2019-25-01 التقرير الأسبوعي

المقدمة       

صراع أجنحة الدولة الأميركية وما آل إليه من أغلاق الحكومة لأكثر من 30 يوما كشف عن أزمة بنيوية عميقة يجري العمل على احتواء تداعياتها.

سيسلط قسم التحليل الضوء على تلك الظاهرة وقواها الكامنة، بالاضافة لعلاقاتها المباشرة مع جملة أزمات تجتاح بعض حكومات اوروبا الغربية.

 

ملخص دراسات واصدارات مراكز الابحاث
الاستراتيجية الأميركية وانعكاساتها

          تداعيات انسحاب الولايات المتحدة من اتفاق الحد من الاسلحة النووية مع الاتحاد السوفياتي، عام 1988، كانت محط اهتمام مؤسسة هاريتاج، التي ذكّرت بأنها تناولت الحد من الأسلحة التقليدية والنووية معاً “لكنها وضعت قيوداً على نظم الاسلحة الصاروخية، ولا تنطبق على الصواريخ التي تطلق من أعماق البحار او نظم الأسلحة المصوبة من الجو.”

https://www.heritage.org/arms-control/report/the-inf-treaty-what-it-means-the-us-russia-and-china-today

          جدد معهد كاتو معارضته لنظم “الأسلحة الفضائية” وفعاليتها التي أعلن عنها الرئيس ترامب مؤخراً، محذراً من تدهور “تنافس القوى العظمى .. لا سيما وأن المعلومات المثبتة لا تشير إلى انجاز الأسلحة الفضائية الأهداف المرجوة.” وأوضح أن البيانات المتوفرة “منذ عام 2000 ولغاية 2016 تشير كبح مضبوط” لنزعة الصدام، كما “أن أي هجوم لا يستدعي رد هجومي مماثل، فضلاً عن عدمية ردعه.” واضاف أن أبحاثه المعمقة حول المسألة تؤكد على “عدم التصعيد في الفضاء .. بيد أن تعديل السياسة والاستراتيجية الأميركية التي أعلنت عنها إدارة (الرئيس) ترامب تحفز عنصر المخاطرة والتصعيد بينما لا تستطيع عمل ما يستدعي لتعزيز فعالية العمليات” في الفضاء الخارجي.

https://www.cato.org/publications/policy-analysis/myth-cyber-offense-case-restraint

          وجه معهد كارنيغي جملة انتقادات “للادارات الأميركية المتعاقبة التي أثبتت عجزها عن استمرارية تركيزها على طيف من التحديات الكبرى طويلة الأمد .. وعدم جهوزيهتا لصياغة إصلاحات من شأنها إلحاق ضرر قصير الأمد لإنجاز مكتسبات طويلة الأجل.” ومضى بتشخيص النظام السياسي الأميركي قائلا إنه “حقاً يعاني من حالة استقطاب حادة يقابلها شعور متدني بالمنفعة العامة .. “

https://carnegieendowment.org/2019/01/16/is-democracy-problem-pub-78137

          استعرض مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية زيارة وزير الخارجية مايك بومبيو للقاهرة بغية التوقف عند محركات القوة والتأييد الناجمة عنها، مشيراً إلى عناصر “القوة الناعمة الأميركية: مكانتها الثقافية، نموذجها الاقتصادي، ودورها كمنارة سياسية تقف إلى جانب الحكومات لتعزيز النفوذ الأميركي عبر العالم.” وأضاف أن الزيارة تكللت بالنجاح استناداً لتلك العناصر وترسيخها الإحساس العام بأن “جهودها الرسمية في التعامل مع الحكومات والشعوب (مباشرة) أسهمت في نشر الازدهار والديموقراطية في شرقي آسيا.” وختم بالقول أنه ومنذ سقوط الاتحاد السوفياتي “أدركت الحكومة الأميركية حجم القوة التي تتمتع بها الولايات المتحدة في العالم قاطبة.”

https://www.csis.org/analysis/friends-these-pompeo-recasts-ties-cairo

إيران

          زعم معهد أبحاث السياسة الخارجية أنه كان لديه علم مسبق بتجربة ايران إطلاق صاروخ إلى الفضاء الخارجي، 14 الشهر الجاري، مؤكداً أنه بالتعاون مع مركز دراسات عدم نشر الأسلحة استشعرا “نشاطاً مكثفاً لإطلاق الصاروخ الفضائي؛” ودأب فريق عمل مشترك بينهما “منذ نهاية شهر كانون الأول الماضي برصد الموقع (مركز الإمام الخميني للفضاء) بمساعدة مختبرات مختصة بصور الأقمار الإصطناعية ..لمراقبة تجهيزات إطلاق قمر (بايام) إلى مداره” في الفضاء الخارجي. وأضاف أنه على الرغم من فشل بلوغ القمر مداه المرسوم إلا أن المحاولة أثارت مخاوف جديدة في الولايات المتحدة حول “نية ايران السرية لاستكمال صاروخ باليستي عابر للقارات لديه القدرة على إصابة أهداف في الأراضي الأميركية.”

https://www.fpri.org/article/2019/01/irans-space-launch-icbm-or-space-program-development/

          عبرت مؤسسة هاريتاج عن قلق الإدارة الأميركية لإطلاق ايران قمراً صناعيا لمداره في الفضاء الخارجي، كدليل على “سوء قراءتها للتغيرات في سياسة الرئيس ترامب؛ والتي برزت في تقرير منسوب لمستشار الأمن القومي جون بولتون يطلب فيه من وزارة الدفاع إعداد خيارات عسكرية ضد ايران.” وأضافت أن ايران استرخت عقب حصولها على “تسوية مُرضية لها من أدارة (الرئيس) اوباما تخولها مؤقتاً تجميد برنامجها للأسلحة النووية؛ (لكنها) كانت تراقب عن كثب تراجع الرئيس اوباما لا سيما فيما تعلق بخطوطه الحمراء في سوريا .. ”  واردفت أنه على الرغم من “تصريحات المسؤولين الأميركيين بأن التجربة الفاشلة كانت جزءاَ من جهود ايران لتجربة وتوسيع قدراتها في مجال سلاح الصواريخ الباليستية؛” وتمضي في تحديها “لترامب لقناعتها أنه أشد بأساً مما كان عليه اوباما.”

https://www.heritage.org/middle-east/commentary/iran-keeps-testing-trump-why-because-it-knows-hes-much-tougher-obama-ever

“اسرائيل” والصين

          أعرب مجلس السياسة الخارجية الأميركية عن ارتياب الإدارة الأميركية من “مداعبة اسرائيل الخطرة للصين،” مما حدا بمستشار الأمن القومي جون بولتون ايصال رسالة قوية في لقائه مع “رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مفادها أن واشنطن قلقة من تطور العلاقات التجارية بين اسرائيل والصين، والثغرات الاستراتيجية التي ستنجم عنها.” وأوضح أن من أبرز مصادر القلق الأميركي “وصول الصين الحتمي إلى ميناء حيفا الاستراتيجي،” في إشارة إلى العقد المبرم بينهما عام 2015 لإعطاء “مجموعة شانغهاي الدولية لإدارة المرافيء” حق تشغيل ميناء حيفا “ولمدة 25 عاما بدءاً من 2021.” واستطرد المجلس أن رسالة التحذير القوية التي حملها بولتون هي ما كان في جعبته بخلاف ما تردد عن “طمأنة اسرائيل لتداعيات الانسحاب الأميركي من سوريا.”

https://www.afpc.org/publications/articles/israels-dangerous-dalliance-with-china

     

 التحليل

 

اختلال أداء النظام الأميركي:
مسعى ترامب لتغطيتها من فنزويلا

          سيسيل حبر وفير لسبر أغوار التخبط السياسي الأميركي، بتجلياته الداخلية التي اتخذت طابع “الكيدية” بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، ومسارعة الإدارة لتسليط الضوء على أزمة مفتعلة مع فنزويلا علّ التسبب بحرب أهلية دموية يتسيّد جدول الأعمال ويفرض واقعاً جديداً يراد منه تعزيز التحشيد الداخلي خلف السياسة الكونية الأميركية.

          في سياق تلك السياسة “الكيدية” نجد لزاماً المرور على أبرز محطات المخططات الأميركية الخاصة بفنزويلا لارتباطها الوثيق في صلب سياسة الهيمنة الأميركية، عززها صعود بارز للتيارات اليمينية في عدد من دول أميركا اللاتينية، أبرزها البرازيل.

بداية، تعود المخططات الأميركية “لغزو” فنزويلا لعام 1998، على الأقل، بعد فوز الرئيس الراحل هوغو شافيز، وتتالت فيما بعد. اما الاعداد لمحاولة الانقلاب الراهنة فتؤكده يومية وول ستريت جورنال بأنه جرى على قدم وساق منذ شهرين، ترأسه نائب الرئيس مايك بينس.

وتوضح الصحيفة أن عناصر الخطة الانقلابية كانت بنات أفكار عضو مجلس الشيوخ ذو أصول كوبية، ماركو روبيو، الذي دأب على مطالبة الإدارة الأميركية بالاطاحة بالرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو؛ أحدثها كان في خطابه أمام المجلس، 15 يناير الجاري، بدعوة البيت الأبيض “.. تعيين خوان غوايدو رئيساً للبلاد مما سيضع تحت تصرفه ملايين الدولارات من الأرصدة الفنزويلية المجمدة في الولايات المتحدة” وتمويل حملته في تسلم السلطة “لشراء الاسلحة وانشاء جيش من المرتزقة” وفرق الموت وأدخال البلاد في أتون حرب أهلية.

          حجم الأرصدة الفنزويلية المجمدة في المصارف الأميركية والبريطانية يفوق ادعاءات “السيناتور روبيو،” ويصل لعدة مليارات من الدولارات، وهي ثمرة لإجراءات العقوبات والحرب الإقتصادية الأميركية على فنزويلا. وبرز في الواجهة مصرف “باركليز” البريطاني الذي “رفض” طلب فنزويلا تسليمها أرصدتها من سبائك الذهب المودعة قيمتها نحو 1.2 مليار دولار.

الهدف المركزي الأميركي، لم يعد محط تكهنات للاطاحة بالنظم التي لا تمتثل لسياسات واشنطن، بل لإعادة السيطرة على “أكبر مخزون نفطي في العالم يقدر بما يفوق 300 مليار برميل” في فنزويلا، وهي “الجزرة” التي علقت في ذهن الرئيس ترامب، كما يتردد.

في الساعات الباكرة من يوم 22 يناير الجاري، استدعى البيت الأبيض ثلاثة أعضاء متشددين من الكونغرس: ماركو روبيو، ريك سكوت، ماريو دياز- بالارت، للقاء عاجل مع الرئيس دونالد ترامب ونائبه مايك بينس؛ ومسؤولين آخرين أبرزهم وزراء الخارجية والتجارة والخزانة. تم تكليف نائب الرئيس بينس باجراء مكالمة هاتفية مع “زعيم المعارضة خوان غوايدو،” ورد فيها، وفق التسريبات الصحفية، ان الأول أبلغه “.. إن اعتمدت الجمعية الوطنية المادة 233 (من الدستور) في اليوم التالي، فإن الرئيس (ترامب) سيعلن دعمه له” وتنصيبه رئيساً للبلاد.

في الخلفية أيضاً كانت مراهنة أميركية على تهيئة الأجواء لانتشقاقات في صفوف القوات العسكرية والأمنية، بيد أن وعي القيادات السياسية والعسكرية أجهض تلك المهمة قبل أن تبدأ؛ وبالتالي ما كان سيترتب عليها لاقى النتيجة عينها.

خلل إداري أم كوميديا سوداء

          تبادل الرئيس ترامب ومنافسته اللدود، رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي، اتهامات وصلت ذروتها باتخاذ اجراءات عقابية متبادلة: الرئيس ترامب “افشى” وألغى زيارة غير معلنة كانت في صدد القيام بها لمقر حلف الناتو في بروكسيل وافغانستان؛ وبالمقابل أبلغته بعدم ترحيبها لدعوة الكونغرس للانعقاد في جلسة مشتركة يلقي أمامها خطابه السنوي. وفي الخلفية، تنابذ الرؤى والأولويات حول انهاء الإغلاق الحكومي.

          توصل “العقلاء” لحل “مؤقت” ينهي ظاهرة الإغلاق بعد تنامي الغضب الشعبي العارم واصبحت تهدد مصير ومصداقية أركان المؤسسة الحاكمة، لا سيما قيادات الحزب الجمهوري، وانتفاء “المردود” السياسي المرسوم لتحميل الخصم الجزء الأكبر من المسؤولية.

الحل “المر” والمؤقت أنعش تكهنات الفريقين لنفوذ السيدة بيلوسي، كموقعها في المرتبة الثالثة في الهرم القيادي الأميركي، وتسجيلها “هدف نظيف” على خصم ينتشي بتحقير الآخر وامتهان المرأة، وغاب تبجحه بتمويل الجدار الفاصل.

          تمترس الرئيس ترامب وراء إصراره على الاستمرار في الإغلاق وتجميد عمل مرافق الدولة، كان بتحريض ودعم رئيس مجلس الشيوخ، ميتش ماكونيل، بغية تسجيل “حرج” سياسي لخصومه في الحزب الديموقراطي، كما يتردد. وعند وصول الطرفين لنقطة اللاعودة شهدنا “تباين” لهجة الرئيس ترامب باغفاله الحديث عن اتفاق لا يتضمن تمويل مشوع بناء الجدار – الذي سيعود بفوائد مالية عالية على أركان المؤسسة عبر الشركات المتعاقدة وتدوير العوائد عبر تمويل حملات الحزب الجمهوري بالدرجة الاولى.

          تغاضى الساسة الأميركيون عن حقيقة مشاعر الازدراء المتنامية داخل المجمتع الأميركي، إذ جاءت أحدث استطلاعات للرأي بنتائج قاسية كان الأولى أخذها بعين الاعتبار: 75% من المستطلعة آراءهم لا يثقون بالدولة وسياسييها ويؤيدون بشدة مقولة الرئيس الأميركي الأسبق، رونالد ريغان، بأن الهيكل الحكومي “هو المشكلة بعينها؛” بينما أعرب 53% منهم عن اعتقاده بأن الدولة ومؤسساتها “لا تحظى بدعم وتأييد الشعب،” وفق استطلاع أجري في شهر آب/أغسطس 2018.

          حقيقة الأمر أنه لولا مظلة دعم ماكونيل المتشددة لرأينا موقفا محتلفا للرئيس ترامب، يعزز ذاك القول ما تعرض له ماكونيل من كلامٍ قاسٍ من أبرز أركان قيادات الحزب، كيفين مكارثي، بأنه “يتحمل الخطأ بمفرده،” لتدحرج كرة الثلج نحو الحزب الجمهوري. ومضت تلك الدائرة الضيقة من قادة الحزب بالقول أن ماكونيل مارس “مهنته في الابتزاز السياسي” لخصومه وانقلبت النتيجة وبالاً على الجميع.

          استطراداً على حقيقة ما جرى “خلف الكواليس” نقلت يومية واشنطن بوست، 24 يناير الجاري، اجماع المعنيين بالمشاورات بأن الرئيس ترامب “استسلم بسرعة بعد إفشال (نانسي) بيلوسي جهوده للمضي بالقاء الخطاب السنوي، على الرغم من ايحائها المسبق له بارجائه.” واضافت “في الحقيقة أن (الرئيس ترامب) يَجْبُنْ ويتراجع امام منازلة حقيقية .. أنه يختبيء داخل البيت الأبيض وينشر تغريداته، عوضاً عن التعامل مع تلك المرأة  التي أفقدته رباطة جأشه برفضها دور التبعية.”

          في حمأة ذاك السجال تقدمت مؤسسة صحفية الكترونية، باز فيد، بتقرير كاد أن يسهم في تقرير مصير الرئيس ترامب قضائياً بقولها أن “.. لدى فريق المحقق الخاص روبرت موللر دليل على إيعاز الرئيس (لمحاميه الخاص) مايكل كوهين بالكذب أمام الكونغرس.” وسرعان ما استدرك فريق المحقق الخاص ما ينطوي على ذلك من مخاطر في بنية المؤسسة ومصداقيتها نافياً ما ورد في التقرير.

في غضون بضعة ايام، أنهت الصحيفة المذكورة عقود عمل موظفيها ومراسليها بالجملة، بالإضافة إلى إغلاق مؤسسات إعلامية أخرى ابوابها.

          واصلت المؤسسة الحاكمة منسوب سرديتها عن “التدخل الروسي وتواطؤ” محتمل للرئيس وحملته الانتخابية، واعتقلت الأجهزة الأمنية أحد أبرز مؤيدي الرئيس ترامب ومستشاره السياسي السابق، روجر ستون، بناء على “لائحة اتهام مقدمة من فريق المحقق الخاص روبرت موللر،” لإعاقته سير العدالة من بين أمور أخرى. وتم إطلاق سراحه بكفالة بعد بضع ساعات من اعتقاله.

          في المحصلة، لم تسفر اي من الاعتقالات والاتهامات الموجهة لمقربين من الرئيس ترامب وحملته الانتخابية عن تقديم دلائل مقنعة أو محتملة تعزز التهمة الأصلية: تورط الرئيس مع روسيا خلال الحملة الانتخابية. أما ما يخص روجر ستون ينطوي على “تضخيم” مزاعم باتصالاته السابقة مع مؤسس “ويكي ليكس،” جوليان اسانج، وفي الخلفية ما نسب للمستشار الاستراتيجي السابق لترامب، ستيف بانون، من دور بارز في تجيير مضمون المراسلات الالكترونية للمرشحة الرئاسية السابقة، هيلاري كلينتون، في خدمة حملة ترامب الرئاسية.

          في هذا الصدد، ما هو ثابت للحظة أن مزاعم المؤسسة بضلوع ستون مع “ويكي ليكس” لم تسفر عن دلائل حسية بذلك، بل ما تبين أن المتهم ستون كان على صلة بالممثل الكوميدي في نيويورك، راندي كريديكو، وكاتب صحفي من التيار اليميني، جيروم كورسي. وما عدا ذلك  مجرد تكهنات. وأبعد من ذلك، تتراجع دائرة تسليط الأضواء على دور مزعوم لروسيا بصورة ملحوظة.

          أحدث تعليق لرئيسة مجلس النواب، نانسي بيلوسي، عقب توجيه لائحة الاتهام لروجر ستون، جاء مخيباً للآمال المعقودة على محاصرة سياسات الرئيس ترامب، إذ قالت “.. لائحة الاتهام تثبت أنه كان هناك محاولة منسقة وهادفة من قبل مسؤولين كباراً في حملة (المرشح) ترامب للتأثير على نتائج انتخابات عام 2016 ومصادرة إرادة الشعب الأميركي ..”

          بدلاً من التصدي للسياسات المدمرة للمؤسسة الحاكمة وترميم بعض تداعياتها الضارة برفاهية الشعب الأميركي رمت بيلوسي بكل ثقلها إلى جانب محاولات صرف الأنظار عن القضايا والتحديات الحقيقية، مما يعزز ما ذهبنا إليه بانفصام المؤسسة الحاكمة وعمق أزماتها الداخلية التي تحرص على حلها بتصدير تداعياتها خارج الحدود.

 

2019-18-01 التقرير الأسبوعي

زوبعة الانسحاب من الناتو:
ابتزاز ترامب للاتحاد الاوروبي

 

        برع الرئيس ترامب في تسخير الآلة الإعلامية لخدمة نواياه وحرف مسار تغطيتها باثارة مواضيع مغايرة، وما تلبث دائرة الخناق القضائي بالاشتداد حول عنقه يهب لفرض مواضيع أخرى على صلب الجدل السياسي والأولويات الأميركية برمتها.

        لا يخفي الرئيس ترامب كراهيته للتحالفات الدولية والالتزامات المترتبة على الولايات المتحدة. موقفه “الشخصي” من استمرارية حلف الناتو ومعاداته له لم يعد محط تكهنات، بدءاً بتصريحاته خلال الحملة الانتخابية لم يتوانى عن ترديدها، بصرف النظر عن مدى الدقة، بأن الولايات المتحدة تساهم بنسبة 80% من ميزانية الحلف، والتي اعتبرت سلاحا لابتزاز الاوروبيين؛ وتهديدهم بانسحاب بلاده من الحلف أن تخلفوا عن زيادة حصة البلدان المختلفة في الميزانية، قائلا ذلك بصريح العبارة قبيل انعقاد قمة دول الحلف في منتصف تموز/يوليو 2018.

