التقرير الأسبوعي 10-10-2013

:المقدمة

سخرت مراكز الابحاث معظم انتاجها واهتماماتها لمعركة عين العرب – كوباني، وخيبة أملها من نتائج الغارات الجوية “المثيرة للسخرية” في استهداف مسلحي الدولة الاسلامية
سيستعرض قسم التحليل تقدم مشروع داعش على الرغم من استمرار الغارات الجوية، وكذلك تردد تركيا في اتخاذ موقف فاعل بصرف النظر عن التصريحات النارية لقادتها؛ واستقراء خيارات الرئيس اوباما عقب اخفاق حملته بتحقيق اهدافها، الامر الذي يستدعي منه اتخاذ اجراءات وتدابير اخرى في المنطقة

ملخص دراسات ونشاطات مراكز الابحاث
استشراف مستقبل الامبراطورية الاميركية

سعى معهد ابحاث السياسة الخارجية الاجابة على سؤال يتبلور في اروقة النخب الفكرية الاميركية حول قتامة مستقبل الولايات المتحدة، خاصة استاذ العلوم الطبيعية والرياضيات في جامعة كونتيكت، بيتر تورتشين – روسي الاصل، وانتاجاته حول “العصبية” او النظرية في المنهج التاريخي لابن خلدون؛ مستندا الى علم الرياضيات وتفسير ابن خلدون لتحويل التاريخ الى علم صارم قادر على التنبؤ وان “كل عصبية (او حضارة) تحمل في طياتها بذور سقوطها،” قائلا ان الولايات المتحدة مقبلة على اضطرابات أهلية كبرى وعنف سياسي في زمن ما مع نهاية العقد الحالي (2013). تورتشين صاحب نظرية “دينامية التاريخ،” من اهم انتاجاته مؤلف “الحرب والسلم والحرب.”
وقال المعهد انه ينبغي التقدم بحذر وروية لاحداث التغييرات المطلوبة لمسار معين، اذ ان “رغبتنا المثالية لاحداث قفزات كبيرة تؤدي الى نتائج فورية عادة ما تفاقم الاوضاع من سيء الى اسوأ، وتقتضي جهودا اضافية، بينما انصار الواقعية يطالبون بتطبيق حذر للقوة”
“الدولة الاسلامية” وتداعياتها المتعددة
انفردت مؤسسة هاريتاج بالنظر الى “مجموعة خراسان” كإطار ينبغي “للولايات المتحدة العمل على الحاق الهزيمة به، سيما وان خطره على اميركا سيتعاظم ان استطاعت جبهة النصرة ترسيخ انتصاراتها في سورية.” وحثت الولايات المتحدة على تنويع اساليب تصديها بالاضافة للعمل العسكري “وبلورة استراتيجية شاملة عريضة لالحاق الهزيمة بالثورة الاسلامية للقاعدة .. وتبني تحولات نموذجية في رؤيتها، منها وقف العمل بمفهوم تهديد القاعدة على انه مسألة تخص اجهزة الشرطة بالدرجة الاولى، واعتماد برنامج شامل في المستويات السياسية والعسكرية والايديولوجية لالحاق الهزيمة بتموضعات القاعدة على المستوى العالمي”
طالب معهد كارنيغي دول الاتحاد الاوروبي الارتقاء الى مستوى التحدي الذي تمثله الدولة الاسلامية، وعدم النظر اليها كتهديد ارهابي عادي بل تتميز “بسيطرتها على مناطق شاسعة من الاراضي وآبار النفط، وكم هائل من العتاد العسكري وامكانيات مالية معتبرة؛ فضلا عن جهودها المكثفة لاستدراج وتجنيد مقاتلين اجانب في صفوفها”
اعتبر معهد ويلسون ان الادارة الاميركية “تتبنى الخيار العسكري ضد الدولة الاسلامية دون مواكبة استراتيجية سياسية .. ابعد من الاستناد الى رغبات ذاتية.” كما اعرب عن العقبات التي تعترض بلورة استراتيجية فعالة نظرا “لعدم تحكم الولايات المتحدة بالاوضاع السياسية في العراق او سورية .. فضلا عن تباين مصالح القوى المشاركة في الائتلاف الاقليمي، وكذلك تباين المفاهيم حول درجة الخطورة من التهديد ومصدره، الى جانب اختلاف في الاهداف المرجوة”
حث معهد بروكينغز الادارة الاميركية تكثيف الجهود “لانشاء جيش سوري جديد” كبديل لكافة تشكيلات المعارضة السورية المسلحة “وفق عقيدة عسكرية اميركية تتبنى اسقاط النظام وتسلم مقاليد الحكم في البلاد.” وفي الدراسة الصادرة عن المعهد، نبه صناع القرار الى عدم النظر او الالتفات الى “نشر قوات برية اميركية في سورية .. بل ينبغي حث كافة عناصر الفصائل المسلحة الحالية والجيش السوري الحر على التسريح والانخراط التام بتشكيلات الجيش الجديد،” الذي سيجري تدريبه خارج الاراضي السورية “بما فيها السعودية” تدريبا مكثفا “يستغرق 12 شهرا تقريبا”
كما طالب المعهد ان تتولى دول الخليج العربي “تحمل الجزء الاكبر من الكلفة، او بشكل كامل” التي “يتوقع ان تصل لنحو 10 مليار دولار”
اميركا وحلفاءها العرب
تناول مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية “النزعة الاميركية لانتقاد اصدقائها .. من الدول العربية” وتعميم اتهام كل من يخفق في تسخير الجهود “لمحاربة الارهاب والتطرف بأنه يدعم الحركات الجهادية والتطرف الاسلامي.” وطالب صناع القرار التحلي “بالواقعية وتحديد طبيعة الشراكة الاستراتيجية” مع كافة الاطراف. كما حث الجانب الاميركي على “عدم المضي وراء توقعاته بقيام الحلفاء العرب تغيير نظم حكمهم كي تصبح نسخة عن النظام الاميركي، او التخلي عن قيمهم واولوياتهم ومصالحهم الاستراتيجية،” اذ ان حلفاءنا من “الحكومات العربية تواجه قيودا كبيرة حيال ما بوسعها تنفيذه كحليف من عدمه”
في السياق عينه، وجه معهد كاتو نقدا لاذعا “للسعودية” نظرا للضرر الناتج عن التحالف الاميركي معها، ووصفها بأنها “عضو مثير للشكوك .. تافه وغير جدير بالثقة في الائتلاف المناهض للدولة الاسلامية؛” مسلطا الضوء على سياساتها “البربرية في قطع الرؤوس المماثة لداعش .. اذ اقدمت على جز عنق نحو 46 شخصا في العام الجاري وحده، نصفهم على الاقل اتهم بارتكاب جرائم غير عنفية”
واضاف المعهد ان “السعودية تتحمل جزءا كبيرا لصعود الدولة الاسلامية بالدرجة الاولى .. وقسم كبير من المعونات المالية السعودية ذهبت لصالح الفصائل المتشددة (في سورية) والتي شكلت نواة قوات داعش.” وطالب القادة الغربيين “اجراء اعادة تقييم ملحة لفرضياتهم المسبقة حول دوافع الرياض” بالانضمام للائتلاف

عين العرب – كوباني
اعتبر معهد واشنطن ان تردد تركيا بالتدخل ضد داعش وضعها امام خيارين: “اما نشر اسلحة ثقيلة للدفاع عن كوباني، او تقبل سيطرة الدولة الاسلامية على ذلك الجيب” من المناطق المحاذية للحدود معها. واضاف ان الخيار الثاني يفرض تحديات جديدة على تركيا، منها “توفير الذريعة لحزب العمال الكردي تحريض الاكراد في تركيا ضد انقرة، التي يحملونها مسؤولية سقوط المدينة .. مما يهدد استقرار البلاد خاصة في الجزء الجنوبي الشرقي”
ايران
بحث مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية مسألة “الاهداف الاستراتيجية لقوات ايران الصاروخية .. التي تعاني حاليا من تواضع المديات الفتاكة” للاسلحة، مما يوفر “حوافز لايران بتحميلها رؤوس نووية ورؤوس حربية تقليدية دقيقة.” واضاف ان مجموعة 5+1 تتحمل مسؤولية فرض “قيود على ايران لتحميل اسحلتها رؤوسا نووية .. وينبغي على الولايات المتحدة والدول المجاورة لايران البدء بتحضير سبل ردعية مناسبة وقدرات دفاعية تعالج قدرات ايران على زيادة دقة الاصابة ولمدى اطول”

:التحليل
60 يوما على “تحالف الاوهام” الجوي لاوبام
هل تبدأ تعديلات الاستراتيجية من البوابة التركية

تواضع حصاد الغارات الجوية
هناك اجماع شبه تام بين القادة العسكريين والسياسيين الاميركيين بأن الغارات الجوية ضد مواقع الدولة الاسلامية اسفرت عن نتائجة متواضعة لا تذكر، بعد “مضي 60 يوما على حرب الائتلاف الاميركي الجوية ضد داعش” الذي يعزز مواقعه ويحقق انجازات على الارض، في سورية والعراق، واصبح على بعد نحو 10 كلم من محيط مطار بغداد الدولي، كما اكدت شبكة سي بي اس الاميركية للتلفزة، واحتل بعض احياء مدينة عين العرب السورية
دخول داعش مدينة عين العرب ينذر “بمجزرة رهيبة قادمة،” كما يحذر الزعماء الاكراد ويرون ان داعش ستقدم على “الفتك بنحو 5,000 مدني خلال 24 – 36 ساعة” من دخوله المدينة، والتي ستتفوق بشاعتها على المجزرة السابقة للاقلية الايزيدية في العراق
شبكة (سي ان ان) للتلفزة وصفت تواضع الانجازات “الغارات الجوية للائتلاف دمرت دبابتين لداعش، وجرافة وعربة عسكرية اخرى.” هزالة الانتصارات اضحت مصدر تندر عند معظم وسائل الاعلام، اذ قالت يومية “انفستر بيزنس ديلي،” لشؤون الاستثمار والاموال، ترسل اميركا “مقاتلات متطورة باهظة الثمن لاطلاق اسلحة موجهة بالليزر لاصطياد جرافات ثابتة. امر مثير للشفقة”
حرب مفتوحة لمدة 30 عاما
اضحت استراتيجية الرئيس اوباما، لتقويض واحتواء داعش، اثرا بعد عين، كما وصفتها صحيفة “الاندبندنت” البريطانية، ونالت قدرا واسعا من الانتقاد من كافة الاطياف السياسية، مؤيدين ومعارضين، كان آخرهم وزير الدفاع الاسبق ليون بانيتا. في كتابه الصادر حديثا، “معارك جديرة،” شن بانيتا سلسة انتقادات لسياسة اوباما في العراق وسورية والتي ادت الى بروز الدولة الاسلامية، كما افاد
تنبأ بانيتا بحرب طويلة تشنها الولايات المتحدة “ضد الارهاب” تمتد لثلاثة عقود، خلافا للسنوات الثلاث التي وعد بها الرئيس اوباما. وقال في تصريح لصحيفة “يو اس ايه تودايه،” 7 تشرين الاول الجاري: “اعتقد اننا امام حرب مدتها 30 عاما .. والتي ستمتد بالضرورة لتشمل مناطق ابعد من تلك المسيطر عليها من داعش وتتضمن تهديدات بارزة في نيجيريا والصومال واليمن وليبيا ومناطق اخرى.” بعبارة موجزة يعدنا “الناطق بلسان معسكر الحرب” بحرب مفتوحة الافاق الزمنية والمكانية؛ سياسة اميركية خارجية عمادها الرئيس حروب مفتوحة “تدر ارباحا طائلة على شركات الاسلحة نظرا لارتفاع ملحوظ في النزاعات العسكرية عبر العالم”
المستفيد الاكبر من الحرب المفتوحة هي “صناعات القذائف والصواريخ وطائرات الدرونز واسلحة اخرى تستخدمها الولايات المتحدة لاستهداف مقاتلي الدولة الاسلامية في سورية وفي العراق،” كما نقلت شبكة “بلومبيرغ” الاخبارية عن شركة لوكهيد مارتن، 7 تشرين الاول الجاري. واشارت الشبكة ايضا الى استخدام مقاتلي داعش اسلحة وذخيرة اميركية الصنع، مما يسيل لعاب تلك الشركات التي تزود كافة الاطراف المنخرطة في “صراع مفتوح الاجل .. يغيب فيه تحديد ملموس للطرف العدو وتبرير لا ينضب للحرب”
في معرض تفسير قصور الغارات الجوية قالت صحيفة “واشنطن بوست،” وما تمثله من قوى ومصالح، والتي اسفرت عن نتائج “شبيهة بالحملة الجوية ضد طالبان عام 2002،” اوضحت ان الفارق الاساس بين التجربتين يكمن في طبيعة سلاح الجو “اذ ليس بوسع اطقم المقاتلات الاميركية الاعتماد على استطلاع القوات الخاصة لتحديد الاهداف، في ظل استبعاد الرئيس اوباما نشر مثل تلك القوات براً على الرغم من طلب القادة العسكريين بذلك”
اميركا قلقة ايضا من سرعة اندفاع “داعش” نحو بغداد وتمركزه على تخومها بمسافات قصيرة تمكنه من استهداف المطار الدولي بقذائف المدفعية، مما دفع وزارة الخارجية مؤخرا لطمأنة الشعب الاميركي بخطل الانباء التي تحدثت عن تعرض “المنطقة الخضراء” الى قصف بقذائف الهاون من قبل داعش. بيد ان التنظيم توسع واستقر في مناطق اخرى من العراق، منذ الاعلان عن بدء الغارات الجوية، شملت مدينة هيت على ضفاف نهر الفرات، ومحاصرته لمناطق مجاورة في الرمادي عاصمة محافظة الانبار
الغارات الجوية “للائتلاف” كانت نتائجها “عقيمة تماما،” على الرغم من الحملة الاعلامية المكثفة لترويجها. واقرت وزارة الدفاع الاميركية ضمنيا بفشل الغارات الجوية في العراق من تحقيق اغراضها باعلانها عن ادخال طائرات الاباتشي المروحية لساحة القتال كعنصر اضافي يعزز المرونة في شن العمليات العسكرية، مما حدى ببعض الساسة والمعلقين القول ان استدخال الاباتشي يؤشر على تعاظم نية الادارة نشر قوات برية بصيغة اخرى
اعادة تصويب الاستراتيجية
في العرف الاميركي من النادر ان يقوم رئيس الدولة بزيارة وزارة الدفاع اذ يلتقي بالقادة العسكريين والاطقم الداعمة لهم في مكتبه بالبيت الابيض. بيد ان الرئيس اوباما اعلن مسبقا منتصف الاسبوع الجاري عن نيته التوجه للبنتاغون والتحدث مباشرة مع قادة القوات والقادة الميدانيين؛ الأمر الذي يدل على توفر النية لديه لادخال بعض التعديلات على استراتيجيته المعلنة ضد الدولة الاسلامية، سيما والزيارة تمت في ظل تنامي مطالب قطاعات مختلفة بالنظر في ادخال قوات برية تعوّض قصور انجازات الحملة الجوية
اوباما، ومع حلول موسم الانتخابات النصفية والتحالفات الحادة، يحسب كل خطوة يمكنه الاقدام عليها ويضعها في ميزان تفاعلاتها وتداعياتها مع ارتفاع او انخفاض نسبة شعبيته، وبالتالي مرشحي حزبه الديموقراطي. في هذا الاطار، رفض الرئيس اوباما في شهر ايار الماضي طلب رئيس الوزراء العراقي آنذاك، نوري المالكي، لطائرات الدرونز او المقاتلات الاميركية شن غارات على مواقع داعش بعد ان نال تأييد قائد القيادة المركزية، لويد اوستن. اهمل الرئيس اوباما الطلب لعدم اقتناعه بالمردود السياسي
تنامى الضغط الداخلي من القادة العسكريين والساسة واعضاء الكونغرس “للنظر بخيار نشر قوات برية” مما اوعز اوباما لارسال اشارات تدل على نيته اتخاذه اجراءات وتدابير مغايرة لسياساته المعلنة. اما وزارة الخارجية، بطبيعتها وتفضيلها التحرك الديبلوماسي، فقد رفضت الخيار العسكري المنشود، وصرح وزير الخارجية جون كيري في منتصف الاسبوع ان “الحيلولة دون سقوط مدينة كوباني السورية بايدي الدولة الاسلامية لا يعد هدفا استراتيجيا للولايات المتحدة،” في تباين واضح مع سلفه هيلاري كلينتون التي كانت تحبذ استخدام القوة لدى استعصاء الحلول السياسية
وحث كيري جميع الاطراف الاميركية المعنية “باتخاذ خطوة تراجعية بغية استيعاب الهدف الاستراتيجي .. لمراكز التحكم والسيطرة والبنى التحتية للدولة الاسلامية، وحرمانها القدرة على شن هجمات ليس في كوباني فحسب، بل في عموم الاراضي السورية وامتدادا الى العراق”
ولفت كيري النظر الى تعاطفه مع فكرة “انشاء منطقة عازلة بين سورية وتركيا .. انها فكرة جديرة للاخذ بها بعين الاعتبار ..” بالمقابل، يسعى “حلفاء” اميركا من الدول الاوروبية استدراج الرئيس اوباما لنيل موافقته على المنطقة العازلة، كما جاء على لسان الرئيس الفرنسي فرانسوا اولاند.
وزير الخارجية البريطاني، فيليب هاموند، ايضا ايدها بحذر قائلا “ينبغي بحثها مع حلفائنا وشركائنا” والاستقرار على مفهوم موحد لما تعنيه المنطقة العازلة “بيد انني لا استثني ذلك في المرحلة الحالية”
يرتكز الجدل داخل الاوساط الاميركية على التدابير التي بوسع الولايات المتحدة اتخاذها لانقاذ مدينة عين العرب – كوباني، وحيثيات الاستراتيجية التي يمكن ان يقدم عليها الرئيس اوباما لوقف اندفاع وتمدد داعش. ليس بوسع اميركا الآن او في المدى المنظور استخدام قواتها البرية في حرب اخرى بعد النتائج الكارثية لسياساتها في افغانستان والعراق، التي لا يزال يتردد صداها في اذهان الشعب الاميركي الرافض لمزيد من الانخراط العسكري الفاعل في مناطق اخرى
وعليه، الخيار المتوفر للولايات المتحدة يستند الى حشد وتدريب قوات محلية للتصدي لداعش، الامر الذي سيستغرق فترة زمنية طويلة نسبيا؛ وربما هذا بالضبط ما يمكننا استخلاصه من تصريح ليون بانيتا بالحرب المفتوحة “ولمدة 30 سنة”
عقبات عدة تعترض نضوج قوات الجيش العراقي، الذي راهنت عليه اميركا طويلا، لاستلام زمام الامور والتصدي لداعش بغية استعادة سيطرة الدولة على مدينة الموصل. جاء ذلك على لسان منسق الائتلاف الدولي، الجنرال جون آلان، لصحيفة نيويورك تايمز مطلع الاسبوع الجاري موضحة ان ذلك “يدل على التحديات الهائلة التي تواجهها القيادة العسكرية العراقية وشركائها الدوليين كذلك”
تطمح الولايات المتحدة الى “انشاء جيش سوري جديد” بديل لكل التشكيلات المسلحة الحالية، بما فيها الجيش الحر، قوامه 15,000 عنصر ينبغي التدقيق في خلفية وولاء كل منهم على حدة، والذي سيوكل بمهمة “القوات البرية” البديلة عن القوات الاميركية، ويتطعم بالعقيدة القتالية الاميركية، كما ورد على لسان القادة العسكريين في البنتاغون. تدريب وتسليح العناصر سيستغرق نحو 12 شهرا، في المعدل، يتم اعدادها لمرحلة لاحقة
اما في المرحلة الراهنة فان الطرف المرشح للاسهام بقوات برية، كما ترغب البنتاغون، فهو تركيا التي يدخل في حساباتها الاعتبارات الاقليمية والتوازنات الدقيقة، والتي لحد اللحظة لم تتجاوز اجراءاتها التصريحات الكلامية. وكما اشرنا سابقا، فان الاهداف الاميركية والتركية غير متطابقة بالكامل فيما يتعلق بسورية بعد مضي قرابة اربعة اعوام على الصراع المسلح. هدف تركيا الرئيس “اسقاط الرئيس الاسد،” اما الولايات المتحدة فقد اثبتت الوقائع السياسية والميدانية ترجعها عن هذا الهدف واعلاء “تقويض الدولة الاسلامية” في المرتبة الاولى. كما ان الولايات المتحدة لا تمانع قيام كيان كردي في المناطق السورية، مما يثير ذعر انقرة التي ترفض رفضا مطلقا اي تعبيرات او تجليات تؤكد على الهوية الكردية
الرئيس التركي اردوغان اعلن مرارا رغبته بانشاء “منطقة عازلة” داخل الاراضي السورية وفرض حظر الطيران في اجوائها كشرط مسبق لدخول قوات برية تركية ارض المعركة. كما يبدي ارتياحا بينا لسقوط مدينة عين العرب الحدودية باغلبيتها الكردية في ايدي الدولة الاسلامية دون ان يحرك ساكنا
الجانب الاميركي يعتبر اشتراط اردوغان تبريرا لعدم دخول تركيا النشط، اذ ان الغارات الجوية فوق مدينة كوباني ادت الى حظر حركة الطيران السورية هناك. وعلق مسؤول رفيع المستوى في البيت الابيض لصحيفة نيويورك تايمز على تردد تركيا بأنها “تخلق اعذارا لعدم المبادرة وتفادي كارثة انسانية اخرى.” واضاف موبخا انقرة “هذا التصرف لا يعكس آلية عمل حليف للناتو بينما تفتح ابواب الجحيم على بعد مرمى حجر من حدوده”
اقتصر دور تركيا الفعلي، في المرحلة الراهنة، على الانضمام لجهود الائتلاف حرمان الدولة الاسلامية من عائداتها المالية، اذ تعبر شاحنات نقل النفط الاراضي التركية وتصدر عبر موانئها ايضا. وقد فرضت حجرا على استخدام داعش الاراضي التركية، كما اوردت وسائل الاعلام المختلفة، وفرضت قيودا اخرى للحد من قدرة داعش شراء ذخيرة وقطع غيار للمعدات الثقيلة التي استولى عليها
لجأ اكراد تركيا الى التظاهر والاحتجاج في المدن الرئيسة تنديدا باغلاق تركيا المنافذ الحدودية مع مدينة عين العرب – كوباني المهددة بالسقوط، ومنعت الامدادات البشرية والمتطوعين من الهبة لنجدة اقرانهم عبر الحدود. استخدمت الحكومة التركية قوات الشرطة والجيش للتصدي وقمع الاحتجاجات مما ادى لسقوط ما لا يقل عن 19 قتيلا وجرح 145 في المظاهرات التي عمت الاراضي التركية، وفرضت حظر التجول على مدن ماردين وسييرت وباتمان وفان
تجلت تداعيات ازمة كوباني في انخفاض قيمة الليرة التركية سبقتها تخفيض مكانة الاقتصاد التركي من قبل الشركات المالية الاميركية، الأمر الذي اثار قلق المستثمرين الاجانب وكذلك هاجس تدخل تركيا في سورية. توفر السيولة المالية العالمية امر حيوي للاقتصاد التركي، نظرا لنسبة العجز العالية في ميزان المدفوعات والذي “تضطر” الحكومة التركية للاقتراض من الاسواق العالمية مرة تلو اخرى لتغطية نفقاتها. نائب رئيس الوزراء التركي، علي بابكان، اقر في 8 تشرين الاول ارتفاع معدل التضخم في الاقتصاد التركي الى نسبة 9.4%، بما يقرب من ضعف التوقعات السابقة بنسبة تضخم 5.3% للعام الجاري
احد المخارج للحكومة التركية يكمن في عدم قيامها بالتدخل وتأزيم الاوضاع الاقليمية، وهو ما قد يلجأ اليه الرئيس اردوغان وحكومته للتكيف مع مطالب المؤسسات الاقتصادية الكبرى في البلاد. ان امتنعت تركيا عن المشاركة الفعالة في التصدي لداعش عسكريا فما يتبقى هو خيار الغارات الجوية واستمرارها للدول المشاركة في الائتلاف، وربما بعض العمليات الموكلة للقوات الخاصة القيام بها
خيارات الرئيس اوباما
يتضمن الاستعراض السابق بعض العوامل الضاغطة والتي تدفع بالرئيس اوباما اعادة النظر في استراتيجيته المعلنة وادخال تعديلات مطلوبة، سيما لادراكه تنامي معارضة الشعب الاميركي لسياساته المعلنة عززها حادث جز عنق امرأة اميركية في ولاية اوكلاهوما مؤخرا. الأمر الذي يستدعي بلورة سياسة اوضح نحو داعش تسهم في تراجع التهديد الارهابي للداخل الاميركي وللحلفاء ايضا
لا تبدي المؤسسة الحاكمة حماسا لانخراط قوات برية اميركية، كما اسلفنا، مما يستدعي الرئيس اوباما تقديم بعض التنازلات لارضاء تركيا تتضمن تطبيق محدود لمنطقة عازلة، مقرونة ببعض الاجراءات لمنطقة محدودة لحظر الطيران، وربما تجديد التزامه باسقاط الدولة السورية والرئيس الاسد. ويبدو ان التفاهم الذي توصل اليه الجنرال الاميركي المنسق للتحالف مع الجانب التركي حول تدريب وتسليح ما يسمى بالمعارضة السورية المعتدلة يشكل حلا مُرضيا وسطيا يؤجل التباين حول ترتيب الاولويات في المسرح السوري
تردد العامل الاميركي في الائتلاف، برفد قوات برية مهمتها تطبيق الاهداف المعلنة، يضاعف الاعتماد على قوات الجيش التركي، مع الاخذ بعين الاعتبار تباين اهداف الطرفين المباشرة، وعدم نضوج تشكيلات قوات المعارضة ودخولها كعامل مساعد. الأمر الذي يقود الى الاستنتاج بأن الازمة ستطول وربما لن تسير على هوى الرغبات الاميركية

التقرير الأسبوعي 10-03-2013

:المقدمة 

تعددت مواضيع اهتمامات مراكز الابحاث بدءا من الغارات الاميركية على مواقع داعش في سورية والعراق، الى فيروس ايبولا الذي انتقل الى داخل الاراضي الاميركية للمرة الاولىسيستعرض قسم التحليل ماهية “التحالف” الذي اعلن عنه الرئيس اوباما لمواجهة داعش، مع الاشارة الى غموض الاهداف السياسية التي يرمي “التحالف” تحقيقها؛ فضلا عن تباين اهداف بعض اطراف التحالف، لا سيما تركيا، مما سيترك بصماته على اللحمة والتناسق بين اطراف التحالف والمساهمة في انفراط عقده

ملخص دراسات ونشاطات مراكز الابحاث

نتنياهو في البيت الابيض
استبق معهد المشروع الاميركي عقد اللقاء بين الرئيس اوباما وبنيامين نتنياهو معربا عن رأيه بأن الاجتماع “لن يتمخض عن انجاز كبير .. نظرا للخلافات االرئيسة المستمرة بينهما حول قضايا كبرى.”
اعتبر معهد بروكينغز ان الاولويات الاميركية الراهنة لا تشمل “الصراع الفلسطيني الاسرائيلي .. اذ انه لم يعد مسألة استراتيجية مركزية في الشرق الاوسط.” واوضح ان التهديدات الماثلة “امام الأمن القومي الاميركي اليوم هي بروز الدولة الاسلامية، وتطور البرنامج النووي الايراني، وبسط النفوذ الايراني في عموم المنطقة .. وهي قضايا شبه منقطعة تماما عن الصراع الفلسطيني الاسرائيلي.” واعرب عن رأيه انه لو تم التوصل “لتوقيع اتفاقية سلام فستبقى الامور كما هي عليه راهنا، وكذلك الأمر لمعظم التحديات المترتبة ..”
الغارات الجوية في العراق وسورية
اشار معهد هدسون الى “تنامي الانقسام بين الرئيس اوباما ومستشاريه العسكريين” حول آلية الحرب ضد الدولة الاسلامية، مطالبا “كبار الضباط العسكريين ضرورة الانصياع وتنفيذ قرار القائد الاعلى للقوات المسلحة .. بل ويملكون خيار تقديم الاستقالة” بغية التركيز على عمق خطورة التهديد القادم من الدولة الاسلامية. ومضى بالقول ان “داعش او معاونيها من العناصر سيشنون هجوم على الولايات المتحدة على الارجح يوازي او يتفوق على نجاح هجمات القاعدة في 11 أيلول (2001).” واوضح ان من شأن تقديم احد الضباط الكبار استقالته “برفقة تبرير واضح ومنصف، اثارة جدل مطلوب حول الاستراتيجية الاميركية لانجاز هدف الرئيس في تقويض وفي نهاية الامر تدمير الدولة الاسلامية.”
حذر معهد كارنيغي من المخاطر التي تواجه “انشاء حرس وطني عراقي جديد .. اذ ينطوي عليه انجاز عدد من المبادرات الداخلية والدولية على السواء” احدها اقدام الحكومة المركزية على “توفير ضمانات حقيقية للطائفة السنية بأن مشاركتها في القرار السياسي ثابتة .. ويتعين عليها تقديم التزامها بالدولة العراقية ونبذ الدولة الاسلامية وحلفائها عبر الانخراط في بنية الحرس الوطني.” واضاف ان للولايات المتحدة دور ينبغي ان تقوم به في “الاشراف على جهود تدريب الحرس وكبح التداعيات الطردية للقوة”
قطر
صوب معهد كارنيغي سهام انتقاداته نحو قطر نظرا “لتدخلاتها في (دول) الربيع العربي مما اسهم في تقويض سمعتها بالحياد الى حد كبير .. وادى لتآكل مخزون ما تملكه من القوة الناعمة” التي راكمتها قبل عام 2011. واستدرك بالقول ان الخروج من ذلك الوضع قد يستغرق فترة زمنية طويلة “تقاس بعدد من السنين .. بيد ان المسار واضح امام المسؤولين القطريين للبدء في خطوات ترميم السمعة كوسيط باستطاعته جسر الهوة بين الاطراف.” وحث المعهد الولايات المتحدة على “العمل مع قطر لتوفير خيار قنوات خلفية للاتصال” بالاطراف المعنية.
ليبيا
حث معهد كارنيغي “الحكومة الليبية” على بذل الجهود للخروةج من المأزق “بدءاً باجراء تقييم دقيق لطبيعة التحدي الأمني الذي تواجهه ليبيا .. ويكمن في طبيعة الاستقلالية الذاتية للمجموعات المسلحة الثورية مقابل ضعف القوات المسلحة واجهزة الشرطة.” وشدد على ان “معضلة الميليشيات هي سياسية بالدرجة الاولى .. ينطوي الاقرار بانها تمثل فريق معين من الشعب واضحت راسخة بقوة في اجهزة الدولة”
ايران
حذر معهد مشروع السياسة الخارجية صناع القرار في الولايات المتحدة من الابقاء على مسار “التقارب الخطير من موقف طهران .. التي ترفض الاقرار بالتزاماتها الدولية.” واضاف ان انتهاج ما يسمى “حلول ابداعية .. من شأنها عدم المساس ببرنامج الاسلحة النووية لطهران.” واعاد الى الاذهان المذكرة التي قدمها “31 ممثل جمهوري في مجلس الشيوخ لوزير الخارجية يحذرون فيها من التنازلات النووية المقلقة المقدمة لايران .. اذ ان اي تخفيض في وتيرة العقوبات سيوفر الفرصة لايران انتاج مواد نووية متفجرة”

