2023-15-02-التقرير الأسبوعي

ينشر بالتعاون مع “الميادين”

تفجير واشنطن لخط السيل الشمالي
يعزّز خيارات الرد الروسي بالمثل

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

لم تنعم المؤسسة الأميركية الحاكمة، بدوائرها المتعددة، السياسية والأمنية والاستخبارية والعسكرية، بهدوء من الانتقادات الشعبية، بعد سلسة تساؤلات حول أهليتها في اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب، بشأن تداعيات المنطاد الهوائي الصيني، حتى حاصرتها اتهامات “شبه موثّقة” بارتكابها “جريمة” تفجير خطي السيل الشمالي ناقلي الغاز الروسي إلى موانيء ألمانيا، العام الماضي، والتي عالجتها بأسلوبها الروتيني المعهود: النفي ثم النفي حتى يقدّم الطرف الآخر دلائل دامغة، تصدر عقبها “بعض” الاعتراف مغلّفاً بادعاء البراءة.

في سياق التفاصيل، نشر الصحافي الاستقصائي الشهير، سيمور هيرش، بتاريخ 8 شباط/فبراير الجاري، تقريراً مفصلاً أرفقه بوقائع وحيثيات وتفاصيل وأسماء صنّاع القرار في غرف مغلقة، ويحدّد مسؤولية اتخاذ قرار التفجير بالرئيس جو بايدن، وتأييد فريقه الأمني المصغّر برئاسة مستشار الأمن القومي، جيك سوليفان؛ ومسؤولين في قيادة الأركان المشتركة؛ ومندوبين عن وكالة الاستخبارات المركزية ووزارتي الخارجية والخزانة.

قوبل التقرير بعنوان “كيف أخرجت أميركا أنبوب السيل الشمالي من الخدمة” بتجاهل منسّق من قبل وسائل الإعلام الرسمية، المقروءة والمرئية. وانفرد عدد ضئيل من بين إعلامييها في سرد الخبر والتركيز على “الطرف الآخر” الرسمي ونفيه بشدة تلك الاتهامات، على الرغم من ذكر التقرير بدقة عالية “التسلسل التاريخي والزمني وآليات التنفيذ والوحدات العسكرية” التي نفذت الهجوم.

بينما تناولت هيئة تحرير صحيفة “واشنطن تايمز”، اليمينية، النبأ باقتطاف وبالتعليق على بعض ما جاء في التقرير، وكذلك نفي البيت الأبيض بأنه “كذبة مفبركة وخرافة كاملة”، قائلة: “في ظل هذا الزمن الذي يتميّز بعدم الثقة في الحكومة، فإن تفاصيل تقرير السيد هيرش تبدو أكثر صدقاً من النفي” الرسمي (صحيفة “واشنطن تايمز”، 13 شباط/فبراير 2023).

من بين المسائل الأساسية التي أبرزها تقرير هيرش تورط القوات العسكرية النرويجية مع القوات الأميركية في “زرع وتفجير العبوات الناسفة”، بالقرب من شواطئ جزيرة برونهولم الدانماركية، واسفر عن تدمير الأنبوبين في عرض البحر، وجاء متّسقاً مع الأهداف الأميركية المعلنة متمثلة بـ “قطع علاقة ألمانيا مع روسيا وإنهاء اعتمادها اقتصادياً على توريد الغاز الروسي الرخيص”.

هذه الجزئية “البسيطة” تؤدي بالجهود الساعية لتحديد هوية الجهات الفاعلة إلى التقرّب من السؤال الكلاسيكي: من المستفيد أو المستفيدين من تلك الفعلة، برد الاعتبار لعامل الربح المادي.

وعليه، تشير البيانات الاقتصادية للفترة الزمنية المباشرة بعد التفجير إلى ارتفاع معدلات المداخيل والأرباح لصادرات الطاقة لكل من النرويج والولايات المتحدة. واستطاعت النرويج الحلول محل المورد الروسي في تصدير الغاز بنحو 40 مليار دولار سنوياً. أما الولايات المتحدة فقد ضاعفت صادراتها من الغاز الطبيعي إلى الدول الأوروبية، خصوصاً بعد افتتاح ألمانيا محطتي استقبال الغاز المسال، قبل نحو شهرين، وتصريحات الرئيس الفرنسي ماكرون بأن واشنطن تبيع غازها لأوروبا بنحو 5 أضعاف السعر العالمي السابق.

تصنيف عملية التفجير، قانونياً وقضائياً، وبحسب المصادر الأمريكية، دفعت بعض النخب الأميركية إلى القول إنه “ينبغي على الشعب الأميركي مطالبة (الحكومة) تقديم أدلة بشأن ارتكاب الرئيس بايدن مغامرة في أعماق البحار ما يستدعي تفسير دولة نووية (روسيا) أن الفعل بمثابة إعلان حرب” (“واشنطن تايمز”، 13 شباط/فبراير 2023).

في الجانب الرسمي من المسؤولين الأميركيين انفرد عضو مجلس الشيوخ عن الحزب الجمهوري، مايك لي، بانتقاد عملية التفجير، نافياً علمه وبعض زملائه بتلك الخطة. وأوضح بأنه “قلق لأنني لا أستطيع اسثناء فورياً لاحتمال قيام الولايات المتحدة بتفجير أنبوب السيل الشمالي”. وأردف قائلاً: “إن ثبت صحة (تقرير هيرش)، فنحن على أبواب معضلة كبيرة” (تعليق السيناتور على “تويتر”، 8 شباط/فبراير 2023).

ما قصده السيناتور مايك لي أن الإدارة الأميركية أخلّت بعرف التعامل السائد بين السلطتين، التنفيذية والتشريعية، في مسائل بالغة الحساسية، والذي يقضي بإبلاغ “مجموعة الثمانية” في الكونغرس بالخطط السرّية، والمكوّنة من: زعيمي الحزبين في كلا مجلسي الكونغرس، ورؤساء لجان الاستخبارات في المجلسين ونوابهم.

في هذا الصدد، تنبغي الإشارة إلى دراسة أعدتها “مؤسسة راند” لصالح البنتاغون ركزت فيها على استهداف روسيا عبر اتباع أفضل السبل لاستغلال مواطن ضعف “اقتصادها، وكذلك الثغرات السياسية والعسكرية”، في سياق المواجهة مع موسكو، وناشدت الإدارة الأميركية اتخاذ تدابير عاجلة من أجل “تقليص حجم صادرات (روسيا) من الغاز وإعاقة جهود توسيع طاقة الأنابيب” الناقلة له (دراسة بعنوان “توسّع روسيا: التنافس على أرضية مواتية”، أيلول/سبتمبر 2022).

أيضاً، نلفت النظر إلى “معرفة” مسبّقة للحكومة الألمانية بموعد التفجير وهوية الفاعل. إذ نشرت كبرى الصحف الألمانية “دير شبيغل” تقريراً في اليوم التالي للتفجير، 22 أيلول/سبتمبر 2022، يشير إلى تلقي الحكومة الألمانية “تحذيراً (خطياً) من وكالة الاستخبارات المركزية (الأميركية) من وقوع هجوم محتمل يستهدف أنبوب الغاز”، ونقلت الصحيفة كذلك على لسان “مسؤول رفيع” في الحكومة الألمانية يعرب فيه عن “الحنق الشديد” الذي تملّك مسؤوليها “لاستثناء مشاركتهم في تلك المعلومات”.

تفجير انبوبي الغاز يعد بمثابة “جريمة حرب” في العلاقات الدولية ونصوص القانون الدولي. القاضي اليميني الشهير والمعلق السابق في شبكة “فوكس نيوز”، أندرو بوليتانو، كان شديد الوضوح في توصيف العملية، بالقول: “من المنظار القانوني الصرف (فالعملية) تندرج تحت بند إعلان حرب ضد روسيا وضد ألمانيا. مهما تكن هوية الفاعل، وربما الاحتمال الأوحد هو الرئيس الأميركي نفسه، فقد تسبب في إلحاق الضرر بعشرات ملايين المواطنين الألمان والتسبب في ستمرار معاناتهم خلال فصل الشتاء”.

وأردف “إنه إعلان حرب لم يصادق عليه الكونغرس، وهي عملية عديمة الأخلاق بالكامل، وغير دستورية بكل ما للكلمة من معنى. وربما عملية إجرامية” (مقابلة أجراها بوليتانو مع شبكة “ذي بوست ميلينيا – The Post Millenia” الكندية، 13 شباط/فبراير 2023).

نسوق ذلك للتمهيد إلى استنتاجات توصلت إليها هيئة تحرير صحيفة “واشنطن تايمز”، في مقالها المنشور، تسلط فيه الضوء على قرار البيت الأبيض بالتخطيط لعملية التفجير وتنفيذها بسريّة عالية، من بينها: “ازدياد مداخيل الطاقة لروسيا بنسبة 28% في عام 2022، بالرغم من خسارتها لصادراتها الأوروبية”. ودقت هيئة التحرير ناقوس الخطر لدى صنّاع القرار في واشنطن بأن استهدافهم لروسيا دفعها إلى التوجّه شرقاً وتشكيلها حلف أوراسي، ما “ينذر  بتهديد هيمنة الغرب على الوضع الجيوسياسي العالمي”. واردفت “كيف يمكن اعتبار ذلك في مصلحة الولايات المتحدة؟”

وأضافت الصحيفة اليمينية أن “تحقيقاً أجرته ألمانيا لم يتوصل إلى أي دليل يثبت تورط روسيا في الكارثة”، تواكبه تصريحات الرئيس جو بايدن العلنية بأنه “إن أقدمت روسيا على تنفيذ الغزو (لأوكرانيا) لن يكون هناك خط سيل -2 الشمالي بعد الآن. وسنقوم نحن بالقضاء عليه” (صحيفة “واشنطن تايمز”، 13 شباط/فبراير 2023).

إذن، ما هي طبيعة الرد الروسي وفق الحسابات الأميركية على عملية تفجير سرّية، استمرت من 26 إلى 29 أيلول/سبتمبر 2022، من دون ترك إي دليل يحدد هوية الفاعل: معادلة عمل تخريبي تقابله أعمال تخريبية ضد أهداف أميركية منها بناها التحتية، أيضاً من دون ترك أدّلة ميدانية. ولن تسلم منشآت مصافي النفط والغاز الأميركية من رد الفعل المنظور.

كما باستطاعة روسيا إعاقة سيل الأسلحة المرسلة إلى أوكرانيا وتدميرها لمنع وصولها إلى الميدان. وربما، بحسب البعض، تقدم موسكو على اختراق إلكتروني لشبكات النقل الأوروبية للتأثير على جهود إيصال معدات حلف الناتو العسكرية براً إلى كييف.

أشدّ ما تخشاه واشنطن، وامتداداً حلف الناتو، تراجع صدقية سرديتها بأنها تخوض “حرباً عادلة ضد خصم أو خصوم يريدون بها السوء”، وتزعزع قناعة جمهورها بأن عليه “التمسك” بالسردية الرسمية ورفض كل ما يصدر عن الطرف الآخر.

لعل تقرير سيمور هيرش يضع لبنة سنمّار الأولى في جدار الهيمنة الغربية، والأميركية تحديداً، على وسائل الإعلام والتوعية الجماهيرية، خصوصاً في ظل توفرّ بدائل أخرى متواضعة بالمقارنة.

2023-12-02-التقرير الأسبوعي

ينشر بالتعاون مع “الميادين”

منطاد صيني تقليدي “متجوّل”
يكشف ثغرات التقنية الأميركية

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

            أزمة صامتة تشكّلت بين أقطاب المؤسسة الحاكمة الأميركية، ببُعديها التقني/الاستخباري والسياسي، على خلفية تحليق منطاد هوائي للصين في عمق الأجواء الأميركية وبعض المواقع في كندا، أتاحت الفرصة لتجدد توجيه اتهامات إلى الرئيس بايدن بـ “التقصير في أداء الواجب”، والمزايدات الحزبية.

قرار الرئيس بايدن بإسقاط المنطاد الهوائي بصاروخ “سايدويندر”، يوم 4 شباط/فبراير الحالي، والذي تبلغ كلفته وحده 380،000 دولار، لم يشفِ غليل النخب السياسية والفكرية أو النبض الشعبي، بشكل عام، للتوقف عند ملابسات المنطاد. بدأت الاتهامات تأخذ منحى أعمق تدريجياً، خصوصاً بعد إقرار “رئيس قيادة القوات الشمالية – نورث كوم”، الجنرال في سلاح الجو، غلين فان هيرك، بأن المؤسسة العسكرية “فشلت في التحرّي والكشف عن منطاد تجسسي من الصين” (يومية “ميليتاري تايمز”، 7 شباط/فبراير 2023).

نظراً إلى الطبيعة السرّية للبيانات التقنية الخاصة بنظم الدفاع الجوّي الأميركي، لكن المتوفّر منها، وهو شذر ضئيل، يتيح للمرء الاطلاع على أفاقه المحدودة، إذ تنشر الولايات المتحدة نظام “الاعتراض من الأرض”، يغطي أراضيها الشاسعة، ويتكوّن من وحدتين قادرتين على تصويب 44 صاروخاً: الأولى منشورة في قاعدة “غريلي” بولاية ألاسكا، والثانية في قاعدة “فاندنبيرغ” الجوية بولاية كاليفورنيا. ويشير بعض الخبراء العسكريين إلى قصور بنيوي في ذاك النظام كونه “لا يعمل على نحو موثوق، وهناك مخططات لترميمه في المستقبل” (تقرير لمعهد الدراسات الدولية والاستراتيجية بعنوان “نظام اعتراض من الأرض”، 26 تموز/يوليو 2021).

يعزز نظام الاعتراض من الأرض سلاح “ثاد – وهي منظومة دفاع جوي صاروخي، أرض – جو”، نطاق فعاليته يبلغ نحو 125 ميلاً، 200 كلم، ينتشر في  3 مواقع: قاعدة فورت بليس بولاية تكساس، هاوايي وجزيرة غوام. كما نشرت واشنطن تلك المنظومة في كل من كوريا الجنوبية والسعودية والإمارات. ويضيف الخبراء بالشؤون العسكرية أن “ثاد غير صالح كمنظومة دفاعية للأراضي الأميركية”، لكن باستطاعته توفير الحماية المطلوبة لمنشآت حيوية استراتيجية مثل “العاصمة الأميركية”.

