2019-11-10 التقرير الأسبوعي

المقدمة       

        بدأت معركة التحقيق لعزل الرئيس في مجلس النواب واشتد سعيرها لدرجة لم يتنبأ أحد بغيابها عن المشهد السياسي في أي وقت قريب. بيد أن “مباركة” الرئيس ترامب للتدخل العسكري التركي في شمالي سوريا اتخذ الأولوية في مجمل المشهد السياسي الأميركي.

        سيستعرض قسم التحليل “الغزو” التركي، كما أسماه الرئيس ترامب في البداية، وتنافر المواقف بين واشنطن وأنقرة، وما رافقها من رفض وتهديد للأخيرة بتفعيل الكونغرس عقوبات غير مسبوقة. الرئيس ترامب بالمقابل شدد على التزامه بوعوده الانتخابية لسحب القوات الأميركية من سوريا.

ملخص دراسات واصدارات مراكز الابحاث

سوريا

        اعتبرت مؤسسة هاريتاج أن دعم الرئيس ترامب لنظيره التركي لا ينبغي أن يفسر بأنه بمثابة “ضوء أخضر لشن العمليات العسكرية في سوريا،” كما تروج له الأوساط المناوئة لسياسات البيت الأبيض. وأوضحت أنه من الخطأ القاتل بناء الاستنتاجات والفرضيات الخاصة بالسياسة الخارجية الأميركية استناداً إلى مضمون “تغريدات الرئيس، أو التقارير الإخبارية بوحي التكهنات، أو إضفاء ترجمة مبدعة لما قد يكون قصده.” وشددت على بيان وزارة الدفاع الأميركية التي “أوضحت لتركيا، كما فعل الرئيس، بأننا لا نؤيد العملية التركية في الشمال السوري .. كما أن القوات الأميركية لن تتدخل في سير تلك العملية.”

https://www.heritage.org/middle-east/commentary/trump-serious-about-syria-heres-what-you-must-always-remember

        كما تناولت مؤسسة هاريتاج ما تغاضى عنه الرئيس ترامب في سياق سياسته الشرق أوسطية التي كان ينبغي أن تشمل “هيكلية أمنية لعموم الشرق الأوسط .. والتي كان بإمكانها” إفشال الهجوم على منشآت أرامكو السعودية “وإيران مردوعة من التدخل بشؤون جيرانها.” وحثت البيت الأبيض على أعادة الاعتبار لتلك الهيكلية “الموازية لحلف الناتو لضمان أمن واستقرار المنطقة على المدى البعيد.” ونوهت إلى فشل المحاولات الأميركية السابقة في هذا الشأن أبرزها أبان الرئيس الأسبق دوايت آيزنهاور، بيد أن الأوضاع قد تغيرت منذ ذلك الوقت “وليس بوسع الولايات المتحدة أن تدير ظهرها للمنطقة.”

https://www.heritage.org/middle-east/commentary/time-collective-defense-the-middle-east

        “التدخل التركي في شمال شرقي سوريا” كان محور اهتمامات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في أعقاب مكالمة هاتفية بين “ترامب واردوغان التي وعد فيها الرئيس الأميركي بعدم معارضة التدخل العسكري التركي؛ بينما انسحبت القوات الأميركية المتواجدة بالقرب من الحدود التركية التي يتراوح تعدادها بين 100 إلى 150 عسكري؛ بيد أن بعض القوات الأميركية ستبقى مرابطة في شرقي سوريا.” وأضاف المركز أن البيت الأبيض شدد معلناً أنه من الآن فصاعداً ستتولى تركيا المسؤولية عن كافة مسلحي داعش في المنطقة.

https://www.csis.org/analysis/implications-turkish-intervention-northeastern-syria

        استعرض معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى نتائج تقرير أعدته “مجموعة دراسة سوريا،” بتكليف من الكونغرس، حول آفاق السياسة الأميركية نحو سوريا، مشدداً على ما تضمنه من “تحذير للمخاطر التي تهدد أمن الولايات المتحدة نتيجة انسحاب القوات الأميركية؛ لا سيما وأن داعش لا يزال يملك الوسائل والرغبة لشن هجمات ضدها.” وأضاف المعهد الذي ترأس تلك المجموعة ان “قوات سوريا الديمقراطية هي شريك الولايات المتحدة في محاربة تنظيم «الدولة الإسلامية» داخل سوريا .. وينبغي على واشنطن الإدراك بأنها لا تزال قادرة على التأثير في نتائج الحرب الجارية بآلية تحمي مصالحها الحيوية.” ومضى تقرير المركز بالقول ان “تسليم الرئيس ترامب لتركيا بالمهمة العسكرية لا يعني أن أولويات أنقرة تتمثل في القضاء على داعش.” المطلوب برأي المعهد ومجموعة الدراسة أنه يتعين على واشنطن الاستثمار في “التزام طويل الأجل يستند إلى استراتيجية واقعية .. بتطبيق مبدأ أميركا أولاً وليس أميركا وحدها.”

https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/syria-study-group-2019


العراق

        اعتبر المجلس الأميركي للسياسة الخارجية ما يجري في العراق من حراك يعكس حجم المأزق الذي يواجه “نظام الملالي في طهران” والذي سرعان ما اتضح له عمق الأزمة ليس بدافع تجمهر المتظاهرين ضد الفساد المستشري وتقلص الخدمات المدنية فحسب، بل “ضد التدخل السياسي الإيراني في شؤون العراق.”

https://www.afpc.org/publications/articles/iraq-pushes-back-against-iranian-influence

        وشاطره الرأي مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية لناحية تحميل “القيادة والشخصيات السياسية في العراق المسؤولية عن الفشل في إدارة الدولة كما والقرارات الإجرائية قصيرة الأجل التي اتخذتها لمعالجة إرهاصات لقوى مدنية متعددة، ما هي إلا نتيجة لأزمات بنيوية طويلة الأمد أثمرت اضطرابات سياسية ونزاعات في عموم المنطقة، والتي غذت بروز التيارات المتشددة والإرهاب.” واستدرك المركز بالقول إن ما يعانيه العراق ليس أمراً استثنائيا بل كذلك في “أفغانستان وسوريا وليبيا واليمن .. نتيجة النجاحات المحدودة التي حققتها الولايات المتحدة في حروبها الطويلة.”

https://www.csis.org/analysis/afghanistan-iraq-syria-libya-and-yemen

روسيا

        تناول معهد واشنطن تنامي الدور الروسي في المنطقة خاصة “منذ أيلول/سبتمبر 2015” في سياق “التدخل في سوريا كخطوة للوثوب قدماً وإعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية برمتها، مستغلاً تقلص التمدد الأميركي بالمقابل.” وخلص المعهد بالقول أن الولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين “يتفوقون على روسيا في هذه المنطقة الحيوية والاستراتيجية (وما ينقصهم هو) تبني استراتيجية متوازنة لمواجهة روسيا والمحافظة على المصالح والقيم والمصداقية.”

https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/shifting-landscape-russias-military-role-in-the-middle-east

 

التحليل

ترامب منفرداً للانسحاب من سوريا

وسط معارضة داخلية شرسة

          “انقلاب في القصر ضد (الرئيس) ترامب قادته وكالة الاستخبارات المركزية،” هي ميزة التطورات الأخيرة بين البيت الأبيض ومعارضيه في “السي آي إيه وآليات الحزب الديموقراطي،” والأجهزة الأمنية للإطاحة به.

          تعود تلك الخلاصة إلى المسؤول الأسبق في وكالة الاستخبارات والأستاذ في جامعة جورج تاون، روبرت باير، لسبر أغوار التجاذبات والاصطفافات الأخيرة داخل أركان السلطة السياسية بصورة علنية غير معهودة أو مسبوقة. (مقابلة مع شبكة سي أن أن، 7 أكتوبر).

          يشار إلى أن (باير) يعد من مناوئي الرئيس ترامب الأشداء ولا يتوانى عن إعلان كراهيته له، مما يضيف مصداقية مضاعفة لتصريحاته سالفة الذكر.

          من بين المسلمات السياسية أن الرئيس ترامب ما برح يردد وفاءه لوعوده الانتخابية بسحب القوات الأميركية من أفغانستان وسوريا، واجه معارضة شديدة عند كل نقطة مفصلية من قبل القيادة العسكرية (البنتاغون) ووكالة الاستخبارات المركزية، بالإضافة للقوى الأخرى المصطفة فيما أسماه بـ “الدولة العميقة” من أجهزة أمنية وركائز الحزب الديموقراطي.

          انتهز الرئيس ترامب ما اعتبره فرصته السانحة لتسديد ركلة للوكالة المركزية، عقب إعلانها عن مسؤولية أحد ضباطها المفروزين للبيت الأبيض بإفشاء تفاصيل مكالمته الهاتفية مع الرئيس الاوكراني، مؤخراً، وما رافقها من سعار سلسلة استجوابات مجلس النواب لكبار المسؤولين والمقربين من الرئيس وممن غادروا الإدارة، في سياق التحقيق للبدء بإجراءات العزل.

          يشار أيضا إلى أن القوات الأميركية التي رابطت في منطقة شمال شرق سوريا كان جلها من القوات الخاصة بالتعاون مع وكالة الاستخبارات المركزية، في عهد الرئيس السابق باراك أوباما، والتي تراوح تعدادها بين 300-500 عنصر، وفق التصريحات الرسمية حينئذ.

          بضع ساعات شكلت الفاصل بين إعلان البيت الأبيض عن “سحب قوات أميركية” في الشمال السوري وبدء أنقرة لعملياتها العسكرية، مهد لها ترامب بالإعلان عن عدم مشاركة بلاده “بالعمليات العسكرية العبثية” التي ستشهدها منطقة الشمال الشرقي لسوريا.

          قوافل من الشاحنات العسكرية الأميركية وناقلات الجند المدرعة شوهدت متجهة إلى مدينة (أكاكالي) على الحدود التركية عشية بدء الغزو التركي. وزارة الدفاع الأميركية، البنتاغون، أشارت إلى الغرض من سحب القوات الأميركية بأنه “لضمان سلامتهم .. لكنهم لن يخرجوا من سوريا.”

          ترافقت تلك التطورات مع تحركات الجيش العربي السوري باتجاه مدينة منبج الاستراتيجية حسبما أعلنته “قوات سوريا الديموقراطية – قسد.”

          علل الرئيس ترامب التطورات “المقبلة” في الشمال السوري، عقب مكالمته الهاتفية مع نظيره التركي، والذي صرح بدوره بأن بلاده على وشك شن هجوم عسكري هناك. وأوضح لطواقم الصحافيين في البيت الأبيض، 7 أكتوبر الجاري، أنه عزم على “إعادة القوات الأميركية لموطنها .. بعضها قضى عدة عقود بعيداً عن البلاد؛ فقد كسبت الانتخابات الرئاسية استناداً لهذا الوعد.”

وأردف “.. أمنيتنا هي إعادة قواتنا إلى البلاد وبعيداً عن تلك الحروب اللامتناهية.” حقيقة الأمر أن تعداد تلك القوات مجهرية، بضع مئات، مقارنة بالقوات الأميركية المعلن عنها في المنطقة؛ وما جرى هو إعادة تموضعها من مناطق محددة في الشمال السوري إلى قواعدها العسكرية المنتشرة في العراق وسوريا أيضاً، لا سيما قاعدة عين الأسد في العراق، بالقرب من الحدود المشتركة مع سوريا.

في ذات السياق، أعلنت البنتاغون عن زيادة جديدة في حجم القوات الأميركية في الشرق الأوسط “منذ شهر أيار/مايو الماضي بلغ تعدادها أزيد من 14،000 عسكري.” وأوضحت في بيانها أن مجموع القوات في المنطقة “تفوق 60،000 جندي بعضهم يرابط في قواعد متعددة والآخر على متن حاملات الطائرات المنتشرة.” (11 أكتوبر الجاري).

وأضاف ترامب لطمأنة معارضيه في الداخل الأميركي، من الحزبين وقوى أخرى “..إذا فعلت تركيا أي شيء أعتبره، بحكمتي العظيمة والتي لا تضاهى، تجاوزاً للحدود، سأدمر وأشلّ اقتصادها بالكامل (وقد فعلت ذلك سابقا)، يجب عليها وعلى أوروبا والآخرين، التكفل برقابة أسرى مقاتلي داعش وعائلاتهم.”

لم يكشف البيت الأبيض أو أي مسؤول آخر حقيقة “الخطوط الحمر” التي رسمها الرئيس ترامب لنظيره التركي، ما لبث ان أوضحه لاحقاً في تغريداته بتاريخ 9 أكتوبر “لقد التزمت تركيا بحماية المدنيين، وحماية الأقليات الدينية، بما في ذلك المسيحيون، وضمان عدم حدوث أزمة إنسانية – وسنجعلهم يلتزمون بهذا التعهد.”

واستطرد قائلاً بأن تركيا أضحت مسؤولة الآن عن ضمان الاحتفاظ بجميع مقاتلي داعش والمحتجزين في السجون، وأنه أبلغ الرئيس التركي بأن أميركا لا تؤيد العدوان على الأراضي السورية بل هي “فكرة سيئة.” وأضاف مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية، 10 أكتوبر، أن بلاده أبلغت أنقرة بأنها “.. لن تغطي العملية سياسياً او تدعمها عسكرياً.”

المعلومات الميدانية (الأميركية) أشارت إلى أن القوات التركية مهدت غزوها للأراضي السورية بقصف مدفعي شرس على بوابات سجون داعش، التي كانت تحت سيطرة القوات الكردية؛ مما يعني أن نحو 12،000 مقاتل داعشي قد يتم إطلاق سراحهم، بضمنهم نحو 4000 مسلح أجنبي، فضلاً عن 18،000 مسلح أخرين “مختبئين في المنطقة.”

سياسياً، توحدت لهجة معارضة الرئيس ترامب من قبل الحزبين، بعضهم اعتبر اقدامه على الخطوة منفرداً ودون تنسيق مسبق مع قادة الكونغرس، ومجموعة نددت بها كونها “طعنة بظهر” الكرد حلفاء واشنطن وتهدد المصالح الأميركية، لا سيما وأن واشنطن هي التي طلبت من الكرد، أوائل عام 2015، مساعدتها لقتال داعش.

أنصار الرئيس في الكونغرس انضموا بغالبيتهم لحملة الانتقادات الغاضبة، أبرزهم السيناتور ليندسي غراهام معتبراً قرار ترامب “ينطوي على كارثة،” ودعاه “للعودة عن قراره” بسحب القوات الأميركية من سوريا. وحث الرئيس ترامب على المبادرة بإحاطة مجلس الشيوخ بتلك التطورات في جلسة مغلقة.

وأعرب نحو 29 عضو عن الحزب الجمهوري في مجلس النواب عن دعمهم لمشروع قرار يفرض عقوبات اقتصادية على تركيا رداً على عمليتها العسكرية ضد قسد.

أما استطلاعات الرأي المتعددة فتشير بوضوح إلى انقسام عامودي بين مؤيد ومعارض لقرار ترامب.  أحدثها تشير إلى نحو 54% غير راضين عن سياسات الرئيس مقابل 42% من المؤيدين. نتائج معدل الاستطلاعات المتعددة، لنهاية يوم 10 أكتوبر، بلغت نسباً مشابهة: 54% معارضين مقابل 43% مؤيدين. (موقع ريل كلير بوليتيكس Real Clear Politics).

عند مساءلة المستطلعة آراءهم حول تصريح الرئيس ترامب بأنه “آن الأوان للخروج من تلك الحروب السخيفة واللامتناهية،” كانت النتائج في صالح الرئيس: 58% مؤيد مقابل 20% معارض؛ شملت دعم 55% من الديموقراطيين لتصريح الرئيس، ودعم 69% من الجمهوريين.

الغزو التركي للأراضي السورية يطمح للتوغل بعمق 40-50 كلم ونحو 500 كلم طولاً، بخلاف ما اتفق عليه مع الجانب الأميركي سابقاً بعمق لا يتجاوز 6 كلم (3 أميال) و30 ميلاً طولياً.

المنطقة المترامية الأطراف تتحكم بها طريق M4 الدولي بمحاذاة الحدود التركية تخترق الأراضي السورية بدءاً من مدينة حلب غربا عبر الجزيرة السورية وإلى معبر ربيعة على الحدود العراقية.

بكلمة أخرى هي الطريق الحيوي لسلة الغذاء والطاقة السورية، ولعلها أبرز الأهداف المضمرة للغزو التركي، بعد أن قرر الجانب الأميركي تسليم مهمة استكمال تقسيم سوريا بأدوات تركية مباشرة.

ماذا بعد

الاستراتيجية الأميركية لم تغادر مربع طموحها للإطاحة بالنظام السوري وتقسيم البلاد وفق أسس عرقية وطائفية. فالغزو التركي، كما وصفه الرئيس ترامب نفسه لم يكن سيرى النور دون تنسيق، بشكل أو بآخر، مع واشنطن.

ولعل عدم إدانة واشنطن في مجلس الأمن بقرار يدين الغزو التركي أبرز مثال على تورط الرئيس الأميركي وكبار أعوانه في التكامل مع أنقرة ومنحها الضوء الأخضر، وربما تكليفها بتنفيذ الأجندة الأميركية لتفتيت الدولة السورية وسط صراخ عالي الوتيرة في واشنطن بأنها يتعين عليها الاستثمار في شرقي آسيا لمواجهة الصين وروسيا.

أما تصريحات ترامب وتهديده تركيا بإنزال عقوبات اقتصادية ضدها “واستعداده لشل” اقتصادها بشكل تام فلا تعدو أكثر من خطوة استعراضية لابتزاز تركيا وامتصاص المعارضة الواسعة له، أميركياً ودولياً، لا سيما دول الاتحاد الأوروبي وما تكنه من عداء متأصل ضد “تركيا الإسلامية،” ودعمها لنزعات الكرد الانفصالية.

تجدر الإشارة في هذا الصدد إلى تواجد قوات خاصة أميركية لا تزال تعمل بجانب القوات الكردية، واستمرار عمليات تسليحها كخطوة ضامنة لعدم توغل الجانب التركي أبعد مما هو متفق عليه أميركياً، عدا عن الدعم السري المزمن للجماعات الكردية الانفصالية من قبل دولة الكيان الصهيوني .

أما في الشق العسكري التركي، فأن معظم قواته تعاني من معضلات ميدانية وعملياتية، أوضحها تقرير لمعهد واشنطن، آذار/مارس 2019، في سياق تقييمه لفعالية القوات التركية في سوريا.