:التحليل

هل تنجح مناورة اردوغان لتسويق الدور البرّي الغائب في “تحالف واشنطن”؟
تقاطع الاهداف في الحرب على داعش
في زمن اشتعال الحروب تعيد القوى والدول المختلفة اصطفافاتها وتتقاطع تحالفاتها مرحليا، وتتضافر جهودها امام عدو مشترك، كما شهدت الحرب العالمية الثانية بتحالف نظم سياسية واقتصادية متناقضة، الاتحاد السوفياتي وبريطانيا والولايات المتحدة. مرحلة التنسيق وتوحيد الجهود آنئذ غابت تماما عن اللوحة الراهنة في محاربة داعش وتجلياتها في الاقليم
بيد ان التحالف وتقاطع المصالح ليست ظاهرة ثابتة ومرشحة الى التبدل والتغيير والتعارض والتناقض في مرحلة اخرى. القاسم المشترك الجامع “لتحالف واشنطن” هو الرغبة لدى البعض لوقف اندفاعة وتحجيم داعش وليس القضاء عليه، كما يزعم الخطاب السياسي الاميركي، في سورية بؤرة الصراع الراهن. اما الاداة الاوفر حظا للقيام بتلك المهمة فيبدو انها اوكلت لتركيا، عضو حلف الناتو النشط المفرط بحماس التدخل، والتي اخرجت الصيغة المطلوبة دون عناء عبر برلمانها الذي يسيطر عليه حزب اردوغان “العدالة والتنمية.”
تقدم داعش بسرعة ملفتة للانتباه في شمالي سورية، ووصل بقرب الحدود التركية الى مسافة لا تتعدى 5 كلم، عند مدينة عين العرب – كوباني. تركيا مثلت الحاضنة والداعمة للعناصر المسلحة بكافة اطيافها وتلاوينها بغية تقويض واسقاط الدولة والكيان السوري. وقد اوضحت صحيفة “واشنطن بوست” مؤخرا ابعاد القرار التركي اذ “ابلغ نائب رئيس الوزراء بولنت آرينك الصحافيين ان الاقتراح (الحكومي) المقدم للبرلمان سيتضمن مروحة واسعة من الخيارات، بما فيها فتح القواعد التركية امام الجيوش الاجنبية والقوات التي في طريقها للانتشار واقامة ملاذات آمنة لللاجئين داخل الاراضي السورية. ترغب الحكومة في نتيجة تصويت واسعة لتفادي اللجوء مرة اخرى للحصول على تفويض برلماني للعمل العسكري”
لتركيا حسابات اضافية تميزها عن الدول المنضوية في “تحالف واشنطن” سيما وعينها على “احباط” عرى الترابط الوثيق بين اكراد تركيا والاكراد في سورية، في الدفاع عن مدينة عين العرب المهددة بالسقوط بايدي داعش. ضرب داعش حصارا على المدينة ادى لفرار ما لا يقل عن 160،000 من سكانها باتجاه الاراضي التركية القريبة، ارفقه باطلاق بعض القذائف التي سقطت داخل الاراضي التركية. استثمرت تركيا اللحظة وحشدت بعض قواتها المقاتلة بكامل تجهيزاتها العسكرية لافشال تبلور وحدة ميدانية بين القوى الكردية بالدرجة الاولى، وادراكها ان داعش لا يضمر نوايا بالاستيلاء على اراضي تركية
دأبت تركيا وبثبات على “المطالبة بانشاء منطقة حظر جوي فوق الاراضي السورية” الحدودية للنيل من السيادة السورية، واتاحة الفرصة لمخططاتها بقضم اراضي عربية جديدة سيما وان قوى المعارضة السورية المسلحة مدينة لها بالكامل. يذكر ان الهدف المذكور ايضا نادت به الولايات المتحدة طويلا على امتداد الازمة، وبرز بقوة عام 2013 على خلفية ازمة الاسلحة الكيميائية السورية وتوثب اميركا لشن عدوان مباشر على الاراضي السورية قبل احباطه ببراعة من اصحاب الشأن
في المستجدات الاخيرة، وبالنظر الى تواضع عدد القطعات البحرية الاميركية المتوفرة في المنطقة، اضحى انشاء تلك المنطقة امرا مستبعدا مقارنة بما كان عليه الوضع العام الماضي وارتفاع سعير العدوان على سورية. حرصت الولايات المتحدة على تفادي الاشتباك مع القوات العربية السورية مسخرة عدد من الاطراف تحمل رسائل لطمأنة دمشق بأنها لن تنقض عليها وعلى الاخيرة العمل بالمثل. ووصفت عمل شبكات اجهزة الرادار السورية بانها “ساكنة” خلال طلعات الاغارة، بيد انها لا تبدي تعاونا معها، وبالتالي لوحظ غياب المسألة من التداول الاعلامي اليومي ولم يسجل اي شكوى من الطرفين
فرض منطقة حظر جوي سيواجه بتحرك عدد من الاطراف على الصعيد الدولي والديبلوماسي، ويقين البعض ان سورية سترسل احتجاجا لدى الامم المتحدة بدعم من روسيا والصين وايران ودول البريكس الاخرى، مما سيعرض الخطوة الاميركية الى مزيد من العزلة على الاقل
الخيار المتاح امام الولايات المتحدة في هذا الشأن هو طمأنة تركيا بأن سورية لن تتعرض لقواتها في محاربة داعش، والافضل مواجهتها هناك بعيدا عن الاراضي التركية. تعي تركيا وتخشى بأس سلاح الجو والدفاعات الجوية السورية، سيما بعد اسقاطه احدى طائراتها المقاتلة في عرض البحر قبالة الشواطيء السورية، 22 حزيران 2012؛ واي مواجهة غير محسوبة بدقة ستأتي بنتائج عكسية لاهدافها في تقويض واسقاط الدولة السورية. وتدرك ايضا ان تحركها في تلك المنطقة الحدودية، ان تم، سيصطدم بالوجود الكردي على جانبي الحدود والذي من شأنه تعزيز مكانة القوة الكردية المسلحة، ليس اقلها غريمها الاساس حزب العمال الكردستاني الذي حذر رئيسه المعتقل لديها، عبد الله اوجلان، الحكومة التركية من مغبة التدخل العسكري بحجة محاربة داعش
عند هذا المنعطف، تتباعد الاهداف الاميركية والتركية. اذ شنت الولايات المتحدة غاراتها الجوية ضد داعش دعما للقوى الكردية في العراق بالدرجة الاولى والتي لها المصلحة الاكبر في ابطاء تقدم داعش. توضح بيانات وزارة الدفاع الاميركية ان ما يربو على نصف مجموع الغارات الجوية، الاميركية والبريطانية، كانت لدعم القوات الكردية ومكنتها من اتخاذ زمام المبادرة وشن هجمات لاستعادة عدد من البلدات العراقية بعد سقوطها بايدي داعش
تتمحور الاستراتيجية الاميركية الراهنة حول استدراج اكبر عدد من مقاتلي داعش من الاراضي العراقية باتجاه الاراضي السورية وابعادها عن “تهديد اربيل،” وحصر نشاطها ما امكن داخل سورية. في هذا الصدد، نقلت شبكة “فوكس نيوز” عن مصادر خاصة بها داخل وكالة الاستخبارات المركزية تفيد بأن ضباطها يترددون بالمغامرة في ارسال عناصر استخباراتية اميركية داخل الاراضي السورية خشية مفاقمة الاوضاع بما فيها تعرضهم للاعتقال
اما “حلفاء” اميركا من دول الخليج العربي فقد بدأت تستشعر خطورة داعش على أمنها خاصة في الجزيرة العربية والاردن، وقلقون ايضا من ان تؤتي الغارات الجوية أكلها وتسهم في اضعاف داعش في الاراضي العراقية لخشيتهم من تعزيز دور ايران وحلفائها في المنطقة. وعليه ابدوا حماسة منقطعة النظير لشن غارات جوية واخرى ميدانية داخل الاراضي السورية طمعا في تحقيق مطالبهم بتقويض الدولة السورية
اميركا غارقة في التردد
تعاني الولايات المتحدة من غياب الاجماع الشعبي والسياسي حول سياسة الانخراط مجددا في حرب مفتوحة ليس لها افق “تستمر لعدة سنوات.” فقواعد الحزب الديموقراطي المناهضة للحرب اسمعت صوتها لاوباما وقادة الحزب بان اقصى ما يمكنها التأقلم معه هو ضربات عسكرية ضد داعش دون التفكير بنشر اي قوات برية سواء في العراق او سورية. وتفاقمت الازمة الداخلية عقب اقدام شخص اعتنق الاسلام جز عنق زميلته في العمل في ولاية اوكلاهوما الاسبوع الماضي على نسق اسلوب داعش
من الثابت ان تطورات “الشرق الاوسط” بكل تجلياتها وتنوعاتها ستسهم في نتائج جولة الانتخابات النصفية المقبلة، وما يراه البعض تراجع قدرة الحزب الديموقراطي الاحتفاظ بأغلبية مقاعد مجلس الشيوخ. في هذا السياق، اتهم الحزب الجمهوري عضو لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ عن الحزب الديموقراطي، كاي هاغان، بالتغيب عن نحو نصف عدد الجلسات التي عقدتها اللجنة؛ فضلا عن سكوتها المطبق حول سياسات الرئيس اوباما السابقة حول الارهاب “.. واخفقت في رؤية وتلمس تنامي شبح الدولة الاسلامية.” اذن هي بداية السباق والمزايدة الانتخابية
وكذلك الامر في شيطنة النواب عن الحزب الديموقراطي في ولاية نيو هامبشير، مثلا اذ اتهم خصم النائبة جين شاهين والرئيس اوباما سوية “بالذهول والحيرة” حيال خطر الدولة الاسلامية على الاراضي الاميركية. الخطاب السياسي للرئيس اوباما الموجه للعامة لم يحقق مراميه، اذ ينظر اليه جزء كبير من الناخبين بان رده يتسم بالضعف، وعند بدئه الغارات الجوية اعتبرها معظم المعنيين من الخبراء بأن فعاليتها محدودة
امام هذا التناقض لجأ اوباما لالقاء اللوم على الاجهزة الاستخبارية بتقصيرها في لفت انتباهه مبكرا، مما استدعى ردود افعال غاضبة فورية واتهامه “بعدم الاكتراث للتقارير الاستخبارية المقدمة للبيت الابيض،” واضطرت للكشف عن بعضها، لعام 2012، دون تعريض تصنيف السرية للخطر
استدرك اوباما التداعيات المحتملة سريعا واعلن عن ارساله نحو 2000 عنصر من قوات سلاح مشاة البحرية، المارينز، الى الكويت كمحطة انطلاق لنشاطاتها المختلفة في عموم المنطقة، يعززها تجهيزات عسكرية خاصة بها تشمل طائرات النقل الضخمة من طراز سي-130 وطائرات عمودية هجومية
من بين المهام الاساسية الموكلة لتلك القوة انجاز عملية اجلاء الرعايا الاميركيين من بغداد ان استمر داعش في اندفاعه بالقرب من بغداد، سيما وانها تضم الفوج الثامن في سلاح المارينز الذي انجز اجلاء ما ينوف عن 150 فرد من الرعايا الاميركيين بطرابلس في حزيران الماضي، ونقلهم براً لتونس في رحلة استغرقت نحو 6 ساعات على متن 40 سيارة ذات دفع رباعي، برفقة طائرات مقاتلة: اف-16، ام في-22ب اوسبري، وناقلة نفط من طراز كيه سي-130 ج. يذكر ان السفيرة الاميركية دبوره جونز احجمت عن استخدام الطائرات العمودية من طراز ام في-22 في عملية الاجلاء بدافع الخطورة
تعول الاستراتيجية الاميركية على تلك القوة من المارينز، والتي سيتم رفدها بمزيد من القوات والتجهيزات تباعا، للدفاع عن دول الخليج ان تعرضت لتهديد داعش. اتخاذ الكويت مقرا لها اتى بدافع ضمان عدم وقوع حقول النفط في الجزيرة العربية بايدي داعش، ولطمأنة الدول الخليجية القلقة من تنامي النفوذ الايراني
يجمع اطراف “حلف واشنطن” على ضرورة التصدي لداعش وتتباين المواقف في العداء والقضاء عليه. فالدول الخليجية كانت دوما جاهزة لتمويل مغامرات واشنطن وترمي لتوظيف التنظيم او مشتقاته وتفرعاته لانجاز هدفها المركزي في تقويض الدولة السورية، وهو الهدف الاوحد الذي يحقق اجماع كافة اطراف الحلفبعض الدول الاوروبية المشاركة، الدانمارك وفرنسا وبلجيكا وهولندا، توفر مساندة ودعم للقوات الاميركية فوق اجواء العراق حصرا، في تباين واضح مع دول الخليج المشاركة والاردن ايضا. دخول تركيا المتأخر وانضمامها للحلف يفاقم حالة الانقسام بين الاطراف المتعددة. نواة تحرك تركيا وهاجسها هو التصدي والحد من تطلعات الاكراد وتحجيم داعش وادامة دوره في خاصرة سورية للحيلولة دون نهوضها وابقائها ممزقة وضعيفة. تركيا ايضا تطمح للعب دور اقليمي بارز الامر الذي يتباين مع تطلعات آل سعود للعب الدور الاكبر
من نافل القول ان الرئيس اوباما يدرك بتمايز خطابه السياسي عن سياساته العملية، وهو الذي فاز بالانتخابات لمعارضته لشن الحروب والتزامه بانهاء حربي افغانستان والعراق، وما لبث ان وجد نفسه امام غالبية غاضبة من الشعب الاميركي لانزلاق الاوضاع في المنطقة الى مديات خطيرة؛ فضلا عن معارضة قواعده الانتخابية بشدة لمغامرات عسكرية جديدة في العراق وسورية. من شأن اي زلة سياسية من قبله ان تطيح بسيطرة حزبه الديموقراطي على مجلس الشيوخ وما سيترتب عليه من تجميد لاي مبادرة او اجراء قد يتخذه بعد موسم الانتخابات في تشرين الثاني المقبل
فيما يخص “داعش” فان التحالف الذي انجزته واشنطن بالتهديد والترغيب لا يستند على اسس متينة وعلاقات اطرافه هلامية باستثناء الحلفاء الاوروبيين والاستراليين التقليديين. ويبقى عرضة للانهيار جراء التطورات المتسارعة

التقرير الأسبوعي 09-27-2013

:المقدمة

واصلت مراكز الابحاث اهتماماتها بسياسة الرئيس اوباما المعلنة، ولم تبخل عليه في توجيه سيل من الانتقادات لاعتقادها ان الغارات الجوية أتت في وقت متأخر وينبغي تعزيزها بمزيد من الاجراءات العسكرية الرادعة بغية الحاق الهزيمة بالدولة الاسلامية
سيستعرض قسم التحليل اوجه القصور في “استراتيجية اوباما،” والاجراءات التي لجأ اليها، وابراز ثبات حالة التدني في نسب التأييد الشعبي لسياساته. كما سيطرح على بساط البحث تباين الاولويات في قواعد الحزب الديوقراطي مقارنة مع الرئيس وقادة الحزب: الجمهور الانتخابي يعتبر التغيرات المناخية محور اولوياته، والحزب يعتبر الاولوية في شن الحروب اهم مقاصده ليتقاطع فيها مع نبض قواعد الحزب الجمهوري ونسبة معتبرة من الناخبين “المستقلين.” فايهما سيحظى باهتمام الرئيس اوباما قبل جولة الانتخابات المقبلة

ملخص دراسات ونشاطات مراكز الابحاث

استراتيجية اوباما
اعتبر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ان نجاح الاستراتيجية الاميركية لمحاربة داعش “لا ينطوي عليها اسثمار جهد معتبر في نشر قوات برية .. اذ ان (الجيش) العراقي اثبت ان باستطاعته خوض القتال؛ ولديه وحدات قتالية مؤهلة بالرغم عن (حكم) المالكي، وكل ما يحتاجه هو تدعيمه بقوات خاصة ووحدات المغاوير ..” وحث صناع القرار على توفير الاسلحة والعتاد الضروري لمهام تلك الوحدات بحيث تمكنها من “الدفاع الذاتي عن نفسها، ورفع جهوزيتها لتكبد الخسائر وتوفير وسائل الاغاثة الطبية”

استعادت مؤسسة هاريتاج الجدل حول التفويض التشريعي للسلطة التنفيذية بشن حرب ضد داعش، موضحة ان “توفر التفويض باستخدام القوات العسكرية لا يغني عن بلورة استراتيجية شاملة تضع نصب اعينها مواجهة والحاق الهزيمة بعدو” مهما كانت تصنيفاته. وذكّرت المشرعين بمهام الرئيس كقائد اعلى للقوات المسلحة الذي يتحمل مسؤولية “تقييم حجم التهديدات التي تحيق بالأمن القومي، وعند التيقن منها، ينبغي عليه توضيح الأمر للشعب الاميركي والكونغرس .. فالرئيس هو المخول بتصدر موقع القيادة وبلورة استراتيجية شاملة ورشيدة لمواجهة والحاق الهزيمة بالعدو”

اعتبر معهد كارنيغي ان احد الشروط لمواجهة داعش يكمن في “تحقيق هدنة بين (الرئيس) الاسد وبعض قوى المعارضة السورية .. مما يصب في صلب توجه (الادارة) لتقويض وتدمير الدولة الاسلامية،” مع الاقرار بأن “الهدنة افضل من لا شيء، واقل من التوصل الى استراتيجية.” واعتبر ان احد اوجه القصور في سياسة الرئيس اوباما انه “يرّحل الأمر الى مرحلة لاحقة .. مما قد يحد بشدة من تداعيات الحملة ضد الدولة الاسلامية والسماح لقواتها اعادة تنظيم صفوفها والانطلاق مجددا”

استضاف معهد واشنطن لدراسات الشرق الادنى حلقة دراسية للبحث في الخيارات المطروحة لالحاق الهزيمة بالدولة الاسلامية. وطالب احد المشاركين، جيمس جيفري، الادارة الاميركية “القاء مزيد من الضوء لتوضيح ما تعنيه من هدف “الحط من قدرة وتدمير” الدولة الاسلامية.” واضاف ان “التدمير” ينطوي عليه القضاء التام على المجموعة “للدلالة على مدى التزام اميركا وطمأنة الحلفاء بتعهداتها للأمن الاقليمي.” واستدرك بالقول ان تحقيق ذلك “يكاد يكون من المستحيل نظرا لانتشار ايديولجية داعش عبر الاوطان .. الذي يستغل ضعف بنية الدول الاقليمية لتحقيق مآربه”

انفرد معهد بروكينغز من بين اقرانه للنظر الى “نصف الكوب الملآن” في استراتيجية الرئيس اوباما، معتبرا انها حققت “عددا من التطورات الهامة .. (فقد) فرضت تنحي (رئيس الوزراء) نوري المالكي وأتت بحكومة تتمتع بتمثيل اوسع ملتزمة بهدفي محاربة الدولة الاسلامية، من ناحية، والتكيف واستيعاب مطالب الطائفة السنية ..” هذا بالاضافة الى جهوزية عدد من القوى الاقليمية واستعداد آخرين للانضمام للحملة التي تقودها الولايات المتحدة .. تشكل بمجملها الخطوات الاولى في الاتجاه الصحيح.” وحث صناع القرار والقوى الاميركية المختلفة على “بدء الاستعداد لبناء الدولة، خاصة في سورية”

عاود معهد الدراسات الحربية العزف على المسألة الطائفية معتبرا ان “محور التحديات التي تواجه الولايات المتحدة في العراق وسورية هي توفير الامكانيات للطائفة السنية العربية امتدادا من بغداد ودمشق الى تركيا والاردن لالحاق الهزيمة بتوابع ومشتقات تنظيم القاعدة .. التي تنشط في المناطق ذات الاغلبية السنية.” وشدد المعهد على ضرورة بذل الجهود “لاشراكها في جهود التوصل لحلول أمنية فضلا عن ضرورته لحرمان القاعدة من البيئة الحاضنة لعودتها .. سيما وان السوريين منهم قد بدأوا يفقدون الثقة فيما ستؤدي اليه مرحلة ما بعد انتهاء الحرب”
ايران
اعرب معهد المشروع الاميركي عن اعتقاده ان الرئيس الايراني حسن روحاني “حافظ على ثبات موقعه في وسط الطيف السياسي، ومقيد من (المرشد علي) خامنئي.” وفيما يخص العلاقات المقبلة بين ايران والولايات المتحدة قال المعهد انه “بصرف النظر عن وجهة الحلول التي ستنبثق عن المحادثات الراهنة .. فان علاقة روحاني بخامنئي ستبقى وثيقة على الارجح خاصة في ادارته للاصلاحات الاقتصادية الهامة، بصرف النظر عن رفع العقوبات من عدمها.” وذكّر المعهد صناع القرار في واشنطن والدول الغربية انه في محصلة الأمر فان الرئيس روحاني هو نتاج “الجمهورية الاسلامية وسيعمل على المحافظة عليها بدل اطلاق العنان للتوقعات باقدامه على احداث التغيير من الداخل”
افغانستان
تغيرات السلطة السياسية في افغانستان كانت من ضمن اهتمامات مركز ويلسون الذي حذر من “تمدد الانقسام الراهن، اذ ان اي تصدع مهما كانت درجته من شأنه ان يحكم بالهلاك على حكومة الوحدة وتقصير اجلها،” حاثا القادة الافغانيين الجدد تفادي الانزلاق الى تلك المرحلة

:التحليل

اوباما امام فشل مزدوج لسياسات “محور الشر” و”شبكة الرعب”
في البدء، ينبغي التذكير بسجل الرئيس اوباما الذي يعول عليه كإرث سياسي يصرفه لاحقا لدى اخطبوط “مجمع الحرب على الارهاب الصناعي العسكري والمالي والاعلامي،” الذي يضم اهم واقوى اللاعبين السياسيين والاقتصاديين في اميركا، والمسيّر الحقيقي للسياسات الاميركية العدوانية
في ظل خمس سنوات قصيرة من عمر رئاسة باراك اوباما، اصدر اوامره للهجوم والاغارة على سبع دول مستقلة (العراق وافغانستان وباكستان والصومال واليمن وليبيا وسورية)، وشن اكثر من 390 غارة بطائرات الدرونز في اليمن وباكستان والصومال (اذ ما استثنينا مالي وجيبوتي في القارة الافريقية)، ونالت “بركاته” العسكرية الحديقة الخلفية لاميركا في بنما وهايتي وغرينادا
تم تطبيق تلك السياسة العدوانية تحت غطاء واهم بأن باراك اوباما فاز بمنصبه لنيته الاقلاع والتمايز عن سلفه جورج بوش الابن، كما مهدت له الآلة الاعلامية الضخمة في البدء، واستمر في تطبيق ذات السياسة في الهيمنة الكونية مغلفة “بصانع السلام” والاقلاع عن تصنيفات “محور الشر” بالغة التسطيح. جدير بالذكر ايضا ان الولايات المتحدة ومنذ عام 1980 لجأت للتدخل العسكري “37 مرة في 27 دولة”
للدلالة ايضا على النزعات العدوانية المتأصلة في “الفكر السياسي” الاميركي، مهرت مجلة “الايكونوميست” الرصينة عنوان غلافها الاخير بعبارة تهكمية “المهمة استؤنفت،” معيدة الى الاذهان عبارة جورج بوش الابن، ايار 2003، بان “المهمة انتهت” عقب غزو واحتلال العراق
بناء على ما تقدم، يمكننا القول ان آفاق المرحلة المقبلة تنذر بمزيد من “نِعَم” الفوضى والدمار المرافقتين للتدخل العسكري الاميركي المباشر؛ بل ان احتلال العراق شكل منصة انطلاق للسياسة “الجديدة” للولايات المتحدة في سورية، بشكل خاص، وبسط هيمنتها على مناطق متعددة اخرى في العالم بدءا من اوكرانيا في اوروبا، وتجسيدها في آسيا لضعضعة بروز الصين ومحاصرة روسيا
ومن ثم فالغارات الجوية الاميركية على سورية تدل على اتضاح الهدف الابعد للاستراتيجية الاميركية في اعادة رسم خريطة المنطقة خدمة لاهدافها ومصالحها التي عادة تأتي على نقيض مصالح الأمة العربية والشعوب الاخرى، بل من النادر ان يحدث تلاقي او تطابق بينهما. فالاستراتيجية الاميركية، كما تراها بعض النخب السياسية، اضحت تتغذى بهاجس “انتاج عدو جديد،” في كل مرحلة مفصلية، يعسّر اي نزعة مقبلة لأي رئيس قادم التغاضي عنها او القفز عليها، او ثمة التفكير بوضع نهاية “للحرب على الارهاب” او مصطلح اوباما “شبكة الرعب؛” وتجسيدا كذلك لنبوءة الاديب الاميركي يوجين اونيل بأن “الماضي يعيد انتاج نفسه مرة تلو اخرى”
فالسياسات الاميركية المرسومة، سواء المعلن منها والمضمر، بدءا بمحور الشر ومرورا بشبكة الرعب والموت بطبعتها الاوبامية، تكتسب “زخما وتفقد قابلية لتطويعها على مر الزمن.” عنوان حملة اوباما العدوانية استوجبت ابتداع خطاب وشعار جديد “استهداف شبكة الرعب لداعش،” لتمويه مآربها، وتوضح بجلاء بأن الولايات المتحدة الرسمية ما فتئت تسعى ولم تدخر جهدا لزعزعة استقرار سورية “ودعم قوى المعارضة المسلحة” التي انتجت داعش وتوابعها ومشتقاتها
محصلة الغارات الجوية الاميركية على شريط من الارض السورية اسفر عن نتائج متواضعة، من وجهة النظر الامريكية. اذ عنونت صحيفة “نيويورك تايمز” النافذة صفحتها الاولى “في العراق .. فشلت الغارات بزحزحة داعش،” بالرغم من توارد انباء عن مصرع بعض العناصر القيادية لديه، ابو يوسف التركي ومحسن الفضل. على الطرف المقابل في معسكر دعاة الحرب، لم تشفِ الغارات وحجم الدمار غليلها واعتبرتها “وخزة دبوس” تضايق وتزعج لا اكثر، مجددا نداءاته السابقة بضرورة انخراط اميركي اوسع طمعا لاسقاط الدولة السورية واعادة تكوينها وفق ما يلبي مصالحه من مخططات وقوى وادوات تهديد واضطراب
في هذا الصدد، لا ينبغي القفز على البعد الداخلي الاميركي كأحد العوامل في اعتبارات الرئيس اوباما، والذي رمى لتعزيز ووقف انهيار نسبة شعبيته بعد سلسلة اخفاقات اصابت حلفائه؛ بيد ان نزعته العدوانية لم تؤتِ أكلها، واستمرت وتيرة التدهور دون كوابح، ولم تفلح جهوده والآلة الاعلامية الاميركية الضخمة بتسليط الضوء على سلسلة من الاهداف: داعش، جبهة النصرة، ومجموعة خراسان التي لم يسمع بها تقريبا في الاعلام الاميركي من قبل وبرزت بالتزامن مع بدء الغارات العسكرية. واعتبر بعض الخبراء العسكريين ان تعدد الاطراف المستهدفة ينم عن فشل السياسة الاميركية وعملياتها “السرية” في سورية
ابتدعت واشنطن صيغة تحالف ينضوي تحت لوائها وقرارها من الدول العربية، لا سيما الخليجية والاردن، والاقليمية (رغم تردد تركيا في البداية)، والدولية تحقق جملة اهداف مرة واحدة: اولها ابراز حجم الدعم الذي تحظى به السياسة الاميركية، ولو شكلا، وتوزيع الكلفة المادية والبشرية على مجموعة اطراف – العربية والاوروبية التقليدية. بعض الخبراء العسكريين الاميركيين ابرز مواطن الضعف في “استراتيجية اوباما،” على المستوى العملياتي، ويتهمه بارتكاب “خطيئة عسكرية كلاسيكية” لدخول اتون المعركة بقوات برية محدودة مقابل طرف معادي يتفوق عليها عدديا، مما يشير الى مواجهة طويلة الأمد تحصد نتائج محدودة وهزيلة مقارنة مع الغرض الابعد بتحقيق نصر حاسم سريع
ويشير هؤلاء ايضا الى المرونة التي يتمتع بها داعش وقدرته على نشر بعض خلاياه العاملة بعيدا عن ساحة المواجهة الرئيسية وشن عمليات ضد الدول المشاركة في تحالف واشنطن وربما داخل اراضيها. بل سعت على الفور لترجمة ذلك التخوف، اذ لم تمضِ بضع ساعات على القاء الرئيس اوباما خطابه امام الجمعية العامة للامم المتحدة قبل ورود انباء تفيد عن مصرع رهينة فرنسية كانت محتجزة لدى جماعات مسلحة في الجزائر تدين بالولاء للدولة الاسلامية، بجز عنقها، الوسيلة المفضلة لتلك المجموعات. الملفت ايضا ان مجموعة “جند الخلافة” تلك اصدرت بيانا تحذيريا تهدد بقتل الرهينة ان لم تتوقف فرنسا عن مشاركتها في قصف مواقع الدولة الاسلامية في العراق
قرار وحجم المشاركة تقرره الولايات المتحدة وليس الدول المنضوية تحت لوائها. بعد اعتلاء الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند منصة الجمعية العامة للامم المتحدة اكد ان بلاده ماضية قدما في المشاركة بالغارات الجوية فوق الاراضي العراقية، على الرغم من مقتل الرهينة الفرنسية في الجزائر
الاعيب ام سياسة خارجية لاميركا