أما في الأبعاد السياسية، فتزدحم التكهنات بمواكبة دخول أطياف سياسية متعددة للإدلاء بدلوها. ما يهمنا بالدرجة الأولى هو سبر أغوار الاستراتيجية الكونية للولايات المتحدة، والمتضمّنة في ثنايا تقارير وزارة الدفاع الدورية والسنوية، أبرزها “المراجعة الرباعية للدفاع”، التي تنجز كل 4 سنوات، تسلط فيها الجهود على مواجهة “متعددة الأوجه والأبعاد” مع روسيا والصين.

في مراجعة سريعة لأرضية التقارير “الرباعية”، بشّر البنتاغون العالم بنيّة الولايات المتحدة شن “حرب طويلة مع شركائها وحلفائها بالتزامن وفي مناطق متعددة”، ضد ما أسمته “الإرهاب الدولي”، لعام 2006. ثم “تطورت” إلى “تنافس القوى العظمى، وليس الحرب على الإرهاب”، بحسب تقرير مفصّل صدر عن المحاسب العام للبنتاغون، ديفيد نوركويست، بتاريخ 12 شباط/فبراير 2018، ممهّداً الوعي العام لتقبل تخصيص ميزانيات عالية للبنتاغون من شأنها “عكس سنوات من مسار تدهور القوات العسكرية”.

“المنافسة” الأميركية مع الصين تحديداً اتّسمت بخط بياني في اتجاهين: تحقيق الصين اختراقات أمنية متعددة، أبرزها “القبض على طائرة تجسس إلكترونية بكامل معداتها تابعة لسلاح البحرية الأميركية من طراز EP-3، تعمل لمصلحة وكالة الأمن القومي”، 1 نيسان/إبريل 2001؛ وقرصنة قاعدة بيانات “مكتب إدارة الموارد البشرية”، وسيطرتها على نحو 22 مليون سجّل تضمنت “معلومات حديثة لعدد هائل من المسؤولين الحاليين والسابقين في الأجهزة الأميركية المتعددة، وربما بيانات تخص ضباط الاستخبارات” (نشرة “تاسك آند بيربوس” – Task and Purpose المتخصصة في الشؤون العسكرية، 6 شباط/فبراير 2023).

الغموض يكتنف النشاطات التجسّسية الأميركية ضد الصين، خصوصاً في وسائل الإعلام المتعددة، لكن الثابت أنها بمجملها تستند إلى التقنية المتطورة والحرب الإلكترونية. منذ تسلم الرئيس جو بايدن مهام منصبه، مطلع عام 2021، أطلق موجه من التدابير ضد الصين، بعضها لتحييد بعض معارضيه في الحزب الجمهوري، وبعضها الآخر يصب في عمق العلاقات التجارية المعقّدة بين واشنطن وبكين.

وأطلقت الإدارة الأميركية مشروع “مراجعة الأمن”، على خلفية الجدل الواسع بشأن منصة “تيك توك” للتواصل الاجتماعي، والمملوكة للصين، وتراجع سلفه الرئيس ترامب عن اتخاذ إجراءات عقابية ضدها  في أوج حملة الانتخابات الرئاسية خشية خسارة تأييد قطاعات واسعة من الجيل الناشئ دائم الاستخدام للمنصّة. وعلّقت صحيفة  أميركية نافذة على مشروع  المراجعة الأمنية بأن “نتائجه ما زالت غير منشورة” (“واشنطن بوست”، 30 تشرين الثاني/اكتوبر 2022).

وفي هذه الأثناء تتوارد بعض التفاصيل الكاشفة عن قصور الأجهزة والمعدات الأميركية، نورد منها: رئيس “نورث كوم” المشرفة على مراقبة الأجواء الأميركية وحمايتها، غلين فان هيرك “لم نستطع الكشف عن تلك التهديدات، وذلك ثغرة معرفية في المنظومة (الحالية). وأبلغتنا الأجهزة الاستخبارية بالأمر بعد فوات الأوان”. واضاف “حلّق المنطاد على علوّ 60،000 قدم، بلغ طوله 200 قدم، وعلى متنه أجهزة استشعار ومعدات أخرى تقدّر أنها بحجم  طائرة نقل (متوسطة) زنتها تفوق 2000 رطل” (يومية “مليتاري تايمز”، 6 شباط/فبراير 2023).

مؤسسات إعلامية نافذة نقلت عن “مسؤولين أميركيين بأن منطاد الصين التجسّسي كان يحلق بمحركات لمساعدته على تقويم مساره” (“واشنطن بوست”، 4 شباط/فراير 2023).

وفي غياب المعلومات الدقيقة حول مكوّنات المنطاد، باستثناء ما يتلفظ به “مسؤولون” لم تحدد هويتهم، لم يستطع أحد كبار الخبراء، استاذ علوم الهندسة والطيران في جامعة كولورادو، إيان بويد، تأكيد تلك التصريحات، مكتفياً بالقول: “أن تم التأكد من ذلك (التحليق بمحركات)، فمعناه وجود مشغّل بشري لديه قدرة سيطرة كبيرة على مسار التحليق” (نشرة “نيكد كابتاليزم – Naked Capitalism” الإلكترونية، 5 شباط/فبراير 2023).

بعض خبراء الشأن الصيني في مراكز الأبحاث سعى للإضاءة على زاوية مختلفة من “التنافس” الصيني الأميركي، بالقول “لا تعتمد الصين على نموذج معيّن من سبل التجسّس، وهو ما يفسّر لماذا أرسلت منطاداً للتجسّس فوق الأجواء الأميركية، وفي الوقت نفسه تسخّر اساليب تجسّس أخرى ضد الحكومة الأميركية، ضمنها أقمار اصطناعية خاصة بالتجسّس” (نقلاً عن “مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية”، مقابلة مع دين شينغ، مستشار كبير لمشروع الصين في “المعهد الأميركي للسلام”، 3 شباط/فبراير 2023).

التساؤل العام “لماذا لجأت الصين إلى التجسّس عبر منطاد هوائي” يبقى مفتوحاً، بالرغم من تأكيد بكين بأنه منطاد لدراسة الأحوال الجوية خرج عن مساره بفعل الدفع الهوائي القوي في ذلك العلوّ. ويرجّح بقوّة أن بكين رمت “إطلاق رسالة سياسية” معينة من وراء ذلك “لدغدغة” الأوساط الأميركية، وامتداداً الكندية أيضاً، بتأكيدها على قدرتها التقنية على التحكم في مسار تحليق يثبت عند نقطة معينة، ويتيح لها التقاط معلومات مفصّلة لا تستطيع الأقمار الاصطناعية القيام بها من حيث الدقة والشمولية، خصوصاً سيره فوق قاعدة “مالمستروم” الجوية في ولاية مونتانا، والتي تستضيف الفصيل الدفاعي الأميركي، الجناح 341 الصاروخي، المكلّف بتفعيل الصواريخ النووية الباليستية العابرة للقارّات.

وجاء تصريح رئيس “نورث كوم”، غلين فان هيرك، صادماً لعموم المؤسسة العسكرية والسياسية الأميركية بالقول: “تنصبّْ جهود الحكومة (الرسمية) الآن على ما يمكنها تعلّمه من قدرات هذا المنطاد التجسّسي”، بمواكبة تصريحات غاضبة لوزير الدفاع الأميركي، لويد أوستن، بأن الصين أرادت “مراقبة مواقع استراتيجية في عموم الأراضي الأميركية”.

 

هل من رد صيني محتمل؟

نددت الصين بإسقاط المنطاد وطالبت واشنطن بأن تعيد الحطام بوصفه ملكية صينية، ويعتقد بعض المحللين أنه بمقدورها الرد بأشكال مختلفة، إن رغبت بالتصعيد، انتظاراً للحظة المناسبة . ومروحة الردود الصينية متعددة، من امكانية اسقاط قمر تجسّسي أميركي، عنما يحلّق فوق الفضاء الصيني، أو الإستيلاء المسلح على سفينة للبحرية الأميركية، عندما تدخل مياه بحر الصين الجنوبي، أو إرغام أي طائرة أميركية على الهبوط حين تدخل ما تعدّه اجواءها فوق بحر الصين أيضا.

2023-01-02-التقرير الأسبوعي

واشنطن: شكوك بفعالية
إمدادات الناتو بدبابات لأوكرانيا

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

اتقّاد حماسة القادة الأميركيين، من سياسيين وعسكريين، لإعلاء آلة القتل العسكرية في أوكرانيا، وتزويدها بمدرّعات حديثة وأسلحة فتاّكة أخرى، جوبه بتحذير من أبرز أذرع وزارة الدفاع الفكرية، مؤسسة “راند”، ومفاده أنه يتعيّن على صنّاع القرار في واشنطن تفادي الانخراط في حرب طويلة، وكأنها تعيد إلى الأذهان تدرّج واشنطن في حربها على فيتنام.

في أحدث دراسة صدرت عن المؤسّسة جاء بصريح العبارة إن “المصالح الأميركية تتحقّق بفضل الامتناع عن الدخول في صراع طويل الأجل”. وأضافت “راند” أن واشنطن “ليس في وسعها وحدها تقرير طول أمد الحرب، لكنها قادرة على اتخاذ إجراءات من شأنها إنهاء الحرب عبر مسار تفاوضي حتمي” (دراسة بعنوان “تجنّب حرب طويلة:السياسة الأميركية ووجهتها بشأن صراع روسيا وأوكرانيا”، كانون الثاني/يناير 2023).

منذ مطلع العام الماضي، تحشد واشنطن دعم “حلفائها” الغربيين لمواجهة روسيا، اتعاظاً بتأكيد وزير الدفاع الأميركي، لويد أوستن، أن الهدف هو “إضعاف روسيا، وأن يؤدي غزوها (لأوكرانيا) إلى فشل استراتيجي” (لويد أوستن، نيسان/إبريل 2022).

وأتت دراسة “راند”، غلى الرغم من موضوعية استنتاجاتها، لتسليط الضوء على أولويات الاستراتيجية الأميركية في اتجاه مواجهة الصين، بحسب الاستراتيجيين الأميركيين، انطلاقاً من خشيتهم انعكاسات الحرب الأوكرانية على “انشغال كبار القادة السياسيين وتشتيت جهودهم” في وجهة غير محسوبة بدقة.

قرار الإدارة الأميركية، ونجاح جهودها الضاغطة على حلف الناتو، من أجل إمداد كييف بمدرعات حديثة، وبأعداد متواضعة، لقيا صدىً وتأييداً من المؤسسات الإعلامية المتعددة، ومن سياسيّي واشنطن وعسكرييها على السواء.

عبّرت شبكة “سي أن أن” الإعلامية عن رضاها كونه “قراراً بالغ الأهمية، وهدف الدبابات  ضرب القوات الروسية بقوّة في هجوم برّي”. واستدركت بالقول إن إرسال 31 دبابة من طراز  “آبرامز” الأميركية هو أمر “رمزيّ بصورة كبيرة، ووفّر مظلّة دعم الناتو لهذه الخطوة بشأن خرق الخطوط الحمراء” (26 كانون الثاني/يناير 2023).

وأقرّت الشبكة لاحقاً بقصور نوعية الإمداد من دبابات “آبرامز” لأن “خدمتها وصيانتها، عبر المساحات الشاسعة لأوكرانيا، تُعَدّان تحدياً صارخاً”، على الرغم من أن وصولها “سيستغرق وقتاً، ربما شهوراً” (تصريحات الرئيس الأميركي، جو بايدن، 25 كانون الثاني/يناير 2023.

لا يسود إلإجماع بين القيادات العسكرية المتمرّسة بشأن “خرق الخطوط الحمراء”. فلقد أعرب الضابط المتقاعد في سلاح الجيش، دانيال ديفيس، عن اعتقاده أن التهويل هو “عملية إعلامية بحتة، ولن تُغيّر في الوضع الميداني الحقيقي”، فضلاً عن محدودية فعاليتها (موقع “بريتبارت”، 30 كانون الثاني/يناير 2023).

ربما الأهم في التصريحات العسكرية المتتالية ما جاء على لسان الفريق  المتقاعد من سلاح الجيش، مارك هيرتلينغ، و”المحلل العسكري” لدى شبكة “سي أن أن”، ومفاده أن تزويد كييف بمعدات عسكرية “فكرة خاطئة”.

وأوضح هيرتلينغ في وقت سابق أن القوات الأوكرانية ما زالت تقاتل وفق عقيدة سوفيتية وتسليح غربي، الأمر الذي يضاعف تعقيدات مساعي التدريب والاندماج الميداني بالسرعة المطلوبة.

أمّا ما يتعلق بتزويد أركان حلف الناتو، بريطانيا وفرنسا وألمانيا، وامتداداً بولندا، لكييف بعدد محدود من مدرّعاتها العسكرية فأضحى مثاراً للسخرية: بريطانيا، 14 دبابة تشالينجر “عقب مكالمة هاتفية بين (رئيس الوزراء) ريشي سوناك وزيلينسكي”؛ فرنسا، 10-12 دبابة لوكلير؛ ألمانيا، 14 دبابة من طراز ليوبارد؛ بولندا، 14 دبابة ليوبارد.

أمّا الدبابات الأميركية الموعودة، آبرامز، فسيتم نزع عدد من المواصفات التقنية، كالتدريع المتطور قبل دخولها الأراضي الأوكرانية، بينما أُحيلت دباباتها، من طراز “برادلي”، على التقاعد في الترسانة الأميركية، والتي مضى عليها نحو 40 عاماً من الخدمة الفعلية، وقد ترسل نحو 50 دبابة.

اللافت أيضا ما نقلته يومية “إندبندنت” البريطانية بشأن دبابات “تشالينجر”، ومفاده أن رئيس الوزراء السابق، بوريس جونسون، “أراد التخلص منها لاعتقاده أنها لم تعد مجدية في المعارك”، وأنه ألغى بند تمويلها خلال مراجعة لميزانية الدفاع البريطانية لعام 2021 (صحيفة “اندبندنت”، 18 كانون الثاني/يناير 2023).