وجاء في التقرير أن التحديات أمام القوات العسكرية التركية تشمل: غياب الانضباط، تقدم عمر المعدات مثل المدرعات، الفشل في اعتراض القوات الكردية غربي وادي الفرات، وعدم القدرة على تحقيق الأهداف المرسومة للعمليات الحربية.

ضرب الرئيس ترامب موعداً مسبقاً لزيارة الرئيس التركي اردوغان لواشنطن، 13 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، وكأنه يمنحه تلك الفرصة الزمنية لإنجاز المهمة المتفق عليها. بيد أن التطورات الميدانية والإقليمية والدولية قد تعرقل الزيارة وربما تسهم في إلغائها بالكامل، مما يستحدث مسألة إنزال العقوبات على بساط البحث.

كما تستمر ادارة ترامب في ارسال الإشارات المتناقضة حول عزمها سحب القوات الأميركية من المنطقة بينما ترسل المزيد من مئات الجنود والمعدات العسكرية للسعودية بهدف تعزيز قدرات الأخيرة ضد ايران ، وفي موقف  يتحدى أغلبية الكونغرس المطالبة بتجميد الدعم للسعودية بسبب جرائمها في عدوانها على اليمن.

2019-04-10 التقرير الأسبوعي

الخشية من بيرل هاربر إيراني الصنع
وراء نقل العمليات الجوية الاميركية من العديد
في بيان مقتضب شديد الدلالة أعلنت القيادة المركزية للقوات الأميركية نقل بعض” مهامها العسكرية، خاصة إدارة العمليات الجوية، من قاعدة العديد الضخمة في قطر إلى مقر قواتها في قاعدة (شو Shaw) الجوية بولاية ساوث كارولينا، وصفته يومية واشنطن بوست بأنه “تحول تكتيكي هام.” (29 سبتمبر).
السبب، وفق البيان الصادر في 29 أيلول/سبتمبر الماضي، أي بعد الهجوم اليمني على منشآت ارامكو السعودية، هو “لإبعاد قيادة العمليات والتحكم العسكرية عن مديات الصواريخ الإيرانية؛” والانتقال هو “الأول من نوعه تجريه قيادة القوات المركزية منذ حرب الخليج عام 1991،” حسبما أفادت الصحيفة الأميركية المذكورة.
          مصادر وخبراء عسكريون أميركيون ذهبوا أبعد من ذلك في توضيح “قصور فعالية الأسلحة الأميركية،” بالقول أن القيادة المركزية اتخذت قرارها لتفادي تكرار تجربة هجوم اليابان بانقضاضها على الاسطول الأميركي المرابط في ميناء (بيرل هاربر) بهوايي، 7 كانون الأول/ديسمبر 1941، وما خلفه من ذكرى أليمة في الوجدان الأميركي قضى بسببه ما لا يقل عن 3000 عسكري ومشاة سلاح البحرية وإغراق قطعات أساسية من اسطول المحيط الهاديء.
     تشرف القيادة المركزية للعمليات في قطر على كافة نشاطات القوات الأميركية المنتشرة في “الشرق الأوسط وآسيا الوسطى،” وتدير الطلعات الجوية والعمليات اليومية (الصومال مثلاً) من مقرها هناك، متقاسمة مهام الدعم اللوجستي والإداري والامدادات المطلوبة مع مقر القيادة المركزية في مدينة تامبا بولاية فلوريدا.
          جدير بالذكر أن المعدل اليومي للطلعات الجوية الأميركية في تلك المنطقة المترامية الأطراف تضم نحو 300 طائرةفوق أجواء “سوريا والعراق وأفغانستان وفوق القواعد العسكرية لحلفائنا” في منطقة الخليج.
          تجدد “شبح بيرل هاربر،” عند القيادات العسكرية الأميركية أوضحه ضابط كبير لدى حلف الناتو رفض تحديد هويته ليومية واشنطن بوست بأن “قدرة إيران على استهداف المنشآت النفطية دون اكتشاف أسلحتها المستخدمة أو اعتراضها عزز قلقنا الدائم (بأن) لدى الأميركيين حضور عسكري وقدرات هائلة في منطقة الخليج، لكن بسبب قصور في القيادة والتحكم بتلك الإمكانيات أضحت هدفاً سهلاً للإيرانيين في حال نشوب نزاع إقليمي.”
وتابع قائلاً إن “المسؤولين (الأميركيين) أقروا بفشل منظومات الدفاع (الجوية) الأميركية والسعودية التي لا يمكن الوثوق بأدائها للحيلولة دون وقع هجمات تشنها نماذج زهيدة الكلفة من طائرات الدرونز وصواريخ كروز استخدمت في الهجوم.”
          وأضاف جنرال حلف الناتو أن “اسقاط إيران لطائرة الدرونز الأميركية، إضافة لمحاولات متكررة من حلفائها الإقليميين في اليمن لاستهداف المطار والمنشآت الحكومية في السعودية والإمارات .. أسهمت في انضاج قرار القيادة المركزية الأميركية” المذكور، لا سيما وأن مقرها الإقليمي يقع ضمن مرمى النيران الإيرانية “وإن طهران أعلنت مراراً وعبر عدة جهات أنها ستستهدف القوات الأميركية،” حسبما أفاد قائد مركز عمليات الجو والفضاء للصحيفة العقيد فريدريك كولمان.
          نظم الدفاع الجوي لحماية القاعدة الأميركية في قطر، وفق البيانات العسكرية المتوفرة، تضم بطاريات صواريخ الباتريوت ومنظومات متطورة أخرى مثل منظومة “ثاد” و”ايجيس” مهمتها التصدي للصواريخ وأجسام حربية بالغة السرعة وتحلق على ارتفاعات عالية، عوضاً عن صواريخ كروز وطائرات درونز التي حلقت على ارتفاعات منخفضة.
          نظم الدفاع الجوية السعودية، أيضاً وفق البيانات الأميركية، شبيهة إلى حد كبير بما يتوفر في ترسانة الولايات المتحدة وحلف الناتو: منظومة الباتريوت الأميركية، مدافع مضادة للطائرات ألمانية الصنع من طراز سكاي غارد، ومنظومة دفاعية متحركة فرنسية المصدر من طراز شاهين والتي بمجموعها وراداراتها لا تملك القدرة التقنية على رصد اجسام طائرة على ارتفاعات منخفضة.
          من أبرز ما سيؤدي إليه قرار القيادة المركزية من ترتيبات وانعكاسات سحب المقاتلات الأميركية المتطورة من طراز اف-35 من مرابضها في قاعدة الظفرة الإماراتية إلى قواعد أخرى في السعودية وقطر، حسب تقرير الصحيفة الأميركية المذكورة، وما يرافقه
من خطوات تنسيق مكثفة للمهام اللوجستية.
    تقليص التواجد الأميركي، بدءاً بقاعدة العديد القطرية، سيترك تداعياته سلباً على قدرة الولايات المتحدة الاستمرار في التحكم بالعمليات الجارية في “منطقة الشرق الأوسط،” يواكبه ارتفاع منسوب القلق لدى حلفائها في منطقة الخليج “لا سيما قطر التي أنفقت 1.8 مليار دولار من خزينتها لتحديث القاعدة الأميركية كي تصبح مهيأة لاستقبال وإقامة ما ينوف عن 10،000 عسكري أميركي.”
          بعض القادة العسكريين الأميركيين أقروا بهزالة نظم الدفاع الجوية المنصوبة لحماية قاعدة العديد والتي “لا تستطيع الدفاع عن نفسها ضد صواريخ كروز وطائرات مسيّرة (درونز) تحلق على ارتفاعات منخفضة.”
        في الآن نفسه، حرصت القيادة العسكرية الأميركية على إصدار إشارات لطمأنة الدول الخليجية لناحية عدم تفسير قرارها الأخير بأنه انعكاس لنية تقليص منسوب الالتزام الأميركي بحماية الحلفاء الإقليميين، بل في سياق “إقرارها بأن إيران قد تستهدف القواعد الأميركية ورغبة الولايات المتحدة في الرد السريع على ذلك،” وهو الأمر المتاح في هيكلية مقر القيادة المركزية داخل الأراضي الأميركية.
          في ذات السياق للطمأنة، أوضح قائد مركز عمليات الجو والفضاء العقيد فريدريك كولمان لأطقم الصحافيين عقب إعلان القيادة المركزية بأنه لا ينبغي الاستسلام للقلق لنقل مركز ثقل العمليات العسكرية إلى الأراضي الأميركية “وأتطلع للتحكم بها من مقهى ستاربكس” في أي مدينة أميركية.

2019-20-09 التقرير الأسبوعي

المقدمة 

        الهجمات الأخيرة على مراكز النفط السعودية فرضت نفسها بقوة على أولويات الاهتمامات الأميركية، للسياسيين والنخب الفكرية على السواء؛ في ظل انشغال الرئيس باختيار مستشاره للأمن القومي خلفاً لجون بولتون.

          سيستعرض قسم التحليل هاتين المسألتين لسبر أغوار توجهات الرئاسة في المرحلة المقبلة؛ وكذلك للإشارة على تداعيات إخفاق الأسلحة الأميركية المتطورة في حماية الأجواء السعودية.

ملخص دراسات واصدارات مراكز الابحاث

“الإمبراطورية الأميركية”

          اعتبر معهد كاتو أن واشنطن لا تنوي تخفيض رقعة تمددها العسكرية، لا سيما في أفغانستان، وتصر على أن أي تسوية مقبلة مع طالبان لن يرافقها انسحاب كامل للقوات الأميركية “بل انسحاب جزئي،”    كما عبر عنه الرئيس ترامب بوضوح في حديثه لشبكة فوكس نيوز مؤكداً “سنبقي على قوة تواجدنا هناك.” وأوضح المعهد أن الأمر يدور حول الاحتفاظ بعدد معتبر من “القوات الخاصة والأجهزة الاستخباراتية والمتعاقدين مع البنتاغون .. لفترة غير مقيدة.” وعبر المعهد عن خيبة الأمل من توجهات الرئيس ترامب منافياً لوعوده الانتخابية بالانسحاب وبأنه “أنصت للقادة العسكريين والصقور بالفطرة مثل السيناتور ليندسي غراهام.”

https://www.cato.org/publications/commentary/empire-america-why-washington-cant-reduce-its-military-footprint


منشآت أرامكو

          اعتبر المجلس الأميركي للسياسة الخارجية استهداف منشآت أرامكو بمثابة “اختبار كبير لعزم الرئيس ترامب؛ والرهانات الاستثنائية العالية.” وأوضح أن رد الفعل الأميركي “الجاد والمدروس على تلك الهجمات من شأنه ترميم ثقة شركائنا في الشرق الأوسط إلى حد بعيد .. وضمان أمنهم؛ وما عدا ذلك سيؤدي حتماً إلى خسارة هائلة من مستويات الثقة بإدارة الرئيس ترامب؛ ورفع منسوب الصراع بشكل أوسع.”

https://www.afpc.org/publications/articles/saudi-strikes-are-a-critical-test-for-trump

          استعرض مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية تاريخ تطور الأداء العسكري للدول والتنظيمات المسلحة على ضوء استهداف منشآت النفط السعودية، وصعوبة التنبؤ بما ستؤول إليه نتائج أي مواجهة بصرف النظر عن حجم القوات العسكرية والإمكانيات المادية المرصودة. وأردف أن “سلسلة الهجمات الأخيرة باستخدامها تقنية الطائرات المسيّرة .. قد تؤشر على أننا على أعتاب “ثورة” قتالية جديدة؛ في حدها الأدنى تدل على طبيعة التهديد الاستراتيجي من قبل أسلحة تقليدية زهيدة الثمن، وفعاليتها الجادة مقارنة بسلاح الجو التقليدي.” وخلص بالقول إن إيران هي المستفيد الأكبر من تقنية المسيّرات المسلحة والتي تسخرها “لمقاومة الحرب الاقتصادية وللتغلب على العقوبات.”

https://www.csis.org/analysis/iran-yemen-and-strikes-saudi-arabia-changing-nature-warfare

          وبالتوازي مع استعراضه السابق اعتبر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أن العالم “تفادى طلقة الرصاص” الناجمة عن استهداف منشآت أرامكو، فيما يتعلق بوفرة النفط في السوق العالمية دون ضرر كبير، مستدركاً أن “التحديات لا تزال أمامنا؛ أبرزها إعادة تشغيل المنشآت” في ظل أوضاع إقليمية واستراتيجية متبدلة “ولا يبدو أننا أمام حل لذلك في المدى المنظور.”

https://www.csis.org/analysis/attack-saudi-oil-infrastructure-we-may-have-dodged-bullet-least-now

معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى اعتبر الضربة التي تلقتها درجة التاج الاقتصادي للسعودية بأنها ” فعالة بالغة من الناحية العسكرية .. وتحليق الصواريخ الجوالة – كروز على ارتفاع أقل من 300 قدم؛ واختبار لمصداقية” العلاقة الأميركية – السعودية “وردع إيران.” وحث المعهد صناع القرار على اتخاذ تدابير عاجلة للرد “وإعادة ترسيخ قوة الردع” ضد إيران وبأن الهجوم شكل “فرصة لتحسين النظرة المتداولة حول سياسة واشنطن تجاه ايران،” منها “توجيه ضربة مماثلة على مرافق تصدير (النفط) في جزيرة خرج الإيرانية .. والحفاظ على خيار الرد العسكري في المستقبل.”

https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/a-credibility-test-for-u.s.-saudi-defense-relations-and-iran-deterrence


إقالة بولتون

          شدد معهد كاتو على حق الرئيس ترامب باختيار مستشار للأمن القومي “كما يشاء؛ والمنوط به مواءمة السياسة الخارجية الأميركية مع الحقائق المعاصرة – بما فيها رغبات الشعب الأميركي.” وأوضح أن الاعتقاد السابق السائد لمهمة الولايات المتحدة “كشرطي عالمي .. صابها العطب منذ زمن طويل وقبل تسلم الرئيس ترامب لمهامه.” وطالب المعهد صناع القرار “بالعمل الدؤوب لتقليص رقعة انتشارها العسكرية عبر العالم، التوقف عن التدخل في شؤون الدول السيادية .. كي تستطيع معالجة تحديات عاجلة هنا في الداخل” الأميركي.

https://www.cato.org/publications/commentary/trump-deserves-national-security-adviser-who-agrees-him-can-translate

 

التحليل

ترامب للسعودية:
قاتلوا وسندعمكم

          تزامن إعلان الرئيس ترامب عن اختيار مستشاره للأمن القومي من عصب التيار المحافظ “الواقعي” مع تصريح ناري لوزير خارجيته مايك بومبيو يوصف تعرض منشآت أرامكو السعودية إلى هجوم بأنه “عمل حربي .. ذو مستوى لم نشهده من ذي قبل،” سرعان ما تراجع عنه في محطة جولته في الإمارات مطلقاً خطاباً يشدد على أهمية التحرك الديبلوماسي الدولي.

          خيبت واشنطن أمال “حلفائها وأصدقائها” الإقليميين بضبابية موقفها وعدم الانجرار لرغبات من راهنوا على حمايتها لهم لعقود متتالية بشن هجمات عسكرية، ولو محدودة، ضد إيران؛ دون إدراكهم أو قبولهم بالمتغيرات التي طرأت على الساحتين الإقليمية والدولية منذ حروب الخليج المتعددة واحتلال العراق.

          عقدت الرياض مؤتمراً صحفياً، باللغة الإنكليزية، روجت له بأنها ستكشف عن تفاصيل عسكرية وتسليحية تعزز نظريتها باتهام إيران مباشرة، خيب آمال الحضور والمراقبين لناحية شح المعلومات الموثقة التي لم تتجاوز صوراً لبعض الشظايا والأضرار مشددة على أن اتجاه المسيّرات كان من الشمال وليس من جنوبي حدودها مع اليمن؛ اشتركت في الهجوم، وفق رئيس هيئة الأركان السعودية، 18 طائرة مسيّرة و7 صواريخ كروز.

          في المعلومات العسكرية الأميركية “اتسمت الضربة بفعالية بالغة عسكرياً، وبأسلحة دقيقة للغاية .. الصواريخ الجوالة – كروز المهاجمة حلقت على ارتفاعات متدنية أقل من 300 قدم (90 متراً) مما لم يتح المجال لاعتراض الدفاعات الجوية من قبل العديد من البطاريات المتداخلة لصواريخ هوك وباتريوت؛ أسفرت عن تحطم صاروخ واحد فقط، مما يدل على إصابة بنسبة 95%” في منشأتي بقيق وخريص.

          وأضاف بعض الخبراء بأن “دقة وبراعة الضربة .. لقطاع النفط لم يتم استهداف أي قطاع آخر للطاقة بمثل هذه القوة منذ القصف الدقيق الذي قام به التحالف الأميركي على العراق منذ عام 1991.”

          أقصى ما ذهبت إليه واشنطن، وفق المعطيات المتوفرة راهناً، هو إنزال مزيد من العقوبات الاقتصادية تطال القطاع المصرفي الإيراني بشكل محدد؛ دون إغفالها تردد حلفائها الأوروبيين للقيام بالمثل، باستثناء أداتها الطيعة في بريطانيا. الملفت في الأمر تصريح رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، بالغ الدلالة بأنه “تبادل وجهات النظر مع الرئيس الأميركي بالتوصل لرد ديبلوماسي موحد من الشركاء الدوليين.”

          معالجة الأزمة المتجددة في شبه الجزيرة العربية، يمنيا وسعودياً، أضحى بعهدة مستشار الأمن القومي الجديد، روبرت اوبرايان، مع تطابق رؤاه مع وزير الخارجية مايك بومبيو، واللذين يتمتعان بمستوى ثقة معقول من الرئيس ترامب.

          اوبرايان له باع طويل في أروقة الحزب الجمهوري وذو خبرة معتبرة في الشؤون الدولية نظراً لعمله سابقاً في بعثة بلاده الدائمة للأمم المتحدة خلال رئاسة جون بولتون للبعثة، وتعيينه من قبل الرئيس الأسبق جورج بوش الإبن كمبعوث خاص لشؤون إطلاق سراح الرهائن المحتجزين، وعمل مؤخراً مع وزير الخارجية بومبيو لإطلاق سراح القس الأميركي اندرو برونسون من اعتقاله في تركيا.

