2022-08-03-التقرير الأسبوعي

(ينشر بالتعاون مع موقع “الميادين” اونلاين)

المسارات المحتملة لتفادي حرب
مباشرة بين روسيا والناتو

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

الدفع باتجاه التوتر والتلويح بالخيار العسكري هو السمة الأبرز لإدارة الأزمات بالنسبة إلى الولايات المتحدة، والمسألة الأوكرانية ليست استثناء لعقيدة متجذرة في “تفوّق أميركا على العالم”، بصرف النظر عن الحقائق التاريخية والوقائع الجيوسياسية، التي تتحكم بخيارات أوكرانيا “التي كانت موحّدة”،  وباتت تنهشها أطماع الغرب لاستغلال موقعها كخاصرة رخوة لتقويض روسيا الصاعدة، ومنصّة انطلاق أيضاً في الصراع الأميركي الأوسع ضد الصين.

الإجابة على كيفية نظر النُخب السياسية والفكرية، وحتى العسكرية الأميركية، إلى تبلور الصراع الأميركي-الروسي وأوكرانيا في محوره ليست بالأمر العسير. ويمكن الاستدلال على شبه إجماع بين تلك المراكز المؤثّرة في صنع القرار السياسي، والتي تنسب نقطة البداية إلى عهد الرئيس كلينتون، وبعده صعود الرئيس جورج بوش الإبن، وتبنّيه سياسة إذكاء العداء لروسيا، ثم سعيه لاستمالة رئيس الوزراء الأوكراني آنذاك، فيكتور يانكوفيتش، بضمّ أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي، فرفض الأخير، “وجرت إطاحة يانكوفيتش في مظاهرات طالبت بعزله بعد تعليق حكومته توقيع الشراكة مع الاتحاد الأوروبي”.

سياسة العداء الأميركي لروسيا صعدت منذئذ إلى مرحلة حصارها التي نشهدها حالياً، بنى عليها الرئيس الأسبق جورج بوش الإبن في قمة لحلف “الناتو” في عام 2008، بإدراج انضمام جورجيا وأوكرانيا إلى الحلف، واندلاع أزمة روسية مع جورجيا في العام نفسه، وأخرى مع أوكرانيا في عام 2014.

انضمام أوكرانيا إلى “الناتو” كان دوماً “خطاً أحمر” بالنسبة إلى روسيا، وأيّدها في ذلك ابرز خبراء الاستراتيجية الأميركية في الشؤون الروسية جورج كينان وهنري كيسنجر. الأخير قالها بصريح العبارة :” أوكرانيا كانت جزءاً من روسيا منذ عقود. لا يجب على أوكرانيا الانضمام إلى حلف الناتو، بل عليها انتهاج مسار (حيادي) قريب من النموذج الفنلندي”، (مقال لكيسنجر بعنوان “كيف ستنتهي أزمة أوكرانيا”، صحيفة “واشنطن بوست”، 6 آذار/مارس 2014).

منذ تفكّك الاتحاد السوفياتي ومسألة التعامل مع روسيا؛ مهاجمتها أو احتوائها أو إضعافها عبر “ثورات ملوّنة” ونشر الفوضى، كانت أبرز علامات المحاور داخل مراكز القوى الأميركية، وامتداداً إلى حلفائها الأوروبيين، على قاعدة “العداء الهستيري” أو “روسي فوبيا”، تتضمّن وثيقة سياسية قدمتها إدارة الرئيس الأسبق رونالد ريغان لنظيره السوفياتي ميخائيل غورباشوف، تعهّدت فيها بعدم توسّع حلف الناتو شرقاً مقابل  موافقة الأخير على إعادة توحيد ألمانيا، بتاريخ 6 آذار/مارس 1991 (صحيفة “دير شبيغل” الألمانية، 27 شباط/فبراير 2022)

استقطب الجدل وتبادل الآراء بشأن روسيا بعضاً من أهم خبراء السياسة والاستراتيجية، من بينهم الديبلوماسي الأسبق جورج كينان، صاحب نظرية “الاحتواء” الشهيرة بين القوتين العظميين إبان الحرب الباردة. وفي خلفية النقاش “الاستراتيجي” آنذاك مسألتا “تمدد الناتو شرقاً واحتواء الصين” أو مواجهتها.

كينان، السياسي المخضرم، حافظ على اتّزان نظريته الشهيرة، احتواء روسيا، معتبراً توسّع رقعة الناتو شرقاً “سيؤسّس لحرب باردة جديدة”، واستطرد متهكماً على صنّاع القرار في واشنطن بأن “توسيع (الناتو) ناجم أصلاً عن قرار متسرّع من مجلس شيوخ لا يفقه شيئاً في السياسة الخارجية”، (مقابلة نشرتها دورية “فورين أفيرز”، 2 أيار/مايو 1998).

النخب السياسية والفكرية الأميركية، رغم تواضع أعدادها ونفوذها، تشاطرت في رؤيتها “الواقعية” للقضايا العالمية من مخاطر تمدد حلف “الناتو” شرقاً وما سيسفر عنه من مواجهات حتمية، وضمت بعضاً من أهم المسؤولين الأميركيين والأساتذة الجامعيين، منهم: استاذ العلوم السياسية المرموق جون ميرشايمر، وزيري الدفاع السابقان ويليام بيري وروبرت غيتس، واستاذ الاقتصاد في جامعة كولومبيا جيفري ساكس، والسفير الأميركي الأسبق لدى موسكو، جاك ماتلوك، والقائمة تطول.

اللافت في تلك المجموعة من الآراء تصرح مدير وكالة الاستخبارات المركزية بيل بيرنز في العام 2008، من موقعه كسفير لبلاده في موسكو، قائلاً: “دخول أوكرانيا إلى حلف الناتو يشكّل ضوءاً شديد الإشعاع بين الخطوط الحمر بالنسبة إلى روسيا، وتحدّياً مباشراً للمصالح الروسية”.

راهناً، وبعد اتضاح  توجّه حلف “الناتو” وقطبه المحوري الولايات المتحدة إلى تسعير الأزمة الأوكرانية واستغلال تصعيدها لاستعادة منطق الاستقطاب والحرب “الباردة”، وإحيائه معادلة الردع النووي، وإعلاء قرار “مجلس شيوخ لا يفقه في السياسة الخارجية”، تبدو البشرية جمعاء أمام مجموعة خيارات أحلاها مرّ، مهّد لها أحد أبرز أقطاب المواجهة العسكرية مع روسيا والمحلل الاستراتيجي، جورج فريدمان، جازماً أن روسيا، مع “انهيار الاتحاد السوفياتي، فقدت سيطرتها على المناطق الحدودية الغربية التي شكّلت القاعدة الصلبة لأمنها لمئات السنين. بيلاروسيا وأوكرانيا تشكّلان قلب المخاوف الروسية”، (نشرة “جيو بوليتكال فيوتشرز”، 7 كانون الثاني/ديسمبر 2021).

سير العمليات العسكرية، من وجهة النظر الأميركية، كان ينبغي أن يقود إلى اندلاع “حرب شوارع” مع القوات الروسية. ولهذا السبب، سرّعت واشنطن تسليم أوكرانيا أسلحة “خفيفة” تصلح لحرب العصابات، بيد أنّ الرد المقابل باعتماده سياسة القضم التدريجي مع إطباق حصاره على المدن الكبرى أجّل الفرحة الأميركية والغربية التي لا تزال الخيار الأول في الأجندة العامة.

لكن بدأنا نلمس تبلور بعض الأصوات العقلانية تطالب الإدارة ودوائر صنع القرار بالتضحية باستقلال أوكرانيا والتوصّل إلى حل يواكب الطلب الروسي بحيادية أوكرانيا، أحدثها نشرته شبكة “أم أس أن بي سي” الأميركية للتلفزة، محذرة من استمرار “رفض الولايات المتحدة إعادة النظر بوضع أوكرانيا في حلف (الناتو) كما هدّد بوتين بشن حرب. الخبراء يقولون إنّ ذلك (التوجه) كان غلطة كبرى”.

وأوضحت أن ما كانت ترمي إليه واشنطن من فرض اسلوبها بـ “ردع ديبلوماسي” على الرئيس الروسي يشير إلى أنّ “الولايات المتحدة استنفذت ترسانتها الديبلوماسية، ولم يعد بوسعها منع اندلاع الحرب ” (مقال في موقع الشبكة، 4 آذار/مارس 2022).

وتنبغي الإشارة إلى تجدّد نداءات إعادة الاعتبار إلى منطق أقطاب السياسة المشار إليهم أعلاه، في التحذير من انعكاسات تمدّد رقعة حلف الناتو لتضمّ أوكرانيا، الأمر الذي لم يكن متوقعاً، وبهذه السرعة، بعد نحو أسبوع من بدء العملية العسكرية الروسية. إذاً، نحن أمام لوحة بدأت تضغط على دوائر صنع القرار بجرأة ومنطق للتخلّي عن “خطأ” سياسة تمدد الحلف التي تهدد العالم بنكبة حقيقية، بحسب تعبير شبكة التلفزة الأميركية.

وباء عليه، باستطاعتنا القول إنّ “أزمة أوكرانيا”، بمعزل عن التصعيد العسكري الأميركي والغربي، بدأ يُنظر إليها من زاوية توازي المطالب الروسيّة: تسليم النخب الأميركية بتقسيم أوكرانيا، شرقها تحت النفوذ الروسي وغربها حليف لأميركا، واتباع سياسة الحياد.

أما المطلب الروسي الأوسع، إخراج منظومات الأسلحة والصواريخ النووية من أوروبا، لم يدخل دائرة الجدل العلني، بل جاء تلميحاً بأنّ القضايا الكبرى ستكون مادة للقاء قمة مفترض بين الرئيسين الأميركي والروسي، بحسب السياسيين والنخب الأميركية.

جرى تداول عدد من السيناريوهات المحتملة في أوساط النخب السياسية والفكرية لما قد يؤدي إليه الصراع الراهن بالاستناد إلى تدفق السلاح الغربي إلى بعض مناطق أوكرانيا، أبرزها التقسيم الواقعي لمنطقتين متضادتين في التوجه والانتماء بفعل تحقيق روسيا “بعض” مطالبها، ومصير العاصمة كييف يقرره سير العمليات الراهن، إذ تأمل واشنطن نجاح خيارها في إدامة العمليات العسكرية، وجرّ روسيا إلى خوض حرب عصابات قد تمتدّ لمدة طويلة، بعد اعلان حكومة منفى إذا نجى زيلنسكي وانسحب الى دولة مجاورة يتوقع أن تكون بولندا.

وقد يحصل  نوع من التراجع من قبل واشنطن، تحت ضغط الإنجازات الميدانية الروسية، إلى طرح صيغة مؤداها التوصل إلى توقيع “اتفاقية سلام” بين موسكو وكييف، بحضور مكثف لواشنطن، وما يعنيه ضمناً تسليم الأخيرة بضم جمهوريتي إقليم الدونباس إلى روسيا، وتعهّد كييف بعدم الانضمام إلى حلف “الناتو”.

وليس مستبعداً التسليم بمطلب روسيا بعدم تسليح أوكرانيا باسلحة ومعدات ثقيلة ومنظومات صواريخ مضادة، رغم أن فرض وقف إطلاق النار في المرحلة الحالية ليس في مصلحة القوتين العظميين، لكن ذلك لا يمنع التوصل إلى ترتيبات مؤقتة لدواعٍ إنسانية.

أما الجانب الرغبوي الذي تروّجه واشنطن، فيتمحور حول حدوث انقلاب في موسكو يطيح الرئيس بوتين تحت غطاء تنامي التظاهرات الروسية المناوئة للحرب، والتودّد إلى بعض أفراد القطاعات العسكرية، وخصوصاً من قبل المجنّدين إلزامياً، بتعطيل معداتها العسكرية.

لكن حقائق الواقع الصارخة تدحض التمنيات وأحلام اليقظة عند الأخذ بعين الاعتبار أن موسكو كانت تعدّ لعملياتها العسكرية منذ زمن، وطبّقت عدداً من الإجراءات والترتيبات في وحداتها العسكرية واسلحتها لتناسب المهام المطلوبة، وتصاعد شعبية الرئيس الروسي داخل الأراضي الروسية، وكذلك في جمهوريتي إقليم الدونباس.

في الوقائع الصلبة أيضاً، نشهد تداول “مخارج” متعددة للأزمة من قبل مجموعة الخبراء والسياسيين والديبلوماسيين السابقين، أنصار الواقعية السياسية، مؤكدين أنّ حلف الناتو “ليس من مصلحته خوض حرب مع روسيا بسبب منطقة دونباس الأوكرانية، وسيدفع الأوكرانيون ثمناً باهظاً لسياسة تهوّر الولايات المتحدة  وتغزّلها بأوكرانيا كعضو مستقبلي في الناتو من دون أي نية حقيقية للالتزام بالدفاع عنها”.

عزّزت تلك النداءات الواقعية يومية “فورين بوليسي”، المقرّبة من البيت الأبيض، في تقرير قبل بضعة ايام، بالجزم قائلة “لا أحد، لا جو بايدن أو فلاديمير بوتين، يبدي قدراً من معرفة آفاق نهاية” الأزمة الراهنة المستمرة في التصاعد والاستقطاب، الأمر الذي يفتح كوة جديدة في باب “التفاوض” والبدء ببلورة تفاهمات بين واشنطن وموسكو.