الدعوات الأميركية “الخافتة” للبيت الأبيض إلى السعي لإنضاج مناخ حوار تفاوضي بين موسكو وكييف جاءت على لسان أعلى القيادات العسكرية مرتبة، رئيس هيئة الأركان المشتركة، مارك ميللي، يحث فيها على التفاوض، قائلاً إن “انتصار أوكرانيا قد لا يتحقق عسكرياً، وفصل الشتاء قد يوفّر فرصة (لها) من أجل بدء مفاوضات مع روسيا” (خطاب أمام “النادي الاقتصادي لنيويورك”، تشرين الثاني/نوفمبر 2022).

لعلّها من الفرص النادرة أن يشهد المرء تبايناً واضحاً يصل إلى حدود الانشقاق بين توجهات القيادات العسكرية الأميركية وصناّع القرار السياسي، لكنها تدلّ على حقيقة الشرخ بين الطرفين في الفترة الزمنية الراهنة، وأن مستشاري الرئيس بايدن من “ثلاثي” المحافظين الجدد لهم الأولوية، كما يتردد بقوة، وهم: مستشار الأمن القومي جيك سوليفان، ووزير الخاجية توني بلينكن، ونائبته فيكتوريا نولاند.

وأكدت نولاند، في مثولها أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي، عزم الإدارة على استمرار دعمها أوكرانيا، التي “يجب الّا تبقى في قيد الحياة فحسب، بل أن تخرج من الحرب أشد بأساً وأكثر ديموقراطية ودولة أوروبية، وتخدم مصالحنا القومية” (نص شهادتها بتاريخ 7 كانون الأول/ديسمبر 2022).

وفي أحدث تصريح لها أمام تلك اللجنة في مجلس الشيوخ، أكدت نولاند مجدداً أن إدارة الرئيس جو بايدن تريد “ضمان حيازة أوكرانيا ما تحتاج إليه من معدات دفاعية، ليس بهدف تأكيد قدرتها على فرض انسحاب روسي فحسب، بل أيضاً من أجل ضمان عدم قدرة (الرئيس) بوتين على إعادة تشكيل قواته والتقدم مجدداً” (شهادة نولاند أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، 26 كانون الثاني/يناير 2023).

2023-25-01-التقرير الأسبوعي

إخفاء بايدن وثائق سرّية
قد ينهي ولايته بفضيحة جديد

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

تدرّج العثور على وثائق بالغة السرية بحيازة الرئيس الأميركي جو بايدن إلى تعيين محقق خاص من قبل وزارة العدل، أثار جدلاً داخل قادة الحزب الديموقراطي بشأن فرصة تجديد انتخابه لولاية رئاسية ثانية، بالتزامن أيضاً مع عزم قادة الحزب الجمهوري المضي في التدقيق بمسار الرئيس سمّوه بـ “قمة الفساد” وسوء استخدام منصبه السياسي لإثراء نجله هنتر.

ربما هي المرة الأولى في تاريخ الكيان السياسي الأميركي التي يخضع فيها رئيسان، سابق وحالي، لإجراءات تحقيق متزامنة بتُهم مشابهة، فساد وحيازة وثائق سرية بعد مغادرة البيت الأبيض، وميل الرئيس بايدن وقادة حزبه إلى القفز عن تداعيات حيازة الوثائق، بحسب التسريبات الأخيرة، حتى لو أدت ذلك إلى إنهاء ملاحقة خصمه الرئيس ترامب. كل ذلك يعد بخلط شديد لأوراق الحزبين في البحث عن مرشح رئاسي يحظى بالتأييد وحسن السيرة.

ما يميّز تهمة حيازة الوثائق السرية بين الرئيس السابق دونالد ترامب ونائب الرئيس آنذاك جو بايدن النصوص الدستورية التي تتيح لرئيس البلاد صلاحية تصنيف أو إزالة التصنيف السرّي عن وثائق الدولة، لكن نائب الرئيس لا يتمتع بصلاحية مشابهة. اما صلاحيته الدستورية فهي محصورة في ترؤسه جلسة مجلس الشيوخ، وتسلم مهام الرئيس في حال الوفاة. ويتيح الدستور لرئيس البلاد تسليم وثائق لنائبه، وتنتهي صلاحية هذا البند مع مغادرتهما البيت الأبيض، في 20 كانون الأول/يناير السنة التالية للانتخابات.

الكشف المتسلسل “بالقطّارة” عن وثائق سرّية بحوزة نائب الرئيس جو بايدن، آنذاك، القت ظلالاً من الريبة على صدقيته وبقائه إلى نهاية ولايته الرئاسية. المتاعب الناجمة عن ذلك أدخلت توصيف “تحديات سياسية غير مسبوقة” على مستقبله السياسي. يسود القلق أيضاً قادة الحزب الديموقراطي لما عدّوه حملات إعلامية للبيت الأبيض لـ “صرف انتباه غير مرحّب به” بالتزامن مع جهود فاشلة لاحتواء الضرر (نشرة “ذي هيل”، 16 كانون الثاني/يناير 2023).

وعد الرئيس بايدن بإعلان نيته خوض جولة الانتخابات الرئاسية المقبلة في شهر آذار/مارس المقبل. أما بعد ملاحقته في سلسلة من الفضائح والتحقيقات، وهبوط مؤشرات شعبيته إلى نحو 44% (بحسب موقع “فايف ثيرتي إيت FiveThirtyEight”، فقد يفسح المجال واسعاً لمرشحين آخرين، واستعداد التيار الليبرالي داخل الحزب الديموقراطي دخول السباق الرئاسي، كما أعرب السيناتور بيرني ساندرز والذي سيتخذ قراراً بشأن ذلك في الأسابيع المقبلة.

 

فرصة لدخول عناصر جديدة على السباق الانتخابي؟

حالة التردي لدى الحزبين وانعكاس فسادهما على عموم المسار السياسي قد يحفّزان عناصر “جديدة” على دخول السباق الرئاسي، وربما من خارج مراكز القوى في واشنطن، أسوة بالرئيس السابق دونالد ترامب. لعلّ الأهم من كل ذلك هو الفرصة التي يحتاجها الحزبان لتجديد أمل الكيان السياسي وضخ “دماء جديدة” بعد فترات متتالية من الترهّل وإعادة إنتاج السياسات السابقة ورموزها في آن واحد.

سيلقي الرئيس بايدن خطابه السنوي عن “حال الأمة” مطلع الشهر المقبل، وربما إعلان نيته للترشح للانتخابات الرئاسية، فيما الأجواء متلبّدة بمشاعر الشكوك، بالرغم من تأكيده أن الأزمة الناجمة “تافهة، والشعب الأميركي لا يدرك حقيقة ما يجري”، في حين أعربت غالبية لافتة من الشعب الأميركي، 60%، عن عدم ثقتها بتصرف الرئيس (يومية “يو أس إيه توداي”، 22 كانون الثاني/يناير 2023).

جوهر قلق قادة الحزب الديموقراطي يتمثّل في تخبط البيت الأبيض في ثنايا سعيه لاحتواء المسألة، إذ صدر بيان رسمي مطلع الشهر الجاري “يقرّ بوجود وثائق سرّية في مكتب خاص في شهر تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، لكنه تجاهل الكشف عن مجموعة ثانية من الوثائق كانت مخزّنة في منزل الرئيس الخاص” في ولاية ديلاوير، في نهاية شهر كانون الأول/ديسمبر الماضي، ومراهنة فريق الرئيس بايدن على أن “الإعلان التام لن يخفف من وطأة الغضب العام” (شبكة “سي أن أن”، 23 كانون الثاني/يناير 2023).

في خطوة تبدو هامشية بعض الشيء هي طريقة تعامل مكتب التحقيقات الفيدرالي، أف بي آي، مع كلا الرئيسين، ترامب وبايدن، وسريان شكوك الشعب الأميركي في وظيفة جهاز الأمن الداخلي بأنه يكرّس “وجود معادلتين للعدالة: الأولى للنخبة والثانية للعامة”.

في حالة الرئيس ترامب أقدم الجهاز على “دهم” منزله الخاص في فلوريدا، أما في الحالة الثانية فقد “وافق الرئيس على تفتيش منزله الخاص من قبل الـ أف بي آي”، بعد توصل فريق مستشاريه الضيّق إلى استنتاج أن دخول المكتب على الخط “أمر حتمي” (“سي أن أن”، 23 كانون الثاني/يناير 2023).

اللافت أيضاً تجدد اتهامات قادة الحزب الجمهوري لمكتب التحقيقات الفيدرالي بأنه “اليد الطولى للبيت الأبيض” ومحاباته سياسات الحزب الديموقراطي، وأنه يجب أن يخضع للمساءلة وربما مواجهة دعوات إلى حلّه، بالرغم من عدم توفر أفق نجاحها في الفترة الحالية.

توجهات قادة الحزب الجمهوري ستطال وزير العدل، ميريك غارلاند، على خلفية قراره “دهم” منزل الرئيس السابق ترامب، وتلكئه في ملاحقة نجل الرئيس هنتر بايدن، وإعادة فتح ملف فسادهما مجددا، بصرف النظر عن المدى الذي سيذهب فيه التحقيق ونتائجه المرتقبة. لكن الثابت أنها ستعمّق مآزق الرئيس بايدن، وتشديد الضغط على قادة الحزب الديموقراطي لتقديم مرشح رئاسي آخر.

وتم الكشف مؤخراً عن “تورط” وزير العدل في التغطية على وثائق الرئيس بايدن، وقد “أعدّ لتجاهل بعض تفاصيل التحقيقات الجارية”، خلال الإعلان الرسمي  واضطراره إلى الكشف عن الدفعة الثانية من الوثائق التي “تم العثور عليها قبل ذلك ببضعة أسابيع، وكان البيت الأبيض يعرف ذلك” (شبكة “سي أن أن”، 23 كانون الثاني/يناير 2023).

 

المرشحون المحتملون للحزب الديموقراطي

من بين المرشحين الديموقراطيين المحتملين في المدى القريب يبرز حاكم ولاية كاليفورنيا، غافين نيوسم، الذي يصنّف ضمن التيار الليبرالي لكنه يعدّ “يسارياً متشدداً”، وفق السردية الرسمية السائدة في المجتمع الأميركي.

المرشح الآخر “كان” وزير المواصلات بيت بوتيجيج، لكن تلكؤه في معالجة أزمة إلغاء شركة الطيران الداخلي، “ساوث ويست”، لمئات من رحلاتها ما تسبب في إلحاق الضرر بعدة آلاف من المسافرين خلال بضعة أيام، فضلاً عن إخفاق المناشدات الشعبية والحقوقية لتدخله العاجل في حثه على اتخاذ قرار بشأنها، ترك انطباعاً عاماً بتورطه أو خضوعه لخيار أولوية كبريات الشركات على حساب السلامة العامة.

لعل الحكمة السياسية تقتضي تريّث بروز أي مرشح محتمل في المدى القصير حتى تتضح جملة من المسائل، أهمها، ما سينطق به الرئيس بايدن خلال خطابه السنوي وإن كان سيتضمن إعلانه عن مستقبله السياسي، ترشيحاً أو انسحاباً، ووجهة التحقيقات المثارة من قبل قادة الحزب الجمهوري وما قد تسفر عنه من فتح ملفات بعضها يتعلق بالاستراتيجية الكونية للولايات المتحدة، وخصوصاً سياسة إجماع الحزبين في مواجهة الصين، التي تم الكشف مؤخراً عن تلقّي جامعة بنسلفانيا، التي تحتضن مركز أبحاث بايدن تبرعات من شخصيات صينية، وصلت إلى 61 مليون دولار.

سلوكيات خاطئة ارتكبها رؤساء أميركيين تسببت في إطاحتهم. الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون على خلفية الكشف عن تسجيلاته في فضيحة “ووترغيت” لمحادثاته الرسمية بخلاف صلاحياته الممنوحة، والرئيس جيمي كارتر لدعمه شاه إيران قبل سقوطه بفترة وجيزة وما نجم عنها من احتجاز الرهائن الأميركيين الديبلوماسيين.

“فضائح” الرئيس بايدن لا تشذ عن مصير اسلافه، خصوصاً عند الأخذ بعين الاعتبار إصرار قادة الحزب الجمهوري على تقديم نجله هنتر للمساءلة والتحقيق نتيجة “فساد” والده إبّان ولايته كنائب للرئيس الأميركي، والإثراء غير المشروع الناتج من علاقة الأخير مع الحكومة الأوكرانية، قضائياً ومالياً.

2023-17-01-التقرير الأسبوعي

أزمة الكيان السياسي الأميركي:
انتصار باهظ الكلفة لرئاسة مجلس النواب

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

أفرزت جولة انتخاب كيفين مكارثي رئيساً لمجلس النواب الأميركي انشقاقات وتداعيات في المؤسسة السياسية الأميركية، ظاهرها لدى الحزب الجمهوري وانقسامه بين تيار “الأقلية” الموالي للرئيس السابق دونالد ترامب، وتيار المؤسّسة التقليدية.

كما أنها عكست حالة الانقسام الحاد في المشهد السياسي الأميركي، وما رافقها من فوضى داخل أروقة الكونغرس، ما ينذر بمعارك سياسية حادة في الدورة الحالية التي تنتهي بالتزامن مع الانتخابات الرئاسية المقبلة، 2024.

من ابرز نتائج جولات الانتخاب الـ15 نجاح الرئيس السابق دونالد ترامب في البقاء النشط في المشهد العام بعد خسارة بعض مرشحيه في جولة الانتخابات النصفية، وقدرته على تقييد هامش المناورة للتيار التقليدي الحاكم، وكذلك لقراره حسم المعركة في مقابل تنازلات رئيس المجلس الجديد، منها إقرار “مؤيديه الأربعة”، من كتلة تضم 20 نائباً، سقف الميزانيات المقبلة المخصصة لأوكرانيا، وإدخال تعديلات إلى اللوائح الداخلية تتيح الفرصة لأي عضو بمفرده الطعن برئيس المجلس وحجب الثقة عنه لإزاحته.