        الجديد في عملية “ابتزاز” الحلفاء الاوروبيين جاء في تقرير ليومية نيويورك تايمز، 15 يناير الجاري، بغرض احراج الرئيس وزيادة منسوب حملات الضغط المباشرة عليه، علاوة على التطورات القضائية شبه اليومية. لعل أبرز المحطات كانت تصريحاته خلال انعقاد قمة الناتو، تموز الماضي، “يهدد” بالانسحاب من الحلف “دون موافقة الكونغرس.”

        تقرير الصحيفة كشف عن “.. رغبة الرئيس ترامب للانسحاب من حلف الناتو منذ العام الماضي؛ وابلاغه كبار مسؤولي الأمن القومي في ادارته سراً أنه لا يرى فائدة للبقاء في الحلف،” وانه عنصر استنزاف” للموارد الأميركية. وأكد التقرير، استناداً لمصادر رفيعة المستوى، ان “رغبة” الرئيس ترامب تجددت مرة اخرى حديثاً “بالتزامن” مع تحقيق قد يجريه مكتب التحقيقات الفيدرالي، إف بي آي، حول “عمل ترامب لصالح موسكو؛” واكبه تقرير نشرته زميلتها النافذة واشنطن بوست يزعم أن الرئيس ترامب حجب تفاصيل لقاءاته مع الرئيس الروسي العام الماضي عن طواقم مساعديه.

        أثار تقرير الصحيفتين جملة انتقادات سريعة ضد الرئيس ترامب، منها تحذير الأميرال المتقاعد جيمس سترافيديس، من عواقب الانسحاب بأنه سيشكل “خطأً جيوسياسياً مأساويأ .. وهدية القرن لبوتين.”

        رئيسة مجلس النواب، نانسي بيلوسي، دعت الرئيس ترامب ارجاء خطابه السنوي المقرر أمام الكونغرس بمجلسيه لحين انهاء أزمة الإغلاق. انتهز الرئيس ترامب تلك الفرصة في الصراع اليومي ليسجل هدفاً إضافياً ضد بيلوسي عقب علمه بنيتها القيام بجولة خارجية اولى محطاتها كانت بروكسيل ولقائها مع “كبار مسؤولي حلف الناتو والقادة العسكريين الأميركيين،” قبل استئنافها التوجه لأفغانستان ومصر. وبصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، ألغى الرئيس ترامب تصريح استخدام فريق بيلوسي للطائرات العسكرية الأميركية وأن عليها استخدام الخطوط الجوية التجارية بدلاً من ذلك.

        المتحدث باسم مكتب بيلوسي، درو هاميل، اوضح للصحافيين أن “تسريبات (الرئيس) ترامب أفسدت خطة بديلة تعدها بيلوسي للسفر عبر الخطوط التجارية لأفغانستان، لأنه فضح وجهتها وأفشى سريتها .. وبات الأمر يشكل تهديداً خطيراً على الوفد” المرافق لها.

        التصريحات العلنية المتواصلة بالانسحاب من الحلف والمناقشات الداخلية “الحادة” دفعت كبار مسؤولي الإدارة آنذاك، وزير الدفاع جيمس ماتيس ومستشارالأمن القومي جون بولتون، وفق تقرير نيويورك تايمز، التوجه لبروكسيل على وجه السرعة لطمأنة دول الحلف ببقاء الاستراتيجية الأميركية والتزاماتها نحوهم على ما هي.

        كما التزم الرئيس ترامب لهجة الاستمرار في الحلف خلال اعلانه في البنتاغون عن استراتيجية الدفاع الصاروخي للولايات المتحدة، 17 يناير الجاري، مطمئنأً ومحذراً ومهدداً في الوقت عينه بقوله “سنكون مع الحلف مئة بالمئة،” مستدركاً “ولكن كما قلت للدول (الاعضاء) يتعين عليكم ان تخطوا للأمام وتدفعوا” مستحقاتكم المالية لميزانية الحلف؛ ولا “يمكن أن نكون الأحمق الذي يستغله الآخرون.”


مستقبل الحلف

        اركان القوة الأميركية الهائلة تتمثل في الاقتصاد والاسلحة الحربية، بديهية لكل باحث في الشأن الأميركي. الاقتصاد الاوروبي “على وشك” منافسة سيطرة القرار الأميركي على سياساته ويتمدد داخلياً على هذا الأساس، بينما تراجعت الصناعات العسكرية الأوروبية عن مثيلاتها الأميركية منذ زمن. الأمر الذي يفسر أحد جوانب إلحاح الرئيس الأميركي على أعضاء حلف الناتو بشراء مزيد من العتاد العسكري الأميركي، كما فرضه على اليابان وكوريا الشمالية رغم عدم صوابية الحاجة لهما بذلك.

        شدد الرئيس ترامب في كلمته القصيرة في البنتاغون، 17 يناير، على “تفوق الصناعات العسكرية الأميركية،” وتخصيص ميزانيات عالية غير مسبوقة للجهد الحربي، مناشداً دول الحلف والدول “التابعة” الأخرى باستدامة شرائها المعدات والتقنية العسكرية الأميركية.

        في سياق طمأنة الحلفاء لاستمرار الدعم الأميركي، أفاد المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية، ديفيد بيترايوس، 9 يناير الجاري، أن “البيت الأبيض يواصل تطوير خططه الرامية لزيادة القوات الأميركية في القارة الأوروبية، بالرغم من الانتقادات التي يوجهها الرئيس الأميركي دونالد ترامب للحلف”.

        مسألة الانسحاب من عدمها، في حقيقة الأمر، لها أبعاد استراتيجية تخص الاستراتيجية الكونية الأميركية بشكل خاص، وتمددها في عموم العالم كونها تحمل دول الحلف زيادة الانفاق والتمدد العسكري والأمني، لا سيما في وجودها “الرمزي” في سوريا، فضلاً عن أفغانستان ومشاركتها العمليات العسكرية في الحرب ضد اليمن.

 

        ما يغيب عن تلك المسألة الحيوية، بقاء الحلف من عدمه أو تقويضه، هو الدور “الاسرائيلي” المستفيد الأول من امكانيات الحلف ودوره في النظام الدولي بقيادة الولايات المتحدة، ونالت تل أبيب مقعداً “كشريك” في حلف الناتو، لا سيما وأن “القوات التابعة للولايات المتحدة في ألمانيا هي التي تسافر إلى إسرائيل لإجراء تدريبات مشتركة .. ومسؤولة عن أعداد بطاريات صواريخ الباتريوت.”

        نشير في هذا الصدد إلى تقرير نشرته وكالة الأنباء الألمانية، د ب أ، عقب زيارة وزير الخارجية الأميركي لبغداد بأن مايك بومبيو أبلغ رئيس الوزراء عادل عبد المهدي بأن “اسرائيل قد تقصف في أي وقت أهدافاً داخل الأراضي العراقية ترتبط بفصائل مسلحة تقاتل في سوريا.”

        يشار أيضاً إلى أعلان قيادة حلف الناتو عن مباحثات مساعد أمينه العام، جون مينزا، في بغداد “.. لتوسيع مهام الحلف في العراق،” عقب موافقة وزراء دفاع الحلف في شباط الماضي على ذلك “بطلب من واشنطن.”

        تأكيداً على صحة النبأ الأول، افادت النشرة العسكرية المختصة ذا درايف The Drive، 14 يناير الجاري، بخطط الجيش الأميركي لتعزيز تواجده وانتشاره على الاراضي الأردنية، وتوسيع “قاعدة موفق السلطي” الجوية وتهيئها لاستقبال أنواع متعددة من المقاتلات الحربية والهجومية وطائرات الدرونز المسلحة وناقلات الشحن الضخمة، تبلغ كلفته عدة ملايين من الدولارات، تشرف عليها مجموعة الحملة الجوية 407 التابعة لسلاح الجو الأميركي.

وسترتفع قدرة القاعدة لاستقبال متزامن لطائرتي نقل ضخمة من طراز C-17A Globemaster III وطائرة شحن من طراز C-5 Galaxy، وما بداخلها من قوات مسلحة ومعدات عسكرية وموارد اخرى.

وأضافت النشرة أن ميزانية البنتاغون لعام 2018 “تضمنت تخصيص أزيد من 140 مليون دولار” لجهود تحديث قاعدة سلاح الجو الملكي الاردني .. والتي تستخدمها الولايات المتحدة بنشاط في عملياتها الإقليمية منذ عام 2013، على الأقل.”

“انسحاب الولايات المتحدة من حلف الأطلسي سيكون على رأس القضايا التي سيناقشها اللواء أفيف كوخافي،” رئيس الأركان “الاسرائيلية” الجديد مع القيادات الأميركية في زيارته المقبلة. تلك كانت خلاصة جملة تقارير واكبت تجديد إعلان الرئيس ترامب عن النية بالانسحاب من حلف الناتو.

يدرك ترامب نوايا الدول الأوروبية لاتخاذ دور أكثر استقلالية عن واشنطن، في ظل انتفاء الحاجة للاصطفاف العسكري “في مواجهة التهديد السوفياتي” الذي لم يعد له مبرر؛ وتوجه الدول الاوروبية لانشاء “جيش اوروبي موحد،” كما أوضح رئيس المفوضية الاوروبية، جان كلود يونكر، عام 2015، معللا أن قوة عسكرية موحدة “سترسل رسالة واضحة لموسكو باننا جادون في الدفاع عن قيم الاتحاد الاوروبي.”

تقرير صحيفة نيويورك تايمز، سالف الذكر، والقاضي بأن الرئيس ترامب أضحى حر التصرف في قراراته العسكرية بعد “استقالة أو إقالة” وزير الدفاع جيمس ماتيس، رمى لتهيئة الأجواء لقرار بالانسحاب أحادي الجانب، وممارسة مزيد من الضغوط على الرئيس.

استراتيجيو واشنطن لا يعولون كثيراً على تداعيات ذاك التقرير أو صلاحية ما ورد فيه في ظروف العام الماضي، بل تتهيأ الصناعات الحربية الأميركية لزيادة مبيعاتها للاوروبيين وآخرين بتشجيع ورعاية تامة من الادارة الأميركية، مما ينفي حقيقة التهديدات بالانسحاب.

وعند الأخذ بعين الاعتبار البعد والدور “الاسرائيلي” في الاستراتيجية الأميركية الشاملة، لا نجد عوامل تدعم الانسحاب، بل على العكس سنشهد تعزيزاً للدور الاوروبي ليملأ بعض الفراغ للقوات الأميركية في ساحات متعددة، أبرزها في الوطن العربي.

2019-11-01 التقرير الأسبوعي

المقدمة       

سوريا وانسحاب القوات الأميركية وسرعة تراجع الرئيس ترامب لمنح مزيد من الفرصة الزمنية، تحت ضغط القيادات العسكرية، أشرت على بلوغ الصدام الداخلي مرحلة متقدمة، لا سيما بعد “إقالة” وزير الدفاع واستقالة مدير مكتب موظفي البيت الابيض.

 قرار الانسحاب وما رافقه من تعديل معلن في السياسة الأميركية، سيكون موضوع التحليل، والذي اعتبره البعض مؤشر على تخبط بارز في آلية صنع القرار نتيجة الانكفاءات الميدانية الجارية، لا سيما في كل من اليمن وسوريا، والمتغيرات المحلية والدولية.

 

ملخص دراسات واصدارات مراكز الابحاث

قرار الحرب لمن؟

        قرار شن الحرب، او التورط العسكري، دائم الحضور في الجدل بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، اللتان تسعى كل منهما على قضم ما تستطيع من نفوذ لصالحها، مع ادراكهما الوثيق بأن للرئيس صلاحية مطلقة شن “حروب محدودة” زمنياً “.. شريطة إطلاع الكونغرس (خلال 48 ساعة والا تتجاوز العمليات العسكرية  60 يوما بدون موافقة الكونغرس ) وان يتم بعدها الانسحاب خلال 30 يوماً.”

        صوّب معهد كارنيغي بوصلة النقاش فور انعقاد الدورة السادسة عشر بعد المئة للكونغرس الجديد مشيراً إلى أن من بين القضايا الملحة على جدول الأعمال ينبغي إثارة مسألة “متى وأين يجب نشر القوات العسكرية الأميركية المدهشة .. إذ أن الدستور يمنح صلاحيات إدارة الشؤون الخارجية لكلا الكتلتين المتصارعتين، الكونغرس والرئيس؛” مطالباً السلطة التشريعية باستعادة دورها في “الإشراف الشرس” عليها. واستدرك بالقول أنه من الطبيعي أن يقلق البيت الأبيض كونه لا ينظر بعين العطف لأي دور “اشرافي” للكونغرس وليبقي على تمركز صنع القرار بيده. وحث البيت الأبيض على “الترحيب بدور شراكة تامة مع الكونغرس في قضايا تمس الأمن القومي والذي من شأنه تشذيب السياسات المتبعة وسبل تطبيقها معا.”

https://carnegieendowment.org/2018/12/17/can-congress-stop-forever-war-pub-77987

سوريا

        أكد مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الشائع لقناعات ومواقف كبار السياسيين الأميركيين لتعثر استراتيجية الحروب “سنة تلو الأخرى” والتي بدأت “.. لمحاربة الارهاب عام 2001؛ وحروب مستمرة في الخليج منذ عام 2003؛ والتخبط في سوريا منذ عام 2011.” واعتبر المعهد جولة الاتهامات المتبادلة حاليا على خلفية إعلان الرئيس ترامب انسحابه من سوريا بأنها “ليست أكثر سذاجة أو عُقم من االجدالات السابقة حول ملامح السياسة الأميركية نحو سوريا .. وتخلو من أي مضمون حقيقي، كما سابقاتها، حول طبيعة الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط والخليج منذ عام 2001.” وأضاف أن مستويات النقاش انحدرت تدريجيا بحيث أضحت “بلا هدف استراتيجي واضح، وفشلت في التحكم بأي من القضايا المتعددة التي تسهم في بلورة استراتيجية أميركية في المنطقة.”

https://www.csis.org/analysis/iraq-iran-gulf-turkey-and-future-meaningless-debate-over-trump-strategy-syria

        سخر معهد أبحاث السياسة الخارجية من قرار الانسحاب من سوريا “المفاجيء .. والذي تم بلورته (على عجل) بين طواقم وزارتي الخارجية والدفاع؛ ثمرة لمراكمة الاخطاء.” وجادل في فرضية صواب القرار الرئاسي “حتى لو جاء نتيجة اسباب لا يدركها الرئيس ولن يتحمل مسؤولية الاستشراف” لتداعيات القرار.

https://www.fpri.org/article/2018/12/leaving-syria/

        اتهم معهد كاتو دائرة المستشارين الضيقة المحيطة بالرئيس ترامب “بكبح والغاء تطلعاته الواقعية” التي بادر بها بدءأ من اعلانه الانسحاب من سوريا واكبه اعلان آخر بتقليص عدد القوات الأميركية في افغانستان الى النصف، تقريبا. واضوح أن الفريق المعارض للقرارين معظمه من “صقور المحافظين الجدد بتأييد من الليبراليين من أنصار الحملات العسكرية الإنسانية .. مما يقوض المصالح الأميركية في البلدين.”

https://www.cato.org/publications/commentary/why-trumps-advisors-keep-quashing-realist-whims

        استعرض معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى تداعيات قرار الانسحاب من سوريا “من وجهة نظر اسرائيل .. وحرص المسؤولين فيها على عدم توجيه انتقاد علني للرئيس ترامب؛ بيد أن ما يضمرونه تحت السطح تميز بعدم الرضى والقلق والرغبة في استثمار الخطوة لما قد يبنى عليها من ايجابيات.” وأوضح أن الاتصالات المكثفة التي أجراها بنيامين نتنياهو مع “الرئيس ترامب هاتفيا، ولقائه وزير الخارجية مايك بومبيو على هامش لقاء البرازيل، واستضافته لمستشار الأمن القومي جون بولتون استثارت بمجملها ضمانات أميركية علنية حول أمن اسرائيل.” وأضاف أن بعض كبار القادة السياسيين خفف من غلواء إعلان ترامب بالتأكيد على تواضع التواجد الأميركي هناك وغير مؤهل لمواجهة التقدم العسكري لإيران.” واستدرك بالقول أن تلك المروحة المتعددة من ردود الفعل “لا تعكس كامل الحقيقة.”

https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/trump-departs-syria-an-israeli-perspective

          وفي استعراض موازٍ اعتبر معهد واشنطن جولة وزير الخارجية مايك بومبيو المكثفة في المنطقة قد تم الإعداد لها “قبل أعلان” الانسحاب، وهو يرمي ” للترويج وتفسير قرار الرئيس بأننا في طريق الخروج من سوريا لأصدقاء الولايات المتحدة.” وأوضح أن سوريا بالنسبة لتلك الدول لا تشكل أولوية بل “التصدي لنفوذ ايران ونشاطاتها العسكرية” هناك.

https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/eight-days-in-middle-east-puts-pompeos-diplomacy-to-the-test

ايران

        أعرب المجلس الأميركي للسياسة الخارجية مرور الذكرى السنوية الأولى على الاحتجاجات الشعبية في ايران بأنها دليل على “استمرار هاديء للقوى المناوئة للثورة (الاسلامية) والتي استطاعت تحويل مطالبها إلى حركة تتحدى شرعية النظام الديني .. رغم تجاهل وسائل الإعلام لها.” وأوضح أن المطالب “المحقة” للمحتجين تجد صداها في تدهور الحالة الاقتصادية للبلاد “فمؤشر التضخم في ارتفاع، ومعدل التضخم السنوي وصل لنحو 40% .. بينما اقر البنك المركزي الايراني بمعدل تضخم يفوق 50% خلال السنتين الماضيتين.” وخلص بالقول أن تجديد الولايات المتحدة للعقوبات على ايران تلعب الدور الرئيس “بيد أن حقيقة الأوضاع الداخلية أسوأ مما قد تعترف بها السلطات.”

https://www.afpc.org/publications/articles/a-year-into-irans-quiet-counterrevolution

 

التحليل

 الانسحاب الأميركي من سوريا:  تأجيل وتخبط

        قرار رئاسي بالانسحاب من سوريا نال شبه اجماع  رافض  من قبل الأقطاب السياسية الأميركية المتعددة، واكبه ضغوط مكثفة على الرئيس ترامب اسفرت عن “تراجعه” مؤقتاً وابطاء الوتيرة بتمديد المهلة الزمنية المطلوبة.

        بيد أن الأمر كشف عن خروج الخلافات العميقة في صنع القرار الأميركي إلى العلن، عززها الرسائل والتصريحات “المتضاربة” لعدد من كبار المسؤولين أظهرت مدى “عدم الانسجام” بين مختلف مؤسسات الدولة؛ لعل أبرزها كان “تعهد” مستشار الأمن القومي جون بولتون بعدم مغادرة القوات الأميركية سوريا “ما دامت القوات الإيرانية خارج حدود ايران.” أتبعه الرئيس ترامب بتصريح مناقض خلال ايام معدودة دفاعاً عن قراره بالانسحاب بأن “ايران تستطيع أن تفعل ما تشاء” في سوريا.

        تلك الرسالة وغيرها، واكبها استقالة  (وصفها لاحقا ترامب  بما يشبه  الإقالة ) وزير الدفاع جيمس ماتيس، دفعت يومية واشنطن بوست، الخامس من الشهر الجاري، القول بأنها “.. تعكس صورة التقلبات الدراماتيكية التي تطبع سياسة (ترامب) الخارجية، مما يدفعنا الى التساؤل عما إذا كان كبار مستشاري (الرئيس) ينفذون سياساته أم أنهم يتبعون أجنداتهم” الخاصة.

        كما سلطت الصحيفة الضوء على “اجندة بولتون .. لاستخدام سوريا ورقة ضغط على ايران، من ناحية، طمعاً في نفض يديه من تحمل مسؤولية قرار شن الحرب” حين اتخاذه.

وشرعت الإدارة باحتواء ردود الفعل الدولية الرافضة قيام أبرز اقطابها، وزير الخارجية مايك بومبيو ومستشار الأمن القومي جون بولتن، ترؤس وفود رسمية جالت على عدد من العواصم الإقليمية بغية “طمأنة” المخاوف من تداعيات انسحاب أميركي.

        بالمقابل، لم يكترث العديد لتصريحات الإدارة الأميركية منذ مطلع العام المنصرم تشير فيها إلى عزمها الانسحاب قريباً من سوريا، وطلبت مشورة عدد من المؤسسات الفاعلة والمؤثرة في بلورة القرار الرسمي، مما ينفي اتهام البيت البيض بالمفاجأة، خاصة عند الأخذ بعين الاعتبار تصريحات وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي، بالتزامن، قبل نهاية العام المنصرم فحواها أن الرئيس ترامب “لم يصادق على خطة أميركية موسعة لمواجهة ايران في سوريا.”

