2020-29-03-التقرير الأسبوعي

المقدمة      

         انحسر اهتمام ونشاط مراكز الأبحاث الأميركية بالتساوق مع تراجع وتيرة الملفات الرئيسة في واشنطن، لتنحصر في مسألة انتشار فايروس كورونا.

         العنوان الأبرز كان ولا يزال آليات التعامل الرسمي مع الطوارئ وما أسفر عنه من “توافق” قادة الحزبين في مجلسي الكونغرس لاعتماد مبلغ مالي قيمته ألفي مليار دولار (2 تريليون) لصندوق الطواريء يرمي إلى تحفيز العملية الاقتصادية وتقليص معدلات البطالة وخسارة الوظائف إلى أبعد قدر ممكن.

         سيستعرض قسم “التحليل” سبل صرف تلك الأموال، التي تعد الأضخم في تاريخ الولايات المتحدة للتعامل مع كوارث طبيعية – بشرية، وماهية القوى والمصالح الاقتصادية المستفيدة من أموال تدخل في خانة زيادة منسوب العجز في ميزان المدفوعات العامة.

ملخصدراسات واصدارات مراكزالابحاث

سوريا

         أعربت مؤسسة هاريتاج عن قلقها من غياب الدور الأميركي الفاعل فيما يجري في محيط مدينة إدلب السورية مستدركة أن ذلك ربما قد يكون نعمة لا سيما وأنها كساحة صراع بين أقطاب دولية متعددة “من شأنها الانتقال إلى أزمة لا متناهية وغير قابلة للحسم.” وبعد ترحيبها بتسيير دوريات عسكرية مشتركة، روسية – تركية، لكنها أشارت إلى وضعية القوات المسلحة السورية التي “.. خسرت معظم قواتها الجوية والبرية خلال السنوات الماضية؛ والآن قضت تركيا على ما تبقى منها.” وزعمت المؤسسة أن خسارة سوريا العسكرية تقدر “بفرقتين مؤللتين، ومعظم مقاتلات سلاحها الجوي ومروحيات الهيلوكبتر.”

https://www.heritage.org/middle-east/commentary/syria-the-war-nobody-wins-except-maybe-trump

إيران

         في سياق متصل، استعرضت مؤسسة هاريتاج القصف الصاروخي (الإيراني) على “قاعدة التاجي في وسط العراق .. التي تعرضت لنحو 30 صاروخ انهمرت عليها في 11 آذار؛ وتكرر القصف بعد بضعة أيام مما أسفر عن مقتل جنديين أميركيين وجرح آخر بريطاني.” وأضافت أن البنتاغون تعرضت لمساءلة قاسية من لجان الكونغرس لعدم توفيرها مظلة حماية دفاعية جوية “وموارد أخرى لحماية جنودنا؛ أسئلة تكررت منذ الهجوم الصاروخي الإيراني على قاعدة عين الأسد.” وأجابت المؤسسة بدورها بأن النقص يعود إلى أن “نظم الدفاع الصاروخية الراهنة ليست مصممة للاستخدام في قواعد بعيدة؛ بل أنها لم تسجل أي تقدم أبعد مما شهدناه في العراق منذ عام 2004 وإلى 2010.”

https://www.heritage.org/missile-defense/commentary/increasingly-aggressive-iran-warrants-new-emphasis-missile-rocket

حرب النفط

أعرب معهد واشنطن عن اعتقاده بأن الحرب النفطية الدائرة بين موسكو والرياض لا تزال تلقي بظلالها على البيت الأبيض “لاتخاذ خطوة ما لكن (الرئيس ترامب) لا يرغب تبني الخيارات التي عُرضت عليه” وفي الخلفية التحدي الذي يواجهه بعدم تقديم تنازلات واضحة لموسكو وفي الآن عينه الإبقاء على سعر منخفض للنفط مما سيخدم المستهلكين، وعلى الشق الآخر صعوبة سيطرته على قطاع النفط الصخري الذي أضحت كلفته مرتفعة مقارنة بأسعار “خام غرب تكساس الوسيط” الذي انحدر إلى مستوى 27 دولاراً للبرميل. وأضاف أن حرب النفط تمت في التوقيت عبر الثنائي “محمد بن سلمان وجاريد كوشنر” ومما زاد الأمر تعقيداً “عدم ذكر الملك سلمان أي شيء” عن حرب النفط الدائرة في اطلالته المتلفزة الأخيرة، 19 آذار، وتأكيده على أن بلاده “تتخذ جميع الإجراءات للتعامل مع فايروس الكورونا.”

https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/russia-and-saudis-in-a-knife-fight-over-oilbut-we-may-be-the-victims

التحليل

النظام الرأسمالي الأميركي يعاني

من أزمة بنيوية لن تنقذه وصفة ضخ الأموال

         تحققت نبوءة الرئيس ترامب وحلت بلاده على المرتبة الأولى عالمياً في عدد الإصابات بفايروس كورونا، ويمضي بثبات معبراً عن رعونته ونزقه بالتركيز على مسألتين: حال الاقتصاد وإعادة انتخابه، في علاقة تفاعلية تؤثر على مستقبله وخططه الراهنة، لا سيما وان إجراءات الوقاية الصحية المعتمدة والقاصرة راهناً انعكست بصورة فورية على الأداء الاقتصادي برمته؛ فوضى الإجراءات تنطلق من حالة الشلل العام وليست استثناءاً.

         البيت الأبيض يسعى جاهداً لتجاهل تناقضات مواقفه وتخبط قراراته في التعامل مع الفايروس منذ اليوم الأول، لا سيما تصريح الرئيس ترامب بعد 48 ساعة من اكتشاف أول إصابة بالفايروس في ولاية واشنطن متفاخراً “نسيطر على الوضع بشكل كامل. (الإصابة) هي لشخص بمفرده أتى من الصين. الأوضاع ستكون على ما يرام.”

         وزير العمل الأسبق، روبرت رايش، في سياق انتقاده لتخلف الرد الرسمي على انتشار الوباء أكد أن العقلية المتحكمة في القرار السياسي تدل على أن “الولايات المتحدة أفاقت لتجد نفسها في مواجهة حقيقة بانتفاء القدرة العامة تقريباً على مكافحة الوباء .. كما أن انعدام توفر نظام رعاية صحية شاملة أدى للجوء العامة إلى نظام الرعاية الخاص الذي يعمل وفق آلية الربح لا أكثر.”

         في خضم الفوضى السائدة والناجمة عن تخبط وعدم دراية ونكران للحقائق العلمية التي تفسر جائحة كورونا، توصل جناحي السلطة السياسية، قيادات الحزبين الديموقراطي والجمهوري، إلى اتفاق يقضي بتخصيص ميزانية عاجلة للطواريء تنفق وفق آليات وضوابط متفق عليهاتعادل نصف الميزانية السنوية العامة للدولة التي تبلغ قيمتها 4،829 تريليون لعام 2021، بضمنها عجز 1 تريليون دولار تقريباً.

         أطلق الفريقان على اتفاقهما بصرف ألفي مليار (2 تريليون) دولار عنواناً محببا في الاقتصاد الرأسمالي، تحفيز المستهلك على الطلب، بضخ جزء يسير من المبلغ المرصود في جيوب “المستهلكين،” لمرة واحدة لا تتعدى بضعة أسابيع.

         وعليه، تعهدت الدولة بزيادة حجم المعروض من الأموال التي لم تأتِ نتيجة عملية طبيعية من انتاج بضائع وخدمات لا سيما الأغذية والتي سترتفع أسعارها نحو 25% دفعة واحدة. ولذا يحذر الخبراء الاقتصاديون من حالة الركود الاقتصادي المقبلة في ظل مناخ عدم اليقين مما تخبئه الأيام المقبلة.

         حصة الأسد في الاتفاق ذهبت لكبريات الشركات والمؤسسات التي ستتلقى دعماً مباشراً قيمته (500) مليار دولار؛ 367 مليار على شكل قروض  يتم الإعفاء منه للشركات المتوسطة التي لا يتعدى حجم موظفيها 500 عنصر؛ 250 مليار تصرف للذين فقدوا وظائفهم؛ 100 مليار للمستشفيات ونظم الرعاية الصحية؛ 150 مليار تصرف للولايات المختلفة تعزيزاً لجهودها في مكافحة الفايروس؛ 290 مليار لدعم الأسر التي فقدت دخلها؛

         كما فوّض الرئيس ترامب وزيري الأمن الداخلي والدفاع لاستدعاء جنود الاحتياط في الجيش والبحرية وسلاح الجو وقوات خفر السواحل للخدمة قد تمتد لسنتين، بأعداد “لا تتجاوز مليون فرد في أي وقت” كجزء من الإعداد لنشر القوات المسلحة بإمرة الرئيس حصراً.

         برنامج (حزمة) الطواريء تضمن موافقة قادة الحزبين لنصوص تحدد بعض الآليات التي من شأنها تعزيز الشفافية والمساءلة في الصرف والجهات المستفيدة، قبل توقيع الرئيس ترامب عليه في ساعة متأخرة من يوم الجمعة، 27 آذار.

         من أبرز آليات البرنامج كانت انشاء منصب “مفتش عام” وفريق عمل يعاونه ملحق بوزير الخزانة للإشراف عل عملية الصرف وتقديم تقارير دورية للكونغرس. الرئيس ترامب استثنى من تفعيل القانون البند الخاص بإنشاء المنصب (المادة 4018 من القسم A).

         وقال في تغريدة نشرها “.. أنا لا أفهم، وادارتي لن تتعامل مع (المفتش العام) أو تقديم تقارير للكونغرس دون إشراف رئاسي ..”

         كما تضمن اتفاق الحزبين استثناء أي من مصالح الرئيس ترامب وعائلته التجارية من تلقي دعماً مالياً، وينطبق الأمر أيضاً على أعضاء الكونغرس ومسؤولين آخرين.

         وعليه، فإن صرف حصة الأسد في برنامج الطوارئ، 500 مليار دولار، سيشرف عليها وزير الخزانة ستيفن منوشن حصراً دون ضوابط أو شروط معينة. مرة أخرى “أموال الشعب” الضرائبية تموّل الشركات الكبرى دون قيود، أسوة بما فعله سلفه الرئيس أوباما عام 2009 مع كارتيلات المال في وول ستريت.

         عضو مجلس النواب عن ولاية كاليفورنيا، كايتي بورتر، انتقدت صيغة الاتفاق وهزالة القيود المفروضة بتجاهلها حماية حقوق الموظفين والعمال الذين يتقدمون بأعداد كبيرة غير مسبوقة لتلقي معونات توفر لهم جزءاً يسيراً من مداخيلهم السابقة. وقالت “ما لم يتضمنه (الاتفاق) عند توفير الأموال التي ستصرف كقروض للشركات اشتراطها الصرف باستمرار موظفيها على رأس أعمالهم – وهي النقطة المركزية في هذا البند بالذات.”

         وحذرت النائبة بورتر من سوء الاستخدام والمحاباة في عمليات الصرف بقولها أن الأموال المرصودة ستكون في عهدة وزير الخزانة الذي لا يخضع للمساءلة حين يقرر الصرف “.. باستطاعته تقديم 100 مليار دولار لشركة أو مؤسسة معينة” دون مراجعة أحد أو تقديم سجل مفصل بذلك. كذلك باستطاعته، حسبما أوضحت بورتر، استثناء بعض المؤسسات التي هي بحاجة ماسة للأموال لدفع رواتب موظفيها.

         الأستاذ الجامعي ووزير العمل الأسبق، روبرت رايش، انتقد اقرانه في الحزب الديموقراطي بشدة لرضوخهم لشروط الرئيس ترامب لا سيما وأن الاتفاق المعقود بين الطرفين “يستثني كبريات الشركات من أي قيود ويوفر استثناءات لصغارها” للتوافق مع شرط المحافظة على الموظفين وعدم القائهم في سوق البحث عن العمل مرة أخرى.

         من بين المؤسسات الكبرى المستفيدة من “المساعدة” الحكومية شركات الأدوية التي تتلقى سنوياً إعفاءات ضريبية بمليارات الدولارات. الخبراء الاقتصاديون يتوقعون ارتفاع كلفة التغطية الصحية للأفراد والعائلات بنسبة 40% العام المقبل، تذهب لمراكمة معدلات أرباحها السنوية. (يومية نيويورك تايمز 28 آذار الجاري).

يشار إلى أن حجم الأرباح الصافية لعام 2019 لتلك الشركات بلغت نحو 38 مليار دولار، دون احتساب ما حققته من إعفاءات ضريبية وحوافز أخرى.

https://www.protectourcare.org/big-drug-companies-billions-in-profits-for-them-price-hikes-for-you/

عدد لا بأس به من المسؤولين السابقين في حقل الرعاية الصحية والكفاءات العلمية المختلفة تعرب باستمرار عن خيبة أملها في سوء إدارة الأزمة من قبل الحكومة الأميركية بكافة مستوياتها؛ لا سيما عند الأخذ بعين الاعتبار أن وزير الصحة الحالي، أليكس آزار (عازار)، تسلم مهام منصبه بعدما استقال من منصبه كرئيس لإحدى كبريات شركات الأدوية Eli Lilly.

رئيس مكتب موظفي نائب الرئيس السابق جو بايدن، رون كلين، توجه بانتقادات لاذعة للحكومة الأميركية قائلاً “طريقة تعامل الولايات المتحدة (مع الفايروس) ستدرس لعدة أجيال مقبلة كنموذج لفشل كارثي .. ما جرى في واشنطن (الرسمية) ما هو سوى فشل ذريع بمعدلات غير مسبوقة.”

مع ارتفاع وتيرة الانتقادات في المجتمع الأميركي للثغرات البنيوية تذهب بعض النخب السياسية والفكرية إلى مراجعة دروس التاريخ في “نهوض وسقوط الامبراطوريات.” آليات تعامل الدول لمكافحة الأوبئة والحيلولة دون تفشيها تشكل اختباراً حقيقياً لفعالية ونجاعة النظم السياسية والاجتماعية على السواء.

2020-26-03-التقرير الأسبوعي

هل سيلجأ ترامب لخيار إعلان
حالة الطوارئ وتفعيل الأحكام العرفية

 

ملحوظة: يستكمل مركز الدراسات الأميركية والعربية” في هذا القسم من “التحليل” ما سبق التعرض إليه حول إمكانية لجوء السلطة السياسية في الولايات المتحدة للقوات المسلحة والأجهزة الأمنية المتعددة لإدارة شؤون البلاد بإعلان أو دون الإعلان عن تفعيل الأحكام العرفية، التي لا يفصلها عن التطبيق سوى لجوء الرئيس ترامب لرفع منسوب التأهب بإعلانه حالة الطوارئ، وتفعيل دور “الحرس الوطني” الذي يخضع للسلطة التنفيذية. في القسم المقبل والأخير، سنتطرق إلى سيناريوهات تسلم العسكر مفاصل إدارة شؤون الدولة.

(نشر أيضاً على موقع شبكة الميادين)

 

مع كل إطلالة يومية للرئيس ترامب يرتفع نذير الشؤم عند المختصين والعامة على السواء لما سيحمله من أنباء تتسارع كارثيتها على المستوى الإنساني والشعبي؛ لا سيما عقب وفاة أحد المصابين بنصف ساعةبعد تلقيه جرعة منزلية من دواء، chloroquine phosphate، أعلن ترامب متسرعاً ودون دليل على شاشات التلفزة عن فعاليته في مكافحة وباء الكورونا، وذلك على النقيض من إرشادات الأوساط الطبية والأخصائيين في الأمراض المعدية.

كما يزداد منسوب القلق العام من توجه الحكومة المركزية فرض حظر تجول شامل باستغلالها جائحة الكورونا وحالة الرعب الجمعية المواكبة له وتطبيقها لإجراءات أمنية غير مسبوقة، تذكر بالأحكام العرفية والقوانين العسكرية التي طبقتها الطغمة العسكرية في تشيلي عقب الانقلاب على حكومة الرئيس الليندي المنتخبة، أيلول 1970.

اشتداد الضغط على الموارد الطبية والعلاجية المحدودة حفز حكام عدد من كبرى الولايات الأميركية التوسل لدى وزارة الدفاع توفير بعض الاحتياجات الماسة من ترسانتها في طب الميدان.

وزير الدفاع، مارك أسبر، خيّب آمال المحتاجين من مسؤولين ومصابين على السواء بزعمه أن البنتاغون “ليس لديها القدرة على الاستجابة لكل ما يطلب منها؛” مستدركاً أن أقصى ما يمكنه الوفاء به توفير سفينتين على متنهما مستشفيات عائمة لكل من مدينة سياتيل، عاصمة ولاية واشنطن في أقصى غربي البلاد، والأخرى لمدينة نيويورك على الساحل الشرقي. تأهيل المشفييْن العائميْن، بطاقة 248 سرير لكلتيهما، سيستغرق 72 ساعة على الأقل، وفق حسابات رئيس هيئة الأركان المشتركة، مارك ميللي.

تباطؤ المؤسسة العسكرية أو تخلفها عن الزج بإمكانياتها العالية لمكافحة الوباء سريع الانتشار لا يتسق مع مهامها أو اولياتها، بل قد يشي إلى ما هو أبعد من ذلك كمهمة متبلورة يجري العمل على إنجازها، وهو ما سنتطرق إليه بالتفصيل.