رئيس المجلس الجديد، كيفين مكارثي، أثنى على صديقه اللدود قائلاً: “أدى الرئيس السابق دوراً حاسماً في انتزاع آخر الأصوات اللازمة” لانتخابٍ سلس. في خطابه، بصفته رئيساً للمجلس، حدد الأولويات السياسية المدرجة على جدول أعمال الحزب الجمهوري، ولم يرد فيها أي ذكر لأوكرانيا، لكنه أوضح بعد جولة الانتخابات النصفية في تشرين الثاني/نوفمبر 2022 أن الجمهوريين في مجلس النواب لن يسمحوا للحكومة الأميركية بتقديم مساعدات مالية غير محدودة لها.

ما جرى من عصيان بعض النواب المنتخبين لتوجهّات القيادة التقليدية عُدّ من المحرّمات. إذ رأى رئيس مجلس النواب الأسبق وأحد أركانه الفكرية، نيوت غينغريتش، أنّهم “يلعبون بالنار ويسعون لإغراق الحزب الجمهوري بأكمله”، وقال: “ما شهدته البلاد يعدّ أكبر خطر نواجهه كحزب منذ عام 1964” (يومية “ذي هيل”، 2 كانون الثاني/يناير 2023).

“استراتيجية” الحزب الجمهوري، داخلياً وخارجياً، أرسى معالمها نيوت غيغريتش إبان رئاسته مجلس النواب في عهد الرئيس الأسبق بيل كلينتون، 1995 – 1998، وسمّاها “المعادلة الصفرية” التي لازمته وحزبه منذئذ. معادلة غينغريتش الشهيرة وصفها خصومه في الحزب الديموقراطي الذين تعاملوا معه بأنها “أعطت الأولوية لأسلوب المواجهة والتعطيل عوضاً عن التعاون وتقديم التنازلات المتبادلة”.

توقفت كبريات الصحف الأميركية مثل “نيويورك تايمز” عند تلك المعادلة الصفرية لتعيد تسليط الضوء على جذور بروز تيار “اقصى اليمين” وتأثيره على مسار الحزب الحزب الجمهوري، وجاء في تقريرها أنّ الانتصار الباهر الذي حققه نيوت غينغريتش في عام 1994 “أرسى نقطة بدء معادلة السياسة الصفرية التي انتجت حركة حزب الشاي في عهد الرئيس ترامب” (يومية “نيويورك تايمز”، 7 كانون الثاني/يناير 2023).

كشفت معادلة غينغريتش عن حقيقة ما يجري في أروقة السياسة وفي الغرف المغلقة وما ينتج عنها من قرارات بعضها مصيري. أولى ضحاياها كان تراجع النقاش المعمّق، والمطوّل أحياناً، في ما يطرح في جدول الأعمال من قضايا، واختفاءه تدريجياً، وصولاً إلى ما حدث بتصويت الأعضاء على قرارات صاغها قادة مجلس النواب من دون عناء قراءتها، “لكثافتها وقصر المدة الزمنية المتاحة” لمراجعة بضعة آلاف الصفحات المقدمة.

وقد جرت العادة تضمين تلك الوثائق السميكة بقرارات وتعديلات لمصلحة مراكز القوى الكبرى، من شركات ومصالح اقتصادية ومالية، وحرمان الأغلبية الساحقة من الشعب من الإطلاع عليها أو استيعابها.

إجراءات وآليات التصويت “الملتوية” داخل أروقة مجلس النواب، وامتداداً مجلس الشيوخ أيضاً، أضحت من مقدسات قيادات المجلس، بصرف النظر عن الولاء الحزبي. اشتهرت رئيسة المجلس السابقة، نانسي بيلوسي، بازدرائها محاولات طرح المبادرات للنقاش، ومن ثم التصويت عليها، ومعاقبة كل من يخرج عن سياستها بالإقصاء من اللجان العاملة أو خفض مرتبته التسلسلية وحرمانه من التحدث مباشرة إليها.

وبناءً عليه، جاء نفر قليل من أعضاء الحزب الجمهوري ليمارس تحديه للسّلطة بصورة علنية كشفت بعض مهازل السياسة الأميركية، خصوصاً في أحد مطالب تلك المجموعة “البسيطة” بطرح سحب الثقة من رئيس/ة المجلس.

لقد حافظت بيلوسي بشدة على نصوص اللوائح الداخلية التي تضع شروطا “غير عملية” أمام أعضاء المجلس للتصويت على إقالة رئيسه/رئيسته، وما أسفرت عنه جولة المواجهة الأخيرة من إلغاء تلك المادة في شقها التطبيقي.

في ظاهرها، تبدو مادة اللائحة الداخلية أعلاه إجراء عادياً لا يعوّل عليه كثيراً، لكن الممارسة الأبعد تطال صلب بنود الميزانيات المقدمة لمجلس النواب لإقرارها، والتي كانت تطرح ويصوّت عليها تلقائيا بحسب “أهواء” رئاسة المجلس وموازين القوى التي فرضتها.

وثمة تغيير نادى به بعض “الليبراليين” منذ عقود، فيما يخص التصويت على الميزانيات المقدمة، ولكنه اصطدم بكل مراكز القوى الممثلة في الحزبين، وقد يؤدي إلى إدخال بعض التعديلات من خارج إرادة المؤسسة الحاكمة.

أبرز القضايا الجدلية التي أضحت تخضع للمساءلة هي رفع سقف الديون الفيدرالية بنحو تلقائي لتمويل خطط الحكومة الأميركية، داخلياً وخارجياً. وقد صوّت مجلس النواب، في تركيبته الجديدة، على نقض مشروع تمويل سابق لهيئة الضرائب قيمته 70 مليار دولار، كان يرمي إلى إضافة نحو 87،000 عنصر إلى  كادر الهيئة. وستواجه هذه القضية مقاومةً ورفضاً جديداً في مجلس الشيوخ عند طرحها، لكنها تدلّ على عمق الأزمة السياسية في عدة مجالات.

تبادل الحزبين مراكز صنع القرار في مجلس النواب حالياً ترافقه تطبيقات مماثلة لبعض القضايا الخلافية بينهما، خصوصاً تلك التي اعتمدها الحزب الديموقراطي في التحقيق بممارسات الرئيس السابق ترامب ومحاولة تقديمه للمحاكمة، بصرف النظر عن حقيقة تلك الاتهامات، إذ سيلجأ الحزب الجمهوري، كما وعد قادته، إلى استهداف الرئيس جو بايدن واخضاعه للمساءلة والتحقيق، بدءاً بحيازته ملفات أمنية بالغة السريّة، وهي التهمة عينها التي دهمت بموجبها طواقم مكتب التحقيقات الفيدرالي مقر إقامة الرئيس ترامب، وليس انتهاءً بتهم تورطه ونجله هنتر بمخالفات مالية وقضايا فساد متعددة الأوجه.

ومن المرجح أيضا طرح مجلس النواب الجديد السلطات والصلاحيات المتاحة لمكتب التحقيقات الفيدرالي للتدقيق بهدف تحديد سطوته الأمنية، وتعتقد نسبة معتبرة من الأميركيين أنه أحد أذرع البيت الأبيض، وأنه يُسخّر ضد خصومه، إذ حذّر عضو المجلس عن الحزب الجمهوري، توم كول، زملاءه من سطوة الأجهزة الأمنية.

وقال كول: “شهدنا في الأعوام السابقة انتهاكات لحريات المواطنين الأميركيين المدنية اقترفتها السلطة التنفيذية (البيت الأبيض)، غالباً لدواعٍ سياسية”، مضيفاً أن مكتب التحقيقات الفيدرالي “دفع 3 مليون دولار لشركة “تويتر” لمراقبة مواطنين أميركيين” (تصريحات النائب في 12 كانون الثاني/يناير 2023).

تماسك الحزب الجمهوري، والنظام السياسي بأكمله، هو الآن بأيدي قلّة “غاضبة وصفرية”. ولعل تاريخه السياسي القريب يؤشّر على موجة جديدة من الإرهاصات قد تطيح القوى الصاعدة حالياً.

يشار إلى أن الصعود الباهر لنيوت غينغريتش عام 1979، آتياً من استغلاله حالة السخط وتذمّر الناخبين الجمهوريين من مستقبل البلاد، الذين وصفهم الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون بـ “الغالبية الصامتة”، أطاحته مراكز القوى في حزبه عام 1998، على خلفية تساهله وموافقته على “صفقة تحديد الميزانية الفيدرالية” مع الرئيس بيل كلينتون.

ما ينبيء به المستقبل القريب هو تمادي حالة عدم اليقين والتشاؤم، ونشوء أرضية خصبة لبروز تيارات أكثر تشدداً في توجهاتها  الداخلية والخارجية، يعززها الاستقطاب الحاد في المجتمع الأميركي.

2022-30-12-التقرير الأسبوعي

زيلينسكي في أميركا:
نقطة تحوّل وسط تباين الرؤى

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

ارتفع منسوب التكهّن السياسي في واشنطن لسبر أغوار  زيارة الرئيس الأوكراني “العاجلة” لها، وما تُضمره من نيات لدى الطرفين وأهدافهما في المديين القريب والمتوسط، وخصوصاً أمام إعلان البيت الأبيض مسبقاً عن تقديمه “حُزم دعم مالية وعسكرية” لأوكرانيا، علاوة على تسريبات مباشرة من كبار القادة العسكريين، ورئيس هيئة الأركان المشتركة مارك ميللي، والسياسيين المخضرمين أمثال هنري كيسنجر، بأن وجهة الحرب ينبغي أن تفضي إلى “تفاوض” على حل سياسي.

لم ينتظر المرء طويلاً، إذ سارع زعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ، ميتش ماكونيل، إلى حسم الجدل وعناء التمحيص بتأكيده أن هدف “الدعم” الأميركي للحرب في أوكرانيا يأتي في صلب استراتيجية الهيمنة الأميركية، وقوله: “دعمنا المتواصل لأوكرانيا ليس صحيحاً أخلاقياً فحسب، لكنه أبعد من ذلك. إنه استثمار مباشر لتعزيز المصالح الأميركية الحيوية (موقع ماكونيل الإلكتروني في مجلس الشيوخ، 21 كانون الأول/ديسمبر 2022).

ولكي لا تبقى تفسيرات الدعم الأميركي لأوكرانيا حبيسة التكهنات أو المزايدات السياسية التقليدية، فقد ارتفعت أسعار أسهم كبريات شركات صناعة الأسلحة الأميركية بنسب ملحوظة في الفترة الزمنية الراهنة، لتؤكد مرة أخرى أن “الحروب تشكل فرصة مثالية لتكديس الثروة”. مثلاً، ارتفعت قيمة أسهم شركات “بي أيه إي BAE 37%، نورثروب غرومان Northrop Grumman 39%، جنرال دايناميكس General Dynamics 15%”.

على الرغم من شبه إجماع أعضاء الحزبين، الديموقراطي والجمهوري، على معاداة روسيا واستنزافها عسكرياً، وتمهيد الرئيس بايدن وزعماء الكونغرس الأجواء بتقديم 45 مليار دولار مساعدة لأوكرانيا، فإن مشاعر القلق بدأت تتسرّب لدى البيت الأبيض من “إمكانية” معارضة بعض أعضاء الكونغرس تمويل كييف وآلية تمرير أموال الدعم المقصودة كجزء مدرج في الميزانية السنوية التي كانت بانتظار التصويت النهائي عليها قبل عطلة أعياد الميلاد، وغياب بعض أعضاء الحزب الجمهوري عن الجلسة المشتركة لدواعي العاصفة الثلجية القاسية.

وهنا، يشير المراقبون إلى استغلال رئيسة مجلس النواب، نانسي بيلوسي، نفوذها بدعوة “عاجلة” للزائر الأوكراني إلى إلقاء خطاب في جلسة مشتركة لمجلسي الكونغرس، أسهمت بدورها في تقليص حجم “تحفظ” البعض عن إدراج بند الدعم ضمن الميزانية السنوية، تفادياً لما قد تفرزه موازين القوى في الدورة المقبلة لمجلس النواب بعد فوز الحزب الجمهوري برئاسته.

لم يكن مستبعداً تقاطع توجّهات البيت الأبيض مع مفردات الرئيس الزائر بشأن إثارة نزعة العداء لروسيا لدى الأميركيين، وإشارته في مؤتمر صحفي مشترك مع بايدن بأن الشعب الروسي “همجي ولا إنساني”، أتبعها بخطاب شبيه أمام الكونغرس بأن روسيا “دولة إرهابية”، لقي صدى عند بعض أعضاء الكونغرس بالهتاف: “المجد لأوكرانيا”، سواء أدركوا أم لم يدركوا بأنه شعار حلفاء النازية من “القوميين” الأوكرانيين.

ويرى بعض المراقبين ما هو أبعد مما تقدم من مبرّرات رسمية بأن الرئيس جو بايدن وجّه دعوة إلى زيلينسكي لزيارة واشنطن كإجراء ضروري لحشد التأييد الشعبي الأميركي في مواصلة الحرب “مهما طال بها الزمن”، بحسب تعبير بايدن، وأيضاً لاختبار قبول الأميركيين قراره بتصعيد “وتيرة المواجهة العسكرية ضد روسيا في أوكرانيا”، وتسويق الحرب محلياً بأنها “حرب مفيدة” وتمثّل امتداداً للحرب العالمية الثانية.

أشار الرئيس جو بايدن بشكل غير مباشر إلى طبيعة قلق المؤسسة الرسمية الأميركية من إطالة أمد الحربفي مؤتمره الصحفي المشترك مع زيلينسكي، لافتاً إلى محاذير تقديم أسلحة أميركية متطورة لأوكرانيا بأن أعضاء حلف الناتو “لا يتطلعون إلى حرب مع روسيا أو إلى نشوب حرب عالمية ثالثة” (صحيفة “واشنطن بوست”، في مقالة رأي بعنوان “تباين رؤى زيلينسكي وبايدن بشأن المسار المقبل لأوكرانيا”، 22 كانون الأول/ديسمبر 2022).

