم بميزانياتها.” لعل الأهمية الاستثنائية في التقريرين تكمن في خطاب الاثبات لمصير “العملاء الاسرائيليين الذين يتم القبض عليهم متلبسين بالجرم وغالبا يطلق سراحهم دون عقاب،” الأمر الذي وصفه ستاين بأنه “اسلوب عمل اعتيادي، عادة ما يلقى دعما وتواطؤاً من اعلى وارفع المستويات في الحكومة” الاميركية

عدد ضئيل من المتابعين ربط توقيت ومغزى “التسريب” غداة وصول وفد اميركي رفيع المستوى برئاسة مستشارة الرئيس لشؤون الأمن القومي، سوزان رايس، في زيارسة رسمية الى تل ابيب، مما يؤشر على ان التسريب كان مقصودا ومدروسا على ارفع المستويات لتحقيق عدد من الاهداف، وعلى رأسها التخفيف من ضغط اللوبي “الاسرائيلي” على الادارة الاميركية لاطلاق سراح الجاسوس جوناثان بولارد بعد ادانته بالتجسس والذي يقضي عقوبة السجن مدى الحياة

اشار هؤلاء البعض الى القول المأثور “ان كان لديك اصدقاء على هذه الشاكلة، فلست بحاجة الى اعداء” للدلالة على عمق عمليات التجسس “الاسرائيلية” داخل مختلف الاوساط الرسمية الاميركية، والتجارية والتقنية ايضا، لعقود متتالية لم تشهد انقطاعا، عززتها سلسة احداث موثقة، منها: اكتشاف السفير الاميركي الاسبق لدى تل ابيب، عام 1954، سماعات لاقطة داخل مكتبه “زرعها الاسرائيليون،” كما ورد في تقريره للوزارة. وبعد الحادثة بنحو سنتين اكتشف الملحق العسكري الاميركي في تل ابيب ايضا اجهزة للتنصت على المكالمات الهاتفية داخل منزله

السفير الاميركي الاسبق لدى قطر، اندرو كيلغور، صرح لزملائه ان تنصت “اسرائيل” على السفارات والبعثات الديبلوماسية الاميركية “اضحت جزءا عاديا من الروتين اليومي

          السفير الاميركي في تل ابيب عام 1997، مارتن انديك، سلم رسالة خاصة غاضبة من واشنطن “للحكومة الاسرائيلية تشكو فيها من سبل المراقبة المشددة التي يقوم بها رجال الاستخبارات الاسرائيلية، والذين يتتبعون حركة موظفي السفارة الاميركية في تل ابيب وتفتيش غرف الفنادق للزوار الاميركيين الرسميين.” كما اورد مقال “نيوزويك” حادثة تعرض نائب الرئيس الاميركي الاسبق، آل غور لزرع جهاز تنصت في غرفة فندق اقامته اثناء زيارة رسمية

“لاسرائيل” باع طويل في التجسس

للتجسس “الاسرائيلي” على الولايات المتحدة تاريخ طويل يسبق الاعلان الرسمي “للكيان،” سيما وانها وفرت لرجالات الاستخبارات الاسرائيلية الحركة والتنقل بحرية في بداية عقد الاربعينيات. وبات التجسس مادة ثابتة موثقة دوريا في اميركا عبر عدة آليات معلنة، احداها التقرير السنوي لمكتب التحقيقات الفيدرالي، اف بي آي، المقدم للكونغرس حول “توثيق جهود التجسس الاقتصادية والصناعية الأجنبية،” الذي عادة ما يصنف “اسرائيل” في المرتبة الثانية بعد الصين. فعلى سبيل المثال جاء في التقرير المقدم لعام 2005 ان “اسرائيل تملك برنامجا نشطا لجمع  واستخدام  معلومات حصرية داخل الولايات المتحدة،” ابرزها “التسلل داخل اجهزة الكمبيوتر

وزير الخارجية الاميركي الشهير وقائد القوات الاميركية الاسبق، جورج مارشال – الذي تنسب اليه عدد من الانتصارات العسكرية المفصلية في الحرب العالمية الثانية – ابرق للرئيس هاري ترومان في 29 تشرين الاول/اكتوبر 1948 عقب انفضاض جلسة للأمم المتحدة عقدت في باريس قائلا انه اكتشف ان “الاسرائيليين” كانوا على علم مسبق بتوجيهات الرئيس للوفد الاميركي “ربما بالتزامن مع تسلم الوفد الاميركي للبرقية المعنية.”الرئيس هاري ترومان فرض حظرا آنذاك على “كافة نشاطات تهريب المعدات الحربية الى فلسطين ..” Leonard Slater, The Pledge (New York, 1970), pp. 319-320

اللافت في الأمر ان الحكومة الاميركية لم تسن تشريعات تجرم تسليم معلومات سرية “بواسطة مواطنين اميركيين الى اسرائيل” الا عام 1954، بعد انفضاح أمر رئيس شعبة الاستخبارات “الاسرائيلية،” حاييم وايزمان وتعيينه ملحقا عسكريا في واشنطن عام 1950 وغادرها عام 1954. وايزمان سعى للحصول على معلومات “عسكرية تخص الاردن” من عنصر عسكري اردني ملحق بالسفارة الاردنية في واشنطن، والذي “تم تجنيده لاحقا من قبل الاستخبارات الاسرائيلية

حذر تقرير هيئة االاستخبارات الدفاعية، التابعة للبنتاغون، في عام 1996، من “جمع المعلومات التقنية والعلمية للولايات المتحدة، والذي يأتي في المرتبة الثالثة من حيث الأهمية والأولوية للاستخبارات الاسرائيلية .. مباشرة بعد مرتبة جمعها معلومات سرية تتعلق بالسياسات او القرارت الاميركية التي تخص اسرائيل

          ايضا في العام عينه، اصدر مكتب المحاسبة العام، هيئة تنفيذية ملحقة بالكونغرس، تقريره بعنوان “أمن الصناعة الدفاعية: ثغرات التدابير الاميركية الأمنية مع المقاولين الاجانب (لوزارة) الدفاع،” اشار الى ان “البلد أ – اي اسرائيل – .. تنفذ عمليات تجسس عدوانية ضد الولايات المتحدة من بين كافة الحلفاء،” بغرض الحصول على “معلومات سرية وتقنيات عسكرية اميركية حساسة تحتل رأس سلم اولويات نشاطاتها.” واوضح التقرير انه “تم القاء القبض على عدد من مواطني (اسرائيل) بعد ضبطهم متلبسين بسرقة تقنية حساسة داخل الولايات المتحدة تستخدم في صناعة صمامات المدافع

في عام 1991، اصدر الصحافي الاميركي الشهير سيمور هيرش مخطوطه “خيار شمشون” موثقا سلسلة عمليات سطو ذات طبيعة أمنية قامت بها الاستخبارات “الاسرائيلية،” لا سيما في شأن الابحاث النووية التي ينسب الى احد كبار علمائها الاميركيين، صموئيل كوهين، اقراره بتسليم علماء الذرة الاميركيين لاسرائيل اسرار الاسلحة النووية. واضاف هيرش ان “وكالة الاستخبارات المركزية وفرت العون للاسرائيليين للحصول على معلومات تخص التقنية النووية في نهاية عقد الخمسينيات” من القرن المنصرم

اخطبوط “اسرائيل” يمتد عميقا في المؤسسات الاميركية

هناك ندرة في المعلومات الموثقة المتداولة حول شؤون التجسس، وبعضها يأتي في سياق نشاطات اميركية اخرى. على سبيل المثال، جاء في كتاب  النائب  السابق في مجلس النواب، بول فيندلي، نقلا عن مسؤول رفيع في الخارجية آثر عدم الافصاح عن هويته بالقول:  ان حجم “تسريب المعلومات الى اسرائيل هائل. ان كان لدي أمر ينبغي اطلاع وزير الخارجية عليه ولا ارغب كشفه من قبل اسرائيل، وجب علي الانتظار لحين تسنح الفرصة بلقاء الوزير شخصيا .. لا يتوفر لنا قدر كاف من الجرأة والجسارة لتدوين معلومات حساسة ورقيا .. بل يتحاشى هؤلاء الرسميون (في الخارجية) الحديث بحرية في مجلس مزدحم حول تلك القضايا.”     (Findley, Paul. They Dare to Speak Out. Chicago, IL: Lawrence Hill Books. 1989. Pgs 139-164)

اثناء حرب تشرين 1973 تقدمت “اسرائيل” بطلب من اميركا تزويدها بكميات ذخيرة معينة عيار 90 ملم. احد ضباط الاستخبارات في وكالة الأمن الدولي، التابعة للبنتاغون، توماس بيانكا، علق قائلا “قمنا بالتفتيش في كل مكان، واستفسرنا كافة فروع القوات المسلحة – القوات البرية والبحرية والمارينز، ولم نعثر على ذخيرة من عيار 90 ملم بالمطلق.” وجاء الرد “الاسرائيلي” صاعقا لبيانكا وآخرين بالجزم ان “لديكم تلك الذخيرة، وتعدادها 15000 وحدة ذخيرة وهي متوفرة في مخازن تابعة لمشاة البحرية في هاواي

سطو “اسرائيل” على مكونات ومعدات تدخل في صناعة القنبلة النووية، لا سيما حادث تهريب اليورانيوم المخصب من منشأة نووية في ولاية بنسلفانيا، تم توثيقها بدقة من قبل الصحافي سيمور هيرش، سالف الذكر. واتهم هيرش جيمس انغلتون، مسؤول قسم التنسيق بين وكالة الاستخبارات المركزية و”اسرائيل،” بأنه “وفّر للاسرائيليين معلومات تقنية (نووية) في منتصف عقد الستينيات” من القرن الماضي. لم تسفر حادثة السطو على اليورانيوم “توجيه تهم محددة” رغم معرفة هوية الاشخاص الفاعلين، وهم يهود اميركيين، بل اسقطت قضائيا ضدهم في شهر ايار عام 1969

          علاقات التعاون الوثيقة بين اميركا و”اسرائيل” تخللتها بعض محطات التنافس نظرا لتباين المصالح بينهما، ابرزها تشغيل الاخيرة لجوناثان بولارد وتمرير بعض المعلومات الحساسة للاتحاد السوفياتي آنذاك بغية “ارساء الدليل لدى موسكو بأن اسرائيل حليف افضل لها من الدول العربية،” كما ورد في مخطوطة سيمور هيرش المذكورة

كما اغضبت “اسرائيل” وكالة الاستخبارات المركزية التي سخرت موارد كبيرة لتجنيد “عالم سوري على دراية ببرنامج الاسلحة الكيميائية والبيولوجية السورية،” ابان ولاية الرئيس جورج بوش الابن،والذي اختفى ولم يعثر عليه. وجاء في المعلومات ان وكالة الاستخبارات “اشتكت من الاسرائيليين لتسريبهم معلومات (العالم السوري) بغية ممارسة ضغط على الحكومة السورية وارغامها على الاقلاع عن برنامجها” التسليحي. استطاعت الاجهزة السورية تحديد هوية المخبر والاقتصاص منه، دل على ذلك ما نقله المخبر لمشغله مدير محطة السي آي ايه المحلية بأن الاستخبارات العسكرية السورية كشفت أمره. (تقرير اوردته وكالة اسوشيتدبرس الاميركية، 29 تموز 2012

http://www.prisonplanet.com/israel-betrayed-u-s-spy-within-syrian-chemical-weapons-program.html

 

اميركا و”اسرائيل” معا للتجسس على الجالية العربية

وضعت الاجهزة الاستخبارية “الاسرائيلية” نصب اعينها جمع معلومات مكثفة عن الفلسطينيين المقيمين في الولايات المتحدة، مباشرة بعد هزيمة حزيران 1967؛ وتم توثيق التعاون الرسمي بين الاجهزة الاميركية و”الاسرائيلية” بين سنوات 1968-1974، وفق افضل المعلومات توثيقا في هذا الشأن. وشنت الاجهزة الاميركية، وكالة الاستخبارات ومكتب التحقيقات الفيدرالي، حملة مشتركة ضد النشطاء والمؤيدين للنضال الفلسطيني، اطلقا عليها حملة “كيوس – فوضى،” كان ابرز ضحاياها محامي عربي مقيم في ديترويت، عابدين جبارة. واوضح جبارة لاحقا انه نمى لعلمه ان “مكتب التحقيقات الفيدرالي وفّر معلوماته الخاصة لثلاث حكومات أجنبية ..” احداها كانت “اسرائيل

شنت حملة “كيوس” بالتزامن مع حملة اوسع على امتداد الولايات المتحدة “لاصطياد” القيادات الطلابية والعمالية واليسارية في عقد الستينيات، اطلق عليها اسم “كوينتيل برو – عملية مكافحة التجسس،” ذهب ضحيتها عشرات القيادات الواعدة والمئات من الحلقات النشطة وتدجين النقابات العمالية والمهنية الاخرى، اسوة بالضحايا من القادة التقدميين في البلدان النامية: كوامي نكروما، باتريس لومومبا، تشي غيفارا؛ فضلا عن المؤامرات المتواصلة الاخرى ضد فيدل كاسترو وجمال عبد الناصر، ولاحقا ضد احمد سوكارنو وانديرا غاندي

“اسرائيل” كان لها دور واضح وفاضح في معظم نشاطات الحملة الاميركية، خاصة عند الأخذ بعين الاعتبار ان الحركات الاحتجاجية والطلابية في المدن والجامعات الاميركية المختلفة ومناهضتها للعدوان الاميركي على فييتنام، آنذاك، بلورت وعيا معتبرا ضد شرعية الكيان وتنامي نزعة جماعية عريضة مناهضة للصهيونية داخل معظم اوساطها، مما وضعها في دائرة الاستهداف الصهيونية

          كما دأبت الولايات المتحدة على تسليم “اسرائيل” عدد من النشطاء الفلسطينيين القادمين من الارض المحتلة، بعد اعتقالهم، كثمرة للتعاون الوثيق بينهما: سامي اسماعيل – 1978؛ زياد ابو عين – 1981؛ ورسمية ابو عودة حاليا التي تقاوم محاولات تسليمها “لاسرائيل” بعد ان قضت ردحا من الزمن في سجونها؛ وآخرين لا تتسع المساحة ذكرهم جميع.

          اميركا والكيان الصهيوني كشفا عن تأصل العنصرية في ثقافة الغرب الامبريالي والمعولم (بعض الدول الاوروبية لم تمارس الاحتلال الامبريالي المباشر، بيد انها تشكل حلقة اساسية في اخطبوط العولمة لاخضاع الشعوب وثرواتها الطبيعية الى احتكاراتها)، وتنامي الاستهداف العنصري للعرب والمسلمين عموما، منذ تفجير برجي التجارة العالمية في ايلول 2001

من ضمن ما اسفرت عنه تلك الحملة تعاظم ابتزاز الاقتصاديات والسياسات الاقليمية من جانب، وترويض “قادة” الجمعيات العربية والمسلمة في الداخل الاميركي، وتحييدها بشكل اساسي عن ممارسة دورها المنوط بها في مناهضة الحروب الاميركية العدوانية على العراق وافغانستان، وما تبعها من تدمير واحتلال لليبيا وتدمير سورية واثارة الفوضى والدمار في مصر. وتغلغلت الاجهزة الاميركية داخل اوساط الجمعيات بكل تلاوينها ومشاربها دون استثناء كي تضمن ولاء قادتها ومجالس اداراتها وعدم خروج سياساتها عن الحدود المرسومة له

“اسرائيل”: علاقة “تنافس” ضمن معادلة التعاون والولاء المشترك

          تشير الوثائق الرسمية الاميركية الى نشاط تجسسي متواصل “لاسرائيل” يمتد لنحو 70 عاما، لعل ابرزها عملية منظمة اشرفت عليها “اسرائيل” للسطو على معدات اميركية بالغة التطور تدخل في صناعة المكونات النووية. وقد حصلت الاولى على نحو “800 صاعق كرايترون بين اعوام 1979 – 1983” والتي تكمل دائرة التفجير في الاسلحة النووية، من شركة “ميلكو” الاميركية في كاليفورنيا لصالح “وزارة الدفاع الاسرائيلية،” دون العودة للحصول على تصاريح تصدير من وزارة الخارجية الامير

الخارجية الاميركية رفضت سلسلة طلبات قدمت لها بذاك الأمر سابقا. اعتقل رئيس الشركة، ريتشارد كيلي سميث، لاحقا مع عقيلته بعد فراره الى اسبانيا، ووجهت له لائحة من 40 تهمة بالتهريب وتزوير الوثائق، وصدر أمرا بسجنه لمدة 40 عاما، منتصف عام 2001، الا انه استطاع “نيل حريته بعد 4 سنوات” فقط. شارك سميث في عملية التهريب مخرج سينمائي في هوليوود يحمل جوازا “اسرائيليا،” ارنون ميلكان، الذي اقر لاحقا انه تم تجنيده على يد “رافي ايتان” مشغل الجاسوس جوناثان بولارد، الذي وصفته الوثائق الرسمية الاميركية “بالجاسوس النموذجي

صحيفة “نيويورك تايمز” ناقضت الرواية الرسمية للخارجية الاميركية بان “اسرائيل ابدت تعاونا كبيرا” اثناء عملية التحقيق في شحن صواعق كرايترون، قائلة ان “الاسرائيليين قدموا تفسيرا غير مقنعا في بداية الأمر .. فضلا عن ان الدوائر الرسمية الاميركية عملت على اخراج المسألة من التداول العام على الفور.” (New York Times, May 16, 1985

          علاوة على ما تقدم، تخشى الدوائر الرسمية والاستخباراتية الاميركية “مشاركة اسرائيل لدول اخرى” بالمعلومات التقنية التي بحوزتها، خاصة تلك التي تعتبرها خصما لها مثل الصين. وجاء في تقرير صادر عن “مكتب استخبارات سلاح البحرية،” ان الصين استطاعت الحصول على “التقنية الاميركية عن طريق اسرائيل في برنامج تعاونهما على (تطوير) المقاتلة ليفي وربما ايضا تقنية الصواريخ المضادة للطيران.” واوضح التقرير عينه ان الأمر “ينطوي عليه خطوة دراماتيكية للامام بالنسبة لسلاح الجو الصين

          في عام 2000، حاولت “اسرائيل” بيع الصين “ما توفر لديها من تقنية طائرات الانذار المبكر – فالكون، التي صممت وفق تقنية مرخصة اميركيا.” واعرب تقرير صادر عن مكتب التحقيقات الفيدرالي، لعام 2005، حول الأمر ان “عمليات السطو (الاسرائيلية) تقوض ميزات التطور للعسكرية الاميركية، ووفرت للقوى الاجنبية الفرصة للحصول على تقنيات باهظة الكلفة والتي استغرق تطويرها عدة سنوات.” البعد التجسسي “الاسرائيلي” لا يقتصر على النواحي الاستخبارية والعسكرية والتقنية والأمن القومي فحسب، بل ايضا تتم لصالح القطاع الاقتصادي والشركات “الاسرائيلية” وتحصينها بامكانيات توفر لها القدرة على المنافسة في المستوى الدولي، كما تشهد بذلك تجارة تصدير “الاسلحة الاسرائيلية” الرائجة، والتي تتم في بعض الاحيان على حساب المصالح الاميركية، كما يعتقد البعض، او ربما من باب توزيع الادوار بينهما لحساسية الانخراط الاميركي المباشر في بعض الدول والمناطق العالمية

          ضمن هذا الاطار يستطيع المرء التوصل الى حقيقة موقف الولايات المتحدة  لعدم “التساهل” في اطلاق سراح جوناثان بولارد، نظرا لخطورة المعلومات التي وفرها “لاسرائيل” والتي ثبت انها قامت بتمريرها للاتحاد السوفياتي، ودلالة على عمق درجة الاحباط من توقعاتها بتصرف “اسرائيل” خلافا لما قامت به

          المعلومات المتوفرة والمتداولة لا تفي لعرض تقييم حجم الضرر الناجم عن “تجسس اسرائيل على الولايات المتحدة” بشكل دقيق. في هذا الشأن، اوضح الصحافي سيمور هيرش في كتابه المذكور، خيار شمشون، نقلا عن مسؤول رفيع في الاستخبارات الاميركية قوله ان جهود الاولى “نجم عنها خسارات متعددة في الارواح وآليات جمع المعلومات الاستخبارية داخل حدود الاتحاد السوفياتي والتي تسبب بها جوناثان بولارد .. بغية الرغبة الاسرائيلية في اثبات قدرتها الاستراتيجية للحفاظ على ديمومة” كيانها

في الجانب العملياتي، اوضحت صحيفة واشنطن بوست ان طلبها للحصول على مخصصات الميزانية السنوية “السرية،” لوكالة الأمن القومي بناء على وثائق وفرها الموظف السابق ادوارد سنودن، جاء بنتيجة ان بند الميزانية المخصصة لمكافحة جهود تجسس الاعداء على الولايات المتحدة يضم “ايران وكوبا .. واسرائيل ايضا ..” ونقلت الصحيفة عن تقرير الميزانيات المالية لصالح الكونغرس لعام 2013 بالاشارة الى ان الولايات المتحدة “تستثمر في جهود تتبع الاهداف وعمليات مكافحة التجسس ضد اهداف حساسة، في بلدان مثل الصين وروسيا وايران واسرائيل وباكستان وكوبا

لماذا المفاجأة الآن

صاحب المقال المنشور في “نيوزويك،” جيف ستاين، اوضح مباشرة الغرض من المجاهرة في مقالته الثانية، بتاريخ 8 أيار الجاري، بالقول نقلا عن مسؤول رفيع في مكتب التحقيقات الفيدرالي شارك في التحقيقات المتعددة “ليس بوسع اي  امرءٍ  احراج اسرائيل .. ارباكهم يعد ضربا من المستحيل. قمنا بالقبض عليهم متلبسين (بجرم التجسس)، لكنهم هزوا اكتافهم استهجانا بالقول “حسنا، وماذا بعد الآن؟”

          واضاف ستاين ان كل المسؤولين، من كلا الحزبين، يخشون سطوة “اللوبي الاسرائيلي.” ونقل عن مسؤول سابق في جهاز مكافحة التجسس قوله انه “ارتكب مخاطرة باثارة غضب اسرائيل لسبب بسيط وهو توفيره تقارير استخبارية دورية لمسؤولين اميركيين، ورجال اعمال وعلماء في طريقهم لاسرائيل للمشاركة في ندوات وجلسات عمل.” موضحا “كان يتعين علينا ممارسة اقصى درجات الحذر عندما نتوجه باخطار المسؤولين الاميركيين” لأمر جلل، “كنا نتلقى مكالمات غاضبة من اعضاء في الكونغرس نابعة من عدم موافقتهم على التحذيرات الأمنية الصادرة (من الاجهزة الأمنية) قبل التوجه لزيارة اسرائيل .. كان يحلق فوق رؤوسنا دوما هاجس اعتبار الحساسية السياسية المرهفة التي ينبغي اخذها بالحسبان” حينما يتعلق الأمر “باسرائيل

          وتابع ستاين ان ردود الافعال الاولى من “اللوبي الاسرائيلي” كانت توجيه اتهامات بالجملة للمسؤولين الاميركيين “بمعاداة السامية،” ولذا كان لزاما عليه، يقول متابعا، توضيح الأمر بمعزل عن التهم الواهية. واوضح انه بعد نشر الحلقة الاولى من تحقيق نيوزويك، 6 أيار، فان “نفرا صغيرا من ضباط سابقين في الاستخبارات المركزية ومكتب التحقيقات الفيدرالي والمؤسسة العسكرية (الذين التقاهم) ولديهم معرفة دقيقة بهذا الشأن اعربوا عن عميق بهجتهم لما نشرته” نيوزويك. واضاف “لا يوجد بينهم اي فرد يمكن تصنيفه بمعاداته للسامية. بل على العكس، المسألة لا تتعلق بمعادة السامية بالمرة. ان جذر المسألة يتعلق  بطبيعة الرد (الاميركي) الواهي الذي تقابل به اسرائيل ..” في كل مرة يتم التثبت من خرقها للقوانين الاميركية

الضابط السابق في وكالة الاستخبارات المركزية، فيليب غيرالدي، علق محذرا من سطوة “البعبع الاسرائيلي،” بالقول انه “بصرف النظر عن طبيعة الحزب الحاكم، ينبغي عدم النيل من اسرائيل ان كان المرء يرمي التقدم في مساره المهني .. معظم موظفي الوكالة قلقون من جهود اسرائيل التجسسية على الاراضي الاميركية وكذلك للتحركات الاسرائيلية المناهضة للمصالح الاميركية .. كلهم يمقتون الفعلة، بيد انهم يخشون البوح بمعلوماتهم خشية التداعيات السلبية على مسارهم المهني. لاسرائيل حظوة الامتياز وهكذا ستسير الامور على عواهنها. انه لضرب من الجنون، والكل يدرك انه جنون بحق

في جانب التكهنات، من المرجح ان توقيت المقال المشار اليه تم بايعاز من البيت الابيض مباشرة لسببين: الاول تزامنا مع زيارة مستشارة الأمن القومي، سوزان رايس، لتل ابيب بغية ممارسة مزيد من الضغوط التي فشلت في السابق لحث نتنياهو وفريقه السياسي ابداء بعض المرونة فيما يخص ملفات المفاوضات الثنائية مع السلطة الفلسطينية، والملف النووي الايراني، وقضايا اقليمية اخرى. الثاني، له بعد اجرائي بخلفية سياسية، تتعلق بمطالبة نتنياهو الحكومة الاميركية معاملة “الاسرائيليين” الزائرين بافضلية وتسهيل دخولهم للاراضي الاميركية دون الاضطرار للحصول على تأشيرة دخول مسبقا

          كما انه من غير المرجح ان يؤدي الافراج عن تلك المعلومات الموثقة والرسمية الى “تراجع جهود التجسس الاسرائيلية،” بل ستمضي قدما دون ادنى اعتبار كما اعتادت على ذلك لما ينوف عن عقود سبعة. ربما الرابح الوحيد من عملية تسليط الاضواء على جهود التجسس هو الشعب الاميركي الذي يكن عداء متأصلا لأي جهود تتعلق بالتجسس على بلاده، خاصة في اعقاب موجات الغضب العامة لتجسس وكالة الأمن القومي على خصوصياته، التي وثقها ادوارد سنودن

2014-05-16 التقرير الأسبوعي

 

: المقدمة

        .شهدت مراكز الابحاث الاميركية نشاطا مكثفا نسبيا في حجم وتنوع المواضيع المتناولة، في فترة  تسبق عطلة رسمية لعيد المحاربين في اميركا تمهيداً لبدء موسم العطلة الصيفية

        سيستعرض قسم التحليل الاوضاع الذاتية لقوى المعارضة السورية المسلحة في ضوء سلسلة هزائم تلقتها في مواطن قوتها المركزية، وتوجه داعميها لتنشيط الجبهة الجنوبية لسورية بعد استكمال الاستعدادات اللوجستية والتدريبات التي جرت على الاراضي الاردنية باشراف القوات الخاصة الاميركية وحلفائها الغربيين، وحرص “اسرائيل” على توفير سبل دعم متعددة لقوى المعارضة. كما سيمر التحليل على طبيعة الاسلحة التي دخلت الخدمة الميدانية بعد افصاح الولايات المتحدة عن نواياها بتوفير اسلحة متطورة مضادة للطيران والدروع لقوى المعارضة، ومنها الصاروخ المضاد للدبابات من طراز تاو

ملخصدراسات ونشاطات مراكزالابحاث

الدولة الاسلامية في العراق والشام

تناول معهد الدراسات الحربية في دراسة اولية اوضاع داعش، مشيرا الى تنامي قواها و”تنفيذها هجمات متطورة تقنيا وتسليحيا في دير الزور .. وكذلك في جهودها لانشاء مجالس حكم محلية بينما تمضي في حملتها المنظمة جيدا داخل الاراضي العراقية. واوضح انه بصدد اصدار دراسات اخرى معمقة تتناول جوانب مختلفة من الدولة، ومنها النشاطات غير العسكرية التي تقوم بها في سورية

المجموعات السلفية

        تناول معهد كارنيغي المجموعات السلفية الكويتية ونفوذها على الساحتين السورية واللبنانية، بالاشارة الى “الشبكات المالية العابرة للحدود لتمويل التيار السلفي العالمي .. مما عزز سيطرتها على النطاق الدولي.”  واضاف ان نشاط المجموعات السلفية في الكويت “اسهم مباشرة في احداث انقسامات واستقطابات في اوساط القوى السلفية المتواجدة في شمال لبنان .. كما ان حملات التمويل التي يشرفون عليها في الكويت دعمت جهودهم لرعاية عدد من المنجموعات السلفية المختلفة في سورية، مما اسهم في بلورة التعصب الطائفي وتشظي قوى المعارضة السورية

العراق

        لفت معهد المشروع الاميركي النظر الى تعزيز ايران “نطاق نفوذها في العراق عبر دعمها الميليشيات الشيعية.” واوضح ان تداعيات الامر قد يؤدي “اما الى ردود فعل عنيفة داخل الشريحة المنوي تمثيلها او الى خسارتها للنقاء الايديولوجي .. سيما وان القادة في ايران راغبون في رؤية طرف عراقي مطواع او حتى لعب دور الوكيل .. ويتضح ان شيعة العراق لا يبدون الانصياع بالاكرا

النظام الملكي السعودي

        تناول معهد واشنطن “التغييرات المفاجئة” التي طالت المؤسسة العسكرية في المملكة، والتعيينات الجديدة واقصاء عدد من رموز مراكز القوى التقليدية. واوضح المعهد انه بصرف النظر عما ستؤول اليه الاوضاع فان “الثابت في الأمر ان التعيينات الاخيرة ستترك تأثيرا هاما على قدرات وسياسات القوات الملكية المسلحة.” واضاف انه يلمس مؤشرات حسية تدل على “خفض المملكة السعودية مستويات دعمها للمقاتلين الجهاديين في سورية

تركيا

        الانتخابات الرئاسية المقبلة في تركيا كانت محور اهتمام معهد واشنطن، موضحا “النجاحات التي حققها حزب الحرية والعدالة في عدة نواحي .. منها مغازلة الكتلة الكردية القوية والتشديد على السياسات الاقتصادية لاردوغان .. مما يدل على اعتمادها في حملة الرئاسة الانتخابية” المقبلة

افغانستان

        اعرب مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية عن قلقه “لغياب الدور القيادي الاميركي في المرحلة الانتقالية” الافغانية، موضحا انه كان ينبغي على واشنطن ودول حلف الناتو “بلوغ مرحلة تحدد خطوات حقيقية للمرحلة الانتقالية .. تشمل الرؤية الاستراتيجية وكلفتها المادية والشروط المطلوب توفرها للاستمرار في تقديم المعونات” الدولية. واتهم المركز ادارة الرئيس اوباما بالفشل “لاخفاقها في بلورة خيارات ذات مصداقية .. والدور المنوط بالولايات المتحدة ان تلعبه في افغانستان” بعد اتمام انسحابها نهاية العام الجاري.