من المفيد استعادة تحذير النخب الفكرية الأميركية بشكل خاص بشأن أوكرانيا، منذ بدء “غزل البيت الأبيض” مع أوكرانيا بعد نجاح ثورتها الملوّنة في العام 2014، أبرزهم الاستراتيجي والأستاذ الجامعي جون ميرشايمر في ندوة في العام 2015، قائلاً: “الغرب يقود أوكرانيا إلى مسار اللهو واللعب، وإلى الهلاك، والنتيجة تدمير أوكرانيا. إن ما نفعله الآن، في الحقيقة، يشجّع تلك النتيجة”.

2022-20-02-التقرير الأسبوعي

(ينشر بالتعاون مع موقع “الميادين” اونلاين)

تصاعد منسوب التحذير
من
نشوب حرب أهلية أميركية

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

إمكانية تجدّد الحرب الأهلية في الولايات المتحدة أضحت مادة متداولة على منابر المؤسّسات الإعلامية الأميركية المتنوّعة، بعد أن كانت محصورة على نطاق ضيّق بين أوساط ما يسمّى اليسار أو بقايا أنماط التيارات اليسارية المتعددة. النخب السياسية والاقتصادية الاميركية النافذة عبّرت عن مخاوفها عبر صحيفة “نيويورك تايمز”، 18 كانون الثاني/يناير 2022 ، وكذلك عبّرمعهد كارنيغي للدراسات والأبحاث، 16 أيلول/سبتمبر ، 2021، إضافة إلى مؤسسات أخرى مرموقة.

الحدث الأبرز في اللحظة الراهنة كان انضمام النخب المالية والمصرفية حديثاً إلى إثارة المسألة بصورة أوضح وتوصيف أشدّ قسوة، عبر تعليقات رئيس أكبر مجموعة مالية في سوق المضاربات، راي داليو، 10 شباط/فبراير الحالي، الذي حذّر على صفحته الإلكترونية من نضوج عوامل نشوب حرب أهلية أميركية، أبرزها “تركيز مصادر الثروة في أيدي النخب المالية، وتوسّع الفجوة الفاصلة في معدلات المداخيل”، إضافة إلى “ارتفاع منسوب التطرف والصراع بين اليمين واليسار” في معادلة تسوية صفرية.         المؤسّسة العسكرية أيضاً شاركت في حملة التحذير والإعداد لمواجهة أنماط متعددة من الصراعات المسلحة. ونشرت صحيفة “واشنطن بوست” مقالاً مذيلاً بتوقيع 3 من كبار جنرالات سلاح الجيش المتقاعدين، ذوي خبرة عسكرية لا تقل عن 30 عاما لكل منهم، بعنوان “المؤسّسة العسكرية يجب أن تستعدّ الآن لعصيان مدني في 2024″، موسم الانتخابات الرئاسية المقبلة (17 كانون الأول/ديسمبر 2021).

وجاء في تحذير القادة العسكريين من تبلور انقسامات حادة في الانتخابات الرئاسية أنّه “قد يتّبع البعض أوامر صادرة عن القائد الأعلى الحقيقي للقوات المسلحة، بينما قد يتّجه الآخرون نحو (المرشح) الخاسر ترامب”. أمام هذه الحالة المرئية، ليس مستبعداً رؤية “تصدّع في القوات العسكرية، قد يؤدي إلى نشوب حرب أهلية”.

جدير بالذكر ما خبره المشهد السياسي الأميركي من حالة استقطاب حاد منذ فوز الرئيس السابق دونالد ترامب، ولا تزال فصولها تتمدد ومفاعيلها تتجذّر، نظراً إلى طرقه وتراً حساساً من العنصرية الكامنة والنزعة الشعبوية المتجددة.

في هذا الصدد، من المفيد المرور على رؤى نخب الأجهزة الاستخبارية لما يتوفر لديها من معلومات حقيقية شاملة ونصائح “واقعية” لصنّاع القرار. وكالة الاستخبارات المركزية، سي آي إيه، تموّل مجموعة بحثية تُعرف باسم “فريق عمل عدم الاستقرار السياسي”، مهمّتها إنشاء قاعدة بيانات شاملة للبنى المعنية بالصراعات السياسية الداخلية، كمؤشّر على “انهيار السلطة المركزية، والتنبؤ بأمكنة اندلاع الصراعات”.

وأبرزت صحيفة “نيويورك تايمز”، 18 كانون الثاني/يناير 2022، العضو البارز في المجموعة، السيدة باربرا وولتر، عقب إصدارها كتاباً بعنوان ” كيف تبدأ الحروب الأهلية”، بتسليطها الضوء على 3 عوامل، تقارب فيه اندلاع صراع داخلي بقيادة مجموعات عنصرية، تحاكي نموذجي “إيرلندا الشمالية أو حرب الغوار في كولومبيا”، محوره اعتماد العنف السياسي لتهديد الأمن العام.

عوامل اندلاع حرب أهلية، بحسب وولتر، هي: انتقال السلطة إلى نموذج حكم ديموقراطي أو نظام حكم استبدادي؛ الاصطفاف الشعبوي أو الفئوي، وهو الأخطر؛ تضعضع المكانة الاجتماعية لمجموعة ما، وما يرافقه من خسارتها لنفوذها السياسي.

في المحصّلة، تؤكد وولتر، التي أمضت 3 عقود في خدمة المؤسّسة الأمنية، أن المجتمع الأميركي يسير بسرعة نحو “اصطفاف شعبوي وحكم استبدادي يقترب من مرحلة اندلاع العصيان المدني”. وتضيف أن تضافر تلك العوامل يعني أن أميركا “أقرب إلى مرحلة اندلاع حرب أهلية بقدر أعلى ممّا يعتقد بعضنا”.

دراسة معهد “بروكينغز”، السالفة الذكر، تؤكّد سوداوية خلاصات السيدة وولتر. وقد اشار المعهد إلى نتائج استطلاع شامل للرأي، نُشر في 4 شباط/فبراير 2021، تفيد بأن أغلبية معتبرة من الأميركيين، 46%، يعتقدون بنشوب حرب أهلية، مقابل 11% ممن ليس لديهم رأي محدد، ومقابل 43% لا يؤيّدون نشوبها. وأضاف أن النسبة السوداوية ترتفع بين أوساط الجيل الناشئ إلى 53%. كما أن للتقسيم السكاني الجغرافي، بين الشمال والجنوب، دلالة أكبر بتأييد نحو 49% من مواطني الولايات الجنوبية لنشوب حرب أهلية، مقابل 39% من سكان ولايات الساحل الشرقي “ليبرالية التوجه” لا يؤيّدونها، بشكل عام.

المشهد السياسي الأميركي، بحسب “بروكينغز”، بالغ التعقيد ويشهد “حروباً حدودية” بين الولايات، أرضيتها المساحة الضيقة بين “حقوق الولايات كما تراها حكوماتها المحلية، وصلاحيات الدولة المركزية”، أبرزها سنّ الأولى تشريعات تعارض القوانين الفيدرالية السارية وتناقضها، مثل حق المرأة في الإجهاض، الذي تنقلب عليه تدريجياً المحكمة العليا بفعل ميزان القوى الراهن بين تيّاري الحزب الديموقراطي، الأقلية، والجمهوري الذي ينعم بالأغلبية.

كما أن التباين الحاد بين المناطق الريفية، وهي الأغلبية جغرافياً، والمدينية، الموسومة بمعظمها بالميل نحو التيار الليبرالي، سيتفاقم مجدّداً عند أولى تباشير المواجهات. وشهد بعض ولايات الساحل الغربي، مثل كولورادو وولايات جبال الروكي، سلسلة مواجهات مع القوى الأمنية المركزية، تتعاظم حدّتها باطراد.

إحدى ميّزات “المواجهة المقبلة”، بحسب إجماع معظم الخبراء الأميركيين، أن الولايات الجنوبية وفي جبال الروكي، التي كانت تعاني من شحّ في مصادر التصنيع والموارد المالية إبان الحرب الأهلية، قبل نحو 150 عاماً، لم تعد تعاني من ضعف اقتصادي منذ مساعي التحديث والتصنيع التي اعتمدتها الحكومة المركزية منذ بداية عقد الستينيات في القرن الماضي.

وتنظر الدولة المركزية بقلق إلى ولاية كبيرة مثل تكساس، المستقلة بمواردها النفطية ومداخيلها المرتفعة نسبياً، ونزعاتها المتجدّدة نحو الانفصال عن الحكومة المركزية، رغم الإدراك العام أن ذلك الهدف لن يتحقق في المستقبل القريب، لكنه يبقى عنصر تهديد يزداد زخماً مع تفاقم الأزمة الاقتصادية العامة وترهّل الحكومة الفيدرالية في تقديم خدماتها العامة، باستثناء قطاع الأمن، لتلك المناطق التي يعتبرها كثيرون “مناطق نائية”، لكنها حبلى بالأحداث.

أوجزت دراسة معهد “كارنيغي”، السابقة الذكر، بعض التحديات للحكومة المركزية باعتبار أن “سمّية المناخ السياسي الراهن تعقّد مساعي تفاوض الفريقين (الديموقراطي والجمهوري) بشأن قضايا مهمة لكل منهما، وتدفع بمنسوب الغضب لدى العامة إلى أعلى مدياته ضد الحكومة الفيدرالية التي يسودها نظام المنتصر يحصد كل الجوائز”.

بيد أن النخب السياسية لا تزال منقسمة بشأن اندلاع حرب أهلية من عدمه، والتعامل معها بدوافع رغبوية وفئوية من قبل الطرفين: الليبراليون يستبعدون الحرب، والمحافظون لا يؤيّدونها علناً، بل يسعون لإنضاج الظروف المؤدّية إلى انحسار خيارات الطرف المقابل.

الطرف الأول يتسلّح بالمؤسسات الدستورية، وابرزها المؤسّسة العسكرية، والثاني لديه ميليشيات مسلحة لا تتبع قيادة مركزية، وهي منتشرة في أكثر من ولاية، ليس في وسعها إشعال معركة طويلة الأمد، كما تشير معظم التقديرات. كما أن ضبابية الانقسام، بين الشمال والجنوب في الوصفة الأهلية السابقة، تعقّد حسابات تلك الميليشيات وداعميها، في ظلّ انقسام مديني/ريفي بصورة أدقّ. كما أن وفرة السلاح  الفردي ( 434 مليون قطعة سلاح، 19% منها تقريبا أسلحة رشاشة) لدى الأميركيين تشكّل أرضية خصبة لإندلاع العنف.

المحصّلة العامة للمشهد الأميركي تشير إلى أزمة بنيوية في النظام الساسي، وما شهده من أحداث دامية إبان “غزوة الكابيتول”، 6 كانون الثاني/يناير 2021، لم يكن معزولاً عن سياق الانقسام العام والاصطفافات الحادة، إضافة إلى رصد ظاهرة ارتفاع موجة تهديدات أعضاء الكونغرس بنحو 107% منذ ذلك الحين، والتي شملت أيضاً موظفي الدوائر الانتخابية.

التحدّي الماثل أمام المؤسّسة السياسية فريد من نوعه، بمقاييس العصر الراهن. إذ استطاعت المؤسّسة تجاوز تحديات حروبها المتتالية منذ هزيمتها في فيتنام، والأزمة الاجتماعية العامة خلال احتجاجات متتالية طبعت عقدي الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي. لكن فقدان الثقة العامة بالمؤسّسة يتعاظم بشكل متدرّج، وهو الأخطر على مستقبلها.

تضافر عوامل الانقسام السياسي، وإعادة رسم خطوط الدوائر الانتخابية لمفاضلة الحزب الجمهوري، وربما ارتفاع معدلات حوادث الإرهاب الداخلي والمصادمات المسلحة “الموسمية”، يعزّزها جميعاً تدنّي الأوضاع الاقتصادية وتنامي معدلات البطالة واتساع هوّة المداخيل، ستبقى حاضرة في المشهد اليومي، لكنّها تحت سيطرة الدولة المركزية، التي لا تزال تعتبر نشوب حرب أهلية “خطاً أحمر”.

2022-15-02-التقرير الأسبوعي

(ينشر بالتعاون مع موقع “الميادين” اونلاين)

دلالات ترشيح
الجنرال كوريلا للقيادة المركزية

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

بلورت الاستراتيجية الأميركية الكونية عداءها المتأصل للاتحاد السوفياتي، ثم لروسيا، منذ اعتمادها “مبدأ ترومان” وخطة مارشال لـ “إعادة إعمار أوروبا الغربية”، بعد الحرب العالمية الثانية، وما نجم عنها من تطور في هياكل المؤسسة العسكرية، في كل أذرعها، وتشكيلها لهيئة الأركان المشتركة، على ضوء التجارب المستفادة من سلسلة حروب منذ الحرب العالمية الأولى.

المنحى الراهن لتلك الاستراتيجية، والمتمثّل بالمبالغة في العداء لروسيا، أولاً وتلقائياً للصين، في وجهيها السياسي والعسكري، أُجمع عليه منذ العام 2014، بحسب العسكريين الأميركيين، خلال ولاية الرئيس باراك اوباما، وحافظت إدارة الرئيس جو بايدن على منسوب العداء صعوداً مطّرداً. اعتمدت تلك الاستراتيجية نزعة توتير الأجواء الدولية، وشن حروب لا متناهية منذ ذاك التاريخ، وتجديد تشكيل تحالفات جوهرها إعادة الاعتبار إلى ريادة واشنطن عالمياً، باستحضار ما يعدّه استراتيجو السياسة الأميركية “ترسيخ عقيدة الردع النووي والقصف الاستراتيجي”.