بعبارة أشد وضوحاَ، شملت الزيارة مراجعة معمّقة لتداعيات الحرب وآفاقها قادها الطرف الأميركي، استناداً إلى “التسريبات” الداخلية المقصودة بالبحث عن سبل بديلة للحرب، أبرزها مسار ديبلوماسي متجدد، كما أشار  بذلك مباشرة رئيس هيئة أركان القوات الأميركية المشتركة، مارك ميللي.

في الطرف المقابل، سعى معسكر الحرب في الحزبين لاستغلال أجواء الزيارة بإعلان الدعم الأميركي بمبلغ يصل إلى 45 مليار دولار  واستثمارها في تأجيج الحرب مع روسيا، إرضاءً لغرائز العداء المتجذر لها، وتعبير اً عن رفض زعزعة نفوذ “القطب الواحد” على المسرح العالمي، وربما الأهم ضمان سيرورة آلة انتاج أسلحة الحرب الأميركية.

ما يعزّز استنتاج التوجه الديبلوماسي المحتمل هو ما أسفرت عنه مطالب زيلينسكي بدعم عسكري أميركي “بأسلحة متطورة” وضرورة رفع مستوى أداء القوات الأوكرانية لشن هجمات كبيرة العام المقبل، كما يروّج، بيد أن الحصيلة الفعلية لحزمة أسلحة “عيدية الميلاد” جاءت بعكس توقعاته، إذ أعلنت الولايات المتحدة عدم موافقتها على تقديم مدرعات حديثة من طراز “أم 1 آبرامز”، تعدّ، بحسب تقرير لصحيفة “واشنطن بوست” بالغة التعقيد كسلاح نوعي في المعركة الجارية، وأن “لدى أوكرانيا ما يكفي من المدرعات” (يومية “واشنطن بوست”، 21 كانون الأول/ديسمبر 2022).

“عيدية الميلاد” الأميركية، بالرغم من ضخامة المبالغ المقدمة (45 مليار دولار)، التي توازي مجموع الدعم الفيدرالي الأميركي لنحو “43 ولاية” مجتمعة، شملت بطارية “يتيمة” من نظام الدفاع الصاروخي “باتريوت”، معززة بـ 8 منصات إطلاق، ستستغرق برامج التدريب عليها نحو “6 أشهر على الأقل”.

أما حصة أوكرانيا من المبلغ الإجمالي، 45 مليار دولار، فقد أوضحت بعض جوانبه سفيرة كييف لدى واشنطن، أوكسانا ماركاروفا، وقالت إنه يمثّل مجموع الدعم الأميركي لعام 2023، يُقطتع نحو 7 مليارات دولار رواتب “للمستشارين” الأميركيين العاملين لمصلحة أوكرانيا، وتتسلّم كييف حصتها البالغة 13 مليار دولار، إما بصورة سيولة مصرفية أو بصيغة بضائع مختلفة. وبناء عليه، سيبلغ مجموع الأموال الأميركية المخصصة “لدعم أوكرانيا” ما يفوق 100 مليار دولار.

ثمة مسألة أخرى تتعلق بالميزانية السنوية للحكومة الأميركية التي أقرها مجلس النواب، والتي بلغت “1.7 تريليون دولار”، منها نحو  62% مخصصة للإنفاق على القوات المسلّحة وأجهزة الأمن المتعددة. وبما يخص المواطن العادي “دافع الضرائب”، فإن ما نسبته 65% من ضرائب الدخل الفيدرالية يذهب للإنفاق على الحروب الخارجية، والحرب على المخدرات، وكلفة الجدار الفاصل مع المكسيك (مرشح حزب الخضر  لمنصب سيناتور عن ولاية نورث كارولينا، ماثيو هو، 28 كانون الأول/ديسمبر 2022).

سرت مشاعر الرضى لدى معسكر الحرب في واشنطن عقب استهداف القوات الأوكرانية أهدافاً حسّاسة بعيدة داخل الأراضي الروسية في الآونة الأخيرة، كثمرة قرار تصعيد واشنطن للحرب، ونتيجة مباشرة لزيارة زيلينسكي، وترجمة أيضاً لتصريحات الطرفين بضرورة تنفيذ “هجمات وقائية”.

أضاءت كبرى الصحف الأميركية على الجسارة الأوكرانية بالقول: “أوكرانيا تقصف بجرأة في عمق الأراضي الروسية، استناداً إلى تقييمها بأن القوات العسكرية لموسكو تقاتل إلى أقصى حدود قدراتها التقليدية. وباستثناء الخيار النووي، فإن الأسلحة الروسية لم تعد مؤثرة” في البنى التحتية أكثر مما هي عليه الآن (يومية “نيويورك تايمز”، 26 كانون الأول/ديسمبر 2022).

والجدير بالذكر في سياق التصعيد المتبادل ما كشف عنه وزير الخارجية الروسي،في نفس اليوم الذي نشرت فيه الصحيفة الأميركية، 26 كانون الأول/ديسمبر، بأن موسكو لا تزال تضع مسألة “تغيير نظام كييف” في جدول الأعمال، مطالباً الحكومة الأوكرانية ضرورة تطبيق الشروط الروسية المتمثلة بنزع سلاحها وتطهير الأراضي التي تسيطر عليها كييف من النازية … أما سوى ذلك، “فالمسألة ستتكفّل بتحقيقها القوات الروسية”.

على الرغم من اشتداد نبرة الخطاب الإعلامي لدى كل من موسكو وكييف وواشنطن، فإن من المنتظر ارتفاع أسهم الدعوات الداخلية إلى “الخيار الديلوماسي” التفاوضي. وقد يطرح هذا الخيار نفسه بقوّة في الساحة الأميركية في الفترة المقبلة، يعزّزه انشغال الشعب الأميركي “مجدداً” بتأمين مقوّمات الحياة اليومية التي تتدهور معدلاتها بوتيرة ثابتة، بصرف النظر عن البيانات الرسمية المفرطة في تفاؤلها لأداء الاقتصاد الأميركي، التي تنفيها تزايد معدلات العاطلين من العمل، الذين أضحوا خارج حسابات البيانات الرسمية بسبب طول مدة الانقطاع، مع ارتفاع مستمر لأسعار المواد الأساسية.

2022-19-12-التقرير الأسبوعي

من يطفيء النور في أميركا؟
منظمات محلية تحت المراقبة

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

مخاطر جدّية تهدد البنى التحتية الأميركية في الأسابيع الأخيرة، ما دفع وزير الأمن الداخلي، أليخاندرو مايوركاس، إلى تحذّير مراكز القوى من استمرار هجمات وأعمال تخريبية ضد المنشآت الأميركية وشبكات توليد الطاقة تحديداً، التي تنامت بعد انتهاء الانتخابات النصفية،

وقال “تعرضت بعض البنى التحتية لهجوم، تشير الأدلّة الأوليّة أنه كان متعمداً. نحن نعمل مع شركات الطاقة والمجتمعات المحلية بشأن هذا الامر”، موضحاً أن البيانات المسجّلة لدى السلطات الأمنية المختلفة تشير إلى هوية الفاعل/ين بأنها “ليست فرداً متطرفاً أو مجموعة صغيرة، بل تهديداً يغطي عموم البلاد” (في خطاب له في “مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية”، واشنطن، 5 كانون الأول/ديسمبر 2022).

يُشار إلى تعرّض منشآت توليد الطاقة إلى سلسلة هجمات “متعمّدة” في ولايات الساحل الغربي، ولايتي واشنطن وأوريغون، خلال عطلة “عيد الشكر” الشهر الماضي، استهدفت نحو 5 محطات توليد، بحسب بيانات مكتب التحقيقات الفيدرالي، “أف بي آي”. وأقرّت الأجهزة المختصة بأن أضرارها الناجمة “شبيهة بما تعرّضت له محطات توليد الطاقة في ولاية نورث كارولينا”، في 3 كانون الأول/ديسمبر الحالي، والتي أسفرت عن انقطاع مفاجيء للتيار الكهربائي عن نحو 40،000 مواطن، وحلول الظلام وإغلاق المدارس في اليوم التالي.

الهجوم الأخير في الساحل الشرقي من البلاد، بحسب المصادر الرسمية، تمّ بإطلاق أعيرة نارية على محطتين لتوليد الكهرباء، بالقرب من أكبر مدن ولاية نورث كارولينا، شارلوت. السلطات المحلية تتعامل معه كحادث جنائي عقب اكتشافها سرقة بعض المعدات الخاصة في الأماكن المستهدفة، وأن “الفاعل أو الفاعلين على بيّنة تامّة بما سيسفر عنه من نتائج”.

اللافت أن ما تتعرّض له منشآت البنى التحتية من أضرار  حالياً يأتي في سياق الانقسامات الاجتماعية الحادة للمجتمع الأميركي، وذلك على خلفيات سياسية واقتصادية وتهميش منظّم للشرائح الاجتماعية الأوسع.

فقد شهدت ولاية كاليفورنيا في عام 2013 “هجمة منظّمة” أضرّت بمحطات توزيع التيار الكهربائي لأهم منطقة تؤوي قطاعات التقنية المتطورة، “سيليكون فالي”، استخدمت فيها أسلحة نارية “عالية الطاقة” لتدمير محوّلات التوليد، إضافة إلى محطة تقاطع الألياف البصرية وتعطيل سبل الاتصالات.

يذكر أن شركة “بي جي آند إي”، PG&E، الموردّ للطاقة في “سيليكون فالي”، أنفقت نحو 100 مليون دولار لتحصين محطات التوليد من الهجمات المعادية. لكن الأجهزة الأمنية بالتضافر مع الشركة المذكورة لم تعلن عن اعتقال أي مشتبه به في تلك الهجمات.

وجاء على لسان الأجهزة الأمنية المختصّة، في شهر شباط/فبراير 2022، أنها ألقت القبض وأدانت 3 عناصر “من العنصريين البيض” لتورّطهم في التخطيط لشن هجمات تستهدف محطات توليد الطاقة تؤدي إلى توقّف تام في عموم الشبكات المنتشرة في البلاد، والتي لو نجحت الخطة لاستطاعت شلّ الشبكة لعدة أشهر، وربما التسبب باندلاع حرب أهلية، بحسب المصادر الرسمية.

وكشفت تلك الأجهزة عن سلسة أخرى من “الاقتحامات والتشويش المتعمّد” لمحطات فرعية لتوليد الطاقة، خصوصاً في ولاية فلوريدا، التي شهدت نحو 6 حوادث تعدٍّ على منشآتها مؤخراً، بحسب بيانات الشركة المورّدة، “دوك إنيرجي”.

تساوقت النخب الفكرية والسياسية الأميركية مع السردية الرسمية القائلة بأن “أميركا تتعرّض لسلسة هجمات غامضة تستهدف قطاع نوليد الطاقة اسفرت عن انقطاع متواصل للتيار الكهربائي لمئات الآلاف من المواطنين”،  وقعت في 4 ولايات على الأقل في الأشهر الثلاثة الماضية، ورافقها تسليطها الضوء على قرصنة بيانات حديثة طالت بيانات هيئة الضمان الاجتماعي وسجلاتها، وما يشكّل مخاطر  على عشرات الملايين من المواطنين المسجلين لديها.

على الرغم من إقرار وزير الأمن الداخلي المتأخر، والذي حمّل المسؤولية لمجموعات يمينية متطرفة أميركية، وجّهت وسائل الإعلام الكبرى الاتهام مباشرة إلى الصين. ونقلت شبكة “أن بي سي” للتلفزة عن جهاز “الشرطة السريّة” ما “يعتقد بأن مجموعة قراصنة تدعى “APT41″ استطاعت التسلّل واختلاس نحو 20 مليون دولار من الأموال المخصصة لإغاثة المتضرين الأميركيين من وباء كوفيد”. وأفاد مسؤول الجهاز المذكور بمتابعة “أكثر من 1،000” قضية تحقيق عنوانها تقصّي تعاملات لاختلاس الأموال العامّة يديرها محليون وأجانب (موقع شبكة “أن بي سي”، 5 كانون الأول/ديسمبر 2022).

في الوقت نفسه، كشف تقرير المفتش العام لوزارة العمل الأميركية عن “ضياع نحو 20% من ميزانية قدرها 873 مليار دولار” مخصّصة لتعويض من فقد عمله بسبب الجائحة. وأوضحت “مؤسسة هاريتاج” اليمينية في دراسة أصدرتها بأن 4 ولايات صرفت نحو 350 مليار دولار من ميزانياتها المخصصة لمكافحة البطالة أنفقتها بغير وجه حق. (المصدر أعلاه).

نظرة سريعة على تناقض السرديات الرسمية الأميركية مع ترويج النخب الإعلامية والسياسية لأجواء معادية للصين وروسيا، على قدم المساواة، تدلّ على غياب الدليل المادي الملموس لاتهامهما، وصرف الأنظار عن تقصير  المسؤولين الأميركيين في أداء واجباتهم على الصعُد المختلفة.

تتجاهل النخب المذكورة جهودها الإعلامية السابقة في تحميل الحكومة المركزية الأميركية مسؤولية إهمالها ثغرات البنى التحتية الهشّة ولعدم تحديث خطوط شبكات الكهرباء، خصوصاً في مطلع عام 2014، عند اجتياج موجة صقيع قارص للبلاد “كشفت عيوب” شركاتها الكهربائية، وأسفرت عن إعلان حالة الطواريء في بعض الولايات “وتعطلت أعمال بعض مصافي النفط الحيوية، وتضررت شبكة المواصلات البرية والسكك الحديدية والجوية، وأقفلت الهيئات الحكومية، ما أدى إلى تعطيل وتيرة حياة نحو 140 مليون مواطن أميركي، إضافة إلى زهاء 100 مليون يقطنون الشريط الجنوبي المأهول من كندا”.

ايضاً وخلال تلك الحوادث أعلاه، سارعت الأجهزة الأمنية الأميركية إلى توجيه التُهم إلى الصين، لاعتقادها بأنها “ألحقت الضرر بـ 5 شركات نفط وغاز أميركية عملاقة”.