خشية من لجوء ترامب التشبث بالسلطة

تم الكشف حديثاً عن سلسلة قرارات قضائية يجري الإعداد لها استكمالاً للإجراءات الرئاسية في أوقات الطوارئ، والتي ستتخذ مفعول القانون، تمهيداً لتطبيق أحكام عرفية بالتدريج وقليل من الضجيج.

تقدمت الإدارة عبر وزارة العدل للكونغرس، السلطة التشريعية، بطلب الموافقة على منحها صلاحيات استثنائية تتيح لها اعتقال من تراه ضروري دون اللجوء لاستصدار تفويض قضائي بذلك، ومن ثم حرمان الموقوف/المعتقل من المثول أمام القضاء حسبما تنص عليه المواد الدستورية التي تكفل حق المتهم المثول والدفاع عن نفسه (بوليتيكو 21 آذار 2020).

وطالبت المذكرة المقدمة للكونغرس أيضاً تفويض وزارة العدل، أو من تخوله القيام بتلك المهمة، الطلب من قاضي رفيع المستوى اعتقال شخص/أشخاص لفترة زمنية غير محددة دون محاكمة ودون التئام بقية الأعضاء “وفق قوانين الطواريء .. وتعليق جلسات المحاكم العادية نظراً لظروف الكوارث الطبيعية، والاعتصامات المدنية، أو أي حالة طواريء تصنف كذلك.”

بل ذهبت صيغة بعض المواد المقدمة إلى أبعد من صريح العبارة بمطالبتها تفويضٍ يقضي بتقييد حركة دخول المهاجرين وحرمان أولئك المصنفين على لائحة الممنوعين من السفر من حق طلب اللجوء السياسي في الولايات المتحدة؛ وتعديل النصوص السارية حاليا لاستثناء المصابين بفايروس كورونا من التقدم أيضاً بطلبات للجوء السياسي.

في هذا الصدد، عبر المدير التنفيذي لنقابة محامي الدفاع الوطنية الأميركية، نورمان رايمر، عن عميق قلق نظرائه المحامين ورجالات القضاء من أوضاع مرئية تستطيع فيها الأجهزة الرسمية “اعتقال أي شخص وعدم مثوله مطلقاً أمام القضاء لحين إقرارها بانتهاء حالة الطواريء أو نفاذ العصيان المدني؛ ينبغي علينا توخي أقصى درجات الحذر من منح الدولة صلاحيات استثنائية.”

ارتفعت في الآونة الأخيرة نداءات تحذر من تطبيق الأحكام العرفية في الولايات المتحدة والتي لم تعد ترفاً فكرياً بين الأوساط الأكاديمية. النشرة العسكرية المختصة ميليتاري تايمز مهدت للأمر بسردها تعريفاً للحالة وفق الصيغة الأميركية كما جرى في السابق، إبان الحرب العالمية الثانية بفتح معتقلات جماعية للأميركيين من أصول يابانية، بأن الأمر ينطوي على “تعليق تطبيق الحقوق المدنية ربما، ومنها الحق الدستوري في عدم التعرض للتفتيش أو إلقاء القبض وحرية التجمهر وحرية الحركة، وكذلك حرية مثول المتهم أمام القضاء.” (17 آذار 2020).

في الماضي القريب، أعلن الرئيس الأميركي الأسبق فرانكلين روزفلت تفعيل الأحكام العرفية إبان الحرب الكونية الثانية دشنها بفتح معسكرات اعتقال جماعية، اضطرت المؤسسة الحاكمة بعد نحو نصف قرن من تقديم الاعتذار للضحايا وتعويضهم مالياً.

الرئيس الأسبق هاري ترومان أعلن حالة الطوارئ في 16 كانون الأول/ديسمبر 1950 إبان الحرب على كوريا وتجزئتها، بقيت سارية المفعول لمن خلفه من الرؤساء والتي استخدمت كأساس قانوني خلال الحرب الأميركية على فيتنام.

كما طبق الرئيس الأسبق جورج بوش الإبن أحكاماً عرفية عقب هجمات 11 أيلول 2001، عبر تعزيز الأجهزة الأمنية للقيام بجهود مكثفة للتنصت والتجسس الداخلي، وممارسة التعذيب.

الرئيس دونالد ترامب استغل صلاحيات الطواريء لإرسال بضعة آلاف من القوات العسكرية “لتعزيز إجراءات حراسة الحدود الجنوبية” مع المكسيك، 2018، وتهديد المهاجرين بمصادقته على منح تلك القوات صلاحيات القاء القبض على القادمين للأراضي الأميركية؛ وحظره السفر على مواطني الدول الإسلامية.

يجمع الاخصائيون في القانون الأميركي على عمق استهتار الرئيس ترامب للقيود الدستورية النظرية المفروضة على الصلاحيات الرئاسية، وميله لاستخدام حقه بإصدار “أوامر رئاسية” عوضاً عن الالتزام بالأحكام والنصوص الدستورية؛ وما يخشونه من نزعة ترامب واستسهاله إعلان حالة الطوارئ في البلاد مما سيعلق تلقائياً القوانين المدنية السارية وتطبيق “نظام قضائي موازٍ يخوّل الرئيس بموجبه القفز على القيود والمعوقات السارية.”

ويضيف أولئك الخبراء أنه بمجرد إعلان ترامب لحالة الطوارئ، وهي إحدى صلاحياته الدستورية، فباستطاعته استغلال ما لا يقل عن “100 مادة وصلاحيات خاصة” يستند إليها وفق الدستور وتطبيقها كيفما شاء. منها على سبيل المثال “ايقاف العمل بعدد من وسائل الاتصالات الالكترونية في داخل الأراضي الأميركية أو تجميد أرصدة المواطنين في المصارف الأميركية؛ ونشر قوات عسكرية للسيطرة على الاعتصامات المدنية.”

وأشد ما يخشاه بعض الأخصائيين لجوء الرئيس ترامب التشبث بمفاصل السلطة عبر تطبيق الأحكام العرفية في حال شعوره بخسارته الانتخابات الرئاسية، واستغلاله نصوص القانون الخاص بوضع الحرس الوطني تحت إمرته المباشرة “دون موافقة حكام الولايات المعنية،” (قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2006، وقانون الطوارئ العام 1976).

من عوامل القلق أيضاً تلميح الرئيس ترامب بتفعيل اقتصاد الحرب عبر قانون الإنتاج الدفاعي، المصادق عليه في عقد الخمسينيات من القرن الماضي إبان عهد الرئيس هاري ترومان، والقاضي بتوجيه آليات السوق (الشركات والمؤسسات الخاصة) لإنتاج مواد بعينها تحتاجها البلاد؛ لكنه لم يلجأ لتفعيله على الرغم من مطالبة المرافق الصحية والطبية بشكل خاص للضغط على “شركات الإنتاج” توفير نحو “60،000 حزمة فحص” للوقاية من الوباء، وما لا يقل عن “500 مليون قناع واقي،” وفق تطمينات وكالة إدارة الطوارئ الأميركية التي سرعان ما تبخرت برفض الرئيس تفعيل القانون أعلاه.

في خلفية الجدل هوية الجهة التي ستتحمل الكلفة المالية جراء تفعيل القانون. ترامب يناور لتحميل أجهزة الولايات المحلية كلفة تصنيع وانتاج والموارد المطلوبة دون اللجوء لصرف أموال حكومية مقابلها، والولايات تطالب الدولة بممارسة مهامها في ظروف استثنائية ورفدها بما تحتاجه لمكافحة الوباء. ومن ناحية أخرى، عدم رغبة الرئيس ترامب ممارسة ضغوط على كبرى شركات الإنتاج، لا سيما قطاع السيارات، في تحويل منشآتها لإنتاج كمامات واقية وموارد أخرى لما ينطوي عليه من كلفة إضافية للمصانع فضلاً عن المدة الزمنية المطلوبة لإنتاج موارد جديدة قد تستغرق بضعة أشهر. (واشنطن بوست 25 آذار).

توجه رئيس إدارة الطوارئ، بيتر غاينور، متوسلاً لحكام الولايات والهيئات المحلية التصرف بمفردهم لسد الحاجات المحلية من السوق قائلاً “نناشد كل حكام الولايات – إن استطعتم تحديد توفر ما تحتاجونه من السوق اشتروه على الفور .. سنفعّل قانون الإنتاج الدفاعي كوسيلة ضغط عند الحاجة.”

بادر نحو 1،400 أخصائي في علم الأحياء والصحة العامة تقديم عريضة تطالب الرئيس ترامب تفعيل قانون الإنتاج الدفاعي، سالف الذكر، لتوفير ما يحتاجه القطاع الصحي من موارد وامكانيات فورية. وقالت رئيسة المجموعة ميلدريد سولومون أنه يتعين على القيادة السياسية “التصرف بعقلية الحرب وينبغي على الحكومة الفيدرالية تصدر المبادرات” (بوليتيكو 24 آذار).

يزعم الرئيس ترامب أن إرجاءه تفعيل العمل بالقانون يعود لخشيته من “حل اشتراكي .. بلدنا واقتصادنا لا يستندان إلى تأميم الشركات؛ مبدأ التأميم ليس محبباً ” (مقابلة مع شبكة سي-سبان 22 آذار). ما لم يقر به الرئيس ترامب أن أي شركة أو مؤسسة تخضع لتطبيق القانون المذكور لن تفقد ملكيتها أو سيطرتها على مواردها، بل ستجني أرباحاً هائلة في فترة زمنية قصيرة نسبياً.

تخلف الرئيس ترامب عن تفعيل القانون أيضاً جاء ثمرة ضغوط كبيرة مارستها “غرفة التجارة الأميركية وكبار رؤساء الشركات،” حسبما أفادت يومية نيويورك تايمز 22 آذار.  وجاء في تصريح لنائب رئيس الغرفة التنفيذي، نيل برادلي، أن “التحدي الأساسي هو الحاجة لإنتاج مواد متطورة ليس بالمستطاع توفيرها دون الاستثمار في معدات مختصة والتي قد لا تتوفر بسهولة.”


الحل العسكري

إعلان الأحكام العرفية قد يكون قاب قوسين أو أدنى لما ينطوي عليه من فوائد تخص مستقبل الرئيس ترامب، الذي سيكون بمقدوره الاستمرار في الحكم متحرراً من قيود “المشاركة الديموقراطية والمساءلة الصورية،” مستنداً ليس إلى صلاحياته الدستورية فحسب، بل لفعالية القوات المسلحة بصفته قائدها الأعلى.

ترامب ليس وحيداً في النظر لتفعيل الحرس الوطني الذي يبلغ تعداده نحو 450،000 عنصر. إذ انضم المرشح الرئاسي الخصم جو بايدن “للمطالبة الآن باستخدام القوات العسكرية” لتعزيز جهود مكافحة فايروس الكورونا خلال المناظرة الرئاسية الأخيرة مع منافسه بيرني ساندرز.

وزير الدفاع الأميركي، مارك اسبر، أعلن بدوره عن تفعيل الرئيس ترامب للحرس الوطني في ولايتي نيويورك ووواشنطن، 22 آذار، مستدركاً أنها “ليست خطوة باتجاه إعلان حالة الطوارئ، كما يخطيء البعض بزعمه.”

يشار إلى أن الرئيس الأسبق دوايت آيزنهاور طبق صلاحية التصرف بقوات الحرس الوطني عام 1957 بنشرها لمرافقة الطلبة السود دخول صفوفهم الدراسية عند بدء سياسة كسر التفرقة العنصرية في سلك التعليم؛ وكذلك فعل الرئيس ليندون جونسون، 1965، بنشر قوات الحرس الوطني “لحماية مظاهرة من أجل الحقوق المدنية” من ردود فعل العنصريين البيض المدججين بالأسلحة؛ ونشر الرئيس الأسبق جورج بوش الأب القوات المسلحة لإخماد الاحتجاجات الشعبية في مدينة لوس إنجليس عقب تبرئة القضاء جهاز الشرطة المحلية من اعتدائه الوحشي على رودني كينغ. (نيسان-أيار 1992).

“كلية الحرب ” التابعة للجيش الأميركي مهدت لدور القوات المسلحة عبر دراسة وضعتها عام 2008 في سياق دراسة عدد من الاحتمالات والأزمات والكوارث قد تواجه المجتمع الأميركي، إحداها أن الأزمة الاقتصادية في الولايات المتحدة “قد تؤدي لانتشار عصيان مدني شامل مما سيستدعي استخدام القوات العسكرية” لإخماده واستتاب الأمن.

كما أجرت جامعة الدفاع الوطني العريقة تمرينات نظرية على تسلم القوات المسلحة دفة إدارة البلاد، منها عبر سيناريو انقلاب عسكري تقليدي عقب فشل أجهزة الدولة القيام بمهامها (وفق فرضية الدراسة)، في وثيقة بعنوان “أسس الانقلاب العسكري الأميركي لعام 2012،” اشتهرت لاحقاً باسم مؤلفها العقيد شارلز دنلاب.

إحدى استنتاجات “وثيقة دنلاب” (النظرية) لا يزال صداها حاضراً في أذهان المعجبين فيما يسمى “الدولة العميقة،” جاء فيها “.. خرجت القوات المسلحة من حرب الخليج (المقصود عام 1991) كأكبر ذراع أميركي مؤتمن، وربما الوحيد، لإدارة شؤون البلاد” بفعالية واقتدار.

اللافت أيضاً توصية لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ للبنتاغون أثناء مناقشة ميزانية الدفاع لعام 1993 بالمراهنة على دور أمني داخلي للقوات المسلحة بالقول إن “.. مناخ ما بعد الحرب الباردة يقضي بتسلم القوات المسلحة فرصاً أكبر بكثير من السابق لمساعدة الجهود المدنية في مكافحة عقبات داخلية حساسة.” (شهرية ذي أتلانتيك كانون الثاني/يناير 1993).

خبراء القانون الدستوري يؤكدون أن “الدستور الأميركي لا يمنع مشاركة القوات المسلحة (البنتاغون) في مهام أمنية موازية لمهام أجهزة الشرطة المدنية.” ويوضح أولئك أن “القرارات الرئاسية إبان الطوارئ .. تخوّل تفعيل الأحكام العرفية؛ وتعليق جهاز القضاء برمته؛ وإلغاء جوازات السفر الممنوحة للأميركيين؛ واعتقال من يصنفهم مكتب التحقيقات الفيدرالي بأن لهم نشاطات هدامة” وهي عبارة عن قائمة بيانات تتضمن ما لا يقل عن 10،000 عنصر مدرج عليها تحت بند “المؤشر الأمني،” والذي لا يزال ساري المفعول بتعريف مختلف “العصب الأساسي Main Core.”

 

حسابات الانتخابات

في ظل نظام “ديموقراطي” يصعب على المرء العادي استساغة تطبيق الأحكام العرفية وما ينطوي عليها من إجراءات. بيد إن الوثائق المتاحة تشير بكل وضوح إلى تكليف إدارة الرئيس الأسبق رونالد ريغان لعضو مجلس الأمن القومي آنذاك، اوليفر نورث، العمل الوثيق وبصورة سرية مع “وكالة إدارة الطوارئ” على بلورة خطة طواريء قومية تفضي إلى “تعليق الدستور وتسليم إدارة البلاد لوكالة الطوارئ، ومن ثم تعيين طواقم عسكرية لإدارة الحكومة المركزية والأجهزة المحلية في الولايات المختلفة وإعلان الأحكام العرفية ..” (يومية ميامي هيرالد 1987).

علاوة على ذلك، أشارت وثيقة صادرة عن وزارة الأمن الداخلي” لعام 2007 إلى أهمية تفعيل “الأحكام العرفية .. وإعلان حظر التجول كمهام حيوية” ينبغي النظر بها واعتمادها من قبل الأجهزة الفدرالية والمحلية على السواء.

في ظل تلك الظروف الاستثنائية، بوسع الرئيس ترامب تفعيل “نظام الإنذار الرئاسي،” الذي جرى تجربته عام 2018، مما يسمح له التواصل المباشر عبر إرسال رسالة نصية لكل جهاز هاتف محمول يحذر فيه من أي خطر يراه مناسباً، حقيقياً أو افتراضياً أو مفتعلاً، وقد يذهب به الأمر لاستخدامه بكثافة خلال الانتخابات الرئاسية المقبلة، لا سيما إن شعر بتردي حجم الأصوات المؤيدة له – كما يذهب بعض كبار المسؤولين السابقين في قراءة توجهات ترامب. تتعزز مخاوفهم من حقيقة لجوء الرئيس لذاك الإجراء خاصة وأن الضوابط والمقاضاة القانونية لا يمكن اللجوء إليها إلا بعد وقوعها، وما قد يعترضها من عقبات إن قرر ترامب إعلان الأحكام العرفية وحالة الطوارئ.

أمام تلك الحالة المستجدة باللجوء إلى المحكمة العليا للبت في تجاوز الرئيس لصلاحياته الدستورية فإن الجو العام وموازين القوى الراهنة لسلك القضاء والعليا بشكل خاص تميل إلى تفضيل تفسير السلطة التنفيذية في قضايا “الأمن القومي” والاصطفاف إلى جانبها، كما شهدنا في تأييدها رؤية الرئيس في فرض حظر على سفر مواطنين من دول إسلامية؛ وتأييد العليا أيضاً لقرار افتتاح معسكرات اعتقال للأميركيين من أصول يابانية خلال الحرب العالمية الثانية.