تلك المهمّات والأهداف العليا استدعت إدخال تعديلات جوهرية في هيكل القيادة العسكرية الموحّدة، والتي تأتي نتاجاً طبيعياً لمبدأ أقرّه الكونغرس في عام 1986، عُرف بقانون “غولدووتر-نيكولز”، كناية عن جهد مشترك لعضوي مجلس الشيوخ آنذاك، باري غولدووتر وويليام نيكولز، مفاده إيكال مهمـّات القرار العملياتي إلى “قيادات قتالية موحّدة” مركزية، وإبعادها عن التقليد السابق من قيادات الأفرع الاستراتيجية (القوات البرية والبحرية والطيران).

بحسب قانون “غولدووتر-نيكولز”، تم تعريف تراتبية هرم القرار العسكري، بدءاً  برئيس البلاد (البيت الأبيض)، يليه وزير الدفاع، ثم القيادات القتالية الموحّدة، والذي استغرق نحو سنتين من الدراسة والمشاورات لتعديل هرمية “قانون الأمن القومي”، لعام 1947، والذي شكّل الإطار “القانوني” لإدارة عمليات الحرب الباردة والحروب الإقليمية الأخرى.

كانت المهمة الأولى منوطة بوزير الدفاع، ثم الأفرع المتعددة. بعبارة أخرى، تخضع تلك “الأفرع الاستراتيجية”، راهناً، للقيادة المركزية الأميركية، وفق نطاق عملياتها المحددة (تقرير أجرته هيئة “الخدمات البحثية للكونغرس”، تموز/يوليو 2012، حول “خطة القيادة الموحّدة” وتحديثات لاحقة تجريها كل عامين، بحسب الظروف).

تقدّم هذه الخلفية إطلالة واقعية على محورية “القيادة المركزية” الأميركية ونطاق عملها ومسؤولياتها في الشرق الأوسط، والتي تشمل “21 دولة تمتد من مصر إلى كازخستان شرقاً”، مسرحها العراق وسوريا واليمن وأفغانستان، وإدارة أعمال الأسطول الخامس في منطقة الخليج وبحر العرب والبحر الأحمر، والتعاون مع الاسطول السادس في البحر الأبيض المتوسط.

في استطاعة المرء القول إن اختيار الجنرال مايكل كوريلا لرئاسة “القيادة المركزية”، جاء ثمرة نقاشات عسكرية وسياسية معمّقة، “وكان متوقّعاً منذ بضعة أشهر”، بحسب جنرالات البنتاغون.

تم منح كوريلا وسام النجمة الرابعة في العُرف العسكري، وهو سيخلف الجنرال الحالي مارك ميللي، ذو النجوم الثلاث. ما يميزه، تراتبياً وعسكرياً، هو خبرته الميدانية القتالية والقيادية الطويلة، وخوض عمليات “مكافحة الإرهاب”، بدءاً بالغزو الأميركي لبنما عام 1989، والقصف الجوي المكثف ليوغسلافيا 1999، وحروب الشرق الأوسط المتتالية: “عاصفة الصحراء” ضد العراق في عام 1991، والغزو الأميركي للعراق عام 2003، مروراً بالعدوان على أفغانستان عام 2001 والحرب الكونية على سوريا منذ آذار/مارس 2011. وتشير سيرته الذاتية الرسمية إلى تعرضه لإصابات خطيرة في إبان معركة الموصل في عام 2005، كوفئ في أثرها بوسامين عسكريين. ثم تولّى منصب قائد الفرقة 82 المحمولة جواً، والدائمة الحضور في الغزوات الأميركية المتعددة عبر العالم، الأمر الذي أهّله لنيل وسام النجمة الرابعة “نظير شجاعته”. وكان أحدث منصب له قائداً للفيلق 18 المحمول جواً.

تعرّف العالم إلى عقلية المرشح الجديد للقيادة المركزية الأميركية، مايكل كوريلا، وتوجهاته، خلال مثوله في جلسة استجواب أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، في 8 شباط/فبراير الحالي، مؤكداً فيها جملة من المواقف الاستراتيجية الأميركية، وخصوصاً في الشرق الأوسط.

قالت صحيفة النخب الليبرالية الأميركية، “واشنطن بوست”، إن مايك كوريلا هو الأوسع خبرة في الشرق الأوسط، وإنه “سيُجري تقييماً للخيارات العسكرية التي يمكن أن تساعد وزارة الخارجية في مهماتها”. ومن أهم ما جاء في شهادته وإجاباته، المواقف التالية:

ضرورة استمرار انخراط الولايات المتحدة في شؤون الشرق الأوسط نظراً إلى أهميته في منافسة كل من الصين وروسيا؛ تمثّل طهران الرقم 1 في زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط؛ أي اتفاق قابل للتنفيذ يجب أن يضمن عدم حصول إيران على سلاح نووي؛ معارضة إجراءات إعفاء إيران من العقوبات في مقابل تعهّدها وقف مسارها لاقتناء سلاح نووي؛ إيلاء أهمية أعلى لتقنية الذكاء الاصطناعي وتسخيرها في مواجهة إيران؛ إيران تقدّم الدعم المالي إلى حركة “أنصار الله” وميليشيات أخرى في العراق وسوريا؛ ضرورة مبادرة أميركا من أجل تطوير نظام دفاع جوي وصارخي متكامل في منطقة الخليج؛ الغزو الروسي لأوكرانيا سيعزّز دور روسيا، وخصوصاً بعد نجاحه في التمدّد والنفوذ في سوريا، حيث القواعد والقوات الروسية هناك.

كان لافتاً أيضاً، خلال شهادته، استدراره عطف مناوئي الانسحاب من أفغانستان، وما رافقه من جدل واسع لم يتراجع إلاّ بفعل تجدد الأولويات الاستراتيجية نحو مواجهة روسيا في أوكرانيا.  وذكّر أعضاء اللجنة البالغة التأثير في القرار السياسي بأن “مسرح القيادة المركزية يضم 9 من مجموع 10 من أشد المنظمات الإرهابية خطورة في العالم”.

في هذا الشأن، ركّز كوريلا على عدم اعتبار نظام طالبان شرعياً واتهامه برفض ادانته لتنظيمي القاعدة و”داعش” – فرع خراسان، ومساعيهما الجارية لإعادة تنظيم صفوفهما، ولما يمثلانه من تهديد مباشر للأراضي الأميركية، مسترشداً بما سمّاه “إطلاق طالبان سراح معتقلي قاعدة باغرام” عقب سيطرته على العاصمة كابل.

وأوضح كوريلا أن عمليات “الاستطلاع الجوي فوق أفغانستان لم تعد  بذات الفعالية المبتغاة ذاتها، نظراً إلى طول المسافة التي تستغرقها رحلات الطيران، وتستهلك نحو ثلثي الزمن المفترض، والتداعيات الميدانية المتمثلة بتغيير وجهة المستهدف الناجمة عنها “.

وبناء على توجُّهاته التي أفصح عنها، مداورة أحياناً، اعتبر كوريلا أن هناك ضرورة ماسّة لإنشاء نظام دفاعي جوي وراداري مشترك، يدمج القدرات المتوافرة لدى “دول مجلس التعاون الخليجي والأردن و”اسرائيل”، والتنسيق مع الجهة الموكّلة بمهام إطلاق صواريخ الدفاع الجوي” من ترسانتها.

تلك التصريحات والتوجهات الهادفة، معطوفة على الخبرة الميدانية للمرشّح كوريلا، تؤهله لمصادقة اللجنة المحورية، ثم جلسة مجلس الشيوخ بكامل أعضائها، لتوليه منصب قائد القيادة المركزية الأميركية، من دون عوائق أو عقبات مرئية.

2022-31-01-التقرير الأسبوعي

(ينشر بالتعاون مع موقع “الميادين” اونلاين)

مراهنات واشنطن لتوريط روسيا
في أوكرانيا: سيناريوهات عسكرية

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

“غزو أوكرانيا”، إفتراضياً، أصبح وشيكاً في السرديات الأميركية، الرسمية والإعلامية، بل ذهبت إلى تحديد الزمن ، شهر شباط/فبراير المقبل، وذلك لسببين: افتتاح دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في الصين، ما بين 4-20 شباط/فبراير، بحضور الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (مع ملاحظة عدم توجيه بكين دعوة حضور إلى الرئيس الأميركي)؛ والآخر انتظار ظروف طبوغرافية مؤاتية تتجمّد فيها مستنقعات بريبيت، وهي مساحة كبيرة من الأراضي تغطي أجزاء من بيلوروسيا (روسيا البيضاء) وشمال أوكرانيا، لتسهّل حركة المركبات والمعدات الثقيلة والقوات المدرعة.

وأجرى الرئيس جو بايدن مكالمة هاتفية مع نظيره الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، في 27 كانون الثاني/يناير الحالي، محذّراً من وجود “إمكانية واضحة” لغزو روسيا لأوكرانيا الشهر المقبل، بحسب بيان البيت الأبيض. وفي اليوم التالي للمحادثة، جرت مظاهرة معادية للحرب بين الجارتين أمام مبنى البرلمان الأوكراني، الرادا، في العاصمة كييف.

كما أكدت نائبة وزير الخارجية الأميركي ويندي شيرمان توقعات الطاقم السياسي الأميركي بأن مؤشرات “الغزو” المحتمل لأوكرانيا “في وقت ما، ربما الآن أو  بحلول منتصف شهر شباط/فبراير المقبل” (مقابلة أجرتها عن بُعد مع “منتدى استراتيجية يالطا الأوروبية”، في 26 كانون الثاني/يناير 2022).

بيد أن المفاجأة الكبرى كانت في تصريح منسوب للرئيس الأوكراني نفسه، معرباً عن عدم توافقه مع تقييم/تحذير الرئيس الأميركي، نافياً حتمية نشوب حرب مع روسيا، ومطمئناً مواطنيه بسعيه إلى تفادي وقوع حرب بكل السبل المتاحة، الأمر الذي دفع بعض النخب الاستراتيجية الأميركية إلى الاعتقاد بأن أيامه معدودة، وعليه دفع ثمن معارضة تباين موقفه مع واشنطن في أدق الظروف السياسية.

وسبق ليومية “فورين بوليسي” أن نقلت انتقاد مدير الأمن الوطني ومجلس الدفاع الأوكراني، أوليكسي دانيلوف، الدول الغربية للترويج للحرب، وأن ما يتردد من غزو روسي وشيك لا يعبّر إلا عن “رُعب” داخل الأوساط الغربية، كما أن “المؤشّرات الراهنة تدلّ على توجّه روسيا إلى المفاوضات، لا إلى الغزو” (موقع “فورين بوليسي”، 24 كانون الثاني/يناير 2022).

الخلاف الأميركي – الأوكراني، بشأن حتمية ما يُسمى الغزو الروسي، بدأ يأخذ منحىً تصاعدياً من قبل صناّع القرار السياسي في واشنطن وامتداداته. وأوضحت يومية “نيويورك تايمز” المسألة تحت عنوان مثير “أوكرانيا توبّخ أميركا”، مشيرة إلى أن “تبايناً حادّاً في وجهات النظر برز على السطح، والأجواء كانت تغلي ببطء منذ بضعة أسابيع”، على خلفيةآلية تقييم نيّات روسيا.

وفاقم المسألة بين الطرفين إصدار واشنطن تعميماً بلغة التحذير لرعاياها بمغادرة أوكرانيا، ما قطع شك كييف باليقين بأن واشنطن تدفع بها دفعاً إلى الاشتباك مع موسكو. (صحيفة “نيويورك تايمز”، 29 كانون الثاني/يناير 2022).

أما معسكر الحرب، الأقوى تأثيراً ونفوذاً في القرار السياسي الأميركي، فله اليد الطولى في دق طبول الحرب، خصوصاً انها (قد) تجري بعيداً عن الأراضي الأميركية وبعدم مشاركة قوات أميركية كبيرة.

فقد حدّد موقع “ناشيونال انترست”، المتخصص بالشؤون العسكرية والاستراتيجية الأميركية أبرز الاحتمالات في مخطط الحرب المفترضة وفحواها “شنّ روسيا هجوماً إلكترونياً هائلاً على أوكرانيا، ثم تقطع مصادر الطاقة عنها، وتقضي على قواتها الجوية والبحرية الضئيلة، وتدمّر أي مخابئ أسلحة رئيسية وإمداداتها من طائرات الدرونز”. وأضاف أن روسيا ستحتاج إلى 200 ألف جندي كحد أدنى لتنفيذ الغزو (مقال بعنوان “كيف يتعيّن على بايدن الاستجابة لغزو روسي لأوكرانيا”، موقع “ناشيونال إنترست”، 25 كانون الثاني/يناير 2022).