كشف تقرير صادر عن “مكتب المحاسبة الحكومي” نذرٌ يسير عن هشاشة الشبكات الأميركية التي “تتضمن عدداً من الثغرات المتراكمة، يعزى بعضها إلى تنامي اعتماد أجهزتها على جهود التحكّم عن بُعد، ما يتيح  الفرصة لعناصر التهديد (الكامنة) الدخول إلى تلك النُظُم وتعطيل محتمل للعمليات الاعتيادية” (تقرير بعنوان “تأمين شبكة توزيع الكهرباء الأميركية من هجمات إلكترونية”، 12 تشرين الأول/أكتوبر 2022).

ورأت الدراسة الرصينة أن جهود وزارة الطاقة لبلورة “خطط عمل وإرشادات لتطبيق استراتيجية وطنية (شاملة) لحماية الشبكة من الهجمات” أهملت إدخال “ميّزات أساسية وفاعلة في الاستراتيجية الوطنية”، وتجنّبت الخوض في عملية تقييم شاملة لجميع المخاطر التي تهدد الشبكة، على سبيل المثال.

كما انتقدت الدراسة “الوكالة الفيدرالية لتنظيم الطاقة”، Federal Energy Regulatory Commission، المشرفة على تنظيم خطوط نقل الكهرباء عبر الولايات، لعدم قيامها “باتخاذ تدابير لضمان تطابق معاييرها النموذجية مع الإرشادات الفيدرالية الخاصة بحماية البنى التحتية الحيوية، كما أن معاييرها المعتمدة لا تشمل إجراءات تقييم شاملة لمخاطر الأمن الإلكتروني”، خصوصاً لناحية ثبات مواقع محطات التوليد الفرعية ما يسمح للمجموعات المتطرفة التعرّف إلى نقاط الضعف الكامنة واستغلالها لتحقيق مآربها.

الحلقة المركزية المفقودة لسبر أغوار “هشاشة الشبكة وتآكل بناها التحتية”، في ذاك الكم الهائل من الدراسات المختصة، هي مسؤولية سياسة “خصخصة المرافق العامة”، من كهرباء وماء، عن تفاقم صلاحية الشبكة، والتي دشّنها الرئيس الأسبق رونالد ريغان، أرفقها بتخفيف قيود الإشراف الفيدرالي على أعمالها المتعددة، إضافة إلى تقليص حجم الاستثمارات الحكومية لتطوير الشبكات وتحديثها وحصر تلك المهمّة بالشركات الخاصة المعنية.

ومنذ تلك الأيام الخوالي، ومع ازدياد الطلب على التيار الكهربائي، بفعل التكاثر السكاني والنموّ المضطرد لقطاع التقنية المتطوّرة، يستمر تقصير الشبكة وعدم قدرة أجهزتها تلبية الاحتياجات المتواصلة.

لم تسلم الحكومة الفيدرالية المركزية من انتقاد “مكتب المحاسبة”، المشار إليه، بأنها “لا تملك استيعاباً جيداً لمديات انعكاس الهجمات المحتملة على الشبكة”، مطالباً أجهزتها المركزية من “وزارة الطاقة وبالتنسيق مع وزارة الأمن الداخلي، والشركاء في القطاع الخاص” إنجاز دراسة معمّقة تحدد فيها الثغرات الكامنة في شبكات التوزيع.

2022-11-12-التقرير الأسبوعي

توجّهات السياسة الأميركية في ضوء
زيارة ماكرون لواشنطن  ورئيس الصين للرياض

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

احتفى البيت الأبيض بضيفه الزائر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مؤكداً عمق العلاقة التي تربط واشنطن بالاتحاد الأوروبي، الذي شخّص دوره بدقة وزير خارجية بلجيكا الأسبق، مارك آيسكينز، في مطلع التسعينيات من القرن الماضي، متهكماً بالقول إن تباين توجهات الاتحاد الأوروبي والتناقضات الكامنة بين  صفوفه وضعاه في مرتبة “عملاق اقتصادي، وقزم سياسي، وفي حال انطواءٍ عسكري”، أمام مواجهة واشنطن.

نجحت الولايات المتحدة، منذ ولاية الرئيس أوباما، في تقزيم أهمية دول الاتحاد وسيادة قراره، وخصوصاً أكثرها تأثيراً ونفوذاً، فرنسا وألمانيا، وفرَض عليها بمجموعها زيادة إنفاقها العسكري لتصل إلى 2% من الناتج الوطني، كحد أدنى، والاصطفاف خلف قرار واشنطن بما يخدم مصالح الأخيرة. وتركت واشنطن للاتحاد “هامشاً” رمزياً للتحرك يوازي قرارها تزويد أوكرانيا ترسانةً متنوّعة من الأسلحة والذخائر والمساعدات الاقتصادية.

تُدرك الولايات المتحدة، في المديات الأبعد، حاجتها إلى تطوير استراتيجيتها الأوروبية، بفعل التطورات العالمية، التي بدأت تتبلور أركانها “لاستبدال سياسة العولمة بعقد تحالفات اقتصادية على مستوى الأقاليم”، وبما يضمن سيطرتها على الدول الغربية مجتمعة وانخراطها ايضاً في مشاريع  هيمنة واشنطن على الموارد العالمية.

وتعتقد بعض النُخب الأميركية أن واشنطن لن تتخلّى عن توظيف حلف الناتو كفخٍّ “لتقويض أوروبا”، وتوجهاتها لتدمير اقتصاد الدول الأخرى، وعلى الدول الأوروبية المشاركة الفعّالة في ذلك.

واشنطن، بحزبيها الديموقراطي والجمهوري، لا تُخفِ ازدرائها القارة العجوز كمجموعة، ويصرّح قادتها العسكريون بشأن وضعية القوة العسكرية الأوروبية بأنها “هامشية في حسابات الاستراتيجية الأميركية”، لقناعتها شبه المطلقة بأن “روسيا لا تمتلك القوة أو الإرادة لغزو دول حلف الناتو”،  ولا تعوّل على تكليفها إرسال قوات عسكرية مباشرة إلى أوكرانيا، مثلاً .

أما بشأن المواجهة الأميركية مع الصين، فإنّ “مساهمة حلف الناتو في نشر قوات أوروبية هناك، ستبقى رمزية صرفة” (أناتول ليفن، مدير برنامج أوروبا الآسيوية في “معهد كوينسي” بواشنطن، 1 كانون الأول/ديسمبر 2022).

في ضوء هذه الخلفية وتواضع التوقعات، تعتقد النخب السياسية والفكرية الأميركية أن الزيارة تأتي لتعزيز موقف الرئيس الأميركي، جو بايدن، الذي سيمضي لحشد الأوروبيين، عبر الرئيس الفرنسي، خلف الإجراءات العقابية الأميركية نحو روسيا.

ليس سراً ما تُضمره واشنطن من مشاعر عدائية تجاه القارة العجوز، وما تخشاه من إمكانية مضي “بعض” الدول الأوروبية الرئيسة في رفع العقوبات المفروضة على روسيا “لقاء تسوية سلمية للنزاع في أوكرانيا واستئناف ضخ الغاز الروسي” إلى أوروبا، وتمضي في وضع مزيد من العراقيل أمام دول الاتحاد الأوروبي، التي تئِنّ من وطأة نقص هائل في مخزون وتوريد الطاقة والغاز الروسيين.

ما يميّز العلاقة الثنائية الخاصة بين واشنطن وباريس هو استمرار الأزمات بينهما، بدءاً بعهد الرئيس الفرنسي الأسبق شارل ديغول، وقراره المبدئي عدم انضمام بلاده عسكرياً إلى حلف الناتو، مروراً بالأزمة الأخيرة بينهما المتأتّية من ضغوط واشنطن على استراليا لفك عقودها العسكرية المبرمة مع فرنسا لبناء غواصات نووية، متسببتةً بخسارة مالية ضخمة للأخيرة.

سلّطت الأزمة الأوكرانية الضوء على “تباعد” الرؤى واستراتيجيات التعامل مع المسألة بين واشنطن وباريس، وذهاب الرئيس الفرنسي بعيداً في انتقاده واشنطن قائلاً: “أميركا تبيع أوروبا الغاز بأربعة أضعاف سعره”. ووجّه كذلك وزير المال الفرنسي، برونو لو مير، اللوم إلى واشنطن قائلاًإن المصدّرين الأميركيين “يستغلون أزمة الطاقة لتعزيز سيطرة الولايات المتحدة اقتصادياً وإضعاف أوروبا”، (كلمة للوزير لومير أمام الجمعية الوطنية الفرنسية، 10 تشرين الأول/اكتوبر 2022.

وتفاقمت أزمة عدد من الدول الأوروبية  نتيجة استمرار الحرب في أوكرانيا، وطلبات واشنطن المستمرة، أحيانا بصيغة التهديد، لتقديم دعم متواصل لأوكرانيا. وهو ما دفع اليومية الأميركية “بوليتيكو”، في نسختها الأوروبية، إلى رصد تدهور الآلة الانتاجية الأوروبية نقلاً عن مسؤولين فرنسيين بأنه “جرى استنفاذ مخزون الأسلحة المقدمة من دول الناتو إلى أوكرانيا من بقية مرافق التخزين” (“بوليتيكو”، النشرة الأوروبية، 1 كانون الأول/ديسمبر 2022).

وأشارت الصحيفة الأميركية ولسان حال المؤسسة الحاكمة، نيويورك تايمز، إلى حال “الإرهاق في 20 دولة من مجموع دول الحلف الثلاثين”، ونفاذ مخزون ترساناتها الحربية نتيجة دعمها الحرب في أوكرانيا، لكن واشنطن أصرّت على ضرورة استمرار تدفق الأسلحة الأوروبية إلى أوكرانيا (يومية “نيويورك تايمز”، 29 تشرين الثاني/نوفمبر 2022).

الجانب الفرنسي مهّد للزيارة بإعلانه أبرز عناوين جدول الأعمال، وهي “حض واشنطن على دفع مساعي (ماكرون) الدّيبلوماسية بشأن الحرب في أوكرانيا والاعتراض الفرنسي على النزعة الحِمائية الأميركية” لشركاتها متعددة الجنسيات (موقع “فرنسا 24” الإلكتروني، 29 تشرين الثاني/نوفمبر 2022).

الرئيس الفرنسي ماكرون هو المسؤول الأوروبي الأوحد الذي يحافظ على إدامة علاقة مباشرة بنظيره الروسي، وقوبلت تصريحاته بعدم رضا واشنطن في شأن ضرورة التوصل إلى مفاوضات تفضي إلى إنهاء الحرب في أوكرانيا، وذلك تتويجاً لمساعي عُزوف الشعوب الأوروربية وتفاوت حماسة دعمها لأوكرانيا، وإحساسها بمعاناتها الذاتية من غلاء وسائل الطاقة نتيجة “أخطاء” قرارات زعمائها بالاصطفاف خلف واشنطن.

 

أميركا: الصين والسعودية

 

رسمياً، واكبت واشنطن زيارة الرئيس الصيني للرياض عن كثب ولم تُصدر ديباجاتها المعتادة بالانتقاص من الصين وشيطنة السعودية. ووصفت الزيارة بـ “الحيوية وبالغة الأهمية”، (يومية “وول ستريت جورنال” في 9 كانون أول/ديسمبر 2022).

ونقلت الصحيفة عن عيّنة من النخب الفكرية والسياسية الأميركية معربة عن “قلق الولايات المتحدة” من الزيارة، التي أسفرت عن توقيع “اتفاقية شراكة استراتيجية شاملة” بينهما، تشمل قطاعي الطاقة والتقنية المتقدمة “وربما عقد صفقات شراء السعودية معدات عسكرية صينية متطورة، وبناء مصنع لإنتاج بطاريات الهيدروجين” في السعودية لمصلحة “المدينة الذكية” التي تبنّاها ولي العهد محمد بن سلمان.

قِلّة من النُخب الأميركية المشار إليها تناولت بصدق معادلة “لماذا تنجح الصين وتفشل أميركا” في استرضاء الدول النامية، أو الغوص في عمق الاستراتيجية الصينية التي تستند إلى عقيدتها وموروثها التاريخي، تيانكسيا (Tianxia)، يقابلها مفهوم “كل شيء تحت قبة السماء”.

ورأت تلك الفئة أن زعماء البلدين، الصين والسعودية، قد “جُرِحت مشاعرهما نتيجة إصرار واشنطن على ترويج الحريات الفردية والحقوق الإنسانية” (يومية “وول ستريت جورنال”، 8 كانون الأول/ديسمبر 2022).

وتجاهلت تلك النخب الخوض في تفصيل حقيقة العقيدة الصينية، “تيانكسيا”، التي تستند إلى منظومة هرمية “تكون فيه منظومة القِيَم أعلى من الحرية (الفردية)، والأخلاق فوق اعتبارات القانون” (بحث لأستاذ العلوم السياسية بجامعة عنّابة بالجزائر، يوناب كمال، نشره في موقع “الميادين نت”، 22 نيسان/إبريل 2020).

ومن أهم بنود “التيانكسيا”: مركزية الدولة، فقد فهم المسؤولون أن بلادهم لم تخسر إلا عندما ضعُفت السلطة المركزية، وهذا ما يقوله تاريخ الحروب الأهلية والمجاعات وحروب الأفيون والاجتياحات الأجنبية” (بحث للدكتورة حياة الحويّك عطيّة، 27 آذار/مارس 2020).

وأضافت د. عطية موضّحة ” لقد عُرف النظام التاريخي الصيني بنظام “التيانكسيا”. وعندما اعتنقت الصين شيوعية ماو تسي تونغ، كان الأخير قد حاول أن ينهل من التراث الثقافي الصيني لبناء تيانكسيا جديدة، وهكذا استمرّ خُلفاؤه. فلم تكن الصين شيوعية كالاتحاد السوفياتي، ولا ليبرالية كأوروبا وأميركا. وبهذا حافظت على تصاعد قوتها من دون أن تخسر نفسها”.

عداء أميركا للصين يتصدر خطابات وتوجهات قادتها، سياسيين وعسكريين، فضلاً عن الضخ اليومي في أخطبوط إمبراطوريتها الإعلامية التي تركّز على البعد الأيديولوجي التقليدي واستنهاض نزعة العداء للشيوعية.