خطاب الرئيس اوباما امام الجمعية العامة للامم المتحدة انطوى على بضع رسائل موجهة للداخل الاميركي، وللعالم اجمع، ولم يشأ ان يبقى خارج الاهتمام العالمي هذه المرة من مخاطر الانبعاث الحراري، سيما وان احدى اكبر التظاهرات شهدتها مدينة نيويورك خلال انعقاد الدورة، شارك فيها ما لا يقل عن 400،000 متظاهر. وزعم امام الهيئة الدولية ان بلاده “تسعى الى تحقيق تخفيضات طموحة في انبعاثات غاز الكربون، وانها زادت من حجم استثماراتها في مجال الطاقة المتجددة .. بيد ان نجاحنا (اميركا) في تخفيض الانبعاث الحراري مرهون بمشاركة كل من القوى الرئيسة ..”
توقيت الغارات الجوية الاميركية ضد داعش بالتزامن مع انعقاد الجمعية العامة للامم المتحدة وتنامي اهتمام شعوب العالم بضرورة تقليص الدول الصناعية حجم الغازات الضارة التي تنتجها يثير اهمية البعد الداخلي في خطابه، لا سيما وعينه على الانتخابات النصفية المقبلة. اشار احد اهم مراكز استطلاع الرأي، بيو، في شهر آب الماضي الى تباين اراء القواعد الداعمة للرئيس اوباما في تحديد الاولويات السياسية، لا سيما تقييم حجم وجدية الخطر الارهابي، مقارنة برؤية الشريحة الانتخابية من المستقلين التي يعول عليها عادة في ترجيح كفة الفائز بالانتخابات
واشارت نتائج استطلاع معهد بيو الى وعي اغلبية معتبرة من الناخبين الديموقراطيين بأولوية التهديد الصادر عن التحول المناخي، بنسبة 65%، فاقت التهديد “المزعوم” من الدولة الاسلامية. بالمقابل، اعتبرت الاغلبية العظمى، 80%، من الناخبين الجمهوريين ان القاعدة ومشتقاتها تمثل التهديد الاساسي للولايات المتحدة، مقابل شريحة بنسبة 25% عبرت عن قلقها من التغير المناخي. اما شريحة “المستقلين” فقد عبرت غالبيتها عن اولوية تهديد القاعدة وتوابعها، 69%، مقابل 44% ابدت اهتمامها بالتغيرات المناخية
لعل اللغز الكامن في تلك الهوة الشاسعة في الاراء يفسر تراجع شعبية الرئيس اوباما، بل ثبات نسبة التراجع. وسجل اليوم التالي لخطاب اوباما في نيويورك، 11 أيلول، دعم نسبة ضئيلة من المواطنين، 36%، لسياسة الرئيس اوباما الطموحة. وخلال بضعة ايام قلائل انحدرت نسبة التاييد الى 31%
الجزء الاكبر من اقلاع الجمهور عن دعم اوباما كان مصدره قاعدته من الناخبين الديموقراطيين. ففي الحادي عشر من ايلول الجاري بلغت نسبة تأييده بينهم 67%، وانحدرت الى 59% بعد بضعة ايام؛ وتجدر الاشارة الى تراجع نسبة مؤيديه بين السود الاميركيين، قاعدته المفضلة، 5 نقاط مئوية، من 73% الى 68% في ذات الفترة الزمنية
لا ينبغي التغاضي عن اهمية تلك النسب الثابت الوحيد في مؤشراتها هو التداعي المستمر للرئيس اوباما خاصة عند استخلاص النتائج لمسيرته المتعثرة في “محاربة الارهاب” و”تقليص وتدمير داعش.” وما لجوئه للخيار العسكري في هذه الظرف الدقيق من ولايته الرئاسية الا لتعديل ميل موازين القوى لصالح ممثلي الحزب الديموقراطي في الانتخابات المقبلة، طمعا في ابقاء سيطرة مجلس الشيوخ بقبضة الديموقراطيين. وكما اشارت نتائج الاستطلاعات الحديثة فان الجزء الاكبر من قاعدته الانتخابية لا تكترث “للحرب على الارهاب” ومشتقاتها، وتعتبر التغيرات المناخية والانبعاث الحراري محور اولوياتها
رسالة الحرب والعدوان التي ارساها اوباما حظيت بدعم “مدروس” من قبل خصومه الجمهوريين الذين سيواصلون انتقاداتهم في الجولة الانتخابية المقبلة. ويدرك الرئيس اوباما انه لن يستطيع التماثل التام مع خصومه خشية نفور قاعدته الانتخابية من الديموقراطيين، وكذلك لا يرغب في التقرب اكثر مما هو عليه الحال الراهن من اولويات تلك القاعدة. فالتوفيق بينهما تعوزه الحماسة ولن يحصد سوى مزيد من التردد والتأرجح وربما تصدع وفشل سياسته الخارجية برمتها

التقرير الأسبوعي 09-20-2013

:المقدمة 

          استمرت وسائل الاعلام ومراكز النخب الفكرية والسياسية في تداول معطيات استراتيجية اوباما ضد داعش، وكانت الحدث الابرز في معظم التغطيات والنقاشات في كافة المراكز والمؤسسات

          سيسلط قسم التحليل المرفق الاضواء على التجاذبات السياسية الاخيرة في الخارطة الاميركية، لا سيما دعم اغلبية من ممثلي الحزب الجمهوري لسياسته ومعارضة عدد كبير من النواب الديموقراطين. وفاز اوباما في تصويت الكونغرس بفضل الحزب الجمهوري. وسيستعرض ايضا الدوافع التي تقف وراء “الانشطارات” المؤقتة تجسيدا لسياسة حزبية معدة باتقان ودقة للولوج الى الانتخابات النصفية بتفوق الحزب الجمهوري قبل البدء بها

ملخص دراسات ونشاطات مراكزالابحاث

استراتيجية اوباما

          حث مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية صناع القرار على بلورة استراتيجية شاملة في المنطقة يشكل التصدي لداعش احد اضلعها. وقال محاربة “الدولة الاسلامية ما هي الا  مواجهة تصدي واحدة للدولة في الصراع على مستقبل الاسلام واستقرار الدول الاسلامية .. وينبغي على الولايات المتحدة انشاء اطار اوسع للعمل مع المسلمين والحلفاء الآخرين، والبناء على الدروس المستفادة من عمليات التصدي للدولة الاسلامية بغية المضي في حرب اطول”

          تناول معهد كارنيغي المخاطر المترتبة على استراتيجية الرئيس اوباما ضد داعش. واوضح ان احداها تكمن في “اعلانه استهداف قادة الدولة الاسلامية، كما اشار الى انتصارات حققها في اليمن والصومال، لن تفضي الى تهيئة الارضية لحلول مستدامة معها .. اذ تنطوي الغارات الجوية على ايقاع المزيد من الضحايا الابرياء وتسهم في زيادة منسوب التطرف”

          حذر معهد كاتو الرئيس اوباما وادارته من ضيق ذرع الشعب الاميركي في حربه ضد داعش. وبالمقارنة فان “تنظيم القاعدة شكل خطرا واضحا قائما للامن القومي الاميركي.” اما داعش في ذهن الجمهور “فلا يرى فيه تهديد مماثل .. خاصة وان المؤسسة الاستخباراتية الاميركية اوضحت رسميا  ان هناك احتمال صفري لمواجهة تحدٍ من نوع استهداف الدولة الاسلامية الاراضي الاميركية.”  وعليه، اضاف المعهد، “وفي ظل عدم توفر تهديد حقيقي من الدولة الاسلامية، فان المردود غير الملموس للحملة تبدو شاحبة بالنسبة للكلفة المرئية ناهيك عن حالة الاحباط.” وحذر من مضي الرئيس اوباما في خطتهاذ “سيوفر ارضية لاعتقاد العديد بأن مجمل الحملة في حقيقتها ترمي الى اعادة رسم (خارطة) الشرق الاوسط، عوضا عن اتخاذ اجراء ضروري للدفاع عن النفس.” وفند المعهد المبررات التي سيقت في السابق لتبرير التدخل اذ ان ” “الشعب الاميركي سئم من مبدأ بناء الدولة” ونشر الديموقراطية

          ناشد مركز السياسة الأمنية الادارة الاميركية بعدم ضم ايران في التحالف الدولي، محملا اياها “مسؤولية كبيرة في تأجيج التوترات المذهبية في العراق منذ عام 2011 نتيجة دعمها الثابت لحكومة نوري المالكي.” ومضى محذرا من تداعيات انخراطها “المتزايد والذي من شأنه اقصاء سنة العراق “

          تناول مركز الأمن الاميركي الجديد مسألة الارهاب بشكل اوسع من زاوية الثروات المتراكمة لدى داعش وقدرته على التمويل الذاتي محذرا من”سيطرة داعش على حقول النفط في سورية والعراق .. للتزود بالوقود اللازم له وبيعه بطرق غير مشروعة .. تصل قيمته نحو 2 مليون دولار يوميا.” واخطر المركز صناع القرار من تداعيات تمدد داعش وتوغله “داخل الاراضي العراقية، وامكانية سيطرته الحقيقية على حقول النفط في اقليم كردستان “

نفوذ قطر

          اشار معهد كارنيغي الى “الفشل الذريع للسياسة القَطَرية الرامية الى توطيد نفوذها في الاقليم .. التي عادة تتميز بالتوسع والعقلانية.” واضاف انها كغيرها من اللاعبين “راهنت على الاطراف الرابحة وتساوقت مع الرياح السياسية والعمل مع عدد من الاطراف، حتى المتقلبة منها مثل المجموعات الجهادية.” وحول تغير المسارات وتداعياتها اوضح المعهد انه منذ عام 2011 “تعاني سياسة قطر الخارجية من سوء التقدير، والتحديات الداخلية، والضغوط الدولية .. ودخلت جراء ذلك في مرحلة الانكماش.” واعتبر المعهد ان تنافس قطر مع السعودية قد اضرّ بها “وينبغي عليها التعاطي مع الأمر بشكل مشترك وهو المفتاح لبسط نفوذها في الاقليم”

تركيا

          تأرجح تركيا مرة اخرى نحو التكامل مع الاتحاد الاوروبي كان موضع اهتمام صندوق جيرمان مارشال الذي اعرب عن خشيته من الأمر اذ “تستخدمه السلطات التركية منصة انطلاق لاحياء الامبراطورية التركية ومجد العثمانيين، او ربما خطوة تكتيكية لتوطيد اقدامها في السلطة وتمديد أمد الحصانة” من الملاحقة القانونية التي يتمتع المسؤولون بها. وناشد المعهد “دول الاتحاد الاوروبي والاحزاب المعارضة استغلال الفرصة المتاحة لالزام تركيا تطبيق الاصلاحات المطلوبة لعضوية اوروبية مستدامة”

:التحليل

داعش يرجح التصويت في الكونغرس الاميركي    تأجيـل المعركة الفاصلة الى نهاية العام

          ثمة اجماع في عاصمة القرار على ان الرئيس اوباما شد الرحال باتجاه معسكر الحرب وصقور السياسة، مما وفر له الدعم الميسر لسياسته المعلنة مؤخرا، بل “كوفيء” بمصادقة الكونغرس على توفير مبلغ 500 مليون دولار اضافي تنفق على تجهيز وتسليح قوى المعارضة السورية المسلحة. وصوت لصالح القرار عدد كبير من الاعضاء الجمهوريين، 159 مقابل 114 للنواب عن الحزب الديموقراطي، وعارضه 85 عضو من الحزب الديموقراطي مقابل 71 معارض من الحزب المنافس. محصلة الأمر ان فوز اوباما تحقق على ايدي النواب الجمهوريين

بعبارة اخرى تبنى الجمهوريون سياسة اوباما التصعيدية التي تكمل سياسات سلفه جورج بوش الابن، رغم لهجة الخطاب السياسي العلني في انتقاده، ومعارضة معتبرة من قبل حزبه الديموقراطي، نحو 40%. وجاء اوضح تصريح عقب التصويت على لسان رئيس مجلس النواب (الجمهوري)، جون بينر، قائلا “بصراحة اعتقد ان ما يطلبه الرئيس اوباما سويّ .. لا ارى اي عائق امامنا لرفض ما يطلبه منا الرئيس.” بينما اعرب احد اقطاب الحزب الديموقراطي المعتبرين، جيم ماكغفرن، عن عميق قلقه لشن غارات جوية في الاجواء العراقية واصفا ذاك القرار الرئاسي بأنه “مثير للسخرية”

يذكر ان اقطاب الحزب الجمهوري اشاعوا في البدء ضرورة توجه الرئيس اوباما للكونغرس لنيل تفويض لسياسته المعلنة في العراق، ومن ثم تراجع هؤلاء عن هذا الشرط. بل اوضح رئيس مجلس النواب ان “الرئيس هو المخول بتقرير التوجه للكونغرس للتصويت على ذاك التفويض من عدمه، والادارة لم تقدم على ذلك بعد”

تجدر الاشارة الى ان عددا كبيرا من نواب الحزبين في الكونغرس أتى من خلفية عسكرية وهمالذين عارضوا استراتيجية اوباما. وجاء على لسان النائب والعضو السابق في سلاح مشاة البحرية، المارينز، دانكان هنتر الذي قضى بعض خدمته في العراق وافغانستان، ان الاستراتيجية المعلنة “لا تساوي شيئا” ولا يمكنها تدمير الدولة الاسلامية. نظيره الديموقراطي تولسي غابارد، عن ولاية هوايي والذي خدم في العراق، وصف الاستراتيجية بأنها “غير واقعية .. وستستغرق زمنا طويلا قبل ان تلوح بوادرها في الافق”

الاجابة على تحول بعض موازين القوى في هذه المرحلة، دعم الجمهوريين للرئيس اوباما، تتعلق بالانتخابات النصفية المقبلة وعينهم على الفوز بأغلبية مجلس الشيوخ والاحتفاظ بأغلبية مجلس النواب، ولخشيتهم ان تؤثر معارضتهم الثابتة للرئيس اوباما على نتائج تلك الانتخابات. ولعل الادق ان ما تبقى من زمن لحين شهر الانتخابات، تشرين الثاني، ان اقطاب الحزب الجمهوري سحبوا البساط من تحت قادة الحزب الديموقراطي ورموا جانبا الاتهامات الموجهة لهم “بتعطيل الاداء الحكومي والتسبب في الطريق المسدود”

وأتت حملة التعبئة الاعلامية أكلها في الوعي العام، اذ اظهر احدث استطلاعات للرأي تنامي الدعم الشعبي لسياسة اوباما في العراق وسورية، 53% بعد خطاب الرئيس، مقابل 42% قبل ذلك. اي ان الكفة تميل لصالح معسكر الحرب الذي يتزعمه خطاب الحزب الجمهوري، ولا شك ان قادته قرأوا النبض الشعبي بدقة عقب حملة اعلامية وسياسية مكثفة ومدروسة

في هذا الصدد، اشار عدد من استطلاعات الرأي في الآونة الاخيرة الى تنامي الدعم الشعبي لخطاب اوباما المفعم بمفردات الحرب ضد داعش. واوردت شبكة (ان بي سي) للتلفزة ان التأييد بلغ 62%، وشخصته وكالة رويترز للانباء بنسبة 64%، ومعهد بيو بنسبة 53%. الملفت في تلك الحزمة من الاستطلاعات ان تأييد اوباما بين الجمهوريين بلغ 64%، بينما بين اوساط الديموقراطيين فقد بلغ 60%. وذهب استطلاع وكالة رويترز بالقول ان اغلبية الشعب الاميركي، 53%، يؤيد استراتيجية اوباما المعلنة حتى لو استغرقت سنتين او ثلاث، كما قدرها البيت الابيض

نتائج الاستطلاعات لفتت قادة الحزب الجمهوري الذين اعتادوا على افشال اي مشروع او اقتراح مقدم من السلطة الرئاسية، واثارت بعض القلق بين اوساطهم. وخياراتهم في هذه المرحلة الدقيقة احلاها مر: المضي بمعاداة ورفض توجه اوباما نحو الدولة الاسلامية، كما اعتادوا، ينطوي على مغامرة سياسية كبرى من شأنها توفير مزيد من ذخيرة الهجوم على الحزب الجمهوري من الرئيس اوباما وحزبه؛ او اعلان التأييد للرئيس مرة وحيدة والتطلع نحو الفوز بنسبة الاغلبية في الانتخابات المقبلة والسيطرة على مجلسي الكونغرس

بالطبع التجاذب بين الحزبين لن ينتهي بمجرد موافقة مجلس النواب على استراتيجية اوباما، وقادة الحزب الجمهوري يدركون تماما ان تصويتهم بنعم أجّل المعركة الفاصلة لشهر كانون الاول، بمنح الرئيس دعما ماليا لنهاية العام الجاري. احتمالات الربح والخسارة لدى الطرفين حاضرة في الاذهان. في حال نجاح خطة اوباما والتي وافق عليها الجمهوريون مكرهين سينالهم بعض آيات الثناء لدورهم الفعال. بالمقابل، نظرائهم من الحزب الديموقراطي الذين اعترضوا على خطة اوباما سيتركون يواجهون مصيرهم وحدهم من الانتقادات. اما احتمال الفشل، وهو المرجح، فانه سيوفر للجمهوريين زادا اضافيا للنيل من خصومهم بداء من الرئيس اوباما

معركة السيطرة على مجلس الشيوخ

لدى اقطاب الحزب الجمهوري تفاؤل كبير بالفوز بأغلبية المقاعد في شهر تشرين الثاني المقبل، على الرغم من استقطابات وتغيرات في الخارطة الانتخابية، وكل ما يحتاجونه هو الفوز بستة مقاعد على الاقل. اذ من بين ثوابت النظام السياسي الاميركي ان الحزب المسيطر على منصب الرئاسة سيخسر كثيرا في الانتخابات النصفية، يعززها تدني نسبة التأييد الشعبي للرئيس اوباما لحين اعلانه عن نواياه الحربية

بالمقابل، سيبذل الحزب الديموقراطي قصارى جهوده للاحتفاظ بالمقاعد التي فاز بها بشكل كاسح في الدورة الانتخابية الاخيرة لعام 2008. يحتفظ الديموقراطيون راهنا بثمانية (8) مقاعد يوشك على خسارتها تمثل الولايات التي صوتت لصالح المرشح الرئاسي الجمهوري، ميت رومني، قبل عامين. بالمقابل، لا ينطبق الوضع عينه على الحزب الجمهوري في مناطق تأييده، بل تشير استطلاعات الرأي الى تقدم بسيط لصالح مرشحي الحزب على خصومه الديموقراطيينفي 8 ولايات، اما باقي المقاعد فهي مضمونة النتائج لصالح الجمهوريين

جمهور الحزبين معالمه معروفة ومحددة لهما، اما ما يقلق الطرفين فهي شريحة اطلق عليها تسمية “المترددين” لحين اللحظة الاخيرة، وهي التي يراهن الطرفان على كسب جمهورها. تشكل المجموعة وزنا ذات ثقل معتبر في اي دورة انتخابية ومعظمها يعارض الرئيس اوباما وسياساته، بل اثبتت الدورات الانتخابية المتعاقبة ان اغلبية اصوات “المترددين” تذهب لصالح الحزب الجمهوري. للدلالة، نشرت جامعة كوينيبياك (بولاية كونتيكت) نتائج احدث استطلاعاتها للرأي تدل على على تردي شعبية الحزب الديموقراطي ويعتبر الناخب انه يصوت في الانتخابات النصفية ضد، او انتقاما من، الرئيس اوباما

واوضحت الجامعة ان مقعد ولاية كولورادو اضحى في خطر، وهي تصوت عادة لصالح الحزب الديموقراطي وترسل احد اباطرته الى الكونغرس، مارك يودال، الذي انخفضت نسبة تأييده الى 44% مقابل 50% لخصمه الجمهوري بسبب اصطفاف شريحة المتردين ضد الرئيس اوباما. بات الأمر يدعو الى القلق الشديد، سيما وان كولورادو محسومة تاريخيا للحزب الديموقراطي قد تذهب لصالح الخصم، ومقعد ولاية ايوا ايضا. ويمتد قلق الحزب الى الولايات المحسوبة في خانته تاريخيا، مينيسوتا وديلاوير ونيو جيرسي، انخفضت نسبة التأييد الشعبي لمرشحيه الى ما دون 50%، مما سيفتح الباب على مصراعيه امام الحزب الجمهوري للفوز بأغلبية المقاعد

وعزز القلق ايضا اصدار صحيفة “نيويورك تايمز” نتائج احدث استطلاع اجرته منتصف الاسبوع الجاري يدل على تقدم المرشحين الجمهوريين على خصومهم بنحو 6 نقاط مئوية، ونحو 9 نقاط بين صفوف الناخبين المستقلين. كما دل الاستطلاع على قلق العامة للقضايا الهامة وتأييد الاغلبية للحزب الجمهوري في مجالات متعددة: في حال الاقتصاد بلغ تقدم الجمهوريين 11 نقطة، قضية الارهاب 21 نقطة، السياسة الخارجية 12 نقطة؛ واسفر ايضا على تدني نسبة التأييد العام للرئيس اوباما الى 40%

هذا الاستعراض المفصل للخارطة الانتخابية كان ضروريا للاستدلال على دوافع الحزب الجمهوري وقادته في التصويت لصالح الرئيس اوباما مؤخرا، بعد طول عناء وثبات مواقفهم بتعطيل مشاريعه وافشال سياساته. وبرع هؤلاء في التقاط الفرصة المتاحة لا سيما في دعم ما يسمى “المعارضة السورية المعتدلة” بالرغم من سلسلة اعتراضات قدموها حول المسألة، والتي من شأنها سحب البساط الانتخابي من تحت اقدام الرئيس اوباما وتفنيد مقولته بأن الجمهوريين يعزفون عن العمل سوية معه

بالرغم من كل ما تقدم، فان الوقت لا يزال مبكرا وسابق لاوانه لترجيح كفة على اخرى، الا في حال تضافر عدد من العوامل تؤدي لفوز الحزب الجمهوري بنسبة كاسحة تمكنهم من اختراق المقاعد الثمانية المشار اليها ورفع اكاليل الغار

التقرير الأسبوعي 09-13-2013

:المقدمة

                    اسس خطاب الرئيس اوباما ارضية للتغطية الاعلامية، بشقيها العام واهتمامات النخب السياسية، بعد طول ترقب وانتظار لما سيترتب عليه من رؤى وخطط مستقبلية، دغدغ مشاعر الجمهور واحبط آمال معسكر الحرب الذي سعى لاطلاق فصل جديد من الحرب المعلنة ضد الدول الوطنية

          سيركز قسم التحليل الكشف عن كنه لغة الديبلوماسية والشعارات المنمقة في الخطاب، الذي رمى لتوظيف فزاعة داعش واساليبه الدموية كمدخل لاعادة تكريس احادية زعامة اميركا وتقسيم المنطقة مجددا “بايدي ابائها وتمويلهم” ايضا. سورية هي الهدف الثابت غير المعلن في الخطاب الذي بشر بحرب جديدة مفتوحة الافاق والازمنة

          توقيت الخطاب له بعد داخلي محلي، سيما وانه جاء عشية احياء ذكر “الحادي عشر من سبتمبر،” ورغبة من الرئيس تعديل ميل ميزان الرأي العام المائل ضده وضد حزبه تمهيدا لخوض الانتخابات المقبلة بعد نحو 50 يوما

ملخص دراسات ونشاطات مراكزالابحاث

خطاب “استراتيجية” اوباما

          رأى الجزء الاكبر من النخب الفكرية ان خطاب الرئيس اوباما الاخير، بخصوص داعش، ينطوي على العديد من الثغرات، اتساقا مع ساسة وقادة الحزب الجمهوري. وقال معهد المشروع الاميركي ان الرئيس “لا يدرك ان الغارات الجوية الدقيقة لن تكفي .. انظروا الى مثال اليمن. اما الصومال فما يشهده من استقرار لا يعود جراء الغارات الجوية المحدودة بل لاحتلال قوات الاتحاد الافريقي البلاد بغية مقارعة (تنظيم) الشباب في معاقلهم واماكن اقامتهم.” واضاف ان الاطراف جميعها تتطلع الى “استراتيجية متبلورة، بيد ان مسألة الأمن القومي لا ينبغي ان التضحية بها على مذبح النزوات الديبلوماسية، او صوابية الرؤيا السياسية، او تحريف التاريخ”

          حث معهد كارنيغي صناع القرار على ضرورة انخراط السعودية لتعزيز نجاح جهود التصدي لداعش “بصرف النظر عن مشاطرتها ايران عدائهما للدولة الاسلامية، اذ انها قلقة لما ستؤول اليه الامور في كل من العراق وسورية بعد القضاء على داعش،” وهاجسها الشاغل هوية ومستقبل البديل لحكومتي دمشق وبغداد اللتين “يتعزز بقاءهما بغياب بدائل اخرى. وعليه، فان استمرار الوضع الراهن في سورية والعراق من شأنه توطيد نفوذ ايران في المنطقة”

          تناول معهد كارنيغي ما اسماه “تناقضات وعدم اتساق سياساة الرئيس اوباما حيال داعش،” مناشدا البيت الابيض التزام وضوح الرؤيا حول “حقيقة التهديد الذي تمثله الدولة الاسلامية وانتهاج مقاربة واقعية للعقبات التي تعترض سبل القضاء عليها،” ويتعين عليه ايضا “مصارحة الشعب الاميركي بالخطوات التي ينوي الاقدام عليها لتلافي بروز مجموعات مشابهة في اعقاب اندحارها”

          سلط مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الاضواء على “القيود التي تحد الرئيس اوباما من مواجهة شاملة ضد داعش .. سيما وان الغارات الجوية لها مفعول محدود لاحتوائها، الامر الذي يستدعي القيام بحملة جوية اوسع لالحاق الهزيمة بداعش في العراق وكذلك حملة (موازية) للاغارة على اهداف في سورية .. لتقليص الدولة الاسلامية الى الحجم السابق لفصيل صغير متطرف يحظى بدعم محدود.” واوضح ان الغارات الجوية ستستغرق وقتا طويلا “عند الاخذ بعين الاعتبار ضرورة تخفيض عدد الضحايا المدنيين والاضرار الجانبية الاخرى”

          استعرض مركز التقدم الاميركي ما اسماه “الاستراتيجيات” المطلوب اعتمادها لالحاق الهزيمة بتنظيم داعش، موضحا ان احد اعمدتها الفعالة “يتطلب اعادة تنشيط سيل الدعم لقوى المعارضة السورية كي تتمكن من انشاء بديل ثالث معارض للدولة السورية من ناحية، والدولة الاسلامية من الناحية الاخرى.” واوضح ان الدعم “يجب ان يتضمن توفير 500 مليون دولار من مساعدات اضافية طالب بها الرئيس اوباما ..” واضاف انه بعد الاعلان عن تشكيل التحالف الدولي الجديد “يتعين على تلك الدول – لا سيما المملكة المتحدة والمانيا وتركيا والسعودية والامارات – اقران التزاماتهم اللفظية بتوفير موارد مالية وسبل دعم تكمّل التزامات الولايات المتحدة لمحاربة داعش”

          معهد كاتو بدوره طالب بانتهاج “استراتيجية محدودة لالحاق الهزيمة بالدولة الاسلامية .. اذ ليس من الضروري نشر قوات برية اميركية للقيام بمعظم العمليات القتالية.” فتنظيم داعش “يشكل تهديدا ثانويا في اسوأ الاحوال باستطاعة الولايات المتحدة التحكم به .. عبر غارات جوية مركزة ضد عناصره المتطرفة، وتوفير مساعدات عسكرية للقوات الكردية والعراقية لتقوم بمواجهته وتقايص قدراته.” وحث الرئيس اوباما على “اعتماد ذلك النمط المحدود من التدخل، ومعارضة الدعوات لنشر القوات العسكرية الاميركية في حملة واهمة اخرى لبناء دولة في الشرق الاوسط”