        معهد كارنيغي بدوره اوضح ان الاستقرار في افغانستان غير مستتب، موضحا في دراسته “التداعيات المحتملة التي ستنجم عن الانسحاب الاميركي .. والتعريح على المصالح والاولويات السياسية للاعبين الاقليميين .. وما سينجم عنها من تطور.” وحثت السلطات الافغانية المقبلة على تبني عقد “موتمر وطني جامع تحت اشراف الامم المتحدة للبحث في الادوار المحتمل قيامها بها

: التحليل

 

عودة الرهان الاميركي على تسخين الجبهة الجنوبية لسورية

       تردد على السنة بعض “قادة” المعارضة السورية قولهم “ليوقف الرئيس بشار الأسد عملية الانتخابات (الرئاسية)، وستتوقف الهجمات من الشمال الى الجنوب،” في اقوى اشارة الى ان قرار ادارة المعارك المتواصلة في حلب وكسب في الشمال الى بعض مناطق غوطة دمشق يرتبط مباشرة بقوى اقليمية ودولية، عززها لقاء لندن نهاية الاسبوع الجاري “لاصدقاء سورية” الذي “ادان عقد الانتخابات الرئاسية” خشية على ما يبدو لما ستفرزه عملية حرية اختيار المواطن العربي في سورية من نتائج “تزعج” الداعمين الدوليين والاقليميين لمسلحي المعارضة، خاصة بعد سلسلة هزائم تكبدوها على ايدي القوات المسلحة والقوى الشعبية في حمص، التي اعدوها لتصبح “عاصمة الثورة،” ولفظتهم بقوة واصرار اهلها الذين عادوا الى اطلال منازلهم المدمرة بتصميم على اعادة البناء

        تجدر الاشارة الى تراكم مستويات الغضب من قبل الداعمين والممولين الاقليميين والدوليين للمعارضة المسلحة بعد نجاح سلسلة المصالحات الوطنية وتسليم المسلحين اسلحتهم للدولة السورية، ليس في حمص وريف دمشق فحسب، بل في “بلدة جاسم” المطلة جنوبا على تلال مدينة درعا مما ادى الى خروج “حوالي 2000 عنصر مسلح يتبعون جبهة النصرة والجيش الحر .. وتسوية وضع كل من يسلم نفسه خلال 48 ساعة، الا اذا كان مطلوبا بجرم او جناية” للدولة السورية. الممولون الخليجيون سبق وان اصدروا تهديدات لمقاتلي المعارضة، نيسان الماضي، تتوعد بمعاقبة قادة المعارضة العسكريين بالقتل والاغتيال ان لجأوا الى عقد تسوية مع الجيش العربي السوري

        تردد منذ مطلع العام الجاري ان “وزارة الخارجية الاميركية ابلغت معارضين سوريين في باريس .. ان قرارا سعوديا – اميركيا مشتركا قد اتخذ بفتح الجبهة الجنوبية مجددا .. بتنسيق سعودي – اردني – اميركي .. بعد زيارة العاهل الاردني لواشنطن وقبيل توجه الرئيس اوباما الى الرياض،” في 22 آذار الماضي، وصفت بانها “المعركة الاخيرة للسعودية للسيطرة على دمشق

سبق الاعلان المذكور توفير “اسرائيل” تسهيلات لوجستية وقتالية من مرابضها ومحطاتها المقامة على جبل الشيخ لقوات المعارضة لا سيما بالتشويش الالكتروني على اتصالات وحدات الجيش السوري. ومنذئذ تتالت “التسهيلات العسكرية والميدانية الاسرائيلية” لاحتضان وتوجيه ودعم تسليحي ومعالجة المصابين من مسلحي المعارضة في مشافي فلسطين المحتلة برفقة حملة دعائية واسعة

طبيعة المخطط “الاسرائيلي” اوجزه الباحث في “معهد واشنطن،” معقل اللوبي ليهود اميركا، ايهود يعاري، بالقول “اعتقدت دوما ان مفتاح الحل للأزمة سيكون في القطاع الجنوبي (من سورية) ويبدو انه يميل بذلك الاتجاه. النظر الى طبيعة انتشار تشكيلات الجيش السوري وحلفائه مثل حزب الله (في المنطقة) يقودنا للقول ان جبهة قد انفتحت على مصراعيها في الجنوب.” الجبهة المقصودة تمتد على طول الحدود السورية مع الاردن وفلسطين المحتلة، ولعلها ابلغ أهمية من الجبهات الاخرى، بعد استنزاف مجاميع المسلحين الدوليين وهزيمتهم وتكبدهم خسائر بشرية كبيرة في غوطة دمشق والقصير وحمص وكسب وحلب

اهمية الجبهة الجنوبية لسورية نابعة ايضا من عدة اعتبارات، ابرزها انها طريق الامداد الرئيس الآمن لكافة سبل الدعم العسكرية والتمويلية والتسليحية وممر عبور للمقاتلين بالنسبة للمملكة السعودية ودول الخليج الاخرى المنخرطة في مؤامرة تدمير الدولة السورية. ثانيا، انها تشكل قاعدة لمعسكرات تدريب تشرف عليها القوات الخاصة الاميركية والبريطانية والفرنسية، انطلاقا من الاراضي الاردنية. ايضا، اهميتها لتباين السيطرة والنفوذ للحكومة الاردنية على الشريط الحدودي مقارنة مع الجبهة الشمالية المسيطرة عليها من تركيا “الحرية والعدالة” والتي تعتبرها منطقة امتداد لعمقها وسيطرتها الاستراتيجية على الاقليم. العامل الابرز هو الدور “الاسرائيلي” الطامح في عزل جبهة الجولان وابقائها تحت السيطرة التامة للكيان الصهيوني، عبر توسيع نطاق شريط حدودي آمن على غرار جنوب لبنان قبل تحريره في 25 ايار 2000

لبلوغ الهدف المعلن، كثفت القوى الداعمة من جهودها بغية شن قوى المعارضة المسلحة هجمات متعددة مصدرها هضبة الجولان وتدمير مرابض الجيش السوري، وانشاء شريط عبور آمن يمتد من اراضي الهضبة المحتلة الى منطقة مدينة القنيطرة المحررة وطرق مواصلاتها التي لا تزال في قبضة الجيش السوري. الهجوم المدعوم “اسرائيليا” استهدف اللوائين المدرعين 61 و 91 التابعين للفرقة العاشرة السورية، المرابضين على هضبة الجولان، اذ لا تنسى “اسرائيل” الهزيمة الماحقة التي تعرضت لها فرقتها 90 المدرعة في 10 حزيران 1982 على ايدي اللواء السوري 91 المدرع في معركة السلطان يعقوب الشهيرة التي دامت ساعات ستة تكبدت “اسرائيل” خسارة 8 دبابات وحوالي 30 قتيلا “وفشلت في تدمير دباباتها المعطلة في ارض المعركة، من طراز ام-48 ايه 3،” والتي لا تزال تعرض احداها في متحف بانوراما حرب تشرين في دمشق. اللافت ايضا ان “اسرائيل” فقدت 3 جنود لم يعرف مصيرهم لليوم، احدهم “اسرائيلي-اميركي،” زخاري بوميل، ويهودا كاتس وتسفي فيلدمان، والذين اسرتهم القوات السورية وطافت بهم في شوارع دمشق محمولين على ظهر دباباتهم التي تم الاستيلاء عليها. لعل هذا ما يفسر شراسة الاشراف والدعم “الاسرائيلي” للهجوم على القوات السورية المذكورة، في تل الجابية والتل الاحمر، التي تراجعت قدرتها القتالية بشكل ملحوظ حسبما افادت الانباء الصحافية؛ بينما حافظت الفرقة السورية الثالثة على تماسكها وسيطرتها على الجزء الشمالي من مدينة درعا، ويسيطر المسلحون على مناطق اخرى من المدينة

البعد الاردني في معركة درعا

القوى الغربية المشرفة والمسيرة للقتال لاجل تدمير الدولة السورية، الغرب بقيادة الولايات المتحدة وادواتها الاقليمية من المملكتين السعودية والاردنية وتركيا وقطر، رعت منذ زمن فلول المنشقين عن الجيش السوري وفتحت لهم معسكرات تأهيل وتدريب في الاراضي الاردنية بادارة واشراف القوات الخاصة الاميركية والبريطانية والفرنسية. واتساقا مع خصخصة الحكومة الاميركية لبعض مهام التدخل العسكري، تم رصد عدد من قوات المرتزقة الاميركية المنخرطة تحت لواء “شركة بلاكووتر – او “اكاديمي” التعريف الذي اختارته بعد انفضاح دورها في العراق والامارات المتحدة امعانا في تضليل حقيقة دورها – في مراكز ومعسكرات التدريب الاردنية

برامج التدريب “استثنت” للحظة الصواريخ المضادة للطيران المتطورة، من طراز ستينغر، وشملت اسلحة رشاشة روسية: كلاشنيكوف بطبعتيه ايه كي 47 والاحدث 74، وقذائف صاروخية آر بي جيه، والرشاشات الروسية المضادة للدروع من عيار 14.5 ملم، وكذلك قذائف مضادة للطيران من عيار 23 ملم. اختيار الاسلحة روسية الصنع تم نظرا لتوفرها بوفرة في مخازن الجيش الليبي بعد اغتيال الزعيم معمر القذافي واحتلال ليبيا، وكذلك طمعا في الاستيلاء على بعضها من مخازن الجيش السوري، اضافة لتلك التي تسيطر عليها وكالة الاستخبارات المركزية وقامت بالاشراف على شحنها من ليبيا الى سورية مرورا بالاراضي التركية والاردنية سويا. تمتد فترة التدريب نحو اسبوعين من الزمن لعناصر لا يتعدى تعدادها 40 فردا لكل دورة

من المرجح ان القوى الداعمة للعناصر المسلحة اقدمت على تزويدها ببعض القذائف الصاروخية المحمولة روسية الصنع، من طراز ستريلا-2 او سام-7، والتي تمثل الجيل الاول من الصواريخ الروسية المحمولة المضادة للطائرات اذ دخلت الخدمة الميدانية عام 1968؛ واستخدمت بكثافة من قبل الجيش السوري في لبنان ضد الاجتياحات “الاسرائيلية” المتعددة، ويعتقد ان وكالة الاستخبارات المركزية سيطرت على مخزون كبير منها من الترسانة الليبية. بينما احجمت تلك القوى الداعمة عن توفير اسلحة متطورة اميركية الصنع يطالب بها المسلحون السوريون للشروط الاميركية المقيدة على تسليمها لطرف ثالث

كثفت وكالة الاستخبارات المركزية جهودها لعقود عدة للاحتفاظ بترسانة اسلحة سوفياتية وروسية الصنع بغية توفيرها للقوى المضادة للثورة والمؤيدة للمشاريع الاميركية في بلادها. الأمر الذي وفر لها “ذريعة” لنفي دورها في الصراعات الدموية التي اشرفت عليها، لا سيما في تسليحها للقوى الافغانية ضد الاتحاد السوفياتي في عقد السبعينيات من القرن الماضي؛ ودعم قوى الانفصال في جنوب السودان ومناطق اخرى من الوطن العربي واميركا الوسطى العالم

العدوان الغربي واحتلاله لليبيا وفر مخزونا هائلا من الاسلحة السوفياتية / الروسية للوكالة بشكل رئيس، فضلا عما سيطرت عليه من ترسانة بحوزة دول اوروبا الشرقية المنضوية في حلف وارسو سابقا. يمكننا القول ان الاستراتيجية الاميركية ارتكزت على تجنيد الآخرين لخوض حروبها باسلحة غير اميركية، بغية الحفاظ على عدم وقوعها بايدي قوى قد تنقلب عليها كما واجهته في القوى الافغانية بعد خروج الاتحاد السوفياتي من افغانستان

وربما فرضت التطورات الميدانية على الولايات المتحدة اعادة النظر في عدة ساحات بتلك الاستراتيجية يدل عليها مشاهدة موثقة لصواريخ اميركية مضادة للدروع، من طراز تاو-71، في ايدي قوى المعارضة المسلحة السورية. معروف ان القوات “السعودية” اشترت عددا كبيرا من تلك الصواريخ، بقاذفاتها ورؤوسها المتفجرة، من الولايات المتحدة كجزء من مشترياتها التسليحية الدورية، ومن المرجح انها وفرتها لقوى المعارضة السورية – بمعرفة الولايات المتحدة، كما تشترط اتفاقية شراء الاسلحة. ايضا، قوات الاحتلال “الاسرائيلية” تمتلك عددا لا بأس به من تلك القواذف والرؤوس استخدمتها بكثافة خلال عدوانها على لبنان عام 1982 في معركة استهدفت 11 مدرعة سورية دمرتها يوم 11 تموز 1982؛ كما رصد استخدام السلاح المذكور في العدوان الاميركي والغربي على العراق عام 2003

افادت المصادر الاميركية ان قواذف وصواريخ تاو سالفة الذكر شوهد استخدامها من قبل “حركة حزم” المرتبطة بالجيش الحر في سورية تحت إمرة الضابط المنشق سليم ادريس، والمشكلة من الناجين من “كتائب الفاروق” المنحلة. وتجهد المصادر الاعلامية الاميركية الى التمييز بين تلك المجموعة “المعتدلة” والقوى الاخرى “المتشددة” للدلالة على التزام الادارة الاميركية بتوفير الدعم للقوى المعتدلة حصرا. واوضحت التقارير الميدانية والاعلامية المتابعة للمعارك في الجزء الجنوبي من سورية ان تلك الاسلحة استخدمت بكثافة ضد المدرعات السورية وحققت اصابات مباشرة افقدتها بعض الاتزان وحرية الحركة لشن هجمات مضادة

واوضحت شبكة “فوكس نيوز” ان تلك الاسلحة سلمت “لحركة حزم” منذ شهر آذار الماضي بعد اضافة اجهزة تتبع ومراقبة متطورة تعمل باستشعار بصمة الاصابع للتعرف على هوية المستخدم قبل توجيه القذيفة. ومن المرجح ان تدخل تلك التقنية في قواذف وصواريخ ستينغر للتحقق من هوية مستخدميها والتيقن من عدم وقوعها في ايدي قوى غير مرغوب بها

الثابت في هذا الصدد ان القرار الاستراتيجي الاميركي اتخذ سلفا لتصعيد الموقف الميداني واستنزاف الجيش السوري عبر اسلحة اميركية متطورة، وتراجع المراهنة على عقد جولة جديدة لمؤتمر جنيف بغية التوصل لحل سياسي

 يشار ايضا الى ان الاستراتيجية الاميركية “المعدلة” التزمت تحشيد قوى المعارضة المدربة حديثا ضمن تشكيلات كبيرة من كتائب وألوية وادخالها الاراضي السورية خروجا عن الطور التقليدي بادخال مجموعات صغيرة مقاتلة. الأمر الذي يؤشر على بلورة اهداف اكبر للمعارضة، التي يعتقد ان قوتها تبلغ نحو 20،000 عنصر، وتمكينها من الاشتباك طويلا مع وحدات الجيش السوري

وقد رصد اشتباك تشكيلات كبيرة من هذه القوى مؤخرا في مواجهات على الجبهة الجنوبية لسورية، بانخراط لوجستي وتسليحي “اسرائيلي” مباشر، اسهم في اعاقة سيطرة اللوائين السوريين المدرعين، 61 و 91 على هضبة الجولان، بيد ان القوى المعارضة، على الرغم من تراكم الدعم الدولي والاقليمي وتعدده، لا تملك القوى البشرية الكافية المطلوبة لازاحة سيطرة الجيش السوري عن مدينة القنيطرة ومحيطها

موضوعيا، تعدد مهام المواجهة والتصدي المفروضة على الدولة السورية ادت الى نشر قواتها المسلحة على رقعة جغرافية اوسع، فضلا عن الخسائر البشرية في قواتها، مما ضاعف من بلورة مهام ومستويات مواجهة دفعتها لانخراط قوات الدفاع المدني لمديات اعلى مما ترغب به، وهي الادنى تدريبا وتسليحا من القوات النظامية، وبالتالي تنامي اعتمادها على الفرقة المدرعة التاسعة، لحماية المداخل الجنوبية للعاصمة دمشق، والمرابطة في الكسوة وقطنة وكناكر

العامل “الاسرائيلي”

الاسلحة “الاسرائيلية غير الفتاكة” المتطورة تصل “سرا” وبالعلن الى ايدي القوى المعارضة بشقيها “السياسي والعسكري،” ليس ادل على ذلك من تصريحات متتالية “لقادة” المعارضة للتبرع بالتخلي عن كامل هضبة الجولان للكيان الصهيوني مقابل مساعدته لهم تسلم السلطة في دمشق – بسذاجة متناهية – لم يدركوا بعد فشل مراهناتهم ومموليهم وداعميهم النيل من الدولة السورية رغم اثخان الوطن بجراح وتشريد وانقسام ودمار، وهو كل ما استطاعوا “انجازه

تبعد القنيطرة نحو كيلو متر واحد من “خط وقف اطلاق النار” الذي تم التوصل اليه بعد حرب تشرين 1973. نظرا لهذه الأهمية الاستثنائية ومرابطة القوات المسلحة السورية فيها وحولها فان اي جهد لابعاد شبح السيطرة السورية المركزية تبقى على رأس سلم اولويات حلم الكيان الصهيوني لتحييد الجيش السوري واستبداله بعناصر طيعة لا تطمح سوى لتحقيق مكاسب ذاتية مقابل تسليم الوطن لاعدائه

“اسرائيل” لم تكن غائبة يوما عن تصعيد الصراع المسلح في سورية، بصرف النظر عن التصريحات المعلنة بغير ذلك وتلميح الادارة الاميركية بخطورة دخولها المباشر على الخط. وينبغي استحضار تصريح ادلى به “ايهود يعاري،” سالف الذكر، بالقول “لن يكون خطأً الافتراض بوجود بعض الاتصالات بين الجيش الاسرائيلي وبعض المجموعات” الارهابية. يشار ايضا الى غياب اي تعليق ينفي ما جاء بهذا التصريح، سواء من تلك القوى المدعومة اقليميا ودوليا، او من مراكز القوى الفاعلة الساعية الى تفتيت كيان الدولة السورية

بل لم يشأ يعاري ان يعرض تصريحه للتأويل، وقال موضحا “تسعى تلك القوى للمحافَظة على عدم اثارة واستفزاز الاسرائيليين على الطرف المقابل من الحدود – كجزء من تطمينات اخرى – مع العلم ان اشتباكها مع الجيش السوري يتم على بعد بضعة أمتار فقط من الخط الفاصل” في الجولان المتفق عليه عام 1974. ويعتقد المراقبون العسكريين ان الجيش السوري النظامي يعاني من نقص في عدد القوات النظامية المطلوبة للحفاظ على مواقعه في الجزء الجنوبي للجولان الذي بات يشكل “الخاصرة الرخوة للنظام.” كما ان الاخير، كما يقال، غير راض عن جهوده لحشد مزيد من القوات المجندة حديثا لصد الهجوم الذي وعد به قادة المعارضة المسلحة، الذين يدركون جيدا ان ظهرهم الميداني مسنود بقوة من “اسرائيل

وتشير التقارير الاعلامية من المنطقة الى “تسهيلات عدة يقدمها الجيش الاسرائيلي لهجمات المعارضة على مواقع ومرابض وتحصينات الجيش السوري في منطقة القنيطرة.” وليس ادل على ذلك الوضع من اعلان “اسرائيل .. منطقة الحدود المشتركة على الجولان منطقة عسكرية مغلقة ..” والتي شهدت نشاطا استخباريا وأمنيا مكثفا بالتوازي مع الاعلان المذكور

كما تفيد احدث التقارير الاعلامية الى تلقي نحو 1600 مقاتل من المعارضة السورية علاجا طبيا في مشافي فلسطين المحتلة، ورصد تقديم “اسرائيل” بعض “المساعدات الانسانية” لقوات المعارضة المتواجدة في قرى المنطقة الحدودية

يشار ان صحيفة “الوطن” الاماراتية افادت مؤخرا قيام “عملاء اسرائيليين بتوزيع معونات مالية كبيرة على فصائل المعارضة السورية،” استنادا الى معلومات زودها مصدر من داخل احد فصائل المعارضة في جنوبي سورية مؤكدا بدوره تسلم ثلاثة فصائل معارضة على الاقل مبالغ كبيرة بلغت عدة مئات الالاف من الدولارات قدمها عملاء اسرائيليون بحثا عن معلومات لتحديد هوية كافة المقاتلين الاسلاميين الذين انشأوا قواعد انطلاق خاصة بهم بالقرب من الحدود السورية مع فلسطين المحتلة

المرء ليس بحاجة الى دلائل مادية لتورط “اسرائيل” وانخراطها في تأجيج الصراع المسلح داخل سورية، سيما وانها تقر بأن دورها يقتصر على توفير “مساعدات انسانية.” بيد ان المراقبين يؤكدون وجود تعاون وطيد بين “اسرائيل” والاردن خاصة في مجالي الاستخبارات والمساعدات التقنية التي توفرها الاولى للاردن

ماذا يخبيء المستقبل لسورية

        لم يفاجأ احد بالتفاتة الولايات المتحدة الى الحل العسكري في سورية مرة اخرى والذي جاء في اعقاب سلسلة اخفاقات سياسية وعسكرية تكبدتها في الاقليم، وهزائم حلفائها ميدانيا هناك مما سيترجم سلبا في معادلتها السياسية؛ والتحولات الاقليمية بعد تراجع بيَّن لتركيا وقطر والمملكة السعودية، والدولية التي قامت واشنطن باشعال فتيل انفجارها في اوكرانيا وعدم تمكنها من السيطرة على تداعياتها وبلوغ مراميها لمحاصرة روسيا في حديقتها الخلفية كما ارادت. بل هي لم تتخلّ يوما عن خيار التصعيد العسكري في سورية الا للانتقال من معركة الى اخرى بذرائع متجددة

        الغائب الوحيد ربما في لهجة الخطاب الرسمي الاميركي هو القفز عن المطالبة السابقة بتنحي الرئيس الاسد، بعد اتضاح عُقم المطلب، وحماية لما تبقى لها من مصالح اقليمية بحاجة الى بعض الاهتمام المباشر كي لا تضطر لحرف بوصلتها المتجهة شرقا نحو آسيا لمحاصرة روسيا والصين في المياه الاقليمية هناك

        ولجأت مرة اخرى في تحشيد دعم الدول التقليدية، اوروبيا وعربيا واقليميا، ولم يتجاوز عددها 11 دولة صنفت نفسها من “اصدقاء سورية،” هوى العدد من 70 دولة عند التئامها في اسطنبول بتاريخ الاول من نيسان 2012. ولم يتمخض عن هذا الحشد سوى بيان مقتضب بنقطتين “لادانة قرار الحكومة السورية المضي بعقد الانتخابات الرئاسية” في موعدها المقرر؛ مقارنة بما كان يصدر عنها سابقا من تهديد ووعيد بأن الرئيس الاسد “لن يكون له موقع في صيغة الحل” المقبلة

وسعت لحفظ ماء وجهها ووجه قوى المعارضة السورية باستضافة رئاسة الائتلاف الوطني في واشنطن ومنحه مساحة اعلامية واسعة تخللتها ترتيب لقاءات متعددة مع مسؤولين في الحكومة الاميركية ومجلس الأمن القومي وعدد من قادة الكونغرس من الحزبين وبعض مراكز الابحاث، واطلاق العنان لتصريحات اعلامية بأنها ستضاعف من دعمها “غير الفتاك” لقوى المعارضة

        الترجمة الحقيقية للتصريحات الرسمية الاميركية جاءت  على لسان “قائد المجلس العسكري الاعلى المعَيّن عبد الاله البشير النعيمي،” اذ زعم ان الولايات المتحدة اوفت بوعودها في مضاعفة توريد اسلحة متطورة لبعض اركان الجيش الحر، مشيرا الى توفر صواريخ مضادة للطائرات من طراز “تاو” للتشكيلات التابعة لإمرته. زعم البشير (كما يشار اليه) ان “الهدف الرئيس لزيارة واشنطن يتمحور حول الحصول على اسلحة مضادة للطيران .. ويحدونا الأمل ان تستجيب الولايات المتحدة لطلب مساعدتنا وتحييد سلاح الجو” السوري

        وتصدر وزير الخارجية الاميركي جون كيري التصريحات الاعلامية لتوزيع اللوم على “المجتمع الدولي والذي اهدر سنة كاملة” وفشل في اتخاذ تدابير من شأنها الاطاحة بالرئيس الأسد. وقال كيري موجها كلامه لرئيس الائتلاف الزائر، احمد الجربا، في مؤتمر صحفي مشترك في وزارة الخارجية، ان دولا متعددة فشلت في تنسيق جهودها بفعالية لزمن طويل؛ مؤكدا ان غياب التنسيق بينها افضى الى تراجع الزخم الدافع باتجاه تنحية الرئيس الاسد “ومكافحة تنامي تهديد الارهاب في سورية

        استطاع الجربا لقاء مستشارة الأمن القومي، سوزان رايس، اذ وصف اللقاء بلغة ديبلوماسية معهودة بأنه كان “بناءا ومفيدا،” اي بعبارة اخرى لم ينطوي عليه مضمون جدي

        نقل عدد من الاوساط الاعلامية مدى الاحباط الذي ينتاب وزير الخارجية كيري نتيجة اخفاقات السياسة الاميركية في سورية، وتحول موقفه الى التأييد الثابت والهاديء لتوريد اسلحة فتاكة لقوى المعارضة السورية، خاصة بعد انهيار مفاوضات جنيف 2؛ وتدخل البيت الابيض مباشرة لاحباط ذلك المسعى بدعم وتأييد المؤسسة العسكرية

        بيان “اصدقاء سورية” سالف الذكر، الصادر من لندن، ينطوي على جملة من الدلالات تحدد معالم المرحلة المقبلة من المستقبل المنظور. امام عزم سورية التمسك باستحقاقات الدستور المحلي والمضي بعقد الانتخابات الرئاسية في موعدها، ستقابله الولايات المتحدة بالعزوف عن الحل السياسي من ناحية، وتصعيد حدة المعارك واستخدام الاسلحة “الجديدة” التي سلمتها لقوى المعارضة للتأثير على سلاسة العملية الانتخابية، من ناحية اخرى. اذ لا تملك واشنطن وحلفاءها الاقليميين والدوليين اي خيار متماسك من شأنه ان يشكل ارضية للبناء عليه لعقد جولة متقدمة من الحوار على غرار مؤتمر جنيف-2، وليس امامها سوى التعطيل والمزيد من الدمار واراقة الدماء، وهي تدرك جيدا ان هزيمة حلفائها في حمص تعد “خطوة تراجعية كبرى” في مخططاتها نحو سورية، وهزيمة للمخطط “السعودي” بعد اقصاء بندر بن سلطان عن ادارة المسلحين في سورية

        يضاف الى ذلك ما فرضته التطورات الميدانية لصالح الدولة السورية من تداعيات تجسدت في استقالة المبعوث الدولي الاخضر الابراهيمي بعد انتفاء الحاجة له ولدوره، بل لمهمته بأكملها، خاصة وان استقالته جاءت قبل انعقاد جلسة مغلقة لمجلس الأمن الدولي لمناقشة تقريره، وعدم تسمية المجلس خليفة له

        ايضا تسارع التطورات في اوكرانيا عزز من اتساع الهوة في الموقف بين روسيا والولايات المتحدة، مما يضعف احتمالات توصل الطرفين الى تفاهم مشترك “لانهاء” الصراع المسلح. وفي هذا الصدد، تبرز أهمية المراهنة على الدور “الاسرائيلي” في اشعال جبهة الجولان، وان جزئيا، لحرمان الدولة السورية ومواطنيها من الشعور بالأمن والاطمئنان، وتصدر حربة الاستراتيجية الاميركية باستنزاف سورية لفترة اطول، ان استطاعت بلوغ ذلك

2014-05-09 التقرير الأسبوعي

:المقدمة 

        .تعددت مواضيع اهتمامات مراكز الفكر والابحاث الاميركية، مع الاشارة الى ان اولوية الاحداث الاوكرانية لا تزال في صدارتها

        سيستعرض قسم التحليل الازمة الاوكرانية من جوانب عدة، احداها وضعها في سياق تجديد اجواء الحرب الباردة بين القطبين العالميين كما يرغب اقطاب التشدد والمحافظة في الجانب الاميركي. ويسلط الضوء على استراتيجية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وتفاعله بدراية وروية مع الاحداث والسعي لتفادي الاقدام على خطوات غير محسوبة مما اكسبه تنامي شعبيته في الداخل الروسي وتميزه عن تهور اطراف محددة في حلف الناتو وعدم الانجرار الى فخ التدخل العسكري الواسع المنصوب له، بل اضحى جليا انه قاب قوسين او ادنى “من الفوز المتدرج بالنقاط” على خصومه الدوليين