واشتغل كذلك على ملف الإصلاحات القضائية في أفغانستان عبر وزارة الخارجية الأميركية. والأبرز في سجله العملي شغله منصب “مستشار الأمن القومي لثلاثة مرشحين للرئاسة” عن الحزب الجمهوري: ميت رومني وسكوت ووكر وتيد كروز.

ركزت وسائل الإعلام المختلفة على محتويات كتاب أصدره اوبرايان بعنوان “عندما كانت أميركا نائمة،” انتقد فيه السياسة الخارجية للرئيس أوباما خاصة ما يتعلق بالاتفاق النووي الإيراني واتهامه الرئيس السابق بأنه “شجع الاستبداديين والظالمين والإرهابيين.”

إيران بالنسبة لأوبرايان “عدو لدود للولايات المتحدة .. ملتزمة بمبدأ تغيير تضاريس الشرق الأوسط برمته وتدمير حليف أميركا الأساسي في الإقليم، إسرائيل؛ ببساطة لا يتوفر أي دليل يدعم فرضية إرساء الثقة بنظام إيران الثوري للتخلي عن هدفه طويل الأمد بتطوير سلاح نووي.”

ويرمي أوبرايان في كتابه إلى إعادة الاعتبار للترسانة العسكرية الأميركية قائلاً “أمام التحديات العالمية الجديدة، حان الوقت للعودة إلى سياسة أمن قومي مبنية على السلام عبر القوة،” في إشارات بالغة الوضوح للتصدي لروسيا والصين.

وعزز قناعته المناهضة للصين بين دفتي كتابه بصريح العبارة  “.. أجريت مفاوضات في بكين مع مسؤولين رسميين كباراً. أعربوا عن ثقتهم العالية بأن اميركا والغرب هم بانحدار والقرن الحادي والعشرين سيكون ملكهم.”

فيما يخص قضايا “الشرق الأوسط،” قناعات اوبرايان بإعلاء القوة العسكرية لا تشي بحدوث تغيير مفاجيء للوجود العسكري الأميركي كانسحاب من أفغانستان أو سوريا. وبحكم خلفيته العملية كضابط في سلاح البحرية الأميركية، فإنه يولي الترسانة البحرية اهتماما عالياً في بسط النفوذ الأميركي، لا سيما عبر مطالبته بتحديث حاملات الطائرات وتأييده لتخصيص مزيد من الأموال على الإنفاقات العسكرية.

سياسياً وديبلوماسياً، لا ينظر اوبرايان بعين العطف المطلوب لدور وزارة الخارجية “بتضخم طواقمها الإدارية” والمطالبة بتعديل التوجه عبر “إدخال قدرات قيادية ذات بأس لتعديل بوصلة الوزارة،” وكذلك الأمر مع وكالة الاستخبارات المركزية ووزارة الدفاع والأجهزة الأخرى.

حافظ أوبرايان على تأييده ومنسوب ولائه للرئيس ترامب منذ بداية مشوار ترشحه للرئاسة؛ ونظراً لطبيعة عدم ميله الالتزام بموقف أيديولوجي، كسلفه بولتون،  فمن المتوقع أن يستمر في علاقة وطيدة مع الرئيس وبأنه لن ينافسه داخل صفوف حزبه أو يتركه عارياً أمام تيار المحافظين المتشددين.

الموقف الأميركي، بعد افول بولتون، فيما يتعلق بمنشآت النفط السعودية جاء ثمرة أحدث اجتماع عقده الرئيس لمجلس الأمن القومي، الجمعة 20 الشهر الجاري، عززته جملة تغريدات للرئيس يمكن ايجازه بالمواقف التالية:

واشنطن لم توعد السعودية بالدفاع عنها؛ الحماية الأميركية المطلوبة سعوديا ينبغي أن يدفعوا أموالاً لقاء ذلك؛ فتح المخزون النفطي الاستراتيجي الأميركي لتعويض السوق الداخلية من أي نقص. الأهم ربما هو في تكرار الالتزام بتحرك ديبلوماسي عبر بوابة الأمم المتحدة لاحتواء الأزمة.

أسفرت سلسلة لقاءات ومشاورات رفيعة المستوى عقدها البيت الأبيض في الآونة الأخيرة للتوقف عند الرد الأمثل على اختراق المسيرات اليمنية للدفاعات الجوية وشبكات منصات الصواريخ المتعددة الأميركية المنوطة بحماية الأجواء السعودية وبلورة مواقف تعكس مركزية القوة العسكرية الأميركية: اجتماع للقادة العسكريين تلاه اجتماع لمجلس الأمن القومي بكافة أعضائه.

الغائب الأبرز عن تلك الاجتماعات والتصريحات المتتالية كان “الخيار العسكري،” دائم الحضور في المواقف الأميركية السابقة، لا سيما ما يتعلق بإيران. وعند الاستحقاق أخفقت واشنطن بتنفيذ ما كان وكلاؤها يعولون عليه – شن حرب على إيران نيابة عنهم.

اقتصر العرض الأميركي على إرسال مجموعة قتالية محدودة مختصة بالدفاعات الجوية لتعزيز القوات الموجودة في القواعد الأميركية. مما يطرح جملة أسئلة وتكهنات حول مهمة المعدات الأميركية المتطورة في قواعدها ولدى القوات السعودية: طائرات الاواكس، بطاريات الصواريخ الحديثة، أسلحة الرصد والتشويش، الأقمار الاصطناعية، وترسانتها من الطائرات المسيّرة الهجومية.

لم يشفِ العرض غليل المراهنين على “مواجهة إيران عسكرياً،” لا سيما في الشق العسكري الصرف لناحية تلك الميزانيات التسليحية الخيالية وحقيقة تنفيذها ووجهتها النهائية، إضافة للناحية التقنية التي يقر فيها الخبراء العسكريون بمنافسة فعالة لدول أخرى (روسيا والصين وإيران) للقدرات العسكرية الأميركية، ولما هو أبعد من ذلك ليطال ما لدى الكيان “الإسرائيلي” من تقنيات ومعدات مشابهة أخفقت أيضاً في المواجهة المحدودة على الحدود الشمالية والجنوبية لفلسطين المحتلة.

تجارة الأسلحة الدولية ستأخذ تلك التجربة وأدائها الباهت بعين الاعتبار، ومن غير المستبعد ان تحجم عدد من الدول المستوردة للأسلحة الأميركية عن المضي قدماً بالاعتماد عليها في ظل توفر بدائل زهيدة الكلفة بالمقارنة، جرى تطويرها في ظل حصار اقتصادي على عدد من الدول مثل روسيا وايران، وتخفف الأعباء المالية عن اقتصاديات الدول النامية تحديداً.

2019-13-09 التقرير الأسبوعي

طرد بولتون لن يغطي على

خيبات السياسة الأميركية

 

          سرعة إقالة، أو استقالة، جون بولتون من منصبه كمستشار الرئيس للأمن القومي كانت مفاجئة في بعدها الزمني ليس إلا، إذ استبقها إعلان البيت الأبيض بشكل رسمي عن مؤتمر صحفي يعقد هناك، صباح يوم 10 أيلول/سبتمبر، بحضور الثلاثي وزيري الخارجية والخزانة ومستشار الأمن القومي. انعقد المؤتمر القصير بغيابه بعد قرار إقالته ببضع ساعات.

          التوقف لسبر أغوار ما جرى ليس بالأمر العسير نظراً لطبيعة التكتلات والاصطفافات والخلافات الحادة التي جسدها بولتون داخل المشهد السياسي بخيار القوة العسكرية الأميركية لغزو العالم والإطاحة بالنظم والدول المناوئة لسياسات بلاده.

          كما أنه ما برح يمثل الشرائح والمصالح الأميركية الأشد عدوانية الساعية لإزاحة المنافسين الدوليين عبر الاستثمار الهائل بالترسانة التسليحية، وقدرتها على تبني الدولة أضخم ميزانية عسكرية في تاريخها.

          بيد أن الحلول الأحادية التي تبناها واعتمدها بولتون والقوى الداعمة له في المؤسستين السياسية والاستخباراتية لم تؤت أكلها كما كان مراداً لها، بل ارتدت بنتائج مغايرة على هيبة ومصداقية البلاد؛ لا سيما في التحشيد الهائل ضد فنزويلا وكوريا الشمالية وسوريا وإيران، فضلاً عن سلسلة ملفات أخرى متصلة كالحرب على اليمن وأفغانستان.

          الاستراتيجية الأميركية الكونية أفصحت عن خطواتها المقبلة منذ أفول الحرب الباردة الممثلة بالتوجه شرقاً لمحاصرة الصين وروسيا، مما اقتضى التعديل في بعض الأولويات والتوجهات في ظل تشظي عدد من دول أوروبا الشرقية، يوغسلافيا وتشيكوسلوفاكيا، وخروج منطقة “الشرق الأوسط” تدريجياً عن سلّم الأولويات الأميركية، بانكفاء “إسرائيل” عن الجنوب اللبناني عام 2000، وهزيمتها عام 2006، وتراجع أهمية المخزون النفطي لصالح الإنتاج الأميركي.

          صلافة بولتون في تعامله الاستعلائي والعنصري ضد زعيم كوريا الشمالية، وتهديده له بأنه يتعين عليه حذو النموذج الليبي بتسليم واشنطن كافة ترسانته النووية والصاروخية والكيميائية، أسهم مباشرة في خلط الأوراق والأولويات الأميركية، بينما انشغل الرئيس ترامب في الانفتاح والتقارب وعقد لقاء قمة مع الزعيم الكوري في الوقت عينه.

          صمود بيونغ يانغ أمام التهديدات الأميركية وتحديها بالمضي في التجارب الصاروخية، بدعم وتأييد كل من الصين وروسيا، أرسل جملة رسائل مشفرة لصناع القرار بأن الحرب النووية التي تهدد بها واشنطن لن تكون محصورة في شبه الجزيرة الكورية وحدها، لا سيما في قواتها العسكرية المرابطة هناك والتي ستكون أول ضحايا المواجهة.

          لعل عامل القلق الجديد داخل الأوساط الأميركية هو تطوير بيونغ يانغ قدراتها العلمية لغزو الفضاء رصدتها المؤسسات الاستخباراتية ممثلة بإعلان كوريا الشمالية عن ضرورة الحفاظ على محطة الفضاء الدولية للأغراض السلمية، 13 أيلول/سبتمبر الجاري، حسبما أفاد به مركز أميركي لرصد تطورات كوريا الشمالية NKNews.org.

          أيقنت المؤسسة الحاكمة، الاستخباراتية والعسكرية، أنه آن الأوان لتغيير الحصان الخاسر وتحميله وحده مسؤولية الفشل المتواصل للسياسات الفجة المتبعة التي أدت لعزوف أقرب حلفاء واشنطن عن مشاطرتها سياساتها وتوجهاتها الخارجية، لا سيما في إيران والتجارة الخارجية مع الصين، وما لبثت أشد القيادات السياسية المفرطة في عنصريتها أن ابتعدت تدريجيا عن مسلك وحكمة مستشار الأمن القومي، وأيدت قرار اعفائه من مهامه على الفور.

          بولتون وفشله المتكرر في جملة ملفات متتالية جدد سيل الانتقادات الداخلية، أبرزها عزوف دول الاتحاد الأوروبي عن التراجع بالالتزام بالاتفاق النووي مع إيران، بالدرجة الأولى، وتعاظم قلقها من انسحاب واشنطن من المعاهدة النووية مع موسكو محذرة من نشر الأولى أسلحة صاروخية جديدة على أراضيها، بل إعلان أقرب حلفائها (ألمانيا بشكل خاص) عن رفضها الصريح لأي طلب أميركي محتمل لنشر أسلحة متطورة.

          علاوة على القلق الأوروبي الداخلي المشروع من سباق تسلح جديد على حساب دوله قاطبة، فقد أدرك قادته مبكراً الدور المحوري لجون بولتون لانسحاب بلاده من الاتفاق النووي من جانب واحد مما أسفر عن “.. تحشيد جهود أصدقاء وأعداء واشنطن لمناهضة محاولات الأخيرة لتفكيك وتدمير اتفاقية التزمت بها الأطراف الموقعة عليها، لا سيما إيران،” وفق توصيف ضابط الاستخبارات البريطاني الأسبق شارلز شوبريدج.

          وأبلغ الأوروبيون حلفائهم الأميركيين رسائل صريحة متكررة، وفق معلومات شوبريدج، بأن “.. مغامرات بولتون عرّت وعززت عوامل الضعف الأميركية وأسهمت في عزلتها الدولية؛ وضاعفت من منسوب الريبة والشك لاستدراجهم عنوة للمشاركة في حرب بقيادة واشنطن لن تعود عليهم إلا بكوارث جديدة.” بل لن تجد واشنطن من يؤيدها “.. سوى إسرائيل وربما بريطانيا التي تواجه عزلة مرئية بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي.”

          تضافر تلك العوامل والضغوط إن دل على مغزى معين قد حفز المؤسسة الأميركية بكامل أجنحتها والمصالح الاقتصادية الكبرى التي تمثلها على تعديل البوصلة، وإظهار تأييدها لسياسات الرئيس ترامب المتسقة مع وعوده الانتخابية بعض الشيء، وإنقاذ الحزب الجمهوري من حالة الترهل تمهيداً لإعادة انتخابه لولاية ثانية، مما يقتضي تحقيق بعض الإنجازات الملموسة لاستثمارها انتخابياً.

          باستطاعة المراقب الحصيف للمشهد السياسي الداخلي الأميركي رصد حالة الإحباط المنتشرة بين النخب السياسية والاستخباراتية على السواء من عدم تحقق نبوءاتها السابقة بأن السياسات المتشددة والإغداق السخي غير المسبوق على الترسانة العسكرية ستضاعف “الاستقرار الأمني” المنشود للولايات المتحدة؛ بل أدت لنتائج مخيفة وأسهمت في زيادة عزلتها ورفع شأن منافسيها الدوليين، لا سيما الصين وروسيا وإيران أيضاً.

إقصاء بولتون حظي بإجماع التيارين الرئيسيين في المؤسسة، ممثلاً بالحزبين الجمهوري والديموقراطي؛ مما وفرّ حيز مناورة مرحلية أوسع للرئيس ترامب في توجهاته لا سيما فيما يخص بالاستدارة مرة أخرى نحو إيران وقرب إفراجه عن جزء كبير من ثرواتها المحتجزة والمجمدة في المصارف الغربية والأميركية، تمهيداً للقاء يجمعه بالرئيس الإيراني على هامش أعمال الدورة السنوية للجمعية العمومية للأمم المتحدة.

تبادل ترامب وبولتون مفردات قاسية بعد إعفائه أعاد للواجهة بعض الشكوك الأولى بأن ذاك الثنائي استخدم بعناية فائقة على المسرح الدولي للعبة مزدوجة “الرجل القاسي والأخر المتعاطف” علها تخدم الاستراتيجية الكونية بأقل الخسائر الممكنة. خروج بولتون بالشكل المهين عزز المقولة بأنه استنفذ غرضه عند المؤسسة كشماعة تهديد لمناوئي الهيمنة الأميركية، وبات الرئيس ترامب متحرراً من سياسة “قيود العقائدية الجامدة – الدوغماتية” لانتهاج سياسة عالمية ظاهرها أكثر انفتاحاً لترميم هيبة ومكانة واشنطن.

مصير بولتون

 من غير المرجح أن يلتزم جون بولتون السكوت والهدوء بعد اقصائه وتأكيده على الفور “.. استقلت، بعدما عرضت ذلك ليلة أمس” على الرئيس. المقربون والمناوئون لبولتون يجمعون على نزعته لتسريب ما يشاء من معلومات ومواضيع تخدم أجندته المتشددة والقوى الداعمة له بين تيارات المحافظين واللوبي “الإسرائيلي.”

وأشار عدد من موظفي البيت الأبيض للصحافيين أن بولتون عمد الاتصال مباشرة مع معارفه وأصدقائه بينهم والتواصل عبر تغريدات ورسائل شخصية “للتوضيح بأنه لم يتم إعفاؤه، وانما خياره الخاص.” أمر لم تشهده واشنطن منذ عصر الرئيس الأسبق نيكسون وفضائح ووترغيت.

جردة سريعة لسجله “وانجازاته” في غضون الشهور التسعة الماضية تدل على نجاح تشويشه “بإفشال لقاء قمة هانوي بين الرئيسين الأميركي والكوري الشمالي، وتحفيز الأخير على التزام التشدد والحذر؛ الدعوة لشن غارات جوية على إيران، والتصرف الأحادي لإرسال قطع بحرية أميركية لمياه الخليج خارج القنوات المألوفة والمعتمدة؛ الفشل الذريع في إنجاز انقلاب عسكري في فنزويلا؛ إعتراض وإفشال خطة الرئيس ترامب بالانسحاب من سوريا؛ الدفع باتجاه تصعيد الوجود العسكري الأميركي في أفغانستان ..”

بيد أن حقيقة الأمر تدل على أن تصرفاته وأجندته لم تكن بدافع فردي، بل منسجمة ومتطابفة مع الأهداف الاستراتيجية العليا لصناع القرار في المؤسسة الحاكمة بكل تشعباتها، سياسياً وعسكرياً واستخباراتياً واقتصادياً.

للدلالة على تعارض أجندة المؤسسة مع “بعض” سياسات ترامب تنبغي الإشارة إلى قرار مجلس الشيوخ مطلع العام الجاري “بتوبيخ” الرئيس لإعلانه الانسحاب من أفغانستان وسوريا، بأغلبية عالية 68 صوتاً مؤيداً مقابل 22 معترضاً.

من سيخلف بولتون كمستشار مؤهل للأمن القومي ويحظى بدعم ترامب؟ تحقيق الشرطين في آن واحد يعد أمراً ينافي الواقع والمشهد الراهن نظراً لطبيعة تصرفات ترامب من جهة، ونفوذ المحافظين الجدد وأشد العنصريين ضراوة على التحكم بمراكز القوى.

بيد أن المتداول المرئي للحظة يشير إلى أن الرئيس ترامب لديه قائمة من المرشحين المفضلين، قيل إنهم تسعة وربما عشرة أفراد، يجمعهم الانتماء لذات التيار العنصري والمتشدد، مع بعض التباين البسيط، جلهم ذو خلفية عسكرية واستخباراتية؛ أحدهم هو العقيد دوغلاس ماكريغار والمؤيد للرئيس ترامب الذي طاف على عدد من المؤسسات الإعلامية مروجاً لسياسة أميركية تستند لتقليص الحضور العسكري الأميركي عبر العالم؛ ومنتقداً بولتون وسياساته، بل اتهمه بأنه يعد لمسرحية “خليج تونكين” جديد لاستدراج الولايات المتحدة لحرب أخرى مع إيران.