          كثيرا ما اشارت وسائل الاعلام الاميركية المتعددة للقدرات التقنية المتاحة لتنظيم داعش، تناولها معهد ابحاث السياسة الخارجية بالقول ان نشر “اشرطة الفيديو البشعة تخللتها رسائل تفيد بان الدولة الاسلامية نشأت لتحكم تلبية لمصالح المسلمين في المناطق تحت سيطرته .. تم اخراجها باسلوب يذكرنا بالافلام الوثائقية التي تنتجها وكالة التنمية الدولية الاميركية وفصائل السلام تمجد فضائل برامج المساعدات الاميركية.” واوضح ان التقنية والرسالة المتطورة لتلك الاشرطة “تروى وتترجم للانكليزية، تستهدف المهنيين في الغرب، وتحرض على هجرة المسلمين الى (مناطق) الدولة الاسلامية لتوفير الرعاية لمواطنيها والمساهمة في توسيع رقعة الخلافة الجديدة.” وبلغ رقي لغة الخطاب الى مرحلة اعلن فيها عن “انشاء هيئة لحماية المستهلكين .. وتوثيق بالصورة لمشاهد تنفيذ حكم الاعدام بالمخالفين للشريعة الاسلامية، والانجازات الميدانية، وكذلك حضور بعض المجندين الجدد حول العالم”

تركيا

          حذر معهد صندوق جيرمان مارشال من تنامي مشاعر العداء للمهاجرين في تركيا، اذ كشف تصاعد اعداد المهاجرين عن “قضية كانت خفية لوقت قريب: تعصب المواطنين الاتراك ضد المهاجرين .. توجه يعززه خطاب السياسيون والاجهزة الاعلامية.” وحث صناع القرار على ضرورة التصدي لتلك الظاهرة واتخاذ التدابير الكفيلة باحتوائها

:التحليل

اوباما يستنجد بداعش لانقاذ رئاسته وحزبه من السقوط

وتحضير المسرح للعدوان على سورية

سبر اغوار خطاب الرئيس اوباما

          سورية، وان غاب حضورها، هي الهدف غير المعلن في خطاب الرئيس اوباما، وجموع التكفيريين من داعش واخواتها ومشتقاتها هم الادوات التي تنوي “الاستراتيجية” الاميركية استخدامها في اعادة رسم خارطة الوطن العربي والاقليم في طبعته الجديدة. داعش مجرد ورقة او وسيلة من وسائل الضغط تستخدم عند الحاجة، وتُركن جانبا عند انتفائها. السفير والمستشار الاميركي الاسبق لأقليم كردستان العراق، بيتر غالبريث، اوضح ان “الدولة الاسلامية تخدم الجهود (الغربية) في قتال نظامين مدعومين من ايران في العراق وسورية”

          في البعد المحلي الداخلي، شكل الخطاب بعد طول انتظار محاولة لمحاكاة الاعتبارات السياسية المحلية، في ظل مناخ الانتخابات القادمة، عبرت عنه احد الصحف الكبرى بعنونة افتتاحيتها “اوباما يعلن الحرب على نتائج الاستطلاع المتردية.” وهو يفسر ايضا مغزى تكرار الرئيس اوباما استخدام مصطلح “استراتيجية” في خطابه لتعديل تصريحه السابق بأن بلاده “لا يتوفر لديها استراتيجية” واضحة المعالم للتصدي لداعش

          دأبت استطلاعات الرأي المحلية، في الآونة الاخيرة، على ابراز تدني نسبة الدعم الشعبي للرئيس اوباما سيما وان “عددا كبيرا منهم لا يأخذ تصريحاته حول السياسة الخارجية على محمل الجد .. واعربت نسبة مذهلة منهم، 55%، عن حرجهم وارتباكهم من عدم توصل الرئيس اوباما لبلورة استراتيجية للتصدي للدولة الاسلامية لحين اللحظة.” تأييد الرئيس اوباما لم يتعدى نسبة 32% من الاميركيين، عشية القائه خطابه؛ وهو يدرك بوعي تام تداعيات ذلك على نتائج الحملة الانتخابية المقبلة

          خطاب اوباما تتضمن العديد من المفردات والمفاهيم المبهمة التي ستشوش الوعي العام الاميركي، بتركيزه على المصطلحات المتعددة لتنظيم داعش وهمجيته، بينما في الحقيقة كان يرمي لحشد الدعم الشعبي بكافة اطيافه لشن “جولة” جديدة من الحروب الدموية في المنطقة، يورثها لخليفته المقبل، بالتساوق لما ورثه عن سلفه جورج بوش الابن. الاستاذ الجامعي فيجاي براشاد اوجز الخطاب بأنه “مربك جدا وانطوى على لغة خطابية متقنة تخلو من مفاهيم استراتيجية” يمكن البناء عليها. ومضى موضحا ان “الدولة الاسلامية توفر مبررا بتوقيت مريح لشن غزو دموي آخر يتبعه عدد من سنوات الاحتلال والتدجين والترويض والمقاومة”

          حذر الرئيس اوباما الشعب الاميركي والغربي عموما من خطورة عدم التصدي لداعش. “هؤلاء الارهابيون باستطاعتهم تشكيل تهديد ينمو خارج حدود تلك المنطقة – ومن ضمنها الولايات المتحدة .. لن اتردد باتخاذ ما يلزم من اجراءات ضد الدولة الاسلامية في سورية، والعراق ايضا ..” بينما في الواقع ناقضه الرأي بعض اركان ادارته، احداهن جنيفر لاسلي، ضابط استخبارات في وزارة الأمن الداخلي، قائلة ان “الدولة الاسلامية لا تشكل خطورة على الولايات المتحدة في المدى المنظور،” في شهادة ادلت بها امام اللجنة الفرعية للأمن الداخلي في مجلس النواب. المفارقة ان شهادتها وشهادات مماثلة لآخرين جاءت قبل بضع ساعات من القاء اوباما خطابه المذكور

          وعليه، يمكننا القول ان الحرب العدوانية الثالثة على العراق قد اتضحت معالمها، وانعشت مرة اخرى احلام المحافظين الجدد بنسخة اوباما، لتقسيم العراق وفق محاصصة طائفية وعرقية. ما يعزز ذلك هو افصاح اوباما واركان ادارته بأن “الحملة ضد الدولة الاسلامية” ستستغرق بضع سنين، الى ما بعد انتهاء ولايته الرئاسية. جدير بالذكر ان دوائر صنع القرار، لا سيما في المعسكر الصناعي الحربي، روجت لاحتلال العراق منذ زمن باعتباره “منصة انطلاق تكتيكية” لخدمة اهداف اعادة رسم حدود منطقة الشرق الاوسط برمتها. (في هذا الصدد يرجى مراجعة اصدارات مؤسسة راند بتاريخ 6 آب 2002)

تردد وقلق في الغرب

          روج الرئيس اوباما وكافة الوسائل الاعلامية الاميركية للتحالف الدولي المزمع انشاؤه بمشاركة دول غربية وعربية واقليمية، تُوِّج بارسال وزير الخارجية جون كيري الى الرياض لجمع شمل الحلفاء المقربين؛ وسارعت كل من المانيا وتركيا في الاعلان عن عدم مشاركتهما جهود الرئيس اوباما، ونفي بريطانيا لتصريح وزير خارجيتها بعد اعلانه عدم مشاركة بلاده؛ بل اوضحت المانيا في خطوة غير مسبوقة انه لم يتم استشارتها بهذا الخصوص. وقال وزير الخارجية الالماني، فرانك-ولتر شتاينماير، “دعوني اقول بكل وضوح، انه لم يطلب استشارتنا” في المساهمة بالغارات الجوية ضد مواقع داعش “ولن نقوم بذلك ايضا”

          “استراتيجية حلف اوباما” اوضحها الرئيس في خطابه بالقول بانها “استراتيجية شاملة ومستمرة لمكافحة الارهاب .. تنطوي اولا على شن حملة ممنهجة من الضربات الجوية .. وسنوسع نطاق جهودنا الى ابعد ما تقتضيه حماية مواطنينا (هناك) المنخرطين في عمليات الاغاثة الانسانية ..” في ذات السياق، كرس الرئيس اوباما خطة تقسيم المنطقة في خطابه الاعلامي عبر تكرار مصطلحاته ان المجتمعات العربية ما هي الا ثمة تجمعات “طائفية تشمل السنة والشيعة من المسلمين، والمسيحيين واقليات دينية اخرى ..”  وتعمد تغييب الهوية الوطنية والقومية اتساقا مع الاستراتيجية الاميركية بعيدة المدى

آفاق نجاح “استراتيجية اوباما”

          ردود فعل حلفاء اميركا في حلف الناتو أهم مؤشر على حقيقة ما يمور خلف الكواليس وظهر الى العلن، وما اعلان اهم اقطاب حلف الناتو، المانيا وبريطانيا وتركيا،ـ عن عدم مشاركتهم في حملة الغارات الجوية على الاراضي السورية الا دليل على هشاشة “استراتيجية” اوباما في اطلاق “حرب جديدة على الارهاب.” استثناء اوباما لروسيا وايران من هذه التشكيلة تدل على حقيقة اهداف اميركا والقلق من نواياها المبيتة بانها تسعى لاسقاط الدولة السورية بتوظيفها داعش اداة وذريعة لتنفيذ غارات جوية على اراضيها. وما تعيين اوباما لجنرال الحرب في افغانستان، جون آلان، للتنسيق بين القوات الخاصة والارهابيين والغارات الجوية الا دليل آخر على ان الاستراتيجية تقتضي استهداف سورية، تحت ذريعة ملاحقة داعش،ولبنان ربما الذي يروج لعمليات اغتيالات ستجري على اراضيه

          في هذا الصدد، يشير بعض المراقبين في العاصمة الاميركية الى توقيت اعلان الاستراتيجية، 11 أيلول/سبتمبر، سيما وان “الصدف” التاريخية نادرا ما اثبتت انها حقيقة صدفة. اوجه التشابه ليست من باب الترف الفكري، سيما وان 11 ايلول 2001 لا تزال تحوم حوله الشبهات بأنه منصة انطلاق اسفرت عن تكريس استفراد اميركا بالعالم ودمرت واحتلت دولا عربية عدة، من العراق الى ليبيا واليمن والصومال، الى الحروب الاخرى المناطة بالكيان الصهيوني، الى الاغتيالات بطائرات الدرونز .. الخ. الحادي عشر من ايلول اضحى اعلانا بالعدوان المفتوح غير مقيد بفترة زمنية

          شبكة فوكس نيوز اليمينية اظهرت ارتياحا مشروطا باستراتيجية اوباما استخدام سلاح الجو الاميركي بكثافة “مدعوم بقوات برية موالية،” بيد انها حذرته من نتائج استطلاعاتها للرأي التي تشير الى اعتقاد الغالبية من الشعب الاميركي، نحو الثلثين، بان نجاح الاستراتيجية ينطوي على نشر قوات اميركية برية لتحقيق هدف الحاق الهزيمة بداعش مع استمرار القصف الجوي المكثف

          تنبغي الاشارة في هذا السياق الى ما اضحى ممارسة ثابتة في الاغتيالات وثقتها وسائل الاعلام الاميركية، اذ يصغي الرئيس اوباما صباح كل يوم ثلاثاء الى تقارير رؤساء اجهزة الاستخبارات يستعرضون معه لائحة “الاغتيالات” المرشحة للمصادقة عليها وتنفيذها على الفور. من غير المستبعد ان تشمل تلك الاجراءات سورية في ظل “الاستراتيجية” الجديدة

          يحضرنا في هذه المناسبة ما سبق الاشارة اليه فيما يخص الاسلحة الليبية المتجهة الى سورية. اذ اكدت شبكة (سي ان ان) للتلفزة العام الماضي، نقلا على لسان ممثلين في الكونغرس، ان حادثة البعثة الديبلوماسية الاميركية في بنغازي، 11 ايلول / سبتمبر 2012، التي اسفرت من مصرع السفير الاميركي كريستوفر ستيفنز وعدد من ضباط الاستخبارات الاميركية، كانت “عملية اعداد سرية لنقل صواريخ مضادة للطائرات متطورة من ليبيا، عبر تركيا، وتسليمها للمجموعات السورية المسلحة.” واضافت الشبكة ان موظفي السفارة الاميركية، في طرابلس وبنغازي، تعرضوا لسلسة اختبارات لاجهزة كشف الكذب وتلقوا تعليمات صارمة بعدم البوح بأي من تلك المعلومات

اوباما يراهن على استغلال الحملة الجديدة لمكافحة ارهاب داعش ليشيع الانطباع باعادة استلام زمام المبادرة السياسية خارجيا وداخليا بعد اتهامات قاسية له بغياب القدرة القيادية الضرورية لحماية المصالح الكونية الاميركية، ويدرك ان الاسابيع القليلة القادمة قد تكون الاكثر حراجة قبل الانتخابات النصفية لانقاذ ما يمكن انقاذه من تركة للتاريخ ومن وزن مهدد لحزبه الديمقراطي

التقرير الأسبوعي 09-05-2013

:المقدمة

          الازمة الاوكرانية ومواجهة الدولة الاسلامية تناصفتا اهتمامات المشهد الاعلامي والسياسي، اذ وجدت الوسائل الاميركية ضالتها في تسليط الضوء على ذبح الصحفي الاميركي الثاني، سوتلوف، لتهيأ الوعي الشعبي بضرورة التصدي عسكريا للمجموعات التكفيرية في بلد بعيد عن وطنهم

          سيستعرض قسم التحليل المتضمن التئام قمة دول حلف الناتو، في مقاطعة ويلز البريطانية، وخروجه بتوصية من الجانب الاميركي لانشاء “قوة تدخل سريع” تتبع لإمرة الحلف. سيجري بحث التوصية والقرار ببعض التفصيل والمهام المعقودة عليها لانجازها، والاستدلال بالتجارب التاريخية في اوروبا ذاتها لتصويب الجدل حولها؛ سيما على ضوء “عملية ماركت غاردن” في الحرب العالمية الثانية، ايلول 1944، والدروس التي لا زالت ماثلة امام المخططين العسكريين

ملخص دراسات ونشاطات مراكزالابحاث

مؤتمر حلف الناتو

          استهلت مؤسسة هاريتاج فرصة انعقاد قمة دول حلف الاطلسي  لتذكر الرؤساء بضرورة “العودة الى الأسس” والتمسك برسالة الحلف. وقالت ان “مهمة الحلف عند انشاؤه عام 1949 .. انصبت على ردع وهزيمة (ان تطلب الأمر) الاتحاد السوفياتي وحلف وارسو .. والحيلولة دون انتشار الشيوعية في اوروبا.” واكد المعهد ان “مبدأ التهديد لم يتلاشى .. وينبغي على دول الحلف الارتقاء الى مستوى الدفاع عن السيادة الاقليمية للاعضاء .. كما ينبغي على الولايات المتحدة استغلال مؤتمر القمة كفرصة مواتية للتركيز على (مبدأ) الدفاع لمشترك، وحث الاوروبيين على تخصيص موارد اضافية  للانفاق على القوات العسكرية، والابقاء على سياسة الباب المفتوح” لضم اعضاء جدد

الدولة الاسلامية

          نبه مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية صناع القرار الى حصرية الخيارات المتاحة لمحاربة الدولة الاسلامية، مطالبا الولايات المتحدة استخدام اقصى ما يتوفر لديها من امكانيات مثل “القدرات النارية الجوية، والتزودبالاسلحة، ونشر مستشارين عسكريين في الخطوط الامامية، وتسخير كافة طاقاتها الاستخبارية واستهداف مواقع الخصم، والانتقاء الدقيق لعناصر القوات الخاصة لتنفيذ مهام سرية ضد المنشآت الحساسة ومراكز التجمع والمتطوعين الاجانب والاصول المادية للدولة الاسلامية وتوظيفها بدقة لتتفادى ايقاع الخسائر بين سنة العراق الذين ينبغي كسبهم في العودة والمشاركة في الحكومة العراقية والتصدي للدولة الاسلامية”

          اعتبر معهد كارنيغي ان الجهود الدولية “لهزيمة الدولة الاسلامية تتطلب تسوية سعودية – ايرانية” سيما في ظل غياب “اي مؤشرات واضحة على وجود استراتيجية (اميركية) من شأنها ان تحل مشكلة تنامي الدولة الاسلامية.” وحذر من عناصر استراتيجية اوباما التي تقصي “اللاعبين من غير السنة .. الذين من دونهم لا يمكن (تحقيق) نجاح اي استراتيجية ..” واستدرك بالقول انه رغم تشاطر السعودية وايران في عداء داعش، الا ان “السعودية لا تزال قلقة مما قد يحدث اذا تم القضاء على التنظيم ..” واعرب المعهد عن اعتقاده ان “السعودية لن تدعم عملية متعددة الجنسيات ضد الدولة الاسلامية،” كما ينادي بها اوباما ووزير خارجيته جون كيري نظرا  لقلقها من المشروع “الا اذ استطاعت ان تضمن دورا لنفسها في سورية والعراق بعد هزيمة التنظيم”

          فند معهد الدراسات الحربية فعالية “الغارات الجوية الاميركية التي لم تفلح في وقف اندفاعة داعش.” وذكر صناع القرار باهداف داعش التي تسعى للسيطرة على الموارد الطبيعية في حوض نهر الفرات “فضلا عن نيته بتوطيد خطوط اتصالاته على الجانبين العراقي والسوري .. بصرف النظر عن تعرضه للغارات الجوية الاميركية “

          دق مركز السياسة الأمنية ناقوس الخطر محذرا من امكانية لجوء داعش شن هجوم داخل الاراضي الاميركية، مستشهدا بالنتائج التي توصلت اليها دائرة السلامة العامة في ولاية تكساس التي “اعربت عن اعتقادها بتوفر دلائل تشير الى ان داعش بصدد شن هجوم وشيك” في اميركا تستهدف “تضعضع سلامة شبكة توزيع الكهرباء.” واوضح المركز ان الشبكة تعرضت لسلسة هجمات في الآونة الاخيرة والتي “ربما شكلت تدريبات ميدانية” لعمليات مقبلة

          استعرض معهد واشنطن لدراسات الشرق الادنى تهديد داعش على لبنان معربا عن خشيته من “استسلام قادة سنة لبنان امام داعش لدواعي يفرضها الواقع وتجاهل عامل الوفاق الايديولوجي معه .. سيما وان عدد من المسلحين السوريين اعربوا عن رغبتهم بالانضمام الى التنظيم نظرا لحالات الاحباط التي تعرضوا لها في الميدان.” وزعم المعهد ان النظام اللبناني “يحرم السنة” من المشاركة وان استمر في ذلك فمن شأنه ان يدفع “بالدولة الاسلامية الى تكرار تجربة حزب الله مع شيعة لبنان .. والتي ستستغل غياب السلطة المركزية اللبنانية لتوفر الحماية المسلحة وعدد من الخدمات الاجتماعية لبعض اركان السنة طمعا في ولائهم.” واستخلص بالقول ان “لبنان مهدد حقا بتحوله الى ضحية اخرى للدولة الاسلامية، وما الاشتباكات في عرسال الا بداية ما ينتظره من تطورات قادمة”

مصر

          وجه معهد كاتو نقدا لاذعا للادارة الاميركية على خلفية “اشادتها بالحكومة التي يديرها العسكر .. اذ ان الممارسات القمعية من غير المحتمل ان تؤدي الى الاستقرار.” واعرب عن تفهمه لتصرفات المجموعات الجهادية التي “ترى في ممارسة الارهاب كأحد الانوية لتحدي نظام يحرم مظاهر المعارضة السلمية.” وحث ادارة الرئيس اوباما على “وقف تدخلها الدائم والخالي من الحذق والبراعة (وتدرك) ان نفوذها محدود بشدة” لدى النظام المصري. وشدد المعهد على ضرورة “وقف الادارة استغلال برامج المساعدات المقدمة كوسيلة رشوة للضباط المصريين .. وسينتهي المطاف بمصر الى ان تجد نفسها عديمة الحرية والاستقرار “

ليبيا

          اعتبر معهد كارنيغي الغارات الجوية التي شنتها “المقاتلات الحربية المصرية بالاشتراك مع الامارات انما تنم عن استرايجية قصيرة النظر، سيما وانها لم تشكل حاجزا مانعا امام قوى مصراتة الاسلامية الطابع  وبسط سيطرتها على مطار طرابلس” الدولي. وحذر بالقول انه بصرف النظر عن “طبيعة وحجم الدعم المصري، سواء عسكري او بوسائل اخرى، فمن غير المرجح ان يسفر عن التلاشي التام لتهديد الاسلاميين لمديات تريح (الرئيس عبد الفتاح) السيسي”

آسيا الوسطى

          حذر مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية من غياب “النظرة الاستراتيجية” لدى صناع القرار فيما يخص التطورات الجارية في “افغانستان والباكستان وآسيا الوسطى .. سيما وان حاجة الولايات المتحدة للابقاء على حضور اساسي في المنطقة لا يحظى بالاجماع، واستطرادا، لتبرير نشر موارد ونفقات اضافية.” واوضح ان أس الاستراتيجية الاميركية “لاعادة التوازن في آسيا تضع نصب اعينها دول شرقي آسيا وتراجع اهمية منطقة المحيط الهندي،” سيما وان اميركا لا زالت “ترى اهمية الهند ودورها لمراقبة وموازاة الصين، بيد انها لم تحصد نتائج كبيرة اوفوائد مرجوة”

:التحليل

نفخ اوباما في عضلات الناتو لا يخيف بوتين

                 تكرار ماثل لاخطاء معسكر الحلفاء قبل 7 عقود

اوكرانيا في عين العاصفة الاميركية

          بعيدا عن اي ضجيج اعلامي، اقر بعض الاستراتيجيين الاميركيين ان الهدف الابعد للاستراتيجية الاميركية لا يتمثل في “محاصرة روسيا على حدودها ونشر بضع صواريخ هناك،” رغم أهميته المعنوية والسياسية، بل يتجاوزه لانهاكها “للحيلولة دون بروز عالم متعدد الاقطاب.” في هذا السياق، حذر وزير الخارجية الاسبق هنري كيسنجر بلاده، في شهر تموز الماضي، من مفاقمة الازمة الاوكرانية والمضي في تحريضها الاعلامي “لشيطنة (الرئيس) فلاديمير بوتين،” مطالبا صناع القرار بالجلوس مع روسيا لطاولة المفاوضات (مقالة مطولة في صحيفة واشنطن بوست). ايضا السفير الاميركي الاسبق لدى موسكو، جاك ماتلوك، حث الشعب الاميركي محذرا من عدم “تفهم المصالح الروسية .. وعدم السماح بتوسيع حلف الناتو” ليضم اوكرانيا

          امعانا في توضيح مسؤولية الغرب والولايات المتحدة بشكل خاص وحالة الاحباط من الفشل، أنّب نائب وزير الخارجية الاسبق والسفير الاميركي لدى حلف الناتو، نيكولاس بيرنز، حلفاءه الاوروبيين “لاضاعتهم فرصة تعزيز اجراءات المقاطعة ضد روسيا.” ووبخهم قائلا “يؤسفني القول ان (الرئيس) بوتين تفوق ببراعة على (حلف) الناتو” لابقائه باب الحوار مفتوح خاصة مع المستشارة الالمانية، انغيلا ميركل، والرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند الذي تعرض لضغوط اميركية مكثفة لتعديل موقفه من موسكو يدعو التوصل لوقف اطلاق النار كأحد الشروط للمضي بتسليم حاملة طائرات مروحية “ميسترال” لروسيا قبل نهاية العام الجاري

العدد الاخير من فصلية “فورين افيرز،” الرصينة تصدره دراسة للاكاديمي المخضرم جون ميرشايمر يؤكد فيها ان “الازمة الاوكرانية هي من صنع الغرب .. الولايات المتحدة ومعظم حلفائها الاوروبيين يتحملون القسط الاوفر من مسؤولية الأزمة.” بعبارة اخرى، شهد شاهد من اهلها ان “حلف الناتو هو الطرف المعتدي” في الحالة الاوكرانية

توصيف الاوضاع الدولية الملتهبة بدقة وتحديد الاطراف المسؤولة عن اندلاع النيران هي وصفة ليست جديدة. لعل الجديد في الأمر ان التدهور يجري تحت سمع وبصر هيئة الأمم المتحدة “المنوطة بحفظ السلام العالمي،” ويؤشر على عجزها المرة تلو المرة في التخلص من تبعية قرارها للدول الغربية. كما يعزز سعي بعض الدول المتضررة، لا سيما في اميركا اللاتينية، الى انشاء منظمة دولية موازية او بديلة تمارس حقها في استقلالية القرار واداء رسالتها الرفيعة مدعومة بتوازنات جديدة تبشر بتعدد القطبية وكسر الاحتكار الجاري، في مستوياته المتعددة: سياسيا وعسكريا واقتصاديا وثقافيا .. الخ. كما لا ننسى المساعي الجارية لتفعيل وزن ودور دول البريكس

بعض اوروبا يتباعد عن اميركا

          حرص الرئيس اوباما على مشاركته الشخصية في قمة دول حلف الناتو، ويلز ببريطانيا، اتبعه بالاعلان عن زيارة يخصصها لدولة استونيا في بحر البلطيق والتزامه بارسال طائرات عسكرية للتحليق في اجواء دول البلطيق الثلاثة: ليتوانيا ولاتفيا واستونيا؛ امعانا منه في ممارسة سياسة استعراض القوة مع الرئيس الروسي بوتين، وارساء سقف سياسي للحوار المرتقب بتوسيع نطاق الحلف ليتمدد بالقرب من الاراضي الروسية، وفي محاولة مدروسة من مساعديه للرد على سيل الانتقادات لضعف قيادته في ادارة الشؤون الخارجية

          انفض لقاء قمة الناتو دون توصلها لبيان صريح وواضح بتوفير الدعم العسكري لاوكرانيا، كما روجت له حكومة كييف الموالية لواشنطن، واكتفى الحلف بالتأكيد على حق اوكرانيا استرداد كامل سيادتها على اراضيها. وسرعان ما أُعلن عن توصل الحكومة الاوكرانية والقوى المعارضة شرقي البلاد الى وقف لاطلاق النار. في هذا الصدد اجمع المراقبون للتطورات الاوكرانية ان حكومة كييف تلقت هزيمة كبيرة وستضطر لقبول شروط خصومها، او معظمها، المطالبين بصيغة سياسية كونفدرالية توفر لمناطقهم مساحة اوسع من الحكم الذاتي

          لخص معهد “ستراتفور” الاستخباري الموقف بالقول ان “حلف الناتو اخفق في توفير الدعم المطلوب لكييف .. وسيضطر (الرئيس الاوكراني) بوروشينكو الى التفاوض على حل للأزمة مع سيد الكرملين.” روسيا اوضحت موقفها مرارا بأنها تعارض بشدة تمدد حلف الناتو في حديقتها الخلفية، والتوصل الى صيغة سياسية تبقي على حياد اوكرانيا وعدم انضمامها للحلف، واعتمادها الصيغة الفيدرالية للحكم. جون ميرشايمر اوضح ايضا بقوله “ارتكبت الولايات المتحدة والقادة الاوروبيين خطأً فادحاً في توجههم لتحويل اوكرانيا الى معقل للغرب على حدود روسيا”

          يذكر ان المفكر الاستراتيجي الراحل، جورج كينان، وآخرين حذروا صناع القرار مبكرا من مغبة توسيع حلف الناتو طمعا في محاصرة روسيا، بيد ان التحذيرات ذهبت ادراج رياح الليبراليين والمحافظين الجدد، على السواء، الذين ليس بوسعهم التغافل عن ان استراتيجيتهم “اسفرت عن اطلاق صيحات بضمان الأمن لدول معظمها لا يقوى على حماية نفسه وستشكل عائقا أكبر للحلف في سعيه لنجدتها” من تهديد روسي محقق

          وصوبت يومية “فورين بوليسي” سهام انتقاداتها على تلك الفصيلة المتجانسة من “الليبراليين الجدد،” المحيطة بالرئيس اوباما وتدفعه لاتخاذ قرارات مغامرة “على شاكلة الامبراطورية البريطانية” التي اتخذت “قراراتها الحمقاء في غفلة من الزمن” باستنادهم الى “فرضية أن الضمانات المتعددة التي يعد بها الحلف لن ترى النور ابدا”

          الرئيس اوباما واعوانه، وبعض مؤيديه في الحلف “بريطانيا التابعة،” اسرفوا في التأكيد “لدول البلطيق والحلفاء في اواسط اوروبا” عن عزم حلف الناتو الهبة لنجدتهم والتسلح بنص المادة الخامسة من ميثاق الحلف التي تخول نشر قوات برية على اراضي دولة معرضة للاعتداء. وذهب اوباما للطلب من الكونغرس تخصيص مبلغ مليار دولار اضافي “لدعم مبادرة تطمين اوروبا” للانفاق على القوات الاميركية المتوجدة في الاراضي الاوروبية، والصرف على المناورات العسكرية المشتركة التي تجري دوريا مع عدد من الدول

          اميركا طالبت دول الحلف مجددا بزيادة معدلات ميزانياتها العسكرية والبدء في شراء المقاتلات الاميركية الحديثة، من طراز اف-35-ايه، ونموذجها القادر على حمل السلاح النووي تحديدا. كما تسعى الولايات المتحدة الى اعادة تثبيت قيمة اسلحتها النووية “التكتيكية،” التي تقدر بنحو 180 رأس نووي،مخزنة في خمس دول اوروبية: بلجيكا والمانيا وايطاليا وهولندا وتركيا