كما تبنّى الكونغرس سلسلة من القوانين “تُشرعن” عداء المؤسسة الحاكمة للصين، من أبرزها “قانون المنافسة الاستراتيجية لعام 2021″، الذي يُصنّف الصين منافساً استراتيجياً للولايات المتحدة، عوضاً من التعاون بينهما وترجمة توجهات الإدارات الأميركية السابقة التي عدّت الصين “شريكاً استراتيجيا”.

وتأكيداً للتوجهات العدائية للمؤسسة  الحاكمة الأميركية، ازداد منسوب التوتر واحتمال اندلاع اشتباك مباشر بين واشنطن وبكين عقب زيارة رئيسة مجلس النواب الأميركي، نانسي بيلوسي، لتايوان على الرغم من رفض الصين وتحذيرها إياها، فضلاً عن مطالبة الرئيس الصيني نظيره الأميركي بالتزام مبدأ “الصين الواحدة”، الذي يعني عدم اعتراف واشنطن ديبلوماسياً بتايوان.

قادة أميركا العسكريون أيضاً انضموا تباعاً إلى موجة التهريج الإعلامي ضد الصين ومخطّطاتها المستقبلية، وبأنها تمثّل “تحدياً منهجياً للولايات المتحدة، وفي جميع المجالات العسكرية والاقتصادية والتقنية والديبلوماسية”. وآخرهم قائد القيادة الاستراتيجية الأميركية، ستراتكوم، تشارلز ريتشارد محذّراً من أن الصين تطور أسلحتها النووية بوتيرة أسرع بكثير من الولايات المتحدة، (يومية “واشنطن تايمز”، في 8 كانون الأول/ديسمبر 2022).

وفيما يخص السعودية وزيارة الرئيس الصيني لها، أعربت واشنطن عن قلقها العميق من توافق الطرفين، الصيني والسعودي، على الاتجار بالعملات الوطنية بينهما وخارج منظومة “سويفت” الغربية. ولفتت إلى مشاركة مندوب عن “البنك التجاري والصناعي للصين ” في الوفد الرسمي الزائر للرياض، وهو أكبر المصارف الصينية، “والمشارك المباشر في بلورة نظام سيبس – CIPS” المالي البديل من منظومة “سويفت”.

 

زيارة شي جين بينغ عربياً:

 

في البدء كانت مِصْر وقاهرتها تُمسك بايقاعات التطورات السياسية والدولية وتتصدرها، وهي أول من اعترف بجمهورية الصين الشعبية، في 16 أيار/مايو 1956. التزمت القاهرة سياسة “الحياد الايجابي”، كما جسّدتها قمة باندونغ (نيسان/إبريل 1955)، وساهمت في تأسيس مجموعة “دول عدم الانحياز” بين القطبين العالميين، موسكو وواشنطن.

وفي ظل الإنطباع السائد بأن تحرّك مِصْر لا يزال مقيدّاً كطرفٍ تابعٍ للقرار السعودي، وذلك على نقيض دورها المميّز والقيادي في بوصلة توجهات السياسة العربية، على مدى عقود حاسمة، وعلى رأسها القضية المركزية فلسطين، التي تغيب على نحو صارخٍ عن جدول أعمال قمم الرياض الثلاث المعلنة مع الرئيس الصيني الزائر.

كان ذلك ضرورياً لسبر أغوار ركائز الاستراتيجية الأميركية في المنطقة العربية، وموافقة النظام الرسمي بقيادة الثقل السعودي على عدم إثارة مسألة “عودة اللاجئين الفلسطينيين”، او معادلة “إيجاد حلٍ عادلٍ للقضية الفلسطينية” على الساحات الدولية، كما كانت، وما زالت، ثابتة في السردية الرسمية للنظام العربي.

جوهر مسألة تغييب “حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة ” أنه يصبّ في خدمة الرؤى الاميركية الثابتة لتحصين “الكيان الاسرائيلي” وديمومة تفوقه على مجموع القوى العربية، على الأقل في دول الطوق التي شكّل خروج مصر من معادلة المواجهة والتصدي أكبر خدمة لمشروع الهيمنة الاميركي، وامتداداً إلى ضخ الحياة في المشروع الصهيوني بأيدي وأموال عربية.

يسود اعتقاد لدى بعض النخب الفكرية والسياسية أن واشنطن ليست بعيدة معن حيثيّات القمم المتتالية في الرياض، وخصوصاً أن مصالحها أضحت مصونة وبتكلفة تتحملّها دول النفط العربية بالدرجة الأولى. كما تُوفّر فُرصاً فريدة لها لضبط إيقاعات العلاقات العربية الصينية، على أرضية التزامات الأطراف اتفاقيات، بل قيود، “كامب ديفيد”، وكذلك ديمومة التزام أصحاب الدعوة عزل سوريا واستبعادها من التطورات الإقليمية حولها، وتشديد الحصار عليها.

عالم اليوم يبتعد عن الالتزام الإيديولوجي الذي ميّز علاقات الصين وروسيا سابقاً بدعم حركات التحرر العربية ونُظمها الوطنية. وتغلّبت المصالح الاقتصادية لكل دولة على ما عداها من قِيَم والتزامات تنموية، نتيجة تغوّل عقيدة “العولمة” والتوجهات الليبرالية الأميركية، وتطبيقاتها التي زادت من معدلات الفقر والتهميش وهجرة الأدمغة.

وعليه، فإنّ النظم السياسية المحلية هي من تعوّل على نتائج إيجابية لتوجهات الصين وعلاقاتها المتعددة بالمنطقة العربية، وهي أيضاً تطمع في تعزيز شرعيتها المفقودة.

2022-06-12-التقرير الأسبوعي

العقوبات الاقتصادية الأميركية ركيزة
عضوية في سياسات الهيمنة وإلحاق الضرر بالشعوب

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

تلجأ الحكومات الأميركية المتعاقبة إلى تفعيل سياسة العقوبات الاقتصادية، الرامية إلى “الإقصاء والعزل والمعاقبة” لخصومها، والتي لم تكن وليدة الحرب الباردة في القرن الماضي، أو نتيجة استفرادها بنظام كوبا الفتيّة، بل امتدت إلى عمق نشوء الكيان السياسي الأميركي منذ 215 عاماً، وحصدت بذلك الفشل تلو الآخر، وواكبها انعزال سياسي على المستوى الدولي. كما أنها تحظى، ولا تزال، بمدى تأييد يكاد يكون مطلقاً بين الحزبين، الجمهوري والديموقراطي.

النُخب السياسية الحاكمة أيقنت، منذ نهاية الحرب الباردة، أن تبنيها سياسة “العولمة”، كعنوان مراوغ لبسط هيمنة القطب الواحد، لن يُعمّر طويلاً، أقله لدى استراتيجيّي المؤسسة في بُعديها السياسي والعسكري، واستغلال أقصى ما يمكن توظيفه من موارد اقتصادية تراكمت في إبّان هجرة التقنيات الصناعية إلى أسواق الشرق الأقصى، سعياً وراء تكديس مزيد من الأرباح.

أدّت تلك السياسات المتّبعة إلى تراجع متانة الاقتصاد الأميركي من اقتصاد يملك آليات إنتاج وصناعات ضخمة، إلى اقتصاد محوره “المضاربات المالية”، وتنامي القطاع الخدماتي داخلياً، والاعتماد على منتوجات ما تزرعه الدول الأخرى وتُنتجه من مواد استهلاكية، بحسب رؤية بعض النُخب الليبرالية.

في البُعد الاستراتيجي عينه، كان مرئياً، منذ زمن قريب لدى أقطاب تلك النخب، أن سياسة العولمة والقطب الأوحد ستنزوي بفعل الإفراط في الانتشار وتراكُم تكاليف التمدد العسكري العالية من أجل المحافظة على مكانة متقدمة لأميركا ، وتحلّ مكانها تكتّلات إقليمية تنافسها في مراكز السيطرة الاقتصادية والتجارية، في الدرجة الأولى، مدعومة ببروز تحالفات متعددة الأقطاب، لها الفضل في التخفيف من عبء سلسة العقوبات الاقتصادية والتجارية، والتي تتسابق واشنطن مع نفسها في تفعيلها ضد خصومها، صغاراً أو كباراً، في الظروف الدولية الحسّاسة راهناً.

ويبقى السؤال الجوهري، لدى النُخب الفكرية والسياسية الأميركية، بشأن مردود “الفائدة” من تلك السياسات على مجمل مستقبل الكيان والمفروضة على “أكثر من 30 دولة” لتاريخه، والذي لا يتوانى مسؤولوه عن ترداد التزامهم متطلبات “اقتصاد السوق” ونشر “الاقتصاد الحر”، وفي نفس الوقت وأد التنافس بين القوى الدولية المتعدّدة، وخنق اقتصادات دول وكيانات أخرى بغية فرض انصياع الدول الوطنية الأخرى لمشيئتها.

عند مواكبة خطاب الرئيس جو بايدن، في بُعده الدولي، يلحظ المرء استحضاره وأعوانه، من وزراء ومسؤولين آخرين، التبجح بإيلاء الأولوية “للعمل الديبلوماسي” في التعاملات الدولية. ولا يجد أولئك غضاضة في تناقض المعلَن في ثنايا السردية الرسمية مع تفعيل أقوى لسياسة العقوبات الاقتصادية وأشمل مدىَ، والتي أضحت “الخيار الأول” لصناّع القرار “عوضاً من تسخيرها أداةً من الأدوات الديبلوماسية” المتاحة لحمل الأطراف الأخرى على تقديم تنازلات تراها واشنطن حيوية، وما ينتج منها من “أذىً للمدنيين يفوق ما يمكن السماح به في ميدان المعركة”، بحسب رؤية النخب الليبرالية أيضاً.

من الفرضيات المسّلم بها، عند النخب الأميركية النافذة، ندرة مديات نجاح سياسة العقوبات المفروضة على مختلف الدول والكيانات المتعددة. وتأتي إجابتها عن الحكمة من وراء تطبيقاتها بأنها “أداة سياسية رخيصة ليس لها انعكاسات أو تكلفة على الأوضاع الداخلية الأميركية”.

يذكر أن الحزبين الرئيسيين، الديموقراطي والجمهوري، ينعمان بالإجماع على تفعيل سياسة العقوبات الاقتصادية ضد الدول الأخرى، فضلاً عن “العقوبات الثانوية” ضد مؤسسات ومصالح تجارية تملكها أطراف “ثالثة” غير مدرَجة في لائحة العقوبات، لكنها تُعاقَب، إن ثبت لواشنطن عكس ذلك، كما شهدنا في إبّان ولاية الرئيس الأسبق باراك أوباما، وارتكزت عليها إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب.

قادة الحزب الديموقراطي في الكونغرس كانوا وراء صدور “قانون قيصر”، من أجل إنزال عقوبات شاملة ضد سوريا، “ومعاقبة إي مؤسسة أجنبية، في أي مكان في العالم، تقدّم المساعدة من أجل إعادة إعمار سوريا”.

على الرغم من “انفتاح” الرئيس باراك أوباما على كوبا، وإعادة العلاقات الديبلوماسية بها، فإنه أخفق في رفع العقوبات المتراكمة عليها، نظراً إلى توجّس أقطاب الحزبين في الكونغرس من تغيير في سياسات البلاد نتيجة ظروف دولية، وأصرّوا على سن قانون عقوبات ضد كوبا في عقد التسعينيات من القرن الماضي، على الرغم من تمتّع الرئيس أوباما بصلاحية تعليق العقوبات ضد أي طرف، وفق ما يراه يخدم “الأمن القومي” الأميركي.

وزير الخارجية الأسبق، مايك بومبيو، غرّد مهدّداً أيّ دولة، وضمنها دول أوروبا الغربية، بأنها “ستخضع لأقسى العقوبات، وستشمل أفراداً أو مؤسسات، لمجرد التفكير في عقد صفقات أسلحة مع إيران”، وستُطبّق عليها قيود مصرفية (18 تشرين الأول/اكتوبر 2020).

الولايات المتحدة “تُفعّل مروحة شاملة من العقوبات الاقتصادية، بوتيرة متزايدة، على الرغم من خلوّ سجِلِّها من أي مؤشرات على النجاح، ومن تعاظم الأدلّة أيضاً على تسببها بإلحاق أضرار هائلة بحق مواطني البلدان” المستهدَفة (دانيال لاريسون، المحرّر السابق في مجلة “ذي أميركان كونسيرفاتيف”، 16 أيلول/سبتمبر 2022).

الاستاذ الجامعي والصحافي المرموق، بيتر بينارت، أوجز عجز الديبلوماسية الأميركية عن فرضها سياسة العقوبات والمقاطعة على الخصوم، قائلاً إنه سلاح “يتغذّى على فكر أسطوري، فحواه اعتقاد واشنطن أن تلك الدول سترضخ لشروطها في نهاية المطاف مع استمرار  معاقبتها، وانهيار نُظُمها” (خلال مشاركته في ندوة صحفية في واشنطن، 28 نيسان/إبريل 2021).

وعبّر الصحافي الأميركي الشهير، سيدني هاريس، عن رؤية مماثلة أشبه بالنبوءة لتداعيات سلاح العقوبات، قائلاً إن “التاريخ يُعيد نفسه، لكن في تمويه ماكر لناحية عدم إحساسنا بمدى تطابقه مع الواقع إلّا بعد حدوث الضرر” (كتاب بعنوان “إزالة الأنقاض”، سيدني هاريس، 1986).

تدرك النُخب الفكرية الأميركية عقم سياسة العقوبات، إذ تلجأ الكيانات والدول المعنية إلى ابتكار طرق بديلة للإتجار وآليات أخرى لجني مردودها المالي بعيداً عن سيطرة الدولار . ولا يفوتها التنديد بسياسة تُلحق الضرر بالشرائح الاجتماعية المستهدَفة والأشد احتياجاً إلى الرعاية، صحياً واجتماعياً.

لعقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة هي بمثابة “أعمال حربية موجّهة، وتقتل” المدنيين (دانيال لاريسون، 16 أيلول/سبتمبر 2022).