ذات التيار المتشدد سعى في الأيام القليلة الماضية للضغط على ترامب بتعيين وزير الخارجية مايك بومبيو لذاك المنصب مع احتفاظه بمنصبه الحالي، أسوة بما قام به وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر. والتقى بالرئيس على انفراد لمدة أربع ساعات متواصلة، لكن ترامب عدل عن تلك الفكرة في الوقت الراهن.

الاختيار المقبل لمنصب المستشار سيخضع لطبيعة التوجهات السياسية المنظورة للرئيس ترامب، مع حرصه على إرضاء المحافظين الجدد لهوية المرشح، عنوانها الأبرز سيؤشر على إذا ما كان إعفاء بولتون يشكل نقطة تحول حقيقية في استدارة الاستراتيجية الأميركية، أم امتداداً للمرحلة السابقة مع تعديل بالمفردات، أو عنواناً لإعادة توازن الاصطفافات بين المحاور الرئيسة داخل المؤسسة الحاكمة.

2019-07-09 التقرير الأسبوعي

المقدمة

       عاد النشاط البحثي لمؤسسات الفكر الأميركية المتعددة، بعد انقضاء عطلة الصيف مطلع الشهر الجاري؛ وكذلك للدوائر الرسمية باستثناء مجلسي الكونغرس اللذان سينعقدان الأسبوع المقبل.

         أبرز التحديات الراهنة للولايات المتحدة يكمن جذرها في سبل احتواء صعود الصين، وهو العنوان الذي سيتناوله قسم التحليل مسلطاً الضوء على مقولة تتردد بكثرة في واشنطن من أن “.. القرن الحادي والعشرين قد يتحول لقرن صيني بامتياز.”

ملخص دراسات واصدارات مراكز الابحاث

الاتجار مع الصين

         دأب معهد كاتو على انتقاد سياسة الرئيس ترامب الاقتصادية بفرضه نظام رسوم جمركية متصاعد على المنتجات الصينية لا سيما وأن “تغريداته ترافقها أنباء غير سارة” للطرفين، والسياسة الاقتصادية الأميركية الراهنة في عهده هي “حمائية بشدة .. وانتاب الرئيس غضب من رد الصين بفرض رسوم موازية، معلنا انتقامه برسوم جديدة رداً على الرد.” وأضاف أن ذاك التصرف “دشن حرباً تجارية باضطراد والتي باتت تخرج عن نطاق السيطرة؛ مما يخضع المنتجات الصينية لرسوم تتراوح بين 15% إلى 30% مع نهاية العام الجاري” مؤكداً أن كافة شرائح المجتمع الأميركي ستعاني من تلك التصرفات “غير المدروسة.”

https://www.cato.org/blog/trumps-trade-policy-so-far-too-many-trade-wars-very-little-trade-liberalization


إيران

         سخر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية من نداءات الإدارة الأميركية المتكررة بمناشدة الدول الأخرى الانضمام لقوة عسكرية تحت قيادتها لحماية الملاحة التجارية في مضيق هرمز، مشبهاً ضحالة منسوب التجاوب بـ “إقامة واشنطن حفلة ولم يحضرها أحد ما.” بل أن مناشدة واشنطن “تواجه بالحيطة والحذر والاستهجان؛ ليس بدافع الخشية من الإيرانيين، بل لحسابات دقيقة من حلفاء واشنطن وشركاءها بأن بقاءهم بعيداً عن نوايا واشنطن هو أسلم لهم.” أما الإيرانيون وفق المركز، فإنهم ماضون في تطبيق سياسة “تديم التوترات على نار هادئة لكن دون وصولها للانفجار؛ بهدف الإبقاء على الأزمة مشتعلة لكن دون مرحلة نشوب الحرب.”

https://www.csis.org/analysis/about-counter-iran-coalition%E2%80%A6


الصين

         أعاد المجلس الأميركي للسياسة الخارجية لفت الأنظار إلى الأوضاع الداخلية في الصين بالزعم مجدداً أن بكين “تمارس اعتقالات جماعية لأقلية الأويغور .. بالتزامن مع تدمير مساجدهم وهدم أحيائهم السكنية.” كما استحضر المجلس بعضاً من تاريخ الأويغور وجذورهم كإحدى القبائل التركمانية المتجولة، وانشاء أحد الفروع التابعة لهم، قره خانيد، عاصمة حضرية لهم في مدينة كاشغار بالقرب من حدود الصين مع قيرغيزستان.” وأضاف أن الأيغور اعتنقوا عدداً من الديانات تباعاً منها “المذهب الروحاني والبوذية والمانوية والمسيحية ومن ثم رسوا على الإسلام.”

https://www.afpc.org/publications/articles/chinas-brutality-cant-destroy-uighur-culture

أفغانستان

         أقر معهد كارنيغي بهزيمة الولايات المتحدة في أفغانستان “ببطء منذ بضع سنوات، ليس لعوامل عديد القوات والمعدات بل للفشل الكارثي في تحديد أهداف واقعية يمكن تحقيقها من تلك الحرب.” وأضاف أن الاستراتيجية الأميركية انطلقت من “مكافحة الإرهاب وتشعبت الأهداف لمديات أسهمت في فشلها، وتم رهن أهداف مكافحة الإرهاب لمطالب أقصى مما قوّض تحقيق الطموحات الأصلية.” وخلص بالقول إنه “آن الأوان لتقبل المخاطر والتنازلات الصعبة عبر تسوية تفاوضية، والتي إن تأجلت لزمن أطول تزداد الكلفة ومنسوب الألم.”

https://carnegieendowment.org/2019/08/26/we-need-to-take-best-deal-we-can-get-in-afghanistan-pub-79738

 

التحليل


الصين صعود فارق لنفوذ لاحق

         تجمع النخب السياسية والبحثية الأميركية على تراجع النفوذ الأميركي في العالم قاطبة ودخول الصين بقوة على المسرح العالمي واجتيازها مرحلة كونها “مستودع لإعادة تصدير بضائع” السوق الاستهلاكية الرأسمالية إلى مصاف القوى العالمية.

         من بين أبرز النخب الفكرية الأميركية كان معهد بروكينغز الذي حذر في دراسة له بعنوان “الهيمنة الغربية على الساحة العالمية تشرف على نهايتها – ونحن الآن ندخل عصر النفوذ الصيني،” (29 كانون ثاني/يناير 2017)؛ بعد استعراض شامل لإرهاصات تطور الصين ومعاناتها التاريخية من “.. غزوات أوروبية وإهانة ونهب ممنهج لخيراتها، لكنها تمسكت بسيادتها بقوة، واستطاعت استعادة السيطرة على مواردها مع نهاية القرن العشرين.”

         بيد أن الصين لا زال أمامها مشوار غير يسير لاستعادة كافة أراضيها، لا سيما هونغ كونغ وجزيرة فرموزا – تايوان والسيطرة على بحر الصين الجنوبي؛ مقارنة باستكمال الكيان السياسي الأميركي وسيادته على أراضيه منذ نهايات القرن الثامن عشر.

         دخول الصين عصر النهضة الراهن جاء تتويجاً لصعود رئيسها الحالي، شي جين بينغ، باعتقاد النخب السياسية الأميركية، والذي وعد شعبه بخطاب مطول في تشرين الثاني/نوفمبر عام 2012 بتحقيق “حلم الصين (الموحدة) … والتجديد العظيم للأمة الصينية التي عانت من مشقات وتضحيات بالغة .. ولم يستسلم شعبها أبدا، وواصل نضاله دون انقطاع، وفي النهاية فاز بتقرير مصيره بيده.”


الصين: الأولوية للسيادة

         من بين الدراسات الغربية الرصينة حول نفوذ الصين التصاعدي، تنبؤ الأستاذ الجامعي البريطاني، روبرت بيكرز Robert Bickers، في مؤلفه الصادر مطلع عام 2017 “خارج الصين: كيف أنهت بكين عصر الهيمنة الغربية،” باستعراضه عناصر الجذب والترابط والرفض التي ميزت تعامل الصين مع المراكز الغربية على الدوام؛ مؤكداً أن استحداث الصين “للنزعة القومية” جدير باستيعابها ومدى تجذرها في الوعي الشعبي، ماضياً وحاضراً .. والتي أضحت نتيجة منطقية ترافق القوة (الاقتصادية) المكتسبة بمشقة.”

         ويمضي مؤكداً على حتمية “قيام الصين القوية اقتصادياً بترجمة نفوذها وذاتها على العالم، والذي قد يستغرق زمناً قصيراً للتعود عليه، لكنه سيحدث حتماً.” وفي مكان آخر يشير إلى عزم الصين على التوصل “للاكتفاء الذاتي كعنصر أساسي لتعزيز حضورها بين الأمم وتجسيداً لمطالبها باستعادة السيطرة على أراضيها،  وعدم العودة مرة أخرة لمرحلة تهديدها بالقوة.”


الحرب التجارية

         احتدام التنافس التجاري والسيطرة على الأسواق، بين الأقطاب الاقتصادية الكبرى في مرحلة العولمة دفع بالصين إلى تصدر مكانة الإنتاج الأبرز في الاقتصاد العالمي، بصرف النظر عن طبيعة نظام الحكم الذي لا يزال يستند إلى تراث “الحزب الشيوعي الصيني” في شرعيته. الأمر الذي أثار حفيظة أميركا بشكل رئيس في العقدين الماضيين، استنهضت واشنطن كل ما لديها من أسلحة، حربية وناعمة وعدائية عنصرية، لمواجهة وتقليص تغلغل ونفوذ الصين في الأسواق العالمية.

         ما شهدناه مؤخراً من تبني واشنطن لتدابير وإجراءات “عقابية” على المنتجات الصينية، تبادل فيه الطرفان خطوات انتقامية أدت لزيادة الرسوم الجمركية على منتجات البلدين وارتفاع غير مبرر في أسعار السلع والمنتجات لا سيما عند بدء العام الدراسي في الولايات المتحدة وتحمل المواطن أعباء إضافية لا قدرة للسواد الأعظم عليها.

         وحملت يومية الاقتصاد والمال الأميركية وول ستريت جورنال سياسات البيت الأبيض العشوائية مسؤولية التدهور محذرة من “تفاقم مخاوف الاسواق من أن توقد النزاعات التجارية بين البلدين شرارة ركود في الاقتصاد الأميركي.”

وأوضحت ان النتائج الأولية الملموسة لتلك السياسات أسهمت في “فقدان الثقة بالشركات الأميركية الصغيرة .. نحو 670 مصلحة، بسبب رسوم فرضها ترامب؛ وإعاقة التبادل التجاري بين العمالقة الصناعيين في آسيا، وتضرر نشاط المصانع التي يقوم عملها أساسا على التصدير في الدول الأوروبية.” (5 سبتمبر الجاري).

         وأردفت أن “الرسوم الجمركية على السلع المستوردة تزيد من الضغوطات على الشركات المتعددة الجنسيات عندما يتعلق الأمر بالتكاليف، وهذا ما يجعلها تبحث عن طرق بديلة لتعويض خسارتها .. كما أشارت بعض الدراسات الاستقصائية إلى تراجع الأنشطة الصناعية في اليابان وتايوان وكوريا الجنوبية وإندونيسيا، مع نتائج متباينة في الصين. أما في أوروبا فقد سُجل انخفاض ملحوظ في الأنشطة الصناعية في ألمانيا، التي تعد المورد العالمي الرائد للآلات والمعدات التكنولوجية.”

         أبرز النزاع التجاري بين بكين وواشنطن عوامل صراع أشد بينهما كانت كامنة في معظمها لوقت قريب جذرها سياسي بأبعاد استراتيجية بالدرجة الأولى، لا سيما لعزم الصين الثابت في ممارسة سيادتها على أراضيها ومياهها الإقليمية، بمواجهة التعزيزات العسكرية الأميركية على مقربة منها؛ ومسؤولية الأمن الإقليمي في مياه بحر الصين الجنوبي، وخطة الصين الاستراتيجية في الانفتاح الاقتصادي المدمجة في “طريق الحرير” الجديد الذي سيصل أقصى مناطقها بكافة الدول الأوروبية براً، مروراً بكامل الجغرافيا الفاصلة بين الصين وألمانيا، وما هو أبعد.

         البيت الأبيض تشبث بقراراته السابقة بفرض الرسوم الجمركية تصاعدياً، على ما قيمته 550 مليار دولار من المنتجات الصينية، أخرها ستدخل حيز التنفيذ منتصف كانون الأول/ديسمبر من العام الجاري، بنسبة 15% على “الهواتف الخلوية وأجهزة الكمبيوتر المحمولة ولعب الأطفال والملابس” في ذروة التسوق احتفالاً بأعياد الميلاد والسنة الجديدة.

         في الوقت عينه، أكد البلدان على إدامة التواصل بينهما على مستويات رفيعة بغية التوصل لصيغة اتفاق ترضي الطرفين، على الرغم من تزايد منسوب القلق من نوايا بعضهما البعض؛ لكنها محاولة أميركية لترضية حلفائها الأوروبيين بالدرجة الأولى والإعلان عن التمسك بمعاقبة بكين فيما بعد. الأخيرة أعلنت أن وفدها الرسمي سيصل واشنطن منتصف شهر أكتوبر المقبل.

         استراتيجية الصين في التعامل مع النزعات الأميركية المتبدلة عنوانها الصمود والصبر والقدرة على التحمل، مع ادراكها العميق أن غالبية صادراتها، 80%، تذهب لأسواق الدول الأخرى خارج أميركا، مما يتيح لها قدراً أعلى من المناورة والخيارات البديلة.

         بالمقابل، تنظر واشنطن إلى ارهاصات ومظاهرات مقاطعة هونغ كونغ، المعادية لبكين، بعين العطف وتقديم الدعم للمحتجين، رغم انكارها الخجول، كوسيلة ضغط إضافية على المفاوض الصيني لتقديمه تنازلات قاسية. يشار إلى أن سيادة المقاطعة ستعود بالكامل لبكين عام 2047، وفق الاتفاقية المبرمة مع التاج البريطاني.

وفي الخلفية أيضاً سعي الدوائر الأميركية لإشعال التوترات في مقاطعة “شينغ يانغ” اقصى غربي الصين، التي تقطنها أقلية الإيغور القومية، وإدامتها هناك طمعاً في اقتطاعها عن البلد الأم على طريق تقسيم الصين، أسوة بجزيرة تايوان التي حرصت واشنطن مؤخراً على بيعها طائرات مقاتلة أميركية حديثة لتعميق الشرخ بينها وبين البلد الأم، ورسالة مفادها أن واشنطن ستفرد مروحة حمايتها للجزيرة عززتها بتحريك قطعها البحرية في مياه المضيق الفاصل بين الجزيرة والأراضي الصينية؛ فضلاً عن استمالة الدول الإقليمية بالقرب من الصين لصالحها وتجديد نزعة العداء التاريخي بينها وبين الصين؛ أحدثها فيتنام التي زودتها واشنطن بستة زوارق حربية لتعزيز حراستها لشواطئها.

تحافظ واشنطن أيضا على تأجيج العداء الإقليمي لاستراتيجية الصين “الحزام والطريق،” عبّر عنه المركز الأمني لأميركا الجديدة بالقول “تحت مظلة الحزام والطريق، تسعى بكين الترويج لعالم مترابط عبر شبكة للبنى التحتية ممولة صينياً .. لكن لها أبعاد أخرى فضلاً عن المبادرة الاقتصادية؛ أذ ما هي إلا وسيلة محورية لتعزيز طموحات الصين الجيو-سياسية.”

بالرغم من تلك الاستراتيجية الطموحة والسيولة المصرفية الهائلة لدى بكين، وسخاء استثمارها في بنى الدول الإقليمية التحتية – ومن ضمنها سوريا، لكنها تسير بحذر شديد في المرحلة الراهنة كي لا تستعدي واشنطن وتدخل في مواجهة مباشرة معها في ظل عدم نضوج استعداداتها لها.

ربما تلك الاستراتيجية الصينية توازي في مفارقتها السياسة الأميركية عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى، والتي جسدتها بالاستثمار في بنيتها التحتية الداخلية وفيما بعد بالبنى الأوروبية المدمرة. بيد أن نزعة واشنطن التوسعية المتأصلة استثمرتها بداية في السيطرة على القارة الجنوبية بتدخلها عسكريا في أميركا الوسطى منذ عقد العشرينيات من القرن الماضي، ما لبثت أن تبلورت ونضجت نواياها الاستعمارية للسيطرة على موارد وخيرات الكون بأكمله؛ بدءاً بالهيمنة على كامل أوروبا الغربية وتدريجيا باستبدالها السيطرة على المستعمرات البريطانية والفرنسية السابقة.

2019-30-07 التقرير الأسبوعي

واشنطن تجهز تقنية “الروبوت”

لاستخدامها في حرب الفضاء الجارية

 

       دخل الغاء الاتفاق النووي للأسلحة النووية المتوسطة، من الجيل القديم، بين موسكو وواشنطن، حيز التنفيذ رسمياً مطلع شهر آب الجاري؛ ومن ثم يستأنف الطرفان سباق تسلح نووي يسخر الفضاء الخارجي كساحة صدام مرتقبة وفق التصريحات الأميركية الحادة بمضامينها العدوانية، قابلتها روسيا بخطاب يستند إلى الكياسة الديبلوماسية لكنها ماضية في خططها لإدخال أسلحة من نماذج جديدة في الفضاء الخارجي، أسلحة مضادة للأقمار الإصطناعية.

       لم تعد الحرب الحديثة (الباردة) تقتصر على تكثيف جهود القرصنة عبر المنظومة الالكترونية، بالغة الأهمية والتعقيد لدى الطرفين، بل تنذر بتمدد الأسلحة إلى أنماط لم تعهدها البشرية من قبل بتسخير تقنية الروبوت، أو الحوامات الآلية الصغيرة لتنفيذ مهام متعددة وخطيرة نيابة عن العنصر البشري.