        “شعبية” الرئيس ترامب كانت أحد الأسباب التي حثت فواصل المؤسسة الحاكمة على تأييد قرار الانسحاب “ولو بشروط،” ومن ثم الانقضاض عليه؛ عززها تراجع حدة تصريحات المسؤولين، لا سيما داخل الحزب الجمهوري، عقب صدور نتائج استطلاعات للرأي، 8 الشهر الجاري، تشير الى تأييد أغلبية من الأميركيين قرار الانسحاب من سوريا وافغانستان، 56%، ومعارضة ضئيلة لا تتعدى 27%.

الانسحاب لا يعني الخروج النهائي

        غموض يكتنف حقيقة قرار واعلان الانسحاب، والذي بدأ على قدم وساق منذ مطلع الشهر الجاري، لا سيما مع أعلان وزارة الدفاع الأميركية عن ارسالها مزيد من “القوات البرية” لسوريا “لتأمين الانسحاب” إلى القواعد الخلفية في العراق، كما يعتقد، أبرزها قاعدة عين الأسد الجوية التي يرجح أن توازي أهمية قاعدة “باجرام” الأميركية في افغانستان.

        قيادة “قوات التحالف الدولي” الذي يضم 73 دولة وجهت رسالة الى الدول المشاركة، 19 الشهر الماضي، يوم أعلان الرئيس ترامب قراره، بالتأكيد على “ضرورة مواصلة التحضيرات للمرحلة المقبلة من الحملة؛” بالرغم من القرار الأميركي سحب “2،200 من جنود القوات الخاصة الأميركية،” وفق توصيف يومية كريستيان ساينس مونيتور، 28 ديسمبر الماضي.

        الحضور العسكري الفرنسي في سوريا يأتي في المرتبة الثانية للولايات المتحدة، من ناحية الأهمية والدرو المرسوم لها، إذ يتواجد “ما لا يقل عن 400 جندي من القوات الخاصة” في سوريا، إضافة لأعداد أخرى من القوات البريطانية والاسترالية والنيوزيلندا وآخرين، يقدر عددها بنحو 1000 عسكري من مختلف الاختصاصات. عند احتساب عديد التشكيلات المسلحة من مخزون المقاتلين الذين تشرف عليهم القوات الأميركية، لا سيما في قاعدة التنف جنوبي سوريا، ترتفع الأعداد الى ما بين 8000 الى 10000 شخص.

        من بين المشككين في حقيقة الانسحاب الأميركي من سوريا، رغم إعلان الرئيس ترامب، كانت صحيفة نيويورك تايمز، 7 يناير الجاري، بالإشارة الى تضمين شروط لقرار الانسحاب، كما دل عليه تصريح لجون بولتون خلال زيارته تل أبيب مؤكداً بأن القوات الأميركية “ستبقى في سوريا حتى يتم القضاء على بقايا تنظيم داعش.” وأوضحت أن “بولتون ومسؤولون كبار آخرون في البيت البيض يقفون وراء حملة تجري خلف الكواليس لإبطاء مفعول قرار ترامب .. عبر تضمين عبارة انسحاب مشروط” من سوريا.

        بدورها أكدت يومية واشنطن بوست، 7 يناير، أن التطورات الميدانية في سوريا تشير إلى أن الانسحاب الأميركي لن يتقيد بفترة زمنية محدودة، وانما “سيكون مفتوحاً إلى حد ما.” وذهبت أبعد من ذلك بالاشارة إلى هوية المسؤولين الكبار الذين يعرقلون عملية الانسحاب منهم “وزير الخارجية مايك بومبيو، مستشار الأمن القومي جون بولتون، والمبعوث الرئاسي الخاص لسوريا جيمس جيفري؛” مشيرة إلى تصريحات مماثلة تؤكد هدف التواجد العسكري الأميركي في سوريا بأنه “لا يقتصر على محاربة (داعش) بل يشمل التصدي للنفوذ الايراني في سوريا.”

        بل صرح وزير الخارجية عشية قيامه بجولته في عواصم المنطقة بأن “الحملة الأميركية لمحاربة النفوذ الإيراني ستظل مستمرة حتى في حال انسحاب القوات الأميركية من سوريا.”

        بالتزامن الاعلامي أيضاً، كشفت يومية وول ستريت جورنال، 7 يناير الجاري، عن محتوى ما في جعبة الوفد الأميركي لأنقرة برئاسة مستشار الأمن القومي جون بولتون ووضع شروط جديدة على النفوذ التركي طمعاً في حماية التشكيلات الكردية المسلحة، وبرفقته “خريطة ملونة” أعدها عضو الوفد جيمس جيفري تحدد فيها مناطق النفوذ الممنوع لتركيا الاقتراب منها، والتي “تشبه اتفاقية سايكس – بيكو” القرن المنصرم.

        يشار إلى أن “الشروط” المستجدة في خطة بولتون وفريقه لم تكن عنصراً أو مكوناً أساسياً من مكونات خطة الرئيس بالانسحاب؛ مما دفع الرئيس ترامب على تفنيد ما تناقلته وسائل الإعلام الأميركية بشأن تركيا، مؤكداً على نشرها “تقارير تعوزها الدقة فيما يتعلق بالنوايا (الرئاسية) حول سوريا .. سياستنا لا زالت على ما هي عليه، سنخرج (من سوريا) وفق وتيرة مناسبة، وفي الوقت عينه الاستمرار في قتال داعش ..”

استراتيجية “المرحلة المقبلة”

        سارع وزير الخارجية مايك بومبيو للقاء “حلفاء” واشنطن في المنطقة واطلاعهم على الخطوط العريضة للسياسة الأميركية وتوجهاتها المقبلة، قوامها الاستمرار في محاربة ايران وتقليص النفوذ التركي، وأداتها تشكيل حلف أمني عنوانه مواجهة ايران بمسمى “التحالف الاستراتيجي،” تجديداً ل قولة روّجت لتحالف الناتو العربي سابقاً.

        مهد بومبيو الاجواء بعنوان مضلل لكلمته “قوة من أجل الخير: أميركا تسترد قوتها في الشرق الأوسط،” مبشراً بتوجه “جديد” يرضي غرائز عواصم الخليج بالتركيز على استمرار محاربة ايران؛ وايلاء دور أكثر فعالية لتلك الدول في سياق ركائز استراتيجية المرحلة المقبلة، والاعداد لما بعد الانسحاب الأميركي، جزئياً من افغانستان.

        اقتصرت جولة بومبيو على دول الخليج والاردن ومصر، ومن ثم العراق لاحقاً، مؤكداً فيها على ان “الانسحاب من سوريا قرار لا رجعة فيه.” بيد أن غياب “التسوية للقضية الفلسطينية” كان من أبرز القضايا مما اعتبر بأن المشروع الوحيد عند الإدارة هو ترتيب التحضيرات ل “صفقة القرن،” بطي القضية برمتها وتسريع وتيرة التطبيع الرسمي مع “اسرائيل.”

التقرير الأسبوعي 12-21-2018

انسحاب أميركا من سوريا: ذروة تحدي ترامب

لأجنحة “دولة الأمن القومي”

          يستمر الجدل حول قرار الرئيس ترامب “المفاجيء” بالانسحاب من سوريا بدءاً بأجنحة المؤسسة الحاكمة بكافة تشعباتها، الأمنية والاستخباراتية والعسكرية، وليس انتهاء بحلفاء واشنطن الدوليين والاقليميين، فالرغبة لديهم لا تزال قائمة بل المراهنة على أن يعيد ترامب النظر في قراره أو دفعه لإبطاء عملية الإنسحاب.

أما الأطراف الدولية المناوئة فلا زالت تنظر للقرار بعين الريبة والشك من أن يكون ذلك مقدمة لإعادة انتشار للقوات الأميركية، والتوجه لإشعال ساحات أخرى في إطار “استراتيجية أو مرحلة جديدة،” كما جاء في توصيف المتحدثة باسم البيت الأبيض، ساره ساندرز.

          للفرقاء المحليين في واشنطن تتوفر جملة عوامل ومصادر قلق “لإفلات ترامب من عقاله” دون أخذه بعين الاعتبار “مسلمات” المؤسسة كإيلاء الأولوية لمراكز الاستخبارات والمؤسسة العسكرية في اتخاذ القرارات الحاسمة؛ وهم الذين كانوا على وشك تضييق الخناق عليه في الأيام القليلة الماضية، بسلاح الملاحقة القضائية. وأدت فعلته إلى خلط الأوراق وحسمٍ مرحلي للصراع الدائر بين أجنحة المؤسسات المختلفة لصالحه ولو مؤقتاً.

          آلية “تسريب” البيت الأبيض لقرار ترامب جاءت ايضاً في سياق تعزيزه موازين القوى الداخلية لصالحه الشخصي. إذ أوعز ليومية المال والأعمال وول ستريت جورنال، مطلع الاسبوع، كما يرجح، بنشر فحوى قرار الانسحاب لتتبعها مؤسسات صحافية وإعلامية كبرى في غضون ساعات قليلة، قاصداً التريث في إصدار بيان رسمي بذلك حتى تيقنه من انشغال كافة الوسائل وصناع القرار بما رمى إليه، وتراجع موجة الهجوم القضائي ضده عن الصفحات الأولى.

          الحلقة المحورية في القرار تكمن في توقيته وليس في بعده السياسي فحسب. الثابت للحظة أن جدلاً واسعاً جرى بعد نهاية عطلة الأسبوع في البيت الأبيض جمع كافة المستشارين والمسؤولين الكبار، خاصة في الوزارات السيادية وأجهزة الاستخبارات، لبحث المسألة، نجم عنه تعليمات صارمة أصدرها الرئيس ترامب لإبلاغ القوى الحليفة، من دول وجماعات من بينها “اسرائيل” والاردن،  بالقرار “للبدء في سحب فوري للقوات الأميركية” من سوريا، وموجهاً انتقاداته للمؤسسة العسكرية بأنه أعطاها فترة زمنية كافية منذ شهر نيسان/ابريل الماضي، بناء على إصرارها لمهلة إضافية، للتحضير بالانسحاب “لكافة عناصر القوات العسكرية التي يربو تعدادها عن 2000” جلهم من القوات الخاصة.

          ليس أدل على مؤشرات حجم الخلاف داخل الإدارة الأميركية من سلسلة تصريحات متتالية سعت لإبطال قرار مرتقب من البيت الأبيض، أبرزها كان بيان صادر عن “التحالف الدولي” الذي تقوده واشنطن مطلع الشهر الجاري يشير إلى أن “أي تقارير تشير إلى تغيير في موقف الولايات المتحدة فيما يتعلق” بالوجود العسكري في سوريا “باطلة ومصممة لزرع الارتباك والفوضى.”

          تزامن البيان مع تصريح لرئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة، جوزيف دانفورد، بأن بلاده تمضي قدماً “لتدريب آلاف المقاتلين المحليين لضمان هزيمة دائمة” لداعش؛ التي قدرت أعداده “ما بين 3000 إلى 8000” في سوريا؛ ليسارع مجمع النخب الثقافية بتضخيم الرقم إلى “40،000 مسلح في كل من العراق وسوريا؛” مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، 20 الشهر الجاري، وهو العدد نفسه للتنظيم حينما كان في أوج قوته ودمويته.

          واضاف دانفورد أن قيادته تحتاج لتدريب “40،000 عنصر” محلي لمواجهة داعش وتوفير الأمن والاستقرار هناك.

          وزير الدفاع الأميركي، جيمس ماتيس، المسؤول الأول عن التمدد الأميركي، أوضح مؤخراً أنه أصدر أوامره لتوجيه القوات الأميركية في سوريا “إنشاء مراكز مراقبة على طول الحدود السورية التركية كجزء من الجهود الرامية إلى الحد من التوترات بين تركيا والحلفاء الأكراد في الحرب ضد داعش.”

          مستشار الأمن القومي جون بولتون “تعهد” قبل بضعة اسابيع ببقاء القوات العسكرية الأميركية في سوريا “طالما بقيت إيران محتفظة بوجود عسكري هناك.”

أحدث  تصريح جاء على لسان المبعوث الأميركي للتحالف الدولي، بريت ماكغيرك، مؤكداً أن بلاده ترمي للبقاء طويلاً في سوريا “.. القضاء على تنظيم داعش سيستغرق وقتاً أطول .. ولا أحد يمكنه القول إن المهمة قد أنجزت، بالطبع لقد تعلمنا دروسا كثيرة. لذلك، نحن نعرف أنه لا يمكننا فقط حزم الأمتعة والرحيل حالما يتم تحرير الأراضي.”

المبعوث الأميركي الخاص لسوريا، جيمس جيفري، صرح قبل ساعات قليلة من “تسريب” نية الرئيس ترامب الانسحاب من سوريا مؤكداً أن بلاده لن تخرج من سوريا إلا بعد أن تهزم نهائياً قوات داعش، وأن هدف بلاده لا يتمثل في “رحيل الأسد .. الذي ينبغي أن يقرر مصيره الشعب السوري؛ ويتعين عليه الموافقة على تسوية إذ أنه لم يحقق انتصاراً تاماً بعد سبع سنوات من الحرب.”

رد الرئيس ترامب مغرداً بجملة مقتضبة لا تتعدى 16 كلمة قائلاً “هزمنا داعش في سوريا، السبب الوحيد للتواجد” الأميركي هناك.

الانسحاب إلى أين؟

لم يشر الرئيس ترامب صراحة إلى وجهة القوات الأميركية المنسحبة من سوريا سوى بالإطار العام بأنها ستعود إلى البلاد؛ اتهمه خصومه أنه لم “يستشر أي من الشركاء الاستراتيجيين من بينهم فرنسا والاردن واسرائيل.”

مصادر عسكرية أميركية في العراق، في سياق إبلاغها حلفائها بقرار الرئيس ترامب، أوضحت لـ “مسؤول أمني عراقي” بأن القوات المنسحبة من سوريا “ستستقر في القاعدة العسكرية (الأميركية) في إربيل بشمال العراق .. وستباشر بوضع نقاط حدودية بين سوريا وإقليم كردستان العراق.” يشار أيضاً إلى أن القوات الأميركية شرعت في إنشاء “مركز عمليات عسكرية مشترك مع قوات البيشميرغة” الكردية على الحدود العراقية السورية.

فيما جاءت تصريحات “أمنية أردنية” مؤخراً لتضيء جانباً آخر من المخطط الأميركي مؤكدة أن “هناك جهدا مشتركا في المستويات السياسية والأمنية من وراء الكواليس بين الأردن وإسرائيل والسعودية، لتقليل التهديد الذي تشكله سوريا وإيران، بعد أن أعلنت الولايات المتحدة أنها ستسحب قواتها من سوريا؛ وأن واشنطن أوضحت للبلدان المعنية أن أجهزة الاستخبارات الأمريكية المتعددة ستزيد بشكل كبير من التعاون الأمني مع إسرائيل والأردن والسعودية.”

رقعة الانتشار الأميركي

تحتفظ واشنطن بتواجد عسكري لافت في سوريا أبرزه “مطار الرميلان” بمحافظة الحسكة، بالقرب من الحدود المشتركة مع كل من تركيا والعراق؛ وهي منطقة غنية بباطنها من الآبار النفطية – والتي “تسيطر” عليها قوات سوريا الديموقراطية – قسد.

كما لواشنطن خمسة مواقع عسكرية أخرى في تلك المنطقة ما بين نهري دجلة والفرات: قاعدة الشدادي الجوية بين محافظتي الرقة ودير الزور السوريتين؛ وأخرى قرب نهر الخابور بمحاذاة الحدود السورية العراقية تضم مهبطاً للطائرات المروحية ومعسكراً للتدريب؛ موقع عسكري في عين العرب – كوباني، على الحدود العراقية التركية، وسبت وعين عيسى وخراب عشق.

تتواجد القوات الأميركية أيضا في قاعدة عسكرية بمدينة (تل أبيض) في محافظة الرقة؛ وأنشأت قاعدة عسكرية بالقرب من حقل العمر النفطي في محيط مدينة الميادين بمحافظة دير الزور؛ إضافة لقاعدتي “المبروكة” و “تل البيدر” في محافظة الحسكة اللتين كانتا المعقل الرئيس لتنظيم داعش.

أما في جنوب سوريا، فلواشنطن حضور عسكري “ذات أهمية استراتيجية،” في قاعدة التنف عند المثلث الحدودي بين سوريا والعراق والاردن؛ سبقها إنشاء قاعدة في منطقة (الزكف) التي تبعد نحو 70 كلم شمال شرقي التنف زودتها بأثقل واضخم منظومة راجمات صاروخية في الجيش الأميركي من طراز “الراجمات الصاروخية المتعددة – HIMARS” لتعزيز قاعدة التنف.

وجاء في تقرير استخباراتي أميركي العام الماضي  ان الهدف من إنشاء هذه القاعدة هو إغلاق الطريق أمام أرتال القوات السورية و”حزب الله،” للسيطرة على مدينة البوكمال، 200 كلم شمال شرق التنف، و”لمنع إيران إنجاز جسرها البري إلى البحر المتوسط مروراً بالعراق.

الكلفة العسكرية

          يجمع انصار ومناوئو الرئيس ترامب على إدراجة الكلفة المادية “للمغامرات العسكرية” كأولوية في جملة اعتباراته وقراراته. وجاءت أحدث احصائيات صادرة عن وزارة الدفاع لتشير إلى إرقام غير مسبوقة في الإنفاق العسكري مشيرة إلى حجم الكلفة العسكرية “المباشرة للحروب الأميركية منذ عام 2010 بأنها بلغت 1.77 تريليون دولار؛ منها 756 مليار للحرب على العراق وسوريا، 730 مليار في الحرب على أفغانستان ..” يستثنى من تلك الميزانيات المكلفة التي تتحملها وزارة الخارجية في بند “الشؤون العسكرية،” والتي “ربما” تراوحت بين 127 مليار إلى 132 مليار دولار لذات الفترة الزمنية.

          اما الخسائر البشرية جراء المغامرات المتعددة فتشير وزارة الدفاع إلى : مقتل نحو 7000 جندي وجرح 52،783 للفترة الزمنية إعلاه؛ اماكلفة تأهيل الجرحى والمعاقين لم يتم التيقن منها لحد الآن لكنها في ارتفاع مضطرد.

ردود الفعل

          دولياً، عارضت وتحفظت القوى الغربية الحليفة لواشنطن إعلان الرئيس ترامب، بريطانيا وفرنسا وألمانيا، معربة عن “دهشتها” الجماعية وبأن القرار “يهدد بالحاق الضرر بالحرب ضد الدولة الإسلامية التي لم ينتهي تهديدها بعد، وتقوض النجاحات التي تحققت” للآن.

          تركيا رحبت بالقرار الذي أتى عقب مشاورات مكثفة بين الرئيسين، اردوغان وترامب، وتعهد الأخير الاعداد لتسليم أنقره خصمها اللدود المقيم في الولايات المتحدة، فتح الله غولن؛ وإعلانها عن قرب بدء عمليات عسكرية واسعة ضد “قسد” اعتبرها البعض أنها جاءت “بمباركة أميركية.” مسؤول في الخارجية الأميركية، رفض الإفصاح عن هويته، أوضح أن قرار الانسحاب جاء “بعد اتصال هاتفي بين ترامب واردوغان، وكل ما حدث بعد ذلك جاء في إطار تنفيذ الاتفاق الذي توصلا إليه.”

          روسيا رحبت بحذر  بالقرار الأميركي.  الخارجية الروسية جددت معارضتها “للوجود الأميركي غير الشرعي في سوريا (وانه) يشكل عائقاً خطيراً أمام حل الأزمة فيها.” رئيس لجنة الدفاع الوطني بمجلس النواب، الدوما، فلاديمير شامانوف صرح بأن “.. الأميركيين لا ينسحبون أبداً من مواقع سبق أن احتلوها ويبتكرون مبررات للبقاء؛” وخشية موسكو لتأجيج الصراع في محيطها لا سيما في اوكرانيا ومناطق نفوذها في صربيا.