ملخص دراسات ونشاطات مراكزالابحاث

اوكرانيا

        تناول صندوق “جيرمان مارشال” تداعيات الازمة الاوكرانية على تركيا، معربا عن اعتقاده انها “مقبلة على حالة جدل حادة لتحديد موقعها الاستراتيجي ودورها في الترتيبات الأمنية العابرة للمحيط.” واشار الى ان الاستراتيجية التركية المعهودة “اعرضت في الماضي عن مواجهة التحديات الجيوسياسية وفضلت النظر الى مركزية البلاد في الشؤون الاقليمية. واثبتت الاحداث الاوكرانية ان نافذة التوجه المذكور شارفت على الاغلاق سريعا

        ناشدت مؤسسة هاريتاج الادارة الاميركية “تعزيز العلاقات العسكرية المشتركة مع جمهورية جورجيا،” ملفتة نظرها الى خطورة اعتمادها على تعاون روسيا في عملية اجلاء القوات الاميركية من افغانستان، اذ ان “موسكو تجد نفسها غير ملزمة بتوفير طرق المرور السالكة” في اعقاب الازمة الاوكرانية، بينما “عرضت جورجيا استخدام اراضيها وبنيتها التحتية وقدراتها اللوجستية لمرور قوات حلف الناتو ومعداتها.. وشرعت في تحديث مطاراتها الرئيسة ومرافق موانئها .. وبناء خط للسكك الحديدية ينتهي العمل به العام الجاري ويربط اذربيجان بتركيا عبر الاراضي الجورجية

فلسطين المحتلة

        استعرض معهد المشروع الاميركي ردود افعال ايران على اداء منظومة القبة الحديدية معتبرا ان “ايران تدرك التحديات التقنية التي تمثلها المنظومة امام قدرتها على شن هجمات صاروخية .. وان قادتها العسكريين يغامرون بمثالب وعيوب القبة مما قد يتملكهم شعور خاطيء بالثقة وربما توفير الاغراء لشن ضربة اولى ارضاء لخيارات المتشددين الايرانيين

        اما مجلس السياسة الخارجية الاميركية فقد وضع نصب عينيه المفاوضات النووية الجارية معربا عن اعتقاده ان “ايران تناور لكسب مزيد من الوقت .. فتخفيف الضغوط الغربية يستدعي انخراط الغرب في مزيد من جولات المفاوضات.” واوضح ان “نواة المصلحة الايرانية في كسب الوقت هي تعزيز الوضع الاقتصادي .. وما تغير هو قناعة القادة الايرانيين ان افضل السبل لتحقيق ذلك هو عبر الكشف عن المعلومات بدل اخفائها

        حذر معهد المشروع الاميركي من “تنامي اليد الضاربة لسلاح البحرية الايرانية” نظرا لرسو عدد من السفن الايرانية في ميناء جيبوتي ” خاصة وان الرسو طال اراضي شريكا اساسيا للولايات المتحدة .. مما قد لا يثير شهوة التغطية الاعلامية لو عبرت السفن قناة السويس او جدلية الزعم بان ايران تنشر سفنها في مياه قريبة من الساحل الشرقي للولايات المتحدة.” وكرس المعهد خشية المسؤولين الاميركيين من تفسير الجانب الايراني ان رسو السفن في ميناء جيبوتي “يعد تحديا لهيبة الولايات المتحدة .. فضلا عن احداثه خرقا في عزلة ايران

افغانستان

        حذر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية من “تنامي موجة الفساد” في الحكومة الافغانية وارتفاع معدلات الرشوة “من 158 دولارا الى 214 دولار (للحادثة الواحدة)، بزيادة بلغت 29% .. اذ لوحظ ان قطاع التربية هو اشد القطاعات الحكومية تعرضا للفساد

الاخوان المسلمون

        زعم معهد كارنيغي ان “الولايات المتحدة لا تدعم تنظيم الاخوان بالضرورة .. بالرغم من توفر ارضية ثابتة لانتقاد وجهة السياسة الاميركية حيال مصر .. التي حافظت على اتزانها بالتعاون مع اي هيئة او شخصية تدير الشؤون المصرية.” واستدرك بالقول ان “حنق المصريين على السياسة الاميركية له ما يبرره .. بيد ان عيوبها لم تتضمن محاباة متأصلة لواشنطن نحو الاسلاميين او رغبتها لرؤية تسلم الاخوان المسلمين زمام الامور في مصر

:التحليل

 

اوكرانيا: اختبار لغلبة بوتين 

على محاولات الاستدراج والتطويق الاميركية

       يعد الديبلوماسي والمفكر الاستراتيجي الاميركي، جورج كينان، الاب الروحي لسياسة “الاحتواء،” التي انتهجتها الولايات المتحدة مع نهاية الحرب العالمية الثانية في مواجهة الاتحاد السوفياتي. واشتهر بالقول ان “.. الطبيعة الذاتية (للنظم) الديموقراطية تعيق قدرتها على بلورة استراتيجية واقعية ..” مطالبا باجراء مراجعة دائمة للاستراتيجية الكونية المعتمدة وتعزيز القدرات العسكرية باستمرار. كما طالب بجرأة في كتاب نشره عام 1993، The Cragged Hill،بتقسيم الولايات المتحدة الى “12 جمهورية صغرى لتيسير ادارتها

اتساقا مع النزعة الفكرية الاميركية المتأصلة في تحقيق ضالة التوسع والهيمنة المنشودة، انتقل مركز ثقل استراتيجيتها العالمية، بعد اعاقة تحقيق اهدافها في سورية، مباشرة الى الحديقة الخلفية لروسيا، اذ جرى تهيئة “الثورة البرتقالية” منذ افول الاتحاد السوفياتي لاطلاقها عند نضوج ظروف الصراع مع روسيا. ومشت الادارة حائرة بعد تصعيد لهجة خطابها السياسي والتهديد باجراءات المقاطعة الاقتصادية ضد روسيا التي لم تنكسر شوكتها وصعدت بالمقابل من اجراءاتها واستعدادها للمواجهة

       فوجئت الادارة الاميركية بحالة الانقسام الداخلي حول الوسيلة الانجع اتباعها في مواجهة روسيا، نظرا لتشبع الساسة  لثقافة المواجهة منذ ما ينوف عن نصف قرن من الزمن، جسدتها الخلافات الحزبية في الكونغرس بين الجمهوريين المطالبين بالمضي في فرض نظام عقوبات متشددة، ونظرائهم في الحزب الديموقراطي الذين تباينت اراءهم حول الأمر. السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام شدد على ضرورة “مقاطعة قطاع الطاقة الروسي، وقطاع المصارف المالية في روسيا، والعمل على الاطاحة بالاقتصاد الروسي .. كما العمل على توريد السلاح للشعب الاوكراني وتمكينه من الدفاع عن نفسه.” لا ينفك الثنائي المتشدد غراهام-ماكين عن حث الادارة الاميركية للانخراط مباشرة في الصراع الدائر في اوكرانيا. وهرعت صحيفة “وول ستريت جورنال” الى الاصطفاف لجانب طروحات الثنائي بالقول ان الاسلحة المقصودة لاوكرانيا هي “دفاعية لكنها فتاكة – تشمل الغام ضد الدروع والمدافع، وتوفير مزيد من العتاد الذي من شأنه رفع كلفة وخطورة التدخل” الروسي

        مستشار الأمن القومي الاسبق، زبغنيو بريجينسكي، اوضح في مقابلة مع شبكة (سي ان ان) للتلفزة ان الولايات المتحدة والدول الغربية الحليف خلقت ظروفا مؤاتية لضغط الرأي العام على قادتها “لتوفير معونات عاجلة لاوكرانيا، ربما ليس عبر تدخل عسكري مباشر، بل بمعدات تسليحية .. وانا اضيف بصراحة انه لا ينبغي علينا الاخفاق او التردد في تحقيق ذلك ..” مستدركا انه ينبغي تفادي اي تصرفات او ردود افعال “من شأنها الحط من مكانة الروس بل التقدم بعرض صفقة تتيح لاوكرانيا فرصة التحالف بحرية مع الاتحاد الاوروبي والابقاء على علاقة طبيعية مع روسيا في نفس الوقت .. اي وضع مثيل لما هو الحال عليه مع فنلندا.” (13 نيسان 2014)

رئيس لجنة العلاقات الخارجية عن الحزب الديموقراطي في مجلس الشيوخ، بوب مننديز، اوضح حجم الانقسام بين اعضاء لجنته على خلفية تقييم الموقف حول روسيا، بخلاف انسجام المواقف بين مننديز ونظيره الجمهوري بوب كوركر في اللجنة المذكورة عند مصادقتهما سوياً على قرار يجيز التدخل العسكري الاميركي في سورية، قبيل اندلاع الازمة الاوكرانية

يشار ايضا في هذا الصدد ان الرئيس الاميركي الاسبق، دوايت ايزنهاور، احجم عن تسليح “المعارضين في المجر،” ابان احداث عام 1956؛ كما احجم الرئيس ليندون جونسون عن تسليح المحتجين في “ربيع براغ” عام 1968 خشية الانجرار الى مواجهة اميركية مباشرة مع الاتحاد السوفياتي آنذاك

        وسارعت ادارة الرئيس اوباما الى حشد قواها للترويج لسياسة “الانخراط الاميركي” في الشؤون الدولية، مستبقة دعوات المطالبة بالانسحاب من الالتزامات الخارجية والالتفات لترميم الاوضاع الداخلية. في هذا السياق، برز وزير الدفاع الاميركي، تشاك هيغل، محاضرا مطلع الاسبوع الجاري امام حشد نخبوي “لمجلس شيكاغو للعلاقات الدولية” محذرا من خطورة دعوات الانكفاء التي “ستترك تداعيات قاسية من شأنها الحاق الضرر بالاميركيين انفسهم.” وسعى هيغل للتوفيق بين مهمة تعزيز القوة العسكرية الاميركية وهيبتها غير الكافية للجمع بين “الدفاع عن الأمن القومي الاميركي والنظام العالمي” في آن واحد

        تخفيض ميزانية الدفاع الاميركية رافقها تنامي مطالبتها لحلفائها في حلف الناتو بضرورة زيادة نسبة مساهماتهم في الميزانية العسكرية للحلف، بيد ان الاعضاء لديهم اولويات اخرى في ظل تردي اوضاع بلادهم الاقتصادية. يشار في هذا الصدد انه منذ عهد وزير الدفاع السابق، روبرت غيتس، درجت البنتاغون على “الترديد امام الحلفاء الاوروبيين عن ضيق ذرع اعضاء الكونغرس لاضطرارهم تعويض حصصهم الدفاعية في الحلف ضمانا للأمن الاوروبي.” واوضح عضو الكونغرس الجمهوري مايك تيرنر حجم الأزمة بأنه “يتعين على الاوروبيين الكف عن تحويل كلفة أمنهم الدفاعي الى الولايات المتحدة،” مستدركا ان متطلبات الأمن القومي الاميركي تستدعي توفير التدابير المطلوبة “لضمان ردع عدوان روسي

        مجلة “الايكونوميست” الرصينة عنونت غلاف عددها الاسبوع الجاري متسائلة “ماذا تنوي اميركا القتال لأجله؟” للدلالة على الاخفاقات المتتالية للاستراتيجية الاميركية في “شبه جزيرة القرم واوكرانيا وسورية،” كما اوضحت. واوجز المعلق السياسي المقرب من دوائر صنع القرار، فريد زكريا، مأزق الرئيس اوباما في مقال نشرته صحيفة واشنطن بوست، 9 ايار، قائلا مشكلة أوباما هو أنه يدلي بتصريحات هامة بشأن قضايا لا ينوي استخدام القوة الأمريكية فيها، وتعتبر سورية والربيع العربي الأمثلة الأوضح على ذلك. فقد أصبح الخطاب السياسي بديلاً عن العمل، وفي القضايا التي انخرطت فيها الولايات المتحدة – مثل أوكرانيا وآسيا – كانت تصريحاته صامتة بغرابة .. كان الرئيس يتحدث (أمام القادة الأوروبيين حول أوكرانيا) عن التدابير التي لن يتخذها بدلاً من تلك التي سينفذها بالفعل

        وما لبث الساسة الاميركيون ان تنفسوا الصعداء عقب اعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن نيته سحب القوات الروسية المرابطة بالقرب من الحدود مع اوكرانيا، واستمر الجدل الداخلي حول مغزى الخطوة ان كانت كافية “للتساوق مع مطلب الولايات المتحدة بنزع فتيل الازمة،” او”على الاقل اعطاء الدليل على ان روسيا تسعى لذلك،” كما جاهد معهد ستراتفور الاستخباري في سرديته لايجاد بارقة أمل للخروج من الازمة. وارفق اعلانه بمناشدة قادة “جمهورية دونيتسك الشعبية” تأجيل موعد استفتائهم لقياس دعم المواطنين للاستقلال عن الحكومة المركزية في كييف. رد قادة “الجمهورية” باعلان عزمهم المضي في اجراء الاستفتاء في موعده يوم الاحد 11 ايار الجاري “لخشيتهم من فقدان مصداقيتهم امام الجمهور ان استجابوا لطلب الرئيس بوتين

        مجلة “تايم” اعربت عن “ضيق ذرع الاستراتيجيين الغربيين لرزانة ودهاء الرئيس الروسي الواثق من نفسه .. والذين عكفوا على مراجعة شاملة لفرضياتهم السابقة حول الاستقراء والتنبؤ بالخطوات المستقبلية التي قد يقدم عليها .. والتي جاءت على نقيض استنتاجاتهم.” وبناء على ما تقدم، لا زالت مخاوف وهواجس عقلية الحرب الباردة مسيطرة على صناع القرار، سياسيين وعسكريين، وقد ينجم عنها التوصل الى تقديرات خاطئة وربما غير مسؤولة من شأنها ان تقود الى اتخاذ قرارات سياسية قاصرة

        لعل النظرة الادق والاكثر واقعية هي التوجه لرؤية القضايا الماثلة من منظار الطرف الذي يتحكم بزمام المبادرة، اي روسيا والرئيس بوتين

تباشير المستقبل في عيون بوتين

        الدور المركزي للرئيس فلاديمير بوتين في اعادة نبض الحياة الى روسيا وتعزيز هيبتها ليس محط جدل ونقاش، سيما في ظل الادراك الجمعي لدول وقادة العالم ان روسيا “تستعرض” عضلاتها العسكرية والاقتصادية لتحقيق مآربها في ظل ولاية الرئيس بوتين. بعض المكونات السابقة للاتحاد السوفياتي تنظر بقلق شديد لما يجري في اوكرانيا وامكانية تشظيها الى عدة مقاطعات متناثرة. ويكثر الحديث عن “نهضة الدب الروسي بعد سبات عميق” للدلالة على عمق القلق داخل اوساط بلدان اوروبا الشرقية آخذين بعين الاعتبار الفارق الزمني والجيوسياسي لما كان عليه الأمر ابان نفوذ الاتحاد السوفياتي السابق. فما تبقى لروسيا اليوم من نفوذ لا يقاس بسابقه الاتحاد السوفياتي، سيما لتقلص مساحة الجغرافيا وما ينجم عنها من تراجع في الموارد الصناعية، وبروز مؤسسات وهيكلة للدولة خالية من اجراءات الفساد السابقة، فضلا عن اقدمية العامل البشري. بالمقارنة، فان وضع حلف الناتو مميز بحجمه الاقتصادي والعسكري عند النظر الى الارقام والاحصائيات الجامدة. واستنادا الى القاعدة القائلة بأن القوة والهيبة العسكرية هي نتاج القوة الاقتصادية، فان حلف الناتو يتفوق على روسيا اليوم، خاصة عند الاخذ بعين الاعتبار ان عددا من دول حلف وارسو المنحل انتقلت الى عضوية حلف الناتو، بعداء واضح لروسيا

        يعتبر الخبراء العسكريين في الغرب ان روسيا لا تزال تسعى للحاق بالتقنية العسكرية الغربية، على الرغم من تنامي استثماراتها في هذا المجال، واقرارهم بأن روسيا حققت بعض التقدم على خصومها الغربيين في بعض الاسلحة كتقنية الطائرات المقاتلة والدفاعات الجوية وشؤون الفضاء، بيد انها لا تستطيع الضخ بمزيد من اموال الاستثمارات في مجالات اخرى. ويشير هؤلاء الى احدث مدرعة في سلاح البر الروسي، تي-90، وان الاقبال على شرائها بقي محدود مع تحويل الجيش الروسي اولوياته الى تطوير الجيل الجديد منها، تي-99، كعربة قتالية متعددة المهام من المقرر ان تدخل الخدمة الفعلية عام 2020

        تتفاقم جهود روسيا تحديث اسلحتها، وفق اولئك الخبراء، مع عدم قدرتها على التغلب على ارتفاع كلفة الانتاج وحال المصانع الحربية الراهنة. ويشيرون الى رغبة سلاح الجو الروسي بتحديث اسطوله من مقاتلات ميغ-29 الى النموذج الاكثر تطورا، ميغ-29 اس ام تي، والعقبات المالية التي واجهته لادخالها الخدمة ضمن الفترة الزمنية المنشودة. يشار ايضا الى ان تراكم عدد من التحديات اثناء فترة التصميم ومراقبة الجودة ادت الى تأجيل تسليم نحو 37 مقاتلة من طراز اس يو – 35 الى نحو سنتين اضافيتين، والتي لن تدخل ترسانة سلاح الجو الا عام 2016

        كما اضطرت روسيا الى النظر خارج اراضيها لاستيراد بعض الاسلحة المتطورة لجسر الهوة القائمة في تحديث تقنيتها، منها طائرات الدرونز من الكيان “الاسرائيلي،” وعربات مقاتلة خفيفة الحركة من طراز آيفكو الايطالية، وسفن ميسترال البرمائية من فرنسا. وقد تتضرر جداول تسليم تلك الاسلحة نتيجة الاحداث الاوكرانية والضغوط الاميركية على حلفائها الاوروبيين لمعاقبة روسيا

        يشار ايضا الى المتاعب الاضافية التي واجهت روسيا في عملية تحديث كافة مراحل الانتاج العسكري الناجمة عن خروج بعض المكونات السابقة للاتحاد السوفياتي عنها، والتي احتفظت بالبنى التحتية الحديثة للمصانع الانتاجية على اراضيها وحرمت روسيا من استغلالها، بينما احتفظت داخل اراضيها بالبنى القديمة لمصانع الانتاج. وشهدت تلك المرحلة بعد سقوط الاتحاد السوفياتي تقلصا كبيرا في ميزانية الدفاع الروسية، وبلغ احد ادنى مستوياتها في المشتريات العسكرية عام 1998 اذ لم تستطع شراء الا نحو ما معدله 10 مدرعات و 30 عربة ناقلة للجند في العام

        ذهب القسم الاكبر من طفرة الانفاقات العسكرية في السنوات الاخيرة الى القطاع البشري ضمن سعي روسيا الطموح لبناء جيش عصري محترف، مع بقاء ثغرة تحديث الاسلحة وعدم مواكبتها المتطلبات التسليحية. يذكر ان نسبة المجندين الذين يؤدون الخدمة العسكرية لمدة سنة واحدة تشكل نحو نصف تعداد الجيش الروسي برمته، الذي لم تجرب امكانياته وقدراته بشكل كامل منذ افول مرحلة الاتحاد السوفياتي، لا سيما القوات البرية

        تشارف الخدمة الالزامية للمجندين على نهايتها العام الجاري وعودتهم لنمط الحياة المدنية، مما قد يقلص نوعية القدرات القتالية لما تبقى من الجيش الروسي المرابط على الحدود المشتركة مع اوكرانيا. ويعتقد المسؤولون الغربيون ان هذ الوضع قد يضطر الرئيس بوتين الى القيام بأحد أمرين: شن هجوم على اوكرانيا في غضون الاسابيع القليلة المقبلة او الانتظار فترة اضافية لرفع القدرة القتالية للمجندين الروس، وادراكه للتحديات الاضافية التي يمثلها نقص المعدات وتدني الجهوزية القتالية لقواته

        ويضيف هؤلاء ان الرئيس الروسي يواجه ضعف اداء الاقتصاد الروسي، على الرغم من توفر موارد الطاقة وجاهزية الاوروبيين لشراء الغاز الروسي، يرافقه العقوبات الاقتصادية الغربية وتراجع قيمة الروبل وهروب الارصدة المالية من روسيا والتصنيفات المالية المتدنية للاقتصاد الروسي التي تفاقم قدرته على الاستقراض الخارجي لتمويل عجلة التحديث. ويخلص هؤلاء بالقول ان الرئيس بوتين يتطلع الى الاستيلاء على اوكرانيا باقل كلفة ممكنة

        نجح الرئيس بوتين، الى حد معتبر، في خلق حالة شلل سياسي لدى السلطات الاوكرانية في كييف، وعوضا عن التدخل المباشر لجأ الى شن حملة مضادة عبر المعارضة الشعبية في الشرق الاوكراني المناهض لسلطة كييف، والذي من شأنه تحقيق عدد من الاهداف، على رأسها “ابطاء حركة تحول اوكرانيا الى جانب حلف الناتو، وتوفير الغطاء السياسي الضامن لشل حرية حركة قادة حلف الناتو .. عبر الاتكاء على جهوزية عدد قليل من القوات الخاصة عالية التدريب عوضا عن القوات النظامية الروسية

        وبرزت نتائج الخطوة سريعا في تدني الكلفة الروسية وتوسيع هامش مناورتها السياسية والعسكرية ايضا وتوفير ارضية للمراجعة الشاملة استنادا على ما ستؤول اليه الاوضاع الميدانية. ومن شأن تلك الاستراتيجية اضعاف سيطرة السلطة المركزية في كييف واتاحة الفرصة لبروز سلطة مؤيدة لموسكو في الشطر الشرقي من اوكرانيا، وربما يؤدي الى انفصاله وتعميق الازمة لدى السلطة المركزية الموالية للغرب، فضلا عن اضعاف القدرة القتالية للقوات الاوكرانية المهددة بالانشقاق

        الاسلوب الراهن ينطوي ايضا على بعض المخاطر لروسيا لا سيما عند الاخذ بعين الاعتبار توتر العلاقات بينها وبين اوكرانيا في البعد التاريخي، مما قد يدفع سلطات كييف الى شن حرب وقائية ضد السكان الروس المقيمين على اراضيها بالاعتماد على القوات العسكرية تحت امرتها ودعم غربي متعدد الاوجه

        في هذا الصدد، اوضح معهد ستراتفور سالف الذكر للقادة الغربيين انه “من غير المرجح لجوء روسيا الى اجراء عملية عسكرية واسعة ابعد مما جرى في شبه جزيرة القرم؛” وبناء عليه يستبعد ايضا تدخل روسي مباشر لحماية الروس المقيمين في اوكرانيا. ومضى المعهد بتعزيز فرضيته ان السلطات الروسية اخذت علما بتجربة الاتحاد السوفياتي القاسية في افغانستان، وكذلك بالمأزق الاميركي في افغانستان والعراق ولن تقترف خطأ التدخل المباشر ضمن الظروف المرئية، وادراكها ايضا ان حلف الناتو يتوثب لاستدراجها لحرب تستنزف انجازاتها وقدراتها وتريح دول الحلف بنقل معركته الى الداخل الروسي

        في هذا السياق تجدر الاشارة الى دراسة اجراها مركز رازمكوف في مقره بكييف عام 2009، اوضح فيها ان المصانع الحربية في الشرق الاوكراني تنتج محركات طائرات تستخدمها روسيا لتشغيل ترسانتها من الطائرات المروحية العسكرية؛ اضافة لعدد من المعدات والمحركات التي تدخل في تشغيل روسيا لطائراتها المقاتلة وسفنها الحربية. وعلى سبيل المثال، فان شركة انطونوف للطيران ومقرها الرئيسي في كييف تصنع طائرات النقل الروسية من طراز ايه ان-70، والتي قد تصبح مصانعها عرضة لاعمال التخريب والانتقام من التوجهات السياسية للطرفين، وانخراط اوسع لحلف الناتو في اعمال المراقبة العسكرية على الشواطيء والحدود المشتركة لاوروبا مع روسيا، وما يتطلبه ذلك من زيادة دول الحلف انفاقاتها العسكرية لتحقيق توازن وتعادل في قوة الردع، واستدراج سباق تسلح بين الطرفين يضاعف مفاقمة الاوضاع الاقتصادية المتردية اصلا

        يذكر ان اسواق السلاح الفردي في الولايات المتحدة استوعبت اسلحة رشاشة روسية الصنع من طراز كلاشنيكوف ايه كي – 47، لعام 2013، اعلى من مشتريات الجيش الروسي وقوات الشرطة الروسية مجتمعين لذات السلاح. ومن الثابت ان الحكومة الاميركية ستلجأ لمقاطعة المنتجات الروسية لحرمانها من حصة السوق ومردودها المالي المعتبر

المستقبل بعيون حلف الناتو

        يراوح حلف الناتو في دائرة ردود الفعل في مسعاه للثبات على استراتيجية محددة للرد على التحركات الروسية، ولا تبدو عليه علامات الجهوزية للتضحية بالاستثمارات الاقتصادية والتقنية التي نسجتها مع روسيا لفترة طويلة استجابة للرغبة الاميركية بفرض اجراءات عقابية قاسية، اذ ان المصالح الاوروبية ستكون اول من يدفع الثمن، كما عبرت عنه الشركات الالمانية بامتعاض كبير، وهي التي تعي جيدا مدى اعتماد اقتصادياتها على توريدات الغاز الروسي لادامة دوران انتاجية المصانع. اما الولايات المتحدة فتعتمد بشكل رئيسي على التعاون مع روسيا وتقنيتها في شؤون الفضاء الخارجي لنقل الامدادات من والى محطة الفضاء العالمية. فضلا عن تعويل الولايات المتحدة على التعاون الروسي التام في توفير التسهيلات اللوجستية المطلوبة لانسحاب قواتها بسلام من افغانستان

        وعمدت الحكومة الاميركية على اظهار جانب التحدي لروسيا بارسالها اسراب من طائراتها المقاتلة، من طراز اف-15 و اف-16، للمرابطة في اجواء بولندا ودول البلطيق؛ ونشر قوات من مشاة البحرية والمظليين وطائرات النقل العملاقة، سي-130، في بولندا وقوات اقل عددا في رومانيا لطمأنة قيادات تلك الدول بجدية قراراتها؛ بدعم ومساهمة بريطانية وفرنسية ودانماركية، فضلا عن تحريك عدد من قطعها البحرية للمرابطة على شواطيء البحر الاسود. ويدرك الطرفين المتقابلين، حلف الناتو وروسيا، ان تلك القوات غير مؤهلة بحد ذاتها للدخول في مواجهة حقيقية، بل كعنصر يردع روسيا عن بسط نفوذها غرب حدودها الاقليمية

        نشرت الولايات المتحدة ايضا طائراتها من طراز الانذار المبكر المتطورة في عدد من دول اوروبا الشرقية لمراقبة حدودها، مما يوفر لها القدرة على تحريك سريع لقوات قتالية عند الحاجة؛ وابقت على موعد اجراء مناورات مشتركة بين قوات حلف الناتو والقوات الاوكرانية. الأهم ان الولايات المتحدة لم تتخلى او تتراجع عن استراتيجيتها بنشر نظام الدفاع الصاروخي على اراضي اوروبية بالقرب من الحدود الروسية، رغم رسائلها السابقة بالتطمين والعزوف عن ذلك؛ وفي ذات السياق قد تذهب ايضا لنشر منظومات مضادة للصواريخ الباليستية في اوروبا الشرقية ايضا

        الاستراتيجية الاميركية لمحاصرة روسيا استدعت “ترميم” علاقات دول حلف الناتو مع تركيا التي تمتلك اكبر جيش من حيث العدد بين دول الحلف، واستعادة وظيفتها ككيان ينغص الحياة على روسيا نيابة عن الولايات المتحدة يعززه استضافتها عدد من القواعد الاميركية العسكرية والجوية والبحرية كمنصة انطلاق ضد روسيا

        كما تستدعي الاستراتيجية الاميركية ابتعاد اعتماد اوروبا على مصادر الطاقة الروسية، والذي سيستغرق وقتا طويلا، في افضل التوقعات، والتأهب لتصدير موارد الطاقة المكتشفة حديثا في القارة الاميركية الى اوروبا، واستمرار تحكمها بمصادر وطرق تسويق الطاقة المدفونة في عمق الارض العربية

        الشق العسكري في الاستراتيجية الاميركية ما فتأ يطالب الحلفاء بزيادة حصصهم للانفاق على الشؤون الدفاعية تحت ذريعة “مكافحة ارهاب القاعدة ومشتقاتها،” والاستثمار في تحديث المعدات والاسلحة لتخفيف اعباء الدفاع عن الميزانية والقوات الاميركية واضطلاع الاوروبيين بمهمة حماية أمنهم. وسارعت بولندا الى استثمار الهواجس الاوروبية والاميركية من روسيا بتجديد طلبها لمرابطة قوة عسكرية من قوات الناتو قوامها كتيبتين قتاليتين على اراضيها بشكل دائم

        والتقطت الولايات المتحدة فرصة تفاقم العلاقات مع روسيا لاستئناف العمل بنشر نظم مضادة للصواريخ الباليستية في اوروبا، دشنتها بالاعلان عن نشر بطاريات صواريخ اعتراضية من طراز ايجيس في بولندا تستكمل عام 2018، وربما تضغط الاحداث الجارية بتسريع الانتشار الى موعد اقرب من المقرر، سيما وان رومانيا ستستقبل بطارية اعتراض صاروخية عام 2015؛ والهدف المعلن روسيا وايران

        تتميز بولندا بامتلاكها احد اكبر الجيوش العسكرية عددا بين دول الحلف الاوروبية، قوامها 900 عربة مدرعة وما ينوف عن 100 طائرة مقاتلة، معظمها سوفياتية الصنع، وتمضي لتحديث ترسانتها بمدرعات ليوبارد الالمانية؛ وخصصت جزءا اكبر من موازنتها السنوية للشؤون العسكرية، فضلا عن مشاركة قواتها ضمن القوات الاجنبية في افغانستان ومناطق اخرى كما تقتضيه المصلحة الاميركية، ومشاركة قواتها في المناورات العسكرية المشتركة مع اوكرانيا. ومن المتوقع ان تلعب بولندا حجر الزاوية في استراتيجية حلف الناتو الدفاعية في دول اوروبا الشرقية