       سبق وأن تناول المركز في عدة تحاليل سابقة “حرب الفضاء” الجارية بين العواصم الكبرى عنوانها تقنية الأقمار الاصطناعية التي لم تعد حبيسة أدراج أفلام الخيال العلمي، بل أقرب إلى النضوج والإعداد لا سيما في أعقاب إعلان الرئيس ترامب، منتصف العام الماضي، عن تشكيل “قوة فضائية” كذراع مستقل في تشكيلة أسلحة القوات الأميركية موضحاً أن الهدف هو “ضمان الهيمنة الأميركية على الفضاء” الخارجي.

       بعبارة أخرى، تنوي واشنطن عبر هيمنتها المتخيلة في الفضاء تمديد وتعزيز سيطرتها أيضاً على الكرة الأرضية بأبعاد عسكرية وأمنية صرفة، مردودها العلمي والانساني مبهم في أفضل الأحوال، مما حدى بعدد من أرفع العلماء الأميركيين وصفها بالعبثية وتستنزف أموالاً وموارد دون جدوى.

استجابت فرنسا للضغوط الأميركية سريعاً بإعلان رئيسها مانويل ماكرون في احتفالات العيد الوطني يوم الباستيل، 13 تموز الماضي، “.. إنشاء قوة فضائية فرنسية ” للأغراض العسكرية “مهمتها الدفاع عن الأقمار الإصطناعية” الفرنسية؛ واكبه إعلان وزيرة دفاعه فلورانس بارلي عن خطة البدء بتطوير “.. أقمار اصطناعية بتقنية النانو (متناهية الصغر) مزودة بمدافع ليزر ورشاشات آلية؛ لمهاجمة وتعطيل أقمار إصطناعية أخرى؛” مقرها قاعدة جوية مستحدثة في مدينة تولوز، كلفتها الأولوية 700 مليون يور (778 مليون دولار) كجزء من ميزانية أشمل تبلغ 4.3 مليار يورو (4.8 مليار دولار) مع نهاية عام 2025.

وقالت في احتفال عقدته في قاعدة عسكرية بمدينة ليون، 26 تموز الماضي “يعكف حلفاونا وخصومنا العسكريين على عسكرة الفضاء الخارجي. ينبغي علينا اتخاذ المبادرة، والإبقاء على الجهوزية.”

في مسألة “الجهوزية القتالية” أفاد تقرير صدر حديثاً عن سلاح الجو الأميركي، نشرت أجزاء منه نسخة ايرفورس تايمز الالكترونية، 26 تموز الماضي، تضمن بيانات مقلقلة لحقيقة فعالية سلاح الجو الأميركي التي “.. استمرت في الانحدار منذ عام 2012” وللآن “بلغ معدل المقاتلات القادرة على الإقلاع وتنفيذ مهامها أقل من 70%.”

وأوضح التقرير أن 5،413 طائرة من مختلف الأنواع والمهام القتالية، وهي مجموع طائرات   سلاح الجو، “تقلص معدل جهوزيتها القتالية بشكل مضطرد .. ليصل 69.97% لعام 2018؛ مما يعادل انخفاضاً بنسبة 8% عن معدلات عام 2012.”

الصين بدورها ردت على نزعة “الهيمنة الأميركية” مؤكدة أن ” النظام والقاعدة للأمن الدولي يقوضهما تزايد الهيمنة وسياسة القوة والانفرادية والصراعات الإقليمية المستمرة والحروب .. الصين تؤمن إيماناً راسخاً بأن الهيمنة والتوسع محكوم عليهما بالفشل؛ السمة المميزة لحماية سيادة الصين لم تكن قط الهيمنة أو التوسع أو بسط النفوذ.” ضمنتها بوثيقة رسمية أطلقت عليها “الكتاب الأبيض” بشأن استراتيجيتها “للدفاع الوطني في العصر الجديد.” (24 تموز 2019).

في سياق سباق التسلح عينه، أعرب الرئيس ترامب (2 آب الجاري) عن ثقته بتوصل واشنطن لاتفاق نووي جديد مع روسيا والصين “.. الولايات المتحدة تريد ضم الصين في مرحلة ما؛ ناقشت الأمر مع الرئيس بوتين كما ناقشته مع الصين (وهي) متحمسة جداً لمناقشة هذه المسألة.”

في خلفية تصريحات الرئيس الأميركي يكمن توجه واشنطن للتوقيع على معاهدة الحد من الأسلحة النووية من “الجيل الجديد” تضم موسكو وبكين. أما “الجيل الجديد” من الأسلحة فقد أوضحته نشرة ديفينس وان، المختصة بالشؤون العسكرية، 30 تموز 2019، بأنه يستند على تطوير أسلحة مضادة لجهود “الصين وروسيا اللتان تهددان منظومة الأقمار الإصطناعية الأميركية لشؤون الدفاع والاتصالات .. باستحداثهما منظومة روبوتات تعمل في الفضاء الخارجي.”

يعود مصطلح الروبوت إلى اللغة التشيكية، robota، للتعبير عن العمل الجبار اي القيام بالأعمال الصعبة والخطيرة نيابة عن البشر.

عدد متزايد من القادة العسكريين والسياسيين الأميركيين يعربون عن شديد قلقهم من تمكن (روبوت اصطناعي) الاقتراب وشل حركة أحد الأقمار الأميركية، أو عدد منها، مما سيؤثر على “مساحة التحذير الزمني .. حتى ببضع ثواني معدودة؛” والتي ستنعكس طرداً على فاعلية أجهزة الإنذار الأرضية.

من أبرز تلك القيادات الأميركية كان جون هايتن، رئيس هيئة القيادة الاستراتيجية الأميركية الذي وصف التهديد المرئي “بالأقمار الانتحارية – كاميكازي،” نيسان 2019؛ أي تسخير خاصية القرصنة الالكترونية لاعتراض تدفق البيانات بين الأقمار الإصطناعية والمحطات الأرضية، خاصة في حال اندلاع حرب حقيقية ولو على نطاق محدود.

التحذير لا ينفك من “هجمات القرصنة الجارية في الزمن الراهن.” يشار إلى تعرض المحطة الأرضية لوكالة الفضاء الأميركية، ناسا، في النرويج لاعتراض تسبب في تأخير وصول البيانات لنحو “12 دقيقة،” عام 2008، والتي كانت ترصد النشاطات الروسية والصينية في الفضاء الخارجي.

وفي وقت لاحق من العام ذاته تمكن قراصنة من التحكم بقمر الرصد “تيرا إيرث” التابع لوكالة ناسا أيضا والسيطرة التامة عليه “واختاروا عدم المساس بمنظومته وحركاته.”

عند هذا المنعطف يشار إلى المعاهدة الدولية الخاصة بالفضاء الخارجي (لعام 1967) التي أرست “بعض” الضوابط لحركة الأقمار الإصطناعية متعددة الأهداف، مما يجعل بصعوبة من مكان استهداف مركبة فضائية لأخرى شبيهة دون ترك بصمات هويتها، الأمر الذي يعد “عملاً عدائيا،” شبيها بالحرب التقليدية.

كما أن طبيعة القوانين الفيزيائية الضابطة لحركة الأقمار الإصطناعية وتثبين دورانها في مدار معروف مسبقا تعيق حركة المناورة في التنفيذ والإفلات من رد فعل الخصم، وهي بحاجة لمصدر طاقة ذاتية هائل لتنفيذ المناورة وتعديل مدارها، فضلاً عن طبيعة الوقود السائل المطلوب الذي يعسر توفيره بانتظام في الفضاء الخارجي.

الخبير الأميركي والأستاذ بجامعة بيركلي بولاية كاليفورنيا، دانيال درو، أوضح الشق العلمي والعملياتي لتلك (الروبوتات – الطائرات الأيونية) “المعادية” بأنها حوامات صغيرة صامتة، ذاتية القيادة، تعتمتد على محركات دفع أيونية (مصدر كهربائي لتسريع الأيونات الموجبة) وتوليد قوة الدفع.

أحد النماذج الأميركية تم عرضه عام 2017 متناهي الصغر، لا يتعدى قطره 2 سم،” أي ما يقارب قطر قطعة معدنية من فئة ربع دولار.” (نشرة سبكترم الصادرة عن المعهد الأميركي للمهندسين الكهربائيين والالكترونيين ، 5 شباط 2019)

ويضيف أن النماذج الحالية المتوفرة تستدعي ارتباط الروبوت بمصدر طاقة متواصل، لكن الأبحاث والتطورات العلمية تعد بتغيير أساسي في تلك الخاصية مما سيعطب الروبوتات قدرة أشمل على التطبيق منها الاستكشاف في الفضاء الخارجي.

تتعاظم أهمية تقنية الروبوتات الفضائية، ليس لتواضع كلفة انتاجها مقارنة مع طاقاتها الراهنة والمستقبلية، بل كأحد البدائل العلمية للحد من ذروة الحركة للأقمار في المدارات الأرضية.

يصل عدد الأقمار الاصطناعية للدول العالمية المختلفة نحو 5،000 قمر يدور حول فضاء كوكب الأرض، ومن المتوقع ازديادها لنحو 40،000 جسم مع حلول عام 2025؛ ودخول دول جديدة على سباق المنافسة في الفضاء فضلاً عن انضمام “القطاع الخاص،” لا سيما الأميركي، الذي يتوقع أن يطلق وحده ما لا يقا عن 12،000 قمر اصطناعي في السنوات الخمس المقبلة.

الأمر الذي دفع “مركز الفلك الدولي” لإطلاق صيحات التحذير نهاية شهر تموز الماضي من حدوث “أزمة مرورية” لتلك الأقمار بعد إطلاق نحو 60 قمراً اصطناعياً في الأسبوع الأخير من الشهر الماضي فحسب، فضلاً عن النفايات والقطع المعدنية (الخردة) السابحة في الفضاء التي يقدر عددها بنحو نصف مليون قطعة.

وكالة الفضاء الروسية، روس كوسموس، أعلنت عن قرب أطلاقها لروبوت روسي، سكي بوت اف-850 ، في 22 الشهر الجاري، للالتحاق بمحطة الفضاء الدولية واخضاعه لتجارب تهيؤه لمهمات استكشاف الفضاء الخارجي.

المركز الألماني “لأبحاث الذكاء الإصطناعي،” مقره مدينة بريمن، يجري تجارب لتقنيات حديثة على روبوتات في صحراء المغرب العربي “لتهيئتها القيام بمهام فضائية مستقبلا.” (دويتشي فيله 13 ديسمبر 2018).

الولايات المتحدة ستطلق جملة من الأقمار الجديدة المطورة والمزودة بمعدات ضد التشويش لأغراض عسكرية، أبرزها “أن تي أس-3” لتحديد المواقع العالمي، لعام 2022، ميزته ذاتية الحركة واستقلاليته في العمل في حال عطل يصيب اشاراته مع المراكز الأرضية.

الأدبيات الأميركية بهذا الشأن تشير إلى اعتماد الخبراء الروس طرق اتصالات بديلة في الفضاء الخارجي أيضا، منها موجات الراديو القصيرة الصادرة عن مركز فضائي يعرف “يو في بي-76” يبث على موجة طولها 4.625 ميغاهيرتز، ويمكن الاستماع إليها في أي مكان على الكرة الأرضية.

جدير بالذكر أن تقنية موجات الراديو القصيرة كانت المصدر الرئيس للاتصالات العسكرية قبل اكتشاف ميزات الأقمار الاصطناعية؛ وتتميز محطاتها الأرضية بسرعة تبديل مواقعها وتغيير موجات التقاطها تباعاً لتفادي تشويش الأطراف المعادية، ولخاصيتها في مقاومة القرصنة والتشويش.

الجهود الأميركية، بالمقابل، تستثمر موارد وطاقات عالية “.. لتعزيز الاستخدامات العسكرية في الفضاء، والتحليق التجاري، وتنويع مصادر الاتصالات؛ من أجل عدم إتاحة الفرصة لخصومنا أبداً بمعرفة كيفية طرق مواصلاتنا” الالكترونية، وفق ارشادات رئيس هيئة القوات الاستراتيجية الأميركية، جون هايتن.

2019-19-07 التقرير الأسبوعي

الحرب الالكترونية جارية

تصاعد مخاوف اميركية من خسارتها

          من خصائص السياسة الأميركية في المرحلة الراهنة استمراءها اللعب على حافة الهاوية وتصعيد حالات الاستقطاب والاستعداء، تعبيراً عن نفوذها وسيطرتها على مقدرات العالم؛ مدعومة بشكل شبه مطلق من المجمع الصناعي العسكري والمالي الذي يرسم ملامح وتوجهات استراتيجياتها الكونية منذ الحرب الباردة.

          من بين جدول الأولويات والتحديات الأميركية برزت مسألة القرصنة الالكترونية، كوسيلة حرب “كانت” واشنطن تتفوق تقنياً على كافة خصومها لزمن ليس ببعيد، مما اثار قلق الخبراء والاخصائيين الأميركيين في شؤون الأمن الالكتروني معربين عن خشيتهم من “تراجع مكانة الولايات المتحدة في هذا المضمار وخسارتها الشق الدفاعي من الحرب الالكترونية.”.

          في هذا الصدد، حثت مؤسسة راند، الذراع الفكري لمجمع الصناعات العسكرية، في أحدث دراسة لها، مراكز القرار الأميركي على تصعيد مرتبة “الحرب الالكترونية في الفضاء الإلكتروني” إلى نظرية و”مبدأ عسكري،” يستدعي موازنات وطواقم خاصة ومختصة.

          وأوضحت المؤسسة أنه يتعين على “.. حلف الناتو الإبقاء على جهوزيته للتعامل مع التهديدات الالكترونية التي مصدرها أي مكان في العالم؛ والعمل على تثقيف اعضاء الحلف حول شن عمليات في الفضاء الخارجي، التخطيط العملياتي للحرب الالكترونية، برامج التدريب، واجراء تجارب لانشاء “ذاكرة عضلية” ضرورية.” (حزيران 2019).

          بجملة واحدة، انها دعوة للقوات المسلحة الأميركية بالاستمرار في تنفيذ عمليات الكترونية متعددة ضد الدول الأخرى، والتي حذر منها احد ابرز خبراء الأمن الالكتروني الأميركي، الاستاذ بجامعة كولومبيا، جيسون هيلي، معرباً عن قلقه من “انزلاق” بلاده نحو شن حرب الكترونية مستدامة؛ دشنتها البنتاغون باعتماد استراتيجية الفضاء الالكتروني، 2018، عمادها مبدأ “الدفاع المتقدم.”

          بالتوازي مع مأسسة واشنطن للقرصنة الالكترونية، جاء في تقرير لإسبوعية دير شبيغل الألمانية، منتصف آب 2018، أن وزيرة الدفاع الألمانية، اورسولا فان دير لاين، أعلنت عن تأسيس “جيش الكتروني لحماية نظم الأسلحة وتكنولوجيا المعلومات” للقوات الألمانية للحصول على أسلحة الكترونية بالغة التطور. تسلمت فان دير لاين منذ بضعة أيام رئاسة الإتحاد الاوروبي بدعم أميركي.

في منتصف عام 2010 أعلنت ألمانيا أنّها كانت ضحية عمليات تجسس بالغة التعقيد من قبل الصين وروسيا استهدفت القطاعات الصناعية والبنى التحتية الحساسة من بينها شبكة الكهرباء.

          تعرضت شبكة الكهرباء في مركز المال العالمي بنيويورك إلى عطل الاسبوع الماضي شل كافة مناحي الحركة التجارية، من بين الأسباب المحتملة تعرضها لإجراءات قرصنة؛ وصادف التاريخ ما خبرته المدينة عام 1977 من انقطاع تام للتيار الكهربائي لفترة زمنية غير قصيرة.

          اجراءات التحصين وحماية شبكات الطاقة الأميركية في حالة لا تسر صديق، وفق تصريحات الخبراء المعنيين، إذ أن أحد أهم الأسباب يكمن في الملكية الخاصة لتلك المرافق، سواء طاقة كهربائية أو شبكات توزيع المياه، وغياب العناية اللازمة من قبل الشركات الكبرى لتطبيق اجراءات الحماية كونها تعد انفاقاً وهدراً للميزانية.

          مستشار البنتاغون للأمن الالكتروني في سلاح البحرية، مايكل باير، شكل صورة قاتمة بالقول “أعتقد اننا بصدد حرب الكترونية معلنة؛ تستهدف مجمل اركان المجتمع والدولة. اعتقد بأننا نخسر تلك الحرب.”

          شهادة المستشار المذكور جاءت في اعقاب “اكتشاف” السلطات الأميركية قرصنة واسعة قامت بها الصين عام 2018 لعديد من أجهزة وشبكات الكمبيوتر الخاصة بمجموعة من كبار المتعاقدين والشركات لدى البنتاغون، احتوت على معلومات سرية دقيقة تتعلق بالصواريخ المضادة للسفن، ومدى المعلومات الأميركية المتوفرة الخاصة بقدرات الصين البحرية.

          وكشفت اجراءات التحقيق في الحادث عن “تعرض نظم أسلحة رئيسة لقرصنة الكترونية بعضها كان نتيجة عدم التقيد باجراءات الحماية واستخدام التشفير .. أو لعدم إغلاق خوادم الكمبيوتر.” واضافت لجنة التحقيق أن الأعمال اللوجستية للقوات العسكرية بمجملها معرضة للتدخل الخارجي، لا سيما في توزيع المياه والغذاء والذخيرة ومصادر الطاقة، أو على أقل تعديل تأجيل تسلمها في المواعيد المقررة وحتى تحويلها ألى وجهة أخرى عبر برامج كمبيوتر ضارة.

          اخصائيي الأمن الالكتروني في المعهد الدولي للأمن السيبيري أعربوا عن اعتقادهم بوجود رابط بين الحادثة الأخيرة في نيويورك وتصاعد التوتر بين واشنطن وطهران في مجالات عدة، ابرزها القرصنة الالكترونية. وعزز الاعتقاد ما نشرته يومية نيويورك تايمز مؤخراً تؤكد فيه “قيام الولايات المتحدة بزرع برامج الكترونية ضارة في شبكة توزيع التيار الكهربائي في روسيا؛” وبأن واشنطن ماضية في مراقبة نظم الطاقة الروسية منذ عام 2012. (18 حزيران الماضي)

يشار في هذا الصدد إلى التفويض الرئاسي الصادر عن البيت الأبيض عام 2018، يسمح بموجبه لطواقم الحرب الالكترونية الأميركيين القيام “بنشاط عسكري سري” دون العودة للحصول على إذن مسبق بذلك، ناقضاً القيود التي وضعها سلفه الرئيس اوباما ملزماً القرار لمجموعة من الأجهزة الاستخباراتية والأمنية.