          داخلياً، ثارت ثائرة القوى المؤيدة لمعسكر الحرب والتي “تبنت” مسألة دعم انفصال الكرد في كل من العراق وسوريا، أبرزها السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام الذي وصف قرار الرئيس ترامب  بأنه “وصمة عار في شرف الولايات المتحدة؛ وتنكر للحلفاء الأكراد،” متوعداً وأقرانه بمساءلة الإدارة بعقد جلسات استماع في مجلس الشيوخ في الأسابيع المقبلة. وإمعاناً في “إحراج” الرئيس ترامب، أعلن غراهام عن نيته زيارة القوات العسكرية الأميركية المتواجدة في أفغانستان خلال فترة أعياد الميلاد المجيد.

          وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس سارع إلى تقديم استقالته فور الإعلان الرئاسي بالانسحاب مشيراً إلى “خلافاته السياسية” مع الرئيس ترامب، فيما يخص بسوريا ومناطق أخرى، لا سيما وأنه “وافق” على إرسال قوات عسكرية مؤللة للمرابطة على الحدود الجنوبية المشتركة مع المكسيك للتصدي لموجات المهاجرين الوافدين عبر المنطقة الحدودية.

          بالمقابل، لوحظ غياب تام لأي استقالات من المناصب الديبلوماسية، بمن فيهم المبعوثين الرئاسيين للتحالف الدولي ولسوريا، بريت ماكغيرك وجيمس جيفري، على التوالي. بيد أن اللافت في قرار ترامب كان إعلان “مسؤول” اميركي رفيع عن “إجلاء كافة موظفي وزارة الخارجية من سوريا خلال 24 ساعة.”

          الخاسرون، وفق التقييمات الأميركية، هم حلفاء أميركا أبرزهم “اسرائيل وهي من ضمن لائحة أكبر الخاسرين،” وفق تقرير لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، 19 الشهر الجاري؛ والكرد “الذين تحالفوا مع الولايات المتحدة،” وآخرين منهم “الاردن ولبنان.”

          اما خسارة الولايات المتحدة الصافية، وفق التقرير أعلاه، فتتمثل “بتخليها علن ثلاثية أهدافها المعلنة لتبرير وجودها في سوريا: إلحاق هزيمة مؤكدة بداعش؛ إخراج القوات الإيرانية والقوى الرديفة من سوريا؛ وحل سياسي مرحلي مبرم وغير قابل للنقض.” وأضاف بأن الأمر “المحيّر يكمن في أن خصوم الولايات المتحدة لم يتحملوا أي كلفة لتحقيق تلك النتيجة.”

          ماذ تنطوي عليه المرحلة المقبلة، من وجهات النظر الأميركية المتعددة، فيما يخص “شرقي سوريا،” يتأرجح بين احتمالين: الأول، غزو تركي لمنطقة شرقي نهر الفرات التي تتجمع فيها “وحدات الحماية الشعبية الكردية، بعد الحصول على ضوء أخضر أميركي بذلك، والتي تتراوح أعدادها  بين 30 ألفا الى 60 ألف مقاتل، وما سينجم عنها من موجات هجرة ولاجئين ألى اتجاهات متعددة. الثاني، “عودة” حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي وجناحه العسكري الى التفاوض مجددا مع الحكومة السورية والتي ستجري بمعزل عن أي دعم أميركي، مما سيعيد لدمشق السيطرة وبسط سيادتها على أراضيها التي كانت مسرحاً وخنجراً في ظهرها لمدة طويلة.

التقرير الأسبوعي 12-14-2018

المقدمة      

تميزت الأيام القليلة قبل عطلة أعياد الميلاد بزخم إضافي من المواجهة السياسية بين السلطة التشريعية، ممثلة بمجلسي الكونغرس، والسلطة التنفيذية بشخص الرئيس ترامب، تضمنت ملفات متعددة: الضلوع في ترتيبات الحملة الرئاسية مع روسيا، والجدل الأخير حول قرار الكونغرس “فرض” رؤيته على مسار السياسة الخارجية بتبنيه قرار يدين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان؛ تناغماً مع إجماع المؤسسات الأمنية والاستخباراتية بتحميله مسؤولية مقتل جمال خاشقجي.

سيستعرض قسم التحليل ما آلت اليه “نتائج فريق المحقق الخاص” بتضييق الخناق على شخص الرئيس ترامب، عقب ادانة محاميه الخاص، مايكل كوهين؛ وشعور الحزب الديموقراطي بزهو تسلمه رئاسة مجلس النواب في الدورة المقبلة مطلع العام القادم ليمارس من خلاله اعادة اجراءات التحقيق في سياسات وتوجهات الإدارة الأميركية بشخوصها وإعاقة جهود الخصوم الجمهوريين لتبرئة الرئيس من الاتهامات المتعددة التي تلاحقه.

المنحى الأهم في ذلك هو ما ستتركه المواجهات القادمة بين الحزبين على الخارطة الانتخابية في الجولة المقبلة، 2020، لا سيما وأن ما يربو على 65 مليون ناخب جديد سينضمون للوائح الانتخابية يرافقها تزايد نشاط قطاعات المرأة ضد سياسات الحزب الجمهوري والرئيس ترامب معاً.

 

ملخص دراسات واصدارات مراكز الابحاث

سوريا

          سلطت مؤسسة هاريتاج الضوء على تنظيم (حركة تحرير الشام) الإرهابية في سوريا معتبرة إنها “تشكل خطراً أعظم من داعش” هناك، لكنها برأت التنظيم من مسؤولية اطلاق “قذائف صاروخية محملة بغاز الكلور” بالقرب من حلب مؤخراً كونه “لم يظهر قدرة تقنية على استخدام المواد الكيميائية في السابق.” وزعمت أن “موسكو باستطاعتها استغلال تلك الحادثة المزعومة كمبرر لاستئناف الهجوم المؤجل على محافظة إدلب .. لا سيما وأن نظام الأسد صعد أيضاً من الهجمات بالمدفعية على القرى التي لا زالت تحت سيطرة (المسلحين) جنوبي إدلب.”

https://www.heritage.org/middle-east/commentary/little-known-terror-group-poses-greater-threat-isis-syria

لبنان

          زعم معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى أن ايران اتمت نقل “مشروع الصواريخ الدقيقة” من ايران إلى لبنان في سياق “إقامة وجود عسكري لها هناك وفي نفس الوقت تمضي في تحديث دقة إطلاق النيران وفعاليتها لحزب الله .. وقد استفادت من الأضرار التي لحقت منشآتها العسكرية في سوريا.” وحذر المعهد من أن “استمرار حزب الله العمل على انتاج صواريخ دقيقة التوجيه من داخل لبنان قد يدفع اسرائيل للرد على ذلك بصورة أو بأخرى،” مطالباً “المجتمع الدولي الإعداد لخطط مستقبلية واتخاذ خطوات عملية ملموسة على جملة من الصعد ..”

https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/irans-precision-missile-project-moves-to-lebanon

السعودية

          حذرت مؤسسة هاريتاج صناع القرار في واشنطن من التناغم مع دعوات البعض في الكونغرس “لإنهاء الدعم العسكري للسعودية في (حرب) اليمن خشية استغلال الآخرين الفرصة لمفاقمة الأوضاع بشكل خطير.” واوضحت أن ادارة الرئيس ترامب فرضت حظرا بدخول الولايات المتحدة على “21 شخصية سعودية مشتيه بها” في مقتل خاشقجي “وفرضت مقاطعة على 17 شخصية سعودية رسمية، وأعربت عن جهوزيتها لاتخاذ مزيد من الاجراءات لمعاقبة السعوديين إن تطلب الأمر،” محذرة في الوقت عينه من تداعيات تصويت مجلس الشيوخ بأغلبية 63 صوتاً لطرح المسألة مجدداً على نقاش البحث بما “يعرض مصلحة الحكومة اليمنية للخطر ويعرقل جهود التوصل لحل تفاوضي للأزمة.”

https://www.heritage.org/middle-east/commentary/ending-us-military-support-saudi-arabia-yemen-would-trigger-dangerous

ايران ودول الخليج

          استعرض مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية مسألة “سباق التسلح وتوازن القوى العسكرية” في منطقة الخليج مذكّراً بأنها باتت “قضية عسكرية خطيرة في الشرق الأوسط منذ صعود (الرئيس عبد) الناصر على الأقل في الخمسينيات” من القرن الماضي. واضاف أن المخاطر الناجمة عن “سباق التسلح في الإقليم لم تتراجع مع مرور الزمن، بل ارتفعت بحدة جملة من العناصر الخاصة بالسباق في السنوات الأخيرة،” محذراً من “اندلاع اشتباكات عسكرية” في المدى القريب استناداً لقواعد الصراع مع ايران “التي يتمدد نفوذها في الخليج والعراق وسوريا، وفي الحرب اليمنية.” وخلص بالقول أن الرد الإيراني على انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي “وتنامي معدلات التوتر بين دول الخليج العربي .. والنتيجة غير المحسومة في الحرب ضد داعش والحرب الأهلية في سوريا كلها عوامل تسهم باضطراد في تدهور المناخ الأمني لمستويات مقلقة.”

https://www.csis.org/analysis/iran-military-spending-modernization-and-shifting-military-balance-gulf

اردوغان وترامب

          اشار مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية غلى تداعيات مقتل خاشقجي ليس على السعودية فحسب، بل لما وفره من فرصة “ومقامرة ديبلوماسية كبيرة للرئيس التركي رجب طيب اردوغان بالمضي لتحقيق جملة من الاهداف المترابطة تشمل (العلاقة) مع الرئيس دونالد ترامب وتأثيراتها على العلاقات الثنائية بين تركيا والولايات المتحدة.” وأوضح أن نوايا اردوغان تركزت منذ البداية على “ربط حادث الاغتيال برأس الهرم الرسمي السعودي محمد بن سلمان، دون التطرق لهويته بالإسم، على خلفية صعوده كمنافس يعيق الحسابات التركية في الإقليم.” وأردف أن توجهات الرئيس التركي “المقبلة .. تجسدت في السعي للضغط على ادارة الرئيس ترامب لمراجعة علاقتها” مع ولي العهد السعودي “عبر الضغط على (الرئيس) ترامب” اتخاذ أحد خيارين إما “الضغط لإقالة محمد بن سلمان أو إضعافه وتهميشه بفقدانه فعاليته – أمر لم يكن يجرؤ عليه (اردوغان) قبل مقتل خاشقجي.”

https://www.csis.org/analysis/erdogan-trump-and-khashoggi-murder

     

التحليل

 

فضائح ترامب: قلق من احتمال العزل

وخسارة الانتخابات المقبلة قبل أن تبدأ

 

          يستقبل الرئيس ترامب ونظراءه الاوروبيين حلول أعياد الميلاد بقلق بالغ على مستقبلهم السياسي. ربما هي المرة الأولى التي تتضافر فيها “الظروف السياسية وتدني الأوضاع الاقتصادية” لملاحقة قمة الهرم السياسي في واشنطن وباريس ولندن في وقت متزامن دون اجتراح حلولاً شافية تتناغم مع روح الأعياد بالتسامح وبناء الجسور وسخاء العطاء.

          السرعة العالية التي تحاصر العواصم الثلاثة أفرزت تساؤلات منطقية وإشارة واضحة لمن يتحكم بقيادة السلطة والتي يبدو أن الرئيس ترامب الأفضل حظاً في التغلب على العقبات الآنية، نظراً لترؤسه الحزب الجمهوري وسيطرته على أغلبية مقاعد مجلس الشيوخ؛ وربما للمخاوف التي تسري بين مناوئيه لجهوزية أتباعه في تفجير الأوضاع السياسية والاجتماعية

إن لزم الأمر.  

          بيد أن الثابت في المشهد السياسي الأميركي أننا أمام لوحة تتميز بالانقسام العامودي يستعد قطبيه لتسجيل أكبر عدد من النقاط ضد خصمه، عله يكسب الجولة بالنقاط لا سيما والطرفان يتشاطران شح توفر قيادات “حكيمة تمتلك رؤى بعيدة النظر بإمكانها التوجه لدى الجمهور والتأثير في منسوب تأييده” لصالحها في الفترة الزمنية القصيرة نسبياً قبل جولة الانتخابات المقبلة.

          معضلة القطبين القيادية واضحة للعيان: هل يستطيع الرئيس ترامب المضي قدماً والفوز في الانتخابات الرئاسية المقبلة؛ وهل يتمكن قادة الحزب الديموقراطي من إلحاق الأذى به لحمله أما على عدم تجديد ترشيحه أو مواجهة خسارة حتمية في الجولة. وربما الأدق أن كان باستطاعة الحزب الديموقراطي الرسو على مرشح رئاسي عابر للخصومات والانقسامات الراهنة يحظى بفرص أعلى للفوز.


ترامب يتحدى خصومه

          طلب الرئيس ترامب من قادة الحزب الديموقراطي في مجلسي الشيوخ والنواب، تشاك شومر و نانسي بيلوسي – على التوالي، اللقاء به في البيت الأبيض والظهور بمظهر من يمد يده للعمل مع منافسيه وتسجيل بعض النقاط السياسية. ودون موعد أو اشارة مسبقة، طلب ترامب من الطواقم الصحافية دخول القاعة ليحاضر في الجميع حول برنامجه “الأهم” في تمويل بناء الجدار على الحدود الجنوبية مع المكسيك، وطلبه “المتواضع” بالموافقة على تخصيص 5 مليارات دولار في الميزانية السنوية المقبلة.

          ترامب كان يدرك مسبقاً معارضة ضيفيه للمسألة، لكنه ارادها فرصة لتحشيد جمهوره ومؤيديه، من العامة والسياسيين على السواء، بالتلويح المستدام لحرصه على صون الأمن القومي مقابل تهاون الطرف الآخر.

          بدا الرئيس ترامب مزهواً بتهديد منافسيه أنه لن يتوانى عن الاقدام بإغلاق عمل الحكومة الفيدرالية كسلاح ضغط أمام كاميرات الإعلام للحصول على أفضل وأبعد تنازل سياسي، لقراءته السابقة بأن معظم طاقم موظفي الدولة يناصر الحزب الديموقراطي ويضع قادته في موقف بالغ الحرج. ويدرك ترامب أيضاً أن إغلاق مرافق الدولة، في فرصة الأعياد السنوية، يحظى بتأييد من قواعد الحزب الجمهوري، فضلاً عن قياداته المرئية والمخفية، انطلاقاً من التحشيد المزمن بأن الهيكل الحكومي متضخم وينبغي تقليصه إلى أدنى مستوى.

          عانى المشهد السياسي عدة محاولات سابقة اغلقت فيها مرافق الدولة، دون ان تترك آثاراً سلبية مستدامة على أي من الحزبين، وتجاوزاها بالمهارات السياسية المعروفة ابتداء من حرص الطرفين على الاستمرار في عمل “الاقسام الأشد ضرورة” لعمل الدولة، قدر حجمها بنحو 25% من المجموع العام للدولة؛ إلى الهروب للأمام للتركيز على الجوانب الأمنية وتخصيص مزيد من الموارد المالية على حساب برامج ومهام اجتماعية وتربوية وصحية بمشاركة الطرفين.

          لم يدخر الرئيس ترامب سلاحاً في جعبته لإقصاء منافسيه الضيفين متوعداً أنه سيتغلب على معارضة مجلس النوابفي الدورة المقبلة باجتراح خيار “الحكم باصدار قرارات رئاسية،” من ضمن صلاحياته الدستورية، كما عمد سلفه السابق الرئيس اوباما وآخرين؛ مما يتيح له التغلب مرحلياً على معارضة محتملة داخل أروقة السلطة التشريعية. 

          ترامب ومن سبقه وما سيلحقه من رؤساء يدركون جيداً أن صلاحية “القرارات الرئاسية” ليس لها مفعول الديمومة وباستطاعة الرئيس المقبل، أيا يكن، الغاء العمل بها وفق “الصلاحيات الرئاسية” المنصوص عليها دستورياً أيضاً.   


جولة الانتخابات المقبلة
 

          يتوثب الحزب الديموقراطي لتوجيه مذكرات ملاحقة متعددة لشخص الرئيس ترامب ومساعديه الرئيسيين، كما جاء في الخطاب الانتخابي مطلع الشهر الماضي، يرمي بالأساس لتقييد حركته ومحاصرة خياراته السياسية إلى أقصى حد ممكن؛ ودائماً التلويح بالبدء بإجراءات العزل التي يدرك الطرفين إدراكاً عالياً انها بعيدة المنال في أفضل الأحوال. 

          وسارعت المدعي العام لولاية نيويوك المنتخبة عن الحزب الديموقراطي، لاتيشيا جيمس، إلى إبلاغ كل ما يعنيهم الأمر بأنها تنوي المضي في “جملة تحقيقات تخص الرئيس ترامب وعائلته والمقربين منه للاشتباه في انتهاكهم نصوص القوانين السارية” فور تسلمها مهام منصبها اواخر الشهر المقبل.

          أهمية تصريحاتها وتوعداتها تأتي استناداً لقاعدة مركز نشاطات الرئيس ترامب التجارية في مدينتها، ولها كامل الصلاحية للاطلاع على سجلات وبيانات تخص كافة معاملاته وشركاته المتعددة، سعى مؤيدوه اما لإخفائها أو إتلافها لاحباط محاولات الملاحقة القانونية.

          من جملة ما تنبيء به تصريحات المدعي العام لواحدة من أهم الولايات الأميركية نفوذاً وامتدادات تحذير قادة الحزب الديموقراطي في الكونغرس أيضاً بعدم التساهل للمضي بالمثل واستغلال ما يتوفر للسلطة التشريعية من مزايا خاصة بعيدة المدى لإطالة أمد الملاحقة والحاق أقصى ضرر ممكن في حظوظ الرئيس وحزبه من اعادة ترشيحه على أقل تعديل.

          أما الادعاءات والتهم التي تصدرت ولا تزال المشهد السياسي حول تورط الرئيس ترامب مع روسيا فلم يثبت سير التحقيقات المتشعبة عن أدلة مادية بهذا الاتجاه، على الرغم من ادانة اقرب المقربين له بدءاً بمدير حملته الانتخابية، بول مانافورت، وليس انتهاءً بمحاميه الخاص، مايكل كوهين، الذي قدم محامو الإدعاء مذكرة قضائية ضده، قبل بضعة أيام، تتهم الرئيس ترامب بارتكاب “جرائم تمويل الانتخابات؛” على خلفية بعض المبالغ المالية التي قدمت لعاشقة ترامب السابقة ستورمي دانيال.

          بيد أن عدد من الخبراء في بند تمويل الحملات الانتخابية أعربوا عن عدم رضاهم أو تأييدهم لمضمون المذكرة. وأفاد المحامي دان باكر بأن “امبراطورية” ترامب التجارية ما هي إلا “ماركة مسجلة” في العرف القانوني التجاري؛ ولذا فإن مساعي الحفاظ على “حماية الماركة،” كمبرر لصرف أموال من صندوق الحملة، لا تندرج تحت بند انتهاك القوانين الخاصة بذلك.

          واضاف باكر أن توجيه تهمة بـ “انتهاك قانون تمويل الحملات الانتخابية” لا يخضع للتكهنات، بل هي مسألة ترتبط بتقديم الأدلة والثبوت التي غابت هذه المرة.”

          أما اتهام ترامب بالتواطؤ مع روسيا خلال حملته الانتخابية للنيل من خصمه المرشحة هيلاري كلينتون فلم تصمد طويلاً أمام الثبوت الغائبة. وقد أوضحت يومية نيويورك تايمز المسألة ضد خصوم الرئي، ربما عن غير قصد، مؤخرا بالقول أنه “منذ اليوم الأول لبدء تحقيقات موللر (المحقق الخاص)، عوّل خصوم الرئيس على تقريره المرتقب لما قد ينطوي عليه من تهم شبه جاهزة، أو كمصدر تعويذة اتهام للإطاحة بالرئيس ترامب وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء،” أي ما قبل فوزه بالانتخابات الرئاسية. وخيبت آمال منافسي ترامب إذ ليس هناك ما يلوح في أفق تقرير المحقق الخاص بتوجيه إدانة محددة تستدعي البدء بترتيبات عزله؛ وربما الناحية الأهم أن التقرير المرتقب سيخلو من الإشارة الصريحة المبنية على أدلة حسية بأن الرئيس ترامب نسق جهوده مع الجانب الروسي.


تداعيات العزل
      

          ليس كل ما يتمناه الخصم قابل للتحقيق. اجراءات العزل تبدأ بالحصول على تصويت أغلبية مجلس النواب (50+1)، لكنها ستستطدم بعقبة مجلس الشيوخ التي تستدعي موافقة ثلثي الأعضاء (67) على المشروع، وهو أمر غير قابل للتحقيق في ظل التوازنات الراهنة، لا سيما لعدم ضمان تصويت بعض الممثلين عن الحزب الديموقراطي عينه إلى جانب المشروع خشية معاقبتهم انتخابيا في دوائر تميل بأغلبيتها لتأييد الرئيس ترامب.