الخلاصة

        ينبغي لفت الانتباه الى تميز الازمة الاوكرانية الراهنة عن اجواء الحرب الباردة، التي يتوق اليها اقطاب معتبرة من صناع القرار السياسي الاميركي. اولها ان حلف الناتو لا يواجه “امبراطورية سوفياتية” مترامية الاطراف، بل روسيا “تغادر مواطن الضعف السابقة” في مواجهة خصم اكبر عددا وعتادا يضم معظم حلفائها السابقين في حلف وارسو المنحل، ويتفوق عليها اقتصاديا وعسكريا. غاب عن الصورة النموذج السابق لخشية اوروبا من “حشد هائل من المدرعات السوفياتية تجتاح اواسط اوروبا.”  واوضح الباحث في مكتب الدراسات العسكرية الاجنبية، التابع للقوات البرية الاميركية، يعقوب كيب، ان القوة السوفياتية كانت “ساحقة لديها القدرة على مراكمة نسق عسكري فوق آخر. وهذا ما كنا نخشاه في حلف الناتو: اي قوات عسكرية كبيرة مدربة ترابط على حدود المانيا ذات قدرة على تنظيم وحشد مجتمع باكمله للانخراط في حرب ذات كثافة علية ضد اهداف صناعية

        واضاف كيب ان روسيا اليوم “تفتقد قدرة الحشد العالية .. مما يعني انه في زمن نشوب الازمات العسكرية سيجد الكرملين نفسه في مواجهة خيارات غير جذابة

        الثابت في المعادلة الراهنة ان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عازم على تحديث الآلة العسكرية الروسية كوسيلة لبسط النفوذ على المستوى العالمي. وينقل عن الخبراء الغربيون قولهم ان بوتين يغامر بالمراهنة على قوات عسكرية غير مجربة خاصة وان اي فشل تواجهه سيترجم كارثة سياسية رئيسة

         ليس سرا ان حلف الناتو يجهد في ادراك حجم مواطن الضعف الروسي واستغلالها لصالحه، سيما لتقلبات الاوضاع الاقتصادية رغم فائض مخزون موارد الطاقة. من جانبه يدفع الرئيس بوتين حلف الناتو الى قراءة مخطئة لنواياه وحصرها بمعادلات الحرب الباردة بين خصمين متقاربين في القوة

        اسلوب ادارة الرئيس بوتين الحاسم للازمة مع اوكرانيا عزز موقعه وشعبيته في الداخل الروسي، وكذلك في الاوساط العالمية التواقة للخروج من سيطرة احادية للولايات المتحدة على مقدرات العالم. ويدرك بدقة حقيقة مواطن القوة لحلف الناتو، فرادى ومجتمعين، ويسعى بدوره لتوسيع شقة التباينات داخل صفوفه بالتقرب من المانيا التي لا زالت غاضبة من جهود التجسس الاميركية عليها وعلى مسؤوليها، كما اوضح ادوارد سنودن، وتبديد زخم الاندفاع الاميركي ولجمه

2014-05-02 التقرير الأسبوعي

 

 

المقدمة  

        دب النشاط في اروقة مراكز الفكر والابحاث الاميركية التي تناول عدد منها مواضيع وقضايا متعددة تخص الوطن العربي، لا سيما سورية التي برزت كساحة تشهد اندحار وتراجع قوى المعارضة المسلحة “الممولة سعوديا وقطريا،” وتعزيز الانجازات الميدانية لصالح الدولة السورية

        سيستكمل قسم التحليل تناوله لآفاق التمرد والمواجهات المسلحة في اميركا، والمنطقة الغربية منها بالتحديد، والتي استعرضها الاسبوع المنصرم. الجديد في المسألة المشار اليها تلمس النقاط الساخنة التي قد تستكمل متطلبات انجاز صاعق التفجير لحالة عصيان مدني لم تعهدها الدولة الاتحادية منذ زمن طويل

ملخصدراسات ونشاطات مراكزالابحاث

سورية

        كرس معهد كارنيغي اهتمامه بالازمة السورية بدراسة مذيلة بتوقيع احد اكبر باحثيه في الاقليم، يزيد صايغ من مقره في بيروت، سعيا لدراسة المتغيرات التي طرأت على تركيبة قوى المعارضة المسلحة متسائلا “هل دخلت الثورة المسلحة في سورية مرحلة الانحسار؟” واعتبرت الدراسة ان قوى المعارضة “لا تزال بمنأى عن الهزيمة،” مستدركا بأنها “وصلت الى مرحلة عدم الصعود على الصعيدين العسكري والسياسي

        واعرب المعهد عن عميق قلقه من استمرار “حالة التشرذم والمنافسة المختلّة” في صفوف المعارضة مشيرا الى نقص العامل البشري “ومعاناتها من تقلص مخزون المجندين الجدد المحتملين .. وتنامي (اتجاهات) الانفصال بين المكوّنات المختلفة للثورة السورية،” واتهمها بالمغالاة والمبالغة في العديد من الانجازات خاصة الاعلانات المتكررة عن توحيد جماعات اسلامية متعددة والتي “لم تقدم ادلّة تثبت صحة المزاعم .. باستثناء انشاء صفحة على موقع فيسبوك،” اشارة الى “اتحاد السوريين الاحرار،” اذ كشفت “المواجهات على قدرتهم المحدودة على تخطيط عمليات عسكرية واسعة النطاق .. وكشفت هشاشة تحالفاتهم الاخيرة

        واشاد المعهد بدور المملكة السعودية “في ترتيب تكوين تحالفات جديدة كبيرة للثوار لمواجهة تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام .. وزادت الرياض بشكل حاد حجم تمويل الثوار منذ آب/اغسطس 2013 .. غير ان المكاسب الفعلية التي تحققت كانت اكثر تواضعا مما كان متوقعا.” واوضح ان الناتج عن تلك الجهود السعودية يتمثل بـ “اعادة تقديم واعادة تسويق (لقوى المعارضة) اكثر منها نتاج عمليات تحوّل خضعت لها الجماعات الموجودة ..” والتي توظف ]”الولاء المعلن لبعض الاجندات الاسلامية” في الغالب باعتباره اداة لتأمين التمويل الخارجي”[ وملاحظة ان “الميل نحو الاتجاهات السلفية لم يتغير، ناهيك عن انه ينحسر

        ولم يفت المعهد الاقرار مواربة بهزيمة المعارضة المسلحة، اذ “من الخطورة بمكان ان يتم تعليق الكثير من الآمال على وعد الثوار باسقاط النظام او حتى اضعافه اكثر. فالمشاكل الكامنة التي تواجهها الثورة المسلحة تجعلها اكثر هشاشة وضعفا من اي وقت مضى .. فنقطة ضعف الثورة المسلحة ليست عسكرية بل سياسية

        وختم بالقول “.. صحيح ان الثورة المسلحة لم تفقد زخمها وقوتها الدافعة، الا انها لا تزال اقل بكثير من مجموع اجزائها .. (وسيطرتها) تضمحل على نحو اسرع مما يمكّنها ان تتماسك وتقوى من الآن فصاعدا

        اما معهد واشنطن فقد سخر من اجراءات الانتخابات الرئاسية السورية نظرا “للنتيجة المحسومة بفوز الرئيس بشار الاسد” سيما وان اعادة انتخابه “في الحقيقة تشكل جزءاً من استراتيجيته الاوسع لتدمير الخطة المدعومة من قبل المجتمع الدولي بانجاز حل تفاوضي .. وفرضه حل آخر يلبي شروطه

لبنان

        انتخابات الرئاسة اللبنانية كانت محطة اخرى ضمن اولويات معهد واشنطن، معربا عن اعتقاده بأن “تؤدي الى اندلاع موجة عنف جديدة .. في ظل غياب مرشح توافقي او التمديد” للرئيس ميشيل سليمان. كما اشار الى تراجع حدة “الاعمال العدائية” التي تجسدت في “انفجار 16 سيارة مفخخة عام 2013” وتراجعها يعود لعدة عوامل منها “.. الانتصارات التي انجزها نظام الاسد في المناطق الحدودية الاستراتيجية .. وربما لدور اتفاق سعودي-ايراني غير معلن” لنزع فتيل التفجير في لبنان.

تعثر المفاوضات برعاية اميركية

        حمّل مركز السياسة الأمنية مسؤولية توقف المفاوضات بين السلطة الفلسطينية و”اسرائيل” للادارة الاميركية و”اخفاقات السياسة الخارجية في سورية، ومصر، وايران، وروسيا، واوكرانيا، والصين، وكوريا الشمالية، والمملكة السعودية، ودول اخرى متعددة في مناطق شتى.. مما قوّض مصداقية الولايات المتحدة وصبت في صالح خصومنا.”  واعرب عن اعتقاده بأن “المصالحة” الفلسطينية جسدت “عبثية مراهنة (وزير الخارجية) كيري والضغط على ادارة الرئيس اوباما مواجهة الحقائق اذ ان التوصل لاتفاقية سلام تستدعي ممارسة ضغوط اشد على المسؤولين الفلسطينيين .. والعمل مع اسرائيل .. عوضا عن علنية انتقادها كعقبة اساسية تعترض التسوية

        مؤسسة هاريتاج بدورها التزمت لهجة تدل على السخرية من خطوة السلطة الفلسطينية “التوجه لنيل اعتراف أممي .. اذ ان فلسطين ليست دولة، على الرغم من اعتراف ما ينوف عن مئة دولة بها كعضو مراقب” في الهيئة الدولية. وبعد استعراضها للشروط الدولية لقبول دولة عضو كما نصت عليه “معاهدة (مدينة) مونتيفيديو لعام 1933” خلصت بالقول ان “فلسطين تشذ عن الامتثال للشروط المنصوص عليها

الخليج العربي

        ناقش مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ما اعتبره “التهديدات التي تواجه منطقة الخليج .. والعناصر الاساسية التي تحافظ على ديمومة علاقة الشراكة الاستراتيجية لحلفاء الخليج مع الولايات المتحدة” التي اجملها بالعوامل التالية “مدى التزام الولايات المتحدة (بأمن) الخليج .. حجم جهود التحديث وتنمية القوات العسكرية لدول مجلس التعاون .. أهمية الاستقرار الاوضاع الداخلية في منطقة الخليج .. والهيكلية الشمولية للمؤسسة السياسية والعسكرية الايرانية

        معهد المشروع الاميركي تطرق الى “اخفاق السياسة الاميركية في وضع حد لنمو تنظيم القاعدة،” مناشدا صناع القرار بأن السياسة الحكيمة تقتضي “اعادة تقييم للعدو واهدافه واختيار الادوات المناسبة .. والاخذ بعين الاعتبار تعريف ادق لايدولوجيته، واهدافه المعلنة، والاستراتيجية العسكرية والسياسية .. والاخذ بجدية التحديات الناجمة عن المنظمات المناصرة له .. وتضمين الاستراتيجية نمط محدد من سياسة مكافحة التمرد ومكافحة الارهاب ايضا

 كردستان العراق

        اقر معهد ابحاث السياسة الخارجية بما وفره “العدوان الاميركي على العراق” من فرصة “لتحالف الاكراد مع اميركا واستغلال العلاقة لتحرير انفسهم .. وبمحض الصدفة اضحت منطقة كردستان العراق احدى الانجازات الحسية والدائمة للسياسة الاميركية في الشرق الاوسط،” والتي يعود الفضل الى “تسيد زعامة اميركية لعقدين من الزمن ..” مما يطرح مجددا العودة الى تلك المعادلة “خاصة في ظل المواجهة الراهنة مع روسيا بخصوص اوكرانيا

        اشاد مركز ويلسون ” بنجاح التجربة الاقتصادية” في كردستان العراق واعتمادها كنموذج “لخفض حدة العنف في المنطقة ..” على الرغم من عدم توفر ضمانات بنجاح التجربة في اماكن اخرى في الاقليم والتي قد تقع “ضحية للقوى القومية التي تصدرت قيادة السياسة العربية لعدة عقود.” وحث على المضي باستنساخ التجربة مع الاقرار بالعقبات التي تعترض “التحالفات الاقتصادية عابرة الحدود والتي قد تعيق امكانية استحضار نمط الحكم المركزي، والدول الاستبدادية وعنف تشظيها الى جيوب عرقية وطائفية صغرى

 

التحليل

تقرير خاص : اميركا من الداخل

 

آفاق نشوب نزاع أهلي وتمرّد مسلح في أميركا

ملاحظة: نزولا عند رغبة القراء والعاملين بشؤون الابحاث السياسية والاستراتيجية، وتلقينا العديد من المقترحات بضرورة متابعة البحث في مسألة الوضع الداخلي المغمور في اميركا، نضع بين ايديكم الجزء الثاني من التقرير الخاص نستعرض فيه: امكانية نشوب اضطرابات أهلية وعصيان مدني نظرا لطبيعة التهديد التي تمثله كيانات الميليشيات المسلحة على الاستقرار الاجتماعي؛ ومديات ظواهر الانقسامات الافقية المتنامية في المجتمع؛ وسبر اغوار النتائج المحتملة

        تركيبة الدول الوطنية ومجتمعاتها عبر العالم تشترك بخاصية تجانس اعراقها المختلفة، باستثناء الولايات المتحدة التي تتشكل من بوتقة جامعة تجمع فيها اعراق عدة وثقافات مختلفة – وهنا لا نناقش الممارسات العنصرية البشعة التي لا زالت سائدة ضد الاميركيين من اصول افريقية بشكل خاص. كما ان النظام السياسي الاميركي لا يستند الى صيغة توارث الحكم ضمن “العائلة المالكة،” وطبّق مشاركة افراد المجتمع في انتخاب ممثليه تصاعديا الى منصب الرئيس وفقا لاحكام الدستور. اما بعض مثالب النظام القائم فهي تؤشر على تعدد منابع التوتر في المجتمع نظرا لتعظيم دور الفرد على حساب الجماعة، اذ يسعى كل من يستطيع الى تحقيق اهدافه الخاصة ضمن النظام الواحد، والذي ارسى اللبنة الاولى لنظام تتحكم شريحة ضيقة لا تتعدى 1% بالمقدرات والثروات الطبيعية

        المجتمعات الانسانية عامة لا تخلو من التوترات والتناقضات، والمجتمع الاميركي ليس استثناءاً لتلك القاعدة، بل شهد مصادمات ومواجهات مسلحة عبر مراحل تشكله منذ قدوم الاوروبيين الى القارة الجديدة، لعل اشدها قسوة كانت الحرب الاهلية الاميركية والتي تلاها عدد من الاشتباكات اتسمت بالعنف والتصفية الجسدية بين طرفي صراع، خاصة بين العمال وارباب العمل ابان تطور الثورة الصناعية وحاجتها لليد العاملة. ومن محطات الصدام الاخرى برزت حركة المهمشين والمستهدفين بالتمييز العنصري للمطالبة بحقوقهم المدنية، مطلع عقد الستينيات من القرن الماضي، توالت بعدها الاحتجاجات الواسعة ضد العدوان الاميركي على فيتنام، وتجلياتها الاخرى اهمها تفجير احد مقرات الحكومة الاتحادية في مدينة اوكلاهوما، ولا زالت الاشتباكات المسلحة تتجلى في المجتمع بين فينة واخرى لاسباب وتموضعات متعددة. هذه الاطلالة السريعة تستثني الاضطرابات الناجمة عن انقطاع التيار الكهربائي، مثلا، التي يظهر البعد الاقتصادي من اهم مسبباتها

        بعض الاشتباكات تؤدي الى التفاف الشرائح الاجتماعية وتضافر جهودها، والبعض الآخر ينجم عنها تشققات وانقسامات قد تكون حادة احيانا كما شهدت عليه المظاهرات ضد التمييز العنصري في الستينيات. وفي الوقت نفسه لا يجوز اغفال البعد العقائدي والاصطفاف السياسي وحتى الديني في اطلاق الشرارة الاولى للاحتجاجات، خاصة عند النظر الى ما آل اليه الوضع خلال المواجهة بين قوى الأمن الاتحادية وراعي البقر، كلايفن بندي، وصحبه، قبل تدارك السلطات المعنية واستيعابها لاصطفاف الميليشيات المسلحة وجاهزيتها للاشتباك مع الدولة الاتحادية

        بالمحصلة، تم ارجاء الاشتباك الى مرحلة قد لا تطول على الرغم من ظاهرها في غياب القوى الرسمية وبقاء فريق ضيق من الميليشيات مرابط بالقرب من بندي، وهي لا تزال تتلقى دعما لوجستيا متعدد الاوجه من انصارها ومؤيديها من مناطق اميركية متعددة

استقراء حالة عدم الاستقرار في المجتمع الاميركي

        من سمات عدم الاستقرار، بل تنامي وتيرتها، التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي ادت الى اعادة تموضع الثروة العامة وتركيزها في قبضة شريحة ضيقة لا تتجاوز 1% من كامل النشاط الاقتصادي، بدءا منذ عهد الرئيس الاسبق نيكسون – الذي ارسى توجهات السلك القضائي ممثلا بالمحكمة العليا نحو التيارات اليمينية؛ والرئيس الاسبق ريغان الذي بشّر عهده بازالة القيود وتخفيف تفعيل القوانين المركزية على شريحة الاثرياء واطلاق العنان لها في كامل النشاطات الاقتصادية؛ ومن ثم تنامي ظاهرة الارهاب الداخلي ممثلا بالميليشيات المسلحة وتعزيز سيطرة القوى الاشد محافظة على مقاليد السلطة في جزء كبير من الولايات المكونة للاتحاد الفيدرالي

        في الشق الاقتصادي، جذر الازمات والآفات الاجتماعية، برع عدد من الاخصائيين في التحذير من تراكم مصادر الثروة واقصاء الشريحة الوسطى تدريجيا عن ممارسة دورها الانتاجي. وجاءت مؤخرا شهادة مسؤول سابق في وزارة الخارجية الاميركية، بيتر فان بيورين، والذي شغل مناصب رفيعة منها ابان الاحتلال الاميركي للعراق، دلالة على اختمار بذور الاحتجاجات انتظارا لشرارة تدب النار في الهشيم. وقال فان بيورين: “تراكم النتائج الكارثية لعدة سنوات واكبها الاقلاع عن التصنيع والانتاجية، وتراجع سلم الاجور والرواتب، وتقلص الامتيازات والرعاية رافقها اضعاف ممنهج للنقابات العمالية، وارتفاع معدلات الاتجار بالمخدرات والكحول بين العامة والعاطلين، وخسارة جماعية عريضة لوظائف هامة، وانحدار شديد في معدلات المساواة” وتوزيع الثروة “اي تدمير ممنهج لنمط حياة المجموع لخدمة اهداف شريحة 1% ..” (اسبوعية “ذي نيشن” 1 أيار 2014)

        الروائي الاميركي الشهير، جون ستايبك، مؤلف ملحمة “عناقيد الغضب،” 1939، اوجز مشاهدته للفوارق والاختلال الاجتماعي بعد نشره روايته الشهيرة بالقول انه بات “مشحون بتجليات غاضبة ضد اناس يمارسون اضطهاد الآخرين

        ما لم يمر عليه فان بيورين وآخرين هو تردي البنية التحتية في عموم الولايات المتحدة: شبكات الكهرباء وتوزيع المياه والمصارف الصحية والجسور .. الخ، بفعل جشع الشريحة الضيقة المسيطرة وقرارها بعدم الاستثمار في تطوير قطاعات الخدمات، باستثاءات معزولة لا تعدل الصورة العامة، ومراكمتها معدلات ارباح خيالية لعدة عقود خلت. ويعد هذا التردي في الاداء وعدم الوفاء بالالتزامات التنموية مصدرا اضافيا لحالة عدم الاستقرار، غالبا ما يتم القفز عليها واهمالها بالكامل

        سبق لمركز الدراسات ان تناول وضع الشبكات الكهربائية الاميركية وابراز خصائصها وتردي تجهيزاتها ومعداتها، واضحت البنية غير قادرة على تلبية تزايد الطلب على التيار الكهربائي دون انقطاع لفترات متعددة في المدن الصناعية الكبرى. يشار ايضا الى التقلص في امدادات محطات التوليد بوقود الفحم، لعدة اعتبارات منها المحافظة على البيئة وتقليص انبعاث الغازات السامة. والنتيجة، تنامي الطلب وتراجع الانتاج وارتفاع فترات انقطاع التيار الكهربائي، كما اسلفنا

        انقطاع التيار الكهربائي يتأثر سلبا به القطاعات والمراكز المدينية بحكم كثافة المؤسسات الانتاجية والاستهلاكية، والتي لا تضاهي امكانياتها تخزين الاغذية، مثلا، قدرات المناطق الريفية او الضواحي السكنية الاوسع انتشارا. وعليه، تشتد الحاجة لنقل الامدادات على طرق المواصلات. فانقطاع التيار الكهربائي، ولو عرضيا، يؤدي الى فساد الاغذية المحفوظة وارباك شبكة الامدادات. فالظروف المناخية القاسية، لا سيما انقطاع التيار بفعل العواصف الثلجية، الاعاصير والزوابع المدمر، تؤدي الى ازدياد الطلب على المواد الاستهلاكية والتي ينفذ بعضها سريعا، يرافقه صعوبة المؤسسات في اتمام العمليات المصرفية وادامة الاتصال مع المصارف والبنوك لسداد قيمة المواد الاستهلاكية الكترونيا

        تعثر امدادات المواد الغذائية والاستهلاكية للاسواق المدينية يرفع معدلات الاحتجاج والتي قد تتطور سريعا لاشتباك والوصول للمواد المطلوبة بطريق السرقة، وقد تتفاقم الاوضاع سلبا مع استمرار انقطاع التيار الكهربائي مما يعزز حتمية المواجهة والاشتباك مع قوات الأمن والحرس الوطني التي قد تجد صعوبة في السيطرة على الاوضاع، كما شهدت مدن لوس انجليس ونيويورك سابقا

        لعل ابرز مثال على تطور الاحتجاجات وصعوبة السيطرة  كان ما شهدته ولاية لويزيانا خلال “اعصار كاترينا” المدمر عام 2005، والذي اعتبر احد اشد الاعصارات القاسية التي ضربت الاراضي الاميركية طيلة تاريخ تكوين الدولة. واندلعت احداث السطو والاشتباك مباشرة عقب تراجع حدة الاعصار، 30 أب 2005، وسعي من تبقى من الناجين للبحث عن مواد غذائية ومياه شفه نادرة، وتعرضت بعض المتاجر للسرقة نظرا لعدم توفر المواد الحيوية بوسائل اعتيادية، واخفاق السلطات المركزية في توفير الاغاثة والامكانيات المطلوبة بالسرعة اللازمة

        وشهد منطقة مركز الاعصار في قطاع من مدينة نيو اورلينز اعمال سطو واغتيال مسلح وسرقة للسيارات وبعض احداث الاغتصاب كردود افعال على حجم الغضب والاحتقان الشعبي ضد تقصير السلطات، ليس ابان الاعصار فحسب، بل للتهميش والفقر المدقع والاهمال الذي اصاب تلك المناطق. تجدر الاشارة الى ان السلطات المركزية، للدولة الاتحادية والولاية على قدم المساواة، عمدت الى اخلاء تلك المنطقة ممن تبقى من سكانها واجبروهم على اللاعودة، ليتبين لاحقا ان هناك مخطط لاستثمار البقعة الجغرافية لصالح احد حيتان المال والنفوذ المحليين، والذي تربطه علاقة صداقة حميمية مع الرئيس السابق جورج بوش الابن آنذاك

        كما ان السلطات استدعت عشرات الالاف من الحرس الوطني والقوى الأمنية المدججة بالسلاح، اتوا من مناطق اميركية متعددة، بلغ تعدادها زهاء 46،838 عنصر ارسلوا على عجل “لحفظ الأمن” في تلك المنطقة الملتهبة. اتضح لاحقا ان جزءاً كبيرا من تلك القوى لم تتوفر له المعرفة التامة بحقيقة التوترات ودرجات الاحتقان. وعبرت حاكم ولاية لويزيانا آنذاك، كاثلين بلانكو، بصفاقة عن جهوزية القوة قائلة “لديها بنادق رشاشة من طراز ام-16 معدة وجاهزة للاطلاق. اعضاءها يحترفون اطلاق النار والقتل وتوقعاتي انها ستقوم بذلك.” واقر النائب في مجلس النواب عن الولاية، بيل جيفرسون، في تصريح لشبكة “ايه بي سي” للتلفزة بالقول ان القوة “اشتركت في اطلاق النار، وايضا في اعمال القنص

        ما دلت عليه تلك التجربة المكلفة بشريا وماديا هو عدم قدرة السلطات الاتحادية السيطرة على اندلاع اشتباكات عاجلة تهدد السلم الأهلي، بل ربما فاقمتها. ففي حال اعصار كاترينا، تردد ان السلطات الاتحادية كان لديها خطة باخلاء الناجين من الاعصار الى مراكز اكثر أمنا، منها ملعب كرة القدم الضخم، مهيأ لاستيعاب 800 فرد في احوال الطواريء بينما تدفق اليه حوالي 30،000 نازح

        هشاشة البنية التحيتية لشبكة توزيع الكهرباء لم تغب عن بال المسؤولين الحكوميين، وادراكهم ايضا لتداعيات انقطاع التيار لبعض الوقت مما قد يشعل هشيم العنف في معظم المناطق. وطالبوا بتطبيق بعض الاجراءات، لتبرز عقبة الانجاز بانها ستستغرق عدة سنوات بتكلفة اجمالية تقدر ببضع مليارات من الدولارات

        التقلبات المناخية الحادة تشكل احد اهم دواعي القلق فضلا عن خلل تقني ينال شبكة توزيع الكهرباء بالتتالي، مع الاخذ بعين الاعتبار ان الشبكة تبقى عرضة لاستهداف هجمات ارهابية، محلية او خارجية. ورصدت الاجهزة الرسمية حالتي هجوم على الشبكة العام الماضي؛ الاول استهدف المحطة النووية لتوليد الكهرباء في ولاية تنسي، والثاني استهدف محطة فرعية في ولاية كاليفورنيا عبر اطلاق نار من قبل مجموعة مجهولة الهوية، ادى الى تدمير 19 محولا كهربائيا. تم الحادث في ساعات متأخرة من الليل وهي فترة لا يكثر عليها الطلب وتم استدراك التداعيات واصلاح الخطوط قبل بزوغ ساعات الفجر. يشار الى ان الحادث الاخير لو وقع في وضح النهار اثناء ذروة الطلب على التيار الكهربائي، ربما لتسبب بانقطاع تام لمنطقة جغرافية واسعة. كما ان الفاعلين في كلا الحادثتين استطاعوا الافلات ولم يعثر عليهم. واخذت شركات التوليد عبرة سريعة بتعزيز اعمال الحراسة على المحطات الرئيسة والفرعية

        في الاحوال الاعتيادية، تشكل الاضطرابات الناجمة عن انقطاع التيار الكهربائي احد اكبر التهديدات التي تواجه النسيج الاجتماعي الاميركي. وتم رصد تنامي مضطرد لاحتمال وقوع اشتباك مسلح بين السلطة المركزية والمواطنين، تعزز بشكل اكبر خلال المواجهة مع راعي البقر، كلايفن بندي، تصدرتها الميليشيات المسلحة والوافدة على جناح السرعة لمنطقة الاشتباك المحتملة بدافع اختلافاتها مع سيطرة ونفوذ الدولة الاتحادية

        تشكيلات الميليشيات المتعددة تلتزم جانب السرية في اعمالها، وما يتوفر من معلومات دقيقة هو النذر اليسير. احدى اهم مكونات تلك المجموعات برز “حماة القسَم،” الذين يبلغ تعداد افرادها نحو 3،000 عنصر وسبق لبعضهم اداء الخدمة العسكرية او في اجهزة الشرطة، وعقدوا العزم فيما بينهم على عدم امتثالهم لاوامر الدولة التي يعتبرونها مناهضة للدستور

        برز تشكيل “حماة القسَم” بقوة في مواجهة القوات الاتحادية نظرا لاتخاذها من مدينة لاس فيغاس مقرا اساسيا لها واستطاعت حشد اعضائها على وجه السرعة وتوفير المساعدات اللوجستية للمرابطين في مزرعة بندي. التشكيل لا يعتبر نفسه ميليشيا مسلحة، بيد ان رصد اعضائه بكامل اسلحتهم في المنطقة سلط الاضواء عليه

        تعزز وجود “حماة القسَم” بفروع اخرى من الميليشيات المسلحة، والتي لم تعرف اعدادهم بدقة لكن يعتقد انها ادنى من سرية مشاة. وتجدر الاشارة الى الولايات المتعددة التي ارسلت “ميليشيات مسلحة” للمرابطة هناك، منها: تكساس، مونتانا، اوكلاهوما، اريزونا، ونيفادا. اما الاعداد الدقيقة فبقيت حيز التكهن. من المجموعات المسلحة الاخرى صعد “فرسان الجبل الغربي، حركة 912، ومجموعة 3%.” الاعتقاد السائد ان اعضاء تلك المجموعات لا تتجاوز اصابع اليدين، اما حجم المساعدات الراجلة والمعدات التي تموضعت في موقع الاشتباك المحتمل يدل على قاعدة عريضة من المؤيدين الملتزمين بتوفير المعونات اللوجستية

        من الخطأ اعتبار تلك الميليشيات المسلحة رديفة لقوة عسكرية حقيقية، بالرغم من خبرة بعض اعضائها في الاعمال الحربية كمجندين في القوات الاميركية المحتلة في العراق وافغانستان. وكل منها لديها هيكلية قيادية منفصلة عن الاخرى، ومن الطبيعي ان تتعرض صفوفها الى خلافات حول التكتيكات التي ينبغي اتباعها. كما ان تشكيلاتها تتباين في جملة الاهداف التي تسعى لتحقيقها، فالبعض هرع لتوفير الحماية لراعي البقر بندي ليس الا، والبعض الآخر لا يتورع عن الانخراط في اشتباك مسلح مع القوى الأمنية الاتحادية