وصرح مستشار الرئيس ترامب لشؤون الأمن القومي، جون بولتون، مزهواً بعد صدور اقرار الرئاسي بأن “السياسة الرئاسية (منذ اللحظة) تسير بعكسن القيود السابقة .. واي دولة لديها نشاطات الكترونية تستهدف الولايات المتحدة، عليها أن تتوقع ردنا هجومياً ودفاعياً.”

تغاضى بولتون عن حقيقة بنود صرف ميزانية الدفاع التي تذهب بمعظمها إلى نظم تسليح وموارد ملموسة، كالطائرات والسفن بانواعها، وما تتضمنه الميزانية السنوية “المعلنة” من موارد مالية للصرف على الحرب الالكترونية لا يتعدى 2% من المجموع العام.

أعرب عن ذلك بوضوح تام رئيس اللجنة الفرعية للقوات المسلحة للاستخبارات والتهديدات المقبلة في مجلس النواب، جيم لانغفين، بقوله “نحن بحاجة لمزيد من القاذفات والمقاتلات والصواريخ كي نضمن الدفاع عن بلادنا في نزاع تقليدي، بيد أنه ينبغي علينا مواجهة الحقيقة والنزاعات الرمادية الدائرة الآن والتي ستستمر في المدى المنظور.”

أشد ما يقلق الرئيس الأميركي تعرض الولايات المتحدة لهجوم الكتروني دون توفر سلاح مضاد فعال باستثناء الأسلحة النووية.

القيادات العسكرية المتعددة أدركت حجم الثغرات في استراتيجيتها التسليحية بفرط اعتمادها على نظام تحديد المواقع، جي بي أس، والتحكم بتوجيه الأسلحة المختلفة عبر الأقمار الاصطناعية. أهم مثالبها  تعرض نظم (الجي بي اس) لقرصنة الكترونية مما قد يشل الحركة بكاملها.

الأمر الذي سيفرض على قادة القطع البحرية اتقان معرفة الإبحار بالأجهزة الفلكية، والتي كانت أحد المواد المقرر اجتيازها بنجاح قبل ثلاثة عقود سابقة.

توصيات الخبراء الأميركيين في الشقين العسكري والسياسي ترجح استخدام الحرب الالكترونية كسلاح هجومي مفضل للقرن الحادي والعشرين، وتراجع أهمية الحسم بالأسلحة النووية.

الظروف الدولية الراهنة تؤشر بوضوح تام على بدء “حرب باردة” الكترونية تتسابق فيها معظم الدول، وهي على درجة عالية من التعقيد لا تنطوي على وسائل دفاعية مضادة أو ثوابت كابحة كما هو الأمر في الحروب العادية بالاسلحة التقليدية؛ ومن هنا خطورتها على العالم قاطبة والحياة البشرية كما نعرفها.

2019-05-07 التقرير الأسبوعي

بعد انهيار المعاهدة النووية المتوسطة :
كيف يمكن وقف سباق تسلح نووي جديد

          اهتمت أوساط عديدة بمتابعة لقاء القمة بين الرئيسين الأميركي والروسي خلال قمة الدول الصناعية، في اوساكا باليابان، بانتظار بروز دلائل ومؤشرات قد تقود إلى انفراج في العلاقات الثنائية، أم إلى مزيد من التوتر والصدام.

          من بين القضايا التي بحثها الطرفان: نظام الحد من الأسلحة، التجارة بينهما، ايران، فنزويلا، سوريا واوكرانيا. لكن البيانات الصادرة لم تُشر إلى نوايا اتفاقات جديدة أو عزمهما على متابعة اللقاءات فيما بعد.

صدر عن الجانب الروسي مواقف إعلامية متباينة: مساعد الرئيس للشؤون الدولية يوري اوشاكوف، أبلغ الصحافيين أن عامل الزمن داهم الجانبين مما حرمهما من “نقاش عدد من المسائل بعمق.” بعبارة اخرى، لم يتوصل الرئيسان إلى ما يمكن وصفه بالاختراق في العلاقات الدولية.

الناطق الإعلامي باسم الرئاسة الروسية، ديميتري بيسكوف، طمأن جمهوره عبر التلفزيون الرسمي بأن موسكو “لمست مؤشرات مشجعة من (الرئيس) ترامب خلال اللقاء .. والذي أظهر بوضوح رغبته  لإعادة تنشيط الحوار.”

          لعل القراءة السريعة لتلك التصريحات تقود المرء لمربع الجزم بعدم تحقيق انفراج بين العظميين النوويين، بيد أن الأحداث المتسارعة وردود الفعل الأميركية بشكل خاص دلت ربما على عكس تلك الأجواء.

          سرت أنباء عن عقد مجلسي الأمن القومي في كلا البلدين جلسات طارئة شبه متزامنة قبل ايام معدودة، استدعي فيها نائب الرئيس الأميركي، مايك بينس، وهو في طريقه بالطائرة للعودة الفورية لواشنطن وحضور الاجتماع؛ أمر غير مسبوق بالإعلان عنه لدى الإدارة الحالية.

          المعلومات الموثقة حول حقيقة ما جرى بين الطرفين يغلب عليها طابع التكهن والتحليل، وعليه فمن غير المستبعد أن لقاء الرئيسان القصير نسبياً في اليابان أسفر عن جملة ترتيبات لا ترضي بعض الجهات في دوائر المؤسسة الأميركية الحاكمة، لا سيما العسكرية والاستخباراتية، سعت بنشاط لتقويض أي ترتيبات قد تنشأ عن لقاء القمة؛ منها تحريض تل ابيب بشن غارات متزامنة على ريفي دمشق وحمص وما رافقها من غموض حول طبيعة “الجسم الحربي” الذي سقط في الأراضي القبرصية، أن كان لبقايا صاروخ سوري إس-200  أم لمقاتلة “اسرائيلية” حديثة.

ما يعزز سردية صراع مراكز القوى الأميركية ايضاً “مسرحية” لقاء الرئيس ترامب برئيس كوريا الشمالية لبرهة وجيزة، بعد انفضاض قمة العشرين، وما يجري تداوله في أروقة واشنطن السياسية بأن ترامب راغب في التوصل لاتفاق جديد مع نظيره الكوري كيم جونغ اون يسمح بموجبه للأخير الاحتفاظ ببعض الأسلحة النووية؛ وما إبعاد مستشاره للأمن القومي جون بولتون عن ذلك اللقاء إلا دليل آخر على توجه ترامب.

سياسة موسكو نحو واشنطن هي منافستها في النفوذ العالمي لكن دون الاصطدام معها، وتقديم بعض التنازلات عند الضرورة. أوجزها نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي ريابكوف، في شهرية موسكو الرصينة الشؤون الدولية، مطلع العام الجاري بأن عمادها هو “الصبر الاستراتيجي .. في المدى المنظور.”

بعد اختتام لقاء قمة مجموعة العشرين أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن موسكو وواشنطن ستباشران محادثات حول مسألة الحد من الأسلحة النووية “كلفنا وزيرينا للشؤون الخارجية ببدء مشاورات بهذا الصدد. لكن لا يمكننا القول بعد إن ذلك سيؤدي إلى تمديد” اتفاقية “ستارت” للحد من الأسلحة النووية الاستراتيجية.

في 3 تموز الجاري، أعلن الكرملين عن “توقف روسيا الالتزام” باتفاقية الاسلحة النووية المتوسطة، INF، رداً على قرار واشنطن الإنسحاب من المعاهدة المبرمة بينهما عام 1987؛ أرفقه مباشرةً بأمر لوزير الدفاع بتطوير نماذج جديدة من الصواريخ المتوسطة خلال عامين.

          وحذر بوتين خلال المنتدى الاقتصادي في سان بطرسبرغ، مطلع حزيران الماضي،

من التداعيات المحتملة إذا جرى التخلي عن اتفاق “ستارت الجديدة” بما أن البديل سيكون تأجيج سباق تسلح نووي بين البلدين؛ وأنه “لن تكون أي أدوات تحد من سباق التسلح، مثل نشر الأسلحة الفضائية .. هذا يعني أن الأسلحة النووية ستكون موجهة فوق رأس كل واحد منا كل الوقت.”

وشدد بوتين خلال اللقاء على أن بلاده “تجاوزت منافسيها في مجال صناعة الأسلحة المتفوقة.”

          وفي السياق عينه حذرت يومية واشنطن بوست، شباط 2019، من عدم توصل الطرفين “البيت الأبيض والكرملين لاتفاق تمديد العمل بمعاهدة “نيو ستارت” مما سيعيدنا إلى الزمن الذي كانت فيه واشنطن وموسكو تمتلكان أسلحة نووية دون قيود متفق عليها؛ أي المغامرة بالعودة إلى سباق تسلح نشط على غرار الحرب الباردة.”

          وشاطرها الرأي عدد من النخب الفكرية والسياسية الأميركية بالإعراب عن القلق من “انهيار معاهدة الأسلحة النووية المتوسطة الذي يعد بمثابة إظهار للحرب الباردة علناً، إيذانا برسم معالم للحرب الساخنة، وما سيترتب عليها من سباق تسلح غير مقيّد من الطرفين.”

          باعتقاد تلك النخب الأميركية فإن المسارات السياسية لدى مراكز صناع القرار في واشنطن تمضي باتجاه “إعادة ترتيب الأوراق الأميركية وفق معايير لاتفاقيات جديدة تراها الإدارة الراهنة بأن سابقاتها لا تخدم المصالح الأميركية؛” جسدته بالخروج من الاتفاق النووي مع ايران ومعاهدات المناخ الدولية، على سبيل المثال.

          الخبير الأميركي المختص بشؤون الأمن الدولي، جوزيف سيرينسيوني، أوضح مراراً أن سياسات الإدارة المتشددة في القضايا العالمية يمثلها مستشار الرئيس لشؤون الأمن القومي، جون بولتون، الذي “يعتقد بأنه يتعين على الولايات المتحدة التحلي بأقصى قدر من المرونة وتوفر خيارات عسكرية متعددة لصيانة أمنها والحفاظ على مصالحا عبر العالم، وليس التمسك بالمعاهدات التي يعتبرها تقيّد القوة الأميركية ..”

          يشار في هذا الصدد إلى تبني الكونغرس، ممثلاً بمراكز قواه الرئيسة، توجهات الإدارة للتحلل من المعاهدات الدولية ورصده ميزانيات إضافية، عام 2017، للبنتاغون لتطوير أسلحة وخيارات إضافية في مجال الصواريخ الباليستية متوسطة المدى القادرة على حمل رؤوس نووية؛ إيذاناً بنية عدم الموافقة على تجديد أو تمديد العمل بمعاهدة “نيو ستارت” المبرمة عام 2010، في عهد الرئيس اوباما، والتي سينتهي مفعولها عام 2021.

          المعاهدة المذكورة حددت عدد بطاريات اطلاق الصواريخ الاستراتيجية المسموحة لكل من الطرفين، دون المس بالترسانة النووية أو ما يمكن أن تحمله منها المقاتلات والقاذفات الاستراتيجية من طراز اف-35، اف-16 واف-15.

          حلفاء اميركا الاوروبيون قلقون بشدة من سباق التسلح بين العظميين النووين، وخاصة ألمانيا لخشيتها الحقيقية من عودة سباق التسلح إلى “زيادة فرضية المواجهة النووية مرة أخرى في الفضاء الاوروبي .. وما شهدته أراضيها من احتجاجات كبيرة متواصلة ضد سباق التسلح” في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.

          وزير الخارجية الألماني هايكو ماس دعا “المجتمع الدولي” لتبني مبادرة جديدة لنزع الأسلحة النووية “ليس بين الولايات المتحدة وروسيا فحسب، بل ينبغي أن يشمل دولاً أخرى مثل الصين،” مجلة دير شبيغل 2 شباط 2019؛ متعهداً بأن “الحكومة الألمانية ستعمل من أجل وضع قواعد عمل جديدة للتعامل مع التقنية الحدديثة لمنظومة الأسلحة الجديدة.”

          الدعوة الألمانية للحظر من سباق تسلح يفضي إلى الاقتتال بالأسلحة النووية سبقه توقيع كل من روسيا والصين على “مسودة معاهدة مشتركة” لمنع سباق للتسلح في الفضاء الخارجي قبل عقد من الزمن، أعلن عنها وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في منتدى دولي عقد بجنيف في شهر شباط 2018، لاستشعار الدولتين خطورة تطور تقنية الأسلحة، من بينها نظم تعمل باشعة الليزر، تتخذ من الفضاء الخارجي مسرحاً جديداً بين القوى العظمى.

          الرد الأميركي، آنذاك، جاء برفض الانضمام للمقترح الروسي على لسان مساعدة وزير الخارجية الأميركي لشؤون الحد من التسلح، إليم بوبليت، 14 آب 2018، مؤكدة “انزعاج واشنطن من سعي روسيا التسلح بتقنيات فضائية .. والمعاهدة التي تقترحها موسكو لن تمنع نشر مثل تلك الأسلحة ولن تمنع أيضاً اختبار أو تخزين أسلحة مضادة للأقمار الاصطناعية.”

          لم تعد هيئة الأمم المتحدة تمارس دورها المنوط بها للحد من انتشار الأسلحة المحرمة، كيميائية أو نووية أم الكترونية؛ إذ لا تزال معاهدة حظر استخدام اسلحة الدمار الشامل خارج مدار الكرة الأرضية سارية المفعول “لكنها لا ترتقي لمستوى حظر حرب في الفضاء،” أمام التطورات التقنية الاستراتيجية مثل الإنذار المبكر والاتصالات الآمنة وجمع المعلومات الاستخباراتية والقيادة والسيطرة في الفضاء، حسب دراسة لمجموعة “علماء الذرة” الأميركية، 5 حزيران 2015.

          قائد سلاح الجو الأميركي، ديفيد غولدفاين، طالب صناع القرار في واشنطن “الإعداد لمعركة تدور خارج (مدار) كوكب الأرض .. إنها مسألة وقت قد تحدث في غضون سنوات.” (اكتوبر 2018).

          كما حذر تقرير لمكتب المحاسبة الحكومي، GAO، صدر يوم 9 اكتوبر 2018، من تعرض “جيل كامل من نظم الأسلحة الأميركية للقرصنة الالكترونية .. التي توصل خبراء البنتاغون لاكتشاف نقاط ضعف الكترونية خطيرة” في جميع الأسلحة قيد التطوير، ووزارة الدفاع “لا تعرف آفاق نقاط الضعف في نظم الأسلحة التي يمكن أن تؤثر على أنظمة الأسلحة النووية الأميركية بنتائج كارثية.”

          عرضت شبكة (سي أن أن) للتلفزة الأميركية، 25 حزيران 2019، تقريراً يشير إلى ما تمتلكة الولايات المتحدة من أسلحة حديثة وغير تقليدية: الكترونية – سيبرانية، كهرومغناطيسية، وبيئية – ايكولوجية؛ جرى استخدامها في ساحات متعددة استهدفت البنى التحتية والمرافق الحيوية لخصومها، بالدلالة على ما تعرضت له ايران من “زلازل طبيعية،” وفنزويلا باستخدام السلاح الكهرومغناطيسي لقطع الكهرباء، واسلحة أخرى لم يكشف النقاب عنها.

دعوة الوزير الألماني ينبغي تطويرها لتبني اتفاقية دولية لمنع التسلح “داخل الفضاء الإلكتروني .. وخلوه التام من الأسلحة، والامتناع عن استعمال الأسلحة الإلكترونية أو التهديد باستعمالها ضد دول أخرى أقل شأناً، والزام كافة الدول الفاعلة في هذا المجال احترام الفضاء الإلكتروني مرفقاً دولياً يشكل تهديده تأثيراً على الأمن العالمي قاطبة،” وفق ما يطالب به خبراء القانون الدولي، والزام الدول المتقدمة تقنياً بمعاهدات صارمة تضمن عدم انتهاكها لواجباتها في استخدام الفضاء الخارجي للأغراض السلمية.

          بالعودة لنظرية “الصبر الاستراتيجي” لروسيا في تعاملها مع الولايات المتحدة، أعرب خبراء اميركيون بالشأن الروسي عن اعتقادهم بأن مراهنة الكرملين طويلة الأجل تستند إلى ركيزتين: الأولى، قراءته للمناخ التحريض والاستقطاب السياسي الأميركي المعادي لروسيا بأنه سيفقد زخمه مع مرور الزمن، مما سيمهد لبروز “إجماع داخلي” مختلف حول كيفية التعامل بين البلدين وضرورة السعي لتطبيع العلاقات بينهما. والركيزة الثانية تتمثل بحتمية قبول واشنطن “في السنوات الخمسة إلى العشرة المقبلة” بأنها لن تستطيع مواجهة مزدوجة في ىن واحد لكل من روسيا والصين، مما سيحفز مراكز القوى الجديدة على تحسين علاقاتها مع موسكو. (اسبوعية  ذي ناشيونال انترست، 2 تموز 2019).

كما ان تنامي القدرة على انتاج اسلحة نووية تكتيكية محدودة الحجم والقدرة التدميرية، يفرض ضرورة اعادة النظر بالإتفاقيات السابقة حول الأسلحة الإستراتيجية ومناقشة تطوير اتفاقيات جديدة تشمل الأجيال الجديدة من الأسلحة النووية.

2019-29-06 التقرير الأسبوعي

المقدمة      

         لم تشهد واشنطن هدوءاً لطبول الحرب مع إيران بل سخّرت الإدارة ووسائل الإعلام الرئيسة نفوذها ومواردها الجمعية للدفع باتجاه الحرب، عقب إسقاط إيران لطائرة التجسس الأميركية المسيّرة في مياهها الإقليمية.

         سيستعرض قسم التحليل الخيارات العسكرية المرئية وما يرتجى من أهداف تتحقق، لكلا الطرفين، رغم البوادر الأولى التي لا تدعم فرضية نشوب الحرب المباشرة، وترجيح تشديد واستمرار واشنطن بسلاح القرصنة الالكترونية، ضمن وسائل “ناعمة” أخرى ضد ايران.