وفي التفاصيل، اعربت المانيا عن نيتها شراء المقاتلة بنسختها التقليدية خالية من التجهيزات والاسلحة النووية، لانها “لا ترى حاجة ماسة لتلك الاسلحة فضلا عن غياب الحماس لتحمل كلفتها الباهظة.” وثائق حلف الناتو تشير بوضوح الى اسراف الدول الاوروبية في الانفاق على التسلح بمعدل “يفوق اربعة اضعاف ما تنفقه روسيا سنويا،” وتتعرض لضغوطات شعبية واقتصادية لتخفيض الميزانيات العسكرية؛ وعلى الطرف الآخر تتعرض لضغوط اميركية مغايرة لزيادة معدلات الانفاق وهي حائرة بين الخيارين، يفاقمها الاوضاع الاقتصادية المتردية في معظم الدول وبعضها شارف على الافلاس

اغراءات اميركية في الزمن الضائع

سارعت الولايات المتحدة للاعلان عن اجراء مناورات عسكرية، الرمح الثلاثي السريع – رابيد ترايدنت- تعبيرا عن التزامها بدعم “البوابة الشرقية لحلف الناتو.” المناورات السنوية الاعتيادية تجري على اراضي بولندا، وبالقرب من الحدود المشتركة مع اوكرانيا. واضافت قيادة القوات الاميركية لاوروبا ان اميركا ستشارك بنحو 200 عنصر يعززهم نحو 1،100 من قوات الدول المشاركة: اوكرانيا، اذربيجان، بريطانيا، كندا، جورجيا، المانيا، لاتفيا، ليتوانيا، مولدوفا، النرويج، بولندا، رومانيا، واسبانيا

يضاف الى ذلك، تجهيز عربات مدرعة ونحو 600 عسكري لاتخاذ مواقعهم في بولندا ودول البلطيق للمشاركة في مناورات عسكرية مشتركة تجري في شهر تشرين الاول المقبل، في اعقاب انتهاء مناورات شاركت فيها قوات مسلحة من المظليين

روجت اميركا لتبني قمة الناتو اعلانها المسبق بتشكيل قوة عسكرية للتدخل السريع، قوامها لواء مسلح،  باستطاعته الانتشار والتمركز خلال 48 ساعة. اما ترسانة تسليحه فسيتم تخزين الاسلحة الثقيلة في دول “اوروبا الشرقية” ووضعها تحت تصرفه التام

واوضح الامين العام لحلف الناتو، اندرز فوغ راسموسن، نوايا المؤسسة بزيادة معدل البعد العسكري في مهامه بالقول ان الحلف يواجه تحديات متعددة “.. روسيا تتدخل بشكل سافر في اوكرانيا .. ازمات متعددة قد تنشب دون سابق انذار، والتحرك بسرعة فائقة تترك تداعياتها على أمننا الجماعي بطرق شتى. سنبلور قوة رأس حربة من ضمن قوة التدخل، مما يستدعي اقامة منشآت معينة في اراضي الحلف، وتخزين معدات ولوازم مسبقا، ووضع خبراء في شؤون القيادة والتحكم والاعمال اللوجستية تحت تصرفها “

قوة التدخل الحالية التابعة للحلف يستغرق تحركها نحو 5 أيام للوصول الى الميدان وباستطاعتها البقاء نحو 30 يوما دون الاضطرار للتزود بالامدادات. وقد اوكلت لها مهام التدخل 6 مرات في المدى القريب: توفير الحماية لدورة الالعاب الاولمبية  في اثينا عام 2004؛ وكذلك للانتخابات العراقية؛ المشاركة في العدوان على ليبيا عام 2011؛ الاشراف على اعمال الاغاثة الانسانية في افغانستان؛ والمشاركة ايضا في اعمال الاغاثة في اعقاب اعصار كاترينا في الولايات المتحدة؛ وتوفير الاغاثة الانسانية في اعقاب كارثة الزلزال الذي عصف بالباكستان

وعانت تلك القوة من تعدد الولاءات الوطنية لقواتها مما اضعف جهود التنسيق فيما بينها، كما شهدت عليه دورة الالعاب الاولومبية. اذ شارك فيها نحو 9،500 عنصر من كتيبة مظليين فرنسية وسرية من القوات الجوية المحمولة لليونان وسرية قوات خاصة من بلجيكا؛ توزعت غالبيتهم العظمى، 8،500، على القوات الجوية والبحرية، والمتبقي نحو 1،000 عنصر من القوات البرية

درس من التاريخ

بناء على ما تقدم، يبرز السؤال ان كان باستطاعة القوات الحديثة للحلف تشكيل قوة ردع يحسب لها حساب من قبل روسيا

الاجابة قد تقود المرء وقادة الحلف الى النظر باحداث التاريخ القريب التي جرت على اراضي بلجيكا وهولندا قبل نحو 70 عاما في مثل هذه الايام. آنذاك، شاركت قوة التدخل السريع للحلفاء اعتبرت الاكبر في حجم عمليات القوات المحمولة جوا في “عملية ماركت غاردن،” في الفترة الممتدة من 17 الى 25 أيلول 1944. كانت نتيجتها مأساوية اذ تعرضت الفرقة الجوية البريطانية الاولى المتمركزة في مدينة ارنام الهولندية الى ابادة شبه تامة

يدرك القادة العسكريون، القدامى والحاليون، القدرة المحدودة لقوات التدخل السريع لتنفيذ مهامها انطلاقا من طبيعة تشكيلها وتسليحها كقوة مشاة خفيفة الحركة، عادة ما يتم انزالها في مواقعها جواً. الميزة الاولى التي تتحلى بها تلك القوات هو برامج التدريب والتأهيل المكثفة التي تتفوق على ما يماثلها لتأهيل القوات البرية العادية

القوات الاميركية، بدورها، لديها الفرقة 82 المحمولة جوا وفوج الحرس الخامس والسبعين، واللتين من المرجح ان تنضمان لتعزيز قوة الناتو المعلن عنها، وباستطاعتهما اتخاذ مواقعهما خلال 18 ساعة من تلقي اوامر التحرك. القوتين مدربتين على مهام الاقتحام، الدخول عنوة الى اراضي الغير، والسيطرة على المرافق الحيوية. وشارك فوج الحرس المشار اليه في تأمين منصة انطلاق للجيش الاميركي في جزيرة باربادوس بالبحر الكاريبي ونجحت في مهمتها بأقل من 18 ساعة ممهدة الميدان لتعزيزات الفرقة 82 المحمولة

 مخازن الاسلحة الثابتة المعدة في اراضي دول اوروبا الشرقية ستكون هدفا للغارات الروسية لحرمان القوات الغازية من امكانياتها. وعليه، ستضطر قوة حلف الناتو الاعتماد شبه التام على ما تحمله معها من اسلحة ومعدات لتنفيذ مهامها، والتي ستتواضع انجازاتها بناء على ما لديها من امكانيات

مراهنة الحلف على الفرقة 82 المحمولة لاختراق اراضي الخصم محفوفة بمخاطر عدة. باستطاعة الفرقة انزال نحو 2،000 مظلي وعربات مدرعة ومدافع هاون من طراز 155 ملم على شريط يمتد نحو 5 كلم واستخدامه كنقطة تجمع للتعزيزات والامدادات، ومن ضمنها وحدات العربات المدرعة “سترايكر.” وينبغي على قادة حلف الناتو الاجابة الصريحة على المدى الجغرافي المنوط بقواته تأمينها بالنظر الى تواضع الاسلحة والمعدات المستخدمة

في ذلك الزمن القريب، اوكلت الفرقة 82 المحمولة مهمة السيطرة على جسر نيميغن في مدينة هولندية بذات الاسم، تقع على ضفاف نهر فال المتفرع من نهر الراين، عام 1944. وفشلت الفرقة في مهمتها على يد وحدة من المدرعات الالمانية، ولم تستطع التقدم الى ابعد من 400 متر من الجسر انجاز مهمتها الا بعد مضي بضعة ايام بدعم من القوات البرية التابعة للفيلق 30، بعدما تكبدت خسائر كبيرة

اما الشعبة الاولى البريطانية المحمولة فكانت خسائرها اعلى من نظيرتها الاميركية اذ فقدت منطقة الانزال التي سيطرت عليها سابقا، ونفذت ذخيرتها وامداداتها، ومن لم يقع في قبضة الالمان من رجالاتها فر هاربا. يذكر ان المعركة وثقتها هوليوود بفيلم  يحمل عنوان “جسر صعب المنال”

اشّرت “عملية ماركت غاردن” على عدد من الثغرات، آنذاك، والتي تجد صدى لها في الآونة الراهنة. اهمها عدم تناسق التوجيهات والاتصالات بين مجموعة غير متجانسة في اللغة والعادات، مع العلم ان القوات الاميركية والبريطانية على جسر نيميغن كانت تتكلم اللغة الانكليزية المشتركة، فما بالك ان تعددت اللغات المتداولة كما هي حال حلف الناتو لا سيما مع دول اوروبا الشرقية، ومآل مهام السيطرة المنوطة بالوحدات المختلفة في ظرف زمني قصير لا يحتمل اي فجوات او نواقص. باستطاعة قوات التدخل السريع للحلف القتال وصد هجوم روسي محتمل، لبضعة ايام، بيد انها ستواجه مخاطر نفاذ ذخيرتها وامداداتها. لعل الاهم، ما ينتظر القوات الرديفة والتعزيزات المتعددة من مهام اشد تعقيدا من القوات الخاصة في المسرح الميداني

ربما تطورت العلوم العسكرية في النظريات والتطبيقات والتكتيكات المتبعة، منذ ذلك الزمن. بيد ان الطبيعة البشرية وما تتطلبه من زمن لاستيعاب كل ما هو جديد ومتطور لا تستطيع تجاوز آفاق العقل البشري ليواكب سرعة الابتكار والتقنية

عند اقدام حلف الناتو على دخول معركة مع روسيا للسيطرة على بعض اراضيها في ظل غياب شبه تام للدعم الجوي فانه يجازف بارواح نحو 4،000 من جنوده فضلا عن الضحايا الآخرين

اذن، قوة حلف الناتو الموعودة ربما تجد مآلها في البعد السياسي كرسالة تطمين لاعضاء الحلف اكثر مما هي هي قوة حقيقية باستطاعتها تنفيذ مهام ذات طبيعة عسكرية ضمن سياق خسائر محسوبة تستطيع تعويضها. بعض التوجهات في حلف الناتو تنظر الى نشر قوات برية صغيرة الحجم بصورة دائمة في اراضي دول اوروبا الشرقية، استنادا الى توفر المعدات والامدادات المطلوبة في متناول اليد

سيد الكرملين وقادته العسكريون يدركون ذلك دون ريب. وقد يتريث قليلا لاعادة النظر بقوات حلف الناتو، لكن من المرجح ان يمضي قدما في مواجهاته دون حسابات تلجمه لتحقيق استراتيجية بلاده

التقرير الأسبوعي 08-31-2013

:المقدمة

          تصدر داعش وتهديداته المرتقبة اهتمامات نخب مراكز الابحاث الاميركية، بالتزامن مع قرب انتهاء فصل العطل الصيفية واحتفالات “عيد العمال،” المسمى مواربة عيد العمل في اميركا بخلاف دول العالم قاطبة التي تحييه في الاول من ايار من كل عام

          سيستعرض قسم التحليل المرفق التصريحات الاميركية القلقة من تجسيد مخاطر تنظيم الدولة الاسلامية، وامكانية شنه هجمات داخل الاراضي الاميركية. القلق الرسمي والتشاؤم الشعبي له ما يبرره عند الاخذ بعين الاعتبار انخراط “بضع مئات” من الاميركيين في القتال ضمن صفوف داعش، وربما اضعاف ذلك العدد من المؤيدين والمناصرين في اميركا. بعض الساسة استغل فرصة التهديد لاثارة عدم قدرة الدولة الاميركية التحكم بحدودها المشتركة مع المكسيك، التي حمّلها حاكم ولاية تكساس مسؤولية دخول عناصر داعش الى الاراضي الاميركية

          ايضا سيتناول قسم التحليل جهود الولايات المتحدة لمكافحة تمدد داعش وضرورة لجوئها في نهاية المطاف، رغم النفي والتردد والتأجيل،للتنسيق المباشر او غير المباشر مع الحكومة السورية في هذا الصدد

ملخص دراسات ونشاطات مراكزالابحاث

هاجس داعش

          انضم معهد الدراسات الحربية الى الدعوات المطالبة بعدم الاستخفاف بقوة وبأس الدولة الاسلامية، اذ ان مخططها في بسط نفوذها على اراضي سورية يرمي الى تحقيق “السيطرة على وادي نهر الفرات؛ الاستيلاء على البنية التحتية الحيوية للنفط؛ توفير حرية الحركة والمناورة لعناصره عبر الاراضي الكردية في سورية؛ طرد ما تبقى من قوات الجيش السوري من قواعدها شرقي سورية؛ والاستيلاء على خطوط امداد حيوية تمتد على طول الحدود التركية.” واوضح ان “داعش” يمضي في انجاز تلك الاهداف “بالرغم من الغارات الجوية التي يتعرض لها في شمال العراق ولقصف مستدام من سلاح الجو السوري”

          حذر معهد واشنطن لدراسات الشرق الادنى من تداعيات سيطرة قوات داعش على مطار الطبقة العسكري مما يؤشر على “طبيعة وحجم القوى المطلوبة لوقف اندفاعه ..” واضاف ان انتهاج الدولة السورية سياسة “التخلي عن بعض مواقعها المعزولة امر مسلم به .. وتقاتل قواتها على جبهات اخرى ضد وحدات متعددة من المتمردين،” معربا عن اعتقاده بقرب “خسارة (الدولة السورية) لمحافظة دير الزور واضطرارها لمقاتلة الدولة الاسلامية في مناطق اكثر قربا الى مراكزها”

          اعتبر معهد بروكينغز ان ظاهرة الدولة الاسلامية هي “ثمرة للحرب الباردة في الشرق الاوسط،” التي يكمن جذرها في “فشل السلطات الرسمية بسط سيطرتها على حدودها وبلادها، وعدم توفير الخدمات المطلوبة لمواطنيها، واخفاقها في بلورة هوية سياسية مشتركة باستطاعتها تشكيل ارضية لمجموعة سياسية” متجانسة. واوضح ان “انهيار سلطات الدولة .. في سورية والعراق امتد ايضا الى لبنان واليمن وليبيا وربما بعض مناطق في مصر” مما دفع التيارات المحلية الى ملء الفراغ السيادي”

          وجه معهد ابحاث السياسة الخارجية نقدا لاذعا يرد فيه على “نبرة الخطاب الدونية للرئيس اوباما .. فيما يخص الغارات الاميركية بأن المقاتلات الجوية لا تتبع سلاح الجو العراقي.” وطالب الكاتب، وهو صحافي اميركي مسلم، الولايات المتحدة الاستعانة باسلحة جوية اخرى “عربية وتركية للقتال في العراق .. اذ ان الجولة الراهنة تنطوي على الفوز بعقول العالمين العربي والاسلامي”

مصر

          دان معهد كارنيغي حملة الدولة المصرية “لمكافحة الارهاب التي اسفرت الى ابعاد وتغريب مواطنيها، لا سيما التجاوزات المتعلقة بالاعتقالات الشاملة .. وغياب المساءلة لمنفذي اعمال القتل، واستثناء معظم الاسلاميين من الحياة السياسية والمناصب العامة، والاساليب البشعة المستخدمة لتهميش منطقة سيناء.” وحث المعهد الادارة الاميركية على بذل مزيد من الجهود “للنظر بتلك القضايا خشية اسهامها في تغذية ومفاقمة الارهاب بوتيرة اسرع من مواجهته”

          تناول معهد كاتو البعد الاقتصادي في الصراع الجاري راهنا في المنطقة العربية، معتبرا ان “جذر مشاكل المنطقة تعود الى اسراف (السلطات الرسمية) في تطبيق السياسات الاشتراكية .. وينبغي لفت الانتباه الى الفوائد العائدة على تطبيق برامج كبرى من الخصخصة” التي اوجزها في “الشكل الذي تتخذه الخصخصة وضروريتهللفوائد الاقتصادية وضمان تأييد الشعب للاصلاحات .. اعتماد الشفافية في تطبيق عملية الخصخصة .. اهمية الملكية والادارة الخاصة للقطاع المصرفي كي تضمن نجاح اعادة الهيكلة .. ينبغي ان تشكل الخصخصة جزء من برنامج اشمل للاصلاحات الذي من شأنه توسيع نطاق الاقتصاد الليبرالي وفتح ابواب المنافسة في اقتصاديات منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا”

افغانستان

          حذرت مؤسسة هاريتاج دول حلف شمال الاطلسي، التي تعقد مؤتمر قمة لها في بريطانيا الاسبوع المقبل، من تكرار تجربة الاتحاد السوفياتي في افغانستان وانهيار اركان الدولة “عقب وقف المساعدات المالية.” وقال موضحا انه عندما قررت “روسيا وقف تمويلها لنظام (الرئيس محمد) نجيب الله عام 1992، توقف سلاح الجو عن طلعاته نظرا لعدم توفر الوقود، وارتفعت نسبة فرار الجنود الى 60% احتجاجا على عدم تلقيهم رواتبهم ونقص المواد الغذائية” مما اسس الارضية “للفوضى” في افغانستان “واسهم في تسلم طالبان مقاليد البلاد عام 1994.” وحث دول الحلف على “استيعاب تلك الدروس وعدم فك ارتباطها من افغانستان في هذه المرحلة الهامة”

:التحليل

اوباما وفانتازيا مواجهة داعش حتى اشعار آخر

داعش: لغز وهاجس

          اقرار الرئيس اوباما بخطورة “الدولة الاسلامية” وما تشكله من تهديد لمصالح الولايات المتحدة ينطوي على البعد السياسي يرافقه عامل الخطر الفعلي، على الرغم من تصريحاته السابقة المغايرة لذلك. واتى اقراره ثمرة لجملة تصريحات تحذيرية لمسؤولين حاليين وسابقين في الحكومة الاميركية، كان اخرهم المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية، مايكل مويل، اذ قال يتوفر “لدى قيادة وكالة المخابرات المركزية ومكتب التحقيقات الفيدرالي، ووزيري الخارجية والدفاع، كل الأدلة بأن داعش يمثل خطراً على الولايات المتحدة على وجه الخصوص، لأن المجموعة قد جذبت اهتمام الكثير من الغربيين للانضمام إلى صفوفها”

          كما جاء اقرار اوباما ترجمة حية لتوقعات المراقبين بانه سيتخذ قراره النهائي لتوسيع ساحة الحرب ضد قوات داعش نهاية الاسبوع الجاري، بعد طول تردد وتحذير الساسة والاجهزة الأمنية من “عدم توفر معلومات استخبارية دقيقة عن الاهداف المحتملة، والخشية من تفعيل سورية لدفاعاتها الجوية، فضلا عن احتمال توفر اسلحة مضادة للطائرات بين ايديداعش”

          وعليه، العامل السياسي يطغى على تصريحات الرئيس اوباما الذي “اضطر” لتعديل سياسة ادارته بشأن داعش في اعقاب مقتل الصحافي جيمس فولي وجز عنقه على ايدي الدولة الاسلامية. اوباما ادان عملية القتل من مقر اجازته السنوية، ومضى يستأنف ممارسة لعبة “الغولف” المفضلة لديه. وحصد اثر ذلك سلسلة انتقادات شديدة تتهمه بعدم المبالاة وتقليص مهام منصب الرئاسة، وذهب آخرون الى “عدم اكتراثه بخطورة تنظيم الدولة الاسلامية على الداخل الاميركي،” وخاصة في ظل تصاعد تصريحات مسؤولين عسكريين وسياسيين، آخرهم كان حاكم ولاية تكساس، ريك بيري، الذي اطلق صيحة تحذير بأن “اعضاء داعش رسوا على الاراضي الاميركية عبر الحدود المشتركة مع المكسيك”

           في خطابه الاخير، رد اوباما على خصومه الداخليين بأن بلاده “لا تمتلك استراتيجية” واضحة المعالم بشأن داعش، داعيا الى بلورة تحالف دولي واقليمي “لتوفير الدعم الجوي المطلوب” في ملاحقة داعش – كلمة السر لشد الرحال الى الاراضي السورية. ما يعزز هذه الفرضية “الصراع الجاري داخل اوساط الادارة المختلفة بغية التوصل الى تعليل قانوني يخول الولايات المتحدة وحلفاءها شن غارات جوية داخل اراضي دولة لم تفصح حكومتها عن موافقتها للقيام بذلك.” جدير بالذكر ان الصلاحيات الدستورية الممنوحة للرئيس تخوله شن عمليات عسكرية على امتداد 90 يوما دون الحاجة للتوجه الى الكونغرس طمعا في اصطفافه خلف تلك السياسة. بل اوضح اوباما في هذا الشأن انه “من السابق لاوانه طرح خطة عسكرية امام الكونغرس اذ انها غير موجودة”

يتضح من تصريح الرئيس اوباما الاخير انه ينوي السير بحذر شديد من مغبة التهور او الانزلاق الى مغامرة عسكرية تتدحرج وتنمو، والتركيز على ما يمثله داعش من خطورة على الوضع الدولي، والتخفيف بالمقابل من خطورته على الداخل الاميركي، الأمر الذي يعكس حالة التخبط كما جاء فيتصريحات قادة الاجهزة الأمنية الداخلية وتقييمها لطبيعة المخاطر

          للدلالة على حالة التخبط المشار اليها نورد ما جاء على لسان مكتب التحقيقات الفيدرالي ووزارة الأمن الداخلي، يوم الجمعة 22آب الجاري، بأن كليهما لا تتوفر لديه معلومات محددة او موثقة من تهديدات ارهابية لداعش ضد الاراضي الاميركية. بالتزامن مع تلك التصريحات صدر ارشاد عن الاجهزة الأمنية موجه لقوى الأمن واجهزة الشرطة الداخلية يعرب فيه عن “قلق المسؤولين لاميركيين من امكانية لجوء مؤيدي داعش شن هجمات في مناطق اخرى من العالم دون سابق انذار”

          الاجهزة الامنية المختلفة رفعت درجة تأهبها ولاحقت منذ زمن الجاليات والتجمعات الاسلامية داخل الاراضي الاميركية، واعربت وزارة الأمن الداخلي عن قلقها من “الجاذبية التي تشكلها المجموعات المسلحة في سورية بالنسبة للمسلمين الاميركيين،” والذي جاءت ترجمته فعليا على ضوء مقتل مسلم اميركي الجنسية من اتباع داعش في سورية، دوغلاس ماكين، وتوارد انباء عن مقتل اميركي آخر هناك. يذكر ان بضع مئات من الاميركيين يشاركون المسلحين في سورية ويخشى عودتهم لبلادهم لمزاولة نشاطاتهم ضد الولايات المتحدة

          تعرض الرئيس اوباما الى سلسلة انتقادات جراء استخفافه بتهديد داعش لاميركا سابقا بتوصيفه للتنظيم مقارنة بالقاعدة بأنه مجموعة لاعبين هواة، وتنبيه البعض ان العدد الاكبر من مؤيدي التيارات الدينية المتطرفة لا زالوا يقيمون في الاراضي الاميركية. وقالت وزارة الخارجية انه ليس بوسعها تحديد دقيق لعدد الاميركيين الذين انخرطوا في القتال مع داعش، لكنها استطاعت التعرف على 12 منهم. ما تبقى من الارقام يقع ضمن باب التخمين والذهاب لتقدير اعداد المنتسبين بالمئات، نظرا “لقدرة الاستخبارات الاميركية المحدودة داخل سورية”

          جدير بالذكر انه بالاضافة الى اعداد المنتسبين من الاميركيين لصفوف داعش هناك فريق آخر ينضوي تحت لواء “جبهة النصرة؛” واشارت شبكة (سي بي اس) للتلفزة الاميركية ان عددا غير معروف من الاميركيين انضم ايضا للقتال في صفوف “الجيش السوري الحر؛” لم تشأ وزارة الخارجية الاقرار باعدادهم الحقيقية، بينما تتنامى مشاعر القلق لدى الاجهزة الأمنية الاخرى لتتبع تحركات مناصري الدولة الاسلامية، الذين “يشكلون مصدر التهديد الاكبر؛” وقدرت اعدادهم بنحو 7،000 عنصر اجنبي يقاتلون في سورية بالاضافة الى نحو 400 عنصر حامل لجواز السفر الاميركي يؤيدون التنظيمات المسلحة في سورية

          واوضح مسؤول اميركي لصحيفة “واشنطن تايمز” ان الولايات المتحدة “تدرك وجود بضع مئات من حملة جواز السفر الاميركي منخرطون في صفوف الدولة الاسلامية في سورية او العراق؛ ومن العسير التثبت من بقائهم في سورية ام انتقالهم الى العراق”

           اوساط وزارة الدفاع رسمت صورة اشد سوداوية للمخاطر التي تشكلها “المجموعات الارهابية وما تمثله من مستويات لم نعهدها من قبل.” يذكر ان شابا اميركيا بلغ من العمر 22 عاما، من سكان ولاية فلوريدا، نفذ عملية انتحارية في سورية في شهر أيار من هذا العام؛ ووجهت تهمة التآمر الشهر الماضي لامرأة اميركية من ولاية كولورادو بعد عرضها مساعدتها “لمنظمة ارهابية اجنبية في اعقاب اعتراف ادلت به لمكتب التحقيقات الفيدرالي بأنها كانت تنوي التوجه لسورية لمقابلة رجل ادعى انه محارب في صفوف داعش.” كما ترصد السلطات الأمنية وسائط التواصل الاجتماعي، بمختلف تنوعاتها، وتتبع ما ينشر عليها من ادبيات تفيدبتواجد عناصر داعش في مدن اميركية مثل شيكاغو ولاس فيغاس. وتيقظت الاجهزة تلك الى المظاهرات الحاشدة التي شهدتها مؤخرا مدينة فيرغسون بولاية ميزوري، والتي رفع فيها احدهم شعار “داعش هنا”

          اوضح وزير العدل الاميركي، اريك هولدر، المخاطر امام مؤتمر دولي في النرويج الشهر الماضي ان الأمر ينطوي على “ازمة عالمية بحاجة الى حلول دولية. اذ حولت الازمة السورية المنطقة الى مهد للتطرف العنفي.” وأنب المجتمع الدولي على مهادنته لاولئك “وليس بوسعه الركون جانبا وترك الظاهرة تستشري وتصبح وجهة لتدريب مواطنينا يعودون في اعقاب ذلك لشن هجماتهم ضدنا”

          مسؤولون اميركيون عدة انضموا لحملة التهويل من مخاطر شن داعش هجمات في الداخل الاميركي، اذ حذر عضو لجنة القوات المسلحة الجمهوري في مجلس الشيوخ، جيم اينوفي، الادارة الاميركية والاجهزة الأمنية المتعددة من “سعي داعش الحثيث لتطوير قدرته ويظفربتفجير مدينة اميركية باكملها.” واضاف ان الولايات المتحدة “اضحت في وضع اشد خطورة اليوم عليه عما عهدناه في السابق؛” محملا المسؤولية لتوجهات الادارة في تقليص ميزانيات وزارة الدفاع

          الناطق باسم البنتاغون، الادميرال جون كيربي، اوضح ايضا خطورة تنظيم داعش، بالتوازي مع تصريحات وزير الدفاع تشاك هيغل. وقال كيربي لشبكة (سي ان ان) للتلفزة “هناك خشية حقيقية من استيعاب اولئك (داعش) دروس ما تدربوا عليه .. والعودة للبلاد وشن هجمات ارهابية”

          في سياقٍ موازٍ، اوضح عدد من جنود القوات الخاصة الاميركية والذين شاركوا في العدوان الاميركي على العراق ان الهوية الاسلامية المتشددة لداعش لن تقف حائلا او عائقا امامه لعقد تحالفات مع قوى لا تشاطره عقيدته المتطرفة طمعا في تعزيز فعاليته القتالية. وزعم احد عناصر وحدة “القبعات الخضر” في القوات الخاصة ان داعش يسخر الاموال التي استولى عليها من البنوك والمصارف لاستقطاب كفاءات تقنية من خارج صفوفه خاصة اطقم الصيانة والخاصة باعادة تأهيل المعدات العسكرية التي استولى عليها من القوات العراقية والسورية. واضاف ان “داعش” اصبح محطة يقصدها ضباط سابقون في الجيش الوطني العراقي، منهم من كان عضو في حزب البعث الحاكم، مما وفر لداعش مهارة عسكرية معتبرة

          التهويل من تواجد داعش داخل الاراضي الاميركية ربما فيه بعض المبالغة لاسباب واعتبارات محلية بحتة. بيد ان الاجهزة الأمنية “الساهرة” على حماية أمن البلاد تذهب لتحديد بعض الاهداف المرشحة لهجوم داعش الذي “سيسعى لاستهداف اكبر تجمع عام لتحقيق اقصى قدر من الدعاية على غرار امثاله في الهند وكينيا.” وقد تشكل “الملاعب الرياضية والاسواق التجارية والمطارات والمدارس والفنادق والمستشفيات ودور العبادة” اهدافا موآتية

          التهويل من داعش وحشد الجمهور لتأييد جولة اخرى من حرب عدوانية ذهب لابعاد متطرفة في توقعاتها ايضا، ومضى بعض المسؤولين، ومن ضمنهم السيناتور جيم اينوفي، الى التحذير من امتلاك داعش تقنية قنبلة اشعاعية ينوي تفجيرها في اميركا “مستغلا توفر بعض المواد المشعة لديه والتي سرقت مؤخرا من مختبر ابحاث عراقي للطاقة النووية”