          العقبة الأكبر تتمثل في رد الفعل الشعبي على تلك الخطوة التي بشر بها مراراً الرئيس ترامب بأن قواعد مؤيديه “قد” تلجأ لخيار العصيان المدني وشل الحركة العامة احتجاجاً على “الاستفراد” به على أرضية تهم تفتقد للأدلة المقنعة بالنسبة لهم.

          وخاطب الرئيس ترامب جمهوره مراراً عبر وسائل الإعلام المتعددة متوعداً “بثورة غضب عارمة” لمؤيديه أن وصلت الأمور لتلك النقطة. واضاف في مقابلة مع وكالة رويترز للأنباء انه “من المتعذر تنفيذ اجراءات عزل بحق شخص لم يرتكب أي مخالفة بل قام بإيجاد أعظم ازدهار اقتصادي في تاريخ البلاد.”

          أمام تراجع فرص العزل ما يتبقى من خيارات أمام الخصوم تتمحور حول إدامة التحقيق من قبل لجان مجلس النواب ضد الرئيس ترامب ومعاونيه، لكن خصومه أيضاً يدركون حقيقة تعاظم لُحمة مؤيديه أمام محاولات الخصوم الديموقراطيين.

          عدا عن ذلك، ما يستطيع الخصوم، من الحزبين، تمريره هو اجتراح بعض التشريعات التي ترمي لإحراج الرئيس ترامب وليس إدانته، كما شهدنا مؤخراً في تصويت أغلبية مجلس الشيوخ لصالح قرار يدين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بالأسم، المدعوم من الرئيس ترامب.

          أما الإقدام على خطوة أشد جرأة ترمي لقطع الدعم العسكري الأميركي للسعودية والإمارات في حربهما الجارية ضد اليمن فتنطوي على جملة مخاطر على أرضية الصلاحيات الرئاسية لتنفيذ السياسة الخارجية وفق الرؤى الرئاسية، بالتوافق مع المؤسسات الاستخباراتية والأمنية والعسكرية، وهي مسالة غير مضمونة النتائج بالنسبة للخصوم.

 ما تبقى من خيارات يندرج تحت بند “التمنيات.” أذ تتهيأ رئيسة مجلس النواب المقبلة، نانسي بيلوسي، لتسلم مهامها الدستورية وبذلك تصبح في المرتبة القيادية الثالثة لتسلم زمام أمر البلاد، خلف الرئيس ونائبه. أما نائب الرئيس مايك بينس فلم تتعرض له وسائل الإعلام لحتى الآن، بيد أنه من ضمن الاحتمالات المرجحة للإطاحة به أن تمكن الحزب الديموقراطي من امتلاك القرار بمحاصرته بجملة فضائح تفضي إما لاستقالته أو الإطاحة به قبل أن يتمكن الرئيس ترامب من الإعداد لخليفته ـ كما شهدنا في السابق نائب الرئيس نيكسون، سبيرو آغنيو، يطاح به على خلفية اتهامات له بالفساد وتلقي الرشاوي، عام 1973.

ان تحقق مطلب الإطاحة بنائب الرئيس بينس، قد تجد رئيسة مجلس النواب المقبلة بيلوسي مبرراً للتقدم للمنصب “دستورياً” تسعى بموجبه لتقديم لائحة اتهام لعزل الرئيس ترامب.

لكنها تبقى مراهنات من باب التكهنات لا أكثر، وما نحن مقبلون عليه هو حالة من الاتهامات المتبادلة تمهد للطرفين الإعداد الجدي لخوض جولة الانتخابات الرئاسية المقبل، بأفضل ما يقع عليه/ا الخيار.

الرئيس ترامب، من جانبه، لن يتزحزح قيد أنمله، وفق المعطيات والتوازنات الراهنة؛ والحزب الديموقراطي يقف على أعتاب مرحلة فاصلة لتقديم أفضل ما لديه من مرشحين من داخل الطاقم السياسي “المؤسساتي،” أي ممن لا يحملون لقب “الليبرالية أو المتشددين.”

 

التقرير الأسبوعي 12-07-2018

انهيار منبر للمحافظين الجدد
وصعود مؤقت لتيار شعبوي ديماغوجي

      تتمتع المنابر الإعلامية الناطقة بلسان أو الداعمة للتيارات المحافظة في أميركا بوفرة الدعم المالي المتاح والذي لا يأتي عادة من رصيد الإعلانات، كما هو متوقع، بل من جيوب كبار الأثرياء، بعضهم معروف للعامة وبعض المصادر مبهمة الأصل.

        أعلنت اسبوعية ويكلي ستاندارد، مطلع الأسبوع الجاري، عن اغلاق أبوابها في الفترة القريبة المقبلة، أو تقليص مدى أعمالها بشكل أدق، وهي أحدى أبرز المنابر الإعلامية للمحافظين الجدد برزت إلى الصدارة لاحتضانها كبار “مستشاري” إدارة الرئيس الأسبق جورج بوش الإبن، ودفاعها الثابت والمستميت عن سياسات الإدارة الرسمية ولا سيما في الحرب الأميركية على العراق، معللة في عام 2005 بأنها “حرب ينبغي أن تدخل الشعور بالفخر” عند الأميركيين.

        وعلى الرغم من هويتها المعلنة كمنبر للمحافظين الجدد وسجلها الثابت في دعم الحروب الأميركية المتعددة، إلا أن ناشرها ورئيس تحريرها المحافظ، بيل كريستول، اتخذ مواقفاً مناوئة للرئيس ترامب وانضم لفريق إعلامي متواضع من “لسنا مع ترامب مطلقاً،” واعتلى جملة من المنابر الإعلامية الكبرى محرضاً ضد سياسات الرئيس ترامب.

تأسست المجلة عام 1995 برئاسة “بيل كريستول” و “فرِد بارنز،” واستطاعت خلال فترة زمنية قصيرة التربع على “امبراطورية إعلامية للمحافظين الجدد،” وأيدها معظم المحافظين الجدد نال كتابهم مكافآت مالية مجزية. بيد أن ذلك لم ينعكس على حجم توزيعها المتواضع الذي لم يتعدى 72 ألفاً في عموم الأراضي الأميركية، وفق البيانات الرسمية، وهي نسبة لا تبشر بمستقبل واعدٍ لنشرة تعبر عن أحد التيارات السياسية الرئيسة والمؤثر بصورة مباشرة على آلية ودوائر صنع القرار السياسي.

المؤسسة الأميركية المختصة بالتدقيق في توزيع المنشورات للمؤسسات التجارية وغير الربحية على السواء، BPA Worlwide، أفادت بأنه منذ دخول الرئيس ترامب للبيت الأبيض تراجعت أعداد المشتركين بالمجلة لنحو 7 آلاف مشترك، تقارب 10% من مجموع المشتركين.

        المصطلح “لسنا مع ترامب مطلقاً” أضحى يتردد على لسان كبار قادة الحزب الجمهوري. وصرح السيناتور جيف فليك، مطلع العام الجاري، بأن يعبر عن حالة الإحباط من الرئيس ترامب بين صفوف المحافظين في الحزب الجمهوري، باعتباره “عامل يفسد التيار المحافظ الحقيقي عبر اسلوبه المستبد، وسياسته الخارجية الإنزوائية، وافتقاره التحلي بمسؤولية التصرف المالية، ومعارضته للاتجار بحرية.”

        المؤسسة الأم والناشر للمجلة، ميديا دي سي، تصدر أيضاً نشرة موازية من إعلام المحافظين الجدد، واشنطن إيكزامينر، شبه الناطقة بلسان الرئيس ترامب، وقرارها الخاص بإطلاق الأسبوعية المذكورة نجد أن الممول والداعم الرئيس لكلتاهما هو الملياردير فائق الثراء (فيليب آنشوتز) الذي يملك جملة من المؤسسات التجارية في قطاعات متعددة بينها الإعلام والعقارات والطاقة وسكك الحديد وصناعة الأفلام ودور السينما والنوادي الرياضية؛ تبلغ ثروته ما ينوف عن 11 مليار دولار، وفق مجلة فوربز، 12 من شهر ديسمبر الجاري.

        في سياق التدقيق بدوافع الناشر إعلاء فريق من المحافظين على آخر، يخبرنا المحرر السياسي السابق لأسبوعية “ذي ايكزامينر،” جيم آنتيل، أن الحراك الناجم عن “إغلاق” ويكلي ستاندارد يعكس في بعده الأشمل الاصطفافات الأوسع الجارية داخل صفوف الحزب الجمهوري، أذ بينما “تناهض النخب (السياسية والفكرية) توجهات الرئيس ترامب، فإن قواعد الحزب تؤيده بشدة.”

        وعليه، وفق آنتيل، فإن التحدي المطروح أمام تيار المحافظين الجدد يتمثل في “.. نشرة تعبر عن توجهات المحافظين ولا تؤيد رئيس الحزب الجمهوري الحالي؛ ومن ثم نشهد صراعاً داخل تيار اليمين بمجمله بين فريق يدافع عن الرئيس مهما كان الثمن وفريق مقابل راضٍ عن معظم النتائج التي حققها، لكنه شديد القلق منه في المحصلة العامة.”

        توجهات الأسبوعية المذكورة تؤشر أيضاً على ما طرأ من تغيير في عموم التيار المحافظ في عهد الرئيس ترامب، وتبسيطه المخل للأحداث العالمية التي تستدعي التحلي بسياسات ضبط النفس والابداع في سبل التوصل لتحقيق أهداف ملموسة في المدى المنظور.

        الحاضنة الفكرية للتيار المحافظ في السياسة الأميركية تجسدت في شخص المفكر والمؤلف ويليام باكلي، المتوفى عام 2008؛ وينسب له الفضل في تأسيس اسبوعية ناشيونال ريفيو كمنبر فكري لنشر افكاره واستقطاب مؤيدين له من بين النخب.

        الجيل الحالي من المحافظين الجديد مدين لباكلي بالانجازات التي حققها في أزيد من 6 عقود من الحياة السياسية الأميركية،  واعتباره “الأهم والأفضل بين الشخصيات الفكرية في الولايات المتحدة وشخصية مرجعية عظيمة،” وميزته الرئيسة في الجمع بين تياري المحافظ التقليدي والليبرالي النموذجي، مما أرسى أرضية تحول الحزب الجمهوري “إلى اليمين،” كما شهدته الساحة من صعود شخصيات بارزة ومثيرة للجدل، كالسيناتور العنصري باري غولدووتر، واليمين “المنفتح” كالرئيس الأسبق رونالد ريغان.

        التيارات الدعوية والدينية في المجتمع الأميركي رأت في الحزب الجمهوري ضالتها كحاضنة سياسية باستطاعتها التأثير في توجهاته لصالحها. وبالتزامن مع اشتداد عود المعارضة الشعبية والأممية للحرب الأميركية على فييتنام، في عقد الستينيات من القرن الماضي، لجأ أنصار التيار المتشدد لاستحضار وتبني “القضايا الدينية” وادخالها في الخطاب السياسي، وانتشرت تدريجيا منظومة “قراءة الإنجيل والصلاة الجماعية في المدارس العامة،” مما أثار موجة خلافات جديدة حول التمويل العام لقطاع التعليم وانتهاك المتدينين لأحد أهم أعمدة “الديموقراطية” الأميركية – فصل الدين عن الدولة.

        ذاك التحول أثار الذعر بين أوساط المحافظين التقليديين، وتوجهاتهم العلمانية بشكل عام، والخشية من “التحول الديني” في بوصلة التوجهات السياسية المحافظة، وهو ما نشهده هذه الأيام في صراع التيار المؤيد للرئيس جورج بوش الإبن وما يمثله من امتدادات في الحزب الجمهوري وبين مؤيدي الرئيس ترامب “وسياساته الإنعزالية.” ونال ويليام باكلي وسام الحرية الرئاسي من الرئيس جورج بوش الأب، 1991، تقديراً لجهوده في بلورة ومأسسة التيار المحافظ.

        اللافت في معتقدات ويليام باكلي خصومته مع تيار المحافظين الجدد – معسكر الحرب في الإدارات الأميركية المتعاقبة. وقال معارضاً للحرب على العراق “.. حقيقة الأمر أن شن عمليات خارجية لتغيير نظم الحكم في بلدان تنقصها وثيقة الحقوق الأساسية أو (تخلو) من الإرث الديموقراطي ستكون شديدة القسوة .. لآ يمكن لإمريء الشك في فشل الهدف الأميركي في العراق.”

        بيد أنه لم يلجأ لإقصائهم قائلاً عام 2004 أن المحافظين الجدد “.. اولئك الذين أعرفهم، وهو الغالبية، أذكياء وذوي اطلاع ومثاليين، لكنهم ببساطة يبالغون في نشر القوات الأميركية ونفوذها.” وفيما يخص الرئيس ترامب وصفه عام 2000 دون معرفة سابقة بأنه “ديماغوجي عاشق لذاته.”

        صعود رونالد ريغان على المسرح السياسي الأميركي اعتبر تجسيداً “لمذهب المحافظين العصريين” وتحقيقاً لوعودهم، لا سيما وأن ريغان كان يقرأ ما ينشره باكلي باستمرار؛ واستطاع أدخال مفاهيم المحافظين إلى مفاصل الحزب الجمهوري الرئيسة، عقب هزيمة مرشح التيار العصري “الواقعي” الذي مثله جورج بوش الأب.

        الإرهاصات السياسية في صفوف الحزب الجمهوري والمجتمع الأميركي بشكل عام أوصلت أشد التيارات تطرفاً إلى التحكم بصنع القرار، ونشر القوة العسكرية في مناطق مختلفة من العالم، واستأنفت الحروب العدوانية على خلفية التأكيد على القطب الأوحد وصاحب القرار النهائي في العالم.

        التغيرات المتسارعة على الساحة الدولية، وفشل والمغامرات العسكرية الأميركية، أربكت حسابات التيار المحافظ بجناحيه؛ وعمد إلى استحضار خطاب القديم – الجديد القائم على “تقليص حجم ودور الحكومة المركزية” في المجتمع. فالرئيس ريغان اعتبر الهيكل الحكومي بأنه أس المعضلة التي تواجه أميركا وليس حلاً؛ بينما اعتبر الرئيس ترامب تلك الهيكلية بائدة شبهها بمستنقع ينبغي تجفيفه.

        النتيجة العامة لتلك المقاربات لم تسفر عن اجتراح حلولاً لمشاكل ومعضلات تزداد تعقيداً، سواء على الصعيد الداخلي أو في المشهد العالمي الأوسع. واحتمى الرئيس ترامب ومناصريه خلف الإرث السابق للتيار المحافظ والمطالبة مرة أخرى بتقليص حجم ودور الحكومة المركزية، باستثناء المهام الأمنية والعسكرية والتسليح.

        تفاقم الأزمة الاقتصادية، على الصعيد الداخلي بالتحديد، وعجز المؤسسة الحاكمة عن المواجهة الحقيقية لسلم العقبات المتصاعدة تدفعها نحو التوجه لمزيد من المغامرات العسكرية، سواء محدودة أو أبعد من ذلك. وما نشهده راهناً من “حرب اقتصادية” متبادلة بين القوى الكبرى يعيد إلى الأذهان الأزمات العمالية التي طبعت حقبة الرئيس رونالد ريغان، وافلاس المصارف والمؤسسات المالية عام 2008، وتراكم العجز ليس المالي فحسب، بل في المستوى السياسي، يقود المرء للقول أننا أمام حقبة إرهاصات وتحركات جديدة، يسعى فيها التيار المحافظ والمسيطر على مراكز القوى إلى “الاستمرار في الوصفات الراهنة – تقليص الإنفاق الحكومي على المرافق الأساسية والبرامج الاجتماعية – وما سينجم عنها من معارضة ومفاقمة الأوضاع الاقتصادية مرة اخرى.

التقرير الأسبوعي 11-30-2018

المقدمة       

          مساعي مكثفة بذلتها إدارة الرئيس ترامب لصرف الأنظار عما ينبغي اتخاذه من اجراءات ضد ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، على خلفية دوره المحوري في مقتل جمال خاشقجي، وابقاء الأوضاع على حالها “على الرغم من معارضات قوية من قادة الكونغرس من الحزبين.”

          أبرز الوسائل التضليلية كانت في استثارة العداء مجدداً ضد روسيا، على خلفية حادث بحري قامت به سفن عسكرية اوكرانية لامتحان السيادة الروسية في بحر آزوف، حتى تراجع اهتمام وسائل الإعلام كافة والسياسيين عن مستقبل العلاقات الأميركية – السعودية واستبدالها باتخاذ مواقف متشددة جديدة ضد موسكو.

          سيستعرض قسم التحليل “أزمة” بحر آزوف المصطنعة للتزامن مع انعقاد قمة الدول الصناعية العشرين في بيونس آيرس، بالارجنتين، توجتها مراكز القرار السياسي الأميركي بنقض إعلان الرئيس ترامب عن لقائه مع نظيره الروسي في القمة، واضطراره إلى تعديل موقفه لمواءمة موجات العداء لروسيا.

 

ملخص دراسات واصدارات مراكز الابحاث

أزمة روسيا واوكرانيا

          اعتبرت مؤسسة هاريتاج اندلاع الأزمة البحرية الجديدة بين روسيا واوكرانيا بأنها “ربما ربما كانت ترمي لتعزيز مكانة بوتين” في الداخل الروسي، لا سيما وأن حصيلتها كانت في “قصف روسيا لسفينتين حربيتين وإصابة 6 من طواقمها .. ومن ثم احتجزت البحرية الروسية السفن الثلاثة.” واسترشدت المؤسسة برواية البحرية الاوكرانية القائلة بأن سفينة تابعة “للاستخبارات الروسية اصطدمت عمداً بقوارب البحرية الاوكرانية والتي كانت في طريقها لمضيق كيرتش والعبور إلى مياه بحر آزوف.”

https://www.heritage.org/europe/commentary/why-russias-latest-aggression-against-ukraine-could-be-aimed-boosting-putins


حث الكونغرس الدفاع عن الديموقراطية

          حذر معهد كارنيغي تركيبة الكونغرس الجديدة من أنها مقبلة على “انقسامات عميقة فيما يخص عدد من القضايا؛ بيد أن لديها القدرة على التحرك بايقاع توافقي بين الحزبين – تأييد المسارات الديموقراطية في الخارج.” وزعم المعهد ان عهد الرئيس ترامب شهد “أدنى مستوى في دعم الولايات المتحدة لنشر الديموقراطية خلال أربعين عاما .. بتمجيد بالديكتاتوريات واحتقار الحلفاء الليبراليين للولايات المتحدة، وتدفق النزعات المناوئة للديموقراطية” في الداخل الأميركي. وأضاف أنه ينبغي على الدورة المقبلة للكونغرس “التحرك للتأكيد على التزام الولايات المتحدة بتأييد التحركات الديموقراطية في العالم أجمع” عبر جملة اجراءات وتشريعات “تناصر التحركات الديبلوماسية لنشر الديموقراطية والإعلان عن تأييد القادة والنشطاء الديموقراطيين.”

https://carnegieendowment.org/2018/11/16/three-ways-new-congress-can-defend-democracy-abroad-pub-77736


التهديد السلفي-الجهادي

          تتبع مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ظاهرة بروز حركات التشدد اسلامية الطابع معتبراً انها تضاعفت “أربع مرات عما كان عليه احجامها قبل 11 أيلول 2001،” استنادا إلى بنك معلومات وبيانات استقصاها المركز عن “المجموعات الإسلامية المتشددة، ومقاتليها، وأعمال العنف المنسوبة إليها وساحات انتشارها المتعددة.” واعتبر أن سوريا تحتضن أكبر عدد من المقاتلين “بين 44 ألف و 71 ألفا .. والعراق 10،000 إلى 15،000.” وخلص بالقول أن البيانات المستحدثة تشير إلى “مستويات مرتفعة من أعمال العنف في سوريا والعراق من قبل المجموعات الجهادية – السلفية؛ وكذلك في مناطق أخرى منها اليمن والساحل الإفريقي ونيجيريا وأفغانستان والصومال.”

https://www.csis.org/analysis/evolution-salafi-jihadist-threat


السلطة الرابعة في عهد ترامب

          اعتبر معهد أبحاث السياسة الخارجية  شغف التغطية الإعلامية المكثفة لاغتيال جمال خاشقجي بأنه انعكاس لما آلت إليه الاوضاع الداخلية في المجتمعات “الغربية والولايات المتحدة بشكل خاص” بدوافع التسويق والإثارة لدى “جمهور اضحى فريسة التحقق بين الحقيقة والخيال .. لا سيما مع دخول وكالة الاستخبارات المركزية على خط التحقيقات متعددة الاطراف.” وحمل المعهد الوسائل الإعلامية الأميركية المختلفة مسؤولية الانقياد وراء ميول التسويق والاحتكام “للإثارة وامتاع القاريء والمشاهد عوضاً عن الالتزام الصارم بضوابط المهنة” الساعية وراء كشف الحقيقة.

https://www.fpri.org/article/2018/11/what-the-khashoggi-affair-tells-us-about-american-journalism-politics-and-policymaking-in-the-age-of-trump/


البحرين

          حثت مؤسسة هاريتاج اعضاء الكونغرس على التصويت لصالح بيع أسلحة أميركية للبحرين “كونها في مواجهة تهديدات مميتة من ايران .. وعدم الانصات لحجج الطرف الآخر بأن حظر بيع الأسلحة سيخفف من المعاناة الانسانية في اليمن بعض الشيء.” وشددت المؤسسة على ضرورة النظر إلى اسباب “تصاعد الحرب في السنوات الأخيرة تعود إلى المساعدات العسكرية الإيرانية لقوات الحوثيين .. الذين استفزوا التدخل العسكري للتحالف العربي الذي تقوده السعودية.” وذكّرت المؤسسة اعضاء الكونغرس بما ألحقته من أضرار “الصواريخ الباليستية التي زودتها ايران ضد أهداف مدنية في السعودية والإمارات.”

https://www.heritage.org/middle-east/commentary/senate-move-block-arms-sales-bahrain-would-undermine-us-interests

     

 التحليل


معسكر الحرب الأميركي يناور

لتوظيف أوكرانيا في محاصرة روسيا

        حرصت الادارات الأميركية المتعاقبة على محاصرة روسيا بقواعد عسكرية أميركية، أحياناً، وضرب طوق بنظم سياسية موالية لواشنطن بالدرجة الأولى، والحفاظ على فتيل الصراع مشتعلاً معها لاستنزافها في كافة المجالات. فرضية أضحت أمراً واقعاً وثابتاً في السياسات الأميركية.