لا يستبعد المراقبون (في حالة عدم السيطرة القريبة على انتشار كورونا) لجوء الرئيس ترامب لتوظيف إعلان الحرب على فايروس كورونا، أسوة بقرار بوش الإبن إطلاق حربه على الإرهاب، وتمديد المهلة لتتزامن مع موعد الانتخابات الرئاسية “للتأثير على نتائجها،” متسلحاً بتوجه القضاء والمحكمة العليا التساوق مع إجراءات الطوارئ مما يتيح للرئيس ترامب السعي لتأجيل الانتخابات لتكون فرصة “تمديد” ولايته لفترة زمنية غير محددة في حال استشعر بخسارته الانتخابات المقبلة.

2020-20-03-التقرير الأسبوعي

وباء الكورونا قد يحوّل أميركا
إلى دولة فاشلة يتولاها العسكر
(1 من 2)

ارتفع معدل الإصابات بوباء الكورونا في أميركا من جداول حسابية إلى متتالية هندسية في غضون أيام معدودة، إضافة لشلل اقتصادي يلوح في الأفق تجسد في سقوط متواصل لسوق الأسهم، وتجري الأوساط السياسية الإعداد لحالة “ركود متضخم” تدريجياً وبحذر شديد.

         إجراءات الطوارئ للتعامل مع الأمراض المعدية والنادرة تم بلورتها على نطاق كامل الولايات المتحدة عقب انتشار وباء إيبولا، 2014-2016، شارك في إعدادها مستويات واختصاصات متعددة حددت ثلاث مستويات من الخطورة وآليات الفحص والمعاناة والتعافي. بيد أن حالة الإرباك طبعت “نظام الرعاية الصحية” الراهن وأخذ يترنح من هول الضغط على الخدمات والمعدات الشحيحة وبدأت عليه عوارض الانهيار في بعض المناطق السكنية.

         كبريات المؤسسات، لا سيما شركات الطيران وصناعة السيارات والخدمات الفندقية، توسلت للإدارة الأميركية تقديم “معونات مالية عاجلة،” بمئات مليارات الدولارات، كي لا تنهار العجلة الاقتصادية، وفق تعليلهم لحجم الأزمة، وبدأت بتسريح العمال وإغلاق بعض المصانع – ولا زالت الأزمة في أيامها الأولى.

         الحكومة الأميركية، بشطريها التنفيذي والتشريعي، أعلنت عن قرارات “ضخ مئات المليارات لإنقاذ الشركات” الكبرى، ثمرة لسلسلة اجتماعات عقدها كبار مسؤولي الشركات مع البيت الأبيض وقيادات الكونغرس من الحزبين.

         يثبت مركز النظام الرأسمالي العالمي أن حلول أزماته البنيوية متضمنة في وصفات النظام الاشتراكي النقيض: بتعزيز دور الدولة المركزية ليس في توجيه العجلة الاقتصادية برمتها فحسب، بل في تسخير الأموال العامة (من دافعي الضرائب والشرائح الدنيا والمتوسطة) لإنقاذ حفنة من كبريات عصب الاقتصاد الرأسمالي؛ أسوة بما فعله الرئيس السابق باراك أوباما خلال الأزمة المالية لعام 2008.

         البيت الأبيض وقيادات الكونغرس تغري الفئات الأكثر تضرراً، من الطلبة والعمال والموظفين والعمال الموسميين، بتقديم مسكنات مالية “لمرة واحدة” تفوق 1000 دولار بقليل؛ لكن القرار النهائي لا يزال حبيس الأدراج والمساومات لاستصدار قرار عاجل لدعم شريحة 1% بصورة آنية، بل وبمبالغ أعلى مما تردد في البدء.

         الثابت أن لا أحداً من المسؤولين يجادل في حجم البطالة الناجمة عن تفشي الوباء، والتي كانت في الحدود الدنيا قبل فترة وجيزة، أقل من 4%، مما سمح للرئيس ترامب المراهنة على الفوز في السباق الرئاسي لقاء حالة اقتصادية مريحة قبل أقل من شهر.

         الإحصائيات وبيانات العاطلين عن العمل المتوفرة للأسبوع الثالث من شهر آذار الجاري تشير إلى قفزة عالية في عدد العاطلين، من 281،000 حالياً إلى 2.25 مليوناً الأسبوع المقبل (أسبوعية فوربز 20 آذار الجاري)، بينما توقعت مؤسسة بانك او اميركا أن يقفز العد إلى 3 مليون عاطل، وربما إلى 5 ملايين الشهر المقبل.

         يشار إلى أن معدل العاطلين عن العمل خلال أزمة الركود العالمية بلغ نحو 24%. أما التوقعات “المحافظة” للمعدل المنظور فإنه سيرتفع إلى آفاق “لم تشهدها البلاد منذ 40 عاما،” تصل إلى 20%.

         تدخلت الإدارة الأميركية بقوة في الأيام الأخيرة لدى وزارة العمل للضغط من جانبها على كافة أجهزة الولايات الأخرى الموازية من أجل إرجاء نشر بيانات العاطلين عن العمل في مواعيدها المقررة، والاكتفاء عوضاً عنها ببيانات عامة لا تتضمن أعداداً أو نسباً مئوية (يومية نيويورك تايمز 19 آذار الجاري).

         من بين الإجراءات المتداولة داخل البيت الأبيض إعلان حالة الطوارئ لمدة 14 يوما، يعززه بصرف رواتب الموظفين والعمال (دون تحديد أدق) لتلك الفترة، طمعاً في تحقيق الرغبة لانحسار الوباء.

         أحد كبار الأثرياء، بيل آكرمان، حذر الرئيس ترامب من قصور المراهنة خلال فترة 14 يوماً المقترحة، مطالباً بإعلان حالة الطوارئ وإغلاق المرافق كلياً “لمدة 30 يوماً، وإغلاق الحدود البرية مع كندا والمكسيك طيلة تلك الفترة، وصرف الرواتب لكافة المتضررين” لشهر كامل. بخلاف ذلك، مضى محذراً بأن “الرخاء الأميركي كما عهدناه سيغادرنا للأبد.” (حديث لشبكة CNBC، 18 آذار). وذكّر الرئيس ترامب بأن تطبيقه لتلك الإجراءات من شأنها “حماية وتحصين الولايات المتحدة ضد الفايروس، وبوليصة ضمان لإعادة انتخابه” في شهر تشرين الثاني المقبل.

         في الجوهر، الاقتصاد الأميركي يعتمد على منتجات الصين الشعبية ليس في المنتجات الاستهلاكية فحسب، بل في صناعات الأدوية والعقاقير، مما حفز مجدداً قيادات في الحزبين التضامن مع نداءات الرئيس ترامب بإنزال عقوبات اقتصادية على الصين وتحميلها مسؤولية عجز ميزان التبادل التجاري، وانتشار موجة العداء والعنصرية ضدها.

         في المعلومات، تستورد الولايات المتحدة “80 إلى 90%” من لقاحات المضادات الحيوية المختلفة من الصين و “70% من الأدوية المسكنة للآلام.” (شبكة فوكس نيوز 19 آذار الجاري، نقلاً عن مجلس العلاقات الخارجية).

         وعليه، يتداول مجلس الشيوخ إصدار قانون جديد ينضح بالعنصرية والاستعلاء يستهدف الصين لما يسمى “فرط اعتماد الولايات المتحدة على الحزب الشيوعي الصيني وتهديداته باحتجاز عقاقير وأدوية تهدد الصحة العامة للشعب الأميركي.”

         في هذا السياق، أعلن الرئيس ترامب عن تفعيل قانون الدفاع الإنتاجي في حالات الطوارئ لتحقيق جملة أهداف بضمنها استعادة بعض الصناعات الحساسة كالأدوية من الصين للأراضي الأميركية؛ وحصر المنتجات الأميركية بما تحتاجه البلاد لسد حاجاتها الأساسية، كالأغذية، في زمن الطواريء.

         المنتجات الزراعية بمحملها تعتمد بصورة كبيرة على العمال الموسميين والذين لا يتمتعون بأوراق ثبوتية على الأغلب. وهنا تتضح النزعة العنصرية ليس للإدارة الراهنة فحسب، بل لمجمل العملية الاقتصادية الساعية وراء تحقيق أكبر حجم من الأرباح بأقل قدر من الإنفاق على رواتب العمال وحقوقهم الطبيعية في الطبابة والرعاية الصحية المفقودة.

         أما المواد الاستهلاكية الأخرى، من منتجات معلبة ومجمدة وتلك المعتمدة على دقيق القمح والذرة وقطاع النقليات والمخازن والتوريد، فمجملها تعمل آلياً بعدد بسيط من العمال. بيد أن الأمر لا يبعد شبح الكورونا عن الانتقال إلى ذلك القطاع غير المرئي من الإنتاج.

         بديهي أن أي خلل مهما كان بسيطاً أو ثانوياً يطرأ على سلسلة التوزيع، من المعمل للمتجر، سيؤدي إلى اضطراب وربما اشتباكات بالأيدي، بداية، كما شهدنا في عدد من المتاجر في الآونة الأخيرة. ومن شأن الظاهرة أن تتفاقم بوتيرة أشد مع تراجع القدرات الإنتاجية والمرافق الأخرى التي تعتمد عليها.

         عند هذا المفصل، يتردد السؤال عالياً بدور ومهمة الجيش والقوات المسلحة، إضافة للقوى والأجهزة الأمنية المتعددة، في القدرة على حماية السلم الأهلي؛ وتجديد المراهنة السياسية على القوة العسكرية استباقاً لما ستشهده البلاد من اضطرابات واحتجاجات شعبية، أرضيتها الصراع على توفير لقمة العيش.

         بعض مفاصل المؤسسة الحاكمة تدرك تماماً أهمية توفير الغذاء اليومي للفرد وأبعاد اندلاع صراعات وشيكة على تلك الخلفية، مستحدثة في الأذهان مقولة المحقق الصحفي الأميركي الشهير، ألفريد هنري لويس، لعام 1906 بأن ما يفصل المرء في الأزمات “ما بين النزعة الإنسانية والفوضى الكاسحة هو 9 وجبات غذائية؛” استرشد بها لاحقاً عدد من القيادات العالمية من بينها ليون تروتسكي.

         “كلية الحرب ” التابعة لسلاح البر في الجيش الأميركي تنبأت باكراً في إمكانية اندلاع إضرابات في الداخل الأميركي، ضمنته في تقرير لها نشرته عام 2008، ملخصه أن الأزمة الاقتصادية في الولايات المتحدة “قد تؤدي لانتشار عصيان مدني شامل مما سيستدعي استخدام القوات العسكرية” لإخماده واستتاب الأمن.

         عمدت البنتاغون إلى استدعاء نحو 20،000 عسكري تحت الخدمة، كان من المقرر مشاركتهم دول حلف الناتو في مناورات عسكرية مطولة، وأعادتهم إلى قواعدها في الداخل الأميركي عقب انتشار وباء الكورونا، تحسباً لأي طاريء ينجم عن اندلاع اضطرابات وعصيان مدني، أو إعلان الأحكام العرفية.

         غياب المواد الغذائية من الأسواق، واضطراب وسائل الإنتاج والتوزيع سيؤدي لتنامي مشاعر الخوف والقلق عند الفرد العادي. ووفق نبوءة الصحافي الأميركي المذكور فإن الفارق الزمني بين انتشار الفزع والرعب والفعل التلقائي لارتكاب معصية الفوضى والاقتتال لا يتعدى يومين إلى ثلاثة أيام.

         الوعود السياسية للسلطتين التنفيذية والتشريعية، بضخ فوري للأموال في العجلة الاقتصادية وحمايتها من الانهيار تدور حول مبلغ تريليون (ألف مليار) دولار؛ وهو مبلغ ليس باليسير توفيره حتى على دولة ثرية مثل الولايات المتحدة، على أقله في المدة الزمنية المنظورة. لذا لجأت المراكز الرأسمالية، كعادتها، إلى طرح بعض ديونها للشراء في الأسواق لتأمين المبلغ المطلوب، عبر آلية الاحتياطي الفيدرالي.

         الوصفة عينها جرى اختبارها في ألمانيا النازية في عشرينيات القرن الماضي، والأرجنتين عام 2000، ودول أخرى، ولم تثبت نجاعتها النظرية بل كانت وباء على القطاعات الأوسع في المجتمعات. وبرزت تجلياتها في انتشار معدلات الجريمة وحجز الشاحنات وسرقة المخازن ..الخ، ولن تكون الحالة الأميركية الراهنة استثناءاً لتجارب التاريخ.

         شبح الانزلاق إلى نمط من الحرب الداخلية يلوح في الأفق بوتيرة متدرجة، أشارت إليها الأجهزة الأمنية ووسائل الإعلام المختلفة استناداً إلى ما رصدته من إقبال كبير على شراء الأسلحة الفردية في الآونة الأخيرة. هذا بالإضافة إلى ظاهرة اقتناء السلاح المنتشرة أصلاً في المجتمع الأميركي مما يرفع سقف المراهنات واحتمالات الاصطدام بين قوى متعددة وبضمنها القوات العسكرية النظامية. 

(الجزء الثاني القادم : كيف سيحكم العسكر أميركا )

2020-13-03-التقرير الأسبوعي

وباء كورونا وأميركا:

استنفار شامل وسط فوضى وإنكار

 

         بعد طول انتظار سمته التخبط والفوضى والنكران، اضطر البيت الابيض للتعامل مع تفشي وباء “كورونا” واتخاذ بعض الإجراءات الاحترازية للوقاية منه، وذلك في اليوم التالي لإعلان “منظمة الصحة الدولية” الوباء بتصنيفه جائحة تهدد البشرية جمعاء.

         وتراجع عقب ذلك منسوب الاهتمامات اليومية بالانتخابات التمهيدية للحزبين الديموقراطي والجمهوري، وتتالت نداءات الغاء التجمعات والمهرجانات الحزبية، ولا زالت تطبيقات الإجراءات الاحترازية سمة الحياة اليومية التي افتقدت حالتها الطبيعية وتوقفت معظم وسائل النقل الأرضية والجوية أسوة ببعض البلدان المنكوبة مثل إيطاليا.

         بيد ان الإعلان الرسمي تخلف زمنياً عن إجراءات طواريء أقدمت عليها بعض الولايات الأميركية، نيويورك وواشنطن وكاليفورنيا، عللته يومية واشنطن بوست بأنه نتاج إسناد الرئيس ترامب مهمة تتطلب الاختصاص العالي والمسؤول لشخص جاريد كوشنر الذي يفتقد المهنية والتخصص والمؤهلات سوى كونه زوج ابنته المفضلة. (15 آذار الجاري).

         في التفاصيل أيضاً، عقد كبار الخبراء الأميركيين، بدعوة من مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، مؤتمراً الشهر الماضي ضم خبراء من دول أخرى عبر دائرة تلفزيون مغلقة، لتداول الآراء وسبل العلاج والإعداد للطواريء والتقديرات حول أعداد الضحايا الأميركيين المرئية، انطلاقاً من فرضية انتشار الفايروس وإجراءات مواجهته.

         خلص اللقاء إلى تقدير علمي يصل إلى إصابة ما بين 160-214 مليون أميركي بفايروس كورونا وقد يمتد انتشاره لبضعة أشهر وربما سنة كاملة؛ بينما قدرت عدد وفياته بين 200،000 إلى 1.7 مليون شخص. (نيويورك تايمز 13 آذار الجاري).

         وذهب أخصائيي مراكز السيطرة CDC بالقول إن عدد الذين ينبغي معاينتهم وعلاجهم في المستشفيات قد يتراوح بين 2.4 مليون – 21 مليوناً. أما المأساة الكبرى فهي في عدد الأسرة اليسير التي تستطيع المستشفيات الأميركية استيعابها، 925،000، وفق الاحصائيات والبيانات المتوفرة والخاضعة لإشراف مراكز السيطرة بالمحصلة النهائية.

         إعلان منظمة الصحة العالمية رسميا عن وباء كورونا يستدعي تلقائيا تبني برنامج تلقيح شامل وما يتطلبه من توفيره للمناطق المنكوبة عالمياً مجاناً، بمئات الملايين. اللقاح المضاد غير متوفر “تجارياً،” وأفضل التقديرات العلمية أنه لن يتوفر قبل 12-18 شهراً، على الرغم من تصريحات البيت الأبيض المفعمة بالتفاؤل وإسناده براءة اختراع اللقاح لمؤسسات أميركية.

         على الشق المقابل، أعلنت الصين مطلع العام الجاري أنها اختارت دواءً كوبي المنشأ، Interferon Alpha – B2 من بين 30 دواء لمكافحة تفشي الفايروس، من قبل لجنة الصحة الوطنية الصينية لعلاج حالة الجهاز التنفسي، نظراً لفعاليته في التجارب السابقة ضد الفايروسات ذات الخصائص المماثلة لفايروس كورونا.

         يشار إلى أن الصين وكوبا افتتحتا منشأة مشتركة، Chang Heber، لإنتاج الدواء في مدينة تشانغتشون بمقاطعة جيلين الصينية لإنتاج اللقاح الكوبي.

         عدم انتشار اللقاح الكوبي عالميا، وفق أخصائيي البيولوجيا الدقيقة، يعود لحسابات سياسية أميركية وإجراءات المقاطعة الصارمة لكوبا مما يحرم الأخيرة من السوق الدولية.