مستقبل قاتم للعراق، وسورية تعود للصدارة

          بعدما تحقق للولايات المتحدة اقران العراق بداعش ومشتقاتها من التنظيمات المسلحة، تمضي قدما في استمالة “زعماء العشائر السنية والاكراد” لتحقيق اهدافها في تقسيم وتشظي العراق، التي تبنتها بشكل رسمي على لسان نائب الرئيس جو بايدن. واوضحت اسبوعية “نيوزويك،” 28 أب، على لسان الضابط السابق في وكالة الاستخبارات المركزية، باتريك سكينر، انه ربما يترتب الأمر على “قطع واشنطن تعهدا للاكراد بدعم استقلالهم عن الحكومة المركزية في بغداد .. ويتعين على ادارة الرئيس اوباما الاقرار بأن جغرافية العراق التي رسمتها بريطانيا في القرن الماضي لم تعد موجودة الآن، اذ اضحى ثمة مجموعة خطوط رسمت على الخريطة.” واضاف سكينر اننا امام “لوحة تضم انهيار دولتين”

          في الشق القانوني البحت، تتيح المادة 51 من ميثاق الامم المتحدة استخدام الدول القوة العسكرية كحق مشروع للدفاع عن النفس، كما باستطاعتها طلب المساعدة المسلحة من دول اجنبية لذات الغرض، كما في حال العراق. في هذا الصدد حذرت الحكومة السورية، على لسان وزير خارجيتها وليد المعلم، بانها ستعتبر اي تدخل عسكري اميركي في اراضيها “عمل عدائي” ان لم يتم بالتنسيق والاستشارة مع بلاده

واوضح استاذ القانون الدولي في جامعة نيويورك، رايان غودمان، مأزق الولايات المتحدة لشن غارات جوية “دون الحصول على موافقة سورية قد ينطوي على تعقيدات” جمة.  وعليه، يفيد الضالعون بالقانون الدولي ان الولايات المتحدة تواجه معركة شاقة مع حلفائها لاقناع بعضهم بالارضية القانونية للقيام بطلعات جوية فوق الاراضي السورية

بالاضافة للعامل القانوني، الذي لا تعيره اميركا كثيرا من الاهتمام كما يشهد احتلالها للعراق، فان تأكيد الرئيس اوباما على عدم نيته التوجه للكونغرس للحصول على تفويض باستخدام القوة “بعد” ربما جاء لاعتبارات داخلية وانتخابية بحت، وتنفس بعض المشرعين من الحزبين الصعداء لحساسية ودقة تأثير مثل هذا الأمر على التوازنات الانتخابية المقبلة

على المستوى الدولي، اتهم وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، الغرب بازدواجية المعايير وقصر النظر لرفضه التعاون مع سورية في مكافحة الارهاب

          تجليات السياسة الاميركية المقبلة في الاقليم مع الافتراض انها ستهدف الى القضاء على تنظيم الدولة الاسلامية تستدعي بروز طرف او اطراف اخرى “من قوى السنة” لملء الفراغ الناجم عن غياب داعش، وما اصرارها على انشاء تحالف اقليمي من السعودية ودول مجلس التعاون الا دليل على مراميها في المدى المنظور “لانشاء كيان سياسي من السنة باستطاعته ادعاء تمثيل طائفته وتمكينه عسكريا للتصدي للدولة الاسلامية والقاعدة والنظام السوري والشيعة” ايضا

          وهذا ما يفسر اصرار السياسة الاميركية على افساح دور اكبر لاقليم الاكراد في العراق، عززته باعلانها عن توريد الاسلحة له مباشرة، فضلا عن نشرها لنحو 150-300 عنصر من قواتها الخاصة في كردستان، التي بفضلها استطاعت قوات البيشمرغة الكردية تسندها الغارات الجوية الاميركية في التصدي لقوات داعش

لا يبدو اوباما مستعجلا لمواجهة داعش ابعد من المسرح العراقي في المدى المنظور، وكان ملفتا في تصريحه الاخير ان يعود الى نغمة تعزيز ما اسماه بالقوى المعارضة المسلحة المعتدلة في سورية لكي لا يكون الخيار بين النظام وداعش. اوباما نفسه اعترف منذ اشهر قليلة بان الحديث عن وجود معارضة معتدلة هو نوع من الفانتازيا – ضرب من الخيال. كما انه يدعو الآن الى تشكيل تحالف دولي واقليمي لمواجهة داعش يكون عماده الاقليمي الدول التي شجعها ل3 سنوات  خلت على تسليح ودعم الجماعات المسلحة في سورية لاسقاط النظام، ويتهمها الآن بانها عملت على تحقيق مصالحها الخاصة بدعم هذه الجماعات وعليها ان تكون جدية في مواجهة التطرف

لا تبدو هذه الدول المعنية مستعدة للتراجع عن مغامراتها او اوهامها في مقاربتها للوضع الراهن في سورية رغم شعورها بخطر داعش  الداهم على ابواب عروشها وطالما ان مساعي تشكيل تحالف لمواجهة خطر داعش يستثني ايران وسوريا من دائرته سيبقى أقرب الى الوصف الذي اطلقه اوباما نفسه ضربا من ضروب الفانتازيا

التقرير الأسبوعي 08-23-2013

:المقدمة

                    تداعيات الاحتجاجات الشعبية في فيرغسون، بولاية ميزوري، وقيام داعش بجز عنق صحافي اميركي كانا من ابرز اهتمامات وسائل الاعلام ونخب مراكز الابحاث الاميركية

          سيتناول قسم التحليل حيثيات ودوافع ومستقبل الاحتجاجات الشعبية التي انطلقت من فيرغسون، لتعري ورقة التوت للعنصرية المتجذرة في المنظومة السياسية الاميركية؛ والقاء نظرة فاحصة على البعد “الاسرائيلي” في تطبيق شرطة فيرغسون الاساليب الوحشية ضد المتظاهرين السلميين، مما اعاد لاذهان المراقبين حقيقة ما يجري من قمع واضطهاد ضد عرب فلسطين من قبل سلطات الاحتلال “الاسرائيلي.” كما برزت عمق العلاقة الأمنية بين اجهزة الشرطة الاميركية و”الاسرائيلية” التي اشرفت على تدريب وتوجيه عدد من كبار ضباط الشرطة، بمن فيهم مسؤولي شرطة فيرغسون.” وسيستعرض قسم التحليل ايضا ارتفاع معدلات الاحباط وعدم رضى المواطنين الاميركيين من الحكومة وتطور مواجهاتهم مع السلطات المركزية مما ينذر بحالة عصيان شاملة في المستقبل المرئي

ملخص دراسات ونشاطات مراكزالابحاث

ماذا ينتظر اميركا في المنطقة

          استعرض مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية البيئة السياسية الراهنة في الوطن العربي بعد كل ما عصف بها من احداث جسام، منبها صناع القرار الاميركي بأن “الولايات المتحدة تواجه مستويات متصاعدة من عدم الاستقرار في طول وعرض المشرق، مما سيترك بصماته على كل الجوانب الرئيسة في المنافسة الاميركية مع ايران تشمل عموم الشرق الاوسط وشمالي افريقيا.”  كما سعى المركز لتحديد ادق لمظاهر وميادين المنافسة، والقوى المنخرطة والقيود المحيطة بالجانبين، في الازمنة السابقة والراهنة والمستقبلية

قطاع غزة

         استهداف المقاومة الفلسطينية لمنصة استكشاف واستخراج الغاز الطبيعي في مياه قطاع غزة اثار قلق معهد واشنطن نظرا لأن حقل الغاز “تامار، الذي يبعد نحو 50 ميلا عن شواطيء حيفا،  باستطاعته توفير الطاقة للاحتياجات المتصاعدة لشبكة الكهرباء – اذ مع حلول عام 2015 تقدر نسبة ارتفاع الحاجة الى 50%” عن معدلاتها الراهنة. اما الصواريخ والقذائف التي اطلقتها المقاومة باتجاه المنصة فهي “غير موجهة في مجملها وتخلو من رأس موجه بالرادار او رؤوس حرارية، والتي ان لم يتم اطلاقها بصليات مكثفة، تصبح مهمة اصابة المنصة ومنشآتها بالغة الصعوبة.” ومضى بالقول لو توفرت تلك التقنيات للمقاومة فان “مجرد تهديدها باشعال الحرائق يرفع معدلات اغلاق عمليات الانتاج لدوافع السلامة”

          ركز معهد كارنيغي الضوء على “الدور المعيق لمصر في ادارة المفاوضات .. واضطرار المفاوض المصري في نهاية الأمر التعامل مباشرة مع قادة حماس بغية التوصل لاتفاق وقف اطلاق النار، وسعيه للتخفيف من تلك الحقيقة المزعجة.” واوضح ان اسلوب مصر “استحضر دور الرئيس الفلسطيني محمود عباس، كما درج عليه الامر خلال حقبة مبارك، ولمهادنة حركة الجهاد الاسلامي.” واضاف ان السلطة السياسية الجديدة في مصر “اثبتت انها لا تقف عائقا بوجه انشاء تحالفات مع الاسلاميين المتشددين؛ اذ ينحصر صراعها الراهن مع تلك القوى الحليفة لتنظيم الاخوان المسلمين”

العراق

          حث معهد كارنيغي الولايات المتحدة “التوضيح للعراقيين ما بوسعها تقديمه لهم من دعم عسكري حالما يتم التحقق من عزمهم وقدرتهم على ادارة الصراع كفريق موحد ضد المتشددين السنة.” واوضح ان الادارة الاميركية “كانت حريصة للحظة على تحديد مطالبها من العراقيين وما يتعين عليهم القيام به لكن الغموض اكتنف تحديد الجانب الاميركي المجالات التي يستطيع القيام بها في المقابل. الأمر الذي قوض النفوذ الاميركي في مسالك السياسة في بغداد.” واضاف ان العراقيين قلقون من عدم معاملة الولايات المتحدة لهم بالمثل مما تقدمه من معدات وخبرات لاقليم كردستان

          اصدر معهد هاريتاج دراسة خاصة بالعراق تناول فيها اربع خيارات متاحة امام الولايات المتحدة للعمل على تطبيقها: “ضرورة الابقاء على اقليم كردستان منخرطا في القتال اذ يشكل الحصن المنيع الذي لا غنى عنه في وجه التمدد الاسلامي ..؛ العراقيون بحاجة الى حكومة مستقرة في بغداد .. المقدمة الضرورية لاعادة انخراط قوات الأمن العراقية مرة اخرى في القتال؛ ضرورة الحفاظ على استقرار الاردن الذي يمثل حجر الزاوية لاستقرار المنطقة؛ عدم الاستكانة امام ايران، وينبغي على الولايات المتحدة ادامة العمل للحد من نفوذ ايران في الاقليم وفي العراق بشكل خاص”

          اعتبر معهد ويلسون ان معركة استعادة السيطرة على سد الموصل تعد مركزية اذ ان “الدولة الاسلامية مهتمة باستخدام المياه كعامل ضغط بشكل اساسي او كرديف من مكونات مشروعها لانشاء دولة الخلافة بدلا من استخدامه كسلاح تكتيكي.” واضاف المعهد ان قادة داعش طمأنوا الموظفين في المنشأة بتلقي رواتبهم “شريطة عدم توقف العمل واستمرار توليد الكهرباء للمنطقة تحت سيطرته،” وينبغي ادراك تلك المعادلة جيدا “من اجل اعداد رد متوقع للازمات المائية .. اذ توصيفها بأنها حرب مائية يضعف عامل المياه المركب واختزاله بعنصر اوحد. بيد ان اهمية المياه تتقاطع مع كل مقومات المجتمع فضلا عن اهميتها في صنع السلام وتعزيز الشرعية الحكومية”

          نبه مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الولايات المتحدة الى ادراك حدود قدراتها “وليس باستطاعتها التركيز على القتال ببساطة .. من باب ان الحلول العسكرية غير مجدية في الحروب الأهلية والعصابات.” واوضح ان العراق “يتعين عليه اما انجاز اعادة الاعمار كدولة او مواجهة حقيقة ان انجح جهد عسكري سينال الفشل”

ايران

          اصدر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية دراسة جدد فيها القلق الاميركي من “التهديد الصاروخي الايراني لمضيق هرمز والخليج العربي.” كما تناولت الدراسة “سبل تداخل تلك التهديدات لحركة الملاحة البحرية مع نمو القدرات الصاروخية والباليستية” وتطبيقاتها في جولة حرب غير متوازية “في ظل احتمال اغلاق الخليج”

:التحليل

انتفاضة فيرغسون والمواجهة في مزرعة بندي

غليان اميركي تحت الاستقرار المخادع

ظاهرة عسكرة اجهزة الشرطة

          “تجييش اجهزة الشرطة،” او عسكرتها كما اطلق عليها، لم يأتِ عابرا ودون تخطيط. بل كانت الظاهرة ثمرة للعدوان الاميركي واحتلال العراق، 2003، تجسدت عبر اقرار الكونغرس في دوراته المتعاقبة تدفق “ميزانيات غير محددة السقف لشؤون الأمن الداخلي،” مباشرة عقب احداث الحادي عشر من ايلول 2001، فضلا عن حثه البنتاغون “للتبرع” بفائض الاجهزة والمعدات والذخائر، التي بقيت في حوزته بعد انسحابه المتتالي من افغانستان والعراق، لاجهزة الشرطة وخاصة في المدن الكبرى، بصرف النظر ان “توفرت الحاجة لذلك ام لا.” رافق المعدات العسكرية الحديثة المتاحة لاجهزة الشرطة غياب مراقبة حقيقية لتوغل الاجهزة الأمنية مما زاد من معدلات “اعتداء القوات الخاصة للشرطة (طواقم سوات) بمعدل 137 حادث في اليوم .. فريق من قوات الاقتحام يعتدي على بيت آمن ويغرق قاطنيه والاحياء المحيطة بالارهاب،” ثبت في عديد من المناسبات انه ارتكب فعلته ضد عنوان وهدف خاطيء

          للدلالة على الميزانيات الهائلة المرصودة، اوضحت صحيفة “لوس انجليس تايمز،” 28 آب 2011، ان “الاجهزة الأمنية المحلية والفيدرالية تنفق ما معدله 75 مليار دولار سنويا على شؤون الأمن الداخلي.” منظمة “الاتحاد الاميركي للدفاع عن الحريات المدنية” اصدرت تقريرا لها في هذا الشأن في شهر حزيران 2014، تحذر فيه من “تجييش” الاجهزة الأمنية اذ “اضحت الولايات المتحدة في هذه الايام لوحة مفرطة في العسكرة، عبر رصد برامج انفاق على الصعيد الرسمي من شأنها ايجاد الحوافز لاجهزة الشرطة المحلية وتلك التابعة للولايات لاستخدام اسلحة هجومية غير مبررة وتكتيكات استنبطت للتطبيق في ميدان المعارك العسكرية”

          نشر عدد من الصحف الاميركية (نيويورك تايمز وكريستيان ساينس مونيتور) مؤخرا تقارير متتالية نقلا عن احصائيات وزارة الدفاع، البنتاغون، توضح فيها “بعض” الاسلحة التي تلقتها اجهزة الشرطة منذ عام 2006، التي بلغت”435 عربة مدرعة، 533 طائرة، 93,763 بندقية هجومية، و432 شاحنة مدرعة مقاومة للالغام .. مركبات برية وبحرية وطائرات .. اسلحة ومعدات للرؤية الليلية واجهزة الكمبيوتر، البزات الواقية من الرصاص والاقنعة الواقية من الغاز، وبضع مئات من معدات كواتم الصوت، و 200,000 طلقة رصاص من عيارات مختلفة.” وذلك في اعقاب مصادقة الكونغرس على برنامج لنقل المعدات العسكرية الثقيلة من ثكنات الجيش الى اجهزة الشرطة، بلغت قيمتها نحو 4.3 مليار دولار. في الجانب الاقتصادي، يقدر الخبراء ان “الشركات والمصانع والموردين والمنتفعين” من تلك “الهبة” سيرتفع معدل حجم سوق تبادلها التجاري ليبلغ نحو 31 مليار دولار مع نهاية العام الجاري

          الجهاز الفيدرالي المختص بالاشراف سنويا على تسليح اجهزة الشرطة المدنية الاميركية، مكتب دعم اجهزة تطبيق القانون – ليسو، اوضح في نشرته نهاية عام 2011 حجم المعدات التي نقلها من وزارة الدفاع الى اجهزة الشرطة بالقول “مثّل عام 2011 سنة قياسية لمعدل نقل ملكية المعدات من مخزون القوات العسكرية الاميركية الى اجهزة الشرطة المنشرة في البلاد،” تجاوزت قيمتها 500 مليون دولار للعام المذكور

          ظاهرة العسكرة ليست وليدة اجواء ايلول 2001، بل هي نتاج هاجس الدولة بكافة اجهزتها “لبسط الأمن والنظام” التي ولدتها المظاهرات والاحتجاجات الشعبية لنيل المساواة والحقوق المدنية والقضاء على الممارسات العنصرية في عقد الستينيات من القرن الماضي؛ واتخذت عناوين متعددة منذئذ “الحرب على المخدرات،” و “مكافحة الفقر” ابان عهد الرئيس الاسبق رونالد ريغان التي لم تسفر الا عن زيادة معدلات الفقر وتوسيع الهوة الاجتماعية بين شريحة الاثرياء والمحرومين. المحصلة العامة ادت الى عسكرة العقلية الاميركية وتوجيه كافة اسلحتها وممارساتها “ضد الاقليات والمناطق الفقيرة بصورة لا تتناسب مع حجمها الاجتماعي” وابعاد ارهاصاتها واحتجاجاتها عن التداول العام

          واوجز الصحافي الشهير، غلين غرينوولد، الظاهرة الأمنية الاميركية بالقول ان “شبكة التجسس والأمن الداخلي الهائلة، والحواجز الاسمنتية واجهزة التدقيق في الهوية بالغة التطور اضحت أمرا واقعا وباقية في حياتنا اليومية .. على غرار المجمع العسكري الصناعي الذي تبلور الى ظاهرة ثابتة وقوية في المشهد الاميركي”

شراكة وثيقة بين اجهزة الأمن الاميركية و”اسرائيل”

          تم الكشف مؤخرا عن العلاقة العملية الوثيقة بين جهاز الشرطة في مدينة فيرغسون و”اسرائيل” التي استضافت رئيس قسم شرطة المدينة، تيموثي فلينتش، لحضور دورة “لمكافحة الارهاب .. واستيعاب الاساليب القاسية التي تطبقها اجهزة الشرطة هناك،”  وقام الصحفي الشهير غلين غرينووالد بنشر نص الدعوة الموجهة بتاريخ 25 آذار 2011

الترابط بين اساليب بالغة القسوة لشرطة مدينة فيرغسون وممارسات جيش الاحتلال الصهيوني لم تغب عن بال الاهالي والمراقبين واصحاب الضمائر الحية، الذين وصفوها بأنها “تعيد الى الذاكرة مشاهد ما يحدث في غزة،” اي ان اجهزة الشرطة “تفكر وتتصرف وترتدي زي جيشٍ غازٍ محتل مدجج بالسلاح” يواجه مواطنين عزلا خرجوا للتظاهر سلميا احتجاجا على اوضاعهم الاقتصادية المزرية، بالدرجة الاولى، وعلى تهميشهم اجتماعيا. واشاد العديد منهم على مواقع التواصل الاجتماعي بارشادات الفلسطينيين في قطاع غزة يشاركونهم خبرتهم في كيفية التغلب على عبوات القنابل المسيلة للدموع

          وجاء في الوثائق ان جهازي الشرطة في مدينة سانت لويس الكبرى (العاصمة) تلقيا تدريباتهما من قبل “القوى الأمنية الاسرائيلية،” واللذين تصدت قواتهما للمتظاهرين السلميين منذ البداية بقسوة وبشاعة حفزت المراقبين على تسليط الاضواء على البعد “الاسرائيلي” في عسكرة الاجهزة الأمنية الاميركية، فضلا عن اعتداءات شرطة ميزوري على اطقم الصحافيين دون مبرر – كما يجري معهم في فلسطين المحتلة

          في التفاصيل ايضا، رعى “المعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي – جينسا،” وهو منظمة اميركية، سلسلة دورات تدريبية لاجهزة الشرطة وارسال اطقمها الى “اسرائيل” للتدرب، كان احدهم مساعد رئيس جهاز الشرطة في فيرغسون، جوزيف موكوا، في شباط 2008، والذي اعتلى منصب رئيس الجهاز في مدينة سانت لويس لاحقا قبل اضطراره للاستقالة بعد الكشف عن تورط جهازه وقرينته في استخدام السيارات المصادرة لاغراضهم الشخصية

          واوضحت نشرة صادرة عن “المعهد اليهودي” المذكور طبيعة برامج التدريب التي بدأت منذ عام 2002 “شارك فيها نحو 100 من رجال الشرطة،” قائلة ” راقب الاميركيون الاساليب والتقنيات التي تسخدمها قوات الشرطة الاسرائيلية في الحيلولة دون وقوع عمليات انتحارية والتفاعل معها ومع انماط اخرى من الارهاب تضمنت سبل ابطال مفاعيل المتفجرات، الطب الشرعي، السيطرة على الحشود الجماهيرية، وتنسيق الخطاب مع الاجهزة الاعلامية وعموم الشعب”

          ويمتد اخطبوط الاختراق “الاسرائيلي” للاجهزة الأمنية الاميركية ليشمل “عصبة مكافحة التشهير اليهودية،” اذ اوضحت ان رئيس جهاز شرطة مدينة سانت لويس سالف الذكر، تيموثي فلينتش، استجاب لدعوة العصبة والمشاركة في “الندوة  القومية لمكافحة الارهاب” التي امتدت طيلة اسبوع كامل “حضره عدة رؤساء لاجهزة الشرطة الاميركية للتعرف عمليا على التكتيكات والاستراتيجيات الاسرائيلية مباشرة من قادة كبار في جهاز الشرطة الاسرائيلية، وخبراء آخرين في اجهزة الاستخبارات والأمن الاسرائيلية، وجيش الدفاع الاسرائيلي” ايضا، حسبما افاد موقع العصبة الالكتروني. اضافة لما تقدم، “يدعى” ضباط عسكريون “اسرائيليون” لتقديم المساعدة والمشورة لاجهزة الأمن في المطارات ومراكز التسوق الاميركية

بعد الكشف عن التكتيكات “الاسرائيلية” التي اعتمدها جهاز شرطة مدينة سانت لويس، اصدر حاكم الولاية، جاي نيكسون، اوامره بسحب المسؤولية من الشرطة وايكالها لشرطة الطرقات السريعة التي تتبع امرته مباشرة

          عضو الكونغرس الجمهوري المشاكس عن ولاية ميتشيغان، جستين أماش، علق على الممارسات القمعية “الاسرائيلية” في فيرغسون قائلا “المشاهد والتقارير الواردة من فيرغسون مرعبة. هل هي ساحة حرب ام مدينة اميركية؟ الحكومة (المركزية) تصعد وتيرة التوترات القائمة باستخدامها معدات وتكتيكات عسكرية.” (13 آب 2014). كما اوضحت “مؤسسة حرية الصحافة” الرصينة ان الاساليب العسكرية المطبقة “لا تستهدف المتظاهرين فحسب، بل اولئك الذين ينقلون الصورة اعلاميا ايضا”

          السؤال البديهي الذي يتبادر الى الذهن هو كيف استطاعت الاجهزة الامنية “الاسرائيلية” اختراق وممارسة نفوذها على المؤسسة الأمنية الاميركية

          بداية، التسيق بين الطرفين لم يكن وليد اللحظة، بيد ان المهام المضاعفة المترتبة على اجهزة الشرطة عقب هجمات الحادي عشر من ايلول 2001 شكلت حافزا للجانب الاميركي التوجه نحو دول اخرى ومنها “اسرائيل” لاكتساب مهارات في “مكافحة الارهاب.” واستغل “المعهد اليهودي – جينسا” و”عصبة مكافحة التشهير” هاجس الاميركيين للأمن وفرصة لتوددهما لدى الاجهزة الأمنية الاميركية المختلفة، ووفرتا رحلات مجانية “لزيارة اسرائيل” لشريحة كبار الضباط في تلك الاجهزة، فضلا عن عقد مؤتمرات ذات طابع أمني في الولايات المتحدة تتحملان كامل تكلفتها من سفر واقامة وتعويضات

          وتدريجيا جرى نسخ الطبائع “الاسرائيلية” من قبل المدعوين، لا سيما قاعدة تمييز وفصل قوات الشرطة عن محيطها السكاني وعدم انتمائها له، والتصرف وفق ما تتطلبه قوة احتلال من افراط في القسوة لتوفير الهدوء بصرف النظر عن الكلفة المرافقة. تعزز هذا الفهم الملتوي لدى اجهزة الشرطة في مدن واحياء تعج بالاقليات والافارقة الاميركيين، مثل مدينة فيرغسون، التي يقطنها اغلبية من السود بينما جهاز الشرطة غالبيته العظمى من البيض

          المنظمات الاهلية ولجان الحقوق المدنية رصدت منذ زمن ارتفاع معدلات قسوة ووحشية قوى الشرطة في تعاملها مع الفئات والاحداث المختلفة، فضلا عن تنامي مشاعر عدم ثقة المواطنين باجهزة الشرطة والأمن، مما يجسد “الاساليب الاسرائيلية العدائية التي تدربوا عليها. وجاء في احدث استطلاع للرأي، اجري في الفترة من 11 الى 14 آب الجاري، جاءت النتيجة بنسبة 43% تدين ارتفاع معدلات استخدام قوى الشرطة للاسلحة الفتاكة، مقابل معارضة 32%

تفسخ نسيج المجتمع الاميركي

السمعة المشوهة لاجهزة الشرطة ليست الا واحدة من جملة ازمات يعاني منها المجتمع الاميركي، لتنضم الى مشاعر القلق وعدم الثقة من اداء الحكومة الاميركية باكملها. واوضح استطلاع للرأي اجرته شبكة (سي ان ان) للتلفزة، مطلع الشهر الجاري، ان نسبة لا تتعدى 13% من الاميركيين يضعون ثقتهم بالحكومة المركزية، وهي ادنى نسبة مسجلة منذ نصف قرن من بدء الاهتمام بذلك البعد الشعبي. واضافت نتائج الاستطلاع ان نحو 10% من الاميركيين لا يثقون مطلقا بالحكومة، وهي اعلى نسبة للآن، بينما عبر نحو 76% من المستطلعة اراؤهم عن بعض الارتياح ومشاعر الثقة النسبية بعض الاحيان، والتي جاءت في المرتبة الثانية منذ بدء التوثيق

ادرك الرئيس اوباما تدهور الاوضاع الاقتصادية وتجلياتها على مجمل السياسة الاميركية، وتراجع تحقيق “الحلم الاميركي” في تحقيق الازدهار والنمو كما اطلق عليه. وقال في مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز، منتصف شهر تموز 2013، ان “التدهور مستمر منذ نحو 20 او 30 عاما، وقبل وقوع الازمة المالية” عام 2008. واضاف ان “اتساع الهوة وعدم مساواة الدخل فضلا عن التداعيات التي خلفتها الازمة المالية قد اسهمت جميعها في تهتك النسيج الاجتماعي وتقويض حلم الاميركيين بالفرص الممنوحة”

المجتمع الاميركي منهك بفعل ثقل هموم الحياة اليومية، وتزداد معدلات الاستقطاب والتطرف، لا سيما “في وجهات النظر السياسية والمعتقدات الدينية.” بل قفز عامل تراجع الدخل الى مرتبة اعلى من العامل العرقي في التجمعات التي تمارس الفصل العنصري، كما هو الحال في معظم الولايات الجنوبية

اضافة لما تقدم، لا يزال المجتمع يعاني من ارتفاع معدلات البطالة، وبطء الاداء الاقتصادي، وتقلص الطبقة الوسطى، وتعاظم مشاعر المواطنين بأن بلدهم “يديرها حفنة ضئيلة من النخب السياسية والاقتصادية.” اما الفصل العنصري وسوء معاملة السود من قبل اجهزة الشرطة المختلفة فحدث ولا حرج. اذ جاء في تقرير لمكتب التحقيقات الفيدرالي عام 2012، جرى على امتداد سبع سنوات، ان معدل قتل مواطن اسود البشرة على يد رجل شرطة ابيض بلغ مرتين في الاسبوع

جدير بالذكر ان التقارير الصادرة عن هيئات حكومية ومنظمات شبه رسمية ينبغي النظر اليها بحذر شديد لتحيزها وتغاضيها عن التصريح والالمام بكافة جوانب الحدث، لا سيما “في عدد الضحايا السود العزل من السلاح.” وجاء في تقرير نشرته اسبوعية “مذر جونز،” 15 آب 2014،شككت فيه بكافة التقارير الرسمية قائلة “لسنا على يقين من قيام اي هيئة (حكومية) تقصي حوادث اطلاق الشرطة النار والتي تؤدي لمقتل المدنيين العزل بصورة منتظمة وشاملة.” وجاء في دراسة صادرة عن منظمة حقوقية للسود بتاريخ 13 نيسان 2014، “حركة مالكولم اكس الشعبية،” ان معدل مقتل شاب/ة من السود على يد رجال الشرطة من البيض بلغ ضحية واحدة كل 28 ساعة، استنادا الى احصائيات عام 2012 الذي شهد مقتل 313 مواطن اسود

فيرغسون ومزرعة بندي في نيفادا

الغالبية العظمى من المتظاهرين في مدينة فيرغسون هم من السود – الافارقة الاميركيين، يميلون للتيارات السياسية الليبرالية؛ بينما مؤيدو المزارع بندي، نيسان 2014، غالبيتهم الساحقة من البيض ينتمون للتيارات السياسية المحافظة والمتشددة – باستثناء الحارس الشخصي الاسود لبندي. في كلتا الحالتين، ارتدى رجال الشرطة بزاتهم العسكرية القتالية وامتشقوا الاسلحة المعدة لقتال الجيوش