        المؤسسة الأميركية الحاكمة بتشعباتها المتعددة، الأمنية والاستخباراتية والعسكرية وتوظيفها لسلاحها الناجز في وسائل الإعلام، شكلت بإجماعها سداً حصيناً للنيل من الحكومة الروسية، لا سيما الرئيس فلاديمير بوتين بشكل محدد، وإبلاغ من يعنيهم الأمر بأن الرئيس “بوتين لا ينبغي أن يقفز إلى مرتبة أعلى (مقبولة) كرئيس لدولة ثانوية ولن يسمح له التصرف كما يشاء” في القضايا العالمية المتعددة.

        لقاء قمة هلسنكي بين الرئيس ترامب ونظيره الروسي، 16 تموز/يوليو 2018، جاء ثمرة وعود انتخابية قطعها ترامب “لتحسين العلاقات الثنائية” ويخرج فيها على “اجماع” المؤسسة الحاكمة والالتفاف على مخططات عزل روسيا، وليس احتواءها مما أكسبه “احتقار اركان المؤسسة وإهانته علناً. لقاءات القوتين العظميين دشنها الرئيس الأسبق فرانكلين روزفلت عام 1933 باصداره قرار الاعتراف بالاتحاد السوفياتي.

بعض الصحف خرجت في اليوم التالي معبرة عن عدم رضاها بالقول على صدر صفحاتها الأولى “لا، لم يكن هناك حاجة (لترامب) للقاء بوتين،” أتبعته المؤسسة بانزال مزيد من العقوبات الاقتصادية والمصرفية بشكل خاص ضد المؤسسات والشخصيات الروسية.

جدير بالذكر أن محاولات الولايات المتحدة والدول الغربية في حلف الناتو بشكل خاص مستمرة للنيل من سيادة الدولة الروسية، وعملت بالمثل إبان حقبة الإتحاد السوفياتي، لتقويض ركائز الدولة. يعتقد المراقبون في واشنطن أن تبني الرئيس روزفلت مبدأ “دولة الرعاية الاجتماعية،” باصداره قرار أنشاء “صندوق الرعاية الاجتماعية،” 14 آب/أغسطس 1935، كان ثمرة نهج منظم لمواجهة النظام الاشتراكي السوفياتي لتوفير “بعض الفوائد” للنظام الرأسمالي، وليس كما يشاع بأنه جاء لاحتواء تداعيات الأزمة الاقتصادية الكبرى لعام 1929 والحيلولة دون تكرارها.


سياق التحرشات الأميركية

شهد عام 2014 أبرز تجليات التدخل الأميركي المباشر في الحديقة الخلفية لروسيا، بتشجيع قوى مناوئة لموسكو في اوكرانيا للإطاحة بالحكومة وإطلاق “الثورة البرتقالية” في مجمع ميدان بالعاصمة كييف.

وكانت مساعد وزير الخارجية الأميركية للشؤون الأوروبية والآسيوية، فيكتوريا نولاند، دائمة الحضور في “ميدان،” ونقلت وسائل الإعلام صورا لها وهي توزع حلوى “البسكوت،” على المتظاهرين، كانون أول/ديسمبر  2013 ، برفقة طواقم حراساتها الأميركية المسلحة، في “مشهد رهيب لكن تم إعداده بشكل دقيق،” وفق توصيف زملائها السابقين.

التطورات اللاحقة لمسرحية “ميدان” أوصلت إلى الحكم في كييف طاقم سياسي مدعوم من واشنطن بالكامل كانت مهتمه التحرش بروسيا لاستفزازها عسكرياً مما يشكل أرضية ومبرراً لتدخل “دولي” بقيادة حلف الناتو. بيد أن الرئيس الروسي استبق الأمر بإطلاق استفتاء شعبي لسكان القرم للإنضمام لروسيا الأم مستعيداً السيطرة على شبه جزيرة القرم، تبعها اندلاع مواجهات مسلحة بين الجارتين بقيت تحت السيطرة مما أفقد المخطط المعادي الزخم الأصلي.

الرد الغربي الثابت كان في تنفيذه عقوبات اقتصادية جماعية ضد موسكو بحجة انتهاكها لسيادة اوكرانيا، ولا زالت حالة التوتر قائمة لليوم لكنها “تحت السيطرة.”

أما الحادث الأخير، في مضيق كيرتش ببحر آزوف، فقد تزامن مع تقارب انعقاد قمة روسية أميركية، على هامش مؤتمر الدول الصناعية العشرين، في الأرجنتين، وعزوف الرئيس ترامب عن نيته لقاء الرئيس بوتين، وحتى اللحظات الأخيرة بعد انتهاء “الاشتباك” العسكري المحدود في مياه مضيق كيرتش.

وهنا أيضاً كانت المؤسسة الأميركية الحاكمة بأركانها المتعددة جاهزة للضغط مرة أخرى على الرئيس ترامب وتفرض عليه تراجعاً في موقفه الراغب باللقاء، وأن لم يكن بشكل رسمي، كما تقتضيه الديبلوماسية، بل فضل الإعلان عبر تغريدة له.

بداية، يعتبر مضيق كيرتش جزءاً من المياه الإقليمية لروسيا بنت عليه موسكو جسراً عملاقاً عقب “عودة” شبه جزيرة القرم للاتحاد الروسي، وتسمح للقطع البحرية والملاحة “بالعبور البريء” فيه شريطة عدم انتهاك القوانين والاجراءات السارية وإبلاغ السلطات الروسية المعنية بخط السير وطبيعة الحمولة.

اوكرانيا لا تعترف لروسيا بسيادة على شبه جزيرة القرم وكذلك الأمر مع شواطئها وموانئها البحرية، بيد انها تضطر للتعامل وفق النظم الروسية الناظمة للملاحة. وأصدرت حكومتها أمراً لـثلاثة زوارق “سفينتين صغيرتين مزودتين بمدفعية وسفينة سحب” على متنهما 24 بحاراً بدخول مياه المضيق دون إبلاغ السلطات الروسية التي تصدت لها واشتبكت معها وتعرض ثلاثة منهم لجراح متوسطة، واحتجزت طاقم البحارة بالكامل. أوكرانيا ادعت أن سفنها “لم ترتكب أي مخالفة” واتهمت روسيا بالعدوان العسكري وطالبت المجتمع الدولي بالتحرك العاجل لمعاقبتها.

تنوعت ردود الأفعال الدولية عند هذا المنعطف بين إدانة صريحة لروسيا وتحذيرها من تفاقم الأزمة إلى دعوات التروي الصادرة عن ألمانيا.

الولايات المتحدة اعتبرت الاجراءات الروسية “انتهاكاً صارخاً لسيادة الأراضي الاوكرانية .. يتعين على المجتمع الدولي التنديد به،” من على منبر الأمم المتحدة. وأصدر وزير الخارجية مايك بومبيو بيانا شديد اللهجة للتنديد بالحادث، لم يقرنه بوعود انتقامية من روسيا. أما الرئيس ترامب فقد التزم الليونة قائلاً للصحافيين يقبل مغادرته للارجنتين “لا نحبذ ما جرى في كلا الاتجاهين .. ونأمل أن يتم احتواء المسألة.”

اما دول الاتحاد الاوروبي فقد طالبت الجانبين، الروسي والاوكراني، ممارسة أقصى درجات ضبط النفس للحيلولة دون تصعيد الموقف، وإعادة فتح المضيق واستئناف الملاحة البحرية بشكل اعتيادي.

مصادر عسكرية في حلف الناتو أبلغت وكالات الأنباء الغربية أن الرئيس الاوكراني، بيتر بوروشينكو، سعى جاهداً دون نتيجة لإقناع واشنطن انشاء قاعدة عسكرية لها على الأراضي الاوكرانية؛ رغبة منه في توريط الولايات المتحدة عسكرياً، من ناحية، ولحاجة قواته العسكرية لمساعدة ومهنية حلف الناتو في أي مواجهة محتملة مع روسيا.

بثت شبكة سي أن أن  الأميركية للأنباء خبراً حول وضع القوات الاوكرانية بأنه “مثير للشفقة وهي غير مستعدة لخوض معركة مع روسيا في عرض البحر .. اما القوات البحرية الروسية فلن تواجه سوى مقاومة رمزية” بالقرب من مياه بحر آزوف. بدون مشاركة فعالة من حلف الناتو الى جانب اوكرانيا في أي نزاع قد ينشب ستكون القوات الروسية قادرة على الحاق هزيمة عسكرية سريعة  بالقوات الاوكرانية اذ لا يوجد مجال للمقارنة بين قوة البلدين.

روسيا، من جانبها، أعلنت عن خططها لنشر مزيد من بطاريات الدفاع الجوي المتطورة، إس-400، على أراضي شبه جزيرة القرم كخطوة احتياطية. واوضحت القيادة العسكرية الجنوبية للاتحاد الروسي أن طواقمها من الاخصائيين والمهنيين منكبون على تجهيز المعدات ونقلها “عبر السكك الحديدية إلى قاعدة ثابتة .. وستدخل المنظومة الجديدة الخدمة العملياتية في المستقبل القريب لحماية الأجواء الروسية؛” تعززها سفينة حربية ترابط في مياه بحر آزوف.

اجواء التوتر والترقب الحذر خيمت على لقاء قمة العشرين، مضاف أليها التنديد الدولي بولي العهد السعودي محمد بن سلمان والمطالبة بعدم مشاركته في القمة، باستثناء واشنطن. وسارعت روسيا لاحتواء الموقف بفتح المضيق واستمرار احتجازها للبحارة الاوكرانيين، مما “حفز طاقم الأمن القومي” في واشنطن الضغط على الرئيس ترامب لإلغاء لقائه المقرر مع الرئيس الروسي على هامش القمة.

الملفت في الأزمة المصطنعة، كما يعتقد المراقبون، ما أوضحته الحكومة الاوكرانية في بيان نشرته يومية واشنطن بوست، 27 نوفمبر، بإعلانها الأحكام العرفية في البلاد؛ واعتراف جهاز الأمن الاوكراني، اليوم عينه، بوجود عدد من ضباط استخباراته بين طواقم البحارة في مهمة “عمليات مكافحة التجسس لصالح سلاح البحرية الاوكراني.”

يشار إلى أن ذاك الجهاز، SBU – State Security Service، اعترف سابقاً بمسؤوليته عن افتعال حادث مقتل الصحافي الروسي آركادي بابشينكو، في كييف، بغية الكشف عن مخطط اغتيالات روسي (30 أيار/مايو 2018)، ثبت لاحقا أنه حي يرزق. وجاء في تعليق لشبكة (بي بي سي) البريطانية أن مدير الجهاز الاوكراني، فاسيل هريتساك، أوضح لها أن عملية لاصطياد قتلة مأجورين من قبل روسيا قد تم اعدادها؛ استحق على أثرها المطاردة بالسخرية وعدم الكفاءة.

في سنوات احتضار الاتحاد السوفياتي قامت واشنطن بعملية “بهلوانية” مشابهة لعملية مضيق كيرتش، وارسلت عام 1988 سفينتين حربيتين على متنهما معدات تجسس دخلتا المياه الإقليمية السوفياتية بالقرب من شبه جزيرة القرم؛ صدمتهما البحرية السوفياتية وغادرتا على الفور “قبل تصعيد الأمر.”

تلك الإشارة كانت ضرورية لسبر أغوار ما يعد من خطط عدوانية ضد روسيا، بطولة الرئيس الاوكراني الذي “لا يحسن قراءة الخرائط الاستراتيجية والمتغيرات الدولية،” وأشد ما يراهن عليه وهو مقبل على جولة انتخابات قاسية هو الظهور بمظهر “رئيس حرب” جدير بإعادة انتخابه.

استطلاعات الرأي الاوكرانية ترجح شعبيته بمعدل لا يتعدة 10%، يفصله عن منافسيْه الآخريْن مسافة بعيدة. وهذا ما يعزز الهدف من قراراه بفرض الأحكام العرفية في هذا الظرف المفصلي بالذات، والتحكم التام بمجريات الانتخابات وطواقم الإشراف عليها.

منافسته الأقوى في الانتخابات ورئيسة الوزراء السابقة، يوليا تيموشينكو، حذرت في تصريح لها في تموز/يوليو 2018 من إعداد بوروشينكو “خطة بالغة الخطورة لإعاقة سير الانتخابات عبر تصعيد وتيرة الحرب في (إقليم) دونباس وفرض الأحكام العرفية في اوكرانيا.”

فرض الأحكام العرفية، وفق دستور البلاد، يستدعي تصويت البرلمان عليه وتبنيه. بيد أن الحضور البارز لأحزاب مناوئة لبوروشينكو في المجلس أفشلت “بعض” مخططه، إذ نال الموافقة على “فرض أحكام عرفية مصغر”  مدته 30 يوماً بدلاً من 60 يوم قابلة للتجديد.

قد يلجأ بوروشينكو للالتفاف على ضوابط الدستور وبشكل خاص اجراء الانتخابات في 31 آذار/مارس المقبل كما هو مقرر، وهوالأمر المفضل عنده للبقاء على رأس السلطة، عبر افتعال نشوب حرب ولو محدودة في شرقي البلاد، منطقة دونيتسك، أو السعي لاستعادة مطار دونيتسك، “أو الاشتباك مع روسيا مباشرة،” لا سيما وأنه يتمتع بدعم وتأييد عدد من المؤسسات الأميركية النافذة في صنع القرار السياسي الطامعة في تحدي موسكو “بشكل متدرج.”

مركز الأبحاث المؤيد لحلف الناتو والحكومة البريطانية، أتلانتيك كاونسيل، والبعض يقول أن تمويله يأتي من ميزانية الحلف وبعض الدعم المالي من دول الخليج العربي، حث السلطات الأوكرانية، 26 نوفمبر الجاري، على “دعوة الولايات المتحدة وحلف الناتو لإرسال اسطول من السفن الحربية لزبارة (ميناء) ماريوبول” المدينة الرئيسة على شاطيء بحر آزوف “وتحدي روسيا على إطلاقها النار أو أعاقة قطع الحلف من زيارة الموانيء الاوكرانية.”

ما غاب عن “خبراء” المعهد قراءة صحيحة لجغرافية المنطقة. الوصول إلى ميناء ماريوبول يستدعي عبور مياه مضيق كيرتش، وهو ضيّق على أي حال لا يتعدى عمق مياهه في تلك المنطقة 8 أمتار، مما يعيق أي عملية للمناورة العسكرية أن تطلب الأمر.

هل تلجأ واشنطن لقرع طبول الحرب ضد روسيا والصين أيضا؟ سؤال يتردد على ألسنة العديد من السياسيين والمراقبين على السواء. قبل المرور على إجابة مقنعة، ينبغي النظر إلى ما تعده الولايات المتحدة من توسع وتدخل عسكري في دول اوروبا الشرقية السابقة، والأعضاء بحلف الناتو لتطوير المطارات العسكرية وتسهيلات أخرى.

تبلغ حصة هنغاريا من “المساعدات” الأميركية نحو 50 مليون دولار؛ 60 مليون دولار لتحديث قاعدتين جويتين في رومانيا؛ 100 مليون لتطوير قاعدتين عسكريتين في سلوفاكيا، بالاضافة لمبالغ طائلة أخرى لدول المنطقة.

قائد القوات البحرية الأميركية في اوروبا، الأدميرال جيمس فوغو، أوضح عن خطط بلاده المقبلة في اوروبا أمام حشد في المعهد البحري للولايات المتحدة، الشهر الماضي، أنه “من الضروري لنا توفر تواجد بحري واسع في اوروبا يفوق ما كان لدينا في العقدين أو الثلاثة الماضيين.” واسترشد الأدميرال بمجموعة السفن البحرية المشتركة والعاملة بالطاقة النووية “هاري أس ترومان و ايوا جيما” في مياه المحيط الهاديء بالقرب من الصين والتي من شأنها “إرسال رسالة شديدة القوة بأن الولايات المتحدة لها الحرية بالعمل في اي مكان، أما على انفراد أو بالتعاون من شركائنا وحلفائنا في حلف الناتو.”

لعض العقلاء في واشنطن يفضلون أن يلتقي الرئيسان الأميركي والروسي في بيونيس آيريس، ولو لمشاورات قصيرة، دون الالتفات إلى التخبط الديبلوماسي الأميركي، لا سيما وأن احداث اوكرانيا لوحدها تستدعي تبادل الآراء وعدم الانجرار لحرب هما في غنى عنها.

الرئيس الروسي من جانبه يراقب بهدوء أي تغيرات أو ايماءات قد تصدر عن المؤسسة الأميركية أو الرئيس ترامب، أو كليهما معاً. تفاعل الرئيس ترامب مع مسألة اوكرانيا سيحسم لدى نظيره الروسي ما تخبئه واشنطن من خطط ونوايا مقبلة، سواء الذهاب بالتصعيد، أو تفادي الحديث بمضيق كيرتش، أو ربما إرساء أرضية لتفاهمات مقبلة في الساحة السورية.

أما السلاح الأميركي دائم الجهوزية ضد روسيا، تطبيق عقوبات اقتصادية، فلم يعد له ذات المفاعيل القاسية كما في مراحل سابقة عقب إعلان روسيا عن تخليها تدريجيا عن التعامل المصرفي بالدولار الأميركي؛ وتعويلها على تعميق الخلافات الأوروبية الأميركية على خلفية حاجة اوروبا الماسة لموارد الطاقة الروسية.

 

التقرير الأسبوعي 11-23-2018

ترامب والمؤسسة الحاكمة:
توظيف قضية خاشقجي في الصراع الداخلي

          إقحام مقتل جمال الخاشقجي في صلب السياسات الأميركية أنعش الجدال الداخلي بين مراكز القوى المتعددة، من ناحية، والرئيس ترامب وما يمثلة من شرائح مؤيدة بين النخب والمصالح الاقتصادية الضخمة؛ واستنهض ايضاً طرح تساؤلات كامنة حول “بوصلة” العلاقات الأميركية مع السعودية والتي ينبغي اخضاعها وتوظيفها لخدمة المصالح الأميركية.