         في السياق عينه، كشفت الحكومة الالمانية عن مساعي حميمة من قبل البيت الأبيض والرئيس ترامب شخصياً “لإغواء” شركة ألمانية نشطة في مجال لقاح الفايروس، CureVac، إما بنقل مقراتها للولايات المتحدة مقابل مكافآت مالية ضخمة أو إيفاد الأخصائي الأكبر فيها للعمل “حصرياً” لصالح الولايات المتحدة وتسجيل المنتج كلقاح أميركي. (رويترز 15 آذار الجاري).

أصدرت شركة CureVac بيانًا فى 11 آذار الجاري بأن رئيسها التنفيذى، دانييل مينيشيلا Menichella ، وهو مواطن أمريكي ، سيغادر الشركة بشكل غير متوقع وسيتم استبداله بمؤسس الشركة، إنجمار هوير.

في مطلع شهر آذار وجه البيت الأبيض دعوة لمينيشيلا لزيارة واشنطن ومناقشة استراتيجية تطوير سريع وإنتاج لقاح فيروس كورونا مع فريق يضم الرئيس ترامب ونائبه مايك بنس، وفريق عمل البيت الأبيض لفايروس كورونا.

         كشفت الأزمة الراهنة في أميركا عن ثغرات بنيوية ليس في معالجة المصابين فحسب، بل لناحية تصنيف أسباب الوفاة عند وقوعها وتبني الإرشادات الضرورية بناء عليها.

         مدير مراكز السيطرة على الأمراض، روبرت ريدفيلد، أقر في شهادته أمام الكونغرس، 11 آذار الجاري، أن عدد من الوفيات من الفايروس تم تصنيفها “خطأً” تحت خانة الانفلونزا السنوية التي تحصد نحو 36،000 مصاب في أميركا – حسب البيانات الرسمية.

         وأثبت ريدفيلد خلال شهادته، بعد طول مماطلة ومراوغة عن الإجابة الصريحة، أن تصنيفات الوفيات من الأمراض المعدية ضمن خانة الإنفلونزا كانت سارية لعدة أشهر؛ وإرشادات مراكز الوقاية، CDC، للمستشفيات بأن لا تقدم على إجراءات فحص المريض من الفايروس إلا في الحالات القصوى.

         مدير المعهد القومي للحساسية والأمراض المعدية، انثوني فاوسي، في جلسة الكونغرس عينها، شدد على أن فايروس كورونا أشد فتكاً بالمريض بنسبة 10 أضعاف المصاب بالانفلونزا.

         البيت الأبيض من جانبه ولحسابات سياسية انتخابية لترامب أصدر توجيهات صارمة مؤخراً لكافة الهيئات الرسمية العاملة في مجال الصحة العامة بعدم الإدلاء بأي تصريح بهذا الخصوص قبل الرجوع للبيت الأبيض والحصول على تفويض بذلك.

         في الساعات الأخيرة لإعداد التقرير بين أيديكم، حثت بعض الوزارات الأميركية الرسمية موظفيها، في وقت متأخر من مساء الأحد، على البقاء في المنزل وعدم الحضور لمقراتها أو الأخرى البديلة لمدة لم تحددها بعد، كمؤشر على إعلان رسمي بإغلاق مرافق الدولة لمدة 14 يوماً، كما يعتقد.

         السردية الرسمية الأميركية، منذ إعلان الصين عن الوباء، سعت جاهدة لإلصاق انتشاره بفشل الإجراءات الصينية وانكشاف نظامها للرعاية الصحية، مقابل النظام الأميركي “الأول في العالم.” بل ذهبت السردية لتبني الرئيس ترامب ونائبه مقولة انه “وباء أجنبي،” كانعكاس للعقلية العنصرية والإقصائية السائدة في مفاصل النظام السياسي الأميركي برمته.

         منظمة الصحة العالمية هنأت الصين ولاحقاً إيران على نجاح الإجراءات المعتمدة لاحتواء ومعالجة الوباء، ولم تكترث لها رواية الإعلام الأميركي، رغم تأخرها زمنياً ووقائياً.

         الآن، وعقب اتضاح حجم انتشار الوباء بسرعة فائقة داخل الأراضي الأميركية، وانكشاف قصور نظام الرعاية الصحية، باستثناء الشريحة الثرية الضيقة المستفيد الأول منه، فإن الولايات المتحدة أمام تحدي شامل لم تعهده من قبل، بل كانت تتصرف بكيدية وغير مبالية بمعاناة الشعوب الأخرى ومستمرة بعقوباتها الإجرامية الأثر.

         الفارق الأساسي بنظرنا بين نجاح الصين وإيران وايطاليا، بالدرجة الأولى، في احتواء ومعالجة الفايروس بنتائج إيجابية يكمن في طبيعة التوجهات من مسؤولية الدولة المركزية وتجنيدها كافة القدرات والإمكانيات لمكافحة الوباء، وقد فعلت ذلك بشفافية عالية وفق إقرار منظمة الصحة العالمية؛ وبين نظام يُخضع الرعاية الصحية لحسابات الربح المادي ويوكل المسؤولية لبضع شركات ضخمة فشلت في المهمة قبل أن تبدأ، وتكشفت حقيقة توطين منتجاتها في الخارج سعياً وراء الربح.

         بيانات انتاج العقاقير والأدوية الأميركية تشير إلى ما لا يقل عن 80% من مكونات الأدوية المصنعة، بالإضافة للمعدات الطبية، مصدرها الصين. بل أن اعتماد السوق الأميركية على منتجات المضادات الحيوية من الصين يقارب نحو 90%.

         من المرجح أيضاً أن تتسع دائرة الانتقادات الجادة لغياب دور الدولة في ظل المناخ الانتخابي الراهن، بين فريقي المؤسسة الحاكمة قد تقدم المراكز الرأسمالية على بعض التنازلات الشكلية درءاً لعاصفة الانتخابات، لكنها لن تمس جوهر النظام كما هي العادة.

في البعد الاقتصادي وما خبره القطاع المصرفي والأسهم الأميركي من خسارة متواصلة، قبل إعلان الرئيس ترامب عن اجراءاته الاحترازية، تسود الخشية بين أوساط المصالح التجارية الكبرى من ركود اقتصادي نتيجة فايروس كورونا بعد إلغاء الفعاليات وإغلاق المدارس والمرافق الرسمية في إطار جهود مكافحة انتشاره.

2020-06-03-التقرير الأسبوعي

المقدمة      

         توزعت اهتمامات واشنطن الرسمية بين انتشار فايروس كورونا في مناطق متعددة ونتائج الانتخابات التمهيدية للحزب الديموقراطي فيما يعرف بيوم “الثلاثاء الكبير،” واتفاق انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان.

         سيستعرض قسم التحليل نتائج تلك الانتخابات وآفاقها على المرحلة المقبلة، في ظل انتعاش حملة نائب الرئيس الأسبق جو بايدن، بعد تعثرها، وما تحمله من احتمالات لترشيحه مقابل حملة الرئيس دونالد ترامب.

 

 

ملخص دراسات واصدارات مراكز الابحاث

إيران:

        حث المجلس الأميركي للسياسة الخارجية صناع القرار على الاقتداء بعملية اغتيال قاسم سليماني “والنظر إليها وتداعياتها كنموذج لمعالجة التحديات الآتية من وكلاء (ايران) ومناطق أخرى من العالم.” وأوضح بأن للاغتيال رسالة مفادها أن واشنطن “لن تقف مكتوفة الأيدي بعد اليوم أمام استخدام إيران لوكلائها للالتفاف على مسؤوليتها في مقتل الأميركيين .. وأنها استهدفت مصدر الإرهاب وليس رموزه فحسب.”

https://www.afpc.org/publications/articles/the-united-states-needs-to-declare-war-on-proxies

 

أفغانستان:

        أثنت مؤسسة هاريتاج على توقيع الولايات المتحدة اتفاقاً مع حركة طالبان مما يشكل “خطوة أولى لإحلال السلام في أفغانستان وإتاحة الفرصة لعودة القوات الأميركية .. أسفرت عن انخفاض ملحوظ في منسوب العنف عقب التوقيع.” وأشارت المؤسسة إلى حضور ممثلين عن تركيا والباكستان حفل التوقيع بين الجانبين.

https://www.heritage.org/defense/commentary/us-taliban-sign-peace-deal-afghanistan

 

        رحب معهد كاتو بالاتفاقية عبر استعراض تفاصيلها الرئيسة الممثلة “.. موافقة طالبان على عدم السماح لتنظيم القاعدة أو أي مجموعة أخرى استخدام الأراضي الأفغانية لشن هجمات على الولايات المتحدة أو حلفائها، مقابل سحب الولايات المتحدة لقواتها من البلاد .. وتقليص عددها من 13،000 عسكري إلى 8،600 عنصر؛ ليتم سحب المتبقي منها خلال 14 شهراً.”

https://www.cato.org/blog/ending-war-afghanistan-vs-exiting-it

 

        تناول مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية اتفاقية واشنطن مع أفغانستان بالإعراب عن شكوكه أن تؤدي إلى مزيد من تقسيم أفغانستان بدل إحلال السلام هناك، مستنداً إلى خلو خطاب وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو من مجرد الإشارة إلى “خطة سلام دائم .. والتي تذكرنا بالخطوات المتعددة لسلسة الفشل الأميركي في فيتنام.” وأوضح مصدر القلق بأن الاتفاق لا يأخذ بالحسبان “الحالة (القتالية) الراهنة للقوات الأفغانية، غياب أي شعور بالوحدة داخل الحكومة الأفغانية، اعتماد أفغانستان على المساعدات الخارجية، التحديات الهائلة أمام الاقتصاد الأفغاني، وطبيعة آلية الحكم المعتمدة” في أفغانستان.

https://www.csis.org/analysis/afghanistan-peace-or-afghanistan-pieces-part-one-first-phase

    

 

التحليل

 

تداعيات الانتخابات التمهيدية:

الحد من صعود ساندرز وإحياء فرص ترشيح الحزب لبايدن

 

         زجّت المؤسسة القيادية في الحزب الديموقراطي بكل ما لديها من نفوذ وامتدادات سياسية وطاقات إعلامية لتشويه وشيطنة المرشح التقدمي بيرني ساندرز، أثمرت بتحقيق انقلاب في نتائج الانتخابات ليوم “الثلاثاء الكبير،” وبروز مرشحها المفضل نائب الرئيس الأسبق جو بايدن في المرتبة الأولى.

         في خطوة غير مسبوقة في الانتخابات الأميركية صدر بيان مشترك عن “وزارتي الخارجية والعدل ومكتب التحقيقات الفيدرالي،” عشية الانتخابات التمهيدية، حذر فيه الناخب الأميركي “الإبقاء على يقظته من مساعي عناصر أجنبية للتأثير على المزاج العام ورسم بوصلة الناخب ومداركه،” في إشارة واضحة لإثارة وتجديد الاتهامات باتجاه مزاعم تدخل روسيا في الانتخابات “لصالح المرشح الاشتراكي” بيرني ساندرز.

         وظفت مؤسسة الحزب الديموقراطي أيضاً طاقات إضافية لتحشيد قطاع الناخبين من السود، الأفارقة الأميركيين بالتعريف الرسمي، بضمنها تدخل ومناشدة الرئيس السابق باراك أوباما لرموز قيادية ومؤثرة بينهم لاستنهاض الهمم والتصويت لصالح المرشح جو بايدن، بدءاً بولاية ساوث كارولينا وانسحاباً على الولايات الجنوبية الأخرى.

         يعزى فوز بايدن في الولايات الجنوبية إلى عامل الناخبين السود بالدرجة الأولى، ليس للدلالة على “شعبية” المرشح، بل نتيجة ضعف قاعدة التأييد للحزب بين الناخبين البيض. وعليه، فإن تكتل الناخبين السود يشكل المجموعة الأكبر كثافة بين مجموع الناخبين؛ وتباين التأييد أيضا بين شريحة كبار السن المؤيدة لبايدن والشريحة الشبابية الميالة لتأييد ساندرز والتي تشكل نحو 15% من الناخبين السود.

          النتائج الرسمية دلت ليس على فوز المؤسسة التقليدية للحزب الديموقراطي وإنقاذ الحملة المتعثرة للمرشح بايدن فحسب، بل على مدى وأفق التغيير “الدراماتيكي” للصراع بين تياري الحزب: التقليدي المؤسساتي من ناحية، واليسار التقدمي من ناحية أخرى.

         استحدثت قيادة الحزب الديموقراطي شعار “قابلية المرشح للفوزElectability ،” لتوجيه الرأي العام في سياق أوحد يفضله الحزب؛ جسده بتصريحات كبار قياداته بعد إعلان نتائج “الثلاثاء الكبير،” مفادها أن “جمهور الناخبين أيدوا كلا المرشحيْن (بايدن وساندرز) لكنه توحّد بوضوح حول المرشح الذي رآه الأكثر قابلية للانتخاب.” (المدير الإعلامي لجمعية حكام الولايات الديموقراطيون، جاريد ليوبولد).

         كذلك سلطت قيادات الحزب الديموقراطي وامتداداتها الإعلامية الأنظار على تصريحات بيرني ساندرز التي أشاد بها بإنجازات الثورة الكوبية، لا سيما في سجلها بمحو الأمية وبرامج الرعاية الصحية الشاملة، ووجدتها فرصة مؤاتية لاستنهاض الجالية الكوبية المناهضة للنظام الاشتراكي في ولاية فلوريدا وحشدها ضد المرشح ساندرز، ووقف زخم حملته والحيلولة دون بلوغه حسم نتائج الانتخابات التمهيدية.

         لتلك العناصر وعوامل أخرى كان الدور الرئيس في “اقناع” المرشحيْن الآخرين، بيت بوتيجيج وآيمي كلوبوشار ولاحقا مايكل بلومبيرغ، بالانسحاب من السباق وتأييد المرشح جو بايدن. بل تشير تحركات اللحظات الأخيرة إلى التدخل المباشر من قبل كبار قيادات الحزب الديموقراطي، أنصار العولمة: باراك أوباما، نانسي بيلوسي، وتشاك شومر؛ بالضغط على ممولي المرشحيْن (بوتيجيج وكلوبوشار) بسحب الدعم والانتقال لتأييد جو بايدن.

         عند هذه المحطة الفاصلة في الصراع ينبغي التذكير بأجواء الانتخابات لعام 2016، وتفضيل مؤسسة الحزب الديموقراطي للمرشحة هيلاري كلينتون ضد الصاعد بيرني ساندرز؛ وقناعتها الجمعية المفرطة بالتفاؤل بأن كلينتون ستكسب الانتخابات أمام المرشح الجمهوري دونالد ترامب دون عناء كبير.

         وجاء في تقييم لإستراتيجيي الحزب الديموقراطي آنذاك أن السيدة كلينتون أخفقت في كسب نحو “70% من الناخبين المؤيدين للرئيس أوباما،” في حملته الرئاسية لعام 2012، بل خسرتهم لغير رجعة. الإخفاق والفشل، بحسب أولئك، يعودان إلى الفجوة الهائلة بين خطاب الحزب ومرشحته لا سيما تأييدها الثابت لمعسكر الحرب، من ناحية، وبين طموحات ومطالب الناخبين السود بالدرجة الأولى.

         حسابات الحقل خالفت حسابات البيدر آنذاك، ولم تفلح قيادة الحزب الديموقراطي في سبر أغوار هزيمة مراهناتها الكامنة أساساً في رفض قواعده الشعبية، لا سيما التقدمية والمستقلين، لمرشحة مؤيدة بقوة لسياسات الحروب؛ ولعلنا نشهد تكراراً لتلك التجربة مرة أخرى: مرشح الحزب المفضل هو استمرار لاستراتيجية شن الحروب وبسط الهيمنة ونموذج العولمة، عوضاً عن سياسات التعايش والإقرار بتعدد القطبية الدولية.

         عدد من مراكز الدراسات المقربة من الحزب الديموقراطي أشارت بوضوح إلى انحياز عدد لا بأس به من مؤيدي المرشح ساندرز، في الانتخابات الرئاسية الماضية، للتصويت للمرشح الجمهوري دونالد ترامب انتقاماً من السيدة كلينتون وقيادات الحزب.

         على سبيل المثال، في ولاية ويسكونسن الحاسمة 8% من مؤيدي ساندرز صوتوا لصالح ترامب انتقاماً من كلينتون، عام 2016؛ ونحو 16% من ذات الفريق المؤيد لساندرز في ولاية بنسلفانيا صوتوا لصالح ترامب. (المصدر: Cooperative Congressional Election Study (CCES) )

         تأكيداً على النبض الشعبي المناهض لمؤسسة الحزب الديموقراطي، لعام 2016، كرر المقربون من أوساطه تباعاً أنه لو توجه الحزب لترشيح بيرني ساندرز آنذاك “لتفوق بأغلبية حاسمة على مرشح الحزب الجمهوري ترامب، مقارنة بتوقعات الحزب بفوز السيدة كلينتون.” بعضهم اتهم قيادة الحزب بتفضيل تدفق تبرعات شريحة فاحشي الثراء واسترضائها، المليارديرات، وما رافقها من خسارة الانتخابات على العمل الجاد لإجراء إصلاحات بنيوية في الهيكل السياسي الأميركي الممثل ببرنامج ساندرز، في الدورتين السابقة والراهنة.