يحفل التاريخ بأمثلة وقوع حدث ما يشعل النار في الهشيم، يطلق ثورة اجتماعية في بعض الاحيان. في فيرغسون، تضامن عدد من التيارات السياسية الليبرالية واليسارية مع المحتجين وشاركوهم “صحوتهم” ضد السلطة؛ بينما مؤيدو بندي جلهم جاء من صفوف الميليشيات اليمينية الذين يتقاسمون العداء الفطري للسلطة المركزية وكانوا على اهبة الاستعداد للدخول في مواجهة عنيفة مع الاجهزة الأمنية الفيدرالية

تنامي مشاعر عدم الثقة من الحكومة المركزية، بكافة تجلياتها، وازدياد وتيرة المواجهات قد تدخل الاحتجاجات في دوامة عنف يصعب السيطرة عليها خاصة اذا حظيت بامتداد ودعم شعبي اوسع، مما ينذر بامكانية ان تجد السلطات نفسها في مواجهة اضطرابات مدنية رئيسة في المستقبل المنظور. لا يستطيع احد التنبؤ بزمن ومكان اشتعال فتيل المواجهة او القوى المنخرطة، بيد لا ينبغي التغاضي عن الحجم الواسع للمتضررين من السلطة المركزية، عند الاخذ بعين الاعتبار التمثيل العرقي الواسع والامتداد الجغرافي وتبلور الوعي السياسي لدى فئات شعبية واسعة

تسارع الاضطرابات في فيرغسون معطوفة على مشاركة قوى شعبية كبيرة من خارج المنطقة الجغرافية اذهل السلطات المركزية التي بذلت كل ما بوسعها لاحتواء الازمة واعادته الى المربع المحلي، وحققت نجاحا آنيا في هذا الشأن. التنازلات الشكلية التي قدمتها، دور اكبر للسلطة المركزية في اجراءات التحقيق والتلميح الى دخولها طرفا في الادعاء القضائي، حالت دون تكرار المشهد في مدن ومراكز سكانية كبيرة تقطنها اعداد معتبرة من الافارقة الاميركيين: فيلادلفيا، شيكاغو، بلتيمور، لوس انجليس، ونيويورك. ادركت السلطة قبل خصومها انها لو تركت الامور على عواهنها فان رقعة الاحتجاجات ستشتعل سريعا كالنار في الهشيم يصعب السيطرة عليها او احتوائها

القوى المهمشة والاقليات المتضررة قد تلجأ للمشاركة في الاحتجاجات التي تجد ارضيتها الخصبة في طيف واسع من القوى السياسية والعرقية، لا سيما بعد توغل التيارات الرسمية اليمينية والليبرالية في اقصاء الاقليات و”المهاجرين غير الشرعيين” دون وازع، واطلاقها العنان للقوى العنصرية والميليشيات اليمينية اخذ زمام المبادرة ضد القوى الاخرى. حينها، سيلجأ الرئيس اوباما الى تعبئة شاملة لقوى الحرس الوطني المختلفة “لمساعدة” الاجهزة الأمنية المختلفة – التي شهدت فيرغسون اولى تجلياتها. قد يعلن ايضا حالة الطواريء في المناطق المشتعلة، كما شهدته فيرغسون، بيد ان ما يحول دون ذلك الخيار هو الثمن السياسي المرتفع وامكانية مفاقمة الامور ودفعها الى حافة الانفجار عكس ما يريد

القانون الاميركي يساوي بين اعلان الاحكام العرفية وحق الفرد المثول امام القضاء والدفاع امام ظروف الاعتقال، مما يدخل عامل القضاء في النظر باحقية ومشروعية الاعتقال. كما ان الدستور الاميركي يخول السلطة المركزية تعليق العمل بحق مثول المتهم امام القضاء، الفقرة التاسعة من المادة الاولى للدستور، “لا يجوز تعليق حق المثول امام المحكمة، الا في حالات التمرد او الاعتداء على السلامة العامة كما يقتضى ذلك.” اي ان الدستور يجيز اعتقال السلطات لأي كان واحتجازه دون توفر الدلائل على خرقه للقانون

المساعي التي بذلها الرئيس اوباما واركان حكومتة، لا سيما في ايفاده وزير العدل شخصيا للاشراف على التهدئة لا ينبغي ان يقودنا الى الاستنتاج بأن الامور عادت الى وتيرتها السابقة؛ فالاضطرابات قد تشتعل في منطقة اخرى في اي لحظة نظرا لأن عوامل التفجير متأصلة في البنية السياسية ذاتها. اضافة لنضوج الظروف الموضوعية لعوامل الانفجار، هناك ايضا بلورة للظروف الذاتية للقوى المتضررة، وان تبدو هامشية للبعض: التشكيلات المختلفة بين السكان الافارقة الاميركيين، خاصة اعادة انتاجها لتنظيم “الفهود السود الجديد” في مدن الكثافة السكانية الكبرى ولديها اسلحة خفيفة؛ والقوى الفوضوية التي برزت بقوة اثناء احتجاجاتها المتكررة والعنفية احيانا ضد سيطرة رأس المال والبنك وصندوق النقد الدوليين، اغلب اعضائها من الفاشيين البيض اختصاصها المظاهرات والعصيان المدني لا سيما امام مؤتمرات الدول الصناعية الثمانية ويتقنون ميزة التعامل مع وسائل التقنية الحديثة اذ قاموا بشن هجمات الكترونية ضد مواقع مدينة فيرغسون الرسمية؛ والميليشيات اليمينية المدججة بالاسلحة. كل من تلك القوى تشكل تحديا بحد ذاتها للسلطة المركزية، حتى وان لم تتشارك او تتقاسم الاهداف فيما بينها

ربما تشكل الميليشيات اليمينية اكبر تهديد للسلطات المركزية نظرا لاعدادها الكبيرة واتساع رقعة انتشارها في عموم الولايات المتحدة، والاسلحة المتعددة التي بحوزتها، سيما وان عددا لا باس به من اعضائها يتقنون استخدام السلاح بكافة انواعه والتكتيكات العسكرية  نظرا لخبرتهم اثناء فترة ادائهم الخدمة العسكرية. اجراءات التحقيق في احداث المواجهة مع السلطة المركزية في محيط مزرعة بندي اشارت الى ضلوع قناص محترف من صفوف الميليشيات والذي اشترك في العدوان على العراق واكتسب مهارة معتبرة، وقام بتوزيع عدد من القناصة تحت امرته على اماكن عدة من المزرعة. الاساليب القتالية التي اظهرتها المجموعة تفوقت على القوة المركزية المنوطة بالسيطرة على الاحداث هناك، مما دفع بالمشرفين في السلطة المركزية الى التراجع وسحب رجالاتهم خشية تطور الاوضاع الى الاسوء

في هذا الصدد، حمل مسؤولون رسميون تلك الميليشيات مسؤولية التعرض لشبكة توزيع الكهرباء في كاليفورنيا، العام الماضي، والذي لا يزال التحقيق جارٍ فيه من قبل مكتب التحقيقات الفيدرالي، والذي استنتج ان الفعلة طبقت عن سبق اصرار وتصميم ونفذت بحرفية عالية

الازمة الاجتماعية تعرّي العنصرية الاميركية الممنهجة

التباينات والاختلافات الجوهرية بين تلك القوى المتضررة من السلطة المركزية قد تجد قاسما مشتركا للتعاون فيمابينها لتحقيق مآربها مع احتفاظ كل منها باستقلاليته عن الآخر. التاريخ البشري حافل بمشاهد وامثلة عديدة لتقاطع المصالح والاهداف بين قوى متضادة في الجوهر والبنية والاسلوب

من نافل القول ان الاجهزة الامنية الاميركية راكمت تجربة معتبرة في تصديها للاضطرابات المدنية، بصرف النظر عن الاساليب القاسية المستخدمة، لا سيما منذ اندلاع الاحتجاجات الشعبية بكثافة في عقد الستينيات من القرن المنصرم. وتجدر الاشارة في هذا الصدد الى اصدار سلاح الجيش الاميركي كراسا بعنوان “تكتيكات الجيش الاميركي: الاضطرابات المدنية، في شهر نيسان من العام الجاري؛ والذي يفصل التجهيزات والتدابير المنوي اتخاذها في حال اندلاع “اعمال شغب واسعة النطاق” في الولايات المتحدة مما يستدعي تدخل القوات العسكرية “لاستخدام اسلحة فتاكة” والتعامل مع الحشود المكثفة للمحتجين. اللافت ايضا في نصوص الكراس انها تلقي جانبا “بالحقوق الدستورية للمواطنين الاميركيين التي تعتبر لاغية وباطلة في ظل حالة الطواريء”

محصلة النظرة الموضوعية بعد كل ما تقدم تشير بقوة الى ان الاوضاع الداخلية الاميركية لا زالت تنعم بالاستقرار النسبي، والاحتجاجات التي اندلعت في فيرغسون تم السيطرة عليها وحالت دون انتشارها لمناطق اخرى، للحظة، لكنها لا زالت تشكل بؤرة اشتعال يصعب التنبؤ بمآلاتها. تلك الاحداث الشعبية، وهي كذلك في فيرغسون، تحاكي ما شهده الاتحاد السوفياتي السابق من احتجاجات توسعت بسرعة واطاحت بالنظام السياسي برمته. ايضا كانت يوغوسلافيا واحة من الاستقرار ومحطة مفضلة يقصدها السياح من كل اماكن المعمورة، لكنها انزلقت سريعا وشهدت اضطرابات مدنية في عقد التسعينيات من القرن المنصرم، اذكاها عنصر التدخل الخارجي من حلف الناتو حتى استطاع من تقسيمها وتشظيها

عند استحضار هذه الخلفية، يمكننا القول ان اندلاع مواجهات واضطرابات واسعة النطاق، بين المواطنين بمختلف توجهاتهم وانتماءاتهم والاجهزة الحكومية في الشق الغربي من الولايات المتحدة هو امر في طريق التطور، وينذر بتشكيل تهديد اضافي للنسيج الاجتماعي الاميركي

التقرير الأسبوعي 08-16-2013

:المقدمة

        اتجهت كافة الانظار نحو العراق لمراقبة ما يجري ميدانيا عبر التصدي لتقدم داعش بالغارات الجوية الاميركية، وسياسيا بعد ممارسة ضغوط مكثفة لحمل رئيس الوزراء نوري المالكي على تقديم استقالته. بينما تراجع زخم الاهتمام الرسمي والمؤسساتي بالعدوان “الاسرائيلي” على غزة سيما في ظل الاعلان عن هدنة اضافية تمتد لخمسة ايام

        سيستعرض قسم التحليل اوضاع العراق في ظل المستجدات الراهنة، خاصة الانخراط العسكري الاميركي وشن غارات جوية مكثفة على مواقع ومسلحي داعش عقب “تهديده المباشر لاربيل” عاصمة اقليم كردستان العراق. العمليات الحربية تدور في العراق بيد ان انظار صناع القرار في اميركا تبقى مسلطة على سورية تريد الانتقام من صمودها وافشالها المخططات الاميركية

ملخص دراسات ونشاطات مراكزالابحاث

قطاع غزة

       حذر المجلس الاميركي للسياسة الخارجية من تكرار سقوط الضحايا المروع في قطاع غزة الى “مناطق اخرى في الشرق الاوسط .. اذ يبدو ان مصير اسرائيل، وعموم المنطقة، التعايش مع ذلك النمط من التحدي في المستقبل المرئي.” وقال ان “الخطر، عاجلا ام اجلا، سيداهم النظم الديموقراطية الاخرى، وسيطال تلك الدول البعيدة عن الشرق الاوسط”

العراق

        اعرب مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية عن تأييده التام “لاستراتيجية الرئيس اوباما المستندة الى استخدام سلاح الطيران والقصف الصاروخي، وارسال مستشارين، وتوريد الاسلحة ..” وحث الشعب الاميركي على “ضرورة تقبل تلك الحقائق بصرف النظر عن خلافاتهم وانقساماتهم الحزبية ونواياهم السياسية للمستقبل.” واستدرك بالقول ان التدخل في العراق يشكل “خليطا من اقل الخيارات سوءا .. بل ان عوامل عدم اليقين في الخارطة السياسية هائلة ليس بوسع احد الجزم بانه ستفضي الى الحل الصواب”

        استعرض مركز الدرسات الحربية سبل توطيد “داعش” نفوذه “عبر الحملة الواسعة التي شنها منذ منتصف شهر تموز الماضي لتعزيز سيطرته الداخلية على مناطق الخلافة .. والذي يستدعي استغلال قدراته العسكرية لبسط نفوذه على الاراضي العراقية والسورية وانشاء جملة من الحدود البينة يستطيع الدفاع عنها،” وحماية انجازاته الاخيرة في الرقة والحسكة ومحافظة نينوى “وضمان سلامة خطوط امداده اللوجستية والاتصالات .. وحماية حرية حركته داخل تلك المناطق”

        حث معهد ويلسون دول الاقليم الاخرى اخذ زمام المبادرة والتحرك باتجاه العراق، لا سيما وان “بصمات سياسة الرئيس اوباما لا تزال حية في انشاء تحالفات مع الدول الاخرى لمكافحة الارهاب .. وينبغي على الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي لعب دور الصدارة لتوفير العون الاغاثي والدعم العسكري للغارات الجوية والقوات البرية بغية الحاق الهزيمة وسحق داعش، لا سيما وهو الذي يضع نصب عينيه الولوج الى الاردن ولبنان والسعودية.” واعرب عن اعتقاده ان تشكل سلسلة الغارات الجوية الاخيرة “مصدر احراج لعددٍ كافٍ من دول الجامعة العربية لبدء العمل فيما هو متوقع منها القيام به”

        حذر معهد واشنطن من تطور “داعش” ليصبح “الناطق بلسان السنة الا في حال اقدام واشنطن القيام بخطوات” معينة. واستنهض الشعب الاميركي المتردد “في دخول حرب اخرى في الشرق الاوسط” مطالبا ممارسة الضغط على صناع القرار “لتعزيز ما تحقق من انجازات والعمل مع الحلفاء العرب واعلاء كلمة الاقلية السنة الذين سيملؤون الفراغ الناجم عن الحاق الهزيمة بداعش في سورية والعراق”

        عقد مركز الدراسات الاستراتيجحية والدولية جلسة نقاش مغلقة لبعض الخبراء في الشؤون العسكرية والعراقية، للبحث في صوابية دعم اقليم كردستان العراق من عدمه. وقال اولئك أن المناطق الكردية “اثبتت انها واحة استقرار مؤيدة للولايات المتحدة .. ونحن ملزمون لتوفير سبل الدعم لمساعدتهم في الدفاع عن انفسهم،” فضلا عن ان تعزيز قدرة الاقليم الكردي “تعد خطوة اولى ضرورية لاحتواء الدولة الاسلامية والتي قد تتطور الى تبنيها كاستراتيجية اميركية .. فضلا عن توفيرها الزخم المطلوب لجهود الادارة الاميركية ممارسة ضغوطها على (حكومة) بغداد لتوسيع واستقطاب القوى الاخرى في صيغة الحكم التي من شأنها، لو توفر لها الدعم الاميركي والايراني، فرض التراجع على داعش.” واوضح المشاركون ان اكثر الاحتمالات ترجيحا هو “قيام حكومة تدعمها ايران وتسعى لاحتواء خطر الدولة الاسلامية في منطقة الشمال الغربي” من العراق

        التحذير من مخاطر الانخراط العسكري في العراق أتى من “معهد كاتو” لافتا النظر الى ان “مغبة التدخل يرافقها تداعيات غير مقصودة وغير محسوبة وعسيرة على التحكم بها.” واوضح ان “تجربة التدخل الاميركي في الشرق الاوسط تشير الى تدخل ما يولد آخر في العموم تقريبا ..” ونقل على لسان قائد هيئة الاركان المشتركة السابق، مايكل مولن، قوله “ليس بوسع نشر اعداد كبيرة من القوات في ظل فترة زمنية مفتوحة ان تغير في النتائج”

تركيا

       تناول “صندوق جيرمان مارشال” للتنمية نتائج الانتخابات الرئاسية في تركيا مذكراً بتعهدات الرئيس المنتخب رجب طيب اردوغان الصريحة بأنه “لا ينوي تقييد نفسه بالصلاحيات الرئاسية المنصوص عليها دستوريا،” محذرا من ميله “لفرض نظام رئاسي بفعل الأمر الواقع مستغلا وضعه كرئيس وزراء لتحويل الصلاحيات الى الرئيس “

        واستعرض معهد واشنطن فوز اردوغان وانعكاساته على مستقبل العلاقات الاميركية – التركية قائلا انه “يستعد لتبؤ منصب الرئاسة ليحكم البلاد بمفرده .. والذي سيقدم على الارجح زيادة تحريض الولايات المتحدة على توفير مزيد من الدعم للمسلحين السوريين، وكذلك طلب دعم الولايات المتحدة لتعزيز صراع اكراد العراق مع الحكومة المركزية في بغداد ..” واضاف ان اردوغان سيجد متسعا من الحيز “للتعاون مع الولايات المتحدة في مسائل ذات حساسية سياسية مثل علاقات تركيا مع كل من ارمينيا واسرائيل .. وترميم علاقاته مع الرئيس اوباما طمعا في حصوله على الدعم الاميركي كدرع حامي لتركيا من حالة عدم الاستقرار السائدة في كل من سورية والعراق “

:التحليل

 

الموقف الاميركي: عرقلة واحتواء داعش وانقاذ الحلفاء الاكراد

        بعد طول ترقب وانتظار لسبر اغوار مخططات “داعش” لم تحرك فيها الولايات المتحدة ساكنا خاصة للمجازر الموثقة التي ارتكبها في الموصل ومحيطها، وما لبثت ان سارعت اميركا استحضار الخيار العسكري عندما لاح خطر تهديد داعش للسيطرة على مدينة اربيل، تاج المخطط الصهيوني لتقسيم العراق الى كانتونات متعددة؛ وبات على بعد 50 كلم من تخومها. وشكل تقدمه واندفاعه “نكسة استراتيجية” لمشروع فصل اقليم كردستان عن الوطن الأم، سيما لتوارد معلومات تفيد بأن داعش لديه خلايا نائمة في اقليم كردستان

        في خطوة اخرى ذات دلالة، تزامن اعلان الرئيس اوباما شن غارات جوية متواصلة في العراق مع توزيع “داعش” منشورات باللغة الانكليزية في قلب العاصمة البريطانية وعلى بعد امتار قليلة من مقر السفارة الاميركية في لندن. الاعلان وزع بكثافة في شارع “اكسفورد” الشهير والمركزي، وبالقرب من حديقة “هايد بارك،” مبشرا بقيام دولة “الخلافة الاسلامية” داعيا الجمهور الى شد الرحال والهجرة الى هناك اذ ان “فجر عصرٍ جديدٍ بدأ بالفعل.” المنشورات المذكورة قد لا تكون ذات تأثير كبير في السياق العام للحرب الدائرة على وحدة ما تبقى من العراق، الا انها مؤشر على جرأة وعمق تأييد القاعدة الشعبية التي يتمتع بها داعش في الغرب

        برر الرئيس اوباما اعلانه بدء الغارات الجوية على العراق، الذي قد يستغرق “بضعة أشهر،” بانه ضروري “لحماية المصالح الاميركية” هناك. المغيب في اعلانه هو تحديد ماهية المصالح الممثلة في امتيازات شركات النفط الاميركية الكبرى، اكسون موبيل وشيفرون، واستثماراتها الضخمة في اقليم كردستان في تحدي سافر لحكومة بغداد. الناطق باسم البنتاغون، جون كيربي، اوضح اهداف الغزو الاميركي المتجدد بالقول “القوات العسكرية الاميركية ستمضي في مهامها بالمواجهة المباشرة ضد داعش اينما نجده يهدد قواتنا ومنشآتنا”

صحيفة نيويورك تايمز لمحت الى حجم “المصالح” الهائلة بالاشارة الى تواجد “عدة آلاف من الاميركيين،” في اربيل، ولا شك ان عددا لا بأس به منهم ضباطا في وكالة الاستخبارات المركزية. صحيفة الغارديان البريطانية علقت بالقول ان الاميركيين “لم يستطيعوا البقاء خارج (العراق). بالكاد مضى عامين على انسحاب القوات الاميركية من العراق، والآن عادوا للقتال مرة اخرة. وجاء الرئيس اوباما في المرتبة الرابعة على التوالي من الرؤساء الاميركيين الذين صادقوا على العمليات العسكرية في العراق” بمعزل عن تفويض من الامم المتحدة. (عدد 13 آب الجاري)

بعبارة اخرى، جاء تطبيق “سياسة الحرب الكونية على الارهاب” مفتوحة الأجل استكمالا للمخططات السابقة لفرض السيطرة الاميركية المطلقة على موارد المنطقة، وهذا يدحض مزاعم اركان الادارة الاميركية، لا سيما سفيرتها لدى الامم المتحدة، سامانثا باور، التي ما برحت تردد تقديس “مبدأ مسؤولية الحماية” للاميركيين اولا، دون ان يرف لها جفن على حجم الضحايا الابرياء الذين تسببت السياسات الاميركية بابادتهم، صغارا وكبارا

القتال في العراق والعين على سورية

مجلة “الايكونوميست” الرصينة عنونت غلاف عددها الأخير “العودة الى العراق،” معلنة تأييدها السافر لتجدد الغارات الاميركية لعرقلة تقدم “داعش،” وبعد نجاحها قد تجد “الولايات المتحدة مهمتها تختزل في تنفيذ غارات جوية متباعدة لمعاقبة واحتواء داعش.” وحثت زعماء الدول الغربية قاطبة “على ضرورة تهيئة الرأي العام في بلدانهم لخوض عمليات عسكرية طويلة الأجل في ذاك الجزء من العالم”

الاخطر ان تقرير المجلة يمهد الارضية لاستكمال الغارات الجوية في سورية، قائلة “من غير المرجح ان تتمكن الولايات المتحدة من تدمير او احتواء الظاهرة الجهادية، في المدى البعيد، دون اعداد نفسها للتدخل في سورية؛” بحجة ملاحقة تشكيلات داعش. جاء ذلك بالتساوق مع تصريحات وزيرة الخارجية السابق هيلاري كلينتون التي تصر في تصريحاتها الاخيرة انه كان يتعين على الولايات المتحدة قصف الاراضي السورية قبل العراق. واضافت الايكونوميست “عاد الاميركيون للقتال البري، وستطول اقامتهم لفترة مقبلة”

النخب الفكرية الاميركية ممثلة بأحد اهم اركنها، مجلس العلاقات الخارجية، حث رئيسه ريتشارد هاس الادارة الاميركية على “القيام بشن غارات متواصلة ضد داعش في كل من العراق وسورية. الحدود القائمة ليست ذات أهمية .. الهدف هو وقف (اندفاع) داعش وايضا انجازه بوسيلة من شأنها تفادي ان تصبح ايران هي المستفيدة.” (مقال نشرته يومية “فاينانشال تايمز” البريطانية في 12 آب)

ما تقدم من عرض كان ضروريا للدلالة على النوايا الحقيقية المبيتة للادارة الاميركية، ليس في العراق فحسب، بل ابقاء سورية في صلب دائرة استهدافها. ضمن هذا السياق ينبغي قراءة تأجيج الخلافات الداخلية لنظام ارست الولايات المتحدة أسس المحاصصة الطائفية، ورمت بعرض الحائط نتائج الانتخابات “الديموقراطية” الاخيرة التي صدعت العالم بها واصرت على الاطاحة برئيس الوزراء نوري المالكي لتصفية حسابات سابقة معه وعلى رأسها: اصراره على رحيل كافة القوات الاميركية من العراق عام 2011، ورفضه عرضا اميركيا لبقاء قوات عسكرية في العراق قوامها 10 آلاف عسكري على الاقل؛ وموقفه المؤيد لسورية وحكومتها في محاربة قوى المعارضة السورية المسلحة المدعومة اميركيا. كما ان البعد الاقتصادي لم يكن غائبا عن اللوحة لا سيما في “العطاءات النفطية” التي اقدم عليها العراق والتي “لم تحفظ لواشنطن حصة الاسد” لشركاتها كما رغبت

هذا الصراع الخفي بين نوري المالكي، بصفته الرسمية وفق صلاحياته كرئيس للوزراء كما صاغها الدستور الذي وضعته اميركا، ينبغي اخذ عناصره بعين الاعتبار للتوقف على حقيقة التوجه الاميركي في تشظي العراق والحيلولة دون تحقيق شبح سقوط الاقليم الكردي، وتسليحه ودعمه برا وجوا

هشاشة الوضع العسكري للاكراد

 اقرت صحيفة “نيويورك تايمز” في تقرير مطول، 14 آب، بحرفية قوات داعش “اذ تتسم الجماعة بالدهاء والتطور ولديها بنية تحتية فاعلة قد تستمر لسنوات قادمة.” واضافت ان الغارات الجوية المكثفة التي تشنها الولايات المتحدة “قد توقف توسع داعش لكنها لن تلحق به الهزيمة”

واكد عقم القصف الجوي مدير العمليات في هيئة الاركان المشتركة، الفريق ويليام مايفيل، بالقول ان “المأزق يشير الى انتفاء الفعالية من الغارات الجوية المحدودة كالتي شنت في الايام القليلة الماضية لوقف اندفاع داعش وتوغله عميقا داخل الاراضي الكردية.” (تصريح لصحيفة “ستارز آند سترايبس” للشؤون العسكرية)

واضاف مايفيل ان بلاده “تنوي توفير اسلحة فعّالة والتي باستطاعتها تدمير العربات العسكرية الاميركية ومعدات ثقيلة اخرى” استولى عليها داعش، اذ ان “قادة القوات الكردية اشتكوا ان الاسلحة الخفيفة لدى قواتهم عاجزة عن اختراق المدرعات الاميركية.” ومضى بالقول ان المعدات الاميركية وحدها لن تفي بالغرض سيما وان قوات البيشمرغة الكردية تستخدم صواريخ مضادة للدروع روسية الصنع، من طراز 14.5 و 12.5 ملم، مما “يتعين على الولايات المتحدة الاستعانة بحلفاء اقليميين مثل مصر لتوفير ذخائر اضافية روسية الصنع”

لا يساور القادة العسكريون الاميركيون الشك في تواضع فعالية الدعم الاميركي للاكراد بالاسلحة والذخيرة، بل يدركون انه يتعين عليهم نشر مزيد من القوات الخاصة في المناطق الكردية في تباين فاصل مع وعد الرئيس اوباما بأنه “لن يرسل قوات تنخرط في القتال البري” هناك؛ ومقاربة مديات الدعم المطلوب دون المجازفة بدخول قوات عسكرية غربية لانجاز المهمة، سيما وان تجربة التدخل في العراق عام 2003 لا تزال ماثلة حية التي استوجبت تدخل قوات اميركية خاصة كثيفة في الجانب الكردي آنذاك، عقب تراجع تركيا توفير اراضيها كقاعدة انطلاق للغزو الاميركي. الجهد القتالي الاكبر كان من نصيب القوات الاميركية والغربية، لا سيما الكتيبة الثالثة للقوات الاميركية الخاصة، وسخرت قوات البيشميرغة الكردية لمهام تطهير حقول الالغام ودعم القوات

في اثناء المواجهات مع الجيش العراقي آنذاك، اشتبكت القوات الخاصة الاميركية مع القوات المدرعة العراقية، لا سيما وحدات “القبعات الخضر” التي استخدت قذائف مضادة للدروع من طراز “جافلين” بدعم من سلاح الجو؛ بينما بقيت قوات البيشميرغة في الخلف تنتظر انتهاء الاشتباك. واصدر القادة العسكريون اوامرهم لبعض عناصر القوات الخاصة التراجع خلف الخطوط لاعانة القوات الكردية والتي استهدفت بغارة جوية اميركية عن طريق الخطأ

الاداء العسكري المتواضع للاكراد امام داعش، حفز الولايات المتحدة لتبؤ مركز صدارة التصدي المباشر. تجد القوات الاميركية نفسها تكرر تجربة الماضي القريب بالاعتماد المتزايد على تشكيلات قواتها الخاصة في هذا الشأن، عوضا عن القوات التقليدية المجهزة لتلك المهام. تلك هي المعضلة التي تواجه الرئيس اوباما وصناع القرار: الالتزام العلني بعدم انخراط القوات البرية في القتال، ومأزق التصدي الفعال لداعش والاحتفاظ بالسيطرة على الارض وهي من مهام القوات التقليدية. بل ان افضل ما تسطيع الولايات المتحدة تحقيقه في المواجهة ضد داعش هو التوصل لحالة تجميد الاوضاع كما هي عليه، بيد ان تلك المغامرة ليست مضمونة النتائج

اللوبي الكردي في واشنطن

منذ زمن بعيد وظف اقليم كردستان موارد كبيرة لانشاء ما يسمى “باللوبي الكردستاني” في واشنطن، لاستدرار عطف صناع القرار ودعم مآربه في تحقيق استقلال الاقليم والتحكم بموارده النفطية. في هذا السياق برز اسم السفير الاميركي الاسبق في بغداد بعد الاحتلال، زالماي خليل زاد، برفقة المستشار الاسبق لمجلس الأمن القومي الجنرال جيمس جونز، كثنائي معتبر للترويج لمصالح اقليم كردستان لدى الدوائر الاميركية. بالاضافة للثنائي المذكور، دأبت قيادة اقليم كردستان على الاستثمار في عدد من الشركات والمؤسسات الاميركية المختصة بالعلاقات العامة وذات النفوذ في اروقة الكونغرس، من أهمها مكاتب محاماة ضخمة، “باتون بوغز،” تنفق عليها بضع ملايين من الدولارات سنويا (راجع تقرير يومية “فورين بوليسي” عدد 13 آب الجاري)