          أمام تردد الرئيس ترامب في تحديد صاحب قرار الاغتيال انبرت وكالة الاستخبارات المركزية في “تسريب” بعض ما لديها من معلومات تسلط فيها الضوء على ولي العهد محمد بن سلمان، مشكلة بذلك غطاء إضافيا لوسائل الإعلام الكبرى، وعلى رأسها مؤسسة واشنطن بوست، لتقييد حركة الرئيس في بعدها الداخلي، وتهميش الدور “المتخيل” لجيل الأحفاد من آل سعود.

          وذكّرت وكالة الاستخبارات المركزية، التي تقود وتوجه الحملة الإعلامية ضد ابن سلمان في هذا المنعطف السياسي، ما غاب ربما عن حقيقة المسلمات “التاريخية” في العلاقة التي نسجها الرئيس الأمبركي الأسبق، فرانكلين روزفلت مع إبن سعود،  14 شباط/فبراير 1945، وهو في طريق عودته من مؤتمر يالطا بعد ارساء “تفاهمات” الدول الكبرى لترتيبات ما بعد الحرب العالمية الثانية، أطلق على اللقاء مصطلح “زواج المصلحة.”

          احدى المحطات البارزة في سياق “تصويب” الوكالة المركزية لطبيعة العلاقة مع السعودية جاءت بصريح العبارة كما يلي “.. تطلعت الولايات المتحدة للسعودية (منذئذ) لمساعدتها في استتباب الاستقرار الإقليمي .. وتحييد صعود القومية العربية المناوئة للغرب تحت ريادة الرئيس المصري جمال عبد الناصر، و(التصدي) لانتشار اشتراكية البعث في سوريا والعراق وفي عموم الوطن العربي – لا سيما بين اوساط الطلبة الجامعيين .” واضافت الوكالة عبر عدد من أنصارها في الأوساط “الاعلامية وخبراء الاستراتيجية،” أن واشنطن علقت آمالاً ثابتة على دور السعودية “.. للتساوق مع رغباتها في حجم الانتاج النفطي وسياسات تسعيره (بالعملة الأميركية) عبر تكتل اوبك.”

          ربما لا نجد اكتشافاً جديداً في تلك “الخلفية” التاريخية، لكن صياغة الذاكرة الأميركية استدعت اركان المؤسسة إلى تحديد السقف السياسي والخدمات المطلوبة من “الحليف” السعودي، ليس إلا، والذهاب إلى “تحذير” نزعات اصطفاف الساسة الأميركيين إلى مربع مريح من العلاقات الآنية، رغم مردودها الاقتصادي، والتذكير مرة أخرى بأن “صراعات وراثة العرش السعودي .. تستدرج الولايات المتحدة إلى موقف غير موفق لتأييد فريق على آخر.”

          الرئيس ترامب من ناحيته لجأ إلى تسخير النفوذ “الاسرائيلي” وتقاطع المصالح بين تل أبيب والرياض ليكشف بأسلوبه الفج المعهود أن “السعودية (تشكل) قاعدة كبيرة للولايات المتحدة في المنطقة ولولاها لكانت إسرائيل في ورطة كبيرة .. السعودية ساعدتنا لتخفيض اسعار النفط.”

          في البعد الاقتصادي الصرف، تجاوزت معدلات انتاج الولايات المتحدة النفطية ما تنتجه السعودية يوميا، ولم تعد “أسيرة” دول تابعة لها، كما كان يروج بعد أزمة النفط العالمية في أعقاب حرب تشرين/اكتوبر 1973. وعليه، رمت وكالة الاستخبارات المركزية الى “تحييد” عامل النفط في رسم السياسات الاستراتيجية الأميركية.

من يتحكم بقرار الرياض؟

          “.. سيطرة (ولي العهد) م ب س على السلطة أضحت محفوفة بالمخاطر ومكانته الأقليمية اهتزت كثيراً على خلفية مقتل جمال خاشقجي.” هكذا مهدت وكالة الاستخبارات المركزية، عبر اركان المؤسسات الإعلامية، المشهد السياسي الأميركي وإعادة صياغة مستقبل العلاقة المقبلة، باستثنائها عامل النفط واذا “ما زالت السعودية أهلاً لتلعب دوراً في الاستراتيجية الكونية” للولايات المتحدة؛ بل “.. هل من الحكمة أن تقرن واشنطن ثقلها إلى جانب م ب س، في الوقت الذي يطالب فيه المجتمع الدولي تقديم (المجرمين) إلى العدالة.”

          حرب اليمن الذي تقودها السعودية والإمارات وحصار البلدين لقطر “حليف أميركا الأساس” في الخليج شكلت فرصة سانحة لتحميلهما المسؤولية “في تدهور الاوضاع الإنسانية” دون المساس بمكانة ومركزية القرار الأميركي في الحرب على اليمن بشكل خاص. وجرى توظيفها، من قبل الوكالة المركزية واركان المؤسسة الحاكمة، لتحميل الرئيس ترامب مسؤولية التدهور “نظراً لفهم وادراك قاصر في ادارته لماهية المصالح الأميركية في الأقليم .. والتي باتت صنواً لعلاقة شخصية تربط ابن سلمان مع صهر الرئيس جاريد كوشنر.” تلك هي من الفرص النادرة التي تسلط فيها المؤسسة الحاكمة سهام انتقاداتها على الدائرة العائلية الضيقة حول الرئيس ترامب، على الاقل في توجيه الجدل السياسي لهذا المنحى من النقاش.

          جال رئيس وكالة الاستخبارات المركزية الأسبق، جون برينان، على وسائل الإعلام المقروءة والمرئية للترويج ضد “تعويم” محمد بن سلمان واصفاً الأخير بأنه “سرطان” يهدد العلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة “وينبغي علينا استنباط سبل للقضاء على السرطان والمضي قدماً (بتعزيز) العلاقة مع الرياض التي تعد بالغة الدقة للاستقرار الإقليمي ومصالحنا القومية.”

          برينان، قبل تسلمه منصب مدير الوكالة شغل منصب مدير محطة السعودية في وكالة الاستخبارات المركزية ويتمتع بعلاقات وثيقة مع معظم “شريحة الأمراء النافذين” في العائلة الحاكمة السعودية.

          وزادت الوكالة المركزية بأن ابن سلمان “اضحى عبئاً على مستقبل العلاقات الأميركية السعودية،” نظرأ لسلوكياته المتهورة “واندفاعه الجنوني” لتحقيق مآربه، معززاً مخاوف الأجهزة الأمنية الأميركية من كونه مصدر قلق لمغامراته المتعددة وعدم الثقة بأهليته وما قد يشكله من “تهديد على المصالح الأميركية في المنطقة.”

تصفية حسابات متعددة الاتجاهات      

          “الانقلاب” على العرش السعودي تجذر داخل المؤسسة الأميركية بكافة تشعباتها وامتداداتها، وبات للوكالة المركزية حضوراً ثابتاً ومرئي في المؤسسات الإعلامية، لا سيما مؤسستي واشنطن بوست و نيويورك تايمز وشبكة سي ان ان للتلفزة بشكل مكثف، عنواناً للصراع الداخلي بين الرئيس ترامب ومؤيديه من ناحية، وبين أركان المؤسسة الاستخباراتية والأمنية والعسكرية ونفوذها الإعلامي، لتقليص العلاقة “الشخصية” التي نسجها ترامب وصهره جاريد كوشنر مع ابن سلمان بالتوازي او بالرغم من القنوات الرسمية القائمة؛ ولرغبة المؤسسة الجامحة التحكم بمفاصل الصراع في اليمن، ليس رغبة في انهاء المأساة الانسانية، كما يقال، بل لضمان عدم خروجها عن الحد الذي قد يقوض الصراع الأوسع لأميركا في آسيا.

          اصطفاف بعض ابرز قادة الكونغرس من الحزبين، لا سيما في الحزب الجمهوري، لنداءات “الاجماع الأميركي” بمعاقبة ابن سلمان يأتي في ذات السياق لخشية المؤسسة الحاكمة من توريط الرئيس ترامب بلاده في أزمة تتدحرج في ابعادها لتصرف الأنظار عن الملاحقة القانونية للرئيس واعوانه.

          يستنتج من مجمل التوجهات في مجلسي الكونغرس أن المؤسسة الحاكمة “نجحت” في استدراج المؤسسة التشريعية للعب دور مؤيد لها في الصراع الداخلي، تحت عنوان مضلل وهو مستقبل السعودية. وبرزت تساؤلات عالية الوتيرة مؤخراً متسائلة عن “دور الكونغرس في صون المصالح الأمنية للبلاد في حال احجم أو فشل الرئيس ترامب عن لعب دور محوري واستراتيجي في تحجيم نزعة محمد بن سلمان المتعطشة لتركيز مصادر القوة بين يديه، وعدوانيته تجاه جيرانه” العرب وتراجع الزخم السياسي والعسكري لاقصاء ايران نتيجة لذلك.

          على الطرف المقابل من الجدل داخل أجنحة المؤسسة الحاكمة، تصدر معهد نايت (الفرسان) التابع لجامعة كولومبيا العريقة، مساعي مقاضاة المؤسسات الاستخباراتية بتقديمه دعوى تطالب فيها القضاء للتدخل ضد “وكالة الاستخبارات المركزية ومكتب التحقيقات الفيدرالي ووكالة الأمن القومي ووزارة الخارجية ومكتب مدير الاستخبارات الوطنية” للافراج عن سجلاتها ووثائقها الخاصة بما يتعلق بالخاشقجي استناداً لمعلومات توفرت لدها حول “احجام” تلك المؤسسات عن إبلاغ خاشقجي بالخطر الذي تهدده أن وطيء بناء القنصلية السعودية في اسطانبول.

          وانضمت مؤسسات حقوقية اميركية موازية، لجنة حماية الصحافيين، تطالب تلك المؤسسات بالإفراج عما لديها من معلومات خاصة بهذا الشأن.

          وعليه، يمكننا القول أن بعض التيارات “الليبرالية” داخل المؤسسة الحاكمة تحمل الأجهزة الاستخباراتية الأميركية “جزءاً” من المسؤولية وتتهمها بالتواطوء في عملية اغتيال “الصحفي” جمال خاشقجي، كما توصفه دوما واشنطن بوست واقرانها؛ بينما تخوض تلك المؤسسات جولة صراع مع المؤسسة الرئاسية.

 

التقرير الأسبوعي 11-16-2018

المقدمة       

          في بلد يتغنى باجرائه انتخابات دورية ويصدره كمثال يحتذى لا تزال بعض نتائج الانتخابات التشريعية غير محسومة للساعة وتعيد تصويب الجدل العام إلى مشاعر غضب مركبة لعدم كفاءة الآليات المعتمدة وتقنيات التزوير الرائجة.

          حفزت النتائج العامة بتراجع سيطرة الحزب الجمهوري عن مجلس النواب، واحتفاظه بأغلبية مقاعد مجلس الشيوخ، الرئيس ترامب على المضي باجراء تعديلات داخل الادارة، بدأًت باقالته وزير العدل، والترويج المسبق لمناصب حساسة اخرى كوزيرة الأمن الداخلي وربما وزير الدفاع. سيستعرض قسم التحليل سرعة وطبيعة التغيرات الجارية والمقبلة، والتي تجاوزت معدلات الإدارات السابقة، وما قد تتركه من مؤشرات على توجهات السياسة الخارجية الأميركية.

 

ملخص دراسات واصدارات مراكز الابحاث
مئوية الحرب العالمية الأولى

          في سياق تقييم الاوضاع الدولية في الذكرة المئوية لنهاية الحرب العالمية الأولى اعتبر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ان “معظم الدول العالمية لا تزال تعاني من ويلات تلك الحرب .. من ابرز آثارها طويلة الأمد قد يكون انهيار الامبراطوريات القديمة التي هيمنت على اوروبا وآسيا الاوروبية.” واضاف ان الدول المتشكلة نتيجة للحرب “امتدادا من بولندا إلى سوريا .. تعاني من التوفيق بين الايديولوجيات الوطنية، ومبدأ حق تقرير المصير، وحقيقة التعددية.” واوضح أن “الامبراطوريات القديمة مثل روسيا وتركيا لا تزال تقاوم خسارتها لمكاناتها واراضيها الامبراطورية.” وخلص بالقول أن النظام العالمي الذي تشكل وانهار بعد نهاية الحرب لجأت مراكز الامبراطوريات القديمة النظر لماضيها تستلهم منها دروسا لإعادة تشكيل نظام قريب من النظام الامبراطوري في الأقلبيم التي كانت تحت سيطرتها سابقا.”

https://www.csis.org/analysis/century-after-armistice-world-still-coping-end-empires

الاستراتيجية “الدفاعية” الأميركية

        تعددت وتباينت المفاهيم والتوجهات بين النخب السياسية والعسكرية والأمنية لبلورة “استراتيجية أميركية” شاملة، لعقود خلت، اعتبر مركز الدراسات الالاستراتيجية والدولية حضورها الدائم في الميزانيات السنوية مجرد “واجهة” لتمرير بنود أخرى عادة ليس لها علاقة قوية بالشؤون الدفاعية. وأوضح أن الأمر بدأ يأخذ طابع الجدية في عهد وزير الدفاع الأسبق هارولد براون، 1981، الذي جهد “لإنشاء وادارة أمن قومي للولايات المتحدة بتطبيق علاقات ترابطية بين مبدأ الاستراتيجية والتخطيط العملي والبرمجة والميزانيات المطلوبة لكنها شهدت تراجعاً ملحوظاً .. بل تلاشت محاولات وزراء الدفاع لربط الميزانيات بالخطط المحددة، والتقديرات المستقبلية للانفاقات العسكرية.”

https://www.csis.org/analysis/americas-fy2020-defense-strategy-and-programming-crisis

ترامب وايران

          اعتبر المجلس الأميركي للسياسة الخارجية أن المشاركين في الانتخابات النصفية، مطلع الشهر الجاري، صوتوا لصالح سياسات الرئيس ترامب لا سيما لموقفه المتشدد من ايران، ولتفعيله العقوبات السابقة ضدها أبرزها “.. تقييد حرية ايران في شراء العملة الأميركية، والحد من اتجارها بالمعادن الثمينة، ووقف مبيعات طائرات الركاب المدنية وقطع الغيار ..” وأضاف أن تلك الاجراءات بدأت تؤثر على اداء الاقتصاد الايراني مما ساهم في “مغادرة الشركات الأجنبية” من السوق الايرانية، فضلاً عن حزمة العقوبات التي طبقت ابتداء من 4 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري والتي ستفرض قيوداً هائلة على تصدير ايران لنفطها ..” وشدد على أن العقوبات المفروضة “سواء بمفردها أو كحزمة متكاملة ستترك تداعيات ليست أقل من كارثية” على النظام الايراني.

https://www.afpc.org/publications/articles/testing-trumps-iran-strategy

اليمن

          أدلى معهد واشنطن بدلوه في تفسير إعلان وزير الخارجية الأميركية، مايك بومبيو، عن “الخطوات المطلوبة لوقف الاشتباكات في اليمن .. تنطوي على وقف الحوثيين هجماتهم الصاروخية عبر الحدود ومن ثم يوقف التحالف الذي تقوده السعودية غاراته الجوية ضد المناطق الآهلة بالسكان، توطئة للبدء في محاثات سلام.” واستطرد بالقول أنه في حال فشلت تلك المحادثات “كما جرى في جولة جنيف  مطلع العام الجاري .. يتعين على واشنطن تصعيد جهودها للتدقيق في دعمها  العملياتي لجهود السعودية الحربية.”

https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/u.s.-saudi-security-cooperation-part-2-restricting-operational-support-in-y

الصين و”اسرائيل”

          ندد معهد واشنطن بمساعي تل أبيب “لاحتضان الحزب الشيوعي الصيني ورئيسه تشي جين بينغ وهي توجه مضلل أخلاقيا واستراتيجيا.” بالمقابل، استطرد المعهد، أن واشنطن “تجري تعديلات متدرجة على استراتيجيتها والانتقال من مرحلة المنافسة الشديدة مع الصين إلى عدو رئيسي لدولة عظمى .. وينبغي على اسرائيل التماهي مع تلك المتغيرات.”

http://www.aei.org/publication/israels-embrace-of-china-is-sorely-misguided/

مجازر داعش

          زعمت مؤسسة هاريتاج أن صناع القرار في واشنطن “لم يدركوا حقيقة داعش، العدو، وصعوده المفاجيء في سوريا والعراق، مما ضاعف منسوب التهديدات التي تغذيها دوافع دينية.” وأضافت أن التوجهات الأميركية المنطلقة من ترجيح “الفرضيات السياسية العلمانية قيدت قدرتها على التعامل الفعال مع القوى الدينية في سياق نشر الحريات الدينية والتعددية.” وشددت على ضرورة تطور وعي المؤسسات الأميركية “للاعبين الدينيين والتدقيق في التزامهم (باحترام) الحريات الدينية” للأقليات.

https://www.heritage.org/global-politics/report/minding-the-god-gap-isis-genocide-religious-minorities-and-american 


التحليل

ترامب يبدأ بتغييرات في إدارته
لتعزيز فرص الفوز بولاية ثانية

          في سياق نتائج الانتخابات التشريعية، النصفية، الأميركية كان مفهوماً اجراء تعديلات بنيوية/شكلية على بعض الوجوه البارزة في الادارة الأميركية، لدواعي متعددة ليس أقلها تعزيز الولاء الشخصي للرئيس عند المسؤولين. بيد أن السرعة التي باشر بها بأقالة/استقالة وزير العدل، ومن ثم انتعاش التكهنات الخاصة بتغيير وجوه مسؤولين آخرين تصدرت الاهتمامات الإعلامية والسياسية على السواء.

          من المسلم به، لدى الحزبين، أن صيغة تقاسم السلطة استعادت وهجها ومكنت الطرفين من الاحتفال بنشوة الانتصار، والاستعداد الثنائي الحثيث لجولة الانتخابات الرئاسية المقبلة. ويرجح أنه الدافع الأهم وراء عزم الرئيس ترامب عزل واستبدال بعض كبار رجالات المؤسسة في حكومته، وزير العدل، وفي المقبل القريب وزير التجارة ووزيرة الأمن الداخلي ومدير مكتب موظفي البيت الأبيض ومن ثم وزير الدفاع كما يرجح.

          ما يعزز تلك الفرضية هو جملة توجهات “تراجعية” اتخذها الرئيس ترامب الذي لا يلجأ للحلول التفاوضية كخيار أول، بل نظراً لقراءته متغيرات الخارطة السياسية المتجددة ورغبته الجامحة في تجديد ترشيحه لولاية رئاسية ثانية، مما يستدعي تطويع بعض مفردات الخطاب السياسي المتشدد للتقرب من شرائح اجتماعية لم ينصفها من قبل.

          ربما من المبكر اصدار حكم في الوقت الراهن على صحة توجهات رئيس متقلب الاهواء وسريع التنصل من مواقف وتصريحات يصدرها تباعاً، بيد أن “تليين” موقفه حول مسألة اهتمام داخلي جديرة بالتوقف عندها، ومثيلاتها لاحقا؛ الا وهي نيته دعم السلطة القضائية في التحرر من قيود احكام تعسفية بالسجن رسمت معالمها وفرضت التقيد بها السلطة التشريعية بداية عقد الثمانينيات من القرن الماضي، تحت ذريعة التشدد في مواجهة الجرائم، اسفرت عن تكديس هائل لنزلاء السجون في عموم الولايات المتحدة، ضحيتها الأولى كانت الأقليات لا سيما من السود وذوي الأصول اللاتينية بنسب تفوق تعدادهم النسبي في المجتمع.

          ربما لن تسفر مساعي “تعديل” احكام القضاء عن نتائج يرغبها المتضررون أساساً من نتائجه الكارثية، لكنها تشكل توجهاً يطمئن شرائح جديدة من المجتمع لم يعهد لها الاصطفاف لدعم الحزب الجمهوري – على غرار توجهات الرئيس الأسبق رونالد ريغان “باختراعه” مصطلح “ديموقراطيون لدعم ريغان.”

          اللافت في الأمر ان الرئيس ترامب استضاف ممثلين عن الحزب الجمهوري في مجلسي الكونغرس ظاهرها الاحتفال بنتائج الانتخابات، يوم الثلاثاء 14 تشرين الثاني/نوفمبر، مخاطبهم بالقول “.. اذهبوا وابحثوا عن صيغة تحقق ذلك، انا بانتظار قراركم للتوقيع” عليه ليصبح قراراً ساري المفعول. وبهذا، فرض الرئيس ترامب تلك المسألة على السجال العام مبكراً لاحراج جناح المتشددين في الحزب الجمهوري، من ناحية، والتأثير على قواعد الناخبين في الجولة المقبلة بصرف النظر عن مدى نجاح التوجه في مجلس الشيوخ.