أما الخيارات المتاحة أمام الرئيس جو بايدن، بعد سلسلة نقاشات معمّقة مع كبار الخبراء العسكريين والاستراتيجيين والأمنيين، فهي “لا تتضمن نشر قوات أميركية إضافية في أوكرانيا”، وتقتصر على نحو 8،500 جندي للتموضع في دول أوروبا الشرقية، في بولندا أو ليتوانيا “إن استدعت الحاجة ذلك”. أوساط مسؤولة في البنتاغون أضافت أن تلك القوات ستُستخدم في “إجلاء عشرات الآلاف من الأميركيين المقيمين في أوكرانيا” (صحيفة “نيويورك تايمز”، 23 كانون الثاني/يناير 2022؛ وصحيفة “وول ستريت جورنال”، 24 كانون الثاني/يناير 2022، على التوالي).

يثير معسكر الحرب الأميركي مسألة العودة إلى تفعيل “مبدأ مونرو”، في عام 1823، الذي اعتبر القارة الأميركية الجنوبية برمّتها حديقة خلفية لواشنطن “يُمنع” على أي من القوى الأخرى منافستها فيها أو عليها. وجاء في رسالة الرئيس مونرو للكونغرس آنذاك قوله: “يجب علينا اعتبار أي محاولة للتمدد (الأوروبي) في أي مكان من نصف الكرة الأرضية (الغربي) خطراً على سِلمِنا وأمنِنا”. وأضاف موضحاً أن البيت الأبيض يعتبر أي “عدوان ضد دولة في أميركا اللاتينية عدواناً على الولايات المتحدة نفسها”.

ويضيف المؤرّخون الأميركيون أن “مبدأ مونرو” الأصلي شهد عدة تعديلات وإضافات تناسب تطورات العصر الحديث ومتطلبات الهيمنة الأميركية، منذ بداية القرن العشرين، ترمي بمجملها إلى “تعزيز المباديء بالقوة القاهرة، لكنها كانت تحت سقف النص الأصلي، وتعالج مستقبل الاستراتيجية الأميركية على حدة في حال انتهاك روسيا أو الصين أو تعدّيهما على الشطر الغربي من الكرة الأرضية” (مقال بعنوان “هل سيُحيي الغزو الروسي مبدأ مونرو؟”، “ناشيونال انترست”، 28 كانون الثاني/يناير 2022).

المناسبة كانت تعثّر المفاوضات الثنائية بين واشنطن وموسكو  لطلب الأخيرة سحب قوات حلف الناتو من الفضاء الحيوي لروسيا، أتبعتها بتصريح لنائب وزير الخارجية، سيرغي ريابكوف، مهدّداً بنشر روسيا صواريخ متطورة وقوات عسكرية في كل من كوبا وفنزويلا ونيكاراغوا، ما أعاد إلى الأذهان “أزمة الصواريخ الكوبية”، 1962، والتي أسفرت عن تنازل متزامن للطرفين، الأميركي والسوفياتي، وامتناعهما عن نشر صواريخ استراتيجية كل منهما بالقرب من حدود الآخر، أطلق عليها الاستراتيجيون الأميركيون مصطلح “نموذج كنيدي – خروتشوف في إدارة العلاقات بين قوتين عظميين متساويتين” (جيمس هولمز، رئيس كلية الاستراتيجية البحرية في جامعة الحرب البحرية، 28 كانون الثاني/يناير 2022).

في البُعد العسكري الصرف، لا يشكّ أحد في أفضلية روسيا على أوكرانيا، تسليحاً وعديداً. لكن القوات الأوكرانية، بمساعدة غربية، استطاعت تحديث ما لديها من قطع عسكرية متآكلة، منذ اشتباكات عام 2014، مع القوات المدعومة من روسيا في شرقي البلاد. كما حصلت أوكرانيا على بعض العتاد الغربي المتطور في الآونة الأخيرة، خصوصاً في السلاح وقاذفات الصواريخ ضد المدرعات، إضافة إلى مرابطة عدد من القوات الخاصة “الأميركية والبريطانية” على أراضيها، ونحو 150 عسكري من فصيلة الحرس الوطني “اللواء 53 مشاة قتالي” الأميركي .

جدير بالذكر أن القسم الأكبر من القوات العسكرية الأوكرانية يرابط في الجزء الشرقي من البلاد، في إقليم دونباس. أما القوات الروسية فقد تموضعت داخل أراضيها بالقرب من حدودهما المشتركة، وكذلك في أراضي روسيا البيضاء المجاورة، ما يمثّل عامل ضغط إضافياً على الطرف المقابل، حلف الناتو، ملوّحة بإمكانية فتح جبهة واسعة أخرى، فضلاً عن أسطول القوات البحرية الروسية المتطورة في مياه البحر الأسود، والذي يستطيع فرض حصار بحري، من ناحية المبدأ.

يتوقّع بعض العسكريين الأميركيين قيام قوات حلف الناتو وأوكرانيا معاً باحتلال إحدى القنوات المائية في شبه جزيرة القرم، لحرمان القوات الروسية من التزود بها واضطرارها إلى سحب مياه الشرب من مناطق بعيدة. يقابل تلك الخطوة ردّ روسيّ مباشر بالسيطرة على جسر برّي يربط القرم بالمناطق التي تسيطر عليها القوات المناوئة لكييف، في إقليم دونيتسك، والتموضع هناك، ما سيؤدي إلى تفسخ البلاد بالنظر إلى تطلعات مواطنيها في غاليتسيا غربي أوكرانيا إلى التعلق ببولندا لدواعٍ تاريخية، حيث تمّ اقتطاعها من الأخيرة إبان الاحتلال النازي.

العامل المفاجيء لقيادة حلف الناتو جاء من ألمانيا التي امتنعت عن تزويد أوكرانيا بأسلحة، مباشرة أو عبر دول البلطيق، وأرسلت وزيرة خارجيتها، آنالينا بيربوك، زعيمة حزب الخضر الألماني، إلى موسكو للقاء نظيرها الروسي، سيرغي لافروف، مؤكّدة “أهمية العلاقات” بين بلديهما، وأن حكومتها الجديدة في برلين “تبحث عن إرساء علاقات متينة ومستقرّة مع روسيا” (18 كانون الثاني/يناير 2022).

وعرّجت بيربوك على زيارة أوكرانيا ولقاء نظيرها وزير الخارجية ديميترو كوليبا، قبل لقائها في موسكو. وقالت في مؤتمر صحفي مشترك: “نحن مستعدون لحوار جادّ مع روسيا، لأن الديبلوماسية هي السبيل الوحيد لنزع فتيل هذه الأزمة الخطيرة للغاية”.

في خلفية القرار الألماني، استثمارات برلين العالية في خط السيل الشمالي-2، لنقل الغاز الروسي مباشرة إلى الأراضي الألمانية، والذي تعارضه واشنطن بشدة. وما زالت ترسل تهديداتها بمنع تشغيل الخط “في حال أقدمت روسيا على غزو أوكرانيا”، والذي تعتبره برلين شمّاعة واشنطن لديمومة هيمنتها على قرار استيراد الطاقة بمعزل عن توجهات الولايات المتحدة.

أمام الاصطفافات الجديدة في القارة الأوروبية، وخصوصاً النشاط الديبلوماسي الذي تبذله ألمانيا في موازاة فرنسا، لنزع فتيل الاشتباك وتخفيف حدة التصعيد، يلاحظ لجوء واشنطن إلى استعادة “الخيار الديبلوماسي” مع روسيا، في خطابها السياسي، على الرغم من استمرار تدفق شحناتها من الأسلحة والمعدات والأموال إلى أوكرانيا. هذا إضافة إلى ثبات بريطانيا على توريد أسلحة ومعدات متطورة مباشرة إلى أوكرانيا، برضى أميركي.

في نهاية المطاف، فإن قرار الحرب من عدمه تفرضه موازين القوى لدى الطرفين، ومدى استعداد جميع أعضاء حلف الناتو تحديداً تحمّل تبعات قرار قد يجلب وبالاً عليها وتدميراً لاقتصاداتها. بل هل ستبقى واشنطن متمسكة بـ”الحل الديبلوماسي” أم ستعيد إحياء “مبدأ مونرو” بصيغته الجديدة؟

عدد من دول أميركا اللاتينية انشقت عن “مبدأ مونرو” والهيمنة الأميركية على ثروات هذه الدول، الطبيعية والبشرية. وتؤكّد، كلّ من كوبا وفنزويلا ونيكاراغوا وبوليفيا، سيادتها الكاملة على أراضيها وحريّة خياراتها السياسية، تلبية لمصالح شعوبها ورفاهيتها. وليس من المستبعد استجابة روسيا لطلب بعض تلك الدول مساعدتها عسكرياً لتعزيز قدراتها الدفاعية أمام محاولات واشنطن المستدامة لإحداث انقلابات تؤدي إلى سيطرة حلفائها على مقدّرات البلاد.

الخبير الاستراتيجي الأميركي، جيمس هولمز، يرجّح حلاً ينطوي على تعهّد موسكو بعدم التواجد العسكري في حوض البحر الكاريبي، مقابل قبول واشنطن تصرّفها بحرّية في دول أوروبا الشرقية سابقاً.

بيد أن مسار الوصول إلى صيغة مماثلة أو قريبة من ذلك يستدعي تعديلاً أساسياً في سياسة الولايات المتحدة واستراتيجيتها، لقبول الطرف الآخر على قدر من المساواة، والتي نادى بها المرشح الرئاسي الأسبق عن الحزب الجمهوري، باتريك بيوكانين، مناشداً البيت الأبيض والكونغرس معاً “إبداء احترام مخاوف” الرئيس الروسي، والتعهّد بعدم تمدّد حلف الناتو شرقاً. بل طالب بحلّه نظراً إلى المتغيرات الدولية، وتوجّه صنّاع القرار إلى مواجهة الصين.

2022-24-01-التقرير الأسبوعي

(ينشر بالتعاون مع موقع “الميادين” اونلاين)

بايدن ومحاولته اليائسة
في تغطية الفشل عبر المطوّلات

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

استغرق الرئيس بايدن مؤتمره الصحفي، 19 الشهر الحالي، زهاء ساعتين، مخاطباً الشعب الأميركي، ومجيباً على أسئلة الصحافيين، ونافياً الاتهامات بعدم أهليته لقيادة البلاد وتراجع قدراته الذهنية، مارّاً على عدد من الملفات والتحديات الداخلية والخارجية التي تواجه الولايات المتحدة. واضطُر بعض أعوانه إلى لإقرار بأن توقعاته لم تكن في صالح سرده الإخفاقات التي واجهها في عامه الأول، لكن الشعب الأميركي يعي ذلك جيّداً.

الملاحظة الأبرز في أدائه الأخير أن الولايات المتحدة تعاني من حالة انقسام سياسي “غير مسبوق في تاريخها الحديث”. ومن بين الوعود التي قطعها على نفسه وأخفق في إنجازها، فإن الحفاظ على الوحدة الداخلية يعدّ من أهم مسؤولياته، تليه الحالة الاقتصادية وعدم انقسام الحزب الديموقراطي على نفسه. وعبّرت صحيفة “نيويورك تايمز” عن مأزق البيت الأبيض قائلة: “لا يزال بمقدور بايدن إنقاذ رئاسته”. واستدركت بالتحذير من أنّ “ثمة خطورة من أن تؤدي سياسات بايدن إلى وضعية لا يعود معها خصوم أميركا يخشونها، ويصبح فيها حلفاؤها لا يثقون بها” (“نيويورك تايمز”، 18 كانون الثاني/يناير 2022).

من نافل القول إن الرئيس بايدن حصل على أعلى نسبة تصويت من الناخبين في تاريخ الكيان السياسي الأميركي، بينما أشارت استطلاعات الرأي المتتالية في سنته الأولى إلى تدنّي أدائه، وإلى أنه “الرئيس الأكثر تخييباً للآمال منذ ما يزيد من 75 عاماً”. وأقرّ الرئيس بايدن بذلك في بداية خطابه قائلاً: “لا أؤمن باستطلاعات الرأي”، وبأنه لن يقبل ببساطة الوضع الراهن كمقياس. وقال: “لن استسلم وأقبل الأمور كما هي عليه الآن، بعضهم يعتبره وضعاً عادياً جديداً، وأنا اوصّفه بأنه عمل لم يكتمل بعد”.

وقد أشار استطلاع أجراه “معهد غالوب”، في شهر تشرين الأول/اكتوبر الماضي، إلى نيله أدنى نسبة تأييد بين الرؤساء الأميركيين منذ عهد الرئيس الأسبق هاري ترومان في عام 1945.

خرج الرئيس بايدن عن أطواره الهادئة بعض الشيء بانتقاده سلفه الرئيس ترامب، لممارسته نفوذه على أعضاء الحزب الجمهوري لتعطيل خطته للنهوض بالاقتصاد، وباتهام قادة الحزب الخصم بأنهم ليس لديهم أي خطة أو أهداف غير التعطيل، وتقديم مستقبلهم السياسي على حساب مستقبل البلاد.

مرور الرئيس بايدن في خطابه على سلفه الرئيس ترامب ليس بعيداً عن الواقع. فلقد أظهر الأخير أنه “قيادة غير مرئية” لتوجّهات الحزب الجمهوري، ولا يزال يمارس دوره في ترشيح مندوبي الحزب الموالين له، وإقصاء الذين عارضوه أو أيّدوا مساعي تقديمه إلى المحاكمه.

أما بصدد أجندته للنهوض بالاقتصاد وترميم البنى التحتية، فقد أعرب بايدن عن خيبة أمله من “عدم مساندة مجلس الشيوخ”، من الحزبين. وللخروج من المأزق، وافق بايدن على تقسيم الخطة الأصلية إلى مجموعة أجزاء طمعاً في نيل دعم إثنين من أعضاء حزبه في مجلس الشيوخ، ومن ثم تُهيّئ نائبة الرئيس جلسة التصويت كي يفوز بنسبة الأغلبية البسيطة. لكنّ “الشيطان يكمن في متن التفاصيل”.