         في المنعطف الراهن للانتخابات الأميركية تنبغي الإشارة إلى ما يعانيه المرشح المفضل للحزب، جو بايدن، من تردي في حالته الصحية والذهنية نجد ترجمتها في تصريحاته المتناقضة وهفواته المستمرة الأمر الذي حفز الأخصائيين من الأطباء التدليل على تراجع قدراته الذهنية وأهليته القيادية، وهو في مرحلة متقدمة من العمر.

         علاوة على ذلك، يميل بايدن إلى المبالغة المستمرة في تجميل سجله تصل إلى حد الكذب الصريح في محطات متعددة ومتواصلة. منها على سبيل المثال ادعاءه بالاعتقال من قبل سلطات الفصل العنصري الجنوب إفريقية أثناء محاولته لقاء المناضل نيلسون مانديلا، لاسترضاء عواطف السود؛ واضطراره للتراجع عن سرديته بعد تدقيق الصحافة فيها.

         ساق بايدن أيضاً نيله ثلاث شهادات جامعية “والتخرج ضمن دفعة العشرة الأوائل،” عام 1988، وسرعان ما انهار ادعاءه أمام الحقائق التي أشارت إلى نيله شهادة جامعية واحدة، لا غير، والتخرج بمرتبة 76 من مجموع 85 على دفعته الجامعية.

أهمية فوز بايدن بالولايات الجنوبية، باعتقادنا، مبالغ بها في المرحلة الراهنة لكونها تميل لتأييد المرشح الجمهوري في الانتخابات العامة؛ كما دلت على ذلك انتخابات عام 2016 وتصويتها بقوة لصالح المرشح دونالد ترامب. فضلاً عن احكام الحزب الجمهوري سيطرته على الهيكلية السياسية في معظم تلك الولايات: حكاماً ومجالس محلية وسلك القضاء.

         بعبارة أخرى، لا ينبغي الإفراط في التفاؤل بأن الولايات الجنوبية ستؤيد بايدن أو حتى ساندرز في الانتخابات العامة؛ فالآلة الانتخابية الهائلة للحزب الجمهوري تعتبرها ساحتها الخلفية ولن تضحي بها، حتى لو اضطرت إلى تبديد أصوات السود وذوي الأصول اللاتينية، كما شهدنا في ولاية تكساس مؤخراً بإقصائها من الحزب الديموقراطي.

         اللوحة الراهنة ممن تبقى من انتخابات تمهيدية، 10 و 17 الشهر الجاري، لا تشير بأنباء مشجعة للمرشح بيرني ساندرز، باستثناء ولايتي واشنطن وربما متشيغان، نظراً لما تقدم من عزم الحزب الديموقراطي إقصاء ساندرز “بأي وسيلة ممكنة.”

         حتى لو حالف الحظ بيرني ساندرز بفوز معتبر في عدد المندوبين للوصول إلى المؤتمر العام وشبه ضمان ترشيحه، فسيصطدم بعقبة كتلة من كبار النافذين في الحزب، تعدادها نحو 500 عنصر مكونة من أعضاء مجلسي الكونغرس، والرؤساء السابقين – بيل كلينتون وباراك أوباما- وآخرين والذين سيمارسون نفوذهم الضاغط “خلف الكواليس” لترجيح كفة مرشحهم المفضل جو بايدن؛ وكأننا أمام تكرار لتجربة الانتخابات الماضية لإقصاء بيرني ساندرز.


بايدن مقابل ترامب

         السؤال الجوهري الحاضر دوما هل باستطاعة جو بايدن، وما يمثله من امتداد للمؤسسة الحاكمة، الفوز على دونالد ترامب في الانتخابات العامة؟

         الإجابة ليست لغزاً او انعكاساً لتكهنات المحللين والمراقبين، بل نجدها في خسارة الحزب الديموقراطي ومرشحه باراك أوباما للولايات الجنوبية، بالدرجة الأولى في الانتخابات النصفية لعام 2010، والتي أسفرت عن فوز ساحق للحزب الجمهوري في مقاعد مجلسي الكونغرس، والأهم كذلك فوز مرشحي الأخير في مناصب حكام الولايات والمجالس التمثيلية المحلية أيضاً، 2010 و 2014 تباعاً.

         ترشيح بايدن من قبل الحزب الديموقراطي، كما هو متوقع، سيسفر عن نتيجة مماثلة للدورة السابقة بين صفوف مؤيدي المرشح ساندرز: بعضهم سيصوت للرئيس ترامب نكاية بالحزب الديموقراطي، والبعض الآخر سيفضل عدم المشاركة، مقابل إقبال فاعل  وكثيف لقواعد الحزب الجمهوري.

         في ظل هذه القراءة، نستطيع القول إن الحزب الديموقراطي يقف على اعتاب خسارته لبعض الولايات في الشطر الغربي من اميركا، وكذلك في الولايات الجنوبية؛ ولن يسعفه فوزه ببعض الولايات الحاسمة، مثل ويسكونسن وبنسلفانيا واوهايو.

         بل ستعزز توجهات قيادات الحزب الانقسامات العامودية والأفقية، على السواء، نتيجة صراع التيارين المشار اليهما، التقليدي والتقدمي؛ ومن العبث التغلب على أي جولة انتخابية في ظل هكذا انقسامات طويلة الأجل، وليست عابرة كما يشاع.

         كذلك لا ينبغي استثناء أهمية عامل هجوم ترامب القاسي على بايدن في المناظرات الرئاسية المقبلة والذي لن يوفره بالمطلق خاصة لاتهامه بالفساد وتلقي الرشاوى. وليس مستبعداً أن يعمد المرشح ترامب لاستثارة الناخبين مرة أخرى فيما يعرف “بمفاجأة أكتوبر،” أي عشية الانتخابات الرئاسية، والإفراج عن تفاصيل بالغة الإحراج لبايدن في علاقاته مع أوكرانيا، بصرف النظر عن مدى صدقيتها أو ثبوتيتها، ولن يكون بمستطاع الحزب الديموقراطي مواجهتها بفعالية نظراً لقصر المسافة الزمنية المتاحة حينئذ.

         القراءة الراهنة للوحة الانتخابية ومراكز القوى المؤثرة تشير بقوة إلى رجحان كفة إعادة انتخاب الرئيس ترامب بولاية رئاسية ثانية، بكل ما تعنيه من استمرار سيطرة الشرائح الأشد ثراء، نخبة 1%، على نهج ومقدرات الولايات المتحدة والعالم بأكمله.

2020-28-02-التقرير الأسبوعي

في عملية تطهير متواصلة

 

         منذ أن لاحت بوادر “تبرئة” ترامب من المحاكمة وإجراءات العزل سارع مساعدوه للتأكيد على نيته بالانتقام من خصومه وأعدائه، ليس في مستوى مجريات المحاكمة فحسب، بل استهداف أركان “الدولة العميقة” بغية تطبيقه لشعاراته السابقة “بتجفيف مستنقع” السياسة في واشنطن.

         وعلى الرغم من تصريح المتحدثة باسم البيت الأبيض، ستيفاني غريشام، عشية ثبوت “براءته،” بأنه “من المحتمل أن يدفع بعضهم الثمن،” لمعارضته الرئيس ترامب؛ إلا ان الأخير باشر في الانتقام من خصومه و”غير المرغوب بهم” في أجهزة الدولة.

         أولى التغييرات طالت موظفي مجلس الأمن القومي، بالدرجة الأولى، حيث استطاع التخلص من نحو 200 موظف بجرة قلم، معظمهم محللون وخبراء منذ ولاية سلفه الرئيس أوباما؛ فضلاً عن شخصيات أخرى في الجهاز القضائي، ووزارة الدفاع، وآخرون “ينتظرون الطرد.”

         التغييرات الهيكلية في عدد كبير من الأجهزة الحكومية تبقى ضمن صلاحيات الرئيس، كرمز للسلطة التنفيذية، لا سيما المناصب والمهام التي لا تستدعي موافقة مجلس الشيوخ عليها. ودرج مصطلح بأن الشخص المعين في منصبه مهما على شأنه “يبقى في الخدمة وفق رغبة الرئيس؛” بضمنهم رؤساء أجهزة الاستخبارات ومكتب التحقيقات الفيدرالي والوزراء.

 بيد أن الحافز الأساسي لتصرفات ترامب، بعد شعوره بالنشوة والانتصار في معاركه ضد قادة الحزب الديموقراطي، يكمن في قناعته الراسخة بأنه يسعى لتثبيت من يكن له ولاءاً وليس بالضرورة لاعتبارات الكفاءة.

يضاف إلى ذلك بأن الرئيس ترامب، بخلاف معظم أسلافه الرؤساء، لم يستند إلى قاعدة ثابتة داخل حزبه تعينه على ملء المناصب الشاغرة، منذ اليوم الأول لتسلمه منصبه؛ ولجأ للاعتماد على الثقاة من السياسيين الذين سرعان ما انقلب عليهم وخياراتهم معاً، مثل وزير العدل السابق جيف سشينز.

         كشف بعض خصوم الرئيس ترامب مؤخراً عن اهتمامه بلوائح موظفين قدمت له ينبغي إقالتهم من مناصبهم، وأخرى لترشيح من يرونه أشد ولاءاً ليس لشخص الرئيس فحسب، بل لأهداف وبرامج وتوجهات التيارات المفرطة في عنصريتها داخل الحزب الجمهوري؛ وإن لزم الأمر، اقصاء بعض أبرز الشخصيات المؤثرة في مسيرة نجاح الحزب، مثل المستشار السياسي الأسبق، كارل روف.

         صيغت تلك اللوائح، وفق يومية نيويورك تايمز، 24 شباط الماضي، من قبل مجموعة “استشارية” تدعى غراوندزويل Groundswell، أبرز مفاصلها القيادية، السيدة جِنِي توماس Ginney Thomas، قرينة عضو المحكمة العليا، كلارينس توماس، تتصدر المجموعة منذ نحو 7 سنوات؛ ضمت بين صفوفها أيضاً جون بولتون وأسماء أخرى لامعة بين صفوف التيارات الأشد يمينية وتعصباُ، وبدعم من مستشار الرئيس ترامب السابق للشؤون الاستراتيجية، ستيف بانون.

         ومن بين أعضاء المجموعة الاستشارية عضو اللجنة القضائية في مجلس الشيوخ، باربارا لادين، التي كُلفت من قبل حملة الرئيس ترامب الانتخابية عام 2016 بالسعي للحصول على نسخة من الرسائل الالكترونية الخاصة لوزيرة الخارجية آنذاك، هيلاري كلينتون. لادين هي أيضاً زوجة أحد كبار المحافظين الجدد، مايكل لادين، الذي طرد من منصبه الأكاديمي في جامعة واشنطن بمدينة سانت لويس، لاعتبارات “تتعلق بجودة اسهامه الأكاديمي .. واستخدامه أعمال لآخرين دون موافقتهم.”

         وجاء في إحدى الوثائق الداخلية المسربة لوسائل الإعلام بأن المجموعة المذكورة بلورت خطة توجهاتها منذ ولاية الرئيس أوباما الثانية لشن “حرب على جبهة متشعبة من ثلاثين (موقعاً مفصلياً في أجهزة الدولة) بغية إحداث تغييرات جوهرية في البنية الحكومية.”

         العلاقة بين المجموعة الاستشارية والبيت الأبيض ليست مضمرة، ولا تسعى السيدة توماس لحجبها، بل يحضر ممثلون عن البيت الأبيض اجتماعاتها “بشكل دوري،” واستطاعت توماس الفوز بلقاء خاص مع الرئيس ترامب مطلع عام 2019، وبّخت خلاله بعض موظفي البيت الأبيض صراحة لاعتراضهم على لوائحها المقدمة للرئيس، حسبما أفادت نيويورك تايمز.

         يرجح أن أحد ضحايا المجموعة مؤخراً كان نائب وزير الدفاع للشؤون السياسية، جون رود، الذي يعتقد أن سياساته لم تنسجم مع توجهات الرئيس ترامب بل كان عاملاً معطلاً لتنفيذ سياسات البيت الأبيض.

         جدير بالذكر أن نائب وزير الدفاع رود “تلكأ” في تقديم خطة مفصلة لسحب القوات الأميركية من سوريا، وفق ما أسند إليه من مهام؛ ويعزى أيضاً بأنه لم يقم بممارسة ضغوط كافية على كل من اليابان وكوريا الجنوبية للحث على زيادة نصيبهما في تحمل الانفاق العسكري لتواجد القوات الأميركية على أراضيهما.

         عمل الرئيس ترامب منذ الأيام الأولى لرئاسته على إضعاف نفوذ مفاصل مراكز القوى في الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، بشكل أساسي. حقق بعض الإنجازات في هيكلية الأجهزة، مكتب التحقيقات الفيدرالي مثالاً، بيد أن مسار التغيير في توجهاتها وآليات عملها الجمعية، وحتى طواقمها الإدارية، سيصطدم بمعارضة شرسة من قيادات الحزبين في الكونغرس، على الرغم من تسليم كل ما يعنيه الأمر بالنفوذ الواسع لتلك الأجهزة على الحياة اليومية.

         علاوة على الجهازين المذكورين، هناك أيضاً البيروقراطية المفرطة المستحدثة في وزارة الأمن الداخلي، وصراعات النفوذ بينها وبين الأجهزة التقليدية – الأف بي آي والسي آي ايه؛ ولكل منها مؤيدوها بين قيادات الكونغرس والذين يتبادلون الخدمات وحماية نفوذ بعضهما البعض. وعليه، من غير المرجح أن يحقق الرئيس ترامب تغييرات خارج سياق الشكليات وتعيين بعض أتباعه ومؤيديه.

         ما جرى من تغيير جماعي في هيكلية مجلس الأمن القومي لم يستفز العديد من قيادات الحزبين، نظراً لمعارضتها الجماعية السابقة تضخيم الرئيس أوباما لموظفي المجلس المنفصل عن المناصب الحساسة فيه، إذ تضم عضويته الرئيس ترامب ونائبه ووزيري الخارجية والدفاع ورئيس هيئة الأركان.

         ولقي قرار الرئيس ترامب بتقليص عدد الموظفين استحساناً ودعماً من القيادات المحورية في الحزبين لاعتقادهم أن الإجراء “يرمي لتعزيز الدور التقليدي للمجلس لدعم الرئيس ومجلس الأمن القومي في جهودهم لمناقشة كل ما يخص الأمن القومي” الأميركي؛ بل سيرفع “الرئيس ترامب لمرتبة عليا في السياق التاريخي،” حسبما أفاد بعض الخبراء في الأجهزة الاستخباراتية.

         بناء على ذلك، ستتعزز صلاحيات كل من وزارات الدفاع والخارجية والأمن الداخلي، تحديداً، في بلورة ورسم السياسات المنوطة بها حسب اختصاصاتها دون الاصطدام برؤى موظفي مجلس الأمن القومي.

         فيما يخص الرئيس ترامب بالذات، إن استطاع الفوز بولاية رئاسية ثانية كما هو مرجح، فإنه سيسعى بكل ما يستطيع لتطويع مكتب التحقيقات الفيدرالي ليخدم توجهاته بتعيين كبار موظفيه من الموثوق بهم، نظراً للدور المناهض لترامب الذي تصدره المكتب خلال حملته الانتخابية الماضية وبداية ولايته الرئاسية.

         في هذا السياق، ربما ينجح ترامب بعض الشيء في كبح جماح تسلط ونفوذ جهاز الأف بي آي، بعد ترويضه، وربما ستنعكس مفاعيله ايجابياً على بعض الشرائح الاجتماعية المستهدفة، كالأقليات ولا سيما السود وذوي الأصول اللاتينية.

2020-21-02-التقرير الأسبوعي

مناورات الناتو: مؤشر على تغيّر
موقف ترامب من جدوى الحلف

          لم ينقطع قلق النخب السياسية الأميركية لـ “مستقبل حلف الناتو،” خصوصاً بعد نهاية الحرب الباردة. قلة تطالب بحله وآخرون ذاهبون باتجاه تطويره وتوسيع رقعة تمدده خارج نطاقات مسرحه الأساسي في ألمانيا. وانضم الرئيس الأميركي دونالد ترامب، منذ تسلمه مهامه الرئاسية، للفريق الأول بوصف الحلف بأنه “عفا عليه الزمن،” ليبتز أعضاءه لاحقاً.

تميز المناخ السائد بين تلك النخب وافرازاتها الفكرية والسياسية وحتى العسكرية بالنزعة العدوانية وإظهار “تفوق القوة الأميركية” لردع كل من تسول له نفسه من تحديها عبر العالم؛ نزعة طبعت التخطيط الاستراتيجي الأميركي عقب الحرب العالمية الثانية بشكل ملموس.

وذلك على الرغم من “تواضع الانجازات العسكرية ..  فمنذ الحرب الكورية، لم تنتصر الولايات المتحدة في أي حرب ضد أي عدو، وهذا يكشف عن خلل في التطبيق الفعلي للقوة العسكرية الأمريكية في العالم،” وفق وصف المؤرخ العسكري أندريه مارتيانوف في كتابه فقدان التفوق العسكري، 2018.

رسى قرار المؤسسة الأميركية الحاكمة، بعد تردد البيت الأبيض، على الاستمرار بتوسيع نطاق عمل الحلف ورفده بأعضاء جدد أغلبهم في الدول الاشتراكية السابقة، بولندا مثالاً، وانضمام “دولة الجبل الأسود،” التي يبلغ عديد قواتها المسلحة 2،000 عنصر لا غير؛ ومناشدتهم اوروبيو الحلف لتبوأ مهام عسكرية خارج اوروبا.