          علاوة على هذا المؤشر اللافت، يتردد بأن الرئيس ترامب ينظر في تبني حزمة جديدة من تخفيض معدلات الضرائب عن كاهل الشريحة الوسطى هذه المرة، بعدما حقق برنامج حزبه في تخفيضها للشرائح المترفة وكبريات الشركات. حتى لو سلمنا جدلاً ان تلك لا تعدو كونها مناورة لن تفضي إلى نتائج ملموسة وعاجلة، لكنها ستكسبه قبولاً شعبياً يتجاوز شريحة حزبه الضيقة، نحو 37% من عموم الشعب الأميركي.


صراعات داخلية وتعديلات

          تميزت ولاية الرئيس ترامب بمناخات عاصفة منذ الأيام الأولى، واستشرت التسريبات من قوى متعددة للنيل من أهليته وقدرته على الاستمرار في تنفيذ مهامه الرئاسية، فضلا عن مسلسل فضائح اخلاقية ومسلكية لم تلبث ان تتلاشى أمام فضائح اكبر واشد ايلاما، لكنه ثابت في مكانه.

          استغل الرئيس ترامب فترة الاعداد للإنتخابات النصفية/التشريعية  لتحشيد قواعده الانتخابية التصويت بكثافة باعتبار المسألة “استفتاء” على شخصه. ويسجل له من مجموع 11 مرشحاً لمجلس الشيوخ فاز 9 منهم بالمنصب “نتيجة” اصطفافه جانبهم ومشاركتهم منصة الخطابات.

          يحرص الرئيس ترامب على “تسريب” ما يريده علناً من توجهات وسياسات، ومن بينها معدل ارتياحه ورضاه “لولاء” اعضاء ادارته. وما “إقالته” لوزير العدل بالتزامن مع اعلان نتائج الانتخابات إلا أحد الدلائل على تشبثه بمركز القرار، وما يعتقده من تغييرات ضرورية في الفترة الزمنية الفاصلة بين نهاية الانتخابات واستئناف العمل بعد عطلة اعياد الميلاد والسنة الجديدة.

          لا ينبغي تحميل مسألة تغيير اعضاء الإدارة تفسيرات تفوق طاقتها، إذ اضحت عرفاً لنزيل البيت الأبيض الذي يخسر حزبه عادة بعض مقاعد في مجلسي الكونغرس، بعضها قاسية تعيد تشكيل التوازنات السياسية. فالرئيس الأسبق جورج بوش الإبن تسبب في خسارة كبيرة لسيطرة حزبه على مجلسي الكونغرس، 2006؛ وكذلك فعل الرئيس السابق اوباما.

          وايدت دراسة صدرت حديثة عن معهد بروكينغنز اجراءات التعديل في مناصب وزارية، وهي في عهد الرئيس ترامب “.. تتسق مع طبيعة التعديلات التي شهدتها كافة الإدارات الأميركية منذ عهد الرئيس الأسبق رونالد ريغان.”

          ربما الفارق المميز في ولاية الرئيس ترامب يكمن في ارتفاع معدل التغييرات في السنة الأولى من ولايته، 35% وفق الإحصائيات الرصينة، بيد أن النسبة تتقلص بعض الشيء في ولايته الثانية لمعدلات غير مقلقة مقارنة مع أسلافه السابقين، بخلاف الخطاب الإعلامي للخصوم.

          وكرر الرئيس ترامب اسلوب أسلافه في التعيين لمراكز رسمية استناداً إلى “ارشادات ورغبات” مراكز القوى في حزبه السياسي، كما هو الأمر عند منافسه الحزب الديموقراطي، التي لا تأخذ عامل الكفاءة والفعالية على رأس سلم الأولويات مما ينعكس سلباً على اداء الإدارة بشكل عام.

          في هذا السياق ينبغي النظر لحقيقة الدوافع التي أدت بالرئيس ترامب اقصاء وزير العدل جيف سشينز، ليس لتراكم الانتقادات ضده نتيجة تحقيقات روبرت موللر فحسب، بل لقراءته الواقعية بانتقال مركز الثقل في مجلس النواب ليد منافسية ومناوئيه في الحزب الديموقراطي واعلاناتهم المتكررة بفتح جملة ملفات وتحقيقات ضد شخص الرئيس، مما حدا به اتخاذ خطوة استباقية بفرض “مؤيد مضمون الولاء” على رأس وزارة العدل، ولو مؤقتاً، الذي سيلعب دوراً محورياً في الاستجابة لاستمرار التحقيقات من عدمها أو إطالة أمدها وتفريغها من زخمها على أقل تعديل.

          فرض قرار الرئيس ترامب جولة جديدة من الجدل القضائي والسياسي حول صلاحيته بتعيين عنصر في منصب وزير العدل، ولو مؤقتاً، لكنه سيخضع لموافقة مجلس الشيوخ على التعيينات الرئاسية ومؤشر على مدى نفوذ ترامب بين اقرانه في قيادات الحزب في مجلس الشيوخ.

          اشتدت في الأيام الاخيرة التكهنات حول نفوذ زوجة الرئيس ترامب، ميلانيا، في اقالة نائبة مستشار الأمن القومي، ميرا ريكاردل. بيد أن حقيقة الأمر والتوازنات المتجددة داخل مجلس الأمن القومي، تحت رئاسة جون بولتون، تشير إلى الدور المحوري الذي يمارسة الأخير في “التخلص” من بعض الوجوه والشخصيات النافذة في الإدارة، أبرزها وزير الدفاع جيمس ماتيس.

          يشار الى ان السيدة ريكارديل، الآتية من حملة الرئيس ترامب الانتخابية، وقفت صداً أمام ترشيحات ناصرها وزير الدجفاع جيمس ماتيس، بزعمها أن ولاءها يميل نحو الحزب الديموقراطي وليس للرئيس ترامب. كما عارض ماتيس ترشيحها سابقاً لمنصب رفيع في وزارة الدفاع، واتهمها بتقويض آلية الاتصالات والتواصل بين وزارة الدفاع ومجلس الأمن القومي.

          الاحتقانات الشخصية بين مختلف مراكز القوى في الإدارة تشتد وطأتها بعد الانتخابات النصفية، وتصويب الرئيس ترامب بعض سهام هجومه على وزيرة الأمن الداخلي، كيرستن نيلسون، واتهامها باتخاذ موقف لا يتسم بالتشدد الكافي في مواجهة مسألة “قافلة المهاجرين” من أميركا الوسطى طلباً للجوء السياسي في الولايات المتحدة.

          نيلسون كانت محور صدام احتل مساحة تغطية إعلامية في الأسابيع القريبة بين مدير مكتب موظفي البيت الأبيض، جيم كيلي، ومستشار الأمن القومي جون بولتون الذي اتهم الأول بإقامة علاقة عاطفية مع نيلسون عندما كانت نائبة له في وزارة الأمن الداخلي قبل انتقاله للبيت الأبيض. وتم تسوية الأمر، وفق التقارير الإعلامية، باصطفاف الرئيس ترامب إلى جانب بولتون، مما عزز التكهنات عن قرب مغادرة كل من كيلي ونيلسون، واستبدالهما بشخصيات أشد تشدداً تتواءم مع توجهات جون بولتون.

          السؤال المحوري في هذا الصدد يتمحور حول ما ستؤول إليه توجهات السياسة الخارجية الأميركية بعد تثبيت أقدام متطرفي اليمين السياسي. مما لا شك فيه أن رغبة ذاك التيار وداعميه في داخل منظومة المؤسسة السياسية والاستخباراتية والدفاعية باستهداف إيران قد نجح إلى حد ملموس، بيد أن سياسة تجديد العقوبات لم تفرز عن سيادة الموقف الأميركي عالمياً كما كان يرتجى.

          وعليه، يمكننا القول أن مفاصل السياسات الخارجية الأميركية ستنحو منحىً موازياً لسياسة تسعير العداء باتجاه روسيا وايران وحلفائهما في الأقليم، في المدى المنظور، واشعال حروب “موضعية” لن تتطور لمواجهات مباشرة، دون الالتفات لتداعيات تلك السياسات على مكانة واشنطن العالمية في المديين القصير والمتوسط.

التقرير الأسبوعي 11-09-2018

 ترامب يتجاوز “لعنة” الانتخابات النصفية
والحزب الديموقراطي يعزز وسائل المحاصرة

 

            تشاطر الحزبان، الجمهوري والديموقراطي، نشوة الانتصار والارتياح لنتائج تقاسم السلطة، وإن بدرجات متفاوتة. بيد ان ميزان القوى غداة انتهاء الجولة الراهنة لا ينبيء بأفق يفضي لتغييرات حقيقية كانت تنشدها قطاعات واسعة من الشعب الأميركي، لا سيما الشرائح الوسطى الأكثر تضرراً من سياسات الحزب الجمهوري.

من المفيد المرور على خصائص المشهد السياسي الراهن، أبرزها اجماع الحزبين والمراقبين السياسيين على ارتفاع حجم المشاركة الشعبية، لا سيما قطاعي المرأة وجيل الشباب، وسُجِّل مشاركة 114 مليون ناخب، مقابل 88 مليوناً في جولة الانتخابات النصفية لعام 2014.

تميزت مشاركة المرأة بدخول 255 حلبة الانتخابات عن الحزبين، فازت مرشحات الحزب الديموقراطي بـ 93 مقعدا، مقابل 13 مقعداً لمؤيدي الحزب الجمهوري. وتصدرت المرأة عمليات التحشيد للناخبين ومطالبتها بضرورة تحقيق تمثيل أوسع انطلاقاً من حالة الغضب المتصاعدة من تساهل الجهات الرسمية مع المتهمين بالتحرش الجنسي، ابرزهم القاضي في المحكمة العليا، كافانو.

حرص المرأة على اوسع مشاركة أوضحت دوافعها السفيرة الأميركية السابقة، سواني هانت، بالقول أن اهتمامات “الجنسين مختلفة بل متباينة لاستصدار قوانين ناظمة لمسائل معينة ولديها قدرة وجلد أكبر للتعامل مع الطرف المقابل وبناء التحالفات .. والمرأة لديها اهتمامات حقيقية لاصدار تشريعات تهم القضايا العائلية بمجملها؛ ولذا فالموقع الطبيعي لها لممارسة قناعاتها وفعاليتها تبقى محصورة في بنية الحزب الديموقراطي.”

على الطرف الآخر من المعادلة، سجلت الدورة الانتخابية الكلفة الأضخم في تاريخ الانتخابات الأميركية، إذ تم صرف ما لا يقل عن 5 مليار دولار انفقها الطرفين، مما يشير إلى تعاظم دور رؤوس الأموال والممولين لكلا الطرفين والتي لا تبرر الأحجام والنتائج الباهتة للحزبين في تقاسم السيطرة على مجلسي الكونغرس.

ولعل الميزة الأهم في ميزان القوى الجديد أنه يبخس توقعات الشرائح الاجتماعية الأوسع في تطلعها المشروع لرفع تداعيات السياسات الاقتصادية عن كاهلها والحد من توغل المصالح الاقتصادية الكبرى، ويؤجل معركتها إلى مرحلة غير مضمونة المعالم.

قراءة النتائج والواقع الجديد تشير إلى تفاقم حالة الانقسام والاستقطاب لمستويات غير مسبوقة، بما انها تتخذ طابع الصراع الاجتماعي والطبقي، بخلاف حالات الانقسام الأفقية إبان الحرب الأميركية على فييتنام.

النظام السياسي الأميركي “يجدد” نفسه كل سنتين بانتخابات ممثليه في الكونغرس والرئاسة كل أربع سنوات. بالنتيجة تبقى القوى الاجتماعية الراغبة في التغيير الحقيقي أسيرة ضغوط الزمان إذ لا تكاد تنتهي من جولة حتى تعد لجولة اخرى، وهكذا دواليك. بيد أن “التغيير” الآتي عبر نتائج الانتخابات لا يستطيع الصمود أمام تشتيت الأنظار والاهتمامات “وافتعال” الازمات، سواء داخلياً وخارجياً.

في هذا السياق، سيستمر الرئيس ترامب وما يمثله من تدني في القيم الإنسانية بسياساته الاقصائية غير عابيء بالتعديل الطفيف لممثلي الحزب الديموقراطي وسيطرته على مجلس النواب، لكن دون تحقيقه نسبة الثلثين الضرورية لإسقاط أي مشروع قانون لا ينشده.

المكاسب النسبية التي حققها الحزب الديموقراطي ليست كافية للقضاء أو الحد من طابع الاستبداد للرئيس ترامب، وربما سيحقق ابطاء لبعض برامجه وسياساته، لكنها ليست كافية للتصدي الحقيقي للتغول الرأسمالي الجديد أو الإعداد لمرحلة مقبلة يحقق فيها تغييراً حقيقياً يعيد البوصلة إلى ما ينشده من برامج اجتماعية.

التوقعات والخيبة

تطابقت النتائج النهائية مع التوقعات الأولية لمعظم المراقبين ومؤشرات استطلاعات الرأي القائلة باحتفاظ الحزب الجمهوري بأغلبية مقاعد مجلس الشيوخ مقابل تسلم الحزب الديموقراطي زعامة مجلس النواب.

خارطة التوزيع الديموغرافي للناخبين أيضاً جاءت مطابقة للتوقعات: المناطق المدينية ذات الكثافة السكانية أسهمت مباشرة في نتائج مجلس النواب – المعبر الأكثر قرباً عن مصالح وتطلعات القطاعات الشعبية. بينما المناطق الريفية شاسعة الامتداد وتحتل مركزاً اجتماعياً متدنياً مقارنة مع المدينية، فقد صوتت لصالح مرشحي الحزب الجمهوري.

الرقم السحري للحزب الديموقراطي كان ضرورة فوزه بـ 23 مقعداً في مجلس النواب، وجاءت النتيجة لما لا يقل عن 26 مقعدا؛ إذ لا تزال بعض الولايات لم تحسم نتائجها النهائية، وأحداها في ولاية مسيسيبي ستعقد جولة انتخابية بين المرشحين، الأول والثاني، لعدم حصول أي منهما على نسبة 50% في الجولة الأولى.

الحزب الجمهوري ركز جهوده على مناصب وولايات محددة، واستطاع توسيع اعضائه من 51 إلى 54 على الأقل، بانتظار اعلان النتائج النهائية لولايات لم تنجزها بعد. وسخر الرئيس ترامب وما يمثله في ذهنية مؤيديه المتشددين جهوده لحشد الدعم لمرشحيه، لا سيما لمنصب مجلس الشيوخ. ومن بين 11 مرشحاً ساندهم الرئيس ترامب وشاركهم المنصة فاز 9 منهم بمناصبهم، مما أدخل نشوة الانتصار مجددا للرئيس.

من أبرز خصائص استراتيجية الحزب الجمهوري، بتركيز جهوده وموارده على مجلس الشيوخ، أن الرئيس ترامب سينجح في تعيين ما يراه مناسبا لمناصب شاغرة في القضاء والسلك الديبلوماسي ودخول اعضاء جدد لحكومته؛ التي تتطلب جميعها مصادقة بالاغليبة من مجلس الشيوخ بمفرده.

اليوم التالي

          تركيبة السلطة الحاكمة الأميركية تبقي الجزء الأكبر بيد الحزب الجمهوري، لحين حلول موعد الانتخابات الرئاسية المقبلة، 2020. فالسلطة التنفيذية والنصف الأهم في السلطة التشريعية وميزان القوى في المحكمة العليا كلها بيد التيار المحافظ والمتشدد في الحزب الجمهوري.

          قادة الحزب الديموقراطي حافظوا على إرسال رسائل تهديد لنظرائهم في مجلسي الكونغرس بأن على رأس سلم اولوياتهم عند تسلمهم مجلس النواب، وما سيترتب عليه من تبديل مواقع لرئاسة اللجان المختلفة، سيشرعون باعادة اجراءات التحقيق في سجلات الرئيس ترامب المالية والضرائبية، والقضائية لإثارة زوبعه كثيفة من الغبار لشل حركته.

لن يستطيع مجلس النواب المضي بتنفيذ مطالب قواعده الشعبية بضرورة تقديم الرئيس ترامب للمحاكمة بهدف عزله، إذ يتطلب الإجراء تأييد نسبة ثلثي اعضاء المجلس، مما يخرج أحد أهم أسلحة الحزب من الحلبة قبل أن يبدأ.

بعض المراقبين يعربون عن اعتقادهم بترحيب الرئيس ترامب إقدام الحزب الديموقراطي على تفعيل اجراءات العزل، نظرأ لاطمئنانه بفشلها من ناحية، ومن ناحية اخرى سيستعيد مجد ادائه في حشد قواعد حزبه لدعم مرشحه للمحكمة العليا، بريت كافانو. استدراجه قادة الحزب الديموقراطي لهذا المربع يتيح له التحلي بصفة “الضحية،” لا سيما وأن استطلاعات الرأي جاءت بمعارضة اغلبية الناخبين بنسبة 56% لإجراءات العزل.

          سلاح التحقيقات ذو حدين، يدركه الحزبان، واستخدامه من قبل أحدهم يستدعي تحرك الطرف الآخر لحملة مشابهة ضد خصومه من القيادات النافذة، لا سيما وأن تركيبة وزارة العدل ومكتب التحقيقات الفيدرالي تخضع لسيطرة الرئيس ترامب.

          وعليه من غير المتوقع أن نشهد ما هو أبعد من تسجيل مواقف وإدامة تسليط سيف التهديد لكن دون نتائج حقيقة لأي من الطرفين، مما سيعزز مرحلة الشلل الحكومي في بعض القضايا الحساسة كالمصادقة على ميزانية الدولة التي يبدأ التداول بها في مجلس النواب وترفع من ثم لمجلس الشيوخ.

          اما السلطة التنفيذية ممثلة بالرئيس ترامب فهي غير مقيدة بالتشاور مع الكونغرس، ويرجح مضي الرئيس باستخدام مكثف لإصدار قرارات رئاسية، كما فعل سلفه الرئيس اوباما في ولايته الرئاسية الثانية نظراً لحالة الشلل السائدة في مجلسي الكونغرس آنذاك.

اجراءات ترامب

          قبل ان تتضح نتائج الانتخابات النهائية أقدم الرئيس ترامب على “اقالة” وزير العدل جيف سشينز واستبداله بمدير مكتبه قافزا فوق سلم التسلسل المهني تجسدت اصداؤها في توجيه الاتهامات له بأنه يقترب من تنفيذ قراره بتعطيل مهمة المحقق الخاص، روبرت موللر. قيادات الحزب الديموقراطي كانت حذرة في اتهامه ولم تصف الإجراء بأنه مخالف للنصوص الدستورية، كما سعى البعض في وسائل الإعلام؛ وطلبت منه فقط الرد على استفساراتها لتعليل قراره واسناده بالقوانين الناظمة. ومن غير المتوقع أن يستجيب الرئيس ترامب لتلك المطالب في المدى المنظور.

          ترامب يرغب في ادخال تعديلات أخرى في ادارته، خاصة في منصب وزير الدفاع الذي يحاصره اعلاميا لدفعه تقديم استقالته كي ينجو بأقل الخسائر. المرجح أن التعديل في المنصب سيتم مع مطلع العام المقبل والتئام دورة الكونغرس بتركيبته الجديدة.

          من أبرز اسلحة ترامب وأشدها فعالية بين مؤيديه إثارته موجة عداء ضد قافلة المهاجرين مشياً على الأقدام عبر الاراضي المكسيكية باتجاه الحدود الأميركية. وأعلن عن ارساله ما لا يقل عن 5 آلاف عنصر من القوات المسلحة بكامل عتادها القتالي “لحماية” الحدود الجنوبية للبلاد. وسيستمر في التعويل على نبش المسألة واستنهاض العداء الشعبي لطرف وخطر مصطنع.

          في هذا السياق ينبغي عدم إهمال قدرة الرئيس ترامب ورجالات المؤسسة الحاكمة في تسخير الاعمال الإرهابية واطلاق النار الحي على مدنيين دون تحديد، إضافة لقدرته على تحشيد قاعدة مؤيديه المدججة بالأسلحة النزول الى الشوارع والاصطدام حين يشتم خطراً محدقاً على مستقبله.

          كلمة أخيرة بخصوص نتائج الانتخابات: قضايا السياسة الخارجية للولايات المتحدة لم تتصدر سلم الأولويات لدى القاعدة الانتخابية، بل جاءت في المرتبة الرابعة بأفضل الأحوال بعد الرعاية الصحية والحالة الاقتصادية والأمن.