        دلت المواجهة الاخيرة غير المكتملة على امكانية اشعال صاعق التفجير للتمرد في الاراضي الاميركية. وقد افصح عدد من عناصر الميلشيات المشاركة عن رغبتهم باندلاع المواجهة والتي من شانها اطلاق رصاصة التمرد ليعم كافة اراضي البلاد. القوى الأمنية بدورها، والتي تمتلك معلومات مفصلة عن التشكيلات المسلحة واهدافها عبر مخبريها داخلهم، تدرك خطورة الأمر مما دفعها الى التراجع المرحلي عن الاشتباك وانهاك اعضاء الميليشيات عبر المرابطة لفترة غير محددة وما سينتج عنها من عودتهم تدريجيا الى مناطقهم الاصلية

        مع مضي الزمن فقد “بندي” ومناصريه زخم التحرك والاستقطاب وتراجعت حدة الاشتعال التي مثلتها المواجهة قبل بضعة اسابيع. لكن التموجات داخل صفوف تلك العناصر تبقى قابلة للاشتعال مرة اخرى ردا على اي محاولة قمع قد تقدم عليها السلطات الاتحادية، وايقاع خسائر بالارواح

        في حال ساد التعقل وتم نزع فتيل الاشتعال مع “بندي” واعوانه سلميا، لا ينبغي غض الطرف عن التداعيات السياسية العميقة. فالتجربة التاريخية لنشوء الدولة المركزية تشير الى حوادث عدة مشابهة، وكان من شأنها احداث تغيرات بالغة في الخارطة السياسية افرزت حزبين سياسيين يتناوبان السلطة، منذ عهد انتخاب الرئيس توماس جيفرسون. وعرفت تلك المواجهة الحادة “بانتفاضة الويسكي،” عام 1794، في تحدي مزارعي الحبوب خاصة الذرة ومؤسسات تقطير الكحول سلطة الدولة بفرض ضرائب اضافية عالية على مشروب الويسكي، بلغت 25% من القيمة التجارية،  بغية تمويل عجز خزينة الدولة الناجم عن الحروب. ولخص احد المسؤولين الرافضين لسلطة الدولة آنذاك الأمر بالقول “ان نخضع لكافة اعباء الدولة والتمتع بصفر من المزايا العائدة للدولة هو وضع لن نخضع له ابدا

        يجدر الاشارة الى ان انتفاضة الويسكي كانت اشمل واوسع واكبر حجما مما جرى مع راعي البقر، بندي، وفي نفس الوقت ينبغي عدم اغفال الجوانب المشتركة المتعددة خاصة لهبة العديد من المعارضين وتشكيل جسم شبه متجانس مقاوم لاستخدام السلطة المركزية وسائل الضغط بالقوة غير المتناسبة. كما ان المواجهات كشفت اتساع تعدد الاراء السياسية المختلفة، خاصة للوافدين من المناطق الحضرية استعدادا للمواجهة

        تشكلت حينئذ عدة هيئات ومنظمات على ارضية الولاء للوطن، اطلق عليها “الجمعيات الجمهورية والديموقراطية” التي اعتبرت مناوئة وهدامة للدولة الاتحادية. وحذر الرئيس الاميركي الاول جورج واشنطن من تلك الظاهرة المتبلورة قائلا “.. ان لم يتم مواجهة تلك الجمعيات .. ستلجأ لهز الاسس التي تقوم عليها الدولة.” وسارع واشنطن برفقة وزير خزانته آنذاك، الكساندر هاميلتون، تشكيل وترؤس قوة عسكرية ضخمة بمقاييس ذلك الزمن، انطلقت من مقر العاصمة الاتحادية، فيلادلفيا، الى بؤرة التمرد في المناطق الريفية الواقعة في الشطر الغربي من ولاية بنسلفانيا لاخماد حركة التمرد بنجاح. المناوئين للحكومة اطلقوا على القوة المتشكلة “جيش البطيخ” تندرا (واطلاق التسمية مرده ان الجنود كانوا يرتدون بذلات عسكرية خضراء تغطي قمصانهم الحمراء تحتها، أي اخضر من الخارج أحمر من الداخل مثل البطيخ)، والتي استطاعت القاء القبض على نحو 30 فردا منهم دون مقاومة، بيد ان التداعيات السياسية لتلك الخطوة كانت بالغة

        عودة لظاهرة “بندي” وما كرسته من تفاعلات وآفاق في المدى المنظور، ورغبة في وضعها ضمن سياقها الحقيقي بعيدا عن الرغبات والمبالغات الاعلامية، نستدرك اوصاف وسائل الاعلام اليمينية وعلى رأسها شبكة “فوكس نيوز” التي جاهدت واستمرت في ابراز الدور البطولي لراعي البقر ورفعه الى مكانة “الاباء المؤسسين” للدولة الاتحادية ومساواة فعلته بمواجهتهم آنذاك لسطوة التاج الملكي البريطاني. بعد انقضاء “السكرة وحلول الفكرة،” ثبت ان التحدي المشار اليه لم يكن معزولا عن دعم وتحريض التيارات اليمينية وعلى رأسها الممول الثنائي الاخوين كوك، اللذين تبلغ ثروتهما مجتمعة عدة مليارات من الدولارات، والذي وصف بأنه “نموذجا رائعا لحماقة ارتكبها التيار اليميني،” في رهانه على شخص “منزوع الدسم،” في المقياس السياسي والايديولوجي، لتنفيذ اجندة اكبر من حجمه وقدراته الفردية، بل اكبر من طاقات مؤيديه من الميليشيات

        من المفارقة والسخرية في آن ان “بندي” ومناصريه اقاموا خيمة استقبال على بوابة مزرعته لاستيعاب الميليشيات المسلحة تحت يافطة اضرت باللغة الانكليزية لما تضمنته من سوء املائي جاء على الشكل التالي “MILITA SIGHN IN,”خطء قد يرتكبه طالب بثقافة المرحلة الابتدائية، مما يدل على سطحية ثقافة الميلشيات المسلحة من ناحية

        دعم الاخوين كوك لحركة “بندي” الهزلية غير قابل للجدل، وشكل منصة انطلاق لتشكيلات ومجموعات اخرى تناهض الدولة. تراجع الدعم المعلن عقب ارتكابه خطايا تصريحاته المفعمة بالعنصرية والتي شكلت احراجا كبيرا لهذين الممولين “لمواجهة مع السلطة المركزية انتظراها نحو عقدين من الزمن،” كما افاد مقربون منهما. محصلة اجندة الاخوين هي سعيهما لنزع ملكية الدولة عن الاراضي العامة وتحويلها الى السلطات المحلية في الولايات المعنية، كي يتسنى لهما الفوز بعقود مجزية لاستثمار اراضي شاسعة بثمن بخس، ان وجد، مستغلين نفوذهما التجاري عبر شبكة استثمارات متشعبة تدر دخلا لبعض الولايات عن طريق الضرائب من الصعب الاستغناء عنها، مهما بلغت بسيطة

في غضون ذلك، النشاط التجاري للاخوين كوك يشمل التنقيب عن المعادن والنفط وتقنية تكسير الصخور التحتية لاستخراج النفط، وتجارة الاخشاب. يدرك الاخوين بدقة ان استغلال الاراضي المشار اليها ضمن الظروف الراهنة مقيد بقوانين الحماية من الدولة المركزية، ويتضح مدى حرصهما على ركوب موجة الغضب التي رمز لها في البداية “منزوع الدسم” بندي بغية توسيع حجم استثماراتهما. بعبارة اخرى، شكل بندي “حصان طروادة” لمشاريع الاخوين كوك لحين افصاحه عن توجهات عنصرية احرجت اقرب المقربين اليه. وما مراهنتهما على “بندي” الا امتداد لتاريخ المراهنة على “الجمعيات الوطنية” في التاريخ الاميركي الرسمي، ذات الافق الضيق والتي يسهل تسييرها من قبل المتنفذين، على قاعدة صراع ثنائية بين فريق يطالب بدور اكبر للدولة المركزية وآخر ينادي بتكثيف السلطات في المجالس المحلية

اما آفاق المواجهة المذكورة فينبغي النظر اليها في سياق معارك متصلة تعلو وتنخفض حدتها، وتترك خلفها آثارا سلبية في البنى الاجتماعية، ليس اقلها تسليط الضوء على سطوة شريحة الاثرياء (1%) سالفة الذكر، وتنامي فالق توزيع الثروة وتقلص شريحة الطبقة الوسطى تباعا، وتداعي البنى التحتية، مما سيؤدي الى مزيد من المواجهات التي لن تكون نهاياتها بسلاسة نهاية المواجهة مع راعي البقر

2014-04-25 التقرير الأسبوعي

 

المقدمة:  

انصب اهتمام مراكز الابحاث على زيارة الرئيس اوباما لبعض الدول الاسيوية، الى جانب متابعتها للاوضاع المتأزمة في اوكرانيا. لكن البعض وجد فسحة لتناول جملة من قضايا المنطقة، في سورية والعراق وافغانستان.

تفاقم الاوضاع والازمات العالمية رافقه رفع وتيرة التوتر داخل الولايات المتحدة بين قوى الأمن الفيدرالية وبعض المواطنين المسلحين على خلفية ملكية الدولة لمساحات شاسعة من الاراضي المشاع، في ولاية نيفادا تحديدا واعتاد اصحاب مزارع الماشية الاستفادة الموسمية منها. التوتر كاد ان يتطور الى مواجهة مسلحة بين الطرفين، وتم تداركه في اللحظات الاخيرة على ضوء توافد المزيد من المواطنين باسلحتهم الى نقطة تمركز قوى الأمن، للمساهمة في تحدي سلطة الدولة والدفاع عن حقهم باستخدام الاراضي العامة.

المواجهة الوشيكة تعيد الى الاذهان توقعات اكاديمي روسي اطلقها قبل بضعة اعوام يشير فيها الى ان الولايات المتحدة تقف على عتبة دخول حرب أهلية وربما الى التفكك. قسم التحليل سيعالج تلك المسألة من كافة جوانبها، واضعا نصب الاعين جذر المسألة حول ملكية الدولة الاتحادية لمساحات شاسعة من الاراضي في الشق الغربي من البلاد، سيما وانها تختزن ثروات طبيعية هائلة تستعد الدولة لطرح استثمارها من قبل القطاع الخاص.

ملخص دراسات ونشاطات مراكز الابحاث

الصراع على ملكية الارض

تناول معهد كاتو المواجهة التي كادت ان تؤدي الى اشتباك بالاسلحة بين قوى الأمن الرسمية وانصار مربي البقر، كلايف بندي، في ولاية نيفادا. وناشد السلطات الاتحادية التوصل الى حل يستند الى “تحويل ملكية معظم الاراضي الحكومية في ولاية نيفادا الى سلطات الولاية .. اذ ان الساسة المقيمين في العاصمة واشنطن تنقصهم الدراية اللازمة لاتخاذ قرارات تخص استخدام الاراضي وما تتركه من تداعيات على نمط حياة المواطنين ..”

سورية

نظم معهد واشنطن حلقة نقاشية تخص الازمة السورية استضاف فيها وزير الخارجية البريطانية السابق، ديفيد ميليباند، والسفير الاميركي السابق لدى سورية، روبرت فورد. ميليباند شدد بدوره على ان الازمة تحولت الى مأساة انسانية بامتياز “وفشل المجتمع الدولي بمعالجتها اسهم في تداخل خليط متفجر من العناصر في المنطقة فيه الديكتاتوريات القمعية، والانقسام الطائفي، وصراع القوى الاقليمية والدولية.” واضاف ان “الطابع الطائفي لمجريات الحرب اضاع الفوارق الفاصلة بين المدنيين والمقاتلين، مما يرسي سابقة خطيرة محتملة.”

 العراق

في تناوله للازمة العراقية، ردد مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية نظريته السابقة بأن “الاخطار الكبرى” التي يواجهها العراق هي “بفعل ذاتي تسبب به قادته السياسيون.” وحمل رئيس الوزراء نوري المالكي مسؤولية “الاخفاق في بلورة صيغة ديموقراطية مستتبة .. ولجوئه لتعزيز مراكز القوة مما دفع به الى المزيد من التسلط في الحكم.” واضاف ان “الخيارات التي اعتمدها قادة العراق اسهمت في تجدد العنف الطائفي بين السنة والشيعة فاقمه تدفق المتطرفين الى اراضيه بسبب الحرب الاهلية في سورية.”

حذر معهد كارنيغي من “تمدد الانقسام الطائفي بين السنة والشيعة .. وانتهاج سياسة الاقصاء على امتداد الحقبة الحديثة للبلد.” واضاف ان “تنامي الهجمات الارهابية ضد المدنيين الشيعة والعمليات التي تقوم بها قوى الأمن في المناطق السنية ادت الى تفاقم خطر اندلاع صراع طائفي يذكرنا بالحرب الأهلية عام 2006 – 2007.”

انتشار خطر القاعدة

ناشد معهد المشروع الاميركي صناع القرار السياسي “اجراء مراجعة جادة للاستراتيجية القومية الاميركية لمحاربة القاعدة،” اذ اتسمت “بسوء تقدير قوة العدو واهدافه مما ادى الى تبنيها استراتيجية محورها مناهضة الارهاب، والتي لا تستطيع انزال الهزيمة بالقاعدة.” واضاف ان الوسائل المتبعة في “مكافحة الارهاب وانهاك الخصم تلقى نجاحا اكبر في مواجهة مجموعات صغيرة والتي ليس بوسعها رفد صفوفها عبر عملية تجنيد واسعة ..”

افغانستان

اعرب معهد الدراسات الحربية عن شكوكه بفعالية القوات الاميركية التي يطالب بها الرئيس اوباما للبقاء في افغانستان، اذ “التكهن بسد الحاجة لتواجد اقل من 5000 جندي سابق لاوانه قبل حسم نتائج الانتخابات.” واضاف ان التوقعات تشير الى احتدام الصراع مجددا، بيد ان استراتيجية الادارة الاميركية “قائمة على سوء تقدير للموقف ولا تأخذ في الحسبان الصورة الحقيقية لتجدد العنف واستمرار مكامن التهديد في افغانستان.”

التحليل:

تقرير خاص : اميركا من الداخل

اميركا امام مشهد “ربيع دموي وتمرد مسلح”

والشرارة من نيفادا

شهد منتصف الشهر الجاري مواجهة نادرة بين قوى الأمن الاتحادية وبعض المواطنين بالقرب من مدينة لاس فيغاس، كادت ان تتطور الى تبادل اطلاق النار يصعب التكهن بعواقبه الخطيرة. السلطات الأمنية ارسلت نحو 200 عنصر من رجالها مدججين بكافة انواع الاسلحة “لفرض هيبة الدولة” على راعي بقر اعتاد ولفترة طويلة الرعاية والانتشار لقطيعه في اراضٍ تعود ملكيتها للحكومة الفيدرالية.

يملك مربي الماشية كلايف بندي نحو 300 رأس من الابقار ورفض مرارا اوامر الهيئات الرسمية بالكف عن “استغلال” الاراضي العامة لمنفعته الخاصة. وجدت بعض الجماعات المتشددة عادة في رفض توسع وهيمنة السلطة الفيدرالية فرصتها لتبني قضيته ودقت الميليشيات اليمينية المسلحة ناقوس الخطر واستقدمت عدد من المواطنين رعاة البقر المتضامنين معه لنجدته، بعضهم امتطى ظهور الخيل والبعض الآخر اتى شاهرا سلاحه. ولم تمتثل الجموع لتحذيرات القوى الفيدرالية المتكررة بالانتشار والابتعاد، وشارف الفريقان على تبادل اطلاق النار، وسرعان ما تداركت القوى الأمنية خطورة الوضع وقررت الانسحاب دون خسائر للجانبين.

كادت المواجهة ان تفلت من تحت السيطرة، واي اطلاق للنار كان سيتم الرد عليه باطلاق نار مماثل، وحشود رعاة البقر على اهبة الاستعداد والعزم للاشتباك مع القوى الأمنية، مما كان ينذر بحرب أهلية ضروس تشبه الى حد كبير اطلاق الرصاصة الاولى ضد القوات الملكية البريطانية عام 1775، والتي اشعلت حرب استقلال المستعمرات الاميركية عن التاج البريطاني.

العامل الغائب والمغيب عن المواجهة “المؤجلة” يتعلق بالثروة الباطنية لتلك الاراضي ومصيرها والاطراف المستفيدة منها، اذ تشير الدراسات الرسمية الى ان بداخلها مخزون هائل من النفط والغاز. وصفت هيئة البث التلفزيوني الكندية حجم المخزون بأن “النفط سيتدفق بسلاسة الماء.” الموقع الالكتروني الرسمي “لهيئة ادارة الاراضي” الاتحادية اوضح ان الهيئة “مسؤولة عن ادارة نحو 48 مليون فدان (194 مليون دونم) من الاراضي العامة الواقعة في ولاية نيفادا، والتي تشكل نسبة 67% من مجمل مساحة الولاية.”

كما اشارت دراسة حديثة اصدرتها هيئة “خدمة الكونغرس للابحاث” الى انخفاض اعمال التنقيب عن النفط في الاراضي المملوكة للدولة الاتحادية طيلة خمس سنوات مضت، رافقها بطء في الاجراءات الحكومية لمنح تراخيص التنقيب على اراضيها للقطاع الخاص بنسبة 1 الى 10 تقريبا. واوضحت الدراسة ان هيئة ادارة اراضي الدولة استغرقت معدل 307 أيام للبت في اصدار الترخيص.

1

                                      BLM agents facing protestors

 

على خلفية المواجهة المذكورة لا يستطيع المرء الا استحضار اجواء الحرب الأهلية الاميركية، نظرا لتنامي الانقسامات الحادة في المجتمع واستعراض مناهضي السلطات المركزية اسلحتهم جهارا مما يؤشر على نضوج بعض عوامل الانفجار وربما باتت اقرب مما يعتقده البعض. يشار في هذا الصدد بشكل خاص هبّة الميليشيات المسلحة على وجه السرعة توافدوا من مناطق متعددة من الولايات المتحدة لتوفير الدعم لراعي البقر كلايف بندي. ورابطت قواها المسلحة بالقرب منه متأهبة للاشتباك مع اي قوة أمنية مركزية قد تأتي مجددا، وهو الأمر المرجح، معززة بقوة اكبر واوفر تسليحا

ردود الافعال المختلفة للمواجهة كانت متباينة وأشرت على مكامن الصدع في المجتمع الاميركي. ارض المواجهة كانت ولاية نيفادا، ممثلها في مجلس الشيوخ، هاري ريد، وصف الميليشيات المسلحة بأنها “مجموعة من الارهابيين المحليين.” بالمقابل، ممثل الولاية عن الحزب الجمهوري، دين هيلر، وصفهم بـالوطنيين الابرار”

يشار ايضا الى اطلاق النائب عن ولاية اريزونا المجاورة، بول غوسار، تصريحات مغايرة لقوى الأمن المركزية عقب زيارته مزرعة بندي والتي تتداخل حدودها مع اراضي ولايته. وشدد غوسار على ان موطن القلق للسلامة العامة مصدره القوى الأمنية الاتحادية المشتركة التي هرعت لمواجهة المزارع/المربي، الذي يعتبره غوسار ضحية لهيمنة السلطات المركزية على اراضٍ شاسعة في تلك المنطقة من اميركا. واتهم غوسار الحكومة المركزية بالتمادي “والسيطرة ومصادرة الاملاك الخاصة .. وهي عديمة الثقة بمواطنيها

التدقيق في الجدل المثار حول القضية المذكورة يشير الى ابعاد اوسع من قضية تخص فرد يربي الماشية وبعض مسلحي ميليشيات القوى اليمينية. فالمواجهة احيت الجدل المكبوت حول مصير الاراضي الشاسعة في الشطر الغربي من البلاد الخاضعة لسيطرة الدولة المركزية، عززه قدوم وفود “رسمية” من ولايات اخرى في المنطقة الغربية، اريزونا واوريغون، للتضامن مع راعي البقر بندي والتواجد على اراضي مزرعته. وحفزت المواجهة نحو 50 مسؤولا من 9 ولايات في الشطر الغربي الى عقد لقاء قمة في عاصمة ولاية يوتاه المجاورة، سولت ليك سيتي، نهاية الاسبوع المنصرم. رمزية مكان اللقاء ذات دلالة واضحة سيما وان نحو 67% من تلك الاراضي الشاسعة مصنفة في ملكية الدولة المركزية، وسبق لاولئك المسؤولين ان اصدروا احكاما مرتين بتقليص دور السلطة المركزية، واشنطن، وهيمنتها على الاراضي

لقاء القمة المذكور جرى التحضير له مسبقا، وساهم توقيت تحرك القوى الأمنية في تسليط الضوء مجددا على مسألة الملكية في الشطر الغربي المترامي الاطراف. في ذات السياق، تملك الدولة المركزية 62% من اراضي ولايتي الاسكا وايداهو، وما ينوف عن 81% من اراضي ولاية نيفادا، 48% من اراضي كاليفورنيا، 35% لولاية نيو مكسيكو، 42% لولاية اريزونا، 53% لولاية اوريغون، 29% لولاية واشنطن (اقصى غرب البلاد)، ونحو 48% من اراضي ولاية وايومنغ المجاورة. دأبت سياسة الدولة المركزية، منذ نحو 150 عاما مضت، على تسليم تدريجي للاراضي تحت سيطرتها وتعيدها للولايات المعنية، او للقطاع الخاص، او حتى بعض الافراد. على ضوء الخلفية السابقة، يستطيع المرء تلمس مدى امتعاض وعمق درجة الاحتجاج لدى الولايات الغربية ومواطنيها

مزرعة بندي في عين العاصفة

توخيا للدقة والموضوعية سنعمد الى تحييد القضايا القانونية البحتة المتعلقة بالمواجهة على اراضي مزرعة بندي، والاكتفاء بالاشارة الى ان موقف كل من راعي البقر والقوى الأمنية المركزية اسهم في تأجيج المشاعر والتمترس خلف مواقفهما. اقر بندي من جانبه بأنه احجم عن دفع اية رسوم مالية للدولة لقاء بحث قطيعه من البقر عن الكلأ في تلك الاراضي. في الجانب القانوني البحت، ان ارادت الجهات المركزية تحصيل الرسوم المستحقة لها تلجأ عادة الى اصدار أمر قانوني بالحجز على الممتلكات لحين تسوية القضية، وليس باللجوء الى ارسال قوى أمنية مدججة بالسلاح.

يشار في هذا الصدد الى استصدار قوى الأمن الاتحادية قرارا قضائيا قبل بضعة اعوام يجيز لها التدخل واقصاء قطيع الابقار المملوك لبندي عن الاراضي الاتحادية. في الخامس عشر من آذار الماضي ابلغت القوى الأمنية الاتحادية السيد بندي عزمها بحجز قطيعه بالكامل تحت بند التعدي على ملكية الغير. واقدمت يوم 27 من آذار على اغلاق نحو 322،000 فدانا (1,300,000 دونم) امام الاستخدام العام بغية حجز القطيع بكامله. رد بندي بسرعة اتصاله باعوانه ومؤيديه المنتشرين في عدة مناطق اميركية.

مؤيدو راعي البقر ينظرون بخفة الى النصوص القانونية، ويعتبرون ما اقدموا عليه يندرج تحت حقهم في العصيان المدني، ربما اقتداء بالمناضل الاسود مارتن لوثر كينج والمهاتما غاندي واحتجاجات “الربيع العربي.” واوضح عدد من اولئك المؤيدين لبندي ان فعلتهم تشكل بدء “ربيع اميركي،” اسوة بما روجته وغذته الولايات المتحدة من مواجهات دموية وتدميرية في الوطن العربي.

في الحيثيات، باشرت قوى الأمن الاتحادية اجراءاتها باغلاق الاراضي وحجز القطيع يوم 5 نيسان، سرعان ما تنادى مؤيدو بندي الى مساعدته والوقوف بجانبه في اليوم التالي. في 9 نيسان اندلعت اشتباكات بين الطرفين اتسمت بالعنف، سعى المناوئون الى توثيقها بالصوت والصورة، وبث المشاهد على شبكات التواصل الاجتماعي، مما اسهم في انتشارها بشكل واسع ضاعف من عدد المؤيدين لبندي وحضورهم بالمئات الى محيط المزرعة. وما لبثت الجموع ان اقامت بعض الخيام وانشاء مركز احتجاج على الطريق العام المؤدي للمزرعة.

اندلعت المواجهة المباشرة الاولى يوم 12 نيسان. وفي وقت لاحق من صباح ذلك اليوم اعلنت قوى الأمن الاتحادية عن نيتها تعليق جهود حجز القطيع واعادة فتح الاراضي المعنية لاستخدام العامة. بندي، من جانبه، شعر بقوة حلفائه ورفض تراجع القوة الأمنية مطالبا اياها باخلاء المنطقة بالكامل والافراج عن قطعانه من الابقار. القوة الرسمية آثرت عدم الرد على بندي مباشرة مما دفعه واعوانه من رعاة البقر الى امتطاء احصنتهم وامتشاق اسلحتهم والتوجه نحو مقر القوة الأمنية.

شاهدو عيان وصفوا لحظة المواجهة تلك بانها اشبه بمقطع من فيلم كاوبوي، اي بعض رعاة البقر يواجهون قوة أمنية رسمية والضغط عليها للتراجع واخلاء المكان. حذرت القوة الأمنية مرارا الرعاة الآتين اليها بأنها مسلحة بقرار قضائي خطي ولن تتورع عن اطلاق النار ان استمر الرعاة بالتقدم. تجاهل الرعاة التحذير ومضوا باتجاه البوابة التي احتجز القطيع خلفها وتتواجد القوة الأمنية هناك ايضا. وتصاعدت حدة التوترات بين الطرفين لفترة وجيزة تأهب فيها الطرفين الى مواجهة قادمة لا محالة.

2

Ranchers on horseback, protesters, and militia members in foreground faceoff against BLM agents under bridge

وما لبث ان انتصر العقل والمنطق لحقن الدماء وتراجعت القوة الأمنية ونزلت عند الطلب باخلاء الموقع والافراج عن القطيع. نقل شهود عيان عن عناصر القوة الأمنية بأن بعضهم ساورته الشكوك والخشية من اطلاق النار على مواطنين عاديين، فضلا عن مواجهتهم جمع بشري مسلح باستطاعته تبادل اطلاق النيران، وادراكهم ان تفاصيل اللحظة يجري توثيقها بالفيديو وتبث مباشرة على شبكة الانترنت.

تجدون ادناه رابطين مستقلين لتلك اللحظات الحرجة في المواجهة واطلاق سراح قطيع البقر:

http://www.youtube.com/watch?v=bD61YFxUga4

http://www.youtube.com/watch?v=8ADdToI9Akw

لم يتم حسم المواجهة، للحظة اعداد التقرير، بل امتدت لفترة اطول بالاشارة الى اعلان هيئة ادارة الاراضي عن نيتها التوجه مجددا للقضاء واستخدام السبل القانونية لازاحة قطيع الابقار عن تلك الاراضي. اما بندي ومؤيديه فقد حافظوا على مواقفهم السابقة معززين بقدوم محموعة اضافية من الميليشيات المسلحة لتوفير الحراسة والأمن.

الثورة تختمر

ما يفصل الطرفين عن الاشتباك المباشر هو مجرد وقوع أي خطأ أو حادث ليشكل صاعق التفجير، كما تدل التجارب التاريخية ان الامور تتدهور بسرعة نتيجة اطلاق السلطات المركزية النار على مواطنين. في الحالة الاميركية الراهنة، ربما ستشكل المواجهة مع بندي ذلك الصاعق الذي يقود الى التفجير، مع التشديد ان بندي ومؤيديه بعيدون كل البعد عن المضي باطلاق ثورة حقيقية.

المواجهة الجارية مع بندي ومؤيديه ما هي الا حلقة ضمن مجموعة حلقات مواجهة تجري في الشطر الغربي من البلاد، سبقها راعي بقر طاعن في السن في نيفادا ايضا، ريموند يوويل 84 عاما، ينتمي للسكان الاصليين شغل منصب شيخ قبيلة “شوشوني” التي تقطن تلك المنطقة. آنذاك، استطاعت هيئة ادارة الاراضي الاتحادية الاستيلاء على كامل القطيع، والاستيلاء ايضا على قطعان اخرى مملوكة لعدد من عائلات القبيلة المذكورة كانت ترعى في اراضي “محميتهم” المغلقة ولا يجوز التعدي عليها – وفق تصنيف الدولة الاتحادية. كما ان تراث قبائل السكان الاصليين لا يكترث بالحدود المقامة والارض باتت ملكية جماعية لمنفعة الكل.

نكث السلطة المركزية بوعودها وتعهداتها للقبائل الهندية  بات أمر يعاني منه كافة السكان الاصليين منذ وطأ المستعمر الاوروبي ارض “القارة الجديدة.” وفي العام 1979 اصدرت المحكمة العليا قرارها بتأييد الدولة قائلة ان اراضي “المحميات الهندية” هي مناطق في عهدة الدولة، وبالتالي يسري عليها قوانين واجراءات هيئة ادارة الاراضي. يجادل السكان الاصليين، ومنهم قبيلة شوشوني، ان المعاهدات المبرمة مع الحكومة الاتحادية وصادق عليها الكونغرس بمجلسيه، تعطيهم الحق برعي ماشيتهم على تلك الارض. واضافت القبيلة انها لم تتخلى عن حقها في تلك الاراضي يوما ما.

جاهد شيخ القبيلة “يوويل” للدفاع عن حق اتباعه، توجه للسلطة القضائية ونجح في استصدار أمر يوقف بموجبه تعدي هيئة ادارة الاراضي على قطعانه، بينما قضت محكمة الاستئناف الفيدرالية لاحقا ببطلان قرار محكمة البدايات، وتوجه للمحكمة العليا اثر ذلك، ووقف امامها للطعن في قرار الاستئناف والتشديد على ان الهيئة تصرفت باخلاء قطعان الماشية دون سند قانوني وانتهاكا لعدد من الاتفاقيات المعقودة.