أوجز عدد من منتقدي الرئيس بايدن ما يواجهه من تحديات بانها تتمثل في “حال الاقتصاد، وجائحة كورونا وإخفاق التأييد لبرامجه المقدمة في الكونغرس، ما أسفر عن بداية باهتة في سنته الأولى”.

الأجندة الخارجية للرئيس بايدن حظيت بمساحة كبيرة من الاهتمام. فقد واجه ـ3 ملفات ملتهبة، الصين وروسيا وإيران، ناشداً الصدام مع الأولى والثانية، بينما حافظ على قدر من لغة التهدئة بشأن الملف الإيراني لاعتبارات المفاوضات النووية الجارية في فيينا، ما يدّل على نية أميركية للعودة إلى لاتفاق. لكن كبار مستشاريه في البيت الأبيض يُصرّون على أن “طهران لم تقدم أي شيء بنّاء في المفاوضات حتى اللحظة، وأن الوقت ليس متاحاً إلى ما لا نهاية”. جاء ذلك على تضاد مع خطاب الرئيس بايدن بقوله: “هناك بعض التقدم في المفاوضات، لكننا سننتظر إن كانت إيران جاهزة للاتفاق”.

ومهّدت فصلية “فورين أفيرز” سقف اجواء المفاوضات الجارية في فيينا بالقول “إن أميركا لا تريد الحرب، ولكنها لا تريد إيران نووية أيضاً. وهذه معضلة حقيقية تزيد من شهوة إيران العدوانية في المنطقة” (“خط أحمر لإيران” في مجلة “فورين أفيرز”، 23 كانون الأول/ديسمبر 2021).

على الجانب المقابل، أوضح السفير الأميركي السابق لدى سوريا، روبرت فورد، ما يدور في خلد المعادين للتقارب مع إيران، وهم الأغلبية، قائلاً: التحدّي الإيراني يمثّل أبرز التحديات التي تواجه أميركا في المنطقة، وعلى واشنطن العمل مع حلفائها التقليديين في المنطقة لمقاومة توسّع النفوذ الإيراني، ولا يمكن للإدارة القيام بذلك من دون الاعتماد على السعودية وتركيا.

استهداف واشنطن للصين ليس جديداً، بل هو امتداد لسياسات الرؤساء الأميركيين من الحزبين. وأوضح بايدن أن حكومته لن ترفع عقوبة رسوم التعرفةالجمركية التي فرضها سلفه الرئيس دونالد ترامب عليها، وصعّدت المواجهة العسكرية في مياه المحيط الهاديء في جوار الصين، وتضع نصب أعينها إعاقة أو تعطيل خطة الصين بالانفتاح على العالم، المعروفة بمبادرة “الحزام والطريق”.

الصراع الأميركي مع روسيا لا يزال امتداداً للسياسات الأميركية السابقة في معاداتها لها، على الرغم من إلصاق هالة من “الواقعية السياسية” على الرئيس بايدن، مقارنة مع سلفه الرئيس ترامب. وبرزت أوكرانيا كبرميل بارود على وشك الانفجار، نتيجة الاصطفافات والتحالفات السياسية التي تقودها واشنطن مع حلفائها في حلف الناتو.   الأمر الذي يناقض ما وصفه الصحفي الأميركي الشهير بوب وودوارد في كتابه “الخطر المحدق”، بأن (نائب الرئيس) بايدن لم يكن راضياً عن كيفية تلاعب القادة العسكريين بالرئيس أوباما بشأن أفغانستان، كي يأخذ قراراً بزيادة عدد القوات الأميركية هناك.

تمسّك الرئيس بايدن بخطاب التصعيد ضد روسيا، محذّراً من “الكلفة الباهظة أن غزت أوكرانيا”، أبرزها سيل من العقوبات الاقتصادية، بينما أمدّت واشنطن كييف بمعدات عسكرية مختلفة ومنح مالية، فضلاً عن تقديمها الدعم السياسي والديبلوماسي.

إصرار الإدارة الأميركية على مواصلة نهج التصعيد مع روسيا يعززه فشل المحاولة الأخيرة لقلب نظام الحكم في الجارة الجنوبية كازاخستان، كما يشاع في واشنطن. كان من المفروض أن تتحقق المساعي الأميركية “لقلب الطاولة على روسيا في حديقتها الخلفية” قبل لقاء وفديهما في فيينا، 18 الشهر الحالي، لاستعراض الوضع بشأن الاتفاق النووي.

كما تشدّدت واشنطن في تصريحاتها للرد على تساؤلات روسيا في ورقتها الأمنية، وأوفدت وزير خارجيتها للقاء نظيره الروسي، لبحث ملفات الأزمات بينهما، وأبرزها ملف أوكرانيا، فاستغرق ذلك زهاء ساعتين. الوزير الأميركي شدّد على مطلبه من روسيا بأن عليها إثبات عدم نيتها غزو أوكرانيا، بينما أوضح الوزير الروسي انهما توافقا على ضرورة مواصلة الحوار المنطقي كي “تتراجع لغة الانفعال”.

عند التدقيق في الخط البياني العام للسياسة الأميركية، منذ غياب الاتحاد السوفياتي، تبرز “الاستثنائية الأميركية” كعنوان وجد جذره في طروحات الأميركييْن “نهاية التاريخ” لفوكوياما، و “صراع الحضارات” لهنتنغتون، وما كان يراد منه توظيف البُعدين الايديولوجي والعقائدي لمنهج العولمة، الذي يطلب تسليم الطرف الأضعف بخسارته وتبعيّته للمركز الأميركي. لكنّ مسار التاريخ البشري عصيّ على التطويع، وأثبت فشل تلك الطروحات، وما بُني عليها، إذ اعتذر أصحابه عن عدم صلاحية ما نادوا به.

وعليه، ينبغي الإقرار بأن مساعي الغرب، والولايات المتحدة بشكل أدق، لتأسيس أرضية فكرية تعبّر عن هيمنة القوة الكبرى على العالم، وإقصاء بل تشويه الحضارات الأخرى، قد فشلت في تحقيق رؤى قصيري النظر، وأعاد الاعتبار إلى صراع قوى متعددة عوضاً عن استفراد قطب أوحد بمصير العالم.

2022-17-01-التقرير الأسبوعي

محنة قادة أميركا:
الشيخوخة نموذجا

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

 قبل بدء سباق الانتخابات النصفية المقبلة، نهاية العام الحالي، يسود شبه أجماع  على أن الحزب الديموقراطي سيُمنى بخسارة أغلبيته في مجلسي الكونغرس لصالح منافسه الحزب الجمهوري. إذن، ما العمل؟

بنية الحزب الديموقراطي الراهنة تنطوي على 3 تيارات متصارعة؛ التيار التقليدي الأول بزعامة الرئيس الأسبق باراك أوباما، وامتداداً الرئيس جو بايدن، والتيار المؤسّساتي المؤثر بزعامة هيلاري وبيل كلينتون، مقابل تيار ليبرالي ضئيل التمثيل، بزعامة المرشح الرئاسي الأسبق بيرني ساندرز.

التيار المؤسّساتي، “آل كلينتون”، يشحذ قواه للعودة بقوة إلى الواجهة “متسلحاً” ببيانات تدنّي شعبية كل من الرئيس بايدن ونائبته كمالا هاريس، إلى نسبة 33%، نتائج استطلاع أجري في 12 الشهر الحالي، وما يعتبره وجود “فراغ قيادي” في قمة الحزب الديموقراطي بسبب تعثّر الرئيس بايدن وبروز عوارض الشيخوخة في تصرفاته، ومن غير المرجّح أن تتوافر لديه القدرة على تحمّل تداعيات حملة انتخابية قاسية، وقد دخل عتبة الثمانين من عمره، خصوصاً أمام تجدّد عودة الرئيس السابق دونالد ترامب إلى حلبة السباق، كما يرجّح.

وهبّت صحيفة المال والأعمال “وول ستريت جورنال” للترويج العلني لعودة هيلاري كلينتون إلى السباق الرئاسي، في 2024، منوّهة بشدة بـ “خبرتها الطويلة كزعيمة وطنية وهي أصغر من الرئيس بايدن وباستطاعتها طرح مسار وخيارات مختلفة عمّا نراه راهناً من الفوضى القيادية وتدنّي مستوى الأداء الذي يواجهه الحزب”، (11 كانون الثاني/يناير 2022).

الرئيس جو بايدن في وضع فريد لا يُحسد عليه راهناً، خصوصاً لإقراره الشهر الماضي بأن توحيد الولايات المتحدة “هو أحد أصعب الأمور”. كما أنه “على وشك خسارة معركتين كبيرتين من اختياره؛ فمن النادر أن يكون رئيس على خلاف مع الجمهوريين والديموقراطيين المعتدلين والديموقراطيين الليبراليين في الوقت نفسه”، بشأن رفض المحكمة العليا لخطة الإدارة بإلزامية التلقيح لموظفي الشركات الكبرى، بحسب موقع “آكسيوس”، 14 كانون الثاني/يناير 2022.

كما أن الحالة الصحية والقدرة الذهنية للرئيس بايدن تعانيان من مظاهر الإعياء، وهو الأكبر سناً من كل ما سبقه من رؤساء؛ فقد تعثر وسقط ثلاث مرات متتالية عند صعوده سلّم الطائرة الرئاسية، في مارس/آذار 2021، والارتباك المتتالي خلال ظهوره إعلامياً وهو ليس في كامل “لياقته الصحية والذهنية”.

وكذلك ما تناولته صحيفة “نيويورك بوست”، في كانون الأول/ديسمبر 2021، تحت عنوان “قصص بايدن المختلَقة”، تشير فيها إلى “تغييره لتفاصيل وشخوص سردياته بصورة تدعو إلى القلق”، خصوصاً زعمه لعب دور الوسيط بين “غولدا مائير والحكومة المصرية” خلال عدوان عام 1967، إذ كان طالباً في سنته الأخيره في كلية الحقوق في تلك الأثناء. كما أشارت إلى “حالة النعاس” التي بدت عليه خلال لقائه في البيت الأبيض مع رئيس الوزراء “الإسرائيلي”، نفتالي بينيت، كدليل آخر على تردّي حالته الصحية والذهنية.

من الجائز القول أن سلوك الرئيس بايدن يوازي في محطات عديدة “تقلبات” الرئيس السابق دونالد ترامب، في بُعد إدارة الملفات، وابرزها الانسحاب الفوضوي من أفغانستان، وما تلاه من إعلان “حلف أوكوس” الذي أثار غضب فرنسا، الحليف الرئيسي للسياسة الأميركية، وما رافقه من استدعاء باريس لسفيرها لدى واشنطن ومن ثم عودته لاحقاً بعد تدخل مباشر من الرئيس بايدن.

لعل إدارة الملف النووي الإيراني كانت الأشد تعبيراً عن تخبّط الإدارة وبلبلتها، خصوصاً بعد توجيه وسائل الإعلام الأميركية التهم للبيت الأبيض بمفاجأة إيران رفع سقف مطالبها في مفاوضات فيينا، بعد تردّد إدارة الرئيس بايدن في العودة والالتزام ببنود الاتفاق. وتضيف تلك المصادر أن الرئيس بايدن “يجد نفسه في مأزق حقيقي مع مطلع 2022، وخصوصاً أن إيران اقتربت كثيراً من بلوغ العتبة النووية”.

خسارة الحزب الديموقراطي لأغلبيته في مجلسي الشيوخ والنواب، بحسب صحيفة “وول ستريت جورنال” المحافظة، سيضع أجندة الرئيس بايدن في غرفة الإنعاش، وتفتح باب الصراع على قيادة الحزب، وستحفّز هيلاري كلينتون على الاستناد إلى تلك الخسارة كمنصة انطلاق لمنصب الرئاسة وتعزيز موقعها كـ “مرشح للتغيير”.

مهّدت السيدة كلينتون لمسعاها الراهن بجملة تصريحات وخطوات تؤشر على نيتها خوض السباق الرئاسي كمرشحة عن الحزب الديموقراطي، منها تحذيرها من خسارة حزبها للأغلبية الراهنة في الكونغرس نتيجة “عدم القدرة على تحقيق البرامج المطروحة، ولا نلمس نشاطاً في البيت البيض يمكننا التعويل عليه كصوت عاقل ورصين، مستقر ومنتج”، مقابلة مع شبكة “أم أس أن بي سي”، 30 كانون الأول/ديسمبر 2021.

سياسياً، لا تزال السيدة كلينتون وما تمثّله من قوى نافذة في هيكلية الحزب الديموقراطي تعامل التيار “الليبرالي” داخل الحزب باستخفاف وتسفيه، محذّرة من عواقب “استمرار الحزب الديموقراطي في تحالفه مع التيار التقدمي”، ومناشدة قياداته “رفض المواقف اليسارية المتشددة التي تعزل قطاعات أساسية من الناخبين”.

من بين الذرائع التي قد تساعد السيدة كلينتون على تجديد ترشيحها حالة التردّي والارتباك التي يعاني منها الرئيس بايدن، في أعقاب فشل مشروعه الطموح لترميم البنى التحتية وبرامج الرعاية الصحية والتعليمية، وفشله أيضاً في تمرير بنود مشروعه الأحدث لإصلاح قانون حق التصويت والذي كان سيسهم في توسيع قاعدة الناخبين الديموقراطيين.