حافظ الرئيس الأميركي ترامب على تنويع ابتزازه للدول الأوروبية المركزية، ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، لزيادة انفاقاتها العسكرية مقابل “الحماية الأميركية،” واستجابت لطلبه بعد تردد مما حفز البيت الأبيض على تجديد التزامه بحلف الناتو.

تحدث الرئيس الأميركي هاتفياً مع رئيس حلف الناتو، جينس شتولتنبيرغ، 8 كانون الثاني/يناير، “مطالباً بتوسيع نشاط الحلف إلى الشرق الأوسط؛ ورفد الجهود لمكافحة الإرهاب الدولي.”

في السياق عينه، عقد حلف الناتو “مؤتمر ميونيخ للأمن – 2020” منتصف الشهر الجاري، أثار جدلاً عميقاً بين الأوروبيين بعد خطاب وزير الخارجية الأميركية، مايك بومبيو، بإصراره أن “الغرب ينتصر،” كمحفز دعائي لموازاة توجهات الحلف مع الاستراتيجية الأميركية لمحاصرة الصين وروسيا وإيران.

الأوروبيون من جانبهم استهجنوا فرط تفاؤل بومبيو في تطورات الصراع العالمي، وبرز مصطلح توجه العالم “للإقلاع عن الغرب – Westless،” في أروقة المؤتمر، في محاولة لتحذير الضيف الأميركي فوق العادة.

من جملة ما أبلغ بومبيو الحلفاء أن بلاده “تقاتل إلى جانبكم لبسط السيادة والحرية” في العالم، مما استدعى رفض عدد من القادة الاوروبيين واعتراضهم على زعم واشنطن بصون “سيادة” الدول، وهم المعنيين بالدرجة الأولى للتخلي مكرهين عن سيادتهم.

وأضاف بومبيو في خطابه أن “الغرب الحر على أعتاب مستقبل أكثر سطوعاً مقارنة مع البدائل المناهضة لليبرالية. نحن ننتصر – وننجز ذلك سوياً.”

رصدت وسائل الإعلام تكرار بومبيو لمصطلح “ننتصر” ثماني مرات في خطابه القصير، نعته أحد الاوروبيين بأن بومبيو “كان أقرب إلى زوج يمارس العنف العاطفي ضد شريكته المعتدى عليها،” موضحاً أن اوروبا هي بمثابة الزوجة المعتدى عليها. (نشرة ديفينس وان، 21 شباط).

الاستراتيجية المتجددة لحلف الناتو أوضحها رئيس الحلف، شتولتنبيرغ، 15 كانون الثاني/يناير الماضي، بأن “الولايات المتحدة والناتو تعززان وجودهما العسكري في اوروبا” لمواجهة روسيا والصين. واستطرد مطمئناً أقرانه بأن أميركا تحتفظ بقوات عسكرية في دول أوروبا الحليفة “أكثر من أي وقت مضى منذ انهيار الاتحاد السوفياتي” عام 1991.

الحلف في المفهوم الرسمي الأميركي لم يعد يتلطى بمزاعم وجوده لأسباب “دفاعية،” كما درجت العادة خلال الحرب الباردة؛ بل ارتدى عباءة عسكرية عدوانية تحركها واشنطن لتقويض ومحاصرة روسيا، كما شهدنا بمشاركة بريطانيا وفرنسا في قصف أهداف داخل سوريا.

وأعلن الحلف عن البدء بمناورات عسكرية ضخمة غير مسبوقة، في آذار المقبل، تحت مسمى “المُدافع عن اوروبا – 2020” هي الأكبر والأشمل منذ 25 عاماً؛ ستشارك فيها الولايات المتحدة بقوات إضافية تستقدمها من قواعدها داخل أراضيها، قوامها 20،000 عنصر، تضاف للقوات الأميركية الموزعة في اوروبا ليصل الإجمالي الأميركي إلى نحو 37،000 عسكري، بينما مجموع القوى المشاركة سيبلغ نحو 40،000 عنصر أو أكثر.

القيادة العسكرية الأميركية لأوروبا أوضحت على موقعها الالكتروني الأهداف المضمرة للمناورات الضخمة بأنها “.. ستدعم الأهداف التي حددها حلف الناتو للارتقاء بالجهوزية داخل التحالف ولردع الخصوم المحتملين؛” أي الإعداد لحرب محتملة مع روسيا.

أوضح القادة العسكريون الأميركيون أنه من المرجح أن تصبح مناورت “المُدافع” طقساً سنوياً يعقد مرتين كل عام؛ يتم تدويرها بين أوروبا وفي المحيط الهاديء.

سارع رئيس الحلف شتولتنبيرغ لتبديد مخاوف روسيا بالزعم ان المناورات “..ليست موجهة ضد دولة محددة،” 3 شباط الجاري.

في اليوم التالي، 4 شباط، رد وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، بقوة موضحاً أن “المخاطر والتهديدات التي تواجهها البشرية بلغت ذروتها مستويات لم نشهدها من قبل خلال مرحلة ما بعد الحرب” العالمية.

وشدد لافروف على أن “روسيا سترد على المناورة العسكرية الأميركية في (اوروبا) .. لكنها ستعمد لتفادي أي مخاطر غير ضرورية.”

وزير الخارجية الصيني كان أشد حدة من نظيره الروسي إذ “أدان الغرب لعقليته الباطنية التي تنشد التفوق الحضاري.”

الرد الصيني القاسي كان موجهاً لوزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، لزعمه بأن “مفهوم الغرب لا يحدده مكاناً أو قطعة أرض معينة؛ بل أي دولة (أمة) تتبنى نموذج احترام الحريات الفردية والسوق الحر والسيادة الوطنية. إنها جزء من هذا الفهم للغرب.” مستطرداً أن مفهوم “السيادة يعزز عظمتنا (تفوقنا) الجماعية.”

التقرير الختامي لمؤتمر ميونخ للأمن جاء متسقاً مع توجهات واشنطن العدوانية عبر إشارته الصريحة إلى حق دول الحلف التدخل بالقول “.. في عصر ما بعد الحرب الباردة، تمتعت التحالفات التي يقودها الغرب بحرية التدخل في أي مكان تقريبا؛ وفي معظم الأحيان لقيت تأييداً من مجلس الأمن الدولي.”

ستجري مناورات حلف الناتو التي ستمتد لنحو شهرين بمحاذاة الحدود الروسية وروسيا البيضاء/بيلاروسيا، التي أعرب وزير دفاعها في مينسك، أندريه راكوف، عن قلق بلاده العميق نظراً “لتزايد الحضور العسكري للناتو في دول مجاورة وتضخمه 13 مرة خلال ست سنوات، ارتفع فيها عدد القوات من 550 عنصر إلى 7،000 عسكري، وتضاعفت المعدات العسكرية المختلفة خمس مرات ..”

ولفت وزير الدفاع إلى زيادة الانفاق العسكري لدول الحلف “المجاورة” لبلاده عما كانت عليه سابقاً، منها “بولندا بنسبة 30%، ليتوانيا مرتين ونصف، ولاتفيا ثلاثة أضعاف.”

في المثلث الاستراتيجي بين بولندا وليتوانيا تقع مقاطعة كالينينغراد الروسية، التي كانت جزءاً من أراضي الاتحاد السوفياتي السابق، يعتبرها حلف الناتو “بؤرة روسيا في اوروبا،” نظراً لعدم وجود حدود مباشرة لها مع روسيا الأم.

استضافت المقاطعة 4 مباريات لكأس العالم عام 2018، ويتخذ اسطول بحر البلطيق الروسي من كالينينغراد مقراً لقاعدته الحربية.

ارتبطت كالينينغراد تاريخيا بروسيا منذ عام 1758، ووافق الحلفاء على تبعيتها لروسيا مع نهاية الحرب العالمية الثانية.

تعرضت المقاطعة لاختراق أجوائها والتجسس على القاعدة البحرية الروسية من قبل مقاتلات وطائرات تتبع حلف الناتو “800 مرة خلال عام 2019،” نظراً لأهميتها القصوى واعتبار الناتو لها “تهديداً أمنياً” لأعضائه.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أعرب مراراً عن توجهه لبناء قوة عسكرية أوروبية، بديلة عن حلف الناتو الذي “مات دماغيا،” كانون الأول/ديسمبر الماضي. بيد أن الوقائع العملية تشير إلى ارتهان الموقف الفرنسي وتبعيته التامة لأميركا، أبرزها شن سلاح الجو الفرنسي غارات داخل سوريا دعماً للحليف الأكبر، وستشارك بلاده بفعالية، إلى جانب ألمانيا، في مناورات الحلف المذكورة.

تركيا من جانبها استثنيت من المشاركة في مناورات الحلف الذي تعمّد إشراك جارتها جورجيا في مناورات تجريها قوات المظليين على أراضيها. السبب، على الأرجح، تعبير واشنطن وألمانيا عن ضيق ذرعهما بابتزازات الرئيس التركي اردوغان وإبلاغه بأن الحلف قادر على اجراء مناوراته في المنطقة دون الحاجة لدعم تركيا.

أهداف واشنطن بمحاصرة روسيا وربما افتعال حرب معها لا تتسق بالضرورة مع مخاوف الأوربيين، لا سيما ألمانيا وفرنسا، والخشية الفعلية من انتهاج سياسة عدائية تجاه موسكو. بيد أن القرار النهائي يبقى رهينة لواشنطن وابتزازها الدائم لحلفائها المخلصين.

تجدر الإشارة إلى الطوق العسكري الأميركي المحكم ضد روسيا والصين قوامه 400 قاعدة عسكرية “منتشرة من شمالي استراليا مروراً بمياه المحيط الهاديء وانتهاء بأسيا الوسطى وشرقها؛” ودول أوروبا الشرقية السابقة، فضلاً عن القواعد الأميركية في تركيا.

روسيا أيضا كشفت نوايا الحلف بقيادة واشنطن لاستهداف الصين عبر تصريح للناطق بلسان وزارة خارجيتها، ماريا زاخاروفا، 16 شباط الجاري، محملة الحلف مسؤولية “تصنيف الصين كخطر يهدد البشرية جمعاء .. وتضمنت خطابات مؤتمر ميونخ نزعة لإحياء الطابع الاستعماري/الكولونيالي للغرب ..”

في هذا السياق، ينبغي العودة لجذور السياسة الخارجية الأميركية التي تبلورت مع نهاية الحرب العالمية، بنشر واشنطن “مبدأ ترومان،” عام 1948 الذي ينص على الارتكاز للقوة العسكرية الصرفة في تحقيق الأهداف الأميركية.

وأوضح مُعِد المبدأ ومدير التخطيط السياسي في وزارة الخارجية، جورج كينان، توجه بلاده “إذ ينبغي الإقلاع عن الحديث برفع مستوى المعيشة والدفاع عن الحقوق الإنسانية وتجذير الديموقراطية. الزمن الذي سنضطر فيه لتطبيق القوة العسكرية الصرف ليس بعيدا،” مناشداً صناع القرار بعدم “التقيد بشعارات مثالية.”

بعبارة أخرى، تسعى واشنطن لمنع تعدد القطبية الدولية، نتيجة التطورات الدولية والإقليمية في القرن الحالي؛ ويعتقد ترامب المهووس بعظمة اميركا أنّه سيتمكن من تكريس “القطب الواحد المهيمن على العالم” عبر القوة العسكرية المجردة.

2020-14-02-التقرير الأسبوعي

محنة الحزب الديموقراطي
قيادة تقليدية وقاعدة تقدمية تنشد التغيير

         دشن الحزب الديموقراطي بدء موسم الانتخابات الرئاسية بالاضطراب والبلبلة في واحدة من أصغر الولايات لناحية الكثافة السكانية، أيوا، تلاها اتهامات متعددة لقيادات الحزب المركزية لتدخلها في آلية ونتائج الانتخابات لترجيح كفة مرشحها الأفضل، بيت بوتيجيج على حساب المرشح، بيرني ساندرز، المناهض بشدة لهيلاري كلينتون.

         المؤرخون للانتخابات الأميركية يرجحون دخول الجولة الأولى من الانتخابات لعام 2020 في سجلات التاريخ تحت عنوان “كارثة أيوا الكبرى،” حيث لم تعلن النتائج الرسمية إلا بعد مضي بضعة أيام، مما ترك الباب واسعاً أمام التكهنات بالتلاعب بنتائجها والتي لها ما يبررها وفق المعطيات المتوفرة.

         سنسلط الضوء على الحلقة المركزية المغيبة في الصراع بين قيادات الحزب الديموقراطي وقواعده الغاضبة من سلسلة قرارات خاطئة وأحياناً كارثية، لا سيما في مسائل الحرب ودعم الأولى لموازنات عسكرية غير مسبوقة على حساب تقويض “دولة الرعاية الاجتماعية،” التي ميزت هوية الحزب منذ عقد الستينيات من القرن المنصرم، والموافقة على تمويل جدار ترامب العازل على الحدود المشتركة مع المكسيك.

         الحزب الديموقراطي يتراجع تسانده وسائل الإعلام التقليدية المؤيده له عن مواقفه التاريخية اجتماعياً واقتصادياً، ويتشبث بتوازن القوى الحاكمة بين الحزبين، كأولوية، حتى لو كلفه ذلك خسارة الانتخابات الرئاسية. قد تبدو تلك المسألة صادمة وقاسية، وهي كذلك، لكن هناك ما يبررها في سياق تاريخ الحزب.

         أضحى من ثوابت التاريخ الماضي القريب أن قيادات الحزب وقفت مراراً سداً منيعاً أمام مرشح ديموقراطي قوي يناهض الحرب والإنفاقات العسكرية وكذلك المغامرات الخارجية؛ أبرزها مرشح الحزب عام 1968 يوجين مكارثي الذي عارض استمرار حرب فيتنام بشدة وأسقطه الحزب في مؤتمره العام لصالح “المؤسساتي” ونائب الرئيس الأسبق هيوبرت همفري – وخسر الحزب الانتخابات لصالح الجمهوري ريتشارد نيكسون.

         في الجولة التالية لعام 1972، وفي أوج الاحتجاجات والمظاهرات الطلابية الشاملة ضد استمرار الحرب في فيتنام، تقدم السيناتور جورج ماكغفرن كمرشح للحزب بدعم شعبي كبير، أيضا وفق برنامج مناهض للحرب والخروج من فييتنام. خسر المرشح الانتخابات بنسبة عالية لخصمه نيكسون معبراً عن مرارة خداعه بالقول “فَتحتُ الأبواب على مصراعيها للحزب الديموقراطي، (وكوفئت) بمغادرة 20 مليون شخص،” في إشارة إلى التحاق وتسجيل أعداد كبيرة من الناخبين للحزب الديموقراطي وتأييدها برنامجه الانتخابي.

         في الجولة الراهنة، ضخت وسائل الإعلام كماً هائلاً من التحشيد السياسي لصالح مرشح مرغوب أُطلق عليه التصويت “لأي مرشح باستثناء بيرني” ساندرز؛ وجاءت النتائج المعلنة بالتساوق مع توجهات قيادات الحزب بأن فاز مرشحها بيت بوتيجيج في ولاية محافظة رغم مناهضة جماعيه هناك لميوله الجنسية، فضلاً عن ضحالة خبرته السياسية.

         توالت النتائج تباعاً لتضع بوتيجيج في المرتبة الأولى، وهو الآتي من فريق كبريات الشركات، ماكينزي للاستشارات؛ بينما أرجئت نتائج دوائر الكثافة السكانية الميالة لساندرز لوقت لاحق، لا سيما في محافظة العاصمة دي موين. وتضاربت النتائج لاحقاً مما حفز يومية نيويورك تايمز توصيف العملية الانتخابية التي أشرف عليها الحزب الديموقراطي بانها “مصابة بالتناقض والأخطاء .. ومزقتها الثغرات.”

         “التناقض والاخطاء” في إدارة العملية الانتخابية دفعت رئيس الحزب، توم بيريز، المختار شخصيا من الرئيس أوباما، إلى مطالبة لجان الولاية الحزبية “بإعادة الحسابات على الفور؛” ما لبث أن ناقض نفسه بعد نحو 10 ساعات قائلاَ أن ما يريده هو “إعادة تقييم جراحية للدوائر (الانتخابية) التي شهدت ثغرات.”

         ستقترن سمعة ولاية أيوا ليس بالاضطراب والبلبة فحسب، بل بشركتي “آكرونيم و شادو Acronym & Shadow،” اللتان انتجتا وسوقتا البرنامج الالكتروني لنقل نتائج تصويت الدوائر الانتخابية عبر برنامج يطبق على الهاتف. والنتيجة “تعطل” شامل أصاب شبكتي الهاتف المحمول وبرنامج التطبيق معاً.

         تجدر الإشارة إلى أن تارا ماكغووان Tara McGowan، إحدى مؤسسي شركة “آكرونيم،” هي زوجة مايكل هالي، المستشار السياسي للمرشح بوتيجيج. ويضم مجلس إدارة الشركة المدير السابق لحملة الرئيس أوباما الانتخابية، ديفيد بلوف David Plouffe. أما شركة شادو فلديها عقد عمل مع حملتي بوتيجيج وبايدن الانتخابيتين منذ عام 2019.