في المواجهة الاخيرة، اعرب الشيخ يوويل عن “اوجه الشبه” بين صراعه مع الدولة وصراع الراعي بندي، مضيفا ان حقه في الارض يستند الى اتفاقية “روبي فالي” المعقودة عام 1863 التي اعترفت لقبائل الشوشوني رسميا بحقهم في استصلاح اراضي شاسعة بلغت مساحتها نحو 60 مليون فدان (243 مليون دونم) ممتدة في ولايات نيفادا وايداهو ويوتاه وكاليفورنيا. واضاف “هناك سياق واضح لما يجري في الغرب بدءا من عقد التسعينيات، وربما اواخر عقد الثمانينيات، يدفعني للقول ان الاستيلاء على قطعان الماشية مناهض للقانون .. (وتجربة بندي) هي آخر مثال في تلك السلسلة.”

3

The Bundy cattle at the center of the standoff being herded by cowboys after being released.

كما اوضحت مجموعة من مربي الماشية في ولاية نيفادا انه في سياق بلورة نيفادا بصيغة ولاية، خلال الحرب الاهلية الاميركية، تم الدفع بها على وجه السرعة الى مرتبة الاولوية لتنضم الى السلطة المركزية رافقها استصدار قرار فيدرالي تعد بموجبه الحكومة بيع فائض الاراضي المتبقية بعد تحديد المساحات المخصصة لانشاء القواعد العسكرية وسواها. استعجال الدولة في ضم ولاية نيفادا كان بدافع سيطرتها على مناجم الفضة الواسعة في نيفادا. وبناء عليه، يمضي اولئك، فان وضع هيئة ادارة الاراضي يدها على مساحات شاسعة في نيفادا يعد انتهاكا للنصوص القانونية.

اعتادت هيئة ادارة الاراضي على ممارسة وسائل الترغيب والتهديد بالقوة، وما جرى في نيفادا هو احد الامثلة. وردت انباء مؤخرا تدل على نية الهيئة مصادرة نحو 90،000 فدانا (364،000 دونم) تمتد على الحدود المشتركة لولايتي تكساس واوكلاهوما مملوكة ملكية خاصة. هب المدعي العام لولاية تكساس، غريغ آبوت، شكك بصلاحية هيئة الاراضي الاقدام على ما تنوي القيام به، مهددا برفع علم الولاية على السارية كرسالة لتذكير الهيئة ورمزيته باستقلال الولاية، وقاتلت لاجل ذلك عام 1835 وجهوزيتها لاعادة الكرة مرة اخرى.

 تجدر الاشارة الى ان آبوت سيترشح لانتخابات حاكم الولاية، وقد ارسل خطابا شديد اللهجة لمدير الهيئة، نيل كورنز، يطالبه بالرد على بضعة استفسارات تتعلق بمصادرة الاراضي. وحمل آبوت ادارة الرئيس اوباما مسؤولية التوترات قائلا “انها تنتهك القوانين الوضعية في هذا البلد .. وتجاوزت الخط الاحمر بحضورها لولاية تكساس والزعم بأن اراضي تكساس مملوكة للحكومة الاتحادية.” واضاف انه بموجب منصبه “كمدعي عام لتكساس لن اسمح ان يمر ذلك.”

وانضم حاكم ولاية تكساس عن الحزب الجمهوري، ريك بيري، الى حملة محاصرة هيئة الاراضي مطمئنا المواطنين انه “ياخذ على عاتقه وعدا بالتصدي والدفاع عن حقوق الملكية الخاصة في عموم ولاية تكساس.”

تشتهر تكساس بانها موطن الكاوبوي ويتصرف مواطنيها بذات العقلية، مزيج من الغطرسة والاعتزاز بالذات، مما ينذر بصدام محتمل مع الاخذ بعين الاعتبار ان سلطة الهيئة مقيدة باستصدار أمر قانوني للقيام بمصادرة الاراضي.

وتجدر الاشارة ان الاتفاقية الموقعة بين “جمهورية تكساس” المستقلة والدولة المركزية التي بموجبها انضمت الى كنف الدولة نصت على تسليم كافة الاراضي العامة الى الولاية كشرط لانضمامها. كما ان توجهات انفصال تكساس عن الدولة المركزية تبرز بين الفينة والاخرى والتي ستتعزز قواها ان تمادت الدولة ونقضت الاتفاقية.

يمتد القلق من سلطات الدولة المركزية على حساب الولايات الى عدد من ولايات الشطر الغربي: اوريغون، وايومنغ، يوتاه، وكاليفورنيا؛ وكل منها تشهد نضوج الظروف الذاتية لاطلاق صاعق تحركاتها.

تباينات الدولة الاتحادية في تطبيق القوانين تثير خشية تتسع بين عموم المواطنين. على سبيل المثال، يرفض الرئيس اوباما بشدة الامتثال لبعض القوانين كقانون حماية الحدود، بينما يسارع الى تطبيق الاجراءات الخاصة بهيئة ادارة الاراضي. قانون حماية الحدود يهم ولايتي تكساس واريزونا، لصد اليد العاملة المتدفقة من المكسيك واميركا الوسطى، وكذلك كاليفورنيا. السلطات المركزية تعمد الى تطبيق انتقائي للقوانين والاجراءات السارية، مما يضع تماسكها محط تساؤل.

الاجواء العامة المشحونة في الولايات المتحدة، واتساع الفجوة الاقتصادية بين الشرائح الاجتماعية وتقلص حجم الشريحة الوسطى، هي عوامل بمجموعها قد تسهم في اطلاق صاعق انفجار الحرب الأهلية. اذ دلت احدث استطلاعات الرأي، اجراه معهد راسموسن، عقب تبلور المواجهة المركزية مع مربي الماشية، ان 54% من المواطنين يعتبرون الدولة المركزية مصدر تهديد لحرياتهم الشخصية بدلا من حمايتها، مقابل 22% يؤيدونها، وهي نسبة تشكل انخفاضا بنحو 30% عما كانت عليه الاوضاع في شهر تشرين الثاني من العام الماضي.

ومما فاقم نتائج الاستطلاع ان نسبة 37% من الناخبين المسجلين اعربت عن خشيتها من سطوة الحكومة الاتحادية، بينما اعتبر 67% منهم ان الدولة اختزلت دورها واضحت احدى مجموعات الضغط الخاصة، اللوبي، تسعى لتلبية مصالحها. بالمقابل، انخفضت نسبة المؤيدين لدور الدولة الى 19%. كما اتسعت الهوة بين اداء الدولة المركزية والتزامها بالاسس والقوانين الناظمة، اذ اعرب نحو 71% من الناخبين عن رأيهم بانه لو قدر “للآباء المؤسسين” العودة فنظرتهم للحكومة المركزية ستقول انها بيروقراطية كبيرة مترهلة.

صاغ معهد راسموسن احد الاسئلة بحنكة مستندا الى الى النص الوارد في اعلان الاستقلال، الذي ورد فيه مصطلح “رضى المحكومين،” وطالب السؤال تعبير المستطلع عن رأيه/ا ان كانت الحكومة الاتحادية تحظى برضى محكوميها، واجاب نحو 66% منهم بالنفي. كما ورد في صياغة اعلان الاستقلال اشارة الى ما يتعين على المحكومين الاقدام عليه بممارسة حقهم في الغاء والقضاء على الدولة عند تيقنهم من سياستها المدمرة.

في هذا الصدد، ينبغي الاشارة الى ان النتائج المذكورة تطابقت مع استنتاجات مؤسسات اخرى لاستطلاع الرأي. وافاد معهد غالوب الشهير ان استطلاعه قبل نحو خمسة اشهر جاء بنسبة 72% من الاميركيين عبروا عن رأيهم بأن تضخم جهاز الدولة الاتحادية يشكل تهديدا اكبر لمستقبل الولايات المتحدة مقارنة بالعلاقة الثنائية المضطربة بين ارباب العمل والعمال. واوضح المعهد ان تلك النسبة بلغت اعلى مدى بين المواطنين منذ نحو نصف قرن من بدء طرح السؤال عينه كجزء من اسئلة الاستطلاع.

ما تقدم يدل بوضوح على عمق وحجم الاضطرابات الداخلية في اميركا، يفاقمها اداء اقتصادي مترهل عكس حالة الركود على الطبقة الوسطى من الشعب بينما لم تتضرر شريحة النخبة الحاكمة. البعد الاقتصادي هو حجر الزاوية في الاحتجاجات الجماعية كما تشهد بذلك التجربة التاريخية.

بروز الميليشيات المسلحة وتشبث نسبة معتبرة من الشعب الاميركي باقتناء السلاح، بما فيه اسلحة ومعدات مسرحها ميدان المعارك، يشكل ضلع المثلث المتبقي لانضاج صاعق التفجير. تشير التقديرات الرسمية لقطع الاسلحة المتوفرة بين ايدي المواطنين انها بنسبة 1:1 تقريبا. امام هذا المشهد يستطيع المرء التكهن بقتال شرس عند اندلاع الاشتباكات والتي قد تؤدي الى ضعضعة هيبة الدولة المركزية.

4

Militia stationed near Bundy Ranch

السلطات الفيدرالية تدرك انها امام حشد من الميليشيات المدربة جيدا مقارنة بالماضي القريب. واخذت علما بالسرعة التي حشدت فيها تلك الميليشيات قواها وتقاطرها الى نقطة الصدام، سيما وان بعض وحداتها تحتفظ بعلاقة وطيدة مع عناصر ذات خبرة عسكرية، لا سيما ممن خدم في العراق وافغانستان. لدى الميليشيات اجهزة اتصال متطورة ومعدات لوجستية تكفيها لإدامة الاشتباكات.

الميليشيات تبالغ باعدادها لا ريب، وتزعم ان لديها الآلاف من الاعضاء، بينما لا يتبقى منها مرابط بالقرب من مربي الماشية، بندي، لا يتعدى 50 فردا. بالمقابل، لا يجوز الاستهانة بسرعة تواجدها اينما تطلب الأمر.

 5

Crowd advances on BLM agents

الخشية الرسمية الاكبر ليس مصدرها تلك الميليشيات بحد ذاتها، بل للاعداد الضخمة من المواطنين التي تمتلك اسلحة بعضها مرخص به، والذين قد يهبوا على جناح السرعة لدعم اي حركة تمرد على الدولة. والاجابة على التساؤل ماذا بعد اندلاع الاشتباك لا تبعث على اطمئنان الاجهزة الرسمية. اما وان تتدهورت الاوضاع فهل سيلجأ المحتجون بالنزول الى الشوارع، اسوة بالتحركات الشعبية في بعض البلدان العربية، مضاف اليها قدرة نارية هائلة قد تطغى على ما يتوفر للحكومة.

مربي الماشية بندي استدرج، بوعي او بدونه، للافصاح عن هويته العنصرية خلال مقابلة صحفية اجرتها معه “نيويورك تايمز،” مؤخرا استخدم فيها مصطلحات مهينة فيها احتقار واذلال للسود الاميركيين، مما احرج بعض مناصريه ودفعهم الى الابتعاد عن تلك التصريحات، وربما يغادر بعضهم مكان الاعتصام في الايام المقبلة.

اما مصير مسألة ملكية الاراضي فبقيت مؤجلة دون حل، والتاريخ كفيل بتوفير الاجابة بأن اندلاع الاشتباكات أمر وارد لا محالة.

2014-04-18 التقرير الأسبوعي

 

المقدمة: 

ارخت فرصة اعياد الفصح المجيد ظلالها على حجم اهتمام وانتاج مراكز الابحاث، خاصة لاعتبار وفرة عناصرها المنتمية للطائفة اليهودية.

استمرار الادارة الاميركية باستخدام طائرات الدرونز وشن عمليات اغتيال سيشكل موضوع التحليل المرفق، بالنظر الى تناقض تصريحات الرئيس اوباما ووعوده التي اطلقها العام الماضي “للحد من غارات طائرات الدرونز،” التي ذهبت ادراج الرياح. بل الأهم في هذه المسألة هو دور المحاكم الاتحادية في شرعنة تلك الغارات واعطاء الادارة الاميركية ضوءا اخضرا لا يتقيد بحجم الانتقاد والاعتراض على “الاضرار الجانبية” من سقوط ضحايا ابرياء لتثبيت الهيمنة والغطرسة الاميركية في المنطقة العربية وجوارها.

 

 

ملخص دراسات ونشاطات مراكز الابحاث

اميركا و”اسرائيل”

لا تنفك الدعوات الاميركية من المطالبة بتعزيز سبل التعاون بين الولايات المتحدة و”اسرائيل،” خاصة عند الانعطافات السياسية الاقليمية والدولية. وناشد مركز السياسة الأمنية الولايات المتحدة تجسيد تعاونها في مجال تقنية مكافحة طائرات الدرونز. وقال “في ظل سعي البنتاغون بلوغ هدفه المستقبلي باقل قدر ممكن من قوات المشاة برفقة مزيد من الطائرات المسيّرة، فان عددا من الدول الاخرى تمضي في التوجه عينه، خاصة في نطاق استخدام طائرات الدرونز.” واضاف ان قيادة القوات العسكرية الاميركية “ماضية في جهودها” لتعزيز ترسانتها “ليس في سياق توسيع استخدام الطائرات المسيّرة فحسب، بل الاستثمار في تقنيات الدفاع عنها.”

دعى المعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي الولايات المتحدة الى “نقل طائرات قاذفة الى سلاح الجو الاسرائيلي والذخائر من قنابل خارقة للتحصينات،” على جناح السرعة، والتي من شأنها ان تؤسس لرسالة اميركية لايران مفادها ان “حليفتها (اسرائيل) امتلكت النية، واضحت تمتلك القدرة لمنع تحول ايران الى دولة نووية.”

تعثر المفاوضات بين السلطة الفلسطينية و”اسرائيل” شكل ارضية انتقاد الادارة الاميركية من قبل معهد المشروع الاميركي منوها الى “المخاطر الكبيرة الناجمة عن فشل المفاوضات .. وانعكاساتها على كافة المبادرات السياسية الرئيسة لادارة الرئيس اوباما” في عموم المنطقة. محذرا من استغلال “اصدقاء الولايات المتحدة وخصومها على السواء” الثغرات الناجمة عن فشل المفاوضات خدمة لمصالحهم الذاتية مستندين الى “احساسهم بضعف الرئاسة الاميركية وندرة فعاليتها وخفة أهليتها.”

 

لبنان

حذر معهد كارنيغي من تفاقم “الصراع الطائفي الذي يعصف بمدينة طرابلس وانتقاله الى مناطق اخرى من سهل البقاع” مناشدا الساسة اللبنانيين “تسوية الاوضاع الملحة .. بعضها عصف بلبنان منذ أمد” سابق على اندلاع الصراع في الساحة السورية، وعلى رأسها اولوية “التصدي لحالة الاهمال وعدم تطوير طرابلس ومناطق اخرى .. مما شكل نقطة لاستقطاب التطرف. كما يتعين على ساسة السنة اعادة تفعيل دور دار الفتوى” لتوفير الغطاء اللازم لاحتواء نزعة التطرف الدينية.

 

الخليج العربي

اصدر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية دراسة منقحة لما اعتبره “مواطن التهديد الاساسية” في منطقة الخليج، تتضمن “التوترات الطائفية والعرقية الداخلية، النزاع الاهلي، استمرار حالة عدم الاستقرار، فشل نظم الحكم والاداء الاقتصادي .. التداعيات الناجمة عن الحرب الاهلية في سورية، وتبلور منطقة “الهلال الشيعي” .. الصراع على مستقبل الاسلام وبين طائفتي السنة والشيعة .. حروب السيطرة والترهيب .. تصاعد الازمات غير المتماثلة الى مصاف نزاعات تقليدية .. ” والتوترات التي تهدد العلاقات العربية الايرانية في منطقة الخليج.

 

“منظومة الحكم في الشرق الاوسط”

سعى صندوق جيرمان مارشال للتنمية الى التمييز بين مفهوم منظومة الحكم واسلوب ادارته في منطقة الشرق الاوسط والوصول الى توصيات تشير الى ان “العقبة الماثلة امام (تطبيق) الديموقراطية لا تكمن في عنصر الهوية او الاسلام بحد ذاته، بل في نظام حكم يجري تبنيه لادارة (الاوضاع) عوضا عن ارساء اسس لنظام الحكم.” واستشهد الصندوق بطرفي الصراع في ازمة الحكم في تركيا “اللذين ينتميان الى الاسلام المحافظ، اذ ان خلافاتهما ليست حول تحديد الهوية او المثل الاسلامية او الفكر الاسلامي، بل هو صراع على الهيمنة والسلطة .. كما ان التباينات بين تجربتي تونس ومصر الاسلاميتين دلت بوضوح على دور عنصري القوة والسياسة اللذين يشكلان عاملي اعتبار اكبر من عنصر الهوية.”

 

 

:التحليل

اوباما واغتيالات الدرونز

القضاء يتواطأ ويوفر الغطاء لاستمرارالاغتيالات

“استراتيجية الدرونز الفتاكة اضحت ركنا اساسيا في السياسة الاميركية لمكافحة الارهاب .. واقصت (الادارة) الابعاد والاطر الاستراتيجية الحقيقية” عن التداول العام، “وحصرت محور التداول في اضيق نطاق حول فعالية (الاغتيالات) .. وهل تحصد ارواحا كبيرة من المدنيين.” الكلام السابق موجز اجماع آراء مراكز الابحاث والمعنيين، يتصدره معهد “مشروع الأمن الاميركي،” في مسعاه لاشراك اكبر قطاع ممكن من الرأي العام والمختصين والتصدي للسلطات الاضافية التي اقرها الرئيس اوباما العام الماضي.

اصدرت ادارة الرئيس اوباما في شهر ايار 2013 مذكرة اسمتها “بالكتاب الابيض،” لاضفاء اطر  قانونية وتدابير معينة “تضبط” سياسة الاغتيالات بالدرونز عقب تصاعد الجدل الشعبي واتضاح حجم ضحاياها من المدنيين، قوامها حصر مسؤولية استخدام الدرونز بوزارة الدفاع بعيدا عن سيطرة وكالة الاستخبارات المركزية كسلاح فتاك يخدم الاهداف الاستراتيجية الاميركية، مع الاشارة الى السرية المطلقة التي تحيط بطبيعة الاهداف والمستهدفين وآلية الاختيار. وسعى الرئيس اوباما طمأنة الرأي العام المعارض الى “. عدم اللجوء لشن غارات بطائرات الدرونز ضد اي مشتبه به .. الا في حال تعذر اعتقال المشتبه به، وعند توفر حالة شبه اليقين بعدم تعرض المدنيين” لعواقب الاجراء كجرحى او قتلى.

في الخلفيات، تلبدت الاجواء السياسية في واشنطن مطلع العام الجاري عقب اعلان الادارة الاميركية عن نيتها “للمصادقة على شن غارة جوية فتاكة تستهدف مواطن اميركي يقطن في باكستان ..،” وهي المرة الاولى التي ينطق بها مسؤول اميركي بصراحة اللسان “المضي باغتيال مواطن اميركي” يقطن خارج الاراضي الاميركية منذ اصدار الادارة “كتابها الابيض” لتقنين عمليات الاغتيال بطائرات الدرونز.

يذكر ان المرة الاولى (المعلنة) التي اقدمت فيها ادارة الرئيس اوباما على اغتيال مواطن اميركي كانت في شهر ايلول 2011، استهدفت انور العولقي في اليمن، الذي يحمل الجنسية الاميركية. كما اقرت ادارة الرئيس اوباما نهاية العام الماضي بمسؤوليتها عن اغتيال “اربعة مواطنين اميركيين” منذ تسلم الرئيس اوباما مهام ولايته الرئاسية. واوضحت صحيفة “نيويورك تايمز،” 10 شباط 2014، حملة الانتقادات الشديدة الصادرة عن الممثل الجمهوري رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس النواب، مايك روجرز، الموجهة للرئيس اوباما والمناهضة لما اسماه ميل الرئيس “لتقييد حرية سياسة الاغتيالات” ومعارضته سحب مسؤولية الاشراف على عمليات الاغتيالات من وكالة الاستخبارات المركزية ووضعها تحت مظلة وزارة الدفاع.

وسرعان ما اتسعت دائرة الانتقادات والمعارضة للرئيس اوباما لاخفاقه تطبيق سياسته المعلنة على خلفية جملة من المعطيات، لعل اهمها ان “سياسة الدرونز اشد خطورة كونها تغذي سباق تسلح جديد بلغت تكلفته عدة مليارات من الدولارات،” سيما وان هناك ثلاث كيانات سياسية استخدمت طائرات الدرونز للاغارة المسلحة: اميركا وبريطانيا و”اسرائيل؛” والاخيرة تعد “في المرتبة الاولى” عالميا لتصدير طائرات الدرونز المسلحة، تليها الولايات المتحدة في المرتبة الثانية.

ورصدت منظمة “هيئة التحقيقات الصحفية” المستقلة حصيلة ضحايا اغتيالات طائرات الدرونز التي تراوحت بين 2،296 و 3،178 فرد ثلثهم من المدنيين (مع الاشارة الى انعدام توفر احصائيات دقيقة). ويشير الخط البياني للاغتيالات الى تصاعد ثابت على امتداد بضع السنوات الاخيرة، ادى تزايد الطلب الرسمي لتطبيقها الى “نقص في الطواقم البشرية لادارتها، بالزعم ان الاطقم ضئيلة التدريب مما يتسبب في وقوع مزيد من الضحايا.”

استفاق العالم في شهر كانون الاول من العام الماضي على اخبار غارة لطائرات الدرونز استهدفت حفلة زواج في اليمن، ذهب ضحيتها نحو 12 فردا وجرح 15 آخرين من بينهم العروس. وزعمت كل من الحكومة الاميركية واليمنية ان الضحايا هم اعضاء فاعلين في تنظيم القاعدة في الجزيرة العربية، فندته شهادات شهود العيان واقارب الضحايا جمعتها منظمة “هيومان رايس ووتش” لحقوق الانسان؛ والتي أتت في تناقض صارخ مع بيان ادارة الرئيس اوباما  بأن السياسة الاميركية تقتضي قدرا من “التيقن يقترب من اليقين” بعدم تعريض المدنيين للاصابة في تلك الغارات.

في الشاطيء المقابل من المحيط الهاديء، صوّت مجلس الاتحاد الاوروبي باغلبية ساحقة، 534 الى 49، للمصادقة على قرار يطالب الدول الاعضاء “مناهضة وحظر سياسة الاغتيالات خارج نطاق القضاء،” ومطالبتها ايضا “بعدم ارتكاب اغتيالات غير قانونية او توفير تسهيلات لاغتيالات تقوم بها دول اخرى؛” بغية مضاعفة الضغوط على بعض الدول الاوروبية لوقف عملية انتاجها واستخدامها لطائرات الدرونز المسلحة، خاصة بريطانيا والمانيا وايطاليا وفرنسا، والضغط لوقف تعاونها مع سياسة الدرونز الاميركية.

الصدى الاوروبي انعكس اميركيا تمثل باعلان اكبر تجمع كنسي اميركي، مجلس الكنائس العالمي، معارضته لاستخدام طائرات الدرونز في بيانه الصادر في 13 شباط 2014. واوضح بيان المجلس ان استخدام طائرات الدرونز في عمليات الاغتيال يشكل “تهديدا جادا للانسانية” جمعاء، وادان بشكل خاص الاغتيالات التي تقوم بها الولايات المتحدة في باكستان.

النقابة الاميركية للحريات المدنية (ACLU) وصفت سياسة الدرونز بانها كمن يعيش في “منطقة آمنة من عواقب الدستور Living in a Constitution-free Zone” وما يترتب عليها من متطلبات. وانضم “مجلس الامم المتحدة لحقوق الانسان” لجهود المعارضة باصداره تقريرا قبل بضعة اسابيع يناشد الادارة الاميركية اجراء مراجعة لسياسة الدرونز المعتمدة والكشف عن العوامل التي تعينها في تحديد اهداف اغتيالاتها. واوضح التقرير انه يتعين على الولايات المتحدة بذل جهود مضاعفة للكشف عن معلوماتها المتوفرة الخاصة بآلية قرارها تحديد ما اذا كان عنصر ما “يشكل تهديدا وشيكا” لمصالحها في العمليات السرية الجارية على الاراضي الباكستانية والافغانية واليمينة والصومالية ودول اخرى. وطالبتها ايضا “مراجعة موقفها حيال التبريرات القانونية الخاصة باستخدام الاسلحة الفتاكة في هجمات طائراتها من الدرونز،” واجراء تحقيق لتبيان الانتهاكات وتعويض اهالي الضحايا.

في هذا السياق تزعم السلطات الاميركية ومؤيديها في وسائل الاعلام بأن مسألة الاغتيالات بطائرات الدرونز “لا تثير موجة غضب شعبية او تعاطف مع الحركات الارهابية” في الدول المستهدفة اراضيها، باكستان واليمن، “استنادا لتقارير الاستقصاء الصحافية المقدمة ممن زاروا البلدين.” غياب المعلومات الدقيقة والغموض المتعمد الذي يلف مسألة الاغتيالات يسهم في اضفاء بعض عناصر”الموضوعية” الصحفية لتلك المزاعم، سيما عند الاخذ بعين الاعتبار ما جاء في تفسير “مكتب التحقيقات الصحفية Bureau of Investigative Reporting ” المستقل الذي أكد “قدرته على توثيق كل غارة اميركية شنت بطائرات الدرونز، بيد ان ما ينقصه هو التفاصيل ..  فالتفاصيل الحرجة تستدعي تحديد هوية من لقي حتفه” من ضحاياها.

تقرير معهد “مشروع الأمن الاميركي،” الذي يرأسه المرشح الديموقراطي الرئاسي السابق غاري هارت، يشاطر المكتب الصحفي فيما ذهب اليه، موضحا ان “عددا من الدراسات (التحقيقات) العلنية تناقض بعضها بعضا او تنشر معلومات يستحيل التوفيق فيما بينها . نظرا  لعدم الجزم بدقة المعلومات المتوفرة حول الدرونز.”

تعكف بعض الدول اثارة سياسة الاغتيالات الاميركية على مستوى هيئة الامم المتحدة، تتصدرها الباكستان لاستصدار قرار أممي يشترط انشاء هيئة تحقيق مستقلة للوقوف على غارات الدرونز الاميركية وانتهاكاتها لحقوق الانسان، توّج بتناول مجلس حقوق الانسان النظر في طلب باكستان للمرة الثالثة كان آخرها يوم 19 آذار الماضي. كما ترمي الباكستان تضمين القرار معلومات اكثر تفصيلا لاعداد الضحايا الناجمة عن الدرونز. المعارضة الاميركية لاي دور للهيئة الاممية اوضحته نشرة “فورين بوليسي،” التي طالبت بعدم اتاحة الفرصة لمجلس حقوق الانسان “بسط ولايته القضائية” على انتهاكات حقوق الانسان الناجمة عن الغارات، اتساقا مع نظرة كافة المؤسسات الاميركية الرافضة التعرض لسلوك الولايات المتحدة، التي “تعهدت بالتعاون مع المجلس” في اعلان انضمامها له عام 2009، ورفضت الافصاح عن اي تفاصيل تتعلق بالامر.

ونقلت “فوريسن بوليسي” عن مسؤول رفيع في وزارة الخارجية الاميركية قوله ان الولايات المتحدة “لا تعتبر مجلس حقوق الانسان اطاراً مناسباً للنقاش في مسألة ضيقة الافق تتمحور حول نظام تسليح احادي.” وعليه، تستطيع الولايات المتحدة تجاهل كل ما يصدر عن المجلس من توصيات وقرارات بالاحجام عن حضور جلساته.

في البعد الداخلي الاميركي، من غير المرجح تبلور حملة محلية واسعة للضغط باتجاه تعديل سياسة الدرونز، خاصة بعد تساوق السلطة القضائية ممثلة بالمحاكم الاتحادية المتعددة مع ادارة الرئيس اوباما ومنحها الغطاء القانوني للمضي في تسيير الاغتيالات بالدرونز.

في هذا الصدد، رفضت محكمة اتحادية برئاسة القاضية روز ماري كوليير، قبل نحو اسبوعين، دعوى مقدمة من ناصر العولقي، احد اقارب انور العولقي ونجله الاميركيين اللذين قضيا في غارات الدرونز باليمن والباكستان، على التوالي. المدعي العام الاميركي، اريك هولدر، زعم ان انور العولقي له دور شخصي مباشر في “التخطيط المتواصل وتنفيذ هجمات ارهابية تستهدف اراضي الولايات المتحدة.” وروجت الادارة باتهام العولقي في محاولة لتفجير طائرة مدنية متجهة الى ديترويت ابان فرصة اعياد الميلاد عام 2009، وكذلك الزعم بضلوعه في حادث اطلاق النار داخل القاعدة العسكرية الاميركية، فورت هود، عام 2009 ايضا.

استدركت المحكمة المذكورة قرارها “بامكانية” انتهاك السلطات القضائية لحقوق العولقي المدنية المنصوص عليها في المادة الخامسة من الدستور الاميركي، القاضية بضرورة تقيّد السلطات بحق المتهم في اجراء محاكمة عادلة وفق الاسس المنصوص عليها. وسرعان ما تراجعت القاضية عن تعليلها  ورفضت النظر بالقضية استنادا الى عدم توفر آليات مناسبة للمعالجة. قرار المحكمة ينطوي على تسجيل سابقة خطيرة لشرعنة برنامج الاغتيالات للايحاء المتضمن بعدم توفر فرصة قانونية يلجأ لها من يتعرض للهجمات.

 

مستشارة الشؤون القضائية السابقة للجنة الاستخبارات الخاصة بمجلس الشيوخ، فيكي ديفولي، علقت على “تواطؤ” السلطة القضائية بالقول ان “المدعي العام استند الى نص قانوني هزيل، غير موجود بالمطلق او انه بحاجة لتوفير تضليل كي يتسق مع المعطيات المقدمة.” واضافت “لم نعهد اي رئيس (اميركي) سابق .. استهدف مواطنين اميركيين بالغارات العسكرية.”