تقدّم السياسين في العمر مسألة تقلق علماء الاجتماع الذين أعربوا عن خشيتهم من قدرة الفرد على التحكم بزمام الأمور بعد بلوغه عتبة الـ 70 عاماً. فالدراسات المتوافرة تشير إلى تراجع قدرة “رؤساء الشركات” على استيعاب القدر الهائل من المعلومات طردياً مع تقدّم العمر.

فالرئيس بايدن دخل عامه الثمانين، ورئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي بلغت 81 عاما، وهي تعدّ في المرتبة الثانية دستورياً لتولّي الرئاسة، وزعيم الأغلبية لدى الديموقراطيين في مجلس النواب، ستيني هوير، يبلغ من العمر 82 عاماً. أما في مجلس الشيوخ، فرئيس المجلس عن الحزب الديموقراطي، تشاك شومر، تعدّى 71 عاماً، والسيناتور بيرني ساندرز بلغ 80 عاماً. أما زعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ، ميتش ماكونيل، فقد بلغ 79 عاماً.

في البعد الاستراتيجي وصراع القوى العالمية، تُعتبر السيدة كلينتون، 74 عاماً، من أخلص أنصار الحرب الباردة وأبرز المعادين لروسيا والصين، ما يُكسبها دعم وتأييد “مجمّع الكونغرس الصناعي المالي العسكري”، كما يُعرف حديثاً.

بيد إن طموح السيدة كلينتون وطريقها إلى الرئاسة ليسا معبّدين بالورود، كما تزعم مراكز القوى الرئيسية، خصوصاً لمحدودية شعبيتها وتردّي مستويات تأييدها داخل قواعد الحزب الديموقراطي نفسه.

وردّت يومية “بوسطن هيرالد” الليبرالية على طرح السيدة كلينتون كمرشحة للرئاسة، بأنها ليست الخيار الأفضل للحزب الديموقراطي، “كما أن (الرئيس) جو بايدن ونائبته كمالا هاريس ليسا من المفضّلين.” وختمت بالقول إن خيار كلينتون  يُعدّ “حلماً مروّعاً”، (“بوسطن هيرالد”، 14 كانون الثاني/يناير 2022).

2022-02-01-التقرير الأسبوعي

عام صعب ينتظر بايدن:
الرئيس ليس بخير

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

أفول العام الأول من عمر إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن، واحتفاله بعيد ميلاده الـ 78، لا يبشّران ببداية مميّزة في العام الجديد، وخصوصاً أمام عدم اتّساق وعوده الانتخابية، المفعمة بالتمنيات، مع الأداء الباهت في ملفات حيوية وحساسة، أبرزها تدهور الأوضاع الاقتصادية.

أمام بايدن تحديات متعددة، تتعاظم في أولوياتها وضرورة إيجاد حلول لها، وهو ماضٍ في الاصغاء إلى معسكر الحرب وزيادة ميزانيات وزارة الدفاع، وتهميش برامجه الواعدة سابقاً في ترميم البنى التحتية وبرامج الرعاية الصحية بسبب الانقسامات الحادة داخل حزبه الديموقراطي.

في العُرف الرئاسي الأميركي، يقبع الرئيس بايدن في أدنى مرتبة بين أقرانه الرؤساء السابقين في جردة العام الأول من ولايتهم، إذ حصد نسبة 13 تحت الصفر في معدل الأداء الاقتصادي، يليه في المرتبة الثانية الرئيس الديموقراطي الأسبق جيمي كارتر بنسبة 8 تحت الصفر. فالتضخم الاقتصادي السنوي لا يزال مرتفعاً بنسبة 6.8% “ويفوق معدلات الأجور”، إذ سيحصل المتقاعدون على زيادة في مخصصاتهم في العام الجديد بنسبة 2-3%.

المقارنة في هذا الشأن لها دلالاتها المميّزة في المستقبل السياسي للرئيس الأميركي، إذ خسر الرئيس جيمي كارتر انتخابات تجديد ولايته أمام منافسه رونالد ريغان على خلفية زيادة معدّلات التضخم وارتفاع اسعار الفائدة ومعدلات نمو اقتصادي باهتة.

بايدن: رغبات للهيمنة وتراجع في القدرات
أما “مأساة” ولاية الرئيس بايدن فتتجلّى في “نقص الإمدادات” واللوازم الضرورية لاستمرار عجلة الاقتصاد. وارتفعت أسعار الخبز ومشتقات الحبوب إلى نحو “80% في بعض الولايات الأميركية”، يفاقمها ارتفاع أسعار الطاقة والمحروقات في بداية فصل الشتاء، وما ستتركه من تداعيات على وُجهة الانتخابات النصفية المقبلة.

المستشار الاستراتيجي الأبرز في الحزب الجمهوري، كارل روف، طمأن جمهوره إلى أن الحزب الجمهوري، سيستعيد سيطرته على الكونغرس في مجلسيه، في الانتخابات المقبلة، في تشرين الثاني/نوفمبر 2022، فالرئيس بايدن “لم يمارس مهمّاته وفق النموذج الليبرالي المعتاد” (صحيفة “وول ستريت جورنال”، 30 كانون الأول/ديسمبر 2021).

كما ان معدلات تأييد الرئيس بايدن، بصورة عامة، ليست أفضل حالاً. فلقد أشارت استطلاعات الرأي إلى تراجع مقلق في شعبيته إلى سقف 28% بين الناخبين الديموقراطيين، من الفئة العمرية الحيوية بين 18 و35 عاماً، وتفضيل الناخبين المستقلين سيطرة الحزب الجمهوري على الكونغرس بنسبة 45%.

أمّا الفشل الأكبر، بحسب مسؤولين سابقين، فكان في مجال السياسة الخارجية للولايات المتحدة، وبسبب ترابطها الوثيق بأمنها القومي، من خلال تصعيد حدة التوتر مع كل من الصين وروسيا “في الوقت عينه”، بعد إطلاقه شعاراً من أجل طمأنة حلفاء بلاده، قال فيه إن “أميركا عائدة لتقود العالم”.

وتجاهل البيت الأبيض إحدى ركائز السياسة الخارجية لأسلافه باعتبار “الصين واحدة”، في الحالة الأولى، ودعوته تايوان لحضور “قمة الديموقراطية” مطلع الشهر الجاري.

أمّا بالنسبة إلى روسيا، فبلغ تصعيد منسوب التوتر معها معدلات اقتربت إلى نشوب صِدام مسلّح فوق أراضي أوكرانيا بعد توريد واشنطن أسلحة متطورة إلى كييف، وتحريك قطعها البحرية في منطقة البحر الأسود. وأعلنت السفارة الأميركية هناك تسليم اوكرانيا “80 طناً من الذخائر، و نحو 60 مليون دولار مساعدات أمنية” (بيان صادر عن السفارة يوم 14 تشرين الثاني/نوفمبر 2021).

هو فشل رئاسي بامتياز، أدى لتقارب روسيا والصين، بحسب المصادر السابقة، وربما يقود إلى تشكيلهما حلفاً أو شراكة عسكرية متطورة لمواجهة واشنطن، بالتزامن مع تنامي حضورهما في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا، على حد سواء، وخصوصاً في ظل توارد أنباء عن إرسال موسكو فريق من “المستشارين العسكريين” إلى مالي.

تجدر الإشارة إلى ما تعكسه كبريات المؤسسات الإعلامية الأميركية من قلق داخل دائرة صنع القرار السياسي، من تصاعد متزامن لنفوذ الصين وروسيا في الشؤون العالمية. على سبيل المثال، تناولت صحيفة “واشنطن بوست” الشأن الروسي، في تساؤل له دلالاته، هو: “لماذا تشعر وكالة الاستخبارات المركزية بقلق شديد بشأن روسيا وأوكرانيا؟” (عدد 1 كانون الأول/ديسمبر 2021). وبشأن الصين، قالت الصحيفة إن الرئيس بايدن أبلغ إلى نظيره الصيني شي جين بينغ، في محادثهما عبر الفيديو، والتي استمرّت 3 ساعات، أنه “يبدو أن مسؤوليتنا، كقادة للصين والولايات المتحدة، ضمان ألاّ تنحرف المنافسة بين بلدينا إلى صراع، سواء أكان ذلك مقصوداً أم غير مقصود، وليس منافسة بسيطة ومباشرة” (عدد 18 تشرين الثاني/نوفمبر 2021).

الإنجاز الأبرز للرئيس بايدن تمثّل باصطفاف دول حلف الناتو حول توجهات واشنطن “من أجل احتواء” الصين، واعتبارها مجتمعةً، أن تايوان تشكل مسألة حيوية لمستقبل الحلف، وخصوصاً مكانتها المتقدمة في إنتاج أشباه الموصلات الإلكترونية.

وانضمت قطع بحرية ألمانية وكندية ويابانية واسترالية إلى الأسطول الأميركي العامل في المحيط الهادئ، الشهر الماضي، “من أجل إجراء مناورات بحرية مشتركة”، كمقدمة لوجود عسكري مطّرد بالقرب من الشواطيء الصينية.

بيد أن “وحدة موقف  حلف الناتو” في مواجهة الصين، لا تقابله وحدة وتصميم أوربيان في مواجهة روسيا، نظراً إلى اعتماد دول الحلف الرئيسة، وخصوصاً ألمانيا، على تدفق الغاز الطبيعي الروسي بنسبة 35% من أجل ضمان استمرار العجلة الاقتصادية، على الرغم من محاولات واشنطن المتعددة إبدال الغاز الروسي بآخر، من إنتاج أميركا، ولا تتعدى معدلاته 16% من احتياجات دول الاتحاد الأوروبي، مع فارق السعر الأعلى لحساب الأميركي. كما أن دول الحلف تشهد ارتفاعاً عالياً في تكلفة الغاز المستورد، بلغت 800% في العام الحالي،  بعضه يعود إلى معارضة واشنطن القاسية أنبوب الغاز الروسي “السيل الشمالي 2”.

كما أن توجهات الرئيس بايدن نحو حلفاء بلاده لم تسفر عن ترجمة عملية لوعوده الانتخابية لهم. فبريطانيا واليابان “لا زالتا تنتظران إزالة الضرائب الجمركية على عنصري الفولاذ والألمنيوم”، والتي فرضها سلفه الرئيس دونالد ترامب، وتقدّر بمليارات الدولارات، فضلاً عن المكافآت الضريبية التي منحتها إدارته لصناعة السيارات الكهربائية الأميركية، والتي تعارضها بشدة كل من المكسيك وكندا. (صحيفة “وول ستريت جورنال”، 30 كانون الأول/ديسمبر 2021).

ونقلت الصحيفة المذكورة، على لسان رئيس “معهد بيترسون للاقتصاد الدولي”، آدم بوزن، انتقاده السياسات التجارية السائدة في ولاية الرئيس بايدن، والتي “تعمل على إرضاء العنصر الذكوري الأبيض في العملية الانتاجية، وتُفاقِم العلاقات بالحلفاء، وتؤدي إلى ارتفاع أسعار البضائع لدى المستهلكين”.

السؤال الجوهري في واشنطن وعواصم العالم الكبرى، يتمحور حول مستقبل الرئيس بايدن، وهل في استطاعته المضي إلى نهاية ولايته الرئاسية في ظل الأزمات المتعددة، وتراجع أهليته القيادية، والذي لم يَعُد سراً، وخصوصاً أن نائبته كمالا هاريس ما أن تتخطى مطباً حتى تغرق في آخر جديد، الأمر الذي يقلّص مراهنة الحزب الديموقراطي على استمراريتها في منصبها الراهن.

من بين السيناريوهات المتداولة في العاصمة واشنطن، وفي أروقة الحزب الديموقراطي تحديداً،ـ إغراء نائبة الرئيس بالانتقال إلى منصب في المحكمة العليا، الأمر الذي يتيح الفرصة الدستورية للرئيس بايدن في تسمية شخصية بديلة، أو تعيينها في منصب نائب الرئيس، ثم إعلان استقالته من منصبه الرئاسي نتيجة اعتبارات صحية.

السيناريو المذكور ليس مستبعَداً إنجازه في عام 2022، لكن ليس كل ما يتمناه المرء قابلاً للتحقيق في ظرف زماني معين. فالرئيس بايدن يترنّح في أدائه بعد بلوغه عامه ال 78، ويتجنّب عقد مؤتمرات صحافية، وخصوصاً مع رؤساء دول كبرى، كالرئيس بوتين، من أجل تفادي الإحراجات العلنية. الأمر الذي دفع بأحد معلِّقي شبكة “فوكس نيوز” إلى القول إن الرئيس بايدن كان يقرأ إجابته عن أحد الصحافيين، والتي لم تتّسق مع هوية السائل أو موضوع سؤاله.