         من ضمن ما أشّرت عليه تجربة ولاية أيوا ليس انكشاف آليات التزوير المتطورة والمعقدة فحسب، بل تقادم لوائح النظام الانتخابي التي بلورتها قيادات الحزب في عقد الثمانينيات من القرن الماضي، نتيجة هزيمتها المدوية بخسارتها الانتخابات أمام الجمهوريين رونالد ريغان وجورج بوش الأب لعقد ونيف.

         بلور “المجلس الديموقراطي القيادي” خطة عمل جديدة هي أقرب للتماثل مع برامج الحزب الجمهوري المنافس، وابتعاداً تدريجيا وحاسماً عن قيم الحزب الليبرالية وحماية العمال والأقليات.

طبقت بنود الخطة بمجرد نجاح الرئيس الأسبق بيل كلينتون، تجلت أبرز ملامحها في “.. قصم ظهر النقابات العمالية،” عبر اتفاقية “نافتا” للتجارة الحرة في أميركا الشمالية، التي صادقت عليها أميركا وكندا والمكسيك عام 1993، ودخلت حيز التنفيذ عام 1994.

كذلك طبق الحزب الديموقراطي سياسة “السجن الجماعي Mass Incarceration” وضغط باتجاه تشدد القضاء في قرارات الحجز والاعتقال، تيمناً ببرنامج الخصم الجمهوري تحت عنوان مخادع لمكافحة تصاعد موجات العنف في المدن الأميركية الكبرى. كما صادق الكونغرس عام 1994 على” قانون الإجرام،” أتبعه الرئيس كلينتون بالموافقة على تأسيس شركة عامة إعلامية ضخمة، كلير تشانيل، عبر قانون الاتصالات اللاسلكية لعام 1996، أولى نتائجها ترجيح كفة الخصخصة وخسارة عمال وموظفين لمصادر رزقهم.

يشار إلى أن الشركة المذكورة، ومقرها في سان أنطونيو بولاية تكساس، قدمت طلباً للحماية من الإفلاس وفق المادة 11 من قانون التصفية، في آذار 2018، بعد مراكمتها لجبل من الديون فاق 20 مليار دولار.

لعل الأبرز في خطة الحزب الديموقراطي الجديدة مصادقة البيت الأبيض في عهد الرئيس كلينتون على تعديل قانون إصلاح الرعاية الاجتماعية لعام 1996، عام انتخابات رئاسية أيضاً؛ مما قوّض شبكة الحماية والرعاية لذوي الدخل المحدود – وهو مطلب ثابت لدى الخصم الجمهوري.

استكمل الرئيس باراك أوباما هجوم حزبه على القيم الليبرالية للحزب الديموقراطي بانتشاله كبريات الشركات المصرفية والمضاربات المالية في وول ستريت من الإفلاس، 2008، تحت شعار مخادع “أنها شركات ضخمة لن يسمح بإفلاسها.”

جدير بالتذكير أن ولايتي الرئيسان الديموقراطيان، بيل كلينتون وباراك أوباما، شهدتا تصعيداً لعدوان وغزو عسكري أميركي متعدد الأوجه والساحات: العراق وحصاره الشهير ومن ثم تدميره، السودان، الصومال، ليبيا، سوريا واليمن؛ والانقلابات في تونس ومصر.

كما تميزت ولايتيهما بتعزيز “دولة الأمن القومي،” بزيادة الاستثمار في قوات الشرطة الداخلية وتسليحها تسليحاً حربيا، وإطلاق الرئيس أوباما العنان للتجسس الداخلي على الأميركيين، ضمن سياق محاباة الأجهزة الأمنية وتحكمها في مفاصل الحياة اليومية. وعلى الرغم من ذلك، لم يتوانى الرئيس أوباما ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون عن التشدق بالديموقراطية الأميركية، وتغيير الأنظمة غير الموالية لسياسات واشنطن.


ماذا بعد أيوا

نصت اللوائح الداخلية للحزب الديموقراطي على اعتماد 3،979 مندوباً كمجموع عام موزعون على كافة الولايات وفق حسابات الكثافة السكانية والتمثيل؛ ويحتاج المرشح تأييد 1،991 مندوباً، على أقل تعديل، للفوز بترشيح الحزب له.

يتضمن المجموع العام عدداً محدداً من المندوبين غير المنتخبين، وهم عبارة عن شخصيات نافذة ومسؤولين حاليين وسابقين، يجري التعامل معهم وفق توجهات الحزب المركزية لدعم مرشح بعينه.

تعتبر ولاية كاليفورنيا الجائزة الأكبر في عدد المندوبين، 494، بضمنهم 416 مندوباً منتخباً، والباقي تحدده لجنة الحزب المركزية في الولاية. وعليه، تتجه أنظار كافة المرشحين للتركيز عليها لأهميتها المحورية في رسم مسار النتائج المقبلة.

البيانات الأولية في كاليفورنيا تشير إلى تربع المرشح بيرني ساندرز في المرتبة الأولى، بتأييد نحو 29% من المجموع العام.

في سياق الانتخابات التمهيدية للحزب الديموقراطي دخل مصطلح الانتخاب الجماعي في يوم واحد، الثلاثاء سوبر، تم تحديده يوم 3 آذار المقبل، تعقد فيه 14 ولاية انتخاباتها لاختيار مندوبيها للمؤتمر العام، 1344 مندوب، بما يشكل نحو ثلث المجموع العام.

سردية الحزب الديموقراطي الراهنة صنفت المرشحين بين تيار “يسار متطرف أو اشتراكي” والتيار الوسطي العام. الأول يمثله بيرني ساندرز واليزابيث ووران، والثاني ممثل بالمرشحين بيت بوتيجيج، جو بايدن وآيمي كلوبوشار. يراهن الحزب على بيت بوتيجيج، كمرشح أول، والملياردير مايك بلومبيرغ، كمرشح احتياط.

ما يعزز تلك الفرضية تعديل اللجنة المركزي للحزب لوائحها الداخلية الصارمة حول استيفاء المرشح لشروط المشاركة في دورات النقاش العام بين المرشحين، وصياغتها الجديدة لتفتح مجال المشاركة أمام بلومبيرغ الذي باستطاعته إنفاق “4 – 5 مليار دولار” من ماله الخاص؛ وأنفق ما ينوف عن 300 مليون دولار للحظة على إعلانات متلفزة.

يشير التاريخ السياسي لانتخابات الحزب الديموقراطي إلى إمكانية عدم حصول مرشح معين على الحد الأدنى من مجموع المندوبين خلال انعقاد المؤتمر العام، مما يبرز تحدياً للمضي بجولات انتخابية متتالية لحين استيفاء شروط اللائحة الداخلية.

سبق للحزب أن خبر تجربة الجولات الانتخابية عام 1952، التي اسفرت عن فوز المرشح أدلاي ستيفنسن بعد ثلاث جولات.

يرجح المراقبون أن تتكرر تجربة عام 1952 في الجولة المقبلة، خاصة عقب بلبلة الجولة في ولاية أيوا؛ ولا يزال 11 مرشحاً للمنصب أحدثهم الملياردير مايك بلومبيرغ.

رئيس لجنة الحزب الديموقراطي السابق في ولاية نيو هامبشير، كريس سبيرو، أعرب عن خشيته من “اضطرابات” جديدة في المؤتمر العام “لا سيما وإن دخول (مايكل) بلومبيرغ الحلبة يعزز فرصة مؤتمر عام منقسم،” مما يضطره لعقد دورة انتخابية إضافية، وربما أكثر.

حينئذ، حسبما أوضح سبيرو، قد يتدخل الرئيس السابق أوباما، بصفته مندوباً فوق العادة، بالسعي للتوصل إلى إجماع مركزي حول مرشح بعينه.

2020-7-02-التقرير الأسبوعي

المقدمة      

         أخيراً اغلقت واشنطن الرسمية ملف عزل الرئيس وحسم مجلس الشيوخ الجمهوري الأمر بتبرئة ترامب، من لائحة التهم الموجهة – أما البراءة الصريحة فهي مسألة برسم فقهاء القانون الدستوري؛ سرعان من سخر ترامب نتائجها بمهرجانات لتجديد الهجوم على خصومه السياسيين.

         في غضون ذلك، أعلن سلاح البحرية في وزارة الدفاع الأميركية عن دخول سلاح نووي “منخفض الطاقة” الخدمة الفعلية ونشره على متن صواريخ باليستية تطلق من الغواصات.

         سيستعرض قسم التحليل آفاق الإعلان الأميركي وخطورته على البشرية جمعاء.

ملخص دراسات واصدارات مراكز الابحاث

الانفاق العسكري الأميركي

         أثنت مؤسسة هاريتاج على سياسات الرئيس ترامب بزيادة مخصصات ميزانية البنتاغون “وشهدت السنوات الثلاث الأخيرة نمواً جيداً في القوات والمعدات العسكرية،” مما دفع ترامب للإعلان بأن “تم انجاز إعادة بناء قواتنا بشكل تام.” وأوضحت بأن ذلك انعكس على تعزيز الجهوزية في القوات البرية بمعدل 55% “.. لكن لا يزال أمامنا مهام ينبغي إنجازها لإعادة بناء القوات الأميركية بصورة تامة؛ مما يتطلب تخصيص استثمارات إضافية.” وأعربت المؤسسة عن ثقتها بقرار الرئيس ترامب انشاء قوة فضائية التي من شأنها “إتاحة الفرصة (للبنتاغون) تركيز جهودها بشكل أكثر فعالية على هذا المضمار الحيوي.”

https://www.dailysignal.com/2020/02/04/live-reaction-to-trumps-state-of-the-union-address/?utm_source=rss&utm_medium=rss&utm_campaign=live-reaction-to-trumps-state-of-the-union-address#headline2

         أقر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بفشل خطة البنتاغون لإنجاز “اسطول من السفن الحربية المسيّرة ذاتياً للقرن الحادي والعشرين.” وأوضح أن جملة تحديات اعترضت بلوغ الهدف منها “رفع سقف السفن المسيّرة إلى 355 وتقليص الميزانية المطلوبة” أسهمت في عدم بلورة الهيكلية المطلوبة لذلك، وإرجاء الإعلان عن تركيبة الهيكلية إلى فصل الربيع عوضاً عن شهر كانون الثاني/يناير الماضي.” أما بشأن تداعيات ذلك، وفق المركز، فإن سلاح البحرية سيعاني من قدرته على بلورة وصياغة ميزانية الدفاع للعام 2021.

https://www.csis.org/analysis/spectacular-public-collapse-navy-force-planning

خطة ترامب “للسلام”

         أكد معهد واشنطن “الأهمية العالية لخطة السلام الأميركية من وجهة نظر الحكومة الإسرائيلية .. لا سيما وأن إدارة ترامب لن تستمر بتعديل بنود الخطة مع كل رفض من الجانب الفلسطيني؛” وذلك في سياق دراسته للمقارنة بين خطة ترامب بالمبادرات الأميركية السابقة “عندما يتعلق الأمر بمسائل الوضع النهائي: الحدود والقدس، الأمن واللاجئين؛” موضحاً أن خطة ترامب لا “تستند إلى الخط الأخضر كنقطة مرجعية .. وأضحت مسالة تبادل الأراضي الآن موضع جدل؛ مما سيزيد حصة إسرائيل في الضفة الغربية من 8% إلى 31%.” أما القدس “فستبقى عاصمة لإسرائيل وسيتم التنازل عن قسم كبير من المدينة لصالح إسرائيل، وبسط سيادتها على 294،000 فلسطيني في القدس الشرقية.” ويمضي التقرير بالقول فإن “الانفتاح المبدئي للدول العربية على الخطة كنقطة انطلاق، قد يحث الفلسطينيين على الاعتراف بأن الزمن ليس في صالحهم.”

https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/continuity-vs.-overreach-in-the-trump-peace-plan-part-1-borders-and-jerusal

         اعتبرت مؤسسة هاريتاج رفض الفلسطينيين لخطة ترامب بأنه “فرصة مهدورة،” مستدركة أن ما تناولته الخطة يعبر عن “رؤية ترامب للسلام والتي هي الأكثر ميلاً للموقف الإسرائيلي من أي خطة أميركية سابقة على الإطلاق.” وأضافت أن “رؤية ترامب تنطوي على مكاسب هامة للفلسطينيين: بناء دولتهم مدعومة بـ 50 مليار دولار لتطوير المناطق الفلسطينية  وأخرى في الدول العربية المجاورة.”

https://www.heritage.org/middle-east/commentary/palestinians-miss-opportunity-rejecting-trump-peace-plan

تركيا في ليبيا

         اعتبر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية تحرك الرئيس التركي نحو ليبيا بأنه أتى نتيجة “تحقيق جزئي لأهدافه في سوريا، المتمثلة في إنشاء حزام أمني في الشمال الشرقي منها.” وأضح أن تدخله في “الأزمة الليبية المعقدة كان ثمرة عدد من العوامل: تساوقها مع سياسته الخارجية الاستباقية لتوسيع دور تركيا في المنطقة؛ ورفع مكانة تركيا على المسرح الدولي” كلاعب مؤثر في الأحداث.

https://www.csis.org/analysis/erdogans-libyan-gambit

إيران

         حث المجلس الأميركي للسياسة الخارجية صناع القرار على إدامة التيقن من “استفزاز إيران المقبل المتوقع؛ وما إذا استعدت واشنطن لما قد يأتي لاحقاً في ظل تركيزها على تشديد الضغوط الاقتصادية على طهران.” ونبه أقرانه إلى الدور المتنامي لمجلس صيانة الدستور في إدارة البلاد “ورفضه استيفاء نحو ثلث أعضاء البرلمان شروط الترشح للانتخابات المقبلة، مما يعني عدم رغبته في صعود شخصيات إصلاحية بالإضافة لسعية تطهير البرلمان من أعضاء يعتبرهم معتدلين زيادة عن اللزوم.”

https://www.afpc.org/publications/articles/washington-needs-to-anticipate-irans-next-provocation

 

التحليل

واشنطن: سلاح نووي جديد

يعزز إمكانية لجوئها للخيار النووي

خبر مقتضب صدر عن البنتاغون يؤكد تجديد واشنطن توجهها لسباق تسلح نووي، بتزويد غواصاتها سلاحاً نووياً “جديدا” اعتبرته حيوي لمواجهة  “التهديد الذي تشكله الترسانة الروسية؛” بينما العالم بأكمله يزداد اضطراباً وقلقاً.

أعلنت وزارة الدفاع الأميركية، 4 شباط الجاري، عن نشرها “سلاحا نوويا منخفض القوة” ينطلق من الغواصات، قوته نحو 5000 طن، يعادل تفجيره ثلث نطاق دمار القنبلة النووية التي أسقطتها واشنطن على مدينة هيروشيما في آب 1945.

وكيل وزارة الدفاع، جون رود، أوضح أن “البحرية الامريكية نشرت رأساً صاروخياً من طراز W76-2، السلاح النووي الجديد، نموذجاً معدلاً من الرأس الحربي W76-1 الموجود سابقاً،” يستخدم لتسليح غواصة تطلق صواريخ Trident II : D-5، وبالتالي فإن السلاح الجديد لا يضيف إلى إجمالي عدد الأسلحة النووية في الولايات المتحدة؛ وذلك بحسب تقرير لشبكة سي ان ان (5 شباط الجاري).

من أبرز خصائص “السلاح الجديد” قدرته العالية على “اختراق أهداف في عمق الأراضي التي لا تستطيع الطائرات (القاذفة) الحالية القيام بها باستخدام أسلحة نووية ذات مردود منخفض،” وفقاً للأستاذ في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، فيبين نارانغ Vipin Narang .

الترسانة الأميركية النووية المماثلة تتضمن صواريخ برؤوس حربية نووية أشد فتكاً ودماراً: نموذج W76-1 تبلغ قدرته التدميرية 90،000 طن؛ والنموذج W88 بقوة تدميرية تعادل 455،000 طن، لاستخدامه في استهداف التحصينات الأرضية.

كما تتضمن الترسانة “عدد كبير من الرؤوس النووية أحد مزاياها أنها منخفضة الطاقة – نحو 1000 رأس؛ تشمل صواريخ باليستية نووية تطلق من القاذفات الاستراتيجية ب-52، وقذائف ب-61 النووية الحرارية (دون جهاز توجيه) ومقاتلات تكتيكية.” (دراسة لاتحاد العلماء الأميركيين، 29 حزيران 2017).

إعلان وزير الدفاع يأتي ثمرة وثيقة أصدرتها البنتاغون، تقرير استعراض الموقف النووي لعام 2018، دعا فيها إلى “توسيع خيارات الولايات المتحدة النووية المرنة الآن، لتشمل خيارات منخفضة العائد، وهو أمر مهم للحفاظ على ردع موثوق به ضد العدوان الإقليمي. إنه سيساعد على ضمان ألا يدرك الخصوم المحتملون أي ميزة ممكنة في تصعيد نووي محدود”.

توسيع القدرات النووية المنخفضة القوة، كما في توصيات التقرير، تلاها سلسلة تصريحات تفيد بأن واشنطن ستجري تعديلا على عدد محدود من الرؤوس الحربية الموضوعة على متن صواريخ باليستية تنطلق من الغواصات بذخائر منخفضة القوة كجزء من برنامج مدته 5 سنوات بقيمة 50 مليون دولار، تحمل كل غواصة عدد قليل من هذه الصواريخ الجديدة، ومسلحة بشكل أساسي بصواريخ استراتيجية بعيدة المدى.