سعى “بعض” ممثلي الكونغرس مساءلة الادارة الاميركية وتبريرها للاغتيالات ومدى اتساقها مع النصوص الدستورية، كان من ابرزهم رئيس اللجنة الدستورية في مجلس الشيوخ، باتريك ليهي، الذي اخفق في مواصلة جهوده  لملاحقة الارضية القانونية لسياسة الادارة والتي رفضت بحزم توفير اي معطيات قانونية تدعم مزاعمها.

 

واوضحت ديفولي ان الادارة مغتبطة لدخول المحاكم الاتحادية على الخط لحل الازمة الناجمة عن تحديد الصلاحيات والميل لجانبها رغم ادراكها ان صلاحياتها لا تخولها الحسم في مسائل ذات بعد سياسي. واستدركت بالقول ان الرئيس اوباما بحكم مهنته السابقة كاستاذ جامعي لمادة القانون الدستوري “يدرك بعمق حدود الصلاحيات” المنصوص عليها، ويستغل كل ما يتوفر من ثغرات لتبرير سياساته “حتى وان تعارضت مع الدستور .. ومن المفارقة ان النصوص الراهنة المعتمدة تتيح للكونغرس والمحاكم الاتحادية التدخل للحد من تجاوزات الرئيس (للحقوق المدنية) .. لكنها تستثني دورها في التدخل عند مقتل مواطنين اميركيين.”

 

عضو مجلس الشيوخ “المشاكس،” رون وايدن،” اتهم الرئيس اوباما وادارته بتعطيل جهود الكشف عن ملابسات الصلاحيات الدستورية المتعلقة بالاغتيالات. وقال ان “الصلاحيات المتاحة للرئيس، لا سيما في زمن الطواريء، تخوله تطبيقها في السر دون ادنى جهد للرقابة او المساءلة .. الامر باطل وضار بالمصالح العامة.”

 

توخى “الكتاب الابيض” الصادر عن الادارة الاميركية توضيح “السياسة الراهنة للسلطة التنفيذية” بالزعم ان الرئاسة “مخولة بتعقب وقتل مواطنين اميركيين في الخارج والذين يشكلون تهديدا داهما والقيام بهجمات ارهابية” ضد الولايات المتحدة. قرار المحكمة الاتحادية بشأن اغتيال العولقي تناول مطابقته للشرط المذكور آنفا، بالقول “في الحقيقة انور العولقي كان عضواً فاعلاً وعدواً خطراً للولايات المتحدة.” بيد ان المحكمة اغفلت “امكانية” انتهاك السلطة لحقوق العولقي المدنية باجراء “محاكمة مطابقة للاجراءات” باستنادها الى ما جاء في نصوص “الكتاب الابيض” ذات الستة عشر صفحة من ادعاء متواصل بتوفر الشروط لمقاضاته.

 

بوسع مصطلح “محاكمة مطابقة للاجراءات” ايجاد ارضية واسعة للجدل نظرا لمرونة تفسيره، اذ ان وزارة العدل، نيابة عن السلطة التنفيذية، ترى تنفيذه مرتبط بجملة من المصالح الخاصة المنظور بها: اي ان مقياس استبعاد فرد يأخذ بعين الاعتبار المصالح التي تعتبرها الحكومة ضرورية لحماية سلامة المواطنين الاميركيين. الجهاز القضائي ينظر بعين العطف عادة للشروط والتوصيات المدرجة من قبل المدعي العام “كي ينطبق شرط الاسراع في استيفاء عوامل بدء محاكمة الفرد المستهدف،” التي تكمن بؤرتها في مدى أهمية الموضوع المتناول، وليس بالاتساق مع توفر الاجراءات القانونية. وعليه، فسّرت وزارة العدل مسار التقييم المتضمن في “الكتاب الابيض” بانه “يخضع لتقييم مسؤول حكومي رفيع المستوى ومطلع على الحقائق وتقديم استنتاجه بأن الفرد المستهدف يشكل تهديدا ماثلا” للولايات المتحدة. اما تعريف مصطلح “مسؤول رفيع المستوى” فلم يستحق التناول لتحديد منصبه الرسمي في المذكرة.

 

 تجدر الاشارة الى ان تفسير الادارة لفهمها الوارد اعلاه لا يحظى بالاجماع، بل جرّت على نفسها حملة انتقادات من كافة الاطياف السياسية. القاضي المحافظ بالمحكمة العليا، انتونين سكالِيا، انتقد بشدة ميوعة التفسير عام 2004 ابان الجدل حول تطابق المادة مع الاعتقالات التي تجري في زمن الحرب.

 

السيناتور الديموقراطي “المشاكس،” رون وايدن، ايضا وجه انتقاده للادارة متسائلا “هل هناك من قيود جغرافية امام سعي الرئيس لاغتيال اناس عبر طائرات الدرونز؟ بصيغة اخرى، هل يستطيع الرئيس اصدار امر لطائرة درونز مسلحة بصواريخ “هيل فاير” باغتيال مواطنين اميركيين في منازلهم على الاراضي الاميركية؟”

 

على ضوء قرار المحكمة الاتحادية الصادر المشفوع بتنامي استخدام الحكومة طائرات الدرونز لمراقبة الاجواء الاميركية، تشكل السرية المرافقة لتطبيق الاجراءات القانونية مصدر قلق لعدد من الهيئات الحقوقية والمسؤولين على السواء، لقناعتهم ان حق المتهم الامتثال لمحاكمة عادلة منصوص عليه في الدستور الاميركي، والذي رمى لتقييد الحكومة من اصدار احكام سرية وتعريض المواطنين لخسارة ممتلكاتهم وحرياتهم، وربما ارواحهم.

 

وسائل الاعلام الاميركية سلطت الضوء في الآونة الاخيرة على استخدام الحكومة المركزية طائرات الدرونز لتتبع واعتقال مواطنين اميركيين، وقع ضحيته الاولى المواطن توماس بروسارت، عام 2011 في ولاية نورث داكوتا، بعد اعتقاله لرفضه اعادة بعض رؤوس الماشية من الابقار التي قادها مسار البحث عن الكلأ الى ارضه. اعتادت اجهزة الشرطة الاميركية المتعددة والمنتشرة على طول وعرض الاراضي الاميركية استخدام طائرات الدرونز لاغراض المراقبة.

 

اعربت النقابة الاميركية للحريات المدنية (ACLU) عن قلقها العميق من مصير المعلومات، اذ ” تقودنا الحيلة للقول اننا بحاجة الى نظام يستند الى قواعد محددة كي نضمن امتلاكنا ميزات تقنية الدرونز دون الوصول الى مرتبة مجتمع يخضع للمراقبة الدائمة.” واردفت ان ما تطالب به هو “حجب قدرة الدرونز على الرقابة الجماعية وفي نفس الوقت اتاحة الفرصة لاجهزة الشرطة استخدامها في حالات المخالفات.”

 

اتساقا مع وعود الرئيس اوباما الوردية، الزم نفسه العام الماضي ببلورة سياسة جديدة توضح اسس استخدام طائرات الدرونز، ولم يكترث قيد انملة للادانة العالمية الواسعة لسياساته، بل من المرجح استمراره في الاعتماد على طائرات الدرونز كسلاح. فضلا عن ان قرار المحكمة الاتحادية المشار اليه مؤخرا سيمهد الارضية السياسية للادارة ومؤيديها بالاستمرار في سياسة الاغتيالات.

2014-04-11 التقرير الأسبوعي

 

المقدمة: 

بينما تنشغل واشنطن بالأزمة الاوكرانية واقتصار الخيبات التي لاحقت وزير الخارجية جون كيري على طرفي التفاوض (السلطة الفلسطينية و”اسرائيل”) لانجاح جولة التفاوض على التفاوض، وغابت فعالية كيري عن الساحات المتوترة الاخرى في في الجانب الاخر من العالم ( الشرق الأقصى) وانحصرت في محاولة الاحاطة بتطورات اوكرانيا وسورية والمفاوضات النووية مع ايران. وصعد ملف الشؤون الخارجية الى ايدي وزير الدفاع تشاك هيغل والرئيس اوباما نفسه، اذ يقوم الاول بجولة على بعض الدول الاسيوية، بينما يتأهب الثاني لبدء جولة زيارات رسمية لدول آسيوية خمسة تشهد تصاعد موجة التوترات الاقليمية مع الصين، والملفت الا يرافقه كيري. البعض قد يذهب لتفسير الأمر بانه يشكل دليلا على تضاؤل حجم الثقة في قدرة الوزير كيري ادارة السياسة الخارجية للولايات المتحدة.

سيستعرض قسم التحليل تنامي الازمات في منطقة الشرق الاقصى وخشية بعض الدول من النفوذ البارز للصين وبسطها سيادتها على مياه اقليمية قريبة او متداخلة مع شواطئها، وكذلك قلقها من استمرار كوريا الشمالية في لهجتها التصعيدية، مما يرجح اعادة تموضع الاستراتيجية الاميركية واتجاهها نحو منطقة الشرق من آسيا. يتناول التحليل كنه وجذور التوترات المستجدة وطبيعة رد الدول القلقة وحليفتها الولايات المتحدة، وكذلك التقرب من عناصر الاستراتيجية الصينية وافاق نجاحاتها في المدى البعيد؛ وفي الخلفية تداعيات كل ذلك على دور الولايات المتحدة في المنطقة العربية.

ملخص دراسات ونشاطات مراكز الابحاث

سورية

اعرب معهد الدراسات الحربية عن قلقه من “تدخل حزب الله في سورية منذ بداية الازمة وللآن،” في بحث اصدره بتناول طبيعة اشتراك الحزب منذ “اعلانه ذلك على الملأ .. وانخراطه العميق في العمليات الميدانية.” وسعى المعهد لسبر اغوار العلاقة التي تربط الحزب بكل من ايران وسورية، من ناحية ، ورصد ما اسماه “نشاطات حزب الله في سورية لعام 2011 و2012 ..” من ناحية ثانية، وتصعيد دوره في “العمليات الميدانية على طول الاراضي السورية منذ بداية عام 2013،” من ناحية ثالثة. وخلص المعهد بالتحذير من تداعيات “تنامي نفوذ حزب الله في سورية داخل لبنان وسورية ومناطق ابعد من ذلك.”

فلسطين والتسوية

اعرب معهد واشنطن عن تفاؤله لسير المفاوضات بين السلطة الفلسطينية “واسرائيل .. على الرغم من وصولها طريقا مسدودا.” ودعم المعهد توجه رئيس السلطة الفلسطينية الى هيئات الامم المتحدة “بدافع تعرضه لهجوم قاسٍ من .. محمد دحلان بالاضافة الى الضغوط الآتية من عناصر متشددة في فتح .. ووقوفه بوجه اميركا واسرائيل يعينه على استعادة شعبيته وشرعيته .. وكذلك مقدمة لاستئناف العودة لطاولة المفاوضات.” واطلق المعهد على مسعى عباس “صفقة 431،” التي ترمز الى اطلاق “اسرائيل” سراح 400 معتقل حديث العهد و30 سجينا من القدماء “بينما يترتب على اميركا اطلاق سراح المتهم بالتجسس جوناثان بولارد ..”

المجلس الاميركي للسياسة الخارجية استعرض مسألة “اطلاق سراح بولارد،” مؤنبا الادارة الاميركية لمجرد سعيها “رشي المشاركين (في التفاوض) بغية احلال السلام في فلسطين.” وسخر المجلس من ان معادلة “الرشوة باتت عنصرا للتوجه الديبلوماسي ..”

الخليج العربي

ناشد مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الولايات المتحدة تعزيز “روابط الشراكة الأمنية مع دول مجلس التعاون الخليجي .. واستغلال ميزة تفوقهما المشترك عسكريا بغية ضخ اموال ضخمة للاستثمار في حيازة اسلحة حديثة وتقنيتها.” واشار المركز الى الخلافات والانقسامات داخل المجلس مما “حرمه من استخدام فعال لمجموع قواته المسلحة وتسخير الموارد العسكرية المطلوبة .. وادت الى تصميم دولٍ رئيسة في المجلس على تعميق خلافاتها عوضا عن انشاء جهاز أمني فعال.”

ايران

في دراسة اصدرها معهد واشنطن زعم ان المرشد الاعلى علي خامنئي “يتحكم بعناصر سلطة مركزية هائلة،” توطئة لبحث مسألة “نادرة التناول .. وهي آلية اتخاذ القرار في الدولة .. ويتاثر (المرشد) ببعض الحقائق وطبيعة الشخوص” ذات توجهات محددة. واضاف انه يتعين على الولايات المتحدة ان تحسن قراءة لوحة “الايحاءات التي تجسدها افعال المرشد الاعلى .. خاصة في ظل بروز (ايران) كدولة نووية.”

فند معهد المشروع الاميركي مزاعم الادارة الاميركية بان لديها “رؤية واضحة المعالم للنظام (الايراني) والتزمت علنا بمناهضة سياساته،” مشيرا الى خلو المزاعم من حقائق مادية تدعمها. وناشد الادارة انتهاج سياسة “تثبت عزمها في التصدي للاستراتيجية الايرانية في المنطقة .. واستغلال القوة الناعمة” كاستراتيجية لتطبيق ذلك. وحذر المعهد من مضي الادارة قدما في التوصل الى اتفاق نهائي حول البرنامج النووي والذي “يخلو من اجراءات التحقق بتدمير برنامج الاسلحة النووية” وما سيترتب على ذلك من “تهميش الدور الاميركي في الشرق الاوسط ..”

تركيا

لفت معهد كارنيغي الانظار الى نتائج الانتخابات التركية وفوز حزب اردوغان “الذي سيكون لها كلفتها” السياسية يتصدرها “سعي الحكومة للبدء بالملاحقات القانونية لانصار غولن .. بيد ان خلق مناخ واسع لعقلية الحصار بغية رفع معدلات التأييد الداخلي تستدعي ايضا اختراع متآمرين مشاركين في الخارج.” واوضح ان حكومة اردوغان واظبت على استخدام وصف “التآمر” منذ احتجاجات العام الماضي. وحذر رئيس الوزراء التركي ان مكانة تركيا الدولية “اصابها اذى شديد من استراتيجيته في استقطاب الداخل .. وتلاشي آمال الانضمام الى الاتحاد الاوروبي،” مشيرا الى قرب اصدار لجنة الاتحاد الاوروبي توصياتها في شهر تشرين الاول المقبل، التي يتوقع تضمنها “انتقادات حادة” للحكومة.

افغانستان

اجرى مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية مراجعة للتحديات التي تواجه المرحلة الانتقالية في افغانستان، مشيرا الى “عوامل التقصير من قبل الولايات المتحدة والحكومة الافغانية وقوى اخرى” لبناء مؤسسات تدير مرافق الدولة، محذرا ان مواقع الفشل السابقة “شكلت القاعدة وليس الاستثناء لتخطي المرحلة الانتقالية بنجاح،” وضرورة توفير قادة من نمط مختلف باستطاعتهم “تجاوز الخطاب الانشائي حول مكافحة الارهاب.”

 الدور الجديد للقوات البرية

ناشدت مؤسسة هاريتاج القادة العسكريين “الاستفادة من دروس حربي افغانستان والعراق” وتبني المقترحات المقدمة لاعادة هيكلة سلاح الطيران التابع للقوات البرية. متوسلة تكرار التجربة السابقة التي “استندت بقوة على تفعيل وحدات من الحرس الوطني” واشراكها في المهام القتالية والتي اثبتت قدرتها التقليدية الموقعة في الميدان، “وينبغي تطويرها لتماثل الوحدات العسكرية العاملة تسليحا وتدريبا.” وطالبت نواب الكونغرس على دعم الخطة المقترحة “والفرصة التي توفرت لمراكمة النجاحات” في معارك افغانستان والعراق.

التحليل:

تداعيات تحول مركز ثقل السياسة الاميركية نحو آسيا على المنطقة العربية

اعلن الرئيس اوباما عن نيته زيارة عدد من الدول الاسيوية بعد مضي نحو ستة أشهر على “ارجائه” زيارته الماضية، مما ضاعف قلق الدول التابعة للوصاية الاميركية من جدية الالتزامات المعلنة باستدارة زخم الاستراتيجية المقبلة نحو آسيا لمواجهة صعود كل من الصين وروسيا، والتغيرات التي ستلحق بالشرق الاوسط نتيجة ذلك.

الدول المدرجة في جدول زيارة اوباما: اليابان، كوريا الجنوبية، الفيلبين، وماليزيا والتي تصدرت كل منها التغطية الاعلامية مؤخرا، سيما للطائرة المدنية الماليزية المفقودة في مكان ما من البر او المياه الاسيوية وما استدخلته من تنامي ارتباك وازعاج لسلامة الطيران المدني في المنطقة. كوريا الجنوبية انشغلت  بتبادل لقذائف المدفعية مع جارتها الشمالية؛ اما اليابان والفليبين تترنحان تحت وطأة تعزيز انفاقاتهما العسكرية ونشر قواتهما لمواجهة “تمدد الصين في مياه بحر الصين الجنوبي،” مع الاشارة الى عدم رصد تبادل لاطلاق النار مع الصين للحظة.

لا يجادل احدا في تلبد الاجواء ومخاطر اندلاع مواجهات عسكرية منذ العام الماضي. للدلالة اعلنت اليابان مؤخرا عن تنفيذ عدد من طائراتها المقاتلة نحو 415 طلعة جوية لحماية اجوائها من الطيران الحربي الصيني الذي حلق لمسافة قريبة من الاجواء اليابانية العام الماضي، والذي قفز عما سبق رصده من طلعات حربية بلغت 306 طلعة لعام 2012، على خلفية ملكية جزر ديايو (الصين) او سينكاكو بالنسبة لليابان، او تياويوتاي بالنسبة لتايوان التي تزعم ايضا ان لها حصة من الجزر الواقعة في بحر الصين الشرقي.

كما ان تمدد الصين لبسط سيطرتها على بحر الصين الجنوبي يثير خشية الفيليبين سيما بعد حادث اعاقة الصين الشهر الماضي حركة سفنا فليبينية تنقل الامدادات الى الرصيف المرجاني المتنازع عليه والذي يخضع لسيطرة الفيليبين راهنا. وتحركت الولايات المتحدة بتقديم وزارة خارجيتها احتجاجا لدى الصين وصفت الاجراء “بالاستفزازي،” فيما ردت الصين بان سيادتها الاقليمية تشمل تلك الشعاب المرجانية. كذلك اعربت ماليزيا عن جزعها من الوضع القانوني لمياه بحر الصين الجنوبي اذ انها تزعم سيادتها على بعض مناطق الحوض المائي.

ما يعزز تلك المخاوف لدى كافة الدول المتشاطئة ايضا اهمية المنطقة كممر بحري رئيسي لتجارتها جميعا في طوق المحيط الهاديء، وتعتبر ان بسط الصين سيادتها العملية على المنطقة تمثل خطرا على تبادلاتها التجارية فيما بينها ومع باقي دول العالم.

لا تغفل الاطراف مجتمعة الثروات الطبيعية التي تختزنها المنطقة، وبدأت تتصدر توترات العلاقات الاقتصادية، خاصة عقب اعلان شركة “فايلكس للمناجم” الفليبينية، مطلع الاسبوع الجاري، عن تعليق مفاوضاتها الجارية مع شركة الصين الوطنية للنفط للقيام بتنقيب مشترك في مياه بحر الصين الجنوبي. اعلان الشركة الفيليبنية القى مسؤولية التعليق على الجانب الصيني.

الفيليبين تعلق امالا كبرى على استكشافات الغاز الطبيعي في اعماق بحر الصين الجنوبي، وما يفاقم مأزقها عدم توفر سيولة الاموال الضرورية لدى شركات القطاع الخاص للمضي باستكشافاتها بصورة مستقلة؛ وكانت تتطلع للمشروع المشترك مع الصين بايجابية كبيرة مما قد يؤدي الى تسوية مشتركة قريبة للنزاع الحدودي بينهما.

من المرجح ان تسفر زيارة الرئيس اوباما للفليبين عن توصل الطرفين لاتفاقية دفاع مشتركة، سيما وان القوات الاميركية كانت مرابطة في الاراضي الفليبينية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية الى ان تم سحب معظمها عام 1992 عقب نهاية الحرب الباردة. تجدر الاشارة الى ان متاعب الفليبين الناجمة عن الركود الاقتصادي حال دون اقدامها على زيادة نفقاتها العسكرية بعد انسحاب اميركا من اراضيها. لهذا يتعين عليها البقاء في حلبة اللحاق عسكريا بجيرانها خشية استغلال الصين لوضعها الهش.

تعتبر القوات المسلحة الفليبينية من اضعف القوات العسكرية الاقليمية، وتخلو من اي طائرات حربية مقاتلة، مما دفع بها الى شراء نحو 12 مقاتلة من كوريا الجنوبية من طراز FA-50، بكلفة اجمالية تبلغ 421 مليون دولار، وتتطلع لتسلم اول طائرتين منها العام المقبل؛ يرافقها تخصيص الحكومة مبلغ 1.6 مليار دولار للانفاق على تحديث عتاد القوات العسكرية تتضمن نظم رادار استكشاف جوية مصدرها “اسرائيل.”

بالمقارنة، تبدو كوريا الجنوبية افضل حالا لناحية القوة العسكرية بيد انها تواجه توترات مضطردة مع جارتها الشمالية، اذ رصد تبادل اطلاق مئات من قذائف المدفعية بينهما الاسبوع الماضي، عقب اصدار كوريا الشمالية تحذيرا انها بصدد اجراء تجربة نووية جديدة، وذلك في اعقاب انجاز تجربتها السابقة واطلاقها صاروخين باليستيين ذات مدى متوسط رافقه تهديد اليابان باطلاق النار على اي صاروخ مصدره كوريا الشمالية، التي ردت بانها “لا تستبعد” اجراء تجربة جديدة على رأس نووي.

وزارة خارجية كوريا الشمالية اصدرت بيانا جاء فيه انها “لا تستبعد اجراء تجربة نووية بشكل جديد بغية تعزيز قوة الردع النووية (للبلاد) .. وينبغي على الولايات المتحدة التوقف عند هذا الاجراء ووقف تصرفاتها المتهورة.” لكن بيان الخارجية خلا من تفسير كوريا الشمالية لما اسمته “شكل جديد” من التجارب، وسارعت جارتها الجنوبية بالقول انها لم ترصد اي مؤشرات على اجراء تجربة نووية في الشطر الشمالي.

اميركا ترد

على الرغم من انشغال الولايات المتحدة بتطورات الازمة الاوكرانية، وجدت نفسها في وضع يحتم عليها الرد على التدابير الصينية. وارسلت وزير الدفاع، تشاك هيغل، الاسبوع الماضي لزيارة الصين لايصال رسالة واضحة لقادتها بأن الولايات المتحدة تقف الى جانب حلفائها، مما اثار امتعاض المضيف الصيني.

تنوي الولايات المتحدة ايضا تعديل نصوص اتفاقية تحالفها العسكري مع اليابان، تجسد بابلاغ البيت الابيض الحكومة اليابانية عزمه على تعزيز العلاقات الثنائية. يذكر ان المعاهدة المبرمة تمت المصادقة عليها منذ 17 عاما دون تعديل، ويشكل اعلان البيت الابيض قلقا ماثلا امام الرئيس اوباما حول الوضع الاقليمي في المياه الاسيوية. المعاهدة الثنائية مع اليابان تأتي بخلاف صيغة الاطار الأمني لدول متعددة اعضاء في حلف الناتو الذي لا يتواجد في منطقة المحيط الهاديء، وينظر لها كحجر الاساس لمواجهة التحركات الصينية.

تتمحور التحديات المستجدة امام اتفاقية الدفاع المشتركة حول منح اليابان حق الدفاع عن النفس، سيما وان الدستور الياباني يحظر ذلك، وتبلورت وجهة نظر الحكومة اليابانية برئاسة شينزو آبي للنظر بعين العطف للتحديات والميل لتعديل ميثاق البلاد. التحدي الابرز هو آلية تعريف “الدفاع الذاتي” وتطبيقاتها. ومن شأن الصياغة الجديدة للمعاهدة التركيز على هيكلية القيادة المشتركة للطرفين وتشخيص الظروف والاوضاع التي تستدعي ردا اميركيا يابانيا مشتركا.

الاتفاقية الثنائية ابرمت عام 1978، وتم تعديل نصوصها عام 1997 ابان ولاية الرئيس بيل كلينتون كرد رمزي على اجراء الصين تجارب صاروخية متعددة في المياه القريبة من تايوان؛ وانتهت المواجهة المحتملة سريعا عقب ارسال الولايات المتحدة حاملتي طائرات للمنطقة وتراجعت الصين عن “استفزاز” المحمية الاميركية.

بعد الانتشار والتمدد العسكري الاميركي منذئذ قد تبرز صعوبة في ارسال حاملة طائرات واحدة للمنطقة، فما بالك حاملتي طائرات، نظرا لتعزيز الصين قدراتها العسكرية ومواجهة الآلة الاميركية باسلحة صاروخية وغواصات متطورة ان قررت الاقتراب من المناطق السيادية.

عند النظر الى القوة العسكرية المشتركة لكل من اليابان واميركا في المنطقة، باستطاعة المرء استنتاج تشكيلها قوة ردع رئيسة امام القوة العسكرية الصينية في المنطقة، ولا يجادل بتفوق القوة المشتركة على خصمها الصينية، بيد ان الاخيرة تتمدد وتتعزز باضطراد.

الخطر الصيني

تجمع الاوساط العسكرية ان تعزيز الصين لقواتها ومعداتها العسكرية يأتي خدمة لنشر قوتها وهيبتها بعيدا عن اراضيها، ويشار الى زيادة نفقاتها العسكرية بنسبة 12.2% في العام الجاري لتبلغ نحو 132 مليار دولار، للسنة الرابعة على التوالي التي تخصص فيها زيادة الميزانية معدلات تفوق 10% من مجمل الناتج المحلي. يعتقد ان سلاح البحرية الصيني سيكون الرابح الاكبر من زيادة الميزانية العسكرية تعزيزا لمهمة نشر الهيبة في البحار القريبة.

يشار ايضا الى بلورة الصين قوة بحرية متميزة باستطاعتها القتال في المياه العميقة والبعيدة عن شواطئها، يكنى بسلاح المياه الزرقاء البحري. كما اعلنت عن انجازها بناء حاملة طائرات بجهود محلية، والتي ستنضم الى الحاملة لياونينغ سوفيتية الصنع بعد تجديدها وتحديث تسليحها – وهي الحاملة التي استقبل على متنها وزير الدفاع الاميركي تشاك هيغل في زيارته الاخيرة. كما تخصص الصين جهودا وامكانيات اضافية لتعزيز سلاحها الجوي لاسيما في مجال بناء طائرات الشبح الخفية عن اجهزة الرادار وباستطاعتها اختراق الدفاعات الجوية اليابانية / الاميركية المشتركة الحامية للقوات البحرية.

البحرية الصينية تهدف للسيطرة على “سلسلة جزر الارخبيل الاولى،” الممتدة من اراضي جزيرة اوكيناوا وحتى بحر الصين الجنوبي؛ لتواصل سيطرتها فيما بعد على السلسلة الثانية من جزر الارخبيل الممتدة شرقا من طوكيو الى جزر غوام (تحت السيطرة الاميركية راهنا). تواجد البحرية الصينية المكثف في سلسلة الجزر الاولى تضع عراقيل امام حرية عمل قطع البحرية الاميركية؛ فضلا عن تلمس ارسالها قطعا بحرية بالقرب من شواطيء جزر هاوايي لرصد التحركات الاميركية.

ردود الافعال الاميركية تجسدت في نشر وزارة الدفاع، 4 آذار، تقريرها لمراجعة الاستراتيجية التي تتم مرة كل اربع سنوات والذي يطالب في نشر مزيد من القطع البحرية في المحيط الهاديء، وكذلك تحويل نحو 60% من ارصدة سلاح البحرية الاحتياطية الى مياه المحيط الهاديء واستكمالها مع حلول عام 2020، التي تشكل 50% من المستويات الراهنة. القوة البحرية الاميركية المحدودة قد لا تكون كافية للتصدي لما يسمى “التهديد الصيني” بحد ذاته، لكن من شأنها مواجهة محاولات حرمانها من عبور عباب البحار المحيطة من قبل البحرية الصينية هناك.

تأثيرات الاستدارة الاسيوية على منطقة الشرق الاوسط

المتطلبات الدولية على الاستراتيجية العسكرية الاميركية ستنعكس آثارها على حضور القوة الاميركية في الشرق الاوسط برمته، لعوامل متعددة: الاول، الاحتياطي الاكبر للقطع الحربية الاميركية يقع في مياه المحيط الهندي والخليج العربي، خارج الشواطيء الغربية للمحيط الهاديء، والتي سينقل بعضها او جزء كبير منها الى بحر الصين الجنوبي في حال تصاعد التوترات في المنطقة. ثانيا، تحويل الموارد والقدرات العسكرية الاميركية باتجاه آسيا سيأتي على حساب قواتها المتواجدة في المحيط الهندي والبحر المتوسط واروبا ايضا، وهي التي عادة ما يقع الاختيار عليها لتعزيز التواجد العسكري الاميركي عند تصاعد وتيرة النزاع في الشرق الاوسط.

ينبغي لفت النظر الى الوعود المتتالية التي اطلقها الرئيس اوباما بان العسكرية الاميركية تتجه للتمركز في آسيا، حصدت نتائج متواضعة، وقد تتكرر التجربة مرة اخرى. وفي الوقت عينه، ينبغي عدم الافراط بالتوقعات من قدرة القوة العسكرية النامية للصين تشكيل تهديد حقيقي للعسكرية الاميركية او لحلفائها في مياه المحيط الهاديء.