2021-19-12-التقرير الأسبوعي

أبعاد نشر واشنطن
قنابل نووية تكتيكية جديدة

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

أعلنت الولايات المتحدة، في مطلع الشهر الجاري، “إنتاجها” الدفعة الأولى من أخطر وأحدث سلاح نووي في ترسانتها؛ رأس حربي من طراز B61-12، وهو عبارة عن “سلاح نووي استراتيجي وتكتيكي” في آن واحد، من أجل إظهار “التزام الولايات المتحدة سياسة الردع النووي”، بعد جهود تصميم وتطوير وابحاث استغرقت 9 سنوات “من أجل ضمان القدرة على إطلاق الرأس النووي من المقاتلات الحربية المتوفرة والمستقبلية” (جيل روبي، نائبة وزير الطاقة ومديرة “الإدارة الوطنية للأمن النووي”، 2 كانون الأول/ديسمبر 2021).

يخطط البنتاغون لإنتاج “480 قنبلة نووية جديدة (B61-12)” من تلك القنبلة المجنّحة، ومعدّل تكلفة الواحدة منها 28 مليون دولار، وهي موجّهة بدقة، ونسبة الخطأ لا تتعدى عدة أمتار. وتخطط وزارة الدفاع الأميركية لتجهيز قاذفاتها وقاذفات حلف الناتو في أوروبا بها، لتكون بديلاً عن النماذج القديمة (B61-3 وB61-4)”. يتم إسقاط القنبلة الجديدة من مقاتلة تحلق على ارتفاعات عالية، ثم تتوجه تلقائياً عدة كيلومترات نحو الهدف. كما تمتلك الولايات المتحدة “100-150 قنبلة نووية حالياً في أوروبا” (تقرير لاتحاد العلماء الأميركيين FAS، 17 تشرين الثاني/نوفمبر 2021).

المؤسسة العسكرية الأميركية “أدمنت اقتناء الأسلحة النووية” والجاهزية لاستخدامها، منذ دخولها الحرب العالمية الثانية، واستخدمت إفناء البشرية بالنووي كأحد أسلحتها للسيطرة على العالم. وتشهد الحقبة الزمنية الحالية عودة واشنطن إلى عقلية الحرب الباردة، أو تجديد عملها بها، لكن بأدوات أشد فتكاً وتدميراً، مدركة أن ميّزات سيطرتها على العالم، سياسياً واقتصادياً وأمنياً، بدأت تظهر عليها علامات التصدع، وانتقال مركز الثقل الاستراتيجي العالمي الأوحد إلى المتعدد القطبية.

ومنذ بدء الحرب الباردة، بحسب وثائق الدولة الأميركية، تعهّدت واشنطن نشر اسلحة نووية مختلفة على أراضي حلفائها في حلف الناتو من الأوروبيين، ونشرت نحو 200 قنبلة، ومن بين هؤلاء الحلفاء تركيا التي استضافت ولا تزال 50 قنبلة نووية من طراز B61 في قاعدة انجرليك الجوية، في مواجهة الاتحاد السوفياتي. دخل نموذج القنبلة أعلاه الخدمة الفعلية في عام 1966، وبلغ حجم الانتاج بين عامي 1966 و 1997 (3،155) قنبلة، من جميع الأنواع الاستراتيجية والتكتيكية (مجلة “ناشيونال انترست”، 7 تشرين الأول/اكتوبر 2021).

في الماضي القريب، في إبان ولاية الرئيس جون كنيدي، عبّر وزير دفاعه روبرت مكنمارا عن ولع قادة هيئة الأركان المشتركة بالسلاح النووي، موجِّهاً كلامه إلى المستشار الخاص للرئيس كنيدي، آرثر شليسنجر، قائلاً  “تزخر سجلات البنتاغون بدراسات تتحدث عن الحفاظ على “مجتمع قابل للاستمرار بعد نهاية نزاع نووي”. وأضاف مكنمارا أن ذاك المصطلح ترك أثراً كصاعقة نفسية لديه، موضحاً “أن وسيلة ردع فعّالة لا يمكنها الاستناد إلى فعل “نووي” أمر لا يصدّق” (“جون أف كنيدي في مواجهة العسكر”، شهرية “ذي أتلانتيك”، آب 2013).

وأضافت المجلة المذكورة أن قادة هيئة الأركان المشتركة، في إبان الحرب الباردة، كانوا على أهبة الاستعداد لإطلاق ضربة نووية وقائية أولى ضد الاتحاد السوفياتي، وحملت خطة الأركان المعدّة تصوّرها “باستخدام 170 قنبلة نووية وهيدروجينية ضد موسكو وحدها، وتدمير كل معلم حضاري في الاتحاد السوفياتي والصين ومدن في أوروبا الشرقية”.

واستطردت أن قائد سلاح الجو الأميركي خلال الحرب العالمية الثانية، وعضو هيئة الأركان المشتركة، كيرتس لو ماي، كان العقل المدبر والمشرف على شن غارات جوية بالقاذفات العملاقة من طراز ب-29، والتي مسحت تماماً أحياء كاملة في طوكيو وتسببت بمقتل ما لا يقل عن 100،000 ياباني.

المواصفات التقنية للعيّنة الجديدة من القنبلة، والتي طُوّرت في إبان الحرب الباردة ونُشرت في أوروبا في عام 1968، تشير إلى أن: وزنها الإجمالي يبلغ 320 كلغم؛ وطولها 3،5 أمتار؛ يتمتع رأسها الحربي بقوة خرق لطبقات الأرض بقوة 50 كيلو طناً (كمقياس لمادة التفجير “تي إن تي”)؛ يمكنها إحداث حفرة في الأرض قطرها 60 متراً؛ تطلق من المقاتلات الحديثة، من بينها أف-15 إي و أف-35 الأسرع من الصوت، إمّا عن طريق الجاذبية الباليستية وإمّا بالتوجيه، من ارتفاعات تتراوح بين 50 و 50،000 قدم؛ ذيلها مزوّد بأربع زعانف للتحكّم الأفضل بدقة إصابتها. يقع رأسها الحربي في الجزء الأوسط من القنبلة، ويتيح التحكم في 4 خيارات لقوة التفجير: 0.3 كيلوطن، 1.5 كيلوطن، 10 كيلوطن و50 كيلوطن. للمقارنة، فإن القنبلتين النوويتين اللتين أُلقيتا على هيروشما وناغازاكي كانت قدرتهما التفجيرية 15 طناً و 21 طناً، على التوالي.

بحسب الخبراء العسكريين، فإن القنبلة الجديدة، في نماذجها الأربعة، تصنّف بأنها متدنية القوة لأن قوة التفجير تقلّ عن 20 كيلوطناً. ويضيف خبراء البنتاغون أنها لا تتعارض مع معاهدة الحد من الانتشار النووي كونها لا تحتوي على عنصري اليورانيوم عالي التخصيب أو البلوتونيوم.

أوضحت بيانات وزارة الدفاع الأميركية أن الغرض من تطوير النسخة الحديثة من عائلة القنبلة B61 هو “لتحسين القدرات النووية للقوات الجوية الأميركية والدول الحليفة، وزيادة معايير السلامة والأمان والموثوقية”، وهو جزء من برنامج “تمديد الحياة” لتلك المجموعة المكونة من نحو 400 قنبلة، والتي استبُدلت وأُصلحت مكوناتها القديمة غير النووية، مثل البطاريات  والصمامات وأجهزة إلكترونية، بمكونات حديثة تمدد عمر خدمة القنبلة إلى نحو 20 سنة مقبلة.

شاركت في التصميم والتحديث والانتاج مجموعة من المختبرات وشركات الأسلحة والمؤسسات الأمنية، منها: مختبر لوس ألاموس الوطني ومختبر سانديا الوطني في تصميم وأعمال هندسة القنبلة؛ تطوير مجموعة أدوات الذيل من جانب شركة بوينغ بالاشتراك مع مركز السلاح النووي التابع لسلاح الجو؛ وتصنيع 39 مجموعة من المكونات غير النووية للإطلاق والأمان والتحكم من جانب جامعة كانساس سيتي للأمن الوطني؛ إعادة انتاج المكونات المصنوعة من اليوروانيوم من جانب مجموعة Y-12في جامعة كانساس سيتي؛ ومصنع Pantex كان مسؤولاً عن انتاج متفجرات عالية الانفجار وإعادة تأهيل B16-pit والتجميع النهائي للقنبلة.

عند البحث والتدقيق في هدف الإعلان في هذا التوقيت بالذات، ينبغي على المرء استحضار توجهات قيادة هيئة الأركان المشتركة العدوانية، في إبّان عهد الرئيس جون كنيدي المشار إليه أعلاه، من زاوية تغليب توجهات المؤسسة العسكرية على انتهاج سياسات أكثر واقعية في  الحقب الزمنية المتعددة.

ما يواجهه الرئيس جو بايدن من أزمات لسياساته ووعوده الانتخابية ترجمه بالتناغم مع التوجهات التقليدية للمؤسسة العسكرية، الرامية إلى التلويح بالتفوق النووي على خصومها، وتصعيد حدة التوتر باصطناعها أعداء دائمين: روسيا والصين.

في ظل العقبات الداخلية التي تعترض الرئيس بايدن، حتى داخل حزبه الديموقراطي،  لا يمكنه الظهور في موقف “الضعيف” أمام الخصوم، وخصوصاً أن أداءه وأهليته العقلية لا يبعثان على طمأنة الناخب الأميركي، كما تشير أغلبية استطلاعات الرأي.

فتصعيد التوتر مع روسيا، بذريعة حماية أوكرانيا، يخدم قبل كل شيء هدف واشنطن في الحفاظ على تبعية الدول الأوروبية وحلف الناتو، وخصوصاً بسبب اعتماد الدول الأوروبية على مصادر الطاقة الروسية في تشغيل حياتها اليومية، ويضمن تدفق ميزانيات الأسلحة والمعدات العسكرية على المؤسسات النافذة في صنع القرار الأميركي، وامتداداً يخدم أيضاً تلك القوى في تصعيد موازٍ ضد الصين.

2021-16-12-التقرير الأسبوعي

 قمة الترويج الأميركي
المضلّل للديموقراطية

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

لبّى نحو 112 دولة دعوة الرئيس الأميركي جو بايدن، الأسبوع الماضي، لعقد “قمة للديموقراطية” افتراضياً في واشنطن، لتخطّي “الأضرار التي تسبّبت بها سياسة الرئيس السابق دونالد ترامب” على المستوى الدولي، وترجمة أيضاً لوعد انتخابي قطعه المرشح الرئاسي جو بايدن، في 11 تموز/يوليو 2020، قائلاً: “ينبغي علينا ترميم قدرتنا لقيادة العالم الحر، ومواجهة التحديات الجديدة معاً”.

واستطرد المرشح بايدن متعهّداً باستضافة بلاده “خلال السنة الأولى من إدارتي” لقمة عالمية للديموقراطية، والبناء على “النموذج الناجح الذي طبّقناه خلال إدارة أوباما-بايدن بعقد قمة للأمن النووي”، عقدت جولتها الأخيرة في العام 2016 بمشاركة 53 دولة. أما شروط الانضمام إلى قمة الديموقراطية فقد حدّدها المرشح بايدن بأن المدعوّين “ينبغي عليهم الإعداد للتحلّي بتعهدات راسخة لمكافحة الفساد، ومحاربة الاستبداد، ودعم حقوق الإنسان داخل بلدانهم”.

أما في دعوة الرئيس بايدن، في العام 2021، فقد حرص على  عدم دعوة كل من روسيا والصين، وكذلك غضّ النظر عن تحديد الأسس والشروط المطلوبة من الدول المدعوّة، ومنها تايوان. وتلقّى عدد من الدول دعوات إلى المشاركة “على الرغم من سجلّها الذي يفتقر إلى إنجازات في المعايير الثلاثة” المحددة أعلاه (“معهد بروكينغز”، 7 كانون الأول/ديسمبر 2021).

كما افتقرت الدعوة إلى خطة عملية لما يُراد تحقيقه، باستثناء التقاط الصور، ولو عن بُعد، بوجود الرئيس الأميركي، مع الأخذ بعين الاعتبار التمثيل الواسع لدول اوروبية، وحضور العراق و”إسرائيل” حصراً عن الشرق الأوسط، ومشاركة دول لم تنعم بنُظم حكم تمثيلية سوى أنها تعادي روسيا، مثل أوكرانيا وبولندا، وتشكل رأس حربة لواشنطن في صراعها الكوني مع موسكو.

المؤسسات الأميركية، الخاصة والعامة، مولَعة بالبيانات الاحصائية والخوارزميات المتعددة كمعيار لترويج نظريات واستنتاجات معينة. وإحدى تلك المؤسسات المعتمدة لديها هي “مشروع العدالة الاجتماعية”، التي تُصدر بيانات دورية محورها قياس “معدلات الفساد والشفافية وتطبيق الأمن والمساواة”. وصنّفت الدول العالمية في قائمة من 139 دولة، جاءت الولايات المتحدة في المرتبة 27 ضمن معايير التمسك بالقانون، مقابل الدانمارك التي احتلّت المرتبة الأولى.

واستنادا إلى “المعايير الثلاثة” المذكورة، من متطلبات الديموقراطية كشرط لحضور القمة، يمكن الاستدلال على جملة من التناقضات وازدواجية المعايير السياسية التي طبّقتها إدارة الرئيس بايدن. على سبيل المثال، دُعيت باكستان إلى المشاركة على الرغم من مرتبتها المتدنّية، 130 من مجموع 139، بينما حصلت بنغلادش على مرتبة أعلى لكنها غابت عن القمة. أما الهند، فجاء ترتيبها 79 من 139، لكنها حضرت على الرغم من تسجيلها  تراجعات ملحوظة بنسبة 4% للقيود التي فرضتها على الحريات العامة، بحسب بيانات المؤسّسة المذكورة (“معهد بروكينغز”، 7 كانون الأول/ديسمبر 2021).