 

ملخص دراسات واصدارات مراكز الابحاث

ايران:

         أعرب المجلس الأميركي للسياسة الخارجية عن اعتقاده بأن “الولايات المتحدة تجد نفسها معزولة” عن حلفائها فيما يخص النزاع مع ايران، وستوفر قمة العشرين فرصة للرئيس ترامب لإعادة التواصل مع “الحلفاء المقربين.” وأضاف أن واشنطن “أرسلت نحو 1000 عنصر من القوات المسلحة للمنطقة، عقب تحميلها ايران مسؤولية الهجمات الأخيرة على ناقلات النفط، بغية مراقبة نشاطات ايران وتوفير الحماية للقوات المتواجدة هناك.” واستطرد أن “العواصم الاوروبية تنظر بعين الشك لاتهامات واشنطن ضد ايران، مما يعيد للمشهد السياسي أحداث خليج تونكين (المفتعلة) عام 1964،” التي شكلت إيذاناً ببدء الحرب الأميركية على فييتنام.

https://www.afpc.org/publications/articles/us-finds-itself-isolated-in-iran-conflict

         سعت مؤسسة هاريتاج لسبر أغوار مناخ قرقعة السلاح بالنظر إلى عناصر “سياسة ترامب نحو ايران والتي تغذي تكهنات لامتناهية” لاستقراء نوايا شنه الحرب على الرغم “من خلو الأجواء من مؤشرات تفيد بأن الولايات المتحدة تنوي تصعيد الموقف الراهن مع ايران.” واوضح أن الحقائق الميدانية تؤيد عدم نشوب حرب بما أن “قوة عسكرية قوامها ألف جندي ليست مؤهلة للغزو؛ كما أن القوات والموارد الأميركية الأخرى المتواجدة في المنطقة، لا سيما القوات البرية فإنها أصغر حجماً مما يتطلبه تحشيد القوى للقيام بعمل هجومي.” وخلص بالقول أن “القوات الأميركية الإضافية (1000 جندي) فمهمتها تأتي بالاتساق التام مع مهام توفير الحماية المطلوبة.”

https://www.heritage.org/middle-east/commentary/iran-and-trump-heres-whats-really-going

         في سياق متصل، حثت مؤسسة هاريتاج الإدارة الأميركية على “قيادة تشكيل لبلورة رد عالمي على استفزازات إيران .. وينبغي تذكير الحلفاء بأنها تشكل التهديد الأشد ضراوة على المسرح النووي.” وأضاف أنه “يتعين على واشنطن ضبط طبيعة ردها على سقوط الطائرة المسيّرة والهجمات على ناقلات النفط بالتصويب على تحشيد الدعم الدولي للأزمة المقبلة الناجمة عن تصعيد ايران لجهودها بتخصيب اليورانيوم .. والتي أطلقت تهديدات ايران العدوانية ضد حرية الملاحة” الدولية.

https://www.heritage.org/middle-east/report/us-should-lead-patient-firm-international-response-irans-provocations

         مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية سلط الأضواء على بعد التقنية الالكترونية لا سيما وأن إيران “طورت قدراتها الالكترونية – السيبيرية بسرعة، ولا ترقى لمصاف المرتبة الأولى بين الدول الأخرى لكنها تسبق معظم الدول الأخرى في بعدي الاستراتيجية وتنظيم الحرب الإلكترونية .. وتتميز باهتمامها تسخير الطاقات الالكترونية كأداة من أدوات القوة القومية.” وأوضح أن أي هجوم الكتروني قد يشن على الولايات المتحدة لن يصنف بالصدفة أو عن طريق الخطأ “بل جزء عضوي من استراتيجية شاملة للمواجهة.” وردف أن الهجوم الألكتروني الذي تعرضت له منشآتها النووية نتيجة قرصنة ببرنامج “ستكسنت” الخبيث “حفّز إيران على تطوير قدراتها الالكترونية .. بيد أن أشد من يخشاه قادتها مصدره مواطنوها وخطورة مخزون شبكة الانترنت بإطلاقها العنان لتحرك شبيه بالربيع العربي.”

https://www.csis.org/analysis/iran-and-cyber-power

         سعى معهد واشنطن لتوسيع مروحة مناخ التوتر مع ايران باستحضار الهجمات “مجهولة الهوية (يعتقد) انها ميليشيا مدعومة من ايران” بالقرب من منشآت سكنية يقطنها مهندسون أميركيون ودوليون” يعملون في قطاع النفط في محافظة البصرة مما أسفر عن تقليص واشنطن لطواقمها الديبلوماسية في “بغداد وإربيل .. وإغلاق القنصلية في البصرة.” وأضاف أن تلك “الضربات أتت في أعقاب صدور بيان إنذار شديد اللهجة من رئيس الوزراء عادل عبد المهدي .. يحث الميليشيات العراقية” على الانكفاء عن شن عمليات عسكرية باستقلالية عن الجيش؛ كما تزامنت مع “الجهود الأميركية لإسداء المشورة لقيادة عمليات نينوى” لإخراج الميليشيات غير المحلية منها. وطالب الحكومة الأميركية التروي “وألا تدع مثل تلك الحوادث ان تقوّض العلاقات الثنائية أو اتخاذ مزيد من اجراءات تخفيض الطواقم الديبلوماسية .. ودعم (عادل) عبد المهدي في جهوده لإخراج وضبط قادة الميليشيات في تلك المناطق.”

https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/iran-backed-militias-test-the-credibility-of-iraqs-prime-minister

تركيا:

         استعرض مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية جولة الانتخابات الثانية في مدينة اسطنبول، 23 حزيران، والتي جرت “بإصرار من حزب العدالة والتنمية بغية ترجيح كفة نتائج الجولة الأولى لصالح مرشحها .. بيد أن الحزب تلقى صفعة مدوية وخسارته للأصوات في كافة  دوائر اسطنبول الانتخابية، 39 دائرة،  وتحقيق منافسه نسبة نجاح بفارق ينوف عن 800،000 صوت .. مقابل فارق بسيط بلغ 13،000 صوت المرة السابقة.” وأوضح أن كافة الأطراف تترقب ما ستؤول إليه النتائج الصادمة لأردوغان أن كانت “تشكل سقطة عابرة أم نذير سياق تاريخي عكسي .. وقلق اردوغان من تبلور مجموعة وازنة تعلن انشقاقها عن حزبه؛ وسيسعى بكل تأكيد لتقويض حظوظ الفائز في إدارة شؤون المدينة وعقب تشبيهه بغريمه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.”

https://www.csis.org/analysis/erdogan-loses-istanbul-reasons-and-implications

 التحليل

 

خيارات أميركا في الحرب على إيران

بعد سقوط وحيازة طهران لطائرتها الشبح

         بات التكهن بوقوع حرب بين إيران والولايات المتحدة مسألة تؤرق مصداقية كافة الأطراف المنخرطة، لا سيما مراكز صنع القرار الحساسة لدى واشنطن، بدءاً بعدم المراهنة على صوابية الرئيس ترامب وسرعة انقلابه، ومناخ المزايدات السياسية للحملة الانتخابية التي بدأت، فضلاً عن البعد الدولي الرافض ظاهرياً لتصعيد التوتر يرافقه خشية من ردود فعل الإدارة الراهنة.

         نظرة هادئة لحيثيات الصراع وتداعياته الإقليمية والدولية تشير بوضوح إلى عدم ترجيح النخب الفكرية والسياسية الأميركية اندلاع اشتباك مسلح في المدى المنظور، اللهم إلا إذاّ ارتكب أحد الطرفين أو من ينوب عنهما في الإقليم خطأً يدفعهما للانزلاق بعيداً عن حافة الهاوية.

         تتميز بعض اوساط تلك النخب برؤيا بلورية صافية ليس في بعد الاستراتيجية الأميركية فحسب، بل في تداخل جملة من العوامل والمصالح لمراكز قوى متعددة. وأضحت أكثر جرأة في تقييمها ومواجهتها “الفكرية” للرئيس ترامب معتبرة أنها جردته من أمضى أسلحته: غموضه وعدم القدرة على التنبؤ بخطواته المقبلة باتت قابلة للتكهن، حسب وصف يومية واشنطن بوست، 28 حزيران.

         تلقي تلك النخب مسؤولية تدهور الأزمة والتهور نحو حرب قد تتطور نووياً على عاتق “سياسة الإدارة الأميركية التي حشرت إيران في زاوية قاسية من العقوبات مما اضطرها للرد،” وفق توصيف اسبوعية ذي ناشيونال انترست.

         النخب الفكرية “الليبرالية،” ممثلة بدرّة انتاجها فورين أفيرز، تعتقد أن السياسة الأميركية للإدارة الحالية، بكافة أركانها، قد تم “اختطافها من قبل دعاة الحرب .. وفي ما يتعلق بالسياسة الشرق أوسطية فقد تعاقدوا مع اسرائيل والسعودية وربما الإمارات؛” اللواتي تسارع الخطى لحرف بؤر التوتر الإقليمية وتموضعها بمواجهة إيران.

         البعد المالي بنظر أولئك يتمحور حول دعم ذوي الثراء الفاحش والمتشددين سياسياً للرئيس ترامب، أبرزهم الميلياردير شيلدون آديلسون وبول سينغر وبيرنارد ماركوس، الذين أرفدوا حملة ترامب الرئاسية، 2016، ومرشحي الحزب الجمهوري بنحو 259 مليون دولار “تبرعات،” وينتظرون ترجمة الإدارة لتوجهاتهم السياسية المعادية لإيران بالدرجة الأولى.

         آديلسون من ناحيته حث بصريح العبارة المرشح دونالد ترامب على استخدام الخيار النووي ضد ايران، وسخّر نفوذه السياسي لاحقاً لتعيين جون بولتون في منصب مستشار الأمن القومي.

         ترامب لم يشذ عن “توقعات” داعميه ومؤيديه من عالم المال والاستثمارات، إذ وعد أيران بحرب “إبادة تمحوها عن الوجود،” عشية مغادرته لقمة الدول الصناعية، رداً على تصريحات الرئيس الإيراني، حسن روحاني، برفض بلاده عرض التفاوض تحت التهديد وعزمها المضي بجهودها للقفز عن معدلات تخصيب اليورانيوم المنصوص عليها في الاتفاق النووي.

         وحدد ترامب آفاق الحرب الموعودة مع ايران، في مقابلة مع شبكة فوكس نيوز، 27 حزيران الجاري، بأنها لن تتطلب انخراط قوات برية أميركية “.. لن تدوم طويلاً، والاشتباكات المباشرة ستكون محدودة.” هل يعتبر ذلك تلويحا ياستخدام الخيار النووي “التكتيكي” كما تروج له صناعات الأسلحة الأميركية.

         رئيس مجلس العلاقات الخارجية، السياسي المخضرم ريتشارد هاس، حذر صناع القرار الأميركي من أهوال حرب مقبلة مع ايران “نتيجة تصاعد الضغوط الاقتصادية الأميركية عليها .. والتي لن تتشابه مع سابقتها حرب الخليج عام 1991. بل ستخوضها ايران بالقتال على امتداد مناطق جغرافية متعددة، بوسائط عدة، وقوات مختلفة؛” في ظل مناخ غضب حلفاء واشنطن من سياساتها التصعيدية.

         روبرت كابلان، الذي يعد أحد أهم الركائز الفكرية المميزة لدى المؤسسة الحاكمة حذر من عامل الجغرافيا الإقليمية الذي ستستغله إيران لأقصى حد لا سيما ولديها الكثير من “الخلجان والمداخل والتجاويف البحرية والجزر .. التي تعد مواقع مثالية لإخفاء نظم أسلحة مختلفة على مسافة قريبة من قطع البحرية الأميركية” العاملة في الخليج.

         على الطرف المقابل، يناور دعاة الحرب لايجاد المبررات لرد أميركي صاعق، تكون هي البادئة به لضمان عامل الصدمة والاستمرار بسياسة “ممارسة أقصى الضغوط؛” بالاستناد إلى تقييمهم لفعل العقوبات الاقتصادية على ايران مما حرم قواتها العسكرية من مزايا التحديث وتطوير الدعم اللوجستي الحيوي خلال المعارك.

         ويقر اولئك بأن ايران اكتسبت خبرة قتالية في الحرب غير المتماثلة، معظمها في سوريا واليمن عبر أسلوب حرب العصابات، لكنها غير مؤهلة لمواجهة قوة عسكرية عظمى مدججة بأحدث الأسلحة؛ كما أن “سلاح طيرانها المحتفل باسقاط الطائرة الأميركية المسيّرة هو أقل قوة وكفاءة مما يبدو عليه للبعض.”

         بناء على ذلك، وفق منطقهم ومبرراتهم، فإن الأجواء مهيأة لاختراق المقاتلات الأميركية وشن عمليات عسكرية في ظل عدم قدرة نظم الدفاع الجوية الإيرانية مواجهتها أو ايقافها.

         جدير بالذكر ما ينقله أولئك من تفسير حول اسقاط طائرة الدرونز الأميركية بالإقرار أن القوات المسلحة الأميركية كانت على دراية تامة بأنها تحلق فوق الأجواء الإيرانية، والتي تعد مقبولة في ظروف السلم التي تحدد المياه الإقليمية بمدى لا يتجاوز ثلاثة أميال بحرية، لكنها لم تتوقع الرد الإيراني الفوري الذي يعزى “لعامل المفاجأة وليس بفعل التقنية المتطورة.”

         العامل المغيب عند دعاة الحرب هو التداعيات الناجمة عن سياسة “أقصى الضغوط” أبرزها التهديد طويل الأجل على المصالح الأميركية في المنطقة و”الاستقرار الإقليمي،” كما يحاجج مناهضوا الحرب؛ فضلاً عن تصدع العلاقات الأميركية مع حلفائها الاوروبيين “وتعزيز النفوذ الروسي في المنطقة.” كما يتفادى اولئك تنامي منسوب الاستياء العالمي من السياسة الأحادية الأميركية، في عهد ترامب، والتي بدأت تلقي ظلال أضرارها على المواطن الأميركي ومستوى حياته اليومية.

الخيارات العسكرية: يسيل حبر وفير لترويج تفوق الترسانة العسكرية الأميركية، وهو أمر تقر به دول العالم قاطبة. كما أن المراكز المختصة والخبراء بالشؤون العسكرية عرضوا سيناريوهات لبوادر حرب استناداً إلى مناخ التصعيد الأميركي ضد إيران.

         في هذا الصدد بالذات، ينبغي تسليط الضوء على التداعيات الاقتصادية على الولايات المتحدة، من وجهات نظر علمية متوازنة، والتي تتفادى المؤسسة الحاكمة ومعظم الوسائل الإعلامية الخوض فيها بشكل مفصل.

         الاستثناء العلمي لتلك القاعدة كانت يومية بوسطن غلوب، 24 حزيران الجاري، بدراسة مفصلة لإحدى أشهر خبراء الاقتصاد الاميركي، الاستاذة الجامعية في هارفارد ليندا بلايمز وآخرين.

         سنستعرض أدناه أبرز ما تناولته دراسة الخبراء الذين تنبؤا بدقة كلفة الحرب على العراق آنذاك، وتمت محاصرتهم والتشهير بهم من قبل نائب الرئيس ووزير الدفاع، ديك تشيني ودونالد رامسفيلد، على التوالي. تقول الدراسة:

         كلفة الحرب على ايران ستتراوح بين 60 ملياراً إلى 2 تريليون، في الأشهر الثلاثة الأولى فقط.

         الحرب حصراً لن تؤدي لتغيير النظام، أي نظام. نشوب حرب مع إيران لتحقيق تغيير النظام ستكون طويلة الأمد، مكلفة مادياً، وكارثية على الاقتصاد الأميركي والعالمي.

         استشهدت بتصريح لوزير الدفاع الأسبق، روبرت غيتس، بقوله “إن اعتقد البعض أن الحرب على العراق كانت صعبة، فالهجوم على ايران، من وجهة نظري، ستكون كارثية.”

         ارتفاع سعر برميل النفط إلى مستويات غير مسبوقة قد تصل لنحو 250 دولاراً للبرميل.

         الاقتصاد الأميركي في حالته الراهنة مشبع بالعمالة، وأي ارتفاع حاد في الانفاق العسكري سينتج تضخماً اقتصادياً يحول دون تنفيذ مشاريع إعادة البناء وترميم البنى التحتية الداخلية المتهالكة.

         وختمت الدراسة بالقول أن المؤسسة الحاكمة، ومنذ حرب فييتنام، تفادت فرض “ضريبة حرب” على المنتجات والمبيعات مما رسخ في أذهان المواطن ان الحرب تخاض بكلفة زهيدة أو معدومة؛ مما عزز تقويض الجدل العام حول ضرورات خوض الحروب، كسياسة واستراتيجية أميركية.

 

2019-15-06 التقرير الأسبوعي

المقدمة       

          تواصل الوفود الرسمية التركية حضورها إلى واشنطن تباعاً، ظاهرها لبحث التوصل إلى آلية حل ترضي الطرفين بما يخص قرب موعد تسليم روسيا لتركيا منظومة دفاع صاروخي حديثة من طراز إس-400؛ وفي الخلفية مجمل العلاقات الثنائية وما لحقها من شوائب منذ محاولة الانقلاب، تموز 2016.

        سيستعرض قسم التحليل التعقيدات المتجددة في أفق العلاقة الثنائية بين البلدين، ومستقبل تسليم تركيا لأحدث المقاتلات الأميركية من طراز إف-35، وما يلوح في الأفق من تحولات جيواستراتيجية تعيد حضور موسكو بقوة في حسابات أنقرة، على ضوء إرسال واشنطن مزيد من قواتها وعتادها العسكريين لبولندا.