يبلغ طول مساحة الشواطيء الصينية نحو 5000 كلم، بيد انها تعرف تاريخيا ككتلة برية متجانسة محاطة بعدد من الامم والاعراق التي تنافسها، مما يعرقل جهودها لتحويل موارد كافية لبلوغها مرتبة متقدمة في سلاح البحرية، كما تفيد بذلك التجارب التاريخية عند مقارنة بين طموح الأمم المائية بتلك العروفة باراضيها الواسعة. الحدود الصينية البرية تشاركها فيها 14 دولة مما يتطلب حشد قوات كبيرة لحمايتها ومراقبتها. يبلغ تعداد الجيش الوطني الصيني نحو 1,6 مليون مليون فرد مما يضعه في المرتبة الاولى عالميا. حدودها المشتركة مع الهند شهدت توترات ومواجهات عدة في الماضي القريب، كما توكل لجيشها مهمة الحفاظ على الأمن والاستقرار في مقاطعات الحكم الذاتي في زينجيانغ وويغور.

التجارب التاريخية تدل بعقم سياسة توجه بلد ذو مساحة شاسعة الى قوة بحرية، كما تشير تجارب القرنين الثامن والتاسع عشر لتجربة فرنسا كي تصبح قوة بحرية كبيرة، والتي فشلت في مواجهة عدد متدني من قطع الاسطول البريطاني في موقعة الطرف الاغر. كذلك جربت المانيا حظها في القرن التاسع عشر والقرن العشرين بغية مواجهة سيطرة البحرية البريطانية على حرية الابحار، لتجد نفسها تراجعت لميناء انطلاقها عقب معركة جوتلاند ابان الحرب العالمية الاولى. حديثا، كرر الاتحاد السوفياتي التجربة عينها ليجد نفسه امام سخاء انفاق الولايات المتحدة على اساطيلها الحربية.

بسط القوة والسيطرة البحرية تأتي نتاج لعدد حاملات الطائرات العاملة والقدرة على حسن استخدامها. القوى الغربية الثلاث بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة تتميز بتاريخ وتجارب طويلة ممتدة لنحو 80 عاما؛ اما الصين فلا تستطيع التقرب من المقارنة اذ تخلو من خبرة مماثلة.

تشير الوثائق التاريخية المفرج عنها الى توفر قناعة عند القيادة السوفياتية ابان الحرب الباردة بحجم التعقيدات التي واجهته في انشاء وبناء حاملات طائرات تمخر عباب البحر باطمئنان مستندة الى فعالية حمولتها. اما القطع التي ادخلها الاتحاد السوفياتي آنذاك فكانت تحمل على متنها قاذفات قنابل تطلق عموديا ذات فعالية متدنية. بعد طي صفحة الحرب الباردة، كانت تلك القطع على رأس القائمة للسفن التي خرجت من الخدمة.

العقبات التي اعترضت بلوغ القوى المشار اليها تطوير ترسانتها البحرية، خاصة المانيا والاتحاد السوفياتي، تنسحب ايضا على طموح الصين. تحيط بشواطئها سلسلة جزر تعود ملكيتها لدول اخرى وتنظر بعين الريبة والحذر من توجهات الصين. بالمقابل، السلاح الجوي لدولة ذات مساحة جغرافية واسعة باستطاعته انزال الهزيمة بسلاح البحر، كما خبرت بريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية.

باستطاعة الصين السيطرة على سلسلة الجزر التي تطمع لضمها لو احسنت استخدام تكتيك سلاح البحرية الاميركية في الحرب العالمية الثانية، بشن غارات برمائية مكثفة على الاهداف. لكن السيطرة على الجزر المحيطة باليابان استغرقت ثلاث سنوات تخللها دخول القوات البرمائية وسلاحي الجو والبحرية قبل الاطمئنان الى السيطرة الكاملة. تملك الصين قدرات لا بأس بها من القوات والقدرات البرمائية، لكن النتيجة ليست في متناول اليد او مضمونة سيما عند الاخذ بعين الاعتبار افتقارها الى قدرات لوجستية عسكرية كبيرة تتطلبها مهمة السيطرة على تلك الجزر وامدادها بما تحتاجه من موارد.

حضور الصين كقوة عالمية قد لا يتحقق في المدى القريب سيما لو ثبتت الولايات المتحدة عند التزاماتها المعلنة بحماية حلفائها الاقليميين. واستطرادا قد يؤدي ذلك الوضع الى استمرار الولايات المتحدة كقوة كبيرة الحضور في منطقة الشرق الاوسط وتسخير اقل ما يمكنها من موارد للتحرك شرقا بصورة دائمة.

2014-04-04 التقرير الأسبوعي

 

المقدمة:  

تقدمت المواضيع الداخلية على الخارجية في خريطة اهتمامات مراكز الفكر والابحاث الاميركية، بعد انقضاء جولة الرئيس اوباما لاوروبا والجزيرة العربية.

سيستعرض قسم التحليل تشابك حدثين سيؤثران بالنسيج الاجتماعي الاميركي لعقود مقبلة: قرار المحكمة الاميركية العليا برفع القيود المفروضة على حجم التبرعات المالية للمرشحين للانتخابات؛ واستضافة الملياردير اليهودي شيلدون اديلسون لاربعة مرشحين محتملين عن الحزب الجمهوري لخوض الانتخابات الرئاسية، للاستدلال على توجهاتهم وانتقاء الرابح منهم لتمويل حملته. اللافت ان ولايات “الضيوف” الاربعة تتميز بحضور كثيف للجالية اليهودية لكنها صوتت لصالح الرئيس اوباما في الحملة السابقة. اما “الضيوف” فيعانون من شح تأييد القاعدة الانتخابية لاسباب متعددة، وستتباعد المسافة اكثر بعد اختيار اديلسون للمرشح المفضل.

ملخص دراسات ونشاطات مراكز الابحاث

“اسرائيل” تقايض اميركا

ارتفعت وتيرة توقعات السياسيين والمراقبين لبروز بصيص أمل بشأن توصل السلطة الفلسطينية و”اسرائيل” الى اتفاق وفق الشروط التي حددها وزير الخارجية جون كيري. وما لبث ان برز حديث يؤشر على نية الولايات المتحدة اطلاق سراح الجاسوس المعتقل جوناثان بولارد كجزء من صفقة شروط التفاهم التي اشرف عليها كيري.

واعتبر معهد المشروع الاميركي الامر، لو حدث، بانه صفقة “يقدمها جون كيري لرشي الاسرائيليين استباقا لتاريخ انتهاء المفاوضات في 29 نيسان .. اطلاق سراح جاسوس يمضي فترة محكوميته لاقناع الاسرائيليين باطلاق سراح” الفلسطينيين واستئناف المفاوضات. وسخر المعهد من وزير الخارجية والرئيس اوباما للتدخل في صلاحيات السلطة القضائية.

مصر

اشار معهد بروكينغز ان اكثر ما تحتاجه مصر في هذه الظروف هو الثنائي “الاستقرار السياسي والديموقراطية .. وحكومة باستطاعتها لعب دور الشريك الفعال في الأمن الاقليمي.” واستطرد بالقول ان الجيل المصري “الناشيء قد لا يكن حبا للولايات المتحدة او اسرائيل، بيد انه يريد لبلاده لعب دور شريك في نظام العولمة الذي تعد هاتين الدولتين مثالا يحتذى به.”

العراق

اعتبر معهد الدراسات الحربية ان “تنامي احداث العنف في العراق ومنطقة ديالى بالتحديد .. تقع مسؤوليته على عاتق تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام .. الذي اتخذ من ديالى عاصمة لتطبيق مفهوم امارته الاسلامية.”

الجزيرة العربية

رصد معهد واشنطن الخلافات بين دول مجلس التعاون الخليجي “وتنامي تناقضاتها الداخلية .. وعدم امتثال قطر لالتزامات قطعتها سابقا” بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للآخرين “اذ ان جذر الازمة الراهنة في مجلس التعاون يكمن في دعم قطر لتنظيم الاخوان المسلمين ..”

تونس

رحب معهد كارنيغي توصل الاطراف الى “تسوية سياسية .. التي لم تكن لترى النور لولا التنازلات التي قدمتها النقابات العمالية،” وحذر الدول الغربية من “استنتاج الدروس الخاطئة الناجمة عن هذا الوضع المثير.” وحثها على السعي “لتطبيق المثال التونسي على حالات اخرى مبنية على اهمية الدور التفاوضي والقوي الذي وفرته المؤسسات الخارجية الشرعية” لانجاز الحوار الوطني البناء.

تركيا

تناول صندوق جيرمان مارشال للتنمية “الوصفة السرية لنجاح اردوغان” وحزبه في الانتخابات المحلية “على الرغم من عدد الفضائح التي تلاحقه.” وقال ان الوصفة تستند الى مزيج من البرامج “لتوفير الخدمات الاجتماعية واستقطاب القاعدة الانتخابية وشحن همتها للابتعاد عن الاحزاب الاخرى.” وحذر بالقول ان سياسة الاستقطاب الحادة التي يتبعها اردوغان “تقود الى تأجيج ونقطة يصعب فيها حكم البلاد .. ومعرضة للانقلاب عليه في حال تدهور الاحوال الاقتصادية.” واعرب عن امله ان يأخذ اردوغان بعين الاعتبار توجها توافقيا يعينه في مرحلة “تسليطه النظر نحو منصب رئاسة تركيا.”

تراجع دور النفط في السياسة الاميركية

تناول معهد كارنيغي حتمية تفوق مكانة الولايات المتحدة لتصدير النفط، بعد استكشافات الصخور الزيتية، وما سيحمله من تداعيات على سياستها الشرق اوسطية. وقال ان الكم النفطي الاضافي قد لا يترجم نفوذا في المدى القريب نظرا لأن “مصافي النفط العالمية لا تطمح لتكرير النفط الاميركي عندها بسبب الهيكلية الانتاجية القائمة .. اذ ان معظم الدول الاخرى تستخدم وقود الديزل ومشتقات الزيوت الثقيلة لتسيير صناعاتها ووسائل نقلها، والاقبال على وقود البنزين ليس عاليا ..” بخلاف الولايات المتحدة التي يكثر فيها الاقبال على البنزين على حساب الديزل. واضاف ان الولايات المتحدة “استثمرت عشرات المليارات من الدولارات في مصافيها النفطية بغية تكرير النفط الخام الثقيل واستخراج مادة الديزل للتصدير.” ولفت المعهد النظر الى بؤس توقعات صناعة النفط الاميركية للاكتشافات الاخيرة، مما “احال المصافي الاميركية الى عدم التوافق مع تقنية التكرير المستحدثة بهدف الاستجابة لمتطلبات الخام الصخري.”

التحليل:

كيف يشتري مال القمار الصهيوني البيت الابيض؟

 

اموال الاثرياء ومباركة القضاء يصنعان الرئيس المقبل

حدثين متتاليين، وان ليس مترابطين، قفزا الى صدارة اهتمامات الاميركيين هذا الاسبوع  ومن شأنهما ترك تداعيات طويلة الأجل على المشهد السياسي والانتخابي لعدة عقود مقبلة؛ وقد تركا بصمات جلية تفيد بسيطرة شريحة شديدة الثراء وقليلة العدد على النتائج الانتخابية والمستقبل السياسي القريب من ناحية، وتعميق معاناة القوى الشعبية والمهمشة تحت وطأة هيمنة رأس المال المصرفي على مراكز صنع القرار.

الحدث الاول، اصدار المحكمة العليا الاميركية قرارا قضائيا يرفع فيه كافة القيود الموضوعة على حجم التبرعات الفردية المسموح بها لاي مرشح لمنصب سياسي؛ وعليه يصبح بوسع الاثرياء التبرع بمبالغ ضخمة غير مسبوقة والتي كانت محددة بنحو 2،600 دولارا للفرد، و 10،000 للحزب او متفرعاته من اللجان السياسية والداعمة.

القرار أتى انعكاسا لسيطرة ونفوذ التيار المحافظ على المحكمة، منذ عهد الرئيس الاسبق نيكسون، واستطرادا على التوجهات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الاميركية، باغلبية 5 ومعارضة 4 قضاة. وعلل رئيس المحكمة العليا وزعيم الاغلبية المحافظة، جون روبرتس، القرار المفصلي بالقول ان “انفاق مبالغ كبيرة متصلة بالعملية الانتخابية .. لا يعزز مفهوم الفساد السائد والمنفعة المتبادلة .. دور المال في السياسة قد يبدو احيانا كريه ومثير للاشمئزاز عند البعض، وينطبق ذلك ايضا على كم من محتويات ونصوص مادة التعديل الدستورية الاولى التي تسعى بقوة لحماية” حرية التعبير. الفريق القضائي المعارض في العليا وصف القرار بأنه “ينتزع القيود القومية والقوانين الناظمة لتمويل الحملات الانتخابية.”

وزارة العدل الاميركية اعربت عن قلقها البالغ للتداعيات المستقبلية الناجمة عن القرار “المصيري” في بيان اصدره النائب العام قائلا، بعد اليوم “سيصبح في متناول مجموعة يقل عددها عن 500 فرد تمويل كلفة الحملات (الانتخابية) بالكامل. هناك خطر حقيقي ماثل قد يؤدي الى سيطرة تلك المجموعة على كافة مرافق الدولة وادارتها” خدمة لمصالحها. قرار العليا من شأنه قطع الفواصل المسلم بها لمفهوم حرية التعبير المقدسة واعلاء شأن تمويل الحملات الانتخابية كنمط من انماط حرية التعبير.

الحدث الثاني يتعلق بالاصطفاف المبكر لمرشحي الرئاسة المرتقبين عن الحزب الجمهوري وتقربهم من مصادر التمويل الضخمة لدى الجالية اليهودية الاميركية. ففي 29 آذار المنصرم استضاف الملياردير اليهودي شيلدون اديلسون اربعة مرشحين محتملين عن الحزب الجمهوري في مركز نشاطاته الاقتصادية، كازينو “فينيشيان” للقمار في مدينة لاس فيغاس. تمت الدعوة تحت رعاية مجموعة تدعى “تحالف الجمهوريين من اليهود،” يمولها كبار الاثرياء، ينصتون للمرشحين وهم يكيلون آيات الاطراء والتغني “باسرائيل” والتسابق على مدى الالتزام بدعمها وتأييدها في سياساتهم المقبلة. يدرك المرشحون لمنصب الرئيس ان الفوز بتبرعات اديلسون السخية مرهون بالتماثل مع مطلبه الثابت والرئيس: مدى التزام الرئيس المقبل الفعلي بدعم “اسرائيل.”

الحدث اثار اعتراض صحيفة نيويورك تايمز التي جاءت افتتاحياتها بتاريخ 31 آذار بغضب وتهكم تحت عنوان “الوقوف بالصف لتقبيل قدمي اديلسون،” موضحة ان مجموعة التحالف صاحبة الدعوة هي “احدى الهيئات المملوكة بالكامل لاديلسون .. اذ اصطف امامه مرشح تلو الآخر .. بغية نيل رضاه …” كما لفتت الافتتاحية النظر الى خطورة انتشار ظاهرة “محبي السامية،” كنقيض لمعاداة السامية، بين اقطاب الحزب الجمهوري لمحاباة منابع التمويل المصرفي.

يصنف اديلسون بانه واحد من 10 شخصيات مفرطة الثراء على المستوى العالمي، وتقدر ثروته بنحو 47 مليار دولار العائدة من ملكيته وادارته سلسلة من كازينوهات القمار؛ انفق ما ينوف عن 150 مليون دولار على حملة دعم المرشحين الجمهوريين وفي مقدمتهم المرشح الجمهوري السابق، ميت رومني، عام 2012.

اصطف امام اديلسون “لتقبيل قدميه،” حكام ثلاث ولايات عن الحزب الجمهوري، اسوة بما فعل سابقا نيوت غينغريتش وميت رمني: كريس كريستي عن ولاية نيوجيرزي؛ سكوت ووكر عن ولاية ويسكونسن؛ جون كيسيك عن ولاية اوهايو؛ وحاكم ولاية فلوريدا السابق جيب بوش، شقيق الرئيس السابق جورج بوش الابن. الولايات المذكورة وقع عليها الاختيار بعناية نظرا لحجم الجاليات اليهودية الفاعلة فيها وثقلها السياسي في حسم النتائج الانتخابية، والتي صوتت لصالح المرشح اوباما عام 2012.

من العسير عدم تيقن الحضور من المرشحين للقضايا والمخالفات القانونية التي تلاحق اديلسون، لا سيما التهمة الثابته بقيامه توزيع رشاوى مالية على مسؤولين سياسيين “اجانب؛” الامر الذي اثارته عدد من وسائل الاعلام الرئيسة، واخيرا معارضة اديلسون لمشروع قانون يجيز لعب القمار على شبكة الانترنت.

المتحدث الاسبق باسم البيت الابيض في عهد الرئيس جورج بوش الابن، آري فلايشر، وعضو تحالف الجمهوريين من اليهود، وصف اللقاء بدقة قائلا انه بمثابة “انتخابات تمهيدية هامة لشيلدون (اديلسون).. كل من يسعى للفوز بترشيح الحزب الجمهوري (لمنصب الرئيس) يرغب في طلب ود شيلدون واصطفافه الى جانبه.” ما لم يقله فلايشر ان اديلسون يسعى الى التعلم من اخطائه السابقة في مراهناته الخاسرة على غينغريتش (15 مليون دولار) وميت رومني.

قائمة المستثنيين من دعوة اديلسون

قبل الولوج في بعض تلك الاسماء تجدر الاشارة الى توقيت ومغزى قرار المحكمة العليا برفع القيود عن حجم التبرعات للمرشحين والاحزاب السياسية. في الجولة الانتخابية السابقة، ساهم بعض فاحشي الثراء عن الحزب الجمهوري، الاخوين كوك، بتشكيل تيار حزب الشاي ممثلا للتوجهات المحافظة سياسيا واجتماعيا واقتصاديا. وما لبث التيار ان فقد بريقه السياسي سريعا بفعل الاحداث والتطورات السياسية، وكذلك لسلسلة من المطبات السياسية التي ارتكبها بعض اشهر رموزه: السيناتور تيد كروز، مثالا.

وعليه، قرأ الاخوين كوك ونظرائهما الاثرياء المحافظين الخريطة السياسية بدقة ورغبتهم بالابتعاد عن دعم تيار او مجموعة بعينها بعد ان زالت كافة العقبات القانونية لدعم اي مرشح محدد. وستشهد الخريطة السياسية المقبلة تجاوز تيار حزب الشاي وامثاله سريعا، وربما تلاشيه قبل بدء الجولة الانتخابية.

في هذا السياق، استثنى شيلدون اديلسون بعض اهم رموز الحزب الجمهوري من الدعوة: السيناتور تيد كروز، الذي ذهب في تصريحاته المتشنجة مديات ابعدته عن قاعدته الجمهورية رغم تأييده ودعمه “لاسرائيل؛” السيناتور راند بول، الذي يتنقد احيانا السياسة الاميركية في دعم “اسرائيل” ويحظى بشعبية ثابتة في قاعدة الحزب الجمهوري؛ حاكم ولاية تكساس ريك بيري؛ الحاكم السابق لولاية اركنساس والمرشح الرئاسي السابق مايك هاكابي؛ وسارة بيلين. كل له مثالبه وسقطاته السياسية بالنسبة لبرنامج الحزب الجمهوري الاستراتيجي.

يتميز رون بول على الآخرين بجاذبية خطابه وقدرته على استقطاب حشود من خارج دائرة الحزب الجمهوري، بل مخاطبة بعض معاقل دوائر الحزب الديموقراطي الانتخابية، وسعيه الثابت للتقاطع وايجاد نقاط مشتركة مع التيارات الليبرالية واليسارية، لا سيما فيما يخص مناهضته لسيطرة وكالة الأمن القومي وتجسسها على كافة مناحي الحياة اليومية وانتهاكها الصارخ للحقوق الفردية والجماعية.

السيناتور تيد كروز حجز مقعدا مبكرا له في قائمة المحيِرين والمربِكين من بين المرشحين عن التيار المحافظ، رغم تصريحاته المتكررة عن صدق دعمه الثابت “لاسرائيل،” بوتيرة تفوّق فيها على كل منافسيه الآخرين. بيد ان ميوله للتيار الاشد محافظة لم يلقَ اذانا صاغية لدى اديلسون؛ وكذلك الامر مع كل من هاكابي وحاكم ولاية تكساس المحافظ ريك بيري وسارة بيلين.

من بين المدعوين الاربعة على مائدة اديلسون، برز حاكم ولاية ويسكونسن، سكوت ووكر، الذي يتمتع بشعبية معتبرة داخل قواعد الحزب الجمهوري والتي لا تكن احتراما كبيرا للسلالات العائلية وانتماء جيب بوش لتلك الفصيلة، خاصة مع تنامي اعتراضاتهم على امكانية دخول هيلاري كلينتون حلبة الترشيحات الرئاسية وتكرار تجربة السلالات الرئاسية.

كريستي، حاكم ولاية نيوجيرزي، بدأ سباقه الرئاسي بفضيحة سياسية تمثلت بدوره المزعوم في اصدار أمر لسلطة المرور باغلاق جسر رئيسي يربط ولايته بمدينة نيويورك ابان ذروة الازدحام ليعاقب منافسه السياسي الذي سيلحقه اللوم من ازمة السير باعتباره المسؤول المباشر عن تلك المنطقة، فضلا عن مواقفه المتقاربة من النبض الشعبي العام المؤيد لفرض قيود مشددة على اقتناء السلاح الفردي مما جعله يغرد خارج سرب المحافظين في الحزب الجمهوري. اما جون كيسيك فقد اغضب قاعدته الحزبية في ولاية اوهايو لدعمه برنامج الرعاية الصحية الشامل، اوباما كير، ومطالبته اقرانه بتوسيع نطاق تغطيته.

اللافت في لقاء التحالف غياب اديلسون عن خطاب سكوت ووكر، الصاعد بقوة، مقارنة بمحاباته الآخرين، مما يؤشر على عدم تيقن الممولين اليهود ومن بينهم اديلسون من فوز احدهم وقد يجدون انفسهم منفردين بدعم مرشحين لا يحظون بتأييد القاعدة الانتخابية للحزب الجمهوري.

حيثيات لقاء تحالف الجمهوريين من اليهود

استضافة المرشحين الطامعين بالمنصب الرئاسي والطلب من الآخرين بالحضور كان بغرض الاستدلال واستشراف حظوظ كل منهم قبل ان يقع القرار على تأييد احدهم بشكل جدي. كما ادرك اصحاب الدعوة، بالاضافة الى اديلسون، ان الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري ستكون اقصر من غيرها في الجولة المقبلة، سيما وان ولايات اربع ستجري انتخاباتها مبكرا في شهر شباط 2016؛ تتبعها عدة ولايات تعقد جولة انتخاباتها في الاشهر المقبلة: آذار ونيسان وأيار. مؤتمر الحزب الجمهوري العام سيعقد في فترة اواخر شهر حزيران او اوائل تموز 2016، الامر الذي يقتضي وضع استراتيجية تمويل مبكرة.

ربما هذه الخاصية ساهمت في دغدغة مشاعر اديلسون لادراكه ان فصلا قصيرا من الانتخابات التمهيدية يؤدي الى ثبات مرشح يضح تحت تصرفه اموال كبيرة والفوز بترشيح الحزب، مما حدى باديلسون دخول الحلبة مبكرا وحجز مقعد المرشح الاوفر حظا – وفق رؤيته السياسية بالضرورة.

من سوء حظ اديلسون تجديد الحزب الجمهوري العمل بالقوانين السابقة الناظمة لهوية حضور المؤتمر العام، واعادة القرار النهائي الى القواعد الحزبية وتحديد ممثليهم داخل المؤتمر؛ الأمر الذي قد يثير قلقا لدى اديلسون لعدم ممارسته اقصى نفوذه لترجيح مندوب معين للمؤتمر العام قد لا يحظى بدعم اللجان المحلية للحزب.

وتضاعفت الاخبار السيئة لاديلسون اذ اعتادت ولاية نيفادا، مقر اقامته واعماله التجارية، على عقد انتخاباتها التمهيدية مبكرا وميل الهيئات الحزبية الى سحب تلك الميزة واستبدالها بولاية اخرى تقع في المنطقة الغربية من البلاد، نظرا لتنامي نفوذ الحزب الديموقراطي فيها. القرار النهائي سيتم البت فيه عند انعقاد اللجنة المركزية للحزب الجمهوري في شهر ايار المقبل، ويرجح ان تفوز به ولاية اريزونا.

في الحيثيات، حظي جيب بوش برعاية مميزة من اديلسون وعقيلته اللذين استضافاه على عشاء خاص قبل المؤتمر بيومين، مدركين حث القوى المؤثرة في الحزب الجمهوري لجيب بوش دخول حلبة الترشيحات الرئاسية. وحاضر في اللقاء السفير الاميركي الاسبق لدى الأمم المتحدة، جون بولتون، الذي افرد حيزا واسعا من كلمته لانتقاد السيناتور راند بول “حول اسرائيل.” من بين المتكلمين ايضا برز جون كيسيك، اوهايو، كاكبر متذللٍ لاديلسون موجها كلمته له بالاسم مرحبا باستثمارات الاخير في ولاية اوهايو.

كريستي نال القدر الاعظم من التغطية الاعلامية “لزلة” لسانه امام اديلسون قائلا انه صعد على طائرة مروحية وطار في اجواء “الاراضي المحتلة،” ابان زيارته، مما اثار غضب اليهود من الحضور لا سيما صاحب الدعوة اديلسون. بل طالبه رئيس “المنظمة الصهيونية الاميركية،” مورتون كلاين، بضرورة تفسير قصده من “الاراضي المحتلة.” ولم يكتفي كلاين بتفسير كريستي اذ علق لاحقا بالقول “اما ان كريستي لا يفهم المسألة، او انه معاد لاسرائيل.” وشرع كريستي لعقد لقاء خاص مع اديلسون لاحقا لتقديم اعتذار شخصي عما ورد، والتأكيد على “دعمه اللامحدود لاسرائيل.”

اما راند بول، فلم يشأ ان يبقى خارج السرب واوضح لاحقا  لعدد محدود من اكبر ممولي الحزب الجمهوري رغبته في “بلورة” رؤيته في السياسة الخارجية “لا سيما فيما يتعلق باسرائيل؛” وعزم على التقرب من الممولين اليهود تعبيرا عن صدق نواياه. بعض اعضاء التحالف المذكور اعرب عن عدم ثقته بموقف راند بول وعقد النية لهزيمته في الانتخابات التمهيدية. الامر عينه ينطبق على اديلسون الذي لا يروق له مرشح سياسي يغلب المصالح القومية الاميركية على ما عداها امام جمهور الناخبين، وخاصة ان نسبة كبيرة من “الوطنيين” الاميركيين يذكّرون انفسهم واقرانهم بمقولة منسوبة لمؤسس الدولة، جورج واشنطن، محذرا من التقارب مع دولة معينة قائلا “الترابط الانفعالي والحماسي لدولة نحو اخرى ينجم عنه عدد من الشرور.”

الفائز بمقاسات اديلسون ودلالاته

اديلسون ونظرائه من الممولين اليهود لم يرسوا على قرار بدعم مرشح بعينه، ربما لأن الوقت غير مناسب راهنا. توقع البعض ان يتصدر كريس كريستي قائمة المرشحين، بيد ان زلة لسانه المذكورة حول “الاراضي المحتلة” وتحديد مسؤوليته في فضيحة اغلاق جسر المرور قد ركنتاه جانبا الى حين. ان صحت هذه التوقعات فان الساحة تصبح ممهدة امام جيب بوش الذي لا يزال بعيدا عن حسم توجهاته بدخول حلبة السباق الرئاسي، ويدرك بعمق مديات عدم الرضى داخل قواعد الحزب الجمهوري لاستحداث سلالته سياسيا من جديد.

دور المال في السياسة لا يشكل العامل الحاسم والحصري لفوز مرشح يستند الى تمويل كبير، كما اثبتت تجربة وزيرة الخارجية السابق هيلاري كلينتون ابان ترشحها للانتخابات الرئاسية عام 2008. اديلسون وثروته الضخمة العائدة من صناديق القمار لا يبشر بنيته، برفقة نظرائه الاخرين، دعم مرشح عن الحزب الجمهوري يتمتع بدعم قاعدة شعبية معتبرة، بل صعود مرشح يواكب توقعاته السياسية.

نظرة اديلسون الضيقة بتفصيل مرشح على مقاسه يؤيد “اسرائيل” بشدة لنيل تمويل الحملة قد تنعكس عليه سلبا، ويبدو انه يجنح لتأييد مرشح ينتمي لصلب المؤسسة السياسية وليس على الهامش مثل تيد كروز وراند بول.

العلاقة اللصيقة بين دور رأس المال والنفوذ السياسي ليست وليدة اللحظة، بيد انها في المشهد الاميركي تمضي بعيدا عن اي جهود لكبح تداعياتها او التخفيف من تجلياتها؛ بل التجارب التاريخية للنظام السياسي الاميركي تشير بصورة جلية ان المستفيد الاكبر من الثنائي هو الممول وسوق المصارف وخاصة نتيجة البرامج الحكومية الضخمة كتلك التي تبنتها الدولة ببناء البنى التحتية وتحديث العجلة الانتاجية بعد الحرب العالمية الثانية.

يشار في هذا الصدد الى ان قائمة تضم اكبر 20 ممولا لمسيرة الرئيس اوباما السياسية تضم رؤساء مصارف واستثمارات مالية ضخمة، غولدمان ساكس و جي بي مورغان، واللتين ثبت تواطؤهما في صنع الازمة المالية التي عصفت بالولايات المتحدة 2007 – 2008، واستطاعتا الافلات من اي ملاحقة قانونية حقيقية.

بالنظر الى قرار المحكمة العليا بتحريرها القيود المفروضة على حجم ووجهة التبرعات وتمويل الحملات الانتخابية المختلفة، فان انعكاساته تأتي لتتناغم مع رغبة فاحشي الثراء ابقاء سيطرتهم والتحكم بالمركز الاول في صنع القرار، بصرف النظر عن توجه المرشح السياسي ايا يكن.