القطب الصحفي المخضرم في الشؤون العربية، توماس ليبمان، أعاد تذكير المؤسسة الحاكمة بأن “العقوبات عادة ما تأتي بنتائج عكسية”،

وجاء في دراسة أكاديمية أجرتها جامعة أوكسفورد، لتصنيف  وجمع الأدلة والبراهين على الأضرار البالغة التي تسببها، ونشرتها في دوريّتها “غلوبال ستاديز كوارترلي”، في 31 آذار/مارس 2022، أن الحكومة الأميركية “تستخدم سلاح العقوبات الاقتصادية أكثر من أي حكومة في العالم، وتضاعف الهوّة والبؤس بينها وبين المستهدَفين”.

الدراسة جاءت بعنوان مثير: “هل حالة البؤس والعناء حقاً تُحبّ المرافقة؟ تحليل المعاناة العالمية التي تُسبّبهاالعقوبات الاقتصادية الأميركية”. واستطردت بالقول إن من نتائج العقوبات الأميركية أنها “تعمّق هوّة الشرخ بين الولايات المتحدة والدول المستهدَفة، وتُساهم في تعاظم الإجحاف واللامساواة على الصعيد العالمي”.

من بين الأضرار التي رصدتها الدراسة “تعاظم الشعور بعدم الأمان الغذائي، وتردّي الرعاية الصحية”، ويواكب ذلك خطابٌ سياسي غربي مُستهلَك مفاده أن أميركا “تقف مع مطالب الشعب” الذي حرمته من مقومات الحياة اليومية، كما في العراق وسوريا وليبيا والصومال وايران  ولبنان. ونشهد حالياً استهدافاً محموماً لروسيا بالعقوبات، بعد اندلاع الحرب في اوكرانيا،  وصلت الى السعي لفرض تسعيرة لمبيعات الطاقة الروسية، في سابقة تتناقض مع أسس اقتصاد السوق، والذي تتبجّح واشنطن بحرصها على ترويجه.

2022-30-11-التقرير الأسبوعي

تأثير نتائج الانتخابات النصفية
في الجولة الرئاسية المقبلة

 

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

إنّ فحص نتائج الانتخابات النصفية الأميركية وما قد تقود إليه من استنتاجات لجولة الانتخابات الرئاسية المقبلة ينطوي على التسليم بالفرضية الرسمية، أي إن ما جرى هو في نطاق طبيعي لتداول السلطة بين حزبين تتلاشى الفوارق بينهما، والخروج بتوجه يبقى أسير المراوحة بينهما من دون أفق حقيقي لتعديل في سياسات دولة عظمى، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي بشكل خاص.

يلجأ عقلاء المجتمع الأميركي إلى ترديد توصيف شكسبير في روايته الأشهر “ماكبث” بأنّ نتائج ما جرى تتمثل بـ «كثير من الضجيج للا شيء»، وهو ما أكّدته نتائج  تبادل الحزبين مواقع السيطرة على مجلسي الكونغرس بنسب ضئيلة لكلِّ منهما، وعكسه أيضاً استمرار معدلات اللامبالاة الشعبية وتعميق مستويات الشرخ والانقسام البارزة والتي لا حلول لها في ظل توافق الحزبين على عدم مراجعة أسس نظام الكيان السياسي، ناهيك بإدخال “اصلاحات” عليه توسّع هامش المشاركة، كما يطالب به الخطاب السياسي الأميركي رسمياً دولاً ونظم حكم أخرى.

أمام مشهد حصرية تقاسم المقاعد بين الحزبين، في الحالة الراهنة – فاز الجمهوريون بـ 220 مقعداً في مجلس النواب في مقابل 212 مقعداً للديموقراطيين – فإنّ المعركة الحقيقية تجري يومياً على مستويات أدنى في الهرم السياسي، ممثّلة بالسيطرة على مناصب حكام الولايات وتركيبة مجالسها التشريعية والتحكّم في توجهاتها، الأمر الذي مهّد الساحة السياسية للتيارات المتشددة وأكثرها يمينية في المجتمع التأثير على مرشحين يلتزمون بتنفيذ أجندتها السياسية.

وقد حصدت تلك التيارات نتائج صبرها الطويل بالفوز في تركيبة المحكمة العليا، وإصدار الأخيرة قرارات تبطل مفاعيل قرارات “ليبرالية” سابقة عمرها 5خمسة عقود ونيّف، جوهرها المسّ بالحقوق الفردية لشريحة تمثل نصف المجتمع على الأقل.

بيانات جولة الانتخابات النصفية تشير إلى سيطرة الحزب الجمهوري على 56 مقعداً في المجالس التشريعية في عموم الولايات الخمسين، مقابل 39 للخصم الديموقراطي، ما يمثّل خسارة صافية للحزب الديموقراطي بنحو 16 مقعداً في تلك المجالس، في مقابل ربح صافي للحزب الخصم بـ 24 مقعداً.

تباين قوانين الولايات بشأن آليات حسم الانتخابات أدّى إلى تأخير نتائج مقعد ولاية جورجيا في مجلس الكونغرس، نظراً إلى عدم حصول أي من المرشحيْن المتنافسين على نسبة النصف زائد واحداً.

دور المال السياسي في حسم النتائج وطبيعة المترشّحين يطرحان باستمرار  مع كل دورة انتخابية، لكنه سرعان ما يتراجع الجدل بشأنهما أمام الضخ الإعلامي الهائل وحسمه مصحوباً ببيانات متعددة ومتواصلة لاستطلاعات الرأي التي ما تلبث أن تتصدّر مادة التداول الأولى للفت انتباه المواطن وحرف الأنظار عن أولوياته الحقيقية ومتطلبات الحلول.

السباق الرئاسي في دورة العام الجاري لمنصب مجلس الشيوخ في ولاية بنسلفانيا شكّل نموذجاً صارخاً لنفوذ المال السياسي، وخصوصاً بعد استصدار تشريعات سابقة ترفع سقف مديات الصرف وحجم التبرعات لتمهّد طريق النفوذ أمام كبار رؤوس الأموال والتحكّم في الأجندات السياسية.

بلغ حجم الإنفاق على السباق إلى منصبٍ في مجلس الشيوخ لولاية بنسلفانيا “أكثر من 164 مليون دولار”، متجاوزاً بذلك الرقم الأعلى السابق لعام 2014 في انتخابات ولاية نورث كارولينا، الذي بلغ 112 مليون دولار.

وصعدت مستويات الإنفاق في بنسلفانيا إلى معدلات “فلكية”، بحسب بيانات “مركز الاستجابة للسياسات – Center for Responsive Politics” المستقل، مضيفاً أن الرقم النهائي سيشهد ارتفاعاً جديداً بعد تقديم الفريقين بياناتهما للسلطات المختصة في وقت لاحق من الشهر الحالي.

وأشار الاستاذ الجامعي في جامعة فرانكلين ومارشال في بنسلفانيا، تيري مادونا، إلى خطورة المال السياسي قائلاً إن فرط الإنفاق “يجافي مبرراته، لكننا ندرك أن الهدف منه هو السيطرة والتحكم في توجهات واشنطن” السياسية (صحيفة “ذي مورنينغ كاول The Morning Call”، 17 تشرين الثاني/نوفمبر 2022).

وأوضحت صحيفة المال والاستثمارات “وول ستريت جورنال”، في عددها الصادر يوم 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2022، أولويات الأجندة التي تنتظر مجلسي الكونغرس في تركيبته الحالية لبتّها على الفور، وعلى رأسها “الإنفاق على الدفاع”، وكذلك “رفع معدلات سقف الدين العام” لتمويل مشاريع الحروب الراهنة والمقبلة.

من ميّزات السيطرة على مجلس النواب صلاحيتاته الواسعة في الإشراف على مداخيل الدولة، وتحديد الميزانيات المختلفة والموافقة على صرفها، وبت النفقات “الطارئة” التي يتبع معظمها ميزانية وزارة الدفاع.

وصرّح بعض أركان الحزب الجمهوري بأنّ على هيكل المجلس الجديد التصدي لبعض أجهزة الدولة المركزية التي يعارضون توجهاتها، مثل مكتب التحقيقات الفيدرالي، أف بي آي، ومسيرته السابقة في التصدي للرئيس السابق دونالد ترامب.

وامتداداً، سيسعى النواب الفائزون عن الحزب الجمهوري إلى تهميش دور أعضاء الحزب الديموقراطي في تركيبة لجان المجلس المتعددة، أبرزهم النائبة إلهان عمر، ومن ثم وضع قيادات الحزب الديموقراطي أمام تحدٍّ جديد، ليس في الترويج إلى أجندته فحسب، بل في التأثير على رسم الدور المقبل للكتلة الليبرالية الموسومة بـتوجهاتها “اليسارية”، وميول بعض أعضائها إلى الفكر “الشيوعي”، بحسب أدبيات التيارات اليمينية والمتشددة.

من المرجّح أن تندلع معركة حامية الوطيس بين الجمهوريين لتقرير منصب رئيس مجلس النواب، الذي سيذهب إلى الحزب الجمهوري بحكم فوزه بالأغلبية. لكن نجاحه في السباق الانتخابي أفرز كتلة من بين أعضائه تعارض تبوؤ الزعيم المفترض كيفن مكارثي هذا المنصب على خلفية الصراع الداخلي بشأن نفوذ الرئيس السابق دونالد ترامب.

وسيحتاج مكارثي إلى دعم من أعضاء الحزب الديموقراطي لتعويض أعداد مناوئيه في حزبه، وهو الذي يمثّل امتداداً طبيعياً “للوضع الراهن”، وتأييد مراكز القوى الأساسية في رأس المال المالي والصناعي له. وبناءً عليه، تبدو بوادر المعركة إعلامية من أجل تسجيل مواقف معينة تمهيداً للإعداد لجولة الانتخابات الر ئاسية المقبلة.

على مستوى الأجندات السياسية المرجو تحقيقها في المرحلة المقبلة، لا يتوقع تغلّب أعضاء الكونغرس على ولائهم الحزبي والتوازنات الراهنة، لصالح إنجاز خطوات حقيقية يبتغيها المواطن، ربما باستثناء تمويلات لوزارة الدفاع، مهما كانت هائلة، وتوافق الحزبين على استمرار الصرف العالي لبناء الجدار على الحدود الجنوبية مع المكسيك.

أهمية الانتخابات النصفية تتلخّص في أنها فتحت كوة صغيرة للاستدلال على توجهات معركة الانتخابات الرئاسية المقبلة في عام 2024، وخصوصاً دور كل من الرئيس جو بايدن والرئيس السابق دونالد ترامب الذي أعلن رسمياً عن ترشحه للجولة المقبلة.

يعاني الرئيسان، فيما يخص ثقلهما السياسي لدى حزبيهما ومناصريهما، عقبات متباينة للمضي قدماً كمرشحيْ لحزبيهما. بات الرئيس بايدن عبئاً على حزبه لجملة أسباب، أبرزها تقدمه في السن وتراجع ملحوظ في قدراته الذهنية، فضلاً عن عثراته في تنفيذ وعوده الانتخابية، وتزايد منسوب مطالبة أعضاء حزبه بضرورة البحث عن مرشّح بديل لا يعاني من الترهّل الحالي.

على الرغم من أنّ الوقت ما زال مبكراً للحديث عن المتصدّرين لقائمة المرشحين المحتملين عن الحزب الديموقراطي، فإنّ بعض قادة الحزب يميل إلى التوافق على حاكم ولاية كاليفورنيا، غافين نيوسم، وخصوصاً بعد فوزه المميّز في الجولة المنتهية، وما تعرّض له من تشويه لإقصائه عن منصبه، بحسب قوانين الولاية الجارية، وتجاوز ذلك بمهارة واقتدار.

أما الرئيس السابق دونالد ترامب، فسيواجه مقاومة من نوع آخر داخل الحزب الجمهوري، خصوصاً بعد الأداء الباهت لمرشّحين دعمهم بقوة، وتحميل خطابه المستفزّ والإقصائي المتواصل مسؤولية عدم حصد الحزب نتائج أعلى كما كان متوقعاً.

جمهور الحزب الجمهوري ذاته بدأ يعي حقيقة بعض التغيرات الديموغرافية في توجهات ناخبيه، وخصوصاً أنّ عام 2024 لن يستنسخ معطيات جولة عام 2020 وما رافقها من جدل قانوني واسع واتهامات موجّهة إلى لحزب الديموقراطي لممارسته “الخداع والتزوير” في النتائج، كما يمضي الخطاب السياسي للرئيس ترامب في ترويجه.

إن جهود إقصاء ترامب المتوقعة ستكون أبعد عن السلاسة وضرورات الأعراف السياسية لحزب كان يعاني، ولا يزال، ترهّلاً ملحوظاً في نوعية مرشحيه، فضلاً عن أجندته السياسية الضيقة، الأمر الذي يشير إلى احتدام الصراعات في أقطاب الحزب ومديات الدعم التي ما زال الرئيس ترامب يتمتع بها لدى شريحة معتبرة من مؤيدي الحزب، وخصوصاً الأوساط الريفية المترامية الأطراف، وتسجيله بعض الانتقادات المشروعة ضد قادة الحزب التقليديين.

واقع الأمر يشير إلى تيقّن تيارات المؤسّسة الحاكمة، بكل تياراتها وتنوعاتها المعلنة، بعدم السماح لأي مرشّح من خارج المعادلة السياسية وتوازناتها الراهنة بتكرار ظاهرة ترامب. يشتّد يقينها للتحرّك مبكِّراً عقب استمرار جولات تحقيق لجان الكونغرس في أحداث غزوة الكابيتول، وتسليطها الضوء مجدداً على ما يمكن وصفه بـسلوك تآمري، على الرغم من أن توصياتها لن تكون ملزمة لأي طرف، فضلاً عن حقيقة تحكّم مؤيدي الرئيس ترامب في لجان مفصلية في مجلس النواب المقبل، والإشارات المتعددة التي تُطلق تباعاً عن نيّة أولئك الأعضاء تفعيل جهود التحقيق مع الرئيس جو بايدن ونجله هنتر، وخصوصاً في مستوى معادلة الترهيب التي مارسها الأول على الحكومة الأوكرانية لقاء تدفق المساعدات الأميركية إبّان توليه منصب نائب الرئيس أوباما، وما أفرزته البيانات المتوفرة في الكشف عن استغلاله نفوذه السياسي في توظيف نجله مستشاراً لدى أوكرانيا براتب شهري عالٍ.