عارضت ثلّة من النخب الفكرية الأميركية اقتراح الرئيس بايدن للقمة، على الرغم من تأييدها الثابت له في الجولة الانتخابية. من أبرز رموزها استاذ التاريخ والاستراتيجية الأميركية في جامعة كولومبيا، ستيفن ويرثايم، وزميله ديفيد آدلر، مؤلف نحو 265 كتاباً للأطفال.

وحذّر الثنائي المذكور، في مقال مشترك نُشر في صحيفة “الغارديان” البريطانية، في كانون الأول/ديسمبر 2020، من فشل القمة المزمعة، ومن شأنها”توجيه السياسة الخارجية الأميركية في مسار منحدر وفاشل لتقسيم العالم إلى معسكرين متقابلين، وإعلاء نزعة التصادم مقابل التعاون” بينهما، واستخدمها “كوسيلة لتعزيز نظرة التفوّق والاستثنائية الأميركية”. وطالب الثنائي إدارة الرئيس المنتخب بايدن بالتمايز عن نهج سلفها”، والابتعاد عن تكرار انتاج معضلات القرن العشرين” (“ذي غارديان”، 22 كانون الأول/ديسمبر 2020).

عند هذا المنعطف تجدر الإشارة إلى بعض المسائل التي مرّ عليها الرئيس جو بايدن في ترويجه لوثيقة “إرشادات مرحلية للأمن القومي”، آذار 2021، في مطلع ولايته الرئاسية، وتحديده لمكامن الأخطار والنواقص التي تواجهها الدول الغربية، والتي استند إليها “كمعايير” لحضور القمة.

أوضح الرئيس بايدن أن “الديموقراطيات عبر العالم، من ضمنها تجربتنا الخاصة، تعاني من حصار متزايد. المجتمعات الحرّة باتت تواجه تحديات من داخلها متمثلة في الفساد، وعدم المساواة، والاستقطاب، والشعبوية، والتهديدات فوق الليبرالية لحكم القانون”. وتعهّد آنذاك في بذل أقصى الجهود “لمعاجة حقيقية للعنصرية المتجذرة والارتقاء إلى مستوى التزامنا بمكوّنات بلادنا كدولة من المهاجرين”.

ربما يتوصّل المرء إلى صورة  مقاربة حقيقية للنموذج الأميركي من خلال الاجراءات الجارية للحد من حريات الرأي وتدابير القمع المقونن والتعدي الممنهج على الحريات العامة. من أبرز الأمثلة، الاعتداء على حرية الصحافي الاستقصائي الأكثر شهرة في العالم، جوليان أسانج، لكشفه “إحدى” المجازر التي ارتكبتها القوات الأميركية بحق المدنيين في العراق؛ واستغلال النائب العام الفيدرالي، ماريك غارلاند، “قانون الوطنية” لعام 2001 بطلبه من مكتب التحقيقات الفيدرالي، أف بي آي، التحقيق في توجهات “أولياء الطلبة المعارضين لبعض البرامج التعليمية” المدعومة من الدولة.

أما التحقيقات بشأن “الفساد الناعم”، الذي أشارت إليه بعض وسائل الإعلام، الخاص بقيادات من الحزبين ،من بينهم رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي، والتغطية الرسمية على ذاك النمط من الفساد، فلا تجد لها آذاناً صاغية، فضلاً عن تعرض المطالبين بها لمساءلات متعددة.

بيد أن ما شهدته الولايات المتحدة من “استقطاب حاد وفساد وفوضى وتحدي لسلطات إنفاذ القانون”، في “غزوة الكابيتول”، 6 كانون الثاني/يناير 2021، يؤشّر في ابرز جوانبه على “الفشل الذريع” للنموذج الأميركي في الديموقراطية المُراد تعويمه. في الجوهر، تدلّ تلك الأحداث على مواطن القصور الشديدة والأمراض المستعصية في صيغة حكم تبادل الحزبين للسلطة، يجسّدها عزوف أعداد متزايدة من الأميركيين عن المشاركة في الجولات الانتخابية المتعددة.

في المحصّلة، تربّع الرئيس بايدن على رأس مكتبه محاضراً في مدعوّيه للاقتداء بالمُثل والقيم الإنسانية العامة، وكانت فرصته لالتقاط الصور وتسخيرها في خدمة الجدل الداخلي وأزمته الخاصة من عدم تحقيق أيٍّ من برامجه الطموحة التي وعد بها ناخبيه، وترسيخه الاصطفاف العالمي ضد روسيا والصين، على الرغم مما ينطوي عليه من مخاطر حقيقية تهدد البشرية كافة.

النموذج الأميركي الجاهز للتصدير “عبر فوهة البندقية” والعقوبات، خبى بريقه واستنفذ أغراضه بوتائر متسارعة، ولم يعد صالحاً للاقتداء به أمام الأزمات العالمية الناجمة بدرجة كبيرة عن انعكاسات التدخلات العسكرية الأميركية عبر العالم.

2021-06-12-التقرير الأسبوعي

وثيقة جديدة للبنتاغون:
تبرير ديمومة الإنفاق العسكري

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

“نعيش الآن في عالم متعدد القطبية”. توصيف جوهري أطلقه رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة، مارك ميللي، مطلع الشهر الجاري ،وبعد يومٍ واحدٍ من إعلان وزارة الدفاع الأميركية إصدارها وثيقة “مراجعة الموقف العالمي”، استجابة لطلب الرئيس جو بايدن، لرسم ملامح المرحلة المقبلة لرقعة انتشار القوات العسكرية الأميركية حول العالم (موقع وزارة الدفاع على الانترنت، 2 كانون الأول/ديسمبر 2021).

الوثيقة بحد ذاتها ليست بهذه الأهمية الاستراتيجية، بحسب الخبراء العسكريين، لكنها تمثّل تمهيداً لمضمون “استراتيجية الدفاع الوطني”، التي ستصدر لاحقاً الشهر الحالي، والتي صدرت آخر مرة في العام 2018، في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب.

في جوهرها، تمثّل الوثيقة المقبلة خلاصة “رؤية” الرئيس بايدن وأعوانه للتمايز عن إرث سلفه في الأمن القومي، تُرجمت سابقاً بحرصه على نشر وثيقة “إرشادات مرحلية لاستراتيجية الأمن القومي” في شهر آذار/مارس الماضي.

خلت الوثيقة المعلنة من التفاصيل والخطط الاستراتيجية، للمحافظة على سريتها كما يتردد، وجاءت ثمرة “جهود مكثفة مشتركة بين مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية والوكالة الأميركية للتمنية الدولية ومكتب مدير الاستخبارات الوطنية”، كما أنها تأتي عند “نقطة انعطاف رئيسية مع زيادة تركيز الوزارة (البنتاغون) على الصين باعتبارها تحدياً سريعاً لنا”. (مارا كارلين، نائبة وكيل وزارة الدفاع للشؤون السياسية، 29 تشرين الثاني/نوفمبر 2021).

كان لساحة “الشرق الأوسط” اهتمام متدنًّ بأولويات الوثيقة، نظراً إلى تعديل الأولويات الاستراتيجية الأميركية، أوضحتها السيدة كارلين بأن لدى بلادها “مسؤوليات عالمية، وهو ما يتطلب منا إجراء تغييرات مستمرة لوضعنا في الشرق الأوسط”. إذن، التوجه السياسي الأميركي في المدى المنظور يتميّز بتقليص الوجود، وما يرافقه من نفوذ في المنطقة.

وحتى لا نبقى في دائرة العموميات، نستشهد بتصريح لمسؤول شؤون الشرق الأدنى في مجلس الأمن القومي الأميركي، كيرت كامبل، قائلاً إن “المبادرات الأشد أهمية” بالنسبة إلى الإدارة الأميركية تتمحور حول “انخراط أوسع مع مجموعة دول آسيان”، في جنوب شرق آسيا، والتركيز على ما سمّاه “الخطر الصيني”. تكمن أهمية تصريحة في الأول من الشهر الحالي في أنه صدر بعد انقضاء شهر على مشاركة الرئيس بايدن في قمة للدول الأعضاء في “مجموعة آسيان”.

وإمعاناً من استراتيجيي الولايات المتحدة، والهيئات المشاركة في إعداد وثيقة البنتاغون في تظهير القوة الأميركية، أوفد الرئيس جو بايدن فريقاً رفيع المستوى برئاسة مجلس الأمن القومي إلى “إسرائيل”، قبل أيام معدودة، للتداول بشأن “قضايا الأمن العالية الأهمية”. بعبارة أخرى، تكرار “التزام الولايات المتحدة بأمن إسرائيل”، كما درجت عليه ديباجة السياسة الرسمية.

ولمزيد من التوضيح للتحركات الأميركية الراهنة، نقلت صحيفة المال والأعمال البالغة التأثير في القرار الأميركي، “وول ستريت جورنال”، عن مصادرها الخاصة، أن “البنتاغون ينوي تعزيز موارده وإدخال تحسينات على المطارات العسكرية والبنى التحتية الأخرى في القواعد الأميركية في جزيرة غوام واستراليا لمواجهة الصين”، لكن لن “نشهد تعديلات جوهرية في رقعة انتشار القوات العسكرية تمهيداً لمواجهة بكين، وفي الآن عينه، ردع روسيا ومكافحة الإرهاب في الشرق الأوسط وإفريقيا”  (“وول ستريت جورنال”، 29 تشرين الثاني/نوفمبر 2021).

وأضافت في مكان آخر أن الانسحاب الأميركي من أفغانستان حرم واشنطن منصة انطلاق رئيسية لمواجهة “التهديدات الإرهابية وجمع المعلومات الاستخبارية، الأمر الذي دفع البنتاغون إلى عدم إجراء تعديلات جوهرية على انتشار القوات الأميركية في المنطقة وفي أوروبا”.

يُشار في هذا الصدد إلى قرار الرئيس بايدن إلغاء مفعول قرار سابق لخفض عدد القوات العسكرية الأميركية في ألمانيا إلى 2500 عنصر، وتم إبلاغ كل من ألمانيا وبلجيكا أن الولايات المتحدة عازمة على إبقاء 7 مواقع (قواعد) عسكرية في البلدين، أُرفق بنشر مقاتلات قادرة على حمل رؤوس نووية في الأراضي البولندية، وتجديد جاهزية وحدة نووية من قواتها العسكرية المرابطة في قاعدة “ماينز-كاسل” الألمانية، وتدعيمها بأسلحة أسرع من الصوت لاستهداف مراكز القيادة والتحكم الروسية، ومنها صواريخ “دارك إيغل” بعيدة المدى، والتي “تستطيع إصابة موسكو في غضون 21 دقيقة ونصف”، بينما باستطاعة الصواريخ المنصوبة على الغواصات الروسية الوصول إلى الأراضي الأميركي في غضون 10-15 دقيقة، من دون احتساب الصواريخ الروسية الحديثة التي تحلّق بنحو 27 مرة أسرع من الصوت.

تزامنت تلك الإجراءات، لزيادة رقعة الوجود العسكري الأميركي في أوروبا، مع توجهات الرئيس بايدن في قمة الدول الصناعية، قبل بضعة أسابيع، لشيطنة روسيا واتهامها بنشر نحو 114000 عسكري على الحدود المشتركة مع اوكرانيا، وإشاعة أجواء من الهلع بين صفوف حلفائه للاصطفاف ضد روسيا.

في الشق السياسي والتعبوي، أفردت وسائل الإعلام الأميركية، والعربية الموالية لسياسات واشنطن، مساحات واسعة لنشر وثيقة البنتاغون، وتجاهلت الحلقة المركزية في تصريح رئيس هيئة الأركان. بل لم ينبس أقطاب معسكر الحرب الأميركي في الكونغرس، ومراكز الأبحاث الموالية، ببنت شفه بشأن الإقرار الصادم من أرفع سلطة عسكرية عن تراجع مكانة بلادها على المسرح الدولي. ومضى ميللي مستطرداً أن “العنصر الأول في الاستراتيجية (الأميركية) هو عودة التنافس بين الدول العظمى، الصين وروسيا والولايات المتحدة”.

عطفاً على وضوح رؤية ميللي بشأن التنافس مع الصين، في الدرجة الأولى، وخلوّ الوثيقة التي بين ايدينا من “إرشادات” عملية بعيدة عن الديباجة المعهودة في التصريحات الأميركية، فإن جوهر الصراع مع الصين، بحسب الخبراء العسكريين، هو في الشق الاقتصادي، وبعيداً كل البعد عن التمظهر العسكري في المياه والقواعد الآسيوية المختلفة، الأمر الذي يلمسه المرء بشكل جليّ في وثيقة البنتاغون بإغفالها التطرق إلى البعد الاقتصادي في العلاقة الثنائية مع الصين.

قلق واشنطن من تفوّق الصين تقنياً يتجدد بوتيرة متسارعة، وأشدّ ما تخشاه في المرحلة الراهنة هو نجاح الصين في إرساء المواصفات القياسية لتقنية 5G وتعميمها عبر العالم، بمعزل عن التأثير الأميركي، وأبرز ميّزاتها “إرساء الضوابط الأمنية في تطبيقات تلك التقنية” (نشرة “ديفينس وان”، 2 كانون الأول/ديسمبر، 2021).