واوضح التقرير المذكور ان جهود اللوبي “اثمرت في اعلان البيت الابيض بدء حملة قصف جوي في مناطق الاقليم” ضد قوات داعش، “ونتيجة مباشرة للعلاقات الخاصة التي تربط واشنطن بقادة دولة كردستان المستقلة عمليا ..” بل “بدأت الحكومة الاميركية الوفاء بالتزاماتها بتسليح الاكراد .. الذين يتمتعون بدعم عدد من الاصدقاء المؤثرين في واشنطن.” من هؤلاء “الاصدقاء” يبرز عضوي الكونغرس الجمهوري جو ويلسون، ولاية ساوث كارولينا، والممثل السابق عن ولاية تنسي لينكولن دايفيس، اللذين اسسا “التجمع الكردي الاميركي،” عام 2008 كحاضنة لاستقطاب دعم “مسؤولين سابقين في الحكومة الاميركية تشمل وزارتي الخارجية والدفاع ووكالة الاستخبارات المركزية، اضافة لمسؤولين سابقين في الحزبين الجمهوري والديموقراطي”

لم يعد سرا ان خليل زاد يمتلك استثمارات نفطية واقتصادية اخرى في اقليم كردستان، اضافة لرفيقه جونز. بل ان عددا من كبار القادة العسكريين السابقين “يحتفظون بمصالح واستثمارات مباشرة في حقول النفط الكردية .. او تسجيلها عبر زوجاتهم” تفاديا للاحراج والمسائلة القانونية، وفق ما اوضحه المسؤول السابق في البنتاغون مايكل روبين

واضاف تقرير “فورين بوليسي” انه اكتشف لاحقا ضلوع السفير الاميركي السابق لدى بغداد، بيتر غالبريث “في استثمارات ضخمة في احد آبار النفط الكردية عبر شركة نفط نرويجية،” ويشغل حاليا منصب “مستشار رئيسي في شركة استشارات يملكها خليل زاد، اضافة لمنصب المدير التنفيذي “للمجلس الاميركي الكردي التجاري”

اميركا تطيح بالمالكي ليصعد مساعده العبادي

كلف البرلمان العراقي بتوفير المسوغات القانونية للاطاحة بزعيم الكتلة الاكبر فيه، نوري المالكي، برفضه ترشيحه لولاية ثالثة جديدة لمنصب رئاسة الوزارة، وأتى بمساعده حيدر العبادي كحل مفضل روجت له واشنطن. واسفر التجاذب والصراع المتصاعد الى قبول المالكي تنحيه لصالح مساعده كي يجنب حزبه والبلاد ازمة سياسية هي في غنى عنها سيما وان الاولوية الراهنة تنصب على حشد الجهود لمواجهة داعش

وسارع الرئيس اوباما واركان ادارته الى تهنئة العبادي، وتلاه تهاني جاءت من طهران على لسان رئاسة مجلس الأمن القومي. وارفق اوباما وحكومته رسائله بالتشديد على ضرورة توسيع هامش آلية الحكم وافساح المجال امام مشاركة اقوى “للسنة والاكراد،” عملا بنصوص الدستور الطائفي. الثابت ان القوى الكردية فقدت حوافز انخراطها في الحكومة بشكل اوسع على ضوء التطورات الاخيرة واحياء طموحات قادتهم بالاستقلال واعلان الدولة. اما “السنة” ممثلين بالعشائر العراقية التي دعمت داعش في بداية الأمر، نكاية بحكومة المالكي، فمن المرجح تبديلهم لمواقعهم بعد رفضهم لنمط حكم داعش الاستبدادي

نظريا، ستحظى حكومة العبادي بدعم اميركي، ليس لمصلحة العراق بالضرورة، بل لارساء مظاهر الاستقرار في البداية، كما اوضح وزير الخارجية جون كيري بقوله ان بلاده “على اتم الاستعداد للنظر بتوفير دعم سياسي واقتصادي وأمني لمساعدة الحكومة العراقية الجديدة”

في الشأن العسكري استدرك كيري موضحا ان الولايات المتحدة “ستراقب ما سيطلب منها مستقبلا من وسائل الدعم من الحكومة وستنظر فيها تباعا،” مستبعدا انخراط مزيد من القوات العسكرية الاميركية. هذا التوجه يقود الى الاستنتاج ان الولايات المتحدة لن تترك العراق “يعيد ترتيب اوضاعه سلميا” في اطار الدستور “الفيدرالي” الذي صاغته له، بل الثابت ان اميركا ليست معنية بالحفاظ على وحدة العراق وضمان سيادته على اراضيه

خصوم الرئيس اوباما من الحزب الجمهوري، بشكل خاص، وبعض اركان الحزب الديموقراطي يتهمونه بأن سنوات ولايته “شهدت تراجعا جديا للقوة (العسكرية) الاميركية عبر العالم .. وضروة اعادة الاعتبار لقوة وهيبة الولايات المتحدة. اسبوعية “تايم” حرضت قراءها على ان “الرئيس اوباما يميل للتردد بعوضا عن اللجوء لاستخدام القوة العسكرية، والنتيجة ازمات متلاحقة.” وكأن التدخلات العسكرية والاقتصادية والاغتيالات بطائرات الدرونز هي اوجه “التراجع

تلك القوى، وهي مؤثرة ولها اوزان معتبرة، ما برحت تستعيد اخفاق السياسة الاميركية في سورية، وترى ان الغارات الجوية ضد داعش ما هي الا وسيلة الرئيس اوباما لاستعادة هيبة اميركا في العراق، “واضحت بديلا عن فشله في سورية”

التقرير الأسبوعي 08-09-2013

:المقدمة

          شكل انعقاد مؤتمر القمة الافرو-اميركي برعاية الرئيس اوباما فرصة سانحة له للابتعاد عن المعضلات الداخلية والزهو بآيات المديح والثناء المقدمة من الزوار الافارقة؛ مقابل انشغال العالم بأكمله بما يجري من تطورات متسارعة في العدوان “الاسرائيلي” على قطاع غزة، وتفاقم العلاقات الاميركية الروسية على خلفية تأجيج الصراع بينهما في اوكرانيا

          اندلعت المواجهات المسلحة في قطاع غزة مجددا، لحظة اعداد التقرير الذي بين ايديكم، بعد انقضاء مهلة ثلاثة ايام على وقف مؤقت لاطلاق النار، ورفض “اسرائيل” شروط المقاومة الفلسطينية التي يقال ان الجانب المصري تبناها لا سيما فيما يخص انهاء حالة الحصار على الفور وبشكل كامل، وأهمية توفير ممرين آمنين، بحري وجوي، للقطاع لا يخضعان لاشراف “اسرائيل”

          سيستعرض قسم التحليل ما هو متوفر من حيثيات ادارة المعركة المستمرة ضد الغزاة الصهاينة، والتعريج على الاداء المميز لمقاتلي المقاومة الفلسطينية، كما شهد بها العدو الصهيوني

ملخص دراسات ونشاطات مراكزالابحاث

دروس العدوان على قطاع غزة

         استعرض مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بعض العبر والدروس العسكرية التي ينبغي على الولايات المتحدة الأخذ بها بعين الاعتبار على ضوء تجربة المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، ومنها “عدم الارتهان الكلي لمهنية القوات العسكرية والتفوق التقني لخوض حروب تقليدية .. بل يتعين عليها أقلمة قواتها وبرامج تدريباتها للقتال على مستويات غير متماثلة من الحروب السياسية-العسكرية”

          واضاف على الولايات المتحدة “تحسين قدرتها بالتدرج لشن حرب منتقاة ضد عدوها باقل قدر من الخسائر بين المدنيين والاضرار الجانبية. ويتعين عليها تطوير ادائها بدمج النهج المدني والعسكري لشن الحروب، وتركيز اكبر لجهودها حول نتيجة استراتيجية مستدامة عوضا عن تحقيق انتصارات تكتيكية”

          ونبه صناع القرار الى تراجع أهمية التقدم التقني “الذي لم يشكل انتصارا امام ارادة القتال، كما يتعين على الولايات المتحدة اعداد نفسها للانخراط في صراعات ايديولوجية وسياسية معقدة لزمن طويل تجري وفق شروط وظروف محلية في مواجهة خليط من القوى الرسمية وغير الرسمية اشد تعقيدا” مما اعتادت على مواجهته في السابق

سورية

          تناول معهد الدراسات الحربية سيطرة “داعش” على بعض المناطق في سورية ونمط حكمها المتشدد، مؤكدا ان “النموذج الاقصائي للآخرين يشكل احد اهم اركان قوته، وفي نفس الوقت قد يثبت انه مكمن ضعفه الاشد .. سيما عند الاخذ بعين الاعتبار تفكيكه لمؤسسات الدولة دون توفير بدائل مستدامة.” واوضح ان تفاقم أزمة حكم داعش وفشلها الذريع في التخطيط بعيد الأمد “لا يكمن في تفكيك اسس دولة الخلافة التي اقامها فقط، بل في الخراب الذي حل بالمدن والاطر المنظمة القائمة في العراق وسورية بحيث لم تعد لها قائمة”

الاردن

          حذر معهد ابحاث السياسة الخارجية من تنامي تهديد التيارات المتشددة داخل الاردن وتعرضه “لهجمات صغيرة الحجم .. على الرغم من تطمينات العاهل الاردني الملك عبد الله الثاني واركان حكومته بعكس ذلك.”  واوضح ان “عودة المجاهدين (الى الاردن) يشكل خطرا مباشرا فضلا عما يمثلونه من مصدر الهام للتشدد لعدديد السلفيين في البلاد .. والمخاوف الداخلية للنار المتقدة تحت الرماد تغذيها الاضطرابات الداخلية والمظالم المناطقية والنجاحات الميدانية للمسلحين”

العراق

          ناشد معهد واشنطن الولايات المتحدة “توفير مزيد من سبل الدعم لاكراد العراق” في مواجهاتهم ضد تنظيم داعش، لا سيما عقب “تكبد البيشرمرغة ضربات قوية في الاسبوعين الماضيين ..” مؤكدا ان الميليشيات المسلحة الكردية “لا تزال تمثل الحليف المثالي (لاميركا) ضد داعش،” مطالبا القوات العسكرية الاميركية “استئناف شن غاراتها الجوية لدعم البيشرميرغة، وتعزيز اوثق للتعاون الأمني الشامل .. والذي يتعين عليه الصمود لفترة طويلة تتجاوز مرحلة نتهاء القتال الجاري ضد داعش ويمتد لمديات ابعد من مجرد توفير الاسلحة الاميركية”

الصراع الطائفي في الاقليم

          حمل مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية قادة الدول الاقليمية “مسؤولية اندلاع الصراعات الطائفية ورعايتهم للجزء الاكبر منها .. والذين يستغلونها كعنصر انطلاق لبسط السيطرة السياسية” على كافة فئات المجتمع الاخرى. واوضح ان النظم المحلية “تنصب الحواجز والعوائق .. واختلاق التهديدات .. ورهن مستقبلها على استمرار وديمومة الصراع والظهور بمظهر الحامي لمواطنيها.” واستدرك بالقول ان “الخلافات الطائفية ليست امرا جديدا او طارئا في النسيج الاجتماعي، لكن ايلاءها اهمية قصوى على ما عداها هو الجديد بحد ذاته .. ويؤشر على العودة لنمط جديد واشد عنفا لرسم ملامح المستقبل”

تركيا

          سلط معهد كارنيغي الضوء على مستقبل العلاقات التركية مع الاتحاد الاوروبي، اذ فضل الاخير “التعامل مع تركيا بطريقة مجزأة بدلا من سياسة متكاملة .. قابلته تركيا المعاملة المجزأة بالمثل لقناعتها انها تحقق فوائد اعلى مما لو انتهجت نمطاً مباشراّ”

          واوضح المعهد ان الطرفين “يواجهان بيئة جيوسياسية متدهورة، اذ ان (احداث) الشرق الاوسط والبحر الاسود تحمل في طياتها العديد من اوجه عدم اليقين والمخاطر لكليهما معا.” وحث الاتحاد الاوروبي والحكومة التركية على تكثيف الجهود لعقد حوارات شاملة تسودها الشفافية

          علاقات تركيا مع الاكراد والولايات المتحدة ايضا كانت محطة اهتمام مركز التقدم الاميركي، مطالبا بمنح الاكراد دوراً اكبر في تقرير شؤون المنطقة، سيما وان “التحولات السياسية المتسارعة في سورية والعراق تعزز الحاجة للعمل مع شركاء جدد بغية تحقيق الاستقرار في الاقليم،” وتصميم اعلى “لمحافحة ظاهرة التشدد وحرمان المنظمات الارهابية الفضاء المطلوب لعملياتها”

:التحليل

قراءة اولية في الجوانب العسكرية للعدوان على غزة

          هل انتصرت المقاومة الفلسطينية؟ الاجابة مدوية برسم اميركا وبريطانيا، كما سيتضح لاحقا، وعودة نتنياهو منكسرا يجر ذيول الخيبة وانحسار الغطرسة وحالة من الارتباك والتخبط

قبل الاعلان عن هدنة وقف اطلاق النار لمدة 72 ساعة، ساد قلق معلن بين الاوساط الاميركية، في المؤسسة الحاكمة والنخب الثقافية والسياسية والاعلامية على السواء، لحجم الخسائر العسكرية “الاسرائيلية” وتواضع اداء القبة الحديدية وعدم قدرة الكيان الصهيوني على حسم نتيجة عدوانه على قطاع غزة ضمن المهلة الزمنية القصيرة الممنوحة، حتى بعد تمديدها، ودخول قوات “النخبة” من قواته الخاصة والمفاجآت الميدانية التي تكبدتها على ايدي المقاومة الفلسطينية

          جريدة “نيويورك تايمز” قالت بصريح العبارة ان المقاومة “حققت نصرا كبيرا،” عدد 6 آب الجاري. واوضحت ان صواريخ المقاومة اغلقت مطار اللد “شريان الحياة للعالم الخارجي،” لأول مرة دون ان تستطيع “اسرائيل” الرد ميدانيا سوى تدمير منازل المدنيين والحاق مزيد من الخسائر البشرية بينهم، مما “يؤكد على قدرة المقاومة الحاق اضرارا اقتصادية باسرائيل”

         النشرة العسكرية الاسبوعية المتخصصة، جينز، اشارت في عنوان مقالها الى “المقاومة الفلسطينية تكبد القوات الاسرائيلية خسائر بالغة في غزة،” عدد 1 آب الجاري، وان نحو 40% من جنودها القتلى لقوا حتفهم نتيجة اصابتهم بالقذائف الصاروخية المضادة للدروع “بالرغم من تكتم الناطق العسكري على كيفية مقتل الجنود” (عدد 30 تموز). واوضحت ان العامل الحاسم في الاداء المقاوم “يعود الى تطبيق تكتيكات حزب الله اللبناني .. واستخدام اساليب واسلحة متطورة نسبيا لتوريط القوات الاسرائيلية في قتال يجري على مسافات قريبة واستطاعت تكبيد (الغازي) خسائر كبيرة”

وكشفت ايضا ان المقاومة الفلسطينية اطلقت 3،712 قذيفة صاروخية، بمعدل 128 صاروخا يوميا على امتداد 29 يوما قبل استئناف المعركة، منها نحو 356 صاروخ اطلقت على القوات البرية المتوغلة في قطاع غزة؛ وان القبة الحديدية  “اعترضت نسبة صواريخ اقل من جولة عامود السحاب،” عام 2012.  واضافت ان زخم اطلاق الصواريخ في المواجهة السابقة آنذاك سجل معدلات اعلى اذ بلغت اطلاق 188 صاروخا في اليوم

         وفندت الاسبوعية المختصة، جاينز، اداعاءات “اسرائيل” بان خططها الحربية حققت اهدافها مشيرة الى اضطرارها تعديل تعريفها للاهداف المقصودة: القضاء على حركة المقاومة المسلحة، ثم تدمير الانفاق التي لم ترد في الخطاب السياسي كهدف للعدوان. بل إن صمود المقاومة في غزة لفترة طويلة لم يكن متوقعاً لدى أوساط صناع القرار.ونُقل عن احد القادة العسكريين “الاسرائيليين” قوله ان هدف القضاء على المقاومة المسلحة “سيتطلب بقاء (اسرائيل) في القطاع نحو سنتين،” مع ما يرافقه من تراكم سيل الخسائر بين صفوف الجنود الذين سيصبحون هدفا سهلاً لحرب العصابات، فضلا عن الخسائر المادية في جانب العربات المدرعة وناقلات الجند، مما اضطر الكيان الصهيوني الى سحب ناقلة الجند المدرعة اميركية الصنع من طراز M-113 من ارض المعركة في وقت مبكر من “حربه البرية” عقب الفتك باحداها ومصرع جنديين احدهما يحمل الجنسية الاميركية. (راجع تقرير المركز بتاريخ 25 حزيران 2014)

         الآلة الاعلامية “الاسرائيلية” وامتداداتها الغربية كرست صورة “الجيش الذي لا يقهر” في الزمن الغابر، منذ بداية الاعتداءات على قطاع غزة في خمسينيات القرن المنصرم، واعتماده استراتيجية القوات المدرعة القادرة على تدمير كل شي في طريقها، مرورا بعدوان عام 1967 والاجتياحات المتتالية للجنوب اللبناني، وانتهاء بانكفائه عن ارض الجنوب وانتصار المقاومة في 25 أيار 2000؛ وبدء عصر الانكسارات والهزائم “الاسرائيلية” في كافة المواجهات التي تلتها: 2006، 2008/2009، 2012 و2014

         جهد الخبراء العسكريون، خاصة في الدول الغربية، الى تبرير تعثر القوات البرية “الاسرائيلية” المدرعة في رمال قطاع غزة بأنه يعود الى استراتيجيتها المستندة الى القتال بالمدرعات في بيئة رملية مفتوحة بدلا من حرب المدن

         يشير اولئك القادة العسكريون الى “عدم استيعاب القوات الاسرائيلية لدروس الحروب السابقة، بينما اثبت المقاتل الفلسطيني تكيفه مع الظروف المستجدة واتقان الدروس المستفادة من تاريخ المواجهات .. لا سيما في مجالات التدريب واستخدام الاسلحة الخفيفة التقليدية.” كما اقر هؤلاء باتخاذ المقاومة الفلسطينية زمام المبادرة في الميدان وعدم انتظار العدو ليأتي اليها، بخلاف ما كان عليه الأمر في عدواني الرصاص المصبوب (2008/2009) وعامود السحاب (تشرين الثاني 2012). في الاخير، نالت الغارات الجوية الصهيونية من نائب قائد كتائب القسام، احمد الجعبري، واغتالته مبكرا. اما في العدوان الراهن فقد تحصن القادة العسكريون بالانفاق عميقا تحت الارض وحافظوا على السيطرة والتحكم في سير العمليات والتوجيهات العسكرية، عززها سبل الحماية التي وفرتها الوحدات اللوجستية استعدادا لخوض معركة طويلة الأمد

         من الثابت ايضا ان المقاتلين الفلسطينيين طبقوا الخبرة المستفادة لأهمية سلامة نظم القيادة والتحكم اثناء المعركة، وبقيت على ما هي عليه لا يمسها سوء بالرغم من اشتداد القصف “الاسرائيلي” برا وجوا وبحرا، بل حافظت المنظومة على تماسكها وابقاء شبكة الاتصالات فيما بينها صالحة للعمل وادامة الاتصال مع الوحدات الصاروخية والقوات الخاصة؛ واستطاعت شن هجمات ناجحة خلف خطوط القوات المعتدية في ظل القصف المكثف، وكبدتها خسائر عالية لم تعهدها من قبل

         في هذا الصدد، نقلت نشرة “جاينز” المذكورة على لسان احد القادة العسكريين السابقين من الفلسطينيين، برتبة لواء شارك في معارك عام 1982، قوله ان ما حققته المقاومة في قطاع غزة من اصابات في صفوف العدو فاق ما تكبدته “القوات الاسرائيلية” في كافة المواجهات التي دارت في الجنوب اللبناني مع الفلسطينيين وحلفائهم مجتمعة

         ابداع المقاتل الفلسطيني تجسد في الاستفادة القصوى من انشاء الانفاق التي سبقه اليها المقاتل الفيتنامي واللبناني، واضحت جزءاً لا يتجزء من منظومة الدفاع عن ارض وشعب وكرامة القطاع. وشاع بين الاوساط الاعلامية والاستخبارية نبأ “اعتراض القوات الاسرائيلية” لمجموعة من المقاتلين في منتصف شهر تموز الماضي بعد خروجهم من احد الانفاق مما ادى الى استعجال القيادة العسكرية للدخول في حرب برية

         قيل حديثا عقب تطور حرب المدرعات في الحرب العالمية الثانية ان افضل وسيلة لالحاق الهزيمة بهجوم مدرع هو في انجاز دفاع في العمق باستطاعته استدراج العربات المدرعة الى مناطق الفناء المحقق. الأمر الذي طبق نبوءته بامتياز المقاتل الفلسطيني في العدوان الجاري. في المقابل لم يستوعب القادة “الاسرائيليون” الأهمية التكتيكية التي توفرها شبكة الانفاق للمقاتل، اسوة باستخفاف القيادة الاميركية من عبقرية وابداعات المقاتل الفيتنامي، ووجدت عرباته المدرعة نفسها مطوقة بوابل من النيران المباشرة في مساحة جغرافية ضيقة تعسر عليها المناورة والالتفاف. ووجد قادة العدوان انفسهم امام معادلة تراكم الخسائر البشرية وتحول مدرعاته الى توابيت حديدية مما دعاهم الى اتخاذ قرار بالانسحاب من جانب واحد

         برع الفلسطينيون في التكيف مع ظروف حرب العصابات، وشكلت الصليات الصاروخية المتتالية للمستعمرات والمنشآت “الاسرائيلية” نصرا معنويا ونفسيا هائلا، بيد ان فعالية السلاح في الشق العسكري كانت متواضعة، اذ الحق خسائر بشرية طفيفة قياسا بحجم ووتيرة القصف التي لم تتوقف. بل سجلت قذائف الهاون قصيرة المدى نجاحا في الاراضي المغتصبة المحيطة بالقطاع افضل مما سجلته الصواريخ متوسطة المدى. وفاجأت المقاومة باستراتيجيتها الصاروخية عدوها، لا سيما عند اطلاقها لصواريخ آر-160 التي هرع على اثرها المستعمرون الصهاينة في وسط وشمال فلسطين المحتلة الى الملاجيء. يتميز ذلك الجيل من الصواريخ “غير الموجهة” بعدم الدقة في اصابة الهدف، بيد ان تلك الخاصية المتواضعة كان لها اثرا نفسيا معنويا هائلا في صفوف “الاسرائيليين” واربك نمط حياتهم المعتادة. ولعل اهم النتائج برهنه المقاتل الفلسطيني واستراتيجيته القتالية في التصدي الفعال “لاسرائيل” في حرب غير متكافئة، وصمود غير متوقع اربك القيادات السياسية والعسكرية وخلط الاوراق

         كما سجلت استراتيجية المقاومة نصرا مؤزراً في مواجهة “القبة الحديدية،” التي استطاعت التغلب عليها باطلاق صليات كثيفة دفعة واحدة من الصواريخ اربكت نظم التحكم والاطلاق المرافقة لها. وذهبت الى اقصى مدى في التحدي باعلانها ان صواريخها ستنطلق باتجاه المدن والتجمعات الصهيونية في ساعة معينة، 9:00 مساء، غير آبهة بالقبة الحديدية، ووصلت اهدافها دون اي معوقات تذكر – كما شهد بذلك معظم المراقبين والمراسلين الصحفيين

         اطاح الخبراء في الاستراتيجية والاسلحة العسكرية بمزاعم “اسرائيل” حول فعالية القبة الحديدية، كما سبق وتناولها تقرير المركز بتاريخ 18 تموز. وجاء على لسان استاذ العلوم والتقنية في معهد ماساتشوستس التقني – إم آي تي – المرموق، تيد بوستول، قوله ان “معدل اعتراض صواريخ القبة الحديدة كان متدنيا جدا – وربما بحدود 5% او أقل.” ومضى موضحا ان المهمة المنوطة بأي منظومة صاروخية تكمن في “تصدي الصاروخ المعترض للرأس الامامي المتفجر للصاروخ القادم وتدميره. اما وان اصطدم رأس الصاروخ المعترض بالجزء السفلي من الصاروخ القادم، فكل ما يستطيع انجازه هو الحاق الضرر بانبوب المحرك الصاروخي، الذي هو عبارة عن انبوب فارغ .. وعمليا ليس له اي تأثير على حصيلة المواجهة” بين الجسم المتفجر والجسم المعترض

         تشير تقديرات الجانب “الاسرائيلي” للترسانة الصاروخية للمقاومة، بكل انواعها، الى امتلاكها نحو 10 آلاف صاروخ، حسبما جاء في تقرير عسكري بتاريخ 5 آب الجاري؛ اطلق “او تم تدمير” نحو الثلث منها – 3,356 مقذوف. واضاف ان شبكة الانفاق استهلكت نحو 1,800 طن من الاسمنت المسلح غطت مساحة بطول 3 كلم؛ وزعم تدمير 32 نفقا امتد 14 منها الى داخل اراضي فلسطين المحتلة، ونفقين يقعان على بعد 500م من الشريط الحدودي

مؤشرات على الجولة المقبلة من الحرب

         يجمع الخبراء العسكريون على ان استراتيجية الانفاق ادخلت عنصرا اضافيا في المعركة وضاعفت من صراع الارادات: الطرف المعتدي سيمضي في جهوده للتحقق منها وتدميرها؛ والطرف المقاوم سيزيد من مرونة حركته وتكتيكاته كي يبقي تهديده قائما ضد القوات البرية الغازية والنيل من معنوياتها، على اقل تعديل، واستدراجه باستمرار لخوض معارك يحسن اختيار مكانها وزمنها والسيطرة على نتائجها لا سيما فيما يتعلق بأسر مزيد من الجند والاحتفاظ بجثث قتلاه

         في الحرب ضد الانفاق، التي جربها الاميركيون في فيتنام وفشلوا في القضاء عليها رغم عدم التكافؤ في القوات والمعدات والتقنيات، ستخصص “اسرائيل” امكانيات تقنية اضافية للقضاء عليها، بدءا باستخدام الانسان الآلي، الروبوت كما يروج له اعلاميا،  وتطوير سلاح “قنبلة الباريوم الحرارية،” التي تعمل على تكثيف عنصر الاوكسجين المتوفر في المحيط لاحداث موجة متواصلة من الانفجارات الضخمة شديدة الحرارة، من شأنها الفتك بكل ما يتواجد في دائرة الانفجار من بشر ومعدات، وتفريغ المحيط من الاوكسجين بالكامل

         استمرار المواجهة المباشرة في قطاع غزة لن ينحصر على نطاق القطاع فحسب، بل بدأت شراراته تمتد الى الضفة الغربية والتي وضعتها فصائل المقاومة ضمن سلم اولوياتها لاشعال مواجهات اخرى بشّر البعض بها بانها ستكون الانتفاضة الشعبية الثالثة تستنزف قوات الاحتلال، النظامية والاحتياط، وتضطره للانتشار والاشتباك على جبهتين مفتوحتين في آن واحد. بصرف النظر عن الوجهة التي ستتخذها المواجهات المرتقبة في الضفة الغربية، محدودة ام شاملة، فانها ستضاعف من مأزق الكيان الصيهوني المسكون بهاجس الأمن الوجودي، وعدم غض الطرف عن انتقال المواجهات الى المحتل من فلسطين عام 1948

         في المدى الاقليمي الابعد، تدرك “اسرائيل” ان عليها الاخذ بعين الاعتبار الترسانة الصاروخية الاكبر لدى المقاومة في لبنان وتحت تصرف حزب الله، والتي تقدرها الاستخبارات الغربية بان تعدادها يبلغ نحو 100،000 صاروخ – اي عشرة اضعاف ما يتوفر في قطاع غزة، فضلا عن نوعية ودقة اصابة افضل

         حقائق المواجهة مع حزب الله في تموز 2006 لا تزال ماثلة في اذهان القادة والمؤسسات العسكرية الغربية و”الاسرائيلية.” اطلق الحزب آنذاك نحو 4,200 صاروخ بمعدل 100 صاروخ يوميا معظمها من طراز كاتيوشا الذي يحمل رأسا متفجرا زنته 30 كلغم، ويبلغ مداه نحو 40 كلم. اصاب ما نسبته 22% منها المدن والتجمعات السكانية في شمال فلسطين المحتلة، والباقي انفجر في مناطق خالية. واستخدم الحزب اضافة لتلك الترسانة صواريخ متوسطة المدى من طراز فجر-3 ورعدد-1، اللذين يعملان بالوقود السائل من صنع ايران

         تقديرات الاستخبارات “الاسرائيلية” المستحدثة تشير الى ان حزب الله يمتلك نماذجا اكثر تطورا من هذين الصاروخين، فجر-3 وفجر-5، تصل مدياتها الى 60 كلم و 100 كلم، على التوالي؛ اضافة لعدد كبير من الصواريخ وقاذفات الهاون عيار 107 ملم و 122 ملم التي يصل مداها الى 25 كلم على الاقل، باستطاعتها الوصول الى عدد من المدن والتجمعات السكنية في شمالي فلسطين المحتلة. اما اعتماد “اسرائيل” على القبة الحديدية لمواجهة ذلك فيتطلب منها اعادة انتشار بطارياتها بالقرب من الحدود الشمالية والمجازفة بتخفيف عدد البطاريات المنشورة بالقرب من قطاع غزة