فريق إشعال الحروب في المؤسسة الأميركية يبرر وجهة نظره بأن تحميل تلك الذخيرة النووية، W76-2، على متن طائرات مقاتلة قد يعرضها للاعتراض قبل اختراقها نظم الدفاعات الجوية الروسية المتطورة؛ بيد إن نشرها على متن غواصات مزودة بصواريخ باليستية من طراز “ترايدنت Trident” في أعماق البحار يشكل ضمانة أعلى لوصول السلاح لأهدافه.

إن نشر رؤوس حربية نووية منخفضة القوة يشكل مدخلاً رئيساً في مفهوم ما يسمى بالحرب النووية الصغيرة، وفق علماء الطاقة والأسلحة النووية، والتي بموجبها يمكن للولايات المتحدة استخدام الأسلحة النووية ضد أي دولة في النزاعات المحلية.

أصدرت الهيئة الوطنية للأمن النووي، التابعة لوزارة الطاقة الأميركية، تقريرها للكونغرس بعنوان إدارة مخزون الترسانة وخطة الإدارة، تموز/يوليو 2019، شددت فيه على مزايا “الذخيرة النووية منخفضة الطاقة W76-2” بأنه سيكون “بالمستطاع تصميم رد يردع والتحكم به وفق التهديدات الناشئة .. وتوفير قدرات مضمونة (للولايات المتحدة) للرد بالمثل على أي نوع من هجوم بالأسلحة النووية منخفضة الطاقة.”

https://www.energy.gov/sites/prod/files/2019/07/f65/FY20SSMP.pdf

تجدر الإشارة إلى العقيدة العسكرية التي بلورتها واشنطن واستمرت التشبث بها قوامها “التصعيد لخفض منسوب التصعيد،” كجزء من استراتيجيتها الكونية ووحدانية القطبية، ورفضت بشدة مناشدة القوى الدولية التعهد “بعدم اللجوء لاستخدام الأسلحة النووية” كخيار أول. بينما أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عدم استخدام بلاده الأسلحة النووية في سياق حروب استباقية (محطة أوروبا الحرة الإذاعية، 19 تشرين الثاني/نوفمبر 2018).

بالمقابل، يدرك الطاقم الاستراتيجي الأميركي امتلاك كل من روسيا والصين مفاتيح علم الفيزياء الخاص بأسلحة نووية منخفضة الطاقة، وربما ذهبتا بعيداً في انتاجها. وعليه، وفق المنطق أعلاه، ينبغي بلورة رد أميركي رادع في حال استخدمت روسيا ذاك السلاح في سياق نزاع عالمي على ضوء عدم توفر سلاح مماثل في ترسانة واشنطن.

حينئذ، رسى الأمر على خيار نشر أسلحة نووية منخفضة الطاقة تطلق من على متن غواصات في أعماق البحار لخاصيتها في التخفي واستهداف مناطق استراتيجية لدى الخصم والتغلب على منظوماته المتطورة للدفاع الجوي.

خبراء الأسلحة النووية، في الجانب الأميركي، لا يستبعدون تسخير واشنطن تلك الترسانة في مواجهة أقل كلفة مع إيران وكوريا الشمالية “لا ينجم عنها اضراراً جانبية،” مقارنة بالخيار النووي التقليدي.

ويرجحون أيضاً امتلاك “إسرائيل” أسلحة نووية رديفة لما توفره من إغراء ناجم عن قدرة تفجيرية محدودة نسبياً وانتشار اشعاعات نووية أقل نطاقاً.

احتمالات الخطأ

أجهزة الرصد والاستشعار للأسلحة النووية، عند القوتين العظميين، تخفق في التمييز بين مقذوف نووي “منخفض الطاقة” أو رأس نووي تقليدي أشد تدميراً. مناوئو الخيار النووي في الولايات المتحدة يستندون إلى الحقيقة التقنية أعلاه للدلالة على ارتفاع منسوب اشتباك الدولتين نتيجة سوء تقدير يحتم على الخصم الروسي إطلاق هجوم معاكس كبير يؤدي إلى كارثة بشرية غير مسبوقة.

ضابط الأسلحة النووية في سلاح الجو الأميركي السابق، بروس بلير، وبحكم عمله ومعارضته لاستخدام الأسلحة النووية حذر من “حملة التضليل الذاتي مفادها استسهال استخدام الأسلحة النووية منخفضة الطاقة في نزاع مقبل (مشدداً على أن) أي استخدام لذاك السلاح المنصوب في عباب البحار سيعزز اشعال نار الصراعات وتصعيد وتيرتها الى حرب نووية شاملة.”

وناشد بلير صناع القرار بالإحجام عن الرد بالمثل النووي، ان تعرضت القوات الأميركية لعدوان، واللجوء عوضاً عن ذلك إلى تسخير ترسانة الأسلحة التقليدية الهائلة وقدراتها التدميرية الفائقة.

تدرك الولايات المتحدة أن إدامة هيمنتها ونفوذها على العالم لا يتأتى إلا بالقوة العسكرية الصرفة والتهديد بها؛ والعالم بأجمعه أضحى متيقناً أنه ليس بوسعها معالجة التحديات العالمية بالوسائل السياسية ودوماً تلوح باستخدام أسلحة دمار شامل. السلاح النووي هو ما جربته سابقاً وقد تلجأ إليه في مرحلة وظروف معينة، ضد أهداف استراتيجية محمية بشدة في باطن الأرض؛ لذا طوعت العلم لتطوير ذخيرة نووية منخفضة الطاقة بوسعها تدمير التحصينات، أدنى مرتبة من شن حرب نووية شاملة – نظرياً. لكنها تخشى الرد، ليس من روسيا فحسب بل الصين وكوريا الشمالية وربما إيران.

2020-24-01-التقرير الأسبوعي

عين الأسد نموذجا: انكشاف التضليل

والتستر على الخسائر الأميركية  

“البنتاغون والبيت الأبيض يزيفان واقع الحرب (الأفغانية) لعقدين من الزمن،” هو ما جاء في عنوان صادم لصحيفة واشنطن بوست، 9 كانون الأول/ ديسمبر 2019، على خلفية تقرير مطول لها استند إلى “مخزون هائل من الوثائق العسكرية السرية” حصلت عليها الصحيفة ضمن ما أطلقت عليه “أوراق أفغانية،” تيمناً بوثائق فيتنام السرية التي سربها تباعاً موظف البنتاغون دانييل ألسبيرغ، حزيران 1967، لصحيفة نيويورك تايمز.

          وكشف التقرير الصحفي عن تواطؤ القيادات العسكرية العليا بالضغط على “القادة الميدانيين لكتابة تقارير تركز على نجاح (الغزو) وتقليل عدد القتلى الأميركيين وزيادة أعداد قتلى طالبان.”
منذ القصف الصاروخي الذي تعرضت له القوات الأميركية في قاعدة عين الأسد، 8 يناير الجاري، لحين إعداد التقرير بين أيديكم، 24 يناير، قفز عدد “الجنود المصابين” تدريجياً “9، 11، 18 إلى 34” يتلقون العلاج في مستشفيات عسكرية متخصصة عقب تعرضهم لما وصف بإصابات الدماغ الرضيّة. تبجّح ترامب بعد انتظار بأن القصف الصاروخي الإيراني لقاعدة عين الأسد  أسفر عن أضرار مادية طفيفة  و بأن قواته “لم تتعرض لخسائر بشرية،” وبعد اضطرار البنتاغون للاعتراف بإصابات، أصرّ ترامب بأن تلك الإصابات هي “أوجاع بالرأس .. ليست جدية بالمرة.”

         وسارع وزير الدفاع، مارك اسبر، للجزم بعد القصف الصاروخي بأنه “لم يسفر عن أي خسائر بشرية، أو خسائر في صفوف القوات الصديقة، سواء كانوا جزءاَ من التحالف الدولي أو المتعاقدين وما شابه.”

         نكران الرئيس ترامب يتماشى مع السياق التاريخي للاعتداءات الأميركية على الدول الوطنية عبر العالم، يعبر عن تقليد مركزي متبع للمؤسسة العسكرية وامتداداتها الإعلامية لاعتبارات حساسية الرأي العام الأميركي، بالدرجة الأولى، لضمان تأييده للحروب ورفدها المتواصل بالعنصر البشري المطلوب. وفي البعد الاستراتيجي، تمارس المؤسسة التضليل لإبقاء الصناعات العسكرية ومشتقاتها تستفيد من استمرار الحروب التي تدر عليها أرباحاً مالية.

         خلال الحرب والعدوان الأميركي على فيتنام، ومن ثم أفغانستان والعراق، دأبت المؤسسة الإعلامية الضخمة التمسك بالسردية الرسمية والإكثار من “الانتصارات الميدانية،” لضمان الدعم الشعبي وأفراد القوات المسلحة على السواء. الخسائر الرسمية في فيتنام، مثلاً، اقتصرت على “بضعة آلاف،” ما لبث أن تكشفت الأرقام الحقيقية التي بلغت 30،000 قتيل أسهمت حينئذ الإطاحة بالرئيس جونسون عام 1968؛ وارتفع عدد القتلى إلى نحو 60،000 جندي قبل أن تضع الحرب أوزارها.

         الجنرال الفيتنامي الأسطوري، فو نوين جياب، أوضح أن بلاده خسرت ما لا يقل عن 500،000 جندي، بين الأعوام 1964 -1969، على طريق تحرير البلاد، والتي تخللها “هجوم تيت” الشهير بخسارة صافية للقوات الأميركية ارتكبت على أثرها مذبحة في “قرية ماي لاي،” التي راح ضحيتها 504 من سكانها المدنيين.

         بالعودة “لتصنيف” الرئيس ترامب المخالف للقواعد العلمية، اعتمدت المؤسسة العسكرية أسلوب النكران ووسم المشتكي من أعراض الإصابات الدماغية بأوصاف مهينة يضطر لكتم معاناته أمام زملائه والتي سرعان ما تتفشى وتتفاقم، دفعت لارتفاع معدلات الانتحار إلى نحو 20 مجنداً يومياً، وفق احصائيات وزارة المحاربين القدماء لعام 2018.

         أوضحت دراسة أُجريت على أفراد القوات المسلحة، 2017، أن المؤسسة العسكرية لم تتخذ خطوة واحدة باتجاه اجراء فحص روتيني للكشف عن طبيعة الإصابات الدماغية، وتركت حرية التصرف بيد “القيادات الميدانية لتحديد موعد عودة الجندي للخدمة الفعلية، عوضاً عن تقييم الطواقم الطبية المختصة.” وعليه، لم تدون العديد من الإصابات بين صفوف المجندين في الحال.

         كُشف مؤخراً عن حجم المصابين بالصداع أو الارتجاج الدماغي بأزيد من 400،000 مصاب منذ بدء “الحرب على الإرهاب،” 2001. وأوضحت النشرة العسكرية المختصة ميليتاري تايمز، 22 يناير الجاري، أن الأرقام الحقيقية “على الأرجح أعلى من ذلك بكثير.”

         يشار على أن البيانات والإحصائيات الرسمية لا تشمل قتلى المتعاقدين مع القوات العسكرية، بعضهم طمعاً في الحصول على الجنسية الأميركية، إضافة لموظفي الشركات المحلية والمقاولين الذين يوفرون خدمات خاصة كتوريد الطعام وطهيه وأمور لوجستية أو خدماتية أخرى.

         وأوردت النشرة ملخص رسالة الكترونية لزوجة أحد المصابين، بلير هيوز، قولها “أن من جملة الإصابات التي تعرض لها زوجي (جندي مشاة في العراق) فإن متلازمة رضْخ الدماغ (الارتجاج) لها أكبر الأثر في تغيير نمط حياتنا اليومية .. القيادة العسكرية أخطأت في تشخيص حالته منذ 12 عاماً ودأبت على إعادة إرساله للميدان المرة تلو الأخرى؛” ظهرت أعراضها بتغيير سلوكي ملحوظ وفقدان الذاكرة وصعوبات التأقلم مع متطلبات الحياة اليومية.

         المؤسسة البحثية الأميركية المرموقة، مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها، اعتمدت تعريفاً نموذجياً لارتجاجات الدماغ بأنها “تعطيل لوظائف الدماغ العادية التي قد تسببها عثرة أو ضربة أو هزة للرأس، أو إصابة تخترق الرأس.”

         الأهمية المعلقة على التصنيف العلمي لتلك الإصابات أنها ستفرض نفسها على آليات التعاطي ومعالجة المؤسسة العسكرية ومشتقاتها، وزارة المحاربين القدامى، بوتيرة أكثر جدية وإن ليس بشرط تسريع سبل المعالجة.

         الارتفاع التدريجي للإصابات بين القوات العسكرية الأميركية لم تحفز البنتاغون لتقديم سردية مغايرة لروايتها الأولى حول إصابات عين الأسد، وبررت تصريحاتها الأولى بأنها “كانت نتيجة تقييم القيادات الميدانية آنذاك. عوارض الارتجاج ظهرت بعد عدة أيام من الحادث وتم معالجة المصابين بدافع الحذر الشديد.”

         الإعلان الأميركي شبه الفوري بعدم وقوع إصابات بشرية بين صفوف قواته وفر للرئيس ترامب مساحة ضيقة للمناورة السياسية وتهدئة نزعات الثأر والعدوان المتأصلة في البنى السياسية والعسكرية، والتي كادت أن تقود لاندلاع حرب مع إيران، ومنحته أيضاً “ذخيرة سياسية” لتهميش تهديد إيران الصاروخي للمصالح الأميركية.

         المؤسسة العسكرية الأميركية ومصالحها المتشعبة الضخمة ثابرت على الضخ بمعلومات هادفة لتضخيم “الخطر الإيراني،” لا سيما في العراق. أحد إصدارات البنتاغون، 4 نيسان 2019، زعم أن إيران تسببت في مقتل “603 جنود أميركيين على الأقل .. ما يعادل قتيل من بين ستة قتلى خلال العمليات العسكرية في العراق؛ أي 17% من مجموع القتلى الأميركيين بين أعوام 2003-2011.”

         “نحن لا نغزو بلداناً فقيرة لكي تغتني،” كانت جزءاً من تصريح للمبعوث الرئاسي الأميركي لأفغانستان، جيمس دوبينز، 11 يناير 2016، مخاطباً المفتش الحكومي العام لأفغانستان.

         ومضى الديبلوماسي المخضرم موضحا “المهمة الأميركية” في العالم “بأننا لا نغزو دولاً استبدادية لبسط الديموقراطية عليها. بل نغزو دولاً تتسم بالعنف لتعزيز التعايش السلمي ..”

         المحرك الأساسي للدعم الشعبي لاستراتيجيات الغزو الأميركية المتتابعة كان ينصب على تحديد “مصدر تهديد مباشر لأمن” البلاد؛ والذي أسهم في التحاق وانخراط أعداد كبيرة من الشباب المقاتل في صفوف القوات المسلحة، إثر أحداث تفجيرات 2001.

         وعددت يومية نيويورك تايمز، 2002، مزايا الخلفيات الثقافية والاجتماعية للمنتسبين بتوفر “مستوى تعليم ابتدائي عالي الجودة” أثرى المهام القتالية المعقدة.

         بعد توافد جثث الجنود الأميركيين من العراق، لا سيما عام 2005، اعترفت المؤسسة العسكرية بتراجع كبير في الكفاءات والاعداد البشرية للمتطوعين، وسمحت القيادات السياسية انضمام مهاجرين لم يستوفوا شروط الإقامة “القانونية” والالتحاق بالقوات المسلحة مقابل مرتبات مالية مجزية ووعود بتسوية أوضاعهم القانونية، وقلصت الشروط التعليمية المطلوبة كوسيلة إغراء إضافية.

         لا تزال المؤسسة العسكرية تعاني من نقص بشري لرفد قواتها العاملة مما دفع يومية يو اس ايه توداي، أب 2017، التعليق بأن تلك المعضلة حفزت المسؤولين العسكريين اللجوء لحيل مختلفة منها فتح باب التجنيد أمام من له “تاريخ جنائي أو المعاناة من اضطراب ثنائي القطب والاكتئاب وتعاطي المخدرات والكحول ..” وأوضح عدد من المنابر الإعلامية الأميركية سوء الحالة الصحية للقادمين من الولايات الجنوبية، بسبب تدني الدخل، وتدهور فترة التدريب على القتال وزيادة معدلات الجرائم بين صفوف الجنود.

         عند الأخذ بعين الاعتبار بعض العوامل المذكورة أعلاه، والبيانات الرسمية التي يتم تسريب بعضها بين آونة وأخرى، عن تدني الحالة والجهوزية القتالية، وانكفاء المؤسسة العسكرية عن الوفاء بالتزاماتها لأهالي وأسر المجندين، يستطيع المرء فهم الاساليب الملتوية المعتمدة للتغطية على الأوضاع المأساوية الحقيقية دون إنجازات تذكر، والافراج عن أعداد الضحايا “بالتقسيط” خشية ردود فعل شعبية غاضبة.

الكشف عن معلومات حول مقتل أفراد من القوات العسكرية العاملة في الخارج يشكل تهديدًا للبنتاغون التي تنتشر وتنفذ عمليات في مختلف أنحاء العالم، لا سيما بين صفوف القوات الخاصة الموكلة بمهام سرية منذ عام 1952.