 

ملخص دراسات واصدارات مراكز الابحاث

السياسة الخارجية لأميركا

        خففت مؤسسة هاريتاج من إضفاء صفة أكاديمية على سياسة البيت الأبيض الخارجية، موضحة على لسان رئيسة المعهد، كيم هولمز، أن “مبدأ ترامب ربما ليس متطوراً أو يحظى بميزة أكاديمية كما يقتضي تعبير “مبدأ” .. بيد أن البعض يميل لإقران ذاك التوصيف بالنظر إلى جملة من المفاهيم أبرزها التركيز على مبدأ السيادة الوطنية.” وعليه، فمهموم السيادة الوطنية في سياق سياسات ترامب يعني “.. حق الولايات المتحدة اتخاذ قراراتها بما يتسق مع مصالحها القومية وبالتوازي مع قيمها الخاصة.”

http://www.gmfus.org/blog/2019/06/11/three-questions-kim-holmes-executive-vice-president-heritage-foundation


سوريا

        حذرت مؤسسة هاريتاج من النتائج “الكبيرة التي ستنجم عن استخدام سوريا المزعوم للأسلحة الكيميائية في المنطقة.. بل القلق بعيد المدى يكمن في احتمال ما قد تلجأ سوريا (لبناء) مشروع نووي آخر، بصرف النظر عن التزاماتها وفق معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية.” وأضافت أنه “من الناحية الإستراتيجية لجوء سوريا (لذاك الخيار) يصبح منطقياً وتبنيها لبرنامج نووي آخر لأهداف عسكرية لحماية وصون مصالحها .. ليس من فاعلية للردع أكثر من السلاح النووي.” وحثت المؤسسة “المجتمع الدولي على مساءلة سوريا لجهودها في مجال (تطوير) الأسلحة الكيميائية ..”

https://www.heritage.org/middle-east/commentary/syrian-wmd-proliferation-could-set-the-middle-east-fire


السعودية

        استعرض معهد واشنطن الجدل المتجدد بين الكونغرس والبيت الأبيض حول مضي الأخير ببيع أسلحة جديدة للسعودية والإمارات واعتراض الكونغرس وسعيه لمنع إنجازها، في ظل تلطي الرئيس ترامب وراء نص استثنائي في القانون الأميركي يسمح للرئيس بيع أسلحة في ظل “حالة طواريء .. تتطلب اللجوء فوراً لمبيعات الأسلحة،” وبررها البيت الأبيض بأن هناك “حاجة لدعم الحلفاء في المنطقة ضد التهديد المتزايد لإيران؛” وما يرافقه من تصعيد الأجواء الداخلية بين الفريقين حول “ثلاث قضايا ملحة: السياسة الأميركية تجاه السعودية؛ الاستراتيجية الأميركية لمواجهة إيران؛ ورقابة السلطة التشريعية على صياغة السياسة الخارجية وتنفيذها.” وأضاف المعهد أن تداعيات ما يجري من مواجهة ناعمة سيكون لها أبعاداً طويلة الأجل “.. البيت الأبيض ربما فتح مجالاً لبروز أطياف متعددة في السياسات الخارجية والاقتصادية تتجاوز حدود صفقات الأسلحة الخليجية الحالية والتهديدات الإيرانية؛ قد تسعى دول أخرى لطلب معاملة تفضيلية نظراً لتفعيل حالات طواريء (غير إيرانية)؛ إذ فرض الكونغرس قيوداً على المبيعات أو تعزيز إجراءات الرقابة، قد يدفع البعض للبحث عن مصادر أخرى، خاصة روسيا والصين، مما سيقوض إحدى الأدوات الأساسية في جهود واشنطن للبقاء الشريك الأمني المفضل في الشرق الأوسط.”

https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/the-face-off-over-gulf-arms-sales-emergency-or-false-alarm

        حاجج المجلس الأميركي للسياسة الخارجية باستمرارية “التهديد الإيراني لمضيق هرمز؛ وما يمثله من إمكانية إلحاق دمار حقيقي للاقتصاد العالمي .. خاصة إذا اتخذ النظام الإيراني قراراً بتقليص الحركة التجارية المارة عبر المضيق باستطاعته التسبب في رفع أسعار النفط العالمي بنجاح دون توفير مبرر واضح للولايات المتحدة للقيام برد.”

https://www.afpc.org/publications/articles/the-real-iran-threat-to-the-strait-of-hormuz-causing-oil-prices-to-skyrocket


تركيا

        جددت مؤسسة هاريتاج رفضها والمؤسسة الحاكمة الأميركية لحيازة تركيا على منظومة الدفاع الصاروخي الروسية، اس-400، وبأنها “.. تشكل تهديداً مباشراً للأمن القومي ومصالح حلف الناتو والولايات المتحدة على السواء؛ وتعارضها مع جهود الولايات المتحدة للحد من التدخلات الضارة لروسيا في المنطقة .. فضلاً عن تعهد (الرئيس) اردوغان مساعدة بلاده لروسيا في بناء الجيل المقبل من المنظومة، إس-500؛ وتدحرج العلاقات الثنائية بين واشنطن وانقرة إلى مرتبة الأعدقاء.” وأوضحت أن جذر القلق الأميركي يكمن في “إمكانية حصول تركيا على منظومة إس-400 والمقاتلة الأميركية إف-35 في نفس الوقت.”

https://www.heritage.org/global-politics/commentary/turkeys-arms-deal-russia-affront-nato

        استعرض معهد واشنطن الانتخابات التركية المقبلة، محورها بلدية اسطنبول، والسيناريوهات المحتملة، لا سيما وأن “الفوز بإسطنبول (هي) خطة اردوغان الأصلية والبديلة؛ محورها الفوز عبر تسخير مزيج من الأساليب – بالزعم أن (المنافس) أكرم إمام أوغلو من أصول يونانية؛ وإضعافه تدريجياً في حال فوزه، عبر حث الأغلبية التابعة له في البرلمان تمرير تشريع يحد من صلاحياته، ووقف التمويل عن المدينة، وإقالة أوغلو واستبداله بعمدة مؤقت” وخلص بالقول إن المرشح المنافس، أكرم إمام أوغلو أفشل خطة اردوغان الأولى (الفوز باسطنبول) ولأجل هزيمة اردوغان في خطته الأبعد يتعين عليه عدم الانجرار لألاعيب اردوغان القانونية ..”

https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/the-race-for-istanbul-erdogans-plan-a-and-b

  

التحليل

 

العلاقات الأميركية التركية أمام

منعطف خطير يهدد بتجميد عضوية أنقرة في الناتو

        تتزايد المخاوف لدى كل من حلف الناتو وتركيا على خلفية اقتراب موعد تسلمها منظومة دفاع صاروخي روسية الصنع، وتلويح واشنطن بفرض حزمة عقوبات على أنقرة. لعل اشد ما يقلق مركز حلف الناتو، الولايات المتحدة، هو التحدي الماثل أمام ديمومة هيمنتها على قرار دول الحلف، وما سيترتب على امتلاك تركيا لسلاح روسي من انعكاسات استراتيجية تقوّض أحادية القطبية لواشنطن في الشأن العالمي.

        بعض الدول الأوروبية المنضوية تحت عباءة الحلف لا تشاطر واشنطن المخاوف عينها في الشق العسكري الصرف. وجاء في تقرير لوكالة الأنباء الألمانية، 1 حزيران الجاري، نقلاً عن مسؤول عسكري رفيع في قيادة الحلف أنه “لا يمكن للحلف إجبار تركيا على عدم شراء (المنظومة الروسية) .. التي ستنشر على الحدود المشتركة مع سوريا، لكن إذا قررت أنقرة المضي بها فقد يترتب عليها تداعيات تطال تبادل المعلومات الاستخباراتية وصفقات دفاعية أخرى.”

        في سياق تشديد الضغوط الأميركية على تركيا، شكل إعلان الأخيرة عن البدء في عمليات التنقيب عن الغاز في مياه البحر المتوسط قبالة جزيرة قبرص مادة خلافية جديدة في العلاقات الثنائية ومصدر “استفزاز للغاية وتزيد من التوترات في المنطقة.”

        وجاء على لسان الناطقة باسم الخارجية الأميركية، مورغان اورتاغوس، 6 حزيران الجاري، أن “الولايات المتحدة تشعر بقلق عميق إزاء نوايا تركيا المعلنة لبدء عمليات الحفر البحرية في منطقة تطالب بها جمهورية قبرص باعتبارها منطقتها الاقتصادية الخالصة”.

        وجاء إعلان أنقرة نهاية العام الماضي عن إنشائها قاعدة بحرية في الشطر الشمالي من جزيرة قبرص، صادماً لدول حلف الأطلسي التي أدانت الخطوة بشدة وما رافقها من مضاعفة حدة التوترات بين تركيا اليونان.

        الضغوطات الأميركية على تركيا تتخذ أوجهاً متعددة: اقتصادياً، في الحرب على قيمة عملتها وإلغاء نظام التعامل التجاري التفضيلي معها؛ عسكرياً، التهديد بتقليص وتعليق التعاون المتبادل وفك ارتباط مصانع لانتاج قطع غيار للمقاتلات الأميركية إف-35، وتجميد تدريب فرق الطيارين الأتراك في القواعد الأميركية على المقاتلة الأحدث لديها؛ وسياسياً، عبر ترقب الانتخابات البلدية المقبلة في اسطنبول والسعي لإفشال مساعي الرئيس التركي بإعادة انتخاب مرشحه لعمدة البلدية، والترويج المسبق لعمليات عنف ترافق الانتخابات.

        وبلغ الأمر أقصاه بإقدام  العميد الأميركي تود كانتربيري، المسؤول عن تدريب طاقم من ستة طيارين أتراك في قاعدة لوك الجوية بولاية اريزونا ليس بوقف برامج التدريب فحسب، بل بتقييد حركتهم داخل القاعدة العسكرية وحظر مشاركتهم معلومات وبيانات سرية تخص المقاتلة اف-35.

        وزارة الدفاع الأميركية التزمت الوضوح الحاد في رسالتها لتركيا عبر الناطق الرسمي، مايك آندروز، عقب تيقنها من سفر طواقم عسكرية تركية لروسيا للتدرب على منظومة إس-400، قائلاً “إن لم تُقدم تركيا على تغيير سياستها، سنمضي في العمل المشترك مع حليفتنا حول تقليص متدرج لمشاركتها في برنامج إف-35 .. وزارة الدفاع على علم بأن الطيارين الأتراك في قاعدة لوك الجوية لن يحلقوا.”

        جدال التصعيد العلني بين الطرفين ماضٍ على قدم وساق. الرئيس التركي اردوغان رفض جملة الرسائل الأميركية مؤكداً قبل بضعة ايام، 12 حزيران الجاري، أن بلادة أتمت صفقة المنظومة الروسية مع موسكو وستتسلمها في شهر تموز/يوليو المقبل، والتي اشترتها “بسعر وشروط أفضل مقارنة بنظيرتها الأميركية باتريوت .. تشتريها مع إمكانية تطويرها بالشراكة من أجل تصديرها مستقبلاً، وهي ميزة لا يمكننا الحصول عليها من أي دولة من أعضاء حلف الناتو أو حتى الولايات المتحدة.”

وزير خارجيته مولود جاووش أوغلو عزز ايقاع التصعيد العلني، 13 حزيران، بالتأكيد على أن بلاده “لن تتراجع عن قراراتها .. ولا يمكن لأحد توجيه انذارات” لأنقرة، وأن بلاده “سترد بالمثل” على اي عقوبات قد تفرضها واشنطن عليها.

أردوغان من جانبه يعلق آمالاً على احتواء تداعيات الخلاف مع واشنطن خلال قمة المجموعة الصناعية المقبلة في اليابان ولقائه الرئيس الأميركي “.. عبر ديبلوماسية الهاتف.” موضحاً أن بلاده “ليست زبوناً فقط لمقاتلات إف-35 الأميركية، بل شريك لانتاجها في نفس الوقت.”

        علاوة على ما تقدم، تعرب عدد من النخب السياسية والفكرية والإعلامية التركية عن شديد امتعاضها من موقف واشنطن الذي يدل على “وجود قضايا أشد عمقاً في علاقات البلدين؛ إذ أن الولايات المتحدة كانت دائماً هي الطرف الذي لم يلتزم بتعهداته تجاه تركيا عبر عضويتها بحلف الناتو، بل أخلّت واشنطن بمسؤولياتها بشكل صريح.”

        للدلالة، يتم الاستدلال بتصريح واضح المعاني لأحد قادة سلاح الجو التركي من المتقاعدين، كاركوش أردوغان، قائلاً لعدد من الوسائل الإعلامية “.. كانت تركيا تخطط مسبقاً للحصول على نظام دفاع جوي صيني الصنع. لكن الأميركيين تدخلوا لعرقلة العملية، وتم الغاء الصفقة مع الصين. والآن تحاول الولايات المتحدة بكل الوسائل الحيلولة دون حصولنا على المنظومة الروسية .. وهذه المرة تظهر الحاجة لتعزيز التعاون بين تركيا وروسيا.” (11 حزيران الجاري).

        في الخلفية الخلافية أيضاً الملف الكردي ومراوغة واشنطن في التعاطي معه ممثلاً بنزعها تصنيف “حزب العمال الكردي، كمجموعة إرهابية بعد تعديله مسماه إلى “وحدات حماية الشعب.” ” بل سجلت أنقرة معارضتها لإقدام واشنطن على “وهب أسلحة دون مقابل (لوحدات حماية الشعب في سوريا) لم توافق على بيعها لتركيا منها 7 آلاف شاحنة و 2000 شحنة أسلحة نقلتها طائرة الشحن العسكرية الأميركية، وهو ما يشكل تهديداً صريحاً ضد تركيا.” (صحيفة ياني شفق، 1 حزيران)

        من غير المرجح أن تدفع تركيا بمديات الخلاف مع أميركا لحد القطيعة أو الخروج من حلف الناتو؛ فلديها مهمات “تاريخية” لا زالت مطلوبة منها في خدمة الحلف وبسط الهيمنة الغربية على المنطقة ولن يغامر الطرفان بحالة القطيعة بينهما.

        ربما النموذج الأقرب للعلاقة المستقبلية بين واشنطن وأنقرة مثال فرنسا الديغولية، مع اختلاف الظروف الدولية والإقليمية، إذ بقيت فرنسا عضوا في حلف الناتو وسحبت قواتها العسكرية من المشاركة في مهام الحلف بقرار من الرئيس شارل ديغول، 21 حزيران 1966؛ مما أسهم في تمايز السياسات الفرنسية عن نظيراتها الاوروبية في تبعيتها لواشنطن خلال الحرب الباردة.

        ترتب على ذلك سحب مقر القيادة الأوروبية لحلف الناتو من فرنسا إلى ألمانيا، وما رافقه من صعوبات لوجستية وكلفة مادية، وتعديل مسار كافة خطوط الاتصالات العسكرية عبر مقرها الجديد في بروكسيل.

        وبذلت واشنطن جهوداً عالية لاحتواء تداعيات قرار ديغول. وعلق السفير الأميركي لدى الحلف، روبرت إلزوورث، منتشياً “خروج فرنسا من الحلف جاء بقرار من ديغول لتدمير حلف الناتو، لكنه لم يفلح بذلك .. في الحقيقة وعند تسلمي مهامي هناك عام 1969، شهدنا مشاركة مكثفة وتعاوناً بين القوات العسكرية الفرنسية وقوات حلف الناتو ..” عادت فرنسا لممارسة عضويتها التامة في حلف الناتو بعد نهاية الحرب الباردة، عام 2009.

        أما الخلافات التركية الروسية فلها جذور ضاربة في التاريخ البعيد، منذ أيام الامبراطوريتين العثمانية وروسيا القيصرية، والتي لولا تطوع الدول الاوروبية السريع لنجدة الباب العالي في اسطنبول لانتهت السيطرة العثمانية على معظم ولاياتها، وربما تغير مجرى التاريخ الحديث.

        الخلافات السياسية الراهنة بين موسكو وأنقرة تتصدر عدد من الملفات: سوريا، كوسوفو، إقليم ناغورنو قره باخ (في أرمينيا)، وحركة المرور البحرية عبر مضيق الدردنيل. لعل أبرز القضايا ما اتفق الطرفان على تأجيله هو إسقاط تركيا لمقاتلة روسية من طراز سوخوي-24، في 24 تشرين2/نوفمبر 2015، وما ترتب عليه من فرض موسكو عقوبات اقتصادية وتجارية على جارتها التركية؛ واغتيال السفير الروسي لدى أنقرة، آندريه كارلوف، نهاية عام 2016.

        في المفهوم السياسي الروسي الراهن تشكل تركيا حلقة في سياق الصراع الاستراتيجي على النفوذ مع الولايات المتحدة، ينبغي استخدامها لدق إسفين إضافي في نزعة الهيمنة والسيطرة الأميركية، وتعزيز بروز تعدد القطبية العالمية؛ علاوة على ما تقدمه الخلافات التركية مع حلف الناتو من خدمات مميزة لتقويض نفوذ الحلف الذي نشر قواته بالتماس على الحدود الروسية عبر دول اوروبا الشرقية سابقاً.

        في هذا السياق، وقع الرئيسان الأميركي والبولندي الزائر، 12 حزيران الجاري، اتفاقاً يقضي بموجبه إرسال واشنطن قوة عسكرية إضافية لبولندا قوامها 1000 عسكري، لمساندة القوة الراهنة التي يبلغ تعدادها 4،000 جندي؛ وموافقة بولندا على شراء نحو 35 طائرة مقاتلة أميركية من طراز إف-35. يشار إلى أن بولندا تأتي في المرتبة الثانية بعد روسيا من حيث عدد القوات المسلحة في القارة الأوروبية.

        استناداً لجملة التطورات المذكورة، وبعض التسريبات العسكرية التركية، يعتقد أن مكانة بولندا ستسخرها واشنطن كبديل عن تركيا في ميزان الأهمية والأولوية الأميركية، كما تجسد في تهديد البنتاغون بأنها “تبحث” عن ساحة بديلة عن تركيا لانتاج قطع اغيار الخاصة بالمقاتلة إف-35؛ يعززها المستوى الأكثر تطوراً، تدريباً وتقنية، للقوات البولندية عن نظيرتها التركية.

        هل بوسع المرء الذهاب لاستنتاج تشكل تحالفات جديدة بين القوتين العظميين، تركيا لجانب روسيا وبولندا لجانب أميركا؟

        من السابق لأوانه الذهاب لتلك النتيجة المنطقية والمتسرعة، نظراً لجملة من العوامل والأثقال التاريخية التي تحكم تحركات كافة الأطراف، خاصة إذا نجحت الجهود الأميركية في إبعاد أردوغان عن الساحة السياسية، ولو بعد حين، يصبح المشهد السياسي التركي ممهداً للقادة الجدد بالعودة لحضن حلف الناتو وممارسة المهام التاريخية المنوطة بأنقرة مصدر إزعاج وعرقلة للنفوذ الروسي على أقل تعديل.

        العين الأميركية لا تفارق روسيا أوجزها تقرير لوكالة الأنباء الألمانية بالقول “.. منذ تدخلها العسكري في الأزمة السورية، تمكنت روسيا، وفي ظرف وجيز، من التحول إلى لاعب أساسي ومؤثر في التوازنات الاستراتيجية التي تحكم الشرق الأوسط. وبهذا الشأن توظف موسكو صناعتها الحربية المتطورة لتكريس نفوذها في المنطقة.” (الأول من آذار/مارس 2018).